المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} - تفسير العثيمين: من سورة محمد - ط مكتبة الطبري - جـ ١٤

[ابن عثيمين]

الفصل: ‌{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم}

وموقفنا من الخبر: التصديق، أن نقول: آمنا وقبِلنا، وصدَّقنا.

ما ثواب هؤلاء الذين آمنوا بما نُزِّل على محمد؟

ثوابهم: قوله: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} ؛ أي: سيئات أعمالهم، {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي: حالهم وشأنهم، فجمع اللّه لهم بين أمرَيْن: بين إزالة السوء، وحصول الخير؛ إزالة السوء بتكفير السيئات، وحصول الخير بإصلاح الحال.

وقوله عز وجل: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} يبينه تمامًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصَّلَوَاتُ الخَمْس، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنهَنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُما، وَالحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةَ".

قوله: ‌

{ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ}

هذه الآية تعليلٌ لما قبلها، فمن اتبع الباطل - والعياذ باللّه - حصل له من الضلال بقدر ما يبتدعه من الباطل، فمن عصى اللّه فقد اتبع الباطل، ينقص من إيمانه بقدر معصيته، وينقص من هداه بقدر معصيته؛ لأنه إذا كان اتباع الحق سببًا للخير، فاتباع الباطل سبب للشر.

{كَذَلِكَ} أي: مثل هذا التبيين والتوضيح {يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} .

ثم قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني: في ميدان القتال {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} ضَرْب هنا مصدر بمعنى الأمر؛ أي: تضربوا رقابهم.

{حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} في القتل، وأذللتموهم بالقتل، وأضعفتموهم بالقتل، فحينئذٍ شدُّوا الوثاق؛ أي: شدُّوا الوثاق منهم بالأسر، لا تأسِروهم قبل أن تُخثِنوهم بالقتل، أثخنوهم بالقتل حتى لا تقوم لهم قائمة، ثم بعد ذلك ائسِروهم، وإذا أسرتموهم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} إلى متى؟ {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} نقول: حتى هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن تضع الحرب أوزارها.

{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} الجملة هنا تفيد التخيير؛ يعني: إما أن تَمُنُّوا عليهم فتُطلِقوهم، وإما أن تُفادوهم بمال، أو منفعة، أو رجال.

بمال: بأن يُطلَب من الكافر المأسور أن يدفع فداءً، فيقال له: لا نُطلقك إلا أن تأتي بالمال.

أو بمنفعة: نقول: لا نُطلقك حتى تُصلِح الطريق لنا، تكون عاملًا مع العمال، كما فعل المسلمون في أسرى بدر؛ حيث فادَوهم بتعليم أبناء المسلمين الكتابة.

أو برجال: يكون عندهم أسرى منا، فنقول: أعطونا أسرانا نعطيكم أسراكم.

هذا التخيير هل هو تخيير تشهٍّ، أو تخيير مصلحة؟ تخيير مصلحة؟ يعني: لا يحل لمن يلي أمر المسلمين في هذا الشأن أن يتخيَّر إلا ما تقتضيه المصلحة، وهنا نأخذ ضابطًا في هذا المقام:

ص: 87

نقول: إذا كان المقصود بالتخيير للتيسير، فهو تشهٍّ، وإذا كان التخيير بالتصرُّف للغير، فهو مصلحيٌّ، ولي أمر المسلمين يُخيَّر بين هذا وهذا؛ هل هو للتيسير عليه، أو لمصلحة المسلمين؟ لمصلحة المسلمين، فيجب أن يختار ما هو أصلح من المال أو الافتداء.

إذا خيَّرنا وليَّ يتيم بين نوعين من التصرُّف، وقلنا لولي اليتيم أن يفعل كذا أو كذا، فما نوع هذا التخيير؟ يعني: يُخيَّر ولي اليتيم بين أن يفتح مُتَّجَرًا بمال اليتيم، وبين أن يعطيه شخصًا ثقة مُضاربة؛ ما نوع هذا التخيير؟ مصلحيٌّ، لكن لو قلنا لإنسان لزِمَته كفارة يمين: أطعِم عشرة مساكين، أو اكسُ، أو أعتِق رقبة، المقصود: التيسير، فهو تخيير تشهٍّ.

قال اللّه عز وجل: {ذَلِكَ} يعني: الحكم {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} لو شاء الله عز وجل لانتصر من الكفار، وكفى المؤمنين القتال، ولكنه بحكمته جعل الأمر سجالًا بين المسلمين والكفار ليبلوا بعضهم ببعض، وإذا نظرنا إلى هذه السنة وجدنا أنها سنة مُضطردة، يبلوا الله الناس بعضهم ببعض، فينصر هؤلاء أحيانًا، وينصر هؤلاء أحيانًا، ولو شاء الله عز وجل لانتصر من الكفار، فأهلكهم وأبادهم جميعًا بكلمة واحدة، لكن هذا يفوت به مصالح كثيرة، منها: حكمة الله عز وجل؛ لأن من حكمة اللّه أن تبقى الأرض بين مؤمن وكافر، لو كان الناس كلهم مؤمنين، لم يكن للإيمان تلك القيمة، لكن إذا كان هناك طريقان: طريق كفر، وطريق إيمان هنا يتبيَّن ويتميَّز فضل الإيمان، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لسُدَّ باب الجهاد، لو كان كل الناس مُطيعين انقفل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه لا منكر، وحينئذٍ لا نهي عن منكر، ولا إخلال بمعروف، وحينئذٍ لا أمر بالمعروف، ولكن من حكمة الله عز وجل أن جعل العباد منهم مؤمن ومنهم كافر ليبلوا بعضهم ببعض:{وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} .

ص: 88