المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بعد أن حذر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم - تفسير الشعراوي - جـ ١

[الشعراوي]

الفصل: بعد أن حذر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم

بعد أن حذر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم لا تنفع فيه الشفاعة. أراد أن يذكرهم بفضله عليهم وبنعمه. قوله تعالى: «إذ» هي ظرف لشيء وسبق أن قلنا أن الظرف نوعان. لأن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى زمان يقع فيه وإلى مكان يقع فيه. وعندما أقول لك إجلس مكانك. هذا الظرف يراد به المكان. وعندما يخاطب الله عز وجل عباده: أذكر إذ فعلت كذا. أي اذكر وقت أن فعلت كذا ظرف زمان. وقول الحق تبارك وتعالى: «وإذ نجيناكم» أي اذكروا الوقت الذي نجاكم فيه من فرعون.

والآية التي نحن بصددها وردت ثلاث مرات في القرآن الكريم. قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة:‌

‌ 49]

{وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [الأعراف: 141]

وقوله جل جلاله في سورة إبراهيم:

ص: 323

{إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [إبراهيم: 6]

الاختلاف بين الأولى والثانية هو قوله تعالى في الآية الأولى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} . وفي الثانية: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} . «ونجينا» في الآية الأولى: «وأنجينا» في الآية الثانية. ما الفرق بين نجينا وأنجينا؟ هذا هو الخلاف الذي يستحق أن تتوقف عنده. . في سورة البقرة: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} . . الكلام هنا من الله. أما في سورة إبراهيم فنجد {اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ} .

الكلام هنا كلام موسى عليه السلام. ما الفرق بين كلام الله سبحانه وتعالى وكلام موسى؟ . .

إن كلام موسى يحكي عن كلام الله. إن الله سبحانه وتعالى حين يمتن على عباده يمتن عليهم بقمم النعمة، ولا يمتن بالنعم الصغيرة. والله تبارك وتعالى حين امتن على بني إسرائيل قال:{نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} . ولم يتكلم عن العذاب الذي كان يلاقيه قوم موسى من آل فرعون. إنهم كانوا يأخذونهم أجراء في الأرض ليحرثوا وفي الجبال لينحتوا الحجر وفي المنازل ليخدموا. ومن ليس له عمل يفرضون عليه الجزية. ولذلك كان اليهود يمكرون ويسيرون بملابس قديمة حتى يتهاون فرعون في أخذ الجزية منهم. وهذا معنى قول الحق سبحانه وتعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} [البقرة: 61]

أي أنهم يتمسكون ويظهرون الذلة حتى لا يدفعوا الجزية. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يمتن عليهم بأنه أنجاهم من كل هذا العذاب. بل يمتن عليهم بقمة النعمة. وهي نجاة الأبناء من الذبح واستحياء النساء. لأنهم في هذه الحالة ستستذل نساؤهم ورجالهم. فالمرأة لا تجد رجلا يحميها وتنحرف.

ص: 324

كلمة نجَّى وكلمة أنجى بينهما فرق كبير.

كلمة نَجَّى تكون وقت نزول العذاب. وكلمة أنجى يمنع عنهم العذاب. الأولى للتخليص من العذاب والثانية يبعد عنهم عذاب فرعون نهائيا. ففضل الله عليهم كان على مرحلتين. مرحلة أنه خلصهم من عذاب واقع عليهم. والمرحلة الثانية أنه أبعدهم عن آل فرعون فمنع عنهم العذاب.

قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب} ما هو السوء؟ إنه المشتمل على ألوان شتى من العذاب كالجلد والسخرة والعمل بالأشغال الشاقة. ما معنى يسوم؟ يقال سام فلان خصمه أي أذله وأعنته وأرهقه. وسام مأخوذة من سام الماشية تركها ترعى. لذلك سميت بالسام أي المتروكة. وعندما يقال إن فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب. معناها أن كل حياتهم ذل وعذاب. . فتجد أن الله سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن حكام مصر من الفراعنة يتكلم عن فراعنة قدماء كانوا في عهد عاد وعهد ثمود. واقرأ قوله تعالى: {والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ والشفع والوتر واليل إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد} [الفجر: 1 - 12]

أي أن الله تبارك وتعالى جاء بحضارة الفراعنة وقدماء المصريين بعد عاد وثمود. وهذا دليل على أن حضارة عاد وثمود قديمة. والله سبحانه وتعالى وصف عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد. أي أنها حضارة أرقى من حضارة قدماء المصريين.

قد يتساءل بعض الناس كيف يصف الله سبحانه وتعالى عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد. مع أنه يوجد الآن حضارات متقدمة كثيرة.

نقول إن الله قد كشف لنا حضارة الفراعنة وآثارهم. ولكنه أخفى عنا حضارة

ص: 325

عاد. ولقد وجدنا في حضارة الفراعنة أشياء لم نصل إليها حتى الآن. مثل براعتهم في تحنيط الموتى والمحافظة على الجثث. وبناء الأهرامات وغير ذلك. وبما أن حضارة عاد كانت أرقى من حضارة الفراعنة. فإنها تكون قد وصلت إلى أسرار مازالت خافية على العالم حتى الآن. ولكنا لا نعرف شيئا عنها، لأن الله لم يكشف لنا آثارها.

ولقد تحدث الحق تبارك وتعالى عن الفراعنة باسم فرعون. وتكلم عنهم في أيام موسى باسم آل فرعون. ولكن الزمن الذي كان بين عهدي يوسف وموسى لم يسم ملك مصر فرعون، إنما سماه العزيز الذي هو رئيس الوزراء ورئيسه الملك. وقال الحق تبارك وتعالى:{وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ} [يوسف: 50]

إذن فالحاكم أيام يوسف كان يسمى ملكا ولم يسم فرعون. بينما حكام مصر قبل يوسف وبعده كانوا يلقبون بفرعون. ذلك لأنه قبل عهد يوسف عليه السلام حكم مصر الهكسوس أهل بني إسرائيل.

فقد أغاروا على مصر وانتصروا على الفراعنة. وحكموا مصر سنوات حتى تجمع الفراعنة وطردوهم منها.

والغريب أن هذه القصة لم تعرف إلا بعد اكتشاف حجر رشيد، وفك رموز اللغة الهيروغليفية. وكان ملوك الهكسوس من الرعاة الذين استعمروا مصر فترة. ولذلك نرى في قصة يوسف عليه السلام قول الله سبحانه وتعالى:{وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ} .

وهكذا نعلم أن القرآن الكريم قد روى بدقة قصة كل حاكم في زمنه. وصف الفراعنة بأنهم الفراعنة. ثم جاء الهكسوس فلم يكن هناك فرعون ولكن كان هناك ملك. وعندما جاء موسى كان الفراعنة قد عادوا لحكم مصر. فإذا كان هذا الأمر لم نعرفه إلا في مطلع القرن الخامس. عندما اكتشف الفرنسيون حجر رشيد، ولكن القرآن أرخ له التاريخ الصحيح منذ أربعة عشر قرنا. وهذه معجزة تنضم لمعجزات

ص: 326

كبيرة في القرآن الكريم عن شيء كان مجهولا وقت نزول القرآن وأصبح معلوما الآن. لنجد أن القرآن جاء به في وضعه الصحيح والسليم.

بعد أن تحدثنا عن الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم. نتحدث عن الفرق بين {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} . و {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} . . الذبح غير القتل. . الذبح لابد فيه من إراقة دماء. والذبح عادة يتم بقطع الشرايين عند الرقبة، ولكن القتل قد يكون بالذبح أو بغيره كالخنق والإغراق. كل هذا قتل ليس شرطا فيه أن تسفك الدماء.

والحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن فرعون حينما أراد أن ينتقم من ذرية بني إسرائيل انتقم منهم انتقامين. . انتقاما لأنهم كانوا حلفاء للهكسوس وساعدوهم على احتلال مصر. ولذلك فإن ملك الهكسوس اتخذ يوسف وزيرا. فكأن الهكسوس كانوا موالين لبني إسرائيل. وعندما انتصر الفراعنة انتقموا من بني إسرائيل بكل وسائل الانتقام. قتلوهم وأحرقوا عليهم بيوتهم.

أما مسألة الذبح في قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} فلقد رأى فرعون نارا هبت من ناحية بيت المقدس فأحرقت كل المصريين ولم ينج منها غير بني إسرائيل. فلما طلب فرعون تأويل الرؤيا. قال له الكهان يخرج من ذرية إسرائيل ولد يكون على يده نهاية ملكك. فأمر القوابل (الدايات) بذبح كل مولود ذكر من ذرية بني إسرائيل. ولكن قوم فرعون الذين تعودوا السلطة قالوا لفرعون: إن بني إسرائيل يوشك أن ينقرضوا وهم يقومون بالخدمات لهم. فجعل الذبح سنة والسنة الثانية يبقون على المواليد الذكور. وهارون ولد في السنة التي لم يكن فيها ذبح فنجا. وموسى ولد في السنة التي فيها ذبح فحدث ما حدث.

إذن سبب الذبح هو خوف فرعون من ضياع ملكه. وفرض الذبح حتى يتأكد قوم فرعون من موت المولد. ولو فعلوه بأي طريقة أخرى كأن القوة من فوق جبل أو ضربوه بحجر غليظ. أو طعنوه بسيف أو برمح قد ينجو من الموت. ولكن الذبح يجعلهم يتأكدون من موته في الحال فلا ينجو أحد.

والحق يقول: {يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} . كلمة الابن تطلق على الذكر، ولكن الولد يطلق على الذكر والأنثى. ولذلك كان

ص: 327

الذبح للذكور فقط. أما النساء فكانوا يتركونهن أحياء.

ولكن لماذا لم يقل الحق تبارك وتعالى يذبحون أبناءكم ويستحيون بناتكم بدلا من قوله يستحيون نساءكم. الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الفكرة من هذا هو إبقاء عنصر الأنوثة يتمتع بهن آل فرعون. لذلك لم يقل بنات ولكنه قال نساء. أي أنهم يريدونهن للمتعة وذلك للتنكيل ببني إسرائيل. ولا يقتل رجولة الرجل إلا أنه يرى الفاحشة تصنع في نسائه.

والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَفِي ذَلِكُمْ بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} . ما هو البلاء؟ بعض الناس يقول إن البلاء هو الشر. ولكن الله تبارك وتعالى يقول: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}

إذن هناك بلاء بالخير وبلاء بالشر. والبلاء كلمة لا تخيف. أما الذي يخيف هو نتيجة هذا البلاء؛ لأن البلاء هو امتحان أو اختبار. إن أديته ونجحت فيه كان خيرا لك. وأن لم تؤده كان وبالا عليك. والحق سبحانه وتعالى يقول في خليله إبراهيم: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124]

فإبراهيم نجح في الامتحان، والبلاء جاء لبني إسرائيل من جهتين. . بلاء الشر بتعذيبهم وتقتيلهم وذبح أبنائهم. وبلاء الخير بإنجائهم من آل فرعون. ولقد نجح بنو إسرائيل في البلاء الأول. وصبروا على العذاب والقهر وكان بلاء عظيما. وفي البلاء الثاني فعلوا أشياء سنتعرض لها في حينها.

ص: 328

مرة ثانية تأتي «وإذ» . ويأتي الانجاء وسيلة. هذه الوسيلة ذكرتها الآية الكريمة. فقد خرج موسى وقومه وكانوا ستمائة ألف كما تقول الروايات. وعرف فرعون بخروجهم فخرج وراءهم على رأس جيش من ألف ألف (مليون) . عندما رآهم قوم موسى كما يروي لنا القرآن الكريم: {قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129]

وقال لهم موسى كما جاء في الكتاب العزيز: {عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]

وعندما جاء قوم فرعون بعددهم الضخم يقاومون قوم موسى وتراءى الجمعان أي أنهم رأوهم رؤية العين قال قوم موسى «أنا لمدركون»

وهذا كلام منطقي. فأمامهم البحر ووراءهم فرعون وجنوده. ولكن حين تخرج الأحداث من نطاق الأسباب إلى قدرة المسبب فهي لا تخضع لأسباب الكون. ولذلك قال لهم موسى بملء فمه:

{قَالَ كَلَاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} .

ص: 329

وبذلك نقل المسألة من الأسباب إلى المسبب تبارك وتعالى. فبمنطق الأحداث يكون فرعون وجنوده سيدركونهم. ولكن بمنطق الحق سبحانه وتعالى فإنه سيهيئ لهم طريق النجاة.

وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى بأن يضرب بعصاه البحر فانفرق. وهكذا توقف قانون الماء وهو الاستطراق والسيولة. وانفرق البحر وأصبح كل جزء منه كالجبل. ذرات الماء تماسكت مع بعضها البعض لتكون جبلين كبيرين بينهما يابس يمر منه بنو إسرائيل.

هذا هو معنى قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر} والفرق هو الفصل بين شيئين. . وإذا كان البحر قد انشق. . فأين ذهب الطين المبتل في قاع البحر؟ . . قالوا إن الله أرسل ريحا مرت عليه فجففته. ولذلك قال الحق جل جلاله: {طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً}

ويقال إنه حين كان موسى وقومه يعبرون البحر سألوا عن بقية إخوانهم. فقال لهم موسى أنهم في طرق أخرى موازية لطريقنا. قالوا نريد أن نطمئن عليهم. فرفع موسى يده إلى السماء وقال اللهم أَعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحواجز فانفتحت طاقة بين كل ممر. فكانوا يرون بعضهم بعضا.

وعندما رأى موسى عليه السلام فرعون وجيشه يتجهون إلى البحر ليعبروه. أراد أن يضرب البحر ليعود إلى السيولة. فلا يلحق بهم آل فرعون. ولكن الله أوحى إليه: {واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24]

أي اترك البحر على ما هو عليه. حتى يتبعكم قوم فرعون. ظانين أنهم قادرون

ص: 330

على أن يسلكوا نفس الطريق ويمشوا فيه. وحينما يكون أولهم قريبا من شاطئكم وآخرهم عند الشاطئ الآخر. أعيد الماء إلى استطراقه. فأكون قد أنجيت وأهلكت بالسبب الواحد. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يمن على بني إسرائيل بأنه أنجاهم من العذاب وأهلك عدوهم.

فكان العطاء عطاءين. عطاء إيجاب بأن أنجاهم. وعطاء سلب بأن أهلك عدوهم.

وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} في هذه الآية لم يتحدث الحق جل جلاله عن فرعون. وإنما حدث عن إغراق آل فرعون. لماذا؟ لأن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه. هم الأداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل.

والله سبحانه وتعالى أراد أن يرى بنو إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم. وأنت حين ترى مصرع عدوك. تشعر بالمرارة التي في قلبك تزول. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تحتمل معنى آخر. أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم من هذا البلاء العظيم. وفي نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم. وهم يغرقون دون أن ينجو منهم أحد حتى لا يدخل في قلوبكم الشك. أنه ربما نجى بعضهم وسيعودون بجيش ليتبعوكم.

ص: 331

قول الحق سبحانه وتعالى {وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} هذا الوعد كان لإعطاء موسى المنهج، فحينما كلّم الله سبحانه وتعالى موسى بجانب الطور. . كان هذا لإبلاغ موسى عليه السلام أنه رسول من رب العالمين وأنه أرسله ليخلص بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه. . وأنه سيمده بآيات ومعجزات. . حتى يقتنع فرعون وقومه أن موسى رسول من الله تبارك وتعالى. . بعد تكليف موسى بالرسالة وذهابه إلى فرعون. . وما حدث مع السحره ثم نجاة موسى وقومه. . بأن شق الله جل جلاله لهم البحر. . هذا في وقت لم يكن المنهج قد نزل بعد. . ولذلك بمجرد أن نجَّى الله سبحانه وتعالى موسى وقومه وأغرق فرعون. . كان لابد أن يتم إبلاغ موسى بالمنهج. وكان الوعد يشمل أربعين ليلة. . هذه الليالي الأربعون حددت كثلاثين أولا. . تم أتمها الحق سبحانه وتعالى بعشر أخرى. . واقرأ قوله سبحانه وتعالى:{وَوَاعَدْنَا موسى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]

وعندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة. . والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار. . الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق. . فإذا نظرت إلى قرص الشمس. . لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن. . هل في أوله أو في وسطه أو في آخره. . ولكن إذا جاء الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن. فإذا كان القمر هلالا فنحن في أوائل

ص: 332

الشهر. . وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا. .

إن هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس؛ الإنسان العادي يستطيع أن يحدد لك الزمن بالتقريب بالليالي. . ويقول لك البدوي في الصحراء، هذا القمر ابن كذا ليلة.

وفي منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل. . فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح. . وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح. . وليلة النصف من شعبان. . وليلة الإسراء والمعراج. .

وفي كل مقاييس الدين الليل لا يتبع النهار إلا في شيء واحد هو يوم عرفة. . فلا نقول ليلة عرفة وإنما نقول يوم عرفة. . إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين. . والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهرا للعام الواحد. . السنة الميلادية تختلف عن السنة الهجرية. . والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى وزع رحمته على كونه. . فلو أن المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس. . لجاء رمضان مثلا في شهر محدد لا يتغير.

. يصومه الناس صيفا في مناطق محددة. وشتاء في مناطق محددة ولا يختلف أبدا. . فيظل رمضان يأتي في الصيف والحر دائما بالنسبة لبعض الناس. . وفي الشتاء والبرد دائما بالنسبة لبعض الناس. .

ولكن لأن السنة الهجرية تقوم على حساب الهلال. . فمعنى ذلك أن كل نفحات الله في كونه تأتي في كل الفصول والأزمان. . فتجد رمضان في الصيف والشتاء. . وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل المناسبات الدينية الطيبة. . لأن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الميلادية. . والفرق سنة كل ثلاث وثلاثين سنة.

والحق سبحانه يقول: {ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} .

يريد أن يمّحص بني إسرائيل. . ويبين لنا كفرهم بنعم الله. فالله نجاهم من آل فرعون. . ولم يكادوا يعبرون البحر حتى رأوا قوما يعبدون الأصنام. . فقالوا كما يروى لنا القرآن الكريم: {ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]

ص: 333

حدث هذا بمجرد خروجهم من البحر سالمين. . موسى عليه السلام أخذ النقباء وذهب لميقات ربه. وترك أخاه هارون مع بني إسرائيل. . وبنو إسرائيل عندما كانوا في مصر. . وكانوا يخدمون نساء آل فرعون. . أخذوا منهن بعض الحلي والذهب خلسة. . ومع أن فرعون وقومه متمردون على الله تبارك وتعالى. . فإن هذا لا يبرر سرقة حلي نسائهم. . فنحن لا نكافئ من عصى الله فينا بأن نعصي الله فيه. . ونصبح متساويين معهم في المعصية. . ولكن نكافئ من عصى الله فينا بأن نطيع الله فيه. .

وأبو الدرداء رضي الله عنه حينما بلغه أن شخصا سبه. . بعث له كتابا قال فيه. . يا أخي لا تسرف في شتمنا. . واجعل للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. . بنو إسرائيل سرقوا بعض حلي نساء آل فرعون. . فجعلها الله فتنة لإغوائهم. . وزين لهم الشيطان أن يصنعوا منها عجلا يعبدونه. . صنعه لهم موسى السامري الذي رباه جبريل. . فأخذ الحلي وصهرها ليجعلها في صورة عجل له خوار. . وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى.

أتعرف لماذا فتنهم الله سبحانه وتعالى بالعجل؟

لأن الذهب المصنوع منه العجل من أصل حرام. . والحرام لا يأتي منه خير مطلقا. . ولابد أن نأخذ العبرة من هذه الواقعة. . وهي أن الحرام ينقلب على صاحبه شراً ووبالا، إن كان طعامك حراما يدخل في تكوين خلاياك ويصبح في جسدك الحرام. . فإذا دخل الحرام إلى الجسد يميل فعلك إلى الحرام. . فالحرام يؤرق الجسد ويسوقه إلى المعاصي. .

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صَالِحاً} وقال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، ثم ذكر، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأَنَّى يستجاب لذلك» .

ص: 334

وقد حصل لبني إسرائيل الشيء نفسه وسرقوا ذهب آل فرعون فانقلب عليهم ظلما، وقال الله تعالى عنهم:{ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} .

وعد الله لموسى كما قال أهل العلم كان ثلاثين ليلة. . إتمام الثلاثين ليلة يؤتيه ما وعد. . وكلمة وعد هي الإخبار بشيء سار. والوعيد هي الإخبار بشيء سيئ. . فإذا سمعت وعدا فأعرف أنَّ ما سيجيء بعدها خير. وإذا سمعت وعيدا تعرف أن ما بعدها شر، إلا آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى:{النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} [الحج: 72]

فهل الوعد هنا بخير أو المعنى اختلف؟ . . نقول: إن كانت النار موعودا فهي شر. . وإن كانت النار هي الموعودة والكفار هم الموعود بهم فهي خير للنار؛ لأن النار تفرح بتعذيب الكافرين من عباد الله. . ونعرف هذا الفرح من قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} [ق: 30]

ولا يستزيد الإنسان إلا من شيء يحبه. . والنار ككل شيء مسخر مسبحة لله تكره العصاة. . ولكنها غير مأمورة بحرقهم في الدنيا. . ولكن في الآخرة تكون سعيدة وهي تحرق العصاة والكافرين.

ص: 335

الله سبحانه وتعالى يمن على بني إسرائيل مرة أخرى. . مع أنهم ارتكبوا ذنبا من ذنوب القمة. . ومع ذلك عفا الله عنهم لأنه يريد أن يستبقي عنصر الخير للناس. . يريد أن يعلم خلقه أنه رب رحيم. يفتح أبواب التوبة للواحد بعد الآخر. . لتمحو خلايا الشر في النفس البشرية. .

إن الإنسان حين يذنب ذنبا ينفلت من قضية الإيمان. . ولو لم تشرع التوبة والعفو من الله لزاد الناس في معاصيهم وغرقوا فيها. . لأنه إذا لم تكن هناك توبة وكان الذنب الواحد يؤدي إلى النار. . والعقاب سينال الإنسان فإنه يتمادى في المعصية. وهذا ما لا يريده الله سبحانه وتعالى لعباده. . وفي الحديث الشريف:

«لَلَّهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه مِن أحدِكم سَقَطَ على بعيره وقد أضلَّه في أرضٍ فلاةٍ»

معنى الحديث. . رجل معه بعير يحمل ماله وطعامه وشرابه وكل ما يملكه. هذا البعير تاه في صحراء جرداء. . بحث عنه صاحبه فلم يجده. . لقد فقده وفقد معه كل مقومات حياته. . ثم ينظر فيراه أمامه. . كيف تكون فرحته؟ . . طبعا بلا حدود. هكذا تكون فرحة الله تعالى بتوبة عبده المؤمن بل أشد من ذلك.

إن الله تبارك وتعالى حين يفتح باب التوبة. يريد لحركة العالم أن تسير. . هب أن نفسا غفلت مرة. . أو قادتها شهوتها مرة إلى معصية. أو وسوس الشيطان لها كما حدث مع آدم وحواء. لو لم تكن هناك توبة ومغفرة. . لانقلب

ص: 336

كل هؤلاء إلى شياطين. . بل إن أعمال الخير تأتي من الذين أسرفوا على أنفسهم. . فهؤلاء يحسنون كثيرا ويفعلون الخير كثيرا. . مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]

وقوله جل جلاله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]

إذن فكون الله سبحانه وتعالى يتوب على بني إسرائيل مع أنهم كفروا بالقمة في عبادة العجل. . فذلك لأن الله يريد استبقاء الخير في كونه. . ولقد عبد بنو إسرائيل العجل قبل أن ينزل عليهم المنهج وهو التوراة. . ولكن هل بعد أن أنزل عليهم المنهج والتوراة تابوا وأصلحوا أو استمروا في معصيتهم وعنادهم؟

ص: 337

الحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل هنا. . أنه بعد أن أراهم من المعجزات الكثير. ونجاهم من آل فرعون وشق لهم البحر كان لابد أن يؤمنوا إيمانا حقيقيا لا يشوبه أي نوع من التردد. . ذلك لأنهم رأوا وشهدوا. . وكانت شهادتهم عين يقين. أي شهدوا بأعينهم ماذا حدث. .

ولكن هل استطاعت هذه المشاهدة أن تمحو من قلوبهم النفاق والكفر؟ . . لا. . لقد ظلوا معاندين طوال تاريخهم. لم يأخذوا أي شيء بسهولة. .

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يحذر أمته من أن يكونوا كبني إسرائيل ويكونوا قوما شددوا فشدد الله عليهم. . وكان ذلك بالنسبة لقصة البقرة. . التي أمروا أن يذبحوها ليعرفوا من القاتل في جريمة قتل كادت تثير حروبا بينهم. . فأخذوا يسألون ما هي وما لونها إلى آخر ما سنتحدث عنه. . عندما نأتي إلى الآيات الكريمة الخاصة بهذه الواقعة. فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم. . لأنه يكفي أن يقول لهم الله سبحانه وتعالى إذبحوا بقرة فيذبحوا أي بقرة. وعدم التحديد يكون أسهل عليهم. . ولكنهم سألوا وظلوا يسألون فشدد عليهم. . بتحديد بقرة معينة بذاتها. . ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ «ذَرُوني ما تَرَكْتُكُمْ فإنما هلكَ من قبلِكُم بكثرةِ سؤالِهِمْ واختلافِهِمْ على أنبيائِهِم فإذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نَهَيْتُكُم عن شيء فدعُوه» .

والله سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان} . كأن إتيان موسى الكتاب والفرقان. . نعمة يجب أن يذكرها قومه. . وأن يستقبلوا منهج الله

ص: 338

على أنه نعمة. . فلا يأخذ الإنسان التكليف الإلهي من زاوية ما يقيد حركته ولا ما يعطيه له. . ذلك أن الله حين حرم عليك السرقة. . حرم على الناس جميعا أن يسرقوك. . فإذا أخذ منك حريتك أن تسرق. . فقد أخذ من الناس كل الناس حريتهم أن يسرقوا مالك. . وهذه حماية كبيرة لك.

ما هو الكتاب. . وما هو الفرقان؟ . . الكتاب هو التوراة. . هو الذي يبين المنهج. . والفرقان هو الأشياء التي يفرق الله فيها بين الحق والباطل. . فكأن الفرقان تطلق مرة على التوراة. . لأنها تفرق بين الحق والباطل. وتطلق أيضا على كل ما يفرق بين الحق والباطل. . ولذلك سمي يوم بدر يوم الفرقان. . لأنه فرق بين الحق والباطل. . فكأن منهج الله وكتابه يبين لنا أين الحق وأين الباطل ويفرق بينهما.

ص: 339

يذكّر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بقصة عبادة العجل. وهي قصة مخالفة خطيرة لمنهج الله ومخالفة في القمة. . عبادة الله وحده. والذي حدث أن موسى عليه السلام ذهب لميقات الله ومعه نقباء قومه ليتلقى المنهج والتوراة. . وأخبره الله سبحانه وتعالى أن قومه قد ضلوا وعبدوا غير الله. . وعاد موسى وهو في قمة الغضب. وأمسك بأخيه هارون يجره من رأسه ولحيته. . ويقول له لقد اخلفتك عليهم لكيلا يضلوا، فقال هارون عليه السلام:{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]

فتنة عبادة العجل حدثت بسبب السامري. . والسامري اسمه موسى السامري ولدته أمه في الصحراء وماتت فكفله جبريل ورباه. . وكان جبريل عليه السلام يأتيه على حصان. . يحمل له ما يحتاج إليه من طعام وشراب، وكان موسى السامري يرى حصان جبريل، كلما مشى على الأرض وقع منه تراب فتخضر وتنبت الأرض بعد هذا التراب. وأيقن أن في حافر الحصان سرّاً. . فأخذ قبضة من أثر الحصان ووضعها في العجل المصنوع من الذهب. فأخذ يحدث خوارا كأنه حي. .

ولا تتعجب من أن صاحب الفتنة يجد معونة من الأسباب حتى يفتن بها الناس. . لأن الله تبارك وتعالى يريد أن يمتحن خلقه. والذي يحمل دعوة الحق

ص: 340

لابد أن يهيئه الله سبحانه وتعالى تهيئة خاصة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ قبل أن ينتقل إلى المدينة. . تعرض هو والمسلمون لابتلاءات كثيرة. . ولقد جاء حدث الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ بعد أن تخلت عنه أسباب الدنيا في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهلها فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. . ورفع يديه إلى السماء بالدعاء المأثور:

«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس» .

وليس هذا على الرسول وحده بل والمؤمنين معه. . حتى أن مصعب بن عمير فتى قريش المدلل. . الذي كان عنده من الملابس والأموال والعبيد ما لا يعد ولا يحصى رئي بعد إسلامه وهو يرتدي جلد حمار وذلك حتى يختبر الحق سبحانه وتعالى في قلب مصعب بن عمير حبه للإيمان. . هل يحب الدنيا أكثر أو يحب الله ورسوله أكثر. . حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. كان يقول للصحابة انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم.

والله تبارك وتعالى لابد أن يمحص ويختبر أولئك الذين سيحملون دعوته إلى الدنيا كلها. . لابد أن يكونوا صابرين على البلاء. أقوياء أمام خصوم الدعوة. . مستعدين لتحمل الأعباء والآلام.

. لأن هذا هو دليل الصدق في الإيمان. .

ولذلك تجد كل دعوة ضلال تأتي بالفائدة لأصحابها. . دعوة الشيوعية يستفيد منها أعضاء اللجنة المركزية. . أما الشعب فإنه يرتدي ملابس رخيصة. . ويسكن في بيوت ضيقة. أما السادة الذين ينفقون بلا حساب فهم أعضاء اللجنة المركزية. . هذه دعوة الباطل. . وعكس ذلك دعوة الحق. . صاحب الدعوة هو الذي يدفع أولا ويضحي أولا. لا ينتفع بما يقول بل على العكس يضحي في سبيل ما يقول. . إذن الباطل يأتي بالخير لصاحب الدعوة. فإذا رأيت دعوة تغدق على أتباعها فأعلم أنها دعوة باطل. . لولا أنها أعطت بسخاء ما تبعها أحد.

والآية الكريمة التي نحن بصددها هي تقريع من موسى عليه السلام لقومه. . الذين نجاهم الله من آل فرعون وأهلك عدوهم فاتخذوا العجل إلها. . ومتى

ص: 341

حدث ذلك؟ في الوقت الذي كان موسى فيه قد ذهب لميقات ربه ليأتي بالمنهج. . والذين اتخذوا العجل إلها. . هل ظلموا الله سبحانه وتعالى أو ظلموا أنفسهم؟ . . ظلموا أنفسهم لأنهم أوردوها مورد التهلكة دون أن يستفيدوا شيئا. . والظالم على أنواع. . ظالم في شيء أعلى أي في القمة. . وظالم في مطلوب القمة. . الظالم في القمة هو الذي يجعل الله شريكا ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]

وعلاقة الشرك بالظلم أنك جئت بمن لم يخلق ومن لم يرزق شريكا لمن خلق ورزق. . وذلك الذي جعلته إلها كيف يعبد؟ . . العبادة طاعة العابد للمعبود. . فماذا قال لكم هذا العجل الذي عبدتموه من دون الله أن تفعلوا. . لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة. . والظلم الآخر هو الظلم فيما شرعت القمة. . بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها. . في كلتا الحالتين لا يقع الظلم على الله سبحانه وتعالى ولكن على نفسك. لماذا؟ . . لأنك آمنت بالله أو لم تؤمن. سيظل هو الله القوي القادر العزيز. لن يُنْقصَ إِيمانك أو عدم إيمانك من ملكه شيئا. ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك. فكأن الظلم وقع عليك. . وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياما أو أسابيع أو سنوات ثم تموت وتتركها وتأخذ العذاب. فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئا. . لذلك يقول الحق جل جلاله: {وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]

وظلم الناس يعود على أنفسهم. . لأنه لا أحد من خلق الله يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى. . وقوله سبحانه {فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ} . . الحق تبارك وتعالى قال في الآية السابقة «عفونا عنكم» ثم يقول هذه الآية {فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ} . . لأن التوبة هي أصل المغفرة. أنت تتوب عن فعلك للذنب وتعتزم ألا تعود لمثله أبدا ويقبل الله توبتك ويعفو عنك.

ص: 342

وقد كان من الممكن أن يأخذهم الله بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم السابقة. . أما وقد شرع الله لهم أن يتوبوا. فهذا فضل من الله وعفو. . ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} . . فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى: {فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} الله سبحانه وتعالى يقول لهم. . أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم أو آخذكم منه. . ولكن أنا الذي خلقتكم. ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر. . خلق أي أوجد الشيء من عدم. . والبارئ أي سَوَّاهُ على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم. . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 2 - 3]

ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر. . بارئكم مأخوذة من برئ السهم. . وبرئ السهم يحتاج إلى دقة وبراعة.

وقوله تعالى: {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} لأن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه. فكأنك في هذه الحالة لابد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك. . وعندما نزل حكم الله تبارك وتعالى. . جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفا. وقال لهم أن الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده. . ولكنهم حين وقفوا للتنفيذ. كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوي رحمه أمامه فيشق عليه التنفيذ. . فرحمهم الله بأن بعث ضبابا يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ القتل. . وقيل أنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفا.

وعندما حدث ذلك أستصرخ موسى وهارون ربهم. . وقالا البكية البكية. أي أبكوا عسى أن يعفو الله عنهم. ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم الله. .

وقوله تعالى: {فاقتلوا أَنفُسَكُمْ} لأن هذه الأنفس بشهوتها وعصيانها. . هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج. .

إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب. لأن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير الله. كونه يقدم نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده

ص: 343

باطل. . وهو بذلك يعيد نفسه التي تمردت على منهج الله إلى العبادة الصحيحة. . وهذا أقسى أنواع الكفارة. . وهو أن يقتل نفسه إثباتا لإيمانه. . بأنه لا إله إلا الله وندما على ما فعل وإعلانا لذلك. . فكأن القتل هنا شهادة صادقة للعودة إلى الإيمان.

وقوله تعالى {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} . . أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة. . وهي خير لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة. . وقوله سبحانه {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} . التوبة الأولى أنه شرع لكم الكفارة. . والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم. . وعفا عنكم عفوا أبديا.

ص: 344

بعد أن تاب الله على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل. . عادوا مرة أخرى إلى عنادهم وماديتهم. فهم كانوا يريدون إلها ماديا. . إلها يرونه ولكن الإله من عظمته أنه غيب لا تدركه الأبصار. . واقرأ قوله تعالى: {لَاّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير} [الأنعام: 103]

فكون الله سبحانه وتعالى فوق إدراك البشر. . هذا من عظمته جل جلاله. . ولكن اليهود الذين لا يؤمنون إلا بالشيء المادي المحس. . لا تتسع عقولهم ولا قلوبهم إلى أن الله سبحانه وتعالى فوق المادة وفوق الأبصار. . وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء. . والله تبارك وتعالى قد لفتنا إلى قضية رؤيته جهرا في الدنيا. . بقوله تعالى: {وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]

أي أن الله جل جلاله وضع دليل القمة على وجود الله الذي لا تدركه الأبصار. وضع هذا الدليل في نفس كل واحد منا. وهي الروح الموجودة في الجسد. . والإنسان مخلوق من مادة نفخت فيها الروح فدبت فيها الحياة والحركة والحس. . إذن كل ما في جسدك من حياة. . ليس راجعا إلى المادة التي تراها

ص: 345

أمامك. . وإنما يرجع إلى الروح التي لا تستطيع أن تدركها إلا بآثارها. . فإذا خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة.

إذا كانت هذه الروح التي في جسدك. . والتي تعطيك الحياة لا تستطيع أن تدركها مع أنها موجودة داخلك. . فكيف تريد أن تدرك الله سبحانه وتعالى. . كان يجب أولا أن تسأل الله أن يجعلك تدرك الروح التي في جسدك. . ولكن الله سبحانه وتعالى قال إنها من أمر الله. . واقرأ جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلَاّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]

إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة لله لا تدركها. . فكيف تطمع أن ترى خالقها. . وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله سبحانه. {حتى نَرَى الله جَهْرَةً} . . فكلمة نرى تطلق ويراد بها العلم. مثلا: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} [الفرقان: 43]

أي أعلمت. . ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها بحواسهم. وهذا دليل على أنهم متمسكون بالمادية التي هي قوام حياتهم. . نقول لهؤلاء إن سؤالكم يتسم بالغباء. . فأنتم حين تطلبون أن تروا الله جهرة. والمفروض أن الله تبارك وتعالى له مدلول عندكم. . ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود. . ذلك لو كانت القضية أصلا أن تعرفوا أن الله موجود أو غير موجود. . والذي شجعهم على أن يقولوا ما قالوا. . طلب موسى عليه السلام من الله سبحانه وتعالى أن يراه.

واقرأ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً} [الأعراف: 143]

ص: 346

ولابد أن نعرف أن قضية رؤية الله في الدنيا محسوسة. . وأنه لا سبيل إلى ذلك والإنسان في جسده البشري. . لأن هذا الجسد له قوانين في ادراكاته. . ولكن يوم القيامة نكون خلقا بقوانين تختلف. . ففي الدنيا لابد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا. وفي الآخرة لا مخلفات. وفي الدنيا يحكمنا الزمن. . وفي الآخرة لا زمن. إذ يظل الإنسان شبابا دائما. . إذن فهناك تغيير. .

المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا بإعدادك وجسدك لا يمكن أن ترى الله. وفي الآخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن يتجلى عليك الله سبحانه وتعالى. . وهذا قمة النعيم في الآخرة. أنت الآن تعيش في أثار قدرة الله. . وفي الآخرة تعيش عيشة الناظر إلى الله تبارك وتعالى. . وفي ذلك يقول الحق جل جلاله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]

والإنسان في الدنيا قد اخترع آلات مكنته من أن يرى ما لا يراه بعينه المجردة يرى الأشياء الدقيقة بواسطة الميكرسكوب. والأشياء البعيدة بواسطة التلسكوب. . فإذا كان عمل الإنسان في الدنيا جعله يبصر ما لم يكن يبصره. . فما بالك بقدرة الله في الآخرة. . وإذا كان الإنسان عندما يضعف نظره. يطلب منه الطبيب استعمال نظارة. . فإذا ذهب إلى طبيب أمهر. . أجرى له عملية جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها. . فما بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة الله التي لا حدود لها في أن يعيد خلق العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم.

ولقد حسم الله تبارك وتعالى المسألة مع موسى عليه السلام بأن أراه العجز البشري. . لأن الجبل بقوته وجبروته لم يستطع احتمال نور الله فجعله دكا. . وكأن الله يريد أن يفهم موسى. . أن الله تبارك وتعالى حجب عنه رؤيته رحمة منه. لأنه إذا كان هذا قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن يحدث بالنسبة لموسى. إذا كان موسى قد صعق برؤية المتجلَّى عليه. . فكيف لو رأى المتجلِّي؟ . .

والإنسان حين يعجز عن إدراك شيء في الدنيا لأنه مخلوق بهذه الإمكانات

ص: 347

يكون العجز عن الإدراك إدراكا لأن العجز عن الإدراك هو في عظمة الله سبحانه وتعالى. . وقوم موسى حينما طلبوا منه أن يروا الله جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. . عندما اجترأوا هذا الاجتراء على الله أخذتهم الصاعقة. . والصاعقة إما نار تأتي وإما عذاب ينزل. . المهم أنه بلاء يعمهم. . والصاعقة قد أصابت موسى.

ص: 348

فالحق سبحانه وتعالى يكمل لنا قصة الذين قالوا {أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة} . موسى عليه السلام أصيب بالصاعقة أيضا. . عندما طلب أن ينظر إلى الله. ولكن هناك فرق بين الحالتين. . الله تبارك وتعالى يقول: {وَخَرَّ موسى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين} [الأعراف: 143]

ولكن الأمر لم يكن كذلك مع قوم موسى. فمع موسى قال الله سبحانه وتعالى: {فَلَمَّآ أَفَاقَ} أي أن الصاعقة أصابته بنوع من الإغماء. . ولكن مع قوم موسى. قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} . . فكأن قوم موسى ماتوا فعلا من الصاعقة. . فموسى أفاق من تلقاء نفسه. . أما أولئك الذين أصابتهم الصاعقة من قومه. . فقد ماتوا ثم بعثوا لعلهم يشكرون.

ص: 349

فالله سبحانه وتعالى يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته. . ويرينا أنه برغم كل هذه النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم، بعد أن طلب بنو إسرائيل أن يروا الله جهرة فقتلتهم الصاعقة. . ثم بعثهم الله تبارك وتعالى لعلهم يشكرون. . ذكر لنا الحق جل جلاله نعما أخرى من نعمه على بني إسرائيل. . وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون به من حرارة الشمس القاسية. . وليس فيها مكان تستظلون فيه، لأنه لا ماء ولا نبات في الصحراء. . فظلل الله سبحانه وتعالى عليكم بالغمام. . أي جاء الغمام رحمة من الله سبحانه وتعالى. . ثم بعد ذلك جاء المن والسلوى. .

والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس. . وهي موجودة حتى الآن في العراق. . وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملاءات البيضاء ويفرشونها تحت الشجر. . ثم يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات الموجودة على ورق الشجر فوق الملاءات. . فيجمعونها وتصبح من أشهى أنواع الحلويات. فيها طعم القشدة وحلاوة عسل النحل. . وهي نوع من الحلوى اللذيذة المغذية سهلة الهضم سريعة الامتصاص في الجسم. والله سبحانه وتعالى جعله بالنسبة لهم وقود حياتهم. . وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة. أما السلوى فهي طير من السماء ويقال أنه السمان. . يأتيهم في جماعات كبيرة لا يعرفون مصدرها. . ويبقى على الأرض حتى يمسكوا به ويذبحوه ويأكلوه.

فالله تبارك وتعالى قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس، ومَنّ يعطيهم وقود الحركة. وسَلْوَى كغذاء لهم، وكل هذا يأتيهم من

ص: 350

السماء دونما تعب منهم. . ولكنهم لعدم إيمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم يخافون أن ينقطع المَنَّ والسلْوى عنهم يوما ما فماذا يفعلون؟

لو كانوا مؤمنين حقا لقالوا: إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا. . ولكن الحق جل جلاله ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدلا من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود.

وقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} فالحق سبحانه وتعالى يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى. . ففي المرة الأولى قال «وأنتم ظالمون» . وفي الآية الثانية قال: «ظلمتم أنفسكم» . . وفي هذه الآية قال: {وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} . .

ولقد سبق أن قلت أنه لا أحد يستطيع أن يظلم الله لأن الله سبحانه وتعالى باق بقدرته وقوته وعظمته. . لا يقلل منها لو كفر أهل الأرض جميعا ولا يزيد فيها لو آمن أهل الأرض كلهم. فقدرة الله باقية وكلمته ماضية.

. ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا. . بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئا. .

إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار. والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك. إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي وتزول عنك. . وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط. . كل شيء زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى الآخرة. . ولذلك فإن كل من عصى الله وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم. . فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدي وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة «.

ص: 351

من هذه الآية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن والسلوى مع أنه كان رزقا عاليا. . عاليا في الجودة لأنه طعام حلو نقي شهي ينزل لهم من السماء مباشرة، وعاليا في الكثرة من أنه كان يأتيهم بلا عمل وبلا تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد. . وطلبوا من موسى طعام الأرض الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا يوما فلا يجدون المن والسلوى. الحق سبحانه وتعالى يكمل لنا القصة في آية قادمة:{وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61]

فالله سبحانه وتعالى مازال يمتن على بني إسرائيل بنعمه وكيف قابلوها بالجحود. . فيذكرهم بإنجائهم من عذاب آل فرعون. . ويذكرهم بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد ذلك على آل فرعون فأغرقهم. . ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك. . وكان من الممكن أن يهلكهم الله بذنوبهم. كما أهلك الأمم السابقة ولكنه عفا عنهم. . ثم يذكرهم بفضله عليهم بأن أعطاهم الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل. . ويذكرهم بأنهم طلبوا أن يروا الله جهرة. . فصعقوا وماتوا ثم بعثهم الله. ويذكرهم كيف ظللهم بالغمام

ص: 352

من حرارة الشمس المحرقة. . ورزقهم بالمن والسلوى. . ثم يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم.

في هذه الآية يقول الحق تبارك وتعالى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} . وفي آية أخرى يقول: {رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمْ} . الفرق في المعنى أن قوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} تدل على أن هناك أصنافاً كثيرة من الطعام.

{ورَغَداً حَيْثُ شِئْتُمْ} يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على الطعام. . عندما يقول الحق جل جلاله: كلوا رغداً يكون المخاطب هنا نوعين: إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على الأكل. . فتقدم في هذه الحالة «حيث شئتم» فيقال: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} . . فإذا كان الإنسان جوعان يرضى بأي طعام. . فيقال رغدا حيث شئتم.

إن المسألة في القرآن الكريم ليست تقديما وتأخيراً في الألفاظ. . ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير. . قوله تعالى {ادخلوا هذه القرية} . . والقرية هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن. . الحق تبارك وتعالى يقول: {وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المحسنين} . .

والحق جل جلاله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد بحيث يأكلون أي شيء فقال: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ولو لم تكونوا جائعين.

وقوله تعالى: {وادخلوا الباب سُجَّداً} . . أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع. . {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي حط عنا ذنوبنا يا رب. . غير أنهم حتى في الأمر يغيرون مضمونه. . ويلبسون الحق بالباطل. . وهذه خاصية فيهم. . ولذلك دخلوا الباب وهم غير ساجدين. . دخلوه زاحفين على ظهورهم. . مع أن ما أمرهم الله به أقل مشقة مما فعلوه. . فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة. . ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة. أي حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح. . ليطوعوا اللفظ لأغراضهم. . فكأن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة.

ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة للمحسنين. .

ص: 353

فإنهم خالفوا وعصوا. . وقوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ المحسنين} يأتي في الآية الكريمة: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]

أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافا مضاعفة. . وما هي الزيادة؟

أن يروا الله يوم القيامة. هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا.

ص: 354

الله سبحانه وتعالى يشرح لنا في هذه الآية الكريمة كيف أن اليهود قوم معصية برغم نعم الله عليهم. . فلو أن الله سبحانه وتعالى كلفهم تكليفا لم يستطيعوه؛ لأنه شاق عليهم فربما كان لهم عذرهم. . ولكن الله تبارك وتعالى لا يكلف إلا بما هو في طاقة الإنسان أو أقل منها. . فيقول جل جلاله: {لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} [البقرة: 286]

والله تبارك وتعالى لم يكلف بني إسرائيل بأن يدخلوا هذه القرية التي يقال: إنها القدس ويقال أنها قرية في فلسطين أو قرية في الأردن. . إلا بناء على طلبهم هم. فهم الذين طلبوا من موسى أن يدعو الله لهم أن يدخلوا واديا فيه زرع. . ليأكلوا مما تنتج الأرض ويطمئنوا على طعامهم. . لأنهم يخافون أن يأتي يوم. . لا ينزل عليهم المن والسلوى من السماء. . فلما استجاب الله لدعواهم وقال لهم ادخلوا الباب خاشعين. وقولوا يا رب حط عنا ذنوبنا. . بدل بنو إسرائيل القول فبدلا من أن يقولوا حطة قالوا حنطة. . وبدلوا طريقة الدخول فبدلا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ظهورهم زاحفين. . وكان هذا رغبة في المخالفة. . فأصابهم الله بعذاب من السماء بما كانوا يفسقون. . أي يبتعدون عن منهج الله ولا يطبقونه. رغبة في المخالفة وإصرارا على العناد.

ص: 355

ومعناها: اذكر إذا استسقى موسى لقومه. . وهذه وردت كما بينا في عدة آيات في قوله تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب} [الأعراف: 141]

وقول سبحانه: {وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]

وقوله جل جلاله: {وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً} [البقرة: 55]

وقلنا أن هذه كلها نعم امتن الله بها على بني إسرائيل وهو سبحانه وتعالى يذكرهم بها. إما مباشرة وإما على لسان موسى عليه السلام. والحق يريد أن يذكر بني إسرائيل حينما تاهوا في الصحراء أنه أظلهم بالغمام. . وسقاهم حين

ص: 356

طلبوا السقيا. . ولقد وصلت ندرة الماء عند بني إسرائيل لدرجة أنهم لم يجدوا ما يشربونه. . لأن الإنسان يبدأ الجفاف عنده لعدم وجود ماء يسقي به زرعه. . ثم يقل الماء فلا يجد ما يسقي به أنعامه. . ثم يقل الماء فلا يجد ما يشربه. . وهذا هو قمة الجفاف أو الجدب. .

وموسى عليه السلام طلب السقيا من الله تبارك وتعالى. . ولا تطلب السقيا من الله إلا إذا كانت الأسباب قد نفدت. . وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم؛ فالماء مصدر الحياة ينزله الله من السماء. . وينزله نقيا طاهرا صالحا للشرب والري والزرع وسقيا الأنعام. .

والحق سبحانه وتعالى جعل ثلاثة أرباع الأرض ماء والربع يابسا. . حتى تكون مساحة سطح الماء المعرضة للتبخّر بواسطة أشعة الشمس كبيرة جدا فتسهل عملية البخر؛ فإنك إذا جئت بكوب ماء وتركته في حجرة مغلقة لمدة يومين أو ثلاثة. ثم عدت تجده ناقصا قيراطا أو قيراطين. ولكن إذا أمسكت ما في الكوب من ماء وألقيته على أرض الحجرة. . فأنه يجف قبل أن تغادرها لماذا؟ . . لأن مساحة سطح الماء هنا كبيرة. . ولذلك يتم البخر بسرعة ولا يستغرق وقتا.

وهذه هي النظرية نفسها التي تتم في الكون. الله تبارك وتعالى جعل سطح الماء ثلاثة أرباع الأرض ليتم البخر في سرعة وسهولة. . فيتكون السحاب وينزل المطر نأخذ منه ما نحتاج إليه، والباقي يكون ينابيع في الأرض، مصداقا لقوله تبارك وتعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض} [الزمر: 21]

هذه الينابيع تذهب إلى أماكن لا يصلها المطر. ليشرب منها الناس مِمّا نُسميه الآبار أو المياه الجوفية. . وتشرب منها أنعامهم. . فإذا حدث جفاف يخرج الناس رجالا ونساء وصبيانا وشيوخا. يتضرعون إلى الله ليمطرهم بالماء. . ونحن إذا توسلنا بأطفالنا الرضع وبالضعفاء يمطرنا الله.

ص: 357

وبعض الناس يقولون أن المطر ينزل بقوانين علمية ثابتة. . يصعد البخار من البحار ويصبح سحابا في طبقات الجو العليا ثم ينزل مطرا.

. تلك هي القوانين الثابتة لنزوله.

وأن السحاب لابد أن يكون ارتفاعه عدد كذا من الأمتار. . ليصل إلى برودة الجو التي تجعله ينزل مطرا. ولابد أن يكون السحاب ملقحا. . نقول أن هذا كله مرتبط بمتغيرات. فالريح تهب أو لا تهب. وتحمل السحاب إلى منطقة عالية باردة ولا تحمله وغير ذلك. .

إذن فكل ثابت محمول على متغير. . قد تعرف أنت القوانين الثابتة. . ولكن القوانين المتغيرة لا يمكن أن تنبأ بما ستفعل ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} [الجن: 16]

إذن فعوامل سقوط المطر لا تخضع لقوانين ثابتة. ولكن المتغير هو العامل الحاسم. ليسوق السحاب إلى المناطق الباردة وإلى الارتفاع المطلوب. . ولابد أن نتنبه إلى أن هناك قوانين ثابتة في الكون وقوانين تتغير. . وأن القانون المتغير هو الذي يحدث التغيير.

وقوله تعالى: {وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} . . تدل على أن هناك مُستسقى بفتح القاف وأن هناك مستسقي بكسر القاف. . مستسقي بكسر القاف أي ضارع إلى الله لينزل المطر. . أما المستسقى بفتح القاف فهو الله سبحانه وتعالى الذي ينزل المطر. .

إن هذا الموقف خاص بالله تبارك وتعالى فلا توجد مخازن للمياه وليس هناك ماء في الأرض. . من أنهار أو آبار أو عيون ولا ملجأ إلا الله. . فلابد من التوسل لله تبارك وتعالى:

عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقي بالعباس بن المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك

ص: 358

بنبينا صلى الله عليه وسلم َ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيُسقون «

بعض الناس يقولون هذا دليل على أن الميت لا يستعان به. . بدليل أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لم يتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم َ بعد موته، وإنما توسل بعم رسول الله. . نقول وبمن توسل عمر؟ . . أتوسل بالعباس أم بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ؟ . . توسل بالرسول، وبذلك أخذنا الحجة أن الوسيلة ليست مقصورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . وإنما تتعدى إلى أقاربه. .

وهنا يأتي سؤال لماذا نقل الأمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام ُ إلى عم الرسول؟ . . نقول لأن رسول الله قد انتقل ولا ينتفع الآن بالماء. . ولكن عمه العباس هو الحي الذي ينتفع بالماء. . لذلك كان التوسل بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. ولم يكن منطقيا أن يتوسلوا برسول الله عليه الصلاة والسلام ُ وهو ميت ولا يحتاج إلى الماء. . والذين أرادوا أن يأخذوا التوسل بذوي الجاه. . نقول لهم أن الحديث ضدكم وليس معكم.

. لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ.

لابد أن نتحدث كيف أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن قابل بنو إسرائيل النعمة بالجحود والنكران فكيف يسقيهم؟ . . نقول إنها النبوة الرحيمة التي كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على بني إسرائيل. . وكان طمع موسى في رحمة الله بلا حدود. . ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من موسى عليه السلام لقومه. . وكانت الاستجابة من الله تأتي.

كان من المفروض لاستكمال المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم. . ولكن هذه لم تأت حذفت وجاء بعدها الإجابة: {وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر} . . إذن قوله يا رب اسق قومي واستجابة الله له محذوفة لأنها مفهومة. . ولذلك جاء القرآن باللفتات الأساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس. . تماما كما جاء في سورة النمل: الهدهد ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها. وعاد إلى سليمان وأخبره. فطلب سليمان من الهدهد

ص: 359

أن يلقي إلى ملكة سبأ وقومها كتابا وقال: {اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل: 28 - 29]

فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتابا إلى بلقيس وقومها. . والآية التي بعدها جاءت بقوله تعالى: قالت {ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} كل التفاصيل حذفت من أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى مملكة سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها. . والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته. . ودعت قومها وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب. . كل هذا حُذف لأنه مفهوم.

قال موسى يا رب اسق قومي. . والله سبحانه وتعالى قال له: إن أردت الماء لقومك. . كل هذا محذوف. . وتأتي الآية الكريمة: {اضرب بِّعَصَاكَ الحجر} .

{اضرب بِّعَصَاكَ الحجر} لنا معها وقفة. . الإنسان حين يستسقي الله. . يطلب منه أن ينزل عليه مطرا من السماء، والحق تبارك وتعالى كان قادرا على أن ينزل على بني إسرائيل مطرا من السماء. ولكن الله جل جلاله أراد المعجزة. . فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء وهو الحجر الموجود تحت أرجلكم. . لن أعطيكم ماء من السماء. . ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُرِي بني إسرائيل مدى الإعجاز. . فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت أرجلهم.

ولكن من الذي يتأثر بالضرب: الحجر أم العصا؟ . . العصا هي التي تتأثر وتتحطم والحجر لا يحدث فيه شيء. . ولكن الله سبحانه وتعالى أراد بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر. . ولذلك يقول الشاعر:

أيا هازئاً من صنوف القدرْ

بنفسك تعنف لا بالقدرْ

ويا ضاربا صخرةً بالعصا

ضربْتَ العصا أم ضربْتَ الحجرْ

ص: 360

إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة فتفجر منها الماء. . وحتى لو كانت العصا من حديد. . هل تكون قادرة على أن تجعل الماء ينبع من الحجر؟

فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء. . ولكن الله أرادها نعمة مركبة. . ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب. . وأن نبع الماء من متعلقات «كن» .

هنا لابد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل. قالوا لموسى هب أننا في مكان لا حجر فيه. من أين ينبع الماء؟ . . لابد أن نأخذ معنا الحجر حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا. . ونسوا أن هناك ما يتم بالأسباب وما يتم بكلمة «كن» . . ولذلك تجد مثلا كبار الأطباء يحتارون في علاج مريض. . ثم يشفى على يد طبيب ناشئ حديث التخرج. . هل هذا الطبيب الناشئ يعرف أكثر من أساتذته الذين علموه؟ . . الجواب طبعا لا.

إن التلميذ لا يتفوق على أستاذه الذي علمه فليس العلاج بالأسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب. . ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشئ. . فكشف الله له الداء وألهمه الدواء.

يقول الحق سبحانه وتعالى: {فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً} لماذا اثنتا عشرة عينا. لأن اليهود كانوا يعيشون حياة انعزال. كل مجموعة منهم كانت تسمى «سبطا» لها شيخ مثل شيخ القبيلة. . والحق تبارك وتعالى يقول: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} أي كل سبط أو مجموعة ذهبت لمشرب. . نبعت العيون من الحجر امتدت متشعبة إلى الأسباط جميعا كل في مكانه. . فإذا ما أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف. ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء على قدر الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملامسة للأرض. . والجهة العليا التي ضرب عليها بالعصا لم ينبع منهما شيء، أما باقي الجهات الأربع فقد نبع منها كل منها ثلاثة ينابيع.

وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ المشترك. . وهو الذي يستخدم في معانٍ متعددة. . فإذا قلت سقى القوم دوابهم من العين. . العين هنا عين الماء. . وإذا قلت أرسل الأمير عيونه في المدينة يعني أرسل جنوده. . وإذا قلت اشتريته

ص: 361

بعين أي بذهب. . وإذا قلت نظر إلي بعينه شذرا أي ببصره. . إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة. . ومعناها هنا عين الماء الجارية.

قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه. . حتى لا يضيع من كل منهم الماء. . ولكن الإنسان حينما يكون مضطرا يلتزم بما يطلبه الله منه ويكون ملتزما بالأداء، فإذا فرج الله كربه وعادت إليه النعمة يعود إلى طغيانه.

. ولذلك يقول الحق جل جلاله فيها: {كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} أي لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في الأرض. . واقرأ قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 15 - 15]

هنا نرى أن أهل سبأ رزقهم الله فأعرضوا عن شكره. . كانوا يتيهون بالسد الذي يحفظ لهم مياه الأمطار. . ويمدهم بما يحتاجون إليه منها طوال العام، وأخذوا يتفاخرون بعلمهم ونسوا الله الذي علمهم. . فكان هذا السد هو النكبة أو الكارثة التي أهلكت زرعهم. . كذلك حدث لبني إسرائيل، قيل لهم:{كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} فأفسدوا في الأرض ونسوا نعمة الله فنزل بهم العذاب.

ص: 362

هذه الآية الكريمة أيضا من آيات التذكير بنعم الله سبحانه وتعالى على موسى وعلى بني إسرائيل. . وكنا قد تعرضنا لمعنى طعام واحد عند ذكر المن والسلوى. . وقلنا أن تكرار نزول المن والسلوى كل يوم جعل الطعام لونا واحدا. . وكلمة واحد هي أول العدد. . فإذا إنضم إليه مثله يصير اثنين. . وإذا إنضم إليه مثله يصبح ثلاثة. . إذن فأصل العدد هو الواحد. . والواحد يدل على وحدة الفرد ولا يدل على وحدانية. . فإذا قلنا الله واحد فإن ذلك يعني أنه ليس كمثله أحد. . ولكنه لا يعني أنه ليس مكونا من أجزاء. . فأنت لست واحداً ولست أحداً لأنك مكون من أجزاء كما أن هناك من يشبهونك. . والشمس في مجموعتنا واحدة ولكنها ليست أحداً لأنها مكونة من أجزاء وتتفاعل. . والله سبحانه وتعالى واحد ليس كمثله شيء. . وأحد ليس مكونا من أجزاء. . ولذلك من أسمائه الحسنى الواحد الأحد. . ولا نقول أن الاسم مكرر فهذه تعني الفردية، وهذه تنفي التجزئة.

وقوله تعالى: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ} . . نلاحظ هنا أن الطعام وُصف بأنه واحد رغم أنه مكون من صنفين هما المن والسلوى. . ولكنه واحد لرتابة نزوله. . الطعام كان يأتيهم من السماء. . ولكن تعنتهم مع الله جعلهم لا يصبرون عليه فقالوا ما يدرينا لعله لا يأتي. . نريد طعاما نزرعه بأيدينا ويكون طوال الوقت أمام عيوننا. . وكأن هذه المعجزات كلها ليست كافية. . لتعطيهم الثقة في استمرار رزق الله. . إنهم يريدون أن يروا. . ألم يقولوا لموسى: {أَرِنَا الله جَهْرَةً} . .

ص: 363

ماذا طلبوا؟ . . قالوا: {فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض} . . {ادع لَنَا رَبَّكَ} أي أطلب من الله. . ولأن الدعاء لون من الطلب فإنك حين تتوجه إلى الله طالبا أن يعطيك. . فإنك تدعو بذلة الداعي أمام عزة المدعو. . والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء. . ومن مساوٍ إلى مساوٍ قيل طلب. . ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر. .

لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض. . وعددوا ألوان الأطعمة المطلوبة. . وقالوا: {مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} . . ولكنها كلها أصناف تدل على أن من يأكلها هم من صنف العبيد. . والمعروف أن آل فرعون إستعبدوا بني إسرائيل. . ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها. .

الحق تبارك وتعالى كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى.

. ولكنهم فضلوا طعام العبيد. . والبقل ليس مقصوداً به البقول فحسب. . ولكنه كل نبات لا ساق له مثل الخس والفجل والكرات والجرجير. . والقثاء هو القتة صنف من الخيار. . والفوم هو القمح أو الثوم. والعدس والبصل معروفان. . والله سبحانه وتعالى قبل أن يجيبهم أراد أن يؤنبهم: فقال {أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} . .

عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن الباء تدخل على المتروك. . تقول إشتريت الثوب بدرهم. . يكون معنى ذلك إنك أخذت الثوب وتركت الدرهم.

قوله تعالى: {الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} . . أي انهم تركوا الذي هو خير وهو المن والسلوى. . وأخذوا الذي هو أدنى. . والدنو هنا لا يعني الدناءة. . لأن ما تنتجه الأرض من نعم الله لا يمكن أن يوصف بالدناءة. . ولكن الله تبارك وتعالى يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر. . ما يخلقه الله بالأمر المباشر منه بكلمة «كن» . . يكون خيرا مما جاء بالأسباب. . لأن الخلق المباشر لا صفة لك فيه. . عطاء خالص من الله. . أما الخالق بالأسباب فقد يكون لك دور فيه. . كأن تحرث الأرض أو تبذر البذور. . ما جاء خالصا من الله بدون أسبابك يقترب

ص: 364

من عطاء الآخرة التي يعطي الله فيها بلا أسباب ولكن بكلمة «كن» . . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى} [طه: 131]

فالله تبارك وتعالى يصف رزق الدنيا بأنه فتنة. . ويصف رزق الآخرة بأنه خير منه. . مع أن رزق الدنيا والآخرة، وكل رزق في هذا الوجود حتى الرزق الحرام هو من الله جل جلاله. . فلا رازق إلا الله ولكن الذي يجعل الرزق حراما هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام. . ولو صبروا لجاءهم حلالا. .

نقول إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق. . ولكنه سمى رزقا فتنة وسمى رزقا خيرا منه. . ذلك أن الرزق من الله بدون أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالأسباب. .

إذن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ} . . يكون المعنى أتستبدلون الذي هو رزق مباشر من الله تبارك وتعالى. . وهو المن والسلوى يأتيكم «بكن» قريب من رزق الآخرة بما هو أقل منه درجة وهو رزق الأسباب في الدنيا. . ولم يجب بنو إسرائيل على هذا التأنيب. . وقال لهم الحق سبحانه وتعالى: {اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} . . ولا يقال لهم ذلك إلا لأنهم أصروا على الطلب برغم أن الحق جل جلاله بين لهم أن ما ينزله إليهم خير مما يطلبونه..

نلاحظ هنا أن مصر جاءت منوّنةً. . ولكن كلمة مصر حين ترد في القرآن الكريم لا ترد منونة. . ومن شرف مصر أنها ذكرت أكثر من مرة في القرآن الكريم. . نلاحظ أن مصر حينما يقصد بها وادي النيل لا يأتي أبدا منونة وإقرأ قوله تعالى: {تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} [يونس: 87]

ص: 365

وقوله جل جلاله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي} [الزخرف: 51]

وقوله سبحانه: {وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} [يوسف: 21]

وقوله تبارك وتعالى: {ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله آمِنِينَ} [يوسف: 99]

كلمة مصر ذكرت في الآيات الأربع السابقة بغير تنوين. . ولكن في الآية التي نحن بصددها: {اهبطوا مِصْراً} بالتنوين. . هل مصر هذه هي مصر الواردة في الآيات المشار إليها؟ . . نقول لا. . لأن الشيء الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. . إذا كان لبقعة أو مكان. . مرة تلحظ أنه بقعة فيبقى مؤنثاً. . ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكرا. . فإن كان بقعةً فهو علم ممنوع من الصرف. . وإن كان مكانا تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث. . ومرة تكون هناك علمية وأهمية ولكن الله صرفها في القرآن الكريم. . كلمات نوح ولوط وشعيب ومحمد وهود. .

كل هذه الأسماء كان مفروضا أن تمنع من الصرف ولكنها صرفت. . فقيل في القرآن الكريم نوحا ولوط وشعيبا ومحمدا وهودا. . إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى: {اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} هي مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون. . قوله تعالى: {اهبطوا مِصْراً} من

ص: 366

الممكن أن يكون المعنى أي مصر من الأمصار. . ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون. . وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفتي وأمير وقاض. . وهي مأخوذة من الاقتطاع. . لأنه مكان يقطع إمتداد الأرض الخلاء. . ولكن الثابت في القرآن الكريم. . إن مصر التي لم تنون هي علم على مصر التي نعيش فيها. . أما مصراً التي خضعت للتنوين فهي تعني كل وادٍ فيه زرع. .

وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} . . الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى الإنكسار. . ويمكن أن ترفع عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه. . والله سبحانه وتعالى يقول عن بني إسرائيل: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس} [آل عمران: 112]

حبل من الله كما حدث عندما عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ في المدينة. . وعاشوا في حمى العهد. . إذن بحبل من الله أي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أو المؤمنين به.

. وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالولايات المتحدة الأمريكية. . إذا عاهدتهم عزوا وإن تركتهم ذلوا. .

وقوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة} ضربت أي طبعت طبعة قوية بضربة قوية تجعل الكتابة بارزة على النقود. . ولذلك يقال ضربت في مصر. . أي أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة لا يستطيعون محوها. . أما المسكنة فهي انكسار في الهيئة.

أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من الأغنياء. . وكانوا يلبسون الملابس القذرة. . ويقفون في موقف الذل والخزي حتى لا يدفعوا الجزية.

وقوله تعالى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله} . . أي غضب الله عليهم بذنوبهم وعصيانهم. حتى أصبح الغضب من كثرة عصيانهم كأنه سمة من سماتهم

ص: 367

لماذا؟ : {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ولا يشكرون. . ويكفرون بالآيات ويشترون بها ثمنا قليلا. . ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتلون أنبياء الله بغير حق. .

الأنبياء غير الرسل. . والأنبياء أسوة سلوكية ولكنهم لا يأتون بمنهج جديد. . أما الرسل فهم أنبياء بأنهم أسوة سلوكية ورسل لأنهم جاءوا بمنهج جديد. . ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. والله سبحانه وتعالى يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة. . ولكنه يعصم رسله من القتل فلا يقدر عليهم أعداؤهم. . فمجيء الأنبياء ضرورة. . لأنهم نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم بالمنهج، وبنو إسرائيل بعث الله لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم. . لماذا؟ . . لأنهم فضحوا كذبهم وفسقهم وعدم التزامهم بالمنهج. . ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ويكره الملتزم بمنهج الله. . ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل. . إذن فغضب الله عليهم من عصيانهم واعتدائهم على الأنبياء وما ارتكبوه من آثام.

ص: 368

بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه. . أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير. . ففي سورة المائدة:{إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى} [المائدة: 69]

أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى. . واختلف الإعْراب فبينما في البقرة و «الصابئين» . . وفي المائدة و «الصابئون» . . وردت آية أخرى في سورة الحج: {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]

الآيات الثلاث تبدو متشابهة. . إلا أنَّ هناك خلافات كثيرة. . ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات. . وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها. . ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب. . وفي الآيتين الأوليين (البقرة والمائدة) تأتي: {مَنْ آمَنَ

ص: 369

بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . . أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها: {المجوس والذين أشركوا} . . واختلف فيها الخبر. . فقال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} .

عندما خلق الله وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى. . واقرأ قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يشقى} [طه: 123]

مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده. . وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا. . وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة. . ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم. . فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا. .

الآية الكريمة تقول: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} . . أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض. . وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض. . كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم. . وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ُ. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. .

إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل. . الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت. . ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة. . فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا. . فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم َ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام ُ جاءت لتصفية كل الأديان السابقة.

. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. . فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته. . ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من

ص: 370

عهد نوح أو إبراهيم أو هود. . وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية. . كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم َ والتصديق بدين الإسلام. . فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض. . ويجعلها مركزة في دين واحد. . الذين آمنوا بهذا الدين: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . . والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن. . وهذا إعلان بوحدة دين جديد. . ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة. . أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه. . ولم يؤمنوا بالدين الجديد. . لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة. . ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة. . جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام ُ. . بما فيهم المجوس والذين أشركوا.

والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن. . عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد السلام. . وهو يظن أن هذا الدين نافعه. . نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]

وقوله جل جلاله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} [آل عمران: 19]

إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في الوجود حسمت. . فالذي آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. . لا يخاف ولا يحزن يوم القيامة. . والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} . . إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم. . والذين هادوا هم أتباع موسى عليه السلام. . وجاء الاسم من قولهم: «إنا هدنا إليك» أي عدنا إليك. . والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه

ص: 371

السلام. . أو من قول الحواريين نحن أنصار الله في قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]

أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم. . قال بعضهم هم أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس والقمر والكواكب. . أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان يعاصرهم إلى الدين الجديد. . أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا لا يقنع العقل. . كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟ .

. فامتنعوا عن عبادة أصنام العرب. . فقالوا عنهم إنهم صبئوا عن دين آبائهم. . أي تركوه وآمنوا بالدين الجديد. . وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر.

أننا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى. . جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ومنصوبة. . وفي سورة المائدة متقدمةً ومرفوعةً. . نقول هذا الكلام يدخل في قواعد النحو. . الآية تقول: {إِنَّ الذين آمَنُواْ} . . نحن نعرف أَنَّ (إِنَّ) تنصب الاسم وترفع الخبر. . فالذين مبني لأنه إسم موصول في محل نصب إسم لأن: {والذين هَادُواْ} معطوف على الذين آمنوا يكون منصوباً أيضاً. . والنصارى معطوف أيضا على إسم إن. . والصابئين معطوف أيضا ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. .

نأتي إلى قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر} . هذه مستقيمة في سورة البقرة إعرابا وترتيبا. . والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة قليلة. . لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى. . ولكن في آية المائدة تقدمت الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: {إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ} . . الذين آمنوا إسم إن والذين هادوا معطوف. . و «الصابئون» كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين. . وبعدها النصارى معطوفة. . ولكن كلمة (الصابئون) توسطت بين اليهود وبين

ص: 372

النصارى. . وكسر إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر. . وللعرب إذن مرهفة لغويا. . فمتى سمع الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ليعرف السبب. .

حين تولى أبا جعفر المنصور الخلافة. . وقف على المنبر ولحن لحنة أي أخطأ في نطق كلمة. . وكان هناك إعرابي يجلس فآذت أُذنيه. . وأخطأ المنصور للمرة الثانية فحرك الإعرابي أُذنيه باستغراب. . وعندما أخطأ للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال. . أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر. . أي أنك لا تستحق هذا. . هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه. . فإذا جاء لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا. . فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له حكمة وعلة. . فما هي العلة؟ . .

الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم. . أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين. . ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا. . فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضا. . فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة. . فالله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما: {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} . . لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه. . والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح. . فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة.

ص: 373

يمتنُّ الله سبحانه وتعالى مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها. . ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما يتكلم عن اليهود. . يتكلم عنهم بالخطاب المباشر. . فهل الذين عاصروا نزول القرآن وهم الذين أخذ الله تبارك وتعالى عليهم الميثاق. . هؤلاء مخاطبون بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى عليه السلام.

نقول أنه كان المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان. . فحين يمتن الله عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم. . يمتن عليهم لأنه أنقذ آباءهم من التذبيح. . ولولا أنه أنقذهم ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . فهم كانوا مطمورين في ظهور آبائهم. . ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة. . فمتى انتهت حياة الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته. . الشيء نفسه ينطبق على قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} . . إمتنان على اليهود المعاصرين لنزول القرآن. . لأنه سبحانه وتعالى لو لم ينقذ آباءهم من الموت عطشا لماتوا بلا ذرية.

إذن كل إمتنان على اليهود في عهد موسى هو إمتنان على ذريته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . والحق سبحانه وتعالى أخذ على اليهود الميثاق القديم. . ولولا هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم.

وقوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} . . أي أن الله تبارك وتعالى يذكرهم

ص: 374

بأنهم بعد أن نجوا وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى عنه التوراة. . فعبد بنو إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة وبالألواح. . وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم. . وقالوا نحن لا نطيق هذا التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه.

التكليف هو من مكلف هو الله سبحانه وتعالى. . وهم يقولون إن الله كلفهم ما لا يطيقون. . مع أن الله جل جلاله لا يكلف نفسا إلا وسعها. . هذا هو المبدأ الإيماني الذي وضعه الحق جل جلاله. . يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة: {لَا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]

يظنون أننا نضع أنفسنا حكما على تكليف الله. . فإن كنا نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا نعتقد أننا لا نقدر عليه بحكمنا نحن. . نقل الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا. . ولكن الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك فهو عليم بأن ذلك في وسعك؛ لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.

. ونحن نسمع الآن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل. . وإن ظروف الدنيا وسرعة الحركة فيها وسرعة الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض التكاليف. . ربما كان هذا التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة بسيطة وحركتها بطيئة ومشكلاتها محدودة.

نقول لمن يردّد هذا الكلام: إن الذي كلفك قديما هو الله سبحانه وتعالى. إنه يعلم أن في وسعك أن تؤدي التكليف وقت نزوله. . وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة. . والدليل على ذلك أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل في باب الإحسان؛ فهناك من يصلي الفروض وهي التكليف. . وهناك من يزيد عليها السنن. . وهناك من يقوم الليل. . فيظل يتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالتطوع من جنس ما فرض. . وهناك من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم أوائل الشهور العربية. . أو كل اثنين وخميس على

ص: 375

مدار العام أو في شهري رجب وشعبان. . وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات. . وهناك من يلتزم بحدود الزكاة ومن يتصدق بأكثر منها.

إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في وسعنا وأقل من وسعنا. . ولا يقال أن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا العصر. . بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، والله سبحانه وتعالى رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم. . تماما كما يمسك الطبيب المشرط ليزيل صديداً تكوَّن داخل الجسد. . لأن الجسد لا يصح بغير هذا.

لذلك عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصيب بفضله ورحمته بني إسرائيل رغم أنوفهم. . رفع فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء. . وقال لهم تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل. . تماما كما أهلك الله تبارك وتعالى الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم. . قد يقول البعض إن الله سبحانه وتعالى أرغم اليهود على تكليف وهو القائل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} [البقرة: 256]

وقوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]

نقول إن الله جل جلاله لم يرغم أحدا على التكليف. . ولكنه رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم. . وهذا العذاب هو أن يُطْبقَ عليهم جبل الطور. . إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير. . وقد خُيِّرَ الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلن يصدقوا حتى أصابهم الهلاك. . ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض. . وسجودهم دليل

ص: 376

على أنهم قبلوا المنهج. . ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم.

. ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه. . بينما الجهة الأخرى تنظر إلى أعلى وكان ذلك خوفا من أن ينقض الجبل عليهم. . ولو سألت يهودياً لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك أحمل التوراة ويهتز منتفضا. . نقول أنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور فوقهم. . فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم. . اعتقدوا أنها شرط من شروط السجود عندهم. . ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه. . ونظرهم إلى شيء أعلاهم يخافون منه. . أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور لا زالوا باقين عليها حتى الآن.

في هذه الآية الكريمة يقول الحق تبارك وتعالى: {وإذا رفعنا فوقكم الطور. .} وفي آية أخرى يقول المولى جل جلاله في نفس ما حدث: {وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171]

«نتقنا» كأن الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه. . فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج من الأرض. . هذه الحركة والزحزحة والجذب هي النتق. . والجبل كالوتد تماما يحتاج إلى هز وزعزعة وجذب حتى يخرج من مكانه. . وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا المنهج.

يقول الحق سبحانه وتعالى: {خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ} . . الأخذ عادة مقابل للعطاء. . أنت تأخذ من معطٍ. . والتكليف أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح في الكون. . إذن كل أخذ لابد أن يأتي منه عطاء؛ فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك. . ولكنك لا تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع الحضارات.

وقوله تعالى: «بقوة» . . أي لا تأخذوا التكليف بتخاذل. . والإنسان عادة

ص: 377

يأخذ بقوة ما هو نافع له. . ولذلك فطبيعة مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين. . لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين. . وإذا أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ أكثر. . لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا. . دليل على أنهم عشقوا التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع.

ومادام الحق سبحانه وتعالى قال: {خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ} . . فقد عشقوا التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم.

وقوله تعالى: {واذكروا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . . إذكروا ما فيه أي ما في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا. . {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي تطيعون الله وتتقون عقابه وعذابه يوم القيامة.

ص: 378

بعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه. . وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله عليه وسلم َ لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه. . ماذا فعل اليهود؟

يقول الحق تبارك وتعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك} . . أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه. . {فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين} ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق. . يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك. .

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم َ قال: «سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحداً الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة»

فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل. . وكل من يدخل الجنة فبفضل الله سبحانه وتعالى. . حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا. . يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم:

ص: 379

{فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170]

فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله. . فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا. . والله سبحانه وتعالى له فضل على عباده جميعا. . واقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243]

أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل. . ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم. . لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة. . ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف. . فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب. . وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا. . ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم َ الذي أرسله رحمة للعالمين. . مصداقا لقوله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]

وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون. . ومع هذه الرحمة وهذا الفضل. . بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وموعد بعثه. . فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من الخاسرين. . ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.

ص: 380

بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه. . أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل عليها. . والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا. . وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم الجد. . أو نفضل أمرا على أمر. . ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق تبارك وتعالى: {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 9 - 10]

هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا. . وكلاهما من منهج الله. . فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة. . ولا أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة. . إذا نودي للصلاة فإلى المسجد. . وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق. . وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالإسم وهما يوم الجمعة والسبت. . بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالإسم. . وهي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. . الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه إجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة. . ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد. . فأيام الأسبوع

ص: 381

نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والإثنين منسوب إلى إثنين. . والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة. .

كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب. . لماذا؟ لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده. . فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا. . والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، إجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم. . فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم. . والسبت. . الباء والتاء تفيد معنى القطع. . وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله. . ونلاحظ أن خلق السموات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى:{هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الحديد: 4]

وكان تمام الخلق يوم الجمعة. . وفي اليوم السابع وهو يوم السبت. . كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون. . ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا. . لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق. . فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو إمتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك.

. وكان الإبتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها. . وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم. . واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163]

ص: 382

وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت. . فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء. . ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان. . صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم. . وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك. . هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة. . ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه. . وكان هذا تحايلا منهم على مخالفة أمر الله. . والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من أوامره.

ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} . . وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة. . يعلمها الأجداد للآباء والأباء للأحفاد. . وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . ولذلك عندما سمع: {ولقد علمتم} أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة. . وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها. .

وقوله تعالى: {الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت} . . المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت. . هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت. . ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك. . وكانوا في ذلك أغبياء. . وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت. . ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ. . وقوله تعالى: «اعتدوا» أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم. . وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]

لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء. . حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب. . ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون. . وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع أنهم

ص: 383

عاصون. . وصدر حكم الله عليهم: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله. . الأمر هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة. . إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟

نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة. . وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريّاً ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة. . ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا. . وهذا يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار. . ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم. . لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازما. . ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة.

ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون. . فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان. . لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا. . وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا. . ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164]

ولو أنهم تناسلوا. . لتحمل الأبناء وزر آبائهم. . وهذا مرفوض عند الله. . إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون. . ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم.

قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة. . فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل اليهود عاصين. . ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت. . وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم. . وقد قال علماء

ص: 384

آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل} [المائدة: 60]

إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت. . ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة. . ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير. . فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك إزداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟

نقول علينا أولا أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم الله إليها. . نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما. . وإن عورته لها لون مميز عن جسده.

. وأنه لا يتأدب إلا بالعصا. . واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور. . وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق. . والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود. . وعبدة الطاغوت. . الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم. . وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك.

إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية. . ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية. . فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.

ص: 385

يريد الله تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي ما معها: {وَمَا خَلْفَهَا} أي ما بعدها: «والنكال» هو العقوبة الشديدة. . والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولا. . هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني. . فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص. . قبل أن تعاقب لابد أن تقول أن هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا. . وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة. . ومادام هذا هو الموقف فلابد من تشريع.

والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة. . ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد. . فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة. . لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها. . وهذا الزجر يسمى نكولا ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه.

إذن قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} . . أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا. . حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: {نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} . . أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبدا. . وتكون لهم موعظة لا ينسونها: {وَمَا خَلْفَهَا} يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني إسرائيل جيلا بعد جيل. . كما بيننا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} . . أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به. . حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي

ص: 386

سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب. . على أننا لابد أن نلفت الإنتباه إلى أن مبدأ أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص هو مبدأ إلهي. . ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]

أي يأتي الرسول أولا ليجرم هذه الأفعال. . فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة. . ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله. . فلا يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.

ص: 387

تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة. . لأن السورة سميت بهذا الاسم. . ونلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى أتى بحرف: «وإذ» . . يعني واذكروا: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} . . ولم يقل لماذا أمرهم بأن يذبحوا البقرة. . ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 72 - 73]

والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته. . ولكن هذه عظمة القرآن الكريم. . لأن السؤال عن العلة أولا معناه أن الأمر صادر من مساو لك. . فإذا قال لك إنسان إفعل كذا. . تسأله لماذا حتى أطيع الأمر وأنفذه. . إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته. . ولكن الأمر من غير المساوي. . كأمر الأب لإبنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده. . مثل هذا الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه. . لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر إليه الأمر. . ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته أولا. . فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة. . ومن هنا يزول الإيمان. . ويستوي أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن. . ويكون تنفيذ الأمر بلا ثواب من الله. .

ص: 388

إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله طائعا. . عرف علته أو لم يعرف. . ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله. . ولذلك فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله. . وكل تكليف يأتي. . علة حدوثه هي الإيمان بالله. . ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يبدأ كل تكليف بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمنوا} . . أي يا من آمنت بالله ربا وإلها وخالقا. . خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك.

في هذه الآيات التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك. فجاء بالأمر بذبح البقرة أولا. . وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة. . وأنت حين تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله سبحانه وتعالى. . سواء عرفت العلة أو لم تعرفها؛ فأنت تؤدي الصلاة لأن الله تبارك وتعالى أمرك بأن تصلي. . فلو أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر. . أو أنها حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر. . إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون الرياضة على أصولها.

. وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك. . وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن الله فرضها. . وكذلك كل العبادات الأخرى. .

الصوم ليس شعورا بإحساس الجائع. . ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عباده. . إن لم تصم تنفيذا لأمر الله بالصوم فلا ثواب لك. . وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام لا يقبله الله. . والله أغنى الشركاء عن الشرك. . فمن أشرك معه أحدا ترك الله عمله لمن أشركه. . وكذلك كل العبادات.

هذا هو المفهوم الإيماني الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل. . ولذلك لم يأت بالعلة أو السبب أولا. . بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها عن السبب. . وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في إيماننا بحقيقة ما حدث. . وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة.

قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} . . أعطى الله تبارك وتعالى

ص: 389

الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني إسرائيل. . ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل. . ولكنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: {وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ} . . كلمة قوم تطلق على الرجال فقط. . ولذلك يقول القرآن الكريم: {ياأيها الذين آمَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: 11]

إذن قوم هم الرجال. . لأنهم يقومون على شئون أسرهم ونسائهم. . ولذلك يقول الشاعر العربي:

وما أدري ولست أخال أدري

أَقَوْمٌ آل حصنٍ أم نساءُ

فالقوامة للرجال. . والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها. . والرجال يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون. . والمفروض أن المرأة سكن لزوجها وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال. . قوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ} . . الأمر طلب فعل. وإذا كان الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا. . وإذا كان مساويا له نسميه إلتماسا. . وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء. . على أننا لابد أن نلتفت إلى قوله تعالى على لسان زكريا: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]

هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا لا. لأنه دعاء والدعاء رجاء من الأدنى إلى الأعلى. . قوله تعالى: {الله يَأْمُرُكُمْ} . . لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة. . أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي جهد.

. فمادام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة. . فكل

ص: 390

ما عليهم هو التنفيذ. .

ولكن أنظر إلى الغباء حتى في السؤال. . إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء لإبطال التكليف. . لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا. . أي أنهم استنكروا أن يكلفهم الله تبارك وتعالى بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد. . فاتهموا موسى أنه يهزأ بهم. . كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله سبحانه وتعالى. . لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة. . وعندما سمع موسى كلامهم ذهل. . فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله تبارك وتعالى. . أينقل نبي الله لهم أمرا من أوامر الله جل جلاله على سبيل الهزل؟

هنا عرف موسى أن هؤلاء اليهود هم جاهلون. . جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم. . وأنهم يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله سبحانه وتعالى. . فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين. . الذين يأتيهم اليسر فيريدونه عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا. . ويطلبون من الله أن يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا.

ص: 391

وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم. . لم يقولوا ادع لنا ربنا. . بل قالوا إدع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده. . ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام بني إسرائيل عدة مرات. . حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم:{فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]

ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة. . يوجهون السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى. . فبدلا من أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر. . فيدعو موسى ربه فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم. . ثم يقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل. . بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط. . فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. .

نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل. . يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} . . سؤال لا معنى له ولا محل. . لأن الله تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة. . ولم يقل مثلا إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن هناك محل للسؤال. . فجاء الحق تبارك وتعالى يقول لهم: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} . . الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة. . ولكن ما العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا هي للبن وللإنجاب. . ومادامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها في

ص: 392

اتساع. . أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد. . وعندما يكون بطن البقرة واسعاً يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا.

وكلمة «بكر» لها معانٍ متعددة منها أنه لم يطأها فحل. . ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة. . ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن.

وقوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} . . يعني وسط بين هذه الأوصاف كلها. . الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} . . يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا البقرة. . ولكنهم لم يسكنوا أنهم يريدون أن يحاوروا. . ولذلك غيروا صيغة السؤال.

ص: 393

بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن الله تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه سبحانه وتعالى قال لهم: {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} . . فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ} والصفرة لون من الألوان. . ثم قال جل جلاله: {فَاقِعٌ لَّوْنُهَا} . . يعني صفرة شديدة. . ثم قال: {تَسُرُّ الناظرين} . . يعني أن كل من ينظر إليها يُسر لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها. .

وصف البقرة بأنها صفراء هذا لون معروف. . وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته. . ولذلك فإن المحسَّات في الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون المطلوب. . لذلك لا يقال صفراء فقط لأنك لا تستطيع تحديده؛ لأن اللون الأصفر له درجات لا نهاية لها. . ومزج الألوان يعطيك عدداً لا نهائيا من درجاتها. . ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا يستطيعون أن يقوموا بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة. . حتى يخرج الدهان كله بدرجة واحدة من اللون. . ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة باللون نفسه. . بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع. . فإذا سمعت صفراء يأتي اللون الأصفر إلى ذهنك. . فإذا سمعت «فاقع» فكل لون من الألوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب. . «فاقع» أي شديد الصفرة.

أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة. . إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر الناظرين. . وكان من المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى السؤال مرة أخرى.

ص: 394

وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل. . واضح تمام الوضوح عن البقرة. . وعمرها وشكلها ولونها ومنظرها. . فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر. . وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا. . والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا. . وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم. . وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} . . فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم. . وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى.

ص: 395

«بقرة لا ذلول» . . البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب. . تماما مثل الخيل المروضة التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها. . وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل وساسها. . وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة. . لا أحد قادها ولا قامت بعمل. . إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد. . {تُثِيرُ الأرض} أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها. . {وَلَا تَسْقِي الحرث} . . أي لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع. . {مُسَلَّمَةٌ لَاّ شِيَةَ فِيهَا} أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها. . ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع. . وكلمة {لَاّ شِيَةَ فِيهَا} . . أي لا شيء فيها.

والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات يرى الصعوبة والتشدد في اختيار أوصافها. . كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم على أعمالهم. . ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات فقالوا {الآن جِئْتَ بالحق} كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم. . لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى. . والله يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه. . واقرأ قوله تعالى:{وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]

ص: 396

وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف. . دليل على عشق التكليف. . لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه. . وقوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} . . يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ.

إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى. . فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر. . والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية. . لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار. .

والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح. . يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما الصغير. . ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. اتجه إلى الله وقال: اللهم إني استودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي.

. لم يوصِّ عليها أحداً ولكن استودعها الله. استودعها يد الله الأمينة على كل شيء. . ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن عليها إلا الله. . ولقد أطلقتها في المراعي. .

وعندما كبر الولد قالت له أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة. . فقال يا أمي وأين أجدها؟ . . قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد. . فقال الولد: اللهم رب إبراهيم ورب موسى. . رد إلي ما استودعه أبي عندك. . فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه. . وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب. . وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم. . قالوا بثلاثة دنانير. . فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير. . قالت أمه لا. . لا تباع. . فقال الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد. . وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم.

ص: 397

قصة القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه. . وكان له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل. . والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل. . فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله. . ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري. . وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم. . ووجدوه غريبا عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه. . فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله. . وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه. .

وقوله تعالى {فادارأتم فِيهَا} الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه. . إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا. .

وليس من الضروري أن يتهم أحد آخر غيره. . المهم أن يدفعها عن نفسه.

ولقد حاول أهل القريتين. . قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الآخر. . ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى.

وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم

ص: 398

يستدل على قاتله. . فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة. . فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه. . ولا علموا قاتله. . وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلا. . تكررت الأيْمان حتى تصير خمسين يمينا. . فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون قاتله. . عندما يتحمل بيت المال دية القتيل. .

ولكن الله كان يريد شيئا آخر. . يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر. . ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله. . ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء. . ولذلك قال سبحانه وتعالى: {والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} . . أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئا. . ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد. . ثم حمل الجثة خفية في ظلام الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه. . ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا. .

كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك. . أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث. . بأن يريهم البعث وهم أحياء.

ص: 399

احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة. . فقرروا أن يلجأوا إلى موسى عليه السلام ليطلب من الله تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل. . وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن اذبحوا البقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة. . ولكنهم ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه. . حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها. . فأمرهم الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت. .

وانظر إلى العظمة في القصة. . جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا. . إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبدا. . فلو أن الله أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد اغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات. . وأن يأخذوا جزءاً أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك. .

يقول الحق جل جلاله. . {كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب الحياة. . ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول «كن فيكون» .

ص: 400

لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف. . وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا. . والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة. . فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان. . فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان.

وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23]

وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار. . ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها. . وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد. .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول:

«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد

ص: 401

الجسد كله ألا وهي القلب»

إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب. . فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو. . لماذا؟ . . لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها.

إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا. . وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح. . فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام. . ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة. . لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم.

ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: {فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} . . الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا. . لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء. . وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه.

الله تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة.

. ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد.

ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة. . لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها.

الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته. . أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل. . والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة

ص: 402

القسوة. . فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة. . فالخطاف مثلا أعوج. . هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل. . فعوج الخطاف استقامة لمهمته. . وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة. . وتكون على العكس تماما من مهمتها. .

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء} [البقرة: 74]

هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة. . عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} . .

إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير. . كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله.

ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا. . ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا. . وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك. . أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى: {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً} [الأعراف: 143]

ص: 403

يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.

وقوله تعالى: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.

ص: 404

يعطينا الحق تبارك وتعالى هنا الحكمة. . فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في المسجد الأقصى. . فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع الله ومع نبيهم. . فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. .

هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط؛ ولكن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم َ على أن يؤمن كل أهل الأرض يهود ونصارى وكفاراً، ليس معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض. . فيطمئنه الله ويقول له لا تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا. . فتكذيبهم لك لا ينبغي أن يؤثر فيك. . فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك. .

ما هو الطمع؟ . . الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها. . والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه. . والإنسان أحيانا يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك؛ لأنك لو أترفت معتمدا على حركة حياة غيرك فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق وترتش وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه.

ص: 405

إذن فكلمة «افتطمعون» هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه. هؤلاء اليهود هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم َ. . هذا أمر زائد على ما كلفت به. . لأن عليك البلاغ، وحتى لو كان محببا إلى نفسك. . فإن مقدماتهم مع الله لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها. .

وهذه الآية فيها تسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ عما سيلاقيه مع اليهود. وتعطيه الشحنة الإيمانية التي تجعله يقابل عدم إيمان هؤلاء بقوة وعزيمة. . لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات، لأن الله تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم. . فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث.

. يكون ذلك أمرا محتملا من النفس. .

والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الله} انظر إلى الأمانة والدقة. . فريق منهم ليس كلهم. . هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الاحتمال. . وهي عدم التعميم بحيث تقول أنهم جميعا كذا. لابد أن تضع احتمالا في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو سيخالف. . هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من التوراة والإنجيل. . وعندما بعث آمنوا به، وهؤلاء لم يحرفوا كلام الله. لو أن القرآن جاء بالحكم عاما لتغيرت نظرة الكافرين للإسلام. . ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب الله ولكننا لم نحرفه ونحن ننتظر رسوله. . فكأن هذا الحكم غير دقيق. . ولابد أن شيئا ما خطأ. . لأن الله الذي نزل هذا القرآن لا يخفي عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا جميعا. . ولكن لأن الآية الكريمة تقول أن فريقا منهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه. . الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال. .

والحق جل جلاله يقول: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . هذه معصية مركبة سمعوا كلام الله وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه. . لقد قرأوه في التوراة وقرأوا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم َ حتى أنهم يعرفونه كأبنائهم. . ثم حرفوا كلام الله وهم يعلمون. . ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة. . كانوا يقولون السَّأم عليكم بدلا من السلام عليكم. . ولم يتوقف الأمر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا أنه من التوراة.

ص: 406

هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون ومنافقون. . المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه. . والكافر انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه. . والمنافق لا انسجم مع نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون. . فهو يقول ما لا يؤمن به. . وفي داخل نفسه يؤمن بما لا يقول. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة. . وهي قوله تعالى:{وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]

في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود. . وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود. الحق سبحانه وتعالى يقول:{وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا} وهل الإيمان كلام؟ . . الإيمان يقين في القلب وليس كلاما باللسان. . والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء. . يقول آمنت نفاقا ولكن سلوكه لا يكون سلوك المؤمن. . ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} . .

ص: 407

وفي سورة أخرى يقول الحق: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} [آل عمران: 119]

وفي سورة المائدة يقول سبحانه: {وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} [المائدة: 61]

هنا أربع صور من صور المنافقين. . كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب. . في الآية الأولى {وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ} وفي الآية الثانية: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} . وفي الآية الثالثة: {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} . وفي الآية الرابعة: {وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} .

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا. . حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} فكأنهم علموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ولكنهم أرادوا أن يخفوها. . إن الغريب أنهم يقولون: {بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ} . وإذا كان هذا فتحا من الله فلا فضل لهم فيه. . ولو أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب. .

قوله تعالى: {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق الله، وأن الله هو الذي خلقهم.

. وماداموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ} أي لتكون حجتهم عليكم قوية عند الله. . ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا {عِنْدَ رَبِّكُمْ} والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر مختلفة. وتقام بينهما مناظرة

ص: 408

يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك} [البقرة: 258]

هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلام والنمرود الذي آتاه الله الملك. . ماذا قال إبراهيم؟ {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]

هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت. . ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه. . فلما اتجهوا إليه قال اتركوه. . ثم التفت إلى إبراهيم:{قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]

جدل عقيم لأن هذا الذي أمر النمرود بقتله. كان حيا وحياته من الله. . والنمرود حين قال اقتلوه لم يمته ولكن أمر بقتله. . وفرق بين الموت والقتل. . القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لأنه لا يصلح لإقامتها. . والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم. . الذي يميت هو الله وحده، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]

والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى الحياة. . ولكن إبراهيم عليه السلام. . لم يكن يريد أن يدخل في مثل هذا الجدل العقيم. .

ص: 409

الذي فيه مقارعة الحجة. بالحجة يمكن فيه الجدال ولو زيفا. . ولذلك جاء بالحجة البالغة التي لا يستطيع النمرود أن يجادل فيها: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258]

هذا هو معنى الحاجّة. . كل طرف يأتي بحجته، وما داموا يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن القضية لن تمر أمام الله بسلام لأنه رب الجميع وسينصف المظلوم من الظالم. . إذا كانت هذه هي الحقيقة فهل أنتم تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب لا. . لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم في هذا الخطأ فهذا ليس فتحا. .

وقوله تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ختام منطقي للآية. . لأن من يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل. . الذي يقول {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} يكون مؤمنا بأن له ربا، ثم لا يؤمن بهذا الإله ولا يخافه لا يمكن أن يتصف بالعقل.

ص: 410

يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما خلا بعضهم إلى بعض وقالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} . . الله علم وسمع. . وعندما يلاقي المنافقون المؤمنين ويقولون آمنا. . {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ} هذا انفعال حركي ليس فيه كلام يقال ولكن فيه واقع يرى. . ومع ذلك فهو ليس سرا.

ما هو السر وما هو العلن؟ . . الأمر المعلن هو الذي يخرج منك إلى من عنده آلة السماع ليسمعك. . والأمر المعلن يخرج منك إلى من عنده آلة الرؤية ليراك. . فإن كان حركة بلا صوت فهذا عدته العين. . وإن كان بصوت فعدته الأذن. . هذه وسائل الإدراك الأصلية.

وقوله تعالى {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ألم يكن أولى أن يقول سبحانه يعلم ما يعلنون وما يسرون. . وإذا كان يعلم ما نسر أفلا يعلم ما نعلن؟ . . لاشك أنه يعلم. . ولكنها دقة في البلاغة القرآنية؛ ذلك أن المتكلم هو الله سبحانه.

ونحن نعلم أن الله غيب. . وغيب يعني مستور عن حواسنا. . ومادام الله غيبا فهو يعلم الغيب المستور. . ربما كان العلن الظاهر له قوانين أخرى. . فمثلا إذا كان هناك شخص في المنزل، ثم يقول «أنا اعلم ما في المنزل وما هو خارج المنزل. . لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له أنت داخله فلا غرابة في ذلك. . ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟

ص: 411

ومادام الله غيباً فقوله ما يسرون أقرب لغيبه. وما يعلنون هي التي تحتاج وقفة. لا تظنوا أن الله تبارك وتعالى لأنه غيب لا يعلم إلا ما هو مستور وخفي فقط. . لا. . إنه يعلم المشهود والغائب. . إذن فالمناسب لأن الله غيب عن أبصارنا وكوننا لا ندركه أن يقول ما يسرون أولا. .

ما معنى ما يسرون؟ . . السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك. . لأن همسك للغير بالشيء لم يعد سرا. . ولكن السر هو ما تسره في نفسك ولا تهمس به لأحد من الناس. . وإذا كان السر هو ما تسره في نفسك، فالعلن هو ما تجاهر به. ويكون علنا مادام قد علمه اثنان. . والعلن عند الناس واضح والسر عندهم خفي. . والله سبحانه وتعالى حين يخبرنا أنه غيب. . فليس معنى ذلك أنه لا يعلم إلا غيباً. إنه يعلم السر والعلن. . والله جل جلاله يقول في القرآن الكريم:{يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7]

فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك. .» ما هو أخفى «هو أن الله يعلم أنك ستفعله قبل أن تفعله. ويعلم أنه سيحدث منك قبل أن يحدث منك.

ص: 412

الله سبحانه وتعالى لازال يتحدث عن أهل الكتاب. . فبعد أن بين لنا الذين يقول: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} . . انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم بالأميين. . وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه. أي لم يعلم شيئاً من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئاً من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه. . لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا العامة. . وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي.

قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} . . تلاحظ أن هناك معسكرات من الأميين واجهت الدعوة الإسلامية. . فالمعسكر الأول كان المشركين في مكة، والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع موسى وأتباع المسيح. . ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من النصارى. . وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكتاب إِلَاّ أَمَانِيَّ} هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة. . ومادام الحق سبحانه وتعالى قال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} . . معنى هذا أنه لابد أن يكون هناك منهم غير أميين. . وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله تعالى عنهم في الآية التالية: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]

هنا قسّم الله تبارك وتعالى اليهود إلى أقسام. . منهم قسم أُمِّي لا يعرفون

ص: 413

الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط. . وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة. . من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم َ لآمنوا به. . والكتاب هنا يقصد به التوراة. . والله سبحانه وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم. . ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا يعلمون إلا أماني. . فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب.

ولكن ما الأماني؟ . . إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء. . فإن كانت التخفيف تكون جمع أمنية. . وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء. . الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]

هذه بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد. . في قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: 52]

ما هي الأمنية؟ . . الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل. . إذن لن يحدث ولن يكون له وجود.

. ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء. . الشاعر الذي قال:

أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يعودُ يوماً

فَأُخْبِرُهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ

هل الشباب يمكن أن يعود؟ . . طبعاً مستحيل. . هذا شيء لن يحدث. . والشاعر الذي قال:

لَيْتَ الكواكبَ تَدْنُو لِي فَأَنْظمَهَا

عُقُودَ مَدْحٍ فَما أَرْضَى لَكُمْ كَلِمِ

ص: 414

هل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر. . ينظمها أبيات شعر إلى حبيبته. . إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين قول الله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تمنى} (أي قرأ) : {أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ} (أي في قراءته) . . وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا كذبا وإفتراء وكفرا. . إقرأ قوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 19 - 22]

قال أعداء الإسلام مادام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق. . وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار. . ومنها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. . إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة. . وهذا كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده. . وخرج المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده. . إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله. . ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَاّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ} [النجم: 23]

هم يريدون بذلك أن يشككوا. . في أنه من الممكن أن يلقي الشيطان بعض أفكاره في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . ولكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته.

إن الله جل جلاله لم يترك وحيه لعبث الشيطان. . ولذلك سنبحث الآية بعيداً عن كل ما قيل. . نقول لو أنك تنبهت إلى قول الله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَاّ إِذَا تمنى} لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته. . إذن هو سبحانه لن يترك رسوله

ص: 415

يخطئ. . وبذلك ضمنا أن كل ما ينتهي إليه الرسول صواب. . وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم. . فنطمئن إلى أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون أن ينسخ.

فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ما ألقاه الشيطان مادام رسول الله صلى الله عليه وسلم َ لم يقل لكم إلا المحكم. . ثم من هو الرسول؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بمنهج من السماء وأمر بتبليغه. . ومن هو النبي؟ . . بشر أوحي إليه بمنهج.

ولم يؤمر بتبليغه. . ومادام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصا بهذا النبي. . ويكون النبي قدوة سلوكية. . لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأت بجديد.

الآية الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي. . إذا كان معنى أمنية الشيطان مستقيما بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي. . لأن النبي لا يقرأ شيئاً، ومادام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير القراءة. . لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس. . فكأنه سيقرأ كلاما محكما ليس فيه أمنية الشيطان أي قراءته.

إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة الشيطان. . وأمنية الرسول والنبي أن ينجحا في مهمتهما. . فالرسول كمبلغ لمنهج الله، النبي كأسوة سلوكية. . المعنى هنا يختلف. . الرسول أمنيته أن يبلغ منهج الله. . والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من قلوب الناس. . هذا هو المعنى. . والله سبحانه وتعالى حين يحكم آياته ينصر الإيمان ليسود منهج الله في الأرض وتنتظم حركة الناس. . هذا هو المعنى.

وكلمة تمني في هذه الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض. . والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية على هذا المعنى. . وبهذا ينتفي تماما ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ حينما كان يقرأ ما يوحى إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ويضع كلاما في الوحي. . مستحيل.

وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الكتاب إِلَاّ أَمَانِيَّ} . . معناها أنه يأتي

ص: 416

قوم لا يعرفون شيئاً عن الكتاب إلا ظنا. . فيصدقهم هؤلاء الأميون دون علم. . وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلى أن كثيرا من المذاهب الدينية في الأرض ينشأ عن المبلغين لها. . فهناك أناس يأتمنون آخرين ليقولوا لهم ما إنتهت إليه الأحكام الدينية. . فيأتي الأمي أو غير المثقف يسأل عالما عن حكم من الأحكام الشرعية. . ثم يأخذ منه الحكم ويطبقه دون أن يناقشه. . لأن علمه قد إنتهى عند السؤال عن الفتوى. . والحق سبحانه وتعالى كما يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164]

أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة. . فيقول تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25]

بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض. . نقول لا. . ومن يرتكب إثما يحاسب عليه. . ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها ما حرم الله. . فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل. . فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر لأنه أضل غيره. . بل وأكثر من ذلك. . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول:

«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»

ولابد أن نتنبه إلى خطورة الفتوى في الدين بغير علم. . الفتوى في الدنيا أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر صفقة. . لكن الفتوى في الدين ستدوم عمرا طويلا. .

ص: 417

الحق تبارك وتعالى يقول: {وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} . . والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير مؤكدة. . وإذا كان التمني كما ورد في اللغة هو القراءة. . فهؤلاء الأمِّيون لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان بلا فهم. . ولذلك قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود: {مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة: 5]

وهكذا نرى أن هناك صنفا يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها شيئا. . والله جل جلاله قال إن مثله كالحمار. . ولكن أقل من الحمار، لأن الحمار مهمته أن يحمل الأثقال. . ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما يجهل. . ولكن لابد أن يقرأ الكتاب ويعلم المطلوب منه.

ص: 418

هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين. . وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب. . وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتي ويح وويس. . وكلها تعني الهلاك والعذاب. . وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان عن العذاب. . واقرأ قوله تعالى:{ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]

وقوله جل جلاله: {ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا} [الأنبياء: 97]

هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب. . وقيل إن الويل وَادٍ في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله. . والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفا. . لأن كل من ارتكب إثما نتيجة لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفا أضعافا كثيرة.

ص: 419

يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} . . ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما. . يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم. . نقول لا. . لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل. . رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء الدول نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم.

إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم. . فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم إكتبوا. . ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما. . فليس المسألة نزوة عابرة. . ولكنها مع سبق الإصرار والترصد. . وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية. . يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان.

ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء. . ذهبوا إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم. . لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين. . يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي. . وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان. . فإذا كنا سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا. . لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر. . ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم.

ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة.

. كل منهم حسب مصلحته وهواه. . ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة. . لأنه لم يعد الحكم بالعدل. . بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر. . وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. . إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة. . وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابه، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة.

ص: 420

ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟! . . الحق سبحانه وتعالى يقول: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} . . وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن. . ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة. . ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا. . تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ ثمنا موقوتا. . والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة الكثير ولكنك تبيعه بالقليل. . وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا قليلا.

والحق سبحانه وتعالى: يقول {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} . . الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ} . . ثم جاء قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} . . فساعة الكتابة لها ويل وعذاب. . وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب. . والذي يكسبونه هو ويل وعذاب.

لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع أكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} . . وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب وهناك اكتسب. . كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار. . ولكن في هذه الآية الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال:{وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} . . وفي آية ثانية قال: {بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} .

فلماذا تم هذا الإستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا، إنما هو افتعال في الكسب. . أي اكتساب. . ولابد أن نفهم إنه بالنسبة لجوارح الإنسان. . فإن هناك القول والفعل والعمل. . بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل. . نقول لا. . هناك قول هو عمل اللسان. . وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان. . وعمل وهو أن يوافق القول الفعل. . لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول:{ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3]

ص: 421

إذن هناك قول وفعل وعمل. . والإنسان إذا استخدم جوارحه استخداما سليما بفعل ما هو صالح له. . فإذا انتقل إلى ما هو غير صالح إلى ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل.

. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا. . والإنسان حين يفتح خزانة غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال. . والإنسان مع زوجته منسجم في هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف. . إنها حالة افتعال. . وكل من يكسب شيئا حراما افتعله. . ولذلك يقال عنه اكتسب. . إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام. . في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه. . هؤلاء الذين وصلوا إلى الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله. . أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة.

ص: 422

هنا يكشف الله سبحانه وتعالى فكر هؤلاء الناس. . لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به. . لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذابا خفيفا قصيرا. . ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه بعضهم مع بعض. . ماذا قالوا؟ : {وقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} .

المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من شيء. . ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر. . فإذا أتيت إلى إنسان ووضعت أَنَا مِلَكَ على يده يقال مسست. . ولكنك لم تستطع بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده. . ولكن اللمس يعطيك إحساسا بما تلمس: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب. . ثم أقل الأقل في الزمن فقالوا أياما معدودة. . الشيء إذا قيل عن معدود فهو قليل. . أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير. . ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَآ} [النحل: 18]

فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه. . فإن لم يكن ممكنا لا يُقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عدَّ حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار. . نِعَمُ الله سبحانه وتعالى ظاهرة وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك

ص: 423

لا يقبل لا يُقبل أحد على إحصائها. . وإذا سمعت كلمة «أياما معدودة» فأعلم أنها أيام قليلة. . ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20]

قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. . دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة. . ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ} أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم َ أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه وتعالى بكم. . بل هو جل جلاله الذي يحكم. . فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله لا يخلف وعده.

وقوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} . . هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله. . أو أتختلقون على الله ما لم يقله. . قال: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق.

. إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه. . ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول:«إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها»

إذن مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم. . {لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قول مختلق. . ولكن لمن يقولون على الله ما هو افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.

ص: 424

أراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح كذبهم. . فجاء القرآن قائلا: «بلى» وهي حرف جواب مثل نعم تماما. . ولكن «بلى» حرف جواب في النفي. . يعني ينفي الذي قبله. . هم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ورسول الله سألهم هل اتخذوا عند الله عهدا أو يقولون على الله ما لا يعلمون، فجاء القرآن ليقول:{بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . . بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا. . لأن بلى تأتي بعد النفي. . ونعم تأتي بعد الإجابة. . فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء وقلت نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء. . أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك أن لك عندي شيئا أو أشياء. . ولذلك بعد قولهم {لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} . . لو جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحا، ولكن بلى نفت. . وجاء الكلام بعدها مؤكدا النفي:

{مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هم قالوا لن تمسنا النار. . قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون. . وقوله تعالى: {أَصْحَابُ النار} . . الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين. . ومعنى ذلك أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار. .

هنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} . . وكان السياق يقتضي أن يقال اكتسب. . ولكن لأنهم ظنوا أنهم كسبوا. . كما بينا في الآية السابقة. . وقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته} . . إحاطة بحيث

ص: 425

لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب تفسير لقوله تعالى: {كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته} . . أن المراد الشرك. . لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا مغفرة فيه. . والله تعالى يقول: {إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48]

ولذلك فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط. . ولكنهم كانوا كافرين مشركين. والدليل قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . . وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار. . ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار. . وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم َ كافر. . لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} [آل عمران: 85]

ولذلك قلت هناك فرق بين. . الإنسان الذي يرتكب معصية لأنه لا يقدر على نفسه فيندم ويتوب. . وبين إنسان يفرح بالمعصية. . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17]

وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة. . وهناك من يفرح بالمعصية وهذا يزداد معصية.

ص: 426

عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم. . العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة. . وذلك أن المقابلة ترينا الفرق. . وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة. . لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط. . بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم. . ولذلك يقول سبحانه:{فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]

إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين. . أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف وهذا فوز عظيم. . يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله. . يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما. . لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار. . فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه. . فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان هذا فوزاً آخر. . ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز. . ولم يقل من أدخل الجنة فاز. . بل قال {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} . . وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا المقارنة.

ص: 427

أخذ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ثمانية أشياء: الميثاق. . وهو العهد الموثق المربوط ربطا دقيقا وهو عهد الفطرة أو عهد الذر. . مصداقا لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172]

وهناك عهد آخر أخذه سبحانه وتعالى على رسله جميعا. . أن يبشروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . ويطلبوا من أتباعهم أن يؤمنوا به عند بعثه. . أو ألا يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه. . والميثاق هو كل شيء فيه تكليف من الله. . ذلك أنك تدخل في عقد إيماني مع الله سبحانه وتعالى بأن تفعل ما يأمر به وتترك ما نهى عنه. . هذا هو الميثاق. . كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ. . في علاقة الرجل بالمرأة. . قال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 20 - 21]

ص: 428

نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون إلا به. . أشياء لا تحل لأبيها أو لأخيها أو أي إنسان عدا زوجها. . والرجل إذا دخل على ابنته وكانت ساقها مكشوفة تسارع بتغطيته. . فإذا دخل عليها زوجها فلا شيء عليها. . إذن هو ميثاق غليظ لأنه دخل مناطق العورة وأباح العورة للزوج والزوجة. . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]

إن كلا منهما يغطي ويخفي ويستر عورة الآخر. . والأب لا يفرح من انتقال ولاية ابنته إلى غيره. . إلا انتقال هذه الولاية لزوجها. . ويشعر بالقلق عندما تكبر الفتاة ولا تتزوج.

الحق يقول: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله} هذا الميثاق شمل ثلاثة شروط: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الله} أي تعبدون الله وحده. . وتؤمنون بالتوراة وبموسى نبيا. . لماذا؟ لأن عبادة الله وحده هي قمة الإيمان. . ولكن لا تحدد أنت منهج عبادته سبحانه. . بل الذي يحدد منهج العبادة هو المعبود وليس العابد. . لابد أن تتخذ المنهج المنزل من الله وهو التوراة وتؤمن به. . ثم بعد ذلك تؤمن بموسى نبيا. . لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة. . وهو الذي سيبين لك طريق العبادة الصحيحة. وبدون هذه الشروط الثلاثة لا تستقيم عبادة بني إسرائيل. .

وقوله تعالى: {وبالوالدين إِحْسَاناً} لأنهما السبب المباشر في وجودك. . ربياك وأنت صغير، ورعياك، وقوله تعالى:«إحسانا» معناه زيادة على المفروض.

لأنك قد تؤدي الشيء بالقدر المفروض منك. . فالذي يؤدي الصلاة مثلا بقدر الغرض يكون قد أدى. . أما الذي يصلي النوافل ويقوم الليل يكون قد دخل في مجال الإحسان. . أي عطاؤه أكثر من المفروض. . والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ

ص: 429

ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذاريات: 15 - 19]

وهكذا نرى أن الإحسان زيادة على المفروض في الصلاة والتسبيح والصدقة والله تبارك وتعالى يريد منك أن تعطي لوالديك أكثر من المفروض أو من الواجب عليك. .

وقوله تعالى: {وَذِي القربى} . . يحدد الله لنا فيها المرتبة الثانية بالنسبة للإحسان. . فالله جل جلاله أوصانا أن نحسن لوالدينا ونرعى أقاربنا. . ولو أن كل واحد منا قام بهذه العملية ما وجد محتاج أو فقير أو مسكين في المجتمع. . والله يريد مجتمعا لا فقر فيه ولا حقد. . وهذا لا يتأتى إلا بالتراحم والإحسان للوالدين والأقارب. . فيكون لكل محتاج في المجتمع من يكفله. .

ويقول الله سبحانه: «واليتامى» . . واليتيم هو من فقد أباه وهو طفل لم يبلغ مبلغ الرجال. . هذا في الإنسان. . أما في الحيوان فإن اليتيم من فقد أمه. . لأن الأمومة في الحيوان هي الملازمة للطفل، ولأن الأب غير معروف في الحيوان ولكن الأم معروفة. . اليتيم الذي فقد أباه فقد من يعوله ومن يسعى من أجله ومن يدافع عنه. . والله سبحانه وتعالى جعل الأم هي التي تربي وترعى. . والأب يكافح من أجل توفير احتياجات الأسرة. . ولكن الحال إنقلب الآن ولذلك يقول شوقي رحمه الله:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ

هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفََاهُ ذَلِيلَا

إِنّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ

أُمَّاَ تَخَلَّتْ أَوْ أَباًً مَشْغُولَا

إن اليتيم يكون منكسرا لأنه فقد والده فأصبح لا نصير له. . فإذا رأينا في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه رعاية الأب كل رجال المجتمع. . فذلك

ص: 430

يجعل الأب لا يخشى أن يترك إبنه بعد وفاته. . إذن فرعاية المجتمع لليتيم تضمن أولا حماية حقه، لأنه إذا كان يتيما وله مال فإن الناس كلهم يطمعون في ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه. . هذه واحدة. . والثانية أن هذا التكافل يُذْهِب الحقد من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئنا على أولاده. .

وقوله سبحانه وتعالى: «والمساكين» . . في الماضي كنا نقول إن المساكين هم الذين لا يملكون شيئا على الإطلاق ليقيموا به حياتهم. . إلى أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف: {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر} [الكهف: 79]

فعرفنا أن المسكين قد يملك.

. ولكنه لا يملك ما يكفيه. . وهذا نوع من التكافل الإجتماعي لابد أن يكون موجودا في المجتمع. . حتى يتكافل المجتمع كله. . فأنت إن كنت فقيرا أو مسكينا ويأتيك من رجل غني ما يعينك على حياتك. . فإنك ستتمنى له الخير لأن هذا الخير يصيبك. . ولكن إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئا. . هو يزداد غنى وأنت تزداد فقرا. . تكون النتيجة أن حقده يزداد عليك. .

ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} . . كلمة حسنا بضم الحاء ترد بمعنى حسن بفتح الحاء. . والحسن هو ما حسنه الشرع. . ذلك أن العلماء اختلفوا: هل الحسن هو ما حسَّنه الشرع أو ما حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع. . لأن العقل قد يختلف في الشيء الواحد. . هذا يعتبره حسنا وهذا يعتبره قبيحا. . والله تبارك وتعالى يقول: {ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]

هذا هو معنى قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} . . ثم جاء قوله جل

ص: 431

جلاله: {وَأَقِيمُواْ الصلاة} وقد تكلمنا عن معنى إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا. . وبين أن تقول أقيموا الصلاة. . أقيموا الصلاة معناها صلّ ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب منك. . وإقامة الصلاة كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبدا عن الإنسان. .

ويقول الحق: {وَآتُواْ الزكاة} . . بالنسبة للزكاة عندما يقول الله سبحانه: {وَذِي القربى واليتامى والمساكين} . . نقول أن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة ماداموا فقراء. . لنحس جميعا أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة. . يحاول كل منا أن يعاون الآخر. . فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن يتيما أو قريبا. . فإن لكل فقير حقوقا ورعاية. . فإذا كان هناك فقراء أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان. . حق القريب وحق الفقير. .

وإن كان يتيما فله حق اليتيم وحق الفقير. . بعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى عناصر الميثاق الثمانية. . قال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} . . تولى يعني أعرض أو لم يُطعْ أو لم يستمع. . يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} . . هذا هو واقع تاريخ بني إسرائيل. . لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق وبعضهم أطاع. .

إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين منهم. ولذلك احترم الواقع وقال:{إِلَاّ قَلِيلاً} . . وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون صيانة الاحتمال. .

إن الحق جل جلاله يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق. . لذلك لم يقل {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} بل قال إلا قليلا.

«توليتم» يعني أعرضتم، ولكن الله تبارك وتعالى يقول:{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} نريد أن نأخذ الدقة الأدائية. . إذا أردنا أن نفسر توليّ. . فمعناها أعرض أو رفض الأمر. . ولكن الدقة لو نظرنا للقرآن لوجدنا أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة. . فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَاّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [الأنفال: 16]

ص: 432

إذن فالتولي هو الإعراض. . والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة. . المقاتل يوم الزحف يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة. . ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء. . هذا إعراض ولكن ليس بنية الهرب من المعركة. . ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر. .

نفرض أن إنسانا مدين لك رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه. . أنت لم تعرض عنه كرها. . ولكن رحمة لأنك لا تريد المساس بكرامته. . إذن هناك تولٍّ أو إعراض ليس بنية الإعراض. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية أخرى. . أي أنهم أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا. . وليس لهدف آخر.

ص: 433

قلنا ساعة تسمع «إذ» فأعلم أن معناها أذكر. . وقلنا إن الميثاق هو العهد الموثق. . وقوله تعالى: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} . . والله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده. . وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين. . وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة. . وكلها أوامر أي وكلها افعل. . إستكمالا للميثاق. . يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل. . فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي. . أو ما نهى عنه الميثاق:

{لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه. . لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: «دماءكم» ؟ لأنه بعد ذلك يقول: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} . . الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة. . لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

«مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»

فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة. . والله سبحانه وتعالى يقول: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]

ص: 434

ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة. . وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} . . أي لا تقتلوا أنفسكم. . السفك معناه حب الدم. . «ودماءكم» هو السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة. . وقوله تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. . ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} . . أقررتم أي اعترفتم: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} الشهادة هي الإخبار بمشاهد. . والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا. . وأنت حين تروي ما شاهدت. . فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا لديهم. . وشاهد الزور يغير المواقع.

الحق سبحانه وتعالى يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين. . وموقفهم من أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة. . والقرآن يريد أن يقول لهم إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون. . فالذي جاء على هواكم طبقتموه. . والذي لم يأت على هواكم لم تطبقوه.

ص: 435

يخاطب الحق جل جلاله اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على هواهم. . ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} . إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه.

ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم. . فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم. . أو أنه لا يعلم ما في كتابهم. . فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة. . قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس. . قال لهم رسول الله لا. . عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا. . فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ سيخفف حدا من حدود الله. . يذهبون إليه ليستفتوه.

والحق سبحانه وتعالى يقول: {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} . . أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا. . تقتلون أنفسكم. . يقتل بعضكم بعضا، أو أن من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل نفسه. . والحق سبحانه قال:{ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} . . لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم.

وقوله تعالى: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} وحذرهم بقوله: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} . . وجاء هذا في الميثاق. ما هو الحكم الذي

ص: 436

يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ حينما هاجر إلى المدينة إنتقل من دار شرك إلى دار إيمان. . ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا. . فهناك من آمن من أهل المدينة. . لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان. . ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وآمنوا به. . أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم. . وجاءت هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ُ على خميرة إيمانية موجودة. . لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم َ إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم. . فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. . وكان هناك في المدينة الأوس والخزرج. . وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام. . فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة. . فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد.

. وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم.

إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية يهودي. . والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي. . وكان بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس. . فإذا إشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم. . مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر. . فإذا إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود. . يأتي اليهود ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود. . لأن عندهم نصاً أنه إذا وجد أسير من بني إسرائيل فلابد من فك أسره.

والحق سبحانه وتعالى يقول لهم إن أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضا وأن تسفكوا دماءكم. . لا تتفق مع الميثاق الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية. . تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن هذا: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} والله نهاكم عن هذا: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} . . وهذا ما كان يحدث في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بينا. . والأسارى جمع أسير وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى. . ولذلك نرى في آية أخرى أنه يأتي قول الله

ص: 437

سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض} [الأنفال: 67]

ولكن القرآن أتى بها أسارى. . واللغة أحيانا تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني. . فكسلان تجمع كسالى. والكسلان هو هابط الحركة. . الأسير أيضا أنت قيدت حركته. . فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة. . القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى. . ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى. . ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت. . لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام. . ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه.

كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء. . فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم إستأسروهم. . لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل. . ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية. . وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة. . لأنه لو لم يكن الأسر مباحا. . لكان لابد إذا إلتقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر. . لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده خطراً على حياتك.

وقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} . . كانت كل طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.

. وكانت تخرج المغلوب من دياره وتأخذ الديار. . وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم. . أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم.

لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة. . إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية. . لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب. . ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج. . ويكون بينكم إثم وعدوان.

وقوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ} . . تظاهرون عليهم. أي

ص: 438

تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: «بالإثم» . . والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: «والعدوان» . . أي التعدي بشراسة. . وقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} . . أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية. . وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج. . تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب. . مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا} أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه. . سيصيبكم الله بخزي في الدنيا. . أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا. . وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب} الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم َ والمؤمنين. . وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة. . كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ والمسلمين. . وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة. . وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون. . ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد. . اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا:{يَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب} .

قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا. . لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا. . ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم. . فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة. . فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم. . هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة. . أما الظالمون فالأمر يختلف. . لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة. . مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد. .

ص: 439

حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذي أصابهم خزي في الدنيا من عذاب الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم.

. أصابهم ضر وعذاب. . ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة. . وما أهون عذاب الدنيا هو بقدرة البشر بالنسبة لعذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله سبحانه وتعالى، كما أن هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب.

ثم يقول الحق جل جلاله: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} . . أي لا تحسب أن الله سبحانه وتعالى يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة نوم. . وهو بكل شيء محيط.

ص: 440

ويذكر لنا الله سبحانه وتعالى سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. . جعلوا الآخرة ثمنا لنزواتهم ونفوذهم في الدنيا. . هم نظروا إلى الدنيا فقط. . ونظرة الإنسان إلى الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة. . فالدنيا عمرك فيها محدود. . ولا تقل عمر الدنيا مليون أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة. . عمر الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها. . فإذا خرجت من الدنيا انتهت بالنسبة لك. . والخروج من الدنيا بالموت. . والموت لا أسباب له ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا لأن عمرنا فيها مظنون. . هناك من يموت في بطن أمه. . ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلى أرذل العمر. . إذن فاتجه إلى الآخرة، ففيها النعيم الدائم والحياة بلا موت المتعة على قدرات الله. . ولكن خيبة هؤلاء أنهم إشتروا الدنيا بالآخرة. . ولذلك يقول الحق عنهم:{فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} . . لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة سيخفف عنهم. . أو ستقل درجته أو تنقص مدته. . أو سيأتي يوما ولا يأتي يوما وقوله: {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} . . النصرة تأتي على معنيين. . تأتي بمعنى أنه لا يغلب. . وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره. . كونه يغلب. . الله سبحانه وتعالى غالب على أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. . ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه. . ويملك تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول: {قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَاّ مَا شَآءَ الله} [الأعراف: 188]

ص: 441

أما مسألة أن ينصره أحد. . فمن الذي يستطيع أن ينصر أحدا من الله. . واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: {وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله} [هود: 30]

يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب} . . أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلا. . يتحدث الله سبحانه وتعالى عنه بلهجة المضارع. . نقول إن كل أحداث الكون وما سيقع منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه. . لذلك نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه: {أتى أَمْرُ الله فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]

أتى فعل ماضي. . ولا تستعجلوه مستقبل. . كيف يقول الله سبحانه وتعالى أتى ثم يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا. . أما بالنسبة لله تبارك وتعالى فمادام قد قال أتى. . فمعنى ذلك أنه حدث. . فلا أحد يملك أن يمنع أمرا من أمور الله من الحدوث. . فالعذاب آت لهم آت. . ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه.

ص: 442

وبعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا ما فعله اليهود مع نبيهم موسى عليه السلام. . أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى. . وأراد أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم. . ولقد جاء لبني إسرائيل رسل كثيرون لأن مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة. . ولكن الآيةَ الكريمة ذكرت عيسى عليه السلام. . لأن الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما اليهودية والنصرانية. . ولكن لابد أن نعرف أنه قبل مجيء عيسى. . وبين رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام رسل كثيرون. . منهم داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم. . فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل يبتعدون عن الدين. . ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية. . فيرسل اللهُ رسولا يعدل ميزانَ حركة حياتهم. . ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلى معصيتهم وفسقهم. . فيبعث اللهُ رسولا جديداً. . ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع الله. . ولكنهم بعده يعودون مرة أخرى إلى المعصية والكفر.

وقال اللهُ سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب} والقائلُ هو اللهُ جل جلاله. . والكتابُ هو التوراةُ: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل} . . واللهُ تبارك وتعالى بين لنا موقفَ بني إسرائيل من موسى. . وموقِفَهُم من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين. . ولكنه لم يبين لنا موقفَهُم من الرسلِ الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم.

الحقُ سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا. . إلى أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى. . أن يعملوا بالكتاب الذي أرسل معه فقط. . ولكنه أتبع ذلك بالرسل. . حين تسمع «قفينا» . . أي اتبعنا بعضهم بعضا. . كل يخلف الذي سبقه. «وقفينا»

ص: 443

مشتقة من قفا. . وقفا الشيء خلفه. . وتقول قفوت فلاناً أي سرت خلفه قريباً منه.

إن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن رسالةَ موسى لم تقف عند موسى وكتابه. . ولكنه سبحانه أرسل رسلاً وأنبياءَ ليذكروا وينبهوا. . ولقد قلنا إن كثرةَ الأنبياءِ لبني إسرائيلَ ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم. . إنهم يتفاخرون أنهم أكثرُ الأممِ أنبياءً. . ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا. . فكثرة الأنبياء والرسل دلالةَ على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص البشريةِ من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء. . وكلما كثُرَ الرسلُ والأنبياءُ دل ذلك على أن القومَ قد انحرفوا بمجرد ذهابِ الرسولِ عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد. . تماما كما يكون المريض في حالةٍ خطرةٍ فيكثر أطباؤه بلا فائدةٍ. . وليقطع اللهُ سبحانه وتعالى عليهم الحجةَ يومَ القيامةِ.

. لم يترك لهم فترةً من غفلةٍ. . بل كانت الرسلُ تأتيهم واحدا بعد الآخر على فتراتٍ قريبةٍ.

وإذا نظرنا إلى يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى. . نرى موكبا طويلاً جاء بعد موسى. . حتى إنه لم تمر فترةٌ ليس فيها نبي أو رسول. . وحتى نفرقَ بين النبيِ والرسولِ. . نقول النبيُ مرسلٌ والرسولُ مرسلٌ. . كلاهما مرسلٌ من اللهِ ولكن النبيَ لا يأتي بتشريعٍ جديدٍ. . وإنما هو مرسلٌ على منهجِ الرسولِ الذي سَبَقَهُ. . واقرأ قولَهُ سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} [الحج: 52]

إذن فالنبي مرسل أيضاً. . ولكنه أسوةٌ سلوكيةٌ لتطبيقِ منهجِ الرسولِ الذي سبقه.

وهل اللهُ سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين أرسلهم؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:

ص: 444

{وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً} [النساء: 164]

إذن هناك رسلٌ وأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل لم نعرفهم. . لأن الله لم يقصص علينا نبأهم. . ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام. . باعتباره من أكثر الرسل أتباعا. . والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت صدقَ بلاغه عن اللهِ. . ولذلك قال جل جلاله: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} . . وعيسى ابنُ مريمَ عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل. . وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس. . فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب. . حتى إنهم قالوا لموسى: {أَرِنَا الله جَهْرَةً} . . وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله. . خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزقٌ غيبيّ فطلبوا نبات الأرض. . لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية. . مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية.

لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر الماديّ. . أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منويّ. . واللهُ سبحانه وتعالى أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه. . وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: «كن» كان. . بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون. . وفي قضية الخلق أراد الله جل جلاله للعقول أن تفهم أن مشيته هي السبب وهي الفاعلة. . واقرأ قوله سبحانه: {لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}

[الشورى: 49 - 50]

ص: 445

فكأن الله سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنوثة هما السبب في الإنجاب. . ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنةً على الأسباب. . فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان. . فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب.

والله سبحانه وتعالى يقول: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} . . لماذا قال الحق تبارك وتعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} . . ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟

نقول: لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له. . ميلاداً ومعجزةً وموتاً. . والروحُ القدس هو جبريل عليه السلام لم يكن يفارقه أبدا. . لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضاً دائماً للهجوم. . ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه. . ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه. . وعندما يتحدث القرآن أنه رفع إلى السماء. . اختلف العلماء هل رفع إلى السماء حيا؟ أو مات ثم رفع إلى السماء؟ نقول: لو أننا عرفنا أنه رُفع حيا أو مات فما الذي يتغير في منهجنا؟ لا شيء. . وعندما يقال إنه شيء عجيب أن يرفع إنسان إلى السماء، ويظل هذه الفترة ثم يموت. . نقول إن عيسى ابنَ مريمَ لم يتبرأ من الوفاة. . إنه سيُتَوَفّى كما يُتَوَفَّى سائر البشر. . ولكن هل كان ميلاده طبيعياً؟ الإجابة لا. . إذن فلماذا تتعجب إذا كانت وفاته غير طبيعية؟ لقد خلق من أم بدون أب. . فإذا حدث أنه رفع إلى السماء حياً وسينزل إلى الأرض فما العجب في ذلك؟ ألم يصعد رسولنا صلى الله عليه وسلم َ إلى السماء حياً؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلى الأرض حياً؟ لقد حدث هذا لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام ُ. . إذن فالمبدأ موجود. . فلماذا تستبعد صعود عيسى ثم نزوله في آخر الزمان؟ والفرق بين محمدٍ صلى الله عليه وسلم َ وعيسى هو أن محمداً لم يمكث طويلاً في السماء، بينما عيسى بقى. . والخلاف على الفترة لا ينقض المبدأ.

عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم صلى الله عليه وسلم َ حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»

ص: 446

وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري. . فقد جعله الله مثلا لبني إسرائيل. . واقرأ قوله سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59]

قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات} .

. البينات هي المعجزات مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات. . وهي الأمور البينة الواضحة على صدق رسالته.

لكننا إذا تأملنا في هذه المعجزات. . نجد أن بعضها نسبت لقدرة الله كإحياء الموتى جاء بعدها بإذن الله. . وبعضها نسبها إلى معجزته كرسول. . ومعروف أنه كرسول يؤيده اللهُ بمعجزات تخرق قوانين الكون. . ولكن هناك فرقاً بين معجزة تعطي كشفاً للرسول. . وبين معجزة لابد أن تتم كل مرة من الله مباشرة. . واقرأ الآية الكريمة: {وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]

وهكذا نرى في الآية الكريمة أنه بينما كان إخبار عيسى لما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم كشفاً من الله. . كان إحياء الموتى في كل مرة بإذن الله. . وليس كشفا ولا معجزة ذاتية لعيسى عليه السلام. . إن كل رسول كان مؤيداً بروح القدس وهو جبريل عليه السلام. . ولكن الله أيد عيسى بروح القدس دائما معه. . وهذا معنى قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} . . وأيدناه مشتقة من القوة ومعناها قويناه

ص: 447

بروح القدس في كل أمر من الأمور. . وكلمة روح تأتي على معنيين. . المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة. . وهناك روح أخرى هي روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة. . ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى القرآن بالروح. . واقرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]

والقرآن روح. . من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم. . إذن كل ما يتصل بالمنهج فهو روح. . والقدس هذه الكلمة تأتي مرة بضم القاف وتسكين الدال. . ومرة بضم القاف وضم الدال. . وكلا اللفظين صحيح وهي تفيد الطهر والتنزه عن كل ما يعيب ويشين. . والقدس يعني المطهر عن كل شائبة.

قوله تبارك وتعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم} قوله تعالى: «أفكلما» . . هناك عطف وهناك استفهام، وهي تعني أكفرتم، وكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم. . أي إن اليهود جعلوا أنفسهم مشرعين من دون الله. . وهم يريدون أن يشرعوا لرسلهم. . فإذا جاء الرسول بما يخالف هواهم كذَّبوه أو قتلوه.

وقوله تعالى: {بِمَا لَا تهوى أَنْفُسُكُمْ} . . هناك هَوَى بالفتحة على الواو وهَوِيَ بالكسرة على الواو. . هَوَى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلى أسفل. . وهَوِيَ بالكسرة على الواو معناه أحب وأشتهى.

. اللفظان ملتقيان. . الأول معناه الهبوط، والثاني حب الشهوة والهوى يؤدي إلى الهبوط. . ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما يشرع يقول (تَعَالَوْا) ومعناها؟ إرتفعوا من موقعكم الهابط. . إذن فالمنهج جاء ليعصمنا من السقوط. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . يعطينا هذا المعنى، وكيف أن الدين يعصمنا من أن نهوى ونسقط في جهنم يقول:

«إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعْن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم موحمون فيه» .

ص: 448

ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم. . وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها باتباعنا شهوتنا. . ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها. . ولكن رب نفسٍ عشقت مصرعها. . والحق تبارك وتعالى يقول: {استكبرتم فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]

معنى استكبرتم أي أعطيتم لأنفسكم كبرا لستم أهلا له. . ادعيتم أنكم كبارٌ ولستم كباراً. . ولكن هل المشروع مساو لك حتى تتكبر على منهجه؟ طبعا لا. . قوله تعالى: {ففريقاً كذبتم} . . والكذب كلام يخالف الواقع. . أي أنكم اتهمتم الرسل بأنهم يقولون كلاما يخالف الواقع. لأنه يخالف ما تشتهيه أنفسكم. . وقوله تعالى: {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} . . التكذيب مسألة منكرة. . ولكن القتل أمر بشع. . وحين ترى إنسانا يتخلص من خصمه بالقتل فاعلم أنها شهادة بضعفه أمام خصمه. . وإن طاقته وحياته لا تطيق وجود الخصم. . ولو أنه رجلٌ مكتمل الرجولة لما تأثر بوجود خصمه. . ولكن لأنه ضعيف أمامه قتله. .

قوله تعالى: {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} . . مثل نبي الله يحيى ونبي الله زكريا. . وهناك قصص وروايات تناولت قصة سالومي. . وهي قصة راقصة جميلة أرادت إغراء يحيى عليه السلام فرفض أن يخضع لإغرائها. . فجعلت مهرها أن يأتوها برأسه. . وفعلا قتلوه وجاءوها برأسه على صينية من الفضة.

ص: 449

الله سبحانه وتعالى يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم الأنبياء وكل ما حدث منهم. . فماذا قالوا؟ لقد قالوا {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} والغلف مأخوذ من الغلاف والتغليف. . وهناك غلْف بسكون اللام، وغلُف بضم اللام. . مثل كتاب وكتب {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي مغلفة وفيها من العلم ما يكفيها ويزيد، فكأنهم يقولون إننا لسنا في حاجة إلى كلام الرسل. . أو {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي مغلفة ومطبوع عليها. . أي أن الله طبع على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ إليها شعاع من الهداية. . ولا يخرج منها شعاع من الكفر.

إذا كان الله سبحانه وتعالى قد فعل هذا. . ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟ ما هو السبب؟ والحق تبارك وتعالى يرد عليهم فيقول: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} : لفظ «بل» يؤكد لنا أن كلامهم غير صحيح. . فهم ليس عندهم كفاية من العلم بحيث لا يحتاجون إلى منهج الرسل. . ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله. . فلا تنفذ إشعاعات النور ولا الهداية إلى قلوبهم. . ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب. . ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى. . فصدوه بالكفر أولا. . ولذلك فإنهم أصبحوا مطرودين من رحمة الله. . لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من رحمة الله، ولا ينفذ إلى قلبه شعاع من أشعة الإيمان.

وهنا يجب أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يبدأهم باللعنة. وبعض الناس الذين يريدون أن يهربوا من مسئولية الكفر - علها تنجيهم من العذاب يوم القيامة - يقولون إن الله سبحانه وتعالى قال: {فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [فاطر: 8]

ص: 450

تلك هي حجة الكافرين الذين يظنون إنها ستنجيهم من العذاب يوم القيامة. . إنهم يريدون أن يقولوا إن الله يضل من يشاء. . ومادام اللهُ قد شاء أن يضلني فما ذنبي أنا؟ وهل أستطيع أن أمنع مشيئة الله. . نقول له: إن الله إذا قيد أمرا من الأمور المطلقة فيجب أن نلجأ إلى التقييد. . والله تبارك وتعالى يقول: {والله لَا يَهْدِي القوم الكافرين} [التوبة: 37]

ويقول سبحانه: {والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} [التوبة: 19]

ويقول جل جلاله: {والله لَا يَهْدِي القوم الفاسقين} [التوبة: 24]

والحق سبحانه وتعالى أخبرنا أنه منع إعانته للهداية عن ثلاثة أنواع من الناس. . الكافرين والظالمين والفاسقين. . ولكن هل هو سبحانه وتعالى منع معونة الهداية أولا؟ أم أنهم هم الذين ارتكبوا من الضلال ما جعلهم لا يستحقون هداية الله؟! إنسان واجه الله بالكفر. . كفر بالله. . رفض أن يستمع لآيات الله ورسله.

. ورفض أن يتأمل في كون الله. . ورفض أن يتأمل في خلقه هو نفسه ومن الذي خلقه. . ورفض أن يتأمل في خلق السموات والأرض. . كل هذا رفضه تماما. . ومضى يصنع لنفسه طريق الضلال ويشرع لنفسه الكفر. . لأنه فعل ذلك أولا. . ولأنه بدأ بالكفر برغم أن الله سبحانه وتعالى وضع له في الكون وفي نفسه آيات تجعله يؤمن بالله، وبرغم ذلك رفض. هو الذي بدأ والله سبحانه وتعالى ختم على قلبه.

ص: 451

الإنسان الظالم يظلم الناس ولا يخشى الله. . يذكرونه بقدره الله وقوة الله فلا يلتفت. . يختم الله على قلبه. . كذلك الإنسان الفاسق الذي لا يترك منكرا إلا فعله. . ولا إثما إلا ارتكبه. . ولا معصية إلا أسرع إليها. . لا يهديه الله. . أكنت تريد أن يبدأ هؤلاء الناس بالكفر والظلم والفسوق ويصرون عليه ثم يهديهم الله؟ يهديهم قهرا أو قَسْراً، والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين؟ طبعا لا. . ذلك يضع الاختيار البشري في أن يطيع الإنسان أو يعصى.

والحق تبارك وتعالى أثبت طلاقة قدرته فيما نحن مقهورون فيه. . في أجسادنا التي تعمل أعضاؤها الداخلية بقهر من الله سبحانه وتعالى وليس بإرادة منا كالقلب والتنفس والدورة الدموية. . والمعدة والأمعاء والكبد. . كل هذا وغيره مقهور لله جل جلاله. . لا نستطيع أن نأمره ليفعل فيفعل. . وأن نأمره ألا يفعل فلا يفعل. . وأثبت الله سبحانه وتعالى طلاقة قدرته فيما يقع علينا من أحداث في الكون. . فهذا يمرض، وهذا تدهمه سيارة، وهذا يقع عليه حجر. . وهذا يسقط، وهذا يعتدي عليه إنسان. . كل الأشياء التي تقع عليك لا دخل لك فيها ولا تستطيع أن تمنعها. . بقى ذلك الذي يقع منك وأهمه تطبيق منهج الله في افعل ولا تفعل. . هذا لك اختيار فيه.

إن الله سبحانه وتعالى أوجد لك هذا الاختيار حتى يكون الحساب في الآخرة عدلا. . فإذا اخترت الكفر لا يجبرك الله على الإيمان. . وإذا اخترت الظلم لا يجبرك الله على العدل. . وإذا اخترت الفسوق لا يجبرك الله على الطاعة. . إنه يحترم اختيارك لأنه أعطاك هذا الاختيار ليحاسبك عليه يوم القيامة.

لقد أثبت الله لنفسه طلاقة القدرة بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكنه سبحانه قال إنه لا يهدي القوم الكافرين ولا القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين. . فمن يرد أن يخرج من هداية الله فليكفر أو يظلم أو يفسق. . ويكون في هذه الحالة هو الذي اختار فحق عليه عقاب الله. . لذلك فقد قال الكافرون من بني إسرائيل إن الله ختم على قلوبهم فهم لا يهتدون، ولكنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق ومشوا فيه.

. فاختاروا عدم الهداية. .

لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيراً بين العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا

ص: 452

الجدل. . فالله سبحانه وتعالى قال: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} . . واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. . ويتم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى. . لأن الطرد يتناسب مع قوة الطارد.

فمثلا. . إبنك الصغير يطرد حجرا أمامه تكون قوة الطرد متناسبة مع سنه وقوته. . والأكبر أشد فأشد. . فإذا كان الطارد هو الله سبحانه وتعالى فلا يكون هناك مقدارٌ لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل البشري.

قوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} . . أي طردهم الله بسبب كفرهم. . والله تبارك وتعالى لا يتودد للناس لكي يؤمنوا. . ولا يريد للرسل أن يتعبوا أنفسهم في حمل الناس على الإيمان. . إنما وظيفة الرسول هي البلاغ حتى يكون الحساب حقا وعدلا. . واقرأ قوله جل جلاله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4]

أي إنهم لا يستطيعون ألا يؤمنون إذا أردناهم مؤمنين قهرا. . ولكننا نريدهم مؤمنين اختيارا. . وإيمان العبد هو الذي ينتفع به. . فالله لا ينتفع بإيمان البشر. . وقولنا لا إله إلا الله لا يسند عرش الله. . قلناها أو لم نقلها فلا إله إلا الله. . ولكننا نقولها لتشهد علينا يوم القيامة. . نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله. .

وقوله تعالى: «بكفرهم» يعطينا قضية مهمة هي: أنه تبارك وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك. فمن يشرك معه أحدا فهو لمن أشرك. . لذلك يقول الحق جل جلاله في الحديث القدسي:

«أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ من عَمِلَ عملا أَشْرَكَ فيه معي غيري تركْتُهُ وشِركُه»

ص: 453

وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بالألوهية. . هي شهادة الذات للذات. . وذلك في قوله تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ} [آل عمران: 18]

فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق خلقا يشهدون أنه لا إله إلا الله. . شهد لنفسه بالألوهية. . ولنقرأ الآية الكريمة: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إله إِلَاّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط} [آل عمران: 18]

والله سبحانه وتعالى شهد لنفسه شهادة الذات للذات. والملائكة شهدوا بالمشاهدة. . وأولو العلم بالدليل. . والحق تبارك وتعالى يقول: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} . . عندما تقول قليلا ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الإحتمال، لأنه من الممكن أن يثوب واحد منهم إلى رشده ويؤمن. . فيبقي اللهُ البابَ مفتوحا لهؤلاء. ولذلك نجد الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون. . في ظاهر الأمر أنهم أسرفوا على أنفسهم. . ولكنهم عندما تابوا واعترفوا بخطاياهم وعادوا إلى طريق الحق تقبل الله إيمانهم. . لذلك يقول الله جل جلاله:{فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} أي أن الأغلبية تظل على كفرها. . والقلة هي التي تعود إلى الإيمان.

ص: 454

بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى. . أن بني إسرائيل قالوا إن قلوبهم غلف لا يدخلها شعاع من الهدى أو الإيمان. . أراد تبارك وتعالى أن يعطينا صورة أخرى لكفرهم بأنه أنزل كتابا مصدقا لما معهم ومع ذلك كفروا به. . ولو كان هذا الكتاب مختلفا عن الذي معهم لقلنا إن المسألة فيها خلاف. . ولكنهم كانوا قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وينزل عليه القرآن كانوا يؤمنون بالرسول والكتاب الذي ذكر عندهم في التوراة. . وكانوا يقولون لأهل المدينة. . أَهَلّ زمن رسول سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم قبل عاد وإرم.

لقد كان اليهود يعيشون في المدينة. . وكان معهم الأوس والخزرج وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم. . فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن.

واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . لأن الأوس والخرزج عندما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام ُ قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه. . فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون.

والرسول عليه الصلاة والسلام ُ كان يذهب إلى الناس في الطائف. . وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه ويضطهدونه. . وعندما شاء الله أن ينتشر دعوة الإسلام جاء الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ولم يذهب هو إليهم،

ص: 455

وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته. . دون أن يطلب عليه الصلاة والسلام ُ منهم ذلك. . ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان. . كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة وينصره بمن اتبعوه.

ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ} . . أي أنهم قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه. . فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته.

وقوله تعالى: {عَلَى الذين كَفَرُواْ} . . أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد. . لأن الرسول لم يأت. . الحق سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} .

وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به. . ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله. . واللعنة كما قلنا هي الطرد من رحمة الله.

ص: 456

عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم َ وطردهم الله من رحمته. . بيّن لنا أنهم: {بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} . . وكلمة إشترى سبق الحديث عنها وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ونأخذ السلعة التي نريدها. . ولكن الكافرين قلبوا هذا رأسا على عقب وجعلوا الثمن سلعة. . على أننا لابد أن نتحدث أولا عن الفرق بين شرى واشترى. . شَرَى بمعنى باع. . واقرأ قوله عز وجل: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين} [يوسف: 20]

ومعنى الآية الكريمة أنهم باعوه بثمن قليل. . واشترى يعني ابتاع. . ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى. . لأنك في بعض الأحيان تكون محتاجا إلى سلعة ومعك مال. . وتذهب وتشتري السلعة بمالك وهذا هو الوضع السليم. . ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلا. . وليس عندك المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر. . فتذهب إلى الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة. . أصبح الثمن في هذه الحالة مشترى. . إذن فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعاً. .

والحق تبارك وتعالى يقول: {بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} . . وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة. . ويؤمنون بالمادية وأساسها البيع والشراء. . لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا صفقة خاسرة. . الصفقة الرابحة

ص: 457

كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم َ. . ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا الكفر فخسروا الصفقة لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. . والله سبحانه وتعالى يجعل بعض العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى عند من لم يؤمن بالآخرة. . فعندما يرى ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذابا دنيويا يقع على ظالم. . يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى لا يصيبه عذاب الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب. . وحتى لا ينتشر في الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة. . وضع الحق تبارك وتعالى قصاصا في الدنيا. . واقرأ قوله جل جلاله: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]

والله سبحانه وتعالى في قصاصه يلفت المؤمن وغير المؤمن إلى عقوبة الحياة الدنيا. . فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس ويصيبه بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه. . ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان.

والله تبارك وتعالى جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا. . جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله.

فتجد إنسانا ابتعد عن دينه وأقبلت عليه الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين. . وتجد امرأة غرها المال فانطلقت تجمعه من كل مكان حلالا أو حراما وأعطتها الدنيا بسخاء. . وفي آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء. . وتموت فيجمع لها الناس مصاريف جنازتها. . كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس. . ولذلك فهي تحدث على رؤوس الأشهاد. . يعرفها عدد كبير من الناس. . إما لأنها تنشر في الصحف وإما أنها تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها. . المهم أنها تكون مشهورة.

وتجد مثلا أن اليهود الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح. . ينتهي بهم الحال أن يطردوا من ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم. . أليس هذا خزيا؟

ص: 458

قوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْياً} . . البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حدا مَنْ تجاوزه بَغَى. . والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام. . ومرة تكون أوامر ومرة تكون نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر:{تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]

ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]

ولكن ما سبب بغيهم؟ . . بغيهم حسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أن تأتي إليه الرسالة. . وعلى العرب أن يكون الرسول منهم. . واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلى الأرض. . وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا. . الرسالة والنبوة لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار. . ولذلك كانوا يعلنون أنهم سيتبعون النبي القادم وينصرونه. . ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم. . حينئذ ملأهم الكبر والحسد وقالوا مادام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه. . لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا أهلا لها. . وكان لابد أن يعاقبهم الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة غيرهم. . والله تبارك وتعالى يقول: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ} [فاطر: 16 - 17]

لقد اختبرهم الله في رسالات متعددة ولكنهم كما قرأنا في الآيات السابقة. . كذبوا فريقا من الأنبياء. ومن لم يكذبوه قتلوه. . لذلك كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة غيرهم. . لتكون أمة العرب فيها ختام رسالات السماء إلى الأرض. . ولذلك بغوا.

ص: 459

وقوله تعالى: {بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} . . ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل. . فضل من الله يختص به من يشاء. . والله سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب. . فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها. . ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون.

. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه. . فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة. . ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه. . ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة. . وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم. . لأنها ليست ذاتية فيه ومَنْ وهبها له وهو الله سيهبها لغيره متى شاءَ. . ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا يدوم لأحد. . وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار. . ولابد لكل من علا أن ينزل. . فالكمال لله وحده. . والله سبحانه يحرس كماله بذاته.

إذن اليهود حسدوا رسول الله. . حسدوا نزول القرآن على العرب. . والحق سبحانه يقول: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} . . والله جل جلاله يخبرنا أنه غضب عليهم مرتين.

الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم. . والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به. . وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم. . ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم َ. .

وقوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} . . العذاب في القرآن الكريم وُصِفَ بأنه أليم. . وَوُصِفَ بأنه عظيم وَوُصِفَ بأنه مهين. . أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد. . ولكن لنفرض أن الذي يعذب يتجلد. . ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس. . يأتيه الله بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله. . ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل. . فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا. . ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا قومهم. . يأتيهم الله تبارك وتعالى بعذاب مهين. . ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من الألم. . تماما كما تأتي لرجل هو أقوى مَنْ في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم تضربه بيدك وتسقطه على الأرض. . تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام

ص: 460

الناس. . فلا يستطيع بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم. . ويكون هذا أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً} [مريم: 69 - 70]

وقوله جل جلاله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم} [الدخان: 49]

ذلك هو العذاب المهين.

ص: 461

يبين لنا الحق سبحانه وتعالى موقف اليهود. . من عدم الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . مع أنهم أُومروا بذلك في التوراة. . فيقول جل جلاله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} أي إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أن يؤمنوا بالإسلام وأن يؤمنوا بالقرآن رفضوا ذلك {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أي نؤمن بالتوراة ونكفر بما وراءه، أي بما نزل بعده.

ونحن نعرف أن الكفر هو الستر. . ولو أن محمدا صلى الله عليه وسلم َ جاء يناقض ما عندهم ربما قالوا: جاء ليهدم ديننا ولذلك نكفر به. . ولكنه جاء بالحق مصدقا لما معهم.

إذن حين يكفرون بالقرآن يكفرون أيضا بالتوراة. . لأن القرآن يصدق ما جاء في التوراة.

وهنا يقيم الله تبارك وتعالى عليهم الحجة البالغة. . إن كفركم هذا وسلوكك ضد كل نبي جاءكم. . ولو أنكم تستقبلون الإيمان حقيقة بصدر رحب. . فقولوا لنا لِمَ قتلتم أنبياء الله؟ . . ولذلك يقول الحق: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ} . . هل هناك في كتابكم التوراة أن تقتلوا أولياء الله. . كأن الحق سبحانه وتعالى قد أخذ الحجة من قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} . . إذا كان هذا صحيحا وأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فهاتوا لنا مما أنزل إليكم وهي التوراة ما يبيح لكم قتل الأنبياء إن كنتم مؤمنين بالتوراة. . وطبعا لم يستطيعوا ردا لأنهم كفروا بما أنزل عليهم. . فهم كاذبون في قولهم نؤمن بما أنزل

ص: 462

علينا. . لأن ما ينزل عليهم لم يأمرهم بقتل الأنبياء. . فكأنهم كفروا بما أنزل عليهم. . وكفروا بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام ُ.

والقرآن يأتينا بالحجة البالغة التي تخرس أفواه الكافرين وتؤكد أنهم عاجزون غير قادرين على الحجة في المناقشة. . وهنا لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ} . . قوله تعالى: «من قبلُ» طمأنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ إلى أن قتلهم الأنبياء انتهى، وفي الوقت نفسه قضاء على آمال اليهود في أن يقتلوا محمدا عليه الصلاة والسلام ُ. . والله يريد نزع الخوف من قلوب المؤمنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بأن ما جرى للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . وبذلك قطع القرآن خط الرجعة على كل من يريد أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . لأن ذلك كان عهدا وانتهى. . وأنهم لو تآمروا على قتله عليه الصلاة والسلام ُ فلن يفلحوا ولن يصلوا إلى هدفهم.

واليهود بعد نزول هذه الآية الكريمة لم يتراجعوا عن تآمرهم ولن يكفوا عن بغيهم في قتل الرسل والأنبياء. . فحاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أكثر من مرة. . مرة وهو في حيهم ألقوا فوقه حجرا ولكن جبريل عليه السلام أنذره فتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم َ من مكانه قبل إلقاء الحجر. . ومرة دسوا له السم، ومحاولات أخرى فشلت كلها.

إذن فقوله تعالى: «من قبل» معناها. . إن كنتم تفكرون في التخلص من محمد صلى الله عليه وسلم َ بقتله كما فعلتم في أنبيائكم نقل لكم: إنكم لن تستطيعوا أن تقتلوه.

ولقد كانت هذه الآية كافية لإلقاء اليأس في نفوسهم حتى يكفوا عن أسلوبهم في قتل الأنبياء ولكنهم ظلوا في محاولاتهم، وفي الوقت نفسه كانت الآية تثبيتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ وللمؤمنين. بأن اليهود مهما تآمروا فلن يمكنهم الله من شيء. . وقوله تعالى:{إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} . . أي بما أنزل إليكم.

ص: 463

بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى رفضهم للإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . بحجة أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم فقط. . أوضح لنا أن هذه الحجة كاذبة وأنهم في طبيعتهم الكفر والإلحاد. . فقال سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات} . . أي أن موسى عليه السلام أيده الله ببينات ومعجزات كثيرة كانت تكفي لتملأ قلوبكم بالإيمان وتجعلكم لا تعبدون إلا الله. . فلقد شق لكم البحر ومررتم فيه وأنتم تنظرون وترون. . أي أن المعجزة لم تكن غيبا عنكم بل حدثت أمامكم ورأيتموها. . ولكنكم بمجرد أن تجاوزتم البحر وذهب موسى للقاء الله. . بمجرد أن حدث ذلك اتخذتم العجل إلها من دون الله وعبدتموه. . فكيف تدعون أنكم آمنتم بما أنزل إليكم. . لو كنتم قد آمنتم به ما كنتم اتخذتم العجل إلهاً.

والحق تبارك وتعالى يريد أن ينقض حجتهم في أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم. . ويرينا أنهم ما آمنوا حتى بما أنزل إليهم. . فجاء بحكاية قتل الأنبياء. . ولو أنهم كانوا مؤمنين حقا بما أنزل إليهم فليأتوا بما يبيح لهم قتل أنبيائهم ولكنهم كاذبون. . أما الحجة الثانية فهي إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم. . فقولوا لنا كيف وقد جاءكم موسى بالآيات الواضحة من العصا التي تحولت إلى حية واليد البيضاء من غير سوء والبحر الذي شققناه لكم لتنجوا من قوم فرعون. . والقتيل الذي أحياه لله أمامكم بعد أن ضربتموه ببعض البقرة التي ذبحتموها. . آيات كثيرة ولكن بمجرد أن ترككم موسى وذهب للقاء ربه عبدتم العجل.

إذن فقولكم نؤمن بما أنزل إلينا غير صحيح. . فلا أنتم مؤمنون بما أنزل إليكم ولا أنتم مؤمنون بما أنزل من بعدكم. . وكل هذه حجج الهدف منها عدم الإيمان أصلا.

ص: 464

وقوله تعالى: {ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} . . واتخاذ العجل في ذاته ليس معصية إذا اتخذته للحرث أو للذبح لتأكل لحمه. . ولكن المعصية هي اتخاذ العجل معبودا. . وقوله تعالى: {اتخذتم العجل} . . أي أن ذلك أمر مشهود لم تعبدوا العجل سرا بل عبدتموه جهرا، ولذلك فهو أمر ليس محتاجا إلى شهود ولا إلى شهادة لأنه حدث علنا وأمام الناس كلهم. . وذكر حكاية العجل هذه ليشعروا بذنبهم في حق الله. . كأن يرتكب الإنسان خطأ ثم يمر عليه وقت. . وكلما أردنا أن نؤنبه ذكرناه بما فعل. . وقوله تعالى:{وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} . . أي ظالمون في إيمانكم. . ظالمون في حق الله بكفركم به.

ص: 465

بعد أن ذَكَّرهم الله سبحانه وتعالى بكفرهم بعبادتهم للعجل. . وكان هذا نوعا من التأنيب الشديد والتذكير بالكفر. . أراد أن يؤنبهم مرة أخرى وأن يُذَكِّرَهُم أنهم آمنوا خوفا من وقوع جبل الطور عليهم. . ولم يكن الجبل سيقع عليهم. . لأن الله لا يقهر أحدا على الإيمان. . ولكنهم بمجرد أن رأوا جبل الطور فوقهم آمنوا. . مثلهم كالطفل الذي وصف له الطبيب دواء مرا ليشفى. ولذلك فإن رَفْعَ الله سبحانه وتعالى لجبل الطور فوقهم ليأخذوا الميثاق والمنهج. . لا يقال إنه فعل ذلك إرغاما لكي يؤمنوا. . إنه إرغام المحب. . يريد الله من خلقه ألا يعيشوا بلا منهج سماوي فرفع فوقهم جبل الطور إظهارا لقوته وقدرته تبارك وتعالى حتى إذا استشعروا هذه القوة الهائلة وما يمكن أن تفعله لهم وبهم آمنوا. . فكأنهم حين أحسوا بقدرة الله آمنوا. . تماما كالطفل الصغير يفتح فمه لتناول الدواء المر وهو كاره. . ولكن هل أعطيته الدواء كرها فيه أو أعطيته له قمة في الحب والإشفاق عليه؟

الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أنه لم يترك حيلة من الحيل حتى يتلقى بنو إسرائيل منهج الله الصحيح. . نقول إنه لم يترك حيلة إلا فعلها. . لكن غريزة الاستكبار والعناد منعتهم أن يستمروا على الإيمان. . تماما كما يقال للأب إن الدواء مر لم يحقق الشفاء وطفلك مريض. . فيقول وماذا افعل أكثر من ذلك أرغمته على شرب الدواء المر ولكنه لم يشف.

وقول الله تعالى: «ميثاقكم» . هل الميثاق منهم أو هو ميثاق الله؟ . طبعا هو ميثاق الله. . ولكن الله جل جلاله خاطبهم بقوله: «ميثاقكم» لأنهم أصبحوا طرفا في العقد. . وماداموا قد أصبحوا طرفا أصبح ميثاقهم. . ولابد أن نؤمن أن رفع

ص: 466

جبل الطور فوق اليهود لم يكن لإجبارهم لأخذ الميثاق منهم حتى لا يقال أنهم أجبروا على ذلك. . هم اتبعوا موسى قبل أن يرفع فوقهم جبل الطور. . فلابد أنهم أخذوا منهجه باختيارهم وطبقوه باختيارهم لأن الله سبحانه وتعالى لم يبق الطور مرفوعا فوق رءوسهم أينما كانوا طوال حياتهم حتى يقال أنهم أجبروا. . فلو أنهم أجبروا لحظة وجود جبل الطور فوقهم. . فإنهم بعد أن انتهت هذه المعجزة لم يكن هناك ما يجبرهم على تطبيق المنهج. . ولكن المسألة أن الله تبارك وتعالى. . حينما يرى من عباده مخالفة فإنه قد يخيفهم. . وقد يأخذهم بالعذاب الأصغر علهم يعودون إلى إيمانهم. . وهذا يأتي من حب الله لعباده لأنه يريدهم مؤمنين. .

ولكن اليهود قوم ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة والله تبارك وتعالى أراد أن يريهم آية مادية على قلوبهم تخشع وتعود إلى ذكر الله.

. وليس في هذا إجبار لأنه كما قلنا إنه عندما انتهت المعجزة كان يمكنهم أن يعودوا إلى المعصية. . ولكنها آية تدفع إلى الإيمان. . وقوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ} لأن ما يؤخذ بقوة يعطى بقوة. . والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ. . وما دام المؤمن يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة. . فالإنسان دائما عندما يأخذ شيئا لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون.

قوله تعالى: {واسمعوا قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} . . القول هو عمل اللسان والفعل للجوارح كلها ما عدا اللسان. . هناك قول وفعل وعمل. . القول أن تنطق بلسانك والفعل أن تقوم جوارحك بالتنفيذ. . والعمل أن يطابق القول الفعل. . هم: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} هم سمعوا ما قاله لهم الله سبحانه وتعالى وعصوه. . ولكن (عصينا) على أي شيء معطوفة؟ . . إنها ليست معطوفة على «سمعنا» . . ولكنها معطوفة على (قالوا) . . قالوا سمعنا في القول وفي الفعل عصينا. . وليس معنى ذلك أنهم قالوا بلسانهم عصينا في الفعل. . فالمشكلة جاءت من عطف عصينا على سمعنا. . فتحسب أنهم قالوا الكلمتين. . لا. . هم قالوا سمعنا ولكنهم لم ينفذوا فلم يفعلوا. والله سبحانه وتعالى يريدهم أن يسمعوا سماع طاعة لا سماع تجرد أي مجرد سماع. . ولكنهم سمعوا ولم يفعلوا شيئا فكأن عدم فعلهم معصية.

قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل} . الحق تبارك وتعالى يريد أن يصور لنا ماديتهم. . فالحب أمر معنوي وليس أمراً ماديّاً لأنه غير محسوس. . وكان التعبير

ص: 467

يقتضي أن يقال وأشربوا حب العجل. . ولكن الذي يتكلم هو الله. . يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم.

لكن كيف يمكن أن يدخل العجل في هذا الحيز الضيق وهو القلب. . الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الشيوع في كل شيء بكلمة أُشْرِبُوا. . لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل في كل الجسم. . والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا تدخله الماديات.

ويقول الحق جل جلاله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ} . . كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل. . هم كفروا أولا. . وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها. . وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} . . هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بما جاء بعده. . قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟ .

. وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم عليهم. . مثل قوله تعالى: {أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56]

هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية؟ . . طبعا لا. . ولكنه أسلوب تهكم واستنكار. . والحق أن إيمانهم بهذا بل يأمرهم بالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم َ. . واقرأ قوله تبارك وتعالى: {واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ

ص: 468

عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون} [الأعراف: 156 - 157]

هذا هو ما يأمرهم به إيمانهم. . أن يؤمنوا بالنبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام ُ. . والله تبارك وتعالى يعلم ما يأمرهم به الإيمان لأنه منه جل جلاله. . ولذلك عندما يحاولون خداع الله. . يتهكم الله سبحانه وتعالى عليهم ويقول لهم: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} .

وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} دليل على أنهم ليسوا مؤمنين. . ولكن لازال في قلوبهم الشرك والكفر أو العجل الذي عبدوه.

ص: 469

والله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح اليهود. . ويبين إن إيمانهم غير صحيح وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. . وهو سبحانه يريدنا أن نعرف أن هؤلاء اليهود. . لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خُدعوا بل هم يعملون أنهم غيروا وبدلوا. . ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلى الله سبحانه وتعالى زورا وبهتانا. . ولذلك يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أن يفضحهم أمام الناس ويبين كذبهم بالدليل القاطع. . فيقول: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة} : «قل» موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أي قل لهم يا محمد. . ولا يقال هذا الكلام إلا إذا كان اليهود قالوا إن لهم: «الدار الآخرة عند الله خالصة» .

الشيء الخالص هو الصافي بلا معكر أو شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك فيه أحد. . فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم َ: إن كانت الآخرة لهم وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد. . فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت ليذهبوا إلى نعيم خالد. . فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من دخول الجنة وحدهم. . فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا. . أَلَا يتمنون الموت كما تمنى المسلمون الشهادة ليدخلوا الجنة. . وليست هذه هي الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله سبحانه وتعالى. . واقرأ قوله جل جلاله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} [البقرة: 111]

من الذي قال؟ اليهود قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا،

ص: 470

والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. . كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا لغزا في العقائد. . من الذي سيدخل الجنة وحده. . اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله سبحانه وتعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله جل جلاله: {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ} [البقرة: 113]

وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر. . في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم. . سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت. . فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة مادامت خالصة لهم. . ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . . ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى. . واقرأ قوله سبحانه: {وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير}

[المائدة: 18]

إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة. . ولكن عدل الله يأبى ذلك. . كيف يعذب بشرا بذنوبهم ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب. . بل يدخلهم الجنة في الآخرة. . وكيف يجعل الله سبحانه وتعالى الجنة في الآخرة لليهود وحدهم. . وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم َ والمؤمنين برسالة الإسلام. . وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في كتبهم. . واقرأ قوله سبحانه وتعالى:

ص: 471

إنهم لن يتمنوا الموت أبدا بل يخافوه. . والله تبارك وتعالى حين أنزل هذه الآية. . وضع قضية الإيمان كله في يد اليهود. . بحيث يستطيعون إن أرادوا أن يشككوا في هذا الدين. . كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا نموت. . نحن نتمنى الموت يا محمد. فادع لنا ربك يميتنا. . ألم يكن من الممكن أن يقولوا هذا؟ ولو نفاقا. . وَلو رياءً ليهدموا هذا الدين. . ولكن حتى هذه لم يقولوها ولم تخطر على بالهم. . أنظر إلى الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ} .

لقد حكم الله سبحانه حكما نهائيا في أمر إختياري لعدو يعادي الإسلام. . وقال إن هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا الموت. . وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي. . ويقولوا بل نحن نتمنى الموت ونطلبه من الله. . ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم؛ لأن الله تبارك وتعالى إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر التي يمكن أن يستخدموها في هدم الدين. . فلا تخطر على بالهم أبدا مثلما تحداهم الله سبحانه من قبل في قوله تعالى: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلَاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142]

ولقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل أن يقولوا. . بدليل إستخدام حرف السين في قوله: «سيقولُ» . . ووصفهم الله جل جلاله بالسفهاء. . ومع ذلك فقد قالوا. . ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا شيئا. . وكان في ذلك تحدٍ للقرآن

ص: 473

الكريم. . كانوا سيقولون لقد قال الله سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس} . . ولكن أحدا لم يقل شيئا فأين هم هؤلاء السفهاء ولماذا لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحديا للقرآن الكريم في أمر يملكون فيه حرية الاختيار. . ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل. . لم يخطر ذلك على بالهم أبدا، وقالوا بالفعل.

في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . تحداهم القرآن أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه. . وكان الكلام المنطقي مادامت الدار الآخرة خالصة لهم. . والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين لتمنوه. . ليذهبوا إلى نعيم أبدي. . ولكن الحق حكم مسبقا أن ذلك لن يحدث منهم. . لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون. . لذلك فهم يهربون من الموت ولا يتمنونه.

انظروا مثلا إلى العشرة المبشرين بالجنة. . عمار بن ياسر في الحرب في حنين. . كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة محمدا وصحبه. . كان سعيداً لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلى الجنة عند محمد صلى الله عليه وسلم َ وصحابته.

. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى بالجنة. . وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول:

يا حبذا الجنة واقترابها

طيبة وبارد وشرابها

والإمام علي رضي الله عنه يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة ليس لها دروع. . لا ترد سهما ولا طعنة رمح. . حتى إن إبنه الحسن يقول له: يا أبي ليست هذه لباس حرب. . فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على الموت أم سقط الموت عليه. . وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر. . حبيب جاء على ناقة لا ربح من ندم. . إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت.

وفي غزوة بدر سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني. . فيجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ نعم. . وكان في يد الصحابي تمرات يمضغها. . فيستبطئ أن يبقى بعيدا عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها من يده ويدخل المعركة ويستشهد.

هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة. . ولكن اليهود عندما تحداهم

ص: 474

القرآن الكريم بقوله لهم: {فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . . سكنوا ولم يجيبوا. . ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه فماتوا جميعا. . قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ربما تمنوا بالقلب. . نقول ما هو التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول. . وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لأطلع الله عليها وأماتهم في الحال. . ولكن مادام الحق تبارك وتعالى قال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} . . فهم لن يتمنوه سواء كان باللسان أو بالقلب. . لأن الإدعاء منهم بأن لهم الجنة عند الله خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]

وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} . . أي أن أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت. . أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت. . ولذلك نسمع أن فلانا حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح. . فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقينا أنه ميت. . فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت. . ولكن ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل. . فإن كان عمله صالحا تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيما خالدا. . لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار.

. وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب. . فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة الرحمة. . والذي عصى وفعل ما يغضب الله يستعرض شريط أعماله. . فيجده شريط سوء وهو مقبل على الله. . وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله. . عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة. . فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض الأسارير.

إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا. . أما صاحب العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله.

ص: 475

ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ نهى عن تمني الموت فقال:

«لَا يَتَمَنَّينَّ أحدُكم الموتَ ولا يدعو به من قَبلِ أن يَأْتِيَه إلا أن يكون قد وَثِقَ بعملِه»

نقول إن تمني الموت المنهي عنه هو تمني اليأس وتمني الاحتجاج على المصائب. . يعني يتمنى الموت لأنه لا يستطيع أن يتحمل قدر الله في مصيبة حدثت له. . أو يتمناه احتجاجا على أقدار الله في حياته. . هذا هو تمني الموت المنهي عنه. . أما صاحب العمل الصالح فمستحب له أن يتمنى لقاء الله. . وإقرأ قوله تعالى في آخر سورة يوسف: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السماوات والأرض أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين} [يوسف: 101]

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: أي لا تتمنوا الموت جزعا مما يصيبكم من قدر الله. . ولكن إصبروا على قدر الله. . وقوله تعالى: {والله عَلِيمٌ بالظالمين} . . لأن الله عليم بظلمهم ومعصيتهم. . هذا الظلم والمعصية هو الذي يجعلهم يخافون الموت ولا يتمنونه.

ص: 476

الحق سبحانه وتعالى بعد أن فضح كذبهم. . في أنهم لا يمكن أن يتمنوا الموت لأنهم ظالمون. . وماداموا ظالمين فالموت أمر مخيف بالنسبة لهم. . وهم أحرص الناس على الحياة. . حتى إن حرصهم يفوق حرص الذين أشركوا. . فالمشرك حريص على الحياة لأنه يعتقد أن الدنيا هي الغاية. . واليهود أشد حرصا على الحياة من المشركين لأنهم يخافون الموت لسوء أعمالهم السابقة. . لذلك كلما طالت حياتهم ظنوا أنهم بعيدون عن عذاب الآخرةِ. . الحياة لا تجعلهم يواجهون العذاب ولذلك فهم يفرحون بها.

إن اليهود لا يبالون أن يعيشوا في ذلة أو في مسكنة. . أو أي نوع من أنواع الحياة. . المهم أنهم يعيشون في أي حياة. . ولكن لماذا هم حريصون على الحياة أكثر من المشركين؟ لأن المشرك لا آخرة له فالدنيا هي كل همه وكل حياته. . لذلك يتمنى أن تطول حياته بأي ثمن وبأي شكل. . لأنه يعتقد أن بعد ذلك لا شيء. . ولا يعرف أن بعد ذلك العذاب. . واليهود أحرص من المشركين على حياتهم.

وقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} . . الود هو الحب. . أي أنهم يحبون أن يعيشوا ألف سنة أو أكثر. . ولكن هب أنه عاش ألف سنة أو حتى أكثر من ذلك. . أيزحزحه هذا عن العذاب؟ لا. . طول العمر لا يغير النهاية.

فمادامت النهاية هي الموت يتساوى من عاش سنوات قليلة ومن عاش ألوف

ص: 477

السنين. . قوله تعالى: «يعمر» بفتح العين وتشديد الميم يقال عنها إنها مبنية للمجهول دائما. . ولا ينفع أن يقال يعمر بكسر الميم. . فالعمر ليس بيد أحد ولكنه بيد الله. . فالله هو الذي يعطي العمر وهو الذي ينهيه. . وبما أن العمر ليس ملكا لإنسان فهو مبني للمجهول. .

والعمر هو السن الذي يقطعه الإنسان بين ميلاده ووفاته. . ومادة الكلمة مأخوذة من العمار لأن الجسد تعمره الحياة. وعندما تنتهي يصبح الجسد أشلاء وخرابا. . قوله تعالى: «ألف سنة» . . لماذا ذكرت الألف؟ لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من الحساب. ولذلك فإن الرجل الذي أسر في الحرب أخت كسرى فقالت كم تأخذ وتتركني؟ قال ألف درهم. . قالوا له بكم فديتها؟ قال بألف. . قالوا لو طلبت أكثر من ألف لكانوا أعطوك. . قال والله لو عرفت شيئا فوق الألف لقلته. . فالألف كانت نهاية العدد عند العرب. . ولذلك كانوا يقولون ألف ألف ولم يقولوا مليونا. .

وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ} . . معناها أنه لو عاش ألف سنة أو أكثر فلن يهرب من العذاب. وقوله تعالى: {والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} . . أي يعرف ما يعملونه وسيعذبهم به سواء عاشوا ألف سنة أو أكثر أو أقل.

ص: 478

الله تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى أن اليهود لم يقتلوا الأنبياء ويحرفوا التوراة ويشتروا بآيات الله جاه الدنيا فقط. . ولكنهم عادوا الملائكة أيضا. . بل إنهم أضمروا العداوة لأقرب الملائكة إلى الله الذي نزل بوحي القرآن وهو جبريل عليه السلام. . وأنهم قالوا جبريل عدو لنا.

الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . ولقد جلس ابن جوريا أحد أحبار اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وقال له من الذي ينزل عليك بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ جبريل. . فقال اليهودي لو كان غيره لآمنا بك. . جبريل عدونا لأنه ينزل دائما بالخسف والعذاب. . ولكن ميكائيل ينزل بالرحمة والغيث والخصب. . وأيضا هو عدوهم لأنهم اعتقدوا أن بيت المقدس سيخربه رجل اسمه بختنصر، فأرسل اليهود إليه من يقتله. . فلقى اليهودي غلاما صغيرا وسأله الغلام ماذا تريد؟ قال إني أريد أن أقتل بختنصر لأنه عندنا في التوراة هو الذي سيخرب بيت المقدس. . فقال الغلام إن يكن مقدرا أن يخرب هذا الرجل بيت المقدس فلن تقدر عليه. . لأن المقدر نافذ سواء رضينا أم لم نرضى. . وإن لم يكن مقدرا فلماذا تقتله؟ أي أن الطفل قال له إذا كان الله قد قضى في الكتاب أن بختنصر سيخرب بيت المقدس. . فلا أحد يستطيع أن يمنع قضاء الله. . ولن تقدر عليه لتقتله وتمنع تخريب بيت المقدس على يديه. . وإن كان هذا غير صحيح فلماذا تقتل نفسا بغير ذنب. . فعاد اليهودي دون أن يقتل بختنصر. . وعندما رجع إلى قومه قالوا له إن جبريل هو الذي تمثل لك في صورة طفل وأقنعك ألا تقتل هذا الرجل.

ص: 479

ويروى أن سيدنا عمر بن الخطاب كان له أرض في أعلى المدينة. . وكان حين يذهب إليها يمر على مدارس اليهود ويجلس إليهم. . وظن اليهود أن مجلس عمر معهم إنما يعبر عن حبه لهم. . فقالوا له إننا نحبك ونحترمك ونطمع فيك. . ففهم عمر مرادهم فقال والله ما جالستكم حبا فيكم. . ولكني أحببت أن أزداد تصورا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ وأعلم عنه ما في كتابكم. . فقالوا له ومن يخبر محمدا بأخبارنا وأسرارنا؟ فقال عمر إنه جبريل ينزل عليه من السماء بأخباركم. . قالوا هو عدونا. . فقال عمر كيف منزلته من الله؟ قالوا إنه يجلس عن يمين الله وميكائيل يجلس على يسار الله. . فقال عمر مادام الأمر كما قلتم فليس أحدهما عدواً للآخر لأنهما عند الله في منزلة واحدة.

. فمن كان عدواً لأحدهما فهو عدو لله. . فلن تشفع لكم عداوتكم لجبريل ومحبتكم لميكائيل لأن منزلتهما عند الله عالية.

إن عداوتهم لجبريل عليه السلام تؤكد ماديتهم. . فهم يقيسون الأمر على البشر. . إن الذي يجلس على يمين السيد ومن يجلس على يساره يتنافسان على المنزلة عنده. . ولكن هذا في دنيا البشر. . ولكن عند الملائكة لا شيء من هذا. . الله عنده ما يجعله يعطي لمن يريد المنزلة العالية دون أن ينقص من الآخر. . ثم إن الله سبحانه وتعالى اسمه الحق. . وما ينزل به جبريل حق وما ينزل به ميكائيل حق. . والحق لا يخاصم الحق. . وقال لهم عمر أنتم أشدّ كفرا من الحمير. . ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فلم يكد الرسول يراه حتى قال له وافقك ربك يا عمر. . وتنزل قول الله تبارك وتعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} فقال عمر يا رسول الله. . إني بعد ذلك في إيماني لأصلب من الجبل.

إذن فقولهم ميكائيل حبيبنا وجبريل عدونا من الماديات، والله تبارك وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم َ. . إنهم يُعَادُون جبريل لأنه نزل على قلبك بإذن الله. . ومادام نزل من عند الله على قلبك. . فلا شأن لهم بهذا. . وهو مصدق لما بين يديهم من التوراة. . وهو هدى وبشرى للمؤمنين. . فأي عنصر من هذه العناصر تنكرونه على جبريل. . إن عداوتكم لجبريل عداوة لله سبحانه وتعالى.

ص: 480

وهكذا أعطى الله سبحانه وتعالى الحُكْم. . فقال إن العداوة للرسل. . مثل العداوة للملائكة. . مثل العداوة لجبريل وميكائيل. . مثل العداوة لله. ولقد جاء الحق سبحانه وتعالى بالملائكة ككل. . ثم ذكر جبريل وميكائيل بالاسم.

إن المسألة ليست مجزأة ولكنها قضية واحدة. . فمن كان عدوا للملائكة وجبريل وميكائيل ورسل الله. . فهو أولا وأخيرا عدو لله. . لأنه لا انقسام بينهم فكلهم دائرون حول الحق. . والحق الواحد لا عدوان فيه. . وإنما العدوان ينشأ من تصادم الأهواء والشهوات. وهذا يحدث في أمور الدنيا.

والآية الكريمة أثبتت وحدة الحق بين الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل. . ومن يعادي واحدا من هؤلاء يعاديهم جميعا وهو عدو الله سبحانه. . واليهود أعداء الله لأنهم كفروا به. . وأعداء الرسل لأنهم كذبوهم وقتلوا بعضهم.

وهكذا فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى وحدة الحق في الدين. . مصدره هو الله جل جلاله. . ورسوله من الملائكة هو جبريل. . ورسله من البشر هم الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله. . وميكائيل ينزل بالخير والخصب لأن الإيمان أصل وجود الحياة. . فمن كان عدوا للملائكة والرسل وجبريل وميكائيل فهو كافر. . لأن الآية لم تقل إن العداوة لهؤلاء هي مجرد عداوة. . وإنما حَكَمَ الله عليهم بأنهم كافرون. . الله سبحانه وتعالى لم يخبر محمدا صلى الله عليه وسلم َ بهذا الحكم فقط، وإنما أمره بأن يعلنه حتى يعرفه الناس جميعا ويعرفوا أن اليهود كافرون.

ص: 481

إنتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى تأكيد صدق رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ُ. . وأن الآيات فيها واضحة بحيث إِن كل إنسان يعقل ويريد الإيمان يؤمن بها. . ولكن الذين يريدون الفسق والفجور. . هم هؤلاء الذين لا يؤمنون. . ما معنى الآيات البينات؟ إن الآية هي الأمر العجيب. . وهو عجيب لأنه معجز. . والآيات معجزات للرسول تدل على صدق بلاغه عن الله. . وهي كذلك الآيات في القرآن الكريم. . وبينات معناها أنها أمور واضحة لا يختلف عليها ولا تحتاج إلى بيان: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَاّ الفاسقون} . . والفسق هو الخروج عن الطاعة وهي مأخوذة من الرطبة. . البلح قبل أن يصبح رطبا لا تستطيع أن تنزع قشرته ولكن عندما يصبح رطبة تجد أن القشرة تبتعد عن الثمرة فيقال فسقت الرطبة. . ولذلك من يخرج عن منهج الله يقال له فاسق.

والمعنى أن الآيات التي أيد بها اللهُ سبحانه وتعالى محمداً عليه الصلاة والسلام ُ ظاهرة أمام الكفار ليست محتاجة إلى دليل. . فرسول الله صلى الله عليه وسلم َ الذي لم يقرأ كلمة في حياته. . يأتي بهذا القرآن المعجز لفظا ومعنى. . هذه معجزة ظاهرة لا تحتاج إلى دليل. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ الذي لا تغريه الدنيا كلها. . ليترك هذا الدين مهما أعطوه. . دليل على أنه صاحب مبدأ ورسالة من السماء. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ الذي يخبر بقرآن موحى من السماء عن نتيجة حرب ستقع بعد تسع سنوات. . ويخبر الكفار والمنافقين بما في قلوبهم ويفضحهم. . ويتنبأ بأحداث قادمة وبقوانين الكون. . وغير ذلك مما احتواه القرآن المعجز من كل أنواع الإعجاز علميا وفلكيا وكونيا. . كل هذه آيات بينات يتحدى القرآن بها الكفار. . كلها آيات واضحة لا يمكن أن

ص: 482

يكفر بها إلا الذي يريد أن يخرج عن منهج الله، ويفعل ما تهواه نفسه. .

إن الإعجاز في الكون وفي القرآن وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . كل هذا لا يحتاج إلا لمجرد فكر محايد. . لنعرف أن هذا القرآن هو من عند الله مليء بالمعجزات لغة وعلما. . وإنه سيظل معجزة لكل جيل له عطاء جديد.

ص: 483

بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أن الدين الإسلامي، وكتابه القرآن فيه من الآيات الواضحة ما يجعل الإيمان به لا يحتاج إلا إلى وقفة مع العقل مما يجعل موقف العداء الذي يقفه اليهود من الإسلام منافيا لكل العهود التي أخذت عليهم، منافيا للإيمان الفطري، ومنافيا لأنهم عاهدوا الله ألا يكتموا ما جاء في التوراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، ومنافيا لعهدهم أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم َ، ومنافيا لما طلب منهم موسى أن يؤمنوا بالإسلام عندما يأتي الرسول، مصداقا لقوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين} [آل عمران: 81]

وهكذا نعرف أن موسى عليه السلام الذي أُخذ عليه الميثاق قد أبلغه إلى بني إسرائيل، وأن بني إسرائيل كانوا يعرفون هذا الميثاق جيداً عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، وكانت عندهم أوصاف دقيقة للرسول عليه الصلاة والسلام ُ. . ولكنهم نقضوه كما نقضوا كثيرا من المواثيق. . منها عهدهم بعدم العمل في السبت، وكيف تحايلوا على أمر الله بأن صنعوا مصايد للأسماك تدخل فيها ولا تستطيع الخروج وهذا تحايل على أمر الله، ثم كان ميثاقهم في الإيمان بالله إلها واحداً أحدا، ثم عبدوا

ص: 484

العجل. . وكان قولهم لموسى عليه السلام بعد أن أمرهم الله بدخول واد فيه زرع. . لأنهم أرادوا أن يأكلوا من نبات الأرض بدلا من المن والسلوى التي كانت تأتيهم من السماء. . قالوا لموسى: {فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . . وغير ذلك الكثير من المواثيق بالنسبة للحرب والأسرى والعبادة، حتى عندما رفع الله تبارك وتعالى جبل الطور فوقهم ودخل في قلوبهم الرعب وظنوا أنه واقع عليهم، ولم يكن هذا إلا ظنا وليس حقيقة. . لأن الله تبارك وتعالى يقول:{وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} . . وبمجرد ابتعادهم عن جبل الطور نقضوا الميثاق.

ثم نقضوا عهدهم وميثاقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم َ عندما هاجر إلى المدينة وذلك في غزوة الخندق. . وعندما أرادوا أن يفتحوا طريقا للكفار ليضربوا جيوش المؤمنين من الخلف.

قوله تعالى {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} قلنا إن هذا يسمى قانون صيانة الاحتمال. . لأن منهم من صان المواثيق. . ومنهم من صدق ما عهد الله عليه. . ومنهم مثلا من كان يريد أن يعتنق الدين الجديد ويؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ.

إذن فليسوا كلهم حتى لا يقال هذا على مطلق اليهود. . لأن فيهم أناسا لم ينقضوا العهد. . ويريد الله تبارك وتعالى أن يفتح الباب أمام أولئك الذين يريدون الإيمان، حتى لا يقولوا لقد حكم الله علينا حكما مطلقا ونحن نريد أن نؤمن ونحافظ على العهد، ولكن هؤلاء الذين حافظوا على العهد كانوا قلة. . ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . . أي أن الفريق الناقض للعهد. . الناقض للإيمان هم الأكثرية من بني إسرائيل.

ص: 485

بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن اليهود الذين نقضوا المواثيق الخاصة بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم َ ونقضوها وهم يعلمون. . قال الله سبحانه: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} . . أي أن ما جاء في القرآن مصدق لما جاء في التوراة. . لأن القرآن من عند الله والتوراة من عند الله. . ولكن التوراة حرفوها وكتموا بعضها وغيروا وبدلوا فيها فأخفوا ما يريدون إخفاءه. . لذلك جاء القرآن الكريم ليظهر ما أخفوه ويؤكد ما لم يخفوه ولم يتلاعبوا فيه.

وقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} . . قلنا إن هناك كتابا نبذوه أولا وهو التوراة. . ولما جاءهم الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم نبذوه هو الآخر وراء ظهورهم. . ما معنى نبذه؟ . . المعنى طرحه بعيدا عنه. . إذن ما في كتابهم من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم َ نبذوه بعيدا. . ومن التبشير بمجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام ُ نبذوه هو الآخر. . لأنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم.

وقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ} . . يعني نبذ جماعة وبقيت جماعة أخرى لم تنبذ الكتاب. . بدليل أن ابن سلام وهو أحد أحبار اليهود صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وآمن به. . وكعب الأحبار مخيريق أسلم. . فلو أن القرآن عمم ولم يقل فريق لقيل إنه غير منصف لهؤلاء الذين آمنوا.

وقوله تعالى: {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} . . النبذ قد يكون أمامك. . وكونه أمامك

ص: 486

فأنت تراه دائما، وربما يغريك بالإقبال عليه، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم أي جعلوه وراءهم حتى ينسوه تماما ولا يلتفتوا إليه.

وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} . . أي يتظاهرون بأنهم لا يعلمون ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وأوصافه. . وقوله تعالى: «كأنهم» . . دليل على أنهم يعلمون ذلك علم يقين. . لأنهم لو كانوا لا يعلمون. . لقال الحق سبحانه: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} وهم لا يعلمون. . إذن هم يعلمون يقينا ولكنهم تظاهروا بعدم العلم. . ولابد أن نتنبه إلى أن نبذ يمكن أن يأتي مقابلها فنقول نبذ كذا واتبع كذا. . وهم نبذوا كتاب الله ولكن ماذا اتبعوا؟

ص: 487

يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين. . لأن النبذ يقابله الإتباع. . واتبعوا يعني اقتدوا وجعلوا طريقهم في الاهتداء هو ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان. . وكان السياق يقتضي أن يقال ما تلته الشياطين على ملك سليمان. . ولكن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن هذا الاتباع مستمر حتى الآن كأنهم لم يحددوا المسألة بزمن معين.

إنه حتى هذه اللحظة هناك من اليهود من يتبع ما تلته الشياطين على ملك سليمان، ونظرا لأن المعاصرين من اليهود قد رضوا وأخذوا من فعل أسلافهم الذين اتبعوا الشياطين فكأنهم فعلوا.

الحق سبحانه يقول: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين} ولكن الشياطين تلت وانتهت. . واستحضار اليهود لما كانت تتلوه الشياطين حتى الآن دليل على أنهم يؤمنون به ويصدقونه. . الشياطين هم العصاة من الجن. . والجن فيهم العاصون والطائعون والمؤمنون. . وإقرأ قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} [الجن: 11]

ص: 488

وقوله سبحانه عن الجن: {وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون} [الجن: 14]

إذن الجن فيهم المؤمن والكافر. . والمؤمنون من الجن فيهم الطائع والعاصي. . والشياطين هم مردةُ الجنِ المتمردون على منهج الله. . وكل متمرد على منهج الله نسميه شيطانا. . سواء كان من الجن أو من الإنس. . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً} [الأنعام: 112]

إذن فالشياطين هم المتمردون على منهج الله. . قوله تعالى: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ} . . يعني ما كانت تتلو الشياطين أيام ملك سليمان. .

ولكن ما هي قصة ملك سليمان والشياطين؟ . . الشياطين كانوا قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض. . وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من الملائكةِ وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب والخرافات. . فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل. . ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]

وكان الشياطين قبل نزول القرآن يستقرون السمع، ولكن عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم َ إمتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين خرافاتهم في منهج

ص: 489

رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أو في القرآن. . ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} [الجن: 9]

أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه.

. ولكن عند نزول القرآن أرسل الله سبحانه وتعالى الشهب وهي النجوم المحترقة فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل عليهم شهاب يحرقهم. . ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهابا يحترق في السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين. . كأن المسألة في أذهان الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين. . الذي هو الشيطان.

واقرأ قوله تبارك وتعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} [الجن: 8]

{وَأَنَّا لَا ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} [الجن: 10]

أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع. . ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟ . . أنظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء} . . كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم حتى كادوا يلمسونها. . فالله تبارك وتعالى في هذه الحالة وهي اتباع اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء التي تضر ولا تفيد أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله. . فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} . .

وكان المنطق يقتضي أن يخص الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه. . ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن

ص: 490

سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ} .

إذن الشياطين هم الذين نشروا الكفر. . وكيف كفر الشياطينُ وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟ . . يقول الله سبحانه وتعالى: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلَاقٍ} .

ما قصة كل هذا؟ . . اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة. . سليمان عليه السلام حين جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من بعده. . واقرأ قوله تعالى:{قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي إِنَّكَ أَنتَ الوهاب فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد}

[ص: 35 - 38]

وهكذا أعطى سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك. . حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه. . وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس. . وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس. . فأراد الله سبحانه

ص: 491

وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر. . قال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر} .

ما هو السحر؟ . . الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل وأول طلوع النهار. . حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح. . هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع. . إنه قائم على شيئين. . سحر العين لترى ما ليس واقعا على أنه حقيقة. . ولكنه لا يغير طبيعة الأشياء. . ولذلك قال الله تبارك وتعالى في سحرة فرعون: {سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116]

إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعا وما ليس حقيقة. . وتصبح عين المسحور خاضعة لإرادة الساحر. . ولذلك فالسحر تخيل وليس حقيقة. . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66]

إذن مادام الله سبحانه وتعالى قال: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} . . فهي لا تسعى. . إذن فالسحر تخيل. . وما الدليل على أن السحر تخيل؟ . . الدليل هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون. . ذلك أن الساحر يسحر أعين الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد. . حينما جاء السحرة وموسى. . اقرأ قوله سبحانه: {قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 65 - 66]

ص: 492

عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خُيِّل للموجودين إنها حيات تسعى. . ولكن هل خيل للسحرة إنها حيات؟ طبعا لا. . لأن أحدا لم يسحر أعين السحرة. . ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالا وعِصِيّاً. . حين ألقى موسى عصاه واقرأ قوله تبارك وتعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صنعوا إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى} [طه: 69 - 70]

هنا تظهر حقيقة السحر. . لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي حبالا وعصيا. . ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم.

. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى حية حقيقية. . فعرفوا أن هذا ليس سحرا ولكنها معجزة من الله سبحانه وتعالى. . لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا موسى قد تحولت إلى حية. . ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل إلى الناس أنها تحولت إلى حية.

إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على حقيقته لذلك فإنه لا يخاف. . بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن الشيء قد تغيرت طبيعته. . ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ليست سحرا. . ولكنها شيء فوق طاقة البشر.

السحر إِذن تخيل والشياطين لهم قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع أن نراه في صورة مادية. . فإذا تشكل في صورة إنسان رأيناه إنسانا، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه حيوانا، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة. . فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة تحكمه بقانونها. . وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم يختفي في ثوان. . لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله خصوصا أن قانون التشكل يحكمه. . ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال:

ص: 493

«ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني تذكرت قَول أخي سليمان:» رب هب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي «. فتركته» الحديث لم يُخَرَّجْ.

ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن الصورة تحكمه. . وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيما. . فالله سبحانه وتعالى جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد. . بمعنى أننا لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحا وجد التوازن. . فإذا ملك أحدنا سلاحا وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن قد اختل وهذا مالا يقبله الله.

السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون. . لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك. . الإنسان عندما يطلب ويتعلم كيف يسخر الجن. . يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ليست حقيقة. . لأن هذا يغريه على الطغيان. . والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس.

. إنسان يستطيع أن يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله إختل التوازن في المجتمع. والله سبحانه وتعالى يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون. . ولذلك يقول لنا لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون.

ولكن الله جل جلاله شاءت حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر بذاتيته. . ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض. . ولقد كانت معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]

إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا الأعلى في العنصر وهو الشيطان يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ولا ميزة لهم. . ولكنه بمشيئة الله

ص: 494

سبحانه وتعالى. . فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصراً للأدنى.

واقرأ قوله سبحانه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} . . فالله تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. . ولقد رويت عن هذه الملكين قصص كثيرة. . ولكن مادام الله سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر. . فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين. . وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروي لنا القرآن الكريم: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 20]

حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة. . أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت. . وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر. هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة. . لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله. . ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله جل جلاله. . وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر. . وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك. . والفتنة هي الامتحان. . ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} . . إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر. . وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه.

. وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله. . فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى. .

ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ

ص: 495

يَعْلَمُونَ} . . إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع. . فهو لا يجلب نفعا أبدا حتى لمن يشتغل به. . فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على غيره من البشر فهم افضل منه. . وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالا، وتجد شكله غير طبيعي وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيرا لا يملك شيئا وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته.

إذن فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر. . والذي يشتغل بالسحر يموت كافرا ولا يكون له في الآخرة إلا النار. . ولذلك قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك. . لأنهم لم يأخذوا شيئا إلا الضر. . ولم يفعلوا شيئا إلا التفريق بين الناس. . وهم لا يستطيعون أن يضروا أحدا إلا بإذن الله.

والله سبحانه وتعالى إذا كانت حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها. . فإنه سبحانه قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر. . ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان السحر أو يقرأ عنه. . لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في الشر. . كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالبا ما تنقلب عليه لتذيقه وبال أمره وتكون شرا عليه وعلى أولاده. . واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن: 6]

أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألوانا من العذاب. .

ص: 496

يفتح الله جل جلاله أمام عباده أبواب التوبة والرحمة. . لقد بين لهم أن السحر كفر، وأن من يقوم به يبعث كافرا يوم القيامة ويخلد في النار. . وقال لهم سبحانه وتعالى لو أنهم امتنعوا عن تعلم السحر ليمتازوا به على من سواهم إمتيازا في الضرر والإيذاء. . لكان ذلك خيرا لهم عند الله تبارك وتعالى. . لأن الملكين اللذين نزلا لتعليم السحر قال الله سبحانه عنهما:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} .

إذن فممارسة السحر كفر. فلو أنهم آمنوا بهذه القضية وبأنهم يدخلون في الكفر واتقوا الله لكان ذلك ثوابا لهم عند الله وخيراً في الدنيا والآخرة. . ولكن ما هي المثوبة؟ هي الثواب على العمل الصالح. . يقابلها العقوبة وهي العقاب على العمل السيئ. . وهي مشتقة من ثاب أي رجع. . ولذلك يسمى المبلغ عن الإمام في الصلاة المثوب. . لأن الإمام يقول الله أكبر فيرددها المبلغ عن الإمام بصوت عال حتى يسمعها المصلون الذين لا يصلهم صوت الإمام. . وهذا إسمه التثويب. . أي إعادة ما يقوله الإمام لتزداد فرصة الذين لم يسمعوا ما قاله الإمام. . وكما قلنا فهي مأخوذة من ثاب أي رجع. . لأن الإنسان عندما يعمل صالحا يرجع عليه عمله الصالح بالخير. . فلا تعتقد أن العمل الصالح يخرج منك ولا يعود. . ولكنه لابد أن يعود عليك بالخير.

وإذا نظرنا إلى دقة التعبير القرآني: {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ} . نجد أن كلمة مثوبة مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب وجمعه ثياب. . وكان الناس قديما يأخذون أصواف الأغنام ليصنعوا منها ملابسهم. . فيأتي الرجل بما عنده من غنم ويجز صوفها

ص: 497

ثم يعطيه لآخر ليغزله وينسجه ثوبا ويعيده إلى صاحبه. . فكأن ما أرسله من الصوف رد إليه كثوب. . ولذلك سميت مثوبة لأن الخير يعود إليك لتنتفع به نفعا عاليا. . وكذلك الثواب عن العمل الصالح يرتد إليك بالنفع العالي.

إذن فكلمة ثوب جاء منها الثواب، والله سبحانه وتعالى علمنا أن الثواب لستر العورة. . والعمل الصالح يستر الأمراض المعنوية والنفسية في الإنسان. . وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:{قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26]

فكأن هناك لباسين أحدهما لستر العورة. . والثاني لستر الإنسان من العذاب. . ولباس التقوى خير من لباس ستر العورة. . قوله تعالى: {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ} . . انظر إلى المثوبة التي تأتي من عند الله. . إذا كان الثواب يأتيك من عند من صنعه جميلا مزركشا وله ألوان مبهجة.

. إذا كان هذا ما يصنعه لك بشر فما بالك بالثواب الذي يأتيك من عند الله. إنه قمة الجمال. فالله هو القادر على أن يرد الثواب بقدراته سبحانه فيكون الرد عاليا وعاليا جدا، بحيث يضاعف الثواب مرات ومرات. على أننا لابد أن نتنبه إلى قول الله تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا} قلنا معنى اتقوا أنهم جعلوا بينهم وبين صفات الجلال في الله وقاية. . ولذلك قلنا إن بعض الناس يتساءل. . كيف يقول الله تبارك وتعالى: «اتقوا الله» . . ويقول جل جلاله: «اتقوا النار» . . نقول إن معنى اتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية: «واتقوا النار» . . أي اجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقاية. . لأن النار من متعلقات صفات الجلال. . لذلك فإن قوله: «اتقوا الله» . . تساوي: «اتقوا النار» . . والحق تبارك وتعالى حينما قال: «اتقوا» أطلقها عامة. . والحذف هنا المراد به التعميم. . والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن السحرة لو آمنوا بأن تعلم السحر فتنة تؤدي إلى الكفر. . واتقوا الله وخافوا عذابه في الآخرة لكان ذلك خيراً لهم. . لذلك قال جل جلاله: {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ} . .

وساعة تسمع كلمة خير تأتي إلى الذهن كلمة شر. . لأن الخير يقابله الشر. . ولكن في بعض الأحيان كلمة خير لا يقابلها شر. ولكن يقابلها خير أقل. وكلمة

ص: 498

خير هي الوحيدة في اللغة العربية التي يساوي الإسم فيها أفعل التفضيل. . فأنت تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه. . كلمة خير إسم تفضيل فيقال ذلك خير من كذا. . أي واحد منهما يعطي أكثر من الآخر. . وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها أي خير من كذا يكون مقابلها شر. . فإذا قلت فلان خير من فلان. . فكلاهما إشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة. . والخير هو ما يأتي لك بالنفع. . ولكن مقياس النفع يختلف باختلاف الناس. . واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر إلى النفع الآجل. . وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا.

وإذا أردنا أن نقرب ذلك إلى الأذهان فلنقل إن هناك أخوين أحدهما يستيقظ مبكراً ليذهب إلى مدرسته والثاني ينام حتى الضحى، ويخرج من البيت ليجلس على المقهى. . الأول يحب الخير لنفسه والثاني يحب الخير لنفسه والخلاف في تقييم الخير. . الكسول يحب الخير العاجل فيعطي نفسه حظها من النوم والترفيه وعدم العمل. . والمجتهد يحب الخير الآجل لنفسه لذلك يتعب ويشقى سنوات الدراسة حتى يرتاح بعد ذلك ويحقق مستقبلا مرموقا.

الفلاح الذي يزرع ويذهب إلى حقله في الصباح الباكر ويروي ويبذر الحب ويشقى، يأتيه في آخر العام محصول وافر وخير كثير.

. والفلاح الذي يجلس على المقهى طول النهار أعطى نفسه خير الراحة، ولكن ساعة الحصاد يحصد الندم.

إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف. . فمنهم من يريد متعة اليوم، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد. . والله تبارك وتعالى حين يأمرنا بالخير. . قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس. . ولكن النهاية متاع أبدي في جنة الخلد. إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع. . لماذا؟ لأن الخير هو ما ليس بعده بعد. . فأنت تولد ثم تكبر ثم تتخرج في الجامعة. . ثم تصبح في أعلى المناصب ثم تموت ثم تبعث ثم تدخل الجنة. . وبعدها لا شيء إلا الخلود في النعيم.

قوله تعالى: {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} . . الله ينفي عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلَاقٍ} . . نقول إن العلم الذي لا يخضع حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا. .

ص: 499

لأن هذا العلم سيكون حجة على صاحبه يوم القيامة وليته لم يعلمه. . واقرأ قول الشاعر:

رُزِقُوا وما رُزِقٌوا سَمَاحَ يد

فكأنهم رُزِقُوا وما رُزِقُوا

خُلِقُوا وما خُلِقُوا لمكرُمَةٍ

فكأنهم خُلِقُوا وما خُلِقُوا

فكأن العلم لم يثبت لك لأنك لم تنفع به. . والله سبحانه وتعالى يقول: {ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6]

(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. .) وهكذا نفى الله عن الناس العلم الحقيقي. . وأثبت لهم العلم الدنيوي الظاهر. . وقوله جل جلاله: {مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين} [الجمعة: 5]

أي أنهم حملوا التوراة علما ولكنهم لم يحملوها منهجا وعملا. . وهؤلاء السحرة علموا أَنَّ مَنْ يمارس السحر يكفر. . ومع ذلك لم يعملوا بما علموا.

ص: 500

هذا نداء للمؤمنين. . لأن الآية الكريمة تبدأ: {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} . . نعرف أن الإيمان هنا هو سبب التكليف. . فالله لا يكلف كافرا أو غير مؤمن. . ولا يأمر بتكليف إلا لمن آمنوا. . فمادام العبد قد آمن فقد أصبحت مسئولية حركته في الحياة عند ربه. . ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة. . أما الكافر فلا يكلفه الله بشيء.

إذن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} . . أمر لمن آمن بالله ورضى به إلها ومشرعا. . قوله: {يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} . . نداء للمؤمنين وقوله: {لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا} . . نهى. . وكأن راعنا كانت مقولة عندهم يريد الله أن ينهاهم عنها. . والإيمان يلزمهم أن يستمعوا إلى نهي الله.

ما معنى راعنا؟ نحن نقول في لغتنا الدارجة (راعينا) . . يعني احفظنا وراقبنا وخذ بيدنا وكلها مأخوذة من مادة الرعاية والراعي. ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول:

«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»

وأصل المادة مأخوذة من راعي الغنم. . لأن راعي الغنم لابد أن يتجه بها إلى الأماكن التي فيها العشب والماء. . أي إلى أماكن الرعي. . وأن يكون حارسا عليها حتى لا تشرد واحد أو تضل فتفتك بها ذئاب الصحاري. . وأن يوفر لها الراحة حتى

ص: 501

لا تتعب وتنفق في الطريق. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول: «كنتُ أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة»

ولكن لماذا استبدل الحق سبحانه وتعالى كلمة راعنا بكلمة انظرنا؟ إن عند اليهود في العبرانية والسريانية كلمة راعنا ومعناها الرعونة. . ولذلك كانوا إذا سمعوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كلمة راعنا. . اتخذوها وسيلة للسباب بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . والمسلمون لا يدرون شيئا. . لذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتركوا هذه الكلمة. . حتى لا يجد اليهود وسيلة لستر سبابهم، وأمرهم بأن يقولوا: انظرنا.

ثم قال الحق سبحانه وتعالى: «واسمعوا» . . والله هنا يشير إلى الفرق بين اليهود والمؤمنين. . فاليهود قالوا سمعنا وعصينا، ولكن الله يقول للمؤمنين إسمعوا سماع طاعة وسماع تنفيذ.

سعد بن معاذ سمع واحدا من اليهود يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ راعنا وسعد كان من أحبار اليهود ويعرف لغتهم فلما سمع ما قاله فهم مراده. فذهب إلى اليهودي وقال له لو سمعتها منك مرة أخرى لضربت عنقك. . وقال اليهودي أو لستم تقولونها لنبيكم؟ أهي حرام علينا وحلال لكم؟ فنزلت الآية الكريمة تقول: {لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا} . . ولو تأملنا كلمة (راعنا) وكلمة (انظرنا) لوجدنا المعنى واحدا. . ولكن (انظرنا) تؤدي المعنى وليس لها نظير في لغة اليهود التي تعني الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . وقوله تعالى: {وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . . أي من يقولون راعنا إساءةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ لهم عذاب أليم.

ص: 502

ثم كشف الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين العداوة التي يكنها لهم أهل الكتاب من اليهود والمشركين. . الذين كفروا لأنهم رفضوا الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. . فيلفتهم إلى أن اليهود والمشتركين يكرهون الخير للمؤمنين. . فتشككوا في كل أمر يأتي منهم، واعلموا أنهم لا يريدون لكم خيرا. . قوله تعالى:«ما يود» . . أي ما يحب، والود معناه ميل القلب إلى من يحبه. . والود يختلف عن المعروف. . أنت تصنع معروفا فيمن تحب ومن لا تحب. . ولكنك لا تود إلا من تحب. . لذلك قال الله تبارك وتعالى:{لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]

ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليقول عن الوالدين: {وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15]

يقول بعض المستشرقين إن هناك تناقضا بين الآيتين. . كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول: لا توادوا من يحارب الله ورسوله. . ثم يأتي ويقول إذا حاول أبواك أن

ص: 503

يجعلاك تشرك بالله فصاحبهما في الدنيا معروفا. . وطبعا الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان الله ورسوله. . كيف يتم هذا التناقض؟ .

نقول إنكم لم تفهموا المعنى. . إن الإنسان يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا. . فقد تجد إنسانا في ضيق وتعطيه مبلغا من المال كمعروف. . دون أن يكون بينك وبينه أي صلة. . أما الود فلا يكون إلا مع من تحب.

إذن: {مَّا يَوَدُّ} معناها حب القلب. . أي أن قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير. . إنهم يكرهون أن ينزل عليكم خير من ربكم. . بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم أي شيء مما يسمى خيرا. . والخير هو وحي الله ومنهجه ونبوة رسول صلى الله عليه وسلم َ.

وقوله تعالى: {مِّنْ خَيْرٍ} . . أي من أي شيء مما يسمى خير. . فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالا يقول لك ما عندي من مال. . أي لا أملك مالا، ولكنه قد يملك جنيها أو جنيهين. . ولا يعتبر هذا مالا يمكن أن يوفي بما تريده. . وتذهب إلى رجل آخر بنفس الغرض تقول أريد مالا. . يقول لك ما عندي من مال. . أي ليس عندي ولا قرش واحد، ما عندي أي مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب والكفار والمشركين.

. مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين. . حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شيء من ربكم مما يطلق عليه خير.

وقوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} . . تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من الله. . فكأنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله. . وهو المنهج والرسالة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} . . أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم. . والله ينزل الخير لمن يشاء. . والله قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية. . فكيف يطلب الكافرون أن يخضع الله منهجه لإرادتهم؟ واقرأ قوله تبارك وتعالى: {وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ

ص: 504

بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31 - 32]

اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم َ وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم. . فيرد عليهم سبحانه وتعالى. . أنتم لا تقسمون رحمة الله ولكن الله يقسم بينكم حياتكم في الدنيا.

الحق تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها يقول: {والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} . . ساعة تقرأ كلمة يختص تفهم أن شيئا خصص لشيء دون غيره. . يعني أنني خصصت فلانا بهذا الشيء: {والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} . . أي يعطي الرحمة لمن يشاء لكي يؤدي مهمته أو ينزل رحمته على من يشاء، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة الله، وحسدهم وكراهيتهم للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة الله. . ولذلك أراد الله أن يرد عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به. . وسيفتح الله به أقطارا ودولا. . وسيدخل الناس فيه أفواجا وسيظهره على الدين كله.

ولو تأملنا أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا إنها إما أسباب ظاهرة واضحة وإما مكر وخداع. . بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى يتمكن منه فيقتله. . ولقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم َ إلى المدينة سرا. . لماذا؟ لأن الله أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ولو بالمكر والخداع والتبييت. . هم بيتوا الفتية ليقتلوه. . وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل. . وخرج صلى الله عليه وسلم َ ووضع التراب على رءوس الفتية. . الله أرادهم أن يعرفوا أنهم لن يقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ بالمكر والتبييت والخداع ولا بالعداء الظاهر.

قوله تعالى: {والله ذُو الفضل العظيم} . . الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية.

. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ: «من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»

ص: 505

وفضل مال أي مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل الله لأنه زائد على حاجته؛ فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت والتي ستأتي. ولذلك قال: {والله ذُو الفضل العظيم} . . أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته؛ لأنه ربما يكون عندي فضل، ولكني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلا. والفضل الحقيقي هو الذي من عند الله. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو ذو الفضل العظيم؛ لأنه غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه؛ لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، وسيكون بعد ألا يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم.

ص: 506

ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيرا للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم َ في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم َ. . وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم َ. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون. . لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان. . فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . وجاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين. . وزمن محدد. . واقرأ قول عيسى عليه السلام حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم: {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50]

فكأن عيسى عليه السلام جاء لينسخ بعض أحكام التوراة. . ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة.

وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير. . وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير. . وذلك فيما

ص: 507

يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة. . هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق. . سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله. . كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك. . ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق. . فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى. . فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام. . لأنه جاء دينا خاتما لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. . على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله سبحانه وتعالى:{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13]

نقول إن هذا يأتي في شيء واحد. . يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد.

. أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاما في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات. . ولذلك عندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم َ أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين.

يقول الله تبارك وتعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} . . كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلا منها. . كما يقال نسخت الشمس الظل. . أي أن الظل كان موجودا وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه. . ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخا. .

وقوله تعالى «ننسها» لها معان متعددة. . قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها. . فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها. . والعلماء إختلفوا في

ص: 508

هذه المسألة. . وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق. .

نأتي للنسخ في القرآن الكريم. . قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا. . لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله. . ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم. . وهذا محال بالنسبة لله سبحانه وتعالى. . نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله تبارك وتعالى. . ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر. . ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد. . ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج. . وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم. . إن هذا غير صحيح.

لماذا؟ . . لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة. . ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد. .

وليس هذا كواقع البشر. . فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع. . لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء. . فجاء الواقع ليظهر ما خفى وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل. . ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك. . أمر الله جعل الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول.

مثلا حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس.

. أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا. . لم تكن هذه هي الصورة. . ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.

إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. .

ص: 509

وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة. . ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا. . ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله. . فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا. . فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا. . ولا قدسية لشيء في ذاته. . ولكن القدسية لأمر الله فيه.

والله تبارك وتعالى حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم. والله سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجدا له في الأرض. . واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها. . وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله. . ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة. . ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله. . أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله. . ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية.

فإذا قال الله سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم. . فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها. . دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج. . كلها تتم طاعة لله. . وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله. . فالله موجود في كل مكان. . فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان. . ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة. . ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى موجود في هذا المكان فقط.

. ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة.

ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات. . لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تجد وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة.

ص: 510

إذن فكل آية نسخت كان في علم الله سبحانه وتعالى أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك ستعدل. . وكان كل من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده معلوما عند الله تبارك وتعالى ومقررا منذ الأزل وقبل بداية الكون. . وأيضا فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولا. . لأن الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام. . وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت المقدس، لذلك أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم َ من مكة إلى بيت المقدس. . ليثبت أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وإنه من المقدسات عند الله. . ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله القبلة إلى الكعبة. . فالحق جل جلاله يقول:{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} . . أي أن النسخ يكون إما أن يأتي الله سبحانه وتعالى بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها. . وهل الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا. . المعنى أن الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها. . والحكم الثاني كان زيادة في الخير بعد فترة من الزمن. . كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه. . والله تبارك وتعالى أنزل الآية الكريمة: {ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته. . ذلك صعب على المسلمين. . ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته. . فنزلت الآية الكريمة: {فاتقوا الله مَا استطعتم واسمعوا وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون} [التغابن: 16]

الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما استطاع؟ طبعا حق تقاته خير من قدر الاستطاعة. . ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} . .

ص: 511

نقول إنك لم تفهم عن الله. . {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} في الآية الأولى أو {فاتقوا الله مَا استطعتم} في الآية الثانية. . أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة بالنتيجة.

. عندما تريد أن تقيم شيئا لابد أن تبحث عن نتيجته أولا.

ولنقرب المعنى للأذهان سنضرب مثلا ولله المثل الأعلى. . نفرض أن هناك تاجرا يبيع السلع بربح خمسين في المائة. . ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح خمسة عشر في المائة. . ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعا على ذلك الذي يبيع السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحا أكبر. . ولكن الذي يبيع بربح خمسة عشر في المائة يحقق ربحا أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة. . يكون الربح في النهاية أكبر.

والذي يطبق الآية الكريمة: {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} يحقق خيرا أكبر في عمله. . ولكنه لا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته إلا في أعماله محدودة جدا.

إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل الذي تنطبق عليه الآية محدود.

أما قوله تعالى: {فاتقوا الله مَا استطعتم} فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة. . ولذلك تكون الأعمال المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل.

عندما نأتي إلى النتيجة العامة. . أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جدا. . وأعمال أجرها أقل ولكنها كثيرة. . أيهما فيه الخير؟ طبعا الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع.

إذن فقد نسخت هذه الآية بما هو خير منها. . رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة. . ولكن في المحصلة العامة الخير في الآية التي نصت على الاستطاعة. .

نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِهَا} . . هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوما أن ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟ إذا كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت. . فلماذا تم النسخ؟

ص: 512

نقول إننا إذا ضربنا مثلا لذلك فهو مثل تغيير القبلة. . أن الله تبارك وتعالى حين أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس نسخ آية بمثلها. . لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف. . فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف وهو نفس الجهد. . والله سبحانه وتعالى كما قلنا موجود. . وهنا تبرز الطاعة الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالا نقوم بها لأن الله قال. . وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود. . والله تبارك وتعالى يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار. . فإن قال افعلوا كذا فعلنا. . وإن قال لا تفعلوا لا نفعل.

. والعلة في هذا أننا نريد اختياراً أن نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله سبحانه وتعالى. . إذن مثلها لم تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية.

والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَوْ نُنسِهَا} ما معنى ننسها؟ قال بعض العلماء إن النسخ والنسيان شيء واحد. . ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة. . ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني في مشيئته قدرا من الزمن حتى يأتي موعد نزوله.

إذن فساعة يأتي الحكم الأول. . يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله. ينتظر انقضاء وقت الحكم الأول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} هي الآية المنسوخة أو التي سيتم عدم العمل بها: {أَوْ نُنسِهَا} . . أي لا يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه سبحانه. . ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين:

الأول: أمور العقائد فلا تنسخ آية آية أخرى في أمر العقيدة. . فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ عهد آدم حتى يوم القيامة. . فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم. . وكل ما يتعلق بأمور العقيدة لا ينسخ أبدا. .

والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا الله تبارك وتعالى آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة. . لأن الإخبار هو الإبلاغ بشيء واقع. . والحق سبحانه وتعالى إخباره لنا بما حدث لا ينسخ لأنه بلاغ صدق من الله. . فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ

ص: 513

بعد ذلك وتروى بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت. . إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن الله. . ولكن النسخ يكون في التكليف. . مثل قول الحق تبارك وتعالى: {ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]

كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم. . ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين. . ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا. . فنزلت الآية الكريمة: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين} [الأنفال: 66]

والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف. . لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم. . فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار. . وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار. . وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت.

. واقرأ قوله تعالى: {واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]

ص: 514

وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان. . نزل تشريع جديد هو الرجم أو الجلد. . ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني في علم الله. . وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً} . . وقوله سبحانه: {فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]

وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره. . كأن هناك حكما أو أمرا في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود. . إذن الله حين أبلغنا بالحكم الأول أعطانا فكرة. . إن هذا الحكم ليس نهائيا وأن حكما جديدا سينزل. . بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول. . ومن عظمة الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل العمر فقال جل جلاله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين} [البقرة: 180]

وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثا. . لماذا؟ لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه. . أما أبناؤه فحلقة أخرى. . ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله. . جعل سبحانه المسألة فرضا. . فيستوفى الحكم. ويقول جل جلاله: {يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ

ص: 515

آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 11]

وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية. . إن شاء أوصى بها وإن شاء لم يوصي أصبحت فرضا. . وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . . أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه. . إذا قلنا إذا جاء الله بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير. . لأنه إذا عُدل الحكم بعد أن أدى مهمته في عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضا. . لأن الله على كل شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه. . ولذلك فمن عظمة الله أنه لم يأت بالحكم خبرا من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب. . فلم يقل سبحانه «إن الله على كل شيء قدير» . . ولكنه قال:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . . لأنه واثق أن كل من يسمع سيقول نعم. . وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو التقريري.

ص: 516

وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا أن هناك آيات نسخت في القرآن. . أراد أن يوضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في كونه يفعل ما يشاء. . ولذلك بدأ الآية الكريمة: {أَلَمْ تَعْلَمْ} . . وهذا التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري. . لأن السامع لا يجد إلا جوابا واحدا بأنه يقر ما قاله الله تبارك وتعالى. . ويقول نعم يا رب أنت الحق وقولك الحق.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} . . الملك يقتضي مالكا ويقتضي مملوكا. . ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله. . فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة. . والإنسان ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه. . والإنسان لا يملك الفعل في الكون. . إن أراد مثلا أن يبني عمارة قد لا يجد الأرض. . فإن وجد الأرض قد لا يجد العامل الذي يبني. . فإن وجده قد لا يجد مواد البناء. . فإن وجد هذا كله قد تأتي الحكومة أو الدولة وتمنع البناء على هذه الأرض. . أو أن تكون الأرض ملكا لإنسان آخر فتقام القضايا ولا يتم البناء.

والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} . . أي أن كل شيء في الوجود هو ملك لله وهو يتصرف بقدرته فيما يملك. . ولذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم َ إلى المدينة. . كان اليهود يملكون المال ولهم معرفة ببعض العلم الدنيوي لذلك سادوا المدينة. . وبدأوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم َ والمسلمين. . والله تبارك وتعالى طمأن رسوله بأن طلاقة القدرة في الكون هي لله وحده. . وأنه إذا كان لهم ملك فإنه لا يدوم لأن الله ينزع الملك ممن

ص: 517

يشاء ويعطيه لمن يشاء. . ولذلك حينما يأتي يوم القيامة ويُهلك الله الأرض ومن عليها. . يقول سبحانه: {لِّمَنِ الملك اليوم} [غافر: 16]

ويرد جل جلاله بشهادة الذات للذات فيقول: {لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16]

ومادام الله هو المالك وحده. . فإنه يستطيع أن ينزع من اليهود وغيرهم ومن الدنيا كلها ما يملكونه. . ويحدثنا العلماء أن العسَسَ وهم الجنود الذين يسيرون ليلا لتفقد أحوال الناس وجدوا شخصا يسير ليلا. . فلما تقدموا منه جرى فجروا وراءه إلى أن وصل إلى مكان خرب ليستتر فيه. . تقدم العسس وأمسكوا به وإذا بهم يجدون جثة قتيل في المكان. . فقالوا له أنت القاتل لأنك جريت حين رأيتنا ولأنك موجود الآن في المكان الذي فيه جثة القتيل.

. فأخذوه ليحاكموه فقال لهم أمهلوني لأصلي ركعتين لله. . فأمهلوه فصلى ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنك تعلم أنه لا شاهد على براءتي إلا أنت. . وأنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة فأسألك ذلك في نفسك. . فبينما هم كذلك إذا أقبل رجل فقال. . أنا قاتل هذا القتيل وأنا أقر بجريمتي. . فتعجب الناس وقالوا لماذا تقر بجريمتك ولم يرك أحد ولم يتهمك أحد. . فقال لهم والله ما أقررت إنما جاء هاتف فأجرى لساني بما قلت. . فلما أقر القاتل بما فعل وقام ولي المقتول وهو أبوه فقال. . اللهم إني أشهدك إني قد أعفيت قاتل ابني من دينه وقصاصه.

انظر إلى طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى. . القاتل أراد أن يختفي ولكن أنظر إلى دقة السؤال من السائل أو المتهم البريء. . وقد صلى ركعتين لله. . لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ علمنا أنه إذا حزبنا أمر قمنا إلى الصلاة فليس أمامنا إلا هذا الباب. . وبعد أن صلى سأل الله أنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة ولا يشهد ببراءتي أحد إلا أنت فأسألك ذلك في نفسك وبعد ذلك كان ما كان.

ص: 518

وهذه القصة تدلنا على أننا في قبضة الله. . أردنا أو لم نرد. . بأسباب أو بغير أسباب. . لماذا؟ . . لأن الله له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. . وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} . . الولي هو من يواليك ويحبك. . والنصير هو الذي عنده القدرة على أن ينصرك وقد يكون النصير غير الولي. . الحق تبارك وتعالى يقول أنا لكم وليٌّ ونصير أي محب وأنصركم على من يعاديكم.

ص: 519

ثم ينقل الحق جل جلاله المسلمين بعد أن بين لهم أنه وليهم ونصيرهم. . ينقلهم إلى سلوك أهل الكتاب من اليهود مع رسلهم حتى يتفادوا مثل هذا السلوك فيقول جل جلاله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ} . . الحق يقول للمؤمنين أم تريدون أن تسألوا رسول الله كما سأل اليهود موسى. . ولم يشأ الحق أن يشبه المسلمين باليهود فقال: {كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ} . . وكان من الممكن أن يقول أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل اليهود موسى. . ولكن الله لم يرد أن يشبه اليهود بالمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . وهذا تكريم من الله للمؤمنين بأن ينزههم أن يتشبهوا باليهود. . وقد سأل اليهود موسى عليه السلام وقالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً} [النساء: 153]

وقد سأل أهل الكتاب والكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم َ كما يروي لنا القرآن الكريم: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً} [الإسراء: 90]

ص: 520

{أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَاّ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 92 - 93]

الله تبارك وتعالى يهيب بالمؤمنين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . كما سأله أهل الكتاب والكفار ويقول لهم أن اليهود قد سألوا موسى أكبر من ذلك. . فبعد أن رأوا المعجزات وشق الله البحر لهم. . وعبروا البحر وهم يشاهدون المعجزة فلم تكن خافية عنهم. . بل كانت ظاهرة لهم واضحة. . دالة دلالة دامغة على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى عظيم قدراته. . ورغم هذا فإن اليهود قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. . أي لم تكفهم هذه المعجزات. . وكأنما كانوا بماديتهم يريدون أن يروا في حياتهم الدنيوية من لا تدركه الأبصار. . وبمجرد أن عبروا البحر أرادوا أن يجعل لهم موسى صنما يعبدونه وعبدوا العجل رغم كل الآيات التي شاهدوها.

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل} . . قلنا إن الباء في قوله تعالى: «بالإيمان» تدخل دائما على المتروك. . كأن تقول اشتريت هذا بكذا درهم. . يعني تركت الدراهم وأخذت البضاعة. . ومعناها أن الكفر مأخوذ والإيمان متروك.

. فقد أخذ اليهود الكفر وتركوا الإيمان حين قالوا لموسى: {أَرِنَا الله جَهْرَةً} . . وقوله سبحانه: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل} .

ما هو الضلال؟ . . هو أن تسلك سبيلا لا يؤدي بك إلى غايتك. . و «سواء السبيل» . . السواء هو الوسط. . و «سواء السبيل» . . هو وسط الطريق. . والله تبارك وتعالى يقول: {فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم} [الصافات: 55]

ص: 521

أي في وسط الجحيم. . أي أنه يكون بعيدا عن الحافتين بعداً متساوياً. . وسواء الطريق هو وسطه. . والسبيل أو الطريق كان قبل استخدام التكنولوجيا الحديثة تكون أطرافه وعرة من جنس الأرض قبل أن تمهد. . أي لا تصلح للسير. . ولذلك فإن السير في وسط الطريق يبعدك عن المتاعب والصعوبات. ويريد الله من المؤمنين به أن يسيروا في الطريق الممهد أو في وسط الطريق لأنه أكثر أمانا لهم. . فهم فيه لن يضلوا يمينا ولا يسارا بل يسيروا على منهج الله والإيمان. . وطريق الإيمان دائما ممهد لا يقودهم إل الكفر.

ص: 522

هذه الآية الكريمة تتناول أحداثا وقعت بعد غزوة أحد. . وفي غزوة أحد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . من الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح الجبل سواء انتصر المسلمون أو انهزموا. . فلما بدأت بوادر النصر طمع الرماة في الغنائم. . فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم َ فهزمهم الله. . ولكن الكفار لم يحققوا نصرا لأن النصر هو أن تحتل أرضا وتبقى.

هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة. . حتى أن المسلمين عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحداً. . يهود المدينة استغلوا هذا الحدث. . وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق وغيرهما. . قالوا لهم إن كنتم مؤمنين حقا لماذا إنهزمتم فارجعوا إلى ديننا واتركوا دين محمد. . فقال لهم حذيفة ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟ . . يقصد ما تقوله التوراة في نقض اليهود ولعهودهم مع الله ومع موسى. . ثم قال أنا لن انقض عهدي مع محمد ما حييت. . أما عمار فقال. . لقد آمنت بالله ربا وآمنت بمحمد رسولا وآمنت بالكتاب إماما وآمنت بالكعبة قبلة وآمنت بالمؤمنين إخوة وسأظل على هذا ما حييت.

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر فسر بذلك ولكن اليهود كانوا يستغلون ما حدث في أحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب وقالوا إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى:{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} .

ص: 523

انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ الكتاب} . . فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم. . ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. . ولو أن الله جل جلاله حكم على كل أهل الكتاب لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا. . أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة. . لأن الله تعالى قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب} .

وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} . . كفارا بماذا؟ . . بما آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم. . وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة أو لصالحكم ولكن: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} . . فدينهم يأمرهم بعكس ذلك. . يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم َ. . ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان بالإسلام.

. والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد. . والحسد هو تمني زوال النعمة عمن تكره. . وقوله تعالى: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} . . أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإيمان. . ويتمنون زوال هذه النعمة. . التي جعلت من المسلمين إخوانا متحابين متكاتفين مترابطين. . بينما هم شيع وأحزاب. . وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح. . ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

«لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فَسُلِّط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس»

فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين. . فكأن هؤلاء اليهود يحسدون المسلمين على دينهم. . وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تقره التوراة ولا كتبهم. . وقوله سبحانه: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق} . . أي بعد ما تأكدوا من التوراة من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم َ وأنه النبي الخاتم.

وقوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ} . . ما هو العفو وما هو الصفح؟ . . يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته. . فالإنسان حين

ص: 524

يمشي على الرمال تترك قدمه أثرا فتأتي الريح وتعفو الأثر أي تزيله. . ولذلك فإن العفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنه لم يحدث شيء. . والصفح يعني طي صفحات هذا الموضوع لا تجعله في بالك ولا تجعله يشغلك. . وقوله تعالى: {حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ} . . أن هذا الوضع بالنسبة لليهود وما يفعلونه في المؤمنين لن يستمر لأن الله سبحانه قد أعد لهم أمرا ولكن هذا الأمر لم يأت وقته ولا أوانه. . وعندما يأتي سيتغير كل شيء. . لذلك يقول الله للمؤمنين لن تظلوا هكذا. . بل يوم تأخذونهم فيه بجرائمهم ولن يكون هذا اليوم بعيدا. . عندما يقول الله سبحانه: {حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ} . . فلابد أن أمر الله آت. . لأن هذه قضية تتعلق بجوهر الإيمان كله. . فلا يقال أبدا حتى يأتي الله بأمره ثم لا يجيء هذا الأمر. . بل أمر الله بلا شك نافذ وسينصركم عليهم. . وقوله تعالى: {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} . . أن الله له طلاقة القدرة في ملكه. . ولذلك إذا قال أنه سيأتي بأمر فسيتحقق هذا الأمر حتما وسيتم. . ولا توجد قدرة في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه. . ولا قوة إلا قوته جل جلاله. . ولا فعل إلا ما أراد.

ص: 525

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن أقصى أماني أهل الكتاب أن يردونا كفارا، وأن هذا حسدا منهم. أراد الله تبارك وتعالى أن يبين لنا ما الذي يكرهه أهل الكتاب. . وقال إن الذي يتعبهم ميزان العدل والحق الذي نتبعه. . منهج الله سبحانه وتعالى. . ولذلك يأمر الله المؤمنين أن يثبتوا ويتمسكوا بالإيمان، وأن يقبلوا على التكليف فهذا أحسن رد عليهم. . والتكاليف التي جاء بها الإسلام منها تكليفات لا تتطلب إلا وقتاً من الزمن وقليلا من الفعل كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

إن شهادة لا إله إلا الله تقال مرة في العمر. . والزكاة والصوم مرة كل عام. . والحج للمستطيع مرة في العمر. . ولكن هناك من العبادات ما يتكرر كل يوم ليعطي المؤمن شحنة اليقين والإيمان ويأخذه من دنياه بالله أكبر خمس مرات في اليوم. . وهذه هي العبادة التي لا تسقط أبدا. . والإنسان سليم والإنسان مريض. . فالمؤمن يستطيع أن يصلي واقفا وأن يصلي جالسا وأن يصلي راقدا. . وأن يجري مراسم الصلاة على قلبه. . لذلك كانت هذه أول عبادة تذكر في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصلاة} أي والتفتوا إلى نداءات ربكم للصلاة. . وعندما يرتفع صوت المؤذن بقوله الله أكبر فهذه دعوة للإقبال على الله. . إقبال في ساعة معلومة لتقفوا أمامه سبحانه وتعالى وتكونوا في حضرته يعطيكم الله المدد. . ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم َ «إذا حزبه أمر صلى»

ومعنى حزبه أمر. . أي ضاقت به أسبابه فلم يجد مخرجا ولا طريقا إلا أن يلجأ

ص: 526

إلى الله. . إذا حدث هذا يتوضأ الإنسان ويصلي ركعتين غير الفريضة. . ثم يدعو ما يشاء فيفرج الله كربه. . إذن: {وَأَقِيمُواْ الصلاة} هي الرد المناسب على كل محاولاتهم ليسلبوكم دينكم. . ذلك أن هذا التكليف المقرر لإعلان الولاء الإيماني لله كل يوم خمس مرات. . نترك كل ما في الدنيا ونتجه إلى الله بالصلاة. . إنها عماد الدين وأساسه.

وقوله تعالى: {وَآتُواْ الزكاة} . . إيتاء الزكاة لا يحدث إلا إذا كان لديهم ما هو زائد عن حاجتك. . فكأن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نضرب في الأرض لنكسب حاجتنا وحاجة من نعول ونزيد. . وبذلك يخرج المسلمون من سيطرة اليهود الإقتصادية التي يستذلون بها المسلمين.

فالمؤمن حين يأتي الزكاة معناه أن حركته اتسعت لتشمل حاجته وحاجة غيره. . ولذلك حتى الفقير يجد في الزائد في أموال المسلمين ما يكفي حاجته.

. فلا يذهب إلى اليهودي ليقترض بالربا. . ولذلك فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتكامل المسلمون. . بحيث تكفي أموالهم غنيهم وفقيرهم والقادر على العمل منهم وغير القادر. والله تبارك وتعالى يزيد أموال المسلمين بأكثر مما يخرج منها من زكاة. . ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

«ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه»

وقد سميت «الزكاة» لأنها في ظاهرها نقص وفي حقيقتها زيادة. . والربا ظاهره زيادة وحقيقته نقص. . وفي ذلك يقول الله جل جلاله: {يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات} [البقرة: 276]

ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله} . . إذن لابد أن يطمئن المؤمن لأن حركة حياته هي ثواب وأجر عند الله تبارك وتعالى. . فإذا

ص: 527

صلى فله أجر وإذا زكى فله أجر، وإذا تصدق فله أجر، وإذا صام فله أجر، وإذا حج فله أجر، كل ما يفعله من منهج الله له أجر، وليس أجرا بقدر العمل، بل أضعاف العمل. . وإقرأ قوله تعالى:{مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]

وهكذا نعرف أن كل حركة في منهج الله ليس فقط لها أجر عند الله سبحانه وتعالى. . ولكنه أجر مضاعف أضعافا مضاعفة. . وهو أجر ليس بقدرات البشر ولكنه بقدرة الله سبحانه. . ولذلك فهو ليس مضاعفا فقط في عدد المرات ولكنه مضاعف في القدرة أيضا. . فكأن كل إنسان مؤمن لا أجر له في الآخرة. . وإذا أُعطى في الدنيا يُعطي عطاء المثل. . ولكن المؤمن وحده له عطاء الآخرة أضعافا مضاعفة. . وهو عطاء ليس زائلا كعطاء الدنيا ولكنه باق وخالد.

والخير الذي تفعله لن تدخره عندك أو عند من قد ينكره. . ويقول لا شيء لك عندي ولكن الله سيدخره لك. . فانظر إلى الإطمئنان والعمل في يد الله الأمينة، وفي مشيئته التي لا يغفل عنها شيء، وفي قدرته التي تضاعف أضعافا مضاعفة. . وتجده في الوقت الذي تكون في أحوج اللحظات إليه وهو وقت الحساب.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . . أي لا تعتقد أن هناك شيئا يخفى على الله، أو أن أحدا يستطيع أن يخدع الله؛ فالله سبحانه وتعالى بصير بكل شيء. . ليس بالظاهر منك فقط. . ولكن بما تخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا من خلق الله، إنه يعلم كل شيء واقرأ قوله سبحانه وتعالى:{رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلَا فِي السمآء} [إبراهيم: 38]

وهكذا نطمئن إلى أن الله بصير بكل شيء، وانظر إلى قوله جل جلاله:«تعملون» لتفهم أهمية العمل.

ص: 528

بعد أن بين الحق تبارك وتعالى كيف أن كل عمل في منهج الله له أجر، وأجر باق وثابت ومضاعف عند الله ومحفوظ بقدرة الله سبحانه. . أراد أن يرد على ادعاءات اليهود والنصارى الذين يحاولون أن يثيروا اليأس في قلوب المؤمنين بالكذب والإحباط علهم ينصرفون عن الإسلام. . لذلك فقد أبلغنا الله سبحانه بما افتروه.

واقرأ قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} . . وفي هذه الآية الكريمة يظهر التناقض بين أقوال اليهود والنصارى. . ولقد أوردنا كيف أن اليهود قد قالوا {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً} . . وقالت النصارى: «لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا» . . والله سبحانه وتعالى يفضح التناقض في آية ستأتي في قوله تبارك وتعالى: {وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ} [البقرة: 113]

ومعنى ذلك أنهم تناقضوا في أقوالهم، فقالت النصارى: إنهم سيدخلون الجنة وحدهم، وقالت اليهود القول نفسه. ثم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا أو نصرانيا. . ثم قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء.

ويقول الناس إذا كنت كذوبا فكن ذكورا؛ ذلك أن الذي يكذب تتناقض أقواله لأنه ينسى مادام قد قال غير الحقيقة، ولذلك تجد أن المحقق أو القاضي يظل يسأل

ص: 529

المتهم أسئلة مختلفة. . حتى تتناقض أقواله فيعرف أنه يكذب. . فأنت إذا رويت الواقعة كما حدثت فإنك ترويها مائة مرة دون أي خلاف في التفاصيل. ولكنك إذا كذبت تتناقض مع نفسك. . والله سبحانه وتعالى يقول: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} . . ما هي الأماني؟ . . هي أن تعلق نفسك بأمنية وليس لهذه الأمنية سند من الواقع يوصلك إلى تحقيق هذه الأمنية. . ولكن إذا كان التمني قائما على عمل يوصلك إلى تحقيق الأمنية فهذا شيء آخر.

بعض الناس يقول التمني وإن لم يتحقق فإنه يروح عن النفس. . فقد ترتاح النفس عندما تتعلق بأمل كاذب وتعيش أياما في نوع من السعادة وإن كانت سعادة وهمية. . نقول إن الصدمة التي ستلحق بالإنسان بعد ذلك ستدمره. . ولذلك لا يكون في الكذب أبدا راحة. . فأحلام اليقظة لا تتحقق لأنها لا تقوم على أرضية من الواقع وهي لا تعطي الإنسان إلا نوعا من بعد عن الحقيقة. . ولذلك يقول الشاعر:

مُنَى إِنْ تَكُنْ حقاً تَكُنْ أَحْسَنَ الْمنَى

وَإِلاّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْدَا

يعني الأماني لو كانت حقيقة أو تستند إلى الحقيقة فإنها أحسن الأماني لأنها تعيش معك. . فإن لم تكن حقيقة يقول الشاعر:

فقد عشنا بها زمنا رغدا

أماني من ليلى حسان كأنما

سقتنا بها ليلى على ظمأ بردا

وقوله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} تبين لنا أن الأماني هي مطامع الحمقى لأنها لا تتحقق. . والحق سبحانه يقول: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} . . وما هو البرهان؟ . . البرهان هو الدليل. . ولا تطلب البرهان إلا من إنسان وقعت معه في جدال واختلفت وجهات النظر بينك وبينه. . ولا تطلب البرهان إلا إذا كنت متأكداً أن محدثك كاذب. . وأنه لن يجد الدليل على ما يدعيه.

هب أن شخصا ادعى أن عليك مالا له. . وطلب منك أن تعيده إليه وأنت لم تأخذ منه مالا. . في هذه الحالة تطلب منه تقديم الدليل. . (فالكمبيالة) التي

ص: 530

كتبتها له أو الشيك أو إيصال الأمانة. . وأضعف الإيمان أن تطلب منه شهودا على أنك أخذت منه المال. . ولكن قبل أن تطالبه بالدليل. . يجب أن تكون واثقا من نفسك وأنه فعلا يكذب وأنك لم تأخذ منه شيئا.

إذن فقوله الحق سبحانه: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} . . كلام من الله يؤكد أنهم كاذبون. . وأنهم لو أرادوا أن يأتوا بالدليل. . فلن يجدوا في كتب الله ولا في كلام رسله ما يؤكد ما يدعونه، وإن أضافوه يكن هذا افتراء على الله ويكن هناك الدليل الدامغ على أن هذا ليس من كلام الله ولكنه من افتراءاتهم.

إذن فليس هناك برهان على ما يقولونه. . ولو كان هناك برهان ولو كان في هذا الكلام ولو جزءا من الحقيقة. . ما كان الله سبحانه وتعالى يطالبهم بالدليل.

إذن لا تقول هاتوا برهانكم إلا إذا كنت واثقا أنه لا برهان على ما يقولون؛ لأنك رددت الأمر إليه فيما يدعيه. . وهو يحب أن يثبته ويفعل كل شيء في سبيل الحصول على برهان. . ولا يمكن أن يقول الله: {هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} . . إلا وهو سبحانه يعلم أنهم يكذبون. . ولذلك قال: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . . أي إن كنتم واثقين من أن ما تقولونه صحيح؛ لأن الله يعرف يقينا أنكم تكذبون.

ص: 531

بعد أن بين لنا الله تبارك وتعالى كذب اليهود وطالبهم بالدليل على ما قالوه من أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى جاء بحقيقة القضية ليخبرنا جل جلاله من الذي سيدخل الجنة. . فقال: «بلى» . . وعندما تقرأ: «بلى» اعلم أنها حرف جواب ولابد أن يسبقها كلام ونفي. . فساعة يقول لك إنسان ليس لي عليك دين. . إذا قلت له نعم فقد صدقت أنه ليس عليه دين. . ولكن إذا قلت بلى فذلك يعني أن عليه دينا وأنه كاذب فيما قاله. . إذن بلى تأتي جوابا لتثبيت نفي ما تقدم.

هم قالوا {لَن يَدْخُلَ الجنة إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى} . . عندما يقول الله لهم بلى فمعنى ذلك أن هذا الكلام غير صحيح. . وأنه سيدخلها غير هؤلاء. . وليس معنى أنه سيدخلها غير اليهود والنصارى. . أن كل يهودي وكل نصراني سيدخل الجنة. . لأن الله سبحانه وتعالى قد حكم حينما جاء الإسلام بأن الذي لا يسلم لا يدخل الجنة. . واقرأ قوله جل جلاله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} [آل عمران: 85]

لماذا لم يقل الله سبحانه وتعالى. . أنه لن يدخلها اليهود ولا النصارى. . لأن القرآن أزلي. . ما معنى أزلي؟ . . أي أنه يعالج القضايا منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة. . فالقرآن كلام الله تبارك وتعالى. . فلو أنه قال لن يدخل الجنة إلا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم َ لكان في هذا تجاوزٌ. . لأن هناك من آمن بموسى وقت رسالته وعاصره واتبعه وحسن دينه ومات قبل أن يدرك محمدا عليه الصلاة والسلام ُ. .

ص: 532

فهل هذا لا يدخل الجنة ويجازى بحسن عمله. . وهناك من النصارى من آمن بعيسى وقت حياته. . وعاصره ونفذ تعاليمه ومنهجه ثم مات قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ عليه الصلاة والسلام ُ. . أهذا لن يدخل الجنة؟ . . لا. . يدخل وتكون منزلته حسب عمله ويجازى بأحسن الجزاء. . ولكن بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم َ وجاء الإسلام ونزل القرآن، فكل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم َ لن يدخل الجنة. . بل ولن يراها. . ولذلك جاء كلام الله دقيقا لم يظلم أحدا من خلقه.

إذن فقوله تعالى: {بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} . . أي لا يدخل الجنة إلا من أسلم وجهه لله وهو محسن. . فقد يسلم واحد وجهه لله ويكون منافقا يظهر غير ما يبطن. . نقول إن المنافقين لم يكونوا محسنين ولكنهم كانوا مسيئين.

. لأن لهم شخصيتين شخصية مؤمنة أمام الناس وشخصية كافرة في الحقيقة أو في قلوبهم.

قوله تعالى: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} تدلنا على أن كل شيء أسلم لله لأن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان. . فيه التمييز وفيه السمة وفيه التشخص وهو أعلى ما في الجسم. . وحينما عرفوا الإنسان قالوا حيوان ناطق أي حيوان مفكر. . وقال بعضهم حيوان مستوي القامة يعني قامته مرفوعة. . والقامة المرفوعة على بقية الجسم هي الوجه. . والإنسان مرفوع على بقية أجناس الأرض. . إذن هو مرفوع على بقية الأجناس ووجهه مرفوع عليه. . فإذا أسلم وجهه لله يكون قد أسلم أشرف شيء فيه لله. . ولذلك قيل. . أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد. . لماذا؟ . . لأنه جاء بالوجه الذي رفعه الله به وكرمه. . وجعله مساويا لقدميه ليستوي أكمل شيء فيه بأدنى شيء. . فلم يبقى عنده شيء يختال به على الله.

الحق سبحانه وتعالى يقول: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} . . كلمة {أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} . . دلت على أن الله لم يجعلنا مقهورين. . ولكنه كلفنا وجعلنا مختارين أن نفعل أو لا نفعل. . فإن فعلنا فلنا أجر. . ولأن التكليف من الله سبحانه وتعالى فالمنطقي أن يكون الأجر عند الله. . وألا يوجد خوف أو حزن. . لأن الخوف يكون من شيء سيقع. . والحزن يأتي على شيء قد وقع. . ولا هذه ولا تلك تحدث عندما يكون أجرنا عند الله.

ص: 533

إن الإنسان حين يكون له حق عند مساويه. . فربما يخاف أن ينكر المساوي هذا الحق أو يطمع فيه، أو يحتاج إليه فيدعي عدم أحقيته فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين. . ولذلك فهو لا يطمع فيما في أيدينا من خير لأنه من عنده. . ولا يطمع فيما معنا من مال لأن عنده خزائن السموات والأرض.

الله سبحانه لا ينكر حقا من حقوقنا لأنه يعطينا من فضله ويزيدنا. . ولذلك فإن ما عند الله لا خوف عليه بل هو يضاعَف ويزداد. . وما عند الله لا حزن عليه. . لأن الإنسان يحزن إذا فاته خير. . ولكن ما عند الله باق لا يفوتك ولا تفوته. . فلا يوجد شيء عند الله سبحانه وتعالى تحزن عليه لأنه فات. . ولذلك كان قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . . أدق ما يمكن أن يقال عن حالة المؤمنين في الآخرة. . أنهم يكونون فرحين بما عند الله لا خوف عندهم ولا حزن.

ص: 534

نقول إن أصدق ما قاله اليهود والنصارى. . هو أن كل طائفة منهم اتهمت الأخرى بأنها ليست على شيء. . فقال اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء. . والعجيب إن الطائفتين أهل كتاب. . اليهود أهل كتاب والنصارى أهل كتاب. . ومع ذلك كل منهما يتهم الآخر بأنه لا إيمان له وبذلك تساوى مع المشركين.

الذين يقولون إن أهل الكتاب ليسوا على شيء. . أي أن المشركين يقولون اليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . واليهود يقولون المشركون ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الذين لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} . . وبذلك أصبح لدينا ثلاث طوائف يواجهون الدعوة الإسلامية. . طائفة لا تؤمن بمنهج سماوي ولا برسالة إلهية وهؤلاء هم المشركون. . وطائفتان لهم إيمان ورسل وكتب هم اليهود والنصارى. . ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الذين لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} . . أي الذين لا يعلمون دينا ولا يعلمون إلها ولا يعلمون أي شيء عن منهج السماء. . اتحدوا في القول مع اليهود والنصارى وأصبح قولهم واحدا.

وكان المفروض أن يتميز أهل الكتاب الذين لهم صلة بالسماء وكتب نزلت من الله ورسل جاءتهم للهداية. . كان من المفروض أن يتميزوا على المشركين. . ولكن تساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. . وهذا معنى قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الذين لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} . . ومادامت الطوائف الثلاث قالوا على بعضهم نفس القول. . يكون حجم الخلاف بينهم كبيرا وليس صغيرا. . لأن كل واحد منهم يتهم الآخر أنه لا دين له.

ص: 535

هذا الخلاف الكبير من الذي يحكم فيه؟ لا يحكم فيه إلا الله. . فهو الذي يعلم كل شيء. . وهو سبحانه القادر على أن يفصل بينهم بالحق. . ومتى يكون موعد هذا الفصل أو الحكم؟ أهو في الدنيا؟ لا. . فالدنيا دار اختبار وليست دار حساب ولا محاسبة ولا فصل في قضايا الإيمان. . ولذلك فإن الحكم بينهم يتم يوم القيامة وعلى مشهد من خلق الله جميعا.

والحق سبحانه وتعالى يقول: {فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} . . ومعنى الحكم هنا ليس هو بيان المخطئ من المصيب فالطوائف الثلاث مخطئة. . والطوائف الثلاث في إنكارها للإسلام قد خرجت عن إطار الإيمان. . ويأتي الحكم يوم القيامة ليبين ذلك ويواجه المخالفين بالعذاب.

ص: 536

فالحق جل جلاله بعد أن بين لنا موقف اليهود والنصارى والمشركين من بعضهم البعض ومن الإسلام، وكيف أن هذه الطوائف الثلاث تواجه الإسلام بعداء ويواجه بعضها البعض باتهامات. . فكل طائفة منها تتهم الأخرى أنها على باطل. . أراد أن يحذرهم تبارك وتعالى من الحرب ضد الإسلام ومحاربة هذا الدين فقال:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه} . . مساجد الله هي الأماكن التي يتم فيها السجود لله. . والسجود علامة الخضوع وعلامة العبودية كما بينا. . لأنك تضع أشرف شيء فيك وهو وجهك على الأرض خضوعا لله وخشوعا له.

قبل الإسلام كان لا يمكن أن يصلي أتباع أي دين إلا في مكان خاص بدينهم. . مكان مخصص لا تجوز الصلاة إلا فيه. . ثم جاء الله بالإسلام فجعل الأرض كلها مسجدا وجعلها طهورا. . ومعنى أن تكون الأرض كلها مسجداً هو توسيع على عباد الله في مكان التقائهم بربهم وفي أماكن عبادتهم له حتى يمكن أن تلتقي بالله في أي مكان وفي أي زمان. . لأنه لا يحدد لك مكانا معينا لا تصح الصلاة إلا فيه. . وأنت إذا أردت أن تصلي ركعتين لله بخلاف الفرض. . مثل صلاة الشكر أو صلاة الاستخارة أو صلاة الخوف. . أو أي صلاة من السنن التي علمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . فإنك تستطيع أن تؤديها في أي وقت. . فكأنك تلتقي بالله سبحانه أين ومتى تحب.

ومادام الله تبارك وتعالى أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم َ وعلى أمته بأن جعل لهم الأرض مسجدا طهورا فإنما يريد أن يوسع دائرة التقاء العباد بربهم. .

ص: 537

ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ يقول:

«أُعطيتُ خمسا لم يُعْطَهُن أحد من الأنبياء قبلي. نُصرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ ولم تحل لأحد قبلي وأُعْطِيتُ الشفاعةَ وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصة وَبُعِثْتُ إلى الناسِ عامة»

ولكن لماذا خص الله أمة محمد بهذه النعمة؟ لأن الإسلام جاء على موعد مع ارتقاءات العقل وطموحات الدنيا. . كلما ارتقى العقل في علوم الدنيا كشف قوانين وتغلب على عقبات. . وجاء بمبتكرات ومخترعات تفتن عقول الناس. . وتجذبهم بعيدا عن الدين فيعبدون الأسباب بدلا من خالق الأسباب.

يريد الحق تبارك وتعالى أن يجعل عبادتهم له ميسرة دائما حتى يعصمهم من هذه الفتنة. . وهو جل جلاله يريدنا حين نرى التليفزيون مثلا ينقل الأحداث من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن القمر إلى الأرض في نفس لحظة حدوثها.

. أن نسجد لله على نعمه التي كشف لنا عنها في أي مكان نكون فيه. . فخصائص الغلاف الجوي موجودة في الكون منذ خلق الله السموات والأرض. . لم يضعها أحد من خلق الله في كون الله هذه الأيام. . ولكنها خلقت مع خلق الكون. . وشاء الله ألا ندرك وجودها ونستخدمها إلا هذه الأيام. . فلابد أن نسجد لله شكرا على نعمه التي كشفت لنا أسرارا في الكون لم نكن نعرفها. . وهذه الأسرار تبين لنا دقة الخلق وتقربنا إلى قضايا الغيب.

فإذا قيل لنا أن يوم القيامة سيقف خلق الله جميعا وهم يشاهدون الحساب. . وإن كل واحد منهم سيرى الحساب لحظة حدوثه. . لا نتعجب ونقول هذا مستحيل. . لأن أحداث العالم الهامة نراها الآن كلها لحظة حدوثها ونحن في منتهى الراحة. . ونحن جالسون في منازلنا أمام التليفزيون. . أي أننا نراها جميعا في وقت واحد دون جهد. . فإذا كانت هذه هي قدرات البشر للبشر. . فكيف بقدرات خالق البشر للبشر؟ .

ص: 538

عندما نرى أسرار قوانين الله في كونه. . لابد أن نسجد لعظمة الخالق سبحانه وتعالى، الذي وضع كل هذا العلم والإعجاز في الكون. . وهذا السجود يقتضي أن تكون الأرض كلها مساجد حتى يمكنك وأنت في مكانك أن تسجد لله شكرا. . ولا تضطر للذهاب إلى مكان آخر قد يكون بعيدا أو الطريق إليه شاقا فينسيك هذا شكر الله والسجود له. . فالله سبحانه وتعالى شاء أن يوسع على المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم َ دائرة الالتقاء بربهم؛ لأن هناك أشياء ستأتي الرسالة المحمدية في موعد كشفها لخلق الله. . وكلما انكشف سر من أسرار الوجود إغتر الإنسان بنفسه. . ومادام الغرور قد دخل إلى النفس البشرية. . فلابد أن يجعل الله في الكون ما يعدل هذا الغرور.

لقد كانت الأمور عكس ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم َ. . كانت الأمور فطرية فإذا امتنعت الأمطار ونضبت العيون والآبار. . لم يكن أمامهم إلا أن يتوجهوا إلى السماء بصلاة الاستسقاء. . وكذلك في كل أمر يصعب عليهم مواجهته. . ولكن الآن بعد أن كشف الله لخلقه عن بعض أسراره في كونه. . أصبحت هناك أكثر من وسيلة يواجه بها الإنسان عددا من أزمات الكون. . هذه الوسائل قد جعلت البشر يعتقدون أنهم قادرون على حل مشكلاتهم. . بعيدا عن الله سبحانه وتعالى وبجهودهم الخاصة. . فبدأ الاعتماد على الخلق بدلا من الإعتماد على الحق. . ولذلك نزل قول الحق سبحانه وتعالى: {الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه}

[النور: 35 - 36]

ص: 539

ما هي هذه البيوت التي يرى فيها الناس نور الله تبارك وتعالى؟ هي المساجد. . فَعُمَّارُ المساجد وزوارها الدائمون على الصلاة فيها هم الذين يرون نور الله. . فإذا أتى قوم يجترئون عليها ويمنعون أن يذكر اسم الله فيها. . فمعنى ذلك أن المؤمنين القائمين على هذه المساجد ضعفاء الإيمان ضعفاء الدين تجرأ عليهم أعداؤهم. . لأنهم لو كانوا أقوياء ما كان يجرؤ عدوهم على أن يمنع ذكر اسم الله في مساجد الله. . أو أن يسعى إلى خرابها فتهدم ولا تقام فيها صلاة الجمعة. . ولكن ساعة يوجد من يخرب بيتا من بيوت الله. . يهب الناس لمنعه والضرب على يده يكون الإيمان قويا. . فإن تركوه فقد هان المؤمنون على عدوهم. . لماذا؟ لأن الكافر الذي يريد أن يطفئ مكان إشعاع نور الله لخلقه. . يعيش في حركة الشر في الوجود التي تقوى وتشتد كلما استطاع غير المؤمنين أن يمنعوا ذكر اسم الله في بيته وأن يخربوه.

وقول الحق سبحانه وتعالى: {أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَاّ خَآئِفِينَ} . . أي أن هؤلاء الكفار ما كان يصح لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين أن يفتك بهم المؤمنون من أصحاب المسجد والمصلين فيه. . فإذا كانوا قد دخلوا غير خائفين. . فمعنى ذلك أن وازع الإيمان في نفوس المؤمنين قد ضعف.

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} . . معناه أنه لا يوجد أحد أظلم من ذلك الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. . أي أن هذا هو الظلم العظيم. . ظلم القمة. . وقوله تعالى: {وسعى فِي خَرَابِهَآ} . . أي في إزالتها أو بقائها غير صالحة لأداء العبادة. . والسعي في خراب المسجد هو هدمه.

ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقولة: {لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} . . أي لن يتركهم الله في الدنيا ولا في الآخرة. . بل يصيبهم في الدنيا خزي. . والخزي هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك عليه الناس. . قوله تعالى: {لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ} . . هذا مظهر غيرة الله على بيوته. . وانظر إلى ما أذاقهم الله في الدنيا بالنسبة ليهود المدينة الذين كانوا يسعون في خراب مساجد الله. . لقد أخذت أموالهم وطردوا من ديارهم. . هذا حدث. . وهذا معنى قوله تعالى الخزي في الدنيا. . أما في الآخرة فإن أعداء الله سيحاسبون

ص: 540

حسابا عسيرا لتطاولهم على مساجد الله سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا عن نصرة دين الله والدفاع عن بيوت الله. . سيكون لهم أيضا عذاب أليم.

إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ذكر الله في مساجده. . لأنه في هذه الحالة يكون مرتكبا لذنبهم نفسه وربما أكثر. . ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار.

ص: 541

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى جزاء الذين يخربون مساجد الله ويهدمونها. . ويمنعون أن يذكر فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة لأن الأرض كلها مساجد. . وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها. . لأن الله تبارك وتعالى موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلا عليكم بالتجليات.

وقوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ الله} . . أي هناك وجه الله. . وقوله تعالى: {الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . . أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم؛ لأن الله واسع موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون. . ولكن إذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَللَّهِ المشرق والمغرب} لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط. . ولكنه يتعداها إلى كل الجهات شرقها وغربها. . شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب الغربي وكل جهة تفكر فيها.

ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها. . فهناك شمال شرقي وجنوب شرقي وشمال غربي وجنوب غربي. . كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس. . فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب. فأنت كل يوم ترى شروقا وترى غروبا.

الله سبحانه وتعالى حين يقول: {وَللَّهِ المشرق والمغرب} فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم. . كما تقول بالقلم

ص: 542

كتبت وبالسيارة أتيت. . أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة. . وهذا ما يعرف بالاختصاص. . فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه. . ولذلك فإن معنى: {وَللَّهِ المشرق والمغرب} . . أن الملكية لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد. . وتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليس معناه أن الله تبارك وتعالى في بيت المقدس والاتجاه بعد ذلك إلى الكعبة ليس معناه أن الله جل جلاله في الكعبة.

إن توحيد القبلة ليس معناه أكثر من أن يكون للمسلمين اتجاه واحد في الصلاة. . وذلك دليل على وحدة الهدف. . فيجب أن تفرق بين اتجاه في الصلاة واتجاه في غير الصلاة. . اتجاه في الصلاة نكون جميعا متجهين إلى مكان محدد إختاره الله لنا لنتجه إليه في الصلاة. . والناس تصلي في جميع أنحاء العالم متجهة إلى الكعبة. . الكعبة مكانها واحد لا يتغير. . ولكن اتجاهنا إليها من بقاع الأرض هو الذي يتغير. . فواحد يتجه شمالا وواحد يتجه جنوبا وواحد يتجه شرقا وواحد يتجه غربا. . كل منا يتجه اتجاها مختلفا حسب البقعة التي يوجد عليها من الأرض.

. ولكننا جميعا نتجه إلى الكعبة رغم اختلاف وجهاتنا إلا أننا نلتقي في اتجاهنا إلى مكان واحد.

الله جل جلاله يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: «وللهِ المشرقُ» فلا نظن أن المشرق إتجاه واحد بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان. . فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب. . فإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر. . تشرق عندي وتغرب عند غيري. . وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين. . فإذا نظرت إلى الشرق وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها. . تجد أن المشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض. . في كل دقيقة شروق وغروب.

وقوله تعالى: {إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . . أي يتسع لكل ملكه لا يشغله شيء عن شيء. . ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه. . كيف يحاسب الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. .

إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء. . ولا يحتاج في عمله إلى شيء. . إنما عمله «كن فيكون» .

ص: 543

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن له كل شيء في الكون لا يشغله شيء عن شيء. . أراد أن يرد على الذين حاولوا أن يجعلوا لله معينا في ملكه. . الذين قالوا اتخذ الله ولداً. . الله تبارك وتعالى رد عليهم أنه لماذا يتخذ ولدا وله ما في السموات والأرض كل له قانتون. . وجاء الرد مركزا في ثلاث نقاط. . قوله تعالى: «سبحانه» أي تنزه وتعالى أن يكون له ولد. . وقوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} . . فإذا كان هذا ملكه وإذا كان الكون كله من خلقه وخاضعا له فما حاجته للولد؟

وقوله سبحانه: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} . . أي كل من في السموات والأرض عابدون لله جل جلاله مقرون بألوهيته.

قضية إن لله سبحانه وتعالى ولداً جاءت في القرآن الكريم تسع عشرة مرة ومعها الرد عليها. . ولأنها قضية في قمة العقيدة فقد تكررت وتكرر الرد عليها مرة بعد أخرى. . وإذا نظرت للذين قالوا ذلك تجد أن هناك أقوالا متعددة. . هناك قول قاله المشركون. . واقرأ القرآن الكريم: {أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى البنات على البنين} [الصافات: 151 - 153]

ص: 544

وقول اليهود كما يروي لنا القرآن: {وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله} [التوبة: 30]

وقول النصارى: {وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30]

ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل. . الله سبحانه وتعالى يقول: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلَاّ آتِي الرحمن عَبْداً} [مريم: 88 - 93]

والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أن هذا إدعاء خطير مستقبح مستنكر وممقوت. . لقد عالجت سورة مريم المسألة علاجا واسعا. . علاجا اشترك فيه انفعال كل أجناس الكون غير الإنسان. . انفعال السموات والأرض والجبال وغيرها من خلق الله التي تلعن كل من قال ذلك. . بل وتكاد شعورا منها بفداحة الجريمة أن تنفطر السماء أي تسقط قطعا صغيرة. . وتنشق الأرض أي تتمزق. . وتخر الجبال أي تسقط كتراب. . كل هذا من هول ما قيل ومن كذب ما قيل. . لأن هذا الادعاء افتراء على الله. ولقد جاءت كل هذه الآيات في سورة مريم التي أعطتنا معجزة خلق عيسى. . كما وردت القضية في عدة سور أخرى.

ص: 545

والسؤال هنا ما هي الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله؟ ما الذي جعلهم يلجأون إلى هذا الافتراء؟ القرآن يقول عن عيسى بن مريم.

. كلمة الله ألقاها إلى مريم. . نقول لهم كلنا كلمة «كن» .

لماذا فتنتم في عيسى ابن مريم هذه الفتنة؟ والله سبحانه وتعالى يشرح المسألة فيقول: {إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]

قوله كمثل آدم لمجرد مجاراة الخصم. . ولكن المعجزة في آدم أقوى منها في عيسى عليه السلام. . أنتم فتنتم في عيسى لأن عنصر الأبوة ممتنع. . وآدم امتنع فيه عنصر الأبوة والأمومة. . إذن فالمعجزة أقوى. . وكان الأولى أن تفتنوا بآدم بدل أن تفتنوا بعيسى. . ومن العجيب أنكم لم تذكروا الفتنة في آدم وذكرتم الفتنة فيما فيه عنصر غائب من عنصرين غائبين في آدم. . وكان من الواجب أن تنسبوا هذه القضية إلى آدم ولكنكم لم تفعلوا.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . قال له الله إن القضية ليست قضية إنكار ولكنها قضية كاذبة. . واقرأ قوله تبارك وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} [الزخرف: 81]

أي لن يضير الله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد. . ولكنه جل جلاله لم يتخذ ولدا. . فلا يمكن أن يعبد الناس شيئا لم يكن لله. . وإنما ابتدعوه واختلقوه. .

الله جل جلاله يقول: {وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} . . قوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} تعطي الله سبحانه وتعالى الملكية لكل ما في الكون. . والملكية تنافي الولدية. . لماذا؟ لأن الملكية معناها أن كل ما في الكون من خلق الله. . كل شيء هو خالقه بدون معارض. .

ص: 546

ومادام هو خالقه وموجده. . فلا يمكن أن يكون هذا الشيء جزءا منه. . لأن الذي يخلق شيئا يكون فاعلا. . والفاعل له مفعول. . والمفعول لا يكون منه أبدا. . هل رأيت واحدا صنع صنعة منه؟ الذي يصنع سيارة مثلا. . هل صنعها من لحمه أو من لحم البشر؟ وكذلك الطائرة والكرسي والساعة والتليفزيون. . هل هذه المصنوعات من جنس الذي صنعها؟ طبعا لا.

إذن مادام ملكية. . فلا يقال إنها من نفس جنس صانعها. . ولا يقال إن الفاعل أوجد من جنسه. . لأن الفاعل لا يوجد من جنسه أبدا. . كل فاعل يوجد شيئا أقل منه. . فقول الله: «سبحانه» . . أي تنزيه له تبارك وتعالى. . لماذا؟ لأن الولد يتخذ لاستبقاء حياة والده التي لا يضمنها له واقع الكون. . فهو يحمل اسمه بعد أن يموت ويرث أملاكه. . إذن هو من أجل بقاء نوعه. . والذي يريد بقاء النوع لا يكفيه أن يكون له ولد واحد.

لو فرضنا جدلا إن له ولداً واحداً فالمفروض أن هذا الولد يكون له. . ولكننا لم نر أولادا لمن زعموا أنه ابن الله. . وعندما وقبلما يوجد الولد ماذا كان الله سبحانه وتعالى يفعل وهو بدون ولد؟ وماذا استجد على الله وعلى كونه بعد أن اتخذ ولدا كما يزعمون. . لم يتغير شيء في الوجود. . إذن إن وجود ولد بالنسبة للإله لم يعطه مظهرا من مظاهر القوة. . لأن الكون قبل أن يوجد الولد المزعوم وبعده لم يتغير فيه شيء.

إذن فما سبب اتخاذ الولد؟ معونة؟ الله لا تضعف قوته. . ضمان للحياة؟ الله حياته أزليه. . هو الذي خلق الحياة وهو الذي يهبها وهو حي لا يموت. . فما هي حاجته لأي ضمان للحياة؟ الحق سبحانه وتعالى تنفعل له الأشياء. . أي أنه قادر على إبراز الشيء بمقتضى حكمه. . وهو جل جلاله له كمال الصفات أزلا. . وبكمال صفاته خلق هذا الكون وأوجده. . لذلك فهو ليس في حاجة إلى أحد من خلقه. . لأنه ساعة خلق كانت له كل صفات القدرة على الخلق. . بل قبل أن يخلق كانت له كل صفات الخالق وبهذه الصفات خلق. . والله سبحانه وتعالى كان خالقا قبل أن يخلق أحدا من خلقه. . وكان رزاقا قبل أن يوجد من يرزقه. . وكان قهارا قبل أن يوجد من يقهره. . وكان توابا قبل أن يوجد من يتوب عليه. . وبهذه الصفات أوجد وخلق ورزق وقهر وتاب على خلقه.

ص: 547

إذن كل هذا الكون لم يضف صفة من صفات الكمال إلى الله. . بل إن الله بكمال صفاته هو الذي أوجد. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: «يا عبادي لَوْ أَنَّ أولَكُم وَآخِرَكُم وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنسان مَسْألته ما نقص ذلك مِنْ ملكي شيئا إلا كما يَنْقُصُ المخِيطُ إذا غُمس في البحر. .»

ثم إذا كان لله سبحانه وتعالى زوجة وولد. . فمن الذي وجد أولا؟ . . إذا كان الله سبحانه وتعالى قد وجد أولا. . ثم بعد ذلك أوجد الزوجة والولد فهو خالق وهما مخلوقان. . وإن كان كل منهم قد أوجد نفسه فهم ثلاثة آلهة وليسوا إلها واحدا. . إذن فالولد إما أن يكون مخلوقا أو يكون إلها. . والكمال الأول لله لم يزده الولد شيئا. . ومن هنا يصبح وجوده لا قيمة له. . وحين يعرض الحق تبارك وتعالى هذه القضية يعرضها عرضا واسعا في كثير من سور القرآن الكريم وأولها سورة مريم في قوله تعالى: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً} [مريم: 88]

إنه سبحانه منزه عن التماثل مع خلقه. . لا بالذات ولا بالصفات ولا بالأفعال. . كل شيء تراه في الوجود. . الله منزه عنه. . وكل شيء يخطر على بالك فالله غير ذلك. . قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} . . فتلك قضية تناقض اتخاذ الولد لأن كل ما في السموات والأرض خاضع لله. .

قوله تعالى؛ {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} . . أي خاضعون، وهذا يؤكد لنا أن كون الله في قبضة الله خاضع مستجيب اختيارا أو قهرا لأمر الله.

ص: 548

بعد أن بين الله تبارك وتعالى. . أن قولهم اتخذ الله ولدا هو افتراء على الله. . أراد الحق أن يلفتنا إلى بعض من قدراته. . فقال جل جلاله: {بَدِيعُ السماوات والأرض} . . أي خلق السموات والأرض وكل ما فيها من خلق على غير مثال سابق. . أي لم يكن هناك سماء أو أرض أو ملائكة أو جن أو إنسان. . ثم جاء الله سبحانه وتعالى وأوجد متشابها لهم في شكل أو حجم أو قدرة. . أي أنه سبحانه لم يلجأ إلى ما نسميه نحن بالقالب.

إن الذي يصنع كوب الماء يصنع أولا قالبا يصب فيه خام الزجاج المنصهر. . فتخرج في النهاية أكواب متشابهة. . وكل صناعة لغير الله تتم على أساس صنع القالب أولا ثم بعد ذلك يبدأ الإنتاج. . ولذلك فإن التكلفة الحقيقية هي في إعداد القالب الجيد الذي يعطينا صورة لما نريد. . والذي يخبز رغيفا مثلا قد لا يستخدم قالبا ولكنه يقلد شيئا سبق. . فشكل الرغيف وخامته سبق أن تم وهو يقوم بتقليدهما في كل مرة. . ولكنه لا يستطيع أن يعطي التماثل في الميزان أو الشكل أو الاستدارة. . بل هناك اختلاف في التقليد ولا يوجد كمال في الصناعة.

وحين خلق الله جل جلاله الخلق من آدم إلى أن تقوم الساعة. . جعل الخلق متشابهين في كل شيء. . في تكوين الجسم وفي شكله في الرأس والقدمين واليدين والعينين. . وغير ذلك من أعضاء الجسم. . تماثلا دقيقا في الشكل وفي الوظائف. . بحيث يؤدي كل عضو مهمته في الحياة. . ولكن هذا التماثل لم يتم على قالب وإنما تم بكلمة كن. . ورغم التشابه في الخلق فكل منا مختلف عن الآخر اختلافا يجعلك قادرا على تمييزه بالعلم والعين. . فبالعلم كل منا له بصمة أصبع وبصمة صوت يمكن

ص: 549

أن يميزها خبراء التسجيل. . وبصمة رائحة قد لا نميزها نحن ولكن تميزها الكلاب المدربة. . فتشم الشيء ثم تسرع فتدلنا على صاحبه ولو كان بين ألف من البشر. . وبصمة شفرة تجعل الجسد يعرف بعضه بعضا. . فإن جئت بخلية من جسد آخر لفظها. وإن جئت بخلية من الجسد نفسه اتحد معها وعالج جراحها.

وإذا كان هذا بعض ما وصل إليه العلم. . فإن هناك الكثير مما قد نصل إليه ليؤكد لنا أنه رغم تشابه بلايين الأشخاص. . فإن لكل واحد ما يميزه وحده ولا يتكرر مع خلق الله كلهم. . وهذا هو الإعجاز في الخلق ودليل على طلاقة قدرة الله في كونه.

والله سبحانه وتعالى يعطينا المعنى العام في القرآن الكريم بأن هذا من آياته وأنه لم يحدث مصادفة ولم يأت بطريق غير مخطط بل هو معد بقدرة الله سبحانه.

. فيقول جل جلاله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} [الروم: 22]

هذا الاختلاف يمثل لنا طلاقة قدرة الله سبحانه في الخلق على غير مثال. . فكل مخلوق يختلف عمن قبله وعمن بعده وعمن حوله. . مع أنهم في الشكل العام متماثلون. . ولو أنك جمعت الناس كلهم منذ عهد آدم إلى يوم القيامة تجدهم في صورة واحدة. . وكل واحد منهم مختلف عن الآخر. . فلا يوجد بشران من خلق الله كل منهما طبق الأصل من الآخر. . هذه دقة الصنع وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: «بديع» . . والدقة تعطي الحكمة. . والإبراز في صور متعددة يعطي القدرة. . ولذلك بعد أن نموت وتتبعثر عناصرنا في التراب يجمعنا الله يوم القيامة. . والإعجاز في هذا الجمع هو أن كل إنسان سيبعث من عناصره نفسها وصورته نفسها وهيئته نفسها التي كان عليها في الدنيا. ولذلك قال الحق سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4]

ص: 550

إذن الله سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته في الإيجاد قد خلقنا. . وبطلاقة قدرته في إعادة الخلق يحيينا بعد الموت. . بشكلنا ولحمنا وصفاتنا وكل ذرة فينا. . هل هناك دقة بعد ذلك؟ .

لو أننا أتينا بأدق الصناع وأمهرهم وقلنا له: اصنع لنا شيئا تجيده. فلما صنعه قلنا له: اصنع مثله. إنه لا يمكن أن يصنع نموذجا مثله بالمواصفات نفسها؛ لأنه يفتقد المقاييس الدقيقة التي تمده بالمواصفات نفسها التي صنعها. إنه يستطيع أن يعطينا نموذجا متشابها ولكن ليس مثل ما صنع تماما. لكن الله سبحانه وتعالى يتوفى خلقه وساعة القيامة أو ساعة بعثهم يعيدهم بمكوناتهم نفسها التي كانوا عليها دون زيادة أو نقص. وذلك لأنه الله جل جلاله لا يخلق وفق قوالب معينة، وإنما يقول للشيء: كن فيكون.

تقول الآية الكريمة: {بَدِيعُ السماوات والأرض وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .

«وكن» وردت كثيرا في القرآن الكريم. . وفي اللغة شيء يسمى المشترك. . اللفظ يكون واحدا ومعانيه تختلف حسب السياق. . فمثلا كلمة قضى لها معاني متعددة ولها معنى يجمع كل معانيها. . مرة يأتي بها الحق بمعنى فرغ أو انتهى. . في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200]

ومعناها إذا انتهيتم من مناسك الحج. . ومرة يقول سبحانه: {فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ} [طه: 72]

والمعنى إفعل ما تريد. . وفي آية أخرى يقول الله تعالى:

ص: 551

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ}

[الأحزاب: 36]

والمعنى هنا أنه إذا قال الله شيئا لا يترك للمؤمنين حق الاختيار. . ومرة يصور الله جل جلاله الكفار في الآخرة وهم في النار يريدون أن يستريحوا من العذاب بالموت.

واقرأ قوله سبحانه: {وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77]

لِيَقْضِ علينا هنا معناها يميتنا. . ومعنى آخر في قوله تعالى: {وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر} [إبراهيم: 22]

أي لما انتهى الأمر ووقع الجزاء. . وفي موقع آخر قوله سبحانه: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص: 29]

قضى الأجل هنا بمعنى أتم الأجل وفي قوله تعالى: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس: 54]

ص: 552

أي حكم وفصل بينهم. . وقوله جل جلاله: {وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ} [الإسراء: 4]

بمعنى أعلمنا بني إسرائيل في كتابهم. . إذن «قضى» لها معان متعددة يحددها السياق. . ولكن هناك معنى تلتقي فيه كل المعاني. . وهو قضى أي حكم وهذا هو المعنى الأم.

إذن معنى قوله تعالى: {إِذَا قضى أَمْراً} . . أي إذا حكم بحكم فإنه يكون. . على أننا يجب أن نلاحظ قول الحق: {وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ} . . معنى يقول له أن الأمر موجود عنده. . موجود في علمه. . ولكنه لم يصل إلى علمنا. . أي أنه ليس أمرا جديدا. . لأنه مادام الله سبحانه وتعالى قال: «يقول له» . . كأنه جل جلاله يخاطب موجودا. . ولكن هذا الموجود ليس في علمنا ولا نعلم عنه شيئا. . وإنما هو موجود في علم الله سبحانه وتعالى. . ولذلك قيل أن لله أموراً يبديها ولا يبتديها. . إنها موجودة عنده لأن الأقلام رُفِعَتْ، والصحف جفت. . ولكنه يبديها لنا نحن الذين لا نعلمها فنعلمها.

ص: 553

الحق سبحانه وتعالى حين قال: {الذين لَا يَعْلَمُونَ} . . أي لا يعلمون عن كتاب الله شيئا لأنهم كفار. . وهؤلاء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أن يكلمهم الله. . ومعنى أن يكلمهم الله أن يسمعوا كلاما من الله سبحانه. . كما سمع موسى كلام الله.

وماذا كانوا يريدون من كلام الله تبارك وتعالى. . أكانوا يريدون أن يقول لهم الله إنه أرسل محمداً رسولا ليبلغهم بمنهج السماء. . وكأن كل المعجزات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم َ وعلى رأسها القرآن الكريم لم تكن كافية لإقناعهم. . مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي. . سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل. . جاء القرآن ليتحدى في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية. . وكان ذلك يكفيهم لو أنهم استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا آية أخرى. . والله سبحانه وتعالى قد أبلغنا أنه لا يمكن لطبيعة البشر أن تتلقى عن الله مباشرة. . واقرأ قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} [الشورى: 51]

ص: 554

إذن فالبشر حتى المصطفى من الله والمؤهل للتلقي عن الله. . لا يكلمه الله إلا وحيا أو إلهامَ خاطرٍ أو من وراء حجاب كما كلم موسى. . أو يرسل رسولا مبلغا للناس لمنهج الله. . أما الاتصال المباشر فهو أمر تمنعه بشرية الخلق.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} . . والآيات التي يطلبها الكفار ويأتي بها الله سبحانه وتعالى ويحققها لهم. . لا يؤمنون بها بل يزدادون كفرا وعنادا. . والله جل جلاله يقول: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلَاّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} [الإسراء: 59]

إذن فالآيات التي يطلبها الكفار ليؤمنوا لا تجعلهم يؤمنون. . ولكن يزدادون كفرا حتى ولو علموا يقينا أن هذه الآيات من عند الله سبحانه وتعالى كما حدث لآل فرعون. . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين} [النمل: 13 - 14]

وهكذا فإن طلبهم أن يكلمهم الله أو تأتيهم آية كان من باب العناد والكفر. . والحق سبحانه يقول: {كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} . . فبنو إسرائيل قالوا لموسى أرنا الله جهرة. . الذين لا يعلمون قالوا لولا يكلمنا الله. . ولكن الذين قالوا أرنا الله جهرة كانوا يعلمون لأنهم كانوا يؤمنون بالتوراة.

. فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. . لذلك قال الله تبارك وتعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} . . أي قلوب أولئك الذين كانوا خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد.

ص: 555

ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر. . وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا. . ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا الله جهرة. . إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى. . إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة. . ومادام القلب غير خالص لله فيستوى الذي يعلم والذي لا يعلم.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} . . ما هو اليقين؟ هو استقرار القضية في القلب استقراراً لا يحتمل شكا ولا زلزلة. . ولا يمكن أن تخرج القضية مرة أخرى إلى العقل. . لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا. . واليقين يأتي من إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا. . فإذا قال الله قال اليقين. . وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم َ فكلامه حق. . ولذلك من مصداقية الإيمان أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه. . عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صُعد به إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة. . قال إن كان قد قال فقد صدق.

إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم يقين. . وقد يرتقي الأمر ليصير عين يقين. . عندما ترى الشيء بعينك بعد أن حُدثت عن رؤية غيرك له. . ثم تدخل في حقيقة الشيء فيصبح حق يقين. . إذن اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به. . وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين. . وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء. . والله سبحانه وتعالى يشرح هذا في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين لَتَرَوُنَّ الجحيم} [التكاثر: 1 - 6]

هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من الله سبحانه وتعالى. . ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين} [التكاثر: 7]

ص: 556

أي أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة. . هذا علم يقين وعين يقين. . يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين} [الواقعة: 92 - 95]

والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين. . إنه سيراها وهو يمر على الصراط. . ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين. . ولقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم ما يوافق قول غير المؤمنين. . فاليهود قالوا لموسى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً} . . والمسيحيون قالوا لعيسى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء} قال: {اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} . . وهكذا شجع المؤمنون بالكتاب غير المؤمنين بأن يطلبوا رؤية الله ويطلبوا المعجزات المادية.

ص: 557

هنا لابد أن نلتفت إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يخبرنا عن قضية من فعله. يأتي دائما بنون العظمة التي نسميها نون المتكلم. . ونلاحظ أن نون العظمة يستخدمها رؤساء الدول والملوك ويقولون نحن فلان أمرنا بما هو آت. . فكأن العظمة في الإنسان سخرت المواهب المختلفة لتنفيذ القرار الذي يصدره رئيس الدولة. . فيشترك في تنفيذه الشرطة والقضاء والدولة والقوات المسلحة إذا كان قرار حرب. . تشترك مواهب متعددة من جماعات مختلفة تتكاتف لتنفيذ القرار. . والله تبارك وتعالى عنده الكمال المطلق. . كل ما هو لازم للتنفيذ من صفات الله سبحانه وتعالى. . فإذا تحدث الله جل جلاله عن فعل يحتاج إلى كمال المواهب من الله تبارك وتعالى يقول «إنا» : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]

ولكن حين يتكلم الله عن ألوهيته وحده وعن عبادته وحده يستخدم ضمير المفرد. . مثل قوله سبحانه: {إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكري} [طه: 14]

ص: 558

ولا يقول فاعبدنا. . إذن ففي كل فعل يأتي الله سبحانه بنون العظمة. . وفي كل أمر يتعلق بالعبادة والتوحيد يأتي بالمفرد. . وذلك حتى نفهم أن الفعل من الله ليس وليد قدرته وحدها. . ولا علمه وحده ولا حكمته وحدها ولا رحمته وحدها. . وإنما كل فعل من أفعال الله تكاملت فيه صفات الكمال المطلق لله.

إن نون العظمة تأتي لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز للعقل تكامل الصفات في الله. . لأنك قد تقدر ولا تعلم. . وقد تعلم ولا تقدر، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة. إذن فتكامل الصفات مطلوب.

قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق} يعني بعثناك بالحق رسولا. . والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض. . فإذا رأيت حدثا أمامك ثم طلب منك أن تحكي ما رأيت رويت ما حدث. . فإذا طلب منك بعد فترة أن ترويه مرة أخرى فإنك ترويه بنفس التفاصيل. . أما إذا كنت تكذب فستتناقض في أقوالك. . ولذلك قيل إن كنت كذوبا فكن ذكورا.

إن الحق لا يتناقض ولا يتغير. . ومادام رسول الله صلى الله عليه وسلم َ قد أرسل بالحق. . فإنَّ عليه لأن يبلغه للناس وسيبقى الحق حقا إلى يوم القيامة.

وقوله تعالى: {بَشِيراً وَنَذِيراً} . . البشارة هي إخبار بشيء يسرك زمنه قادم. . والإنذار هو الإخبار بشيء يسوؤك زمنه قادم ربما استطعت أن تتلافاه. . بشير بماذا؟ ونذير بماذا؟ يبشر من آمن بنعيم الجنة وينذر الكافر بعذاب النار. . والبشرى والإنذار يقتضيان منهجا يبلغ. . من آمن به كان بشارة له.

ومن لا يؤمن كان إنذارا له.

ثم يقول الحق جل جلاله: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم} . . أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َ ليس مسئولا عن الذين سيلقون بأنفسهم في النار والعذاب. إنه ليس مسئولا عن هداهم وإنما عليه البلاغ. . واقرأ قوله تبارك وتعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6]

ص: 559

ويقول جل جلاله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 3 - 4]

فالله سبحانه وتعالى لو أرادنا أن نؤمن قسرا وقهرا. . ما استطاع واحد من الخلق أن يكفر. . ولكنه تبارك وتعالى يريد أن نأتيه بقلوب تحبه وليس بقلوب مقهورة على الإيمان. . إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختارين أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا. . وليس لرسول أن يرغم الناس على الإيمان بالقهر. . لأن الله لو أراد لقهر كل خلقه.

أما أصحاب الجحيم فهم أهل النار. والجحيم مأخوذة من الجموح. . وجمحت النار يعني اضطربت، وعندما ترى النار متأججة يقال جمحت النار. . أي أصبح لهيبها مضاعفا بحيث يلتهم كل ما يصل إليها فلا تخمد أبدا.

والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم َ. . أنه لا يجب أن ينشغل قلبه بالذين كفروا لأنه قد أنذرهم. . وهذا ما عليه، وهذه مهمته التي كلفه الله بها.

ص: 560

كان اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ مدخل لؤم وكيد فيقولون هادنا، أي قل لنا ما في كتابنا حتى ننظر إذا كنا نتبعك أم لا. . يريد الله تبارك وتعالى أن يقطع على اليهود سبيل الكيد والمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم َ. . بأنه لا اليهود ولا النصارى سيتبعون ملتك. . وإنما هم يريدون أن تتبع أنت ملتهم. . أنت تريد أن يكونوا معك وهم يطمعون أن تكون معهم. . فقال الله سبحانه:{وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلَا النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} . .

نلاحظ هنا تكرار النفي وذلك حتى نفهم أن رضا اليهود غير رضا النصارى. . ولو قال الحق تبارك وتعالى، ولن ترضى عنك اليهود والنصارى بدون لا. . لكان معنى ذلك أنهم مجتمعون على رضا واحد أو متفقون. . ولكنهم مختلفون بدليل أن الله تعالى قال:{وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ} [البقرة: 113]

إذن فلا يصح أن يقال فلن ترضى عنك اليهود والنصارى. . والله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لن ترضى عنك اليهود ولن ترضى عنك النصارى. . وإنك لو صادفت رضا اليهود فلن ترضى عنك النصارى. . وإن صادفت رضا النصارى فلن ترضى عنك اليهود. .

ص: 561

ثم يقول الحق سبحانه: {حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} . . والملة هي الدين وسميت بالملة لأنك تميل إليها حتى ولو كانت باطلا. . والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلَا أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 3 - 6]

فجعل لهم دينا وهم كافرون ومشركون. . ولكن ما الذي يعصمنا من أن نتبع ملة اليهود أو ملة النصارى. . الحق جل جلاله يقول: {قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} [آل عمران: 73]

فاليهود حرفوا في ملتهم والنصارى حرفوا فيها. . ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ معه هدى الله. . والهدى هو ما يوصلك إلى الغاية من أقصر طريق. . أو هو الطريق المستقيم باعتباره أقصر الطرق إلى الغاية. . وهدى الله طريق واحد، أما هدى البشر فكل واحد له هدى ينبع من هواه.

ومن هنا فإنها طرق متشعبة ومتعددة توصلك إلى الضلال. . ولكن الهدى الذي يوصل للحق هو هدى واحد. . هدى الله عز وجل.

وقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ} إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أن ملة اليهود وملة النصارى أهواء بشرية. . والأهواء جمع هوى. . والهوى هو ما تريده النفس باطلا بعيدا عن الحق. . لذلك يقول الله جل جلاله: {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ..

والله تبارك وتعالى يقول لرسوله لو اتبعت الطريق المعوج المليء بالشهوات بغير حق. . سواء كان طريق اليهود أو طريق النصارى بعدما جاءك من الله من الهدى فليس لك من الله من ولي يتولى أمرك ويحفظك ولا نصير ينصرك.

ص: 562

وهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ يجب أن نقف معه وقفة لنتأمل كيف يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم َ الذي اصطفاه. . فالله حين يوجه هذا الخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام ُ. . فالمراد به أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم َ أتباع رسول الله الذين سيأتون من بعده. . وهم الذين يمكن أن تميل قلوبهم إلى اليهود والنصارى. . أما الرسول فقد عصمه الله من أن يتبعهم.

والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم يقينا أن ما لم يقبله من رسوله عليه الصلاة والسلام ُ. . لا يمكن أن يقبله من أحد من أمته مهما علا شأنه. . وذلك حتى لا يأتي بعد رسول الله من يدعي العلم. . ويقول نتبع ملة اليهود أو النصارى لنجذبهم إلينا. . نقول له لا ما لم يقبله الله من حبيبه ورسوله لا يقبله من أحد.

إن ضرب المثل هنا برسول الله صلى الله عليه وسلم َ مقصود به أن أتباع ملة اليهود أو النصارى مرفوض تماما تحت أي ظرف من الظروف، لقد ضرب الله سبحانه المثل برسوله حتى يقطع على المغرضين أي طريق للعبث بهذا الدين بحجة التقارب مع اليهود والنصارى.

ص: 563