الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُلَخَّصُ البَحْثِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذا بحث بعنوان:
استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى .. دراسة نقدية مقارنة
يُرَادُ به: إتباع المفسر من السلف قولًا يذكره أو يُذكَر له في بيان معاني القرآن الكريم، بقولٍ آخر يُصلِح خطأه، أو يُكمِل نقصه.
وقد اشتمل البحث على دراسةِ ثمانين استدراكًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والتابعين، وأتباعهم. وذلك من خلال منهج تحليلي نقدي، يتناول كُلَّ رواية بالتحليل ودراسة الأقوال وما بُنيت عليه، ثُمَّ الحكم عليها، وبيان الراجح في موضع الخلاف، مع التعرض لعدد من المسائل الواردة في الرواية، ممَّا له علاقة بعلم التفسير وأصوله.
وقد بَيَّن البحث من خلال تلك الدراسة اهتمام مفسري السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وتَنَوُّع أساليبهم في ذلك، ومنها الاستدراكات التي نشأت مع أول نشأت التفسير وظهوره، من خلال البيان النبوي لمعاني آيات القرآن الكريم، ثم أصبحت سمتًا عامًا في كتب التفسير المتوسطة والموسعة، دون المختصرة، وكلما اشتهر كتاب في التفسير وعظم الاهتمام به، كثرت الاستدراكات عليه.
وقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائلها وموضوعاتها وأغراضها تنوعًا ظاهرًا، أظهر لها أثرًا بارزًا على طائفةٍ من علوم التفسير، تناول منها البحث:
أثر الاستدراكات على وجوه الترجيح في التفسير، وعلى أسباب الخطأِ في التفسير، وأسباب الاختلاف فيه، وعلى التفسير بالرأي، كما أوضح جانبًا من علاقة الاستدراكات بمدارس التفسير.
وقد أبرز البحث عِدَّةَ نتائج تتعلق بهذه الفروع من علم التفسير، يُرجَى لها أن تعود بفوائد حسنة إن شاء الله في جانب الدراسات التفسيرية بكافة فروعها.
•
الْمُقَدِّمَة
•
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن علم التفسير لَمَّا كان متعلقًا بكتاب الله تعالى فهمًا واستنباطًا وبيانًا، كان من أشرف العلوم وأعظمها، بل هو رأس العلوم ورئيسها، وقد حاز علم تفسير القرآن هذا الشرف من جهةِ موضوعه، وغَرَضهِ، وشِدَّة الحاجة إليه، فهو أشدُّ العلوم تعلُّقًا بكتاب الله تعالى، بل هو سبيل علمه ومنهج فهمه، وكُلُّ العلوم الشرعية متوقفةٌ عليه وراجعةٌ إليه، وكلُّ كمال ديني أو دنيوي، عاجلٍ أو آجلِ، إنما يكون بتحصيلها ومعرفة مراد الله تعالى بِها.
وقد أدرك سلفُ هذه الأمَّةَ مَنْزلة هذا العلم من الدين، فَنَزل منهم أشرفَ منْزل وأعلاه، وتفرَّغ له طائفةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم تحصيلًا وتأصيلًا، وسلكوا لنشره وتبيينه للناس كُلَّ سبيل، فكان بيانهم أحسن بيان، وجاء استنباطهم أدَقَّ استنباطٍ وألطفه، ولا غرو فهم خير هذه الأمة وأفضلها بشهادة خير البرية صلى الله عليه وسلم، وقد حازوا كمالَ كلِّ فضيلةٍ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة، وما أحسن ما قال الشافعي (ت: 204) في رسالته البغدادية: (هم فوقنا في كلِّ علمٍ، وعقلٍ، ودينٍ، وفضلٍ، وكلِّ سببٍ يُنَال به علمٌ، أو يُدرَك به هدى، ورأيهم لنا خيرٌ من رأينا
لأنفسنا)
(1)
، وقال ابن رجب (ت: 795): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام، ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم .. ، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهُّمِه وتعقُّلِه والتفقُّه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حقٍّ إلا وهو في كلامهم موجودٌ بأوجزِ عبارةٍ، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطلٍ إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمَّله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يُلِمُّ به)
(2)
.
فمن هنا عظمت الرغبة في البحث عن آثار السلف في التفسير، وأنواع العلوم والمسالك التي سلكوها في بيان كلام الله تعالى، فكان منها هذا النوع اللطيف من البيان، الذي يدل على حرص السلف على تصحيح الفهم لمعاني الآيات، وإيضاح الأصح والأكمل في حَقِّها من المعاني، كُلُّ ذلك في نمطٍ رفيعٍ من الأدب وحُسنِ الخطاب. وفي هذا النوع من البيان يقصِدُ المفسِّرُ منهم تَعَقُّب قولٍ مذكور في تفسير الآية، وذكر رأيه فيها عقب اعتراضه، وهو ما يعرف ب"الاستدراك".
وهذا النوع من العلوم- الاستدراكات- موجود ومشهور عند السلف من لدن الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم
(3)
، وفي تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى على الأخص مواضع كثيرة من هذه الاستدراكات، تباينت طرقها وأغراضها، واتَّفقت
(1)
مجموع الفتاوى 4/ 157، وينظر: إعلام الموقعين 2/ 150.
(2)
بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: 67).
(3)
ومنه ما جمعه أبو منصور البغدادي (ت: 489) في "استدراك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على الصحابة"، وهو ما بنى عليه الزركشي (ت: 794) كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، الذي لخصه السيوطي (ت: 911) وزاد عليه في "عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة".
أصولها ومناهجها، وكُلُّها يُنبِئ عن سعةِ عِلمٍ، وحسن أدبٍ، وهي جديرة بالدراسة والتأمل، ومن ثَمَّ إغناء مختلف معارف التفسير وأصوله بمسائلها العديدة، وفوائدها الجليلة.
*
دواعي اختيار الموضوع:
تتلَخَّص أسباب اختيار الموضوع في النقاط الآتية:
1 -
رغبةُ الباحث في الاتصال بعلوم السلف، وفهم مناهجهم وطرائقهم في علم التفسير على الخصوص، وقد كان في سعة هذا الموضوع، وتنوع مباحثه، وانتشار مادَّته في جمهرَة كتب التفسير، خيرُ معين على ذلك؛ لاستلزامه مطالعة عامَّة كتب التفسير في مرحلتي الجمع والدراسة.
2 -
الإسهام في بيان سعة علم السلف ودِقَّة فهمهم، وتوجيه النظر إلى الاهتمام بتلك الحقبة الفاضلة، التي احتوت أئمة هذا العلم والمتحقِّقين فيه.
3 -
إبرازُ صورةٍ جليَّةٍ من صور حرص السلف على تصحيح الفهم لكلام الله تعالى.
4 -
التعرُّضُ لفقه الخلاف بين السلف في التفسير، ثُمَّ استثمار ذلك الخلاف في تثبيت قواعد وأصول علم التفسير.
5 -
أنه مجالٌ رحبٌ لتوجيه أقوال السلف في مواضع الخلاف، والوقوف على منْزع كل قائل.
6 -
أنه من أحسن وسائل الوقوف على جملَةٍ من معارف التفسير وتأصيلها، كوجوه الترجيح في التفسير، وأسباب الخطأ فيه، والتفسير بالرأي وضوابطه، ونحو ذلك من علوم هذا الفن.
7 -
يُجَلِّي الموضوعُ صورةً مشرقةً من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض.
8 -
كما يوضح أيضًا أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه.
9 -
احتواؤه نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى.
10 -
طرافةُ الموضوع، وحداثة تناوله، إذ لم أجد من تعرَّضَ له على هذا النحو، أو قصده بالجمع والتأليف.
فلهذه الأسباب، وبعد الاستخارة والاستشارة، استعنت بالله تعالى واخترت هذا الموضوع بعنوان:
اسْتِدْرَاكَاتُ السَّلَفِ في التَّفْسِيرِ في القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى
دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُقَارَنَةٌ
*
خِطَّةُ البَحْثِ:
تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، على النحو الآتي:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره.
التمهيد: وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحث:
• المبحث الأول: مَعْنَى " الاسْتِدْرَاك ".
• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ " السَّلَفِ " وَبَيَانُ فَضْلِهِم. وَفِيهِ مَطْلَبَان:
المطلب الأول: تَعْرِيفُ " السَّلَفِ " لُغَةً واصطلاحًا.
المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.
• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ " التَّفْسِير ".
• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ " اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ ".
الباب الأول:
دِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ " اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ " فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى.
الباب الثاني:
"الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
وَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان:
• مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
الفصل الأول: " الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.
الفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
وَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِث:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.
• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.
الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث.
الفهارس: وتحتوي على أنواعٍ من الفهارس الفنية التي تتناسب مع طبيعة البحث، وتكشف عن مضمونه.
*
مَنْهَجُ البَحْثِ:
أوَّلًا: جعلتُ الحدَّ الزمني للدراسة: القرون الثلاثة الأولى. التي تشمل طبقة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضي الله عنهم.
ثانيًا: قَدَّمتُ دراسةَ الاستدراكات على بيان نشأتها وتطوُّرها وأثرها في علم التفسير؛ لأنها مباحثُ مستخرجةٌ من قسم الدراسة ومبنيَّة عليه.
ثالثًا: قسَّمتُ العمل في البحث على مرحلتين:
المرحلةُ الأولى: جمع مرويَّات استدراكات السلف في التفسير من عامَّة كتب التفسير المسندة، ولتحقيق ذلك طالعت قريبًا من مِئَةِ مجلدٍ من التفاسير المسندة المطبوعة، والمخطوطة، وعدد من الرسائل الجامعية، ثُمَّ استعرضتُ من كتب السنة أمَّهاتِها، وما اعْتُنِى فيه بباب التفسير على الخصوص. وقد استغرقت مِنِّي هذه المرحلةُ من البحث قرابةَ عامٍ كامل، جمعتُ فيها كلَّ استدراكٍ كان الخلاف فيه من قبيل بيان المعنى للآية أو اللفظة القرآنية، دون غيره؛ إذ ليس غرضي دراسةُ الاستدراكات من حيث هي واردة في كتب التفسير، وإنما من حيث هي من علم التفسير، ولها تعلقٌ واضحٌ بأصوله وقواعده؛ للاستفادة منها في هذا الجانب المقصود بالبحث والدراسة. وقد بلغت الاستدراكات المجموعة في هذه المرحلة (425) استدراكًا.
المرحلةُ الثانية: دراسةُ ثمانين روايةٍ تفسيرية مُختَارَةٍ من هذا المجموع، كُلُّها نصوصٌ صريحةٌ، وافِرَةُ المسائلِ، عظيمةُ الفائدةِ. وفي هذه المرحلة قمت بتحليل كُلِّ قولٍ، وبَيَّنتُ مأخذَ قائله ومعتمده، وقارنت بين الأقوال في كُلِّ رواية، ثُمَّ ذكرتُ الراجح منها بعد المناقشة والاستدلال.
رابعًا: جعلتُ منهج دراسة هذه الاستدراكات على ما يأتي:
1 -
تخريج الاستدراك، والحكم عليه من جهة الرواية.
2 -
تحليل الاستدراك ببيان مصدر كل قول، ومعتمد قائله.
3 -
الحكم على الاستدراك، وذكر الراجح في موضع الاستدراك، مع التعرض أحيانًا لبعض المسائل والفوائد الخاصة في كلِّ رواية، وذكر ثمرة الخلاف فيه.
خامسًا: لم تُحدَّد هذه الدراسة بسوَرٍ مُعَيَّنةٍ في ابتدائها وانتهائها؛ إذ لا علاقة لكثرة السور وقلتها بتكاثر الاستدراكات وقلتها، وإنما هي مبثوثة في مجموع سور القرآن الكريم.
سادسًا: رَتَّبتُ الاستدراكات باعتبار قائلها، ورأيتُ ذلك أعظمُ فائدةً في بيان التسلسل التاريخي لها، مع اعتبار منْزلة القائل في الترتيب، فابتدأتُ بالاستدراكات النبويَّة، ثُمَّ استدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين، ثُمَّ استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم، ثُمَّ كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين.
سابعًا: خَصَصْتُ الآيات القرآنية بالرسم العثماني، وجعلتها بين هذين القوسين {} .
ثامنًا: خرَّجت القراءات القرآنية، وجعلتها بالرسم الإملائي بين هذين القوسين {} .
تاسعًا: خَرَّجت الآيات في متن الرسالة، وجعلت تخريجها بين هذين المعقوفين [] عقب ذكر الآية مباشرة، سواءً كانت في نَصٍّ منقول أو غيره؛ وذلك لكثرتِها الظاهرة.
عاشرًا: خَرَّجتُ الأحاديث النبوية والآثار تخريجًا مختصرًا، أستوفي فيه عزو الحديث والأثر إلى مواضعه، مع بيان حال الأحاديث المرفوعة، وروايات الاستدراكات صِحَّةً وحُسنًا وضَعفًا.
إحدى عشر: إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدِهِما اكتفي بذلك عن الحكم عليه، ولا أعزوه إلى غيرهما إلا لِحاجَة.
اثنى عشر: عند تخريج ما في الصحيحين أعزو إلى صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري، وصحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي.
ثالث عشر: جعلت تخريج الاستدراك في الحاشية، وفَرَّغت متن الرسالة للدراسة التفسيرية (تحليل الاستدراك- الحكم على الاستدراك).
رابع عشر: نسبتُ الأشعار إلى قائليها، واكتفيتُ بعزوها إلى دواوينهم في الغالب، وإلا فإلى مصادر الشعر والشعراء المعتمدة.
خامس عشر: ترجمتُ للأعلام الواردة أسماؤهم في الرسالة تراجمَ مختصرة، واستثنيتُ منهم المشهورين، ولم أترجم للصحابة لاستغنائهم عن التعريف، إلا ما ندر.
سادس عشر: أتبعتُ كُلَّ علَمٍ بذكر سنة وفاته بين هلالين (ت:)، في جميع مواضع ورود اسمه، إلا إذا كان في نَصٍّ منقول ورأيتُ ذلك مفيدًا في معرفة السابق واللاحق، والمتقدم بالرأي والتابع فيه.
سابع عشر: جعلتُ التاريخ الهجري غُفْلًا، ولم أُشِر إليه بعلامة (هـ)؛ لأنه هو الأصل فلا حاجة لتكراره.
ثامن عشر: عَرَّفتُ بالأماكن والبقاع والمذاهب والفرق الواردة في متن الرسالة.
تاسع عشر: أختصرُ في ذكر أسماء المراجع في الحاشية؛ اكتفاءً بالتفصيل الموجود في ثبت المراجع، إلا في الأسماء المشتركة في أكثر من كتاب، فأبَيِّنُ من اسم الكتاب ما يُمَيِّزُه.
عشرون: استوعبت في مراجع علم التفسير أصولَ كتب التفسير، ونوَّعتُ في الأعصار والأمصار.
إحدى وعشرون: أشرتُ إلى صفحات المرجع بِهذا الرمز (ص:).
وقد ترددتُ بعد الانتهاء من جمع الاستدراكات بين ترتيبها على السور، ثُمَّ تقسيمها بحسب عددها ليمكن دراستها في أكثر من رسالة علمية، وبين انتقاء مجموعة وافِرَة منها، ثُمَّ دراستها بالتفصيل والمقارنة وإعطاء صورَة عامَّة كافيةٍ عن
موضوع الاستدراكات، مع الاستفادة التامَّة مِمَّا لم تتم دراسته من باقي الاستدراكات في تأكيد نتائج وآثار ما تمت دراسته.
وبعد طول نظرٍ وتأمُّلٍ في هذه الروايات استقرَّ الرأيُ على الطريقة الثانية، ورأيتها أكثر نفعًا وتأصيلًا من الطريقة الأولى؛ لعِدَّة أمور:
الأول: أن جُملَةً وافِرةً من هذه الاستدراكات ليست استدراكات تفسيرية على ما وصفت قبل قليل، وعلى ما سيتبين في البحث إن شاء الله، إذ ليس الخلاف فيها من قبيل الخلاف في معنى الآية أو ما لابُدَّ منه في فهمها، وذلك نحو الاختلاف في اسم السورة، أو نوعها (مكيَّة أو مدنيّة)، أو الاختلاف في القراءات؛ فإن القراءَة سابقةٌ للمعنى، وكذا الاختلاف في مسائل فقهية لا علاقةَ لها ظاهرةً بلفظ الآية، ونحو ذلك. فهذا النوع من الروايات وإن وردت على أسلوب الاستدراكات إلا أنها ضعيفة الصِّلة بمعنى التفسير، قليلةُ الفائدة والأثر في بيان أصوله وعلومه. وقد بلغت الاستدراكات من هذا النوع (120) استدراكًا.
الثاني: أن عددًا كثيرًا من الروايات التفسيرية الفاضلةِ بعد ذلك تكرَّر الخلافُ فيها في آيةٍ واحدة، وإنما قد يختلف القائل- فَمَرَّة الشيخ وأخرى تلاميذه-، أو تتعدد الطرق الواردة عنه في هذا الاستدراك. فهذا المجموع من الروايات أو القائلين يكون في حقيقته استدراكًا واحدًا، ذا قولين محصورين.
الثالث: أن دراسةَ ثمانين استدراكًا دراسةً وافيةً مُفَصَّلة، ثُمَّ استخلاص مباحث شَتَّى من علوم التفسير وأصوله منها، وتأكيد هذه النتائج وتجليتها بوضوح من خلال الفاضل من الاستدراكات = أولى وأقعد من دراسة كُلِّ مجموعة منها على حِدة، مِمَّا لا تتميز معه هذه النتائج والآثار بوضوح، خاصَّةً إذا تغيرت مناهج تناولها وأساليب دراستها.
هذا ما قصدتُ إليه من هذا البحث، فإن أصبت فمن الله وحده، وإن أخطأتُ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله، وأسأله تعالى بفضله وكرمه أن يلهمني الصواب في القول والعمل، وأن يجعل ما أقدمه خالصًا لوجهه الكريم، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
تمهيد
•:
وفيه أربعة مباحث:
• المبحث الأول: مَعْنَى "الاسْتِدْرَاك".
• المبحث الثاني: المُرَادُ بِ "السَّلَفِ" وَبَيَانُ فَضْلِهِم. وَفِيهِ مَطْلَبَان:
المطلب الأول: تَعْرِيفُ "السَّلَفِ" لُغَةً واصطلاحًا.
المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.
• المبحث الثالث: تَعْرِيفُ "التَّفْسِير".
• المبحث الرابع: المُرَادُ بِ "اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ".
•
المبحث الأول: مَعْنَى "الاسْتِدْرَاك".
احتوى مصطلح "استدراكات السلف في التفسير" مفرداتٍ عِدَّةً، يحسن الوقوف على معانيها قبل تركيبها؛ لتكون مدخلًا مُوَضِّحًا للمعنى الإضافي المُرَكَّب لهذا المصطلح.
فأصل كلمة "اسْتِدْرَاك" بعد تجريدها من الزوائد: "دَرَكَ"، قال ابن فارس
(1)
(ت: 395): (الدال والراء والكاف أصلٌ واحد وهو: لحوق الشيء بالشيء ووصُوله إليه، يُقال: أدركت الشيء أُدركه إدراكًا .. ، ويقال: أَدرَك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدارك القوم: لحق آخرُهم أوَّلَهم)
(2)
، ووزنُ "اسْتِدْرَاك":"اسْتِفْعَال" يفيد معنى الطلب، وتستخدم في المعاني، قال الزمخشري
(3)
(ت: 538): (وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله)
(4)
، وفي المعجم الوسيط:(تدارك الشيء بالشيء: أتبعه به، يقال: تدارك الخطأ بالصواب والذنب بالتوبة .. ، واستدرك عليه القولَ: أصلحَ خطأهُ، أو أكمل نقصَه، أو أزال عنه لَبْسًا)
(5)
.
(1)
أحمد بن فارس بن زكريّا، أبو الحسين الرازي، أحد أئمة اللغة، صَنَّف «الصاحبي في فقه اللغة» ، و «مقاييس اللغة» وغيرها، توفي سنة (395). ينظر: السير 17/ 103، وبغية الوعاة 1/ 352.
(2)
مقاييس اللغة 1/ 404، وينظر: النهاية في غريب الحديث 2/ 107.
(3)
محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم، جار الله، إمام في اللغة والنحو والأدب، صَنَّف «الكشاف» ، رأسٌ في الاعتزال، توفي سنة (538). ينظر: السير 20/ 151، وبغية الوعاة 2/ 279.
(4)
أساس البلاغة 1/ 285، وينظر: القاموس المحيط (ص: 844)، والموسوعة الفقهية الكويتية 3/ 269.
(5)
المعجم الوسيط 1/ 281، وينظر: بصائر ذوي التمييز 2/ 594.
وهذا المعنى الأخير هو المقصود بهذه اللفظة في هذا المقام، ويُستخلص منه وممّا سبق ما يأتي:
- أن في الاستدراك سابقًا مُستَدرَكًا عليه، ولاحقًا مُستَدرِكًا.
- وأن فعله لازم ومُتعَدٍ
(1)
.
- وأن اللاحق في الاستدراك مُصلِحٌ لخطأِ الأوّل، أو مكمِّلٌ لنقصِه، أو كاشفٌ عنه لَبْسَه.
ومن ثَمَّ يمكن صياغة معنىً جامعٍ للاستدراك من مجموع ما سبق فيُقال: الاستدراك هو:
إِتْبَاعُ القولِ الأولِ بقولٍ ثانٍ، يُصْلِحُ خَطَأهُ، أو يُكْمِلُ نَقصه، أو يُزيلُ عنه لبسًا.
وعلى هذا المعنى جرى استخدام العلماء لهذه الكلمة في مُؤلفاتهم وتعَقُّباتهم في شتى العلوم.
(2)
(1)
الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي (ص: 276).
(2)
من أشهر ما أُلِّفَ في ذلك: «جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على الصحابة» لأبي منصور الشيحي البغدادي (ت: 489)، وبنى عليه الزركشي (ت: 794) كتابه «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة» ، ولخصه السيوطي (ت: 911) وزاد عليه في «عين الإصابة فيما استدركته السيدة عائشة على الصحابة» .
ومن الاستدراكات في العلوم المختلفة:
- «المُتَدارك على المَدارك» لابن الضياء العَدَويّ محمد بن أحمد الصاغاني الحنفي (ت: 854)، عمله على تفسير النسفي، ووصل فيه إلى آخر سورة هود، وأتمَّه أبوه. ينظر: الضوء اللامع 7/ 84.
- «المستدرك على الصحيحين» للحاكم (ت: 405)، ولأبي ذر الهروي (ت: 434). يُنظر: كشف الظنون 2/ 1672، والرسالة المستطرفة (ص: 24، 26).
- «المستدرك في فروع الشافعية» لإسماعيل بن محمد البوشنجى الشافعي (ت: 536). يُنظر: كشف الظنون 2/ 1673.
- استدراكات ابن الخشاب النحوي (ت: 567) على المقامات للحريري، وانتصر فيها لابن برّي. يُنظر: كشف الظنون 2/ 1791.
- «الاستدراك على القاموس» لزين الدين المُناوي (ت: 1031)، ومثله لابن معصوم الحسني (ت: 1119). يُنظر: معجم المعاجم (ص: 239).
وللوقوف على معنى الاستدراك عند النحويين، والأصوليين، والفقهاء، ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 3/ 269.
•
المبحث الثاني: المُرَادُ بِ "السَّلَفِ" وَبَيَانُ فَضْلِهم.
•
المطلب الأول: تَعْرِيفُ "السَّلَفِ" لُغَةً واصطلاحًا.
أَوّلًا: السّلَفُ لُغَةً:
تدور كلمة السَّلَف في أصل الوضع اللغوي على معنى التَّقَدُّمِ والسَّبْق، فكُلُّ من تَقَدَّمكَ وما قَدَّمتَه فهو سَلَفٌ لك، ثم تفيد بعد ذلك مدحًا أو ذمًّا بحسب موضعها وسياقها. قال ابن فارس (ت: 395): (السين واللام والفاء أصلٌ يدل على تقدُّمٍ وسَبْق، من ذلك السَّلَف: الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المُتَقَدِّمون)
(1)
، والسَّلَفُ كلُّ عملٍ صالحٍ قدَّمته، أو فَرَطٍ فَرَطَ لك، وكلُّ من تقدمك من آبائك وقرابتك، مِمَّنْ هم فوقك في السِّنِّ والفضل
(2)
، ومنه قول الشاعر
(3)
:
مضوا سلفًا، قَصد السبيل عليهِمُ
…
وصرفُ المنايا بالرجال تَقَلَّبُ
(1)
مقاييس اللغة 1/ 567.
(2)
ينظر: القاموس المحيط (ص: 738)، والكلِّيَّات (ص: 511)، ولسان العرب 9/ 158.
(3)
هو طُفَيل الغنوي، يرثي قومه. والبيت في ديوانه (ص: 56).
(أراد أنهم تقدمونا وقصدُ سبيلنا عليهم، أي: نموت كما ماتوا فنكون سلفًا لمن بعدنا كما كانوا سلفًا لنا)
(1)
، وقال الراغب الأصفهاني
(2)
(ت: بعد 400): (السَّلَفُ: المتقدم، قال تعالى {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ} [الزخرف 56]، أي: مُعتَبَرًا متقدمًا)
(3)
، (وفي الدعاء للميت "واجعله سلفًا لنا"
(4)
، قيل: هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته)
(5)
، ويشهد لهذا المعنى الأخير قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها:(ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أوّل أهلي لُحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك)
(6)
أي: المتقدم.
وقد تستعمل هذه الكلمة في الذم، كما في قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ} [الزخرف 56]، قال مجاهد
(7)
(ت: 104): (قوم فرعون كفارهم سلفًا لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم
(8)
،
(1)
لسان العرب 9/ 159، ويُنظر: المعجم الوسيط 1/ 444.
(2)
الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني، من أعلام الأدب والحكمة، صنف المفردات، والمحاضرات، وغيرها، توفي بعد (400). يُنظر: السير 18/ 120، وبغية الوعاة 2/ 297.
(3)
المفردات (ص: 420)، وتفسير آيات أشكلت 2/ 694.
(4)
أخرجه البيهقي في السنن 4/ 9 (6585)، موقوفًا من قول أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه البخاري 3/ 242 (باب: 65 - قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة)، معلَّقًا بصيغة الجزم عن الحسن البصري. ووردت لفظة (فرطًا وسلفًا) في صحيح مسلم 5/ 451 (2288) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا:(إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أُمَّةٍ من عباده قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسَلَفًا بين يديها).
(5)
النهاية في غريب الحديث 2/ 351.
(6)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 8 (2450).
(7)
مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، من أعلم التابعين بالتفسير، ومن أشهر تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه، توفي سنة (104). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 319، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 504).
(8)
جامع البيان 25/ 109.
وقال قتادة
(1)
(ت: 117) ومعمر
(2)
(ت: 153): (سلفًا إلى النار)
(3)
، وعن زيد بن أسلم
(4)
(ت: 136) قال: (ما من أحد إلا وله سَلَفٌ في الخير والشر)
(5)
.
ثَانِيًا: السَّلَفُ اصطلاحًا:
اشتهر استعمال مصطلح "السَّلَف" في كلام العلماء وإطلاقاتهم على أنه وصفُ مدحٍ وتزكية، قال ابن تيمية
(6)
(ت: 728): (ومن المعلوم أن مذهب السلف إن كان يُعرَف بالنقل عنهم، فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم، وإن كان إنما يُعرَف بالاستدلال المحض؛ بأن يكون كل من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: هذا قول السلف؛ لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب. فهذا هو الذي يُجرِّئ المبتدعة على أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السلف، فقائل هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحل مذهب السلف بلا نقل عنهم، بل بدعواه: أن قوله هو الحق)
(7)
، ووجه الخيرية والزَّكاءِ في الانتساب إلى السلف هو أنَّهم خيرُ القرون، كمَا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن
(1)
قتادة بن دعامة السدوسي البصري، الفقيه الحافظ المفسر، ثقة ثبت يُضرب بحفظه المثل، مات بطاعون واسط، سنة (117). ينظر: طبقات ابن سعد 7/ 118، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 332).
(2)
معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، الحافظ المفسر، صاحب الجامع المشهور في السير والمغازي، توفي سنة (153). ينظر: السير 7/ 5، وتهذيب التهذيب 4/ 125.
(3)
جامع البيان 25/ 109.
(4)
زيد بن أسلم العدوي، أبو عبد الله المدني، الإمام المفسر الفقيه، صَنَّف تفسير القرآن، ورواه عنه ابنه عبد الرحمن، مات سنة (136) وقيل (146). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 260، طبقات المفسرين، للداوودي (ص: 128).
(5)
تفسير السمعاني 5/ 110.
(6)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، الحَرَّاني الدمشقي، تقيّ الدين أبو العباس، شيخ الإسلام، أحدُ الأعلام، صنف: منهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، وغيرهما، مات سنة (728). ينظر: البداية والنهاية 14/ 108، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 37).
(7)
مجموع الفتاوى 4/ 150.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)
(1)
.
وقد تعرَّضَ جماعةٌ من العلماءُ لِمُصطلح السلف، فذكروا تعريفاتٍ متفاوتةً، وحدودًا متغايرةً، تأثَّر بعضها بِاعتقادٍ سابق، ظهر أثره في بيان صاحبه لجوانب من هذا المصطلح.
(2)
وقد يُراد بلفظ السلف في استعمال بعض العلماء مجرد الدلالة اللغوية المبينة سابقًا
(3)
، كما قد يراد به معنىً اصطلاحيًّا مشتقًّا من المعنى اللغوي، وقد تفاوتت أقوال العلماء في تحديد هذا المصطلح، وتعيين المراد به على عدة أقوال:
الأول: أنهم الصحابة. وهو قول بعض شُرَّاحِ "الرسالة"
(4)
، لابن أبي زيد القيرواني
(5)
(ت: 389)، وكان ابن المبارك
(6)
(ت: 181) يقول: (دَعُوا حديث عمرو بن ثابت
(7)
؛ فإنه كان يسُبُّ السلف)
(8)
، أي: الصحابة كما ذكر أبو داود (ت: 275) عنه
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 306 (2652)، ومسلم في صحيحه 6/ 68 (2533).
(2)
أثَّر الجانب العقدي في بيان مصطلح السلف في جُملةِ صور، تُنظر في: مجموع الفتاوى 5/ 8 - 12، 109، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة 1/ 36، ووجوب لزوم الجماعة وترك التفرق (ص: 276).
(3)
مثل كتاب: (صلة الخلف بموصول السلف) لمحمد بن سليمان المغربي الرُّوداني (ت: 1094).
(4)
ينظر: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات 1/ 11.
(5)
عبد الله بن أبي زيد القيرواني، أبو محمد المالكي، العالم الفقيه، سُمّيَ بمالك الصغير، كان على طريقة السلف في الأصول، صنف: الرسالة، واختصر المدونة، وتوفي سنة (389). ينظر: السير 17/ 10، وشجرة النور الزكية 1/ 143.
(6)
عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، الحافظ العابد الغازي، أحد الأعلام، صنف الزهد والرقائق وغيرهما، توفي سنة (181). ينظر: السير 8/ 378، والبداية والنهاية 10/ 146.
(7)
عمرو بن ثابت بن هُرمز البكري، أبو ثابت الكوفي، رافضي، ضعيف الحديث، مات سنة (172). ينظر: تهذيب التهذيب 3/ 258.
(8)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه 1/ 8 (باب: 5 - الإسناد من الدين).
قوله: (لَمَّا مات النبي صلى الله عليه وسلم كَفَرَ الناس إلا خمسة)، وقال عنه الإمام أحمد (ت: 241): (كان يشتم عثمان رضي الله عنه.
(1)
الثاني: أنهم الصحابة والتابعون. وإليه ذهب الغزالي
(2)
(ت: 505) فقال: (اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني: الصحابة والتابعين)
(3)
.
الثالث: أنهم الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين؛ أهلُ القرون الثلاثة الأولى، ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين. قال السفَّاريني
(4)
(ت: 1188): (وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار صلى الله عليه وسلم، والذين اتبعوهم بإحسان، وأئمة الهدى بعد هؤلاء، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وتقدمهم والاقتداء بهم، واتباعهم والسير بسيرهم، والنهج على منوالهم)
(5)
، وذكر ابن تيمية (ت: 728) السلف ثم قال: (من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الصالحة)
(6)
، وقال أيضًا: (ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من سلف الأمة؛ لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف،
(1)
ينظر: تهذيب التهذيب 3/ 259.
(2)
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، أبو حامد الغزالي الشافعي، إمام فقيه حُجَّة، صنف إحياء علوم الدين، وجواهر القرآن، وإعجاز القرآن، توفي سنة (505). ينظر: السير 19/ 322، وطبقات الشافعية الكبرى 6/ 191.
(3)
إلجام العوام عن علم الكلام (ص: 53).
(4)
محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، شمس الدين أبو العون الحنبلي، العلامة الفقيه، صنف لوامع الأنوار البهية، وغذاء الألباب شرح منظومة الآداب، وتوفي سنة (1188). ينظر: السحب الوابلة 2/ 839، وتاريخ الجبرتي 1/ 468.
(5)
لوائح الأنوار السَّنِيَّة 1/ 120، وينظر ما ورد عن الإمام أحمد في طبقات الحنابلة 1/ 34.
(6)
تنبيه الرجل العاقل 2/ 577، وينظر: مجموع الفتاوى 4/ 157.
حرفٌ واحدٌ يخالفُ ذلك؛ لا نَصًّا ولا ظاهِرًا)
(1)
، وقال ابن رجب
(2)
(ت: 795): (وفي زماننا يتعينُ كتابةُ كلامِ أئمةِ السلف المقتدى بِهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد)
(3)
.
وجرى على هذا المعنى جمهَرَةٌ من الأئمة
(4)
، وكثيرٌ من الباحثين
(5)
.
الرابع: أن السلف هم من كانوا قبل الخمسمائة. وإليه ذهب الباجوري
(6)
(ت: 1277) حيث قال: (وهم من كانوا قبل الخمسمائة، وقيل القرون الثلاثة:
(1)
مجموع الفتاوى 5/ 15، وينظر منه: 5/ 11، و 4/ 152، والرد على الأخنائي (ص: 186)، والصارم المنكي في الرد على السبكي (ص: 267) و (263، 277، 295، 318، 343).
(2)
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي، زين الدين أبو الفرج الحنبلي، إمام فقيه حافظ، صنف تقرير القواعد وتحرير الفوائد، وجامع العلوم والحكم، وغيرها، توفي سنة (795). ينظر: الرد الوافر (ص: 188)، والسحب الوابلة 2/ 474.
(3)
«فضل علم السلف على علم الخلف» ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب 3/ 24، وينظر منه: 3/ 16، 20.
(4)
كالإمام الآجُرِّي في كتابه الشريعة 1/ 124، 183، 195، 199، 213، 239، 320، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 7، 13، 15، 170، 7/ 1327، 1336، وابن بَطَّة في الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية 1/ 186، والذهبي في العلوّ 1/ 13، وابن القيم في إعلام الموقعين 2/ 92، 221، 3/ 137، 4/ 478، 5/ 118، 6/ 82، وابن كثير في تفسيره 1/ 232، 243، 388، 3/ 1422، 1438، والشاطبي في الموافقات 1/ 55، 184، 2/ 94، 127، 498، 3/ 190، 264، 4/ 79، والشوكاني في التُّحَف في مذاهب السلف (ص: 7).
(5)
ينظر: الإمام ابن تيمية وقضية التأويل (ص: 52)، والعقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة (ص: 20) بواسطة: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: 99)، وعقيدة الإمام ابن قتيبة (ص: 130، 133)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة 1/ 39، واهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف- ظروفه- وآثاره، ضمن مجلة البحوث الإسلامية (عدد: 15، ص: 173).
(6)
إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، شيخ الأزهر، من فقهاء الشافعية، له حواشٍ كثيرة منها: حاشية على مختصر السنوسي، وحاشية على جوهرة التوحيد، وغيرها، توفي سنة (1277). ينظر: الأعلام 1/ 71.
الصحابة والتابعون وأتباع التابعين)
(1)
.
وبالتأمل في الأقوال السابقة يُلاحَظ أن لها تعَلُّقًا ظاهرًا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق في خيريّة القرون الثلاثة الأولى وتفضيلها على ما بعدها، كما يَبرزُ دخول الصحابة دُخولًا أَوَّلِيًّا في جميع هذه الأقوال. والقول بأن السلف هم:
الصحابة، والتابعون، وتابعوا التابعين، ممن التزم الكتاب والسنة ولم يتلبس ببدعة، ومن تبع نَهجهم بإحسان = هو أصحُّ الأقوال وأعدلها، وهو اختيار المحققين من أهل العلم، كما مَرَّ في القول الثالث، وقد اشتمل على المدلول الخاص للسلف بالحصر التاريخي في القرون الثلاثة الأولى، وكذا المدلول العام الشامل لأتباعهم من بعدهم، ووجه ترجيح هذا القول أمور:
أولًا: استناده على الأثر، الوارد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه السابق، فقد اشتمل هذا التعريف على القرون الثلاثة المفضلة بالنص النبوي، في حين أن الأقوال الأخرى زادت أو نقصت عنه بلا وجه.
ثانيًا: وضوح التحديد الزمني فيه ليشمل الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، كبداية ومنطلق لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد تظهر في الرجوع إلى أقوالهم، والاحتكام إلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم.
(2)
ثالثًا: اشتماله- إضافةً إلى البعد الزمني- على البعد الشرعي المتمثل في تقييد هذا الوصف باتباع الكتاب والسنة، مما وسَّع دائرة هذا التعريف ليشمل ما بعد القرون
(1)
شرح الباجوري على الجوهرة (ص: 82)، بواسطة: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع 1/ 62.
(2)
موقف ابن تيمية من الأشاعرة 1/ 39.
المفضلة ممن سار على طريقهم، والتزم نَهجهم، وتلقى النصوص بفهمهم.
(1)
رابعًا: ولأن غالب من يذكر السلف بالاسم لا يخرج عن إطار القرن الثالث.
(2)
خامسًا: ولأنه مانعٌ من دخول من لا يتناولهم لفظ الخيرية الوارد في الحديث، من رؤوس المبتدعة الذين ظهروا في تلك العصور المتقدمة، وذلك بالتقييد بالتزام الكتاب والسنة واجتناب البدع.
*
مُصْطَلَحُ "السَّلَفُ" فِيْ كُتُبِ التَّفْسِير:
وفي كتب التفسير، واستعمالات المفسرين نجد مصطلح "السلف" سائرًا على هذا المعنى الذي ذُكِر
(3)
، (وإذا أُطلق مصطلح "السلف" في علم التفسير فإن المراد به علماء هذه الطبقات الثلاث- أي: الصحابة والتابعون وأتباعهم-؛ لأن أصحابها أوّلُ علماء المسلمين الذين تعرضوا لبيان القرآن، وكان لهم فيه اجتهاد بارز، وقَلَّ أن تجد في علماء الطبقة التي تليهم من كان مشهورًا بالتفسير والاجتهاد فيه، بل كان الغالب على عمل من جاء بعدهم في علم التفسير نقل أقوال علماء التفسير في هذه الطبقات الثلاث، أو التخيّر منها والترجيح بينها، كما فعل الإمام محمد بن جرير الطبري
(4)
(ت: 310))
(5)
، وغيره من نقلة التفسير في عصره.
(1)
قواعد المنهج السلفي (ص: 23). بواسطة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة 1/ 41.
(2)
العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة (ص: 20)، بواسطة: وسطية أهل السنة بين الفرق (ص: 99).
(3)
ينظر مثلًا: جامع البيان 1/ 88، 102، و 2/ 63، وسبق ذكر مواضع من تفسير ابن كثير.
(4)
محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، أحد الأئمة المجتهدين، جمع من العلوم ما فاق فيه أهل عصره، ونبغ في التفسير، وألّفَ: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وكتاب القراءات، وغيرها، توفي ببغداد سنة (310). ينظر: طبقات القراء 1/ 328، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 374).
(5)
التفسير اللغوي للقرآن الكريم (ص: 58).
وقد اصطلح العلماء على تسمية تفسير القرون الثلاثة الأولى: "التفسير المأثور"؛ لاستناده على الآثار المنقولة عن السلف في التفسير، من الصحابة والتابعين وتابعيهم
(1)
.
•
المطلب الثاني: فَضْلُ السَّلَفِ وَمَنْزِلَةُ عِلْمِهِم.
بعد أن تبيَّنت حدود مصطلح السلف الزمانية والمنهجية، تجدر الإشارة إلى شيء من فضائل السلف الثابتة لهم شرعًا، مع بيان منْزِلة علمهم، ووجه تَقَدُّمِهِم وإمامَتِهِم، من خلال عرض موجز لنصوص الكتاب والسنة، وكلام الأئمة.
فمن النصوص الشرعية في بيان فضل السلف قوله تعالى {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء 115]، وقوله سبحانه {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 100]. ففي الآية الأولى توعَّدَ من اتبع غير سبيل المؤمنين بالمصير إلى جهنم، ولا شك أن السلف هم أوّل من يشملهم اسم الإيمان من المؤمنين الذين نهى الله تعالى عن اتباع غير سبيلهم، وفي الآية الثانية وعَدَ الذين يتبعون سبيل المهاجرين والأنصار- وهم الصحابة- بإحسان، بالرضوان والجنان وذلك الفوز العظيم
(2)
.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم
(1)
ويدل عليه تسمية السيوطي لتفسيره ب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور. وقد أخرج فيه تفاسير السلف في القرون الثلاثة الأولى. وينظر: درء تعارض العقل والنقل 1/ 249، ومقدمة ابن خلدون 2/ 120.
(2)
ينظر: إعلام الموقعين 5/ 556.
الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه)
(1)
، قال النووي
(2)
(ت: 676): (وقد اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه صلى الله عليه وسلم
(3)
، وقال ابن حجر
(4)
(ت: 853): (واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين)
(5)
.
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه في حديثٍ طويلٍ- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)
(6)
، فدل الحديث على لزوم التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنة أصحابه رضي الله عنهم، وترك ما خالفها، أو أُحدِث بعدها، خاصَّة في زمن الاختلاف والتفرق.
(7)
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 306 (2652)، ومسلم في صحيحه 6/ 68 (2533).
(2)
يحيى بن شرف النووي، محيي الدين أبو زكريا، الدمشقي الشافعي، إمام عالم فقيه، صنف شرحه لصحيح مسلم، والمجموع في شرح المهذب، توفي سنة (676). ينظر: البداية والنهاية 13/ 230، وشذرات الذهب 6/ 335.
(3)
شرح صحيح مسلم 6/ 66، وينظر: فتح الباري 7/ 8.
(4)
أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، شهاب الدين، الحافظ المحقق، ألّف فتح الباري شرح صحيح البخاري، والعُجاب في بيان الأسباب، وغيرها، توفي بِمصر سنة (852). ينظر: الضوء اللامع 2/ 36، وشذرات الذهب 9/ 395.
(5)
فتح الباري 7/ 8.
(6)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 126 (17182)، وأبو داود في السنن 4/ 200 (4607)، والترمذي في الجامع 5/ 44 (2676)، وابن ماجه في السنن 1/ 15 (42)، والدارمي في المسند 1/ 57 (95)، وابن حبان في صحيحه 1/ 178، والحاكم في المستدرك 1/ 176 (329)، والبيهقي في السنن 10/ 114 (20125)، والطبراني في الكبير 18/ 248 (623). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان، والحاكم، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(7)
ينظر: الشريعة، للآجُرِّي 1/ 170.
وهذه بعض أقوال الأئمة في بيان فضل السلف ومَنْزلة علمهم
(1)
:
- قال ابن مسعود رضي الله عنه: (لا تقلدوا دينَكم الرجالَ، فإن أبيتم فبالأمواتِ لا بالأحياءِ)
(2)
.
- وعن محمد بن سيرين
(3)
(ت: 110) قال: (كانوا يرون أنهم على الطريق ما كانوا على الأثر)
(4)
.
- وقال الأوزاعي
(5)
(ت: 157): (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكُفّ عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم)
(6)
.
- وقال ابن تيمية (ت: 728): (ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة- في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة- أن خيرها القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة؛ من علم، وعمل، وإيمان، وعقل، ودين،
(1)
ينظر: الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات (ص: 61).
(2)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 105.
(3)
محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته، من علماء التابعين، مولاه أنس بن مالك رضي الله عنه، سمع عددًا من الصحابة، توفي سنة (110). ينظر: السير 4/ 606، والبداية والنهاية 9/ 225.
(4)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 98.
(5)
عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي، أبو عمرو الشامي، الإمام الفقيه، له مذهب مستقل مشهور عمل به فقهاء الشام والأندلس مُدّة ثم فَنِي، توفي ببيروت سنة (157). ينظر: السير 7/ 107، والبداية والنهاية 10/ 94.
(6)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 174.
وبيان، وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام .. ، وما أحسن ما قال الشافعي- رحمه الله في رسالته: هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا)
(1)
.
- وقال ابن رجب (ت: 795): (فأفضل العلوم في تفسير القرآن، ومعاني الحديث، والكلام في الحلال والحرام؛ ما كان مأثورًا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم .. ، فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به)
(2)
.
* * *
(1)
مجموع الفتاوى 4/ 157، وينظر منه: 1/ 375، 4/ 149، و 13/ 24.
(2)
بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: 67، 68).
•
المبحث الثالث: تَعْرِيفُ "التَّفْسِير".
أوَّلًا: التَّفْسِير لُغَةً:
كلمة "تفسير" مشتقّةٌ في الأصل من "فَسَرَ"، وهذه اللفظة تدور في كلام العرب على معاني: الكشف والبيان والإيضاح. قال ابن فارس (ت: 395): (الفاء والسين والراء كلمة واحدة تدل على بيان شيء وإيضاحه)
(1)
، وقال الراغب الأصفهاني (ت: بعد 400): (الفَسْرُ: إظهار المعنى المعقول .. ، والتفسير في المبالغة كالفَسْر)
(2)
، وقال ابن القيم
(3)
(ت: 751): (التفسير أصله في الظهور والبيان)
(4)
.
وقيل هو مقلوب "سَفَرَ"
(5)
، يُقال: أسفر الصبح: إذا ظهر وبان، وسَفرت المرأة عن وجهها: إذا كشفته، ويُقال للكتاب سِفْر: لبيانه
(6)
. والأصل أن يكون للكلمة ترتيبها ومعناها، ثم قد تشترك مع غيرها في المعنى، أو تقترب في اللفظ، قال الآلوسي
(7)
(1)
مقاييس اللغة 2/ 355، وينظر: الصاحبي (ص: 145)، وأساس البلاغة 2/ 22، وسيرة ابن هشام 2/ 110.
(2)
المفردات (ص: 636)، ومقدمة جامع التفاسير (ص: 47).
(3)
محمد بن أبي بكر بن أيوب الزَّرعي الدمشقي، شمس الدين، المعروف بابن القيم، أحد الأئمة، صنف إعلام الموقعين، والتبيان في أقسام القرآن، وغيرها، توفي سنة (751). ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة 2/ 368، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 363).
(4)
الصواعق المرسلة 1/ 330. وينظر: التعريفات (ص: 67)، ومقدمة المفسرين (ص: 125).
(5)
ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: 47)، والبرهان في علوم القرآن 2/ 163.
(6)
ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: 149)، والصواعق المرسلة 1/ 330.
(7)
محمود بن عبد الله الحسيني، أبو الثناء الآلوسي الكبير، المفسر اللغوي، مفتي الحنفية ببغداد، ألف تفسيره الكبير: روح المعاني، وغيره، توفي سنة (1270). ينظر: الأعلام 7/ 176، والموسوعة الميسرة 3/ 2595.
(ت: 1270): (والقول بأنه مقلوب السَّفْر، مما لا يسفر له وجه)
(1)
، ولذا يقول الراغب الأصفهاني (ت: بعد 450): (الفَسْرُ والسَّفْرُ يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما)
(2)
.
ثانيًا: التَّفْسِيرُ اصطلاحًا:
من خلال المعنى اللغوي لكلمة التفسير، يُتَعرف على المعنى الاصطلاحي لهذه اللفظة، ويُستَحسَن قبل بيانه ذكرُ بعضِ تعريفات هذا المصطلح، فقد تفاوتت أقوال أهل العلم في بيان مفهوم التفسير وحدود معناه في استعمالات المفسرين، ومن تلك التعريفات:
- قول الثعلبي
(3)
(ت: 427): (فمعنى التفسير هو: التنوير وكشفُ المنغَلِق من المُراد بلفظه، وإطلاق المحتبس عن فهمه)
(4)
، وقال:(قالت العلماء: التفسير: علمُ نزول الآية، وشأنها، وقصتها، والأسباب التي نزلت فيها)
(5)
.
- ونقل ابن الجوزي
(6)
(ت: 597) عن جماعةٍ من العلماء قولهم: (التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي)
(7)
.
(1)
روح المعاني (ص: 4).
(2)
مقدمة جامع التفاسير (ص: 47).
(3)
أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو إسحاق الثعلبي، مفسرٌ حافظٌ مُقرئ واعظ، صنف: الكشف والبيان، والعرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة (427). ينظر: السير 17/ 435، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 50).
(4)
الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: 9 أ).
(5)
الكشف والبيان (مخطوط، لوحة: 9 ب).
(6)
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي القرشي التميمي، جمال الدين أبو الفرج البغدادي الحنبلي، عالم مُحَدثٌ مُفَسِّر، صَنَّف: زاد المسير، وفنون الأفنان، توفي سنة (597). ينظر: السير 21/ 365، وشذرات الذهب 6/ 537.
(7)
زاد المسير (ص: 29).
- وذكر ابن تيمية (ت: 728) أن تفسير الكلام هو: بيانه وشرحه وكشفُ معناه، ثُمَّ قال:(فالتفسير من جنس الكلام، يفسر الكلام بكلام يوضحه)
(1)
.
- وقال ابنُ جُزيّ
(2)
(ت: 741): (ومعنى التفسير: شرح القرآن
(3)
، وبيان معناه، والإفصاح بما يقتضيه بنصِّه، أو إشارته، أو فحواه)
(4)
.
- وقال أبو حيّان
(5)
(ت: 745): (التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب، وتَتِمَّاتٌ لذلك.
فقولنا: "علم" هو جنس يشمل سائر العلوم.
وقولنا: "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن" هذا هو علم القراءات.
وقولنا: "ومدلولاتها" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم.
(1)
دقائق التفسير 6/ 433.
(2)
محمد بن أحمد بن جُزيّ الكلبي، أبو القاسم الغرناطي، الفقيه المفسر، من فقهاء المالكية، صنف تفسيره: التسهيل لعلوم التنْزيل، توفي سنة (741). ينظر: الديباج المذهب (ص: 295)، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 357)،.
(3)
منع بعض العلماء من إطلاق كلمة «شَرْح» على القرآن، قال أبو هلال العسكري (ت: 400) في الفرق بين الشرح والتفصيل: (الشرح: بيان المشروح وإخراجه من وجه الإشكال إلى التجلِّي والظهور؛ ولهذا لا يُستَعمل الشرح في القرآن، والتفصيل هو: ذكر ما تتضمَّنه الجملة على سبيل الإفراد؛ ولهذا قال تعالى {ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1 - 5]، ولم يقل: شُرِحَت). الفروق اللغوية (ص: 70).
(4)
التسهيل لعلوم التنْزيل 1/ 15.
(5)
محمد بن يوسف بن حيّان، أثير الدين الأندلسي، المفسر النحوي، صنف: البحر المحيط، وتحفة الأريب بما في القرآن من الغريب، وغيرهما، توفي سنة (745). ينظر: بغية الوعاة 1/ 280، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 492).
وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبية" هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع.
"ومعانيها التي تُحمَل عليها حالة التركيب" شمل بقوله: التي تُحمل عليها. ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا، ويصد عن الحمل على الظاهر صادٌّ، فيحتاج لأجل ذلك أن يُحمل على غير الظاهر وهو المجاز.
وقولنا: "وتَتِمَّاتٌ لذلك" هو معرفة النسخ، وسبب النُّزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن، ونحو ذلك)
(1)
.
- وقال شمس الدين الأصفهاني
(2)
(ت: 749): (والتفسير في عرف العلماء هو: كشف معاني القرآن، وبيان المُراد)
(3)
.
- وقال ابن القيم (ت: 751): (فالتفسير هو: إبانة المعنى وإيضاحه، قال الله تعالى {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان 33])
(4)
.
- وقال الزركشي
(5)
(ت: 794): (التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المُنَزل
(1)
البحر المحيط 1/ 121، وفيه:(ما لا دلالة عليه بالحقيقة)، وهو تصحيف. ونقل هذا التعريف كاملًا السيوطي في التحبير في علم التفسير (ص: 36)، والإتقان 2/ 347.
(2)
محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني، شمس الدين أبو الثناء الشافعي، مفسر أصولي فقيه، صنف في التفسير: أنوار الحقائق الربانية، توفي سنة (749). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 10/ 383، وبغية الوعاة 2/ 278.
(3)
مقدمات تفسير الأصفهاني (ص: 131). ونقله بنَصِّه الكافيجي (ت: 879) في التيسير في قواعد علم التفسير (ص: 124)، وينظر منه:(ص: 150).
(4)
الصواعق المرسلة 1/ 215. وينظر: جلاء الأفهام (ص: 230).
(5)
محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، بدر الدين الشافعي، الفقيه الأصولي، له: البرهان في علوم القرآن، وتفسير القرآن العظيم، وتوفي سنة (794). ينظر: شذرات الذهب 8/ 572، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 408).
على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه)
(1)
، وقال أيضًا مُعَرّفًا التفسير:(وفي الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها، ومُحكَمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. وزاد فيها قومٌ فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعِبَرها وأمثالها، وهذا الذي مُنعَ فيه القول بالرأي)
(2)
.
- وقال الجرجاني
(3)
(ت: 816): (التفسير في الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه دلالة ظاهرة)
(4)
.
- وقال ابن ناصر الدين الدمشقي
(5)
(ت: 842): (وعلوم القرآن كثيرة، منها: علمُ ألفاظه وما أُريدَ به، وهذا هو الذي يقال له: التفسير)
(6)
، وقال بعد بيان معنى التفسير لغةً:(وأما معناه اصطلاحًا فهو: الكلام على أسباب نُزول القرآن، وبيان أحكامه المجملةَ فيه من السنة)
(7)
.
(1)
البرهان في علوم القرآن 1/ 33.
(2)
البرهان في علوم القرآن 2/ 163.
(3)
علي بن محمد بن علي الشريف الجرجاني، أبو الحسن الحنفي، عالم بالعربية والفلسفة، صنف التعريفات، وحاشية على أوّل الكشاف، توفي سنة (816). ينظر: بغية الوعاة 2/ 196، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 296).
(4)
التعريفات (ص: 67)، ونقله البركوي (ت: 981) في تعريفه للتفسير في عُرْفِ المفسرين. ينظر: مقدمة المفسرين (ص: 125).
(5)
محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين الشهير بابن ناصر الدين، حافظ مؤرخ ثقة عالم، صنف مجالس في تفسير قوله تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، وتوضيح مشتبه الذهبي، مات سنة (842). ينظر: الضوء اللامع 8/ 102، وشذرات الذهب 9/ 354.
(6)
مجالس في تفسير قوله تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران 164](ص: 337).
(7)
المرجع السابق (ص: 122).
- وقال ابن عاشور
(1)
(ت: 1393): (والتفسير .. هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها باختصار أو توسع)
(2)
.
- وقال الزرقاني (ت: 1367): (التفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم، من حيث دلالته على مراد الله تعالى، بقدر الطاقة البشرية)
(3)
.
- وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421): (التفسير في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم)
(4)
.
من خلال العرض السابق للمعنى اللغوي وما ذكره العلماء في المعنى الاصطلاحي لكلمة "التفسير"، يُستَخلَص معنىً مُختارٌ يكشف عن حَدِّ التفسير ومفهومه، فيُقَال:
التفسير اصطلاحًا هو: بيان المراد من معاني القرآن الكريم.
ووجه اختيار هذا التعريف دون غيره، أمور:
أولها: أن هذا المعنى منطلِقٌ من الأصل اللغوي لكلمة التفسير، وهو البيان والكشف والإيضاح، كما سبق.
ثانيًا: أن هذا المعنى مشْتَرَكٌ في جميع تعريفات أهل العلم الاصطلاحية السابقة، نصًّا أو لُزومًا، فليس هو محل خلاف بينهم.
(5)
(1)
محمد الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي، يعرف بابن عاشور، رئيس المفتين المالكيين، وشيخ جامع الزيتونة بتونس، صنف تفسيره: التحرير والتنوير، توفي سنة (1393). ينظر: الأعلام 6/ 174، ومعجم المفسرين 2/ 541.
(2)
التحرير والتنوير 1/ 11.
(3)
مناهل العرفان 2/ 4.
(4)
أصولٌ في التفسير (ص: 35)، وينظر: جهود الشيخ ابن عثيمين وآراؤُه في التفسير وعلوم القرآن (ص: 722).
(5)
وينظر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي (ص: 48).
ثالثًا: أن هذا القدر من التعريف هو الذي دَلَّ عليه الواقع العملي عند المفسرين، وباستعراض كتب التفسير القديمة والحديثة، والموسَّعة والمختصرة، يتبين اشتراكها في هذا القدر من التعريف- الذي هو:"بيان المعنى المراد"، سواء كان ببيان اللفظة، أو الجملة، ثم إنها تتفاوت بعد ذلك في ثلاثِ نواحٍ، أشارت إليها بعض التعريفات السابقة وهي
(1)
:
1 -
احتوائها على موضوعات علوم القرآن المتنوعة، وغيرها من مباحث العلوم المستنبطة من القرآن الكريم، على تفاوت بين هذه التفاسير في العناية بها إكثارًا وإقلالًا، وعلى تفاوت أيضًا في شدة تعلق هذه العلوم بعلم التفسير، واقترانِها به في كلام السلف قلَّةً وكثرَةً.
2 -
ظهور الجانب العلمي الأبرز في المفسر على تفسيره، فيصطبغ تفسيره به، كتمكنه في اللغة، أو الفقه، أو غيرهما من الفنون.
(2)
3 -
ظهور أثر الواقع على تفسيره، وتفاعل المفسر مع أحداث عصره وعلومه، فيربط بين واقعه وبين مواضع من الآيات يستدِل بها عليه بوجه من الوجوه.
وتتجَلَّى هذه النتيجةُ أكثَر باستعراض كُتُب المُفَسِّر الواحد في التفسير، كتفاسير الواحدي (ت: 468): البسيط، والوسيط، والوجيز، فما كتبه المؤلف في الوجيز هو الحَدُّ الأدنى من التفسير، الذي يقتَضيه مَقامُ الاختصار؛ وهو "بيان المعنى المراد" وما لا بُدَّ منه لِبَيانه، كسبب النُّزول ونحوه، ثُمَّ تتكاثر تلك الجوانب الثلاثة في الوسيط، لتكتمل عند المؤلف في البسيط، الذي بسط فيه القول وأشبَعَه، وتَجَلَّت فيه تلك الجوانب بوضوح.
(1)
أشار الطاهر ابن عاشور إلى بعض الموضوعات التي احتوت عليها كتب التفسير بجانب التفسير، في المقدمة الرابعة من مقدمات تفسيره 1/ 42.
(2)
ينظر: العُجاب في بيان الأسباب 1/ 203، والبرهان في علوم القرآن 1/ 33، والإتقان 2/ 378.
وقد قال الرازي (ت: 604) بعد فراغه من إحدى المسائل في تفسيره: (ولنرجع إلى التفسير)
(1)
.
ويُلاحظ هنا أن هذه الجوانب الثلاثة إنما ذُكرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، لا لأنها هي التفسير بمفردها بلا بيان للمعنى، إذ إنها تابعةٌ للمعنى المُبَيَّن، ومبنيَّةٌ عليه، فإذا توقف البيان والفهم عليها فهي من التفسير، فإن لم يتوقفا عليها فهي زائدة عن حَدِّ التفسير، ذُكِرَت في كتب التفسير لعلاقتها بالقرآن الكريم، وقد يستفيد التفسير منها
(2)
.
(1)
التفسير الكبير 27/ 144.
(2)
قال ابن أبي حاتم (ت: 327) في مقدمة تفسيره 1/ 14: (سألني جماعة من إخواني إخراج تفسير القرآن مختصرًا بأصح الأسانيد، وحذف الطرق والشواهد، والحروف والروايات وتنْزيل السور، وأن نقصد لإخراج التفسير مُجَرَّدًا دون غيره، مُتقصّين تفسير الآي حتى لا نترك حرفًا من القرآن يوجد له تفسير إلا أخرج ذلك)، وقال الشوكاني (ت: 1250) في مفتتح سورة الإسراء: (واعلم أنه قد أطال كثيرٌ من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة؛ فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر. والمقصود في كتب التفسير ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النُّزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة). فتح القدير 3/ 289.
وفي تآلِيف المُتقدمين ما يُشعِرُ بذلك التمييز، فللكرماني محمود بن حمزة (ت: بعد 500) كتاب «لباب التفسير» ، وله «غرائب التنْزيل وعجائب التأويل» ، وللسيوطي (ت: 911) «الدر المنثور» وشَطرُ تفسير «الجلالين» ، وله أيضًا «الإكليل في استنباط التنْزيل». وفي الدلالة على ذلك تصريحًا أو تعريضًا ينظر: مقدمة الثعلبي لتفسيره 1/ 75، والصواعق المرسلة 1/ 331، والموافقات 2/ 105، وتفسير سورة العصر، لعبد العزيز قارئ (ص: 7)، والتفسير اللغوي للقرآن الكريم (ص: 21).
•
المبحث الرابع: المُرَادُ بِ "اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ".
بعد معرفة معاني مفردات هذا المصطلح، يتكامل بها المعنى الإضافي له، فيُقال:
استدراكات السلف في التفسير هي:
إِتْبَاعُ المُفَسِّر مِنَ السَّلَفِ قَولًا يَذكُرُه أو يُذكَرُ لَهُ في بيان المعنى المراد من الآية القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولٍ آخَرَ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، أَوْ يُكْمِلَ نَقْصَهُ.
فخرج بقولنا: "إتباع المفسر" ما عداه من أنواع الاختلاف بين المفسرين؛ إذ إن استدراكات السلف في التفسير بهذا المعنى تعتبر نوعًا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، تتميز به عن مجرد عرض الأقوال الأخرى: بنوعِ نقدٍ واعتراضٍ وتَعَقُّبٍ وتكميلٍ
(1)
.
كما يخرج بقولنا: "من السلف" من بعد القرون الثلاثة المفضلة، وقد أصبحت الاستدراكات ظاهرةً في كثير من كتب التفسير بعد ذلك
(2)
.
وفي قولنا: "قولًا يَذكُره أو يُذكَرُ له" توضيح لِطَريقَي الاستدراك على القول السابق، وهما:
الأول: أن يذكر المفسرُ القولَ الأوّل بِنَفْسِه ثم يستدرك عليه، وهذا استدراك على مُطلق القول، بغض النظر عن قائله، أو أنه قد قيل، أو لِخشية المُفَسِّر من أن يُفهم أو يُقال، فيورده احترازًا منه، وتنبيهًا عليه، ورُبَّما سَمَّى قائله.
(1)
يُشَار هنا إلى أنه لا يلزم من مجرد الاستدراك تضعيف القول الأوّل وتخطئته، بل قد يكون لغير ذلك من الأغراض، كتكميل النقص، وإزالة اللبس، والتوجيه إلى معنىً أولى من المعنى المذكور لوجه من الوجوه، وسيأتي بيان ذلك- إن شاء الله تعالى- في موضعه من البحث.
(2)
ينظر في بيان ذلك تطور الاستدراكات في التفسير في الفصل الأول من الباب الثاني.
الثاني: أن يُذكَر للمفسر القول الأوّل فيستدرك عليه، وهو استدراك على قول مُعَيّن قد فُهم كذلك من السائل، أو قد قيل من غيره فينقله للمفسر.
وفي قولنا: "في بيان المعني المراد من الآية القرآن الكريم" إخراج لما عدا ذلك مما زاد عن حَدِّ البيان وتحديد المراد، على ما سبق بيانه في معنى التفسير اصطلاحًا.
وقولنا: "يصلح خطأه، أو يكمل نقصه" يُبيّن غرض المستدرك من استدراكه وهو أحد أمرين:
أولًا: إصلاح خطأِ القول الأول، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التضاد بين القولين؛ السابق واللاحق.
ثانيًا: تكميل نقص القول الأوّل، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا، وهذا يُتَصَوَّرُ في اختلاف التنوّع بين القولين؛ السابق واللاحق.
وصورة هذا النوع من الاعتراض عند السلف: أن يتعقب المفسر منهم القولَ المذكورَ في تفسير الآية، مبينًا سبب ضعفه ورجحان غيره عليه أحيانًا، مع ذكره لرأيه في الآية، ووجه ترجيحه أحيانًا أخرى.
* * *
الباب الأول
دِرَاسَةُ مَرْوِيَّاتِ
"اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ "
فِي القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُوْلَى
وهي على الترتيب التالي:
أولًا: الاستدراكات النبوية، وبلغت ثلاثةَ عشرَ استدراكًا (من: 1، إلى: 13).
ثانيًا: استدراكات الصحابة، وبلغت واحدًا وأربعينَ استدراكًا (من: 14، إلى: 54).
ثالثًا: استدراكات التابعين، وبلغت عشرينَ استدراكًا (من: 55، إلى: 74).
رابعًا: استدراكات أتباع التابعين، وبلغت ستةَ استدراكات (من: 75، إلى: 80).
أولًا: الاستدراكات النبوية
[1]{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام 82].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام 82]، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس بذلك- وفي لفظ: ليس كما تظنون- ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13]، إنما هو الشرك)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
القول الأول الذي ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم في فهم الآية هو عموم الظلم؛ الذي يشمل جميع مراتبه من أعلاها وهو الشرك، حتى أدناها وهي الصغائر، وكلها ظلم للنفس، فصار المعنى عندهم رضي الله عنهم: أن من وقع في ظلمٍ لنفسه ولو بصغائر الذنوب التي لا يسلم منها أحد- إلا من عصم الله-؛ فقد حُرِمَ الأمن والاهتداء الموعود بهما من سلم إيمانه من أن يُخالطه أيّ ظلم كان
(2)
.
ومرتكز هذا الفهم من الصحابة رضي الله عنهم هو الأصل اللغوي لكلمة الظلم في سياقها العام، فإن أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه
(3)
. وهم أهل اللسان والبيان، وبه نزل القرآن، فلذلك شَقَّ عليهم رضي الله عنهم،
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 109، (كتاب 2 - الإيمان، باب 23 - ظلم دون ظلم، برقم: 32)، ومسلم في صحيحه 1/ 307، (كتاب 1 - الإيمان، باب 56 - صدق الإيمان وإخلاصه، برقم: 124).
(2)
شرح النووي على مسلم 1/ 308، وعمدة الحفاظ 3/ 11.
(3)
ينظر: مقاييس اللغة 2/ 99، والقاموس المحيط (ص: 1022).
قال ابن حجر (ت: 852): (والذي يظهر لي أنهم- أي الصحابة- حملوا الظلم على عمومه، الشرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف
(1)
، وإنما حملوه على العموم لأن قوله {بِظُلْمٍ} [الأنعام 82] نكرة في سياق النفي)
(2)
.
أمّا المعنى الثاني في هذه الآية فهو التفسير النبوي الكريم، الذي أبان معنىً آخر لكلمة الظلم، هو بعض معناها العام الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم في هذه الآية: الشرك. وذلك بحسب ورودها في القرآن الكريم في مواضع أُخر، مع إقرار الوحي له على ذلك، وبهذا سُرِّيَ عن الصحابة رضي الله عنهم ما وجدوه من مشقّةٍ في فهمهم الأوّل لعموم الظلم.
فمرتكز هذا البيان النبوي الكريم ما يأتي:
أولًا: الوحي، ابتداءً أو تقريرًا.
ثانيًا: صحّة المعنى لُغَةً؛ إذ الشرك من معاني الظلم وهو أعلى مراتبه، كما سبق، قال ابن قتيبة
(3)
(ت: 276): (أصل الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، ثم قد يصير الظلم بمعنى الشرك؛ لأن من جعل لله شريكًا فقد وضع الربوبية غيرَ موضعها)
(4)
.
ثالثًا: الاعتماد على ورود كلمة الظلم بذلك المعنى في مواضع كثيرة من القرآن
(1)
أي البخاري في تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب: ظلم دون ظلم) أي أن الظلم درجات. ينظر: الفتح 1/ 111.
(2)
فتح الباري 1/ 110.
(3)
عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد الدينَوَري، رأسٌ في العربية، خطيب أهل السنة، صنف: مُشكل القرآن، وغريب القرآن، توفي سنة (276) على الصحيح. ينظر: السير 13/ 296، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 175).
(4)
تأويل مشكل القرآن (ص: 258)، والمسائل والأجوبة (ص: 270)، وينظر: شرح النووي على مسلم 1/ 308، وفتح الباري، لابن رجب 1/ 144، والتحرير والتنوير 7/ 332.
الكريم، قال ابن رجب (ت: 795): (أكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يُراد به الكُفّار، كقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم 42]، وقوله {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى 44]، ومثل هذا كثير)
(1)
، ومنه قوله تعالى {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة 254]، وقوله {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس 106].
رابعًا: دلالة السياق على هذا المعنى النبوي، قال الرازي (ت: 606)
(2)
: (المراد من الظلم الشرك .. ، والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة
(3)
من أوّلها إلى آخرها إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك)
(4)
.
*
الحكم على الاستدراك:
لقد نزع الصحابة رضي الله عنهم في هذه الآية منزعًا أصيلًا، ولا غرو، فإنما نزل القرآن عليهم وبِلُغتهم، فهم أعلم الناس بالتأويل، وأسعدهم بمشاهدة التنْزيل، وكلُّ فضلٍ وشرفٍ فيهم فإنما يُذكَر بعد فضيلة وشرف صحبتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وحيثما جاء البيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو البيان، وهذا من أصول الديانة في كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عامّةً، وفيما أبانه من معاني كلام الله تعالى على الخصوص، قال تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر 7]، وقال سبحانه {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل 44]، فَمِنْ الله تعالى التنْزيل، وَمِنْ رسوله صلى الله عليه وسلم البيان والتأويل.
(1)
فتح الباري، لابن رجب 1/ 144، وينظر: أضواء البيان 2/ 154.
(2)
محمد بن عمر بن الحسين القرشي التيميّ البكري، فخر الدين أبو عبد الله الرازي، إمام مفسر أصولي متكلم، صنف: التفسير الكبير، وإعجاز القرآن، توفي سنة (606). ينظر: السير 21/ 500، وطبقات الشافعية الكبرى 8/ 81.
(3)
قصّةُ مُحاجّة إبراهيم عليه السلام لقومه، وهي من آية (74) إلى آية (83) من سورة الأنعام.
(4)
التفسير الكبير 13/ 50، وينظر: التحرير والتنوير 7/ 333.
ومن ثَمَّ فإن تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك هو المتعيّن؛ لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيحًا صريحًا، وقد نَصَّ العلماء على وجوب الأخذ بما هذا سبيله من التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن جرير (ت: 310): (وإن كان الله- جل ذكره- قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربيًّا، وأنّه أنزله بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملًا خصوصًا وعمومًا، لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله- تعالى ذكره- من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جُعِل إليه بيان القرآن؛ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
، وقال ابن العربي
(2)
(ت: 543) عند هذه الآية: (وبعد تفسير النبي صلى الله عليه وسلم فلا تفسير، وليس للمُتَعَرِّضِ إلى غيره إلا النكير)
(3)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (ومما ينبغي أن يُعلم، أن القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُحتَج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة؛ فإنه قد عُرِف تفسيره، وما أُريد بذلك من جهة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم)
(4)
.
وقد هُدِيَ الصحابة رضي الله عنهم في ذلك لأحسن الهدي؛ فلم يُعرَف عن أحد منهم مُراجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، بل استقام تفسيرهم بعد ذلك على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(5)
.
(1)
جامع البيان 1/ 24، وينظر منه: 1/ 52.
(2)
محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي، أبو بكر المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، الحافظ المفسر، صَنَّفَ: أحكام القرآن، وقانون التأويل، وغيرهما، توفي سنة (543). ينظر: شذرات الذهب 6/ 232، وشجرة النور الزكية 1/ 199.
(3)
أحكام القرآن 3/ 88.
(4)
مجموع الفتاوى 13/ 27، و 7/ 286. وينظر: التسهيل 1/ 17، 20، والبحر المحيط 4/ 176، وإيثار الحق على الخلق (ص: 381).
(5)
لم أجد في الصحابة رضي الله عنهم من فسرها بغير الشرك، إلا ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال:(هذه الآية لإبراهيم صلى الله عليه وسلم خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء). ينظر: جامع البيان 7/ 336، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1333، ومستدرك الحاكم 2/ 346. وعلى هذا المعنى فليس في عموم لفظ الظلم فيها إشكال، إذ المقصود بها نبي معصوم عليه السلام، ولكن هذا المعنى لا يُساعد عليه التفسير النبوي الصريح الذي لا قول بعده، كما أنه رُوِيَ عن علي رضي الله عنه ما وافق فيه النص النبوي وجمهور الصحابة. ينظر: تفسير السمعاني 2/ 121.
فمِمّن فسَّر الظلم في هذه الآية بالشرك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وأُبيّ بن كعب، وسلمان، وعلي، وحذيفة، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم
(1)
، بل كان تعويلهم في كشف ما أشكل فيها على غيرهم هو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سُئلَ عن هذه الآية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام 82]، فقال: ما تقولون؟ قالوا: لم يظلموا. قال: حملتم الأمر على أشده، بظلم: بشرك، ألم تسمع إلى قول الله {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13])
(2)
. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ففزع، فأتى أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب الله، من يسْلَم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ وقال: فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13]، إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك)
(3)
. وسأل زيدُ بن صوحان
(4)
سلمانَ رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام 82]، فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه.
(5)
(1)
ينظر: جامع البيان 7/ 332 - 336، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1333.
(2)
ينظر: جامع البيان 7/ 333، ومستدرك الحاكم 2/ 478، والدر 3/ 277.
(3)
ينظر: تفسير ابن وهب 2/ 104، وجامع البيان 7/ 334، ومستدرك الحاكم 3/ 345، والدر 3/ 279.
(4)
زيد بن صوحان بن حُجر بن الحارث العبدي، أبو سلمان الكوفي، تابعي مخضرم، صحب سلمان، وسمع من عمر وعلي رضي الله عنهم، وهو ثقة قليل الحديث، توفي إثرَ يوم الجمل سنة (36). ينظر: السير 3/ 525، والإصابة 2/ 504، 532.
(5)
جامع البيان 7/ 333.
كما سار على ذلك أئمة التفسير من التابعين وأتباعهم، كعلقمة
(1)
(ت: 62)، وعمرو بن شرحبيل
(2)
(ت: 63)، وأبي عبد الرحمن السلمي
(3)
(ت: 74)، وإبراهيم النخعي
(4)
(ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة
(5)
(ت: 105)، والضحاك
(6)
(ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، والسدي
(7)
(ت: 128)، وابن زيد
(8)
(ت: 182)، وعليه جمهور المفسرين مِنْ بَعدِهم
(9)
،
(1)
علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل الكوفي، خال إبراهيم النخعي، المُقرئ المفسر، من أعلم أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، ثقة عابد، توفي سنة (62) وقيل غير ذلك. ينظر: السير 4/ 53، وتهذيب التهذيب 3/ 140.
(2)
عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة من العباد، من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، توفي بالكوفة سنة (63). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 415، والإصابة 5/ 113.
(3)
عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة السُّلَمِي، أبو عبد الرحمن الكوفي، مُقرئ الكوفة، من أولاد الصحابة، برع في حفظ القرآن وتجويده وإقراءه، وتوفي سنة (74) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات القراء 1/ 31، والتقريب (ص: 499).
(4)
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة كثير الإرسال، من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، توفي سنة (96). ينظر: السير 4/ 520، وتهذيب التهذيب 1/ 92.
(5)
عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس رضي الله عنه، ثقة ثبت عالم بالتفسير، صنَّف: تفسير القرآن، وتوفي بالمدينة سنة (105) وقيل قبلها. ينظر: السير 5/ 12، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 265).
(6)
الضحاك بن مُزاحم الهلالي البلخي، أبو محمد الخراساني، ثقة مُفَسر، يروي تفسيره عن ابن عباس مُرسلا؛ لأنه لم يلقه، توفي سنة (105). ينظر: السير 4/ 598، وتهذيب التهذيب 2/ 226.
(7)
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي، أبو محمد الأعور، المشهور بالسُدِّي الكبير، مفسر صدوق يَهِمْ، توفي سنة (128). ينظر: السير 5/ 264، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 79).
(8)
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ، مولاهم المدني، المفسر ابن المفسر، صَنّف: تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، وتوفي سنة (182). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 296، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 188).
(9)
ينظر: المسائل والأجوبة (ص: 270)، وجامع البيان 7/ 333، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1333، والزاهر، لابن الأنباري 1/ 118، وتفسير القرآن، للسمعاني 2/ 121، والمحرر الوجيز 2/ 315.
قال القاسمي
(1)
(ت: 1332): (وبالجملة فلا يُعلمُ مُخالف من الصحابة والتابعين في تفسير "الظلم" هنا بالشرك، وقوفًا مع الحديث الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية، الموضِّح بعضها لِما أُبْهم في بعض)
(2)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك وأحكامه:
أولًا: أن تفسير كلام الله تعالى وفهمه يكون بحسب المشهور المتبادر من لسان العرب الذي نزل به القرآن، وهذا ما فعله الصحابة رضي الله عنهم في فهمهم لكلمة "الظلم"، ولم ينهَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يفسروا القرآن بلغتهم، ولو كان هذا المسلك خَطًا لنبههم عليه، كما لم يتغير هذا الفهم من الصحابة إلا بالنقل الشرعي لكلمة "الظلم" بحسب التفسير النبوي.
ثانيًا: التفسير اللغوي لا يقدم على التفسير النبوي الصريح بحال، وهذا واضح من قبول الصحابة رضي الله عنهم لهذا التفسير من النبي صلى الله عليه وسلم بلا جدال.
ثالثًا: كما أن تفسير القرآن بالرأي المعتمد على استعمالات الكلمة في القرآن، أولى من تفسيره بحسب اللفظ مجردًا، وهذا واضح من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لكلمة "الظلم" بحسب ورودها في موضع آخر من القرآن الكريم، وهو ما يُعرف ب: تفسير القرآن بالقرآن. قال الباقولي
(3)
(ت: 543): (وأبدًا ينبغي لك أن تُفَسر القرآن بعضَه ببعضٍ ما أمكنك، ويجبَ أخذُ التفسير من آيةٍ نظيرةِ تلك الآية التي
(1)
محمد بن محمد سعيد بن قاسم، جمال الدين القاسمي، من سلالة الحسين السبط رضي الله عنه، إمام الشام في عصره، أَلَّفَ: محاسن التأويل، في التفسير، وغيره، وتوفي سنة (1332). ينظر: الأعلام 2/ 135، والموسوعة الميسرة 3/ 2443.
(2)
محاسن التأويل 3/ 359.
(3)
علي بن الحسين بن علي الأصبهاني الباقولي، أبو الحسن، الملقب بجامع العلوم، نحويٌ مُفسر، صنف: البيان في شواهد القرآن، وكشف المشكلات، توفي سنة (543). ينظر: معجم الأدباء 4/ 1736، وبغية الوعاة 2/ 160.
تُفَسِّرها)
(1)
، وقال العز بن عبد السلام
(2)
(ت: 660): (تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كلِّ تقدير)
(3)
، أي: تقدير المحذوف في موضع من القرآن، يكون بما ظهر في القرآن في موضع آخر. وقال الزركشي (ت: 794): (فحَمَل النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هاهنا على الشرك .. ، واستأنس عليه بقول لقمان)
(4)
.
رابعًا: في قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13]) ثم تفسيره للكلمة بقوله: (إنما هو الشرك)، تنبيه للصحابة على هذه الطريقة في التفسير، وقد كان بالإمكان حصول البيان منه صلى الله عليه وسلم بقوله:(إنما هو الشرك)، ولكنّه صلى الله عليه وسلم شَرَعَ لمن بعده مسلكًا مهمًا في تبيين المُشكلات، وإيضاح المُبهمات، بل هو أولى طرق بيان القرآن الكريم، قال ابن تيمية (ت: 728): (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصحَّ الطرق في ذلك أن يُفَسّرَ القرآن بالقرآن؛ فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختُصِرَ في مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر)
(5)
، ونقل الشنقيطيُّ (ت: 1393) إجماعَ العلماء على أن بيان القرآن بالقرآن أشرف أنواع التفسير وأَجَلُّها؛ (إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جلّ وعلا من الله جلّ وعلا)
(6)
، وقال القاسمي (ت: 1332): (وتَعَرُّفُ تلك القاعدة- أي: التفسير بالنظائر القرآنية- من مثل هذا الحديث يكشف غُمَّةَ أوهام كثيرة)
(7)
.
(1)
كشف المشكلات وإيضاح المُعضلات 2/ 918 باختصار وتصرف يسير.
(2)
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلَمي، عز الدين الدمشقي ثم المصري الشافعي، العلامة الفقيه، سلطان العلماء، صَنف مجاز القرآن، واختصر تفسير الماوردي، وتوفي سنة (660). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 8/ 209، وشذرات الذهب 7/ 522.
(3)
مجاز القرآن (ص: 110). وينظر: تهذيب اللغة 4/ 70.
(4)
البرهان في علوم القرآن 2/ 201.
(5)
مجموع الفتاوى 13/ 363، وينظر: روح المعاني 12/ 113.
(6)
أضواء البيان 1/ 7، 15.
(7)
محاسن التأويل 3/ 359، وينظر: التكميل في أصول التأويل (ص: 242، 263، 268).
خامسًا: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتأولون القرآن على لغتهم، فإذا أشكل عليهم منه شيء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيّنه لهم، وهذا يحدد نوع ما فسّرَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من القرآن للصحابة رضي الله عنهم، وهو ما أشكل عليهم، واحتاجوا فيه إلى بيانٍ من النبي صلى الله عليه وسلم وهو قليل
(1)
. وسيتبيّن ذلك بوضوح في غيرما استدراك نبوي فيما يأتي- إن شاء الله تعالى-، وأما ما فسّرَه صلى الله عليه وسلم مباشرة بلا سؤال أو استشكال فهو أقلّ ممّا سُئِلَ عنه.
* * *
[2]{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187].
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: لَمّا نزلت
(2)
{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] عَمَدت إلى عِقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجَعلتُهما تحت وِسادَتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبينُ لي، فَغَدَوتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكرتُ له ذلك فقال:(إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار)
(3)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 1/ 60، والتفسير اللغوي (ص: 64).
(2)
ظاهرها أن عديًّا شهد نزول الآية، وهذا لا يتفق مع تأخر إسلامه بالنسبة لِنُزُول آيات الصوم في أوائل الهجرة، فإما أن يُقال بتأخر نزول هذه الآية عن نزول فرض الصوم، وهذا قال عنه ابن حجر (ت: 852): (بعيد جدًا)، وإما أن يُؤَوَّل قول عديّ:(لَمَّا نزلت) أن المراد: لمّا بلغني نزول الآية. أو: لما نزلت الآية ثم قدمت فأسلمت وتعلمت الشرائع. وفي لفظ لأحمد من طريق مجالد: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام، فقال: صَلِّ كذا، وصُمْ كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين .. ) الحديث. ينظر: فتح الباري 4/ 158، والتحرير والتنوير 2/ 182. وهذا على عادة الصحابة والتابعين في التعبير بلفظ النُّزول وإرادة ما هو أوسع من سبب النُّزول. وينظر: مجموع الفتاوى 13/ 338، والبرهان في علوم القرآن 1/ 56، والفوز الكبير في أصول التفسير (ص: 95).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 157 (كتاب 30 - الصوم، باب 16 - قول الله تعالى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، برقم: 1916)، ومسلم في صحيحه 3/ 163 (كتاب 13 - الصيام، باب 8 - بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم: 1090).
*
تحليل الاستدراك:
اعتمد عديُّ بن حاتم رضي الله عنه في فهمه لهذه الآية على أحدِ وجوهها في لغة العرب، وهو أقربها إلى ذهنه، والمتبادر له منها، ففهم الخيطين الأبيض والأسود على الحقيقة
(1)
، فصار المعنى عنده رضي الله عنه: إباحة الأكل والشرب ومباشرة النساء- ابتغاء ما كتبَ الله من الوَلَد- للصائم ليلًا، حتى يتبينَ خيطين أسودَ وأبيضَ بضياءِ الفجر. وعَبَّر عديٌّ رضي الله عنه عن الخيطين بقوله (عقالٍ أسود وعقالٍ أبيض)، والعقالُ: الخيط؛ وسُمِّيَ بذلك لأنه يُعقَلُ به، أي يُربَط ويُحبَس
(2)
.
وهذا الفهم هو عين ما فهمه عدد من الصحابة رضي الله عنهم قبل ذلك
(3)
، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أُنزلَت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] ولم ينْزل {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبينَ له رؤيتُهُما، فأنزل الله بعدُ {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار)
(4)
، قال القاضي عياض
(5)
(ت: 544): (إنما
(1)
المُفْهِمُ 3/ 147، وفتح الباري 4/ 160، والإصابة 4/ 388.
(2)
المُفْهِمُ 3/ 148، وفتح الباري 4/ 158، والنهاية في غريب الحديث 3/ 253.
(3)
قال ابن حجر: (ونزول {مِنَ الْفَجْرِ} كان بسبب الأنصار؛ لأنهم حملوا الخيطين على حقيقتهما، وفعلُ عديّ استمر بعد نزول قوله تعالى {مِنَ الْفَجْرِ} حملًا للخيطين على الحقيقة أيضًا، وأن المراد: أن يوضح الفجرُ الأبيضَ منهما من الأسود، فقيل له: إن المراد بالخيط: نفس الفجر ونفس الليل) العُجاب في بيان الأسباب 1/ 448. وقد ذكر ابن عطية في تفسيره 1/ 258، والقرطبي في المُفهم 3/ 149، أن بين حديث سهل وعديّ عامٌ؛ من رمضان إلى رمضان. وينظر: البحر المحيط، لأبي حيان 2/ 57، والتحرير والتنوير 2/ 182.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 157 (1917)، ومسلم في صحيحه 3/ 164 (1091).
(5)
عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، من علماء المالكية، لُغَوي محدِّث حافظ، صنف: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومشارق الأنوار، وغيرها، توفي سنة (544). ينظر: السير 20/ 212، وشذرات الذهب 6/ 226.
أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأوّل الآية، لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187]، فعلموا أن المراد به بياض النهار، وسواد الليل)، ثم قال:(وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوّلَه من لم يكن مُخالطًا للنبي صلى الله عليه وسلم .. ، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار)
(1)
.
وقد عَنْوَنَ ابنُ حبَّان
(2)
(ت: 354) في صحيحه حديثَ عَديّ رضي الله عنه بقوله: (ذِكرُ البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها)
(3)
، وقال ابن حجر (ت: 852): (فأما من ذُكر في حديث سهل فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] علموا المراد؛ فلذلك قال سهل في حديثه: (فعلموا أنما يعني الليل والنهار)، وأمّا عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح
(4)
، وحَمَلَ قوله {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] على السببية، فَظَن أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر
(5)
، أو نَسِيَ قوله {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] حتى ذَكَّرَهُ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم
(6)
، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر
(7)
:
(1)
شرح النووي على مسلم 3/ 164، وفتح الباري 4/ 161.
(2)
محمد بن حبّان بن أحمد بن معاذ الدارميّ البستي، المحدث اللغوي الفقيه، صاحب التقاسيم والأنواع، توفي سنة (354). ينظر: السير 16/ 92، البداية والنهاية 11/ 219.
(3)
/ 242.
(4)
ذهب ابن عاشور إلى أنه لا استعارة هنا، وأنه بهذا المعنى معروف في كلام العرب، كما هو في الآية، وفي بيت أبي دؤاد الإيادي الآتي، وقال:(وعندي أن القرآن ما أطلقه إلا لكونه كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى، دون إرادة التشبيه؛ لأنه ليس بتشبيه واضح) التحرير والتنوير 2/ 183، وينظر: معالم السنن 3/ 232.
(5)
رَجَّحَه ابن عاشور في تفسيره 2/ 185.
(6)
ويشهد لهذا رواية ابن أبي حاتم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي لَمَّا أخبره بما صنع: (يا ابن حاتم ألم أَقُلْ لك من الفجر؟، إنما هو بياض النهار، وسواد الليل). تفسير ابن أبي حاتم 1/ 318، وينظر: فتح الباري 4/ 160.
(7)
أبو دؤاد جارية بن الحجاج الإيادي. ينظر: جامع البيان 2/ 240، ولسان العرب 7/ 299.
ولمَّا تَبَدَّت لنا سُدفَةٌ
(1)
ولاح من الصبح خيط أنارا)
(2)
.
قال أبو حيّان (ت: 745): (وكلُّ ما دَقَّ واستطال وأشبه الخيط؛ سَمَّته العرب خيطًا)
(3)
.
ثم جاء تفسير النبي صلى الله عليه وسلم مُبيّنًا ما أُجمِلَ على عديٍّ رضي الله عنه
(4)
، أو مُذَكِّرًا له ما فاته من التنبه إلى كلمة {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187] بعد ذِكر الخيطين في الآية، مِمَّا كان ينبغي معه تفسير الخيطين ببياض النهار وسواد الليل.
وقد جاء التنبيه النبوي الكريم لعَديّ رضي الله عنه على خطئِه
(5)
بنمط رفيع من الأدب وحُسن الخطاب، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنّ وِسادك إذًا لَعريض)
(6)
، وفي لفظ:(إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين)
(7)
، وأصح ما قيل في معناه ما قاله أبو العباس القرطبي
(8)
(ت: 656): (وإنما عَنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم-: أنَّ وِسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هُما الليل والنهار، فهو إذًا عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: (إنما هُو سواد الليل وبياض النهار)؟!، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وِساد؟! وإلى هذا يرجع قوله: (إنك
(1)
من الأضداد، يُراد بها الضوء ويُراد بها الظلمة، وهي هنا بالمعنى الأوّل. ينظر: الأضداد، لابن الأنباري (ص: 114).
(2)
فتح الباري 4/ 160.
(3)
البحر المحيط 2/ 58، وينظر: مجاز القرآن، للعز ابن عبد السلام (ص: 380).
(4)
ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 235، والإتقان في علوم القرآن 2/ 37.
(5)
ينظر: تلخيص كتاب الاستغاثة 2/ 616، ومجموع الفتاوى 3/ 287.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 31 (4509)، ومسلم في صحيحه 3/ 163 (1090).
(7)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 31 (4510).
(8)
أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري، أبو العباس القرطبي المالكي، المُحَدّث الفقيه، شيخ القرطبي المفسر، اختصر الصحيحين، وشرح مختصره لمسلم في: المُفْهِم، توفي سنة (656). ينظر: السير 23/ 323، وشذرات الذهب 7/ 473.
لعريض القفا)؛ لأن هذا الوِساد الذي قد غَطّى الليل والنهار بعرضه، لا يرقد عليه ولا يتوسَّدُه إلا قفًا عريض؛ حتّى يناسب عرضُه عرضَه .. ، ويدل عليه أيضًا ما زاده البخاري قال:(إنّ وِسادك إذًا لَعريضٌ إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وِسادك)
(1)
(2)
، واختار هذا المعنى القاضي عياض (ت: 544)، والنووي (ت: 676)، وابن كثير
(3)
(ت: 774)
(4)
، وهو الموافق للروايات السابقة، بخلاف من ذهب إلى أنه كناية عن الغباء، وتعريض بقلة الفهم
(5)
؛ فإنه لا يتناسب مع أخلاق النبوة، وقدر الصحابة رضي الله عنه، كما أنّ عدِيًّا رضي الله عنه (حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إذ هي الأصل؛ إذ لم يتبيّن له دليل التجوُّز، ومن تمَسَّكَ بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا يُنسَبُ إلى جهل)
(6)
، قال الطحاوي
(7)
(ت: 321) عَنْ فعل عَدي ومن معه من الصحابة: (فلم يُعَنِّفهم- صلى الله عليه وسلم على ما كان منهم، ولم يقل لهم: قد كان الأبيض والأسود اللَّذَان عُنِيا في هذه الآية غير ما ذهبتم إليه .. ، ولم يَعِب عليهم صلى الله عليه وسلم استعمال الظاهر في ذلك)
(8)
.
(1)
/ 31 (4509).
(2)
المُفهم 3/ 149.
(3)
إسماعيل بن عمر بن كثير القيسي، عماد الدين أبو الفداء الشافعي الدمشقي، إمام مفسر محدث، له تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وغيرها، توفي سنة (774). ينظر: طبقات الداوودي (ص: 79)، وشذرات الذهب 8/ 397.
(4)
ينظر: مشارق الأنوار 2/ 504، وشرح النووي على مسلم 3/ 164، وتفسير ابن كثير 1/ 475.
(5)
كأبي المُظَفر السمعاني في تفسيره 1/ 188، والزمخشري في الكشاف 1/ 230، والرازي في تفسيره 5/ 94، وأبي حيّان في تفسيره 2/ 58، وابن الأثير في النهاية 5/ 159.
(6)
المُفهم 3/ 149.
(7)
أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر الشافعي الحنفي المصري، إمام فقيه حافظ، صنف معاني الآثار، وأحكام القرآن، ونوادر القرآن، توفي سنة (321). ينظر: السير 15/ 27، والجواهر المضيئة 1/ 271.
(8)
أحكام القرآن 1/ 64.
*
الحكم على الاستدراك:
لقد كان من عادة الصحابة رضي الله عنهم الأخذ بالظاهر المتبادر من اللفظ
(1)
، وما دلت عليه لُغَتُهم، حملًا للّفظ على الحقيقة، قال الشاطبي
(2)
(ت: 790): (ولِمَا كان فيهم- أي الصحابة رضي الله عنهم من حمل العبارة على حقيقتها نَزَلَ {مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187])
(3)
. وما كان من عَديّ رضي الله عنه في فهم هذه الآية هو صورة من ذلك، ولذا لا نجد في التصحيح النبوي ما يَمَسُّ هذا الأصل الصحيح الثابت عندهم رضي الله عنهم، وإنما يتوجَّه التصحيح إلى بيان المجمل، وتذكيرُ من نسي منهم بما به تمام معنى الآية، أو نزول الوحي بما يتضح به المعنى بلا اشتراك.
وقد جاء البيان النبوي في هذه الآية مُزيلًا لكلّ إشكال وإيهام، فوجب اتباعه والأخذ به، وهو ما جرى عليه الأئمة من بعدُ، وعليه جمهور المفسرين
(4)
، بل حكى فيه ابنُ عطية
(5)
(ت: 546) إجماع العلماء
(6)
.
(1)
المُراد بالظاهر هنا وفيما سيأتي: ما يتبادر إلى ذهن المُخَاطَب من المعاني، وليس المُراد بالظاهر: الاصطلاحي عند الأصوليين الذي يُقابِل النَّص. فالمعنى هنا: أن ظواهر النصوص مفهومة عند الصحابة ومعتبرة. ينظر: قانون التأويل (ص: 191)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد 2/ 437، وعلم المِلَلِ ومناهج العلماء فيه (ص: 222)، ومقالات في علوم القرآن وأصول التفسير (ص: 26)، والقرآن الكريم ومنْزلته بين السلف ومخالفيهم 2/ 738.
(2)
إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، أبو إسحاق الشاطبي، الحافظ المحقق المفسر، من أئمة المالكية، صنف: الموافقات، والاعتصام، وتوفي سنة (790). ينظر: شجرة النور الزكية 1/ 332، ومعجم المفسرين 1/ 23.
(3)
الموافقات 2/ 143، وينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 64.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 99، وجامع البيان 2/ 239، وأحكام القرآن، للجصاص 1/ 277، والكشف والبيان 2/ 80، وتفسير السمعاني 1/ 188، ومعالم التنْزيل 1/ 208، والمحرر الوجيز 1/ 258، وأنوار التنْزيل 1/ 112، والجامع لأحكام القرآن 2/ 213، والبحر المحيط 2/ 85، وتفسير ابن كثير 1/ 474.
(5)
عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، أبو محمد الأندلسي، القاضي المالكي، إمامٌ لغويٌّ مُفَسِّر مُحَقِّق، صنَّف تفسيره: المحرر الوجيز، توفي سنة (546). ينظر: السير 20/ 133، وشجرة النور الزكية 1/ 189.
(6)
المحرر الوجيز 1/ 258.
[3]{لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء 123].
قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله كيف الإصلاح بعد هذه الآية {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء 123]؟ فإن عملنا سوءًا نجز به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (غفر الله لك يا أبا بكر (ثلاث مرات)، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟) قال: بلى، قال:(فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا)
(1)
.
(1)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 97)(227)، ويحيى بن سلام كما في تفسير ابن أبي زمنين 1/ 408، وعبد الرزاق في تفسيره 1/ 479 (643)، وسعيد بن منصور في سننه 4/ 1387 (696)، و 4/ 1391 (697)، وأحمد في المسند 1/ 11 (68 - 71)، وهنَّاد في الزهد 1/ 248 (429)، وأبو يعلى في مسنده 1/ 97 (98)، و 1/ 98 (100)، وابن جرير في تفسيره 5/ 397 (8301)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1071 (5992)، وابن حبان في صحيحه 7/ 170 (2910)، و 7/ 189 (2926)، والحاكم في المستدرك 3/ 78 (4450)، والثعلبي في تفسيره 3/ 390، والبيهقي في السنن 3/ 373 (6328)، والشعب 7/ 151 (9805)، والواحدي في الوسيط 2/ 119، والضياء في المختارة 1/ 159 (69)، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 646 لِعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر رضي الله عنه.
وسنده صحيح لغيره، وصححه الحاكم، وحَسَّنَه ابن حجر في الأمالي المطلقة (ص: 78)، وله شواهد منها:
- طريق ابن عمر، عن أبي بكر رضي الله عنهم، أخرجه ابن جرير 5/ 397 (8300)، وابن أبي حاتم 4/ 1071 (5994)، وأحمد 1/ 6 (23)، والترمذي 5/ 248 (3039)، والثعلبي 3/ 390، والداني في المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 53)، وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير 3/ 1023، والبغوي في تفسيره 5/ 290، وفي إسناد هذا الطريق ضعف.
- وطريق محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي بكر مرسلًا، أخرجه ابن وهب في تفسيره 1/ 114 (261)، وإسناده صحيح إلى التيمي، ولم تثبت رؤيته لأبي بكر رضي الله عنه.
- وطريق عطاء بن أبي رباح مُرسلًا، أخرجه ابن جرير 5/ 400، والثعلبي 3/ 390.
- وطريق أبي الضحى مُسلم بن صُبَيح مُرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور 4/ 1396 (700)، وابن جرير 5/ 398، 400 (8302، 8305)، وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير 3/ 1023، وهنَّاد في الزهد 1/ 250 (433).
- وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم في صحيحه 6/ 101 (2574).
- ومن حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه أحمد 6/ 65 (24413)، والبخاري في تاريخه الكبير 8/ 371، وابن حبان 7/ 186 (2923)، وأبو يعلى في مسنده 8/ 135 (4675)، وابن أبي حاتم 4/ 1072، والواحدي في الوسيط 2/ 120، وعزاه ابن رجب الحنبلي لِمُسند بقي بن مخلد وجوَّدَ إسناده. (البشارة العظمى للمؤمن بأن حظه من النار الحمى) ضمن مجموع رسائل ابن رجب 2/ 378. وقال ابن حجر:(حديث حسن صحيح)، الأمالي المطلقة (ص: 83)، وصححه السيوطي في الدر 2/ 647. وله متابعات وشواهد، وأصله في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). أخرجه البخاري في صحيحه 10/ 107 (5640)، ومسلم في صحيحه 6/ 100 (48). فهو صحيح بمجموع طرقه.
*
تحليل الاستدراك:
فَهِم أبو بكر رضي الله عنه من هذه الآية العموم، وأن كلَّ سوء يعمله الإنسان في الدنيا سيُجزَى به يوم القيامة، وهو المتبادر من لفظ الآية وظاهرها، ولذلك شَقَّ عليه رضي الله عنه مشقَّةً عظيمة، وصفها في رواية أخرى بقوله لَمَّا سمع الآية من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلا أعلم إلا أَنّي قد كنت وجدت انقصامًا
(1)
في ظهري، فتَمطَّأتُ
(2)
لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأُمِّي وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ وإنَّا لَمُجزَون بِمَا عَمِلنا؟)
(3)
، بل بلغت هذه المشقّةُ أيضًا مبلغها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(لمَّا نزلت {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء 123] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا)
(4)
، وفي لفظ:(بكينا وحزِنَّا، وقلنا: يا رسول الله ما أبْقَت هذه الآية من شيء)
(5)
، وربما كانت أشد آية في كتاب الله على بعض الصحابة، كما ورد
(1)
أي: انكسارًا، ويُروى (انفصامًا) وهو قريب منه، والأوّل مع الإبانة. ينظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 405، 4/ 66، والفروق اللغوية، للعسكري 169.
(2)
أي: مددت. ينظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 290، والقاموس المحيط (ص: 619).
(3)
ينظر: جامع الترمذي 5/ 248 (3039)، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1071، ومعالم التنْزيل 2/ 290.
(4)
سبق تخريجه في شواهد الاستدراك.
(5)
ينظر: تفسير ابن كثير 3/ 1024، والدر 2/ 647.
عن أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم
(1)
.
وما ذاك إلا لاستقامة فهمهم على ظاهر اللفظ، وعموم المعنى، فكانت منهم رضي الله عنهم بتلك المثابة، (وإنما عَظُمَ موقع هذه الآية عليهم؛ لأن ظاهرها أن ما من مكلف يصدر عنه شرٌّ كائنًا ما كان إلا جُوزِيَ عليه يوم الجزاء، وأن ذلك لا يُغفَر، وهذا أمرٌ عظيم)
(2)
.
فجاء البيان النبوي الكريم فاتحًا من الرحمة والتيسير أبوابًا؛ فبيَّن أن ما ينالَ المؤمن من مصائب الدنيا المختلفة- من نَصَب وحُزْن ومَرَض ونَكبَة وحتى الشَّوكَة، وما هو أدنى منها ممّا يؤذي المؤمن- هو من الجزاء الذي يُجزى به في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبةَ يُنكَبَها، أو الشوكَةَ يُشاكَها)، وقال:(فإن ذلك مما تجزون به في الدنيا)
(3)
. فصار المعنى بعد البيان النبوي: من يَعمَل سوءًا يُجزَ به عاجلًا أو آجِلًا
(4)
، (فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فيُجازى في الدنيا غالبًا، فمن بقي له سوء إلى الآخرة فهو في المشيئة، يغفر الله لمن يشاء، ويُجازي من يشاء)
(5)
.
*
الحكم على الاستدراك:
فهم أبو بكر رضي الله عنه العموم من اللفظ، وكذا غيره من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من هديهم المُقرِّ شرعًا، قال أبو العباس القرطبي (ت: 656): (هذا يدل على أنهم- أي الصحابة- كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في
(1)
ينظر: سنن سعيد بن منصور 4/ 1396، وسنن أبي داود 3/ 184، وجامع البيان 5/ 398، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1072، والكشف والبيان 3/ 391، وتفسير ابن كثير 3/ 1023، والدر 2/ 647.
(2)
المفهم 6/ 547.
(3)
كلا اللفظين من روايات الاستدراك.
(4)
ينظر: أنوار التنْزيل 1/ 242.
(5)
المحرر الوجيز 2/ 116، وينظر: التسهيل 1/ 348.
العمليات .. ، فإنهم فهموا عموم الأشخاص من "مَنْ"، وعموم الأفعال من "سُوء" المذكور في سياق الشرط)
(1)
.
ويُلاحظ هنا أن حديث أبي بكر وباقي الصحابة رضي الله عنهم كان عن كلمة {سُوءًا} وعمومها لكل سيئةٍ يعملها الإنسان، والتوضيح النبوي تناول كلمة {يُجْزَ بِهِ} وأن من الجزاء ما يكون في الدنيا قبل الآخرة، فلم يتعرض النبي صلى الله عليه وسلم للفهم العام لكلمة {سُوءًا} الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، بل أقرهم عليه. ثم حيث جاء البيان النبوي فلا بيان بعده
(2)
، وهو ما أزال المشقّةَ واللبس في عهد النبوّة، كما أنه كان كذلك في عهد الصحابة والتابعين، فعن الربيع بن زياد
(3)
قال: قلت لأبيّ بن كعب: قول الله تبارك وتعالى {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء 123]، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا. قال أُبيّ: (والله إن كنت لأراك أفقه ممّا أرى، لا يصيب رجلًا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو اللهُ عنه أكثر، حتى اللدغةَ والنفحةَ
(4)
(5)
. وسُئلت عائشة رضي الله عنها عن قريب من ذلك فقالت: (ذاك ما يصيبكم في الدنيا)
(6)
.
واختار هذا المعنى ابن جرير (ت: 310)، والنحاس
(7)
(ت: 338)، وأبو عمرو
(1)
المفهم 6/ 546، وينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 65.
(2)
ينظر: الكشف والبيان 3/ 391.
(3)
الربيع بن زياد بن أنس الحارثي، أبو عبد الرحمن البصري، مُخضرم، ولِيَ لمعاوية رضي الله عنه خراسان، وكان الحسن البصري كاتبه، توفي سنة (53). ينظر: البداية والنهاية 8/ 50، تهذيب التهذيب 1/ 592.
(4)
النفحة: هي المَسُّ من العذاب، ويقال: نفحت الدابَّةُ برجلها إذا رمحت بِها. ينظر: تهذيب اللغة 5/ 72.
(5)
جامع البيان 5/ 394، والدر 2/ 648.
(6)
جامع البيان 5/ 395، ومستدرك الحاكم 2/ 337.
(7)
أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس، من أئمة العربية، صنّفَ: إعراب القرآن، ومعاني القرآن، وغيرها، توفي سنة (338). ينظر: معجم الأدباء 1/ 468، والسير 15/ 401.
الداني
(1)
(ت: 444)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، وابن كثير (ت: 774)
(2)
، وعليه جمهور المفسرين
(3)
.
* * *
[4]{فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق 8].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نوقش
(4)
الحساب يوم القيامة عُذِّب
(5)
، فقلت: أليس قال الله عز وجل: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق 8]؟ فقال: (ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب)، وفي لفظ:(هلك)
(6)
.
(1)
عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني، المالكي، الحافظ المُقرئ، محقق متقن، ألف: التيسير، في القراءات السبع، والمقنع، في رسم المصحف ونقطه، توفي سنة (444). ينظر: السير 18/ 77، وشذرات الذهب 5/ 195.
(2)
ينظر: جامع البيان 5/ 396، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 199، والمكتفى في الوقف والابتدا (ص: 53)، والمحرر الوجيز 2/ 116، والتفسير الكبير 11/ 42، وتفسير ابن كثير 3/ 1025.
(3)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 116، وتفسير السمعاني 1/ 483. وقد ذكر العلماء من وجوه الترجيح بين الأقوال في التفسير: أن يكون القول قول جمهور لمفسرين؛ فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. ينظر: التسهيل 1/ 20.
(4)
أي استُقصِيَ عليه فيه. ينظر: النهاية في غريب الحديث 5/ 92.
(5)
أي: بنفس المحاسبة وما فيها من تدقيق ومناقشة وتوقيف على قبيح ما سَلَف، والتوبيخ عذاب، وقيل: أنه يُفضي إلى العذاب بالنار؛ فإنه إذا بان له ما عمل من صغير وكبير لم يكد يخلص إن لم يعفُ الله عنه، واختاره النووي لرواية (هلك). ينظر: مشارق الأنوار 2/ 44، وشرح النووي على مسلم 6/ 328، والفتح 11/ 410.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 566 (كتاب 65 - التفسير، باب 1 - {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}، برقم: 4939)، ومسلم في صحيحه 6/ 328 (كتاب 51 - الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: 18: إثبات الحساب، برقم: 2876).
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا استقر عند عائشة رضي الله عنها عموم لفظ الحساب في الآية؛ أَخذًا بظاهرها، وأنه في القليل والكثير
(1)
، ومنه حِسابٌ يسيرٌ يوم القيامة؛ استشكلت كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل مناقشة الحساب يوم القيامة عذابًا وهلاكًا؛ إذ فيه معارَضةٌ لظاهر الآية، فبيّنَ النبي صلى الله عليه وسلم المُراد بالحساب اليسير في الآية، وأنّهُ أخَصُّ من حِساب التدقيق والمناقشة على كل عمل الإنسان، وأنَّ المُراد به هنا العَرضُ والتقرير؛ الذي يُجازى فيه- من أخذَ كتابه بيمينه- بالحسنات، ويُتَجاوزُ فيه عن السيئات، مَنًّا من الله وفضلًا
(2)
. قال أبو العباس القرطبي (ت: 656): (واعتراض عائشة رضي الله عنها بقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق 8] إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنه يتناول القليل والكثير)
(3)
. وقال الشاطبي (ت: 790): (ولمَّا قال عليه الصلاة والسلام: (من نوقش الحساب عُذِّب) بناءً على تأصيل قاعدة أُخرَويّة، سألت عائشةُ عن معنى قول الله عز وجل {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق 8] لأنه يُشكِلُ دخوله تحت عموم الحديث؛ فبيّن عليه الصلاة والسلام أن ذلك العرض لا الحساب المُناقش فيه)
(4)
.
(1)
ينظر: المُفهِم 7/ 157، والفتح 11/ 409.
(2)
ويشهد له حديث ابن عمر مرفوعًا في نجوى المؤمن ربَّه يوم القيامة، وفيه:(يُدْنى المؤمن من ربه يوم القيامة، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه؛ فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربَّ أعرف، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 116 (2441)، ومسلم في صحيحه 6/ 238 (2768).
(3)
المُفهِم 7/ 157، وينظر: الفتح 11/ 409.
(4)
الموافقات 3/ 293، وينظر: الصواعق المرسلة 3/ 1053.
*
الحكم على الاستدراك:
لقد كان من عادة الصحابة رضي الله عنهم أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّا أشكل عليهم من فهم كلام الله تعالى، فيكشف لهم عن وجهه، ويبيّن لهم معناه، وهذا من أنواع البيان النبوي للقرآن الكريم
(1)
كما سبق، ومن ذلك ما أشكل على عائشة رضي الله عنها في هذه الآية، بناءً على المعنى العام للمحاسبة، وكذلك ورود الوصف للحساب في أحد نوعيه يوم القيامة بأنه يسير، فجاء التفسير النبوي للحساب اليسير مُزيلًا للإشكال، فخصص المعنى العام، وأوضح المُراد بالحساب اليسير.
وقد وجب الأخذ بهذا البيان النبوي، وهو ما فَسَّرَت به عائشة رضي الله عنها هذه الآية حيث قالت:(يُعَرَّف ذنوبه، ثم يُتَجاوَز له عنها)
(2)
، واستقر عليه تفسير المفسرين بعد ذلك، قال ابن جرير (ت: 310): ({فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق 8] بأن يُنظَر في أعماله، فيُغفَر له سيّئها، ويُجازَى على حَسَنها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(3)
، واختاره النحاس (ت: 338)، وابن أبي زمنين
(4)
(ت: 399)، والثعلبي (ت: 427)، والواحدي
(5)
(ت: 468) ونسبه للمفسرين، والسمعاني
(6)
(1)
ينظر: الصواعق المرسلة 3/ 1052، وقواعد التفسير 1/ 135.
(2)
عزاه السيوطي في الدر 8/ 419 لابن المنذر.
(3)
جامع البيان 30/ 145.
(4)
محمد بن عبد الله بن عيسى المري، أبو عبد الله الألبيري المالكي، المعروف بابن أبي زمنين، محدث مفسر، اختصر تفسير يحيى بن سلام، وله: أصول السنة، توفي سنة (399). ينظر: السير 17/ 188، وشذرات الذهب 4/ 521.
(5)
علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري الشافعي، إمام النحو واللغة والتفسير، أَلَّفَ: المحيط، والوسيط، والوجيز، في التفسير، وكذا أسباب النُّزول، توفي سنة (468). ينظر: معجم الأدباء 4/ 1659، والسير 18/ 339.
(6)
منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني التميمي، أبو المظفر الحنفي ثم الشافعي، إمام فقيه محدث، صَنَّفَ تفسير القرآن، ومنهاج أهل السنة، توفي سنة (489). ينظر: السير 19/ 114، وطبقات الشافعية الكبرى 5/ 546.
(ت: 489)، والبغوي
(1)
(ت: 516)، وابن عطية (ت: 546)، وابن الجوزي (ت: 597)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي
(2)
(ت: 671)، والبيضاوي
(3)
(ت: 685)، وابن كثير (ت: 774)، والشوكاني
(4)
(ت: 1250)
(5)
، وكُلُّهم لم يذكروا قولًا آخرَ في الآية
(6)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أن بعض معاني القرآن لا يمكن معرفتها على الصواب إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو في هذه الآية؛ إذ خَصَّص البيانُ النبوي عمومَ لفظ الآية الذي استقر عند عائشة رضي الله عنها. وهذا يبين أهمية معرفة التفسير النبوي للآيات، ووجوب العناية بهذا المصدر المُقَدَّم من مصادر التفسير
(7)
.
(1)
الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، محي السنة المعروف بالفرَّاء، إمام مفسر محدث، صَنَّف: معالم التنْزيل، في التفسير، وشرح السنة، توفي سنة (510)، وقيل (516). ينظر: السير 9/ 439، وطبقات الشافعية الكبرى 7/ 75.
(2)
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري، أبو عبد الله القرطبي المالكي، إمام مُتقن، صنَّفَ: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة، توفي سنة (671). ينظر: الديباج المُذهّب 1/ 317، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 347).
(3)
عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، أبو سعيد البيضاوي، قاضٍ عالمٌ بالأصول والمنطق، وله تفسير مشهور سَمَّاه: أنوار التنْزيل وأسرار التأويل، توفي سنة (685). ينظر: البداية والنهاية 13/ 257، وطبقات الشافعية الكبرى 8/ 157.
(4)
محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، المفسر الفقيه، صنف تفسيره فتح القدير، ونيل الأوطار، وغيرهما، توفي بصنعاء سنة (1250). ينظر: البدر الطالع 2/ 106، ونيل الوطر 2/ 297.
(5)
ينظر: إعراب القرآن، للنحاس 5/ 116، والزاهر، لابن الأنباري 1/ 308، وتفسير القرآن العزيز 5/ 112، والكشف والبيان 10/ 159، والوسيط 4/ 452، وتفسير السمعاني 6/ 188، ومعالم التنْزيل 8/ 374، والمحرر الوجيز 5/ 457، وزاد المسير (ص: 1528)، والجامع لأحكام القرآن 10/ 179، وتفسير ابن كثير 8/ 3737، والتفسير الكبير 31/ 96، وأنوار التنْزيل 2/ 1142، وفتح القدير 5/ 541.
(6)
من مسالك الترجيح في التفسير عند ابن القيم رحمه الله: عدمُ ذِكر المفسِّر الجامعِ للأقاويلِ في التفسير- كالواحدي وابن الجوزي- غيرَ قولٍ واحد في الآية، فيُكون معتَمَدًا فيها. ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: 193).
(7)
سبقت الإشارة إلى التفسير النبوي في الاستدراك الأول (ص: 31)، وينظر: فصولٌ في أصول التفسير (ص: 27).
عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة 31]، فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونَهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم)
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد في المسند، كما ذكره ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (مجموع الفتاوى 7/ 67، وإعلام الموقعين 3/ 451، وتفسير القرآن العظيم 4/ 1645)، ولم أجد هذه الرواية في المسند، ولم ينسبه له ابن حجر في الكافي الشافِ 2/ 256، ولا السيوطي في الدر 4/ 159، والذي في المسند رواية طويلة من طريق عبَّاد بن حبيش، أخرجها الترمذي أيضًا وقال:(حديث حسن غريب). ينظر: المسند 4/ 378 (19400)، وجامع الترمذي 5/ 202 (2953).
وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير 7/ 106، والترمذي في الجامع 5/ 278 (3095)، وابن جرير في تفسيره 10/ 147 (12925)، والنحاس في معاني القرآن 3/ 202، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1784 (10057)، والطبراني في الكبير 17/ 92 (218)، والسمرقندي في تفسيره 2/ 45، والثعلبي في تفسيره 5/ 34، والبيهقي في السنن 10/ 116 (20137)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 2/ 293، والخطيب في الفقيه والمتفقه 2/ 129 (753)، والواحدي في الوسيط 2/ 490، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ 2/ 256 للواقدي، وابن مردويه، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، وزاد السيوطي في الدر 4/ 159 ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبا الشيخ.
من طريق عبد السلام بن حرب الملائي، عن غُطَيف بن أَعْيَن المحاربي، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه.
وهو حديث حسن لغيره، حَسَّنه الترمذي كما في الكافي الشافِ 2/ 256، والدر 4/ 159، وتحفة الأحوذي 8/ 392، وروح المعاني 3/ 193، وفي طبعة أحمد شاكر 5/ 278:(حديث غريب). وكذا حَسَّنَه ابنُ تيمية في مجموع الفتاوى 7/ 67، وصَحَّحَه الآلوسي في روح المعاني 10/ 84. ومن شواهده:
- حديث أبي البَخْتَري عن حُذيفَة رضي الله عنه عندما سُئِل: أرأيت قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} أكانوا يعبدونهم؟ فقال: (لا، ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه). أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 124)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 144 (1073)، وسعيد بن منصور 5/ 245 (1012)، وابن جرير 10/ 147 (12926)، وابن أبي حاتم 6/ 1784 (10057)، والبيهقي في السنن 10/ 116 (20138)، وابن حزم في الإحكام 2/ 301، والخطيب في الفقيه والمتفقه 2/ 130 (754 - 755)، وابن عبد البر في الجامع 2/ 975 (1861)، وعزاه السيوطي في الدر 4/ 159 للفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ. وإسناده صحيح إلى أبي البَخْتَري ولم يلق حذيفة.
- وورد مثله عن ابن عباس رضي الله عنه، أخرجه ابن جرير 10/ 148 (12928)، من طريق العوفيين، وهي ضعيفة.
- وعن أبي البَخْتَري، أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 156 (34936)، وابن جرير 10/ 148، 149 (12927، 12931)، وابن عبد البر في الجامع 2/ 976 (1863)، والثعلبي 5/ 34، وإسناده حسن.
- وعن أبي العالية، أخرجه ابن جرير 10/ 149 (12930)، والثعلبي 5/ 34. وينظر: تفسير ابن أبي حاتم 6/ 1784.
*
تحليل الاستدراك:
استنكر عَديٌّ رضي الله عنه حديثَ الآيات عن اتخاذ اليهود والنصارى- وهو العارف بعبادتهم- أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا يعبدونهم من دون الله، وبنى استغرابه على اشتمال لفظة "أربابًا" لعامَّة صور العبادة وأظهرها، قولًا وفعلًا، ولم يكن منها في علم عديّ رضي الله عنه عبادتهم بطاعتهم فيما لا يُطاع في مثله إلا الله تعالى؛ في التحليل والتحريم والتشريع، فقال:(إنهم لم يكونوا يعبدونهم) أي: العبادة المعهودة عنده رضي الله عنه، والتي منها الركوع والسجود والصيام، ونحو ذلك.
فجاء البيان النبوي الكريم ليبين معنىً جليلًا من معاني العبودية، وهو إفراد الله تعالى بالطاعة المطلقة في الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فمن أطاع غير الله تعالى في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، فقد عبده من دون الله، وهذا المعنى كثير الورود في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي} [يس 60 - 61]، وقول إبراهيم عليه السلام لأبيه {يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم 44]، وقوله تعالى {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام 121]
(1)
، فَسَمَّى طاعة الشياطين وأوليائهم عبادة لهم، كما سَمَّى الذين يُطاعون في معاصي الله (شركاء)، فقال تعالى {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام 137].
(2)
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيّنًا فيه معنى الآية هو الموافق لحقيقة حال أهل الكتاب، كما أنه المعنى الشائع في القرآن، ونظائر هذه الآية في كتاب الله ما كانت لتخفى على من قرأها وعرفها، لكن عَديًّا رضي الله عنه إنما سمع هذه الآية في أوّل لقائِه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليُسلِم، فكانت من أوّل ما طرق سمعه من كلام الله عز وجل، فلم يتفطّن لذلك المعنى القرآني الشائع فيه، وإنما فهمَ ما عهدَ من معنى اتخاذ الأرباب، واستلزامه صُوَرًا من العبادة معيَّنةً ما كان اليهود والنصارى يصرفونها لأحبارهم ورهبانهم.
وهو أيضًا ما دَلَّ عله السياق قبله وبعده، ففي الآية قبل ذلك قوله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة 29]، فممّا وُصِف به الذين أُوتوا الكتاب في هذه الآية، عدم تحريمهم لِما حَرَّم الله ورسوله، فأحَلُّوا الحرام وحَرَّموا الحلال، وهو ما ذُكِرَ بعد ذلك في هذه الآية:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة 31]، ثُمَّ في الآية بعدها قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ
(1)
قال الشنقيطي (ت: 1393) عند هذه الآية: (وهذا الشرك في قوله {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} هو الشرك الأكبر المُخرج عن مِلَّةِ الإسلام بإجماع المسلمين). العذب النمير 5/ 2268.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 7/ 67، والعذب النمير 1/ 318.
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة 34]، ومن أوضح سبلهم في أكل أموال الناس بالباطل تحليل ما حَرَّمَ الله، وتحريم ما أحل الله، تبعًا لأهوائهم، وإرضاءً لأتباعهم، قال الآلوسي (ت: 1270): (وقيل اتخاذهم أربابا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب عز وجل وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وقال الشنقيطي
(2)
(ت: 1393): (وهذا التفسير النبوي المقتضي: أن كُلَّ من يتبع مُشَرِّعًا فيما أحلَّ وحرَّم، مُخالفًا لتشريع الله، أنّه عابد له، مُتَّخِذه رَبًّا، مُشركٌ به، كافرٌ بالله = هو تفسير صحيح لاشك في صحته، والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تُحصيها في المصحف الكريم)
(3)
.
وهو ما ذَهَب إليه جمهور المفسرين كمقاتل
(4)
(ت: 150)، والفرَّاء
(5)
(ت: 207)، وابن جرير (ت: 310)، والسمرقندي
(6)
(ت: 375)، والثعلبي
(1)
روح المعاني 10/ 84.
(2)
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، أصولي لغوي مفسر، صَنَّفَ: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، توفي سنة (1393). ينظر: الأعلام 6/ 45، وأضواء البيان 10/ 267.
(3)
العذب النمير 5/ 2266، وينظر: تفسير السمعاني 2/ 303.
(4)
مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي مولاهم، أبو الحسن البلخي، المفسر المقرئ، اشتهر علمه بالتفسير، وعن الشافعي:(الناس عيال في التفسير على مقاتل)، صَنَّفَ: التفسير الكبير، ونوادر التفسير، والوجوه والنظائر، توفي سنة (150). ينظر: السير 7/ 201، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 520).
(5)
يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي مولاهم الكوفي، أبو زكريا الفراء، من أئمة نحاة الكوفة، والمُقَدّم فيهم، قال ابن تيمية:(والفراء في الكوفيين، مثل سيبويه في البصريين) مجموع الفتاوى 15/ 258. له كتاب: معاني القرآن، وغيره، توفي سنة (207). ينظر: معجم الأدباء 6/ 2812، وبغية الوعاة 2/ 333.
(6)
نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الليث السمرقندي، إمام الهدى، من كبار أئمة الحنفية، فقيه مفسر، صَنَّفَ تفسيره المسمى: بحر العلوم، توفي سنة (375). ينظر: السير 16/ 322، والجواهر المضيئة 3/ 544.
(ت: 427)، وابن عطية (ت: 546)، والماوردي
(1)
(ت: 450)، والواحدي (ت: 468)، والسمعاني (ت: 489)، والبغوي (ت: 516)، والزمخشري (ت: 538)، وابن الجوزي (ت: 597)، والرازي (ت: 606) ونسبه للأكثرين من المفسرين
(2)
، وغيرهم
(3)
.
ومن مسائلِ هذا الاستدراك
أنه حيثما صَحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَصٌّ في التفسير استقام به السياق؛ لأنه حَقٌ واجِبُ القبول، ومن الممتَنِع عقلًا وشرعًا أن يقع بينهما تعارضٌ أو تخالُف، وحيثُما تُوُهِّم ذلك وجب الرجوع بالنظر على ما يُظَنُّ سياقًا صحيحًا، ليوافق الوحي الصريح.
* * *
[6]{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون 60].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون 60] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ فقال: (لا، ولكن من يصوم ويصلي ويتصدق وهو وَجِل). وفي لفظ: (ويخاف ألاّ يقبل منه)
(4)
.
(1)
علي بن محمد بن حبيب الماوردي، أبو الحسن البصري الشافعي، فقيه مفسر أديب، صَنَّفَ: النكت والعيون، في التفسير، وأدب الدنيا والدين، توفي سنة (450). ينظر: السير 18/ 64، وطبقات الشافعية الكبرى 5/ 267.
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 44، ومعاني القرآن، للفراء 1/ 433، وجامع البيان 10/ 147، وبحر العلوم 2/ 45، والكشف والبيان 5/ 34، والمحرر الوجيز 3/ 25، والنكت والعيون 2/ 354، والوسيط 2/ 490، وتفسير السمعاني 2/ 303، ومعالم التنْزيل 4/ 39، والكشاف 2/ 256، وزاد المسير (ص: 578)، والتفسير الكبير 16/ 30.
(3)
قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد (ص: 144): (وهكذا قال جميع المفسرين).
(4)
أخرجه ابن راهويه في المسند 3/ 941 (1643)، وأحمد في المسند 6/ 159، 205 (25302، 25746)، والترمذي في الجامع 5/ 327 (3175)، وابن ماجة في السنن 2/ 1404 (4198)، والقاضي إسحاق البستي في تفسيره 1/ 399 (492 - 493)، (وقد حُقِّقَ في رسالتين مستقلتين للدكتوراه، الأولى بتحقيق: عوض بن محمد العمري، واعتبرتُها المجلد الأول منه، والثانية بتحقيق: عثمان معلم شيخ علي، واعتبرتُها المجلد الثاني)، وابن جرير في تفسيره 18/ 44 (19343)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 5/ 2433، والحاكم في المستدرك 2/ 427 (3486)، والثعلبي في تفسيره 7/ 50، والبيهقي في الشعب 1/ 477 (762)، والسمعاني في تفسيره 3/ 480، والبغوي في تفسيره 5/ 421، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ 3/ 187 لإسحاق، وابن أبي شيبة. وزاد السيوطي في الدر 6/ 98 عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي الدنيا في «نعت الخائفين» . من طريق مالك بن مِغوَل، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره 18/ 44 (19342)، والطبراني في الأوسط 4/ 198 (3965). من طريق الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن عائشة.
وهو حديث صحيح، وصححه الحاكم، وله شواهد عند ابن جرير في تفسيره 18/ 45 (19344)، وأبي يعلى في المسند 8/ 315 (4917)، والواحدي في الوسيط 3/ 293.
*
تحليل الاستدراك:
كانت عائشة رضي الله عنها تقرأ هذا الحرف
(1)
: {يُؤْتُونَ مَا آتَوا} [المؤمنون 60] قَصْرًا، وتقول: (كذلك نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، وقرأ الجمهور {يُؤْتُونَ مَا آتَوا} [المؤمنون 60] بالمَدِّ
(3)
. فقراءة عائشة رضي الله عنها من الإتيان والمجيء، وقراءة الجمهور من الإيتاء والإعطاء، وحيث إن معرفة قراءة المفسر لازمة لمعرفة تفسيره؛ - لتوقي نسبة الاختلاف إلى المفسرين
(1)
يُستعمل الحرف لغة ويراد به الكلمة التامَّة، كما هو هنا. ينظر: الانتصار للقرآن 1/ 346. والحرفُ عند العرب: الكلمةُ عند النُحاة، نحو: الاسم، والفعل، وحروف المعاني، واسم حروف الهجاء. ومن ثَمَّ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المُراد في الحديث: (ألفٌ حرف، ولامٌ حرف .. ): اسم الحرف، لا الحرف الهجائي، فيكون المعنى:(الم) ثلاثة أحرف، و (ذلك) حرف، و (الكتاب) حرف، وهكذا. ينظر: جامع البيان 1/ 39، ومجموع الفتاوى 12/ 103، 448.
(2)
تفسير ابن وهب 3/ 47، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 238، ومسند أحمد 6/ 95، 144 (24685، 25158)، والتاريخ الكبير 3/ 362، وجامع البيان 18/ 44، وقراءات النبي صلى الله عليه وسلم، للدوري (ص: 130)، والمحتسب 2/ 138.
(3)
ينظر: جامع البيان 18/ 44، والكشف والبيان 7/ 50.
في الموضع الواحد، في حين أن كُلًا منهما فَسَّرَ قراءةً غيرَ الأُخرى
(1)
- فإن المعنى على قراءة عائشة رضي الله عنها: يعملون ما عَملوا، وعلى قراءة الجمهور: يُعطُون ما أَعطوا.
(2)
وأجابت عائشة رضي الله عنها عن القراءة الأُخرى بقولها: (كانوا أعلم بالله من أن توجل قلوبهم)
(3)
أي: بسبب الطاعة؛ فإنها مبعث الطمأنينة، والمؤمن لا يَوجَل بطاعته لِرَبه، وإنما يَطمَئِنُّ بها، وبما يَخلُفُه منها، قال الفراء (ت: 207): (تعني به الزكاة، تقول: كانوا أتقى لله من أن يُؤتوا زكاتهم وقلوبُهُم وَجِلة)
(4)
. وجواب عائشة رضي الله عنها هنا يُبقِي نوعًا واحدًا من نَوْعَي العمل المُحتَمَلين في قراءتها، وهو العمل الفاسد؛ الذي مَثَّلتْ له في حديث الاستدراك: بالسرقة والزنا وشرب الخمر، ومُعتَمَدُها في ذلك امتناع أن تكون الطاعة من المؤمن سببًا لِوَجَل قلبه، وعدم طمأنينته، وإنما الأَولى بذلك أهل المعصية والفجور، في اضطراب قلوبِهم، وخوفهم سوءَ عاقبتهم.
ويجيء البيان النبوي الكريم لِهذه الآية مُبَيّنًا أن المُراد هنا: من يَعمَل العَمَل الصالح- ومنه الصدقة والزكاة- وهو يخاف ألاَّ يُقبَلَ منه. وبهذا المعنى يتّسق ظاهر الآية، وسياق الكلام، قال ابن العربي (ت: 543): (ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضي أنه يُؤتِي الطاعة؛ لأنه وَصَفَهم بالخشية لربهم، والإيمان بآياته، وتنْزيهه عن الشرك، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائِه لهم، فلا جَرَمَ من كان بهذه الصفة يُسارع في الخيرات، وأمّا من كان على العصيان متماديًا، في الخِلاف مُستَمِّرًا، فكيف يُوصَف بأنَّه يُسارع في الخيرات، أو بالخشية لِرَبه، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه!)
(5)
.
(1)
ينظر في التنبيه على ذلك: الإتقان 2/ 365، والدر المنثور 7/ 475، 8/ 463.
(2)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 469، والمحتسب 2/ 138.
(3)
معاني القرآن، للفراء 2/ 238.
(4)
معاني القرآن 2/ 238.
(5)
أحكام القرآن 3/ 244.
ولزيادة إيضاح السياق يُضاف أن الله تعالى قال قبل ذكر صفات المؤمنين {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون 54 - 55]، ثم قال بعد ذِكر صفات أهل الإيمان {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 61]، فبعد أن نَفى المسارعة في الخيرات للكافرين، أثبتها للمؤمنين الطائعين، وكذلك قوله تعالى بعد ذلك {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [المؤمنون 62]، وكثيرًا ما يُذكَرُ نَفيُ التكليف بما فوق الوُسعِ بعد الحديث عن فعل الطاعات.
(1)
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من معنى الآية قبل البيان النبوي صحيح في نفسه، ولكن لا يُساعد عليه هنا تَمامُ الآية وسياقُها، فإن في تمام الآية بيانُ سببِ وجلِ قلوبِ المُؤمنين، وهو {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون 60]، فَلَمَّا علموا أنهم إلى ربهم راجعون للمُجازاة والمُساءَلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال؛ خافوا ألاّ يكونوا أَتَوا بالعمل على وجهه المأمور
(2)
، وسبق ذكر سياق الآية ودلالته على المعنى النبوي.
وحيث جاء بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبِهِ البيان، قال ابن عطية (ت: 546) بعد ذكره للحديث الوارد في تفسير هذه الآية: (ولا نَظَرَ مع الحديث)
(3)
، وإليه ذهب كثير من المفسرين، كابن عباس رضي الله عنه، والقُرظي
(4)
(ت: 108)، والحسن
(5)
(ت: 110)، وقتادة
(1)
كما في سورة البقرة (233)، وسورة النساء (84)، وغيرها.
(2)
ينظر: بحر العلوم 2/ 416، والتفسير الكبير 23/ 94، ومجموع الفتاوى 7/ 496.
(3)
المحرر الوجيز 4/ 148، وهذا من كمال علمه رحمه الله؛ فإنه ذكر قبل ذلك قولًا بأن المُراد جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها، وقال:(وهذا أمدح)، ثم ذكر حديث عائشة وقال:(ولا نَظَرَ مع الحديث).
(4)
محمد بن كعب بن سليم بن عمرو القُرَظي، أبو حمزة المدني، تابعي ثقة من أئمة التفسير، توفي سنة (108) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 217، والبداية والنهاية 9/ 216.
(5)
الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، مولى زيد بن ثابت، من أئمة التابعين وعلمائهم، عَلَمٌ في التفسير، وصنَّفَ فيه، توفي سنة (110). ينظر: طبقات ابن سعد 7/ 79، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 106).
(ت: 117)، ومقاتل (ت: 150)، ويحيى بن سَلاَّم
(1)
(ت: 200)، وابن العربي (ت: 543)، وابن عطية (ت: 546)، والسمعاني (ت: 489) وقال: (وهذا هو القول المعروف في الآية)
(2)
، والبغوي (ت: 516)، وابن الجوزي (ت: 597)، والقرطبي (ت: 671).
(3)
* * *
[7]{وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم 71].
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أخبرتني أمُّ مُبَشِّر
(4)
أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: (لا يدخل النار- إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحدٌ من الذين بايعوا تحتها) قالت: بلى يا رسول الله
(5)
. فانتهرها، فقالت حفصة: ألم يقل الله {وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم 71]؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقد قال {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم 72])
(6)
.
(1)
يحيى بن سَلاَّم بن أبي ثعلبة التيمي مولاهم، البصري الإفريقي، مفسر لغوي حافظ، له تفسير للقرآن، وكتاب التصاريف، توفي سنة (200). ينظر: لسان الميزان 6/ 259، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 548).
(2)
تفسيره 3/ 480، وتتكرر عبارته هذه في عامَّة ترجيحاته في التفسير.
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 399، وتفسير ابن وهب 1/ 134، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 406، وتفسير عبد الرزاق 2/ 418، وجامع البيان 18/ 43، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 244، والمحرر الوجيز 4/ 148، وتفسير السمعاني 3/ 480، ومعالم التنْزيل 5/ 421، وزاد المسير (ص: 977)، والجامع لأحكام القرآن 12/ 88، وتفسير ابن كثير 5/ 2433.
(4)
بنت البراء بن معرور الأنصارية، امرأة زيد بن حارثة رضي الله عنه. ينظر: الإصابة 8/ 470، وجامع البيان 16/ 141.
(5)
لم تُرِد حفصة رضي الله عنها رَدَّ مقالةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رَدَّ مُكذِّب؛ وإنما هي شهامة نفسية، وقوّة عُمَريّة؛ فإنها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين:(أتُصَلّي عليهم؟!). ينظر: شرح مسلم، للنووي 6/ 47، والمُفهِم 6/ 444.
(6)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 47 (كتاب 44 - فضائل الصحابة، باب 37 - من فضائل أصحاب الشجرة رضي الله عنهم، برقم: 2496).
*
تحليل الاستدراك:
تعارض عند حفصة رضي الله عنها استثناءُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ بايع تحت الشجرة من دخول النار، وما استقر عندها من لزوم ورود جهنمَ لجميع الناس، تَمَسُّكًا منها بعموم الآية، وحيث إن الورود عندها بمعنى الدخول؛ استشكلت استثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الشجرةِ من ذلك، مع أن عموم الآية لا استثناء فيه. فقابلت الحديث:(لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، بعموم الآية {وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم 71]، قال أبو العباس القرطبي (ت: 656): (وكأنها رجَّحَت عموم القرآن؛ فتمسكت به، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم، بأنَّ آخر الآية يبين المقصود، فقرأ قوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم 72]، وحاصل الجواب: تسليم أن الورودَ دخولٌ، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويُترَك فيها من ظلم)
(1)
.
فكان بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمدًا على السياق، في مقابل أخذ حفصة رضي الله عنها بالعموم، قال ابن القيم (ت: 751): (فأشكل عليها- أي حفصة- الجمع بين النصين، وظَنَّت الورود دخولها، كما يُقال: وَرَدَ المدينة. إذا دخلها، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا فيها به، فليس الورود كالورود)
(2)
، فصار المعنى: إن المتقين يدخلونها دُخول ناجٍ من عذابها، لا دخول جاثٍ فيها، كما هو حال الظالمين. ويشير لهذا المعنى التعبير بقوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّي} [مريم 72]؛ والنجاة لا تكون إلا لِمَنْ تعرض لِهَلاك، وذلك يكون حين المرور على الصراط كما بيَّنَته الأحاديث على ما يأتي.
(1)
المُفهِم 6/ 444.
(2)
الصواعق المرسلة 3/ 1054.
*
الحكم على الاستدراك:
فهمَت حفصة رضي الله عنها من هذه الآية أن: المُراد بالورود الدخول في النار مع التعذيب فيها
(1)
، ومَنشأُ هذا الغلط ذهابها إلى أن الورود دخول، ودخول النار يستلزم حصول العذاب، في حين أن من الورود دخول عبور لا يلزم منه حصول العذاب، وهو ما صَحَّ بيانه من النبي صلى الله عليه وسلم، فوجب اتباعه والأخذ به، قال ابن تيمية (ت: 728): (وأمَّا الورود المذكور في قوله تعالى {وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم 71]، فقد فسَّرَه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؛ أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر
(2)
، بأنه: المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلابد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة)
(3)
، وقال النووي (ت: 676): (والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جِسرٌ منصوبٌ على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون)
(4)
، وقال أبو العباس القرطبي (ت: 656) عن ذلك: (وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة، والنظر المستقيم)
(5)
.
واختاره ابن جرير (ت: 310) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يَرِدُها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم)
(6)
، وذَكَرَ الأدلة على ذلك، ومنها حديث الاستدراك،
(1)
تلخيص كتاب الاستغاثة 2/ 617.
(2)
/ 415 (191)، وفيه أنه سُئِلَ عن الورود فوصف جسرَ جهنَّم ومرور الناس عليه.
(3)
مجموع الفتاوى 4/ 279.
(4)
شرح النووي على مسلم 6/ 47.
(5)
المُفهِم 6/ 444.
(6)
جامع البيان 16/ 141.
وحديث جابر الذي أشار إليه ابن تيمية، ثم أسند (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من مات له ثلاثة لم تمسّه النار إلا تَحِلَّة القسم)
(1)
يعني: الورود).
(2)
وبالمرور على الصراط فَسَّرَها ابن مسعود، وجابر رضي الله عنهم، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: 182)، والكلبي
(3)
(ت: 146)، واختاره القاضي عياض (ت: 544)، وابن كثير (ت: 774)، والشوكاني (ت: 1250)
(4)
.
ولا يتعارض هذا مع من فسَّرَ الورود بالدخول، كابنِ عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، ومجاهد (ت: 104)، ومقاتل (ت: 150)، والزهري (ت: 124)، ومالك (ت: 179)، والبخاري (ت: 256)، والسمرقندي (ت: 375)، والسمعاني (ت: 489) وقال عنه: (أولى الأقاويل)
(5)
، قال ابن حجر (ت: 852): (وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّرَ بالدخول تَجَوَّزَ به عن المرور، ووجهه أن المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 142 (1251)، ومسلم في صحيحه 6/ 138 (2632).
(2)
جامع البيان 16/ 143، وينظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 363، وقوله في آخر الحديث:(يعني: الورود)، جعله ابن رجب من كلام عبد الرزاق. ينظر: تفسير ابن رجب الحنبلي 1/ 674.
(3)
محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبي، أبو النضر الكوفي، رأسٌ في الأنساب والتفسير، متروك الحديث، قال ابن عدي:(وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد أطول من تفسيره، وحدث عنه ثقات من الناس، ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس)، توفي سنة (146). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 533، وتهذيب التهذيب 3/ 569.
(4)
ينظر: تفسير ابن سَلاَّم 1/ 237، وتفسير عبد الرزاق 2/ 362، وصحيح مسلم 1/ 415 (191)، وجامع البيان 16/ 138، وتفسير ابن رجب 1/ 668، ومشارق الأنوار 2/ 483، وتفسير ابن كثير 5/ 2244، وفتح القدير 3/ 474.
(5)
ينظر: تفسير مجاهد 1/ 389، وتفسير مقاتل 2/ 319، وتفسير عبد الرزاق 2/ 363، وجامع البيان 16/ 136، وبحر العلوم 2/ 330، وتفسير السمعاني 3/ 307، وتفسير ابن كثير 5/ 2243، وفتح الباري 3/ 148.
أعمالهم .. ، ويُؤيد صحة هذا التأويل، ما أخرجه مسلم من حديث أم مُبَشّر .. ) ثُمَّ ذكره
(1)
. ومما يدل أيضًا على أنه لا تعارض بينهما، أن ابن مسعود رضي الله عنه فسَّرَ الورود مَرَّةً بالدخول، ومَرَّةً بالمرور على الصراط
(2)
، وممَّن جعلهما قولًا واحدًا: أبو جعفر النحاس (ت: 338)، والسمرقندي (ت: 375)، والسمعاني (ت: 489)، والسيوطي (ت: 911)
(3)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: اعتمد بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية على السياق، في مقابل أخذِ حفصة رضي الله عنها بالعموم، ودلالة السياق من أقوى الدلالات في تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، ومن ذلك تخصيص العام، كما هو هاهنا، قال ابن دقيقِ العيد
(4)
(ت: 702): (يجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام)
(5)
، وقال ابن القيم (ت: 751)، والزركشي (ت: 794) عن السياق: (وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته)
(6)
،
(1)
فتح الباري 3/ 149.
(2)
جامع البيان 16/ 138، وينظر: تفسير ابن وهب 1/ 139، ومرويات الإمام أحمد في التفسير 3/ 155.
(3)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 347، وبحر العلوم 2/ 330، وتفسير السمعاني 3/ 307، حيث استدل على أن المراد الدخول بحديث ابن مسعود في المرور على الصراط، ثم جعل المرور على الصراط بعد ذلك قولًا مستقِّلًا. وينظر: الإكليل في استنباط التنْزيل 3/ 944.
(4)
محمد بن علي بن وهب القشيري المصري، أبو الفتح تقي الدين ابن دقيقِ العيد، الشافعي المالكي، الإمام شيخ الإسلام، صنف الإمام، وشَرَحَه، والاقتراح، وغيرها، مات سنة (702). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى 9/ 207، وشذرات الذهب 8/ 11.
(5)
البحر المحيط في الأصول 2/ 367، وينظر: سلاسل الذهب (ص: 271).
(6)
بدائع الفوائد 4/ 9، والبرهان في علوم القرآن 2/ 218، 3/ 304،، وكلاهما ناقلٌ عن: الإمام في بيان أدلة الأحكام، للعز بن عبد السلام (ص: 159)، كما في البحر المحيط للزركشي 2/ 367، ودلالة السياق (ص: 140). وينظر في أهمية معرفة السياق والترجيح به: الموافقات 4/ 266، والبحر المحيط في الأصول 2/ 511، وأجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: 46، 49)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر في المسجد الحرام، رسالة رقم (65)، والأدلة الاستئناسية عند الأصوليين (ص: 215).
وقد عَدَّه ابنُ جُزَيّ (ت: 741) من وجوه الترجيح في التفسير
(1)
، واقتطاع الكلام من سياقه من أبرز سمات المبتدعة في الاستدلال والمناظرة.
(2)
ثانيًا: كما اعتمد ابنُ عباس رضي الله عنه في تفسيره الورود بالدخول على مجيء هذه اللفظة بهذا المعنى في غيرما موضع في كتاب الله، ففي مخاصمة نافع بن الأزرق
(3)
(ت: 65) لا بن عباس رضي الله عنه، قال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقال ابن عباس:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء 98]، أورود هو أم لا؟ وقال:{يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود 98]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك)
(4)
.
وخير ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآن
(5)
، قال مسلم بن يسار
(6)
(ت: 100): (إذا حَدَّثت عن الله حديثًا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده)
(7)
، وقال عكرمة (ت: 105): (إذا
(1)
التسهيل 1/ 20.
(2)
ينظر: نقض الدارمي على المريسي 1/ 289، 344، والشريعة 1/ 429، 438.
(3)
الحنفي الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وله مسائل في القرآن مع ابن عباس رضي الله عنه، قُتِلَ سنة (65). ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: 86)، ولسان الميزان 6/ 144.
(4)
تفسير ابن سلاَّم 1/ 237، وتفسير عبد الرزاق 2/ 363، وتفسير البستي (1/ 205)، وجامع البيان 16/ 136.
(5)
أضواء البيان 4/ 266.
(6)
مسلم بن يسار البصري الأموي المكي، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، تابعي عابدٌ ثقة، كان مفتي أهل البصرة قبل الحسن، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: السير 4/ 510، وتهذيب التهذيب 4/ 73.
(7)
فضائل القرآن، لأبي عبيد القاسم بن سلاّم (ص: 229).
اختلف الناس في حرف فانظر نَظْرَةً في القرآن فَقِسْ عليه، ولا تَقِسْ القرآن على الشعر ولا غيره، مثل قوله جل وعلا {إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا}
(1)
[البقرة 259]، {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ} [عبس 22]، {يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور 45]، تصديق {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الزمر 68]، ومثل {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة 2]، {الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون 116]، {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر 22]، {مَلِكِ النَّاسِ} [الناس 2]، وما أشبهه)
(2)
.
* * *
[8]{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة 60].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين بالذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف- وفي لفظ: ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا-، اقرءوا إن شئتم {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة 273])
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمَ المسكين عن الطَّوَّاف الذي يباشر سُؤال الناس، وأثْبَتَه للمُتَعفِّف الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه. والنفي هنا ليس لأصل المسكنة وإنما لكمالها
(4)
، فالأحق باسم المسكين: من لا يجد غِنىً، ويتعفَّف عن
(1)
لعلها عند عكرمة: بالراء المهملة، بدلالة شاهده عليها، وهي قراءة سبعية مشهورة، والتصحيف فيها محتمل. ينظر: جامع البيان 3/ 62، والإقناع في القراءات السبع 2/ 611.
(2)
جزءٌ فيه تفسير يحيى بن يمان وغيره، برواية أبي جعفر الرملي (ص: 122).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 398 (كتاب 65 - التفسير، باب 48 - {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة 273]، برقم: 4539)، ومسلم في صحيحه 3/ 106 (كتاب 12 - الزكاة، باب 33 - النهي عن المسألة، برقم: 1039).
(4)
ذكره ابن بطَّال (ت: 449)، والقرطبي (ت: 656)، وغيرهما. ينظر: فتح الباري 3/ 402، والمُفهِم 3/ 84، 7/ 132، ومجموع الفتاوى 25/ 156.
المسألة، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.
قال النووي (ت: 676): (المسكين الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطَّوَّاف، بل الذي لا يجد غِنىً يُغنيه، ولا يُفطَنُ له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى {لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة 177])
(1)
، وقال القرطبي (ت: 656): (وهذا كقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
(2)
، و مثل هذا كثير)
(3)
. فَلَمَّا كان المسكين في الظاهر عند الصحابة، والمُتعارف عندهم هو: السائل الطَّوَّاف
(4)
، بَيَّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم معنىً أولى من هذا المعنى المتعارف عليه عندهم، وهو: المتعَفِّف، الذي جمع عِفَّةً وحاجة، ومن كانت هذه حاله فهو أولى باسم المسكين وسهمه من غيره، فإنَّ الأوّلَ يأخذ حاجته بسؤاله، وربما كان فيها كفايته، بخلاف الآخر فإن حاجته دائمة؛ إذ لا يسأل، ولا يُفطَنُ له فيُعطى.
*
الحكم على الاستدراك:
في هذا الحديث استدراك نبويٌ على قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، نَبَّه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته إلى معنىً أولى من المعنى المُتَبادر المعروف عندهم، فلَم يَنفِ المعنى الأوَّل، إذ هو صحيح في أصله، وإنما ذكر معنىً آخر أولى وأكمل منه، وأحرى
(1)
شرح صحيح مسلم 3/ 106.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 10/ 535 (6114)، ومسلم في صحيحه 6/ 125 (2609).
(3)
المُفهِم 3/ 84.
(4)
نقله الطِّيبِي (ت: 743) في شرح المشكاة 5/ 1505 عن الخطابي (ت: 388)، ونَصَّ عليه ابن عطيَّة (ت: 546) بقوله: (فدَلَّ هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطَّوَّاف). المحرر الوجيز 3/ 49.
بالاهتمام
(1)
. واستشهد النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي ذكره بآية قرآنية فَسَّرَ بها لفظة: التعفُّف، فقال:(اقرءوا إن شئتم {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة 273])، وتمام الآية {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة 273]، فالحديث جَمَع بين التعفُّف وعدم السؤال، والآية جَمَعت بين التعفُّف وعدم السؤال إلحافًا، فصار المُراد بالإلحاف: عدم السؤال، لا عدم الإلحاح فيه؛ للاستشهاد النبوي به على ذلك؛ ولاقترانه في الآية بصفة التَّعَفُّف المتضمنة عدم السؤال، ولقوله {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة 273]، ولو كانت المسألة من شأنهم لَمَا كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فيصير المعنى: ليس لهم سُؤال فيقع فيه إلْحَاف
(2)
، قال ابن عطية (ت: 546): (وهو الذي عليه جمهور المفسرين)
(3)
.
وفيه من المسائل أنه لا يلزم من الاستدراك على قولٍ تخطئته وإبطاله، وإنما قد يكون أخَفَّ من ذلك؛ بذكر معنىً أَوْلى من المعنى المذكور؛ لوجه من وجوه التقديم، كما هو في هذا الحديث.
* * *
(1)
المُحرر الوجيز 3/ 49.
(2)
ينظر: جامع البيان 3/ 136، تفسير السمعاني 1/ 278، ومعالم التنْزيل 1/ 338، والمحرر الوجيز 1/ 369.
(3)
المحرر الوجيز 1/ 369.
[9]{يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم 28].
عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران
(1)
فقالوا: أرأيت ما تقرؤون {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم 28] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
كان اليهود والنصارى يعارضون الإسلام بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم
(3)
، و منه هذه الشبهة التي ألقوها على المغيرة رضي الله عنه، حيث زعموا فيها مُعارضة القرآن للواقع؛ إذ نسبَ مريم بنت عمران أمَّ عيسى عليهما السلام أُختًا لهارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام، وهذا منهم جهلٌ مُفرط، حَمَلَهُم عليه إرادة القدح في القرآن، وإثارة المُتشابه للصَّدِّ عن سبيل الله، قال ابن القيم (ت: 751): (وأَوْرَدَ أهل الكتاب على قوله {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم 28]، إن بين هارون وعيسى ما بينهما، وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه؛ وكانوا يتفنَّنُون فيما يُوردونه على القرآن)
(4)
. وأمَّا المغيرة رضي الله عنه فإنه (لمَاَّ اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك،
(1)
نَجْران بالفتح ثم السكون، وادٍ في جنوب جزيرة العرب، من مخاليف اليمن من ناحية مكة، سكنه بنو الحارث بن كعب، وأسلموا وقدم وفدهم سنة عشر من الهجرة، وكان غيرهم من أهل نجران على النصرانية، وفيهم كانت المباهلة، ومفتتح آل عمران إلى ثمانين آية منها. ينظر: الكامل في التاريخ 2/ 162، ومعجم البلدان 5/ 266.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 5/ 297 (كتاب 38 - الأدب، باب 2 - الأسماء المكروهة، برقم: 2135).
(3)
ينظر: درء تعارض العقل والنقل 7/ 68، والجواب الصحيح 1/ 229.
(4)
الصواعق المرسلة 1/ 242.
والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة)
(1)
، فقال:(فلم أدرِ ما أُجيبهم به)
(2)
. فلَمَّا ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كشف له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما التبس عليه، وأبان عن معنى الآية خير بيان، فذكر أنَّ من نُسِبَت إليه مريم عليها السلام ليس بهارون النبي أخي موسى عليهما السلام، وإنما هي عادتهم في التسمية بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم. قال ابن تيمية (ت: 728): (وهذا من فرط جهلهم، فإنَّ عاقلًا- منهم- لا يخفى عليه أنَّ موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأنَّ مريم أمَّ عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابنُ أخت موسى، وليس في من له تمييز- وإن كان من أكذب الناس- من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يَُضحك عليه به كلَُ من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلًا وعلمًا ومعرفةً غلبت عقول بني آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كلُّ ذي عقلٍ مصدقًا لخبره، مطيعًا لأمره، وذلَّ له، أو خاف منه كلُّ من لم يستجب له، وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق، فكان النصارى الذين سمعوا هذا، لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن، لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ليس فيما ذهب إليه نصارى نجران في هذه الشبهة وجهٌ صحيح، لا من سياق النصِّ، ولا من سياق الواقع، فليس في النص ما يشير إلى أن هارون الذي نُسِبَت إليه مريم هو هارون بن عمران، أخو موسى عليهما السلام، وكُلُّ من له أدنى معرِفةٍ بالتاريخ يُدرِكُ ما بينهما من سنين متفاوتةٍ، وأجيالٍ مُتتابعة، ومِمَّا يَدُلُّ على جهلهم وخطئِهم، ما
(1)
درء تعارض العقل والنقل 7/ 69.
(2)
كما في رواية الترمذي في الجامع 5/ 315 (3155)، والنسائي في الكبرى 6/ 393 (11315).
(3)
درء تعارض العقل والنقل 7/ 68.
روى ابن سيرين (ت: 110) قال: (نُبِّئتُ أن كعبًا
(1)
قال: إن قوله تعالى {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم 28] ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبتَ
(2)
. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجِدُ بينهما ستّ مئةِ سنة
(3)
، قال: فسكتَت)
(4)
.
وفي بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفاية والهداية، وبه يجتمع سياق النصِّ، وسياق الواقع، وقد انحصرَ به المعنى في أحد وجهين:
الأوّل: أن لِمَريم عليها السلام أخًا اسمُهُ هارون، على اسم نبي الله هارون بن عمران عليه السلام، جريًا على عادتهم في التسَمِّي بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، وهو قول الضحَّاك (ت: 105)، والكلبي (ت: 146)، والفراء (ت: 207)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي (ت: 656)، وأبو حيَّان (ت: 745)
(5)
، وابن كثير (ت: 774) وقال: (وقد ورد الحديث الصحيح الدالُّ على أنه قد كان لها أخٌ اسمه هارون، وليس في ذكر قصَّة ولادتها،
(1)
كعب بن ماتع الحِمْيَري، أبو إسحاق، المعروف بكعب الأحبار، أدرك الجاهلية وكان يهوديًّا فأسلم في أيّام أبي بكر أو في أيام عمر رضي الله عنهم، قال أبو الدرداء رضي الله عنه:(إنَّ عند ابن الحِميَري لَعِلمًا كثيرًا)، سكن حِمصًا، وبها توفي سنة (32). ينظر: السير 3/ 489، وتهذيب التهذيب 3/ 471.
(2)
أي: أخطأت؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النيّة والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمُخطئ لا يعلم، وقد استعملت العرب الكذب في موضع الخطأ، قال الأخطل:
كذبتك عينُك؟ أم رأيت بواسِطٍ غَلَسَ الظلام من الرَّبابِ خيالًا؟
ينظر: النهاية في غريب الحديث 4/ 138، وفتح الباري 8/ 641، والروض الباسم 1/ 166، ولأبي بكر ابن الأنباري رسالة في معاني الكذب، لَخَّصها البغدادي في خزانة الأدب 6/ 194.
(3)
قال ابن كثير (ت: 774) في تفسيره 5/ 2220: (وفي هذا التاريخ نظر).
(4)
جامع البيان 16/ 97 (17849)، والدر 5/ 447. وينظر: الكافي الشافِ 3/ 14.
(5)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 167، والكشف والبيان 6/ 213، والوسيط 3/ 182، وزاد المسير (ص: 884)، والتفسير الكبير 21/ 177، والمُفهِم 5/ 460، والبحر المحيط 6/ 176.
وتحرير أُمِّها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخٌ سواها)
(1)
، ثم ذكر حديث المغيرة السابق، وقال:(والمقصود أنهم قالوا {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم 28]، ودلَّ الحديث على أنها قد كان لها أخٌ نَسَبيّ، اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاح والخير)
(2)
، واختاره السعدي
(3)
(ت: 1376) وقال: (الظاهر أنه أخٌ لها حقيقي، فنسبوها إليه)
(4)
، وابنُ عاشور (ت: 1393) وقال: (وهذا أظهر الوجهين)
(5)
.
الثاني: أنهم نَسَبوا مريمَ عليها السلام إلى رجلٍ صالحٍ في بني إسرائيل اسمُه هارون، على اسم نبي الله هارون عليه السلام؛ لأنها تشبهه في العبادة والتقوى، فهو من باب أُخُوَّة الدين، أو إطلاق اسم الأخ على النظير المُشابه، ومنه قوله تعالى {وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف 48]، وقوله {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء 27]، ومنه في كلام العرب
(6)
:
وكُلُّ أخٍ مُفارقه أخوه
…
لَعَمرُ أبيك إلا الفَرقدانِ
فجعل الفرقدين أخوين، وكثيرًا ما تُطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب.
(7)
وهو قول كعب (ت: 32)، وقتادة (ت: 117)، وابن زيد (ت: 182)، وابن قتيبة
(1)
البداية والنهاية 2/ 53، وينظر: تفسيره 5/ 2219.
(2)
البداية والنهاية 2/ 53.
(3)
عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي، أبو عبد الله الحنبلي، المُفَسِّر الفقيه، صَنَّف تيسير الكريم الرحمن، في التفسير، والقواعد الحسان، توفي سنة (1376). ينظر: الأعلام 3/ 340، والموسوعة الميسرة 2/ 1207.
(4)
تيسير الكريم الرحمن 1/ 1045.
(5)
التحرير والتنوير 16/ 95.
(6)
البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي. ينظر: مجاز القرآن 1/ 131، وجامع البيان 5/ 222.
(7)
ينظر: المسائل والأجوبة (ص: 205)، والكشف والبيان 6/ 213، وأضواء البيان 4/ 207.
(ت: 276)، والنحاس (ت: 338)، واختاره ابن جرير (ت: 310) وقال: (والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه- أي: حديث المغيرة-، وأنها نُسِبَت إلى رجلٍ من قومها)، وابن تيمية (ت: 728).
(1)
والمعنى الأوَّل أرجح؛ فإن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى خلاف الظاهر إلا عند التَّعَذُّر
(2)
، وهو ظاهر الآية والحديث، كما أنه الأوفق للسياق؛ فإنهم قالوا بعد أن نسبوا مريم إلى أخيها هارون {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم 28]، (أي: لستِ من بيتٍ هذا شيمتهم، ولا سجيَّتُهم، لا أخوك، ولا أمّك، ولا أبوك)
(3)
، وقال الرازي (ت: 604) عند ترجيحه لهذا القول: (الثاني: أنها أُضيفت إليه، وَوُصِفَ أبواها بالصلاح، وحينئذٍ يصير التوبيخ أشدّ؛ لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة، يكون صدور الذنب عنه أفحش).
(4)
(1)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 222، وتفسير عبد الرزاق 2/ 358، وتفسير غريب القرآن (ص: 233)، والمسائل والأجوبة (ص: 205)، وجامع البيان 16/ 97، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 327، وإعراب القرآن، له أيضًا 3/ 10، والجُمان في تشبيهات القرآن (ص: 241)، والتفسير الكبير 21/ 177، ودرء تعارض العقل والنقل 7/ 69. وزاد الرازي نسبته للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ولم أجد له في ذلك إلا الرواية.
وهاهنا مسألة تظهر للناظر في كتب التفسير، وهي: نسبة القول لأحد المفسرين هل تعتمد على: نص قوله؟ أو على لازم قوله؟ أو على لازم قوله في آية أُخرى سابقة أو لاحقة؟ أو على اختياره في الوقف في الآية؟ أو على مجرد روايته؟.
وأكثر ما تبرز هذه المسألة عند عزو القول لأحد المفسرين، وقد وقفت في كتب التفسير على أمثلة لكل نوع، وهي مسألة جديرة بالتحرير والتأصيل؛ لتوقي نسبة قولٍ لغير صاحبه، ولاجتناب تكثير الأقوال وتشقيقها بما لا طائل تحته.
(2)
التفسير الكبير 21/ 177.
(3)
البداية والنهاية 2/ 53، ومثله في: معاني القرآن، للفراء 2/ 167.
(4)
التفسير الكبير 21/ 177.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: الإبانة عن غرضٍ من أهم أغراضه في التفسير وهو: ردُّ شُبَه الطاعنين، وتأويلات المُحَرِّفين لكلام ربِّ العالمين، وهذا واضحٌ في كشف شُبهة أهل الكتاب في هذه الآية، وهو كذلك كثير في غيرما رواية عن السلف في تفسير كلام الله، كما سيأتي ذكره إن شاء الله.
ثانيًا: فائدة العلم بأخبار أهل الكتاب في رَدِّ شبهاتهم عن الآيات، فإن المغيرة وعائشة رضي الله عنهم لم يكن عندهما من العلم بكتب وأخبار بني إسرائيل ما يدفع عنهما هذه الشبهة التي مصدرها الاشتراك الغالب على أسماء الأعلام كما مَرَّ، وفي جواب النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة توجيه يستأنس به في ذلك.
* * *
عن يعلى بن أمية
(1)
قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء 101] فقد أمن الناس!. فقال: عجبتُ مِمَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:(صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه)
(2)
.
(1)
يعلى بن أميّة بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي، أبو خلف، حليف قريش، صحابي شهد حنينًا والطائف وتبوك، واستعمله أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهم، توفي بعد وقعة صفين. ينظر: الإصابة 6/ 538، وتهذيب التهذيب 4/ 448.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 318 (كتاب 6 - صلاة المسافرين وقصرها، باب 1 - صلاة المسافرين وقصرها، برقم: 686).
*
تحليل الاستدراك:
استقر عند يعلى وعمر رضي الله عنهما نفيُ الجُناح عن قصر الصلاة في السفر حال الخوف؛ أخذًا بمنطوق
(1)
الآية، وليس هذا محل الإشكال عندهما رضي الله عنهما، وإنما أشكل عليهما مفهوم
(2)
الآية، وهو القصر في السفر حالَ الأمن، وعملُ الناس به مع أنّه لم يُذكر في نصّ الآية، قال ابن تيمية (ت: 728): (فإن المُتَعجِّب- وهما عمر ويعلى- ظَنَّ أنّ القصر مطلقًا مشروط بعدم الأمن، فبينت السنة أن القصر نوعان، كلُّ نوع له شرط)
(3)
. ومُعتَمَدُهُما في هذا الفهم، الأخذ بما نطقت به الآية ودَلَّت عليه، وهو اشتراط الخوف في القصر، ثم أخذُهُما بمفهوم الآية وهو انتفاء القصر حال الأمن، قال الطوفي
(4)
(ت: 716): (ووجهه- أي حجيّة مفهوم الشرط- أن هذا الرجل العربي- يعلى بن أميّة رضي الله عنه فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف انتفاءه عند انتفاء الخوف، وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهم ذلك، فأقرَّهما النبي صلى الله عليه وسلم على فهمهما، ثم بيَّنَ لهما أن انتفاء الجواز عند الانتفاء إنما هو من جهةٍ أُخرى، وهي الصدقة عليهم، والتخفيف عنهم، ولولا أن المفهوم المذكور حجة لما فَهِماه، ولمَا أقرَّهما النبي صلى الله عليه وسلم على فهمهما إيَّاه)
(5)
، كما أن القصر الذي فهماه من
(1)
المنطوق هو: ما دلَّ عليه اللفظُ في محل النطق، فهو المعنى المُستَفاد من اللفظ من حيث النطق به. ينظر: المسودة 2/ 673، والبحر المحيط في الأصول 3/ 88، ومذكرة أصول الفقه (ص: 415).
(2)
المفهوم هو: ما دلَّ عليه اللفظ لا في محلِّ النطق، فهو المعنى المُستَفاد من حيث السكوت الّلازم للَّفظ. ينظر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي 1/ 315، والبحر المحيط في الأصول 3/ 88، ومذكرة أصول الفقه (ص: 415).
(3)
مجموع الفتاوى 22/ 543.
(4)
سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، أبو الربيع نجم الدين الحنبلي، أصولي نحوي مفسر، صنف الإكسير في قواعد التفسير، والإشارات الإلهية، توفي سنة (716). ينظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 302، وبغية الوعاة 1/ 599.
(5)
الإشارات الإلهية 2/ 41.
الآية هو قصر الركعات، قال الشنقيطي (ت: 1393): (فهذا الحديث يدلُّ على أن يعلى بن أميّة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقَرَّ عمر على فهمه لذلك)
(1)
.
فَجاء بيان النبي صلى الله عليه وسلم ليُزيل ما أشكل على عمر رضي الله عنه، فأبان أنَّ الله تعالى أباح القصر في السفر مع الأمن صَدَقةً منه علينا، فوَجَبَ قَبُولها
(2)
. فَصار الشرط في الآية لا مفهوم له
(3)
، قال أبو حيّان (ت: 745): (والحديث الصحيح يدلّ على أن هذا الشرط لا مفهوم له، فلا فرق بين الخوف والأمن، وحديث يعلى في ذلك مشهور صحيح)
(4)
، وقال ابن كثير (ت: 774): (وأمّا قوله {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء 101] فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية؛ فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزوٍ عامٍّ، أو في سريّةٍ خاصة، وسائر الأحياء حربٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثةٍ فلا مفهوم له، كقوله {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور 33] وكقوله {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِّسَائِكُمُ} [النساء 23])
(5)
.
(1)
أضواء البيان 1/ 270، وينظر: جامع البيان 5/ 329، والتفسير الكبير 11/ 15، والجامع لأحكام القرآن 5/ 232.
(2)
مجموع الفتاوى 24/ 106.
(3)
وذهب إليه الجمهور، كما في تحفة الأحوذي 3/ 89، وينظر: التمهيد 11/ 165، وعون المعبود 4/ 47.
(4)
البحر المحيط 3/ 353، وذكر مثله ابن حجر في الفتح 2/ 498 وقال:(فثبت القصر في الأمن ببيان السنة).
(5)
تفسير القرآن العظيم 3/ 1002، ومثله في: شرح الطيبي على المشكاة 4/ 1255، والجامع لأحكام القرآن 5/ 231، وأضواء البيان 1/ 270.
*
الحكم على الاستدراك:
لم يُنكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على عمر رضي الله عنه أخذَه بمنطوق الآية، واعتباره بمفهومها، كما لم يُنكِره عمرُ رضي الله عنه على يعلى بن أُميَّة رضي الله عنه، فهو سبيل صحيح في فهم النصوص وإعمالها. وذهابُهُما إلى أن المُراد بالقصر هنا قصر الركعات صحيح كذلك؛ لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الفهم من عمر رضي الله عنه، ونسبه الرازي (ت: 604) للجمهور
(1)
، واستدلَّ على صِحَّته بأمور، منها:
أولًا: فهم الصحابيّ له.
ثانيًا: أنَّ لفظ القصر كان مخصوصًا في عُرف الصحابة بنقص عدد الركعات؛ ولهذا المعنى لَمَّا صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين قال ذو اليدين: (أقَصُرَت الصلاة؟ أم نسيت؟)
(2)
.
ثالثًا: أنَّ (مِنْ) في قوله {مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء 101] للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، وهو أولى من تفسيره بالإيماء والإشارة.
رابعًا: أنَّ القصر بمعنى: تَغيُّر الصلاة، مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات، لئلاّ يلزم التكرار.
(3)
ولا مانع من حمل الآية على نوعي القصر المُباحة شرعًا: قصر الركعات، وقصر الهيئات، كُلٌّ منهما بشرطه، وفي الحديث توسعةٌ تشمل كِلا المعنيين:(صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه)، قال القرطبي (ت: 656): (وقوله {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء 101] يعني به القصرَ من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله
(1)
التفسير الكبير 11/ 14، وكذا القاسمي في محاسن التأويل 2/ 455.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 240 (714)، ومسلم في صحيحه 2/ 225 (573).
(3)
التفسير الكبير 11/ 15.
صلى الله عليه وسلم: "صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم"، عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية مُتَضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات، ومع الأمن في الركعات، والمُتَصَدَّق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات، وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمعٌ بين الآية والحديث)
(1)
، ويُؤيده كذلك قوله تعالى في الآية بعدها {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء 103]، فإن الطمأنينة تصح في كلا المعنيين السابقين: إمَّا سكون النفس من الخوف، أو الإقامة بعد سفر
(2)
، قال ابن تيمية (ت: 728): (فأمَرَهُم بعد الأمن بإقامة الصلاة، وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر)
(3)
، وبقصر الركعات في الأمن فسرها الثعلبي (ت: 427)، والواحدي (ت: 468)
(4)
.
* * *
[11]{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13].
عن مسروق
(5)
قال: (كنت مُتَّكِئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ من تكَلَّم بواحدة منهُنَّ فقد أعظم على الله الفرية
(6)
. قلت: وما هُنَّ؟ قالت: من زَعَمَ أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية. وكُنتُ مُتَّكِئًا فجلست فقلت: يا أُمَّ
(1)
المُفْهِم 2/ 329 بتصرف يسير.
(2)
المحرر الوجيز 2/ 108.
(3)
مجموع الفتاوى 22/ 542.
(4)
الكشف والبيان 3/ 373، والوسيط 2/ 108.
(5)
مسروق بن الأجدع بن مالك الهَمْداني، أبو عائشة الكوفي، الفقيه المُقرئ المُفَسر، من كبار التابعين ومن أعلم تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه، توفي سنة (63). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 398، وطبقات القراء 1/ 29.
(6)
أي: الافتراء، وهو اختلاق الكذب وما يقبح التحدُّثُ به. المُفهِم 1/ 403.
المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يَقل الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير 23]، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13]؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المَرَّتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عُظْمَ خَلقه ما بين السماء إلى الأرض)، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام 103]؟ أولم تسمع أن الله يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى 51]؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شيئًا من كتاب الله فقد أعظَمَ على الله الفرية، والله يقول {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة 67]، قالت: ومن زعم أنه يُخبِر بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الفرية، والله يقول {قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل 65])
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
قِصَّةُ هذه الرواية: (أن ابن عباس رضي الله عنه وكعب الأحبار اجتمعا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم ونقول: إن محمدًا رأى ربَّه مرتين. قال: فكبَّرَ كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيَتَه وكلامه بين محمد وموسى، فكَلَّمَه موسى، ورآه محمدٌ بقلبه- وعند الترمذي: فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد مرتين-. قال الشعبي: فأتى مسروقُ عائشةَ فقال: يا أُمَّتاه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربَّه؟) الحديث
(2)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 472 (كتاب 65 - التفسير، باب 53 - سورة والنجم، برقم: 4855)، ومسلم في صحيحه 1/ 386 (كتاب 1 - الإيمان، باب 77 - معنى قول الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13]، برقم: 177).
(2)
أخرجه الترمذي في جامعه 5/ 394 (3278)، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 251 (3032)، وابن أبي شيبة في المصنف 6/ 333 (31838)، وابن جرير في تفسيره 27/ 68، والحاكم في المستدرك 2/ 629 (4099).
فهذا سببُ سؤالِ مسروق، وما أجابت به عائشةُ رضي الله عنها
(1)
. وفي جوابها استشكل مسروق نفيها رؤيَةَ محمد صلى الله عليه وسلم رَبَّه، وأورد في ذلك آيتي التكوير والنجم، حيث فهم منهما أن الضمير في قوله تعالى {رَآهُ} في كلا الآيتين عائد على الله تعالى، وهو ما كان مُحتَملًا عند عائشة رضي الله عنها، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأجاب بأن المُراد بهما جبريل عليه السلام. وهو ما اعتمدت عليه عائشة رضي الله عنها في جوابها لمسروق.
فكان مُعتَمَد مسروق فيما ذهب إليه احتمال الضمائر في سياق كِلا الآيتين أن يكون المُراد بها ربَّ العالمين
(2)
، إضافةً إلى ما توافق عليه ابنُ عباسٍ وكعبٌ من إثبات رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه مرَّتين.
واعتمدت عائشة رضي الله عنها في ما ذهبت إليه على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحديده المُراد، ثم استشهدت على صِحَّةِ قولها وإبطال القول الآخر بآياتٍ أُخَر توافق هذا المعنى عندها، وهُما قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام 103]، وقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى 51]
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره مسروق من احتمال كون المرئِيِّ في كلا الآيتين هو الله تعالى، ذَهَبَ إليه بعض العلماء كابن عباس رضي الله عنه، وكعب (ت: 32)، والحسن (ت: 110)، وعكرمة
(1)
ينظر: الفتح 8/ 472.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 13/ 341.
(3)
تحدث العلماء عن بُعدِ ما استدَلَّت به عائشة رضي الله عنها، وخُلاصته: أن الآية الأولى في نفي الإدراك وهو الإحاطة، والثانية في نفي التكليم إلا في ثلاثة صُوَر ذكرتها الآية، وليستا في نفي الرؤية. ينظر: المُفْهِم 1/ 404، والفتح 8/ 473.
(ت: 105)، وأبي صالح
(1)
(ت: 121)، والسُّدِّي (ت: 128) والربيع بن أنس
(2)
(ت: 139) في رواية
(3)
، ونسبهُ النووي (ت: 676) إلى جمهور المفسرين
(4)
، ولكنَّه مُقابَلٌ بنَصٍّ نبويّ بَيَّنَ المُراد، وأنّه جبريل عليه السلام، قال القرطبي (ت: 656): (وقد روت ذلك- أي: أن مرجع الضمير في كلا الآيتين جبريل عليه السلام عائشة مرفوعًا، مُفَسّرًا على ما يأتي، فلا يُلتَفت إلى ما يُقال في الآية غير هذا)
(5)
، وقال ابن عطيّة (ت: 546): (وحديث عائشة قاطعٌ لكلِّ تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ من ألفاظ القرآن)
(6)
، وزاد أبو حيَّان (ت: 745) على قول ابن عطيّة هذا: (وليست نَصًّا في الرؤية بالبصر
(7)
بل ولا بغيره)
(8)
، وورود المعنى صحيحًا صريحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كافٍ في
(1)
باذام، ويُقال: باذان، مولى أم هانئ، روى عنها وعن أبي هريرة وابن عباس، مُفَسِّرٌ، يروي عن ابن عباس كثيرًا، وقَلَّ ما له من المُسند، توفي سنة (121) تقريبًا. ينظر: السِّيَر 5/ 37، وتهذيب التهذيب 1/ 211.
(2)
الربيع بن أنس البكري البصري، ثم الخراساني الحنفي، عالم مرو بزمانه، أخذ عن أنس بن مالك، وأبي العالية، له تفسير يرجع أكثره إلى أبي العالية، توفي سنة (139). ينظر: السير 6/ 169، والتقريب (ص: 318).
(3)
ينظر: الكشف والبيان 9/ 141، والمحرر الوجيز 5/ 199، وزاد المسير (ص: 1362)، والبحر المحيط 8/ 156، وتفسير ابن كثير 7/ 3329.
(4)
شرح النووي على مسلم 1/ 384. ومُراده بجمهور المفسرين أي: المتأخرون؛ لأن عامَّةَ مفسري السلف على قول عائشة، بل نُقِل إجماع الصحابة عليه كما سيأتي. ثم نقل النووي عن الواحدي أنه قول المفسرين، والذي في الوسيط للواحدي 4/ 296: أن الأكثرين على أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام!.
(5)
المُفْهِم 1/ 403.
(6)
المحرر الوجيز 5/ 198.
(7)
قال ابن كثير (ت: 774): (ومن روى عنه- أي: ابن عباس رضي الله عنه بالبصر فقد أغرب؛ فإنه لا يصِحُّ في ذلك شيءٌ عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره- 7/ 403 - : وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة. فيه نظر، والله أعلم). تفسير القرآن العظيم 7/ 3329، وذكر الثعلبي في تفسيره:(ذكر من قال أنَّه رآه بعينه)، ثم ذكر أربعة آثار عن الحسن وابن عباس وعكرمة والربيع، ليس في واحد منها ذِكْرُ العين أو البصر! ينظر: الكشف والبيان 9/ 140.
(8)
البحر المحيط 8/ 156.
لزومه والمصير إليه
(1)
، بل نقل الدارمي
(2)
(ت: 280) إجماع الصحابة عليه
(3)
، غير أنّه مِمَّا يدلُّ عليه كذلك سِتَّةَ عَشَرَ وجهًا ذكرها ابن القيم (ت: 751) في "مدارج السالكين"
(4)
، قال في أوَّلِها:(ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوه)، ثم ذكرها، ومنها:
أولًا: أنه الوارد في التفسير النبوي.
ثانيًا: أنه قال {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم 5]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير، فقال {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير 19 - 20]، وهذه دلالة السياق.
ثالثًا: أنه قال {فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} [النجم 6 - 7]، وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأمَّا استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه.
رابعًا: أنَّ مُفَسَّر الضمير في قوله {وَلَقَدْ رَآهُ} [النجم 13]، وقوله {وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى} [النجم 7]، وقوله {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم 8] واحد، فلا يجوز أن يُخَالَف بين المُفَسَّر والمُفَسَّر من غير دليل.
خامسًا: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، المَلَكيّ والبَشَريّ، ونَزَّه البَشَريّ عن الضلال والغواية، ونَزَّه المَلَكيّ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا؛
(1)
حاول بعض العلماء تضعيف وتأويل ما ثبت صريحًا عن أبي ذَرٍّ وعائشة رضي الله عنهما في هذه المسألة، وفي الرد على تلك الأقوال ينظر: تفسير ابن كثير 7/ 3333.
(2)
عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي، أبو سعيد التميمي، إمام حافظ ناقد، قائمٌ بالسنة، صنف المسند، والرد على بشر المريسي، والرد على الجهمية، وغيرها، مات سنة (280). ينظر: السير 13/ 319، وشذرات الذهب 3/ 330.
(3)
ينظر: زاد المعاد 1/ 79.
(4)
/ 233، وذكر قريبًا من ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: 252، 256)، وزاد المعاد 3/ 34.
بل هو قويٌّ كريمٌ حسن الخَلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواءً.
(1)
وهو قول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذَرٍّ رضي الله عنهم، وكذا مُجاهد (ت: 104)، وقتادة (ت: 117)، والربيع بن أنس (ت: 139) في رواية، وابن جرير (ت: 310)، والنحاس (ت: 338)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والسمعاني (ت: 489)، والبغوي (ت: 516)، وابن تيمية (ت: 728)
(2)
.
وذكره السمرقندي (ت: 375)، والواحدي (ت: 468)، وابن عطيّة (ت: 546)، وأبو حيَّان (ت: 745) عن جمهور المفسرين، وعامَّة العلماء
(3)
.
* * *
[12]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة 105].
عن أبي أمية الشعباني
(4)
قال: سألت أبا ثعلبة الخُشَني، فقلت: (يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة 105]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (بل
(5)
ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤثَرة، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك
(1)
وتُنظر بقيّة الأوجه في المدارج 4/ 233.
(2)
ينظر: جامع البيان 27/ 59، وإعراب القرآن، للنحاس 4/ 182، وتفسير القرآن العزيز 4/ 306، وتفسير السمعاني 5/ 289، ومعالم التنْزيل 7/ 404، ومجموع الفتاوى 11/ 234.
(3)
ينظر: بحر العلوم 3/ 289، والوسيط 4/ 196، والمحرر الوجيز 5/ 198، وشرح النووي على مسلم 1/ 385، والبحر المحيط 8/ 156، وتفسير ابن كثير 7/ 3328.
(4)
أبو أمية الشعباني، اسمه يَحمِد، وقيل: عبد الله بن أخامر، أدرك الجاهلية، مقبول، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. ينظر: الكاشف 3/ 311، والإصابة 7/ 24، والتقريب (ص: 1110).
(5)
هذا اللفظُ أدخَلَ هذه الرواية في الاستدراكات؛ فإن (بل) للإضراب عن قولٍ لم يذكره السياق، غيرَ أنه مفهوم من مقابِلِه المذكور في الحديث.
بخاصّة نفسك، ودع العوامَّ، فإنَّ من ورائكم أيَّام الصبر، الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رَجُلًا يعملون مثل عملكم). قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عُتبة: (قيل يا رسول الله أجر خمسين مِنَّا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم)
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 8/ 426 (3583)، وفي خلق أفعال العباد (ص: 45) (170)، وأبو داود في سننه 4/ 123 (4341)، والترمذي في جامعه 5/ 257 (3058)، وابن ماجة في سننه 2/ 1330 (4014)، وابن جرير في تفسيره 7/ 131 (10022)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1225 (6915)، وابن حبان في صحيحه 2/ 108 (385)، والطبراني في المعجم الكبير 22/ 220 (587)، والجصاص في أحكام القرآن 2/ 610، والحاكم في المستدرك 4/ 358 (7912)، وأبو نعيم في حلية الأولياء 2/ 30، والبيهقي في السنن 10/ 91 (19980)، وابن عبد البر في التمهيد 16/ 412، والواحدي في الوسيط 2/ 239، والبغوي في تفسيره 3/ 110، وعبد الغني المقدسي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: 134)، والمزي في تهذيب الكمال 21/ 563، و 33/ 54، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ 1/ 671 لإسحاق، وأبي يعلى، وزاد السيوطي في الدر 3/ 197 ابن المنذر، وأبا الشيخ، وابن مردويه. من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أُميّة الشعباني، عن أبي ثعلبة رضي الله عنه.
وهو حديث حسن لغيره، قال عنه الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وصححه ابن حبان، والحاكم. ومن شواهده:
- حديث عُتبة بن غزوان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن من ورائكم أيّام الصبر .. ) الحديث، أخرجه ابن نصر المروزي في السنة (ص: 9)، ورجاله ثقات، ولكنه مرسل.
- وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم .. ) الحديث، أخرجه أحمد 2/ 162 (6508)، و 2/ 212 (6987)، و 2/ 220 (7049)، وأبو داود 4/ 123 (4342 - 4343)، والنسائي في الكبرى 6/ 59 (10033)، وابن ماجة 2/ 1307 (3957)، وإسناده صحيح.
وينظر له شواهد أُخَر في: جامع البيان 7/ 130 (10019)، ومسند الحارث بن أبي أسامة 2/ 770، وكشف الأستار 4/ 131 (3370)، ومعجم الطبراني الكبير 10/ 182 (10394)، والكامل، لابن عدي 5/ 55.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا احتمل قولُ الله تعالى {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة 105] تركَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خلاف ما استقر عند الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن، سألَ أبو أُميّة الشعباني أبا ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه عن ذلك المعنى، أخذًا بظاهر اللفظ، وهو ما سألَ عنه أبو ثعلبة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأجابه:(بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر)، فأبان الجواب عن المراد في الآية، وأنه ليس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أيّ حالٍ، بل هو في حالةٍ مخصوصة بَيَّنها الحديث، وهي عند الجزم بعدم فائدته؛ لعدم قبوله من أهل الضلال، ولا يُعرف ذلك عادةً إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دَلَّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم:(بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت .. )، فأرشد إلى لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يرى من أهل الضلال ما يعلم به عدم منفعة أمره ونهيه، وعدم قبولهم له، وهذا بيانٌ لقوله تعالى في الآية {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]، أي: بقيامكم بما أوجب الله عليكم من طاعته، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ضلَّ بعد ذلك فلا يضركم.
قال ابن تيمية (ت: 728): (والاهتداء إنما يكون بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضُرُّه ضلال الضُّلاّل)
(1)
، وقال الجصاص
(2)
(ت: 370): (وهذه دلالة فيه- أي الحديث- على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر؛ لأن ذِكرَ تلك
(1)
مجموع الفتاوى 28/ 127.
(2)
أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الحنفي، عالم العراق، إليه المنتهى في معرفة المذهب، صنّف في أحكام القرآن، وانتصر فيه للأحناف، توفي سنة (370). ينظر: السير 16/ 340، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 44).
الحال تُنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان؛ لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب، كما قال صلى الله عليه وسلم:(فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)
(1)
، فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذُكِر، كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب؛ للتقية، ولتعذر تغييره، وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقيةً، بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال الله تعالى {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} [النحل 106]، فهذه منْزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
(2)
. وقال الشنقيطي (ت: 1393): (وهذه الصفات المذكورة في الحديث، من الشُّح المُطاع، والهوى المُتَّبَع، الخ، مَظنَّةٌ لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدَلَّ الحديث على أنه إن عُدِمَت فائدته سقط وجوبه)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من معنى هذه الآية لازمُ الاتباع، وقد وافقت نصوصُ الشرع في هذا الباب هذا المعنى النبوي، كما دَلَّ عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى 9]
(4)
، وعليه تفسير الصحابة رضي الله عنهم، ومما ورد عنهم في ذلك:
- حديث جبير بن نُفير
(5)
قال: (كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]؟
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 216 (49).
(2)
أحكام القرآن 2/ 610.
(3)
أضواء البيان 2/ 134.
(4)
ينظر: أضواء البيان 2/ 134.
(5)
جبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، مخضرم من كبار التابعين، ولأبيه صحبة، مات سنة (80). ينظر: الكاشف 1/ 180، والتقريب (ص: 195).
فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا: تنْزع بآية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها. حتى تمنّيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غُلام حَدَثَ السنّ، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت)
(1)
.
- وقال أبو بكر رضي الله عنه وهو على المنبر: (يا أيها الناس: إنكم تقرأُون هذه الآية على غير موضعها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عَمَّهُم الله بعقابه)
(2)
.
- وسُئِل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية فقال: (ليس هذا بزمانها، إنها اليوم مقبولة، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم)
(3)
.
- وقيل لابن عمر رضي الله عنه: لو جلست هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنهَ، فإن الله تعالى يقول {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]. فقال ابن عمر:(إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا فليُبلِغ الشاهد الغائب)، فكُنَّا نحن الشهود، وأنتم الغَيَب
(4)
، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا
(1)
جامع البيان 7/ 130 (10019)، وينظر: الدر 3/ 199.
(2)
حديث صحيح، رُوي مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه أبو داود 4/ 123 (4341)، والترمذي 4/ 467 (2168) وصححه، والنسائي في الكبرى 6/ 338 (11157)، وابن ماجة 2/ 1327 (4005)، وأحمد 1/ 2، 5، 7، 9 (1، 16، 29، 30، 53)، وابن حبان 1/ 540 (305)، وابن جرير 7/ 133 (10030 - 10032)، وينظر: تفسير ابن كثير 3/ 1260، والدر المنثور 3/ 197. وقال الوزير المغربي (ت: 418) بعد ذكر قول أبي بكر هذا: (فدلَّ ذلك على أن قوله {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}: في الفروض التي تلزمكم، ولا يضركم إخلال غيركم بها، ومن تلك الفروض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: 212).
(3)
جامع البيان 7/ 128 (10015، 10018).
(4)
جمع غائب، وتُضبط: الغُيَّب.
لم يُقبل منهم)
(1)
.
- وعن حُذيفة رضي الله عنه قال: ({إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]، إذا أمرتم ونهيتم)، وروي مثله عن سعيد بن المسيب
(2)
(ت: 94).
(3)
وهو اختيار ابن جرير (ت: 310)، والجصاص (ت: 370)
(4)
، وجعل ما ذكرنا عن الصحابة في ذلك أحاديث مختلفة الظاهر، متفقة المعنى
(5)
، واختاره الواحدي (ت: 468)
(6)
، وابن عطية (ت: 546) وقال: (وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مُستوفٍ للصلاح؛ صادرٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم
(7)
، وكذلك قال أبو حَيَّان (ت: 745)
(8)
.
* * *
[13] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة 34].
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (لمَّا نزلت هذه الآية {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة 34] قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر رضي الله عنه: أنا أُفَرِّج عنكم، فانطلق
(1)
جامع البيان 7/ 128 (10016).
(2)
سعيد بن المسيَّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزومي، أبو محمد المدني، عالم التابعين وأجَلُّهم، وأحد الحفاظ المفسرين الكبار، قال عنه ابن عمر:(هو والله أحد المُفتين)، توفي سنة (94). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 60، والسير 4/ 217.
(3)
جامع البيان 7/ 133 (10028 - 10029)، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1228 (6926).
(4)
ينظر: جامع البيان 7/ 135، وأحكام القرآن، للجصاص 2/ 609.
(5)
أحكام القرآن 2/ 609. وينظر: جامع البيان 7/ 136.
(6)
الوسيط 2/ 238.
(7)
المحرر الوجيز 2/ 249.
(8)
البحر المحيط 4/ 40. وينظر: جامع العلوم والحكم 2/ 252.
فقال: يا نبي الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بِها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر رضي الله عنه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:(ألا أخبرك بخير ما يكنِز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سَرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)
(1)
.
(1)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة 1/ 374 (560)، وأبو داود في السنن 2/ 126 (1664)، وأبو يعلى في المسند 4/ 378 (2499)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1788 (10080)، والجصاص في أحكام القرآن 3/ 137، والحاكم في المستدرك 1/ 567 (1487)، و 2/ 363 (3281)، والبيهقي في السنن 4/ 83 (7027)، والشعب 3/ 194 (3307)، وعزاه ابن كثير في تفسيره 4/ 1649 لابن مردويه، وكذا السيوطي في الدر 4/ 163 لابن أبي شيبة في مسنده. من طريق يحيى بن يعلى بن الحارث المُحاربي، عن أبيه، عن غيلان بن جامع المحاربي، عن جعفر بن إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه. وفي إحدى طريقي الحاكم، وطريق أبي يعلى، وابن أبي حاتم، والبيهقي: عن غيلان، عن عثمان أبي اليقظان البجلي، عن جعفر، به.
وهو حديث حسن لغيره، صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي في موضع (تلخيص المستدرك 1/ 567)، وتعقبه في موضع آخر وقال: عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب. (تلخيص المستدرك 2/ 363). وعثمان هو ابن عمير البجلي كما سبق. ومن شواهده حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان رضي الله عنه قال: لَمَّا نزلت هذه الآية، قال المهاجرون: لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال عمر: أنا أعلم لكم ذلك، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين قد شَقَّ عليهم، وقالوا: فأيّ المال نتَّخِذ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تعين أحدكم على دينه). وهو حديث صحيح، أخرجه موصولًا أحمد 5/ 278 (22446)، والترمذي وحَسَّنَه 5/ 277 (3094)، وابن ماجة 1/ 596 (1856)، وابن أبي عاصم في الزهد 1/ 26، وابن جرير 10/ 153، 154 (12944 - 12945)، والطبراني في الأوسط 7/ 10 (6700)، والصغير 2/ 121 (890)، وأبو نعيم في الحلية 1/ 182، ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير أن رواية سالم عن ثوبان مُرسلة، قال الترمذي بعد روايته للحديث:(سألت محمد بن إسماعيل فقلت له: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ فقال: لا)؛ ولذا أخرجه مُرسلًا الثوري في تفسيره (ص: 125)، وعبد الرزاق في التفسير 2/ 145 (1076)، وابن جرير 10/ 153 (12944)، وابن أبي حاتم 6/ 1788 (10083)، وله شاهد جيد عند أحمد 5/ 366 (23150)، من طريق شعبة، عن سالم، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أحد الصحابة رضي الله عنهم، ذكر فيه نحو هذا الحديث، ويظهر أن الصحابي هنا هو ثوبان، فتكون الواسطة بين سالم وثوبان عبد الله بن أبي الهذيل، وهو ثقة، فيصح به الحديث.
وينظر لغيره من الشواهد: الكافي الشافِ، لابن حجر 2/ 258، وتفسير ابن كثير 4/ 1649.
*
تحليل الاستدراك:
لمّا كان الكنْز في لغة العرب جمع الشيء بعضه على بعض وحَرْزُه
(1)
، وهو في المال: جمعه تحت الأرض أو على ظهرها
(2)
؛ شق قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة 34] على الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ توجه الوعيد عندهم إلى مطلق جمع الذهب والفضة، أخذًا بظاهرِ اللفظ وأصلِه في لسانهم. ولم يَزُل ما شقَّ عليهم منها إلا بالنقل الشرعي لكلمة كنْز عن معناها اللغوي، وتخصيص الكنْز شرعًا: بما لم تُؤَدَّ زكاته
(3)
، وذلك حين أخبر عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عمَّا وجده الصحابة من هذه الآية، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر رضي الله عنه، حين علم أن ما أُخْرِج زكاته من المال ليس بكنْز، ولو جمعه الإنسان ومات عنه، فهو ميراث حلال لمن بعده.
فصار المعنى النبوي لقوله تعالى في الآية {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} [التوبة 34]: أي يمنعون ما أوجب الله فيها من الزكاة.
(4)
*
الحكم على الاستدراك:
ليس في مسلك الصحابة رضي الله عنهم في الأخذ بعموم اللفظ وأصل معناه في لغة العرب ما يُعاب، بل هو الصواب؛ ولذلك لم يتوجه الخطاب النبوي لتخطئتهم فيما فهموه من ذلك في هذه الآية، وإنما أبان التفسير النبوي معنىً خاصًا للكنْز في
(1)
ينظر: تهذيب اللغة 10/ 58، ومقاييس اللغة 2/ 425، وجامع البيان 10/ 156، والكشف والبيان 5/ 39.
(2)
ينظر: جامع البيان 10/ 156، والنهاية في غريب الحديث 4/ 176.
(3)
المرجع السابق، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 137، وفتح الباري 3/ 320.
(4)
جامع البيان 10/ 157، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 137.
الاستعمال الشرعي، فسر به هذه الآية، وهو: منع الزكاة. فمن أدى الواجب في المال الذي هو الزكاة، لا يُكوى بالباقي الذي أمسكه؛ لأن المواريث ما جُعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها، وهذا المعنى النبوي يتفق مع النصوص الشرعية الأخرى الموجبة للزكاة في المال، وما بقي بعدها فهو حلال لا مؤاخذة فيه، ومنها قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة 103]، فأمره بأخذ بعض أموالهم وهي زكاتها، التي فيها تطهير للباقي ونماء له
(1)
، وقوله صلى الله عليه وسلم:(نعم المال الصالح للرجل الصالح)
(2)
، قال البخاري (ت: 256): (باب: ما أُدِّيَ زكاته فليس بكنْز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة")، قال ابن حجر (ت: 852) في شرحه للباب: (ما لم تجب فيه الصدقة لا يُسَمى كنْزًا؛ لأنه معفوٌّ عنه، فليكن ما أُخرِجت منه الزكاة كذلك؛ لأنه عُفِيَ عنه بإخراج ما وجب منه فلا يُسَمى كنْزًا)
(3)
، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت ألبس أوضاحًا
(4)
من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنْزٌ هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنْز)
(5)
، ولمَّا سُئل ابن عمر رضي الله عنه عن هذه الآية قال:(من كَنَزَها فلم يؤد زكاتَها فويل له)
(6)
، وسُئلَ عن الكنْز ما هو؟ فقال:(هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة)
(7)
. قال ابن كثير (ت: 774): (وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر،
(1)
أضواء البيان 2/ 322.
(2)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 197 (17798)، والبخاري في الأدب المفرد 1/ 112 (299)، وابن حبان في صحيحه 8/ 6 (3210)، وإسناده صحيح.
(3)
فتح الباري 3/ 320.
(4)
جمع وَضَح، وهي نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سُمِّيَت بها لبياضها. ينظر: النهاية في غريب الحديث 5/ 170.
(5)
أخرجه أبو داود 2/ 95 (1564)، والحاكم 1/ 547 (1438) وصححه، والدارقطني في سننه 2/ 105، والبيهقي في السنن 4/ 83 (7026)، والطبراني في الكبير 23/ 281 (613)، وصححه ابن القطان، وقال العراقي:(سنده جيد). ينظر: نصب الراية 2/ 371، وفتح الباري 3/ 320.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 318 (1404).
(7)
أخرجه مالك في الموطأ 1/ 256، وإسناده صحيح.
وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، وعمر بن الخطاب نحوه)
(1)
.
وقال به عكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والسدي (ت: 128)، والشافعي (ت: 204)، وابن جرير (ت: 310)، والجصاص (ت: 370)، والثعلبي (ت: 427)، والواحدي (ت: 468)، والبغوي (ت: 516)، وابن عطية (ت: 546)، والقرطبي (ت: 671)، والشنقيطي (ت: 1393)
(2)
، وعليه جمهور العلماء، كما ذكر ابن عبد البر
(3)
(ت: 463)
(4)
.
* * *
(1)
تفسير القرآن العظيم 4/ 1648، وينظر: جامع البيان 10/ 152، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 137.
(2)
ينظر: جامع البيان 10/ 152، 155، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 137، 138، والكشف والبيان 5/ 37، والنكت والعيون 2/ 357، والوسيط 2/ 492، ومعالم التنْزيل 4/ 43، والمحرر الوجيز 3/ 28، والجامع لأحكام القرآن 8/ 80، والموافقات 3/ 357، ونيل المرام من تفسير آيات الأحكام 2/ 569، وأضواء البيان 2/ 322.
(3)
يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمري، أبو عمر القرطبي، المحدث اللغوي النسَّابة الفقيه المالكي، صَنَّف: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وغيرها، توفي سنة (463). ينظر: السير 18/ 153، والبداية والنهاية 12/ 93.
(4)
الاستذكار 3/ 172، وينظر: المحرر الوجيز 3/ 28، وفتح الباري 3/ 320.
ثانيًا: استدراكات الصحابة رضي الله عنهم
205 - 206].
عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى السُّبحَة
(1)
وفرغ دخل مربدًا له
(2)
، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة
(3)
، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فَمَرُّوا بهذه الآية {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة 206]، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 205]، - قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله-، فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت، اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابنُ عباس قال: أرى هاهنا من إذا أُمِرَ بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله، فاقتتل
(1)
أي صلاة النافلة، ويراد بها في الأغلب صلاة الضحى. ينظر: مشارق الأنوار 2/ 343.
(2)
من رَبَدَ بالمكان إذا أقام فيه، وهو موضع حبس الإبل والغنم، وتجفيف التمر. ينظر: النهاية في غريب الحديث 2/ 168.
(3)
أي ابن حصن الفزاري، وهو: الحُرُّ بن قيس، كما في المحرر الوجيز 1/ 282، صحابي مشهور، من القراء الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه ويشاورهم، وهو الذي تمارى مع ابن عباس رضي الله عنهم في صاحب موسى. ينظر: صحيح البخاري 1/ 202 (74)، و 8/ 155 (4642)، والاستيعاب، لابن عبد البر 1/ 4040. وتصحف (عيينة) في أحكام القرآن، لابن العربي 1/ 192 إلى: (عنبسة).
الرجلان. قال عمر: لله بِلادُك
(1)
يا ابن عباس)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
تعجب عمر رضي الله عنه من قول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية، فتحقق منه قَولَه فيها، فأجابه ابن عباس بأنها فيمن يؤمر بالخير، فتأخذه العزة بالإثم، فيعتزُّ صاحبه بربه، فيقوم إليه يقاتله، يشري بذلك نفسه ابتغاء مرضاة الله. وهذا المعنى مُقتَنَصٌ من السياق، ففي الآية قبلها وَصَفَ الله تعالى هذا الرجل بالإفساد في الأرض،
(1)
وفي طبعة التركي: (تِلادُك). جامع البيان 3/ 589، وهي بمعناها، وتُقال لِمَنْ يُمدَح ويُتَعَجب من أمره، كقولهم: لله دَرُّك، ولله أبوك. ينظر: النهاية في غريب الحديث 1/ 23، ولسان العرب 4/ 279، والأغاني 11/ 142، 167.
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 2/ 435 (3172)، من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد. وإسناده معضل؛ فإن ابن زيد متأخر لم يُدرك إلا بعض التابعين. والأثر حسن بشواهده، ومنها:
- عن صالح أبي الخليل قال: سمع عمر رضي الله عنه إنسانًا يقرأ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} إلى قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} فاسترجع فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجلٌ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فَقُتِل). أخرجه ابن جرير 2/ 438 (3180)، وعبد بن حميد، كما في العجاب في بيان الأسباب 1/ 528، كلاهما من طريق زياد أبي عمر، عن صالح بن أبي مريم أبي الخليل، وزياد صدوق، وأبو الخليل ثقة، لكن في السند انقطاع كما قال ابن حجر في العجاب. وعزاه السيوطي في الدر 1/ 540 لوكيع. وينظر: تهذيب التهذيب 1/ 654، و 2/ 200، والتقريب (ص: 348)، و (ص: 448).
- وعن عكرمة: أن عمر رضي الله عنه كان إذا تلا هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} إلى قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} [البقرة 204 - 207]، قال:(اقتتل الرجلان). عزاه السيوطي في الدر 1/ 540 لعبد بن حميد، ورواية عكرمة عن عمر رضي الله عنه مرسلة. ينظر: تهذيب التهذيب 3/ 134، وتحفة التحصيل 1/ 232.
- وعن أبي رجاء العطاردي أن عليًّا رضي الله عنه قرأ هذه الآية، فقال: اقتتلا وربِّ الكعبة. أخرجه ابن جرير 2/ 435 (3171)، وابن أبي حاتم 2/ 368 (1937)، والخطيب في تاريخه 11/ 135، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 540 لوكيع، وعبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وإسناده حسن.
فقال {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 205]، ثم أعقب ذلك بقوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} [البقرة 206]، فهاهنا مُفسِدٌ في الأرض، وهاهنا من ينهاه عن إفساده، فيعتَزُّ ذاك بإثمه، وهذا مُعتَزُّ بربه، فيقتتلان، فكانت بذلك أظهر ما تكون في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر.
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية هو أظهر معانيها، ولذلك أُعجب به عمر رضي الله عنه، وفسَّرَها به وهو كذلك تفسير علي رضي الله عنه، كما سبق في ذكر شواهد الرواية، والسياق أقرب ما يَدُلُّ عليه، قال ابن جرير (ت: 310): (والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما رُوي عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، من أن يكون عَنى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه وصف صفة فريقين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِيَ أخذته العزَّة بالإثم بما هو آثم به، والآخر منهما بائع نفسه، طالب من الله رضا الله، فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه؛ إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر؛ طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية)
(1)
.
ولكن في لفظ الآية، وفي سبب نزولها، ما يجعل التفسير السابق أحد المعاني الصحيحة الداخلة في الآية، وليس هو كُلُّ المعنى، فإن لفظ الآية عام، يشمل (كلَّ مُبطِن كفرٍ، أو نفاق، أو كذب، أو إضرار، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك)
(2)
، وهو قول (قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء)
(3)
، وورد في سبب نزولها أقوال:
(1)
جامع البيان 2/ 438.
(2)
المحرر الوجيز 1/ 279.
(3)
المرجع السابق.
- أنها نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: والله يعلم إني لصادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فأحرق زرعهم، وعقر حُمُرَهم، فنَزلت فيه الآيات. ذكره السُّدي (ت: 128)
(1)
، وقال عنه ابن عطية (ت: 546): (ما ثبت قط أن الأخنس أسلم)
(2)
.
- وقيل نزلت في قومٍ من المنافقين تكلموا في السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم للرجيع، فأُصيبت، فقال رجالٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أَدَّوا رسالة صاحبهم، فنَزلت الآيات في صفات هؤلاء المنافقين، وفي الثناء على المُستَشهدين. ورُويَ هذا عن ابن عباس رضي الله عنه.
(3)
وفي قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} [البقرة 207]، ورد أنها نزلت:
- في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة (ت: 117)
(4)
، وهذا على رأي من جعل ما قبلها في الأخنس بن شريق
(5)
، أو في شهداء غزوة الرجيع
(6)
.
- وقيل في رجال من المهاجرين بأعيانهم، كصهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، قاله ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب (ت: 94)، وأبو عثمان النهدي
(7)
(1)
جامع البيان 2/ 425.
(2)
المحرر الوجيز 1/ 279.
(3)
جامع البيان 2/ 426، وفي إسناده: محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق، وقد جعل ابن حجر روايته من قبيل المقبول، وقال السيوطي عن طريق ابن إسحاق عنه:(وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن). ينظر: التقريب (ص: 894)، والعجاب في بيان الأسباب 1/ 205، والإتقان 2/ 375.
(4)
جامع البيان 2/ 437.
(5)
المحرر الوجيز 1/ 281.
(6)
جامع البيان 2/ 437.
(7)
عبد الرحمن بن مُِلّ- وقيل: مَلي- بن عمرو بن عديّ البصري، مخضرم مُعَمّر ثقة، من سادات العلماء العاملين، عاش مئة وثلاثين سنة، ومات سنة (100). ينظر: السير 4/ 175، والبداية والنهاية 9/ 162.
(ت: 100)، وعكرمة (ت: 105)، وجماعة
(1)
. - وقيل فيه وفي أبي ذر الغفاري جندب بن السكن رضي الله عنه، ذكره عكرمة (ت: 105)
(2)
.
ومن فَسَّرَ الآية الأولى بالعموم حمل هذه على العموم أيضًا، وهو الأصح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قال ابن جرير (ت: 310): (وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر؛ إذ كان غير مدفوع جواز نزول آيةٍ من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمَعنِيُّ بها كُلّ من شمله ظاهرها)
(3)
.
وذاكر سعيدٌ المقبري
(4)
(ت: 123) محمدَ بن كعب القُرَظي (ت: 108)، فقال سعيد:(إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أَعَلَيّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 204 - 205])، فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزل في الرجل ثم تكون عامة بعد)
(5)
، قال ابن كثير (ت: 774) بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا الذي قاله القُرَظِي حسنٌ صحيح).
(6)
(1)
تفسير ابن كثير 2/ 525، ونسبه الثعلبي (ت: 427) لأكثر المفسرين. ينظر: الكشف والبيان 2/ 124.
(2)
جامع البيان 2/ 437.
(3)
جامع البيان 2/ 439.
(4)
سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة فقيه، مات سنة (123). ينظر: الكاشف 1/ 361، والتقريب (ص: 379).
(5)
حسنٌ لغيره، ينظر تخريجه ودراسته في الاستدراك رقم (65) (ص: 319).
(6)
تفسير القرآن العظيم 2/ 523.
ورجح العموم في الآية ابنُ جرير (ت: 310)، وقال:(فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته، فكلُّ من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها، أو استُقتِل وإن لم يقتل، فَمَعْنِيّ بقوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة 207] في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر).
(1)
واختاره السمرقندي (ت: 375)، وابن العربي (ت: 543)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)
(2)
، وأبو حيَّان (ت: 745) وقال: (والذي ينبغي أن يُقال: إنه تعالى لمَّا ذكر {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} [البقرة 204]، وكان عامًّا في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عامًّا؛ من يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أيّ صعب كان، فكذلك المنافق مُدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء وحلاوة المنطق، وهذا باذل نفسه لله ولمرضاته، وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذُكِر من تعيين من عَيَّن، إنما هو على نحوٍ من ضرب المثال، ولا يبعُد أن يكون السبب خاصًّا، والمُراد عموم اللفظ)
(3)
.
ويستفاد من هذا الاستدراك:
أن السياق لا ينهض بتخصيص معنى الآية ما لم يكن صريحًا في ذلك، كما سبق في تفسير ابن عباس رضي الله عنه للآية، وشأنه في ذلك شأن سبب النُّزول؛ إذ العبرة فيه بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
* * *
(1)
جامع البيان 2/ 439.
(2)
ينظر: بحر العلوم 1/ 197، وأحكام القرآن 1/ 192، والمحرر الوجيز 1/ 281، والتفسير الكبير 5/ 175.
(3)
البحر المحيط 2/ 127، وينظر كذلك للمناسبة بين الآيات: التفسير الكبير 5/ 173.
عن سعيد ابن مَرْجانة
(1)
قال: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل)
(2)
.
(1)
سعيد بن عبد الله، أبو عثمان الحجازي، ومَرْجانة اسم أمه، ثقة فاضل، أدرك أبا هريرة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، مات سنة (97). ينظر: الكاشف 1/ 372، والتقريب (ص: 387).
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 3/ 194 (5067)، وابن أبي حاتم في تفسيره مُختصرًا 2/ 578 (3087، 3090)، والطبراني في الكبير 10/ 316 (10769 - 10770)، والبيهقي في الشعب 1/ 297 (329)، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 127 لعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه. من طريق الزهري، عن سعيد ابن مرجانة.
وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره 2/ 670. وابن حجر في الفتح 8/ 54، وله طرق أُخرى صحيحة:
- عن مجاهد، عن ابن عباس. كما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 380 (374)، وأحمد 1/ 332 (3071)، وابن جرير 3/ 195 (5069)، وابن المنذر في تفسيره 1/ 96 (169)، وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره 2/ 670، وأصله في صحيح مسلم 1/ 310 (126). ينظر: فتح الباري 8/ 54.
- وعن الزهري، عن ابن عمر. فيما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 378 (366)، والجصاص في أحكام القرآن 1/ 650، وإسناده صحيح.
- وعن الزهري، عن سالم، عن أبيه. كما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 7/ 225 (35528)، وابن جرير 3/ 196 (5070)، والنحاس في ناسخه (ص: 88)، والحاكم في المستدرك 2/ 315 (3133) وصححه، وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره 2/ 670.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا فهم ابن عمر رضي الله عنه هذه الآية على العموم، بلغت من نفسه ما بلغت من الصحابة رضي الله عنهم قبل ذلك حين أُنزلت، إذ فهموا منها عموم المحاسبة على كلِّ واردٍ على النفس حتى ما يعرض فيها من الوسوسة والخواطر التي لا حيلة لهم فيها، ولا طاقة لهم بها، فكان ابن عمر رضي الله عنه يبكي عند قراءة هذه الآية؛ خوفًا من المؤاخذة على كلِّ ذلك، فأَخبَر ابنُ عباسٍ رضي الله عنه أن ما وجده ابن عمر قد وجده مَنْ قبله، وأن الله تعالى خفف عنهم بالآية بعدها {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286]، فكانت الوسوسة من المعفِي عنه يوم القيامة
(1)
؛ لأنها ممَّا لا طاقة للمسلمين بها، قال ابن عطية (ت: 546): (فلمَّا كان اللفظ ممَّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر؛ أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبيَّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصَها، ونَصَّ على حكمه أنَّه {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوُسع، بل هو أمر غالب، وليست ممَّا يُكسَب ولا يُكتَسب، وكان في هذا البيان فرحُهم وكشفُ كربهم)
(2)
، وهذا المعنى هو ما عبَّرَ عنه ابن عباس رضي الله عنه في رواية مجاهد بقوله:(فنسختها هذه الآية {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة 285] إلى {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة 286]، فتُجُوّزَ لهم عن حديث النفس، وأُخِذوا بالأعمال). فَسَمَّى ابنُ عباس رضي الله عنه بيان الآية الثانية للأولى نسخًا، كما ورد ذلك عن عائشة، وأبي هريرة،
(1)
قال ابن تيمية (ت: 728): (وهذه الوسوسة هي ممَّا يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان، وقد خاف من خاف من الصحابة العقوبة على ذلك فقال تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286]). مجموع الفتاوى 14/ 108.
(2)
المحرر الوجيز 1/ 390، وينظر: البحر المحيط 2/ 376.
وابن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وكعب الأحبار (ت: 32)، وسعيد بن جبير
(1)
(ت: 95)، والشعبي (ت: 104)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والقرظي (ت: 108)، وابن سيرين (ت: 110)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)
(2)
، وهذا على عادة السلف في تسمية ما يُبيّن الآية ويوضِّحها ويزيل الإيهام الواقع في النفس من فهم معناها نسخًا
(3)
، قال ابن تيمية (ت: 728): (النسخ عندهم- أي: السلف- اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل، وإن كان ذلك المعنى لم يُرَد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية، بل قد لا يُفهَم منها، وقد فهمه منها قوم، فيُسَمُّون ما رفع ذلك الإبْهام والإفهام نسخًا، وهذه التسمية لا تُؤخَذ عن كل واحد منهم)
(4)
، وقال:(وفصل الخطاب: أن لفظ "النسخ" مجمل؛ فالسلف كانوا يستعملونه فيما يُظَن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك)
(5)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (النسخ عند الصحابة والسلف أعمُّ منه عند المتأخرين، فإنهم يريدون به ثلاثة معان: أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب. الثاني: رفع دلالة الظاهر، إمَّا بتخصيص، وإمَّا بتقييد، وهو أعمُّ مما قبله. الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه مِنْ خَارج، وهذا أعمُّ من المعنيين الأَوَّلَيْن)
(6)
، وقال ابن رجب (ت: 795): (وقد يكون مرادهم بالنسخ: البيان
(1)
سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد الكوفي، المُقرئ المفسر الفقيه، أحد أئمة التابعين، ومن أشهر تلاميذ ابن عباسرضي الله عنه، قتله الحجاج سنة (95). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 485، والسير 4/ 321.
(2)
ينظر: الناسخ والمنسوخ، لقتادة (ص: 37)، وجامع البيان 3/ 193، وتفسير ابن المنذر 1/ 97، وتفسير ابن كثير 2/ 670، ومجموع الفتاوى 14/ 100.
(3)
ينظر: الإحكام، لابن حزم 4/ 475، والموافقات 3/ 344،.
(4)
مجموع الفتاوى 13/ 29.
(5)
مجموع الفتاوى 14/ 101. وينظر: 13/ 272.
(6)
زاد المعاد 5/ 531، وينظر: إعلام الموقعين 2/ 66.
والإيضاح؛ فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا)
(1)
.
وفي خصوص هذه الآية قال ابن تيمية (ت: 728): (وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنىً، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ} [البقرة 284] الآية، إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله {لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة 284]، يقتضي أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب، لا إلى غيره)
(2)
، وقال ابن رجب (ت: 795): (وقد سمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخًا، ومُرادهم: أن هذه الآية أزالت الإيهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبيَّنت أن المُراد بالآية الأولى: العزائم المُصَمَّمُ عليها، ومثل هذا البيان كان السلف يُسَمُّونَه نسخًا)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ما فهمه ابن عمر رضي الله عنه من هذه الآية هو ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم من قبل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة 284]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسول الله: كُلِّفنا من الأعمال ما نُطِيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا
(1)
كتاب التوحيد (ص: 46)، وبِهذا يُعلم خطأ الجصاص في أحكام القرآن 1/ 651 حين قال:(وإنما قول من رُويَ عنه أنها منسوخة؛ فإنه غلطٌ من الراوي في اللفظ). وينظر: شرح النووي على مسلم 1/ 313.
(2)
مجموع الفتاوى 14/ 101.
(3)
جامع العلوم والحكم 2/ 324.
غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة 285] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة 286] قال: نعم. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة 286] قال: نعم. {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة 286] قال: نعم. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة 286] قال: نعم)
(1)
. وفي رواية: (قد فعلت)
(2)
. وهذا على عادتهم رضي الله عنهم في الأخذ بعموم اللفظ، وقد صَحَّ فهمهم ذلك في أوّل الأمر؛ إذ أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُسَلِّموا ويطيعوا، فلمَّا كان ذلك منهم خَفَّفَ الله عنهم، وأزال ما في نفوسهم من مشقة بالآيات بعدها؛ بصبرهم وتسليمهم. وإذا عُلِمَ معنى "النسخ" عند السلف كما تقدم، فإن قول ابن عباس رضي الله عنه في معنى الآية وهو: أن الإنسان مُحاسبٌ على قوله وفعله وما عزم عليه بقلبه، وتقرر في نفسه، واستُصحِبَت الفكرة فيه، دون ما عرض له من الوساوس والخطرات؛ فإنها ليست من كسبه، ولا في وُسعه = هو الراجح، ويدلُّ على صحته أمور:
الأول: أن للقلب كسبًا وعملًا يُحاسَب عليه الإنسان، كما في قوله تعالى {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة 225]، وقوله {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء 36]، ونحوها من الآيات
(3)
، قال النووي (ت: 676): (وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمُؤاخذة بعزم القلب المستقر)
(4)
.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 309 (125).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 310 (126).
(3)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 1/ 651، والكشف والبيان 2/ 300.
(4)
شرح النووي على مسلم 1/ 314.
الثاني: أن المذكور في الآية هو الحساب وليس العقاب، وكلُّ عمل الإنسان محصِيٌ عليه في الدنيا، وقد أخبر الله عن المجرمين يوم القيامة قولهم {يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الكهف 49]
(1)
، (وأكّدَ وقوع المحاسبة إيراد الكلام في قالب الشرط؛ الحاكم بتَحَتُّم الجزاء، زجرًا للعبيد عن إلقاء النفس في ورطة المخالفة، وحَثًّا على الموافقة، وفي ذلك -مع إسناد المحاسبة إليه المُؤذن بالاعتناء بها- إرعاب للقلوب، وتخويف العبد من اقتراف الذنوب، فإن مُتَوَلِّي المحاسبة لا يحتجب عن علمه مثاقيل الذَّر، ولا يستعصي عليه أمر)
(2)
، وليس يلزم من محاسبة المؤمنين أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب مُؤاخذين؛ (لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنْزيله {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء 31]، فدَلَّ أن مُحاسبة الله عباده المؤمنين بما هو مُحاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مُحاسبته إياهم إن شاء الله عليها لِيُعَرِّفَهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها)
(3)
، كما في حديث المناجاة الذي رواه ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كَنَفَه فيقرره بذنوبه: (تعرف ذنب كذا؟) يقول: أعرف. يقول: رب أعرف. مرتين، فيقول:(فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمُنافقون، فيُنَادَى بهم على رؤوس الأشهاد {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود 18])
(4)
، وهو ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة 284].
(5)
(1)
جامع البيان 3/ 202، والتفسير الكبير 7/ 109، ومجموع الفتاوى 14/ 101، 133.
(2)
المواهب المُدَّخرة في خواتيم سورة البقرة (ص: 52)، وينظر: المحرر الوجيز 1/ 389.
(3)
جامع البيان 3/ 202.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 204 (4685)، ومسلم في صحيحه 6/ 238 (2768).
(5)
ينظر: جامع البيان 3/ 203، وتفسير ابن كثير 2/ 671.
الثالث: موضوع السورة، وسياق الآيات، قال ابن تيمية (ت: 728): (ولمَّا كان تصرُّفه سبحانه في خلقه لا يخرج عن العدل و الإحسان، و هو تصرف بخلقه و أمره، و أخبر أن ما في السموات و ما في الأرض ملكه، فما تصَرَّف خلقًا و أمرًا إلا في ملكه الحقيقي، و كانت سورة البقرة مشتملة من الأمر و الخلق على ما لم يشتمل عليه سورة غيرها؛ أخبرنا تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284]، فهذا متضمنٌ لكمال علمه سبحانه و تعالى بسرائر عباده و ظواهرهم، و أنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السموات و الأرض عن ملكه، فعلمه عام و ملكه عام. ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك؛ وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم و تعريفهم إياه، ثم قال {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة 284]، فتضمن ذلك قيامَه عليهم بالعدل و الفضل، فيغفر لمن يشاء فضلًا، و يعذب من يشاء عدلًا، و ذلك يتضمن الثواب و العقاب، المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة والنبوة، ثم قال تعالى {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة 284]، فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته البتة و أن كل مقدور واقع بقَدَرِه).
(1)
الرابع: ورود معناه في السنة الصحيحة، فعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك: فمن هَمَّ
(2)
بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها وعملها، كتبها الله له
(1)
مجموع الفتاوى 14/ 131، وينظر: التفسير الكبير 7/ 108، والبحر المحيط 2/ 375.
(2)
حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الهَمَّ الذي يُؤاخذ عليه العبد، وهو ما صار عزمًا، ولا يصير الهَمُّ عزمًا حتى يقترن به قولٌ أو فعل. ينظر: مجموع الفتاوى 14/ 122.
عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة)
(1)
.
الخامس: كما يشهد له ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله تجاوز لأمتي عمَّا وَسْوَسَت- أو: حدثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم)
(2)
.
ويلخص ذلك ابن تيمية (ت: 728) فيقول: (وقد عرفتَ بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها، و هي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، و بعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء، و يعذب من يشاء، و على هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، و من قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده: بيانُ معناها و المراد منها، و ذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخًا)
(3)
.
وقد اتفقت على هذا المعنى للآية كلمةُ من سبق ذكرهم في القول بالنسخ في الآية، وكذلك من قال بأنها لا نسخ فيها- كابن عباس في رواية ابن أبي طلحة
(4)
(ت: 143)، ومجاهد (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والربيع بن أنس (ت: 139)
(5)
؛ لاختلاف القضية في الآيتين، فالأولى في إثبات الحساب على كل ما يظهر ويخفى من عمل العبد وكسبه، والثانية في نفي التكليف بما
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 11/ 331 (6491)، ومسلم في صحيحه 1/ 313 (131).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 11/ 557 (6664)، ومسلم في صحيحه 1/ 311 (127)، واللفظ للبخاري.
(3)
مجموع الفتاوى 14/ 133.
(4)
علي بن أبي طلحة سالم، مولى بني العباس، سكن حمص، واشتهرت صحيفته عن ابن عباس في التفسير، واحتج بها العلماء، ولم ير ابنَ عباس، وبينهما مجاهد أو سعيد بن جبير، صدوق، أخرج له مسلم حديثًا واحدًا، والبخاري لا يُسَميه وإنما يُعلق عن ابن عباس بِما هو من طريقه، توفي سنة (143). ينظر: الكاشف 2/ 287، وتهذيب التهذيب 3/ 171، والتقريب (ص: 698)، والعجاب في بيان الأسباب 1/ 207.
(5)
جامع البيان 3/ 199، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 572، وتفسير ابن كثير 2/ 672.
لا وُسع لهم به، أو كان نفيُ من نَفَى منهم النسخ؛ لأنه في الأخبار، وهي ممَّا لا يدخله النسخ-؛ فإن كلاهُما ذهب إلى عموم المُحاسبة، واختلفت ألفاظهم في النسخ، وقد بَيَّنَّا مُراد كُلٍّ بذلك. وهذا ممَّا يُفسِّر تكرر الرواية عن بعض السلف في هذه الآية، مَرَّةً بإثبات النسخ، وأُخرى بنفيه، كما رُويَ عن ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم
(1)
، ومجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110).
وقد جمع ابن تيمية (ت: 728) بين أقوال المفسرين في هذه الآية فقال: (وكلام السلف يوافق ما ذكرناه، قال ابن عباس: (هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يقول إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله {يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284]، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، و هو قوله {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة 284])
(2)
، وقد رُويَ عن ابن عباس:(أنها نزلت في كتمان الشهادة)
(3)
، ورُويَ ذلك عن عكرمة، والشعبي
(4)
، وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب، وذلك ككتمان العيب الذي يجب إظهاره، وكتمان العلم الذي يجب إظهاره، وعن مجاهد:(أنه الشك واليقين)، وهذا أيضًا من باب ترك الواجب؛ لأن اليقين واجب، ورُويَ عن عائشة:(ما أعلنت فإن الله يحاسبك به، و أمَّا ما أخفيت، فما عُجِّلت لك به العقوبة في الدنيا)، وهذا قد يكون مما يعاقب فيه العبد بالغم، كما سُئِلَ سفيان بن عيينة عن غمٍّ لا يعرف سببه؟ قال: هو ذنب هممت به في سِرِّك ولم تفعله فجزيت همًا به. فالذنوب لها عقوبات، السرُّ بالسرِّ، والعلانية
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 53 (4545).
(2)
جامع البيان 3/ 199 (5083).
(3)
جامع البيان 3/ 192 (5062).
(4)
ينظر: جامع البيان 3/ 193.
بالعلانية، ورُوىَ عنها مرفوعًا قالت:(سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} [البقرة 284]؟ فقال: (يا عائشة هذه معاتبة الله العبدَ مما يصيبه من النكبة والحمى حتى الشوكة، والبضاعة يضعها في كُمِّه فيفقدها، فيروع لها، فيجدها في جيبه، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكِير)
(1)
، قلت: هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يُعاقَب به المؤمن في الدنيا، وليس فيه أن كلَّ ما أخفاه يعاقب به، بل فيه أنه إذا عوقب على ما أخفاه عوقب بمثل ذلك، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة)
(2)
.
واختار هذا المعنى أيضًا ابن جرير (ت: 310)، والجصاص (ت: 370)، والثعلبي (ت: 427)، والماوردي (ت: 450)، ونسبه للجمهور، والواحدي (ت: 468)
(3)
، ونسبه للمُحَقِّقين، والزمخشري (ت: 538)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي (ت: 671)، وابن جُزَيّ (ت: 741)، وأبو حيان (ت: 745)، والشاطبي (ت: 790).
(4)
* * *
(1)
أخرجه الترمذي 5/ 221 (2991)، وأحمد 6/ 218 (25877)، وابن جرير 3/ 202 (5092).
(2)
مجموع الفتاوى 14/ 110.
(3)
شرح النووي على مسلم 1/ 314، ولم أجده في تفسيريه: الوسيط، والوجيز، فلعلَّه في البسيط.
(4)
ينظر: جامع البيان 3/ 202، وأحكام القرآن 1/ 651، والكشف والبيان 2/ 302، والنكت والعيون 1/ 360، 362، والكشاف 1/ 325، والمحرر الوجيز 1/ 389، والتفسير الكبير 7/ 109، والجامع لأحكام القرآن 3/ 272 و والتسهيل 1/ 231، والبحر المحيط 2/ 376، والموافقات 3/ 350.
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة
(1)
: (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون
(2)
على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود
(3)
سيد عبد القيس على عمر رضي الله عنه من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًا من حدود الله حقًا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر: لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ
(1)
عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي، حليف بني عَديّ، أبو محمد المدني، تابعيٌّ ثقةٌ من كبار التابعين، وُلدَ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأبيه صحبة، مات سنة بضع وثمانين. ينظر: الكاشف 2/ 99، والتقريب (ص: 517).
(2)
قُدَامة بن مظعون بن وهب بن حُذَافة بن جُمَح، أبو عمرو القرشي أخو عثمان بن مظعون، من السابقين الأوَّلين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كُلَّها مع النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة (36). ينظر: السير 1/ 161، والإصابة 5/ 322.
(3)
الجارود بن المعلى وقيل ابن عمرو العبدي، أبو المنذر، سيد عبد القيس، أسلم سنة عشر، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه، صاهر أبا هريرة، وكان معه في البحرين، توفي سنة (21). ينظر: الإصابة 1/ 552، وتهذيب التهذيب 1/ 287.
عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} .. الآية إلى {الْمُحْسِنِينَ} [المائدة 93]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما)
(1)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 240 (17076)، من طريق معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن طريقه البيهقي في السنن 8/ 315 (17293). وأخرجه البخاري في صحيحه مُختَصَرًا 7/ 371 (كتاب 64 - المغازي، باب 12، برقم: 4011)، من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به. قال ابن حجر:(ولم يذكر البخاري القصة؛ لكونها موقوفةً ليست على شرطه؛ لأن غرضه ذكر من شهد بدرًا فقط). الفتح 7/ 370، وينظر: الإفصاح، لابن هبيرة 1/ 180. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1202 (6777)، وأخرجه البرقاني في مُستَخرجه على الصحيح، كما ذكر ابن العربي في أحكام القرآن 2/ 127، والحُميدي في الجمع بين الصحيحين، كما في الإفصاح، لابن هبيرة 1/ 181، وأبو عليّ بن السَّكَن، كما ذكره ابن حجر في الإصابة 5/ 324.
وأخرجه مالك في الموطَّأ 2/ 842 (1533)، ومن طريقه الشافعي في مسنده 1/ 286، عن ثور بن زيد، عن عمر بن الخطاب، وهو مُعضَل، ووصله النسائي في الكبرى 3/ 253 (5289)، والدارقطني في سننه 3/ 166 (245)، والحاكم في مستدركه 4/ 417 (8132)، والطبراني في الأوسط 9/ 138 (9349)، والبيهقي في السنن 8/ 320 (17321 - 17322)، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 147 لأبي الشيخ، وابن مردويه، من طريق يحيى بن فليح، عن ثور بن زيد الدَّيْلي، عن عكرمة، عن ابن عباس. والخبر صحيح بطُرُقه، وينظر في بيانها: فتح الباري 12/ 71، وتلخيص الحبير 4/ 75، والإصابة 5/ 324، والمغني 12/ 499 ط/ التركي.
وإسناده صحيح، ورِجال عبد الرزاق رِجال الصحيحين، وصححه الحاكم، وابن العربي في أحكام القرآن 2/ 128.
*
تحليل الاستدراك:
ورد في رواية ابن عباس رضي الله عنه لهذه القصة: (أن الشُّرَّاب كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال وبالعصي، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثرَ منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، فكان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، ثم أُتيَ برجل من المهاجرين الأولين
(1)
وقد شرب، فأمر به أن يُجلَد، فقال: أتَجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. فقال عمر: أفي كتاب الله تجدُ ألا أجلدك؟ فقال: إن الله تعالى يقول {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93]، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله بدرًا، وأحدًا، والخندقَ، والمشاهد كلها. فقال عمر: ألا تَردُّون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحجةً على الناس؛ لأن الله تعالى يقول {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} .. [المائدة 90] الآية- ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى-، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإن الله تعالى قد نهاه أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى
(1)
هو قدامة بن مظعون، كما صرَّحت به رواية النسائي 3/ 253 (5289)، وينظر: تفسير القرطبي 6/ 192، والمُنتَقى من منهاج الاعتدال (ص: 367).
افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين. فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة)
(1)
.
وما حصل لقُدامة رضي الله عنه في هذه الرواية، حصل مثله لبعض الصحابة رضي الله عنهم، فعن علي رضي الله عنه: (أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام
(2)
، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ فقالوا: نعم؛ لقول الله {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] حتى فرغوا من الآية، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارًا، فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلًا، فلا تنظر بهم النهار حتى تبعث بهم إليّ؛ لا يفتنوا عباد الله. فبعث بهم إلى عمر، فلمَّا قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة 90] إلى آخر الآية. قالوا: اقرأ التي بعدها {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93]. قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض. قال فجلدهم ثمانين ثمانين)
(3)
.
(1)
ينظر تخريج الاستدراك.
(2)
منهم: عمرو بن معدي كرب، وأبو جندل بن سهيل رضي الله عنهم. ينظر: المغني 12/ 99، وبدائع الفوائد 3/ 92.
(3)
أخرجه أحمد في أحكام النساء (ص: 72) - بواسطة: مرويات الإمام أحمد في التفسير 2/ 78 - ، من طريق عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن علي. وأخرجه ابن حزم في المحلى 13/ 136، عن عطاء بن السائب، عن جحادة بن دثار. ولعلها تصحَّفَت من «محارب» . وابن أبي شيبة في المصنف 5/ 503 (28409)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 154، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي. وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في «أحكام القرآن» كما ذكره الشاطبي في الاعتصام (ص: 321)، والموافقات 1/ 272، و 4/ 150، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 159 لابن المنذر، وإسناده لا بأس به.
فتلَخَّصَ من مجموع الروايات السابقة، أن قُدامة رضي الله عنه، ومن فهم فهمه من الصحابة، أخذوا من الآية: جوازَ شُرب الخمر لِمَنْ اتَّقَى وآمن وعمل صالحًا. وأظهرُ ما كانت تلك الصفات في قُدامةَ رضي الله عنه؛ من السابقة في الإسلام، وشهود الهجرتين، وحضور المشاهد كُلِّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم في ذلك آخِذون بمعنىً تحتمله الآية، وتبادر لهم منها.
وكان بيان عمر وابن عباس رضي الله عنهم لهذه الشبهة أحسنَ بيان؛ إذ نَبَّه عمرُ رضي الله عنه قُدامةَ إلى أمرٍ غفلَ عنه في الآية، وهو أنه لو اتَّقَى الله تعالى حقيقةً لَمَا شرب الخمر، وهذا تحقيق للفظ الآية، واستيعاب لمعناها، وحقيق بمثل عمر رضي الله عنه أن يفهم هذا الفهم؛ فهو المُحَدَّثُ المُلهَم.
ثم كان بيان ابن عباس رضي الله عنه أكثر استيعابًا وشمولًا؛ إذ انطلق من لفظ التقوى الشامل الذي تحدث عنه عمر، إلى سياق الآية وسبب نزولها، وهو ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنه بقوله:(إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحُجَّةً على الناس- وفي لفظ: عُذرًا للماضين، وحُجَّة على الباقين).
فقوله: (وحُجَّةً على الناس - وفي لفظ: وحُجَّةً على الباقين) تنبيه إلى سياق الآية، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين في أوَّل الآيات بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، مع تعداد أعظم مفاسدها، فقال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} .. [المائدة 90] الآية، ثم خاطب المؤمنين بعد ذلك برفع الجُناح عمَّن طَعِمَ سوى ما حَرَّم الله تعالى، {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93]، وبالأخص ما ذُكِرَ تحريمه قبل هذه الآية مِمَّا يُطعَم، وهو: الخمر والميسر. فلو تنبَّه قُدامة وغيره رضي الله عنهم لهذا السياق لعلموا أن المُباح ما سِوى ذلك المُحَرَّم. وفي قوله رضي الله عنه: (إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، - وفي لفظ: عُذرًا للماضين)، تنبيه إلى سبب نزول الآية، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت ساقي القوم يوم حُرِّمَت الخمر في بيت
أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ
(1)
؛ البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمَت. قال: فَجَرَت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرِقْهَا. فَهَرَقْتُها، فقال بعض القوم: قد قُتِلَ قومٌ وهي في بطونهم. فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة 93]).
(2)
ثم نجد كذلك إشارة تفسيرية من علي رضي الله عنه في هذه الآية، وذلك في جوابه لعمر رضي الله عنه، لَمَّا سأله عن رأيه فيهم فقال:(أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه)؛ لأنهم بقولهم هذا يُحِلُّون ما حرَّم الله تعالى، ويُبطِلون حكم الله تعالى الصريح في تحريم الخمر، وتشريع الحدِّ عليه، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ مُؤَدَّى كلامهم: لا حَدَّ في الخمر؛ فإنه لو كان من شرب الخمر، واتقَى الله في غيره لا يُحَدّ على الخمر ما حُدَّ أحد. فصار المعنى عند عليٍّ رضي الله عنه {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] ممَّا أحلَّ الله لهم. والله أعلم.
*
الحكم على الاستدراك:
ما فهمه قُدامة ومَن معه مِنْ الصحابة رضي الله عنهم وإن كان هو المُتَبادر لهم من الآية، إلا أنه باطل بدلالة نفس الآية على ذلك، وبدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وبإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تخطِئَتِهم. فقد اقترن رفع الجُناح عن الذين آمنوا فيما طَعِموا، بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ومن تمام معاني هذه الألفاظ اجتناب ما حَرَّم الله تعالى فيما يُطعَم، ومنه الخمر. وهذا ما أجاب به عمر وابنُ عباس رضي الله عنهم.
(1)
هو البُسر والتمر يُشدَخ ويُفضَخ ويُنبَذ في الماء. مشارق الأنوار 2/ 268، والنهاية في غريب الحديث 3/ 406.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 128 (4620)، ومسلم في صحيحه 5/ 129 (1980)، ورُويَ مثله عن ابن عباس، وجابر، والبراء بن عازب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 2/ 583.
وقد سبق ذكر دلالة السياق وأنها خاطبت المؤمنين بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، ثم خاطبتهم بنفي الجناح فيما طَعِموا، ولا شَكَّ في استثناء الخمر منه. وهو ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنه.
ودليلٌ آخرَ هو من أقوى أَدِلَّة بُطلان ما تأوَّلَه قُدامة وغيره رضي الله عنهم، وهو سبب نزول هذه الآيات، وقد مَرَّت إشارة ابن عباس رضي الله عنه إليه، قال الشاطبي (ت: 790): (ففي الحديثين- حديث عبد الله بن عامر، وابن عباس- بيان أن الغفلة عن أسباب التنْزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات).
(1)
وحيث قد اشتهر تحريم الخمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراقها الناس في طرقات المدينة، وحَدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من شربها، وأجمع الصحابة على ذلك
(2)
؛ فإن القول بإباحتها لمن اتَّقَى مُفَضٍ إلى إبطال جميع ذلك. وهو ما أشار إليه علي رضي الله عنهم.
وقد ورد في السنة إشارةٌ إلى أن الظاهر الذي فهمه قدامة ومن معه غير مُرَاد، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود حين نزلت هذه الآية:(قيل لي أنت منهم)
(3)
، ولم يقع من ابن مسعود رضي الله عنه شيءٌ ممَّا فهمه قدامة رضي الله عنه من هذه الآية، فصار انطباق الآية على حال ابن مسعود من جهة المعنى السياقي الكامل الذي ذهب إليه عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.
وقد لَخَّصَ بعض ما سبق الإمام الشاطبي (ت: 790) بقوله عن هذه الآية: (فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخولَ كلِّ مطعوم، وأنه لا جُناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جُملته الخمر، لكنَّ هذا الظاهر يُفسِدُ جَرَيَان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لمَّا حَرَّم
(1)
الموافقات 4/ 151، وينظر منه: 4/ 146، 260.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 11/ 403، وشرح العقيدة الطحاوية 2/ 446، وفتح القدير 2/ 105.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 13 (2459).
الخمر قال {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة 93] فكان هذا نقضًا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معًا؛ فلا يُمكن للمُكَلَّف امتثال. ومن هُنا خَطَّأ عمرُ بن الخطاب من تأوَّلَ في الآية أنَّها عائدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ من التحريم في الخمر، وقال له:(إذا اتَّقَيت اجتَنَبتَ ما حرَّم الله)، إذ لا يَصِح أن يُقال للمكلَّف:(اجتَنب كذا)؛ ويُؤَكَّد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدًّا، ثم يُقال:(فإن فعَلتَ فلا جُناح عليك)، وأيضًا فإن الله أخبر أنها تصُدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء بين المُتَحابَّين في الله، وهو بعد استقرار التحريم كالمُنافي لقوله {إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [المائدة 93]، فلا يُمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شُربَت؛ لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يُطاق)
(1)
.
وبهذا ينحصر الصواب من معنى الآية في أنه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] ممَّا أحلَّ الله لهم، بعد تحريم الخمر، ولم يقربوا ما حَرُمَ عليهم، ومن مات قبل تحريمها وقد شربها فلا جُناح عليه.
وهو المعنى الجامع لأقوال الصحابة رضي الله عنهم عمر وعلي وابن عباس، وهم من أعلم الصحابة بالتفسير- كما سبق، ومن ثَمَّ تكون هذه الآية مُتَّصِلة بالآية قبلها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة 87]. وشَبَّهَها الشافعي (ت: 204) بقوله تعالى {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة 105]، ولدلالة "إذا" فيها على المستقبل، كما سيأتي عن النحاس (ت: 338).
وقيل بعكس ذلك، وهو أن المُراد: فيما طَعِموا قبل تحريمها- بحسب سبب النُّزول-، ثم المُباحات من المطعومات بعد ذلك من صور العموم الداخلة في الآية. ونسبه ابن الجوزي (ت: 597) لابن عباس والجمهور
(2)
، واستظهره
(1)
الموافقات 1/ 157.
(2)
زاد المسير (ص: 406)، وينظر: جامع البيان 7/ 52.
أبو حيَّان (ت: 745)
(1)
.
والأوّل أرجح؛ لاعتماد الصحابة عليه في البيان، كما في جواب ابن عباس رضي الله عنه لعمر، إذ جعل سبب النُّزول من الأوجه التي تبين المُراد، ولم يقتصر عليه في البيان، فهو تابعٌ للمعنى العام الذي استدل له بالسياق وبحقيقة اللفظ- كما فسره عمر- وأشار إلى سبب النُّزول بين ذلك. ولِما استقر من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهو الحق
(2)
. واختاره الشافعي (ت: 204)
(3)
، والنحاس (ت: 338) وقال: (هذا أحسن من الأوَّل؛ لأن فيها {إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا} [المائدة 93]، و"إذا" لا تكون للماضي، فالمعنى على هذا- والله أعلم-: للمؤمنين قبلُ وبعدُ على العموم)
(4)
، واختاره الزمخشري (ت: 538)، وابن العربي (ت: 543)، والبيضاوي (ت: 685)، والطوفي (ت: 716)
(5)
، وابن تيمية (ت: 728)
(6)
، وأبو السعود
(7)
(ت: 982)، والشوكاني (ت: 1250)
(8)
.
(1)
البحر المحيط 4/ 18.
(2)
ينظر: التحرير والتنوير 7/ 34.
(3)
أحكام القرآن، جمع البيهقي 2/ 185.
(4)
معاني القرآن 2/ 358، وينظر: إعراب القرآن 1/ 281.
(5)
ينظر: الكشاف 1/ 662، وأحكام القرآن 2/ 126، 128، وأنوار التنْزيل 1/ 285، والإشارات الإلهية 2/ 137.
(6)
مجموع الفتاوى 20/ 153، وفي 11/ 403 فسَّرَها بالمعنى الثاني على سبب النُّزول، مع ذِكره لقصة قُدامة وجواب عمر له.
(7)
محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، أبو السعود الحنفي، مفسر فقيه شاعر، صَنَّف تفسيره: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة (982). ينظر: شذرات الذهب 10/ 584، والكواكب السائرة 3/ 35.
(8)
ينظر: إرشاد العقل السليم 3/ 77، وفتح القدير 2/ 105.
وممَّا أفاده هذا الاستدراك:
أولًا: بيان تفاوت الصحابة رضي الله عنهم في العلم والفقه.
ثانيًا: أن أهل العلم بتفسير كلام الله تعالى هم أولى الناس بالدفاع عنه، وكشف ما اشتبه منه على الناس، وهو ما كان من ابن عباس وعلي رضي الله عنهم حين دعا عمرُ الصحابةَ لإبطال هذه الشبهة.
ثالثًا: (أنه ليس لكل أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه، ألا ترى عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لَمَّا احتج عليه بالآية، فقال له:(لو اتقيت لاجتنبت ما حَرَّم الله عليك)
(1)
.
رابعًا: أبانت هذه الرواية عن غرض مُهِمٍّ من أغراض الاستدراكات في التفسير؛ وهو: كشف ما اشتبه معناه على الناس، وإقامة الناس على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى.
* * *
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له: إن ابن مسعود رضي الله عنه لا يُوَرِّث الموالي دون ذوي الأرحام، ويقول: إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. فقال ابن عباس: (هيهات هيهات، أين ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب، فنَزلت {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75]. يعني: أنه يورِّث المولى)
(2)
.
(1)
الإفصاح، لابن هبيرة 1/ 183 بتصرف يسير.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1743 (9209)، عن القاسم بن أبي بكر، عن ابن عباس. والحاكم في مستدركه 4/ 382 (8001)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرج آخره عن ابن عباس أبو داود في السنن 3/ 129 (2924)، والبيهقي في السنن 6/ 262 (12307 - 12309)، وإسناده حسن.
وإسناده حسن. وصححه الحاكم.
*
تحليل الاستدراك:
أخذ ابنُ مسعود رضي الله عنه من هذه الآية: تقديمَ ذوي الأرحام على المولى المُعتِق في إرث العتيق، مُعتَمِدًا في ذلك على مُطلَقِ تقديم ذوي الأرحام على غيرهم في ظاهر قوله تعالى {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75]. والظاهر أن مُراد ابن مسعود رضي الله عنه من ذلك حرمان المولى المُعتِق من إرث العَتيق، فإن هذا الذي يستوجب الإنكار الصريح من ابن عباس رضي الله عنه، كما أنه تفسير الراوي الذي شهد سياق الموقف، وهو أولى ممَّا سواه من الفهم المعتمد على لفظ الخبر، حين عَبَّرَ عن جواب ابن عباس بقوله:(يعني أنه يُوَرِّث المولى)، فيقابله قول ابن مسعود في عدم توريث المولى، ثم إن توريث المولى مع ذوي الأرحام- لو فُهِمَ من كلام ابن مسعود- ليس بمحل خلاف بين الصحابة، ولا يُنكِر عليه فيه ابنُ عباس، وإنما المُخالف لقولهم كما سيأتي: عدم توريث المولى من عتيقه
(1)
، قال الجصاص (ت: 370): (وذهب عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه إلى أن ذوي الأرحام أولى من مَولى العِتَاقة، واحتَجَّ فيه بظاهر الآية)
(2)
، وقول ابن مسعود هذا مَبنيٌّ على أن المُراد ب"أولي الأرحام" في هذه الآية المعنى الخاص في علم الفرائض، وهم: القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة.
فَلَمَّا أُخبِر ابن عباس رضي الله عنه بقول ابن مسعود هذا استنكره، وقال:(هيهات هيهات، أين ذهب؟)، ثم استدلَّ على بُعدِه بقوله: (إنما كان المهاجرون يتوارثون
(1)
نقل النووي الإجماع على ثبوت الولاء لمن أعتق. شرح مسلم 4/ 110، وينظر: الإجماع، لابن المنذر (ص: 130)، وموسوعة الإجماع 3/ 1121.
(2)
أحكام القرآن 3/ 99.
دون الأعراب، فنَزلت {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ} [الأنفال 75] الآية)، وهذا استدلالٌ منه بسبب نزول الآية، مُستَشهدًا به على إرث مولى العِتاقة من المُعتَق، وبذكره لسبب النُّزول هذا أخرَجَ الآية من المعنى الخاص ل"ذوي الأرحام" في علم الفرائض، إلى المعنى العام لها، فلا يُستَدَل بها على ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه.
فإن قيل: فمن أين أثبت ابنُ عباس رضي الله عنه استحقاق المولى للإرث من المُعتَق، مادامت هذه الآية ليست في سياق قسمة الفرائض؟
فيُقال: يُستفاد ذلك من إبطال ابن عباس لدليل عدم توريث المولى؛ فيبطُلُ به المنع، ويثبُت به مُقابله وهو: توريث المولى.
فيتلَخَّص عن ابن عباس رضي الله عنه في هذه الرواية أمران:
الأول: أن الآية في ذوي الأرحام بالمعنى العام، وهم: جميعُ القرابات، وهذا واضح من ذكره لسبب النُّزول.
الثاني: أن مولى العِتاقَة يرثُ من عتيقه، وهذا مفهوم الكلام، ونصَّ عليه الراوي. والله أعلم.
*
الحكم على الاستدراك:
أخَذَ ابنُ مسعود رضي الله عنه في هذه الآية بظاهرها؛ فحمل "أولوا الأرحام" فيها على المعنى الخاص في علم الفرائض، وأعانه عليه سِبَاق الآية المُحتَمِلُ لأن يكون في الميراث، وذلك قوله تعالى {أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال 72].
ووافقه ابن عباس رضي الله عنه في كون الآية في سياق التوارث، وأخذَ هنا بعموم اللفظ "أولوا الأرحام" في أصل اللغة، مع اعتماده على سبب نزول الآية.
وما فهمه ابن عباس رضي الله عنه من الآية هو الصواب؛ فلا يُخَصّص اللفظ العام بلا موجب تخصيص، وفي قِصَّة الآية وسبب نزولها بيانٌ صريحٌ للمعنى المُراد، وقد ورد
مثله عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: (أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75]، وذلك أنَّا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم وتوارثنا، فآخى أبو بكر رضي الله عنه خارجةَ بن زيد، وآخى عمرُ رضي الله عنه فلانًا، وآخى عثمان رضي الله عنه رجلًا من بني زُرَيق بن سعد الزرقي، قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد، قيل لي: قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته، فوجدت السلاح قد ثَقَّلَه فيما نرى، فوالله يا بُني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا)
(1)
، وعن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كتب إلى شريح القاضي (ت: 78)
(2)
: (إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يُعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنَزلت {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75]، فلما نزلت تُرِكَ ذلك)
(3)
، وممَّن قال بنسخ هذه الآية لتوارث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض دون الأعراب ومن لم يُهاجر: مجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسُدِّي (ت: 128)، وابن زيد (ت: 182)، وغيرهم.
(4)
وذكر الجصاص (ت: 370) رأيَ ابن مسعود هذا ثُمَّ قال: (وليس هو كذلك عند
(1)
تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1742 (9206)، والدر 4/ 107.
(2)
شريح بن الحارث بن قيس الكِندِي، أبو أمية الكوفي، القاضي، عالمٌ فقيه مُخضرم، توفي سنة (78) وقيل غيرها. ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 428، والسير 4/ 100.
(3)
جامع البيان 10/ 75 (12712)، والدر 4/ 107.
(4)
ينظر: أحكام القرآن، للقاضي إسماعيل بن إسحاق (ص: 104)، وجامع البيان 10/ 67، وقد ذَكَرَت ذلك جُلُّ كتب النسخ في القرآن، نحو: الناسخ والمنسوخ، للزهري (ص: 27)، والناسخ والمنسوخ، للنحاس 1/ 474، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: 304)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: 37)، والناسخ والمنسوخ، لابن حزم 1/ 39، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه (ص: 35).
سائر الصحابة)
(1)
، وقال ابن كثير (ت: 774): (وأما قوله تعالى {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75]، أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ} [الأنفال 75] خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدْلُون بوارث، كالخالة، والخال .. ، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد؛ على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء، اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص)
(2)
، وقال الشنقيطي (ت: 1393): (أولوا الأرحام، معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات، وشَذَّ قومٌ هُنا وقالوا: إن المُراد بها أرحام العصبات الخاصة، وممَّن نصر هذا القول: أبو عبد الله القرطبي في تفسيره
(3)
، وهو ليس بصواب، وما استدلُّوا به في ذلك لا ينهض حُجَّةً؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيرًا ما تُطلِق "الرحم" على قرابة العصبات، دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: (وصلتك رَحِم)، يعنون به رحم العصبات لا غيرها، وقالت قُتَيْلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور، لَمَّا قَتلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم النضرَ بن الحارث في رجوعه من بدر، قالت في شعرها
(4)
:
ظَلَّت سيوف بني أبيه تَنُوشُه
…
لله أرحَامٌ هناك تشَقَّقُ
(1)
أحكام القرآن 3/ 99.
(2)
تفسير القرآن العظيم 4/ 1617.
(3)
الجامع لأحكام القرآن 8/ 38، وممَّن قال به أيضًا: ابن العربي في أحكام القرآن 2/ 363، والرازي في التفسير الكبير 15/ 170.
(4)
نسبها ابن إسحاق وابن هشام لقُتَيْلة بنت الحارث، وقال السهيلي: الصحيح أنها بنت النضر بن الحارث لا أخته. ينظر: سيرة ابن هشام 3/ 42، والروض الأُنُف 3/ 218، والجامع لأحكام القرآن 8/ 38.
فَصَرَّحت بان مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني: من بني عمِّه وعصَبَتِه، وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غيره من إطلاق ذوي الأرحام على جميع القرابات. وهذه الآية ثَبَت في الصحيحين وغيره- ولا يكاد يُختَلَف فيه بين العلماء- أنها نسخت الموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمُؤاخاة والحِلْف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمُؤاخاة، ولا يرث القريب من قريبه شيئًا إذا كان لم يُهاجر، كما تقدَّم في قوله {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال 72]، وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المُراد {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ} [الأنفال 75] أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث، أي: من الهاجرين الذين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أوَّلًا بميراث القريب قريبه، والولي وليّه)
(1)
.
وقول ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية محلُّ اتفاقِ أكثر المفسرين، وممَّن ذهب إليه مقاتل (ت: 150)، والشافعي (ت: 204)، وأحمد ابن حنبل (ت: 241)، وابن جرير (ت: 310)، والزجاج
(2)
(ت: 311)، والنحاس (ت: 338)، والسمرقندي (ت: 375)، والواحدي (ت: 468)، ونسبه لجماعة المفسرين، والسمعاني (ت: 489)، ونسبه لأكثر المفسرين، والبغوي (ت: 516)، والزمخشري (ت: 538).
(3)
* * *
(1)
العذب النمير 5/ 2099 بتصرف يسير، وينظر: 5/ 2076.
(2)
إبراهيم بن السَّريّ بن سهل، أبو إسحاق الزَّجَّاج، نسبةً إلى خرط الزجاج، إمامٌ لُغَويٌ مشهور، صَنَّف: معاني القرآن، والاشتقاق، وغيرهما، توفي سنة (311). ينظر: معجم الأدباء 1/ 51، وبغية الوُعاة 1/ 411.
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 31، والرسالة (ص: 589)، وسيرة ابن هشام 1/ 677، وجامع البيان 10/ 74، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 425، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 175، وبحر العلوم 2/ 29، وأحكام القرآن، جمع البيهقي 1/ 146، والوسيط 2/ 474، وتفسير السمعاني 2/ 283، ومعالم التنْزيل 3/ 381، والكشاف 2/ 232، ومرويات الإمام أحمد في التفسير 2/ 269.
[18]{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف 106].
عن المطلب بن عبد الله
(1)
قال: (قرأ ابن الزبير آية فوقف عندها، أسهرته حتى أصبح، فلما أصبح قال: من حبر هذه الأمة؟ قال: قلت: ابن عباس. فبعثني إليه فدعوته فقال له: إني قرأت آية كنت لا أقف عندها، وإني وقفت الليلة عندها، فأسهرتني حتى أصبحت {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف 106]، فقال ابن عباس: لا تُسهرْك؛ فإنّا لم نُعنَ بها، إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان 25، والزمر 38]، {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون 88 - 89]، فَهُمْ يؤمنون هاهنا وهم يشركون بالله)
(2)
.
(1)
المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، تابعي صدوق من وجوه قريش. ينظر: الكاشف 2/ 270، وتهذيب التهذيب 4/ 93.
(2)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة 2/ 953 (1849)، وروى ابن جرير في تفسيره 13/ 100 (15203) نحوه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وليس فيه ذكر ابن الزبير، وحسَّنَه ابن حجر في الفتح 13/ 503. ونحوه كذلك عند ابن جرير في تفسيره 13/ 102 (15209)، من طريق العوفيين عن ابن عباس، وهي نسخة ضعيفة، قال السيوطي: (وطريق العوفي عن ابن عباس أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرًا، والعوفي ضعيفٌ ليس بواهٍ، ورُبَّما حَسَّنَ له الترمذي). الإتقان 2/ 376، ومراده بالذي رُبَّما حَسَّن له الترمذي: عطية بن سعد. ينظر: تاريخ بغداد 5/ 322، ولسان الميزان 5/ 174. وأخرج نحوه البخاري في خلق أفعال العباد (ص: 94) (376)، وابن جرير في تفسيره 13/ 100 (15204)، من طريق أبي الأحوص، عن سِماك، عن عكرمة. وابن أبي حاتم في تفسيره 7/ 2207 (12034) به عن عكرمة عن ابن عباس، وإسناده حسن. قال ابن معين عن سماك بن حرب:(ثقة، كان شُعبَة يُضَعِّفه، وكان يقول في التفسير: (عكرمة)، ولو شئتُ أن أقول له:(ابن عباس) لَقَالَه). تهذيب التهذيب 2/ 114، وهذا يُفَسِّر رواية ابن جرير عن عكرمة، ورواية ابن أبي حاتم عنه عن ابن عباس، وكلاهما من نفس الطريق.
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
أسهرَت هذه الآيةُ ابنَ الزبير رضي الله عنه حتى أصبح، وما أسهره فيها أحد أمرين: إمَّا استشكاله اجتماع الإيمان والشرك في المرء في وقت واحد، أو خوفه من أن يكون معنى الآية شامل لعموم الناس، من غير تخصيص لصنف معيَّن منهم، فخَشِيَ أن يقع فيما يقتضي دخوله في ذلك الوصف، فأسهره خوفه، كما هي عادة الصحابة رضي الله عنهم في مثل ذلك. والأقرب أنه رضي الله عنه فهم من الآية العموم وأنه ربَّما اجتمع في الإنسان كفرٌ وإيمانٌ ولو كان من المسلمين، ويُؤَيد هذا جواب ابن عباس رضي الله عنه على هذه القضية الثانية، وزوال إشكالها عن ابن الزبير بعد ذلك، ويُقَوِّيه عادةُ الصحابة رضي الله عنهم في الأخذ بالعموم واعتقاده، ثمَّ إن الاحتمال الأول ممَّا لا يكاد يخفى على أحد من الصحابة
(1)
، وهو مترَتِّبٌ على القول باشتمال هذه الآية على بعض المسلمين.
وجواب ابن عباس رضي الله عنه في بيان معنى الآية معتمد على سياق الآية، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى في غيرما موضع، فالحديث في هذه الآية مُتَّصل في وصف قوم ليسوا بمؤمنين، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف 103]، فنفى الإيمان عن أكثر الناس، وهذا في حق الكافرين، ثم وصفهم بإعراضهم عن الآيات في السماوات والأرض، {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ
(1)
وهو من أصول أهل السنة، قال ابن القيم:(فإنَّهم مُتَّفِقون- أي: أهل السنة- على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين، ويكون محبوبًا لله مبغوضًا له من وجهين أيضًا، بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله، كما قال تعالى {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران 167]، وقال {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف 106]، فأثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك، فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، وإن كان معه تصديق لرسله، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر، فهؤلاء مستحقون للوعيد، أعظم من استحقاق أرباب الكبائر). مدارج السالكين 1/ 503.
عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف 105]، ثم بَيَّنَ أنَّهم مع إيمانهم بخالقها ومدَبِّرها وهو الله، فإنهم مشركون في عبادته غيره، في أنواع العبادات القلبية والقولية والعملية. ثم استشهد ابن عباس رضي الله عنه على أن هذه الآية في غير المسلمين- (فإنَّا لم نُعْنَ بها) - بورود ذلك المعنى في كتاب الله تعالى، كما في آيتي لقمان والمؤمنون اللتين استشهد بهما، وكما في قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف 9]، وقوله {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف 87]، وقوله {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون 86 - 87]، وغيرها في كتاب الله كثير.
(1)
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه في أن هذه الآية في غير المسلمين هو الراجح؛ لدلالة السياق عليه كما سبق، ولورود نحو هذا الخطاب كثيرًا في كتاب الله مُرادًا به الكافرين، ودَلَّ عليه كذلك التعبير بالجملة الاسمية في قوله {وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف 106]، فإنه يفيد مُلازمتهم للشرك، واتِّصافهم به، لا كوصفهم بالفعل، كما لو قال:(وهم يشركون)، فالاسم أقوى وأثبت من الفعل، فإن الجملة الاسميّة تفيد الثبوت والدوام والاستقرار، بخلاف الفعلية التي تفيد الحدوث والتجدد والتغَيُّر
(2)
، فهم ثابتون دائمون على شركهم، وهو الأصل فيهم، وإن ادَّعوا الإيمان، أو ظنوا أنهم مؤمنون في زعمهم ولجهلهم.
وأمَّا قوله رضي الله عنه: (إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب)، فهو من باب التمثيل لا الحصر،
(1)
ينظر: أضواء البيان 3/ 55.
(2)
ينظر: شرح الطِّيبِي على المشكاة 3/ 917، 1001، والتعبير القرآني (ص: 22)، ولمسات بيانية في نصوص من التنْزيل (ص: 84)، وينظر في التأصيل والتمثيل لهذه المعاني كتاب: معاني الأبنية في العربية، باب:(الاسم والفعل).
أي: كما هو حال أهل الكتاب، فإنَّهم أظهر من ادَّعى الإيمان وهم مشركون. وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أمثلة أخرى لمن انطبق عليه وصف الآية، فمن طريق العوفيين السابق قال في هذه الآية:(يعني النصارى)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية:(من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون)، وعن عكرمة عن ابن عباس قال:(سلهم من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره)
(1)
، وقال رضي الله عنه:(نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، وعنه أيضًا:(أنَّهم المُشَبِّهة، آمنوا مُجملًا، وكفروا مُفَصَّلًا)
(2)
. فهي عند ابن عباس رضي الله عنه في أهل الكتاب، وفي النصارى، وفي المشركين عمومًا، وبالأخص مشركي العرب، ويجمع كلَّ من سبق قوله رضي الله عنه:(إنَّا لم نُعْنَ بها).
وعلى هذا يكون المُراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان اللغوي، لا حقيقة الإيمان؛ فإنه لا يجتمع مع نقيضه، و (الإيمان اللغوي يُجامع الشرك، فلا إشكال في تقييده به)
(3)
، أو يُراد به هنا: في زعمهم، ولجهلهم، وكما يدَّعون، أو بألسنتهم
(4)
، قال الطوفي (ت: 716): ({وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} [يوسف 106] يعني
(1)
سبق تخريج هذه الروايات الثلاث في تخريج الاستدراك، وينظر: فتح الباري 13/ 503، والدر المنثور 4/ 526.
(2)
الجامع لأحكام القرآن 9/ 178، وفي الكشاف 2/ 488:(هم الذين يشبهون الله بخلقه)، وهم المشركون الذين آمنوا بالربوبية إجمالًا، وكفروا بالألوهية تفصيلًا، فليس مراده مشبهة الصفات؛ فإنهم ما ظهروا إلا متأخرًا.
(3)
أضواء البيان 3/ 56.
(4)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/ 231، والوسيط 2/ 637، والمحرر الوجيز 3/ 285، وزاد المسير (ص: 722).
الكفار، كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة. والإيمان- وهو التصديق بالله عز وجل لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد، وهم كانوا يؤمنون بالله عز وجل وجودًا وخلقًا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادةً)
(1)
.
فالقول بأنَّ معنى الآية: إن أكثر الناس- وهم المشركون- لا يؤمنون بالله في ربوبيته إلا ويشركون غيره في عبادته. هو الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، ومنهم: مجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، والشعبي (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، وقتادة (ت: 117)، وابن زيد (ت: 182)، وعطاء (ت: 114)، والضحاك (ت: 105)
(2)
، ومقاتل (ت: 150)، والثوري
(3)
(ت: 161)، والفراء (ت: 207)، وابن جرير (ت: 310)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والقرطبي (ت: 671)، ونسبه لأكثر المفسرين، والشنقيطي (ت: 1393).
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك أن حملَ معاني الآيات على العموم والظاهر المتبادر كانَ سمتًا عامًّا لدى الصحابة رضي الله عنه، وكان ذلك فيهم من أعظم أسباب التأثُّر بالقرآن الكريم؛ إذ يرى أحدهم نفسَه معنيًّا بلفظ الآية، داخلًا في خطابِها، فيثقلُ
(1)
الإشارات الإلهية 2/ 336.
(2)
تفسير ابن وهب 1/ 9، وسنن سعيد بن منصور 5/ 411، وجامع البيان 13/ 100، وتفسير ابن المنذر 1/ 121.
(3)
سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري، أبو عبد الله الكوفي، الإمام المفسر، أمير المؤمنين في الحديث، له تفسير للقرآن، برواية أبي جعفر النهدي، توفي سنة (161). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 538، و السير 7/ 229.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 165، وتفسير الثوري (ص: 147)، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 55، وجامع البيان 13/ 100، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 131، وإعراب القرآن، للنحاس 2/ 216، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 231، وبحر العلوم 2/ 179، وتفسير القرآن العزيز 2/ 341، والوسيط 2/ 637، والوجيز (ص: 562)، والكشاف 2/ 488، والتفسير الكبير 18/ 178، والجامع لأحكام القرآن 9/ 178، وأضواء البيان 3/ 55.
وقعها على النفس، ويمتلئ القلب منها خشيةً وخوفًا، أو راحةً وأُنسًا، بحسب معناها وسياقها. وقد تكرر هذا عنهم كثيرًا في غيرما آيةٍ وموقف
(1)
. وإن من واجب المُفَسِّر إحياءُ هذا الفقه في نفوس الناس، وإنزال النفوس من الآيات منازلها التي أنزلها منها صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليجد التالي منها ما وجدوه، فيمتثلها عن صِحَّة فهم، وصِدق اعتقاد، كما كان حالهم رضي الله عنهم.
(2)
* * *
[19] {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِ
يرًا} [الأحزاب 33].
عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب 33]، هل كانت إلا واحدة؟ فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس كيف قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ قال: فأتِ بتصديق ما تقول من كتاب الله. قال: نعم، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج 78] كما جاهدتم أول مرة، قال عمر: فمَن أُمِرَ بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزومًا وعبد شمس. فقال عمر: صدقت)
(3)
.
(1)
ينظر: الاستدراكات (1، 3، 13، 15، 39، 41، 42)، وتفسير ابن كثير 3/ 1024، والدر 2/ 647.
(2)
ينظر: الصواعق المرسلة 2/ 700.
(3)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 2/ 46 (81)، وابن سَلاَّم في تفسيره 2/ 716، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 178)، والبستي في تفسيره 2/ 125 (301)، وابن جرير في تفسيره 22/ 8 (21724)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما ذكره ابن حجر في الفتح 8/ 379، وعزاه السيوطي في الدر 6/ 530 لابن المنذر، وابن مردويه. من طريق ثور بن زيد الدِّيلِي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه. وعند ابن وهب وابن جرير: عن ثور بن زيد عن ابن عباس. بدون ذكر عكرمة، فرُبَّما أسقطه بعض الرواة، ونقل ابن حجر في التهذيب 1/ 276 عن ابن البَرْقِي:(أن مالكًا ترك ذكر عكرمة بين ابن عباسٍ وثور). وينظر: التمهيد 2/ 26. وربما أرسله ثور عن ابن عباس، وواسطته فيه عكرمة كما عُلِم، قال بشر بن عمر الزهراني: قلت لمالك بن أنس: لقي ثورُ بن زيد ابنَ عباس؟ فقال: لا، لم يلقه. جامع التحصيل 1/ 153.
وعند ابن سَلاَّم: عن الفرات بن سلمان، عن عبد الكريم الجزري، عن ابن عباس. مُرسلًا مُختصرًا.
وعند ابن جرير: عن ابن وهب، عن ابن زيد، عن سليمان بن بلال، عن ثور، به. وقد أخرجه ابن وهب عن سليمان بن بلال مباشرة، فلعلَّه أخرجه من طريقين، أو زِيدَ ابنُ زَيدٍ في طريق ابن جرير؛ فإنه أخرجه في تفسيره في موضع آخر بنفس الإسناد دون ذكر ابن زيد. ينظر: جامع البيان 17/ 267 (19201).
وإسناده صحيح.
*
تحليل الاستدراك:
اتفقت كلمة عمر وابن عباس رضي الله عنهم على جاهلية نهى الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرجنَ تبرجَ النساء فيها، ثم استشكل عمر لفظة {الأُولَى} [الأحزاب 33]، وقال:(هل كانت إلا واحدة؟)، أي أن هذه اللفظة وصفٌ كاشف لا مفهوم له، كما في قوله تعالى {عَادًا الأُولَى} [النجم 50]، فأجاب ابن عباس رضي الله عنه بأنه: ما من أولى إلا ولها آخرة، وأن لهذه اللفظة مفهوم معتبر، وهو جاهلية تأتي بعد ذلك، لها صفاتٌ وأخلاقٌ من الجاهلية الأولى، ومنها التبرج الذي نهى الله عنه أزواج رسوله صلى الله عليه وسلم. فتنبه لذلك عمر رضي الله عنه واستعاد مقالة ابن عباس، فأعادها عليه، فطلب عمر رضي الله عنه من ابن عباسٍ نظير هذا الأسلوب في كتاب الله تعالى؛ ليزداد طمأنينة إلى هذا القول، فقرأ له ابن عباس قوله تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج 78]، وزاد:(كما جاهدتم أول مرة)
(1)
، قال الرازي في بيان معناها: (أن يجاهدوا آخِرًا، كما جاهدوا أولًا؛ فقد كان جهادهم في
(1)
الأقرب أنها قراءة عنده، وهي شاذة، أخرجها المحاسبي في فهم القرآن (ص: 401)، ونسبها لمصحف عائشة، ونقلها ابن الجوزي في نواسخ القرآن (ص: 36) عن ابن أبي داود بإسناده. وورد نحوها عن عمر رضي الله عنه، وعزاها السيوطي في الدر 6/ 72 لابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وسياق ابن عباس لها في معرض الاستدلال من كتاب الله يقوي جعلها قراءة عنده، خاصة أنها معلومة عند عمر رضي الله عنهم.
الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت، نحو صنعهم يوم بدر)
(1)
.
*
الحكم على الاستدراك:
(لم تكن نبوَّةٌ قط إلا كان قبلها جاهلية)
(2)
، فهي فترةٌ تسبقُ مبعثَ كلِّ نَبيّ، وقد اتفق العلماء على أن قبل الإسلام جاهليةً مذمومةً في لسان الشرع، ثم اختلف المفسرون في تحديد زمن هذه الجاهلية، والأظهر أنها مابين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام
(3)
، والذي أفادته الآية أن ثَمَّةَ جاهلية قبل الإسلام، من صفات نسائها التبرج، وقد ذَمَّه الله تعالى، وحذر منه نساء نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم. وهذا ما فهمه عمر وابن عباس رضي الله عنهم من الآية، ثم زاد ابن عباس رضي الله عنه مفهوم الآية، وأنه ما من أولى إلا ولها آخرة، فهنا جاهلية أخرى، حذرت منها الآية ضمنًا. ثم استدل على قوله، بنظير هذه الآية عنده في كتاب الله تعالى، وهو استدلال بأسلوب القرآن، وطريقته في الخطاب
(4)
. ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنه غيرما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر خصالٍ وأخلاقٍ جاهلية في هذه الأمة، ومنها:
(1)
التفسير الكبير 23/ 63.
(2)
جملةٌ من حديث عمران بن حصين مرفوعًا، أخرجه الترمذي في جامعه 5/ 322 (3168)، وقال:(حسن صحيح).
(3)
عن ابن جرير، وهو قول الشعبي، ينظر: جامع البيان 22/ 8، وقال الزجاج:(والأشبه أن تكون من عيسى إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها هم الجاهلية المعروفون) معاني القرآن وإعرابه 4/ 225، واختاره مقاتل في تفسيره 3/ 45، والواحدي في الوسيط 3/ 469. وقد وردت كذلك في نصوص شرعية كثيرة. ينظر: شرح النووي على مسلم 1/ 238، وفتح الباري 7/ 184.
(4)
يعتني ابن القيم (ت: 751) رحمه الله كثيرًا بهذا النوع من الاستدلال في بيان معاني القرآن والسنة، ويُنظَر أمثلةً على ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: 119، 184)، وجلاء الأفهام (ص: 188، 258، 539).
- قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ لمَّا عيَّرَ رجلًا بأمِّه: (يا أبا ذر أَعَيَّرْته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية)
(1)
.
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منَّا من لَطَم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)
(2)
.
- وقوله صلى الله عليه وسلم: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)
(3)
. ونحوها من الأحاديث.
قال ابن جرير (ت: 310): (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب 33] التي قبل الإسلام، فإن قال قائل: أَوَ في الإسلام جاهلية، حتى يقال عَنى بقوله {الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب 33] التي قبل الإسلام؟ قيل فيه أخلاقٌ من أخلاقِ الجاهلية)
(4)
. ثم نهيُ أُمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، عن صفاتِ جاهليةٍ أدركنها، أبلغ أثرًا، وأدعى للاستجابة ممَّا لا يعرفنه من ذلك، قال ابن عطية (ت: 546): (والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فاُمِرنَ بالنُّقلَة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم)
(5)
.
وقال بقول ابن عباس رضي الله عنه أن ثَمَّةَ جاهلية أُخرى بعد الإسلام على ما وُصِفتْ قبل قليل-: ابنُ زيد (ت: 182)، وابن جرير (ت: 310)، والزمخشري
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 106 (30)، ومسلم في صحيحه 4/ 291 (1661).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 195 (1294).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 531 (934).
(4)
جامع البيان 22/ 7.
(5)
المحرر الوجيز 4/ 384.
(ت: 538)، والبيضاوي (ت: 685)، وأبو حيان (ت: 745).
(1)
ولا يتعارض هذا مع قول من نفى جاهلية أُخرى تقابل الأولى المذكورة في الآية، كابن العربي (ت: 543)، وابن عطية (ت: 546)، والسيوطي (ت: 911)
(2)
، فإن المُثبِتَ للجاهلية الأُخرى أثبَتَ لها صفةً خاصةً تكون بِها؛ وهي بعض صورها وأخلاقها، وقد صحَّت بذكرها الأحاديث، لا أنها جاهليّة عامَّة كالتي كانت قبل الإسلام فإن هذا ممتنعٌ عند الجميع. والله أعلم.
* * *
[20]{يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان 16].
عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنه: (قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
واضح من الرواية ذهاب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن البطشة الكبرى: يوم بدر، وحكى ذلك ابن عباس رضي الله عنه ثم أتبَعَه مُؤكدًا قوله، إن البطشة الكبرى: يوم القيامة، واختيارهما لهذه المعاني في الآية مبنيٌّ على اختيارهما لمعنى الآيات قبلها، وهي قوله تعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ
(1)
ينظر: جامع البيان 22/ 7، والكشاف 3/ 521، وأنوار التنْزيل 2/ 835، والبحر المحيط 7/ 224.
(2)
ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي 3/ 452، والمحرر الوجيز 4/ 384، والإكليل 3/ 1109.
(3)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 25/ 152 (24043)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 354 لعبد بن حميد. من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَّة، عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة.
وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في تفسيره 7/ 3165، والسيوطي في الدر 7/ 354.
مَّجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان 10 - 16]، فذهب ابن مسعود رضي الله عنه إلى أن جميع ذلك في الدنيا، فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة- وفي لفظ: في المسجد، عند أبواب كندة
(1)
-، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيتُ بن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال:(من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص 86]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف)، فأخذتهم سَنةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله. فقرأ {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الإٌ قوله {عَائِدُونَ} [الدخان 10 - 15]. أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى} [الدخان 16] يوم بدر)
(2)
.
وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن ذلك الدخان لم يأتِ، وهو آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: (ما نِمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت)
(3)
.
(1)
بابٌ بالكوفة. ينظر: شرح النووي على مسلم 6/ 280.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 370 (4774)، ومسلم في صحيحه 6/ 280 (2798).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في التفسير 3/ 182 (2805)، والحاكم في المستدرك 4/ 506 (8419)، وابن جرير 25/ 147 (24023)، وابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 3164، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 353 لعبد بن حميد وابن المنذر. وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن كثير، والسيوطي.
فكلاهما أجرى تفسيره لهذه الآية بحسب سياق الآيات قبلها، وقَوَّى المعنى عند ابن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان 12]، إذ قال:(أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!)، فصار المراد بذلك في الدنيا لا الآخرة.
*
الحكم على الاستدراك:
وافقَ ابنَ مسعود رضي الله عنه في قوله: أن الدُّخان المذكور في الآية قد مضى على ما سبق وصفه جماعة من المفسرين، كأبي العالية (ت: 93)، وإبراهيم النخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، وعطية العوفي
(1)
(ت: 111)
(2)
، واختاره ابن جرير (ت: 310)، وأَيَّدَه بأن سياق الآيات في خطاب مشركي قريش، قال تعالى {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان 8 - 9]، ثم أمر الله نبيه رضي الله عنه بالصبر عليهم إلى أن يأتي بأسه وتهديده، {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان 10]، (فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم، قد أحلَّه بهم، أشبه من أن يكون آخَرَه عنهم لغيرهم)
(3)
. وهذا يُضاف إلى ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه في رَدِّه في الرواية السابقة إذ قال في قوله تعالى {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان 12]: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!).
(4)
ووافَقَ ابنَ عباس رضي الله عنه في قوله: بأن الدُّخان آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر رضي الله عنهم،
(1)
عطية بن سعد بن جنادة العوفي القيسي، أبو الحسن الكوفي، أخذ عن ابن عباس وابن عمر، شيعي صدوق يُخطئ كثيرًا، له تفسير القرآن، توفي سنة (111). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 510، والسير 5/ 325.
(2)
ينظر: جامع البيان 25/ 146، وتفسير ابن كثير 7/ 3162.
(3)
جامع البيان 25/ 148.
(4)
ينظر: المفهم 7/ 396.
والحسن (ت: 110)، وابن أبي مليكة (ت: 117)
(1)
، واختاره ابن كثير (ت: 774)، واستدل له بما يأتي:
أولًا: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات)، ذكر منها:(الدُّخان)
(2)
.
ثانيًا: قوله صلى الله عليه وسلم لابن صَيَّاد: (إني خَبَأتُ لك خَبْئًا. قال: الدُّخّ. فقال له صلى الله عليه وسلم: اخسأ فلن تعدُوَ قدرك. قال: وخَبَّأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان 10])
(3)
، قال ابن كثير: (وهذا فيه إشعار بأنه من المنتَظَر المرتَقَب، وابن صَيَّاد كاشف على طريقة الكهَّان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون
(4)
العبارة، ولهذا قال:(هو الدُّخّ)، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّتَه، وأنها شيطانية، فقال صلى الله عليه وسلم:(اخسأ فلن تعدو قدرك).
(5)
ثالثًا: حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان)، قال حذيفة رضي الله عنه: يا رسول الله وما الدخان؟، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان 10 - 11]، يملأ مابين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فيكون بمنْزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره)
(6)
، قال ابن جرير بعد اختياره لقول
(1)
جامع البيان 25/ 146، والمفهم 7/ 239.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 350 (2901).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 258 (1354)، ومسلم في صحيحه 6/ 364 (2924).
(4)
هو قطع الكلام وعدم الإتْمام. ينظر: لسان العرب 12/ 476، والقاموس المحيط (ص: 1036).
(5)
تفسير القرآن العظيم 7/ 3162.
(6)
أخرجه ابن جرير 25/ 147 (24026)، وضعف إسناده، وكذا ابن حجر في الفتح 8/ 436، وحكم عليه ابن كثير في تفسيره 7/ 3163 بالوضع.
ابن مسعود: (إن لم يكن خبر حذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا، وإن كان صحيحًا فرسول الله أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني
(1)
حدثني أنه سأل رَوَّادًا
(2)
عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان- هو الثوري-؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ ثم ذهبوا، فحدثوا به عني. أو كما قال. فَلِمَا ذكرتُ من ذلك لم أشهد له بالصحة)
(3)
، وقد أصاب ابن جرير (ت: 310) في تضعيفه هذا الحديث، كما ذكر ابن حجر (ت: 852) هذا الحديث وعددًا من الروايات الأُخرى والتي منها الصحيح والحسن، ثم قال بعد تضعيفه للحديث:(لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا)
(4)
.
رابعًا: الروايات الصحيحة والحسنة، المرفوعة والموقوفة، مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة.
(5)
خامسًا: أنه ظاهر القرآن ويدلُّ عليه، قال ابن كثير (ت: 774): (مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان 10] أي: بَيِّنٍ واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسَّره به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه
(1)
محمد بن خلف بن عمار العسقلاني، صدوق، مات سنة (260). ينظر: الكاشف 3/ 40، والتقريب (ص: 842).
(2)
روَّاد بن الجراح، أبو عصام العسقلاني، صدوق وحديثه عن الثوري ضعفه شديد. ينظر: الكاشف 1/ 313، والتقريب (ص: 329).
(3)
جامع البيان 25/ 148، وينظر منه: 22/ 130 (22083).
(4)
فتح الباري 8/ 436.
(5)
ينظر في ذكر تلك الروايات والحكم عليها تفسير ابن كثير 7/ 3163، وفي إعلام الموقعين 6/ 33 إشارة إلى أن قول ابن مسعود في هذه الآية من تفاسير الصحابة التي خالفت الأحاديث المرفوعة الصحاح.
في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى {يَغْشَى النَّاسَ} [الدخان 11] أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه يغشى الناس، وقوله تعالى {هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان 11] أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، كقوله عز وجل {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [الطور 13 - 14]، أو: يقول بعضهم لبعض ذلك، وقوله سبحانه وتعالى {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان 12] أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام 27]، وكذا قوله جل وعلا {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم 44]، وهكذا قال جل وعلا ههنا {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} [الدخان 13 - 14]، يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بَيِّن الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه، بل كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر 23 - 24]، الآية كقوله عز وجل {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [سبأ 51 - 54]، وقوله {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان 15] يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون 75]، وكقوله جلت عظمته {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام 28]، والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من
الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس 98]، ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه حين قالوا {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف 88 - 89]، وشعيب عليه السلام لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله)
(1)
.
سادسًا: انفراد ابن مسعود رضي الله عنه بهذا التفسير، قال ابن كثير (ت: 774): (وهذا التفسير غريب جدًا، ولم يُنقَل مثله عن أحد من الصحابة غيره)
(2)
.
سابعًا: أن اعتراض ابن مسعود رضي الله عنه لا يتوجَّه على قول ابن عباس رضي الله عنه ومن معه من الصحابة، وإنما على قول القاصّ:(يجيء دخان يوم القيامة)، قال ابن كثير (ت: 774): (وقول هذا القاصّ: إن هذا الدخان يكون يوم القيامة. ليس بجيد؛ ومن هنا تسلَّطَ عليه ابن مسعود بالرد، بل قبل يوم القيامة وجودُ هذا الدخان، كما يكون وجود هذه الآيات ثَمَّ: الدابة، والدجال، والدخان، ويأجوج ومأجوج، كما دلَّت عليه الأحاديث عن أبي سَريحة، وأبي هريرة، وغيرهما من الصحابة)
(3)
.
ومن ثَمَّ فالراجح في هذه الآية قول ابن عباس رضي الله عنه وغيره من الصحابة، في أن المُراد بالدُّخان ما يكون قبل يوم القيامة، ومن علاماتها.
(1)
تفسير القرآن العظيم 7/ 3164، ومثله في النهاية في الفتن والملاحم (ص: 114)، وينظر: التفسير الكبير 27/ 208.
(2)
النهاية في الفتن والملاحم (ص: 114).
(3)
المرجع السابق (ص: 115)، وفيه (أبي شريحة) وهو تصحيفٌ، وأبو سَريحة هو حذيفة بن أسيد الغِفاري. ينظر: شرح النووي على مسلم 6/ 351.
وكذلك يترَجَّح القول بأن المُراد بالبطشة الكبرى في ختام هذه الآيات: يوم القيامة. وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وعكرمة (ت: 105) في أصح الروايتين عنه، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، واختاره السمعاني (ت: 489)، والرازي (ت: 604)، وابن كثير (ت: 774)، وابن حجر (ت: 852)
(1)
.
* * *
[21] {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُ
سْرًا} [الطلاق 4].
عن أبي سلمة
(2)
قال: (جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالسٌ عنده، فقال: أفْتِنِي في امرأةٍ وَلَدَت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، أيصلح لها أن تتزوج. فقال ابن عباس: لا، إلا آخرَ الأجلين. قلت أنا:{وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4]. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة-. فأرسل ابنُ عباس غلامَه كُرَيْبًا
(3)
إلى
(1)
ينظر: تفسير السمعاني 5/ 124، والتفسير الكبير 27/ 208، وتفسير ابن كثير 7/ 3165، وفتح الباري 8/ 436، والكافي الشافِ 4/ 265.
(2)
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري المدنيّ، اختُلف في اسمه، أحد الفقهاء المحدِّثين المُكثرين، وكان كثير المِراء لابن عباس رضي الله عنه، قال الزهري:(أربعة من قريش وجدتهم بحورًا) وذكر منهم: أبو سلمة. وقال: (كان أبو سلمة كثيرًا ما يُخالف ابن عباس؛ فحُرِمَ لذلك منه علمًا كثيرًا)، وروى الزهري عن أبي سلمة قال:(لو رَفِقْتُ بابن عباس لاستخرجتُ منه علمًا كثيرًا)، توفي سنة (94). ينظر: السير 4/ 288، وتهذيب التهذيب 4/ 532.
وفي بعض روايات هذا الحديث أنه تمارى هو وابن عباس، ينظر: فتح الباري 8/ 522، والدر المنثور 8/ 192.
(3)
كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، أبو رِشْدِين، مولى ابن عباس رضي الله عنه، توفي سنة (98). ينظر: الكاشف 3/ 8، والتقريب (ص: 811).
أمِّ سلمة يسألها، فقالت: قُتلَ زوجُ سُبيعَة الأسلمية
(1)
وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخُطبَت، فأنكحها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو السنابل
(2)
فيمن خطبها)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن عِدَّةَ الحامل المُتَوفَّى عنها زوجُها أبعَدَ الأجلَين، وهُما: أربعةَ أشهر وعشرًا، أو أن تَضع حملها، وهُما الواردان في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234]، وقوله {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4]، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(4)
، ومأخَذُهُما في ذلك أن آية الطلاق في المُطَلَّقة، بدلالة موضوع السورة وسياق الآيات؛ فموضوع السورة الأبرز الطلاق وأحكامه، كما أن سياق الآيات ظاهرٌ في المُطَلَّقة؛ لأنها عليها عُطِفَ، وإليها رَجعَ عَقِب الكلام
(5)
. وفي هذا القول أيضًا إعْمَالٌ للدَّليلين وجمعٌ بينهما، وهو أولى من الترجيح وإهمال أحدِهِما ما دام الجمع مُمْكِنًا؛ (لأن دليل العِدَّتين صادقٌ عليها، إذ هي مُتَوَفَّى عنها، ومن ذوات الأحمال)
(6)
، قال ابن عبد البر (ت: 463): (لولا حديث سُبيعَة بهذا البيان من
(1)
هي سُبَيعَة بنت الحارث الأسلمية، وزوجها سعدُ بن خَولَة القرشي العامري. ينظر: الإصابة 8/ 171، و 3/ 45.
(2)
هو أبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث العبدري القرشي، من مسلمة الفتح. ينظر: الإصابة 7/ 161.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 521 (كتاب 65 - التفسير، باب 65 - {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق 4]، برقم: 4909)، ومسلم في صحيحه 4/ 86 (كتاب 18 - الطلاق، باب 8 - انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، برقم: 1485).
(4)
فيما أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه بسند صحيح. ينظر: فتح الباري 9/ 384، والدر 8/ 193.
(5)
أحكام القرآن، لابن العربي 4/ 214.
(6)
الإشارات الإلهية 1/ 341، والجامع لأحكام القرآن 3/ 115.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآيتين لكان القول ما قال عليٌّ وابنُ عباس؛ لأنهما عِدَّتان مُجتمعتان بصفتين، قد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج منها إلا بيقين، واليقين آخرُ الأجلين)
(1)
، وقال القرطبي (ت: 671): (وهذا نظرٌ حسنٌ، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سُبَيْعةَ الأسلَمِيَّة)
(2)
. وفيه كذلك احتياطٌ للأنساب، وحفظٌ لها باحتساب أبعد الأجلين
(3)
.
وذهب أبو هريرة رضي الله عنه وأبو سلمة (ت: 94) إلى أن أَجَلَ الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها أن تضع حملها، أخذًا بعموم آية الطلاق
(4)
، قال ابن القيم (ت: 751) عن هذه الآية: (وهذا فيه عمومٌ من ثلاث جهات:
أحدها: عموم المُخبَر عنه، وهو: أولات الأحمال، فإنه يتناول جميعَهن.
الثاني: عموم الأجل، فإنه أضافه إليهن، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يَعُمّ، فجعل وَضْعَ الحملِ جميعَ أجلهنّ، فلو كان لبعضهن أجلٌ غيره لم يكن جميعَ أجلهن.
الثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى {أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4]، ففي تأويل مصدرٍ مضافٍ، أي: أَجَلُهن وضْعُ حملِهِن. والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر 15]، وبهذا احتج جمهور الصحابة أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل)
(5)
.
(1)
الاستذكار 6/ 212، وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي 1/ 256، وفتح الباري 9/ 384.
(2)
الجامع لأحكام القرآن 3/ 115.
(3)
الإشارات الإلهية 1/ 341، والعذب النمير 2/ 877، و 3/ 1092.
(4)
الجامع لأحكام القرآن 3/ 115، وفتح القدير 1/ 430.
(5)
زاد المعاد 5/ 527.
وأكَّدَ العموم في الآية جوابُ النبي صلى الله عليه وسلم لِسُبَيعة الأسلمية رضي الله عنها، كما في الحديث.
(1)
*
الحكم على الاستدراك:
القول بأن عدَّة الحامل أن تضع حملها، أخذًا بعموم الآية هو الصواب، وعليه جمهور الصحابة، واتفقت عليه كلمة العلماء من السلف والخلف
(2)
، ويُرجحه أمور منها:
أولًا: دلالة السنة النبوية الصحيحة عليه، كما في إذنه صلى الله عليه وسلم لسُبيعَة في النكاح لَمَّا وضعت حملها، وهذا الحكم والفتوى منه صلى الله عليه وسلم مُشتَقٌّ من كتاب الله، مطابقٌ له.
(3)
ثانيًا: أنَّ عموم الآية ظاهر، والأخذ به لازم، ولا يُعَكِّر عليه عموم الآية الأخرى في العدة في البقرة، فهما (من باب تعارض الأعَمَّيْنَ من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يُخَصَّصُ به عموم المرجوح .. ، وقد بَيَّنَت السنة الصحيحة أن عموم {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق 4]، مُخَصِّصٌ لعموم {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} [البقرة 234]، مع أنَّ جماعةً من الأصوليين ذكروا أن الجُمُوع المُنَكَّرة لا عموم لها، ومن ثَمَّ فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة 234] جمعٌ مُنَكَّر فلا يَعُمُّ، بخلاف قوله {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ} [الطلاق 4]، فإنه مُضاف إلى مُعَرَّف بألْ، والمُضاف إلى المُعَرَّف بها من صيغ العموم)
(4)
. ثم مع القول بأن آية الطلاق جاءت
(1)
أضواء البيان 1/ 171.
(2)
وهو قول الأئمة الأربعة، والعلماء كافَّةً، إلا ما رُوي عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسحنون من المالكية. ينظر: الاستذكار 6/ 213، وبداية المجتهد (ص: 466)، والمحلى 11/ 301، والمغني 11/ 43، والجامع لأحكام القرآن 3/ 115، وشرح مسلم، للنووي 4/ 85، وزاد المعاد 5/ 530.
(3)
زاد المعاد 5/ 528.
(4)
أضواء البيان 1/ 172، وينظر نحوه في: شرح مسلم، للنووي 4/ 85، وزاد المعاد 5/ 530.
في سياق المُطَلَّقات؛ لأنه فيهن وَرَد، وعلى ذِكرهن انعطف، فإنَّ عطفه على المُطَلَّقة لا يُسقِط عمومه، خاصَّةً مع استحضار الحكمة من تشريع العِدَّة في ذلك.
(1)
ثالثًا: تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة، قال ابن مسعود رضي الله عنه:(من شاء لاعَنتُه، ما نَزَلت {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق 4]، إلا بعد آية المتوَفَّى عنها زوجها)
(2)
، قال الجصاص (ت: 370): (قد تضمَّنَ قول ابن مسعود هذا معنيين، أحدهما: إثبات تاريخ نزول الآية، وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها. والثاني: أن الآية مُكتَفيةٌ بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مُضَمّنة بما قبلها من ذكر المُطَلَّقة، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المُطَلَّقات والمُتَوفى عنهنَّ أزواجهن، وأن لا يجعل الحكم مقصورًا على المُطَلَّقات لأنه تخصيص عموم بلا دلالة)
(3)
، و من هنا ذهب جمعٌ من العلماء إلى أن آية الطلاق ناسخةٌ لآية البقرة
(4)
، قال ابن القيم (ت: 751): (فابن مسعود رضي الله عنه أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخةٌ لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصصةٌ لها إن لم يكن عمومها مرادًا، أو مُبَيِّنةٌ للمراد منها، أو مقيدةٌ لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث فيتعين تقديمها على تلك وإطلاقها، وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه ورسوخه في العلم، ومما يُبَيِّنُ أن أصول الفقه سَجِيَّةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلفونها، كما أن العربية والمعاني والبيان وتوابِعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم، وأنَّى له؟!)
(5)
.
(1)
ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي 1/ 257. وفي حكمة تشريع العدة ينظر: زاد المعاد 5/ 590، وإعلام الموقعين 3/ 294، وحجة الله البالغة 2/ 256.
(2)
جامع البيان 28/ 182 (26587)، وقد ثبت ذلك عن ابن مسعود من عدة طرق. ينظر: الفتح 9/ 384.
(3)
أحكام القرآن، للجصاص 3/ 612.
(4)
ينظر: بدائع الفوائد 3/ 95، والجامع لأحكام القرآن 3/ 115، وفتح الباري 9/ 384.
(5)
زاد المعاد 5/ 532.
رابعًا: ويدلُّ على أن المُتوفَّى عنها زوجها داخلةٌ في الآية، ومُرادَةٌ بها (اتِّفاقُ الجميع على أن مُضيَّ شهور المُتَوَفَّى عنها زوجها لا يوجِب انقضاء عدَّتها دون وضع الحمل، فدلَّ على أنها مُرادة بها، فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره، ولو جاز اعتبار الشهور لأنها مذكورة في آيةٍ أُخرى، لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المُطَلَّقَة؛ لأنها مذكورة في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة 228]، وفي سقوط اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل)
(1)
.
خامسًا: رجوع ابن عباس رضي الله عنه فيما يُذكَر- عن قوله بعدما ثبت له خلافه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المعهود عنهم رضي الله عنهم، قال ابن حجر (ت: 852): (ويُقال إنه رجع عنه، ويُقَوِّيه أن المنقول عن أتباعه وِفاق الجماعة في ذلك)
(2)
، وقال ابنُ جُزَيّ (ت: 741): (وقد ذُكِر أن ابن عباس رضي الله عنه رجع إلى هذا الحديث- أي: حديث سُبَيْعة- لَمَّا بلغه، ولو بَلَغَ عَليًّا رضي الله عنه لرجع إليه)
(3)
.
سادسًا: أنه قول جمهور الصحابة رضي الله عنهم، كعمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري، وعليه كافة العلماء، كما سبق ذكره، واختاره عامَّة المفسرين
(4)
.
* * *
(1)
أحكام القرآن، للجصاص 3/ 613.
(2)
الفتح 9/ 384، وينظر: الاستذكار 6/ 213.
(3)
التسهيل 4/ 239، وينظر: الاستذكار 6/ 213.
(4)
ينظر: جامع البيان 2/ 693، و 28/ 181، وبحر العلوم 3/ 375، وتفسير القرآن العزيز 4/ 403، والنكت والعيون 6/ 33، وذكره قولًا واحدًا في الآية، والوسيط 4/ 315، وتفسير السمعاني 5/ 463، والكشاف 4/ 544، والمحرر الوجيز 5/ 325، وزاد المسير (ص: 1446).
[22]{وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج 3].
سأل رجلٌ الحسنَ بن علي رضي الله عنه عن {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج 3]، قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابنَ عمر وابنَ الزبير، فقالا: يوم الذبح، ويوم الجمعة. قال: لا، ولكن الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء 41]، والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ {ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود 103])
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم إلى أن المراد بالشاهد والمشهود في هذه الآية: يوم النحر، ويوم الجمعة، وكلا هذين اليومين مشهد عظيم يشهده الناس، فيوم النحر أعظم المشاهد في الدنيا؛ فإنه يجتمع فيه حُجَّاجُ المشرق والمغرب بمنى ومزدلفة، وهو عيد المسلمين، ويوم الجمعة يشهده المسلمون للصلاة وذكر الله، وتشهد فيه الملائكة من يحضر الصلاة الأول فالأول، وقال فيه صلى الله عليه وسلم:(أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة)
(2)
.
(3)
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 30/ 163 (28534)، من طريق محمد بن حميد الرازي، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن شِباك الضبي. والطبراني بمعناه في الأوسط 9/ 182 (9482)، والصغير 2/ 263 (1137)، من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه. وأخرج قريبًا منه الثعلبي في تفسيره 10/ 165، والواحدي في الوسيط 4/ 458.
وإسناده ضعيف؛ لتدليس المغيرة، وانقطاعه بين شِباك والحسن. وإسناد الطبراني ضعيف؛ لضعف يحيى بن عبد الحميد، وعبد الرحمن بن زيد. وينظر: مجمع الزوائد 7/ 136.
(2)
أخرجه ابن ماجة في السنن 1/ 524 (1637)، وجوَّدَ إسناده المنذري في الترغيب والترهيب 2/ 328، وقال المناوي في فيض القدير 2/ 87:(قال الدميري: رجاله ثقات).
(3)
ينظر: التفسير الكبير 31/ 105.
وأبى ذلك الحسنُ بن علي رضي الله عنه، وفسر الشاهد بالنبي صلى الله عليه وسلم، والمشهود بيوم القيامة، واستدل لكلِّ معنى منهما بوروده كذلك في القرآن الكريم، فقال:(الشاهد: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرأ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء 41])، وكذلك قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} [الأحزاب 45]، وقال:(والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ {ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود 103]). ووجه تقديمه لقوله على غيره؛ ورود ذلك المعنى في القرآن الكريم، وما كان كذلك فهو أولى من غيره؛ إذ القرآن يبين بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض.
*
الحكم على الاستدراك:
لقد كثرت أقوال المفسرين وتنوعت في بيان المراد بهذه الآية تنوعًا كثيرًا
(1)
، وبالتأمل نجد أن هذه الأقوال من قبيل الاسم العام الذي يمثل له المفسر بما يتناوله لفظه، وما هو أولى عنده، فهو من اختلاف التنوع، فتشمل الآية كلَّ راءٍ مُشَاهِد، وكلَّ مَرئيٍّ مُشَاهَد، وكلَّ شاهدٍ على أحد، ومشهود عليه. قال ابن العربي (ت: 543): (الشاهِد: فاعل من شَهِد، والمشهود: مفعول منه، ولم يأتِ حديث صحيح يعيِّنه، فيجب أن يُطلَق على كلِّ شاهد ومشهود، وليس إلى التخصيص سبيل بغير أثر صحيح)
(2)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود، مُطْلَقَيْن غير مُعَيَّنين، وأعَمُّ المعاني فيه: أنه المُدرِك والمُدرَك، والعالِمُ والمعلوم، والرائي والمَرئي، وهذا أليق المعاني به، وما عداه من الأقوال ذُكِرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص)
(3)
.
(1)
أوصلها ابن الجوزي إلى أربعة وعشرين قولًا، وقال ابن جزيّ:(ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولًا، يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولًا). زاد المسير (ص: 1531)، والتسهيل 4/ 357.
(2)
أحكام القرآن 4/ 280.
(3)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 95).
واختار العمومَ في الآية من غير تعيين: ابنُ جرير (ت: 310)
(1)
، وأبو حيّان (ت: 745) وقال: (هذان مُنَكَّران، وينبغي حملهما على العموم)
(2)
.
* * *
[23]{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات 1].
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه قال: (بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجلٌ يسألُ عن {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات 1]؟ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات 1]؟ فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابنَ عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقفت على رأسه قال: تُفتِي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحًا: من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. قال ابن عباس: فنَزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي رضي الله عنه
(3)
.
(1)
جامع البيان 30/ 165.
(2)
البحر المحيط 8/ 443.
(3)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 2/ 70 (136)، وابن جرير في تفسيره 30/ 347، 351 (29243 - 29270)، وابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 3839، وابن الأنباري في الأضداد (ص: 364)، والحاكم في المستدرك 2/ 115 (2507)، والثعلبي في تفسيره 10/ 269، وعزاه ابن حجر في الفتح 8/ 599 لابن مردويه، وكذا السيوطي في الدر 8/ 548 لابن الأنباري في المصاحف. من طريق أبي صخر حميد بن زياد، عن أبي معاوية البجلي، عن ابن جبير. وتابع أبا صخر عبدُ الله بن عيَّاش، كما هو عند ابن وهب في تفسيره.
وإسناده حسن، وصححه الحَاكم، ومن شواهده:
- ما أخرجه عبد بن حميد كما في الدر 8/ 548، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 269، وليس فيه رجوع ابن عباس إلى قول علي.
- وشاهد آخر أخرجه ابن أبي حاتم كما ذكره ابن كثير في تفسيره 8/ 3839، بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعي:(عن عبد الله بن مسعود {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات 1]، قال: الإبل. وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغَ عليًّا قولُ ابنِ عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت). وأخرج أصله ابن جرير في تفسيره 30/ 346 (29242)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 548 لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
*
تحليل الاستدراك:
فسر ابن عباس رضي الله عنه العاديات في هذه الآية بأنها: (الخيل حين تغير في سبيل الله)، ثم زاد السائل مُبيِّنًا معنى الموريات قدحًا، فقال:(ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم)، أي: المجاهدون عليها في سبيل الله. ومأخذه في ذلك أن هذه الآية نزلت في بَعْثٍ بَعَثَه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق في الشواهد
(1)
، وأكَّدَ ذلك عنده رضي الله عنه أن الضَّبحَ للخيل، إذ قال:(ما ضبحت دابَّةٌ قط إلا كلبٌ أو فرس)
(2)
.
وفسر علي رضي الله عنه العاديات في الآية بأنها الإبل، حين تعدوا من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. ومستنده في أنها ليست في خيل الجهاد، أنه لم تكن غزوة قبل بدر، وسورة العاديات مكيَّة، ولو كانت في خيل الجهاد فأوّل غزوة كانت في بدر، فهي المرادة، ولم يكن معهم في بدر سوى فرسين، وهذا لا يتناسب مع الأوصاف المجموعة المُفَخَّمة للعاديات في الآيات، فليست إلا في إبل الحاجِّ حين تعدوا من عرفة، {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} [العاديات 4] إلى مزدلفة، وهي: جمع، فهي المراد بقوله {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات 5]، ثم إلى منى، وقد يُراد بها الجمع، أي: جمع الحاجّ.
(1)
أخرج الواحدي في أسباب النُّزول (ص: 463) عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلًا فأسهبت شهرًا لم يأته منها خبر فنَزلت {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}). وعزاه ابن حجر للبزار، والحاكم، وقال:(في إسناده ضعف). ينظر: فتح الباري 8/ 599، وتفسير مقاتل 3/ 510.
(2)
أخرجه ابن جرير 30/ 346 (29240)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في الفتح 8/ 599.
*
الحكم على الاستدراك:
يُشارُ ابتداءً إلى أن الآياتِ من أول السورة فما بعدها في سياق واحد، ولموصوف واحد، بدلالة العطف بالفاء؛ الدالِّة على الترتيب والتعقيب، وتسبُّب ما قبلها فيما بعدها
(1)
، ومن ثَمَّ فينحصر الحديث بين من جعل الآياتِ كاملةً في الإبل في الحج، أو الخيل في الجهاد.
والراجح أنها في الخيل في الجهاد، قال الرازي (ت: 604): (واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المُراد هو: الخيل)
(2)
، ومن دلائل ذلك:
أولًا: أن العَدْوَ في الخيل أكمل وأشهر منه في الإبل، وخاصة في الجهاد في سبيل الله
(3)
، وتوجيه كلام الله تعالى إلى الأولى والأشهر من كلام العرب أولى وأحرى.
(4)
ثانيًا: كما أن الضَّبح- وهو: الحمحمة، أو صوت النَّفَس عند العَدْوَ
(5)
- في الخيل أشهر منه في الإبل، قال ابن جرير (ت: 310): (وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالعاديات: الخيل؛ وذلك أن الإبل لا تضبح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحًا، والضَّبح هو ما قد ذكرنا قبل)، ثم أسند عن علي رضي الله عنه قال:(الضَّبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النَّفَس)
(6)
، وحيث قد ورد عن الصحابة تسمية صوت الإبل حالة عدوِها ضَبحًا، فلا سبيل إلى
(1)
البحر المحيط 8/ 501، والتبيان في أقسام القرآن (ص: 85).
(2)
التفسير الكبير 32/ 61.
(3)
ينظر: البحر المحيط 8/ 501.
(4)
ينظر في التأكيد والتمثيل لذلك: جامع البيان 8/ 169، 13/ 72، 15/ 159، والمحرر الوجيز 5/ 318.
(5)
مقاييس اللغة 2/ 59، ولسان العرب 2/ 523.
(6)
جامع البيان 30/ 347.
نفيه عنها، وإنما يُقال: إنه في الخيل أظهر منه في غيرها.
(1)
ثالثًا: أن إيراء النار بحوافر الخيل حين عَدوِها، أوضح وأبين منه بأخفاف الإبل، قال الرازي (ت: 604): (وأيضًا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل)
(2)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (قال الجرجاني: كلا القولين قد جاء في التفسير، إلا أن السياق يدلُّ على أنها الخيل، وهو قوله تعالى {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا} [العاديات 2]، والإيراء لا يكون إلا للحافر؛ لصلابته، وأمَّا الخف ففيه لين واسترخاء).
(3)
رابعًا: قال ابن القيم (ت: 751) عند ذكره لقول من رجح أن المراد الخيل: (قالوا: والنقع هو الغبار، وإثارة الخيل بعَدوِها له، أظهر من إثارة أخفاف الإبل .. ، قالوا: وأعظم ما يُثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيلُ جمع العَدوّ؛ لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان. وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي مُحَسِّر عند الإغارة فليس بالبَيِّن، ولا يثور هناك غبار في الغالب؛ لصلابة المكان)
(4)
، كما أن الإفاضة من عرفات، ثم من مزدلفة لا تحتمل هذا العَدْو، وليس هو فيها بمحمود؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي:(السكينة السكينة)
(5)
، فلو وُجِدَ لما كان موضع تفخيم وتعظيم.
خامسًا: المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، قال الشاعر
(6)
:
كأنَّ مَثَار النَّقعِ فوقَ رؤوسِنا
…
وأسيافنَا ليلٌ تهاوَى كواكِبه
(1)
ينظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: 83)، ولسان العرب 2/ 523.
(2)
التفسير الكبير 32/ 61.
(3)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 83)، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري 2/ 184.
(4)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 83).
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 327 (1218).
(6)
بشار بن برد، والبيت في ديوانه (ص: 146).
أي لشدَّة الكرِّ والفرّ، وقال الآخر
(1)
:
يخرجنَ من مستطير النَّقع داميةً
…
كأنَّ آذانَها أطراف أقلام
سادسًا: قال ابن القيم (ت: 751): (قالوا: وأمَّا قولكم: إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلٌ تجاهد، فهذا لا يلزم؛ لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزوٍ فأغارت، فأثارت النقع، وتوسَّطَت جمعَ العدوّ، وهذا أمر معروف، وذِكرُ خيل المجاهدين أَحَقُّ ما دخل في هذا الوصف، فَذِكره على وجه التمثيل لا الاختصاص، فإن هذا شأن خيل المقاتلة، وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين)
(2)
، ولا يمنع أن تكون مكيَّة وفيها إشارة إلى الجهاد
(3)
.
وقول ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية هو قول جمهور المفسرين وعامَّة اللغويين
(4)
، ومنهم: أبو العالية (ت: 93)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والعوفي (ت: 111)، وعطاء (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والربيع (ت: 139)
(5)
، ومقاتل (ت: 150)
(6)
. وهو اختيار الفراء (ت: 207)، وابن قتيبة (ت: 276)، وابن جرير (ت: 310)، والزجاج (ت: 311)،
(1)
البيت بلا نسبة في أدب الكاتب (ص: 87)، والأمالي، للقالي 2/ 252، ونَسَبَه في العقد الفريد 1/ 161 لعدي بن الرقاع العاملي، وفي خزانة الأدب 10/ 240 لعدي بن زيد العِبادي.
(2)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 83).
(3)
كما في تفسير عمر رضي الله عنه لقوله تعالى {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر 45]، وتفسير أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لأول سورة الروم. ينظر: جامع البيان 27/ 142، و 12/ 26، وقد عنون ابن حبيب النيسابوري (ت: 406) لمثل هذا النوع بقوله: (ما يشبه تنْزيل المدينة في السور المكية). ينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: 42).
(4)
ينظر: الزاهر، لابن الأنباري 2/ 184، وزاد المسير (ص: 1579)، والجامع لأحكام القرآن 20/ 105، والبحر المحيط 8/ 500.
(5)
جامع البيان 30/ 345، وزاد المسير (ص: 1579).
(6)
تفسيره 3/ 510.
وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، والسمعاني (ت: 489)، وابن العربي (ت: 543)، والرازي (ت: 604)، وأبو حيَّان (ت: 745)، وابن القيم (ت: 751)
(1)
.
ويَبعُدُ نزوع ابن عباس عن قوله إلى قول علي، كما في رواية الاستدراك؛ لأنه مُخالف لِما اشتهر عنه القول به، ولما في شواهدِ الاستدراك وسببِ النُّزول الذي اعتمده ابن عباس. وروايةُ ابن أبي حاتم في الشواهد أصح من رواية الاستدراك، ولا رجوع فيها، فمن ثَمَّ تكون زيادة رجوع ابن عباس رضي الله عنه ضعيفة، أو أنها كانت في أول الأمر ثم اختار غير ذلك.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
قال ابن القيم (ت: 751): (ولمَّا علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورْيِ النار؛ تأَوَّلوا الآية على وجوهٍ بعيدة، فقال محمد بن كعب: هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة. وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات، وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم: الذين يغيرون، فيورون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم، كأنهم أخذوه من قوله تعالى {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} [الواقعة 71]، وهذا إن أُريدَ به التمثيل، وأن الآية تدلُّ عليه فصحيح، وإن أُريدَ به اختصاص الموريات فليس كذلك؛ لأن الموريات هي العاديات بعينها؛ ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب، فإنها عَدَتْ فَأَوْرَتْ. وقال قتادة: الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين. وهذا
(1)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 3/ 284، وتفسير غريب القرآن (ص: 466)، وجامع البيان 30/ 347، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 353، وتفسير القرآن العزيز 5/ 154، والوسيط 4/ 544، وتفسير السمعاني 6/ 270، وأحكام القرآن، لابن العربي 4/ 333، والتفسير الكبير 23/ 61، والبحر المحيط 8/ 500، والتبيان في أقسام القرآن (ص: 82).
ليس بشيء، وهو بعيد من معنى الآية وسياقها، وأضعف منه قول عكرمة: هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما تتكلم به. وأضعف منه ما ذكر عن مجاهد: هي أفكار الرجال، توري نار المكر والخديعة في الحرب.
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها، وأنها هي المراد فغلط، وإن أريد أنها أُخذَت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب، وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول
(1)
:
1 -
تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحُو إليه المتأخرون.
2 -
وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف.
3 -
وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحُو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: 1 - أن لا يناقض معنى الآية، 2 - وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، 3 - وأن يكون في اللفظ إشعار به، 4 - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم
(2)
. فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا)
(3)
.
إن استنباط ما هو صالح من المعاني المتّصلة باللفظ مسألة هامَّة، ولها في تفاسير السلف أمثلة كثيرة، وقد بيّن بعض شرائطها ابن القيم (ت: 751) فيما سَمَّاه: "التفسير
(1)
ذكر قريبًا منها ابن عاشور في حديثه عن طرائق المفسرين، في المقدمة الرابعة لتفسيره. التحرير والتنوير 1/ 42، وينظر: تفسير آيات أشكلت 1/ 149.
(2)
فلا يُقصَر معنى الآية عليه؛ لأنه تابع ومترتب على المعنى الأصلي للآية. قال ابن القيم (ت: 751) عن استنباطٍ لبعض الصوفية اختلت فيه بعض هذه الشروط: (والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز). طريق الهجرتين (ص: 507).
(3)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 84)، وينظر: مدارج السالكين 3/ 248، والوابل الصيب (ص: 179).
على الإشارة والقياس"، وإنما تطبيقها، وتحديد مجالها، ومنْزلتها من التفسير، ومتى يُلجَأُ إليها؟ ونحو ذلك، لا يزال بحاجة إلى بحث وجمع وتأمل
(1)
، قال ابن تيمية (ت: 728) مشيرًا إلى شيء من ذلك: (أما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دلَّ اللفظ عليه، ويجعلون المعنى المُشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حقٌّ إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا)
(2)
، وقال في حديثه عن إشارات الصوفية في التفسير:(فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام)
(3)
، وقال في طرق دلالة اللفظ على المعنى الصحيح:(القسم الثاني: أن يُجعَل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا، هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك)
(4)
.
والاستدراك الآتي عن ابن عباس رضي الله عنه من أشهر أمثلة علم "الاستنباط".
(5)
* * *
(1)
أشار الشاطبي إلى بعض تلك الضوابط في الموافقات 4/ 208، 210، 223، 224، 231، 247.
وقد يسّر الله تعالى بفضله إتمام كتاب: "علم الاستنباط من القرآن .. المفهوم والمنهج"، وطُبع سنة 1440 هـ عن معهد الإمام الشاطبي بجدة، وذلك بعد عشر سنوات من هذه الإشارة إلى الحاجة إليه. وفيه حديثٌ مفصّلٌ عن مفهوم هذا العلم "الاستنباط"، وتاريخه، وشروطه، ومنهج العلماء فيه، وصلتُه بالتفسير، وغير ذلك.
(2)
مجموع الفتاوى 2/ 28.
(3)
مجموع الفتاوى 6/ 377.
(4)
مجموع الفتاوى 13/ 341، وينظر: قانون التأويل (ص: 191، 196، 207).
(5)
ينظر: الموافقات 4/ 210.
[24]{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1].
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجدَ في نفسه، فقال
(1)
: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم. فدعاه ذات يومٍ، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليُرِيهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] فقال بعضهم: أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه له؛ قال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1]، وذلك علامةُ أَجَلِك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر 3]. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا سأل عمرُ رضي الله عنه الصحابةَ عن معنى قوله تعالى {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1] سكت بعضهم، وفَسَّر بعضهم الآية بقوله:(أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا)، وهذا المعنى مأخوذ من ظاهر الآية، وهو المتبادر منها، قال ابن تيمية (ت: 728): (وقد كان عمر يسألُ ويسألُ عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سألَ أصحابه عن قوله {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1]، فذكروا ظاهر لفظها)
(3)
، وقال الشاطبي (ت: 790): (فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن
(1)
القائل هو: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، كما في رواية الترمذي في الجامع 5/ 450 (3362).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 606 (كتاب 65 - التفسير، باب 110 - قوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر 3]، برقم: 4970).
(3)
مجموع الفتاوى 16/ 417.
يسبِّح بحمد ربِّه ويستغفره إذ نَصَره الله وفتح عليه)
(1)
.
ثمَّ لَمَّا توجَّه السؤال لابن عباس رضي الله عنه قال بأنَّه: (أجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه له)، وهذا خلوصٌ من الظاهر إلى باطن المعنى؛ وذلك أن الله تعالى عَلَّقَ الاستغفار بنعمةٍ يُحدِثها سبحانه وهي: الفتح على رسوله صلى الله عليه وسلم، ودخول الناس في دينه. وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فَعُلِمَ أن سببَ الاستغفار غيرُه، (وهو حضور الأجل؛ الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه؛ ليلقى ربه طاهرًا مُطَهَّرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه)
(2)
.
كما أنه قد استقرّ في الشرع وموارد النصوص، تشريعُ الاستغفار والتوبة عند تمام الأعمال ونهايتها
(3)
، قال ابن تيمية (ت: 728) عن قول ابن عباس: (وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها، فإنه لمَّا أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة؛ علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أُخَر، وفوق كل ذي علم عليم)
(4)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (يدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سَلَّمَ من الصلاة استغفر ثلاثًا، وشرع للمُتَوَضِّئ بعد كمال وضوءه أن يقول: (اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين)
(5)
،
(1)
الموافقات 4/ 211، وينظر: المحرر الوجيز 5/ 532.
(2)
إعلام الموقعين 3/ 124.
(3)
ينظر: مدارج السالكين 3/ 263، وطريق الهجرتين (ص: 429)، وسرُّ الاستغفار (ص: 27)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (8).
(4)
مجموع الفتاوى 16/ 418، وينظر: الموافقات 4/ 211.
(5)
أخرجه الترمذي 1/ 78 (55)، والطبراني في الأوسط 5/ 140 (4895)، وعبد الرزاق في المصنف 1/ 186 (731)، وكذا ابن أبي شيبة 1/ 13 (20)، عن عمر مرفوعًا، وعن علي موقوفًا، وأصله في مسلم 1/ 471 (234)، وذكر الترمذي فيه اضطرابًا، وله شواهد يرتقي بها إلى القبول، ذكرها ابن حجر في تحفة الأبرار (ص: 41).
فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دين الله أفواجًا، فكأنَّ التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشُرِعَ له الاستغفار عقيبها)
(1)
، وقال أيضًا:(ويدل عليه أيضًا قوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر 3] وهو صلى الله عليه وسلم كان يُسَبِّح بحمده دائمًا، فعُلِمَ أنَّ المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبَر من ذلك المُتَقَدِّم، وذلك مُقَدِّمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرَقِّيه إلى ذلك المقام بقيَّةٌ، فأُمِرَ بتَوْفِيَتِها)
(2)
. وممَّا أكَّدَ المعنى عند ابن عباس رضي الله عنه اجتهادُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة كأشَدِّ ما يكون اجتهادًا في أمرِ الآخرة
(3)
، وكذلك كونها آخر سورة نزلت جميعًا من القرآن
(4)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ما فهمه الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم من الآية هو ظاهرها، وهو المعنى الصحيح، سواء أُريد به الحمد والاستغفار باللسان، أو بالصلاة والدعاء، قال ابن كثير (ت: 774): (فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم أجمعين، من أنه: قد أُمِرنا إذا فتح الله علينا المدائنَ والحصونَ أن نحمد اللهَ ونشكرَه ونسبحَه؛ يعني: نصلي له ونستغفره؛ معنى مليحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
إعلام الموقعين 3/ 126، وينظر: مدارج السالكين 1/ 260، 328، والصواعق المرسلة 2/ 507، وفتح الباري 8/ 606.
(2)
إعلام الموقعين 3/ 124.
(3)
صَحَّ ذلك برواية ابن عباس في سنن النسائي الكبرى 6/ 525 (11712).
(4)
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: (يا ابن عتبة: أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعًا؟ قلت نعم، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. قال: صدقت). أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 441 (3024). وينظر في بقية الأدلة على هذا الوجه من التأويل: التفسير الكبير 32/ 151.
يوم فتح مكة وقتَ الضُّحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأُجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسع عشرة يومًا يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يوم فتح المدائن)
(1)
.
وأمَّا قول ابن عباس رضي الله عنه فهو من أدقِّ الفهم وألطفه، مُنتَزَعٌ من لفظ الآية، ومُتَبَصِّرٌ بلوازمها، ولا يُدركه كلُّ أحد، قال ابن حجر (ت: 852): (وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمُهُ في العلم؛ ولهذا قال علي رضي الله عنه: أو فَهمًا يؤتيه الله رجلًا في القرآن)
(2)
، ولذا وافقه عليه عمر رضي الله عنه، وهو ما تأوَّلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بفعله، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:(ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد أن نزلت عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر 1]، إلا يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأَوَّلُ القرآن)
(3)
. كما تأوَّلها عدد من الصحابة بأنه حضور أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم
(4)
، قال ابن عطية (ت: 546): (وهذا المنْزع الذي ذكره ابن عباس، ذكره ابن مسعود وأصحابه، ومجاهد وقتادة
(1)
تفسير القرآن العظيم 8/ 3885.
(2)
فتح الباري 8/ 608، وينظر: إعلام الموقعين 3/ 124، والوابل الصيب (ص: 137)، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: 222).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 605 (4967)، ومسلم في صحيحه 2/ 150 (484). وينظر: التسهيل 4/ 430.
(4)
كأبي بكر، وعلي، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم. ينظر: فتح الباري 8/ 608، والدر المنثور 8/ 601، ونقل الرازي اتفاق الصحابة على دلالة هذه السورة على نعي الرسول صلى الله عليه وسلم. التفسير الكبير 32/ 151.
والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم .. ، وقال لها مَرَّة:(ما أراه إلا حضور أجلي)
(1)
، وتأوَّلَه عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصَدَّقَهما)
(2)
.
وعليه جمهور المفسرين
(3)
، كمقاتل (ت: 150)، وابن جرير (ت: 310)، والواحدي (ت: 468)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن القيم (ت: 751)، والشاطبي (ت: 790).
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: الحَثُّ على التأمُّل في معاني المعاني، ولوازمها، وربط الوحي- كتابًا وسُنَّةً- بعضَه ببعض، والغوص فيما وراء الألفاظ؛ للوقوف على مُرادات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الغزالي (ت: 505): (من زعم أنه لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مُخبرٌ عن حَدِّ نفسه، وهو مُصيبٌ في الإخبار عن نفسه، مُخطِئٌ في الحكم بردِّ كافَّة الخلق إلى درجته التي هي حَدُّه ومَحَطُّه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في القرآن مُتَّسعًا لأرباب الفهم؛ ففيه رموزٌ وإشارات، ومعانٍ وعبارات، وتلويحٌ ودلالات، يختَصُّ بدَرْكها أهلُ الفهم من ذوي العنايات)
(5)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (والعلم بمُراد المتكلم يُعرَف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم عِلَّته، والحَوالَةُ على الأوَّل أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 658 مُعَلَّقًا بصيغة الجزم.
(2)
المحرر الوجيز 5/ 532، وينظر: الفتح السماوي 3/ 1133.
(3)
زاد المسير (ص: 1599).
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 530، وجامع البيان 30/ 433، والوجيز 2/ 1238، والمحرر الوجيز 5/ 532، والتفسير الكبير 32/ 151، ومجموع الفتاوى 16/ 418، وإعلام الموقعين 3/ 124، والصواعق المرسلة 2/ 509، ومدارج السالكين 1/ 328، والموافقات 4/ 210.
(5)
إحياء علوم الدين 1/ 289 باختصار وتصرُّف، وينظر: الكلمات البيِّنات، لمرعي الكرمي، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم: 62، (ص: 22).
والفهم والتدبر)
(1)
، (وإن شِئتَ أدخلتَ هذا في باب معنى المعنى، أي المعاني التي وراء المعاني، ولا ضيرَ أن تكون وراءها بمسافةٍ أبعد، أو أن تكون من باب مُستَتبَعات التراكيب، وهو بابٌ جليلٌ غَيَّبَه غُبار العُجمَة)
(2)
.
ثانيًا: أنه قد يقوى المعنى الخَفيّ في الآية حتى يكاد يغيب معه المعنى الظاهر منها أو يكاد، ففي قول عمر لابن عباس رضي الله عنهم:(ما أعلم منها إلا ما تقول) نفيٌ لما فهمه جلساؤه من الآية وهو ظاهرها، وهذا مُشكِل؛ فإن ما ذكره الصحابة رضي الله عنهم معنى صحيح لا شك فيه، والأخذ بالظاهر أصلٌ جرى عليه التفسير النبوي وتفسير الصحابةرضي الله عنهم - ومنهم عمر وابن عباس- في غيرما موضع. ويُجَاب عنه بأنه مبالغةٌ من عمر رضي الله عنه في تصحيح قول ابن عباس وتأكيده، في مقابل قول جميع من حضر من الصحابة، وفيهم كبارهم من أشياخ بدر، ويشهد له سياق القصة؛ فإن عمر رضي الله عنه قصدَ من ذلك إظهار فضل ابن عباس وعقله وعلمه، لَمَّا قالوا له:(لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم)، فكان أن وافقه أشد الموافقة بتلك الصيغة، وقد تكررت هذه العبارة من عمر لابن عباس رضي الله عنهم في غير هذا المقام، على نحو هذا المعنى، قال ابن عباس رضي الله عنه:(كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوني مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: أرأيتم قول رسول الله: (التمسوها في العشر الأواخر)، أيُّ ليلةٍ ترونَها؟ قال: فقال بعضهم: ليلة إحدى. وقال بعضهم: ليلة ثلاث. وقال آخر: خمس. وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تتكلم؟! فقلت: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت. قال: فقال: ما أرسلت إليك إلا لتتكلم. قال: فقلت: أُحدِّثُكُم برأيي. قال: عن ذلك نسألك. قال: فقلت: السبع؛ رأيت اللهَ ذكر سبع سماوات، ومن
(1)
إعلام الموقعين 2/ 387.
(2)
قراءة في الأدب القديم، للدكتور محمد أبو موسى (ص: 34)، وينظر: التحرير والتنوير 1/ 42.
الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع. قال: فقال: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم؟ ما قولك: نبت الأرض من سبع؟ قال: فقلت: إن الله يقول {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا} [عبس 26]، إلى قوله {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس 31]، والأبُّ: نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. قال: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه بعد؟! إني والله ما أرى القول إلا كما قُلتَ، وقال: قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم)
(1)
.
ثالثًا: العلمُ المستَنبَطُ على وجهه أقرب إلى علم النبوة وأعلى درجةً من غيره، قال تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 83]، فَخَصَّ الله تعالى أهل الاستنباط من أولي الأمر- وهم العلماء- بعلم حقيقة الأمر من الأمن أو الخوف، دون غيرهم من أهل العلم.
(2)
* * *
[25]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 102].
عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102]، قال:(إنها لم تُنسَخ، ولكن {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102]: أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم)
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد في فضائل الصحابة 2/ 970 (1904)، وابن جرير في تفسيره 30/ 75 (28188)، وابن خزيمة في صحيحه 3/ 322 (2172)، والحاكم في مستدركه 1/ 604 (1597)، والبيهقي في السنن 4/ 313 (8342)، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن حجر في الفتح 13/ 285.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 4/ 94، وإعلام الموقعين 1/ 397، والوابل الصيب (ص: 138).
(3)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 4/ 40 (5965)، وابن المنذر في تفسيره 1/ 318 (770)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 (3910)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: 90)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن 1/ 108. من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي المشهورة بصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد استقر الأمر على أن هذه الطريق من أحسن الطرق وأجودها عن ابن عباس، وقد اعتمد عليها كثيرًا البخاري في صحيحه، وابن أبي حاتم، وغيرهما من العلماء، وجمعها السيوطي في الإتقان 1/ 230 في موضع واحد على ترتيب السور، من تفسيري ابن جرير وابن أبي حاتم. وينظر: إعراب القرآن، للنحاس 3/ 73، والعُجاب في بيان الأسباب 1/ 206، وفتح الباري 8/ 293، والإتقان 2/ 374، والدر 4/ 273.
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
استدرك ابنُ عباس رضي الله عنه في هذه الآية قولًا مُطلَقًا ونفاه، وهو: أن هذه الآية منسوخة. وقد ذكر المفسرون مأخذَ من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16]، وهو: أنه لَمَّا نزلت {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102] شَقَّ ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله بعدها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16]
(1)
. وبيان ذلك أن حقَّ التقوى على عموم لفظها في الآية هو: غايتها، فلا يقع في شيء من الإخلال بها، وهذا يعجز كُلُّ الناس عن الوفاء به، فأنزل الله التخفيفَ والأمرَ بالمُستطاع من ذلك.
(2)
ثُمَّ ردَّ ابنُ عباس رضي الله عنه القولَ بالنسخ في الآية، وأبان عن معناها فقال:(أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم)، وهو ما أَمَرَ الله به في غيرما آية من كتابه، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مُستَطاع من العبد وفي طاقته ووُسعِه؛ إذ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286]، ومن ثَمَّ فالآيات مُتَّفِقات، ومعناها: اتقوا الله حَقَّ تُقاتِه فيما استطعتم؛ وذلك أنَّ {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102] هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل الله تعالى الدين يُسرًا لا حَرَجَ فيه.
(3)
(1)
ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: 226)، وجامع البيان 4/ 41، وبحر العلوم 1/ 288.
(2)
ينظر: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 35)، والمحرر الوجيز 1/ 482، وزاد المسير (ص: 214).
(3)
ينظر: تفسير السمعاني 1/ 345، والمحرر الوجيز 1/ 483، والجامع لأحكام القرآن 4/ 102.
*
الحكم على الاستدراك:
يترجح في هذه الآية ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه من أنَّه لا نَسْخَ فيها، لأمور منها:
أولًا: أن الأصل ثبات الحكم وبقاؤه، ولا يُصار إلى النسخ إلا ببَيّنةٍ من نصٍّ صحيحٍ صريحٍ يدلُّ عليه، قال ابن حزم
(1)
(ت: 456): (لا يجوز لأحد أن يحمل شيئًا من البيان على أنه نسخ رافع لأمر متقدم إلا بنصٍّ جَليّ في ذلك، أو إجماع، أو برهان ضروري)، وقال:(لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ، إلا بيقين)
(2)
.
ثانيًا: أن النَسخَ إنما يُصار إلى القول به عند تعذر الجمع، أمَّا والجمع ممكنٌ فالجمعُ أولى، قال ابن عبد البر (ت: 463): (ولا سبيل إلى نسخ قرآنٍ بقرآن، أو سُنَّة بسُنَّة، ما وُجِدَ إلى استعمال الآيتين، أو السُّنَّتَين سبيل)
(3)
، وقال القرطبي (ت: 671): (فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ)
(4)
.
ثالثًا: أنَّ حكم الناسخ في باب النسخ يُقابل الحكم المنسوخ، (فلو قال: لا تتَّقوه حقَّ تقاته، كان نسخًا)
(5)
، قال النحاس (ت: 339): (فهذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته، الرافع له، المزيل حكمه)
(6)
.
(1)
علي بن أحمد بن حزم الأندلسي القرطبي، أبو محمد الظاهري، الفقيه الحافظ، صنف:«المُجَلَّى» ثم شرحه في المُحَلَّى. والإحكام في أصول الأحكام، وغيرها، توفي سنة (456). ينظر: السير 18/ 184، والبداية والنهاية 12/ 82.
(2)
الإحكام في أصول الأحكام 1/ 476، 497، وينظر: مذكرة أصول الفقه (ص: 163).
(3)
التمهيد 1/ 307، وينظر: شرح الكوكب المنير 1/ 298.
(4)
الجامع لأحكام القرآن 16/ 151.
(5)
المُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: 22).
(6)
الناسخ والمنسوخ 1/ 70، وينظر: 1/ 282 طبعة: إبراهيم اللاحم.
رابعًا: أن المعنى في قوله {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102] مُستَقيم ومُتَّسِق مع {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286]، ومع {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16]، وهو أمرٌ بالتقوى في حدود وُسعِ الإنسان واستطاعته، فآية التغابن مُبَيِّنةٌ للمراد بحق التقوى، ومن ثَمَّ فلا حاجة للنسخ هنا مع تمام المعنى في كُلِّ آية بذاتها، وتكاملها مع الآية الأخرى؛ إذ كتاب الله تعالى يُفَسِّر بعضه بعضًا، ويدلُّ بعضه على بعض، ونظير هذه الآية قوله تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج 78]
(1)
.
خامسًا: أن في آية آل عمران أمرٌ بما هو واجبٌ على المسلم، وهو تقوى الله تعالى على حقيقتها، وذلك يتضمن الأمر بعبادة الله وحده، وترك معاصيه كافَّةً، فكيف يقع في ذلك نسخ؟
(2)
، وأُجيب: بأن هذا على معنىً ذكرتموه للآية، أمَّا لو قيل معنى {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102]: القيام بحقوق الله في حال الخوف والأمن، وترك التَّقيَّة فيها. لَصَحَّ أن يُنسَخ ذلك في حال التَّقِّية والإكراه
(3)
، كما (أن فعل ما حظر الله في الشرع معصية، مادام الحظر قائمًا، كتحريم الأكل والجماع بعد النوم في الصوم، ثم لمَّا زال الحظر زال كونه معصية، وكذا تقوى الله بغاية ما بَلَغه الجهد، لا يُمنَع أن تُوجَب في وقت فيكون تركها معصية، ثم يُقتَصَر من الناس على مقدار الوُسع، فلا يكون ترك الجهد معصية)
(4)
.
سادسًا: أن الآيتين مدنيتان، ولم تنْزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا حرج فيه، وأن التكليف بما لا يُستَطاع مرفوع، فصار معنى {حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102]: فيما استطعتم، وهو معنى
(1)
ينظر: زاد المسير (ص: 214)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: 44)، وروح المعاني 4/ 18.
(2)
نُقِلَ هذا عن أبي عليّ الجُبَّائي، ينظر: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 35)، وأحكام القرآن، للجصاص 2/ 36، وتفسير الراغب الأصفهاني 1/ 762، والناسخ والمنسوخ، للنحاس (ص: 90).
(3)
الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 35)، وأحكام القرآن، للجصاص 2/ 36.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 762.
قوله {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن 16].
(1)
سابعًا: أن في القول بنسخِ هذهِ الآيةِ إثباتٌ للتكليف بما لا يُطاق في الآية الأولى، وهو مُمتَنِعٌ
(2)
. وهذه حُجَّة من نَفى النسخ في الآية من المُعتَزِلة ومن تَبِعهُم من المُتَكَلِّمين، تصريحًا أو تضمينًا، كالجُبَّائي
(3)
(ت: 303)، وأبي القاسم البلخي
(4)
(ت: 319)، والقاضي عبد الجبار
(5)
(ت: 414)، والزمخشري
(6)
(ت: 538)، وهي مِمَّا تبع فيه البيضاويُّ (ت: 685) صاحبَ الكَشَّاف
(7)
.
وليس في هذا الوجه تقويةٌ لقول من قال بعدم النسخ من السلف، وليس هو بحاجة إليه، وإنما ذُكِرَ هنا لِيُتَنَبَّه إلى تمييز مَآخِذ السلف في التفسير عن مآخِذ
(1)
الموافقات 3/ 357.
(2)
يُنظر في تحقيق هذه المسألة: مجموع الفتاوى 8/ 295، وآراء المعتزلة الأصولية (ص: 476)، وإتحاف ذوي البصائر 1/ 531، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة 1/ 314.
(3)
محمد بن عبد الوهاب بن سلام البصري، أبو علي الجُبَّائي، رأس الاعتزال، تنتسب له طائفة الجُبَّائية، ألَّف تفسيره الذي قال عنه تلميذه أبو الحسن الأشعري:(ورأيت الجبائي ألَّف في تفسير القرآن كتابًا أَوَّلَه على خلاف ما أنزل الله عز وجل، وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجُبَّى- بين البصرة والأهواز- وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وما رَوى في كتابه حرفًا واحدًا عن أحدٍ من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه)، ثم وضع الأشعري تفسيره الكبير رَدًّا على تفسير شيخه وتصحيحًا. مات سنة (303). ينظر: السير 14/ 183، وشذرات الذهب 4/ 18، 130.
(4)
عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، أبو القاسم الكعبي المعتزلي، أحد رؤوس المعتزلة ودعاتهم، وتُنسَب إليه طائفة الكعبية منهم، صَنَّف «تفسير القرآن» وغيره، مات سنة (319). ينظر: معجم الأدباء 4/ 1491، والسير 14/ 313.
(5)
عبد الجبار بن أحمد الهمداني، أبو الحسن الشافعي، القاضي المعتزلي، من شيوخ المعتزلة وغُلاتهم، صَنَّفَ تنْزيه القرآن عن المطاعن، وطبقات المعتزلة، مات سنة (414). ينظر: السير 17/ 244، وطبقات الشافعية الكبرى 5/ 97.
(6)
ينظر:: الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 35)، والكشاف 1/ 386، والإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: 8).
(7)
كما في: الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: 8).
المُبتَدعة فيه، واختلاف أصولِ كُلٍّ منهما، وإن تلاقت أقوالهما في مُقَدِّمةٍ أو نتيجة؛ فإن من الأصول المهمة عند السلف في منهج التَّلَقِّي: الاستدلال ثم الاعتقاد. وهذه مرتبة عالية من الموضوعية العلمية، وصورة صادقة لتعظيم النصوص، واعتقاد تمام الهداية فيها. أمَّا التوجُّه إلى النصِّ بمُقرَّرات سابقة، واعتقاد سابق للاستدلال، فهو إيذان بالانحراف في الفهم والنتيجة، وإن لاقى الصواب أحيانًا، كما أنه بابٌ عظيمٌ من أبواب تأويل النصوص وتحريفها، وقلَّة تعظيمها والاهتداء بها.
(1)
قال ابن تيمية (ت: 728): (النوع الثاني من مُستَنَدَي الخلاف، وهو: ما يُعلَم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين، حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .. ، إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها)، ثم قال عن هذا الصنف:(والأولون صنفان: تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دَلَّ عليه، وأُريدَ به، وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلّ عليه، ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خَطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حَقًّا فيكون خطأُهم في الدليل لا في المدلول)
(2)
، ثم مَثَّلَ لذلك بتفاسير المُعتَزلة ونحوهم. وقال أيضًا مُبَيِّنًا طريقة أهل الضلال والبدع في تفسير النصوص الشرعية: (يجعلون الألفاظ التي أحدثوها، ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تَبَعًا لهم، فيرُدُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نُفَسِّر القرآن بالعقل واللغة. يَعنُون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم، ثم يتأولون القرآن عليه، بما يُمكِنُهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف
(1)
ينظر في آثار ذلك: مجموع الفتاوى 13/ 362، والموافقات 3/ 290، وفي ظلال القرآن 6/ 3979، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة 840، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة 1/ 504، و 2/ 768، 773، والتفسير اللغوي (ص: 517)، وبابًا مُوَسَّعًا بعنوان «إخضاع النصوص القرآنية للأهواء والتعصبات والبدع» ، في: أسباب الخطأ في التفسير 2/ 621 - 911.
(2)
مجموع الفتاوى 13/ 355.
الكلم عن مواضعه .. ، وهذه طريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكِبار والصغار، فهي طريق الجهمية، والمعتزلة، ومن دخل في التأويل من الفلاسفة، والباطنية، والملاحدة)
(1)
، وقال الكافيجي
(2)
(ت: 879): (فمن يجعل الرأي عِيَارًا لما جاء به القرآن، فيفسر القرآن على موافقة رأيه، تقريرًا لرأيه، ويترك المفهوم المُتعارف من اللفظ، ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة، فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة .. ، وهذا منهم اعتقاد فاسد، فإن ترك ظاهر القرآن وعمومه، وتصويب رأي نفسه، ظاهر الفساد ومخالف للإجماع، إذ لا دليل يقتضي ترك العمل بالظواهر)
(3)
.
ثامنًا: أنه المعروف من تفسير الصحابة رضي الله عنهم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:({اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران 102]: أن يُطَاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسَى، ويُشكَر فلا يُكفَر)
(4)
، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه:(لا يَتَّقي اللهَ العبدُ حتى يَخْزُنَ لسانه)
(5)
، وهذه الأقوال كقول ابن عباس رضي الله عنه، وإنما تنوعت العبارة. وهو المروي عن جماعة المفسرين، كالربيع بن خثيم
(6)
(ت: 63)، وإبراهيم النخعي (ت: 96)،
(1)
مجموع الفتاوى 17/ 355.
(2)
محمد بن سليمان بن سعيد الرومي الحنفي، أبو عبد الله محي الدين، عرف بالكافيجي، عالم باللغة والنحو، صنف التيسير في قواعد علم التفسير، وغيره، توفي سنة (879). ينظر: بغية الوعاة 1/ 117، وشذرات الذهب 9/ 488.
(3)
التيسير في قواعد علم التفسير (ص: 138)، وينظر: التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 167).
(4)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 79)(156)، وابن وهب في تفسيره 2/ 85 (161)، وابن جرير 4/ 38 (5957)، وابن أبي حاتم 3/ 722 (3908)، وإسناده صحيح، ينظر: تفسير ابن كثير 2/ 743، والفتح السماوي 1/ 391.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم 3/ 722.
(6)
ربيع بن خُثَيم بن عائذ بن عبد الله، أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مُخَضرم، من أجَلِّ أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، توفي سنة (63). ينظر: السير 4/ 258، والتقريب (ص: 319).
وطاووس
(1)
(ت: 106)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدِّي (ت: 128)، وغيرهم
(2)
.
وقال بقول ابن عباس في عدم النسخ في الآية: طاووس (ت: 106)، والنحاس (ت: 338)، ومكي القيسي
(3)
(ت: 437)، والسمعاني (ت: 489)، وابن عطية (ت: 546)، وابن الجوزي (ت: 597)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي (ت: 671)، وابن تيمية (ت: 728)، والشاطبي (ت: 790)، وابن عاشور (ت: 1393)
(4)
.
واختار النسخ في الآية: سعيد بن جبير (ت: 95)، والضحاك (ت: 105) وقتادة (ت: 117) في رواية، والسُّدِّي (ت: 128)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، والربيع بن أنس (ت: 139)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل بن حيَّان
(5)
(ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)، والرُّمَّاني
(6)
(ت: 384)، والواحدي
(1)
طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الفارسي ثم الحِميَري الجَنَدي، المفسر الحافظ الفقيه، عالم اليمن، من كبراء أصحاب ابن عباس رضي الله عنه، توفي سنة (106). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 349، والسير 5/ 38.
(2)
ينظر: جامع البيان 4/ 39، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 722.
(3)
مكي بن أبي طالب القيسي، أبو محمد، إمام الأندلس في زمانه في الإقراء والتفسير والعربية، صَنَّفَ: الرعاية لتجويد القراءة، وتفسير المشكل من غريب القرآن، وغيرها، توفي سنة (437). ينظر: معجم الأدباء 6/ 2712، والسير 21/ 425.
(4)
ينظر: جامع البيان 4/ 40، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 452، والناسخ والمنسوخ، له (ص: 90)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: 203)، وتفسير السمعاني 1/ 345، والمحرر الوجيز 1/ 483، وزاد المسير (ص: 214)، والمُصَفَّى بأكف أهل الرسوخ (ص: 22)، والتفسير الكبير 8/ 141، والجامع لأحكام القرآن 4/ 102، ومجموع الفتاوى 14/ 101، والموافقات 3/ 357، والتحرير والتنوير 4/ 30.
(5)
مقاتل بن حيَّان النَّبَطي، أبو بسطام البلخي الخرَّاز، محدِّثٌ مفسِّر ثقة عالم، توفي في حدود (150)، قبل وفاة مقاتل بن سليمان. ينظر: السير 6/ 340، والتقريب (ص: 968).
(6)
علي بن عيسى بن علي بن عبد الله، أبو الحسن الرُّمَّاني، اللغوي المفسِّر المُقرئ، جمع الرفض والاعتزال، وله مُصَنَّفات منها تفسيره:«الجامع لعلم القرآن» ، توفي سنة (384). ينظر: معجم الأدباء 4/ 1826، والسير 16/ 533.
(ت: 468)
(1)
، ونسبه الرَّسْعَني
(2)
(ت: 661) لأكثر المفسرين.
(3)
وذهب ابن تيمية (ت: 728)، والشاطبي (ت: 790)، وابن عاشور (ت: 1393)
(4)
، إلى أن من قال بالنسخ إنما أراد به البيان، إذ إطلاقه عليه كثير في كلام السلف. وعلى هذا لا تعارض بين من قال بأن الآية الثانية ناسخة للأولى، ومن قال أنها مُبيِّنَةٌ لها، كاشفةٌ عنها.
* * *
[26]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران 200].
عن داود بن صالح
(5)
قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: (يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران 200]؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرَابَط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة)
(6)
.
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 18، وأحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: 226)، وجامع البيان 4/ 41، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 722، وبحر العلوم 1/ 288، والجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 36)، والوسيط 1/ 472.
(2)
عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر الرَّسْعَني الجزري، أبو محمد الموصلي الحنبلي، فقيه مفسر، صَنَّف في التفسير: مطالع أنوار التنْزيل، ورموز الكنوز، والقمر المنير في علم التفسير، توفي سنة (661). ينظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 222، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 207).
(3)
رموز الكنوز (ص: 190).
(4)
ينظر: مجموع الفتاوى 14/ 101، والموافقات 3/ 357، والتحرير والتنوير 4/ 30.
(5)
داود بن صالح بن دينار التَّمَّار المدني مولى الأنصار، صدوق. ينظر: الكاشف 1/ 380، والتقريب (ص: 306).
(6)
أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص: 137)، وابن جرير في تفسيره 4/ 293 (6693)، وابن المنذر في تفسيره 2/ 544 (1296)، والحاكم في المستدرك 2/ 329 (3177)، والبيهقي في شعب الإيمان 3/ 70 (2897)، والواحدي في الوسيط 1/ 538. من طريق مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة.
وإسناده حسن لغيره، وصححه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن مردويه، كما ذكر ابنُ كثير في تفسيره 2/ 834، وذكر له شاهدًا آخر عند ابن مردويه وقال عنه:(وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا).
*
تحليل الاستدراك:
ما ذكره أبو سلمة في معنى الآية، هو عين ما أخبره به أبو هريرة رضي الله عنه في قوله له:(أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران 200]؟ قال: قلت لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرابِطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها)
(1)
. وقول أبي هريرة رضي الله عنه في أن معنى الرباط في هذه الآية: انتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد. معتمِدٌ على: صحَّةِ المعنى المذكور لُغةً
(2)
، فإن الرباط هو: الثبات والمُداومة، قال أبو عبيدة
(3)
(ت: 209): ({وَرَابِطُوا} [آل عمران 200] أي: اثْبتُوا ودُوموا. قال الأخطل
(4)
:
ما زال فينا رِباطُ الخيل مُعْلَمةً
…
وفي كُلَيْبٍ رِباطُ الُّلؤْم والعارِ)
(5)
.
(1)
أخرجه ابن مردويه، كما في تفسير ابن كثير 2/ 834.
(2)
هذا الملحظ مُطَّرِدٌ في جميع تفاسير الصحابة، وحَقُّه أن يُذكَر في عرض أقوالهم؛ الصحيح منها والضعيف، والراجح والمرجوح، غير أنِّي لا أذكره إلا إذا كان له تعلُّقٌ مؤثر في موضع الخلاف في الآية.
(3)
معمر بن المثنى، أبو عبيدة التيمي مولاهم البصري، لُغَويٌ مُصَنِّف، بارعٌ في الغريب وأيَّام العرب، صنف: مجاز القرآن، وغريب الحديث، وغيرها، توفي سنة (209). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: 80)، والسير 9/ 445.
(4)
غياث بن غوث بن الصلت، من بني تغلب، والأخطل لقبٌ غلب عليه، كان نصرانيًا من أهل الجزيرة، وأخباره مع جرير والفرزدق كثيرة. ينظر: طبقات فحول الشعراء 2/ 298، والأغاني 8/ 201.
(5)
مجاز القرآن 1/ 112، وينظر: تفسير ابن المنذر 2/ 545، ونزهة القلوب (ص: 241)، وتحفة الأريب (ص: 137).
وقال ابن فارس (ت: 395): (الراء والباء والطاء أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على: شَدٍّ وثَبَات)
(1)
.
ومن ثَمَّ فلُزوم موضع الصلاة لانتظار الصلاة، والمداومة على تلك الحال، رِباطٌ صحيح لُغَةً، قال الواحدي (ت: 468): (وإنما سُمِّيَ انتظار الصلاة بعد الصلاة رباطًا؛ لأن كلَّ من صبر على أمرٍ يُقال: رَبَطَ قلبه عليه، وَرَبَطَ نفسَه، وقال لبيد
(2)
:
رابطُ الجَأشِ على كُلِّ وَجَل
أي: صابرٌ ثابت)
(3)
. وقال الرازي (ت: 604): (وأصل الرباط من الربط، وهو: الشَّدُّ، يُقال لكلِّ من صبر على أمرٍ: ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو: اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضًا راجعٌ إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس)
(4)
. واعتمد أبو هريرة رضي الله عنه كذلك في تحديد المراد بهذه اللفظة على معرفة حال من نزل فيهم القرآن، فقال:(أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرابِطون فيه)، فصار المرادُ رِباطًا آخَرَ كان موجودًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وقت نزول القرآن، وهو: انتظار الصلاة بعد الصلاة. ثم ارتكز بيان أبي هريرة رضي الله عنه لمعنى الآية على ما يصح أن يكون معنى لها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم
(5)
، وهو ما اصطُلِحَ على تسميته: التفسير بالسنة، فروى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،
(1)
مقاييس اللغة 1/ 507.
(2)
لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك، أبو عقيل الكلابي الجعفري، صحابي شاعر مشهور، عاش مائة وعشرين سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، مات بالكوفة سنة (41). ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 135، والإصابة 5/ 500.
والبيت في ديوانه (ص: 122).
(3)
الوسيط 1/ 539، وينظر: المُفْهِم 1/ 508.
(4)
التفسير الكبير 9/ 127.
(5)
ينظر: الوسيط 1/ 538.
ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)
(1)
.
أمَّا من ذهب إلى أن الرباط المُراد في الآية هو: مُلازمة الثغور في مواجهة الأعداء في الجهاد في سبيل الله، فقد اعتمدوا كذلك على صِحَّة هذا المعنى لُغةً، قال الشاعر
(2)
:
قومٌ رباطُ الخَيْلِ وَسْطَ بُيُوتِهِم
…
وأَسِنَّةٌ زُرقٌ يُخَلنَ نُجُومَا
وقال الآخر
(3)
:
وَفِينا رباطُ الْخَيْلِ كُلُّ مُطَهَّمٍ
…
رجيلٍ كَسِرْحانِ الغَضى الْمُتأَوِّبِ
بل جعله بعضهم أصل اللفظة في اللغة، وما عداه فمنقولٌ عنه، ومَجازٌ فيه
(4)
، قال ابن قتيبة (ت: 276): (وأصل المُرابطة: الرباط؛ أن يربط هؤلاء خيولهم، ويربط هؤلاء خيولهم في الثغر، كُلٌّ يُعِدُّ لصاحبه، وسُمِّيَ المقام بالثغور: رِباطًا)
(5)
، وقال ابن جرير (ت: 310): (وأرى أن أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيلهم، ثم استُعمِلَ ذلك في كل مقيم في ثغر، يدفع عمَّن وراءه من أراده من أعداءهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم، ممَّن بغاهم بشَرّ، كان ذا خيلٍ قد
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 487 (251).
(2)
البيت لليلى الأخيلية، ويُروى لحُميد بن ثور الهلالي. ينظر: الأمالي، للقالي 1/ 252، وشرح ديوان حماسة أبي تمَّام 2/ 1073.
(3)
طُفيل الغَنَوي، والبيت ديوانه (ص: 27).
(4)
المُراد بالمجاز هنا: ما يجوز استعماله فيه لُغةً، أي: المجاز اللغوي، ومنه كتاب أبي عبيدة: مجاز القرآن. ينظر: العمدة، لابن رشيق 1/ 266، ومجموع الفتاوى 12/ 277، والتفسير اللغوي (ص: 335).
(5)
تفسير غريب القرآن (ص: 104)، وينظر: أساس البلاغة 1/ 331.
ارتبطها، أو ذا رُجلَة لا مركب له)
(1)
، وقال ابن عطية (ت: 546): (وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فذلكم الرباط)، إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المُنجِية، والرباط اللغويّ هو الأوَّل- أي: ملازمة الثغور-)
(2)
. وأكَّدَ هذا المعنى أيضًا وروده في السنة النبوية في أحاديث كثيرة مشهورة تنطبقُ على هذا المعنى، منها: حديث أبي حازم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها)
(3)
، وحديث سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجرِيَ عليه رِزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان)
(4)
.
*
الحكم على الاستدراك:
في القول بأن الرباطَ بمعنى: ملازمة الثغور. أصلُ المعنى اللغوي لكلمة الرباط، نوع مُبالغة، بل هو معنىً لُغويٌ صحيح كغيره من المعاني، قال القرطبي (ت: 671) مُعَقِّبًا على قول ابن عطية (ت: 546) السابق: (قلت: قوله: والرباط اللغويّ هو الأول. ليس بمُسَلَّم؛ فإن الخليل بن أحمد
(5)
أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرِّباط: ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا. فقد حصل أن انتظار الصلاة رباطٌ لُغَويٌّ حقيقة، كما قال صلى الله عليه وسلم، وأكثر من هذا ما قاله الشيباني
(6)
أنه يُقال: ماءٌ مُترابط، أي: دائمٌ
(1)
جامع البيان 4/ 294، وينظر: معاني القرآن، للنحاس 1/ 530.
(2)
المحرر الوجيز 1/ 560.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 100 (2892).
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه 5/ 53 (1913).
(5)
الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام اللغة والنحو، واضع علم العروض، صنف كتاب العين، ومات سنة (175). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: 54)، ومعجم الأدباء 3/ 1260.
(6)
إسحاق بن مِرار الكوفي، أبو عمرو الشيباني مولاهم، لغوي راوية محدث، صنف كتاب الجيم، واللغات، وغريب الحديث، وغريب المصنف، وغيرها، مات مُعَمرًا سنة (213). ينظر: معجم الأدباء 2/ 625، وبغية الوعاة 1/ 439.
لا ينْزح. حكاه ابن فارس
(1)
، وهو يقتضي تعدية الرباط لُغةً إلى غير ما ذكرناه؛ فإن المُرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل فيعود إلى ما كان صبر عنه، ومن أعظمها وأهمها: ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نَصَّ عليه في التنْزيل في قوله {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال 60] على ما يأتي، وارتباط النفس على الصلوات، كما قاله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو هريرة وجابر وعلي، ولا عِطرَ بعد عروس)
(2)
.
فمن ثَمَّ يتَّضِح أن كِلا المعنيين السابقين للرباط- ملازمة الثغور في سبيل الله، وانتظار الصلاة بعد الصلاة- صحيحٌ لُغةً وشرعًا، على ما سبق بيانه، وكِلاهما مُقَدَّم على غيرهما، وهُما من نوع اختلاف التنوع، واختار ذلك: الراغب الأصفهاني (ت: بعد 400)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي (ت: 671)، والبيضاوي (ت: 685)
(3)
.
ويترجَّحُ القول بأن الرباط هو ملازمة الثغور في سبيل الله؛ لأنه أعظمُ معاني الرباط، وأهمُّها، وأشهرُها، وقد سبق دلالة السُّنة على عظمته، وكذلك أهميته، فهو مصلحة عامَّةٌ مُتَعدِّية، كما أنه أشهر معاني الرباط عند الإطلاق، قال ابن جرير (ت: 310): (وإنما قلنا معنى {وَرَابِطُوا} [آل عمران 200]: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروفُ من معاني الرباط، وإنما يُوَجَّهُ الكلامُ إلى الأغلبِ المعروفِ في استعمال الناس من معانيه دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك- مِمَّا يُوجِبُ صرفَه إلى الخَفِيّ من معانيه- حجةٌ يجب التسليمُ لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل)
(4)
. وقال أبو الحسن الرُّمَّاني (ت: 384): (والتأويل الأوَّل هو الوجه- أي: رابطوا في سبيل الله-؛ لأنه أظهر ما يلزم من الصبر
(1)
مقاييس اللغة 1/ 507، وفيه:(لا يَبْرَحْ).
(2)
الجامع لأحكام القرآن 4/ 206.
(3)
ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني 2/ 1068، والتفسير الكبير 9/ 127، والجامع لأحكام القرآن 4/ 206، وأنوار التنْزيل 1/ 202.
(4)
جامع البيان 4/ 294، وينظر: 6/ 337 ط/ التركي.
على فرائض الله، واجتناب محارمه، وما يلحق من شدائد الدنيا في طاعته)
(1)
، وقال ابن حجر (ت: 852): (وحمل الآية على الأول أظهر- أي: الرباط في سبيل الله-، وما احتجَّ به أبو سلمة لا حُجَّةَ فيه، ولا سيَّما مع ثبوت حديث الباب
(2)
، فعلى تقدير أنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه)
(3)
، بل حمل بعضُ العلماء وصفَ النبي صلى الله عليه وسلم لانتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط، على أنه تشبيهٌ بالرباط في سبيل الله، لشِدَّة ظهور المعنى فيه
(4)
، وقد يُفهَم من قول أبي هريرة رضي الله عنه (أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرابِطون فيه)، أمران:
الأول: أن الرباط في الثغور في سبيل الله، أشهر معاني الرباط؛ ولذا بَدأ أبو هريرة بنفيه أولًا.
الثاني: قد يُقال: معنى كلام أبي هريرة: أنه لو كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرابطون فيه، لكان هو المعنى للآية. وقد ذكر ابن حجر (ت: 852) أن قول أبي هريرة هذا ليس بلازم، فتكون إشارة أبي هريرة تلك مُرَجِّحٌ للمعنى الآخر.
وهو أيضًا قول أكثر المفسرين
(5)
، وقال به الضحاك (ت: 105)، والقرظي (ت: 108)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، وابن جريج
(6)
(ت: 150)، ومقاتل (ت: 150)، وابن قتيبة (ت: 276)، وابن جرير
(1)
الجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 344).
(2)
هو حديث أبي حازم سهل بن سعد الساعدي السابق.
(3)
فتح الباري 6/ 101.
(4)
كالقاضي عياض في مشارق الأنوار 1/ 443، وابن عطية في المحرر الوجيز 1/ 560، وابن القيم في مدارج السالكين 2/ 432.
(5)
ينظر: الوسيط 1/ 538.
(6)
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد الرومي، مولى بني أميَّة، عالم مكة، ثقةٌ حافظ، طلب العلم كبيرًا، ولزم عطاء ثمانية عشر سنة، وتوفي سنة (150). ينظر: السير 18/ 468، والتقريب (ص: 624).
(ت: 310)، والزجاج (ت: 311)، والنحاس (ت: 338)، والرُّمَّاني (ت: 384)، والواحدي (ت: 468)، والزمخشري (ت: 538)، وابن عطية (ت: 546)، وأبو حَيَّان (ت: 745)، وابن حجر (ت: 852)
(1)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك وفوائده:
أولًا: أن معرفة حال من نزل فيهم القرآن، مطلبٌ مهم لفهم القرآن، وهو من المُرَجِّحات المعتبرة عند السلف في التفسير، فأبو هريرة رضي الله عنه رَجَّح قوله في هذه الآية، ونفى القول الآخر لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد نَصَّ على هذا الأمر الشاطبي (ت: 790) فقال: (ومن ذلك- أي: ما يلزم معرفته- معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنْزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سببٌ خاصٌّ لا بُدَّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشُّبَه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ويكفيك من ذلك ما تقدم بيانه في النوع الثاني من كتاب المقاصد
(2)
؛ فإنَّ فيه ما يُثلِج الصدر، ويُورِثُ اليقين في هذا المقام، ولا بُدَّ من ذكر أمثلة تعين على فهم المُراد وإن كان مفهومًا)، ثم ذكر أربعة أمثلة على ذلك، منها:(قوله تعالى {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم 49]؛ فَعَيَّنَ هذا الكوكب لكون العرب عبدتْه، وهم خُزاعة، ابتدع ذلك لهم أبو كبشة، ولم تعبد العرب من الكواكب غيرها؛ فلذا عُيِّنَت)
(3)
،
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 211، وتفسير غريب القرآن (ص: 104)، وجامع البيان 4/ 292، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 501، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 850، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 530، والجامع لعلم القرآن (مخطوط، ص: 345)، والوسيط 1/ 538، والكشاف 1/ 449، والمحرر الوجيز 1/ 560، والبحر المحيط 3/ 156، وفتح الباري 6/ 101.
(2)
الموافقات 2/ 101.
(3)
الموافقات 4/ 154، 261. ويُنظر: معاني القرآن وإعرابه، للزجاج 5/ 71، والانتصار للقرآن 2/ 184، 193، 197، 313، 324، ومجموع الفتاوى 7/ 106، وبدائع الفوائد 3/ 25.
قال عطاء الخراساني
(1)
(ت: 135): (إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل 81]؟، وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل 80]؟، وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر، ألا ترى إلى قوله {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور 43]، يُعَجِّبُهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل 81]؟، وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حَرّ)
(2)
.
ثانيًا: أن التفسير النبوي غير الصريح، مُرَجِّحٌ شافعٌ لصحة المعنى؛ وتقديمِه على ما لم يكن كذلك.
ثالثًا: أن التفسير النبوي غير الصريح إذا قوبل بمثله فلا ترجيح بهما، ويُرَجَّح بغيرهما من وسائل الترجيح، وإنما يتَقَدمان بذلك على غيرهما من الأقوال.
رابعًا: يترَجَّحُ معنىً من المعاني المُتساوية في الآية إذا كان أحدها هو الأصل لُغةً، وما عداه منقول عنه، أو مجاز فيه.
خامسًا: أن حمل معاني كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر عند من نزل القرآن عليهم وبِلُغَتِهم أولى وأحرى من حمله على ما سواه من المعاني، وبهذا رَجَّح المفسرون كثيرًا من اختياراتهم، قال الدارمي (ت: 280): (لا يُحكَم للأغرب من
(1)
عطاء بن أبي مسلم ميسرة- وقيل: عبد الله- أبو عثمان الخراساني، المحدث المفسر، صنف: تنْزيل القرآن، وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، توفي سنة (135). ينظر: السير 6/ 140، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 264).
(2)
جامع البيان 14/ 205. وينظر: شفاء الصدور (مخطوط، ص: 25).
كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان على أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب .. ، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تُصرَف معانيها إلى العموم، حتى يأتي مُتَأَول ببرهان بَيِّنٍ أنه أُريد بها الخصوص؛ لأن الله تعالى يقول {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء 195]، فأَثْبَتُهُ عند العلماء أعَمُّه وأشَدُّه استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه)
(1)
.
* * *
[27] {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَ
ا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة 64].
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قوله {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} [المائدة 64]، ليس يعنون بذلك أن يَدَ اللهِ مُوثقَة، ولكنهم يقولون إنه بخيلٌ أمسكَ ما عنده، تعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا)
(2)
.
(1)
نقض الدارمي على المريسي 2/ 855. وينظر منه: 1/ 344. وفي التأكيد والتمثيل لذلك ينظر: جامع البيان 1/ 205، 2/ 531، 3/ 307، 311، 5/ 111، 173، 252، 8/ 169، 11/ 202، 13/ 72، 15/ 159، 30/ 17، 443، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 216، وإعراب القرآن، له أيضًا 5/ 83، والتفسير الكبير 11/ 105.
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 6/ 405 (9550)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1167 (6576). من طريق أبي صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. وقد تقدَّمت الإشارة إلى هذا الإسناد في الاستدراك رقم (25) (ص: 145).
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية المعنى الحِسِّي لكلمة الغِلّ، وهو: الوِثاق، وهو ما يتبادر إلى الذهن عند اقتران هذه الكلمة بذكر اليد؛ ولِذا بدأ ابن عباس رضي الله عنه بنفيه، ثُمَّ أثبت معنىً آخر لهذه اللفظة في هذه الآية، وهو أنَّ اليهود أرادوا بذلك: أنَّ الله بخيل، أمْسَك خيره عنهم. وهذا المعنى مأخوذٌ من سبب الآية، وسياقها، وعادة العرب في مثل هذا الأسلوب، وعادة اليهود في وصف الله تبارك وتعالى بمثل هذه النقائص. فأمَّا سبب الآية فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وقتادة (ت: 117): (أن الله كان قد بسط على اليهود، حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، وأخصَبَهم ناحيةً، فلمَّا عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم، وكَذَّبوا به، كفَّ الله عنهم ما بسط عليهم من السَّعَة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد الله مغلولة. لم يُريدوا إلى عنقه، ولكنهم أرادوا أنها مقبوضة، بمعنى ممسكة عن الرزق، فنسبوه إلى البخل)
(1)
، وعن الكلبي (ت: 146) ومقاتل (ت: 150) قالا: (كانوا من أخصب الناس، وأكثرهم خيرًا، فلمَّا عصوا وبَدَّلوا نعمة الله كفرًا؛ كَفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم؛ فعند ذلك قالت يهود: كفَّ الله يده عنَّا، فهي مغلولة، أي: لا يبسطها علينا)
(2)
.
وأمَّا السياق ففيه دلالة على أن مُرادهم البخل وعدم الإنفاق، وذلك في رَدِّ الله تعالى عليهم، وإبطاله دعواهم بقوله {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة 64]، فأثبَتَ نقيض دعواهم، وأنَّ يداه تعالى مبسوطتان بالعطاء والنفقة، لا يُنقِصهما شيء،
(1)
الكشف والبيان 4/ 87، والجامع لأحكام القرآن 6/ 154.
(2)
تفسير القرآن العزيز 2/ 36، وتفسير مقاتل 1/ 310، وفيه أنه قول عامَّتهم، لا قول بعض أفراد منهم كما في القول الأول، كما أنه عامٌّ في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك ممَّا كفروا وفسقوا به. وينظر: النكت والعيون 2/ 51.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمين الله ملأى لا يَغِيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مُنذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القَبضُ، يرفع ويخفض)
(1)
.
وأمَّا إطلاق الغلِّ على اليد، وإرادة البخل به؛ فأسلوب عربي معروف نزل به القرآن، ومنه قوله تعالى {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء 29]، قال ابن جرير (ت: 310): (وإنما وصف تعالى ذكره اليدَ بذلك، والمعنى: العطاء؛ لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشُحٍّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى
(2)
في مدح رجل:
يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ
…
وَكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزَّادِ تُنْفِقُ
فأضاف ما كان صفةَ صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد، ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى، فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم)
(3)
، والعرب تقول في مقابل ذلك للبخيل: جَعدُ الأنامل، ومقبوض الكَفِّ، ومغلول اليد، ومنه قول الشاعر
(4)
:
كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِهَا
…
وَكُلُّ بَابٍ من الخَيْرَات مفْتُوحُ
فَاسْتَبْدَلَتْ بَعدَه جَعْدًا أَنَامِلُه
…
كأنَّمَا وَجْهُه بالخَلِّ مَنْضُوحُ
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 13/ 404 (7411)، ومسلم في صحيحه 3/ 67 (37).
(2)
ميمون بن قيس بن جندل، أبو بصير، من بني بكر بن وائل، يلَقَّب بصَنَّاجة العرب، من فحول شعراء الجاهلية، أدرك أوائل عهد النبوة ولم يسلم على المشهور. ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 40، 52، والأغاني 9/ 80.
(3)
جامع البيان 6/ 404، وينظر: نقض الدارمي على المريسي 2/ 699.
(4)
هو نَهَار بن توسعة البكري الخراساني، ينظر: الكشف والبيان 4/ 87، والجامع لأحكام القرآن 6/ 154.
كما أنَّ من عادة اليهود- أخزاهم الله- وصف الله تعالى بكلِّ نقيصة، ممَّا يتنَزه عنه آحاد البشر، ونظير هذا قولهم فيما حكاه الله عنهم {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران 181]، وقد ورد أن قائل هذا من اليهود: فنحاص اليهودي- لعنه الله-، وهو قائل نفس العبارة السابقة في هذه الآيات كما سبق في سبب النُّزول.
(1)
*
الحكم على الاستدراك:
تكاد تَتَّفق كلمة أهل التفسير على قول ابن عباس رضي الله عنه في معنى هذه الآية، ولم أقف على من فسَّرَ الغِلَّ في هذه الآية بالوِثاق في اليد، على ما نفاه ابن عباس رضي الله عنه، وإنما ورد عن الحسن (ت: 110) قوله: (معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما تبرّ به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل)
(2)
، قال البغوي (ت: 516) بعد ذكره لقول الحسن: (والأوَّل أولى- أي: قول ابن عباس-؛ لقوله {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة 64])
(3)
، ومراده أن قول الحسن بعيد عن سياق الآية، كما سبق بيانه.
فقول ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية هو الصواب، وعليه جماهير المفسرين واللغويين، ومنهم: مجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدِّي (ت: 128)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)، والثوري (ت: 161)
(4)
، ومن أهل اللغة أبو عبيدة (ت: 209)، والأخفش الأوسط
(5)
(1)
تفسير ابن كثير 3/ 1201. وقال الوزير المغربي (ت: 418): (حدثني بعض اليهود الثقات بِمصر: أن طائفةً قديمةً قالت ذلك- أي: يد الله مغلولة- بهذا اللفظ، لعنهم الله). المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: 201).
(2)
النكت والعيون 2/ 51، زاد المسير (ص: 395).
(3)
معالم التنْزيل 3/ 76.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 310، وتفسير الثوري (ص: 104)، وجامع البيان 6/ 405، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1167، وتفسير القرآن العزيز 2/ 36، والنكت والعيون 2/ 51.
(5)
سعيد بن مسعدة البلخي المجاشعي، أبو الحسن البصري، عرف بالأخفش الأوسط، من أعلام اللغة والنحو، صَنَّف معاني القرآن، والأصوات، مات سنة (215). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: 66)، وبغية الوعاة 1/ 590.
(ت: 215)، وابن قتيبة (ت: 276)، والزجاج (ت: 311)، والنحاس (ت: 338)
(1)
. واختاره ابن جرير (ت: 310)، والسمرقندي (ت: 375)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والثعلبي (ت: 427)، والواحدي (ت: 468)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: 516)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن كثير (ت: 774).
(2)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أنه قد يقع الاستدراك على قولٍ لم يُقَلْ، أو قيل ولم يشتهر؛ لغرض سَدِّ باب التأويل به، ولتأكيد القول المقابل، كما هو في هذا الاستدراك.
* * *
تحريم 10].
عن سليمان بن قَتَّةَ
(3)
قال: سمعت ابن عباس يُسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قوله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم 10]؟ قال: (أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف، ثم قرأ {إِنَّهُ عَمَلٌ
(1)
ينظر: مجاز القرآن 1/ 170، ومعاني القرآن، للأخفش (ص: 171)، وتأويل مشكل القرآن (ص: 106)، وتفسير غريب القرآن (ص: 126)، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 189، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 334.
(2)
ينظر: جامع البيان 6/ 404، وبحر العلوم 1/ 447، وتفسير القرآن العزيز 2/ 36، والكشف والبيان 4/ 88، والوسيط 2/ 205، والوجيز 1/ 327، ومعالم التنْزيل 3/ 76، والجواب الصحيح 4/ 412، وتفسير ابن كثير 3/ 1201.
(3)
سليمان بن قَتَّةَ التيمي، مولاهم البصري، المقرئ، من فحول الشعراء، قال ابن المديني: قَتَّةُ أمه. وثَّقَه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات 4/ 311. ينظر: السير 4/ 596، وتعجيل المنفعة 1/ 167.
غَيْرُ صَالِحٍ}
(1)
[هود 46])
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابن عباس رضي الله عنه أن يكون معنى الخيانة في هذه الآية: الزنا، وهو ما يسبق إلى الذهن خاصة في سياق ذكر الزوجات. وهو معنى وارد لُغةً؛ إذ مرد الخيانة إلى: خَوَنَ، وهو أصلٌ في التَّنَقُّص، قال لبيد
(3)
:
تَخَوَّنَها نُزُولي وارتِحالي
ومنه نقص الوفاء
(4)
، (ومُخالفة الحق بنقض العهد سِرًّا)
(5)
، ويعضد هذا الفهم في الآية قوله تعالى لنبيه نوح عليه السلام عن ابنه {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46].
ثم ذكر ابن عباس رضي الله عنه أن المُراد بالخيانة هنا: خيانة الدين؛ بمخالفته، أو النفاق فيه، وهو ما ورد صريحًا عنه رضي الله عنه في قوله:(كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما)
(6)
، ولا شك في صحة هذا المعنى لغةً، قال عكرمة (ت: 105): (والخيانة
(1)
هكذا قرأها ابن عباس رضي الله عنه: بنصب (عَمِلَ) و (غَيْرَ)، كما في الكامل في القراءات الخمسين (مخطوط، ص: 204)، وجامع البيان 28/ 70، وهي قراءة سبعية قرأ بها الكسائي ويعقوب. ينظر: المبسوط (ص: 204)، والإقناع 2/ 665.
(2)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 130)(355)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 195 (1234)، وسعيد بن منصور في سننه 5/ 351 (1092)، وابن أبي الدنيا في الصمت (ص: 160) (269)، وابن جرير في تفسيره 12/ 67 (14070)، والحاكم في مستدركه 2/ 538 (3833)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 212 للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. من طريق موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّةَ، عن ابن عباس رضي الله عنه.
وإسناده صحيح، وصححه الحاكم.
(3)
ديوانه (ص: 154).
(4)
مقاييس اللغة 1/ 385.
(5)
المفردات (ص: 305).
(6)
جامع البيان 28/ 217 (26711).
تكون على غير باب)
(1)
، كما أن خيانة الدين على هذا المعنى واردةٌ في القرآن في غيرما شاهد، منها قوله تعالى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة 187]، وقوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال 27].
(2)
*
الحكم على الاستدراك:
رُوي القول بأن الخيانة في هذه الآية خيانة عِرْضٍ عن عبيد بن عمير
(3)
(ت: 68)، والشعبي (ت: 104)، ومجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، وابن سيرين (ت: 110)، وأبو جعفر الباقر
(4)
(ت: 114)، وابن جريج (ت: 150)
(5)
، واستدلوا لقولهم بما يأتي:
أولًا: قوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود 46]، فهذا ظاهر في أنه ليس من أهل نوح عليه السلام، فهو إذًا ليس ابنَه.
(1)
جامع البيان 12/ 67.
(2)
تأويل مشكل القرآن (ص: 262).
(3)
عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد الليثي، أبو عاصم المكي، من مفاخر التابعين وكبارهم، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مجمعٌ على ثقته، مات سنة (68). ينظر: السير 4/ 156، والتهذيب 3/ 38.
وأثره هذا قال عنه ابن حجر: أخرجه ابن عبد البر بسند صحيح إليه. الفتح 12/ 40.
(4)
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، لقب بالسَّجَّاد، ثقة فاضل عابد، من فقهاء المدينة من التابعين، مات سنة (114) على الأصح. ينظر: السير 4/ 401، والتهذيب 3/ 650.
(5)
ينظر: جامع البيان 28/ 65، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 55، وزاد المسير (ص: 656)، وتفسير ابن كثير 4/ 1794. ويُلاحظ هنا أن بعضهم صَرَّحَ بفجور امرأة نوح، وبعضهم لم يُصَرِّح، وإنما قال: ليس بابنه. فقد يكون مُراده أنه ربيب نوحٍ عليه السلام، وإنما نُسِبَ إليه مجازًا، كما أشار إلى ذلك ابن كثير 4/ 1794، وأبو حَيَّان 5/ 227، ويعضده قراءة علي وعروة {ونادى نوحٌ ابنها} وهي قراءة شاذة، كما في تفسير القرطبي 9/ 31، 33. والذين صرحوا بفعل امرأة نوح ذلك هم: عبيد بن عمير، والحسن، وابن جريج، أما البقية فقولهم محتمل على ما سبق.
ثانيًا: قوله تعالى {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46]، أي أن الذي ذكرت أنه ابنك، فسألتني أن أنجيَه عملٌ غيرُ صالحٍ، لأنه لغير رِشدَة - أي: ابن زنا-، فالهاء في قوله {إِنَّهُ} عائدة على الابن.
(1)
ثالثًا: قوله تعالى {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود 46]، أي أن نوحًا عليه السلام لم يكن يعلم أنه ليس منه، حتى أخبره الله تعالى.
رابعًا: قوله تعالى {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود 45]، فلم يقل مِنَّي، ويعضده قراءة علي وعروة بن الزبير
(2)
(ت: 94): {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود 42]، أو {ابْنَهُ} [هود 42] بفتح الهاء من غير إشباع، بمعنى: ابنها.
(3)
خامسًا: أنه المفهوم من قوله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم 10] عند الإطلاق.
سادسًا: أن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك بالله تعالى، وقد كانتا مُشركتين بالله، كما أخبرنا تعالى {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ} [التحريم 10]، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين، وهو قول الحسن فيما ذكره عنه النَّقَّاش
(4)
(ت: 351)، قال:(خانتاهما بالكفر والزنا وغيره)
(5)
.
(6)
(1)
ينظر: جامع البيان 28/ 70.
(2)
عروة بن الزبير بن العوَّام الأسدي القرشي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، أحد الفقهاء السبعة، أخذ عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأكثر، مات سنة (94). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 91، والسير 4/ 421.
(3)
ينظر: غرائب التفسير 1/ 506، والجامع لأحكام القرآن 9/ 31، 33.
(4)
محمد بن الحسن بن محمد الموصلي ثم البغدادي، أبو بكر النَّقَّاش، المُقرئ المُفَسر، صنَّفَ تفسيره: شفاء الصدور، والإشارة في غريب القرآن، وغيرها، مات سنة (351). ينظر: السير 15/ 573، والبداية والنهاية 11/ 204.
(5)
بواسطة المحرر الوجيز 5/ 335.
(6)
هذه بعض مآخذ هؤلاء الأئمة في هذا القول، وليس فيه عندهم طعنٌ في النبوة، ولا غَضٌّ من الرسالة، ولو تحقق ذلك عندهم ما نطقوا بشيء منه، كيف وهم من أعلم الناس بمقام الأنبياء وحقوقهم؟! فما كان أغنى الآلوسي (ت: 1270) رحمه الله عمَّا قاله في أصحاب هذا القول عند هذه الآية. ينظر: روح المعاني 28/ 493.
وذهب جمهور المفسرين
(1)
- بل حُكِيَ فيه إجماعهم
(2)
-، إلى أن الخيانة هنا ليست خيانة عِرض، ثم تفاوتت أقوالهم في تحديدها:
- فقيل المراد هنا: خيانة الدين، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والضحاك (ت: 105)، وعكرمة (ت: 105)، والسدي (ت: 128)
(3)
، ثم فسر ابن عباس رضي الله عنه ذلك بقوله:(كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف).
- وقيل خيانتهما: نفاقهما، قاله الكلبي (ت: 146)
(4)
، وهو عائد إلى خيانة الدين.
(5)
- وقيل خيانتهما: نَميمتُهُمَا، قاله الضحاك (ت: 105)
(6)
، وهو عائد إلى خيانة الدين، وتفسير لقوله هناك.
واستدلَّ أصحاب هذا القول بأمور، منها:
أولًا: أن هذا المعنى واردٌ في القرآن في غيرما آية كما سبق.
ثانيًا: أن قوله تعالى {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود 42]، يدلُّ عليه، قال سعيد بن
(1)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 177، والجامع لأحكام القرآن 9/ 32، وتفسير ابن كثير 4/ 1794، وزاد المسير (ص: 656).
(2)
نقل الإجماع في ذلك: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 18/ 131، عن القشيري، وأبو حيَّان في البحر المحيط 8/ 289، نقلًا عن التحرير، والشوكاني في فتح القدير 5/ 339.
(3)
ينظر: جامع البيان 28/ 216، وتفسير ابن كثير 8/ 3572.
(4)
معالم التنْزيل 8/ 170، وزاد المسير (ص: 1454).
(5)
ينظر: النكت والعيون 6/ 46.
(6)
زاد المسير (ص: 1454).
جبير (ت: 95) لمَّا سأله رجل: أرأيتك ابنَ نوح، ابنُهُ؟ فسبح طويلًا ثم قال:(لا إله إلا الله، يُحَدِّث الله محمدًا {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود 42] وتقول ليس منه! ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن)
(1)
، وورد نحوه عن الضحاك (ت: 105)، وعكرمة (ت: 105)
(2)
.
ثالثًا: ويدل عليه كذلك دعاء نوح لربه تعالى {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود 45]، قال قتادة (ت: 117): (سألت الحسن عنه- أي: ابن نوح-، فقال: نادى نوحٌ ابنه! لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود 45]، فقال: لم يقل مِنَّي، فقلت له: يا أبا سعيد يقول {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود 42] وتقول: ليس بابنه؟! قال: أفرأيت قوله {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود 46]؟ قال: قلت: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه
(3)
. قال: إن أهل الكتاب يكذبون)
(4)
.
رابعًا: أن مقام النبوة يقتضي ذلك، وقد عصم الله أنبياءه من طَعْنٍ في أعراضهم، قال ابن عباس رضي الله عنه:(ما بَغَتْ امرأة نبي قَطّ)
(5)
، وقد صحَّ مثل ذلك عن ابن جبير (ت: 95)، والضحاك (ت: 105)، وعكرمة (ت: 105)
(6)
، قال ابن كثير (ت: 774): (وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه؛ فإن الله سبحانه أغير من أن
(1)
جامع البيان 12/ 68.
(2)
المرجع السابق 12/ 68.
(3)
الاستدلال باتفاق أهل الكتاب على أنه ابن نوح عليه السلام جاء في مقام ترجيح قتادة لقوله، ولعل مراده: أن أهل الكتاب مع حرصهم على كل ما يقدح في النبوة، ويطعن في الأنبياء لم يقولوا ذلك، فغيرهم أولى بتركه.
(4)
جامع البيان 12/ 66، والجامع لأحكام القرآن 12/ 32.
(5)
جامع البيان 12/ 67، 68.
(6)
المرجع السابق.
يُمَكِّن امرأة نبيٍّ من الفاحشة؛ ولهذا غضب الله على الذين رموا أمَّ المؤمنين عائشة بنت الصدِّيق زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر على المؤمنين الذين تكَلَّموا بهذا وأشاعوه؛ ولهذا قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور 11]، إلى قوله {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور 15])
(1)
، وقال:(وليس المُراد بقوله {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم 10] في فاحشة، بل في الدين؛ فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحُرمَة الأنبياء، كما قَدَّمنا في سورة النور)
(2)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهُنَّ الكتابيَّات، وأما نكاح البَغِيّ فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديُّوثًا؛ ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغيّ حتى تتوب)
(3)
.
ثم أجاب جمهور المفسرين عمَّا استدل به أصحاب القول الأول بما يأتي:
أولًا: استدلالهم بقوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود 46]، لا حجة فيه، إذ المعنى: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجِيَهم؛ لأنه ليس على دينك. قال ابن جرير (ت: 310): (وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أُنجيَهم؛ لأنه كان لدينك مُخالفًا، وبي كافرًا)
(4)
، وهذا على عادة العرب
(1)
تفسير القرآن العظيم 4/ 1794.
(2)
المرجع السابق 8/ 3572.
(3)
مجموع الفتاوى 7/ 473، وينظر: تفسير آيات أشكلت 1/ 185، والإحكام، للآمدي 1/ 227، وشرح الكوكب المنير 2/ 169.
(4)
جامع البيان 12/ 69.
في حَذف ما عُلمَ من الكلام لدلالة ما ذُكِرَ عليه، فالمُراد: ليس من أهل دينك، فحذف كلمة "دينك"، وهو نظير قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف 82].
(1)
ثانيًا: استدلالهم بقوله تعالى {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46]، وأن الهاء في قوله {إِنَّهُ} عائدة على الابن؛ لأنه من غير نكاح صحيح. غير مُسَلَّم؛ لأن السياق يدُلُّ بفاء الترتيب والتعقيب- التي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها- في قوله تعالى {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود 46]، على أن المُراد: إن سُؤالكَ إيايَ أن أنجيَ من كفر بي، ووالى أعدائي، بعد أن دعوتني أن لا أَذَرَ على الأرض منهم أحدًا، عملٌ غير صالح. وهو ما وقع عليه العتاب في هذه الآية، وليس يُعاتب الله تعالى أحدًا بأمر لا يعلمه، ولا سبب له فيه.
ثم إن قراءة ابن عباس التي ساقها لتأكيد هذا المعنى {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46]، تؤكد ما ذُكرَ، وليس يخفى أنَّ من فوائد القراءات تبيين المعنى، وإزالة ما فيه من إشكال، قال الزجاج (ت: 311): (والقراءة في هذا {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، و {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46]، وهما يرجعان إلى معنىً واحد، وذلك أن تأويل {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود 46]: أنه ذو عملٍ غير صالح، وكل من كفر فقد انقطع نسبه من أهله المؤمنين، لا يرثهم ولا يرثونه)
(2)
.
ثالثًا: وأمَّا قولهم في قوله تعالى {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود 45]: ولم يقل: مِنِّي. واستشهادهم بقراءة: (ونادى نوحٌ ابنها)[هود 42]، فأجاب عنه أبو حيَّان (ت: 745) بقوله: (ويمكن إن نُسِبَ إلى أمه، وأُضِيفَ إليها، ولم يُضَف إلى أبيه؛ لأنه كان كافرًا مثلها، يُلحَظُ فيه هذا المعنى، ولم يُضَف إليه استبعادًا له، ورعيًا ألاَّ يُضافَ إليه كافر، وإنما ناداه ظنًّا منه أنه مؤمن، ولولا ذلك ما أحب نجاته، أو ظنًّا منه أنه يؤمن إن كان كافرًا؛ لِمَا شاهد من
(1)
ينظر: المرجع السابق.
(2)
معاني القرآن وإعرابه 5/ 196، وينظر: المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص: 315).
الأهوال العظيمة)
(1)
. والقراءة المذكورة شاذَّة
(2)
، وتوجيهها على ما سبق.
رابعًا: وأما قوله تعالى {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود 46]، فالمُراد به: لا تسألنِ ما ليس لك به علمٌ بجواز مسألته، وذلك أنه سألَ ربَّه نجاة ابنه مع كفره، ولم يسبق له أن علم المنع من ذلك، وقيل المُراد: سؤاله في إنجاء كافر- لم يعلم بكفره- من العذاب.
(3)
خامسًا: وأما قولهم: إنه المفهوم من قوله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم 10] عند الإطلاق. فالخيانة تكون على غير باب كما سبق
(4)
، وفي القرآن شواهد لذلك، كما أنه يمتنع إرادة المعنى المذكور لمُعارضته أصلًا شرعيًا مُعتَبرًا، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهو: أنَّ كُلَّ تفسير خالف القرآن، أو السنة، أو إجماع الأمة فهو رَدّ، كما أن كل تفسير يطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو ردٌّ كذلك.
سادسًا: أما قولهم: إن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين. فهو صحيح من وجه، ولكنه هنا مُنتَفٍ لتعلقه بجانب نبيٍّ معصوم في نفسه وعِرضه، كما أن هناك فرقًا بين كِلا الجريمتين، أبان عنه الزمخشري (ت: 538) بقوله: (ولا يجوز أن يُراد بالخيانة الفجور؛ لأنه سمجٌ في الطباع، نقيصةٌ عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه، بل يستحسنونه، ويسمونه حَقًا)
(5)
.
ومن ثَمَّ فإن القول الثاني هو الصواب في هذه الآية، وهو: أن الخيانة كانت في الدين، ولم تكن بالزنا. وهو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه، وجماهير المفسرين، وثبت
(1)
البحر المحيط 5/ 227.
(2)
الجامع لأحكام القرآن 9/ 31، 33، والمرجع السابق.
(3)
ينظر: الوجيز 1/ 522، وزاد المسير (ص: 657).
(4)
وينظر: تحصيل نظائر القرآن (ص: 79)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: 199)، ونزهة الأعين النواظر (ص: 281).
(5)
الكشاف 4/ 559.
أيضًا بما سبق ضعف القول الأول وشذوذه، وقد جعله الكرماني
(1)
(ت: بعد الخمسمائة) من قسم العجيب في الآية
(2)
، وهو ما فيه أدنى خلل ونظر
(3)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: في قول قتادة (ت: 117) للحسن (ت: 110): (ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه) في سياق استدلاله على صِحَّة قوله وترجيحه له، إشارةٌ إلى أن أقوال أهل الكتاب وأخبارهم تعتبر مُرَجِّحًا في التفسير، خاصَّةً ما اتفقوا عليه وثبت عنهم، وهو كذلك، وهذا من فقه السلف في الاستدلال، وقد ورد الترجيح بنحو ذلك عن عدد من مُفَسِّري السلف.
(4)
ثانيًا: ظهور أثر مسألة عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في التفسير، فقد كانت من أسباب اختلاف المفسرين في كثير من المواضع المتعلقة بهذا الجانب، وهي راجعة إلى تأثر المفسر بمنهجه العقدي في تفسيره، وحمله معاني القرآن الكريم على ما لا يُخالف اعتقاده، فضلًا عمَّا يُبطله بوجه من الوجوه.
(5)
* * *
(1)
محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، برهان الدين أبو القاسم تاج القراء، النحوي المقرئ المفسر، صنف: غرائب التفسير، وتوفي بعد (500). ينظر: معجم الأدباء 6/ 2686، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: 508).
(2)
غرائب التفسير 2/ 1227.
(3)
المرجع السابق 2/ 1413.
(4)
كما في الدر 5/ 447 عن كعب الأحبار، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 761 عن ابن عباس رضي الله عنه، وسؤالاته لأبي الجلد في تفسير ابن أبي حاتم 1/ 55، والزاهر، لابن الأنباري 2/ 317، والدر 1/ 102، وسؤالاته لكعب الأحبار في تفسير ابن وهب 1/ 29، 2/ 80، وتفسير ابن أبي حاتم 8/ 2596، 2597، والدر 5/ 396، و 7/ 156.
(5)
ينظر في التأصيل والتمثيل لأثر هذا الجانب في التفسير: أسباب اختلاف المفسرين (ص: 119)، وسبقت الإشارة إلى شيء من ذلك في الاستدراك رقم (24) (ص: 148).
[29]{لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم 62].
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (ليس فيها بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون على مقدار ذلك بالليل والنهار). وفي لفظ: (يؤتون به على تفاريق الليل والنهار)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
البُكرة هي الغُدوَة أول النهار، والعَشيّ آخره
(2)
، وقد نفى ابن عباس رضي الله عنه أن يكون رزق أهل الجنة فيها وقتي البكور والعشيّ كما هما في الدنيا؛ لأنهما من أثر تحول الشمس ومسيرها من الشرق إلى الغرب، وقد أخبر الله تعالى أن أهل الجنة {لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان 13]، فإذا زال السبب زال المُسَبَّب. ثم بَيّن رضي الله عنه المُراد بالآية: أن أهل الجنة يأتيهم رزقهم فيها على تفاريق الأوقات، وفي أحايين متفاوتة، على قدر هذين الوقتين وما بينهما، كما كانوا يعهدونهما في الدنيا؛ لأنه لا ليل هناك ولا نهار. ونحو هذا الأسلوب في كتاب الله قوله تعالى {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ 12]، أي: قدر شهر. وقوله {خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت 9]، وقوله {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف 54]، يعني به: من أيام الدنيا.
(3)
*
الحكم على الاستدراك:
ما اختاره ابن عباس رضي الله عنه في الآية معنىً صحيح؛ تجتمع به آيتا مريم والإنسان، وهو جارٍ على عادة القرآن في مخاطبة من نزل عليهم بما يعهدون
(1)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 187)(580)، والبستي في تفسيره 1/ 200 (161)، واللفظ الثاني له، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 465 لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق سعيد بن سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنه.
وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، فالضحاك لم يلق ابن عباس.
(2)
القاموس المحيط (ص: 319، 1180).
(3)
ينظر: جامع البيان 16/ 128، والجامع لأحكام القرآن 11/ 85، ومجموع الفتاوى 2/ 494.
ويعرفون، ومن عُرفِ المُخاطب هنا أنهم كانوا يتنعمون بأرزاقهم في الدنيا في هذين الوقتين، بل يرون من علامات الخير والنعمة أن يصيب أحدهم الغداء والعشاء في يومٍ في هذين الوقتين، فعن يحيى بن أبي كثير
(1)
(ت: 132) قال: (كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاءً وغداءً فذاك الناعم في أنفسهم، فأنزل الله {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم 62]: قدر ما بين غدائكم في الدنيا، إلى عشائكم)
(2)
، ونحوه عن الحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)
(3)
، وقال مجاهد (ت: 104): (ليس بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا)
(4)
، وقال الحسن (ت: 110): (خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش؛ فوصف الله عز وجل جنته بذلك)
(5)
. ثم إن (اليوم اللغوي وإن كان محدودًا بطلوع الشمس إلا أن له مقدارًا من امتداد الزمان معقولًا)
(6)
، قال ابن قتيبة (ت: 276): (ونحن لا نعرف دهرًا لا يختلف له وقت، ولا يُرى فيه ظلامٌ ولا شمس، فأراد الله جل وعز أن يُعَرِّفنا من حيث نفهم ونعلم أحوالَ الجنةِ في مأكلهم، واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البُكرةَ والعشيّ مثلًا، إذ كانا يدُلان على العشاء والغداء، وروى عبد الرزاق
(7)
، عن معمر، عن قتادة أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه ذلك، فأخبرهم الله تبارك وتعالى أن لهم في الجنة هذه الحال التي تعجبهم في الدنيا)
(8)
.
(1)
يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت عابد، مات سنة (132). ينظر: الكاشف 2/ 373، والتقريب (ص: 1065).
(2)
جامع البيان 16/ 128، والدر 5/ 466.
(3)
ينظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 361، وجامع البيان 16/ 129، والدر 5/ 466.
(4)
تفسير ابن سلاَّم 1/ 232، وجامع البيان 16/ 128.
(5)
معالم التنْزيل 5/ 243، وتفسير ابن كثير 5/ 2237.
(6)
أجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: 57)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (65).
(7)
تفسيره 2/ 361.
(8)
تأويل مشكل القرآن (ص: 56).
ثم إن مجيء رزق أهل الجنة على هذه الصفة هو أكمل الوجوه فيه، قال ابن عطية (ت: 546): (وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه)، كما أن العرب تفضله كذلك، قال ابن قتيبة (ت: 276): (فإن الناس يختلفون في مطاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وَجَد، لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه الأحوال للطاعم وأنفعها، وأبعدها من البَشَم والطَّوى على العموم: الغداء والعشاء، والعرب تكره الوجبة، وتستحب العشاء، وتقول: تَرْكُ العشاء مَهرَمة)
(1)
. ثُمَّ إن من عادة القرآن تقريب نعيم الجنة للسامع بما يعرف ويعهد في الدنيا؛ ترغيبًا له وتشويقًا، في حين أن ما في الجنة لم يخطر على قلب بشر، كما قال صلى الله عليه وسلم
(2)
. وقد ورد في السنة ما يشهد للمعنى الذي ذكره ابن عباس في بكور وعشي الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) الحديث، وفي آخره:(قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرةً وعشيًّا)
(3)
، قال ابن حجر (ت: 852): (قوله: (يسبحون الله بكرةً وعشيًّا) أي: قدرهما)
(4)
، وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(الشهداء على بارقِ نَهرٍ ببابِ الجنة، في قُبَّةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشيًّا)
(5)
.
واختار قولَ ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية غيرَ من سبق: يحيى بن سلاَّم (ت: 200)، والفراء (ت: 207)، والأخفش الأوسط (ت: 215)، وابنُ جرير
(1)
تأويل مشكل القرآن (ص: 56).
(2)
فيما أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 375 (4779)، ومسلم في صحيحه 6/ 298 (2824).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 367 (3245)، ومسلم في صحيحه 6/ 303 (2834).
(4)
فتح الباري 6/ 375.
(5)
أخرجه أحمد في المسند 1/ 266 (2390)، والحاكم في المستدرك 2/ 84 (2403) وصححه، وابن حبان في صحيحه 10/ 515 (4658)، والطبراني في الأوسط 1/ 45 (123)، وإسناده حسن.
(ت: 310)، والواحدي (ت: 468)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: 516)، ونسبه لأهل التفسير، وابن عطية (ت: 546)، وابن كثير (ت: 774).
(1)
* * *
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (ليس هو بالنكاح الحَلال، ولكن: الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زانٍ أو مشرك، وحُرِّمَ ذلك على المؤمنين، يعني: الزنا)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
فسَّر ابن عباس رضي الله عنه النكاح في الآية بالوطء، وهو أحد معانيه لُغَةً
(3)
، ويكفي في ثبوته تصريح ابن عباس رضي الله عنه بهذا المعنى، ومنه قول الأعشى
(4)
:
(1)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 232، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 170، وجامع البيان 16/ 128، وإعراب القرآن، للنحاس 3/ 16، والوسيط 3/ 188، ومعالم التنْزيل 5/ 243، والمحرر الوجيز 4/ 23، وتفسير ابن كثير 5/ 2236.
(2)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 221)(711)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 427 (2005)، وابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 540، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2521 (14121)، والحاكم في مستدركه 2/ 211 (2786)، والبيهقي في سننه 7/ 154 (13645)، والضياء في المختارة 10/ 150 (148)، والثعلبي في تفسيره 7/ 66، وعزاه السيوطي في الدر 6/ 118 للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي داود في ناسخه. من طريق الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه. وفي تفسير الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، به.
وإسناده صحيح، وصححه الحاكمُ، وابنُ كثير في تفسيره 6/ 2461. وله شاهد من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أخرجه ابن جرير في تفسيره 18/ 98 (19502)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص: 197).
(3)
ينظر: مقاييس اللغة 2/ 581، والقاموس المحيط (ص: 223).
(4)
ديوانه (ص: 120).
ومَنْكُوحَةٍ غَيْر مَمْهورَة
…
وأُخرَى يُقَالُ لَهُ فَادِها
وقال الفرزدق
(1)
(ت: 110):
وذاتُ حَليلٍ أنكحَتْنا رِمَاحُنَا
…
حلالًا لِمَنْ يبنِي بها لَمْ تُطَلَّقِ
وقد جاء النكاح بمعنى الوطء في كتاب الله تعالى في قوله {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة 230]، كمَا قَوَّى هذا المعنى عنده رضي الله عنه قوله تعالى في آخر الآية {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور 3]، أي: الزنا. وأيضًا فإن السياق في بيان عقوبة الزنا وشناعته، فكانت هذه الآية مُنَفِّرةً منه، ومُبيِّنَةً لقبح حال فاعله؛ لأنه لا يُطاوع الزاني إلا فاجرةٌ من النساء، أو كافرةٌ لا ترى حُرْمَته، وقد أفاد هذا المعنى أن الرجل والمرأة سواء في اسم الزنا وحكمه، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها زانٍ، وإن اختلفا في الدين، ويفيد ذلك مُساواتهما في الحدِّ- إن كانا مُسلمين-، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما إلى ذلك.
(2)
(1)
همام بن غالب بن صعصعة التميميّ البصري، اشتهر بلقبه، أشعر أهل زمانه مع جرير والأخطل، مات سنة (110). ينظر: طبقات فحول الشعراء 2/ 298، والأغاني 21/ 193. وقصَّةُ البيت فيهما: 2/ 336، و 21/ 213.
وقد أنكر الزَّجاج (ت: 311)، والأزهري (ت: 370)، وتبعهما الزمخشري (ت: 538)، وابن عاشور (ت: 1393) أن يكون في القرآن النكاحُ بمعنى الوطء، وقد ثبت هذا المعنى في كلام العرب، كما ثبت بتفسير ابن عباس رضي الله عنه، بل قيل إن الأصل في النكاح لُغَةً: الوطء، ثم سُمِّيَ العقد نكاحًا لأنه سبب إليه. ينظر: كتاب العين 4/ 263، وتهذيب اللغة 4/ 64، والصَّحاح 1/ 413، ونزهة الأعين النواظر (ص: 590)، والإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: 194).
ولعل مُراد من نفى: مجيئه بمعنى الوطء فقط، لا بمعنى العقد والوطء معًا، كما سيأتي في كلام ابن تيمية رحمه الله.
(2)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/ 346، وأضواء البيان 6/ 50.
ونفى ابن عباس رضي الله عنه أن يكون المُراد بالنكاح في هذه الآية الزواج، والمعنى عند من فسره بعقد الزواج: أن الزاني لا ينكح إلا زانية حقيقةً أو حُكمًا باعتبار ما تؤول إليه من وجوه كثيرة، ومن عقد على زانية فهو إمَّا زانٍ، إن اعتقد حرمة الزنا، أو مشرك، إن اعتقد إباحته، وهي من كلا الوجهين لتحريم نكاح البغايا، والعكس كذلك.
ومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ نزول الآية وهو: أن مرثد بن أبي مرثد
(1)
كان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إليَّ عَرَفته، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة. قال: قلت يا عناق حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كُبُلَه، فجعلت أحمله ويعييني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أَنكِحُ عَنَاقًا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يردَّ علي شيئًا، حتى نزلت {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور 3]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا مرثد {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور 3]؛ فلا تنكحها)
(2)
، ويُقَوِّي هذا المعنى أنه
(1)
مرثد بن أبي مرثد كَنَّاز بن الحصين الغنوي، صحابي بدري، استشهد بالرجيع سنة (3). ينظر: الإصابة 6/ 55.
(2)
أخرجه أبو داود 2/ 220 (2051)، والترمذي 5/ 328 (3177)، والنسائي 6/ 66 (3228)، والحاكم 2/ 180 (2701)، والبيهقي في السنن 7/ 153 (13639)، وحَسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم، وإسناده حسن.
هو المُتبادر من كلمة النكاح، كما أنه المعنى الأكثر ورودًا لهذه اللفظة في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء 25]، وقوله {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور 32].
*
الحكم على الاستدراك:
لم يسلم كلا القولين في هذه الآية من الاعتراضات، فمِمَّا وُجِّهَ إلى من قال أن المُراد بالنكاح الوطء ما يأتي
(1)
:
أولًا: ليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بُدَّ أن يُراد به العقد، وإن دَخل فيه الوطء أيضًا، فأمَّا أن يُراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط. وقد سبق الجواب عن هذا بثبوته في لسان العرب، وعن ابن عباس رضي الله عنه.
ثانيًا: أن سبب نزول الآية صحيح صريح في أنها نزلت في استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية، وقد اتفق العلماء على أن سبب النْزول داخل في الآية دخولًا قطعيًا
(2)
، فكيف يكون سبب النُّزول خارجًا من اللفظ؟!.
ثالثًا: أنه ينبغي أن يُصان كلام الله تعالى عن مثل هذا القول؛ فإن معناه: الزاني لا يطأُ إلا زانية، والزانية لا يطؤها إلا زانٍ. وهذا مُفسِدٌ للمعنى؛ وأيُ فائدةٍ في الإخبار بذلك؟! وجوابه قد سبق بذكر معنى هذا القول وفوائده.
رابعًا: أن الواقع بخلافه، إذ قد يستَكره الزاني امرأةً فيطؤها فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذا العكس. وجوابه أنها داخلة في اسم الفعل، لا في حكمه وما يترتب عليه؛ لمانع الإكراه.
(1)
ينظر في هذه الوجوه: الكشاف 3/ 207، وأشبعها بحثًا ابن تيمية في مجموع الفتاوى 15/ 315 - 328، و 32/ 113 - 126. وزاد المعاد 5/ 104، وإغاثة اللهفان 1/ 92، والصواعق المرسلة 2/ 572، وأضواء البيان 6/ 53.
(2)
ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 441، وإيثار الحق على الخلق (ص: 385).
خامسًا: أنه لو أُريد بالآية الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك في الآية؛ فإنه زانٍ، وكذلك المُشركة إذا زنى بِها رجلٌ فهي زانية، فلا حاجة إلى التقسيم. والجواب أنه لا يلزم من الإشراك الزنا، وقد ذُكِرَ أن ذلك جاء في سياق التشنيع على هذا الفعل، وبيان أنه من دين أهل الشرك.
سادسًا: أنه لا حاجة لذكر تحريم الزنا في الآية؛ لأمرين:
أولهما: أنه قد قال قبل ذلك {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور 1]، فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك؟.
ثانيهما: أن تحريم الزنا كان بمكة، فهو سابقٌ لسورة النور المدنية
(1)
.
سابعًا: أنه إذا دار الكلام بين التأكيد والتأسيس فالتأسيس أولى، وبيان عقد النكاح على البغي في الآية أولى من تأكيد ما سبق في الآيات في شأن الزنا.
ومن فَسَّرَ النكاح في هذه الآية بالوطء، اعترض على أصحاب القول الآخر بما يأتي
(2)
:
أولًا: أن تفسير النكاح في الآية بالعقد يلزم منه صحة عقد المسلم على المشركة، وهو باطلٌ إجماعًا، ولو تأتَّى ذلك في المحصنة الكتابية فأنَّى له أن يتَأَتَّى في نكاح المشركِ المسلمةَ، ولو كانت زانية، قال تعالى {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة 221]، وقال أيضًا {وَلَا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة 221]، وقال سبحانه {لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة 10]، وقال {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة 10].
(1)
ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: 34)، والتنْزيل وترتيبه (ص: 33).
(2)
ينظر في هذه الأوجه: جامع البيان 18/ 99، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 346، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (ص: 360)، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 255، والمحرر الوجيز 4/ 163، وأضواء البيان 6/ 49، والتحرير والتنوير 18/ 153.
ثانيًا: أنه لو كان النكاح بمعنى التزويج لوجب حَدُّ المُتَزَوِّج بزانية؛ لأنه زانٍ، والزاني يجب حَدُّه، وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانيةً لا يُحَدُّ حَدَّ الزنا، ولو كان زانيًا لَحُدَّ حَدَّ الزنا.
ثالثًا: أنه لو قيل ذلك لترتب عليه حصر زواج الزاني بزانيةٍ أو مشركة، فإن كان المُراد الخبر، فلا يصح حِسًّا، فإنا نرى الزاني ينكح عفيفة، والعكس كذلك، وإن كان المُراد النهي عمَّا عداه، فباطل من حيث الإجماع على جواز العقد على الزانية إذا استُبرِئَت، وصحة عكسه عند جماهير من أهلِ العلم.
رابعًا: كما يترتب على هذا القول أن يكون زنا المرأة أو الرجل بعد زواجهما موجبًا للفرقة، ولا يقول بهذا أحد من أهل العلم.
خامسًا: أن أكثر العلماء على صحة نكاح الزانية، وأنه لا يوجبُ تحريمها على الزوج، كما لا يوجب الفرقة بينهما.
سادسًا: وبخصوص سبب النُّزول فإن آية النور هذه متأخرة عن آيتي البقرة والممتحنة السابقتين، في تحريم نكاح المشركات، فهو أمرٌ لا يخفى على صحابي يعلم حرمة الزنا، كما أنه لو كان سؤال الصحابي بخصوص نكاح المشركات لَما انتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم نزول الوحي في ذلك، فإنه مما سبق نزوله، وعُلِم حكمه. فسؤال مرثد رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنما كان عن وطء مشركة، لا عن زواجها؛ فإنه معلوم، ووطء المشركة المستحلَّةِ للزنا قد لا يكون حكمه ظاهرًا معلومًا لمرثد كعلمه بحرمة زواجها، فربما ظن فيه رخصةً، خاصةً مع تردده إلى مكة لفك الأسرى وحملهم، فربما كان في ذلك دفعٌ لشرها عنه إن هو عاد إلى مكة. وفي رواية سبب النُّزول أنها إنما دعته إلى وطئها لا إلى زواجها، والبَغِيُّ في الغالب مستغنيةٌ بسفاحها عن النكاح الصحيح، وهذه الألفاظ في سبب النُّزول تشير إلى ذلك:(بَغِيّ)، (صديقة له)، (هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة)، (يا عناق حرم الله الزنا).
هذا مُجمَل أدلة كل فريق، وما اعترض به على الآخر، وأصحُّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد الوطء: لفظ الشرك في الآية، كما أن أصحَّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد العقد: سبب النُّزول.
وممن فسر الآية بقول ابن عباس رضي الله عنه، أن المُراد هنا الوطء: عروة بن الزبير (ت: 94)، وسعيد بن جبير (ت: 94)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، ومكحول
(1)
(ت: 112)، ومقاتل بن حيّان (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)، ويزيد بن هارون
(2)
(ت: 206)، وابن جرير (ت: 310)، والجصاص (ت: 370)، وابن العربي (ت: 543)، وابن عطية (ت: 546)، وابن جزيّ (ت: 741)، وأبو حيّان (ت: 745)، وابن كثير (ت: 774).
(3)
وممَّن فسرها بالتزويج: الزجاج (ت: 311)، والزمخشري (ت: 538)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن القيم (ت: 751).
(4)
وبعدُ، فهذه الآية من المواضع المُشكلة في القرآن
(5)
، وقد كَثُرَ اختلاف العلماء
(1)
مكحول الشاميّ، أبو عبد الله الدمشقي الفقيه، عالم أهل الشام، مات سنة (112) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات ابن سعد 7/ 213، وتهذيب التهذيب 4/ 148.
(2)
يزيد بن هارون بن زاذي السُّلَمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة إمام، أحد الحُفاظ الأعلام، عمي آخر عمره، وتوفي سنة (206). ينظر: السير 9/ 358، وتهذيب التهذيب 4/ 431.
(3)
ينظر: جامع البيان 18/ 97، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 346، والكشف والبيان 7/ 66، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 255، والمحرر الوجيز 4/ 162، والتسهيل 3/ 111، والبحر المحيط 6/ 395، وتفسير ابن كثير 6/ 2461.
(4)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 4/ 29، والكشاف 3/ 206، ومجموع الفتاوى 15/ 315، و 32/ 113، 141، 143، وزاد المعاد 5/ 104، وإغاثة اللهفان 1/ 92، والصواعق المرسلة 2/ 572.
(5)
أحكام القرآن، لابن العربي 3/ 255، وقال الشنقيطي (ت: 1393): (هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا). أضواء البيان 6/ 55.
فيها، ومَنشأ الخلاف كما رأيتَ: الاشتراك اللفظي
(1)
في كلمة (النكاح)، فإنه يُطلق على الوطء، وعلى العقد، ولكُلِّ معنىً منهما وجهٌ قويٌ، وأدلَّةٌ ظاهرةٌ، وقال بِكُلٍّ أئِمَّةٌ كبارٌ، هم المَرجع في نحو هذا، والمُعَوَّلُ فيه. والقول الأول أقرب؛ فإنه ثابت عن ابن عباس رضي الله عنه، وعليه أكثر المفسرين من التابعين فمن بعدهم، لولا ما اعتُرِضَ به عليه من سبب النُّزول، وقد أُجيبَ عنه بما سبق، ويترجح أحد معنيي المشترك إن كان هو الأصل لغةً، وقد سبق أن الأصل في كلمة "النكاح": الوطء.
وبعض المفسرين لا يستبعد القول بصحة حمل الآية على كلا المعنيين السابقين، لأمور منها:
أوَّلًا: صحةُ حملِ المُشتَرَك على معنييه؛ فإنه لا يخفى شيء من معاني هذه اللفظة على المتكلم بها سبحانه
(2)
، وقد جَوَّزَ ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وهو أصحُّ القولين عند الأصوليين
(3)
، وقُيِّدَ ذلك بتجرُّده عن قرينة تصرفه لأحد معانيه، وعدم المانع من ذلك، كتضادّ المعنيين.
(4)
(1)
المشترك اللفظي هو: ما اتفق لفظه واختلف معناه الحقيقي، فيكون اللفظ الواحد على معنيين فصاعدًا. ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: 29)، والمُزهر 1/ 292، والتحبير (ص: 214)، والمُشترك اللغوي نظريّةً وتطبيقًا، والاشتراك والتضاد في القرآن الكريم.
(2)
ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: 98)، والبحر المحيط في الأصول 2/ 321.
(3)
ينظر: مجموع الفتاوى 13/ 341، ومقدمات تفسير الأصفهاني (ص: 151)، والموافقات 3/ 249، والبحر المحيط في الأصول 1/ 493، وسلاسل الذهب (ص: 175)، وشرح الكوكب المنير 1/ 140، وقواعد التفسير 2/ 819.
ومنع ابن القيم (ت: 751) من حمل المُشترك على معنييه جميعًا؛ لمحاذير عديدة، ذكر منها اثنان ثم قال:(وقد ذكرنا على إبطال استعمال اللفظ المُشترك في معنييه معًا بضعةَ عشر دليلًا في مسألة (القرء) في كتاب: «التعليق على الأحكام» ). جلاء الأفهام (ص: 166)، وإليه ذهب ابن الوزير (ت: 840) في إيثار الحق على الخلق (ص: 389).
(4)
ينظر: التحرير والتنوير 1/ 100، وقواعد التفسير 2/ 819.
ثانيًا: أنه لا يلزم من اختيار قول إبطال الآخر- عند عدم التضاد-، ولا ينبغي ذلك، خاصَّةً عند الاشتراك في اللفظ، ما لم يَبطُل القولُ الآخر بوجهٍ صحيح مستقِلٍّ.
ثالثًا: في الأخذ بكِلا المعنيين الصحيحين للمُشترك اللفظي تكثير للمعاني، وتقليل للخلاف، وهذا أولى بكتاب الله تعالى. قال الشنقيطي (ت: 1393): (ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعضِ تعسُّف، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس ابن تيمية- رحمه الله في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة، هو: جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. وتعني بذلك أنهم عَوَّروا عينه الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيُحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المُشركة والمُشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسُّف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى)
(1)
.
وقد أجاد ابن عاشور (ت: 1393) في بيان أثر المُشترك اللفظي في التفسير في آخر المقدمة التاسعة لتفسيره فقال: (وعلى هذا القانون- الأخذ بمعنيي المشترك- يكون طريق الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض، وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يُرَجِّح معنىً من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى مُلغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك، بل نرى المعاني المُتَعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن
(1)
أضواء البيان 6/ 55.
مهيع الكلام العربي البليغ؛ معاني في تفسير الآية. فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين فصاعدًا، فذلك على هذا القانون، وإذا تركنا معنىً مما حمل بعض المفسرين عليه في آيات من القرآن؛ فليس تركنا إيّاه دالًا على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجُّح غيره، وقد يكون اكتفاءً بذكره في تفاسير أخرى؛ تَجنُّبًا للإطالة)
(1)
. وقد أحسن رحمه الله في تطبيق ما ذكر في مواضع من تفسيره.
* * *
قال ابن عباس رضي الله عنه: (هي رؤيا عينٍ، أُريهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس، وليست برؤيا منام)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
حَدَّدَ ابن عباس رضي الله عنه معنى "الرؤيا" الواردة في الآية بأنَّها: رؤيا عينٍ أُريهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس. وأكَّدَ ذلك بإضافة الرؤيا إلى العين؛ احترازًا من رؤيا القلب
(3)
، وأكد كُلَّ ذلك بقوله:(وليست برؤيا منام). واعتمد في بيانه ذلك على أن كلمة "الرؤيا" تُطلَق على رؤية العين، كما تُطلَق على رؤيا المنام، إذ أن أصْلهُما واحد، ومن شواهد ذلك قول الشاعر
(4)
:
(1)
التحرير والتنوير 1/ 100.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 242 (كتاب 63 - مناقب الأنصار، باب 42 - المعراج، برقم: 3888).
(3)
كما في قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11]. ينظر: فتح الباري 7/ 259.
(4)
الراعي النميري، يَصِفُ صائدًا. ينظر: شرح ديوان حماسة أبي تمام 2/ 1126، ولسان العرب 14/ 298.
وكَبَّرَ للرُّؤيا وهَشَّ فؤادُهُ
…
وبَشَّرَ قَلبًا كَانَ جَمًّا بَلابِلُه
وقال الآخر
(1)
:
ورُؤياكَ أحْلَى في العُيُون مِنَ الغَمْضِ
قال ابن الجوزي (ت: 597): (قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يَقلُّ استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين)
(2)
، وقال السمعاني (ت: 489): (ذِكرُ الرؤيا بمعنى الرؤية هاهنا يجوز؛ لأنهُما أُخِذا من معنىً واحد)
(3)
.
ومن قال أن "الرؤيا" في الآية هي رؤيا منام، اعتمد على أنه الأكثر في استعمال هذه الكلمة، كما أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان منامًا في رأيهم.
*
الحكم على الاستدراك:
القول في هذه الآية مبنيٌّ على القول في إسراء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان؟
فجمهور السلف والخلف، من الفقهاء والمحدثين، على أنه أُسريَ بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم، يقظةً لا منامًا
(4)
. ويُنسَبُ إلى أم المؤمنين عائشة، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، أنه أُسريَ به صلى الله عليه وسلم منامًا، وأنَّ الرؤيا الواردة في الآية رؤيا منام
(5)
. واستُدِلَّ
(1)
أبو الطيب المُتنبي، والبيت مطلع قصيدة في مدح بدر بن عمار، وصدر البيت في ديوانه 2/ 219:
مضى الليل، والفضل الذي لك لا يمضي
(2)
زاد المسير (ص: 819)، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري 2/ 194.
(3)
تفسير القرآن 3/ 254، وينظر: معالم التنْزيل 5/ 103.
(4)
ينظر: تهذيب الآثار 1/ 453، وشرح النووي على مسلم 1/ 357، والبداية والنهاية 3/ 91، وفتح الباري 7/ 237.
(5)
نسبه إليهما ابن إسحاق في السيرة. ينظر: سيرة ابن هشام 1/ 399. ولا تصح هذه النسبة عن عائشة رضي الله عنها؛ للجهالة في رواية ابن إسحاق، ولأنه رُوي عن عائشة ومعاوية ما يوافق قول ابن عباس رضي الله عنه في الآية، كما سيأتي. ووَجَّهَ ابن كثير قول عائشة هذا إلى ما يوافق قول الجمهور. ينظر: البداية والنهاية 3/ 92. ويُنسَب هذا القول إلى طوائف من أهل البدع؛ من المعتزلة وغيرهم. ينظر: الرسالة الوافية (ص: 33).
لذلك بلفظ "الرؤيا" الوارد في الآية؛ إذ أكثر استعماله في المنام، وكذا حديث شَريك بن عبد الله
(1)
، عن أنسٍ رضي الله عنه قال:(ليلةَ أسرِيَ برسول صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام)، وقال في آخره:(واستيقظ وهو في مسجد الحرام)
(2)
، وأُجيب عن حديث شريك هذا بأنه مما أخطَأَ فيه، وخالف فيه الثقاتَ الحفاظَ من أصحابِ أنسٍ رضي الله عنه
(3)
، أو يُفَسَّر ما جاء في روايته بما في الروايات الأخرى في الصحيح
(4)
: (مُضطَجِعًا)، و (بين النائم واليقظان)، فهو في هيئة النائم، أو في أوائله؛ وأُطلِق عليه تغليبًا، وأصرح منهما رواية أبي سعيد مرفوعًا:(بينا أنا نائم عشاءً في المسجد الحرام، إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت فلم أرَ شيئًا، ثم عدت في النوم، فأيقظني كذلك أربع مرات، قال: فإذا أنا بكهيئة خيال، فاتبعته حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة يُقال لها البراق، فركبته .. )
(5)
. ويُحمَلُ الاستيقاظ في آخر الحديث على: الإفاقة ممَّا كان فيه من شُغلِ بال، والانتقال من حال إلى حال
(6)
، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث دعوته أهلَ الطائف: (فانطلقت وأنا مهمومٌ، على
(1)
شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدني، صدوق يُخطئ، مات سنة (140). ينظر: الكاشف 2/ 11، والتقريب (ص: 436).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 13/ 486 (7517)، ومسلم في صحيحه 1/ 363 (162).
(3)
كالزهري، وثابت البناني، وقتادة. ينظر: شرح النووي على مسلم 1/ 357، ونور المسرى (ص: 113)، وزاد المعاد 1/ 97، والبداية والنهاية 3/ 91، وفتح الباري 7/ 237، و 13/ 493.
(4)
ينظر: فتح الباري 7/ 244.
(5)
أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 390.
(6)
البداية والنهاية 3/ 92، وفتح الباري 7/ 244. وقال ابن كثير (ت: 774) عن هذا التوجيه: (وهذا الحَملُ أحسن من التغليط- أي: للراوي-). البداية والنهاية 3/ 92.
وَجهي، فلم أستَفِق إلا بقرن الثعالب
(1)
(2)
.
ومن فَسَّرَ "الرؤيا" في الآية بأنها رؤيا عين يَقَظةً، اعتمدوا ظاهر القرآن الكريم، نحو قوله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء 1]، فهو ظاهر في إرادة روحه وبدنه، إذ لم يقل بروح عبده. ونحو قوله تعالى في وصف ما رآه رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 17 - 18]. واستدلوا كذلك بالأحاديث الصريحة الواردة في ذلك، وسبق ذكر بعضها، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم أُسريَ به على دابة يُقال لها البُراق، والدواب لا تحمل الأرواح، وإنما تحمل الأجسام.
(3)
وضَعَّفوا قولَ من ذهب إلى أن "الرؤيا" في الآية رؤيا منام من جهة موضوع السورة العام؛ فهي سورة مكية
(4)
، تحدثت عن آية الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وَسُمِّيَت بذلك، وقد وصف الله تعالى الرؤيا في الآية بأنها {فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء 60]، ولو كان الإسراء منامًا ما كان لأحد فتنة؛ فإن النائم ربما رأى ما هو أغرب وأعجب، ولَمَا اعترضت عليه قريش، ولا استنكرت ما رآه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولَمَا كان سببًا في فتنة بعض من أسلم، كما قال قتادة (ت: 117): (ذُكِرَ لنا أنَّ ناسًا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدَّثَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيره، أنكروا ذلك، وكَذَّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تُحَدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة!!)
(5)
.
(1)
هو قَرْن المنازل، ميقات أهل نجد، يعرف اليوم بالسيل الكبير، بين مكة والطائف، ويبعد عن مكة (80 كيلًا). ينظر: معجم البلدان 4/ 38، ومعجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية (ص: 254).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 360 (3231)، ومسلم في صحيحه 4/ 485 (1795).
(3)
ينظر: الرسالة الوافية (ص: 33).
(4)
ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: 34)، والتنْزيل وترتيبه (ص: 28).
(5)
جامع البيان 15/ 139. ورُوي نحوه عن الضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وابن زيد (ت: 182). ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 146، وسيرة ابن هشام 1/ 399، وجامع البيان 15/ 138، وتفسير ابن كثير 5/ 2106.
قال ابن عطية (ت: 546): (وقالت عائشة: الرؤيا في الإسراء رؤيا منام. وهذا قولٌ الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقضي بفساده؛ وذلك أن رؤيا المنام لا فتنةَ فيها، وما كان أحدٌ ليُنكِرها)
(1)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنةً لهم، حيث صدَّقَه قومٌ، وكذَّبَه قوم)
(2)
.
وقول ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية هو الصواب، وعليه جمهور المفسرين، بل قال عنه ابن جرير (ت: 310): (وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإيَّاه عنى الله عز وجل بِها)
(3)
، وقال بهذا المعنى: عائشة، ومعاوية رضي الله عنهم
(4)
، ومسروق (ت: 63)، وسعيد بن جبير (ت: 94)، وإبراهيم النخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، وابن زيد (ت: 182)، وغيرهم
(5)
. واختاره مقاتل (ت: 150)، ويحيى بن سلاَّم (ت: 200)، وابن قتيبة (ت: 276)، وابن جرير (ت: 310)، والنحاس (ت: 338)، والسمرقندي (ت: 375)،
(1)
الجامع لأحكام القرآن 10/ 183، وينظر: نور المسرى في تفسير آية الإسرا (ص: 109).
(2)
جامع المسائل 1/ 108.
(3)
جامع البيان 15/ 141، وينظر: تهذيب الآثار 1/ 453. ويُتَنَبَّهُ هنا إلى مذهب ابن جرير في حكاية الإجماع، فإنه لا يعتدُّ بخلاف الواحد والاثنين فيه، بل ربما ذكر إجماعًا في الآية بعد أن يذكر الخلاف فيها، ومن الأمثلة في ذلك في تفسيره: 1/ 112، 183، و 2/ 47، 401، و 5/ 78. وهذا مذهبٌ لبعض الأصوليين، كأبي الحسن الخيَّاط، وأبي بكر الجصاص، وهو وجه عن أحمد، ومال إليه أبو محمد الجويني، والجمهور على خلافه. ينظر: المستصفى 1/ 146، وروضة الناظر 1/ 294، والبحر المحيط في الأصول 3/ 523، وشرح الكوكب المنير 2/ 229.
(4)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 10/ 183.
(5)
ينظر: جامع البيان 15/ 138، والرسالة الوافية (ص: 33)، والجامع لأحكام القرآن 10/ 183، وتفسير ابن كثير 5/ 2106.
وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، والسمعاني (ت: 489)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، ونسبه للأكثرين، وأبو شامة
(1)
(ت: 665)، والقرطبي (ت: 671)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن كثير (ت: 774)، وابن حجر (ت: 852).
(2)
* * *
[32]{خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين 26].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (أَمَا إنَّه ليس بالخَاتَم الذي يَختِم، أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟ إنَّمَا هو: خِلطُه مسك، ليس بِخَاتَم يُخْتَتَم)
(3)
.
(1)
عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي الشافعي، عُرِف بأبي شامة، إمام حافظ فقيه، صَنَّف: شرح الشاطبية، والمؤمَّل للرَّدِّ إلى الأمرِ الأوَّل، وغيرها، توفي سنة (665). ينظر: ترجمته لنفسه في كتابه «الذيل على الروضتين» (ص: 39)، والبداية والنهاية 13/ 208.
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 263، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 145، وتفسير غريب القرآن (ص: 218)، وتأويل مشكل القرآن (ص: 49)، وجامع البيان 15/ 141، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 168، وبحر العلوم 2/ 274، وتفسير القرآن العزيز 3/ 28، والوسيط 3/ 114، وتفسير السمعاني 3/ 254، والمحرر الوجيز 3/ 467، والتفسير الكبير 20/ 189، ونور المسرى (ص: 109)، والجامع لأحكام القرآن 10/ 183، ومجموع الفتاوى 6/ 510، وتفسير ابن كثير 5/ 2106، وفتح الباري 7/ 259.
(3)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 1/ 143 (334)، وابن جرير في تفسيره 30/ 132 (28416)، والحاكم في مستدركه 2/ 562 (3909)، والطبراني في المعجم الكبير 9/ 219 (9062)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 414 للفريابي.
من طريق سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن يزيد بن معاوية، عن علقمة، عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وإسناده صحيح، وصححه الحاكم. وله شاهد عند ابن أبي شيبة في المصنف 7/ 44 (34091)، وابن جرير في تفسيره 30/ 132 (28417)، من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن ابن مسعود رضي الله عنه، وإسناده صحيح.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابنُ مسعود رضي الله عنه أن يكون المُراد بالختام في قوله تعالى {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين 26]، الخاتَمَ الذي يُختَم به، وهو: ما يُطبَعُ به من طِينٍ ونحوه؛ لحفظ الشيء، والاستيثاق منه
(1)
. وأَكَّدَ ذلك بقوله: (ليس بخاتَمٍ يُختَتَم). وذلك من معاني الختم لُغةً، قال الأعشى
(2)
:
وأَبْرَزَهَا وِعَلَيْهَا خَتَمْ
وفي تفسيره بذلك بيانٌ لِكرامة أهل الجنة؛ بحفظ شرابهم وصِيانَته كذلك، وذلك لا من شيء يقع فيه أو يُفسِدُه؛ وإنما لِمَا جَرَت به عادتهم في الدنيا من خَتْمِ ما يُكرَم ويُصَان
(3)
، فهو من عُرفِ المُخاطَب، (والطباع مائلةٌ إلى المعروف، نافرةٌ عن غير المعروف)
(4)
. كما أن المعهود من استعمال القرآن تقريبُ نعيمِ الجنَّةِ بما يعهدُه الناسُ في دنياهم، وهذا من ذلك
(5)
. قال الباقلاني
(6)
(ت: 403): (ولو كان الختام هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القِلَّة، ولكن على التشريف لأولياء الله والكرامة؛ ولذلك يتَّخِذُ الملوك خزائن الشراب، ويضعون عليها الخواتيم والأقفال، ويغطون الآنية بفاخر الثياب، ويتهادون الأشربة مختومةً مضمونة، وإن أرسلوها مع أمنائهم
(1)
تهذيب اللغة 7/ 137، والصَّحاح 5/ 1908.
(2)
ديوانه (ص: 402).
(3)
نقله الرازي عن القَفَّال. ينظر: التفسير الكبير 31/ 90.
(4)
الكلمات البيِّنات (ص: 74)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (62).
(5)
ينظر في الترجيح بمثل ذلك: التبيان في أقسام القرآن (ص: 108، 184)، وأجوبة العلامة الفقيه أبي عبد الله ابن البقال على أسئلة الفقيه أبي زيد القيسي في حَلِّ إشكالات تتعلق بآيات، (ص: 94)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (65).
(6)
محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر الأشعري، المعروف بابن الباقلاني، الأصولي المتكلم، كان سيفًا على المعتزلة والرافضة، وغالب قواعده على السُّنَّة، مات سنة (403). ينظر: تاريخ بغداد 5/ 379، والسير 17/ 190.
وأولادهم إلى أخص الناس بهم، مع أمانِ السُّم والإدغال ومزاج الشراب بما يُؤذي شاربه، وكل هذا على وجه التكرمة والإعظام)
(1)
.
ثُمَّ بَيَّن ابنُ مسعود رضي الله عنه أن المُراد بالختام في الآية: الخِلط. ودَلَّلَ على ذلك بدليل قريب واضح، يعلمه السامع ويعيشه، فقال:(أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟)، فاستعمال الناس في زمنه لهذه اللفظة في هذا المعنى، دليلٌ على صِحَّته في الآية، فهو استدلالٌ باللغة
(2)
. كما أن مجيء شراب أهل الجنة كذلك من تمام النعيم، وقد دَلَّ القرآن على أن شرابهم مُطَيَّب، قال تعالى {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان 5 - 6]، فمِنْ شرابهم ما يُمزَج بالكافور، ومنه ما يُمزَجُ بالمسك، وكُلُّهُ غايةٌ في النعيم.
*
الحكم على الاستدراك:
أصلُ الخَتْمِ في اللغة: بلوغ آخرِ الشيء، وخِتامُ كُلِّ شيء آخِرَه
(3)
. ومَجيئُهُ بمعنى الطَّبع في كلام العرب، تابِعٌ للمعنى الأول؛ لأن الطبعَ على الشيء لا يكون إلا بَعدَ بلوغِ آخره
(4)
.
وفي معناه في الآية ثلاثةُ أقوال:
الأول: أن خَتْمَه الذي يُختَمُ به الإناءُ ويُحفَظُ به مسك. وهو قول مجاهد (ت: 104)، وابن زيد (ت: 182)
(5)
.
(1)
الانتصار للقرآن 2/ 325.
(2)
ويُلاحظ استشهاد ابن مسعود رضي الله عنه بكلام الناس في وقته لتقرير المعنى وإيضاحه.
(3)
ينظر: العين 1/ 387، وجمهرة اللغة 1/ 389، وتهذيب اللغة 7/ 137، والصحاح 5/ 1908، ومقاييس اللغة 1/ 392، وجامع البيان 30/ 133.
(4)
مقاييس اللغة 1/ 392.
(5)
ينظر: جامع البيان 30/ 133، وتفسير القرآن العزيز 5/ 108، والجامع لأحكام القرآن 19/ 174.
الثاني: أن آخِرَ شرابهم يُختَمُ بمسك يُجعَلُ فيه، فسُؤْرُ شرابهم المسك. قاله أبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، وعلقمة (ت: 62)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)
(1)
، وعليه عامَّة اللغويين
(2)
، قال ابن دُرَيْد
(3)
(ت: 321): (خِتامُ كلِّ مشروبٍ: آخِرَه)
(4)
.
الثالث: أنه ممزوج ومخلوط بالمسك. وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه، وعلقمة (ت: 62)، ومجاهد (ت: 104)، ورواية عن الحسن (ت: 110)
(5)
.
وبيان هذه الأقوال كما يأتي:
- القول الأول مأخوذ من الطبع، وهو من معاني الختم لُغةً، ويرجع إلى المعنى الثاني كما سبق. واستُبعِدَ أن يكون مُرادًا في الآية من جهة أن شراب أهل الجنة جارٍ مجرى الماء في الأنهار، وليس مُعَتَّقًا في الدِّنان، فيُطَيَّن عليها وتُختَم
(6)
، قال تعالى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ
(1)
ينظر: جامع البيان 30/ 132، وتهذيب اللغة 7/ 138، وزاد المسير (ص: 1527)، والجامع لأحكام القرآن 19/ 174، وتفسير ابن كثير 8/ 3733.
(2)
ينظر: العين 1/ 387، وما تلحن فيه العوام، للكسائي، ضمن بحوث وتحقيقات للعلامة الميمني 2/ 41، ومعاني القرآن، للفراء 3/ 248، ومجاز القرآن 2/ 290، وجمهرة اللغة 1/ 389، وتهذيب اللغة 7/ 138، وتفسير غريب القرآن (ص: 445)، والصحاح 5/ 1908، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 300، ومقاييس اللغة 1/ 392، وأساس البلاغة 1/ 231، والمفردات (ص: 275).
(3)
محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، أبو بكر البصري، اللغوي الأديب، صاحب الجمهرة، والأمالي، وغريب القرآن- ولم يُتِمَّه-، مات سنة (321). ينظر: معجم الأدباء 6/ 2489، وبغية الوعاة 1/ 76.
(4)
جمهرة اللغة 1/ 389.
(5)
ينظر: جامع البيان 30/ 132، وتهذيب اللغة 7/ 138، والجُمان في تشبيهات القرآن (ص: 407)، وزاد المسير (ص: 1527).
(6)
ينظر: جامع البيان 30/ 133، والمحرر الوجيز 5/ 453.
لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد 15]، كما أن تمام حُسن الشراب ولذَّته في الجنة أن يُطَيَّب في نفسه، لا أن يُطَيَّب خاتَمه
(1)
، ثُمَّ إن هذا المعنى ليس بأصل الكلمة وإن صَحَّ لُغةً.
- والقول الثاني قائمٌ على أصل معنى الخَتم لُغةً، ويؤكده قراءة الكسائي {خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين 26]، بفتح التاء وكسرها
(2)
، أي: آخِرُه، كقوله تعالى {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب 40]، أي: آخرهم. ثم إن هذا الختام أكمل ما يكون نعيمًا لأهل الجنة، قال قتادة (ت: 117): ({خِتَامُهُ مِسْكٌ} [المطففين 26]: عاقبته مسك، قومٌ تُمزَج لهم بالكافور، وتُختَمُ بالمسك)
(3)
، وعليه أكثر المفسرين، وعامَّة اللغويين كما سبق، واختاره: مقاتل (ت: 150)، وابن جرير (ت: 310)، وابن عُزَيْز السِّجِستاني
(4)
(ت: 330)، والسمرقندي (ت: 375)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والباقلاني (ت: 403)، ومكي القيسي (ت: 437)، والواحدي (ت: 468)، والزمخشري (ت: 538)، وابن عطية (ت: 546)، وأبو حيَّان (ت: 745).
(5)
- أمَّا القول الثالث، فلا يَخفى بُعدُه عن الأصل اللغوي للخَتْمِ؛ ولذا قال ابنُ
(1)
ينظر: المُفردات (ص: 275).
(2)
بفتح التاء قراءة سبعية، وبكسرها قرأ بِها علي رضي الله عنه، وعلقمة، والضحاك. ينظر: التيسير (ص: 221)، والإقناع 2/ 806، والكامل في القراءات الخمسين (مخطوط، ص: 248)، والكشاف 4/ 710، والبحر المحيط 8/ 434.
(3)
جامع البيان 30/ 133.
(4)
محمد بن عُزَيْزٍ السجستاني، أبو بكر، اللغوي المُفَسِّر، صَنَّف: نزهة القلوب، في غريب القرآن وَجَوَّده، واستغرق فيه (15) سنة، وقرأه على شيخه ابن الأنباري، ومات سنة (330). ينظر: السير 15/ 216، وبغية الوعاة 1/ 171.
(5)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 462، وجامع البيان 30/ 133، ونزهة القلوب (ص: 225)، وبحر العلوم 3/ 458، وتفسير القرآن العزيز 5/ 108، والانتصار للقرآن 2/ 325، وتفسير المشكل من غريب القرآن (ص: 298)، والوسيط 4/ 448، والوجيز (ص: 1184)، والكشاف 4/ 710، والمحرر الوجيز 5/ 453، وتحفة الأريب (ص: 114).
جُزَي (ت: 741) عن هذا المعنى: (وهذا خارجٌ عن اشتقاق اللفظ)
(1)
، وهذا صحيح؛ فإن الخَلطَ أو المَزجَ ليس مُشتَقًّا من الخَتم، قال ابن جرير (ت: 310): (وأمَّا الختْمُ بمعنى: المَزج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب)
(2)
، لكن يُشكِل على هذا أنه تفسير ابن مسعود رضي الله عنه الصريح للفظة "الختام"، وهو من قد جمع إلى عربيَّتِه الأصيلة علمَ الكتابِ والسُّنة. والجواب: أن هذا المعنى لم يَجرِ من ابن مسعود رضي الله عنه مجرى التفسير للَّفظ؛ فإنه لا يخفى على مثل ابن مسعود رضي الله عنه معنى "الخِتام"، وإنما قَصَدَ بيان المعنى وتقريبه بأوضح سبيل، ففسره بأوَّل حُصول المسك في الشراب، وهو اختلاطه، وهذا ليس نفيًا لمعنى: آخِره مسك. بل هو يؤدي إليه؛ فإنه لا يكون آخره حتى يختلط به وتحصل فيه رائحته، قال الواحدي (ت: 468) عن قول ابن مسعود هذا: (وليس بتفسير؛ لأن الختم لا يكون تفسيره بالمَزج، ولكن لَمَّا كانت له عاقبةٌ هي ريحُ المسك، فَسَّره بالممزوج؛ لأنه لو لم يَمتَزج بالمسك لَما حصل فيه ريح المسك)
(3)
، ويدلُّ على ذلك تفسير ابن مسعود رضي الله عنه للآية قبلها، وهي قوله تعالى {يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ} [المطففين 25]، قال:(ممزوج)
(4)
، كما يُؤَكده أن ابن مسعود رضي الله عنه، وعلقمة (ت: 62)، ورد عنهما تفسير "الخِتام": بآخر الشيء ومنتهاه. على الأصل لُغَةً
(5)
، وهذا يؤكد قصدَ التقريب في ذلك المَقام لِحاجَةٍ تقتضيه.
فهذا المعنى الثالث راجِعٌ في حقيقته إلى المعنى الثاني، الذي هو الراجح في معنى هذه الآية.
(1)
التسهيل 4/ 350.
(2)
جامع البيان 30/ 134.
(3)
التفسير الكبير 31/ 90. وليس في الوسيط، أو الوجيز للواحدي، فلعله في البسيط.
(4)
زاد المسير (ص: 1526).
(5)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 3/ 248، وتهذيب اللغة 7/ 138، والدر 8/ 413.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: أن الذي حَمل ابن مسعود رضي الله عنه هنا على ذِكر المَزج: تقريب المعنى للسامع، وبيانه بما يَعرِف في واقعه، إذ مَثَّلَ لسامعيه بقوله:(أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟). وهذا منهجٌ معروفٌ في تفاسير السَّلَف، مرتَبِطٌ بطريقتهم العامَّة في التفسير، وهي: التفسير على الإجمال، قال النحاس (ت: 338) بعد ذِكر بعض أقوال السلف في الحروف المُقَطَّعة أوائل السور: (ولم يَشرَحوا ذلك بأكثر من هذا؛ لأنه ليس من مذاهب الأوائل، وإنما يأتي الكلام عنهم مُجمَلًا، ثم يتأوَّلُه أهل النظر على ما يوجِبُه المعنى)
(1)
، وقال ابن تيمية (ت: 728) عند قوله تعالى {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} [القلم 6]: (وقال الحسن: أيُّكُم أولَى بالشيطان؟، قال: فَهُمْ أولَى بالشيطان من نبي الله صلى الله عليه وسلم. فَبَيَّنَ الحسن المعنى المُرادَ، وإن لم يَتكَلم على اللفظ، كعادة السلف في اختصار الكلام مع البلاغة، وفهم المعنى)
(2)
، وقد حَمَلَهم هذا المنهجُ كثيرًا على بيان المُراد مُباشرةً دون التعرض لمعنى المُفرَدَة المُطابق، قال ابن جرير (ت: 310): (فَحَمَلَ تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ رُبَّما فعلوا ذلك لِعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه)
(3)
، وهذا أحد أسباب بيان المُراد عند السلف في تفاسيرهم، دون التعرض للَّفظة، وهو: قصد التقريب، وتسهيل المعنى للسائل والسامع. ولهذا المنهج فوائد وأسباب أخرى، يُتَعَرَّض لها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: كما أن رَدَّ ابن مسعود رضي الله عنه لحَملِ الخَتمِ على معنى الطَّبعِ، مع أنه صحيحٌ لُغَةً، يُشير إلى حدود اعتماد اللغة في التفسير، إذ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغَةً، صَحَّ
(1)
معاني القرآن 1/ 77.
(2)
تفسير آياتٍ أشكلَت 1/ 148.
(3)
جامع البيان 1/ 267.
التفسير به، ومع أهمية اللغة في التفسير، وكونها شَرطًا فيه بلا خِلاف؛ إلا أنها بعضُ عُدَّةِ المُفَسِّرِ وآلاته، والتي منها التفسير النبوي، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وغير ذلك ممَّا لا بد للمُفَسِّر من الأخذ به، والاعتماد عليه، قال النقاش (ت: 351): (وعِلْمُ القرآن لا يُدرَكُ دونَ عِلمِ ما أراد الله عز وجل، وكيف أنزَلَ؟ وكيف تَعَبَّدَ الله العرب؟ لأن العربَ خُوطِبَت بتعارفها ثُمَّ علمت أشياء بعد التعارف، ولو كان علمُ القرآن يُدرَك باللغة دون التنْزيل والمُراد، لم يكن في العرب أحدٌ أعلمُ به من الأعراب)
(1)
.
* * *
عن عروة بن الزبير قال: (قلت لعائشةَ زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذٍ حَدَثٌ: أرأيتِ قولَ الله عز وجل {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة 158]، فما أرى على أحدٍ شيئًا- وفي لفظ: جُنَاحٌ- ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما. قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما تقول، لكانت:"فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما". إنما أُنزِلت هذه الآية في الأنصار، كانوا إذا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ
(2)
في الجاهلية، لا يَحِلُّ لهم أن يطَّوَّفُوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يَطَّوَّفُوا بينهما؛ للَّذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة 158]، قالت: فطافوا)، وفي
(1)
شفاء الصدور (مخطوط، ص: 25).
(2)
مَنَاة: من أصنام الجاهلية، نصبه عمرو بن لُحَيّ لِهُذيل وغَسَّان، ومن يليهما من الأزد، جِهَةَ المُشلَّل بقُدَيد، وهي قرية جامِعَة بين مَكةَ والمدينة. ينظر: معجم البلدان 4/ 313، و 5/ 136، وفتح الباري 3/ 583.
لفظ: (فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
فَهِمَ عروةُ (ت: 94) من قوله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة 158]، إباحة تركِ الطواف بينهما، وحَمَلَ نفيَ الجناحِ الوارد في الآية على معنى التَّرْك، أي: لا حَرَجَ على من ترك الطَّواف بين الصفا والمروة. ومن ثَمَّ ذهب إلى إباحة الطواف بين الصفا والمروة، وذلك نحو قوله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة 230]، إذ ظاهره الإباحة ونفي الحرج عنهما في المراجعة
(2)
. وَقَوَّى هذا المعنى قولُه تعالى بعد نفي الجُنَاح في الآية {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة 158]، أي: من طافَ بالصفا والمروة تَطَوُّعًا لله من عنده؛ فإن الله شاكِرٌ له، ومُجَازِيه على العَمَلِ القليل، الثَّوابَ الجَزيل
(3)
. ويُؤكِدُ هذا المعنى كذلك، قراءة علي، وابن مسعود، وأُبَيّ، وابن عباس، وأنس بن مالك رضي الله عنهم {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة 158]
(4)
.
أمَّا عائشة رضي الله عنها، فذهبت إلى وجوب الطواف بين الصفا والمروة بقولها:(فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة)، وبَيَّنَت خَطأَ قولِ عروة (ت: 94) بقولها: (لو كانت كما تقول، لكانت: "فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما")، أي أن رَفعَ الجُناح في الآية جاءَ عن الفعل، لا عن التَّرك، ولو كان عن التَّرك لرُبَّما كان دليلَ إباحةٍ كما قال عروة (ت: 94)، ولكانت الآية على ما ذَكرَت رضي الله عنها. والفعل الذي جاء رفعُ الجُناح عن إتيانه هو ما بَيَّنَته في سبب النُّزول؛ وهو تَحَرُّجُ الأنصار من
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 581 (كتاب 25 - الحج، باب 79 - وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر الله، برقم: 1643)، ومسلم في صحيحه 3/ 401 (كتاب 15 - الحج، باب 43 - السعي بين الصفا والمروة ركن، برقم: 1277).
(2)
أحكام القرآن، للطحاوي 2/ 100.
(3)
ينظر: نكت القرآن 1/ 152، والعذب النمير 4/ 1888.
(4)
ينظر: المصاحف 1/ 292، 339، وأحكام القرآن، للطحاوي 2/ 93، والمُحتَسب 1/ 202.
الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنه كان من عملهم في الجاهلية، وقد كان على الصفا والمروة صَنمان في الجاهلية هُما: إِسَاف ونائِلَة
(1)
، والطواف لهما من شعائر الجاهلية، وربَّما قال بعضُهُم: إنما أُمِرنا بالطَّواف بالبيت، ولم نُؤمَر به بين الصفا والمروة. فتَحَرَّجوا لأجل هذا وذاك
(2)
، فجاء الجواب في الآية مُطابِقًا لِسُؤالهم، ومُبَينًا أنه لا حَرَج في الطواف بينهما، وأنهما من شعائر الله تعالى ومُتَعَبَّداته.
*
الحكم على الاستدراك:
تَمَيَّزَ جوابُ عائشة رضي الله عنها في هذا المَقام بأمرين غابا عن عروة (ت: 94)
(3)
:
أوَّلُهُما: دِقَّة علمها، وفهمها الثاقب لدلالات الألفاظ، وفروقها، وقد ظهر هذا جَلِيًّا في وقوفها على معنى رفع الجُناح، وأنه لا دلالة فيه على الوجوب أو عدمه، ثُمَّ تفريقها بين رفع الجُناح عن الفعل، ورَفعِه عن الترك.
ثانِيهِما: معرفتها بسبب النُّزول، واستدلالها به على وجه نظم الآية، وأنها إنما كانت كذلك لأنها نزلت جوابًا لمن تَحَرَّج من الطواف بين الصفا والمروة، فرَفَعَت الحرجَ عن طوافهم على تلك الصورة التي تحرَّجوا منها، لا عن فعل الطواف نفسه.
(4)
ثم استَدلَّت بعد ذلك على وجوب الطواف بين الصفا والمروة بدليل خارجٍ عن الآية، وهو قولها: (بئسما قُلتَ يا ابن أُختي، طافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطافَ المسلمون،
(1)
إِسَاف ونائِلَة: رَجلٌ وامرأةٌ من جُرهُم، زنيا في الكعبة في الجاهلية، فمسخهما الله حجرين، فنُصِبَا على الصفا والمروة ليَتَّعظ الناس، ثم حَوَّلَهُما عمرو بن لُحَي إلى زمزم، ونحرَ لهما، فعُبِدا عند الكعبة. ينظر: سيرة ابن هشام 1/ 82، والمُفهِم 3/ 384، وشرح النووي على مسلم 3/ 400.
(2)
ينظر: المصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: 36)، والمُفهِم 3/ 383، وشرح النووي على مسلم 3/ 400، وفتح الباري 3/ 583.
(3)
اعتذر عروة عن ما فات عليه فهمه هنا بحداثة سِنِّه، كما في رواية الاستدراك:(وأنا يومئذٍ حَدَثٌ).
(4)
ينظر: مجموع الفتاوى 24/ 20، والموافقات 1/ 478.
فكانت سُنَّةً)، أي: تشريعًا
(1)
، وفي لفظ:(قد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما)
(2)
، وسَنَّ هنا بمعنى: شَرَّعَ وأوجَب؛ لقولها: (فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما). واستدلالها هُنا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلُ فقهٍ وبصيرة؛ فإنها لم تستدل بالآية لأنه لا دلالة فيها على الوجوب
(3)
. وتمام الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر على كونه واجبًا يكون باعتبار قوله صلى الله عليه وسلم: (خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُم)
(4)
. واستُدِلَّ على وجوبه كذلك بوَصفه تعالى الطوافَ بين الصفا والمروة بأنه {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة 158]
(5)
، فهو خبرٌ بمعنى الأمر
(6)
، يزيل ما علق في نفوس بعض الصحابة من أنه من شعائر الجاهلية، (وهو شِعارٌ لا يخلو عنه الحجُّ والعُمرَة، فكان رُكنًا كالطَّواف)
(7)
، واستُدِلَّ كذلك بأدلَّة أُخرى جمعت قولَ النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، منها أنه صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وإن مِئزَرَه ليَدُور من شِدَّة السعي، وهو يقول:(اسعوا؛ فإن الله كَتَبَ عليكم السَّعيْ)
(8)
، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في إهلال أبي موسى الأشعري:(طُف بالبيت، وبين الصفا والمروة)
(9)
. وقد اجتمع فيه فعل إبراهيم عليه السلام،
(1)
المُفهِم 3/ 385.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 402 (1277 مكرر).
(3)
ينظر: الموافقات 1/ 230، 478، والتحرير والتنوير 2/ 62.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 419 (1297).
(5)
استدل به البخاري في تبويبه للحديث. ينظر: المُفهِم 3/ 385، وفتح الباري 3/ 582.
(6)
ينظر: الإكليل 1/ 328.
(7)
أحكام القرآن، لابن العربي 1/ 78.
(8)
أخرجه الشافعي 1/ 372 (1722)، وأحمد 6/ 421 (27407)، من حديث حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، فيه ضعف. وإسناده حسنٌ لغيره، وجَوَّد الشافعي وأبو نُعيم إسناده ومعناه، كما في الاستذكار 4/ 221، وله شواهد منها: حديث ابن عباس، عند ابن خزيمة 4/ 232 (2764)، والطبراني في الكبير 11/ 184 (11437). ينظر: التمهيد 9/ 52، ونصب الراية 3/ 55، وفتح الباري 3/ 582.
(9)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 654 (1724).
ورسولنا صلى الله عليه وسلم
(1)
. وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين على وجوب السعي بين الصفا والمروة، وأنه ركن من أركان الحج، لا يصحُّ بدونه.
(2)
وأُجِيبَ عن الاستدلال بقوله تعالى في الآية {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة 158]، بأنه عامٌّ في كلِّ تطوُّعٍ بالحج أو العُمرَة، أو بِسائِر الأعْمَال
(3)
، ويبطلُ هذا الاستدلال كذلك من جهة أنه لو كان التطوع عائدًا في الآية على الطواف بين الصفا والمروة لكانت قربة مستقلّة، ولكان للناس أن يطوعوا بالطواف بينهما وإن لم يكونوا حاجِّين أو معتمرين، وقد أجمع المسلمون على أن الطواف بينهما في غير الحج أو العمرة ليس ممَّا يتقرب به العباد إلى الله عز وجل، ولا ممَّا يُتَطَوَّع به مُفرَدًا، فدل على أن التطوع هنا على عمومه، أو عائد على الحج والعمرة في الآية
(4)
. وكذا رُدَّ استدلالهم بقراءة من قَرَأ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة 158]، من جهة أنها قراءة شاذَّة، قال ابن جرير (ت: 310): (وهو خلاف مرسوم مصاحف المسلمين، وممَّا لو قرأه اليوم قارئ كان مُستَحقًّا العقوبةَ؛ لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه)
(5)
. ولو صَحَّت هذه القراءة، لكانت "لا" التي مع "أن" صِلَة، لتأكيد المعنى، وقد تقدَّمها جَحد في الكلام قبلها، وذاك نحو قوله تعالى {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 89، وتفسير ابن كثير 1/ 439.
(2)
وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن جرير. وذهب الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، إلى أنه واجب، يُجبَر تركه بدم، واختاره ابن قدامة. وروي عن ابن عباس، وأنس، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين أنه سُنَّة. ينظر: جامع البيان 2/ 67، والتمهيد 9/ 43، والاستذكار 4/ 220، وبداية المجتهد (ص: 285)، والمغني 4/ 578، والمُفهِم 3/ 327، 385، وشرح النووي على مسلم 3/ 399، وفتح الباري 3/ 582.
(3)
ينظر: جامع البيان 2/ 71، وتفسير السمعاني 1/ 160.
(4)
ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 2/ 100.
(5)
جامع البيان 2/ 71. وينظر: تفسير السمعاني 1/ 160، والتمهيد 9/ 50.
أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 11 - 15]
(1)
، ومن شواهده قول الشاعر
(2)
:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُما
…
والطَّيِّبَانِ أبو بَكْرٍ، وَلا عُمَرُ
واختار جمهورُ المفسرين تفسيرَ عائشة رضي الله عنها، كمقاتل (ت: 150)، وابن جرير (ت: 310)، والطحاوي (ت: 321)، وابن عبد البر (ت: 463)، والواحدي (ت: 468)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، والقرطبي (ت: 671)، وابن كثير (ت: 774).
(3)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
التنبُّه إلى أهميَّةِ معرفة سبب النُّزول، وأنه خير عُدَّة للمُفَسِّر في استظهار المعاني، وبيان المُراد، قال الواحدي (ت: 468): (إذ هي- أي: أسباب النُّزول- أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرَف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قِصَّتها، وبيان نزولها)
(4)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمُسَبَّب)
(5)
. ومعرفة سبب النُّزول ليس مُعينًا على فهم الآية فحَسْب، بل هو ضرورة في مواضعَ من التنْزيل، لا يُعرَف مُرادها إلا به، قال الشاطبي (ت: 790): (معرفة سبب النُّزول لازِمَةٌ لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:
(1)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 95، وتفسير غريب القرآن (ص: 63)، وجامع البيان 2/ 70، وأحكام القرآن، للطحاوي 2/ 94، والانتصار للقرآن 2/ 355. وعن زيادة الحروف في الكلام ينظر: مشكلة الزيادة لحروف المعاني، مجلة الأحمدية، عدد (10) (ص: 147).
(2)
البيت لجرير. ينظر: ديوانه (ص: 285).
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 88، وجامع البيان 2/ 67، 69، وأحكام القرآن، للطحاوي 2/ 98، والتمهيد 9/ 50، والوسيط 1/ 243، والوجيز 1/ 140، والمحرر الوجيز 1/ 229، والتفسير الكبير 4/ 145، والجامع لأحكام القرآن 2/ 123، وتفسير ابن كثير 1/ 438.
(4)
أسباب النُّزول (ص: 8).
(5)
مجموع الفتاوى 13/ 339.
أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يُعرَف به نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مُقتَضيات الأحوال: حال الخِطاب من جِهة نفس الخِطاب، أو المُخَاطِب، أو المُخاطَب، أو الجَميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالَيْن، وبحسب مُخَاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله مَعَانٍ أُخَر، من تقرير، وتوبيخ، وغير ذلك، وكالأمر، يدخله معنى الإباحة، والتهديد، والتعجيز، وأشباهها، ولا يدلُّ على معناها المُراد إلا الأمور الخارجة، وعُمدَتُها مُقتَضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقَلُ، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقلُ بعض القرائن الدَّالَّة؛ فاتَ فَهم الكلام جُملَة، أو فَهم شيء منه، ومعرفةُ الأسباب رافِعَةٌ لكل مُشكِلٍ في هذا النَّمَط، فهي من المُهِمَّات في فهم الكتاب بِلا بُدّ. ومعرفة السبب هو معنى معرفة مقتضَى الحال، وينشأ عن هذا الوجه:
الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التَّنْزيل مُوقِعٌ في الشُّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَوْرِد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مَظنَّةُ وقوع النِّزاع)، إلى أن قال:(وهكذا شأن أسباب النُّزول في التعريف بمعاني المُنَزَّل، بحيث لو فُقِدَ ذِكرُ السبب لم يُعرَف من المُنْزَل معناه على الخصوص، دون تَطَرُّق الاحتمالات، وتوَجُّه الإشكالات)
(1)
.
وقد شهِدَ الصحابةُ رضي الله عنهم على أثرِ أسباب التنْزيل في معرفةِ التفسير، فعن أبي الأحوص
(2)
(ت: 179) قال: (كُنَّا في دارِ أبي موسى مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله- أي: ابن مسعود- وهُم ينظُرون في المصحف، فقام عبدُ الله، فقال أبو مسعودٍ: ما أعلَمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ترَكَ بعدَهُ أعلمَ بما أنزَل اللهُ من هذا القائِم. فقال أبو موسى: أمَا لَئِنْ
(1)
الموافقات 4/ 146، وينظر في التمثيل على ذلك: الاعتصام (ص: 425 - 426).
(2)
سلام بن سليم الحَنَفي مولاهم، أبو الأحوص الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، مات سنة (179). ينظر: الكاشف 1/ 413، والتقريب (ص: 425).
قُلتَ ذاك؛ كانَ يشهَدُ إذا غِبنا، ويُؤذَن له إذا حُجِبنا)
(1)
.
* * *
[34]{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة 193].
عن سعيد بن جبير قال: (خرج إلينا ابن عمر ونحن نرجوا أن يحدِّثَنَا حديثًا عجيبًا، فبَدرَ إليه رجلٌ
(2)
بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك من القتال والله تعالى يقول {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة 193] قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على المُلْك)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
حَمَلَ السائلُ لفظ "الفتنة" في الآية على بعض وجوهها لُغَةً، وهو: ما يَقَعُ بين الناس من حروب وعذاب- كما سيأتي-، واستدلَّ بها على ابن عمر رضي الله عنه في تركه القتالَ في الفتنة
(4)
، فجَعلَ الفتنةَ في الآية مُتناوِلَة لِمَنْ يَخرُج عن طاعةِ الإمام، ثم نَزَّلَ الأمر بالقتال في الآية لِمَنع الفتنةِ على هذه الواقعة. فَعَمَّمَ الرجل معنى الفتنة؛ ليشمَلَ القتال بين المسلمين، كما هو في هذه الصورة.
وأنكر ابنُ عمر رضي الله عنه هذا الاستدلال، وبين أن المُراد بالفتنة في الآية: الشرك،
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 14 (2461).
(2)
اسمُه «حكيم» ، كما في رواية أحمد، وابن أبي حاتم. وينظر: فتح الباري 8/ 32، 160.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 160 (كتاب 65 - التفسير، باب 5 - {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [البقرة 193]، برقم: 4651).
(4)
مُراده: القتال في فتنة عبد الله بن الزبير مع الحجاج، سنة (73). ينظر: البداية والنهاية 8/ 262، والفتح 8/ 32.
والردة عن الدين، والحَملُ على ذلك بامتحان المسلمين، وابتلائهم في دينهم. وأكَّدَ رَدَّه للمعنى المذكور من السائل بقوله:(وليس يقاتلهم على المُلْك). وقَوَّى هذا المعنى هنا لفظ الآية، وسياقها، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله.
فلقد بَيَّنت الآية معنى الفتنة في تَمامها، فقال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة 193]، وفي آية الأنفال {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [الأنفال 39]، فالفتنة هنا هي: الشرك، الذي لا يزول حتى يكون مُقابله، وهو أن يكون الدين كُلُّه لله. ثُمَّ إن سياق الآية حدِيثٌ عن الشرك صريحٌ، وأمرٌ بقتال المشركين، قال تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة 190 - 193]، وقد نُقِلَ إجماعُ المُفَسِّرين على أن الفتنة في قوله تعالى {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة 191]، هي: الشرك.
(1)
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 1 - 5]، فَجَعَلَ توبَتَهم من الشرك، سببًا للكَفِّ عنهم، وإخلاء سبيلهم. وهو ما بَيَّنَه حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحًا في قوله: (أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دمائهم، وأموالهم، إلا بحق
(1)
نقله الماوردي في النُّكَت والعيون 1/ 251، وقال:(وإنما سُمِّيَ الكُفر فِتنةً؛ لأنه يُؤدي إلى الهلاك، كالفتنة). وينظر: أحكام القرآن، لابن العربي 1/ 151.
الإسلام، وحسابهم على الله)
(1)
. ثم بَيَّنَ ابنُ عمر رضي الله عنه كيف تَأَوَّلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية بفعله، فقال:(إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين- وكان الدخول في دينهم فتنة-، وليس يقاتلهم على المُلْك)، فقتال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لمنع فتنة الدخول في الشرك، والإقامة عليه، وليس قتالًا على المُلْك، فالصورة الواقعة التي ذكرها الرجل، ليست داخِلةً في الآية، ولا يَصِحُّ الاستدلال بها عليها. وممَّا يُؤِيد ما ذهب إليه ابن عمر هنا، أن الآيات في سورة البقرة واردة في مخصوصين، وهم من نَصَبَ العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، ومن تبعَهم من مشركي العرب، ويعضد ذلك قوله تعالى {وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة 191]، وإنما أخرَجَهم أهل مكة، وهؤلاء ومن تبعهم من مشركي العرب ليس في حَقِّهم إلا الإسلام أو السيف؛ لقوله تعالى {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح 16]
(2)
، وأمَّا آية الأنفال؛ فلأنها في عموم الكفار بحسب سياقها {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال 38]، ناسَبَ تأكيدها ب"كل" المفيدة للعموم والإحاطة، وذلك في قوله {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال 39].
(3)
*
الحكم على الاستدراك:
جِمَاعُ الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، ثُمَّ استُعمِلَت في الإضلال، والإمالة عن القصد، والإحراق، والعذاب، وما يَقَعُ بين الناس من حروب، وغيرها
(4)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 95 (25)، ومسلم في صحيحه 1/ 171 (21).
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 101، والكشف والبيان 2/ 89، والوسيط 2/ 459، وغرائب التفسير 1/ 204، وأحكام أهل الذمة 1/ 95، وروح المعاني 2/ 645.
(3)
ينظر: مَلاكُ التأويل 1/ 261.
(4)
ينظر: العين 3/ 301، وياقوتة الصراط (ص: 177)، وتهذيب اللغة 14/ 211، والصحاح 6/ 2175، ومقاييس اللغة 2/ 340.
ومن ثَمَّ فإدخال السائل قتالَ الفتنة في وقته في معنى "فِتنَة" المذكورة في الآية صحيحٌ لُغَةً؛ ولكن لفظ الآية لا يدل عليه ولا هو داخلٌ في معناه؛ إذ القتال على الملك ليس من الدين، كما أن الدخول في ذلك القتال المذكور على الخصوص ليس من الدين أيضًا؛ فإنه قتالُ فتنةٍ لا حقَّ فيه ظاهر، أو مفسدته أعظم من مصلحته، أو مفسدته متحققة في جنب مصلحة موهومة. ثمَّ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغةً صَحَّ حَملُ الآية عليه وتفسيرها به؛ (فإن اللغة ليست المصدر الوحيد الذي يمكن لمن أحكمه أن يُفَسر القرآن، إذ لا بد للمفسر من معرفة مصادر أخرى يعتمد عليها في تفسيره؛ كالسنة النبوية، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وتفسيرات الصحابة والتابعين وتابعيهم، وغيرها من المصادر التي لا يُمكِن أخذها من طريق اللغة. وبِهذا يُعلَم أن التفسير اللغوي جُزءٌ من علم التفسير، ومع أن حَيِّزَه كبير، فإنه لا يَستَقِلُّ بتفسير القرآن)
(1)
، قال النووي (ت: 676): (ولا يكفي في ذلك- أي تفسير ألفاظ القرآن- معرفةُ العربية وحدها، بل لا بد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص، أو الإضمار وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر)
(2)
.
والمعنى الذي ذكره ابن عمر رضي الله عنه، هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم، في مقامات مُشابهة لهذا المقام
(3)
، ومن ذلك أنَّ رجلًا جاء إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال له: ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنة؟ فقال سعد: (قد قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم تكن فتنة، فأمَّا أنتَ وذا البُطين تريدون أن أقاتلَ
(1)
التفسير اللغوي (ص: 50).
(2)
التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 167).
(3)
في روايات حديث ابن عمر عند البخاري 8/ 32، 160 (4513 - 4514، 4650 - 4651)، دلالةٌ على أن القصة تعددت مع ابن عمر من غيرما سائل، ومنهم: حبَّان السلمي- ذو الدُّثَيْنَة-، ونافع بن الأزرق.
حتى تكون فتنة)
(1)
، وورد نحو هذا الموقف عن أسامة بن زيد، وسعد بن مالك رضي الله عنهم
(2)
، وعلى هذا المعنى جمهور الصحابة والتابعين، وقال به: ابن عباس رضي الله عنه، وأبو العالية (ت: 93)، وعروة بن الزبير (ت: 94)، ومجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدي (ت: 128)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، والربيع بن أنس (ت: 139)، ومقاتل بن حيَّان (ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)
(3)
، وهو اختيار جمهور المفسرين من بعدهم.
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أن واجبَ البيان عن معاني القرآن، ورَدِّ الشُّبُهات عن الآيات، منوطٌ بأهل العلم الذين جمعوا علمًا وفَهمًا وعمَلًا؛ فإن أهل الأهواء كثيرًا ما يستدلون بآيَةٍ أو سُنَّة لتصحيح أهوائهم وتقوية مذاهبهم، واستدلال السائلين لابن عمر وغيره من الصحابة بهذه الآية هو من هذا الباب الخَفي المُلتَبس، غيرَ أن صحة فهم وعلم الصحابة رضي الله عنهمتكَفَّلَ بردِّ هذه الأهواء، وإبطال وجوه الاستدلال لها، وإن قَوِيَت في الشُّبهة، أو صَحَّت من وجه. وحيثما وُجِدَت هذه الشُّبَه في زمن من الأزمان، كُشِفَت بنحو هذا الفهم لكلام الله تعالى، فَجُلِّيَت المعاني الصحيحة، ورُدَّت المعاني الباطلة، وأُقِيمَ الناسُ على المعنى الصحيح لكلام الله عز وجل، (ولَكَمْ آيةٌ من آياتِ القرآن
(1)
تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1700.
(2)
ينظر: تفسير ابن كثير 4/ 1582.
(3)
ينظر: جامع البيان 2/ 264، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 327، و 5/ 1701، وتفسير مقاتل 1/ 101.
(4)
ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: 260)، وجامع البيان 2/ 264، وتهذيب اللغة 14/ 211، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 155، وتفسير القرآن العزيز 1/ 205، والمصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: 73)، والكشاف 2/ 213، والمحرر الوجيز 1/ 263، والوجيز 1/ 440، وأحكام أهل الذمة 3/ 1396، والعذب النمير 1/ 280.
تراها قد ضِيمَتْ حقَّها واستُلِبَت ماءَها ورونَقَها؛ أن وَقَعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بِها في مآخِذَ مردودة، وحملوها على محامل غيرَ مقصودة، وهم لا يدرون، ولا يدرون أنهم لا يدرون، فتلك الآيُ من مآخِذِهم في عويلٍ، ومن محامِلهِم على ويلٍ طويلٍ، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف 104])
(1)
.
* * *
[35]{وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة 195].
عن أسلم أبي عمران
(2)
قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية
(3)
، وعلى أهل مصر عقبةُ بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فصَفَفْنا صَفَّين لم أَرَ صفين قَط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصِقون ظهورَهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ مِنَّا على العدوّ، فقال الناس: مَهْ، لا إله إلا الله!، يلقي بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه!، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195]،
(1)
مفتاح العلوم، للسكاكي (ص: 531).
(2)
أسلم بن يزيد، أبو عمران التُّجَيْبي، المصري، ثقة. ينظر: الكاشف 1/ 116، والتقريب (ص: 135).
(3)
سنة (93)، بقيادة مَسْلَمَةَ بن عبد الملك، وقسطنطينية عاصمة الروم، وتسمى قسطنطينة، ثم سميت إسلامبول- مدينة الإسلام-، ثم اسطنبول، تقع على مضيق البسفور من بحر مرمرة شرقي أوروبا، وكانت عاصمة تركيا وهي الآن من حواضرها. ينظر: معجم البلدان 4/ 347، والبداية والنهاية 9/ 77، والأقطار والبلدان (ص: 149).
فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالنا ونصلحَها، وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
تعجَّبَ بعض الناس من بلاء هذا الرجل من نفسه، وحمله على العدوّ وحده، وقالوا:(يلقي بيده إلى التهلكة)، وهي: مواضع الهلاك ومظانُّه، وكُلُّ ما عاقبَتُه إلى هلاك
(2)
، فجعلوا فعل هذا الرجل من التهلُكَة المنهي عن إتيانها، وهذا تعميم للَّفظ بما هو من معناه لُغَةً، فاعتمد هذا القول على اللغة، وعلى عموم اللفظ وشموله.
فَبَيَّنَ أبو أيوب رضي الله عنه بُعدَ هذا التأويل، وابتدأ بذكر قولِهم ليكون أبلَغَ في الردِّ والبيان، فقال:(أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمسُ الشهادةَ، أو يبلي من نَفسه!)، ثُمَّ مَهَّدَ رضي الله عنه لمعناها بقوله:(إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار)، وهذه إشارة إلى أنهم أعلمُ بها من غيرهم، ثم ذَكَرَ سبب نُزولها بقوله:(إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195])،
(1)
أخرجه أبو داود في سننه 3/ 12 (2512)، والترمذي في جامعه 5/ 212 (2972)، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 299 (11029)، وابن جرير في تفسيره 2/ 278 (2594)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 330، وابن حبان في صحيحه 11/ 9 (4711)، والحاكم في المستدرك 2/ 94 (2434)، والبيهقي في السنن 9/ 45 (17704)، والطبراني في الكبير 4/ 176 (4060)، وعزاه ابن حجر في الكافي الشافِ 1/ 235 لإسحاق، وعبد بن حميد، ونسبه في الفتح 8/ 33 لمسلم، وليس في صحيحه، ولعله وَهْم؛ فإنه لم يعزُهُ إليه في الكافي الشافِ، ولم يرمز لمسلم في ترجمته لأبي عمران في التهذيب والتقريب. وعزاه السيوطي في الدر 1/ 463 لابن المنذر، وابن مردويه. من طريق حَيْوَةَ بن شُريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلَم أبي عمران التُّجَيبي.
وإسناده صحيح. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب)، وصححه ابن حبان، والحاكم.
(2)
ينظر: تهذيب اللغة 6/ 12، والقاموس المحيط (ص: 862).
ثُمَّ ذكر المعنى واضحًا بعد ذلك، فقال:(فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالِنَا ونُصلِحَهَا، ونَدَعَ الجِهَاد). وصَدَّقَ قولَه رضي الله عنه بفعله، قال أبو عمران:(فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية).
فتَبَيَّن من ذلك اعتمادُ أبي أيوب رضي الله عنه على سبب النُّزول، ويُقَوِّي ما ذكره من معنىً سِبَاقُ الآية، وهو الأمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى، والحذر من مُقابِلِه، وهو الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله، فيكون إلقاءً باليد إلى التَّهلُكة.
*
الحكم على الاستدراك:
الاستشهاد بالآية على ما فعله هذا الرجل من إقدام وإرهاب للعدو ليس بصحيح؛ لأن الإلقاء باليد إلى التهلكة مذموم، وما فعله هذا الرجل محمود، إذ فيه إظهار للشجاعة، وإرهاب للعدوّ، وتقوية وتجرئة للمسلمين عليهم، ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة
(1)
، ولَمَّا قيل لعمر رضي الله عنه: إن رجلًا رمى بنفسه في الحرب فقُتِلَ، فقال ناسٌ: ألقى بيده إلى التهلكة. قال عمر: (كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا)
(2)
، ومن ثَمَّ فالمعنى الذي ذكره أبو أيوب رضي الله عنه هو الصواب، ويشهد له سبب النُّزول الذي ذكره، وسياق الآية الآمِرِ بالنفقة في سبيل الله، وترك الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله.
(3)
وصحة المعنى المذكور عن أبي أيوب رضي الله عنه في مُقابل ما فهمه الناس خَطًا من الآية لا يعني انحصار الصواب فيه، فقد ورد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم تفسير
(1)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 1/ 318، والتفسير الكبير 5/ 117، وجامع المسائل (ص: 327)، وفتح الباري 8/ 34.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 558 (33789)، والبيهقي في السنن 9/ 45 (17707)، وعزاه ابن حجر لابن جرير، وابن المنذر، وصححه. ينظر: الفتح 8/ 33.
(3)
ينظر: جامع المسائل (ص: 326).
التهلكة هنا: بترك النفقة في سبيل الله، على ما هو ظاهر من الآية، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قيل له: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال:(لا؛ لأن الله عز وجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم فقال {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء 84]، إنما ذاك في النفقة)
(1)
، وقال ابن عباس رضي الله عنه:(ليس التهلكة أن يُقتَل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله)
(2)
، وقال حذيفة رضي الله عنه عن هذه الآية:(نزلت في النفقة)
(3)
، وفسَّرَها بذلك سعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وعطاء (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدي (ت: 128)، والأعمش (ت: 148)، ومقاتل بن حيان (ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150).
(4)
كما فُسِّرَت بأنها القنوط، والإقامة على الذنوب، قيل للبراء رضي الله عنه: يا أبا عمارة، أرأيت قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195]، أهو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يُقتل؟ قال:(لا، ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب)
(5)
، وروي نحو ذلك عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، وعَبِيدَة السَّلْمَاني
(6)
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 2/ 277 (2591)، وعزاه ابن حجر لابن المنذر، وصححه. ينظر: الفتح 8/ 33.
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 2/ 274 (2576)، والسنن الكبرى، للبيهقي 9/ 45 (17703)، والدر 1/ 462.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 33 (4516).
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 102، وجامع البيان 2/ 273، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 331، وسنن البيهقي الكبرى 9/ 45.
(5)
أخرجه ابن جرير 2/ 277 (2591)، وابن أبي حاتم 1/ 332 (1748)، والبيهقي في السنن 9/ 45 (17705)، وإسناده صحيح. ينظر: الفتح 8/ 34.
(6)
عبيدة بن عمرو السَّلْماني المُرادي، أبو عمرو الكوفي، فقيه مُقرئ، من أجل أصحاب ابن مسعود، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ومات سنة (72) على الصحيح. ينظر: السير 4/ 40، وتهذيب التهذيب 3/ 45.
(ت: 72)، والحسن (ت: 110)، وابن سيرين (ت: 110).
(1)
وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة: (التهلكة: عذاب الله)
(2)
. وقيل غير ذلك.
(3)
وأوَّلُ المعاني دخولًا في معنى الآية وأولاها: الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى؛ لسياق الآية، ولأنه سبب نزولها كما صَحَّ عن حذيفة، وعليه جمهور المفسرين
(4)
، قال ابن جرير (ت: 310) بعد أن رَجَّحَ العموم في الآية: (غيرَ أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي)
(5)
، وقال ابن حجر (ت: 852): (والأوَّل- أي: قول حذيفة- أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأمَّا قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ)
(6)
.
وقول أبي أيوب رضي الله عنه في هذه الآية داخل في هذا القول؛ فإنه إنما ذكر الجهاد في تفسيره من باب التفسير باللازم، فإن ترك النفقة في سبيل الله تعالى، يترتب عليه ترك الجهاد بالنفس، فمن ضَنَّ بماله، ضَنَّ بنفسه من باب أولى، ولا يصح التفسير باللازم إلا مع الإقرار بالمعنى الأصلي، وسبب النُّزول الذي ذكره أبو أيوب قبل ذكره لتفسيره صريحٌ موافقٌ لما ذكره حذيفة رضي الله عنهم، في أنها نزلت في النفقة. ولعل اختيار أبي أيوب رضي الله عنه لمعنى الجهاد من هذه المعاني؛ لمناسبته للمقام والحال، فإن ترك
(1)
جامع البيان 2/ 277، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 332.
(2)
جامع البيان 2/ 281 (2595)، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 332.
(3)
ينظر: المرجع السابق، وتفسير ابن كثير 2/ 493، وزاد المسير (ص: 113).
(4)
ينظر: المحرر الوجيز 1/ 265.
(5)
جامع البيان 2/ 280.
(6)
فتح الباري 8/ 34.
الجهاد، وعدم الاستعداد، إلقاء باليد إلى التهلكة؛ من جهة القعود وتمكين الأعداء من المسلمين، فيُهلِكوا الحرث والنسل
(1)
.
واختيار ما يناسب المقام والحال من المعاني الصحيحة أحد أسباب اعتماد السلف كثيرًا على التفسير بالمعنى. ورجح العموم في هذه الآية: الزجاج (ت: 311)، والنحاس (ت: 338)، والجصاص (ت: 370)، والواحدي (ت: 468)، والسمعاني (ت: 489)، والزمخشري (ت: 538)، وابن العربي (ت: 543)، والطوفي (ت: 716)، وأبو حيَّان (ت: 745)، وابن كثير (ت: 774)
(2)
.
* * *
[36] {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْ
بَابِ} [البقرة 197].
عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قوله {فَلَا رَفَثَ} [البقرة 197]، قال:(الرفث الذي ذَكَر هنا ليس الرفث الذي ذَكَر في {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة 187]، ذاك الجماع، وهذا العِرَاب بكلام العَرَب، والتعريضُ بذكرِ النِّكاح)
(3)
.
(1)
ينظر: التحرير والتنوير 2/ 215.
(2)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 266، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 111، وأحكام القرآن، للجصاص 1/ 318، والوجيز 1/ 155، وتفسير السمعاني 1/ 195، والكشاف 1/ 235، وأحكام القرآن، لابن العربي 1/ 164، والإشارات الإلهية 1/ 324، والبحر المحيط 2/ 79، وتفسير ابن كثير 2/ 495.
(3)
أخرجه سعيد بن منصور في سننه 3/ 797 (338)، وابن جرير في تفسيره/ 359، 361 (2884، 2894)، والطحاوي في أحكام القرآن 2/ 32 (1171)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 346 (1823)، والبيهقي في السنن 5/ 67 (8953)، والطبراني في الكبير 11/ 22 (10914)، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 491 لسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد. من طريق عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه.
وإسناده صحيح.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابن عباس رضي الله عنه أن يكون معنى "الرَّفَث" في آية الحج: الجماع، كمعناه في آية الصيام، وذكر أن معناه في آية الحج: العِراب
(1)
، وفسَّرَه بقوله:(التَّعريضُ بذكر النكاح- وفي لفظ: الجماع-). فلفظ الرَّفَث عنده على أصله في كلام العرب، وهو: قول الفُحش، وكلِّ ما يُسْتَحيا من إظهاره
(2)
، قال الراجِزُ
(3)
:
وَرَبِّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ
…
عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ
فَبَيِّنٌ اعتماد ابن عباس رضي الله عنه على اللغة في اختياره لهذا المعنى، ويدُلُّ عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفثْ، ولا يجهلْ، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليَقلْ: إني صائم)
(4)
، فالمُراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش
(5)
، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال:(فرضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث)
(6)
.
والقول الذي نفاه ابن عباس لمعنى الرَّفَث في الآية، وهو: الجماع، مُعتَمِدٌ كذلك على اللغة، إذ يُطلَق الرَّفَث على الجماع
(7)
، وجاء بِهذا المعنى في قوله تعالى {أُحِلَّ
(1)
قال الأزهري (ت: 370): (التعريب هو: ما قَبُحَ من الكلام، والإعراب عند الأزواج هو: ما يُستَفحَشُ من ألفاظ النكاح والجماع). تهذيب اللغة 2/ 220.
(2)
ينظر: مجاز القرآن 1/ 70، وتهذيب اللغة 15/ 58، ومقاييس اللغة 1/ 478.
(3)
هو العَجَّاج، والبيت في ديوانه (ص: 238).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 125 (1894)، ومسلم في صحيحه 3/ 217 (1151).
(5)
ينظر: التفسير الكبير 5/ 140، وشرح النووي على مسلم 3/ 217، وفتح الباري 4/ 126.
(6)
أخرجه أبو داود 2/ 111 (1609)، وابن ماجة 1/ 585 (1827)، والحاكم 1/ 568 (1488)، والبيهقي 4/ 162 (7481). وصححه الحاكم، وحسنه النوويُّ، وابنُ قدامة، كما في المجموع 6/ 55، والمغني 4/ 32، وإسناده حسن.
(7)
ينظر: العين 2/ 135، والصحاح 1/ 283، وأساس البلاغة 1/ 367.
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة 187]، كما دَلَّ عليه سبب نُزولِها
(1)
، والتعدِيَةُ ب"إلى" المُتَضَمِّنة لمعنى الإفضاء
(2)
.
*
الحكم على الاستدراك:
لَمَّا كان الرَّفَث (كلمةً جامِعةً لكل ما يُريده الرجل من أهله)
(3)
، كان كلا المعنيين المذكورين صَحيحٌ لُغَةً، غيرَ أنَّ أحدَهما هو الأصل لُغةً، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، ويُستَعمَل في الثاني كنايَةً عنه
(4)
، قال ابن عباس رضي الله عنه:(الدخولُ، والتَّغَشِّي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس: الجماع، إلا أن الله حييٌّ كريمٌ، يَكْني بما شاء عما شاء)
(5)
.
وللمُفسرين في معنى الرَّفَث في هذه الآية ثلاثةُ أقوال:
الأول: أنه الجماع، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، ومكحول (ت: 112)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والزهري (ت: 124)، والسُدِّي (ت: 128)، والربيع بن أنس (ت: 139)، ومقاتل بن حيَّان (ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150)، ومالك بن أنس (ت: 179)، وابن زيد (ت: 182)
(6)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 2/ 223، وأسباب النُّزول (ص: 49).
(2)
المفردات (ص: 360).
(3)
تهذيب اللغة 15/ 58.
(4)
ينظر: جامع البيان 2/ 365، والمفردات (ص: 359).
(5)
أخرجه ابن جرير 2/ 219 (2396)، وعزاه ابن حجر لعبد الرزاق، وصحح إسناده. ينظر: الفتح 8/ 122، 9/ 62.
(6)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 104، وجامع البيان 2/ 220، 362، والكشف والبيان 2/ 105، وسنن البيهقي الكبرى 5/ 67، وزاد المسير (ص: 116).
الثاني: أنه التعريض للمرأة بمَا يُستَحيا منه، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن الزبير رضي الله عنهم، وأبو العالية (ت: 93)، وطاووس (ت: 106)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114)، والسُدِّي (ت: 128).
(1)
الثالث: أنه فُحشُ الكلام ولَغوِهِ عُمومًا، ذكره أبو عبيدة (ت: 209)، وضَعَّفه ابن عطية (ت: 546).
والراجح في معنى الرَّفَث في هذه الآية أنَّه: الجِمَاعُ وَمُقَدِّماتُه؛ من قولٍ أو فِعلٍ. وهو بهذا يشمَل القولين الأوَّليْن، إذ لا تعارضَ بينهما؛ فإنهما من قبيل التفسير بأصلِ اللَّفظ في القول الأول، -ولم يُرِد من قاله نفي المعنى الثاني-، ومن قبيل التفسير ببعض المعنى في القول الثاني، إذ قصد القائل هُنا ذِكْرَ أعظَم معاني الرَّفَث في هذا المَقام، فليس من وقع في الجماع حالَ إحرامه، كمن تلفظَ بشيء منه في كلامه، والرَّفَثُ في القول أو الفعل سببٌ إلى الجماع، كما سيأتي ذكره عن الطحاوي (ت: 321)، والنحاس (ت: 338). ويُؤَكِّد ذلك أن جميع مَنْ ذُكِر مِمَّنْ فَسَّرَ الرَّفَث بأنَّه: الإعراب بأمر الجماع، فَسَّرَه كذلك بأنَّه: الجماع- عدا طاووس-. ويُقَوِّي معنى العموم في لفظ "الرَّفَث" نفيَ الجنس المُفيد للعموم في قوله {فَلَا رَفَثَ} [البقرة 197]، وفي السُّنَّة جاء النفي في سياق الشرط ليُفيدَ العموم أيضًا، وذاك في قوله صلى الله عليه وسلم:(من حَجَّ فلم يَرفُث، ولم يَفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَتْه أُمُّه)
(2)
. ولا يُشكِلُ على ذلك نفي ابن عباس رضي الله عنه لمعنى الجماع الوارد في آية الصيام، فإنه أراد بذلك أنه ليس الجماع فقط كما هو في تلك الآية، وإنما هو الجماع والإعرابُ فيه. ويدلُّ على ذلك رواية ابن جرير وفيها: (عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قول الله {فَلَا
(1)
المرجع السابق، وأحكام القرآن، للطحاوي 2/ 32.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 446 (1521)، ومسلم في صحيحه 3/ 478 (1350).
رَفَثَ} [البقرة 197]، قال:(الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة 187]، ومن الرَّفَث التعريضُ بذكرِ الجماع، وهي الإعرابُ في كلام العرب)
(1)
. ويدلُّ على إرادة ابن عباس رضي الله عنه كِلا المعنيين، صِحَّة النقل عنه فيهما، كما أن جمهرة طلابه- عدا طاووس- على أنه الجِماع، ويَبعُد أن تقع مخالفتهم لشيخهم بهذه الكثرة، لولا أنه من قول شيخهم وتفسيره على ما نقلوا عنه.
وتبقى الإشارة إلى تخصيص العِرابةِ وذكرِ النكاح ومُقَدِّماته بما إذا كان أمام النساء، كما ثبت عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم، والجواب أن الكلام بذلك إنما يكون رَفَثًا إذا خوطِبَت به المَرأة، أما ذكره عند غير النساء فليس من الرَّفَث.
(2)
واختار العموم في معنى الرَّفَث: ابن جرير (ت: 310)، وعَلَّلَ ذلك بعدم المُخَصّص لمعنىً دون آخر
(3)
، واختاره كذلك الزجاج (ت: 311)
(4)
، والطحاوي (ت: 321) وقال بعد ذكر القولين: (وكان هذا عندنا غير مخالف للقول الأول؛ لأن الرفث هو الجماع وما دون الجماع ممَّا هو من أسبابه، فجائز في اللغة أن يُسمَّى باسمه؛ إذ كان من أسبابه في حُرمَة الحج، توكيدًا منهما بحرمة الجماع في الحج)
(5)
،
(1)
جامع البيان 2/ 361. و 3/ 462 من طبعة/ التركي.
(2)
ينظر: جامع البيان 2/ 365، وجمهرة اللغة 1/ 422، وتهذيب اللغة 15/ 58. وقَد صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يرتَجِزُ وهو مُحرِم، ويقول:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا
…
إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
فَذكرَ الجماع ولم يَكْنِ عنه، فقال له حصين بن قيس: يا أبا عباس: تقول الرَّفَث وأنت محرم؟! قال: الرَّفَثُ ما رُوجِع به النساء. أخرجه سعيد بن منصور 3/ 806، وابن جرير 2/ 359، والبيهقي في سننه الكبرى 5/ 67.
(3)
جامع البيان 2/ 365.
(4)
معاني القرآن وإعرابه 1/ 269.
(5)
أحكام القرآن 2/ 33.
وابن عُزَيْز السجستاني (ت: 330)
(1)
، والنحاس (ت: 338) وقال: (وهذه الأقوال مُتقاربة؛ لأن التعريض بالنكاح من سببه)
(2)
، والجصاص (ت: 370)
(3)
، وابن تيمية (ت: 728) وقال: (الرفثُ: اسمٌ للجماع قولًا وعملًا)
(4)
، وأبو حيَّان (ت: 745)، وابن كثير (ت: 774)
(5)
.
* * *
عن أبي الجوزاء
(6)
قال: قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة 200]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس:(ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد)
(7)
.
(1)
نزهة القلوب (ص: 240).
(2)
معاني القرآن 1/ 132.
(3)
أحكام القرآن 1/ 372.
(4)
اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عبد الهادي (ص: 58). وينظر: مجموع الفتاوى 26/ 107.
(5)
البحر المحيط 2/ 95، وتفسير ابن كثير 2/ 507.
(6)
أوس بن عبد الله الرَّبَعي، أبو الجوزاء البصري، ثقة يرسل كثيرًا، أخذ كثيرًا من التفسير عن ابن عباسرضي الله عنه، مات سنة (83). ينظر: التاريخ الكبير 2/ 16، والكاشف 1/ 142، والتقريب (ص: 155).
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 355 (1869)، والثعلبي في تفسيره 2/ 114، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 521 لابن المنذر. وطريق ابن أبي حاتم: عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد بن عَرْعرة، عن معاذ بن هشام بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء.
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب أبو الجوزاء إلى أن المُراد بالذكر في الآية ما يُقابلُ النسيان، فأشكل ذلك عليه من جهة أن الإنسان رُبَّما مضى عليه وقت لا يذكر أباه فيه، فلا يُناسِب أن يُقرَن ذلك الذكر القليل للآباء، بالأمر بالإكثار من ذكر الله الوارد في الآية. وفهمه هذا معتمدٌ على معنى الذِّكر لُغَة.
فَنَفى ابن عباس رضي الله عنه ما فهمه أبو الجوزاء من الآية، وبَيَّنَ أن المُراد بالذكر هنا المعنى الشرعي له
(1)
، الذي يشمل ذكر القلب واللسان والجوارح، فيدخل فيه فعل الطاعات، وترك المنكرات، ومن ثَمَّ فالمُراد هنا: أن تغضب لله إذا عُصِيَ، كغَضَبِكَ لوالدك إن ذُكِرَ بسوء، أو أشَدّ. وهذا تفسير بجزء المعنى، وتمثيلٌ له، فمن صُوَرِ ذكر الله بالفعل أن تغضبَ له إذا عُصِي.
*
الحكم على الاستدراك:
أصلُ الذِّكرِ لُغةً: حِفظُ الشيء، وجَريُهُ على اللسان
(2)
. ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين هنا صحيح لُغةً، غيرَ أن أحدَهُما تفسير بالمُطابق، والآخرُ تفسير بالمِثال، وتفسير ابن عباس- وإن لم يكن مُطابقًا للَّفظة؛ وإن كان تفسيرًا بالمثال إلا أنه- أصح من فهم أبي الجوزاء وأصوب؛ لأنه موافق للفظ الآية وظاهرها، بخلاف فهم أبي الجوزاء، ففيه مناقضةٌ لمعناها، وإن كان صحيحًا لُغَةً.
وقد ذكر المفسرون معاني عديدة أكثرها يرجع في المعنى إلى وجوب لزوم العبد ذِكرَ الله تعالى، ودوام تعظيمه، والانقطاع إليه عَمَّن سواه، بتضَرُّع وافتقار، وأن يكون ذكره لربه أكثر من ذكره لأيّ مخلوق، على أي صورة كان ذِكره، نظير ما يكون من
(1)
ينظر: الوابل الصيب (ص: 216)، وجلاء الأفهام (ص: 530)، وتهذيب السالكين 3/ 271.
(2)
ينظر: تهذيب اللغة 10/ 94، ومقاييس اللغة 1/ 446.
ذكر الولد لوالديه، وتضرعه لهما، وحاجته إليهما
(1)
.
وأولى هذه الأقوال وأقربها: أن الله تعالى أمر القوم في إسلامهم بأن يكثروا من ذكر الله تعالى بعد فراغهم من مناسكهم، نظير ما كانوا يفعلون في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم، إذ كانوا يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم سائر اليوم. وقد ورد سبب النُّزول هذا عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان أهل الجاهلية يقفون في المواسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحَمَالات
(2)
، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة 200]، يعني ذكر آبائهم في الجاهلية، {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة 200])
(3)
، وورد نحو ذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وأبي وائل
(4)
(ت: 82)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والقرظي (ت: 108)، والحسن (ت: 110)، وعطاء (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)، وعطاء الخراساني (ت: 135)، والربيع بن أنس (ت: 139)، ومقاتل بن حيّان (ت: 150)
(5)
.
ويَقْوَى هذا القول من جهة موافقته لسبب النُّزول، ومناسبته لحال من نزل عليهم القرآن، وعادتهم في ذلك؛ ليكون أبلغ في الامتثال والطاعة، وقد كانت كثيرٌ من مواقف الحج تصحيحًا لِمَا كان عليه أهل الجاهلية، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك: (إن الله عز وجل قد
(1)
ينظر: التفسير الكبير 5/ 158.
(2)
جمع حَمَالة، ككَفَالة، وزنًا ومعنىً. ينظر: الصحاح 4/ 1677، والقاموس المحيط (ص: 889).
(3)
تفسير ابن أبي حاتم 2/ 355.
(4)
شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من العلماء العاملين، مات سنة (82). ينظر: الكاشف 2/ 15، والتقريب (ص: 439).
(5)
ينظر: جامع البيان 2/ 404، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 355، وأسباب النُّزول (ص: 65).
أذهب عنكم عُبِّيَّةَ
(1)
الجاهلية، وفخرها بالآباء)
(2)
، وقوله أيضًا:(ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع)
(3)
، ومِن فِعله صلى الله عليه وسلم خروجه إلى عرفة، وقد كانت قريش ومن تبعها لا يخرجون، ولا يَشُكُّون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بخارج، وكذا غُدُوِّه عند إسفار النهار من مزدلفة إلى منى، وقد كانوا في الجاهلية ينتظرون أن تشرق الشمس، وغير ذلك كثير.
(4)
وعلى هذا القول جمهورُ المفسرين وأكثرهم
(5)
، واختاره الفراء (ت: 207)، وابن قتيبة (ت: 276)، والزجاج (ت: 311)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، والزمخشري (ت: 538)
(6)
، والرازي (ت: 604)، وقال:(واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة، إلا أن الوجه الأول- قول الجمهور- هو المُتعيّن، وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه، دائم التعظيم له، دائم الرجوع إليه في طلب مهماته، دائم الانقطاع عمَّن سواه)
(7)
، والآلوسي (ت: 1270)
(8)
.
* * *
(1)
أي: كِبْرَها. ينظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 154.
(2)
أخرجه أحمد 2/ 361 (8721)، وأبو داود 4/ 331 (5116)، والترمذي 5/ 734 (3955)، وهو حسن بشواهده، وينظر منها: جامع الترمذي 5/ 389 (3270)، وصحيح ابن حبان 9/ 137 (3828).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 3/ 327 (1218).
(4)
ينظر: صحيح مسلم 3/ 351 (1219)، والمسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية (ص: 211).
(5)
ذكر ذلك الثعلبي (ت: 427)، وابن عطية (ت: 546)، والقرطبي (ت: 671)، والرازي (ت: 604). ينظر: الكشف والبيان 2/ 114، والمحرر الوجيز 1/ 276، والجامع لأحكام القرآن 2/ 285، والتفسير الكبير 5/ 158.
(6)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 122، وتفسير غريب القرآن (ص: 73)، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 274، وتفسير القرآن العزيز 1/ 211، والوجيز 1/ 158، والكشاف 1/ 245.
(7)
التفسير الكبير 5/ 158.
(8)
روح المعاني 1/ 662.
[38]{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران 96].
عن خالد بن عرعرة
(1)
قال: سمعت عليًا وقيل له {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران 96]، هو أوَّلُ بيت كان في الأرض؟ قال:(لا، قال: فأين كان قوم نوح؟! وأين كان قوم هود؟! قال: ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً)، وفي لفظ:(ومن دخله كان آمِنًا)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
فَهِم السائلُ من الآية أن أوَّلَ بيت وُجِدَ على الأرض البيت الحرام بمكة، أخذًا بعموم لفظ الآية، فسألَ عليًّا رضي الله عنه عن هذا المعنى، فذكر له خَطَأَه، واستدل عليه بوجود بيُوت كثيرةٍ قبله، ومنها بيوت الأنبياء وأممهم، ثمَّ بَيَّنَ المعنى عنده، وقال:(ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً- وفي لفظ: ومن دخله كان آمِنًا-)، فهي أوَّلِيَّةٌ مَخصوصة لا عامَّة، واستُفيدَ هذا التخصيص من سبب نزول الآيات، وسياقها، وورود معناها في القرآن الكريم، ودلالة السنة عليه. فرُوي عن مجاهد (ت: 104)
(1)
خالد بن عرعرة التيمي الكوفي، تابعي ثقة. ينظر: الثقات، للعجلي 1/ 330، والجرح والتعديل 3/ 343.
(2)
أخرجه الأزرقي في أخبار مكة 1/ 61، وابن أبي شيبة في المصنف 7/ 252 (35799)، وابن جرير في تفسيره 4/ 11 (5861)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 708 (3829)، والحاكم في مستدركه 2/ 321 (3154)، والثعلبي في تفسيره 3/ 115، والبيهقي في الشعب 3/ 436 (3991)، والواحدي في الوسيط 1/ 466، والضياء في المختارة 2/ 60 (438). من طريق سِمَاك بن حرب، عن خالد بن عرعرة.
وإسناده صحيح لغيره، وصححه الحاكم. وله شاهد من طريق مجالد، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 707 (3827)، وابن المنذر في تفسيره 1/ 297 (716)، وعزاه ابن حجر في الفتح 6/ 470 لإسحاق، وصَحَّحَه.
قال: (تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مُهاجَر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل. فأنزل الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران 96])
(1)
. وفي تمام الآية، والآية بعدها، وصفٌ لهذا البيت المذكور في الآية، وهذه الأوصاف هي:{مُبَارَكًا} ، {وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ} ، {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} ، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} ، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران 96 - 97]، فهو بهذه الأوصاف: أول بيت مُباركٍ وُضِعَ للناس، وهو هُدىً للعالمين، وفيه آياتٌ بَيِّناتٌ؛ مَقامُ إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ويُحَجُّ إليه
(2)
، فهو على هذه الصفة أولُ بيت.
وهذه الآية جاريةٌ مجرى التعليل للأمر الوارد في الآية قبلها {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران 95]، وبيان ذلك (أن هذا البيت لَمَّا كان أوّل بيت وُضع للهُدى وإعلان توحيد الله؛ ليكون عَلَمًا مشهودًا بالحسِّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعًا لدلائل الحنفية، فإذا ثبت له شرفُ الأوّلية، ودوام الحُرمة على ممرّ العصور دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو ماثل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدلَّ على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المُراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران 19])
(3)
. وقد ورد في القرآن تسمية المساجد وأماكن العبادة بيوتًا، كما في قوله تعالى
(1)
ينظر: الكشف والبيان 3/ 114، وأسباب النُّزول (ص: 115)، ومعالم التنْزيل 2/ 69، وأخرج نحوه ابن المنذر 1/ 298، والأزرقي 1/ 75 بلاغًا عن ابن جريج (ت: 150)، وقال ابن حجر (ت: 852): (ذكر الثعلبي، وتبعه الواحدي، وابن ظفر عن مجاهد) ثم ذكره، وقال:(هكذا ذكره الثعلبي بغير إسناد، ولم أرَ له عن مجاهد ذِكرًا، وإنما ذكره مقاتل بن سليمان). العُجاب 2/ 717. وينظر: تفسير مقاتل 1/ 182.
(2)
ينظر: بدائع الفوائد 2/ 461.
(3)
التحرير والتنوير 4/ 11.
{أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [يونس 87]، وقوله {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور 36]، أي: المساجد. وقد دَلَّت السنة على هذا الوجه من الأوَّليَّة، ففي حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال:(سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوَّل مسجدٍ وُضِعَ في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثمَّ الأرض لك مسجدٌ، فحيثما أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ)
(1)
.
*
الحكم على الاستدراك:
قال الماوردي (ت: 450): (لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أوَّل بيت وضع للعبادة)
(2)
، ومستند هذا الاتفاق نصُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه في حديث أبي ذَرٍّ السابق، وإنما الخلاف بينهم في دلالة الآية على ذلك.
والمعنى الذي ذكره علي رضي الله عنه في هذه الآية هو الصواب معنىً وحِسًّا؛ فإن هذا المعنى لا يُناقض الواقع وحِسًّا، ويدُلُّ عليه سبب النُّزول، والسياق، والسنَّةُ النبوية، قال ابن حجر (ت: 852) عن حديث أبي ذَرٍّ السابق: (وهذا الحديث يُفَسر المُراد بقوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران 96])، ويدلُّ على أن المُراد بالبيت بيت العبادة، لا مُطلَق البيوت، وقد ورد ذلك صريحًا عن علي رضي الله عنه ثم ذكر الرواية السابقة
(3)
، وهذا نحو استدلال ابن جرير (ت: 310) على صحة هذا المعنى بحديث أبي ذر رضي الله عنه.
(4)
ومن وجوه ترجيح هذا المعنى، ما ذكره ابن عاشور (ت: 1393) عند هذه الآية،
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 469 (3366)، ومسلم في صحيحه 2/ 177 (520).
(2)
النكت والعيون 1/ 410.
(3)
فتح الباري 6/ 470.
(4)
جامع البيان 4/ 13.
إذ قال: (والذي أراه في التأويل: أن القرآن كتابَ دين وهُدىً، فليس غرضُ الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّليَّة في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى: أنه أوَّل بيت عبادة حَقَّة وُضِع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله {وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران 96]، المُقتَضي أنه من وَضعِ واضعٍ لمصلحة الناس؛ لأنه لو كان بيت سُكنى لقيل: وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بَعدُ؛ وهُما قوله {مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران 96]، وهذا تأويل في معنى بيت)
(1)
.
ولا دليل على حَمْل معنى الآيةَ على أنه أوَّل بيت وُضِعَ في الأرض للناس ولا بيت قبله
(2)
، ومن ذكر ذلك لم يَستَدِل بما يَصلُحُ في مُقَابَلةِ حديث أبي ذَرٍّ الصحيح الصريح، وغايتها آثارٌ عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس رضي الله عنهم، ومجاهد (ت: 104)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)
(3)
، لم تسلَم جُلُّ أسانيدها من ضَعفٍ، ولا مُتُونها من نَكارة، مع بُعدِها عن ظاهر الآية وسياقها.
(4)
واختار قول علي رضي الله عنه في الآية جمهور المفسرين
(5)
، وقال به الضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)، والنحاس (ت: 338)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)،
(1)
التحرير والتنوير 4/ 14. وينظر: التفسير الكبير 8/ 125.
(2)
واختاره ابن حجر الهيتمي المَكي (ت: 973)، وجعله ظاهر الآية، ونسبه لجمهور العلماء!. ينظر: المناهل العذبة (ص: 92)، ضمن مجموع: لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم (49).
(3)
ينظر: جامع البيان 4/ 12، وتفسير ابن المنذر 1/ 294.
(4)
ضَعَّف ابن كثير أثر عبد الله بن عمرو سندًا ومتنًا، وفي أثر ابن عباس رجلٌ مَتروك. وقال ابن عطية (ت: 546): (ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة، ومن تحديد ما بين خلقه وَدَحْوِ الأرض، ونحو ما قال الزجاج من أنه: البيت المعمور. أسانيدها ضعاف؛ فلذلك تركتها). المحرر الوجيز 1/ 474. وينظر: تفسير ابن كثير 2/ 736، والفتح السماوي 1/ 375.
(5)
ونسبه ابن عاشور (ت: 1393) للمُحَقِّقين، وجمهور أهل العلم. ينظر: التحرير والتنوير 4/ 13.
والزمخشري (ت: 538)، والرازي (ت: 604)، وابن جُزَيّ (ت: 741)
(1)
، وابن كثير (ت: 774)، وقال:(وزعم السُّدِّي أنه أوَّل بيت وُضِعَ على وجهِ الأرض مُطلَقًا. والصحيح قولُ علي)
(2)
.
* * *
[39]{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران 188].
عن علقمة بن وقاص
(3)
: (أن مروان
(4)
قال لبَوَّابِه: اذهب يا رافع
(5)
إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كلُّ امرئٍ فرِح بما أوتِيَ
(6)
، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ معذبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبيُ صلى الله عليه وسلم يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فَأَرَوْه أنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إليه بما
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 182، وجامع البيان 4/ 11، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 441، وتفسير القرآن العزيز 1/ 303، والكشف والبيان 3/ 115، والوجيز 1/ 224، والكشاف 1/ 378، والتفسير الكبير 8/ 127، والتسهيل 1/ 263.
(2)
تفسير القرآن العظيم 2/ 735، وينظر: البداية والنهاية 1/ 154.
(3)
علقمة بن وقاص بن محصن اللَّيثي المدني، ثقة ثبت، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات في زمن عبد الملك بن مروان بعد الثمانين. ينظر: الكاشف 2/ 278، وتهذيب التهذيب 3/ 142، والتقريب (ص: 689).
(4)
مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمية، أبو عبد الملك المدني، تولى على المدينة، ووَلِيَ الخلافة أواخر (64)، ومات سنة (65)، ولا تثبت له صُحبَة. ينظر: الكاشف 3/ 132، والتقريب (ص: 931).
(5)
رافعٌ هذا لَمْ يُسَمَّ، ولولا أنه مُعتَمَدٌ عند مروان ما قنع برسالته، قال ابن حجر (ت: 852): (لم أرَ له ذِكرًا في كتب الرواة، إلا بما جاء في هذا الحديث). فتح الباري 8/ 82.
(6)
بمعنى: أُعطِي، وهذا على قراءة السلمي، وسعيد بن جبير، والحسن:{أُوتُوا} بِضَمِّ الهَمزة والتاء، وبينهما واو ساكنة. وقراءة الجمهور {أَتَوا} ، بمعنى: عملوا. وقرأها أُبيّ {عَمِلُوا} ، وعليها جواب ابن عباس. ينظر: القراءات الشاذة، لابن خالويه (ص: 23)، وفتح الباري 8/ 83، والقراءات الشاذة وتوجيهها من لُغة العرب (ص: 38).
أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتَوْا من كِتْمَانِهِم. ثُمَّ قرأ ابنُ عباس {وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران 187]، كذلك حتى قوله {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران 188])
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
فَهِم مروانُ من هذه الآية العموم بحسب لفظها، فدخل فيها عنده كُلُّ من فرِح بما أوتِيَ، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ من المسلمين وغيرهم، فحمله ذلك على خوفِ ما فيها من الوعيد. فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنه سائلًا، فأخبره أن الآية مخصوصة باليهود، واستدل عليه بسبب نزولها الذي ذكره، وبسياق الآية، وهو قوله تعالى قبلها {وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران 187]، فالحديث في هذا السياق عن أهل الكتاب كما هو ظاهر.
*
الحكم على الاستدراك:
حاصِلُ أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود
(2)
، أو المنافقين
(3)
، ولفظ الآية صالحٌ لكلِّ ما يشمله خطابُها، وأولى المعاني دخولًا فيها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه؛ لدلالة السياق عليه، وعليه جمهور المفسرين
(4)
، ثُمَّ يَصِح
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 81 (كتاب 65 - التفسير، باب 16 {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا}، برقم: 4568)، ومسلم في صحيحه 6/ 267 (كتاب 50 - صفات المنافقين وأحكامهم، برقم: 2778).
(2)
ينظر: جامع البيان 4/ 272، والنكت والعيون 1/ 442، وزاد المسير (ص: 248).
(3)
كما في صحيح البخاري 8/ 81 (4567)، ومسلم 6/ 267 (2777)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 208، وجامع البيان 4/ 276، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 497، وتفسير القرآن العزيز 1/ 340، والوجيز 1/ 247، وتفسير السمعاني 1/ 378، والمحرر الوجيز 1/ 552، والبحر المحيط 3/ 143.
حمل الآية بعد ذلك على ما يشمله لفظها العام، كما ذكره الراغب الأصفهاني (ت: بعد 450)، والرازي (ت: 604)، وابن كثير (ت: 774)
(1)
، وابن رجب (ت: 795) وقال: (فهذه خصال اليهود والمنافقين .. ، ومن كانت هذه صفته فهو داخل في هذه الآية ولا بُدَّ)
(2)
، وابن حجر (ت: 852)، وابن عاشور (ت: 1393)
(3)
، وورد عن بعض السلف الاستدلال بعمومها.
(4)
وأظهر ما تكون هذه الصفات المذمومة- الواردة في الآية- في المنافقين بعد اليهود؛ ولذا حملها عليهم عدد من الصحابة رضي الله عنهم، كأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَديج.
(5)
ولا يُفهَم من قول ابن عباس رضي الله عنه: (ما لكم ولهذه الآية؟) منع القول بعمومها، وإنما أراد التنبيه على أولى معانيها وأقربها من حيث النُّزول والسياق، وقد تحمل عبارته على إنكاره عليهم قصر معنى الآية على ما ذكروه، أو تركهم لمَا هو أولى من المعنى
(6)
. وقد رَدَّ ابن مسعود رضي الله عنه على من منعَ عموم الآية، واشتمالها على من تحققت فيه هذه الصفات من هذه الأمة، فقال للرجل الذي قال: إن كَعبًا يَقْرأ عليك السلام، ويقول-وفي لفظ: ويُبَشِّرُكم- إن هذه الآية لم تنْزل فيكم: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران 188]. فقال ابن مسعود:
(1)
ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني 2/ 1036، والتفسير الكبير 9/ 108، وتفسير ابن كثير 2/ 822.
(2)
الفرق بين النصيحة والتعيير 2/ 414، ضمن مجموع رسائل الحافظ ابن رجب.
(3)
ينظر: فتح الباري 8/ 82، والتحرير والتنوير 4/ 193.
(4)
ينظر: السير 7/ 460.
(5)
ينظر: تفسير ابن وهب 2/ 37، وتفسير ابن كثير 2/ 823.
(6)
ذهب ابن الوزير (ت: 840) في إيثار الحق على الخلق (ص: 385) إلى أن المعنى في هذه الآية مقصورٌ على سببه الذي ذكره ابن عباس، وادعى في ذلك الإجماع، ولا يصِحُّ ما ادَّعاه؛ لِمَا سبق عن السلف والأئمة من صِحَّة العموم.
(وأنت فأقرئه السلام، وأخبروه أنها نزلت وهو يهودي)
(1)
، وجواب ابن مسعود هذا يومئ إلى منشأ خطأ كعب في قوله هنا، ويثير سؤالًا:
-
هل ليهودية كعبٍ الأولى أثرٌ في خطأِه في التفسير؟
الجواب: نعم، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود رضي الله عنه بعبارته السابقة، وبمثل قوله عن قولٍ بلغه عن كعب:(ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه)
(2)
، وليس مُراد ابن مسعود بيهودية كعبٍ النسبَ أو الدينَ، فإن ذلك لا أثر له هنا، فقد أسلم كعب وحَسُن إسلامه، وصار من علماء المسلمين، فليس المراد أنه إنما أخطأ لأنه يهودي
(3)
، وإنما أراد أمرًا آخر، هو بيان التفاوت في العلم بالقرآن وتأويله، فابن مسعود شهد التنْزيل، وعرف التأويل بوجوه لم تتيسر لكعب وغيره ممَّن جاء بعد الصحابة، ثم تَمَكُّن ابن مسعود في عربيَّتِه مما لا يخفى. كُلُّ ذلك في مقابل تأخر كعب عن زمن التنْزيل، وغياب وجوهٍ من التأويل عنه وعن غيره ممَّن لم يظفر بشرف الصحبة- كالعلم بسبب النُّزول، وحال من نزل فيهم القرآن-، وكذلك علمه الواسع
(1)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 83)، وعنه ابن جرير في تفسيره 4/ 267 (6655)، وإسناده صحيح. وينظر: الدر 2/ 375.
(2)
جامع البيان 22/ 174.
(3)
لم يكن من هدي السلف رَدُّ أخبارِ أهلِ الكتاب لأنهم أهلُ كتاب، بل كانوا يقبلون الحق ممَّن جاء به، ثُمَّ يردُّون ما في هذه الأخبار ممَّا خالف الحق، وفيما يخصُّ التفسير هنا يُتَنَبَّه إلى أنه ليس من الصواب رَدُّ الإسرائيليات الواردة في كتب التفسير وإخراجها منها لأنها إسرائيليات، بل يُنظَر في هذه الأخبار فيَقَرُّ صوابها، ويبَيَّن خطؤُها، ويستفاد مما فيها من صواب وافق ما عندنا من الحق أو لم يخالفه، وعلى هذا نَهج أئمة المفسِّرين في تصانيفهم في كل زمان، فلا يكاد يخلو كتابٌ من كتب التفسير- غير المُختَصرَة- من إيراد هذه الأخبار والاستفادة منها، والأخذ بالرُّخصة النبوية في ذلك. ينظر: المحرر الوجيز 1/ 337، ومجموع الفتاوى 13/ 345، وتلخيص كتاب الاستغاثة 1/ 80، وتفسير ابن مسعود 69 - 77، والإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري الرواة .. الموضوعات .. المقاصد، لنايف الزهراني، طبع مركز تكوين.
بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، الذي رُبَّما كان ضارًّا بالمعنى إذا تجاوز به صاحبه الضوابط الشرعية المُبَيِّنة لوجوه الاستفادة من هذه الأخبار.
* * *
[40]{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة 37].
عن عمرو بن دينار
(1)
قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- بأُذُني هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه-: يخرج الله قومًا من النار فيدخلهم الجنة. فقال له رجل
(2)
: إن الله يقول {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة 37]؟ فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة 36 - 37]، هذه للكفار)
(3)
.
(1)
عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجُمَحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة (126). ينظر: الكاشف 2/ 328، والتقريب (ص: 734).
(2)
هو يزيد بن صهيب الفقير، كما في رواية ابن مردويه واللالكائي، وستأتي قصة مجادلته كاملة كما هي عند مسلم.
(3)
أخرجه مطولًا ابن حبان في صحيحه 16/ 526 (7483)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه كما ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 1167، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 6/ 1163 - 1167 (2046، 2054). وأصله مُختصرًا عند مسلم في صحيحه 1/ 417 (كتاب 1 - الإيمان، باب 84 - إثبات الشفاعة وآخر أهل الجنة دخولًا، برقم: 317)، والحميدي في مسنده 2/ 523 (1245)، وأحمد في مسنده 3/ 381 (15118)، وابن أبي عمر العدني، كما ذكره ابن مندة في الإيمان 2/ 826 وصححه، والآجري في الشريعة 2/ 159 (853)، والبيهقي في السنن 10/ 191 (20566).
*
تحليل الاستدراك:
فهم الرجل من هذه الآية أن من دخل النار لا يخرج منها، ولو كان من المسلمين، فهي عامَّة عنده في كل داخل فيها، واستفاد هذا العموم من لفظ الآية {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة 37]، أي: أهلها. كما قوَّاه تقديم ضمير الفصل المفيد للتخصيص والتأكيد. فأبطل جابر رضي الله عنه هذا الفهم، وبين أن هذا الخلود في هذه الآية وما شابهها خاصٌّ بالمشركين، فلا يُخَلَّد أحدٌ من أهل التوحيد في النار، بل يخرجون منها بالشفاعة وغيرها. واستدل على ذلك بسياق الآية قبلها، وأنها في الكفار. وبيَّن للرجل سبب خطئِه في فهم هذه الآية، فقال له:(إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا)، وهذه سِمةُ أهل البدع في فهم نصوص الوحي، وقد كان هذا الرجل على مذهب الخوارج، فرجع عنه بعد جواب جابر رضي الله عنه.
*
الحكم على الاستدراك:
كثيرًا ما جادل الخوارجُ صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما تصدى الصحابة رضي الله عنهم لشبهاتهم بالكشف والبيان، وممَّن اشتهر بذلك علي بن أبي طالب، وابنُ عباس، وجابرٌ رضي الله عنهم، وقد سُئِلَ جابر عن كثيرٍ من شبهات الخوارج، واستدلالاتهم في غيرما موقف، ومن هذه المواقف: ما رواه يزيد الفقير
(1)
قال: (كنت قد شغفني رأيٌ من رأْي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم- جالس إلى سارية- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟! والله يقول {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
(1)
يزيد بن صهيب الكوفي، أبو عثمان الفقير؛ لأنه كان يشكو من فقار ظهره، ثقة. ينظر: الكاشف 3/ 280، والتقريب (ص: 1077).
أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران 192]، و {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة 20]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام يعني الذي يبعثه الله فيه-؟
(1)
قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعَتَ وضْعَ الصراط، ومَرَّ الناسِ عليه، قال: وأخافُ أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس. فرجعنا قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد)
(2)
، وعن طلق بن حبيب
(3)
(ت: بعد 90) قال: (كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيتُ جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كلَّ آيةٍ ذكَرَ الله عز وجل فيها خلودَ أهل النار، فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله مني؟ وأعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فاتَّضَعْتُ له، فقلت: لا والله، بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة نبيِّه مني. قال: فإن الذي قرأتَ أهلُهَا هُمُ المشركون، ولكن هؤلاء أصابوا ذنوبًا فعُذِّبُوا بها، ثم أُخرِجُوا من النار، صُمَّتَا- وأهوى بيديه إلى أذنيه- إن لم أكن سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا. ونحن نقرأُ ما تَقرأ)
(4)
، وعن عمرو بن دينار (ت: 126) قال: (قدم علينا جابرُ بن عبد الله في عُمْرَة، فانتهيت إليه أنا وعطاء، فقلت:
(1)
مُراده قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء 79].
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 417 (320).
(3)
طَلْق بن حبيب العَنَزِي البصري، صدوق عابد، مات (بعد 90). ينظر: الكاشف 2/ 46، والتقريب (ص: 465).
(4)
أخرجه ابن الجعد في مسنده 1/ 486 (3384)، وأحمد في مسنده 3/ 330 (14574)، والبخاري في الأدب المفرد 1/ 285 (818)، والبيهقي في شعب الإيمان 1/ 294 (323)، وابن مردويه كما في الدر 3/ 69، وإسناده حسن.
{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة 167]. قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار. قلت لجابر: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران 192]، قال: ومَا أَخْزَاه حين أَحْرقَه بالنار! وإنَّ دُون ذلك لَخِزْيًا)
(1)
، وفي هذا الخبر نَصٌّ نبوي على تخصيص الآية في الكفار. وقد انحرفت المعتزلة في هذه الآية- ونحوها من النصوص- انحرافَ الخوارج قبلهم، فعن سفيان بن عيينة
(2)
(ت: 198) - بعدما روى حديث جابر هذا- قال: (قدم عمرو بن عبيد
(3)
ومعه رجل تابعٌ له على هواه، فدخل عمرو بن عبيد الحِجْر يصلي فيه، وخرج صاحبُه على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال له: يا ضالّ، أما كنت تخبرنا أنه لا يخرج أحدٌ من النار؟! قال: بلى. قال: فهو ذا عمرو بن دينار يذكر أنه سمعَ جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج قومٌ من النار فيدخلون الجنة)، قال: فقال عمرو بن عبيد: هذا له معنىً لا تعرفه. قال: فقال الرجل: وأيُّ معنىً يكون لهذا؟! قال: ثم قلب ثوبه من يومه وفارقه)
(4)
.
وتفسير جابر رضي الله عنه لهذه الآية هو الحق الموافق لنصوص الشرع- ومنها أحاديث الشفاعة السابقة-، وقد رفعَ جابر تفسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق، وهو
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 4/ 280 (6663)، والحاكم في مستدركه 2/ 328 (3173)، وإسناده ضعيف. وفي طبعة الحلبي لتفسير ابن جرير:(وما إخزاؤه)، ولا يستقيم، وتصويبه من الدر 2/ 383:(وما أخزاه!) على التعجب. وينظر: طبعتي محمود شاكر 7/ 479، والتركي 6/ 313.
(2)
سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ إمام حُجَّة، أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات سنة (198). ينظر: الكاشف 1/ 379، والتقريب (ص: 395).
(3)
عمرو بن عبيد بن باب التميمي مولاهم، أبو عثمان المعتزلي القدري، أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء، وزوَّجَه أختَه، ودعا إلى مذهبه، مات سنة (143). ينظر: تاريخ بغداد 12/ 166، وميزان الاعتدال 5/ 329.
(4)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة 6/ 1163 (2048)، وتاريخ بغداد 12/ 177.
الموافق لسياق الآية، وبه أجاب ابنُ عباس رضي الله عنه نافعَ بن الأزرق عندما قال نافع: تزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة 37]؟ فقال ابن عباس:(ويحك، اقرأ ما فوقها، هذه للكُفَّار)
(1)
. ولا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية ونحوها من النصوص لا تنافي القول بالشفاعة في عُصاة المؤمنين لخروجهم من النار.
(2)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: عناية الصحابة رضي الله عنهم في فهم القرآن وتفسيره بالسياق، واعتمادهم عليه بصورة واضحة في ردّ الأقوال الباطلة، والشاذَّة عن سياق الآية. ويوضح ذلك بجلاء استدلالات جابر رضي الله عنه في رد شبهات الخوارج حول الآيات بسياقها، وفي بعض روايات يزيد الفقير قال:(كنت عند جابر بن عبد الله فذكروا الخوارج .. ، فردَّ علينا جابر ذلك، فجعلَ يقرأ آيةً أوَّلها كُفر، وآخِرَها كُفر)
(3)
.
ثانيًا: معرفة بذور الانحراف في التفسير وبداياته، وأثر الانحراف العقدي في ذلك.
(1)
جامع البيان 6/ 310 (9305). وقد رَدَّ الزمخشري هذا الخبر، وتَهَكَّمَ به على أهل السنة؛ مُتَوَصِّلًا بذلك إلى إثبات تخليد كلِّ داخل في النار، على مذهب المعتزلة، قال الآلوسي (ت: 1270) عن هذه القصة: (حكاها الزمخشري، وشَنَّعَ إثرها على أهل السنة، ورماهم بالكذب والافتراء، فحقق ما قيل: رمتني بدائها وانسَلَّت. ولسنا مُضطرِّين لتصحيح هذه الرواية، ولا وَقَفَ الله تعالى صحةَ العقيدةِ على صحتها، فكم لنا من حديث صحيح شاهد على حقيقة ما نقول، وبطلان ما يقوله المعتزلة). روح المعاني 6/ 411، وينظر: الانتصاف 1/ 617، والبحر المحيط 3/ 488، وفتح القدير 2/ 56.
(2)
ينظر: سنن الترمذي 4/ 361، وشعب الإيمان 1/ 293 (322)، وجامع البيان 6/ 310، والوسيط 2/ 148، والبحر المحيط 3/ 488، وتفسير ابن كثير 3/ 1167، والدر المنثور 3/ 68، وروح المعاني 6/ 411.
(3)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة 6/ 1166 (2052).
ثالثًا: الوقوف على أبرز أسباب الغلط في التفسير، وهو: تعميم الخاص من النصوص، وهو تَحَكُّمٌ يبعث عليه الجهل والهوى، وقد عبَّر عنه جابر رضي الله عنه بقوله:(إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا). وقال ابن
أبزى رضي الله عنه لمَّا جاءه رجلٌ من الخوارج يقرأ عليه {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} [الأنعام 1]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدها. وورد نحوه عن علي رضي الله عنه.
(1)
* * *
[41]{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر 9].
عن الأسود بن هلال
(2)
قال: (جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر 9]، وأنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء. فقال عبد الله: ذَكَرتَ البخل، وبئس الشيء البخل، وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)
(3)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 7/ 193، والدر المنثور 3/ 225.
(2)
الأسود بن هلال المُحاربي، أبو سلام الكوفي، مخضرم ثقة جليل، مات سنة (84). ينظر: الكاشف 1/ 132، والتقريب (ص: 146).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 5/ 332 (26611)، وابن جرير في تفسيره 28/ 56، 162 (26247، 26510)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 8/ 3482، والطبراني في الكبير 9/ 218 (9060)، والحاكم في المستدرك 2/ 532 (3815)، والبيهقي في الشعب 7/ 426 (10841)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 103 للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه. من طريق جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود رضي الله عنه. وعنه، عن أبي الشعثاء، عن ابن مسعود، أخرجه الخطابي في بيان إعجاز القرآن (ص: 30)، والثعلبي في تفسيره 9/ 280. وعن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير في تفسيره 28/ 56 (26246).
وإسناده صحيح. وصححه الحاكم.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا ظَنَّ هذا السائل أن البخلَ والشُّحَّ شيءٌ واحد بقوله: (أنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء)، خاف أن يفوته من الفلاح الموعود به في الآية بمقدار ما به من البخل، فشكا إلى ابن مسعود رضي الله عنه ما خافه من الهلاك بسبب بُخله، فبيَّنَ له ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ ما وصف به نفسه هو: البخل، وليس الشُّح، (وبئس الشيء البخل)
(1)
، ثم فَرَّق ابن مسعود رضي الله عنه بينهما، فذكر أن البخل: إمساك المال عن النفقة في وجهه. وهو ما وصف الرجل به نفسه بقوله: (لا يكاد يخرج مني شيء). وذكر بعد ذلك الشُّحَّ، وبيَّنه بقوله:(أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، فالشُّحُّ عند ابن مسعود رضي الله عنه هو: أكل مال غيرك ظلمًا. وهو المُراد عنده في هذه الآية، وفي غيرها ممَّا ذُكر فيها الشُّح، حيث قال:(وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد .. ). فجَعَلَ الرجلُ البُخلَ والشُّحَّ شيئًا واحدًا، لاشتراكهما في المنع، وفرَّقَ بينهما ابن مسعود رضي الله عنه اعتمادًا على اللغة، وما يشهد لذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي.
(1)
نقل ابن القيم إجماع المفسرين على أن الفحشاء في قوله تعالى {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} [البقرة 268]: البخل. طريق الهجرتين (ص: 554). وقال ابن مُبَشر (ت: 258): (قعدت مع أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، والناس مُتوافرون، فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلًا صالحًا بخيلًا). طبقات الحنابلة 1/ 138.
*
الحكم على الاستدراك:
إن عِلْمَ ابن مسعود الهُذَلي رضي الله عنه بلغة العرب، ودقيق معاني ألفاظها، مِمَّا لا يخفى على مُطالعٍ لعلمه وسيرته، وقد فَرَّق رضي الله عنه هنا بين البخل والشُّح، وهذا التفريق صحيحٌ موجود في كلام العرب، فلكُلِّ لفظ في كلامهم معنىً ينفرد به عن الآخر، وإن تقارب المعنيان وتشاكلا في استعمال الناس. قال صاحب كتاب "العين":(الشُّحُّ: البخل، وهو الحرص)
(1)
، وقال الأصمعي
(2)
(ت: 216): (رجلٌ شحيحٌ: إذا كان مع شِدَّة بُخلِه حريصًا)
(3)
، وقال النحاس (ت: 338): (والمعروف في كلام العرب أن الشُّحَّ أَزْيَدُ من البخل، وأنه يُقال: شَحَّ فلانٌ يَشِحُّ، إذا اشتدَّ بُخلُه، ومنع فضل ماله، كما قال
(4)
:
ترى اللَّحِزَ
(5)
الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّت
…
علَيه لِمَالِه فيها مُهِينا)
(6)
.
وفي الجمع بين هذه التعاريف يقول ابن فارس (ت: 395): (الشِّين والحاءُ الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع حرص. من ذلك الشُّحُّ، وهو: البخل مع حرص)
(7)
.
(1)
/ 311. ومثله في: تهذيب اللغة 3/ 255.
(2)
عبد الملك بن قريب الأصمعي، إمام اللغة والغريب، أخذ عن أبي عمرو، وصَنَّف: غريب القرآن، والفَرْق، والأضداد، وغيرها، توفي سنة (216). ينظر: أخبار النحويين البصريين (ص: 72)، وبغية الوعاة (ص: 112).
(3)
بواسطة: فقه اللغة وسر العربية (ص: 184). وهو تعريف الثعالبي كذلك. ينظر: (ص: 61).
(4)
القائل عمرو بن كلثوم. ينظر: ديوانه (ص: 52).
(5)
من مراتب البخل، ونقل الثعالبي عن أبي عمرو أنه: ضيق النَّفْس مع شِدَّة البخل. ينظر: فقه اللغة (ص: 184). ومعنى البيت: ترى ضَيِّق الصَّدر البخيل مُهينًا لماله فيها- أي: الخمر- إذا أُمِرَّت عليه.
(6)
إعراب القرآن 4/ 262.
(7)
مقاييس اللغة 1/ 609. وينظر: الصَّحاح 1/ 378، والزاهر، لابن الأنباري 2/ 71، والفروق اللغوية (ص: 200).
وهذا الفرق بين البُخلِ والشُّحِّ في كلام العرب هو الذي ذكره ابن مسعود رضي الله عنه؛ فقوله في البخل واضحٌ لا إشكال فيه، وقوله في الشُّحِّ:(أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، هو تفسير له بِلازِمه، لا بما يُطابِقُه؛ فإن الشَّحيحَ بَخيلٌ في نفسه، حريصٌ على ما عند غيره، وهو ما يستتبع ظلم الناس، وأكلَ أموالهم بالباطل. وقد جاء هذا المعنى صريحًا عن ابن عمر رضي الله عنه بقوله:(ليس الشَّحيحُ أن يمنعَ الرجلُ مالَه، ولكنه البخل، وإنه لشر، إنما الشُّحُّ أن تطمحَ عينُ الرجل إلى ما ليس له)
(1)
، وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه:(الشُّحُّ أشد من البخل؛ لأن الشَّحيح يشِحُّ على ما في يديه، فيَحْبِسه، ويَشِحُّ على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه)
(2)
.
ويشهد لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ؛ فإن الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم)
(3)
، فمآلُ الشُّحِّ المذكور في هذا الحديث، هو مآلُهُ الذي ذكره ابن مسعود رضي الله عنه في تفسيره للآية. وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أنه كان يطوف بالبيت يقول:(اللهم قِنِي شُحَّ نفسي)، لا يزيد على ذلك، فقيل له، فقال:(إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي لم أسرقْ، ولم أزنِ، ولم أفعلْ شيئًا)
(4)
.
وهذا المعنى هو المشهور عن مفسري السلف فمن بعدهم، قال سعيد بن جبير (ت: 94) في معنى الشُّحّ: (إدخال الحرام، ومنع الزكاة)
(5)
، وقال طاووس (ت: 106):
(1)
عزاه السيوطي في الدر 8/ 103 لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.
(2)
عزاه السيوطي في الدر 8/ 103 للخرائطي في «مساوئ الأخلاق» .
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 104 (2578)، وينظر: المُفْهِم 6/ 557.
(4)
جامع البيان 28/ 56 (26248)، وينظر: تفسير ابن كثير 8/ 3482.
(5)
عزاه السيوطي في الدر 8/ 103 لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشُّحُّ أن يَشِحَّ على ما في أيدي الناس)
(1)
، وقال ابن زيد (ت: 182) في قوله تعالى {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر 9]: (من وُقِيَ شُحَّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يَدْعُهُ الشُّحُّ أن يحبسَ من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين)
(2)
، وقال ابن عيينة (ت: 198): (الشُّحُّ: الظلم، وليس الشُّحُّ أن تبخل بما في يدك؛ لأن الله تعالى يقول {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ} [محمد 38])
(3)
، وقال الليث
(4)
(ت: 175): (الشُّحُّ ترك الفرائض، وانتهاك المحارم)
(5)
. وهذا المعنى هو الأوفق للسياق، فإن الآيات في سورة الحشر في سياق مدح الأنصار، والثناء عليهم، ونفْيُ الشُّحِّ أبلغ من نفي البخل، فإنه نفيٌ للبخل وزيادة، قال الواحدي (ت: 468): (قال المفسرون: يعني أن الأنصار مِمَّنْ وُقِيَ الشُحَّ حين طابت أنفسُهُم عن الفيء)
(6)
.
وعلى هذا المعنى الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه جمهور المفسرين، وعامَّة اللغويين، قال ابن جرير (ت: 310) بعد أن ذكر معنى الشُّحِّ لُغَةً: (وأمَّا العلماء فإنهم يرون أن الشُّحَّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حَقّ)
(7)
، وقال النحاس (ت: 338): (وأهل التفسير على أن الشُّحَّ أخذ المال بغير حَقّ)
(8)
، وقال به الفراء
(1)
عزاه السيوطي في الدر 8/ 103 لابن المنذر.
(2)
جامع البيان 28/ 57 (26251).
(3)
تفسير غريب القرآن (ص: 402)، وتفسير السمعاني 5/ 455، وتفسير سفيان بن عيينة (ص: 333).
(4)
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة (175). ينظر: السير 8/ 136، وتهذيب التهذيب 3/ 481.
(5)
تفسير ابن وهب 2/ 158.
(6)
الوسيط 4/ 275.
(7)
جامع البيان 28/ 56.
(8)
إعراب القرآن 4/ 262.
(ت: 207)، وابن الجوزي (ت: 597)، ونسبه للمفسرين، والرازي (ت: 604)، وابن جُزيّ (ت: 741)، وابن القيم (ت: 751)، وابن رجب (ت: 795)
(1)
.
ومن فَسَّر الشُّحَّ بالبخل، كالسمرقندي (ت: 375)، وابن العربي (ت: 543)، لم يُراعوا هذا الفرق، قال ابن العربي (ت: 543): (كل حَرفٍ يُفَسَّر على معنيين، أو معنىً يُعَبَّر عنه بحرفين، يجوز أن يكون كلُّ واحد يوضَع موضِعَ صاحبه جمعًا أو فرقًا، وذلك كثير في اللغة، ولم يَقُم هاهنا دليل على الفرق بينهما)
(2)
، وقد تَقَدَّمَ دليل الفرق بينهما في كلام ابن مسعود، وابن عمر، وأئمة اللغة.
وأمَّا قول الآلوسي (ت: 1270) بعدما ذكر قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، وآثار السلف السابقة:(ولم أرَ لأحدٍ من اللغويين شيئًا من هذه التفاسير للشُّح)
(3)
، فلا يُسَلَّم؛ إذ قد وردت هذه التفاسير عن صحابِيَّين جليلين، وعن كبار أتباع التابعين بعدهم، وكُلُهم من مصادر اللغة ومعادنها، كما ورد نحو تفاسيرهم عن الفراء (ت: 207) حيث قال: ({وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر 9]، يُقال: من أدَّى الزكاة فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه)
(4)
، والعادة من أهل اللغة تفسير الألفاظ بحدها المطابق، لا على المعنى من اللزوم، والتمثيل، وسبب النُّزول ونحوه، وتفسير السلف هنا في مُجْمَله تفسيرٌ على المعنى، لا على اللفظ، كما هي عادتهم، وأكثر شأنِهم فيه.
(1)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 3/ 161، وتهذيب اللغة 3/ 255، وزاد المسير (ص: 1417)، والتفسير الكبير 29/ 250، والتسهيل 4/ 207، والوابل الصَّيِّب (ص: 75)، وشرح حديث (لبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك) (ص: 128)، وشرح وبيان لحديث (ما ذئبان جائعان) (ص: 31)، والكُلِّيَّات (ص: 242).
(2)
أحكام القرآن 4/ 164.
(3)
روح المعاني 28/ 344.
(4)
معاني القرآن 3/ 161.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
ملاحظة أن أكثر طريقة السلف في التفسير: التفسير على المعنى
(1)
، ومنه التفسير بالمثال، وباللازم، كما هو تفسير ابن مسعود رضي الله عنه هنا، قال ابن تيمية (ت: 728): (فإن منهم- أي: مُفَسِّري السلف- من يُعَبرُ عن الشيء بلازِمِه ونظيره، ومنهم من يَنُصُّ على الشيءِ بِعينه)
(2)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (السَّلَف كثيرًا ما يُنَبِّهون على لازم معنى الآية، فيظُنُّ الظانُّ أن ذلك هو المُراد منها)
(3)
، واعتناء السلف في التفسير بهذه الطريقة، وإكثارهم منها، له أسبابه ودواعيه، ومنها:
أولًا: مناسبة الزمان والمكان، ففي عصرهم لم يكن يخفى على مجموعهم معاني ألفاظ القرآن، أو أساليبه في البيان، فهم أهل اللسان الذي نزل به.
ثانيًا: مناسبة المقام، فالمناسب في مقام السؤال، غير ما يناسب في مقام العرض والبيان، فربما اقتصروا من البيان على سؤال السائل، أو ما يعلمه، أو ما كان مشهورًا في زمنه
(4)
، قال الشاطبي (ت: 790) في تفسير سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لقوله تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف 5]، بأنهم الحرورية:(وإنما فَسَّرها سعد رضي الله عنه بالحرورية؛ لأنه إنما سُئِلَ عنهم على الخصوص، لأنهم أوّل من ابتدع في دين الله، فلا يقتضي ذلك تخصيصًا)
(5)
، وقال أيضًا: (كما قاله القاضي إسماعيل في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام 159]، بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج. وكأن القائل بالتخصيص- والله أعلم- لم يَقُلْ به بالقصد الأول،
(1)
هو: بيان المُراد بالآية، ولو بغير اللفظ المطابق، دون النظر إلى تحرير ألفاظها لُغَةً. ينظر: الاستدلال في التفسير (ص: 85).
(2)
مجموع الفتاوى 13/ 369. وينظر منه: 13/ 335.
(3)
إعلام الموقعين 2/ 293. وينظر: إعلام الموقعين 2/ 284، والصواعق المُرسلة 2/ 699.
(4)
ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 176.
(5)
الاعتصام (ص: 49).
بل أتى بمثال ممَّا تتضمنه الآية، كالمثال المذكور؛ فإنه موافق لِمَا كان مُشتَهِرًا في ذلك الزمان، فهو أولى ما يُمَثَّلُ به، ويبقى ما عداه مسكوتًا عن ذكره عند القائل به، ولو سُئِلَ عن العموم لَقال به، وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع، إنما تحصل على التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران؟ ثُمَّ نُزِّلَت على الخوارج حسبما تقَدَّم، إلى غير ذلك ممَّا يُذكَر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة، لا بحسب ما يقتضيه اللفظ لُغَةً. وهكذا ينبغي أن تُفهَمَ أقوالُ المفسرين المُتقَدِّمين، وهو الأولى لمناصبهم في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة)
(1)
.
ثالثًا: مراعاة حال المُخاطَب، ومنْزلته في العلم والفهم، فبيان المعنى لأهل العلم وطلابه، يختلف عن بيانه لعامة الناس، وقد اشتهر عن السلف تقريب معاني كلام الله تعالى للناس بأيسر سبيل، وأوضح دليل، حتى أنهم ربما ذكروا للناس من واقعهم ما يُفسرون به القرآن، ومنه قول الأعمش (ت: 148) رحمه الله عند قوله تعالى {اهْبِطُوا مِصْرَ} [البقرة 61]- بلا تنوين-: (هي مصر التي عليها صالح بن علي)
(2)
. وكذا استشهادهم لكثير من الآيات على ما استجَدَّ في واقعهم، وتفسيرها به، كتفسيرهم عددًا من الآيات بالخوارج، والحرورية، والإباضية، والقدرية، وكُلُّها فِرقٌ حدثت أو برزت بعد زمن التنْزيل.
(3)
قال ابن جرير (ت: 310): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى
(1)
الاعتصام (ص: 78)، وينظر: المحرر الوجيز 1/ 84.
(2)
أخرجه ابن أبي داود في المصاحف 1/ 302. وينظر: الدر 1/ 163.
(3)
ينظر في التمثيل لذلك: نقض الدارمي على المريسي 1/ 582، وجامع البيان 3/ 242، و 4/ 55، 88، و 16/ 42، و 21/ 70، 134، و 28/ 110، و 24/ 104. وعن أثر بيئة المفسر في التفسير ينظر: في ظلال القرآن 6/ 3978.
فهم سامعيه)
(1)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (إن اللسان له موقع من الدين، والعبارة المَرضِيَّة مندوبٌ إليها، كما أن التعَمُّقَ منهيٌّ عنه)
(2)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد)
(3)
.
* * *
[42] {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّ
اسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44].
عن أبي البَختَري
(4)
قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات {وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 47]، قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل. قال: (نِعْمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل!؛ إن كان لهم كل مرّة، ولكم كل حلوة، كلا والله لتَسْلُكُنَّ طريقَهم قَدْرَ الشِّراك)
(5)
.
(1)
جامع البيان 17/ 16.
(2)
تنبيه الرجل العاقل 1/ 271.
(3)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 216).
(4)
سعيد بن فيروز الطائي مولاهم، أبو البَخْتَري الكوفي، من علماء التابعين وقرَّائهم، ثقة ثبت، توفي سنة (82) وقيل (83). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 505، والسير 4/ 279.
(5)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 101)(244)، ووكيع في أخبار القضاة 1/ 39، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 19 (714)، وابن جرير في تفسيره 6/ 343 (9406)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1143 (6430). من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل رضي الله عنه. وعنه، عن أبي البَختَري. وأخرجه المروزي في السنة (ص: 25) (65)، والحاكم في المستدرك 2/ 342 (3218)، من طريق جرير بن حازم، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، به.
وإسناده صحيح؛ وصححه الحاكم، وحبيب مدلس وقد عنعن، وكذا الأعمش غير أن تدليسه مُحتَمَل، كما في طبقات المدلسين (ص: 7، 23).
*
تحليل الاستدراك:
في سؤال السائل عن هذه الآيات تخصيص لها في بني إسرائيل، ومآخِذُ هذا التخصيص هي: أولًا: سبب النُّزول، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (مُرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي مُحَمَّمًا
(1)
مَجْلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرَّجم؛ ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فَرُجم، فأنزل الله عز وجل {* يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة 41]، إلى قوله {إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} [المائدة 41]، يقول: ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى {وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، {وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة 45]، {وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة 47]، في الكفار كلها)
(2)
. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنها نزلت في حَيَّي يهود في المدينة؛ بني النضير وبني قريظة، إذ كانت الأولى تشرف وتعتز على الثانية فلا تتساويا في الدية، فعَزَّت الثانية بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمه، فتحاكمتا
(1)
التحميم: تسويد الوجه بالحُمَم، وهو الفحم. ينظر: شرح النووي على مسلم 4/ 353.
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 352 (1700)، وقريبٌ منه عند البخاري في صحيحه 12/ 172 (6841)، ومسلم في صحيحه 4/ 351 (1699)، عن ابن عمر رضي الله عنه.
إليه، فحملهم على الحق في ذلك سواء، فنَزلت الآيات.
(1)
وهذان السببان هما أصح ما ورد، ولا يمتنع نزول الآية فيهما جميعًا
(2)
، والتناسب واضح بين سبب النُّزول وسياق الآية الآتي ذكره، وأنه في اليهود.
ثانيًا: سياق الآيات، فقبلها قوله تعالى {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة 41]، وقوله {لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة 44]، فعاد الضمير عليهم، وبعدها قوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة 45]، وهذا الضمير لليهود بإجماع.
(3)
وقد أجاب حذيفة رضي الله عنه بما يفيد رَدّه لهذا التخصيص، وأنها شاملة لغيرهم من هذه الأمة
(4)
، ومأخذ العموم في الآية عموم لفظها؛ إذ صُدِّرت بلفظ "من"، وهي من أبلغ صيغ العموم، فتشمل كلَّ من انطبق عليه شرطها. وكذلك سياقها في قوله تعالى قبلها {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة 44]، على أن الخطاب للمؤمنين
(5)
. وكذا خطابُ النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومنه قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ
(1)
أخرجه أبو داود 4/ 168 (4494)، والنسائي 8/ 18 (4732 - 4733)، وأحمد 1/ 246 (2212)، والسياق مختصر من لفظه، وإسناده صحيح، ورَوَى نحوه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (196) (ص: 141).
(2)
تفسير القرآن العظيم 3/ 1178.
(3)
ينظر: إعراب القرآن، للنحاس 1/ 269، وملاك التأويل 1/ 398.
(4)
هذا هو الأظهر في معنى كلامه: أنها عامة، ينظر: بحر العلوم 1/ 439، والمحرر الوجيز 2/ 196، وتوضحه رواية المروزي:(فقال رجل: إنما هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة: كلا والذي نفسي بيده)، ويشهد له ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس قال:(نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حلو فهو لكم، وما كان من مُرٍّ فهو لأهل الكتاب. كأنه يرى أن ذلك في المسلمين). الدر المنثور 3/ 83. وقد جعله ابن جرير وتبعه ابن كثير ضمن أقوال من خَصَّها بأهل الكتاب. ينظر: جامع البيان 6/ 342، وتفسير القرآن العظيم 3/ 1178.
(5)
ينظر: مدارج السالكين 1/ 588.
الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة 41]، وقوله {فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة 42]، وقوله تعالى بعدها {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة 48].
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب البراء بن عازب، وابن عباس رضي الله عنهم
(1)
، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة
(2)
(ت: 94)، وأبو رجاء العُطَاردي
(3)
(ت: 105)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وأبو مجلَز
(4)
(ت: 106)، وقتادة (ت: 117)، وأبو صالح (ت: 121)
(5)
، إلى أن هؤلاء الآيات خاصة في اليهود، واختاره ابن جرير (ت: 310)، والقصَّاب
(6)
(ت: 360)، والنحاس (ت: 338)
(7)
، واحتجوا كما سبق بسبب النُّزول، وسياق الآيات. غير أن سبب النُّزول والسياق إنما يَمْنَعان العموم عند عدم القرائن
(8)
، وقد دَلَّ على العمومِ في هذه الآياتِ دلائلُ منها:
(1)
من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، وإسناده ضعيف. ينظر: سنن سعيد بن منصور 4/ 1485، والدر المنثور 3/ 83.
(2)
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت، مات سنة (94). ينظر: السير 4/ 475، والتقريب (ص: 640).
(3)
عمران بن ملحان، أبو رجاء العُطَاردي، مخضرم مُعَمِّر ثقة، مات سنة (105). ينظر: السير 4/ 253، والتقريب (ص: 752).
(4)
لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي، أبو مِجلَز البصري، تابعي ثقة، مشهور بكنيته، مات سنة (106). ينظر: الكاشف 3/ 247، وتهذيب التهذيب 4/ 335.
(5)
ينظر: جامع البيان 6/ 342، وزاد المسير (ص: 386)، وتفسير ابن كثير 3/ 1178.
(6)
محمد بن علي بن محمد الكَرَجيّ، أبو أحمد القَصَّاب؛ لكثرة ما قتل في مغازيه، إمام حافظ، صَنَّفَ: نكت القرآن، والسنة، وغيرها، مات في حدود (360). ينظر: السير 16/ 213، والوافي بالوفيات 4/ 114.
(7)
ينظر: جامع البيان 6/ 249، ونكت القرآن 1/ 305، وإعراب القرآن 1/ 269.
(8)
ملاك التأويل 1/ 399.
أولًا: "مَنْ" الشرطية الدالَّة على العموم، قال ابن القيم (ت: 751) بعد ذكر القول بأنها في أهل الكتاب: (وهو بعيد؛ وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه)
(1)
.
ثانيًا: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثًا: سياق الآيات على ما سبق بيانه؛ إذ فيها خطابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
رابعًا: أنه قد وقع في كلام العلماء تداخل بين سبب النُّزول، ومدلول الآيات، فسبب النُّزول لا شك أنه في اليهود الذين غيروا حكم الله في الزاني المحصن أو في القصاص، وسياق الآيات دالٌّ على ذلك بلا شك، أمَّا مدلول الآيات ففيه خلاف كما سبق، ومنه أن بعض من قال أنها في أهل الكتاب، ورد عنه أنها في اليهود، أو العكس، كالضحاك (ت: 105)، وأبي مجلز (ت: 106)، وقتادة (ت: 117)، وكذا بعض من قال أنها في اليهود، ورد عنه أنها عامَّة في المسلمين، ويتبين ذلك بمراجعة أقوال ابن عباس رضي الله عنه، والنخعي (ت: 96)، والحسن (ت: 110)، وفي قول حُذيفة رضي الله عنه إشارة قريبة لذلك.
خامسًا: دلالة القرآن على معنى هذه الآيات، ومخاطبة المؤمنين بنحو ذلك يدل على عمومها، كالأمر بالحكم بكتاب الله، ونفيِ الإيمان عمَّن لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة، والنهي عن التحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك.
(2)
سادسًا: أنه قول الجمهور من أهل العلم، قال ابن عطية (ت: 546): (وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كلَّ من لم يحكم بما أنزل الله)
(3)
، وهو
(1)
مدارج السالكين 1/ 588.
(2)
ينظر: الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه (ص: 138 - 151).
(3)
المحرر الوجيز 2/ 196. وادعى بعضهم الإجماع عليه، كما في تفسير الذهبي 1/ 272. وينظر: المفهم 5/ 117، ومدارج السالكين 1/ 587، والموافقات 4/ 39، وفتح الباري 13/ 128.
قول حذيفة، وابن مسعود رضي الله عنهم، والنخعي (ت: 96)، والحسن (ت: 110)، والسُدِّي (ت: 128)، وعليه أكثر المفسرين بعدهم
(1)
.
ولا يشكِلُ على ذلك، ولا يتطرق منه للخوارج سَبَبٌ أن كان في القول بالعموم استدلالٌ بما نزل في الكفار على حال المؤمنين؛ فإنه وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته، حيث يتوافق الوصف الفرد المذكور في الآية مع حال المُستَشهَدِ عليه
(2)
. ولا يضير هذا الاختيار في معنى الآية أن استدل به الخوارج؛ فإن من حَقِّ العلم، ومنهجِ أهله ذكرُ أقوال السلف في الموضع الواحد كما هي، وإن كان فيها مرجوحٌ، أو ضعيفٌ، أو ما وافقهُ طائفةٌ من أهل البدع، فالحُجَّةُ تبيِّنُ ضَعفَه وتكشِفُ لَبْسَه، قال عبد الرحمن بن مهدي
(3)
(ت: 198): (أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم)
(4)
، وقد أخذَ ابنُ تيمية (ت: 728) على بعض المفسرين- كابن أبي حاتم (ت: 327)، والبغوي (ت: 516)، وابن الجوزي (ت: 597) - تركَ ذكرِ بعض أقوال السلف في بعض الآيات؛ لأنها مرجوحة، أو ضعيفة، أو وافقها بعض المبتدعة، ثم قال:(وأمَّا عبدُ بن حُميد، وأمثاله من أئمة العلماء، فذكروا أقوال السلف في هذا وهذا، وهذا هو الصواب، وهو إعطاء العلم حَقَّه)
(5)
، ثم ذكر أن بعض أولئك المفسرين ربما نقل عن بعض السلف ما هو أشدّ من ذلك، كدعوى الخطأ من
(1)
ينظر: جامع البيان 6/ 348، وأحكام القرآن، للجصاص 2/ 549، وتفسير السمرقندي 1/ 439، والتفسير الكبير 12/ 6، والتسهيل 1/ 384، والبحر المحيط 3/ 504، وأضواء البيان 2/ 80.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 28/ 425، والموافقات 4/ 34. وفي التمثيل لذلك ينظر: صحيح البخاري 1/ 258 (118)، 3/ 13 (1127)، 13/ 58 (7099)، والجامع لأحكام القرآن 8/ 59.
(3)
عبد الرحمن بن مهدي بن حَسَّان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، إمامٌ ناقدٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث، مات سنة (198). ينظر: السير 9/ 192، وتهذيب التهذيب 2/ 556.
(4)
تفسير آيات أشكلت 1/ 371، وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 26 (32)، عن وكيع.
(5)
تفسير آيات أشكلت 1/ 371.
الكاتب في بعض الآيات، وإنكار بعض القراءات، والأقوال التي خالفت الأحاديث صراحةً، فقهًا وتصوفًا واعتقادًا، مع أن ما تُرِكَ ذكره من أقوال السلف لا يدلّ على ما يذهب إليه بعض المبتدعة في أحيان كثيرة.
(1)
* * *
[43]{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام 160].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما تقولون {بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160]، لمن هي؟ قلنا: للمسلمين. قال: لا والله، ما هي إلا للأعْرَابِ خاصَّةً، فأمَّا المهاجرون فسبعمائة)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب جُلَساءُ أبي هريرة رضي الله عنه إلى أن تضعيف الحسنة إلى عشرِ أمثالها عامٌّ لجميع المسلمين، أخذًا بظاهر الآية وعمومها؛ إذ لفظ "مَنْ" من أشهر صيغ العموم، كما يدل على العموم سياق الآية؛ إذ يُقابل تضعيف الحسنة لعموم المسلمين، الجزاء بالسيئة لعموم المسلمين أيضًا، فكما أنه لا تخصيص في الجزاء بالسيئة، فكذلك في
(1)
المرجع السابق 1/ 364، وينظر: مجموع الفتاوى 13/ 368، والفتاوى الحديثية (ص: 226 - 227).
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1432 (8169)، من طريق أبي حاتم، عن فضل بن سهل، عن عارم، عن سعيد بن زيد، عن سعيد الجُريري، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه رضي الله عنه.
وإسناده صحيح لغيره، وله شواهد:
- عن أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن جرير 8/ 145 (11115)، وإسناده صحيح.
- وعن ابن عمر، أخرجه سعيد بن منصور 4/ 1252 (636)، وابن جرير 8/ 145 (11116)، وابن أبي حاتم 3/ 955 (5338)، و 5/ 1432 (8168)، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 366 لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وإسناده ضعيف؛ لعطية العوفي.
- وعن ابن عباس، عزاه السيوطي في الدر 3/ 366 لأبي الشيخ.
تضعيف الحسنة. ويقوي العموم في الآية قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (إن الله كتب الحسناتِ والسيئاتِ ثم بيَّنَ ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً)
(1)
، وفي لفظ:(ثم قرأ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160])
(2)
.
وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى تخصيص التضعيف بعشر حسنات الوارد في الآية بالأعراب- وهم من أسلم من غير المهاجرين في ذلك الوقت
(3)
-، وأكَّدَ نفيه للعموم بالقسم، وحَدَّد مقدار ما يُضاعَف للمهاجرين بسبعمائة. واستُدِلَّ لذلك بسبب النُّزول، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال:(نزلت هذه الآية {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام 160] في الأعراب، والأضعاف للمهاجرين)، وفي لفظ:(فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم، {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء 40]، وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم)، وصَحَّ نحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
(4)
، ويُقَوِّي ذلك قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء 40]، فحُمِلَت المُضاعفة المُجملة في هذه الآية على عملِ المُهاجرين، وحُملَت المُضاعفة المُفسَّرة في آية الأنعام على عموم المسلمين
(5)
، كما يُقَوِّي تخصيص المُهاجرين بالمُضاعفة المُطلَقة بيانُ أن من عَظُمَت منْزلته
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 11/ 331 (6491)، ومسلم في صحيحه 1/ 312 (130).
(2)
أخرجه الترمذي 5/ 265 (3073).
(3)
ينظر: شرح الطِّيبيِّ على المشكاة 5/ 1690، وعون المعبود 3/ 41.
(4)
سبق تخريجهما في شواهد الاستدراك.
(5)
ينظر: جامع البيان 5/ 128.
ودرجته عند الله فإن عملَه يُضاعَف له أجره، ويشهد لهذا المعنى أن الله ضاعف لهذه الأمة؛ لكونها خير أمة أُخرِجَت للناس أجرها مَرَّتين، فقال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ} [الحديد 28]، وفي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم:(إنما مَثَلُكُم ومثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثرُ عَملًا وأقلُّ عَطاءً. قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت)
(1)
، كما يشهد له قوله تعالى في حقِّ أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [الأحزاب 30]، إلى قوله {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [الأحزاب 32].
(2)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب إلى العموم في الآية جماعة من المفسرين
(3)
، ورَجَّح ابنُ جرير (ت: 310)، قولَ أبي هريرة رضي الله عنه، جمعًا بين آيتي النساء والأنعام السابقتين
(4)
، وينبغي المصير
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 571 (3459).
(2)
ينظر: فتح الباري، لابن رجب 1/ 162.
(3)
ينظر: الوجيز 1/ 265، وتفسير السمعاني 2/ 160، والمحرر الوجيز 2/ 54، 368، وأحكام القرآن، لابن الفَرَس المالكي (مخطوط، ص: 135)، والجامع لأحكام القرآن 7/ 98، والبحر المحيط 3/ 262، وفتح القدير 2/ 257، وروح المعاني 8/ 432، والعذب النمير 2/ 932.
(4)
جامع البيان 5/ 128.
إليه؛ لأن تحديد مقادير الحسنات من الغيب الذي لا يُعلَمُ إلا بوحي، وأشار إلى هذا ابنُ عطية (ت: 546) بقوله: (وهذا تأويل يحتاج إلى سَنَدٍ يقطعُ العذر)
(1)
، وقد صَحَّ سنده كما سبق، وتفسير الصحابي المتعلق بأمر الآخرة وما لا يُعلَمُ إلا بوحي له حكم المرفوع، قال السيوطي (ت: 911): (التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حُكم الرفع بإجماع أهل الحديث)
(2)
، فإذا انضاف إلى ذلك تأكيدُ أبي هريرة رضي الله عنه له بالقسم، واعتضدَ بسبب النُّزول، ووافقه عليه أبو سعيد الخدري، وابنُ عمر، وابنُ عباس رضي الله عنهم؛ صَحَّ القول به، وتعيَّنَ تقديمه على العموم.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
حرصُ السلف على تأكيد المعاني الصحيحة في التفسير ورَدِّ ما سواها، وقد تنوَّعتْ طرائقهم في ذلك، فكان منها القسم، ويجيء في تفاسير السلف كثيرًا عند الحاجة إليه، وما أقسموا عليه من معاني كلام الله تعالى يستلزمُ تقديمًا في النظر، واعتبارًا في البحث، ووقوفًا على أسبابه الحاملة عليه.
* * *
[44] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال 16].
عن نافع
(3)
قال: سألت ابن عمر قلت: (إنَّا قومٌ لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: إن الله يقول {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال 15]. قال: إنما أُنْزلت هذه الآية
(1)
المحرر الوجيز 2/ 368.
(2)
الإتحاف بتمييز ما تبع فيه البيضاويُّ صاحبَ الكشاف (مخطوط، ص: 4).
(3)
نافع مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني الفقيه، ثقة ثبت مشهور، مات سنة (117). ينظر: الكاشف 3/ 197، والتقريب (ص: 996).
لأهل بدر، لا قبلها، ولا بعدها)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
فهم نافع من الآية تحريم التوَلِّي عند القتال إلا تَحَيُّزًا إلى فئةٍ حاضرةٍ أرضَ القتال؛ ولذلك شكى لابن عمر عَدَمَ تَمَيُّز الفئة لهم حال القتال، واستدلَّ لتأكيد فهمه ذلك بالعموم في ألفاظ الآية:{الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال 15]، {الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال 15]، {وَمَنْ} [الأنفال 16]. ثُمَّ بسياقها الوارد في النهي عن التولي يوم الزحف، وذلك في قوله تعالى قبلها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال 15]. ويشهد لهذا المعنى من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:(اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها:(والتولي يوم الزحف)
(2)
، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه:(إذا لقيتم فلا تفروا)
(3)
، وعن علي وابن عمر رضي الله عنهم:(الفرار من الزحف من الكبائر)
(4)
.
وذهب ابن عمر إلى أن ذلك النهي في الآية خاصٌّ بيوم بدر، وخَصَّص الفئة المذكورة في الآية برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستُدِلَّ لذلك التخصيص بموضوع السورة العام؛
(1)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 3/ 188 (637)، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 349 (11200)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1671 (8897)، وعزاه السيوطي في الدر 4/ 33 لابن مردويه. من طريق حسَّان بن عبد الله، عن خلاد بن سليمان، عن نافع.
وإسناده صحيح لغيره، وله شواهد:
- عن عمر بن الخطاب، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 6/ 541 (33688)، وابن جرير 9/ 268 (12286)، وابن أبي حاتم 5/ 1671 (8898)، وإسناده صحيح.
- وعن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو داود في سننه 3/ 46 (2648)، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 350 (11203 - 11204)، وإسناده صحيح.
- وعن ابن عباس، عزاه السيوطي في الدر 4/ 34 لأبي الشيخ، وابن مردويه.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 462 (2766)، ومسلم في صحيحه 1/ 263 (89).
(3)
ينظر: المحلى 7/ 212.
(4)
المرجع السابق.
فإنها في غزوة بدر
(1)
، وبسياقها في قوله تعالى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال 16]، أي: يوم بدر. وبسبب نزولها، فهي في أهل بدر
(2)
، وأنه لم يكن لأهل بدر أن ينحازوا؛ لأنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، كما قال صلى الله عليه وسلم في دعائِه يوم بدر:(اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض)
(3)
، ولم يكن لهم فئة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ} [التوبة 120]
(4)
، ويدل على اختصاص ذلك بأهل بدر حديث ابن عمر رضي الله عنه: (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحَاصَ الناس حَيصَةً، فكُنتُ فيمن حَاصَ
(5)
، قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها، ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرارون. فأقبل إلينا، فقال: لا، بل أنتم العَكَّارُون
(6)
. قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين)
(7)
،
(1)
ينظر: صحيح البخاري 8/ 156.
(2)
كما في حديث أبي سعيد الخدري، المُخَرَّج في شواهد الاستدراك.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 4/ 433 (1763).
(4)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/ 62، وتفسير ابن كثير 4/ 1559.
(5)
أي: فَرُّوا من القتال، والمحيص: المهرب. ينظر: جامع الترمذي 4/ 215، والنهاية في غريب الحديث 1/ 449.
(6)
العَكَّار: الذي يَفِرُّ إلى إمامه لينصُرَه، ليس يريد الفرار من الزحف. ينظر: جامع الترمذي 4/ 215، والنهاية في غريب الحديث 3/ 256.
(7)
أخرجه الشافعي 1/ 207 (1001)، وأحمد 2/ 70 (5384)، وأبو داود 3/ 46 (2647)، والترمذي 4/ 215 (1716) وحَسَّنه، والبيهقي في السنن 9/ 76 (17861)، وإسناده ضعيف.
وصَحَّ عن عمر رضي الله عنه نحو ذلك
(1)
، فَدَلَّ على عدم العموم؛ لعدم مُؤاخذةِ من وقع منه ذلك بعد بدر، وقد فَرَّ الناس يوم أُحُد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين {ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة 25]، ولم يقع على ذلك تعنيف.
(2)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب عمر، وابنه، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد رضي الله عنهم، وعكرمة (ت: 105)، وأبو نضرة
(3)
(ت: 108)، والحسن (ت: 110)، ونافع (ت: 117)، وقتادة (ت: 117)، ويزيد بن أبي حبيب
(4)
(ت: 128)، إلى أن الآية خاصَّةٌ بأهل بدر
(5)
، واستُدِلَّ لهذا القول بما سبق.
وذهب جمهور العلماء إلى أن الآية عامَّة لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حال التحرُّف والتَّحَيُّز
(6)
. وقالوا إن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب يوم
(1)
تقدم تخريجه في شواهد الاستدراك.
(2)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 510.
(3)
المنذر بن مالك العبدي، أبو نَضْرَة البصري، تابعي ثقة، مات سنة (108). ينظر: الكاشف 3/ 175، والتقريب (ص: 971).
(4)
يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه، مات سنة (128). ينظر: الكاشف 3/ 275، والتقريب (ص: 1073).
(5)
ينظر: جامع البيان 9/ 266، وتفسير ابن كثير 4/ 1559، ونسبه الواحدي في الوسيط 2/ 449، والوجيز 1/ 434 لأكثر المفسرين، وبه يقول أبو حنيفة، ينظر: النكت والعيون 2/ 304، وفتح القدير 2/ 422، وقال الجصاص (ت: 370) عن هذا القول: (ليس بسديد). أحكام القرآن 3/ 62.
(6)
ينظر: المحلى 7/ 211، وتفسير السمعاني 2/ 254، وأحكام القرآن، لابن العربي 2/ 315، والمغني 9/ 254، والمجموع 21/ 104، وشرح النووي على مسلم 1/ 267، والإنصاف 4/ 90، ومواهب الجليل 4/ 547.
والتحرف للقتال: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن. والتحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيقوى بهم على عدوهم، سواء بعدت المسافة أو قربت. ينظر: معالم التنْزيل 3/ 337، والمغني 9/ 255.
بدر، وذهاب اليوم بما فيه
(1)
، وأجابوا عن أدلَّةَ من خَصَّ الآية بأهل بدر بأن قوله {يَوْمِئِذٍ} [الأنفال 16]، أي: يوم الزحف، المذكور في الآية قبلها، لا يوم بدر. وأما سبب النُّزول فالعبرة بعموم اللفظ، كما هو ظاهر في الآية والحديث. وأما قولهم: إن أهل بدر لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم. فليس بسديد؛ فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه لم يكونوا يرون في ابتداءِ الأمر أنه سيكون قتال
(2)
. وأمَّا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا فئة المسلمين)، وكذا ما صَحَّ عن عمر فلا دليل فيه على عدم العموم؛ وإنما هو على جهة الحيْطَة على المؤمنين؛ إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارًا
(3)
، وقد يكونوا أخذوا بالرخصة، فتأثَّموا لتركِ إخوانهم، والرغبة عن العزيمة والشهادة. (وأمَّا يوم أُحُد فإنما فَرَّ الناس من أكثرَ من ضِعفِهِم، ومَعَ ذلك عُنِّفُوا؛ لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وفرارهم عنه، وأمَّا يوم حُنين فكذلك من فَرَّ إنما انكشفَ أمام الكثرة)
(4)
، والرخصة في نحو ذلك معلومة.
وقد أجمع العلماء على تحريم الفرار يوم بدر، وأنه من الكبائر
(5)
، ولكن النهي المطلق في الآية، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم العام، لا يصح فيهما التقييد والتخصيص إلا بدليل
(6)
، وقد قال ابن العربي (ت: 543) عن الحديث السابق: (وهذا نَصٌّ في المسألة يرفع الخلاف، ويُبَيِّن الحكم)
(7)
.
(1)
ينظر: أحكام القرآن، لابن العربي 2/ 315، وفتح القدير 2/ 422.
(2)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/ 63، وفتح القدير 2/ 422.
(3)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 243.
(4)
المحرر الوجيز 2/ 510، وينظر: الروض الأُنُف 4/ 216.
(5)
ينظر: الروض الأنف 4/ 216، ونسب هذا القول لابن سَلاَّم في تفسيره.
(6)
ينظر: المغني 9/ 254، وشرح النووي على مسلم 1/ 267.
(7)
أحكام القرآن 2/ 316.
فمن ثَمَّ يترجَّح القول بالعموم، ويدخل فيه أهلُ بدرٍ دُخولًا أوَّليًّا، ثمَّ غيرهم مِمَّنْ بعدهم، وهو قول الجمهور.
(1)
* * *
[45]{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف 76].
عن سعيد بن جبير قال: (حَدَّثَ ابنُ عباس بحديثٍ فقال رجلٌ عنده: الحمد لله {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف 76]. فقال ابن عباس: بئسما قلت، اللهُ العليمُ، وهو فوقَ كلِّ عالِمٍ)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
أنكر ابن عباس رضي الله عنه على الرجل فهمه للآية، ومن ثَمَّ استشهاده بها في ذلك الموقف، فإن الرجل استشهد بها على سعة علم ابن عباس وتَبَحُّره، بعد أن فهم منها أنه ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه، فجعل الرجلُ هذا العالِمَ- المذكورَ في الآية- المحيط بعلم من قبله ابنَ عباس؛ ولذا أنكر عليه ابن عباس استشهاده وفهمه، وبَيَّنَ
(1)
ينظر: جامع البيان 9/ 269، وتفسير ابن كثير 4/ 1560، وروح المعاني 9/ 241، والتحرير والتنوير 9/ 291.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 220 (1329)، وسعيد بن منصور في سننه 5/ 404 (1137)، وابن جرير في تفسيره 13/ 35 (14965)، وابن أبي حاتم في تفسيره 7/ 2177 (11829)، والبيهقي في الأسماء والصفات 1/ 207، وعزاه السيوطي في الدر 4/ 500 لأبن المنذر وأبي الشيخ. من طريق عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جبير.
وإسناده حسن لغيره، وله شواهد:
- عن ابن عباس رضي الله عنه، أخرجه ابن جرير 13/ 35 (14966)، وابن أبي حاتم 7/ 2177 (11830)، وعزاه السيوطي في الدر 4/ 499 للفريابي، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وإسناده صحيح.
- وعن عكرمة، أخرجه ابن جرير 13/ 36 (14968)، وابن أبي حاتم 7/ 2177 (11831)، وإسناده صحيح.
أن الله تعالى هو العالم المحيط بكل شيء، وإليه منتهى علم كل عالم، فقال:(يكون هذا أعلم من هذا، ويكون هذا أعلم من هذا، والله فوق كُلِّ عالم)
(1)
. وقد يُقال: ليس الاستدراك هنا على فهم الرجل، أو استشهاده، وإنما هو استدراك على ما خَشِيَ ابنُ عباس أن يتطرق إلى فهم أحدٍ من السامعين، فقاله هَضمًا للنفس، وسدًّا لباب الغلوّ فيه، ورفعه فوق منْزلته. وظاهرٌ من تَعَجُّب الرجل أن ابن عباس رضي الله عنه تحدَّث بعلمٍ أخذَ بألباب السامعين، ولا غرو فهو ترجمان القرآن، والبليغ في البيان
(2)
؛ فحَقَّقَ في نفوس السامعين أن العالِمَ الجامع لكلِّ أفراد العلم؛ ما كان وما لم يكن، وما ظهر وما بطن، وإليه منتهى علم كل عالم هو الله تعالى.
ومن ثَمَّ فعلى كلا التخريجين: أن يكون ابن عباس هو الموصوف بأعلى العلم في الآية، كما فهم الرجل، أو كما خشيَ ابن عباس أن يفهمه بعض السامعين؛ فهذا قولٌ منكر عند ابن عباس، وصوابه عنده: أن الله تعالى هو "العليم"، ب"أل" المستغرقة لجنس العلم وتمامه، ثم بعد ذلك يتفاوت الناس فيما آتاهم الله من علم، وعلم الله تعالى فوق علمهم جميعًا.
*
الحكم على الاستدراك:
ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه في معنى هذه الآية هو الحق، وهو المعروف عند المفسرين
(3)
، وما ذكره هذا الرجل فهو خطاٌ في نفسه إن اعتقده، أو فيما يؤول إليه من
(1)
كما في رواية البيهقي في الأسماء والصفات 1/ 207.
(2)
عن أبي وائل (ت: 82) قال: (خطبنا ابنُ عباس وهو أميرٌ على الموسم، فافتتح سورة النور فجعلَ يقرأ ويُفَسِّر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلامَ رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والتُّرك لأسلَمَت). جامع البيان 1/ 57، والسير 3/ 351.
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 159، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 52، وجامع البيان 13/ 35، وإعراب القرآن، للنحاس 2/ 211، والوسيط 2/ 624، والجامع لأحكام القرآن 9/ 156، وتفسير ابن كثير 4/ 1852.
سوءِ فهمٍ من غيره، إذ فيه تحميل للآية ما لا تحتمل، ووصفُ مخلوقٍ بما لا يصلحُ إلا للخالق سبحانه.
وتبرز في هذا الاستدراك مسألةُ الاستشهاد بآيات القرآن الكريم على واقعة مُعَيَّنَة
(1)
، وضوابط هذا الاستشهاد، وشروط صحته. وفي هذه الرواية عن ابن عباس رضي الله عنه إشارة إلى ضوابط هامّة في هذا الباب، منها:
أولًا: يشترط لصحة الاستشهاد بالآية على واقعةٍ مُعَيَّنَة صِحَّةُ المعنى المُستَشهَدُ به في الآية؛ لأنه بمثابة الأصل الذي يُبنى عليه.
ثانيًا: لا بد من تطابق الآية المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة، فإذا تخالف الأمران بَطل الاستشهاد، كالاستشهاد بما هو من خصائص الخالق، على حال المخلوق، كما هو صنيع الرجل في هذه الرواية، وكذا الاستشهاد بما هو في الكافرين وتنْزيله على المسلمين، كما اشتهرت بذلك الخوارج.
(2)
ثالثًا: إذا ترتب على هذا الاستشهاد إضرارٌ بالمعنى الأصلي للآية المُستَشهَدِ بها مُنِعَ منه؛ سَدًّا لباب إساءة الفهم، ويندرج هذا الضابط تحت الأصل الشرعي: "درء
(1)
ويقرب منه: تنْزيل معاني آيات القرآن الكريم على الوقائع، وبين الاستشهاد والتنْزيل عموم وخصوص من وجه، فإذا تطابقت- عند القائل- الآيةُ المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة من وجهٍ، أو في صفةٍ، فهو استشهاد بها في هذا الوجه أو تلك الصفة، أمَّا إذا تطابقت- عنده- الآية المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة من جميع الوجوه، فهو تنْزيل للآية من جميع وجوهها على الواقعة، كما هو قصد الخوارج في استدلالاتهم على الصحابة رضي الله عنهم. فالتنْزيل أعمُّ من الاستشهاد من هذه الجهة، وهي: قصدُ المتكلِّم به.
كما أن الاستشهاد أعَمُّ من التنْزيل لُغَةً؛ فإنَّ التنْزيل في أصله استشهاد، لكنه بقصدٍ خاصٍّ كما سبق.
(2)
قال ابن عمر رضي الله عنه عن الخوارج: (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين)، أخرجه البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجزم 12/ 295، 298 وصححه ابن حجر. وينظر الاستدراك رقم (42) (ص: 231).
المفاسد مُقَدَّمٌ على جلبِ المصالح"
(1)
، ومنه رَدُّ ابن عباس لمقالة الرجل، على التخريج الثاني له كما سبق.
رابعًا: سلامة سياق الحال ممَّا يخدش تعظيم القرآن الكريم، أو يقرنه بِسَفهٍ أو عَبَث.
(2)
وتتكامل هذه الضوابط وتلتقي مع بعض شروط الاستنباط والتفسير على القياس، التي أشار إليها ابن القيم (ت: 751) رحمه الله
(3)
؛ إذ كلا الأمرين زائد على التفسير بمجرد اللفظ أو المعنى.
* * *
عن زِرِّ بن حُبَيش
(4)
قال: (قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحفدةُ يا زِرّ؟ قال: قلت: هم أحفادُ الرجلِ من ولده، وولد ولده. قال: لا، هم الأصْهَار)
(5)
.
(1)
ينظر: قواعد الأحكام 1/ 83، والموافقات 3/ 465، والأشباه والنظائر، للسيوطي 1/ 78، ولابن نُجيم (ص: 91).
(2)
ينظر: المستدرك على مجموع الفتاوى 1/ 172.
(3)
سبق ذكرها في الاستدراك رقم (23)(ص: 138).
(4)
زِرُّ بن حبيش الأسدي، أبو مريم الكوفي، ثقة جليل مُخضرم، كان من أعرب الناس، وكان ابن مسعود يسأله عن العربية، مات سنة (82). ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 414، والسير 4/ 166، والتقريب (ص: 336).
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 273 (1502)، وابن جرير في تفسيره 14/ 189 (16438)، والطبراني في الكبير 9/ 224 (9090 - 9093)، والبيهقي في السنن 7/ 77 (13222 - 13223)، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 131 للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم. من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ. وتابع زِرَّ مسروقُ، كما في التاريخ الكبير للبخاري 6/ 154. وتابع عاصمًا المنهالُ بن عمرو، كما في تفسير ابن جرير 14/ 188 (16431)، ومعجم الطبراني الكبير 9/ 224 (9088)، ومستدرك الحاكم 2/ 387 (3356). وقد أخرج ابن جرير في إحدى طرق هذا الأثر: (عن عاصم، عن ورقاء: سألت عبد الله .. ) 14/ 188 (16431). وورقاء هو: ابن عمر اليشكري الكوفي، المتوفى (بعد 160)، وعاصم لم يروِ عن ورقاء، وورقاءُ لم يلق ابن مسعود، فهو وهم، وصوابه:(عن زِرّ) كما في معجم الطبراني الكبير 9/ 224 (9090)، وهو في سائر الروايات عن (زِرّ). ينظر: جامع البيان 14/ 296، حاشية: 4، ط/ التركي، وتهذيب التهذيب 4/ 306. وتابعَ ابن عيينةَ المعلى بن هلال، كما في تفسير ابن سلاَّم 1/ 76.
وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، وابن حجر، كما في الفتح 8/ 238.
*
تحليل الاستدراك:
فَسَّر زِرٌّ "الحفدةَ" في الآية بأنهم: ولد الولد، وأولادهم؛ لِصِحَّته لُغَةً، ويكفي إثبات زِرٍّ له، وهو المُخضرَم الحُجَّة. ولأنه أنسب للسياق؛ فقوله تعالى {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل 72]، يفيد أن الحفدة من الزوجات، كما أن البنين كذلك
(1)
، وكذلك سياق الآيات قبلها في تعداد النِّعَم، ومن أسماء السورة كذلك سورة:"النِّعَم"
(2)
، ورِزْقُ اللهِ عبادَه بالحفدةِ بعد البنينِ من تمام نِعَمِهِ عليهم.
وذهب ابنُ مسعود رضي الله عنه إلى أن المراد: الأصهار، وفي لفظ: الأختان. وهما متقاربان، ولا تعارض بينهما
(3)
، ومأخذه في ذلك صحة هذا المعنى لُغةً، ولا شك فقائله محضُ العرب رضي الله عنه. كما يشهد له قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان 54]
(4)
، فالنَّسَبُ والصِّهرُ هنا في مقابلةِ البنين والحفدة في آية النحل، وكلاهما في سياق الامتنان والتفَضُّل.
(1)
ينظر: أضواء البيان 3/ 239.
(2)
ينظر: جمال القراء 1/ 36، والجامع لأحكام القرآن 10/ 44.
(3)
فكلاهُما يُطلَقُ على أقارب الزوج والزوجة. ينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 88.
(4)
ينظر: كلام الشافعي في سنن البيهقي الكبرى 7/ 76.
*
الحكم على الاستدراك:
أصلُ الحَفْدِ في كلام العرب: الخِفَّة والسرعة في الخدمة والعمل
(1)
، قال الشاعر
(2)
:
حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَت
…
بأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ
ومن خلال هذا الأصل اللغوي تعددت أقوال السلف في معنى "الحفدة" في هذه الآية، وجُملَتُها أربعةُ أقوالٍ هي:
الأول: أنَّهُم أعوانُ الرجل وخَدَمُه، وهو قول ابن عباس
(3)
، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، وطاووس (ت: 106)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، وأبي مالك الغفاري
(4)
، ومالك بن أنس (ت: 179)، وابن سلاَّم (ت: 200)، وأبي عبيدة (ت: 210)، وأبي عبيد
(5)
(ت: 224).
(6)
(1)
ينظر: العين 1/ 333، وتهذيب اللغة 4/ 247، والصحاح 2/ 466، ومقاييس اللغة 1/ 307.
(2)
نسبه أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 364، والمرزوقي في أماليه (ص: 368) لجميل، وهو أقرب، ويُروى لأُميَّة بن أبي الصلت، كما في رواية الطستي لمسائل ابن الأزرق (ص: 147)، ومعجم الطبراني الكبير 10/ 248 (10597)، ونسبه أبو عبيد في غريب الحديث 3/ 374 للأخطل وليس في ديوانه، ونسبه القرطبي في تفسيره 10/ 95 لكُثَيِّر وليس في ديوانه.
(3)
من رواية أبي حمزة عمران بن أبي عطاء، المعروف بالقصاب، عنه. ينظر: جامع البيان 14/ 190.
(4)
أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي، ثقة، روى عن ابن عباس والبراء، وعنه السُّدِّي، وأكثر النقل عنه في التفسير. ينظر: الكاشف 2/ 375، وتهذيب التهذيب 3/ 375.
(5)
القاسم بن سَلاَّم بن عبد الله الهروي، أبو عبيد، الإمام الحافظ ذو الفنون، صنف: غريب القرآن، ومعاني القرآن، والغريب المُصَنَّف، وغيرها، ومات سنة (224). ينظر: السير 10/ 490، وبغية الوعاة 2/ 253.
(6)
ينظر: تفسير ابن وهب 2/ 132، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 75، ومجاز القرآن 1/ 364، وغريب الحديث، لأبي عبيد 2/ 96، وجامع البيان 14/ 190، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 111.
قال النضر بن شُميل
(1)
(ت: 204): (من قال الحَفَدةُ: الأعوان، فهو أتبَعُ لكلام العرب ممَّن قال: الأصهار)
(2)
، وذكر ابن الأنباري
(3)
(ت: 328) أنه المُطابق لِلُّغة
(4)
، وقال ابن فارس (ت: 395): (ويقال في قوله تعالى {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل 72]، إنهم: الأعوان، وهو الصحيح)
(5)
.
الثاني: أنهم الأصهار، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس
(6)
رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير (ت: 95)، وإبراهيم النخعي (ت: 96)، وأبي الضُّحى
(7)
(ت: 100)، والفرَّاء (ت: 207).
(8)
الثالث: أنهم ولد الرجل، وولد ولده، وهو قول ابن عباس
(9)
، وزِرّ بن حبيش (ت: 82)، والضحاك (ت: 105)، وعكرمة (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة
(1)
النضر بن شُمَيْل بن خَرْشَة المازني، أبو الحسن، البصري النحوي، أخذ عن الخليل والعرب، ثقةٌ صاحب سنَّة، صنف: غريب الحديث، والجيم، وغيرهما، مات سنة (204). ينظر: السير 9/ 328، وبغية الوُعاة 2/ 316.
(2)
تهذيب اللغة 4/ 247. وغير خافٍ التجاوزُ في العبارة؛ فإنَّ ممَّن فَسَّرها بالأصهار: ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم. وقريب من قول النَّضْر قول أبي عبيد في غريب الحديث 2/ 96، وابن العربي في أحكام القرآن 3/ 111.
(3)
محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، أبو بكر النحوي اللغوي المفسر الحافظ، صنف: الزاهر، والأضداد، والمشكل في معاني القرآن، وغيرها، مات سنة (328). ينظر: معجم الأدباء 6/ 2614، وبغية الوُعاة 1/ 212.
(4)
الزاهر 1/ 70.
(5)
مقاييس اللغة 1/ 307، وينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 90.
(6)
من طريق عكرمة، وعلي بن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان 14/ 189.
(7)
مسلم بن صبيح الهمداني الكوفي العطار، أبو الضحى، تابعي ثقة فاضل، مات سنة (100). ينظر: تهذيب التهذيب 4/ 70، والتقريب (ص: 939).
(8)
ينظر: جامع البيان 14/ 188، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 110، والزاهر، لابن الأنباري 1/ 69.
(9)
من طريق سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة. ينظر: جامع البيان 14/ 192.
(ت: 117)، والكلبي (ت: 146)، وابن زيد (ت: 182).
(1)
الرابع: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
(2)
وليس شيء من هذه الأقوال مردودًا لُغةً، ما دامت غيرَ خارجةٍ عن مدلول اللفظة الأصلي، غيرَ أنَّ أحدَها لا يحتمله لفظ الآية، وهو القول الأول: أنهم الأعوان والخدم؛ فإن الآية اقتصرت من معاني "الحفدة" على ما كان من طريق الزوجة، مُباشرةً أو تسَبُّبًا كما سيأتي، والأعوان والخدم ليسوا من هذا الطريق، وهو ما أشار إليه ابن زيد (ت: 182) بقوله: (ليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد؟!). فهذا المعنى صحيح لُغةً، لكنه لا يصحُّ تفسيرًا للآية، إلا معَ تَأَوُّلِ حَذفٍ وتقدير؛ فيه من التَكَلُّفِ وتحميل النَّصِّ ما فيه
(3)
. ولتخريج هذا القول على معنىً تحتمله الآية بلا تَكَلُّف يُقال: إنهم أرادوا نوعًا من الأعوان والخدم خاصًّا، وهم البنون وأبنائهم؛ فإنهم أقرب الأعوان، وأسرعهم، وأحرصهم خدمةً، ويشهد له من السُّنَّة قوله صلى الله عليه وسلم:(والولد عبدٌ لك)
(4)
، وقول الحسن (ت: 110): (الحفدة: الخدم، يعني ولدًا يخدمونه، وولد ولده)
(5)
، وقول ابن زيد (ت: 182): (الحفدة: الخدم من ولد الرجل، هم ولده، وهم يخدمونه)
(6)
.
(1)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 75، وجامع البيان 14/ 189، 192، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 89، وتهذيب اللغة 4/ 247.
(2)
من طريق العوفي. ينظر: جامع البيان 14/ 192، وزاد المسير (ص: 786)، والدر المنثور 5/ 131.
(3)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 90، والتفسير اللغوي (ص: 590).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 6/ 249 (10704)، وأبو داود في سننه 2/ 241 (2131)، والطبراني في الكبير 2/ 48 (1243)، والحاكم 2/ 199 (2746) وصححه، والبيهقي في السنن 7/ 157 (13667). وفي سنده ضعف.
(5)
تفسير ابن سلاَّم 1/ 75، وتفسير القرآن العزيز 2/ 410.
(6)
جامع البيان 14/ 192.
أمَّا بقيةُ الأقوال الثلاثة فهي من قبيل اختلاف التنوع، الذي يُعبِّر فيه كُلُّ مفسر عن بعض معنى اللفظ لا على سبيل التخصيص، فقد جعل الله تعالى للرجل من زوجته صنفين من النِّعَم: البنين، والحفدة، فالبنين مُباشرةً، والحَفَدَةُ تَسَبُّبًا، فيكون منها على التفصيل: البنين، وأولادهم، والأصهار، وأولاد الزوجة من غير زوجها.
ويدلّ على هذا الجمع وروده مع تنوُّعِه عن المفسر الواحد، فوردت الثلاثة عن ابن عباس رضي الله عنه، وتكرر بعضها عن عكرمة (ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، وجميعها صحيح لُغةً، عامٌّ غير مخصوص، موافق لسياق الامتنان والتفضُّل في الآيات، وموضوع السورة العام. قال ابن الأنباري (ت: 328) بعد ذكره لقول طاووس (ت: 106): (الحفدة: الخدم): (فهذا مطابق لِلُّغة، والأقوال الأخرى غير خارجة عن الصواب)
(1)
، واختار الجمع بين هذه الأقوال ابنُ سلاَّم (ت: 200)، وابن جرير (ت: 310)، والزجاج (ت: 311)، والجصاص (ت: 370)، والرازي (ت: 604)، وابن حجر (ت: 852)
(2)
.
* * *
[47]{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف 60].
عن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالي
(3)
يزعم أن موسى صاحب الخضر، ليس موسى صاحب بني إسرائيل. فقال ابن عباس: كذبَ عدوُّ الله،
(1)
الزاهر 1/ 70.
(2)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 75، وجامع البيان 14/ 193، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 212، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 241، والتفسير الكبير 20/ 66، وفتح الباري 8/ 238.
(3)
نوف بن فَضَالة البِكَالي، أبو يزيد الحِمْيَرِي، ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، تابعي عالم صدوق، قرأ الكتب، وأخذ عن كعب علمًا كثيرًا. ينظر: طبقات ابن سعد 7/ 212، والتاريخ الكبير 8/ 129، والفتح 8/ 263.
حدثنا أُبَيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا
…
) الحديث.
(1)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب نوفٌ إلى أن "موسى" في هذه الآيات ليس النبيَّ صاحبَ بني إسرائيل، وإنما هو: موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، قال ابن إسحاق
(2)
(ت: 150): (وكان نبيًّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، ويزعم أهلُ الكتاب أنه الذي صَحِبَ الخَضِر)
(3)
، فهذا قول أهلِ الكتاب، نقله نوفٌ، عن كعبِ الأحبار، عنهم
(4)
. فهذا مُعتَمَدُه في التعيين؛ أخبار أهل الكتاب.
(5)
ورَدَّ ابنُ عباس رضي الله عنه هذا القول وكَذَّبَه، واستندَ في إبطاله إلى نَصِّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه تحديدُ موسى، وأنه نبي بني إسرائيل عليه السلام، وهذا ظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غيرَ واحد، هو نبي الله ابن عمران عليه السلام، ولو كان من في هذه الآية غيرَه لَبَيَّنه النص.
(6)
*
الحكم على الاستدراك:
نَصُّ السنة، وظاهر القرآن، ومُقتَضى التاريخ
(7)
يدل على أن موسى صاحب
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 263 (كتاب 3 - العلم، باب 44 - ما يُستَحَبُّ للعالم إذا سُئِلَ أيُّ الناس أعلم؟ فيَكِلُ العلمَ إلى الله، برقم: 122)، و مسلم في صحيحه 5/ 518 (كتاب 43 - الفضائل، باب 46 - من فضائل الخضر عليه السلام، برقم: 2380).
(2)
محمد بن إسحاق بن يسار المدني، أبو بكر المُطَّلبي مولاهم، إمام السيرة، الأخباري الحافظ، صَنَّف: السيرة النبوية، ومات سنة (150). ينظر: السير 7/ 33، وتهذيب التهذيب 3/ 504.
(3)
النكت والعيون 3/ 321، وفتح الباري 8/ 265، وينظر: تاريخ الأمم والملوك 1/ 219.
(4)
كما في رواية ابن جرير في تفسيره 15/ 346 (17494).
(5)
ينظر: التفسير الكبير 21/ 122، وروح المعاني 15/ 390، وهو رأي عبيد بن تِعلَى أيضًا، كما في تفسير البستي 1/ 143.
(6)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 527، والتفسير الكبير 21/ 122.
(7)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 527، والبداية والنهاية 1/ 260.
الخضر هو: ابن عمران النبي عليه السلام، وليس غيره. وقد ذكر مَنْ قال غيرَ ذلك شُبَهًا لأهلِ الكتاب، لا تقوم في مقابلة نصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح بحال.
(1)
ومن ثَمَّ فالحقُّ والصواب ما قاله ابن عباس رضي الله عنه، وعليه جمهور المسلمين
(2)
، وعامَّة المُفسرين
(3)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: أنه رُبَّمَا أغلَظَ المُفَسِّرُ في رَدِّه للقول الآخر، وحامله على ذلك ضرورة البيان، وتأكيد بُطلان ذلك القول، ومُخالفته للصواب؛ ولذا تتفاوت صيغ التغليظ والرد، بتفاوت شناعة القول المُخالف وفساده، ومنه قول ابن عباس رضي الله عنه هنا:(كذب عدوُّ الله)، فليس مُراده أنه عدوٌ لله على الحقيقة
(4)
. وإنما لمُخالفة نوفٍ صريحَ كلامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رَدُّه عليه متناسبٌ مع مقدار انحراف قوله.
ثانيًا: يُستَفاد من ردِّ ابن عباس رضي الله عنه لمقالة نوف، بيانُ شرطٍ هامٍّ من شروط الأخذ باقوال بني إسرائيل في التفسير، وهو عدمُ مخالفةِ أخبارِ أهل الكتاب للنصِّ الشرعيّ، وإلا فهي باطلةٌ مردودة.
* * *
(1)
استوعبها الآلوسي في روح المعاني 15/ 390 - 391، وأبطلها.
(2)
ينظر: النكت والعيون 3/ 321، والجامع لأحكام القرآن 11/ 8.
(3)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 197، وبحر العلوم 2/ 304، والنكت والعيون 3/ 321، والمحرر الوجيز 3/ 527، والتفسير الكبير 21/ 122، والجامع لأحكام القرآن 11/ 8، والتسهيل 2/ 367، والبحر المحيط 6/ 135، وروح المعاني 15/ 390.
(4)
ينظر: المُفهِم 6/ 193، وشرح النووي على مسلم 5/ 519، والفتح 8/ 265.
[48]{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف 103].
عن مصعب بن سعد
(1)
قال: (قلت لأبي: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف 103]، أهم الحرورية
(2)
؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أمَّا اليهود فَكَذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمَّا النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد يُسَمِّيهم: الفاسقين)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا خرجت الحرورية، ونسبَهُم بعضُ الصحابة إلى هذه الآية
(4)
، سألَ مُصعَب أباه: أهم المقصودون بها؟. ومأخذَ من استشهَدَ بهذه الآية على الخوارج انطباقها عليهم من جهة اجتهادهم في العبادة، مع إقامتهم على الضلال، فخسروا من حيثُ ظَنُّوا الربح.
ثمَّ بَيَّن سعدٌ رضي الله عنه أن المُراد في الآية أهلُ الكتاب؛ اليهود والنصارى، وذكر صُوَرًا من ضلالهم، وسَمَّى الخوارج بالفاسقين
(5)
. ويشهد لهذا القول- أنها في أهل الكتاب- سياق الآية؛ فإنه في الكافرين، قال تعالى {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ
(1)
مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، مات سنة (103). ينظر: الكاشف 3/ 147، والتقريب (ص: 946).
(2)
نسبةً إلى حروراء، قرية بظاهر الكوفة، وهي التي كان ابتداء خروج الخوارج منها. ينظر: الأنساب 4/ 134، ومعجم البلدان 3/ 138، والفتح 8/ 278.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 278 (كتاب 65 - التفسير، باب 5 - {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} [الكهف 103]، برقم: 4728).
(4)
قال ابن حجر (ت: 852): (ولعل هذا هو السبب في سؤال مُصعَب أباه عن ذلك). الفتح 8/ 278.
(5)
قال الشاطبي (ت: 790): (لأن الحرورية جَرَّدوا السيوف على عباد الله، وهو غاية الفساد في الأرض، وذلك كثير من أهل البدع شائع). الاعتصام (ص: 48).
الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} [الكهف 102 - 106]، كما يشهد له ورود هذا المعنى في القرآن في غيرما آية، فقد وصف الله تعالى الكافرين عمومًا بضلال أعمالهم في قوله {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد 1]، وقوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور 39]، ووُصِفَ بهذا النصارى على الخصوص في قوله تعالى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة 7].
*
الحكم على الاستدراك:
ورد عن علي وأبي أُمامة رضي الله عنهم أن هذه الآية في الخوارج، وقال به الضحاك (ت: 105)
(1)
، وهذا تفسير بالمثال
(2)
، ومعناه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية. وهذا الأسلوب معروف في تفاسير السلف
(3)
، ولا يُراد به الحصر، بل الآية عامَّةٌ في كل عاملٍ عملًا يحسبُهُ صوابًا ونجاةً، وهو ضلالٌ وهلكة، فتشمل اليهود والنصارى، والحرورية، وغيرهم.
ويدُلُّ على العموم صِيَغُهُ في الآية، نحو:"ال" المفيدة للاستغراق، و"الذين". ثُمَّ إن هذه الآية مكيَّة قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكُلِّيَّة
(4)
فهي عامَّةٌ في كل من عبد الله تعالى على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مُصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مُخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)
(1)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 210، وجامع البيان 16/ 43، وبحر العلوم 2/ 315، وتفسير ابن كثير 5/ 2198.
(2)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 545، والبحر المحيط 6/ 157.
(3)
سبقت الإشارة إلى هذا في الاستدراك رقم (41)(ص: 228).
(4)
ينظر: تفسير ابن كثير 5/ 2198.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية 1 - 4]، وقوله {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان 23]، ومن السُّنة قوله صلى الله عليه وسلم:(إنه ليأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامة، لا يزن عند الله جناحَ بعوضة وقال: اقرؤوا إن شئتم {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف 105])
(1)
، وقوله:(كلُّ بدعة ضلالة)
(2)
، فتشمل الآية أهلَ البدع عمومًا؛ لانطباق وصفها عليهم
(3)
. وقد ورد عن علي رضي الله عنه تفسير الآية بالرهبان وأهل الصوامع
(4)
. ممَّا يدلُّ على إرادته الاستشهاد بها على حال الخوارج، وانطباقها عليهم من هذا الوجه، لا حصرها فيهم، ويؤكده أنه إنما قال ذلك المعنى لأحد الخوارج
(5)
الذين سألوه وجادلوه في بعض الآيات، فلمَّا سأله الخارجي عن هذه الآية، قال علي رضي الله عنه:(أنتم يا أهل حروراء)، وفي لفظ:(ويلك، منهم أهل حروراء)
(6)
.
واختار العمومَ من المفسرين: ابنُ جرير (ت: 310)، وابن العربي (ت: 543)، وأبو حيَّان (ت: 745)، وابن كثير (ت: 774)، والشاطبي (ت: 790)
(7)
.
* * *
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 279 (4729)، ومسلم في صحيحه 6/ 272 (2785).
(2)
تقدم تخريجه (ص: 18).
(3)
ينظر: الاعتصام (ص: 50).
(4)
تفسير عبد الرزاق 2/ 348، وجامع البيان 16/ 41.
(5)
هو: عبد الله بن الكَوَّاء اليشكري، كبير الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه. ينظر: تفسير الثوري (ص: 179)، وتفسير ابن وهب 1/ 96، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 210، والفتح 12/ 296.
(6)
تفسير ابن سلاَّم 1/ 210، وتفسير عبد الرزاق 2/ 348، وجامع البيان 16/ 43.
(7)
ينظر: جامع البيان 16/ 44، وأحكام القرآن 3/ 183، والبحر المحيط 6/ 157، وتفسير القرآن العظيم 5/ 2198، والاعتصام (ص: 49).
[النور 2].
عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر
(1)
، أن عبدَ الله بن عمر حَدَّ جاريةً له، فقال للجالد، وأشارَ إلى رجلها وإلى أسفلها. قلت: فأين قول الله {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور 2]؟ قال: (إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعتُ حيث ضربتُ)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
فَسَّرَ عبيدُ الله النهي عن الرأفة في الآية بترك الإيجاع في الضرب، وعدم الاشتداد فيه، فأنكر إشارَةَ أبيه للجالد بالتخفيف، ومُعْتَمَده في هذا الفهم النهي العام في الآية، فكلمة "رأفةٌ" نكرةٌ في سياق النهي تفيد العموم. ويُؤَيِّدُه انتظام حكم الآية بذلك؛ فيجتمع بذلك ذكرُ عَدَدِ الحَدِّ وَصِفَتُه، فالعدد مئةٌ كما في أوَّل الآية، وصِفَتُها بلا رأفةَ فيها. ثُمَّ هو مُقتَضى الحَزم في أمر الله، فالشِّدَّةُ في إقامة الحدود من تمام الامتثال، ويعقبها الردع عنها، وهو من مقاصد الحدود المعلومة، قال تعالى {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم 12].
(1)
عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، ثقة، مات (قبل 106). ينظر: الكاشف 2/ 228، والتقريب (ص: 641).
(2)
أخرجه إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن (ص: 156)(233)، وعبد الرزاق في المصنف 7/ 376 (13537)، وابن جرير في تفسيره 18/ 88 (19460)، وابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2518 (14095)، والثعلبي في التفسير 7/ 63، والبيهقي في السنن 8/ 245 (16886)، وعزاه السيوطي في الدر 6/ 117 لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق نافع بن عمر، وابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله.
وإسناده صحيح.
وبَيَّن ابنُ عمر رضي الله عنه أن المُراد ب"الرأفة" المنهي عنها في الآية؛ الحامِلَةُ على تعطيل الحد، وعدم إقامته، لا تجاوز الحَدِّ في الضرب، وترك التوسط فيه؛ فإنه غير مأمور به. ومُعتَمَدُه في هذا الفهم لفظ الآية؛ فإن فيها {فِي دِينِ اللَّهِ} [النور 2]، أي: في حكم الله وأمره. كما في قوله تعالى {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف 76]، أي: حكمه. فالرأفةُ المنهي عنها في الآية: الرأفة في إقامة حكم الله، وهو الحَدُّ
(1)
. ويُؤَيدُه في السياق كذلك تعقيب النهي بقوله تعالى {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور 2]، وهذا تهييجٌ كالوعيد في ترك الحدود
(2)
، وقد اقترن تحقيق الإيمان والصدق فيه، بإقامة حكم الله وحدوده في كتاب الله كثيرًا، ومن ذلك قوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء 59]، وقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء 60]، إلى قوله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء 65]، وقوله {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور 51]. ومن السياق كذلك يُستفاد تقوية هذا القول؛ إذ الذي تقدم ذِكرُه: الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعًا إليه.
(3)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب إلى قول ابن عمر رضي الله عنه في الآية سعيدُ بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، والشعبي (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)،
(1)
ينظر: جامع البيان 18/ 90.
(2)
ينظر: الوسيط 3/ 303، وأنوار التنْزيل 2/ 712.
(3)
ينظر: التفسير الكبير 23/ 130.
والضحاك (ت: 105)، وأبو مجلز (ت: 106)، والحسن (ت: 110)، وعطاء (ت: 114)، والسدي (ت: 128)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، والكلبي (ت: 146)، وابن جريج (ت: 150)، ومقاتل (ت: 150)، ومعمر (ت: 153)، والثوري (ت: 161)، وابن زيد (ت: 182)، وابن عيينة (ت: 198).
(1)
وذهب سعيد بن المسيب (ت: 94)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، والحسن (ت: 110) في رواية، وقتادة (ت: 117)، وحمَّاد بن أبي سليمان
(2)
(ت: 120)، والزهري (ت: 124)، إلى أن المُراد الشِّدَّةُ في الضرب، وعدم التخفيف.
(3)
والقول الثاني ناتِجٌ عن الأوَّل، غيرَ أنَّ الأوَّل أصَحّ؛ لموافقته لفظ الآية، وسياقها، ولورود معناه في كتاب الله تعالى، ويُؤَيدهُ قول ابن جرير (ت: 310): (ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانِيَيْن إقامةُ الحدِّ عليهما على ما أَمَرَ، من جلد كلِّ واحدٍ منهما مئة جلدة، مع أن الشِّدَّةُ في الضرب لا حَدَّ لها يوقَفُ عليه، وكلُّ ضَربٍ أوجعَ فهو شديد، وليس للذي يوجِعُ في الشِّدَّة حَدٌّ لا زيادة فيه فيؤمر به، وغيرُ جائزٍ وَصفُهُ جَلَّ ثناؤه بأنه أَمَرَ بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو: عدد الجلد، على ما أَمَرَ به، وذلك هو إقامة الحدِّ
(1)
ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: 157)، وتفسير مقاتل 2/ 407، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 423، وتفسير عبد الرزاق 2/ 424، ومصنفُه 7/ 367، وتفسير البستي 1/ 415، وجامع البيان 18/ 88، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 495، ومعالم التنْزيل 6/ 8، وتفسير ابن كثير 6/ 2459.
(2)
حمَّاد بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم، أبو إسماعيل الكوفي، الفقيه الإمام، مات سنة (120). ينظر: الكاشف 1/ 252، والتقريب (ص: 269).
(3)
ينظر: أحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: 155)، وتفسير عبد الرزاق 2/ 424، وجامع البيان 18/ 88، وتفسير القرآن العزيز 3/ 220، والوسيط 3/ 303، ومعالم التنْزيل 6/ 8، وتفسير ابن كثير 6/ 2459.
على ما قلنا)
(1)
، وهو ما أشار إليه ابن عمر رضي الله عنه بقوله:(إن الله لم يأمرني أن أقتلها)، وفي لفظٍ:(أفأقتُلها؟!)، ويُوَضِّحُهُ الاستعمال القرآني لكلمة الجلد، قال الثعلبي (ت: 427): (يدُلُّ عليه من الآية أن الله سبحانه وتعالى أمَرَ بالجَلد؛ وهو: ضَربُ الجِلد. كالرَّأسِ: لِضَربِ الرأس. فَذَكَرَ الضربَ بلفظِ الجَلدِ لِئَلا يَنكَأَ، ولا يجرح، ولا تبلغ به اللحم)
(2)
، وقد رُوِيَ عن عمر وعلي رضي الله عنهم التخفيف في صفة جلد الزاني
(3)
، وهذا ضَربٌ من الرأفَة يَدُلُّ على أن المُراد في الآية النهي عن الرأفة المانعة من إقامة الحدّ
(4)
، والرأفةُ أمرٌ جِبِلِّيّ لا يتعلق بها تكليف، وإنما النهي عن آثارها كترك الجلد أو تنقيصه أو تخفيفه
(5)
، كما أن من هدي القرآن التحذير من موانع الحكم بما أنزل الله، سواءً كان المانع من خارج النفس، كما في قوله تعالى {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة 44]، وقوله {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة 48]، أو كان من داخل النفس، كالهوى، والرأفة المانعة من إقامة الحَدِّ، كما في هذه الآية. وهو قولُ جماعةِ المفسرين
(6)
.
(1)
جامع البيان 18/ 90.
(2)
الكشف والبيان 7/ 63.
(3)
ينظر: مصنف ابن أبي شيبة 5/ 495، ومصنف عبد الرزاق 7/ 368، والتمهيد 14/ 77.
(4)
ينظر: التمهيد 14/ 77، والمحرر الوجيز 4/ 162.
(5)
ينظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: 180).
(6)
قاله في التمهيد 14/ 77. وينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 245، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 426، وجامع البيان 18/ 90، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 28، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 496، ونكت القرآن 2/ 379، وبحر العلوم 2/ 425، والوسيط 3/ 303، وغرائب التفسير 2/ 788، والمحرر الوجيز 4/ 162، والتفسير الكبير 23/ 130، والإمام في بيان أدلة الأحكام (ص: 180)، وأنوار التنْزيل 2/ 712، ومجموع الفتاوى 15/ 287، 289، والبحر المحيط 6/ 394، وتفسير ابن كثير 6/ 2460.
عن عبد الله بن رُبَيِّعَة
(1)
قال: (قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت 45]؟ قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قال: قلت ذكر الله بالقرآن حسن، وذكره بالصلاة حسن، وبالتسبيح والتكبير حسن، وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها. قال: لقد قلت قولًا عجبًا، وما هو كذلك، ولكن ذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذِكرِكُم إيَّاه)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب عبد الله بن رُبَيِّعَة إلى أن المُراد بقوله تعالى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت 45]: ذكرُ الله عند المَحارم فيمتنع عنها
(3)
. وهذا مأخوذٌ من لفظ الآية وسياقها، فبعد أن ذكر في
(1)
عبد الله بن رُبَيِّعَة ابن فرقد السلمي، مُختَلفٌ في صحبته. ينظر: الكاشف 2/ 85، والتقريب (ص: 505).
(2)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 235)(758)، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 9 (2256)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد 2/ 495، وابن جرير في تفسيره 20/ 190 (21161)، وابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3067 (17348)، والسمرقندي في تفسيره 2/ 539، والحاكم في مستدركه 2/ 444 (3538)، والبيهقي في الشعب 1/ 449 (674)، والواحدي في الوسيط 3/ 422، واللفظ له، وعزاه السيوطي في الدر 6/ 412 للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. من طريق الثوري، ومسعر، وأبي الأحوص، وورقاء، وهُشَيم، وجرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن رُبَيِّعَة.
وإسناده صحيح لغيره، وصححه الحاكم. ورواية الكوفِيِّين «الثوري، ومسعر، وأبو الأحوص، وورقاء» عن عطاء قبل اختلاطه، وقد تابَعَ عطاءً مُطَرِّفُ بن طَريف، ومعاويةُ بن صالح. وتابعَ ابنَ عُبيد وابنَ رُبَيِّعةَ عطيةُ العوفي، وعليُّ ابن أبي طلحة، كما في كتاب الدعاء لابن فُضيل الضَبي (ص: 277) (98)، وتفسير ابن جرير 20/ 191 (21164)، وتفسير ابن أبي حاتم 9/ 3067 (17350)، ورواياتهم مُختَصرة.
(3)
كما في بعض ألفاظ الرواية عند ابن جرير 20/ 190 (21161).
الآيات أثر الصلاة ومكانتها، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، نبه إلى أن ذكر الله عند المعصية أكبر وأبلغ أثرًا في النهي عنها، من نهي الصلاة عنها؛ لإمكان تكرر هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة، ثم إن الصلاة ذكرٌ لله، قال تعالى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة 9]، أي: صلاة الجمعة. وشُرِعت إقامةً لذكر الله وتحصيلًا له، كما قال تعالى {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه 14]
(1)
، فلذلك أورثت نهيًا عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من ذكر الله عز وجل. وكأنه لَمَّا أمر بأمرين من أعمال البر عظيمين: تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة. نَبَّه على أصل ذلك وهو: ذكر الله، وما يتضمنه من الإيمان به على ما أمر وشرع، فكان أبلغ في الردع عن المعصية واقترافها
(2)
. قال ابن عطية (ت: 546): (وعندي أن المعنى {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت 45]، على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب .. ، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في النهي، والذكر النافع هو مع العلم، وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى)
(3)
، ويشهد لهذا القول قول ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت 45]: (ذكرُ الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر أن نذكره عند ما حَرَّم، فندع ما حَرَّم، ونذكره عند ما أحَلَّ، فنأخذ ما أحَلَّ)
(4)
.
وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن المُراد بالآية: ذكرُ اللهِ لمن يذكره، وأنه أكبر من ذكر العبد رَبَّه، وذلك أنه لمَّا ذكر تلاوة القرآن وإقامة الصلاة- وكلها من الذكر-، والله تعالى ذاكِرٌ من ذكره، كما قال تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة 152]، بَيَّن إثر ذلك أن ذكره لمن ذكره أعظم وأكبر من ذكر العبد له، وفي تعليل ذلك قالوا: لأن ذكر الله
(1)
الأظهر أن اللام في قوله {لِذِكْرِي} [طه 14] للتعليل. ينظر: الوابل الصيب (ص: 178).
(2)
ينظر: البحر المحيط 7/ 150، والتحرير والتنوير 20/ 260.
(3)
المحرر الوجيز 4/ 320.
(4)
أخرجه الثعلبي في تفسيره 7/ 282، من طريق جويبر، عن الضحاك، وإسناده ضعيف.
للعبد تفضل منه، وهو الغني، وفيه رحمة للعبد ونعمة، وذكر العبد لربه هو من توفيق الله له، والعبد محتاج له، ومُقَصِّرٌ فيه.
(1)
ويشهد له قول أبي الدرداء رضي الله عنه: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأحبِّها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: ما هو؟ قال: ذكرُكُم ربَّكم، وذكرُ اللهِ أكبرُ)
(2)
.
*
الحكم على الاستدراك:
اختار ابنُ عطية (ت: 546) قولَ عبد الله بن رُبَيِّعَةَ في الآية
(3)
، وجَوَّزَه الفراءُ (ت: 207)
(4)
، وهو قولٌ حسنٌ صحيح، قال عنه ابن عباس رضي الله عنه:(لقد قلت قولًا عجبًا)، ورُوِيَ نحوه عنه
(5)
.
وقال بقول ابن عباس: ابن مسعود، وسلمان، وأبو الدرداء، وابن عمر رضي الله عنهم، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والعوفي (ت: 111)، وأبو قُرَّة
(6)
، ومقاتل (ت: 150)، وشعبة
(7)
(1)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 281.
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 20/ 191 (21167)، والثعلبي في تفسيره 7/ 282، وإسناده حسن، وله حكم الرفع. وروى نحوه أبو الدرداء مرفوعًا بدون موضع الشاهد؛ أخرجه مالك 1/ 211، وأحمد 5/ 195 (21750)، و 6/ 447 (27565)، والترمذي 5/ 459 (3377)، وابن ماجة 2/ 1245 (3790)، وإسناده حسن.
(3)
المحرر الوجيز 4/ 320.
(4)
معاني القرآن 2/ 317، وينظر: الوسيط 3/ 421.
(5)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 2/ 632.
(6)
أبو ليلى الكِندي مولاهم، الكوفي، قيل اسمه: سلمة بن معاوية، وقيل غيره، من الثقات. ينظر: الكاشف 3/ 372، والتقريب (ص: 1198).
(7)
شعبة بن الحجاج بن الوَرد العَتَكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثقة حافظ متقن، أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة (160). ينظر: الكاشف 2/ 11، والتقريب (ص: 436).
(ت: 160)
(1)
، واختاره ابن قتيبة (ت: 276)، وابن جرير (ت: 310)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، وابن عبد البر (ت: 463)، والقرطبي (ت: 671)، وأبو حيان (ت: 745)، وابن كثير (ت: 774).
(2)
وهو أظهر القولين، وعليه الأكثر، والقول الأول مترتب عليه، فإن ذكر الله تعالى إنما كان أبلغ في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة لأمور؛ من أعظمها ذكر الله تعالى لصاحبه، وحفظه له، وعصمته من أن يراه في حالٍ لا تُرضيه.
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه كلا القولين السابقين، كما ورد عنه القول بالعموم
(3)
، واختاره بعض المفسرين
(4)
، والاختلاف هنا من اختلاف التنوع المُحتَمِل لتعدد الأقوال.
* * *
[الشورى 23].
عن طاووس قال: سُئِل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23]؟، فقال سعيد بن جبير: هم قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ، إن
(1)
ينظر: تفسير مجاهد 2/ 495، وتفسير مقاتل 2/ 520، وتفسير ابن سلاَّم 2/ 632، وجامع البيان 20/ 190، وتفسير القرآن العزيز 3/ 348، والاستذكار 2/ 517، والجامع لأحكام القرآن 13/ 231، وتفسير ابن كثير 6/ 2699.
(2)
ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: 288)، وجامع البيان 20/ 193، وتفسير القرآن العزيز 3/ 348، والاستذكار 2/ 517، والجامع لأحكام القرآن 13/ 231، والبحر المحيط 7/ 150، وتفسير القرآن العظيم 6/ 2699.
(3)
ينظر: جامع البيان 20/ 193، وتفسير ابن أبي حاتم 9/ 3067.
(4)
ينظر: بحر العلوم 2/ 539، والوسيط 3/ 421، والوجيز 2/ 834، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 400، والتحرير والتنوير 20/ 260.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ، فقال: إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب سعيد بن جبير إلى أن معنى الآية: أن تودُّوني في قرابتي، فتحسنوا إليهم وتَبَرُّوهم. ودعاه إلى هذا ظاهر لفظ الآية، وقد رُويَ فيه عن ابن عباس مرفوعًا:(لمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: فاطمة وولديها)
(2)
، ويشهد لهذا المعنى سبب نزول الآية، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال:(قالت الأنصار: فَعَلنَا وفَعَلنَا، وكأنهم فَخَرُوا، فقال ابن عباس، أو العباس رضي الله عنهم: لنا الفضلُ عليكم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أَذِلَّة فأعزَّكُم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ألم تكونوا ضُلاَّلًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يُخرِجك قومُك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جَثَوا على الركب، وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال: فنَزلت {قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23])
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 426 (كتاب 65 - التفسير، باب {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23]، برقم: 4818)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 298 لمسلم، وليس في صحيحه، قال ابن كثير (ت: 774): (انفرد به البخاري). تفسير القرآن العظيم 7/ 3123.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 7/ 3124، والطبراني في الكبير 3/ 47 (2641)، والواحدي في الوسيط 4/ 51، قال ابن حجر (ت: 852): (وإسناده واه؛ فيه ضعيف ورافضي)، وضعفه ابن كثير، والسيوطي. ينظر: تفسير القرآن العظيم 7/ 3125، والفتح 8/ 427، والدر 7/ 300.
(3)
أخرجه ابن جرير 25/ 33 (23699)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 7/ 3124، والثعلبي 8/ 312، وإسناده ضعيف، وضعفه ابن كثير، وابن حجر. ينظر: تفسير القرآن العظيم 7/ 3124، والفتح 8/ 427.
وردَّ ابنُ عباس رضي الله عنه قولَ ابن جبير، وذهب إلى أن المعنى: لا أسألكم يا معشر قريش على هذا البلاغ والنصح أجرًا، إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم، حتى أُبَلِّغ رسالةَ ربي. وهذا القول معتمد على لفظ الآية، وسبب نزولها، فعن قتادة (ت: 117) قال: (اجتمع المشركون في مجمعٍ لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسألُ على ما يتعاطاه أجرًا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية)
(1)
. ويشهد له كذلك زمن نزول الآية، فالسورة مكية
(2)
، وسياقها في خطاب المشركين، قال تعالى بعد هذه الآية {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الشورى 24]، كما يشهد له واقع الحال، وذلك فيما ذكر ابن عباس رضي الله عنه بقوله:(إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ).
*
الحكم على الاستدراك:
وافق ابنَ جبير (ت: 95) في قوله في هذه الآية: عليُّ بن الحسين
(3)
(ت: 93)، وعمرو بن شعيب
(4)
(ت: 118)، والسدي (ت: 128) في رواية
(5)
، وعلى هذا القول تكون الآية عامَّة في حقِّ جميع المكلَّفين.
وقال بقول ابن عباس رضي الله عنه: مجاهدُ (ت: 104)، والشعبيُّ (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وأبو مالك، وقتادة (ت: 117)، والسدي
(1)
أسباب النُّزول (ص: 374)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن 16/ 17، والفتح 8/ 427.
(2)
ينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: 28)، والكشف والبيان 8/ 310، وتفسير ابن كثير 7/ 3124.
(3)
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، زين العابدين، ذو الثفنات، ثقة عابد فقيه فاضل مشهور، مات سنة (93). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 108، والسير 4/ 386.
(4)
عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم السهمي القرشي، محدث صدوق، مات سنة (118). ينظر: الكاشف 2/ 332، وتهذيب التهذيب 3/ 277، والتقريب (ص: 738).
(5)
ينظر: جامع البيان 25/ 33، والنكت والعيون 5/ 202، والجامع لأحكام القرآن 16/ 16.
(ت: 128) في رواية، وابن زيد (ت: 182)
(1)
. وعلى هذا القول فالآية خاصةٌ بقريش، وهو الصحيح في معنى الآية؛ لدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وزمن نزولها، فهي مكية باتفاق
(2)
، وحملُ القرابات في الآية على العموم أولى من التخصيص بلا دليل.
وأدلة القول الأول لا حُجَّة فيها، وبيان ذلك من وجوه:
أولًا: الحديث المرفوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
(3)
ثانيًا: سبب النُّزول لا يصح، ويرُدُّه كون الآية مكية.
(4)
ثالثًا: كما يضعف هذا القول من جهة نظم الآية؛ إذ قال فيها {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى 23]، ولو أراد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته لقال: إلا المودة للقربى، أو لذوي القربى، كما في قوله تعالى {* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال 41]، وقوله {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الحشر 7]، وقد بَيَّن ابن تيمية (ت: 728) عادة القرآن في ذلك فقال: (جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم، وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيها: ذوي القربى
(5)
، ولم يقل: في القربى. فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دلَّ على أنه لم يُرِد ذوي القربى)
(6)
.
رابعًا: ليس من طريقة أنبياء الله أن يأخذوا على تبليغ رسالةِ الله أجرًا البتة، بل أجرهم على الله تعالى، وأدلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى لنبيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [ص 86]، وقوله {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} [سبأ 47].
(1)
جامع البيان 25/ 30، والكشف والبيان 8/ 310، والوسيط 4/ 51، والجامع لأحكام القرآن 16/ 15.
(2)
ينظر: منهاج السنة النبوية 7/ 99.
(3)
ينظر: منهاج السنة النبوية 4/ 563، و 7/ 95.
(4)
ينظر: فتح الباري 8/ 427.
(5)
أو {أُوْلُوا الْقُرْبَى} كما في سورتي [النساء: 8، والنور: 22]، وهي بِمعناها.
(6)
منهاج السنة النبوية 101، وينظر: جامع البيان 25/ 35.
والاستثناء في الآية منقطع، ومعناه: ما أسألكم عليه من أجر لكني أسألكم المودة في القربى. وهذا نظير قوله تعالى {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان 57]
(1)
. أمَّا طلبه صلى الله عليه وسلم من قريش أن تحفظ قرابته، ولا تؤذيه، وتمنعه من أذى الناس، كما يمنعون كل من بينهم وبينه مثل قرابته، فليس بأجر على التبليغ؛ لأن كل أحد يوَدُّهُ أهلُ قرابته وينتصرون له من أذى الناس، وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرًا على التبليغ لأنه لم يؤمن، وإذا كان لا يسألُ أجرًا إلا هذا الذي ليس بأجر، تحقَّقَ أنه لا يسألُ أجرًا، كقول الشاعر
(2)
:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُم
…
بِهِنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
(3)
واختار هذا القول من المفسرين ابن قتيبة (ت: 276)، وابن جرير (ت: 310)، والزجاج (ت: 311)، والثعلبي (ت: 427)، والسمعاني (ت: 489)، وابن الجوزي (ت: 597)، ونسبه للمُحَقِّقين، وابن تيمية (ت: 728)، وابن القيم (ت: 751)، وابن كثير (ت: 774)، وابن حجر (ت: 852)، والشنقيطي (ت: 1393).
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
في قول ابن عباس رضي الله عنه لسعيد بن جبير: (عَجِلْت)، بيانٌ لسببٍ من أهم أسباب الخطأ في التفسير، وهو التعجُّل في حمل الآية على إحدى المعاني المحتملة،
(1)
ينظر: جامع البيان 25/ 35، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 398، ونكت القرآن 4/ 98، والوسيط 4/ 53، ومنهاج السنة النبوية 7/ 102.
(2)
هو: النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه (ص: 11).
(3)
ينظر: التفسير الكبير 27/ 142، وأضواء البيان 7/ 122.
(4)
ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: 250)، وجامع البيان 25/ 35، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 398، والكشف والبيان 8/ 310، وتفسير السمعاني 5/ 73، وزاد المسير (ص: 1268)، ومنهاج السنة النبوية 4/ 26، و 7/ 95، وبدائع الفوائد 3/ 1056، وتفسير القرآن العظيم 7/ 3123، والفتح 8/ 427، وأضواء البيان 7/ 123.
دون التحقق من صحته، ومن ضعف المعاني الأخرى وتأخرها في الاعتبار. والتعجل في مثل هذا المقام يُضَيِّقُ مجال الاحتمالات الواردة، ويعمد بالمفسر إلى المُتبادر من المعاني التي لم تأخذ حظها من التحرير.
* * *
[52]{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر 51].
عن أبي جَمرَةَ
(1)
قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد؟ فقال: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ، هم: عُصبَةُ الرجال)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذَكَرَ السائلُ للقسورةِ في الآية معنى: الأسد. وهو معنىً صحيح لُغةً
(3)
، ويصح به سياق الآية، فإن الله ذكرَ حُمُرًا مُمْعِنةً في الهرب والفرار، وهذا حالها حين تَفِرُّ من الأسد.
(1)
نصر بن عمران بن عصام الضُّبَعي، أبو جمرة البصري، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة (128). ينظر: الكاشف 3/ 202، والتقريب (ص: 1000).
وقد رُسِمَت في بعض المراجع بالحاء (حمزة)، ونَصَّ ابن الجوزي في زاد المسير (ص: 1491) على أنه: نصر بن عمران الضبعي، وكُنيَتُه مشهورة بالجيم (جمرة)، وهو في الدر 8/ 313 كذلك، وينظر: الإكمال، لابن ماكولا 2/ 506.
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 29/ 211 (27509)، والثعلبي في تفسيره 10/ 78، وعزاه ابن حجر في الفتح 8/ 544 لسعيد بن منصور، والسيوطي في الدر 8/ 313 لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق شعبة، عن أبي جَمرَة نصر بن عمران.
وإسناده صحيح. وله متابعات عن عطاء ومجاهد، أخرجها ابن وهب في تفسيره 1/ 10 (16)، من طريق مسلمة بن علي الخُشَني، وأسانيدها ضعيفة.
(3)
ينظر: مقاييس اللغة 2/ 401، وجمهرة اللغة 2/ 1179، والصحاح 2/ 791.
ورَدَّ ابنُ عباس رضي الله عنه أن تكون القسورة بمعنى الأسد، لِعَدَم علمه بهذا المعنى في لغةِ أحدٍ من العرب، وذكر أن المعنى: عُصبَةُ الرجال. وهو معنىً صحيح لُغةً
(1)
، ولَمَّا سُئِل ابن عباس عن القسورة قال: (جَمْعُ الرجال، ألم تسمع ما قالت فُلانة في الجاهلية
(2)
:
يا بِنتِ كونِي خَيْرَةً لِخَيِّرَة
…
أخْوالُها في الحَيِّ أهلُ القَسوَرَة)
(3)
.
كما أنه مُتَّسِقٌ مع سياق الآية، فإن شِدَّة فرار الحمر المستنفرة ربما كان بسبب عُصبَة الرجال عند طِرادِها وصيدها.
*
الحكم على الاستدراك:
لفظ "قَسْوَرَة" مأخوذٌ من القَسْرِ، وهو: القهر والغلبة
(4)
، وكل ضخم شديد عند العرب قسورة
(5)
، وكلا مَعْنَيَي القسورة هنا (الأسد، وعُصبَة الرجال) مُتَحَقِّقٌ فيه ذلك، فهما معنيان صحيحان لُغَةً كما سبق
(6)
، وهذه الكلمة من المُشتَرَكٌ اللفظي الذي تتعدد معانيه الأصلية ويتَّحِدُ لفظه
(7)
، ثم كلا المعنيين مقبولٌ في سياق الآية، ويصح به المعنى، وقد تداولت أقوالُ المفسرين في هذه الآية جُلَّ معاني القسورة:
1 -
فذهب ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وقتادة
(1)
ينظر: العين 3/ 387، وجمهرة اللغة 2/ 1176، وتهذيب اللغة 8/ 305، ويكفي وروده عن ابن عباس رضي الله عنه.
(2)
لَمْ أقف على قائلته.
(3)
ينظر: جامع البيان 23/ 458 ط/ التركي، والكشف والبيان 10/ 78.
(4)
ينظر: العين 3/ 387، والغريبين 5/ 1539، والمحرر الوجيز 5/ 399.
(5)
ينظر: صحيح البخاري 8/ 544، والكشف والبيان 10/ 79.
(6)
وينظر: نزهة القلوب (ص: 370)، وياقوتة الصراط (ص: 542)، وخزانة الأدب 6/ 68.
(7)
سبق الحديث عنه في الاستدراك رقم (30)(ص: 178).
(ت: 117)، ومقاتل (ت: 150)، إلى أنهم: الرُّماة، والقُنَّاصُ، وعُصبَةُ الرجال.
(1)
2 -
وعن ابن عباس من طريق عطاء أنه: رِكزُ الناس وأصواتهم
(2)
. وهو قريب من القول الأول.
3 -
وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة
(3)
، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وعطاء (ت: 114)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، والكلبي (ت: 146)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: 182)، أنه: الأسد
(4)
. واختاره أبو عبيدة (ت: 210)، والزجاج (ت: 311)، والواحدي (ت: 468)، والكرماني (ت: بعد 500)، والبيضاوي (ت: 685)
(5)
، وجمهورٌ من اللغويين.
(6)
وما دامت جميع هذه المعاني صحيحة لُغةً وسياقًا، فيصِحُّ دخولها جميعًا في معنى الآية، فتُحمَلُ الآية على العموم
(7)
. وسبب تعدد أقوال المفسرين هنا أن لفظ "قَسْوَرَة" من المشترك اللفظي
(8)
، وحيث كانت معاني المشترك اللفظي غير متضادة، ولا قرينة تُقَدِّم أحدَها، صَحَّ حمله على تلك المعاني جميعًا.
(9)
غير أن القول الأوَّل يتقدم باعتباره قول جمهور المفسرين، كما قال ابن كثير
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 420، وجامع البيان 29/ 210، والجامع لأحكام القرآن 19/ 58.
(2)
تفسير عبد الرزاق 3/ 267 (3400)، وجامع البيان 29/ 212 (27512)، وإسناده صحيح.
(3)
جامع البيان 29/ 213 (27515)، وإسناده حسن.
(4)
ينظر: جامع البيان 29/ 212، وزاد المسير (ص: 1491)، والجامع لأحكام القرآن 19/ 58.
(5)
ينظر: مجاز القرآن 2/ 276، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 250، والوسيط 4/ 388، والوجيز 2/ 1152، وغرائب التفسير 2/ 1276، وأنوار التنْزيل 2/ 1112.
(6)
ينظر: المحرر الوجيز 5/ 399، والبحر المحيط 8/ 372، وروح المعاني 29/ 207.
(7)
ينظر: تيسير الكريم الرحمن 2/ 955.
(8)
ينظر: مجموع الفتاوى 13/ 340.
(9)
ينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: 98)، و (ص: 179) من هذا البحث.
(ت: 774)، وابن عاشور (ت: 1393)
(1)
، واختاره الزمخشري (ت: 538)، والقرطبي (ت: 671)، والشوكاني (ت: 1250)
(2)
، ولاعتماد ابن عباس رضي الله عنه له في مقابل معنىً صحيح ورد عنه من طريق آخر. ثُمَّ عدم معرفة ابن عباس رضي الله عنه بالمعنى الثاني الذي سُئِلَ عنه- ولو في بادئ الأمر- يُؤخر رتبة هذا اللفظ في المعنى، وأقل ما يفيد ذلك تأخره في الشهرة عن المعنى الأول الذي ذكره ابن عباس، مع استصحاب سعة علم ابن عباس القرشي بلسان العرب، وعلم التفسير، وفقه الشريعة.
والتشبيه على هذا القول يكون جاريًا على مراعاة الحالة المشهورة في كلام العرب، وأقرب إلى حِسِّهم ونظرهم من التشبيه بالأسد؛ فإنه تشبيهٌ مُبتَكَر لحالَةِ إعراض مَخلوط برعب، فاجتمعَ فيه تمثيلان
(3)
، وبيان المعنى بتمثيل محسوس يباشره السامع، أقرب وأبلغ في نفس السامع من غيره من وجوه التمثيل الخارجة عنه.
وقول ابن عباس رضي الله عنه: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ)، ليسَ فيه إبطالٌ لهذا المعنى؛ لأمور:
أولًا: قول الشافعي (ت: 204) فيما اشتهر عنه: (لسان العرب أوسع الألسِنةِ مَذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي)
(4)
، وقال ابن فارس (ت: 395) مُعَلِّقًا: (وهذا كلامٌ حَريٌّ أن يكون صحيحًا، ولا نعلمُ أحدًا ممن مضى ادعى حفظَ اللغةِ كلَّها)
(5)
. وابن عباس رضي الله عنه في مقولته هذه إنما نفى علمه بهذا المعنى، وعدم العلم لا يعني العلم بالعدم.
(1)
ينظر: تفسير القرآن العظيم 8/ 3663، والتحرير والتنوير 29/ 330.
(2)
ينظر: الكشاف 4/ 643، والجامع لأحكام القرآن 19/ 58، وفتح القدير 5/ 441.
(3)
ينظر: التحرير والتنوير 29/ 330.
(4)
الرسالة (ص: 42).
(5)
الصاحبي (ص: 24)، وينظر: الاعتصام (ص: 504).
ثانيًا: أنه قد صَحَّ عن ابن عباس تفسير القسورة بالأسد كما مرَّ، وهذا يؤكد علمه به في لغة العرب بعد أن لم يكن يعلمه.
ثالثًا: قد يكون مُراده بتلك العبارة: نفي أن تكون "قسورة" بمعنى الأسد في أصل لغة العرب، قال الفراهي
(1)
(ت: 1349): (وأمَّا كون بعض الألفاظ من غير لغة قريش، فإن صَحَّت الرواية فنحملها على بيان أصل الكلمة، فإنه لا شكَّ أن غيرَ واحدٍ من الألفاظ العربية مجلوبةٌ من لسان آخر، مثل كلمة: سِجِّيل، وقسطاس، وقنطار، وهذا لا يجعل الكلمة غريبة، ولا مجهولة)
(2)
، وقال ابن عاشور (ت: 1393): (وعنه- أي: ابن عباس- أنه أنكر أن يكون قَسوَر اسم الأسد، فلعله أراد أنه ليس في أصل العربية، وقد عَدَّه ابن السبكي
(3)
في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة العرب، في أبيات ذكر فيها ذلك
(4)
(5)
، ويقوي هذا التوجيه ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قال عن القسورة: (هو بالعربية: الأسد. وبالفارسية: شار. وبالنبطية: أريا. وبالحبشية:
(1)
عبد الحميد بن عبد الكريم الأنصاري، حميد الدين أبو أحمد الفراهي، عالم لُغوي مُفسر، صنف: نظام الفرقان، ومفردات القرآن، وإمعان في أقسام القرآن، مات سنة (1349). ينظر: مقدمة مفردات القرآن (ص: 11).
(2)
مفردات القرآن (ص: 109).
(3)
عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تاج الدين أبو نصر الشافعي، فقيه أصولي، شرح مختصر ابن الحاجب، وله طبقات الشافعية الكبرى، مات سنة (771). ينظر: الدرر الكامنة 3/ 232، وشذرات الذهب 8/ 378.
(4)
أوردها السيوطي في الإتقان 1/ 281، وهي خمسة أبيات، وذَيَّل عليها ابنُ حجر ثم السيوطي، فبلغت الألفاظ فيها جميعًا فوق المِئَة، وقد تعقب كُلٌّ من الدكتور عبد الصبور شاهين، وعبد الجليل عبد الرحيم جُملَةً وافرة مما ذكره السيوطي من معرب القرآن، وبَيَّنَا عربيَّتها. ينظر: القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث (ص: 311 - 328)، ولغة القرآن الكريم (ص: 219 - 228).
(5)
التحرير والتنوير 29/ 330، وعن المُعَرَّب في القرآن ينظر: الرسالة (ص: 44)، والصاحبي (ص: 32)، والبرهان 1/ 359، والإتقان 1/ 271، ولغة القرآن الكريم (ص: 198 - 213)، ومُعَرَّب القرآن عربيٌّ أصيل (ص: 4 - 26).
قسورة)
(1)
، وسُئِلَ عكرمة عن القسورة فقال:(الرُّماة. فقال له رجل: هو الأسد بلسان الحبشة. فقال عكرمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عَنْبَسَة)
(2)
.
ومن مسائل هذا الاستدراك
في قول ابن عباس رضي الله عنه: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ):
أولًا: التأكيدُ على اشتراط موافقة لسان العرب لِصِحَّة المعنى. فمفهوم عبارته رضي الله عنه: لو وافق لغةَ أحدٍ من العرب لقُبِل.
ثانيًا: لا يشترط في هذه الموافقة أن تكون على لغةِ أحَدٍ من العرب بعينه، فإنَّ لُغاتهم تتباين، وبِأفصَحِها نزل القرآن
(3)
؛ {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء 195]، فلو وافق لُغةَ أحدهم لَصَحَّ الأخذُ به في التفسير.
ثالثًا: التنبيه على الأدب الواجب في مثل هذا المقام، حيث لم يَنفِ رضي الله عنه مجيءَ هذه اللفظة بهذا المعنى في لغة العرب، وإنما نفى علمَهُ بذلك، وهذا من كمال فقهه وإنصافه؛ فإن عدمَ العلم لا يعني العلم بالعدم، ولا يُحيط بلسان العرب إلا نبيّ، كما مَرَّ عن الشافعيّ (ت: 204).
* * *
(1)
جامع البيان 29/ 212 (27515)، والكشف والبيان 10/ 79، وفي إسناده ضعف.
(2)
جامع البيان 29/ 211 (27505)، وإسناده حسن.
(3)
ينظر: لغة القرآن الكريم (ص: 105 - 109). وقال ابن خالويه (ت: 370): (أجمع الناس جميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مِمَّا في غير القرآن، لا خلاف في ذلك). المزهر 1/ 168.
[53]{الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون 5].
عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص
(1)
قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله عز وجل {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون 5]، أهي تركها؟ - وفي رواية: أهو ما يُحَدِّثُ به أحدنا نفسه في صلاته-. قال: (لا، ولكن تأخيرها عن وقتها)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
دار سؤال مصعبٍ أباه حول معنيين للسهو عن الصلاة المذكور في الآية
(3)
: الأول: تركها. والثاني: السهو فيها، وانصراف القلب عنها، وترك شيء من فروضها. وكلا المعنيين صحيحٌ لُغةً، ويحتمله السياق، فقد وُصِفوا في الآية قبلها بالمصلين،
(1)
سبقت ترجمته في الاستدراك رقم (48)(ص: 252).
(2)
أخرجه سفيان بن عيينة، كما في الضعفاء، للعقيلي 3/ 377، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 465 (3714)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد 2/ 786، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة 1/ 125 (43)، وأبو يعلى في مسنده 2/ 63 (704 - 705)، وابن جرير في تفسيره 30/ 401 (29450)، والنحاس في إعراب القرآن 5/ 187، والبيهقي في السنن 2/ 214 (2980 - 2981)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 585 للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه. من طريق موسى الجهني، وطلحة بن مُصَرف، وعاصم بن بَهدلة، وسماك، عن مصعب بن سعد.
وإسناده صحيح. وصححه الحاكم، والبيهقي في السنن 2/ 214، وابن كثير في تفسيره 8/ 3870، وحسنه الهيثمي في المجمع 1/ 325. وينظر: الدر 8/ 585.
وأخرجه مرفوعًا البزار في مسنده 3/ 344 (1145)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة 1/ 124 (42)، وأبو يعلى في مسنده 2/ 140 (822)، وابن جرير في تفسيره 30/ 403 (29463)، والطبراني في الأوسط 2/ 377 (2276)، والبيهقي في السنن 2/ 214 (2982 - 2983)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 585 لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. من طريق عكرمة بن إبراهيم الأزدي، عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه. وقد رواه الحفاظ موقوفًا كما سبق، ولا يصح رفعه؛ لمخالفة عكرمة فيه جماعَةَ الثقات، مع اتفاقهم على ضعفه. ينظر: مسند البزار 3/ 345، وسنن البيهقي الكبرى 2/ 214، والترغيب والترهيب 1/ 218، ومجمع الزوائد 1/ 325.
(3)
ينظر: مسند أبي يعلى 2/ 64 (705).
قال تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} [الماعون 4]، وليس الوعيد هنا لأهل الصلاة قَطعًا، ولا للمُصَلين كما أمر الله تعالى، وإنما هو لمن يصلي ويترك، أو لمن يصلي على غير ما أمر الله تعالى وشرع. ولِحاقُ الآية يشهد لكلا المعنيين، فقوله تعالى {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} [الماعون 6]، وَصفٌ لأهل الرياء الذين يصلون مع الناس، ويتركونَها في خلوتهم، قال تعالى عن المنافقين {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء 142]
(1)
. وكذا يصلح وصفًا لمن لا يقيم صلاته كما أمر الله تعالى، وإنما يراقب الخلق في عمله، فينصرف قلبه عن صلاته، فيسهو فيها.
ورَدَّ سعدٌ رضي الله عنه هذين المعنيين، وحَمَل المعنى على تأخير الصلاة عن وقتها، وهو معنىً صحيحٌ في اللغة، مقبولٌ في سباق الآية ولحاقها، فهم مصلون كما في الآية قبلها، ولكنهم عن وقتها ساهون ومؤخرون، قال تعالى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم 59]
(2)
، وهو حال المنافقين المرائين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم عنهم:(تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقُبُ الشمسَ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب ابن عباس رضي الله عنه
(4)
، ومجاهد (ت: 104)
(5)
، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والقُرَظي (ت: 108)، والحسن (ت: 110)، وابن زيد (ت: 182)
(6)
، إلى
(1)
ينظر: الكشف والبيان 10/ 305.
(2)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 20/ 144.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 265 (622)، وينظر: تفسير ابن رجب 2/ 637.
(4)
من طريق ابن أبي طلحة، والعوفيين. ينظر: جامع البيان 30/ 402.
(5)
من طريق ابن أبي نجيح. ينظر: جامع البيان 30/ 403.
(6)
تفسير مجاهد 2/ 788، وتفسير ابن وهب 1/ 53، وتعظيم قدر الصلاة 1/ 126، والكشف والبيان 10/ 305.
أن المراد بالسهو هنا: ترك الصلاة. وليس مُرادهم مُطلَقُ الترك، فإن الآيةَ قبلها نَصٌّ في وقوع الصلاة منهم، وإنما كما قال ابن عباس رضي الله عنه:(هم المنافقون؛ يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا)
(1)
، وقد أبطلَ ابن مسعود رضي الله عنه معنى الترك بالكُلِّيَّة فقال:(والله ما تركوها البَتَّة، ولو تركوها البَتَّة كانوا كُفَّارًا)
(2)
.
وذهب ابن عباس رضي الله عنه
(3)
، ومجاهد (ت: 104)
(4)
، وقتادة (ت: 117)، وابن زيد (ت: 182)، والفراء (ت: 207)، إلى أن المُراد: التهاون، والتغافل، واللهو عنها
(5)
. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: {عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون 6]
(6)
.
وذهب أبو العالية (ت: 93)، إلى أن المُراد: السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟
(7)
.
وذهب سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وابن أبزى رضي الله عنهم، ومسروق (ت: 63)، وأبو العالية (ت: 93)، والنخعي (ت: 96)، وأبو الضحى (ت: 100)، ومصعب بن سعد (ت: 103)، والحسن (ت: 110)، وأحمد ابن حنبل (ت: 241)، إلى أن المُراد: تأخيرها عن وقتها.
(8)
وجُملَةُ الأقوال السابقة صحيحة مُحتَمَلَة، ومُتقاربَةٌ غير مُتعارضة، فالسهو في
(1)
جامع البيان 30/ 402 (29456).
(2)
زاد المسير (ص: 1594)، وينظر: نكت القرآن 4/ 550، والتفسير الكبير 32/ 107.
(3)
معاني القرآن، للفراء 3/ 295.
(4)
من طريق ليث، وابن أبي نجيح. ينظر: جامع البيان 30/ 403.
(5)
معاني القرآن، للفراء 3/ 295، وجامع البيان 30/ 403.
(6)
تفسير مجاهد 2/ 786، والقراءات الشاذة، لابن خالويه (ص: 181).
(7)
تفسير مجاهد 2/ 787، وتفسير عبد الرزاق 3/ 464.
(8)
تفسير مجاهد 2/ 787، وجامع البيان 30/ 401، وزاد المسير (ص: 1594)، وبدائع الفوائد 3/ 1029.
أصل اللغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه
(1)
. وهو منطبقٌ على جميع المعاني السابقة، وهي مُتَرَتِّبَة عليه، وسبق بيان احتمال السياق لَهَا جميعًا. فجميعها صُوَرٌ للسهو عن الصلاة، وأمثلة له، وبعضها مترتب على الآخر، ومن لازمه.
(2)
ويشهد للعموم ورود عدد من تلك المعاني عن المفسر الواحد، كابن عباس رضي الله عنه، وأبي العالية (ت: 93)، ومجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، وابن زيد (ت: 182). قال ابن كثير (ت: 774): (ساهون: إما عن فعلها بالكلية .. ، وإما عن فعلها في الوقت المُقَدَّر .. ، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كُلَّه، ولكل من اتَّصفَ بشيء من ذلك قِسطٌ من هذه الآية، ومن اتَّصَفَ بجميع ذلك فقد تَمَّ نصيبُهُ منها، وكَمُلَ له النفاق العملي)
(3)
. وجمهور المفسرين على العموم، كمقاتل (ت: 150)، وابن جرير (ت: 310)، والزجاج (ت: 311)، والجصاص (ت: 370)، والواحدي (ت: 468)، والزمخشري (ت: 538)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن كثير (ت: 774)، والشوكاني (ت: 1250)، والآلوسي (ت: 1270)، والسعدي (ت: 1376)، وابن عاشور (ت: 1393).
(4)
(1)
ينظر: تهذيب اللغة 6/ 194، ومقاييس اللغة 1/ 573.
(2)
ينظر: روح المعاني 30/ 657.
(3)
تفسير القرآن العظيم 8/ 3868.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 527، وجامع البيان 30/ 403، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 367، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 643، والوسيط 4/ 558، والوجيز 2/ 1235، والكشاف 4/ 799، ومنهاج السنة النبوية 5/ 210، ومجموع الفتاوى 15/ 234، و 22/ 23، و 35/ 106، وتفسير ابن كثير 8/ 3868، وفتح القدير 5/ 674، وروح المعاني 30/ 657، وتيسير الكريم الرحمن 2/ 1065، والتحرير والتنوير 30/ 568.
وقد استُبعِدَ تفسير أبي العالية (ت: 93) بأنه: (السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟)، من جهةِ لفظ الآية؛ فإن في الآية {عَنْ صَلاتِهِمْ} [الماعون 5]، وليس "في صلاتهم"، قال عطاء بن دينار
(1)
(ت: 126): (الحمد لله الذي قال {عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون 5]، ولم يقل: في صلاتهم ساهون)
(2)
، وقد فَطِنَ لهذا الحسن (ت: 110)، فأجاب أبا العالية حين ذكر تفسيره ذلك:(مَه يا أبا العالية ليس هذا!، بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم؛ ألا ترى قوله عز وجل {عَنْ صَلاتِهِمْ} [الماعون 5]؟)
(3)
، قال الخطابي
(4)
(ت: 388): (وإنما أُتِيَ أبو العالية في هذا حيثُ لم يُفَرِّق بين حرف "عن" و"في"، فَتَنَبَّه له الحسن)
(5)
، والفرق بينهما أن السهو عن الصلاة يكون خارجها؛ بتركها، وقلة الالتفات إليها، وتأخيرها عن وقتها، كحال المنافقين مثلًا، والسهو فيها يكون داخلها؛ نحو ما يعتري المصلي من وساوس الشيطان، وحديث النفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، وقد وقع نحوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ أثبت الفقهاءُ باب سجود السهو في كُتُبهم
(6)
. وفي بعض طرق الاستدراك قال سعدٌ رضي الله عنه لابنه: (أوليس كُلُّنا يفعل ذلك؟)
(7)
، وذكرَ النحاس (ت: 338) قولَ أبي العالية هذا وقال: (وأولى من هذا القول؛ لعلُوِّ من قال
(1)
عطاء بن دينار الهذلي مولاهم، أبو الرَّيَّان المصري، محدِّث صدوق، أرسلَ عن سعيد بن جبير صحيفةً في التفسير كتبها سعيد لعبد الملك بن مروان، مات سنة (126). ينظر: الكاشف 2/ 265، وتهذيب التهذيب 3/ 101.
(2)
جامع البيان 30/ 404، وتفسير ابن كثير 8/ 3868.
(3)
بيان إعجاز القرآن (ص: 32).
(4)
حمد بن محمد بن إبراهيم البستي، أبو سليمان الخطابي، إمام لُغوي فقيه محدث، صنف: معالم السنن، وغريب الحديث، وبيان إعجاز القرآن، توفي سنة (388). ينظر: السير 17/ 23، وطبقات الشافعية الكبرى 3/ 182.
(5)
بيان إعجاز القرآن (ص: 33).
(6)
ينظر: الكشاف 4/ 798، وأحكام القرآن، لابن العربي 4/ 342، والجامع لأحكام القرآن 20/ 144.
(7)
مسند أبي يعلى 2/ 64 (705).
به؛ ولِصِحَّتِه في العربية)، ثم ذكر قول سعد رضي الله عنه
(1)
، وذهب بعض العلماء إلى أن مُراد أبي العالية (ت: 93) السهو الدائم لا النادر، (وذلك يُنبِئُنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، فيتوجه الذَّمُ إلى ذلك لا إلى السهو)
(2)
. فيكون تفسير أبي العالية على هذا من باب التفسير باللازم، وبما يؤول إليه الأمر.
* * *
[54]{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون 7].
سأل رجلٌ
(3)
ابنَ عمر رضي الله عنه عن الماعون، فقال:(هو المال الذي لا يؤدى حقه. فقال الرجل: فإن ابن مسعود يقول: هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. قال: هو ما أقول لك).
(4)
*
تحليل الاستدراك:
نقل الرجل السائلُ عن ابن مسعود تفسيره للماعون؛ وأنه: المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. وقد جاءَ عنه مُفَسَّرًا من عِدَّة طرقٍ أنه: الفأس، والدَّلو، والقدر، ونحوه
(5)
. وهذا المعنى مُعتَمِدٌ على اللغة، وسليمٌ في السياق، بل إنه المعنى المشتهر بين الصحابة رضي الله عنهم، قال ابن مسعود رضي الله عنه: (كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدَّث أن الماعون:
(1)
إعراب القرآن 5/ 187.
(2)
زاد المسير (ص: 1594).
(3)
هو أبو المغيرة علي بن ربيعة الوالبي، كما في رواية عبد الرزاق 3/ 464 (3710).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 3/ 464 (3710، 3712)، وابن جرير في تفسيره 30/ 407 (29475)، والطبراني في الكبير 9/ 207 (9012)، وعزاه السيوطي في الدر 8/ 587 للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. من طريق إسماعيل بن أبي خالد، والثوري، وشعبة، عن سلمة بن كُهَيل. وابن عيينة، عن سعيد بن عبيد الطائي، عن أبي المغيرة علي بن ربيعة.
وإسناده صحيح.
(5)
ينظر: جامع البيان 30/ 407، 409.
الدلو، والفأس، والقدر، لا يُستَغنى عنهنّ)
(1)
، وفي لفظ:(كُنَّا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: عارِيَةَ الدَّلو والقِدر)
(2)
.
وذهب ابن عمر رضي الله عنه إلى أن الماعون: المال الذي لا يُؤَدى حقُّه، وفي لفظ: هي الزكاة. وهو معنى يعتمد على اللغة، ويؤيده السياق؛ فقبلها توَعُّدٌ بالويل لمن اتصف بهذه الصفات، ومنها منع الماعون، ولا يكون هذا الوعيد إلا على ترك واجب، وهو حق المال، كما أن الصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله كثيرًا، ومن شأن من فرَّطَ في الصلاة؛ فتركها، أو أخرها عن وقتها، أن يترك الزكاة من باب الأولى. وهذا المعنى للماعون هو الأشهر في الإسلام، بل نَصَّ جماعةٌ من أهلِ اللغة على أنه معنى الماعون في الإسلام.
(3)
*
الحكم على الاستدراك:
كلا المعنيين السابقين صحيحٌ مشهورٌ في اللغةِ والشرع، قال أبو عبيدة (ت: 210) عن الماعون: (هو في الجاهلية: كُلُّ منفعَةٍ وعَطِيَّة، قال الأعشى
(4)
:
بأَجْوَدَ منهُ بِمَاعُونِه
…
إذَا ما سَمَاؤُهُمُ لَمْ تَغِمْ
والماعون في الإسلام: الطاعةُ والزكاة، قال الراعي
(5)
:
(1)
جامع البيان 30/ 409 (29485).
(2)
أخرجه أبو داود في سننه 2/ 124 (1657)، والنسائي في الكبرى 6/ 522 (11701)، وإسناده صحيح، وصححه ابن حجر في الفتح 8/ 603.
(3)
كأبي عبيدة، وأبي عبيد، والمبرد، وثعلب، والزجاج، وابن عُزَيز السجستاني، والخطيب التبريزي. ينظر: مجاز القرآن 2/ 313، وياقوتة الصراط (ص: 598)، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 368، ونزهة القلوب (ص: 416)، والكشف والبيان 10/ 306، وشرح اختيارات المفضل 1/ 266.
(4)
ينظر: ديوانه (ص: 407).
(5)
عبيد بن حُصَين بن معاوية النُّمَيري، أبو جندل الراعي، لُقِّبَ به لكثرة وصفه الإبلَ وجودة نعته، شاعر فحل من شعراء الإسلام، عاصَرَ جريرًا وهاجاه. ينظر: طبقات فحول الشعراء 2/ 502، والشعر والشعراء (ص: 248).
والبيت في ديوانه: (ص: 229).
قَوْمٌ عَلَى الإسْلام لَمَّا يَمْنَعوا
…
مَاعُونَهُم وِيُضَيِّعُوا التَّنْزِيلا)
(1)
.
وقد سبق ذِكْرُ اشتهار المعنى الأول عند الصحابة رضي الله عنهم، ولعل قِسمَةَ أبي عبيدة باعتبار الأشهر، فالأول أشهر في الجاهلية، والثاني أشهر في الإسلام. (وأصلُ الماعون من كل شيء منفعته)
(2)
، وهو بهذا الاعتبار يشمل كُلَّ مَنفَعة أو معروفٍ أو متاعٍ يتعاطاه الناس بينهم، فيشمل هذين القولين وغيرهما من أقوال المفسرين؛ كقول من قال أنه: المال، أو الماء، أو المنخل، أو الإبرة، أو الدلو، والفأس، والقدر، ونحو ذلك من الأقوال التي هي كالتمثيل للمعنى.
(3)
وذهب النحاسُ (ت: 338) إلى أن الماعون مُشتَقٌّ من المَعْن، وقال:(وهذه الأقوال ترجع إلى أصلٍ واحد، وإنما هو الضَّن بالشيء اليسير الذي يجب ألا يُضَنَّ به، مُشتَقٌّ من المَعْن؛ وهو: الشيء القليل)
(4)
، ويشمل الزكاة؛ لأنها قليل من المال.
(5)
والقول بالعموم في معنى الماعون هو الصحيح؛ لأن اللفظَ عامٌّ في الآية، ولا مُخَصِّصَ له، قال عكرمة (ت: 105): (رأسُ الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل، والدلو، والإبرة)
(6)
، قال ابن كثير (ت: 774): (وهذا الذي قاله عكرمة حسَنٌ؛ فإنه يشمل
(1)
مجاز القرآن 2/ 313، ونقل ابن الأنباري هذا النص من قول يونس بن حبيب. ينظر: الزاهر 1/ 312.
(2)
جامع البيان 30/ 405، وينظر: معاني القرآن، للفراء 3/ 295، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 368، والصَّحاح 6/ 2204.
(3)
جامع البيان 30/ 409، وزاد المسير (ص: 1595).
(4)
إعراب القرآن 5/ 187، وينظر: شرح اختيارات المفضل، للتبريزي 1/ 266.
(5)
قال الزجاج (ت: 311): (سُمِّيَت الزكاة ماعونًا بالشيء القليل؛ لأنه يؤخذ من المال ربع عُشره، وهو قليل من كثير). تهذيب اللغة 3/ 13. وهو رأي قطرب (ت: 206). ينظر: الجامع لأحكام القرآن 20/ 146، والبحر المحيط 8/ 519، وغرائب التفسير 2/ 1396.
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم 8/ 602، ووصله سعيد بن منصور في سننه، كما في الفتح 8/ 603، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 8/ 3871.
الأقوال كُلّها، ويرجع إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بِمالٍ أو منفَعَةٍ؛ ولهذا قال محمد بن كعب:{وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون 7]، قال: المعروف)
(1)
. وأما الوعيد بالويل على مانع الماعون، وعدم مناسبته للقول بالعموم، فيُجَابُ عنه بوجوه:
الأول: قولُ عكرمة (ت: 105) لِمَنْ سأله عن الماعون فقال: العارية. فقال الرجل: فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟ قال: (لا، ولكن إذا جمعهن ثلاثتهن فله الويل؛ إذا سهى عن الصلاة، ورايا، ومنع الماعون)
(2)
.
الثاني: أن المعنى العام يشمل الزكاة وغيرها مما يجب بذله، فيتوجه الوعيد على منع هذا الواجب، ومانع العارية- وهي ممَّا يعود إليه- أقرب إلى منع غيرها مما لا يعود حِسًّا، كالزكاة مثلًا.
الثالث: أن مانع الماعون بالمعنى العام يكون في نهاية البخل، والمنافقون كذلك، كما قال تعالى عنهم {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [الحديد 24]، فيتوجه الوعيد إليهم.
(3)
واختار العموم في الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعكرمة (ت: 105)، والقرظي (ت: 108)، والكلبي (ت: 146)، وابن جرير (ت: 310)، والجصاص (ت: 370)، والواحدي (ت: 486)، وابن العربي (ت: 543)، والقرطبي (ت: 671)، والبيضاوي (ت: 685)، والرازي (ت: 604)، وابن كثير (ت: 774).
(4)
* * *
(1)
تفسير القرآن العظيم 8/ 3871.
(2)
الوسيط 3/ 559، وبحر العلوم 3/ 518.
(3)
ينظر: التفسير الكبير 32/ 108.
(4)
ينظر: جامع البيان 30/ 412، وأحكام القرآن، للجصاص 3/ 643، والكشف والبيان 10/ 305، والوجيز 2/ 1235، وأحكام القرآن، لابن العربي 343، والجامع لأحكام القرآن 146، أنوار التنْزيل 2/ 1174، والتفسير الكبير 32/ 109، وتفسير ابن كثير 8/ 3871.
ثالثًا: استدراكات التابعين
قال القاسم بن أبي بَزَّةَ
(1)
: قال لي مجاهد: (سل عنها عكرمةَ: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء 119])، فسألته، فقال:(الإخصاء)، قال مجاهد:(ما له لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء)، ثم قال لي:(سله)، فسألته، فقال عكرمة:(ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم 30]؟ قال: لدين الله)، فحدثت به مجاهدًا، فقال:(ما له أخزاه الله!).
(2)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب عكرمة إلى أن تغيير خلق الله المذكور في الآية هو: الإخصاء. وهو معتمدٌ على لفظ الآية، فالإخصاء من تغيير خلق الله تعالى، ويقويه أنها نزلت في الإخصاء،
(1)
القاسم بن أبي بَزَّةَ المخزومي مولاهم، أبو عبد الله المكي القارئ، ثقة، مات سنة (115). ينظر: الكاسف 2/ 388، والتقريب (ص: 790).
(2)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 97)(226)، وعبد الرزاق في تفسيره 1/ 478 (640 - 641)، وفي مصنفه 4/ 457 (8445)، وآدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد 1/ 175، وسعيد بن منصور في سننه 4/ 1375 (690)، وابن جرير في تفسيره 5/ 382 (8258 - 8260، 8264 - 8266)، والداني في المكتفى في الوقف والابتدا (ص: 53)، والبيهقي في السنن 10/ 25 (19582)، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 640 لعبد بن حميد، وابن المنذر.
من طريق وهب بن نافع، والمثنى بن الصباح، وعبد الجبار بن الورد، وابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة. ومن طريق ليث بن أبي سليم، ومطر الورَّاق، وقتادة، وحميد بن قيس الأعرج، عن عكرمة. ومن طريق ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، وعبد الله بن كثير، عن مجاهد.
وإسناده صحيح.
كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عباس رضي الله عنهم، وعكرمة (ت: 105).
(1)
وذهب مجاهد إلى أن المعنى: دين الله. وهو ما وافقه عليه عكرمة بعد ذلك
(2)
، ويشهد له لفظ الآية وسياقها، فهو من تغيير خلق الله؛ إذ خَلَقَ اللهُ عبادَه على الفطرة والحنيفية، قال تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم 30]، فالفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا تبديل لها هي: الدين القَيِّم. (والمعنى على التحقيق: لا تُبَدِّلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر. فقوله {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم 30]، خبرٌ أُرِيدَ به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن يُمتثَل، حتى كأنه خبرٌ واقِعٌ بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة 197]، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا)
(3)
. ومن شواهد هذا المعنى في السنة حديث أبي هريرة مرفوعًا: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه، أو يُنَصِّرَانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تنتج البهيمة بَهيمةً جمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟. ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم 30])
(4)
، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:(وإني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم)
(5)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 5/ 382.
(2)
ينظر: بحر العلوم 1/ 389.
(3)
أضواء البيان 1/ 328. وينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 110، والتفسير الكبير 11/ 39، وتفسير ابن كثير 3/ 1020.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 260 (1359)، ومسلم في صحيحه 6/ 157 (2658).
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 320 (2865).
*
الحكم على الاستدراك:
تدور أقوال المفسرين في معنى تبديل خلق الله المذكور في الآية على معنيين
(1)
:
الأوَّل: تبديل معنويٌ باطن؛ هو: تبديل دين الله. أو: تحليل الحرام، وتحريم الحلال. أو: تغيير أمر الله. كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه
(2)
، وسعيد بن المسيب (ت: 94)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، والقاسم بن أبي بَزَّةَ (ت: 115)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدِّي (ت: 128)، وعطاء الخراساني (ت: 135)، ومقاتل (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)
(3)
.
والثاني: تبديلٌ حِسِّيٌ ظاهر؛ هو: الخصاء. كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عمر، وابن عباس
(4)
رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب (ت: 94)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، وأبو صالح (ت: 121)، والربيع بن أنس (ت: 139)، والثوري (ت: 161).
(5)
أو هو: الوشم، كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)
(6)
، وفيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال:(لعن الله الواشِمات والمُستَوشِمات، والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلقَ الله)
(7)
.
(1)
ينظر: التفسير الكبير 11/ 39، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 380.
(2)
من طريق ابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان 5/ 383 (8261).
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 285، وجامع البيان 5/ 383، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1069، وزاد المسير (ص: 327).
(4)
من طريق عكرمة، وعمار بن أبي عمار. ينظر: جامع البيان 5/ 383.
(5)
ينظر: جامع البيان 5/ 382، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1069، وزاد المسير (ص: 327).
(6)
ينظر: جامع البيان 5/ 385 (8272)، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1070.
(7)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 498 (4886)، ومسلم في صحيحه 5/ 287 (2125).
أو: نحوهما من التغيير الظاهر، كقطع الآذان، وفقء العيون.
(1)
والقول الأول أولى القولين بالصواب؛ لأنه أَعَمُّ؛ فالقول الثاني داخِلٌ فيه، ولدلالة آية الروم السابقة عليه، ولأنه سبق ذِكرُ التغيير في الأجسام قبل هذه الجملة في الآية، وذلك في قوله تعالى {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ} [النساء 119]، فناسب أن يذكر بعدَ ذلك تغييرًا آخرَ، هو أعظم من سابقه، وليس من تمام الفصاحة الإجمال بعد التفصيل، وإنما العكس، (وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره، ما وُجِدَ إليه السبيل)
(2)
.
والأقوال في المعنى الثاني لا تعدوا أن تكون أمثلةً لتبديل دين الله
(3)
، قال الربيع بن أنس (ت: 139): (من تغيير خلق الله الإخصاء)
(4)
، ويدُلُّ على إرادة أصحابِها التمثيلَ: تعدد الوارد عن أكثرهم في كلا المعنيين، ومنهم عكرمة (ت: 105)، كما في رواية الاستدراك، إذ ذكر كلا المعنيين لسائلٍ واحد.
وأما ما ورد عن أنس وابن عباس رضي الله عنهم، وعكرمة (ت: 105) من أنها نزلت في الخِصاء، فهو من قبيل التفسير بالمعنى والتمثيل له، أي أنه مِمَّا يدخل في معنى الآية. واستعمال السلف لصيغة سبب النُّزول في هذا المعنى كثير مشهور.
(5)
وهذه الأنواع المذكورة في القول الثاني إنما حُرِّمَت لِمَا فيها من مخالفة الشرع، وطاعة الشيطان، والضرر العاجل والآجِل، قال ابن عطية (ت: 546): (وملاكُ تفسير
(1)
ينظر: الكشف والبيان 3/ 388.
(2)
جامع البيان 5/ 387.
(3)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 2/ 196، والبحر المحيط 3/ 370، وفتح القدير 1/ 819.
(4)
جامع البيان 5/ 382 (8256).
(5)
ينظر: مجموع الفتاوى 13/ 338، والبرهان في علوم القرآن 1/ 56، والفوز الكبير في أصول التفسير (ص: 95).
هذه الآية: أن كُلَّ تغيير ضارٍّ فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح).
(1)
ونسب النحاس (ت: 338) القول الأول لأهل التفسير
(2)
، ولم يذكر الواحدي (ت: 468) غيره
(3)
، وعليه جمهور المفسرين.
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أن المشهور عن السلف الأدب في الرد، وحسن الخطاب في الخلاف، وقولُ مجاهدٍ (ت: 104) لعكرمةَ (ت: 105): (كذب العبد، أخزاه الله، لعنه الله)، من الشاذِّ النادر الذي لا حُكمَ له، أو مِمَّا تحمل عليه ضرورة البيان
(5)
. فقوله: (كذب العبد) لا اعتداء فيه إن قصد بالكذب الخطأ، وقد كان عكرمةُ مولىً لابن عباس، وأصله من البربر، فهو عبدٌ من هذه الناحية. وفي تعبير مجاهد بذلك تنبيهٌ على سبب الخطأ في تفسير عكرمة
(6)
. وأما قوله: (مالَهُ أخزاه الله!) فإنما حمله على ذلك تَعَجُّبُه من سُرعة تغيير عكرمة لقوله الذي عَلِمَهُ عنه، واستغرابه من تركه الأولى من المعنى إلى غيره، وقد سبقَ أن مُراد عكرمة من ذلك التمثيلُ للمعنى، كغيره من المفسرين.
(1)
المحرر الوجيز 2/ 115، وينظر: التحرير والتنوير 5/ 206.
(2)
ينظر: إعراب القرآن 1/ 239.
(3)
ينظر: الوسيط 2/ 118.
(4)
ينظر: تأويل مشكل القرآن (ص: 274)، وجامع البيان 5/ 386، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 110، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 196، والوجيز 1/ 290، والمحرر الوجيز 2/ 115، وأنوار التنْزيل 1/ 241، والبحر المحيط 3/ 370، وبدائع التفسير 2/ 79، وفتح القدير 1/ 819، وروح المعاني 5/ 195، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 380، والتحرير والتنوير 5/ 205، وصفوة الآثار والمفاهيم 6/ 402.
(5)
كما مَرَّ عن ابن عباس رضي الله عنه في الاستدراك رقم (47)(ص: 251).
(6)
ومثله ما رواه عبد الكريم بن أبي أمية قال: سمعت عكرمة يقول {سِحْرَانِ} [القصص 48]، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: كذب العبد، قرأتها على ابن عباس {لَسَاحِرَانِ} [القصص 48]، فلم يعب علي. الدر 6/ 374.
وليس بخافٍ أنَّهُما من أبرز تلاميذ ابن عباس رضي الله عنه، ورُبَّما كان بينهما ما يكون بين الأقران، والمعاصرة في أغلب صورها حجاب، وكلام الأقران في بعضهم بلا بَيِّنةٍ يُطوى ولا يُروى ولا حكم له، قال قتادة (ت: 117): (كان أعلم التابعين أربعة: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وأعلمهم بالتفسير عكرمة)
(1)
، وقال حبيب بن أبي ثابت (ت: 119): (اجتمع عندي خمسة: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يُلقِيان على عكرمة التفسير، فلم يسأَلاه عن آيَةٍ إلا فَسَّرَها لَهُما، فلمَّا نَفِدَ ما عِندَهُما جعل يقول: أُنزِلَت آيةُ كذا في كذا، وأُنزِلَت آيةُ كذا في كذا).
(2)
وكان مجاهدُ يُرسِل من يسأل عكرمة عن قوله في عدد من الآيات، وربما وافقه في كثير منها.
(3)
* * *
(1)
تهذيب التهذيب 3/ 135، وينظر: جُزء فيه ذكر حال عكرمة، للمنذري، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، رسالة رقم:(12)، (ص: 22).
(2)
المرجع السابق. وقد صَنَّفَ وأطال في الذَّبِّ عن عكرمة جماعة، منهم: ابن جرير- ونقل عنه المنذري في جزءه السابق-، وأبو عبد الله بن منده، وابن حبان، وابن عبد البر، والمنذري. وينظر في تفصيل حال عكرمة: جُزء فيه ذكر حال عكرمة، للمنذري، ضمن لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام، الرسالة (12)، وهدي الساري (ص: 446)، وتهذيب التهذيب 3/ 134.
(3)
ينظر: جامع البيان 1/ 732، و 17/ 95، و 20/ 175، و 21/ 49، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 230، و 6/ 1842، والكشف والبيان 6/ 298.
[56]{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف 204].
عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز
(1)
قال: رأيت عبيد بن عمير
(2)
وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصُّ
(3)
يقُصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر، وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: إنَّما ذلك في الصلاة {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف 204].
(4)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب طلحة بن عبيد الله إلى لزوم الاستماع للقرآن، والإنصات له حيثما قُرِئ، ولذلك كرَّرَ على صاحبيه باستنكار، ورَغَّبَهُما في الإنصات بقوله:(وتستوجبان الموعود)، أي: الرحمة الموعود بها من استمع وأنصت للقرآن حين يُتلَى. واعتمد في ذلك على ظاهر لفظ الآية العام، قال النحاس (ت: 338): (وفي اللغة يجب أن يكون- أي: الإنصات- في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء)
(5)
. وفي سِبَاقِ الآية من أوصافِ القرآن ما يستوجب الاهتمام به، والإنصات له، قال تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا
(1)
طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز الخزاعي، أبو المطرف، ثقة. ينظر: الكاشف 2/ 44، والتقريب (ص: 464).
(2)
الليثي، من مفاخر التابعين وساداتهم، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (28) (ص: 164).
(3)
هو من يقصُّ على الناس ما يرقق قلوبَهم. ينظر: أساس البلاغة 2/ 83، والنهاية في غريب الحديث 4/ 62.
(4)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 9/ 216 (12103)، والثعلبي في تفسيره 4/ 321. من طريق حميد بن مسعدة، عن بشر بن المفضل، عن الجَريري سعيد بن إياس، عن طلحة بن عبيد الله.
وإسناده حسن.
(5)
إعراب القرآن 2/ 87، وينظر: البحر المحيط 4/ 448، وفتح القدير 2/ 402.
يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف 203].
(1)
وحَمَلَ عبيدُ بن عمير (ت: 68)، وعطاءٌ (ت: 114) الأمرَ بالإنصات في الآية على أنه في الصلاة، واعتمدا في ذلك سببَ نزول الآية، فعن ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهم، أن بعضهم كانوا يتكلمون في الصلاة، ويُسَلِّم بعضهم على بعض، وربما قرأ بعضهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال قراءته في الصلاة، فنَزلت الآية في ذلك، وأُمِرُوا بالإنصات
(2)
. ويشهد له من السنة أحاديثُ كثيرةٌ منها قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ الإمام فأنصتوا)
(3)
، وإنكاره صلى الله عليه وسلم على من قرأ خلفه في صلاة جهر فيها، وقوله له:(إني أقول مالي أُنَازَعُ القرآن؟)، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(4)
*
الحكم على الاستدراك:
احترام القرآن وتعظيمه، وعدم اللغو فيه، واجبٌ عند الجميع، وهو من مقتضيات الإيمان، والاستماع والإنصات لتلاوته مأمورٌ بهما كما هو ظاهرٌ من الآية، قال الزمخشري (ت: 538): (ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن، في صلاة وفي غير صلاة)
(5)
، وذهب إلى هذا العموم الحسن (ت: 110) في رواية، وأهل الظاهر
(6)
، واختاره
(1)
ينظر: البحر المحيط 4/ 448، والتحرير والتنوير 9/ 239.
(2)
ينظر: جامع البيان 9/ 216، وأسباب النُّزول (ص: 229).
(3)
أخرجه أحمد 2/ 376، 420 (8876، 9428)، وأبو داود 1/ 165 (604)، والنسائي 2/ 141 (921)، وابن ماجة 1/ 276 (846). وصححه أحمد، كما في التمهيد 3/ 181، ومسلم في صحيحه 2/ 93 (63)، وينظر: تفسير ابن كثير 4/ 1535.
(4)
أخرجه مالك 1/ 86 (193)، وأبو داود 1/ 218 (826)، والترمذي 2/ 118 (312)، والنسائي 2/ 140 (919)، وابن ماجة 1/ 276 (848)، وإسناده صحيح، وصححه أبو حاتم، كما في تفسير ابن كثير 4/ 1536.
(5)
الكشاف 2/ 185، وينظر: أنوار التَّنْزيل 1/ 374.
(6)
ينظر: تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1647، والمحلى 4/ 73، والتفسير الكبير 15/ 83، وتفسير ابن كثير 4/ 1537.
ابن جُزَي (ت: 741)، والشوكاني (ت: 1250)
(1)
، ويبدو أن القُصَّاص كانوا يُشِيعون هذا القول، ويستدلون عليه بِهذه الآية؛ ليستجلبوا إليهم اهتمام الناس، قال معاوية بن قرة
(2)
(ت: 113): (إن الله عز وجل أنزل هذه الآية {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف 204] في الصلاة؛ إن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة، وأنزلها القُصّاصُ في القصص)
(3)
.
إلا أن هذا الظاهر العام مخصوصٌ بحال جهر الإمام بالقراءة في الصلاة، فيكون الاستماع والإنصات له واجبًا، بدلالة سبب النُّزول الصريح، ودلالة السنة كما سلف، قال أحمد ابن حنبل (ت: 241): (أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة)
(4)
، وقال ابن عبد البر (ت: 463) عن هذه الآية: (وهذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة، لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره)
(5)
، وقال ابن تيمية (ت: 728): (وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة)
(6)
، ومن ثَمَّ ذهب عامَّةُ العلماء إلى وجوب الاستماع للإمام في قراءته في الصلاة الجهرية، واستحبابه خارج الصلاة
(7)
، ونقل ابن تيمية (ت: 728) عن الإمام أحمد (ت: 241) الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حالَ الجهر
(8)
. وقال ابن عبد البر
(1)
ينظر: التسهيل 2/ 111، وفتح القدير 2/ 402.
(2)
معاوية بن قُرَّة بن إياس المزني، أبو إياس البصري، ثقة عالم عامل، مات سنة (113). ينظر: الكاشف 3/ 158، والتقريب (ص: 956).
(3)
أخرجه سعيد بن منصور في سننه 5/ 182 (979)، وإسناده صحيح.
(4)
المغني 2/ 117.
(5)
الاستذكار 1/ 465.
(6)
مجموع الفتاوى 23/ 269.
(7)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 494، وأنوار التَّنْزيل 1/ 374، وتفسير الحداد 3/ 246، والتحرير والتنوير 9/ 239.
(8)
مجموع الفتاوى 23/ 269، وينظر: المغني 2/ 118.
(ت: 463): (وفي إجماع أهل العلم على أن قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف 204] لم يُرِد كُلَّ موضِع يُسمَع فيه القرآن، وإنما أراد الصلاة، أوضَحُ الدلائل على أنه لا يُقرَأ مع الإمام فيما جَهَرَ فيه)
(1)
، ووجه دلالة أدلة السنة السابقة على خصوص وجوب الاستماع حالَ قراءة الإمام في الصلاة = ظاهرُ قوله صلى الله عليه وسلم:(إذا قرأ الإمام فأنصتوا)، وإنما تُعلَم قراءته في الجهر
(2)
، وأن المنازعة في القراءة إنما تكون حال الجهر بِها، قال ابن عبد البر (ت: 463): (أوجب تبارك وتعالى الاستماع والإنصات على كل مُصَلٍّ جهر إمامه بالقراءة؛ ليسمع القراءة، ومعلوم أن هذا في صلاة الجهر دون صلاة السر؛ لأن المُسِرَّ إنما يُسمِع نفسه دون غيره، فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لي أُنازَعُ القراءة). يُضَاهي ويُطابِقُ قول الله {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف 204])
(3)
.
ومن مقتضيات الإنصات للقرآن في الصلاة ما أجمع عليه العلماء من عدم الكلام فيها إلا بما أذِنَ به الشرع
(4)
. وجمهور المفسرين على تخصيص وجوب الاستماع للقرآن بالصلاة الجهرية، بل قال النقاش (ت: 351): (أجمع أهل التفسير على أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة، وغير المكتوبة)
(5)
، وهذا هو الصحيح لظاهر القرآن والسنة، ولعمل الصحابة رضي الله عنهم، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس رضي الله عنهم، وعبيد بن عمير (ت: 68)، وسعيد بن المسيب (ت: 94)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)،
(1)
الاستذكار 1/ 465، وينظر: التمهيد 3/ 179.
(2)
ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 246.
(3)
التمهيد 3/ 177.
(4)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 494، ومراتب الإجماع (ص: 51)، والتمهيد 3/ 248، والمجموع 4/ 14، وفتح الباري، لابن رجب 9/ 296.
(5)
بواسطة: الجامع لأحكام القرآن 7/ 224.
والضحاك (ت: 105)، ومعاوية بن قُرَّة (ت: 113)، وعطاء (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والزهري (ت: 124)، والسدي (ت: 128)، وابن زيد (ت: 182)
(1)
. واختاره الفراء (ت: 207)، وابن جرير (ت: 310)، والطحاوي (ت: 321)، والنحاس (ت: 338)، وابن عبد البر (ت: 463)، والواحدي (ت: 468)، وابن عطية (ت: 546)، والقرطبي (ت: 671)، والحداد
(2)
(ت: 800).
(3)
ورُوي عن سعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعطاء (ت: 114) أنه في الخطبة
(4)
، ورَدَّه بعض العلماء بأن الآية مكيَّة، حيث لا خطبة، ولا جمعة، ثم الاستماع لجميع الخطبة واجب، والقرآن فيها قليل
(5)
. والصواب أنهم لم يأخذوا هذا الحكم من الآية، وإنما من السنة
(6)
، وذكروه تبعًا لحكم الآية لمناسبة اتفاقهما، وتفسيرهم الآية بالمعنى السابق يدل عليه.
وقريب من فقه عبيد بن عمير (ت: 68) وعطاء (ت: 114) في فهم هذه الآية، فقهُ
(1)
ينظر: تفسير ابن وهب 1/ 124، وتفسير عبد الرزاق 2/ 107، وسنن سعيد بن منصور 5/ 182، وجامع البيان 9/ 216، والجامع لأحكام القرآن 7/ 224.
(2)
أبو بكر بن علي بن محمد الحَدَّاد الزبيدي اليمني، رضي الدين الحنفي، فقيه مُفَسِّر، صَنف في التفسير: كشف التنْزيل في تحقيق المباحث والتأويل، توفي سنة (800). ينظر: البدر الطالع 1/ 166، ومعجم المفسرين 1/ 109.
(3)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 402، وجامع البيان 9/ 220، وأحكام القرآن، للطحاوي 1/ 243، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 122، والتمهيد 3/ 182، والاستذكار 1/ 465، والوسيط 2/ 440، والمحرر الوجيز 2/ 494، والجامع لأحكام القرآن 7/ 224، وتفسير الحداد 3/ 246.
(4)
ينظر: جامع البيان 9/ 219.
(5)
ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 243، وتفسير السمعاني 2/ 244، وأحكام القرآن، لابن العربي 2/ 296، والجامع لأحكام القرآن 7/ 224.
(6)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 494، والجامع لأحكام القرآن 7/ 224.
أبي عياض
(1)
، الذي قال عنه مجاهد (ت: 104): (ما رأيت أحدًا بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض)
(2)
، فلمَّا روى حديثَ أبي هريرة رضي الله عنه:(كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف 204])
(3)
، قالَ له إبراهيم بن مسلم
(4)
- الراوي عنه-: (لقد كنتُ أظنُّ أنه لا ينبغي لأحدٍ يسمع القرآن ألاَّ يستمع. فقال أبو عياض: لا، إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، فأمَّا في غير الصلاة فإن شِئتَ استَمَعتَ وأنصَتَّ، وإن شِئتَ مضَيتَ ولم تسمع)
(5)
.
* * *
[57]{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر 24].
عن أبي معشر
(6)
قال: سمعت عون بن عبد الله
(7)
يذاكر محمد بن كعب في قول الله {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر 24]، فقال عون: خير صفوف الرجال المُقَدَّم، وشَرُّ صفوف الرجال المُؤَخَّر، وخير صفوف النساء المُؤَخر، وشرُّ صفوف النساء المُقَدَّم. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ
(1)
عمرو بن الأسود العَنسي، أبو عياض الحمصي الداريّ، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين، قال عنه عمر:(من سَرَّه أن ينظر إلى هدي نبيه، فلينظر إلى هدي هذا)، مات في خلافة معاوية. ينظر: الكاشف 2/ 324، وتهذيب التهذيب 3/ 257، والتقريب (ص: 730).
(2)
التمهيد 3/ 178، وسنده صحيح. وينظر: تهذيب التهذيب 3/ 257.
(3)
جامع البيان 9/ 216 (12100)، وأحكام القرآن، للطحاوي 1/ 245 (479)، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1645 (8728).
(4)
إبراهيم بن مسلم العبدي، أبو إسحاق الهَجَري الكوفي. ينظر: الكاشف 1/ 93، والتقريب (ص: 116).
(5)
التمهيد 3/ 177، والاستذكار 1/ 465.
(6)
نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، أبو معشر المدني مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، مات سنة (170). ينظر: الكاشف 3/ 198، والتقريب (ص: 998).
(7)
عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، مات في حدود (120). ينظر: الكاشف 2/ 358، والتقريب (ص: 758).
مِنكُمْ} [الحجر 24]: الميت، والمقتول، و {الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر 24]: من يلحق بِهم من بعدُ، {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الحجر 25]. فقال عون بن عبد الله: وفقك الله، وجزاك خيرًا.
(1)
*
تحليل الاستدراك:
فَسَّرَ عون (ت: 120) التَقَدُّم والتأخُّر المذكورين في الآية بالتَقَدُّم والتأخُّر في صفوف الصلاة؛ لاحتمال لفظ الآية له، ولسبب النُّزول الوارد، فعن أبي الجوزاء
(2)
، عن ابن عباس رضي الله عنه قال:(كانت امرأةٌ حسناء من أجمل الناس تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعض الناس يستقدم في الصف لئلاَّ يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبِطَيه في الصف، فأنزل الله في شأنِها {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر 24])
(3)
.
(1)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 1/ 116 (265)، و 2/ 107 (209)، وابن جرير في تفسيره 14/ 31 (15957)، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 68 لابن أبي حاتم. من طريق محمد بن أبي معشر، ومحمد بن سعيد بن حسَّان، عن أبي معشر. وعبد الرحمن بن أبي المَوَال، عن محمد بن كعب.
وإسناده حسن لغيره.
(2)
ثقة، يرسل كثيرًا، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (37) (ص: 210).
(3)
أخرجه الطيالسي 1/ 354 (2712)، وأحمد 1/ 305 (2784)، والترمذي 5/ 296 (3122)، والنسائي 2/ 118 (870)، وابن ماجة 1/ 332 (1046)، والطبراني في الكبير 12/ 171 (12791)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 81. من طريق نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق في التفسير 2/ 256 (1445)، وابن جرير 14/ 34 (15972)، وعزاه في الدر 5/ 65 لابن المنذر، من طريق جعفر بن سليمان، به، ولا ذكر فيه لابن عباس، ولا للقصة. قال الترمذي:(وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح)، وقال البزار:(لا نعلم رواه ابن عباس، ولا له طريق إلا هذه)، وقال أبو نعيم:(غريب من حديث أبي الجوزاء، عن ابن عباس، تفرد برفعه نوح بن قيس)، وقال ابن كثير عن رواية نوح:(حديث غريب جدًا)، وقال:(هذا الحديث فيه نكارةٌ شديدة .. ، والظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط) تفسير القرآن العظيم 4/ 1954. وينظر: جامع الترمذي 5/ 296، وحلية الأولياء 3/ 81، والكافي الشافِ 2/ 553.
وفَسَّرَ محمد بن كعب المستقدمين والمستأخرين بِمَنْ مات ومضى، ومن يلحق بِهم من بعدُ، مِمَّنْ هو حيّ، ومِمَّن لم يخلق بعدُ. واستَدَل لذلك بالآية بعدها، وسِبَاقُ الآية ولِحاقها يشهدان لهذا المعنى، فقبلها قوله تعالى {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجر 23]، فالحديث عن الإحياء والإماتة والبعث، ثم ذكر في هذه الآية عِلمَه بمن مات، ومن بقي، ومَن بعدهم مِمَّنْ سيُخلَق، ثم قال تعالى بعدها {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الحجر 25]، وهو تأكيد لِمَا مضى من ذكر البعث، وبيانٌ لتمام قدرته تعالى، وهو ما أكدته السورة في سياقها العام. ويؤكد هذا المعنى أن السورة مكيةٌ باتفاق
(1)
، وموضوع البعث والإحياء من أبرز موضوعات السور المكية
(2)
، ومن نظائر هذا المعنى في القرآن قوله تعالى {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ} [ق 4].
(3)
*
الحكم على الاستدراك:
تعددت أقوال المفسرين في هذه الآية
(4)
، وأقوى ما قِيلَ فيها هذان القولان:
الأول: أنها في صفوف الصلاة، وهذا يعضده سبب النُّزول، ويحتمله لفظ الآية، وقال به ابن عباس رضي الله عنه
(5)
، ومروان بن الحكم (ت: 65)، وأبو الجوزاء (ت: 83)
(6)
، واختاره الفراء (ت: 207)، والواحدي (ت: 468).
(7)
(1)
ينظر: الناسخ والمنسوخ، للنحاس (ص: 180)، والتنْزيل وترتيبه (ص: 28)، والدر 5/ 55، وفتح القدير 3/ 165.
(2)
ينظر: التسهيل 1/ 13، ومناهل العرفان 1/ 205، وأهم خصائص السور والآيات المكية ومقاصدها (ص: 237).
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 201.
(4)
ينظر: زاد المسير (ص: 759)، والجامع لأحكام القرآن 10/ 14.
(5)
من طريق أبي الجوزاء. ينظر: جامع البيان 14/ 35.
(6)
ينظر: جامع البيان 14/ 34.
(7)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 88، والوجيز 1/ 591، مع أن الواحدي في الوسيط 3/ 43 ذكر القول الثاني واستدل له بالسياق.
والثاني: أنها في من مات ومضى، ومن هو مخلوق بَعدهم، وهذا يعضده سياق الآية، وكونها مكيةٌ، وانتظام موضوعها العام، وهو أقرب إلى عموم لفظ الآية من المعنى الأول، وقال به ابن عباس رضي الله عنه
(1)
، ومجاهد (ت: 104)، والشعبي (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والقرظي (ت: 108)، وقتادة (ت: 117)، وابن زيد (ت: 182).
(2)
والقول الثاني هو الراجح؛ لِمَا سبق، وعليه جمهور المفسرين
(3)
، والأخذ بالسياق يُضعِف القولَ الأولَ وغيرَه من الأقوال؛ لأنَّها تُذهب اتصال المعنى، وسبب النُّزول المذكور لا يصح عن ابن عباس، والصواب وقفه على أبي الجوزاء كما سبق في تخريجه، وبدون ذكر القصة، ويقوي ذلك أن السورة مكية، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه
(4)
، وأن رواية أبي الجوزاء- مع اشتهاره بالإرسال-، مُقاَبَلَةٌ برواية الضحاك، وقتادة، والعوفي، عن ابن عباس، وروايتهم أرجح، ومتوافقةٌ، ولا تعارض فيها
(5)
. قال ابن عاشور (ت: 1393) عن سبب النُّزول: (وهو خبرٌ واهٍ، لا يُلاقي انتظام هذه الآيات، ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة)
(6)
. واختار القول الثاني مقاتل (ت: 150)، وابن جرير (ت: 310)، والسمرقندي (ت: 375)، وابن عطية (ت: 546)، والسهيلي (ت: 741)، وابن كثير (ت: 774)، والحداد (ت: 800)، والآلوسي (ت: 1270)، وابن عاشور (ت: 1393).
(7)
(1)
من طريق الضحاك، وقتادة، والعوفيين. ينظر: جامع البيان 14/ 32، وزاد المسير (ص: 759).
(2)
ينظر: جامع البيان 14/ 31.
(3)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 358.
(4)
ينظر: الدر المنثور 5/ 55.
(5)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 10/ 14.
(6)
التحرير والتنوير 14/ 40. وينظر: المحرر الوجيز 3/ 358، وروح المعاني 14/ 371.
(7)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 201، وجامع البيان 14/ 35، وبحر العلوم 2/ 217، والمصابيح في تفسير القرآن (مخطوط، ص: 368)، والمحرر الوجيز 3/ 358، والتسهيل 2/ 273، وتفسير ابن كثير 4/ 1954، وتفسير الحداد 4/ 110، وروح المعاني 14/ 371، والتحرير والتنوير 14/ 40.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: الاعتماد على دلالة السياق في تفاسير السلف.
ثانيًا: تنبُّه عون بن عبد الله (ت: 120) إلى دلالة السياق، ورجوعه إلى مُقتضاها، فقد كان من عادة السلف الرجوع عن أقوالهم إذا تبين لهم ما هو أولى منها، وهذه صورة مُشَرِّفة من ذلك.
* * *
[58]{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم 24].
قال قتادة: تلا الحسن هذه الآية وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحِميري
(1)
، قال: إن كان لَسَرِيًّا، وإن كان لَكَرِيمًا. فقال حميد: يا أبا سعيد، إنه الجدول. فقال الحسن: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء.
(2)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب الحسن (ت: 110) إلى أن معنى السَرِيّ في الآية: السيد الكريم. ومُعتَمَدُه في ذلك صحة هذا المعنى لُغَةً، ويؤَيدُه قراءة {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا} [مريم 24]
(3)
، أي: عيسى عليه السلام. ثم لو كان المُراد النهر لَكَانَ إنما يكون إلى جنبها لا تحتها.
(1)
حميد بن عبد الرحمن الحِميري البصري، ثقة فقيه، قال عنه ابن سيرين:(هو أفقه أهل البصرة). ينظر: الكاشف 1/ 257، والتقريب (ص: 275).
(2)
أخرجه البستي في تفسيره 1/ 186 (131)، وابن جرير في تفسيره 16/ 88 (17812)، وعزاه السيوطي في الدر 5/ 443 لعبد بن حميد. من طريق شعبة، عن قتادة، عن الحسن. وعند البستي من طريق سفيان بن عيينة، عن رجالٍ، عن الحسن. وهذا الإبهام مُبَيَّنٌ بعضه في طريق ابن جرير.
وإسناده صحيح.
(3)
وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم، ويعقوب. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص: 243)، والإقناع 2/ 696.
وذهب حميد إلى أن المُرادَ: الجدول، أي النهر الصغير. واعتمد في ذلك شُهرةَ هذا المعنى لُغَةً، وانتظام السياق به، فلما كانت المرأة في حال الوضع بحاجة الطعام والشراب، أنعم الله تعالى على مريم بكل ذلك، فقال تعالى {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم 25]، ثم امتنَّ عليها بقوله {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم 26]، أي: كلي من هذا الرُّطَب الجَنِيّ، واشربي من هذا النهر السَّرِي، وقَرِّي عينًا.
(1)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب عكرمة (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117) في رواية، والربيع بن أنس (ت: 139)، ومحمد بن عباد بن جعفر
(2)
، وابن زيد (ت: 182)، إلى أن المُراد بالسَرِيّ: عيسى عليه السلام، أي أنه سيّدٌ شريف كريم
(3)
. وقد تكرر مع الحسن (ت: 110) نحو ما جرى له مع حميد، فإنه تلا هذه الآية يومًا وقال: (كان والله سريًّا، يعني: عيسى عليه السلام. فقال له خالد بن صفوان
(4)
: يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السري. فقال: صدقت)
(5)
.
وذهب البراء بن عازب، وابن عباس رضي الله عنهم، وعمرو بن ميمون
(6)
(ت: 74)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، وحميد بن عبد الرحمن، وقتادة (ت: 117)، وأبو صالح (ت: 121)،
(1)
ينظر: زاد المسير (ص: 882).
(2)
محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة المخزومي المكي، ثقة. ينظر: الكاشف 3/ 57، والتقريب (ص: 858).
(3)
ينظر: جامع البيان 16/ 89، وزاد المسير (ص: 882)، وتفسير ابن كثير 5/ 2216.
(4)
خالد بن صفوان بن الأهتم، أبو صفوان المِنقَري البصري، بليغ حكيم، فصيح زمانه. ينظر: السير 6/ 226.
(5)
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 16/ 104.
(6)
عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله الكوفي، مخضرم مشهور، ثقة عابد، مات سنة (74). ينظر: الكاشف 2/ 344، والتقريب (ص: 746).
وابن جريج (ت: 150)، ومقاتل (ت: 150)، ومعمر (ت: 153)، ووهب بن منبه
(1)
(ت: 114)، والسدي (ت: 128)، وابن سلاَّم (ت: 200)، إلى أنه: النهر الصغير، أو الجدول
(2)
. وهو الراجح، وعليه جمهور المفسرين واللغويين
(3)
، بل قال الأزهري (ت: 370): (وهو قول جميع أهل اللغة)
(4)
، وقال الرازي (ت: 604): (اتفق المفسرون- إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد- أن السَّرِي هو: النهر والجدول)
(5)
. ووجه ترجيحه أنه الأشهر لُغَةً
(6)
، والأوفق سياقًا
(7)
، وعليه الأكثر، واختاره ابن جرير (ت: 310)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، وابن الجوزي (ت: 597)، وابن جزي (ت: 741)، وابن كثير (ت: 774)، والحداد (ت: 800)، والآلوسي (ت: 1270)، والشنقيطي (ت: 1393).
(8)
(1)
وهب بن منبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأبْنَاوي، مفسر مؤرخ ثقة، عالم بكتب أهل الكتاب، صنف في التفسير، ومات سنة (114). ينظر: طبقات ابن سعد 5/ 353، والتقريب (ص: 1045).
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 310، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 221، وجامع البيان 16/ 88، وزاد المسير (ص: 882)، وتفسير ابن كثير 5/ 2216. ورُويَ هذا المعنى عن ابن عمر مرفوعًا، ولا يصح. ينظر: تفسير ابن كثير 5/ 2216، ومجمع الزوائد 7/ 54.
(3)
ينظر: الكشف والبيان 6/ 211، وتفسير السمعاني 3/ 286، والمحرر الوجيز 4/ 11، وزاد المسير (ص: 882).
(4)
تهذيب اللغة 13/ 39.
(5)
التفسير الكبير 12/ 175.
(6)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 165، مجاز القرآن 2/ 5، وتفسير غريب القرآن (ص: 232)، وجامع البيان 16/ 90، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 325، وجمهرة اللغة 2/ 725، ونزهة القلوب (ص: 267)، ومعاني القرآن، للنحاس 4/ 325، والصحاح 6/ 2375، والغريبين 3/ 892، والقاموس المحيط 1165.
(7)
ينظر: جامع البيان 16/ 90، والنكت والعيون 3/ 366، وتفسير ابن كثير 5/ 2217.
(8)
ينظر: جامع البيان 16/ 90، وتفسير القرآن العزيز 3/ 93، والوسيط 3/ 181، وزاد المسير (ص: 882)، والتسهيل 3/ 10، وتفسير القرآن العظيم 5/ 2217، وتفسير الحداد 4/ 293، وروح المعاني 16/ 534، وأضواء البيان 4/ 189.
وأما قول الحسن (ت: 110)، فقد وصفه ابن حجر (ت: 852) بالشذوذ
(1)
، وقد تراجع عنه الحسن إلى القول الثاني
(2)
، وهو ظاهر جوابه لحميد وخالد بن صفوان.
والقراءة السبعية المذكورة في هذا القول مُحتَمِلَةٌ لكلا المعنيين، إذ يصح أن يُرادَ بها جبريلُ في كلا الوجهين:{مِنْ تَحْتِهَا} [مريم 24]، و {مِنْ تَحْتِهَا} [مريم 24]، أي: من مكان أخفض منها
(3)
، ويشهد له قوله تعالى {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المؤمنون 50]. وأما قول ابن زيد (ت: 182): (لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها)
(4)
، فيُجاب عنه بالآية السابقة وأن مريم كانت على ربوة
(5)
، والمراد أسفل من مكانها، ومثله قوله تعالى {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التوبة 72]، وقوله حكايةً عن فرعون {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف 51].
(6)
ومن مسائل هذا الاستدراك
اعتماد السلف على السياق في بيان المعنى، فقد ذكر السمرقندي (ت: 375) أن حميدًا لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: 110) قال: ألا ترى أنه قال {فَكُلِي وَاشْرَبِي} [مريم 26]؟.
(7)
* * *
(1)
فتح الباري 6/ 553.
(2)
كما ذكره الزجاج، وابن الأنباري. ينظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 325، وزاد المسير (ص: 882)، والتفسير الكبير 21/ 175.
(3)
وهو اختيار ابن عباس رضي الله عنه، وعلقمة (ت: 62)، وعمرو بن ميمون (ت: 74)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، والضحاك (ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)، واستظهره القرطبي (ت: 671). ينظر: حجة القراءات (ص: 441)، وشرح الهداية 2/ 410، والجامع لأحكام القرآن 11/ 64، وتفسير ابن كثير 5/ 2216.
(4)
جامع البيان 16/ 89 (17821).
(5)
ينظر: التفسير الكبير 21/ 175.
(6)
ينظر: الكشاف 3/ 12.
(7)
بحر العلوم 2/ 322.
[59] {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا
وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب 37].
قال علي بن زيد بن جدعان
(1)
: سألني علي بن الحسين
(2)
: ما يقول الحسن
(3)
في قوله {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب 37]؟ قلت: يقول: لمَّا جاء زيدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أُريد أن أُطلِّقَ زينب. أعجبه ذلك، فقال: أمسك عليك زوجك. فقال علي بن الحسين: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه، قال: اتق الله، وأمسك عليك زوجك. فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه.
(4)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب الحسن (ت: 110) إلى أن الأمر الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمُضمَر في الآية هو: طلاق زيد لزوجه. إذ لفظ الآية يحتمله، ويوافقه سبب النُّزول الوارد عن
(1)
علي بن زيد بن عبد الله بن جُدعان التيمي البصري الضرير، أحد الحُفاظ، مات سنة (131). ينظر: الكاشف 2/ 285، والتقريب (ص: 696).
(2)
هو زين العابدين، تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (51) (ص: 263).
(3)
هو البصري.
(4)
أخرجه البستي في تفسيره 2/ 129 (307)، وابن جرير في تفسيره 22/ 18 (21757)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 6/ 2818، والثعلبي في تفسيره 8/ 48، وعزاه السيوطي في الدر 6/ 542 للحكيم الترمذي، والبيهقي في الدلائل. من طريق ابن أبي عمر العدني، وخلاد بن أسلم، وعلي بن هاشم بن مرزوق، عن ابن عيينة، عن علي بن زيد.
وإسناده حسن لغيره. وله شاهد عن الزهري، كما في الشفا، لعياض (ص: 201)، وآخر عن السدي عند ابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير 6/ 2818، وفتح الباري 8/ 384، وصححه ابن حجر.
أنس رضي الله عنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منْزلَ زيد بن حارثة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتَه زينب، وكأنه دخَلَه، فجاء زيدٌ يشكوها إليه، فقال له النبي: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب 37]. قال: فنَزلت {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب 37]، إلى قوله {زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب 37]، يعني: زينب).
(1)
وذهب زين العابدين (ت: 93) إلى أن ما أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه هو: ما أعلمه الله تعالى من أنه سيتزوج زينب. وهو قولٌ يحتمله لفظ الآية، ويشهد له موافقته لسبب النُّزول السابق، وعدم خروجه عنه، وكذا سياق الآية ولفظها، فإن الله تعالى بيَّنَ في الآية أنه سيُبدي ما أخفاه رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أبداه تعالى في الآيات هو: زواجه بِها، قال تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب 37]، ولم يُبدِ تعالى شيئًا آخر من محبته لها، أو رغبته في نكاحها، ولو كان هو المُراد لأبداه تعالى.
(2)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب إلى قول الحسن (ت: 110) في هذه الآية ابنُ عباس رضي الله عنه
(3)
، وقتادة (ت: 117)، والكلبي (ت: 146)، وابن جريج (ت: 150)، ومقاتل (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)، وابن سلاَّم (ت: 200)، واختاره ابن جرير (ت: 310)، والسمرقندي
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه في موضعين بغير هذا اللفظ، 8/ 383 (4787)، و 13/ 415 (7420)، وليس فيها:(وكأنَّهُ دَخَلَه)، وأحمد 3/ 149 (12533)، واللفظ له، وفيه بعد قوله (وكأنَّهُ دَخَلَه):(لا أدري من قول حماد أو في الحديث). وحماد هو ابن زيد راوي الحديث. وهو بهذا يشير إلى غرابة اللفظة، وقد نَصَّ ابن كثير في تفسيره 6/ 2818 على غرابة هذه الرواية، والأقرب أن هذه اللفظة من تفسير الراوي؛ إذ ذكر ابن حجر في الفتح 8/ 383 طريق أحمد بسنده ولفظه ولم يذكرها. وينظر: فتح الباري 13/ 422.
(2)
ينظر: الكشف والبيان 8/ 48، والتفسير الكبير 25/ 184.
(3)
نسبه له الثعلبي، وابن الجوزي، كلاهما بلا إسناد، ولم أجده عنه مسندًا، ويَبعُد ثبوته عن ابن عباس، وما أكثرَ ما يُنسَب إليه رضي الله عنه!.
(ت: 375)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، والزمخشري (ت: 538)، وابن عطية (ت: 546)، والرازي (ت: 604)، والبيضاوي (ت: 685)، وابن جُزَيّ (ت: 741)، والحداد (ت: 800).
(1)
وذهب إلى قول زين العابدين (ت: 93)، الحسن (ت: 110) في رواية، والزهري (ت: 124)، واختاره الحكيم الترمذي
(2)
(ت: 320)، والثعلبي (ت: 427)، والسمعاني (ت: 489)، والبغوي (ت: 516)، وابن العربي (ت: 543)، والقاضي عياض (ت: 544)، والقرطبي (ت: 671)، وابن الزبير الغرناطي
(3)
(ت: 708)، وابن القيم (ت: 751)، وابن كثير (ت: 774)، وابن حجر (ت: 852)، والآلوسي (ت: 1270)، وابن عاشور (ت: 1393)، والشنقيطي (ت: 1393)، وغيرهم
(4)
. وهو أولى القولين بالصواب؛ لوجوه منها- بعد احتمال لفظ الآية له، وموافقته لسبب النُّزول-:
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 48، وتفسير ابن سلاَّم 2/ 721، وجامع البيان 22/ 17، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 229، وبحر العلوم 3/ 52، وتفسير القرآن العزيز 3/ 401، والوسيط 3/ 473، والكشاف 3/ 524، والمحرر الوجيز 4/ 386، وزاد المسير (ص: 1126)، والتفسير الكبير 25/ 183، والتسهيل 3/ 255، وتفسير الحداد 5/ 354.
(2)
محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله الحكيم الترمذي، الحافظ المؤذن، صَنَّف نوادر الأصول، وختم الولاية، وعلل الشريعة، مات في حدود (320). ينظر: حلية الأولياء 10/ 233، ولسان الميزان 5/ 308.
(3)
أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، أبو جعفر الغرناطي، مقرئ لغوي مفسر، صنف: ملاك التأويل، والبرهان في ترتيب سور القرآن، مات سنة (708). ينظر: تذكرة الحفاظ، للقيسراني 4/ 1484، وبغية الوعاة 1/ 291.
(4)
ينظر: نوادر الأصول 2/ 186، والكشف والبيان 8/ 47، والنكت والعيون 4/ 406، وأمالي المرتضى 2/ 400، وتفسير السمعاني 4/ 287، ومعالم التَّنْزيل 6/ 355، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 458، والشفا (ص: 201)، وزاد المسير (ص: 1126)، والجامع لأحكام القرآن 14/ 123، وملاك التأويل 2/ 950، وزاد المعاد 4/ 244، وتفسير ابن كثير 6/ 2818، وفتح الباري 8/ 384، وروح المعاني 22/ 277، والتحرير والتنوير 22/ 32، وأضواء البيان 6/ 380.
أولًا: استقامة سياق الآية ولفظها به، وقد سبق بيانه.
ثانيًا: أن الله تعالى صَرَّحَ بأنه هو الذي زوجه إياها؛ لحكمة قطع تحريم أزواج الأدعياء، قال تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب 37]، وهذا صريح في أن سبب زواجه بِها ليس محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها، وإنما هو أمر الله لتحقيق تلك الحكمة، ويوضحه قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب 37]، أي: لم تبق له بِها حاجَة، فطلَّقَها باختياره.
(1)
ثالثًا: دلالة ألفاظ الآية وما بعدها عليه، كقوله تعالى {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب 37]، أي: لابدَّ لك أن تتزوجها. وقوله {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب 38]، فنفيُ الحَرَج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة صريحٌ، ولو كان على ما قِيلَ من وقوع زينب في قلبه صلى الله عليه وسلم، ومحبته طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحَرَج عليه
(2)
. وكذا قوله تعالى {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب 38]، أي: جميع ذلك بأمر الله وتقديره واختياره لرسوله، ولا ذكر في كل ذلك لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ورغبته في طلاقها.
(3)
رابعًا: أنه الأليق بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه حفظٌ لعصمة النبوة، ومقام الرسالة.
(4)
وأما القول الأول فلم يرد فيه خبرٌ يصح الاعتماد عليه، وجميع ما فيه آثار مقطوعة واهية، قال ابن كثير (ت: 774): (ذكر ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم هاهُنا آثارًا
(1)
ينظر: أضواء البيان 6/ 382.
(2)
ينظر: الشفا (ص: 201).
(3)
ينظر: ملاك التأويل 2/ 951.
(4)
ينظر: تفسير السمعاني 4/ 286، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 458، والشفا (ص: 201)، ومعالم التنْزيل 6/ 356.
عن بعض السلف رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا- لعدم صحتها- فلا نوردها)
(1)
.
وأما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب فوقعت في قلبه. فباطلٌ؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم لم يزل معها لمكان قرابته منها؛ فهي ابنة عَمَّته أُميمَة بنت عبد المطلب، ولم يكن حينئذٍ حجاب، وإنما نزلت آية الحجاب بسببها
(2)
، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ذلك ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج؟! وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن، حاشا لذلك القلب المُطَهَّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله تعالى له {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه 131]، والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات، فكيف في المنكوحات والمحبوسات؟!)
(3)
.
ثم قد ورد عن الحسن التفسير بالقول الثاني، فَرُبَّما رجع إليه بعد قوله الأول. والله أعلم.
* * *
(1)
تفسير القرآن العظيم 6/ 2818، وما بين المعترضتين ليس في طبعة البَنَّا، واستدركته من طبعة دار الفكر. وينظر: فتح الباري 8/ 384، وروح المعاني 22/ 278، والتحرير والتنوير 22/ 35. وفي نقد هذه الروايات بتوسع ينظر: مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش (ص: 14 - 19).
(2)
ينظر: الإصابة 8/ 33، 153.
(3)
أحكام القرآن، لابن العربي 3/ 459، بتصرف، وينظر: ملاك التأويل 2/ 950.
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل
(1)
قال: تلا كعب الأحبار هذه الآية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر 32]، إلى قوله {لُغُوبٌ} [فاطر 35]، فقال: دخلوها ورب الكعبة- وفي لفظ: كُلُّهُم في الجنة-، ألا ترى على أثره {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ} [فاطر 36]؟. فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: أبَتْ والله ذلك عليهم الواقعة.
(2)
*
تحليل الاستدراك:
فَسَّرَ كعبٌ (ت: 32) قولَه تعالى {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر 32]، بأنهم: أُمَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم المقصودون بالأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه، والمُقتَصد، والسابق بالخيرات. وقد سألَهُ ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية فقال:(تَماسَّت مناكِبُهم وربِّ الكعبة، ثُمَّ أُعطُوا الفضلَ بأعمالهم)
(3)
. وهذا القول مُعتَمِدٌ على ظاهر الآية وسياقها، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية القرآنَ الكريم، وأنه مُصَدِّقٌ لِمَا بين يديه من الكتب فقال {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [فاطر 31]، ثمَّ عَقَّبَ بِثُمَّ المفيدة
(1)
عبد الله بن الحارث بن نوفل المطلبي الهاشمي، أبو محمد المدني، له رُؤيَة، أجمعوا على ثقته، مات سنة (79). ينظر: الكاشف 2/ 78، والتقريب (ص: 498).
(2)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 246)(787)، وابن المبارك في الزهد (ص: 548) (1571)، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 71 (2448)، وابن جرير في تفسيره 22/ 160 (22175 - 22183)، من عِدَّة طُرُق مُختَصرًا، والبيهقي في البعث والنشور (ص: 85) (64 - 65، 69 - 70)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 24، 26 لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق عوف الأعرابي، عن عبد الله بن الحارث.
وإسناده صحيح.
(3)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 22/ 161 (22176)، وإسناده صحيح.
للترتيب فقال {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر 32]، أي: هذه الأمَّة، ثُمَّ فَصَّلَ حال هذه الأمَّة في قِسمَةٍ مُفتتَحَةٍ بالفاء المفيدة تَرَتُّب ما بعدها على ما قبلها فقال {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر 32]، ثُمَّ ذكرَ مَآلَهُم مُفَصَّلًا فقال {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر 32 - 35]، فلَمَّا استوفى أقسام هذه الأمة أعقَبَ ذلك بذكر الخارجين عنهم؛ وهم الذين كفروا؛ لِتَعُمَّ الآياتُ أقسامَ الخلقِ كُلّهم، فقال تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر 36].
وذهب الحسن (ت: 110) إلى أن هذه الأقسام في الآية عامَّة للخلق كُلِّهم، فيكون الظالم لنفسه الكافرُ والمنافقُ، كالأقسام المذكورة في سورة الواقعة في قوله تعالى {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة 5 - 10]، وهذا بيانٌ للقرآن بالقرآن، ثم لا يستقيم أن يكون الظالم لنفسه من المُصطَفين الوارثين للكتاب.
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب ابن عباس رضي الله عنه
(1)
، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وقتادة (ت: 117)، وزيد بن أسلم (ت: 136)، والفراء (ت: 207)، إلى نحو قول الحسن (ت: 110) في هذه الآية، وعن ابن عباس، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117) أن هذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة
(1)
في رواية عكرمة، وعمرو بن دينار، وجابر الجعفي، والعوفيين. ينظر: تفسير الثوري (ص: 246)، وتفسير عبد الرزاق 3/ 70، وتفسير البستي 2/ 167.
الواقعة وآخرها.
(1)
وذهب عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري عقبة بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وعائشة، والبراء بن عازب، وابن عباس رضي الله عنهم
(2)
، وكعب الأحبار (ت: 32)، وعبيد بن عمير (ت: 68)، ومحمد بن الحنفية
(3)
(ت: 80)، والنخعي (ت: 96)، وأبو قلابة
(4)
(ت: 104)، وقتادة (ت: 117) في رواية، وعمرو بن دينار (ت: 126)، والسدي (ت: 128)، وأبو إسحاق السَّبيعي
(5)
(ت: 129)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)
(6)
، إلى أن الاصطفاء في هذه الآية لهذه الأمة
(7)
، وأن أقسام الآية الثلاثة أخص من أقسام سورة الواقعة؛ إذ إن هذه الأقسام جميعًا في هذه
(1)
ينظر: تفسير مجاهد 2/ 532، وتفسير ابن سلاَّم 2/ 790، ومعاني القرآن، للفراء 2/ 369، وتفسير البستي 2/ 167، وجامع البيان 22/ 161، وتفسير ابن كثير 6/ 2916. وهو اختيار الزمخشري، والجُبَّائي، ومنذر بن سعيد في تفسيره، والرُّمَّاني، كما في طريق الهجرتين (ص: 294)، وينظر: الكشاف 3/ 594، وروح المعاني 22/ 503.
وفي قولهم هذا شائبةُ اعتزال مُلَخَّصُها: أنه لا مغفرة للذنب يوم القيامة إلا بتوبة. وهذا على أصول المعتزلة في استحقاق الفاسق للوعيد يوم القيامة؛ فلا يدخل في المغفرة ما لم يتب. ينظر: شرح الأصول الخمسة (ص: 439 - 449).
(2)
في رواية عطاء، وابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان 22/ 160، وزاد المسير (ص: 1162).
(3)
محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم ابن الحنفية، ثقة عالم، من أعلام التابعين، مات سنة (80) على الأشهر. ينظر: الكاشف 3/ 80، والتقريب (ص: 880).
(4)
عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرميِّ، أبو قلابة البصري، من أئمة التابعين، ثقة فاضل، مات سنة (104) وقيل غيرها. ينظر: الكاشف 2/ 88، والتقريب (ص: 508).
(5)
عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، أبو إسحاق السَّبِيعي، ثقة مُكثِرٌ عابد، أحد الأعلام، مات سنة (129). ينظر: الكاشف 2/ 334، والتقريب (ص: 739).
(6)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 77، وتفسير ابن وهب 2/ 5، وتفسير ابن سلاَّم 2/ 789، وتفسير البستي 2/ 167، وجامع البيان 22/ 160، والنكت والعيون 4/ 473، والجامع لأحكام القرآن 14/ 221، والدر 7/ 24.
(7)
ينظر في ذكر وجوه الاصطفاء: روح المعاني 22/ 502.
الأمة. وهذا القول هو الصواب في معنى الآية، لوجوهٍ كثيرة:
أولها: دلالة ظاهر الآية وسياقها، وقد سبق ذكرهما.
(1)
ثانيها: أنه مُقتضى قوله تعالى {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} [فاطر 33]، فقد أعاد ضمير الجمع على ما سبق ليشمل الأصناف الثلاثة لا بعضها
(2)
، قال الشنقيطي (ت: 1393): (والواو في {يَدْخُلُونَهَا} [فاطر 33] شاملةٌ للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حُقَّ لهذه الواو أن تُكتَبَ بماء العينين)
(3)
؛ فلذلك كانت هذه الآية من أرجى آيات القرآن
(4)
. والأصل أنه إذا ذكرت الصفة بعد مفردات أو جُمَل متعاطفة عادت إلى جميعها إلا بقرينة.
(5)
ثالثها: دلالة معنى التوريث الوارد في قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} [فاطر 32]، فهو (عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم)
(6)
، وقد تضمن القرآن معاني الكتب السابقة، فكأنه تعالى وَرَّث هذه الأمة كتب السابقين؛ لاحتواء كتابهم على معانيها.
(7)
رابعها: وورود هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وهي وإن لم يخلُ أكثرها من ضعف؛ إلا أن مجموعَها يُثبتُ أصلًا لهذا المعنى
(8)
، ومنها حديث
(1)
وينظر: نكت القرآن 3/ 707، وطريق الهجرتين (ص: 306).
(2)
ينظر: بحر العلوم 3/ 87.
(3)
أضواء البيان 6/ 111.
(4)
المرجع السابق.
(5)
ينظر: الإحكام، للآمدي 1/ 383، والبحر المحيط في الأصول 2/ 478، وشرح الكوكب المنير 3/ 348.
(6)
التسهيل 3/ 290، وينظر: جامع البيان 22/ 164، ومنهاج السنة النبوية 4/ 222.
(7)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 14/ 222.
(8)
ذكر الحاكم، والبيهقي، وابن القيم، وابن كثير أن مجموع طرق هذا الحديث يثبت أن له أصلًا يتقوى به المعنى. ينظر: المستدرك 2/ 462، وطريق الهجرتين (ص: 310)، وتفسير ابن كثير 6/ 2916، والدر 7/ 23.
أبي الدرداء رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ هذه الآية وقال:(فأمَّا السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيصيب في ذلك المكان من الغَمِّ والحزن، ثم يتجاوز الله عنه، فذلك قول الله {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر 34])
(1)
.
خامسها: أنه تفسير تسعة من الصحابة، وحسبُكَ به.
سادسها: أنه قول عامَّة أهل العلم
(2)
، واختيار جمهور المفسرين.
(3)
وأمَّا القول الأول فقال عنه ابن عطية (ت: 546): (وهذا قولٌ مردودٌ من غيرما وجه)
(4)
، ومن هذه الوجوه:
الأول: أنه لا علاقة بين الأقسام الثلاثة في هذه الآية وفي سورة الواقعة، فإن هذه
(1)
أخرجه ابن سلاَّم في تفسيره 2/ 786، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 71 (2446، 2449)، وأحمد في المسند 5/ 194، 198 (21744، 21775)، والبستي في تفسيره 2/ 169 (416)، وابن جرير في تفسيره 22/ 164 (22185)، والحاكم في المستدرك 2/ 462 (3592)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 22 للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. وإسناده صحيح، وينظر: مجمع الزوائد 7/ 95.
(2)
ينظر: معالم التنْزيل 6/ 423، والبحر المحيط 7/ 299.
(3)
كما في تفسير ابن سلاَّم 2/ 791، والتسهيل 3/ 291. وينظر: تفسير ابن سلاَّم 2/ 791، وجامع البيان 22/ 163، ومعاني القرآن، للنحاس 5/ 456، ونكت القرآن 3/ 705، وبحر العلوم 3/ 87، وتفسير القرآن العزيز 4/ 31، والوسيط 3/ 505، وتفسير السمعاني 4/ 358، ومعالم التنْزيل 6/ 423، والمحرر الوجيز 4/ 438، والجامع لأحكام القرآن 14/ 221، وأنوار التنْزيل 2/ 862، والتسهيل 3/ 2290، ومجموع الفتاوى 7/ 485، و 10/ 6، و 11/ 182، وطريق الهجرتين (ص: 313)، وتفسير ابن كثير 6/ 2916، والموافقات 2/ 431، وتفسير الحداد 5/ 419، ومجالس في تفسير قوله تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران 164] (ص: 444)، وفتح القدير 4/ 460، وروح المعاني 22/ 502، 504، والتحرير والتنوير 22/ 311، وأضواء البيان 6/ 111.
(4)
المحرر الوجيز 4/ 439، وقد استوعب ابن القيم (ت: 751) هذه الوجوه مفصلةً في كتابه طريق الهجرتين (ص: 291).
الأقسام الثلاثة سيقت في مقام الامتنان بإنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصطفاء هذه الأمة واختصاصها به. أمَّا أقسام سورة الواقعة فإنها من أوّل السورة إلى آخرها في بيان أقسام الخلق يوم القيامة. وتشابه الآيات في بعض الأقسام وفي عددها لا يلزم منه تطابقهما في المعنى.
الثاني: أن المُراد بالظالم لنفسه في الآية: من ظلمها بالذنوب والعاصي. ومن ثَمَّ فلا إشكال في دخوله فيمن اصطفاهم الله تعالى، إذ المُراد: اصطفاء الله لدينهم
(1)
، واصطفائهم بالتوحيد
(2)
. ثم الظلم على درجات، فمنه الظلم الأصغر، وهو: ظلم النفس بالمعاصي، ومنه الأكبر، وهو: الشرك، كما في قوله تعالى {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة 54]، وقوله {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام 82]
(3)
، والمسلم العاصي لا يخرج عن مجموع الأمة، وهو يوم القيامة داخلٌ الجنة بفضل الله وتجاوزه ابتداءً، أو بعدل الله وتطهيره له من ذنوبه في النار، ثم مصيره الجنة. قال ابن القيم (ت: 761): (كون العبد مصطفىً لله، ووليًّا لله، ومحبوبًا لله، ونحو ذلك من الأسماء الدالَّة على شرف منْزلة العبد، وتقريب الله له، لا يُنافي ظلم العبد نفسه أحيانًا بالذنوب والمعاصي)، ثم استشهد بأدلة وافرة على ذلك، كقوله تعالى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر 33 - 35]، وقوله تعالى عن آدم عليه السلام {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف 23]، وقال عن يونس عليه السلام {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 87]، ثم قال: (وإذا كان ظلم النفس
(1)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 14/ 221.
(2)
ينظر: الانتصاف 3/ 595.
(3)
ينظر: التفسير الكبير 26/ 22، وطريق الهجرتين (ص: 291).
لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يُخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليًا لله صديقًا متقيًا، وهو مسيء ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده، وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفىً من جهة كونه من ورثةِ الكتاب علمًا وعملًا، ظالمٌ لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أُمرَ به، وتعديه بعض ما نُهي عنه، كما يكون الرجل وليًا لله محبوبًا له من جهة، ومبغوضًا له من جهة أخرى .. ، ونكتةُ المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية، وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك، كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان، كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفىً من وجه، ظالمًا لنفسه من وجه آخر)
(1)
. ودخول الظالم لنفسه في اصطفاء الله لهذه الأمة في هذه الآية، هو كدخوله في الذكر والشرف لهذه الأمة، الوارد في قوله تعالى {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف 44].
(2)
وقد أكثر المفسرون من ذكر معاني أخرى غير هذين المعنيين
(3)
، وكُلُّها من باب التمثيل لِلَّفظ بذكر بعض أفراده.
(4)
* * *
(1)
طريق الهجرتين (ص: 307)، وينظر: مجموع الفتاوى 10/ 6.
(2)
ينظر: زاد المسير (ص: 1162).
(3)
أوصلها بعضهم إلى ثلاثةٍ وأربعين قولًا. ينظر: تفسير التستري (ص: 129)، والكشف والبيان 8/ 109، والبحر المحيط 7/ 299.
(4)
ينظر: مجموع الفتاوى 13/ 337.
[61]{فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات 143].
قال عمران القطان
(1)
: سمعت الحسن يقول في قوله {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات 143]، قال: والله ما كان إلا صلاةً أحدَثَها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثِر الصلاةَ في الرَّخاء.
(2)
*
تحليل الاستدراك:
ذهب الحسن (ت: 110) إلى أن تسبيح يونس عليه السلام الذي أنجاه الله به هو ما كان منه في بطن الحوت، وهو الوارد في قوله تعالى {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 87]، وهو الدعاء الذي نجاه الله به، إذ أعقبه الله تعالى بقوله {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء 88]. وهذا تفسير للقرآن بالقرآن.
وأنكر ذلك قتادة (ت: 117)، وذهب إلى أن تسبيح يونس عليه السلام الذي نجاه الله به هو ما كان منه حال الرخاء من تسبيح وعبادة. وهذا المعنى مأخوذٌ من لفظ الآية، فقوله تعالى {كَانَ} [الصافات 143]، يفيد أنه في الماضي قبل حصوله في بطن الحوت، كما أن التعبير بلفظ {الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات 143] دون غيره يفيد التكثير والدوام في كل حال، وهذا الشأنُ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ورد في السنة ما يشهد لهذا المعنى،
(1)
عمران بن دَاوَر العَمِّي، أبو العوام القطان البصري، صدوق يَهِم، رُمِيَ برأي الخوارج، وصحب الحسن، وقتادة، ولازمه أشد الملازمة. ينظر: الكاشف 2/ 349، والتقريب (ص: 750).
(2)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 23/ 120 (22717)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 110 لأحمد، وابن أبي حاتم، ولم أجده عندهما. من طريق بندار محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان.
وإسناده حسن.
وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)
(1)
، قال قتادة (ت: 117): (إن في الحكمة: العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر، فإذا صُرِعَ وَجَدَ مُتَّكئًا)
(2)
، ورُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أن الملائكة سمعت دعاء يونس عليه السلام في بطن الحوت، فقالوا: يا ربّ صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ، من بلادٍ غريبة. قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يَزَل يُرفَعُ له عملٌ صالحٌ، ودعوةٌ مستجابةٌ؟ قال: نعم. قالوا: يا ربنا أوَلا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء، فتنجيه من البلاء. قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
اتفق الحسن (ت: 110) وقتادة (ت: 117) على أن التسبيح في هذه الآية: الصلاة. وهي حقيقةٌ شرعية للفظ التسبيح، وإن كان في اللغة أشمل من ذلك
(4)
، قال الراغب (ت: بعد 450): (وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات قولًا كان، أو فعلًا، أو نيَّة)
(5)
، وقد وافق الحسنَ (ت: 110) في تفسيره هذا سعيدُ بن جبير (ت: 95)، وابن جريج
(1)
أخرجه أحمد 1/ 307 (2804)، والترمذي 4/ 667 (2516)، وأبو يعلى 4/ 430 (2556)، بألفاظ متقاربة، وإسناده صحيح، وصححه الترمذي، وابن مندة، وابن رجب. ينظر: نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، ضمن مجموع رسائل ابن رجب 3/ 91، وجامع العلوم والحكم 1/ 459.
(2)
أخرجه ابن سلاَّم في تفسيره 2/ 844، وعبد الرزاق في تفسيره 3/ 104 (2555)، وابن جرير في تفسيره 23/ 119 (22710)، وإسناده صحيح.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 3/ 104 (2558)، وابن جرير في تفسيره 23/ 119 (22711)، والبزار في مسنده، وابن أبي حاتم في تفسيره، كما في البداية والنهاية 1/ 211، بأسانيد لا تخلوا من ضعف، وذكر ابن كثير أن أسانيدها يُقَوِّي بعضها بعضًا. وله شاهد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البستي في تفسيره 2/ 215، وإسناده حسن. وينظر: البداية والنهاية 1/ 210، ومجمع الزوائد 7/ 98.
(4)
ذكر ابن عبد البر (ت: 463) أن التسبيح في الاسم الشرعي خاصٌّ بالنافلة، والحقيقة الشرعية مُقَدَّمةٌ على اللغوية، وقاضيةٌ عليها. ينظر: التمهيد 4/ 300، و 5/ 16، والاستذكار 2/ 181، 265.
(5)
المفردات (ص: 392).
(ت: 150)، واختاره ابن جُزَيّ (ت: 741)، واستظهره أبو حيَّان (ت: 745)
(1)
.
وذهب سلمانُ الفارسي، وابنُ عباس، والضحاك بن قيس رضي الله عنهم، وأبو العالية (ت: 93)، وسعيد بن جبير (ت: 95) في رواية
(2)
، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110) في رواية
(3)
، ووهب بن منبه (ت: 114)، والسدي (ت: 128)، وعطاء بن السائب (ت: 136)، والقاسم بن الوليد
(4)
(ت: 141)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)، وابن عيينة (ت: 198)، إلى ما ذهب إليه قتادة (ت: 117) في هذه الآية
(5)
. وهو أرجح المعنيين؛ لدلالة ظاهر الآية، ومقتضى اللفظ، ولشهادة السنة لمعناه، وعليه جمهور المفسرين
(6)
، ويؤيده وروده عن سعيد بن جبير (ت: 95)، والحسن (ت: 110). ولعلهما أرادا بمجموع القولين- إن ثبت عنهما- الجمع بينهما على ما سيأتي، أو تَبَدَّل اجتهادُهما في تفسير الآية.
وقد جمع الآلوسي (ت: 1270)
(7)
، والسعدي (ت: 1376)
(8)
بين القولين، بأنه:
(1)
ينظر: جامع البيان 23/ 120، والمحرر الوجيز 4/ 486، والتسهيل 3/ 325، والبحر المحيط 7/ 359.
(2)
ينظر: الدر المنثور 7/ 110.
(3)
كما في: الكشف والبيان 8/ 170، والدر المنثور 7/ 110.
(4)
القاسم بن الوليد الهَمْداني، أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، ثقة، توفي سنة (141). ينظر: الكاشف 2/ 394، والتقريب (ص: 796).
(5)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 108، وتفسير البستي 2/ 218، وجامع البيان 23/ 119، وبحر العلوم 3/ 124، ومعالم التنْزيل 7/ 60، والبداية والنهاية 1/ 210.
(6)
ينظر: زاد المسير (ص: 1197)، وجامع البيان 23/ 119، ومعاني القرآن، للنحاس 6/ 58، ونكت القرآن 3/ 739، وبحر العلوم 3/ 124، والكشف والبيان 8/ 170، والوسيط 3/ 533، وتفسير السمعاني 4/ 415، ومعالم التنْزيل 7/ 60، والكشاف 4/ 59، وأنوار التنْزيل 2/ 890، وتفسير ابن كثير 7/ 2993، وتفسير الحداد 6/ 53، والإكليل 3/ 1136.
(7)
ينظر: روح المعاني 23/ 191.
(8)
ينظر: تيسير الكريم الرحمن 2/ 490.
كان من المسبحين في حال الرخاء، وكذلك في بطن الحوت، ولمجموع ذلك فَرَّجَ الله عنه. وهذا الجمع مَرَدُّه إلى القول الثاني، فلا يكون قولًا ثالثًا؛ لأن من لازم تسبيح يونس عليه السلام وعبادته حال الرخاء، أن تدوم تلك العبادة وذلك التسبيح حال الشدة، فهذا المعنى من تمام القول الثاني، وليس بخارج عنه، وإنما الذي يُقابله أن يكون ذلك التسبيح مُحدَثًا في بطن الحوت، كما في القول الأول.
* * *
[62] {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِ
طَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق 19 - 21].
قال يعقوب بن عبد الرحمن
(1)
: (سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق 19]، إلى قوله {سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق 21]، فقلت له: من يُرَاد بهذا؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: رسول الله؟! فقال: ما تنكر؟ قال الله عز وجل {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى} [الضحى 6 - 7]. قال: ثم سألت صالح بن كيسان
(2)
عنها، فقال لي: هل سألت أحدًا؟ فقلت: نعم، قد سألت عنها زيد بن أسلم. فقال: ما قال لك؟ فقلت: بل تخبرني ما تقول. فقال: لأخبرنك برأيي الذي عليه رأيي، فأخبرني ما قال لك. قلت: قال: يُراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عالية، ولا لسانٌ فصيح، ولا معرفةٌ بكلام العرب، إنما يُراد بهذا الكافر. ثم قال: اقرأ ما
(1)
يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد ابن عَبْدٍ القارِّيّ الزهري المدني، من الثقات، مات سنة (181). ينظر: الكاشف 3/ 292، والتقريب (ص: 1088).
(2)
صالح بن كيسان المدني، أبو محمد، مُؤَدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، مات بعد (140). ينظر: الكاشف 2/ 23، والتقريب (ص: 447).
بعدها يدلك على ذلك. قال: ثم سألت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس
(1)
، فقال لي مثل ما قال صالح: هل سألت أحدًا؟ فأخبرني به. قلت: إني قد سألت زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان. فقال لي: ما قالا لك؟ قلت: بل تخبرني بقولك. قال: لأخبرنك بقولي. فأخبرته بالذي قالا لي. قال: فإنِّي أُخَالفهما جميعًا، يريد بها البر والفاجر، قال الله {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق 19]، {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق 22]، قال: فانكشف الغطاء عن البر والفاجر، فرأى كلٌّ ما يصير إليه)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب زيدُ بن أسلم (ت: 136) إلى أن المعنيَّ بِهذه الآيات: رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. واعتمد في ذلك التعيين على خطاب الواحد المذكور قبل في قوله تعالى {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق 19]، وكذا الوارد في قوله {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق 22]. وقد بَيَّن زيد (ت: 136) لسائله- لَمَّا رآه مُنكِرًا قولَه- أن لا غضاضة في كلِّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك مثل قول الله عز وجل له {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى} [الضحى 6 - 7]. فالآية الأولى في بيان حالٍ تحيدُ عنها كل نفس لشِدَّتِها
(3)
، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُكَرِّرُ عند موته:(لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرات، اللهم هَوِّن عليَّ سكراتِ الموت)
(4)
، وقال لابنته فاطمة رضي الله عنها
(1)
الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، تابعيٌّ مدنيّ، مات سنة (141). ينظر: الكاشف 1/ 231، وتهذيب التهذيب 1/ 424.
(2)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 2/ 126 (250)، وابن جرير في تفسيره 26/ 209 (24700). من طريق ابن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن.
وإسناده صحيح.
(3)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 17/ 10.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 750 (4449)، والترمذي في جامعه 3/ 308 (978).
في حاله تلك: (لا كربَ على أبيك بعد اليوم)
(1)
. والآية الثانية شبهها واضحٌ بآيةِ الضحى، والمعنى فيها:(لقد كُنْتَ في غفلةٍ من معرفة هذا القصص والغيب، حتى أرسلناك، وأنعمنا عليك وعلمناك)
(2)
، فكلا الآيتين لديه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا.
وذهب ابنُ كيسان (ت: بعد 140) إلى أن المعنِيَّ بِها: الكافرُ إذا عاينَ الحقائق يوم القيامة. واعتمد لذلك سياق الآية بقوله: (اقرأ ما بعدها يدُلُّكَ على ذلك)، ومراده قوله تعالى {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ} [ق 23 - 25].
وخالفهما الحسينُ (ت: 141) وذهب إلى أن المَعنِيَّ بهذه الآيات: كُلُّ بَرٍّ وفاجرٍ. واعتمد في ذلك العمومَ الواضحَ من سياق الآية، فقبلها قوله تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق 16]، وما بعدها وصفٌ لأحوال هذا الإنسان من حين سكرة الموت، وحتى مصيره إلى الجنة أو النار.
*
الحكم على الاستدراك:
اجتمع في هذا الاستدراك ثلاثةُ أقوال، أولها: قول زيد بن أسلم (ت: 136) أن المُراد: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتبعه عليه ابنه عبد الرحمن (ت: 182)
(3)
، وهو أضعفُ هذه الأقوال، وقد وصفه الرازي (ت: 604) بالنَّكارة
(4)
، وضَعَّفَه ابنُ عطية (ت: 546)، وابنُ جُزَي (ت: 741)
(5)
، وبالغ أبو حيَّان (ت: 745) فقال: (وعن زيد بن أسلم قول
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 755 (4462).
(2)
المحرر الوجيز 5/ 162، وينظر: إعراب القرآن، للنحاس 4/ 150، وتفسير ابن كثير 7/ 3291.
(3)
ينظر: جامع البيان 26/ 210، وتفسير ابن كثير 7/ 3291.
(4)
ينظر: التفسير الكبير 28/ 141.
(5)
ينظر: المحرر الوجيز 5/ 162، والتسهيل 4/ 120.
في هذه الآية يَحرُم نقله، وهو في كتاب ابن عطية)
(1)
، ومُجمَلُ وجوه ضعفه: أنه مُخالفٌ للفظ الآية وسياقها، فالضمير في قوله {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا} [ق 22] إنما يعود إلى أقرب مذكور، وهي النفس في قوله تعالى {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق 21]، وإعادته إلى القرآن أو الوحي إخراجٌ له عن نظم الآية بلا دليل، وكذلك الضمير بعد هذا في قوله {وَقَالَ قَرِينُهُ} [ق 23] إنما يعود على أقرب مذكور وهو الذي يُقال له {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق 22]، ولا يصح به المعنى على هذا القول، وإن جعلناه عائدًا على النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض في خطاب محمد صلى الله عليه وسلم غير متمكنٍ، ومُخالف لنظم الآية.
والثاني: قول ابن كيسان (ت: بعد 140) أن المراد: الكافر. وسبقه ابن عباس رضي الله عنه، من رواية ابن أبي طلحة، ومجاهد (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، واختاره مقاتل (ت: 150)، والثوري (ت: 161)، والحداد (ت: 800)، وابن عاشور (ت: 1393)
(2)
، وهو وإن كان أقرب من سابقه، ويُمكِنُ تخصيص السياق به على تكلُّف، إلا أن العموم الوارد في قوله تعالى في أول سياق الآيات {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق 16]، وقوله {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ} [ق 21] أولى منه، وأحرى أن تُحمَلَ الآيةُ عليه؛ إذ الكلام فيما بين ذلك وبعده مرتبطٌ به ارتباطًا ظاهرًا
(3)
، ثُمَّ هي أحوالٌ تمرُّ على كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، ولا موجب للتخصيص فيها، وقد صَحَّ عن أبي بكر رضي الله عنه ما يشهد لهذا القول، فإنه لَمَّا دخلت عليه عائشة رضي الله عنها في ساعة موته قالت: (هذا كما قال الشاعر
(4)
:
(1)
البحر المحيط 8/ 125.
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 270، وجامع البيان 26/ 210، وزاد المسير (ص: 1341)، وتفسير الحداد 6/ 314، والتحرير والتنوير 26/ 307.
(3)
ينظر: جامع البيان 26/ 209، وتفسير ابن كثير 7/ 3291.
(4)
حاتم الطائي، ينظر: الشعر والشعراء (ص: 134)، والأغاني 17/ 274. وصدره:
أَمَاوِيُّ ما يُغنِي الثَّراءُ عن الفتى
إذا حَشْرَجَت يومًا وضَاقَ بها الصَّدَرُ.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا تقولي ذلك، ولكن قولي كما قال الله عز وجل {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق 19])
(1)
. وهو القول الثالث الذي ذهب إليه الحسين بن عبد الله (ت: 141)، وقبله ابن عباس رضي الله عنه، من طريق العوفيين، وقتادة (ت: 117)
(2)
، وعليه جمهور المفسرين.
(3)
وفي هذا الاستدراك مسائل:
أولها: أن تفسير القرآن بالقرآن اجتهادٌ من المفسر، فلا يجب المصير إليه ما لم يكن نَصًّا صريحًا، أو إجماعًا ثابتًا، أما ما عَدَاه فلا يكفي فيه تشابه اللفظ، وتقارب المعنى؛ لأن لسبب النُّزول، وسياق الكلام وانتظامه أثرٌ قَوِيٌّ في تحديد المعنى، وبيان المُراد. وتفسير زيد بن أسلم (ت: 136) هنا وإن كان من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، إلا أنه أخرج الآية من سياقها، وخالَفَ انتظامها، فلم يُعتَبَر.
ثانيها: في قول ابن كيسان (ت: بعد 140) لسائله- تمهيدًا لرده قولَ زيد بن أسلم (ت: 136) -: (وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عاليةٌ، ولا لسانٌ فصيحٌ، ولا معرفةٌ بكلامِ العرب)، بيانٌ لأمورٍ ثلاثةٍ هي عنده أسباب خطأِ زيد (ت: 136) في تفسيره هذا،
(1)
أخرجه البستي في تفسيره 2/ 405 (1026)، وابن جرير في تفسيره 26/ 206 (26489)، وأبو بكر الأنباري، كما في الجامع لأحكام القرآن 17/ 10، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 184) (102)، وعبد الرزاق في مصنفه 3/ 563 (6699)، والبستي في تفسيره 2/ 405 (1027 - 1028)، من طرق عِدَّة وبألفاظ متغايرة.
(2)
ينظر: جامع البيان 26/ 210.
(3)
ينظر: جامع البيان 26/ 209، وإعراب القرآن، للنحاس 4/ 151، والنكت والعيون 5/ 349، والمحرر الوجيز 162، وزاد المسير (ص: 1341)، والتفسير الكبير 28/ 141، والجامع لأحكام القرآن 17/ 11، وأنوار التنْزيل 2/ 1006، وتفسير سورة ق والقيامة وغيرها، للطوفي (ص: 42)، والتسهيل 4/ 120، والبحر المحيط 8/ 124، وتفسير ابن كثير 7/ 3289، 3291، وروح المعاني 26/ 464، وفتح القدير 5/ 100.
ويُقابلها أمورٌ ثلاثةٌ هي وجوه الترجيح، وبعضها شروطٌ في المفسر، وهي:
أولًا: عُلُوّ السِنّ، وليس مُراده أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّه بعبارته هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق، ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص هنا الصحابة، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده.
ثانيًا: فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني.
ثالثًا: معرفةُ كلام العرب؛ ألفاظها، وأساليبها، وهذا شرطٌ لازمٌ للمُفَسِّر، فإن القرآن مُنَزَّلٌ بلسان عربيٍّ مُبين، فلا تُعرَفُ معانيه إلا بمعرفة اللسان الذي نزل به، وهو لسان العرب.
* * *
قال مجاهد: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.
(1)
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 1/ 418 (810)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 113 (549)، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 156 لوكيع، وعبد بن حميد، من طريق أبي حذيفة النهدي، عن شبل بن عَبَّاد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وإسناده صحيح. وقال ابن كثير: (وهذا سند جيد عن مجاهد). تفسير القرآن العظيم 1/ 286. وله متابعات أخرجها الثوري، كما في تفسير ابن كثير 1/ 269، وابن جرير في تفسيره 2/ 447 (3206)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 372 (1961).
*
تحليل الاستدراك:
نفى مجاهد (ت: 104) أن يكون المُراد بالغمام في الآية: السحاب، ومن فَسَّرَه بالسحاب اعتمد على اللغة، فالسحاب أشهر معاني الغمام وأظهرها، والمُتبادر منها.
وذهب إلى أن المُراد به الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الوارد في قوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [البقرة 210]، فحمل الغمام في الآية الأولى على معناه في الآية الثانية، وهو عنده أبيض رقيق غير سحاب المطر، بل أطيب منه وأرق وأصفى
(1)
. وكان ذلك من تمام نعمة الله عليهم، ولم يكن إلا لهم.
*
الحكم على الاستدراك:
الغَمُّ في أصل اللغة: الستر والإطباق
(2)
، قال ابن جرير (ت: 310): (الغمام جمع غمامة، كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو: ما غَمَّ السماء فألبسها، من سحاب وقتام وغير ذلك ممَّا يسترها عن أعيُنِ الناظرين، وكُلُّ مُغَطَّى فإن العرب تُسَميه مغمومًا)
(3)
. وأشهر معاني الغمام وأظهرها: السحاب
(4)
، قال صاحب كتاب "العين":(الغَمامُ: السحاب، والقطعةُ: غَمَامَة)
(5)
.
وحيثُ كان الغمام بمعنى السحاب هو المُتبادر، فهو الأرجح من معناه في هذه الآية، وبه فسرها ابنُ عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، والربيع بن أنس (ت: 139)، وأبو مجلز (ت: 106)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)،
(1)
ينظر: الكشف والبيان 1/ 200، والمحرر الوجيز 1/ 148.
(2)
ينظر: جمهرة اللغة 1/ 160، ومقاييس اللغة 2/ 295، والمفردات (ص: 613).
(3)
جامع البيان 1/ 418.
(4)
ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: 49)، وتهذيب اللغة 8/ 28، والصحاح 5/ 1998.
(5)
كتاب العين 3/ 293.
والسدي (ت: 128)، ومقاتل (ت: 150)، وابن قتيبة (ت: 276)
(1)
، وذكره ابن الجوزي (ت: 597) قولًا واحدًا
(2)
، وعليه أكثر المفسرين.
(3)
ورُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنه نحو قول مجاهد (ت: 105) غيرَ أنه لا يصحُّ عنه؛ لانقطاعه عن ابن جريج (ت: 150)
(4)
، واختاره الثعلبي (ت: 427)، والبغوي (ت: 516)، والحداد (ت: 800).
(5)
وقد كان يُمكن الجمع بين القولين، بأن يُقَال: أن هذا الغمام نوعٌ من السحاب أبيضُ رقيقٌ صافٍ، غير أن مجاهدًا (ت: 104) نفى كونه من سحاب الدنيا المعروف، ولا موجِبَ لهذا النفي.
(6)
* * *
[64]{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة 65].
قال مجاهد: مُسِخَت قُلُوبُهم، ولم يُمسَخوا قِرَدةً، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثلما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارًا.
(7)
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 50، وتفسير غريب القرآن (ص: 49)، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 113، وتفسير ابن كثير 1/ 269.
(2)
زاد المسير (ص: 62).
(3)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/ 138، وبحر العلوم 1/ 120، وتفسير ابن أبي زمنين 1/ 141، والغريبين 4/ 1389، والوسيط 1/ 142، والوجيز 1/ 107، والكشاف 1/ 144، والمحرر الوجيز 1/ 148، والجامع لأحكام القرآن 1/ 276، وأنوار التنْزيل 1/ 68، والتفسير الكبير 3/ 82، والبحر المحيط 1/ 364، وتفسير ابن كثير 1/ 268، وروح المعاني 1/ 357، وفتح القدير 1/ 195، وجواهر الأفكار (ص: 209).
(4)
ينظر: جامع البيان 1/ 419، وتفسير ابن كثير 1/ 269.
(5)
ينظر: الكشف والبيان 1/ 200، ومعالم التنْزيل 1/ 97، وتفسير الحداد 1/ 89.
(6)
ينظر: تفسير ابن عثيمين 1/ 195.
(7)
أخرجه آدم بن أبي إياس، كما في تفسير مجاهد 1/ 77، وابن جرير في تفسيره 1/ 472 (955)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 133 (672)، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 169 لابن المنذر، من طريق أبي حذيفة النهدي، عن شبل بن عباد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وعن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح. وآدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح.
وإسناده صحيح، وصححه ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 96.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب مجاهد (ت: 104) إلى أن مسخَ الذين اعتدوا في السبت من بني إسرائيل ليس حقيقيًا ظاهريًا، وإنما هو مسخٌ معنويٌ لقلوبِهم؛ بالختم عليها والطبع، واستشهد لذلك بوصفهم في سورة الجمعة بالحمار الذي يحمل أسفارًا ولا ينتفع بِها، قال تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة 5].
ومن جعل المسخَ هنا حقيقيًا حملَ الآيةَ على ظاهرها، وأسنَدَ ذلك بأنه أبلغ في العقوبة والنَّكال الذي جعله الله لغيرها من القرى، قال تعالى {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة 66]
(1)
، ثُمَّ هي عقوبة مناسِبَةٌ لفعلهم واحتيالهم، قال ابن القيم (ت: 751) ناقلًا عن شيخه ابن تيمية (ت: 728): (لَمَّا مَسَخ أولئك دينَ الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مَسَخهم الله قِرَدةً تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جَزاءً وِفاقًا)
(2)
.
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب عامَّةُ المفسرين إلى أن المسخ هنا على حقيقته؛ مسخًا صُورِيًّا ظاهِرِيًّا
(3)
،
(1)
ينظر: الفتاوى الكبرى 6/ 30.
(2)
إعلام الموقعين 5/ 72، وينظر: الفتاوى الكبرى 6/ 28، وإغاثة اللهفان 1/ 476.
(3)
ينظر: جامع البيان 1/ 472، وبحر العلوم 1/ 126، والوسيط 1/ 152، وتفسير السمعاني 1/ 90، وغرائب التفسير 1/ 145، ومعالم التنْزيل 1/ 105، والكشاف 1/ 149، والمحرر الوجيز 1/ 161، والتسهيل 1/ 131، والجامع لأحكام القرآن 1/ 299، وأنوار التنْزيل 1/ 72، والبحر المحيط 1/ 409، وتفسير ابن كثير 1/ 286، وتفسير الحداد 1/ 104، وجواهر الأفكار (ص: 220).
وهذا ظاهر الآية والمُتبادر من اللفظ، وقد تكرر هذا المعنى في قوله تعالى عن هذه الطائفة من بني إسرائيل {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة 60]، وقوله {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف 166].
وحمل المسخ على غير ظاهره وحقيقته تأويلٌ لا دليل عليه، وقد رَدَّ ابنُ جرير (ت: 310) قولَ مجاهد (ت: 104) هذا جُملَةً بما يتلَخَّصُ في ثلاثة وجوه
(1)
:
أولها: أنه لو جاز هذا التأويل لجازَ تأوُّل الصعقة التي أخذت بني إسرائيل لمَّا قالوا {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء 153]، ولجاز تأوُّل أمرهم بقتل أنفسهم توبةً عليهم لمَّا عبدوا العجل، ولجاز تأوُّل أمرهم بالتيه في الأرض لمَّا قالوا لنبيهم {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة 24]، فسواء القول بأن مسخهم لم يكن على ما أخبر الله به في ظاهر الآية، والقول بأن ما أخبر الله به عن بني إسرائيل من ذلك ومن خلافهم على أنبيائهم، والعقوبات التي أنزلها الله بهم لم يكن كما أخبر الله عنه. قال ابن جرير (ت: 310): (ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرَّ بآخر سُئِلَ البرهان على قوله، وعورِضَ فيما أنكر بما أقَرَّ به، ثُمَّ يُسأَل الفرق من خبرٍ مُستَفيض، أو أثرٍ صحيح)
(2)
.
ثانيها: عدمُ الدليل على هذا التأويل، كما ذكر ابن جرير (ت: 310) في آخر كلامه السابق.
ثالثها: مخالفة مجاهد (ت: 104) لإجماع المفسرين على حقيقة المسخ
(3)
، قال ابن جرير (ت: 310): (هذا مع خلاف قولِ مجاهد قولَ جميعَ الحُجَّة التي لا يجوز
(1)
ينظر: جامع البيان 1/ 472.
(2)
جامع البيان 1/ 473. وينظر: البداية والنهاية 2/ 96.
(3)
ينظر: زاد المسير (ص: 67).
عليها الخطأ والكذب فيما نَقَلَته مُجْمِعَةً عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ إجماعُها على تَخطِئَته)
(1)
.
وزاد ابن كثير (ت: 774) في رَدِّ قولِ مجاهد (ت: 104) هذا: مخالفتهُ للظاهر من السياق في هذا الموطن وفي غيره من المواطن كما سبق بيانه، وقال بعد أن استوعب أقوال المفسرين في مقابل هذا القول:(والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًّا، بل الصحيح أنه معنوي صوري)
(2)
.
أمَّا الآية التي ذكرها مجاهدُ (ت: 104) نظيرًا لهذه الآية فلا يصح الاستشهاد بها، فإن الله تعالى بَيَّنَ أنه ضربَ ذلك مثلًا، فقال {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} [الجمعة 5]، ولو ورد في آية البقرة هذه أنه مثلٌ لهم لكان لقول مجاهد وجه، لكن لا ذكر للمثل في كلا آيتي البقرة والأعراف. ثُمَّ المسخ المعنوي الذي ذُكِر معنىً لهذه الآية لا جديد فيه كما في القول الآخر، فإنه حاصِلٌ للكفار والمنافقين كما في قوله تعالى {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان 44]. وليس في كلام مجاهد (ت: 104) ما يُفيد إنكار المسخ من حيث هو، فإنه ثابتٌ في الأحاديث الصحيحة
(3)
. ولم أجد من المفسرين من وافق مُجاهدًا (ت: 104) في قوله
(1)
جامع البيان 1/ 473. وينظر: البداية والنهاية 2/ 96.
(2)
تفسير القرآن العظيم 1/ 160 طبعة: دار الفكر، وفي طبعة إبراهيم البَنَّا 1/ 288:(صوري لا معنوي)، والأول أقرب إلى تَمام المعنى وسياقه، وعليه أكثر النسخ، وينظر: طبعة سامي السلامة 1/ 292.
(3)
كما في صحيح البخاري 10/ 53 (5590). وقد ذكر صاحب "أسباب الخطأ في التفسير" قولَ مجاهد هذا 1/ 546، وجعل من أوجه إبطاله حصول المسخ في آخر هذه الأمة كما في الحديث، ولا وجه لذكره ما لم يَثْبُت إنكار مجاهد للمسخ من أصله، ولا يُظَن هذا من مثل مجاهد رحمه الله.
هذا، إلا تجويز الرازي (ت: 604) وابن عاشور (ت: 1393) له وعدم استبعاده.
(1)
ومن مسائل هذا الاستدراك
أن هذا القول من مجاهد (ت: 104) رحمه الله من غرائب ما ورد عنه في التفسير، وقد وصفه بالغرابة غير واحد من المفسرين
(2)
، وأشار القرطبي (ت: 671) إلى شذوذه بقوله: (ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم)
(3)
، ووجه الغرابة فيه: البعد الشديد بين هذه الآية، وبين ما تُوُهِّم أنه نظير لها
(4)
، وقد سبق بيانُ أن تفسير الآية بنظائرها في القرآن فيه مدخلٌ واسعٌ للاجتهاد، ومن ثَمَّ لَزِمَ ضبطُ هذا الطريق من طرق التفسير بضوابط تحفظه من الشذوذ والغرابة والتأويل المذموم، ومن أهم هذه الضوابط في هذا المقام: أن ظاهر اللفظ واجب الاعتبار، ولا يصح المصير إلى غيره إلا بِحُجَّة، أما صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يوجبه، فتحكُّمٌ يُنَزَّه عن مثله كلام الله تعالى.
(5)
* * *
(1)
ينظر: التفسير الكبير 3/ 103، والتحرير والتنوير 1/ 544، كما نحا إلى هذا القول صاحب تفسير المنار 1/ 344، والمراغي في تفسيره 1/ 120، وقد وهم المراغي فنسب إلى ابن كثير أن المسخ المعنوي هو الصحيح، كما قال مجاهد، وهذا تحريف في النسبة.
(2)
كالكرماني في غرائب التفسير 1/ 145، وابن كثير في تفسيره 1/ 286، ولم يذكره صاحب كتاب:"مجاهد المفسر والتفسير" ضمن غرائب تفسير مجاهد (ص: 615 - 622)، مع ذكره لمواضع هي دونه في الغرابة والشذوذ!.
(3)
الجامع لأحكام القرآن 1/ 300.
(4)
ينظر: أسباب الخطأ في التفسير 1/ 540، والأقوال الشاذة في التفسير (ص: 290).
(5)
ينظر: الإبانة، للأشعري (ص: 35)، والصواعق المرسلة 1/ 187، و 1/ 288، وأضواء البيان 3/ 350، وجناية التأويل الفاسد (ص: 24)، وأسباب الخطأ في التفسير 1/ 290، و 2/ 730.
[65]{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة 204].
عن أبي معشر
(1)
قال: (سمعتُ سعيدًا المقبُرِي
(2)
يُذَاكِر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنا نجد في بعض الكتب: (أن لله عز وجل عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصّبِر، يلبسون للناس مسوكَ الضأن من اللِّين، ويَجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أَعَلَيَّ يجتَرِءون؟ وبِي يغتَرُّون؟ وعِزَّتِي لأبعَثَنَّ عليهم فتنةً تترك الحليمَ منهم حيران). فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جلَّ ثناؤُه. فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 204 - 205]. فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
بَيَّن محمد بن كعب (ت: 108) للمقبري (ت: 123) أن أولئك الموصوفين بتلك الصفات في الكتب السابقة موصوفون بها كذلك في كتاب الله تعالى، وقرأَ عليه الآية
(1)
تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (57)(ص: 288).
(2)
تقدمت ترجمته في الاستدراك رقم (14)(ص: 88).
(3)
أخرجه سعيد بن منصور في سننه 3/ 830 (361)، وابن جرير في تفسيره 1/ 426 (3142)، والبيهقي في الشعب 5/ 362 (6956)، من طريق أبي معشر. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 364 (1912)، من طريق حمزة بن أبي جميل الرَّبَذي، عن أبي معشر، عن القرظي مرفوعًا، ولا يصح. وأخرجه ابن وهب في تفسيره 2/ 17 (28)، وابن جرير في تفسيره 1/ 427 (3143)، من طريق الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي ونوف البكالي، بلفظه. وإسناده صحيح.
وإسناده حسن لغيره.
مستشهدًا بها على هذا المعنى وأنها في المنافقين كما صرَّح به في الرواية الأخرى، وهذا أخذٌ منه بعموم اللفظ في الآية في قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ} [البقرة 204]، واعتبارٌ للسياق كذلك؛ فقد سُبِقَت هذه الآية بذكر فريقين: كافرٌ لا حَظَّ له في الآخرة، ومؤمن رَغِبَ في حظه من الدنيا والآخرة، فقال تعالى {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة 200 - 202]، فناسَبَ بعد ذلك ذِكر من لا حَظَّ لهم في الآخرة، مع تظاهرهم بالرغبة فيها، وهم: المنافقون.
(1)
وقد اعترض المقبري (ت: 123) هذا المنْزَع بقوله: (قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية)، وكأنه يشير بذلك إلى ما ذكره أكثر المفسرين في سبب نزولها، وأنها نزلت في الأخنس بن شُريق الثقفي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهرَ الإسلام وأبطنَ خلافه
(2)
. وظاهرُ قوله، وما أجابَه به القُرظي (ت: 108) فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ)، أنه يرى الآيةَ خاصَّةً فيمن نزلت فيه ولا تتجاوزه إلى غيره، ومن ثَمَّ لم يصح عنده استشهاد القرظي (ت: 108) بالآية على هذه المعاني. فهو في قوله هذا آخِذٌ بسبب النُّزول، وقاصِرٌ له على صورته دون غيرها.
*
الحكم على الاستدراك:
يدور الخلاف في هذا الاستدراك على قولين:
الأول: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، ولا تتعدَّاه إلى غيره. وهو رأي المقبري (ت: 123).
والثاني: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، وتتعدَّاه إلى غيره، فتشمل كُلّ من
(1)
ينظر: التفسير الكبير 5/ 176، وروح المعاني 2/ 668، والتحرير والتنوير 2/ 265.
(2)
ينظر: جامع البيان 2/ 425، والكشف والبيان 2/ 119، وأسباب النُّزول (ص: 65).
اتَّصَفَ بشيء من معناها، ويدخل فيها دُخُولًا أَوَّلِيًّا: المنافقون. وهو رأي القرظي (ت: 108)، وبه فَسَّرها ابن عباس رضي الله عنه، وأبو العالية (ت: 93)، ومجاهد (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، وعطاء (ت: 114)، وقتادة (ت: 117)، والربيع بن أنس (ت: 139)، وابن زيد (ت: 182).
(1)
والرأي الثاني هو الصواب من كُلِّ وجه؛ فالأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب هو الصحيح عند عامَّة العلماء
(2)
، وحكى بعضهم الإجماع فيه
(3)
، وقد قَرَّرَ هذه القاعدةَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلَة، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114]، فقال الرجل: ألِي هذا؟ قال: (لجميع أُمَّتي كُلِّهم)
(4)
، وقد احتَجَّ الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام في جميع الأعصار والأمصار وفي وقائع مُختلفة بعموم آيات نزلت في أسباب خاصَّة، وهذا شائع بينهم، ولم يُعرَف عنهم استدلالٌ فيها بغير عموم لفظها
(5)
، قال ابن تيمية (ت: 728): (قَصْرُ عمومات الكتاب والسنة على أسباب نزولها باطل؛ فإن عامَّة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد عُلِم أن شيئًا منها لَم يُقصَر على سببه)
(6)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامَّة أنها
(1)
ينظر: جامع البيان 2/ 426، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 364، والنكت والعيون 1/ 266، وزاد المسير (ص: 120)، وتفسير ابن كثير 2/ 523.
(2)
ينظر: قواطع الأدلة (ص: 316)، والمسودة 1/ 306، ومجموع الفتاوى 13/ 338، و 15/ 364، والصواعق المرسلة 2/ 693، وإعلام الموقعين 2/ 387، وتفسير ابن كثير 4/ 1570، وسلاسل الذهب (ص: 270)، وشرح الكوكب المنير 3/ 177.
(3)
ينظر: البحر المحيط في الأصول 2/ 352، 357، وإرشاد الفحول (ص: 230).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 12 (526)، ومسلم في صحيحه 17/ 233 (39، 42). وينظر تعليق الشنقيطي على هذا الحديث في أضواء البيان 3/ 189.
(5)
ينظر: الإتقان 1/ 61، وشرح الكوكب المنير 3/ 179.
(6)
مجموع الفتاوى 15/ 364.
في قومٍ مخصوصين من المؤمنين والكفار والمنافقين، تقصيرٌ ظاهرٌ منهم، وهضمٌ لتلك العمومات المقصود عمومها، وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقوامًا في عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالًا وفعلوا أفعالًا في الخير والشر، فنَزلت بسبب الفريقين آياتٌ حمد اللهُ فيها المحسنين وأثنى عليهم، ووعدهم جزيل ثوابه، وذَمَّ المسيئين ووعدهم وبيل عقابه. فعمَدَ كثيرٌ من المفسرين إلى تلك العمومات فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا: إنهم المعنيون بها)
(1)
.
وجمهور المفسرين على أن الآيةَ عامَّة في المنافقين وغيرهم، قال ابن كثير (ت: 774): (وهذا الذي قاله القرظي حسنٌ صحيحٌ)
(2)
، وقال الرازي (ت: 604): (وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين)
(3)
.
* * *
قال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس سمع النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المنادي: القرآن.
(4)
(1)
الصواعق المرسلة 2/ 700 بتصرُّف.
(2)
تفسير ابن كثير 2/ 523.
(3)
التفسير الكبير 5/ 168، وينظر: بحر العلوم 1/ 196، وتفسير القرآن العزيز 1/ 213، وأحكام القرآن، لابن العربي 1/ 191، والمحرر الوجيز 1/ 279.
(4)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 83)(173)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص: 24) (18)، وابن جرير في تفسيره 4/ 280 (6664)، وابن المنذر في تفسيره 2/ 536 (1270)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 842 (4662)، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 383 لعبد بن حميد، والخطيب في المتفق والمفترق. من طُرُق عن موسى بن عبيدة، عن القرظي.
وإسناده ضعيف.
*
تحليل الاستدراك:
نفى القرظي (ت: 108) أن يكون المُراد بالمنادي في الآية رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وعَلَّلَ ذلك بقوله: (ليس كل الناس سمع النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذهب إلى أن المنادي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، حملوا اللفظ على ظاهره وحقيقته، واعتمدوا سياقَ الآية، وآياتٍ قرآنيةٍ في معناها. ففي الآية بعدها قال تعالى {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران 194]، أي: الذين استجبنا دعاءَهم، وآمنَّا بما جاءوا به
(1)
. والمُراد بالنداء في الآية: الدعاء، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أشهر وأظهر، فقد قال تعالى {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل 125]، {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف 108]، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} [الأحزاب 46]
(2)
، وقال تعالى آمرًا المؤمنين باستجابة دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال 24].
(3)
وذهب القرظي (ت: 108) إلى أن المُراد بالمُنادي: القرآن. واستدل لقوله بأن القرآن يسمعه كل أحد من المؤمنين، سواءً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعده، ثُمَّ هو داعٍ أيضًا إلى الإيمان، فقد أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن قولهم {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن 1 - 2]، فهذا نظير ما قاله مؤمني الإنس في هذه الآية.
(4)
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب إلى قول القرظي (ت: 108) في هذه الآية قتادة (ت: 117)، واختاره ابن جرير (ت: 310)
(5)
.
(1)
ينظر: بدائع التفسير 1/ 539.
(2)
ينظر: التفسير الكبير 9/ 118، روح المعاني 4/ 508.
(3)
ينظر: تفسير الراغب الأصفهاني 2/ 1049.
(4)
ينظر: جامع البيان 4/ 281، وتفسير ابن المنذر 2/ 536.
(5)
ينظر: جامع البيان 4/ 281، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 842.
وذهب إلى أن المنادي: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. ابنُ مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، وابن جريج (ت: 150)، ومقاتل (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)
(1)
، وهو أظهر القولين، وعليه جمهور المفسرين
(2)
، وفيه أخذٌ بحقيقة اللفظ، وهو أولى من التَّجوُّز في المعنى الأوّل، وقد ذكر ابنُ جُزَيّ (ت: 741) من وجوه الترجيح في التفسير: تقديم الحقيقة على المجاز، وقال:(فإن الحقيقة أولى أن يُحمَل عليها اللفظ عند الأصوليين)
(3)
. ثم قد شهد السياق لهذا القول، وكذا نظائره الكثيرة في القرآن.
ولا يُشكِلُ عليه الاعتراض الذي ذكره القرظي (ت: 108)، لأن نداءه صلى الله عليه وسلم لمن لم يسمعه كندائِه لمن سَمعَه، والقرآن والسُّنَّةُ من دعائِه صلى الله عليه وسلم لأُمَّته، وكلاهُما باقٍ محفوظ، ونقل القرطبي (ت: 671) جوابَ بعض العلماء عن ذلك فقال: (وأجاب الأولون فقالوا: من سَمِعَ القرآن فكأنَّما لَقي النبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قال: (وهذا صحيحٌ معنىً)
(4)
.
وقد لَحَظ بعض المفسرين كالراغب (ت: بعد 400)
(5)
، والواحدي (ت: 468)
(6)
تقارب المعنيين السابقين وارتباطهما، فحملا الآية عليهما؛ لأن الإيمان بأحدهما إيمان بالآخر، ودعوتهما واحدة. والأولى التفصيل السابق؛ لأن قولَ القرظي (ت: 108) تابعٌ للقول الأول، ومترتبٌ عليه.
* * *
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 209، وجامع البيان 4/ 281، والنكت والعيون 1/ 442، وزاد المسير (ص: 250).
(2)
كما في الوسيط 1/ 534، وتفسير السمعاني 1/ 389، ومعالم التنْزيل 2/ 153، والتفسير الكبير 9/ 117، والجامع لأحكام القرآن 4/ 201، وفتح القدير 1/ 664. وينظر: بحر العلوم 1/ 324، وتفسير القرآن العزيز 1/ 341، والكشف والبيان 3/ 233، والكشاف 1/ 445، وأنوار التنْزيل 1/ 201، والتسهيل 1/ 288، والبحر المحيط 3/ 148، وتفسير ابن كثير 2/ 826، وتفسير الحداد 2/ 192، وروح المعاني 4/ 508، والتحرير والتنوير 4/ 199، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 284.
(3)
التسهيل 1/ 21.
(4)
الجامع لأحكام القرآن 4/ 202.
(5)
في تفسيره 2/ 1049.
(6)
في الوجيز 1/ 249، مع أنه قد اختار القول الآخر في الوسيط 1/ 534، ونسبه لأكثر المفسرين.
قال مجاهد: أما إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان.
(1)
*
تحليل الاستدراك:
نفى مجاهدُ (ت: 104) أن يكون الضمير في قوله تعالى {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء 35] عائدًا على الزوجين، ومن ذكر ذلك اعتبر صِحَّتَه لُغَةً ومعنىً، فالزوجان سبق ذكرهما فصحَّ إعادة الضمير عليهما، ويكون المعنى: إن أراد الزوجان إصلاح ما بينهما من الشقاق، أوقع الله بينهما الألفة والوفاق.
وذهب مجاهدُ (ت: 104) إلى أن الضميرَ في الآيةِ عائدٌ على الحكمين، فهُما أقرب مذكور، وإعادة الضمير إليهما أظهر، ويكون به المعنى: إن يُرِد الحكمان إصلاحًا بين الزوجين وتأليفًا، يوفِّق الله بينهما، فتتفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما.
*
الحكم على الاستدراك:
اختلف المفسرون في تعيين مُفَسّر الضمير في قوله تعالى {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء 35] على أربعة أقوال
(2)
:
الأول: أنهما عائدان على الحكمين، على ما سبقَ بيانُه، قال ابن عباس رضي الله عنه:(ذلك الحكمان، وكذلك كُلُّ مُصلِح يوفقه الله للحق والصواب)
(3)
، وهو قول سعيد
(1)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 94)(215)، وعبد الرزاق في مصنفه 6/ 514 (11889)، وابن جرير في تفسيره 5/ 108 (7480)، وابن المنذر في تفسيره 2/ 699 (1748)، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 493 لعبد بن حميد. من طريق أبي هاشم إسماعيل بن كثير المكي، عن مجاهد.
وإسناده صحيح.
(2)
تنظر في: التفسير الكبير 10/ 76، وروح المعاني 5/ 37.
(3)
جامع البيان 5/ 108 (7482)، من طريق ابن أبي طلحة.
بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، والشعبي (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، وعطاء (ت: 114)، والسُّدِّي (ت: 128)، وأبي صالح (ت: 121)، وأبي مالك، ومقاتل (ت: 150).
(1)
الثاني: أنهما عائدان على الزوجين، وسبق ذكر معناه، واختاره الثعلبي (ت: 427)
(2)
.
الثالث: أن الأول عائدٌ على الحكمين، والثاني عائدٌ على الزوجين، فيكون المعنى: إن قصدَ الحكمان إصلاح ذات البين ونصحا، أوقع الله بين الزوجين الألفة والمحبة، والموافقة والصحبة، قال ابن الجوزي (ت: 597): (ذكره بعضُ المفسرين)
(3)
، ونسبه الواحدي (ت: 468) لعامَّة المفسرين
(4)
، - ولعلَّ مُراده الضمير الأول في الآية؛ إذ عامَّة المفسرين عليه-، واستظهره ابنُ عطية (ت: 546)، وابنُ جُزَيّ (ت: 741)، واختاره ابن حزم (ت: 456)، والزمخشري (ت: 538)، والبيضاوي (ت: 685)، وابنُ تيمية (ت: 728)، وأبو حيَّان (ت: 745)
(5)
.
الرابع: أن الأول عائدٌ على الزوجين، والثاني عائدٌ على الحكمين، أي: إن يُرِد الزوجان إصلاحًا واتفاقًا، يوفق الله الحكمين لتحري الصواب وإصابته.
ولفظ الآية وإن كان مُحتَمِلًا لكلِّ هذه الوجوه، إلا أن القول الأول منها أظهر؛ لأن سياق الآية واضِحٌ في الحَكَمَين، فناسب اتساق الحديث عنهما، وعودُ الضمير
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 228، وجامع البيان 5/ 108، وتفسير ابن المنذر 2/ 699، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 946، وزاد المسير (ص: 280).
(2)
الكشف والبيان 3/ 303.
(3)
زاد المسير (ص: 280).
(4)
الوسيط 2/ 47.
(5)
ينظر: المحلى 11/ 153، والكشاف 1/ 498، والمحرر الوجيز 2/ 49، وأنوار التنْزيل 1/ 218، ومجموع الفتاوى 35/ 386، والتسهيل 1/ 314، والبحر المحيط 3/ 254.
إليهما
(1)
، ثُمَّ حملُ الضمائر على مُفَسَّر واحد صحيح المعنى أولى من تفريقها؛ لفائدة انسجام النظم، وتناسق السياق، قال أبو حيَّان (ت: 745): (تناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلهما لمُختَلِفين)
(2)
، وقال الزركشي (ت: 794): (إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكَنَ عَوْدُها لواحِدٍ فهو أولى من عَوْدِها لمختلف)
(3)
.
وعلى هذا القول جمهور المفسرين
(4)
، وذكر ابنُ عبد البر (ت: 463) إجماع العلماء عليه
(5)
.
* * *
قال عيسى بن عبد الرحمن
(6)
: (سألت الشعبي عن هذه الآية {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام 121]، قلت: تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا، إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أمَّا مَا قتل الله فلا تأكلوا منه - يعني الميتة-، وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه!، فأنزل الله
(1)
ينظر: المحرر الوجيز 2/ 49، والتحرير والتنوير 5/ 47.
(2)
البحر المحيط 8/ 502.
(3)
البرهان في علوم القرآن 4/ 32، 42، وينظر: الكشاف 3/ 61، والتسهيل 4/ 410، والبحر المحيط 3/ 407، والإتقان 1/ 381، وروح المعاني 30/ 618، وأضواء البيان 4/ 293.
(4)
ينظر: زاد المسير (ص: 280).
(5)
الاستذكار 6/ 183، وينظر: جامع البيان 5/ 108، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 81، وبحر العلوم 1/ 352، وتفسير القرآن العزيز 1/ 368، والمغني 9/ 646، وتفسير ابن كثير 2/ 916، وتفسير الحداد 2/ 251، والتحرير والتنوير 5/ 47، وروح المعاني 5/ 37.
(6)
عيسى بن عبد الرحمن السُّلَمي البَجْلي، ثقة، مات بعد (150). ينظر: تهذيب الكمال 22/ 630، والتقريب (ص: 768).
{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ، إلى قوله {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام 121]، قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
نفى الشعبيُّ (ت: 104) أن يكون المُراد بقوله تعالى {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام 121]: الأمراء. وهو ما تذهبُ إليه الخوارج بناءً على أصلهم في تكفير الأمراء من غير معسكرهم، وكُفْرِ من أطاعهم أو أقام في دارهم، وكذا تكفيرهم الحكمين ومن رضي بالتحكيم وأطاع فيه.
(2)
وبَيَّن الشعبيُّ (ت: 104) أن المُراد بالآية: طاعةُ المشركين في تحليل الميتة على أنها ممَّا قَتَلَ الله تعالى. وهو في ذلك مُعتَمِدٌ صراحةً على سبب النُّزول الذي ذكره، وكذا سياق الآية ظاهرٌ في بيان أحكام الأطعمة وحالاتها، قال تعالى {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام 118 - 119].
*
الحكم على الاستدراك:
أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في مجادلة المشركين في الميتة
(3)
، وجوابًا على ما أوحته إليهم شياطينهم من الإنس والجن في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنه: (قالوا: يا محمد أمَّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمَّا ما قتل ربكم
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1380 (7850)، من طريق علي بن الحسين بن الجنيد، عن عثمان بن أبي شيبة، عن مالك بن إسماعيل أبو غسَّان، عن عيسى بن عبد الرحمن.
وإسناده صحيح.
(2)
ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: 86، 125)، ومجموع الفتاوى 19/ 89، والبداية والنهاية 7/ 222، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد ابن حنبل في العقيدة 2/ 353.
(3)
ينظر: الوسيط 2/ 317، والعذب النمير 2/ 519.
فتحرمونه!. فأنزل الله {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام 121]، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه إنكم إذًا لمشركون)
(1)
، وهذا نَصُّ تفسير الشعبي (ت: 104) السابق، وورد نحوه عن سعيد بن جبير (ت: 95)
(2)
، وهو أقربُ ما يكون إجماعًا من المفسرين: أنكم إذا أطعتموهم في أكل الميتة استحلالًا فقد أشركتم مثلُهُم
(3)
. وقد ذكره الماوردي (ت: 450)، وابن الجوزي (ت: 597) قولًا واحدًا في الآية
(4)
. قال الزجاج (ت: 311): (هذه الآية فيها دليل أن كل من أحَلَّ شيئًا ممَّا حرَّم الله عليه، أو حَرَّمَ شيئًا ممَّا أحلَّ الله له فهو مُشرِك. لو أحَلَّ مُحِلٌّ الميتةَ في غير اضطرار، أو أحلَّ الزنا لكانَ مُشرِكاَ بإجماع الأُمَّة، وإن أطاعَ الله في جميع ما أمر به. وإنما سُمِّيَ مُشركًا لأنه اتَّبَع غير الله، فأشرك بالله غيره)
(5)
.
وقد سبق
(6)
بيان أن تحليل ما حَرَّم الله تعالى أو تحريم ما أحَلَّه أو الطاعة في أحدهما شركٌ، كما في حديث عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ
(1)
جامع البيان 8/ 24 (10754)، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1380 (7848)، من طريق ابن أبي طلحة.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1380 (7849).
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 368، وجامع البيان 8/ 29، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 482، وبحر العلوم 1/ 510، وتفسير القرآن العزيز 2/ 95، والوسيط 2/ 317، والوجيز 1/ 373، وتفسير السمعاني 2/ 140، وغرائب التفسير 1/ 383، ومعالم التنْزيل 3/ 184، والكشاف 2/ 59، وأحكام القرآن، لابن العربي 2/ 206، والتفسير الكبير 13/ 139، والمغني 13/ 39، والجامع لأحكام القرآن 7/ 51، وأنوار التنْزيل 1/ 320، والبحر المحيط 4/ 215، وتفسير ابن كثير 3/ 1358، وتفسير الحداد 3/ 84، وروح المعاني 8/ 364، وفتح القدير 2/ 222، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 539، والتحرير والتنوير 8/ 42، والعذب النمير 2/ 519.
(4)
ينظر: النكت والعيون 2/ 162، وزاد المسير (ص: 465).
(5)
معاني القرآن وإعرابه 2/ 287.
(6)
في الاستدراك رقم (5)(ص: 50).
في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم)
(1)
.
أمَّا تنْزيل الخوارج الآيةَ على من أطاع الأمراء؛ لأنهم كفارٌ عندهم، ومن أطاع الكافر فهو مثله؛ فباطلٌ من وجوه:
الأوّل: مناقضته لسبب النُّزول الصريح، وأن الآية نزلت جوابًا على شبهات المشركين.
الثاني: مخالفته لسياق الآية، فهو واضحٌ في حكم الْمَيْتَة.
الثالث: أنه جارٍ على أصول المبتدعة في الاعتقاد والاستدلال، فإنهم يعتقدون ثُمَّ يستدِلُّون، وهكذا صنع الخوارج في هذه الآية، فإنهم لمَّا اعتقدوا كُفر من خالفهم من الأمراء ومن أطاعهم، نظروا في كتاب الله فوجدوا هذا الجزء من الآية فاقتطعوه منها، وعزلوه عن السياق، ولم يلتفتوا لسبب نزُوله، وما أجمع عليه العلماء من معناه، فجاء معنىً شاذًّا ناشزًا عن معنى الآية ونظمها، خارجًا عن سياقها، ومباعدًا لسببها، ومخالفًا لأصول الشريعة وأدلتها.
الرابع: أن هذا القول مبنِيٌّ على باطل لا تنْزل الآيةُ بمثله، ولا يصح حملها عليه، فإن تكفيرهم للأمراء الذين خرجوا عليهم وخالفوهم- كعلي ومعاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص وابن عباس وغيرهم رضي الله عنهم، من أعظم ضلالاتهم التي فارقوا بها جماعة المسلمين، وعلى الخصوص صحابةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناظرة ابن عباس رضي الله عنه لهم في ذلك معروفة مشهورة.
(2)
* * *
(1)
سبق تخريجه ودراسته في الاستدراك رقم (5)(ص: 48).
(2)
أخرجها أحمد في المسند 1/ 86 (656)، وسندها صحيح. وينظر: البداية والنهاية 7/ 222، 224.
[69] {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُ
مْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام 130].
قال مجاهد: ليس في الجِنِّ رُسُل، إنَّمَا الرُّسُل في الإنْس، والنَّذَارةُ في الجِنّ، وقرأ {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ} [الأحقاف 29].
(1)
*
تحليل الاستدراك:
نفى مجاهدُ (ت: 104) أن يكون في الجنِّ رسلًا، ومن ذهب إلى ذلك استَدَلَّ بظاهر هذه الآية، إذ أعاد فيها ضمير الجمع إلى الجن والإنس
(2)
، وكذا يشهد لهذا القول أن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، كما قال تعالى {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} [البقرة 129]، وقال {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [المؤمنون 32]، وقال صلى الله عليه وسلم:(وكان النبي يُبعَثُ إلى قومه)
(3)
، وقوم الجن غير قوم الإنس.
(4)
وبَيَّنَ مجاهدُ (ت: 104) أن الرُّسُلَ في الإنْس، والنَّذَارةَ في الجِنّ، واستدَلَّ بظاهر قوله تعالى عن الجن {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ} [الأحقاف 29]، ويشهدُ لهذا القول آياتٌ كثيرةٌ من كتاب الله، منها قوله تعالى {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ، إلى قوله {رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
(1)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 3/ 197 (2847)، والبستي في تفسيره 2/ 352 (881)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1389 (7903)، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 323 لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وإسناده صحيح.
(2)
ينظر: النكت والعيون 2/ 170، وزاد المسير (ص: 468)، والإشارات الإلهية 2/ 195.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 519 (335)، ومسلم في صحيحه 2/ 178 (521).
(4)
ينظر: فتح الباري 6/ 397.
الرُّسُلِ} [النساء 163 - 165]، وقوله تعالى عن نوح وإبراهيم عليهما السلام {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد 26]، فحصر النبوة في ذُرِّيَّتِهما، ثم كرر الحصر في ذُرِّيَّة إبراهيم عليه السلام فقال {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت 26]، قال ابن كثير (ت: 774): (ولم يقُل أحدٌ من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته .. ، ومعلومٌ أن الجن تبعٌ للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف 29 - 32])
(1)
، فذكر استماعهم لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ثم نذارتهم لقومهم. وقد تلا صلى الله عليه وسلم على الجنِّ سورةَ الرحمن، وفيها قوله تعالى {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (31) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن 31 - 32]
(2)
، فهم مُخَاطَبون بِمَا خوطِبَ به الإنس
(3)
. وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران 33 - 34]، قال الرازي (ت: 604): (وأجمعوا على أن المُراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط)
(4)
.
(1)
تفسير القرآن العظيم 3/ 1366.
(2)
ينظر: جامع الترمذي 5/ 399 (3291)، ومستدرك الحاكم 2/ 515 (3766)، وشعب الإيمان 2/ 489 (2493)، ومجمع الزوائد 7/ 117.
(3)
ينظر: تفسير آيات أشكلت 1/ 235، وتفسير ابن كثير 3/ 1366.
(4)
التفسير الكبير 13/ 160.
*
الحكم على الاستدراك:
استدلَّ الضحاك (ت: 105) بِهذه الآية على أن للجن رُسُلًا كالإنس، وهو قول مقاتل (ت: 150)، وأبي سليمان الدمشقي
(1)
، وابن حزم (ت: 456)، واستظهره ابن الجوزي (ت: 597)، وأبو حيَّان (ت: 745)
(2)
، وهو وإن كان الظاهر من اللفظ إلا أنه محتمل غير صريح، وذلك أن من عادة العرب في كلامها أن تَنسِبَ الفعل لِمَذكورَيْن وهو واقِعٌ من أحَدِهِما
(3)
، ومن شواهده الكثيرة في كتاب الله قوله تعالى {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف 61]، مع أن الناسي هو فتى موسى، فقد قال تعالى عنه {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} [الكهف 63]، وقوله تعالى {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن 19 - 20]، ثم قال {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن 22]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرجان من الماء الملح لا العذب، ومثله قوله تعالى {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر 12]
(4)
، وقال تعالى {أَلَمْ تَرَوْا
(1)
محمد بن عبد الله بن سليمان السَّعدي، أبو سليمان الدمشقي الشافعي، مُفَسِّر، صنف مجتبى التفسير، والمهذب في التفسير، عاش في القرن الرابع. ينظر: تاريخ دمشق 53/ 349، وطبقات المفسرين، للسيوطي (ص: 89).
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 370، وجامع البيان 8/ 48، وزاد المسير (ص: 468)، والبحر المحيط 4/ 225، وفتح الباري 6/ 397.
(3)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 354، وتأويل مشكل القرآن (ص: 175)، وجامع البيان 8/ 48، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 292، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 492، والإنصاف، للبَطليَوسي (ص: 49)، والمحرر الوجيز 2/ 346.
(4)
تتابع أكثرُ اللغويين والمفسرين على الاستشهاد بهذه الآية على هذا الأسلوب، قال السمعاني (ت: 489): (وأجمعَ أهلُ العلم بهذا الشأن أنه يخرج من الملح دون العذب). تفسيره 5/ 327، وينظر: الزاهر، لابن الأنباري 2/ 361. واعترض عليه بعضهم من حيث المعنى، فقال: إن اللؤلؤ والمرجان يخرج من كلا البحرين الملح والعذب، واستدلوا بقوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [فاطر 12]. ينظر: الإشارات الإلهية 2/ 195، وأضواء البيان 2/ 160.
كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح 15 - 16]، وإنما هو في سماء واحدة
(1)
. وقد ذكر الرازي (ت: 604) أن الأخذ بِهذا الوجه كافٍ في حمل اللفظ على ظاهره؛ لأن الضمير عائدٌ على مجموع الإنس والجن، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسلُ بعضًا من أبعاض ذلك المجموع، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن.
(2)
وللعلماء توجيهات أخرى في الآية منها:
أولًا: أن الضمير إنما عادَ للإنس والجن لاشتراكهما في أمور كالخطاب والعقل، والحياة والنطق، والأكل والشرب، والتناكح والتناسل، وليس منه ما انفرد به الإنس فقط كالرسالة
(3)
، قال ابن تيمية (ت: 728): (فصار الرسول من أنْفُسِ الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تَمَيَّزوا به عن الملائكة، حتى كان الرسول مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة)
(4)
، وذكر النحاس (ت: 338) عن هذا التوجيه أحسن ما قِيلَ في معنى الآية.
(5)
ثانيًا: أن من الإنس رُسُل الله، ومن الجن رُسُلُ رُسُلِ الله، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن جريج (ت: 150).
(6)
ثالثًا: أنه غَلَّبَ في الخطاب جانب الإنس على جانب الجن، كما يُغَلَّب المُذَكر
(1)
ينظر: المرجع السابق، والكشف والبيان 4/ 192، ومعالم التنْزيل 3/ 190، وتفسير ابن كثير 3/ 1366.
(2)
ينظر: التفسير الكبير 13/ 160.
(3)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 2/ 292، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 492، ومجموع الفتاوى 16/ 192.
(4)
مجموع الفتاوى 16/ 192، وينظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 57.
(5)
إعراب القرآن 2/ 31.
(6)
جامع البيان 8/ 48.
على المُؤَنث.
(1)
رابعًا: أن هذا الخطاب موَجَّه للجن والإنس المُحاسَبين في عرصات القيامة، وهم هنا جماعةٌ واحِدة هي الثقلان، والرسل منهم على تلك الحال، سواءٌ كانوا من كلٍّ منهما أو من أحدهما.
(2)
وهذه الوجوه قد يرجع بعضها إلى بعض.
أمَّا قول من ذكر أن من الجن رسلًا: إن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، وقوم الجن غير قوم الإنس. فلا إشكال فيه؛ لأن حكمةَ ذلك أن يُفهَم خطابهم، ويأنس بهم أقوامهم، قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم 4]، وكُلُّ ذلك حاصِلٌ في بعث رسل الإنس إلى الثقلين، فالجن تخالطُ الإنس، وتفهم خطابهم، وترى الإنسَ من حيثُ لا يرونهم، وقد بعث الله رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى كافَّة الخلق؛ جِنَّهُم وإنسَهم، بإجماع المسلمين
(3)
، فلو لم تَقُم بذلك حُجَّة لم يبعثه الله تعالى إليهم.
وقد سبق مجاهدًا في قوله في الآية ابنُ عباس رضي الله عنه، ووافقه الحسن (ت: 110)، والكلبي (ت: 146)، وابن جُرَيج (ت: 150)، والفراء (ت: 207)، وابن قتيبة (ت: 276)
(4)
، وهو أشهر القولين وأَوْلاهُما، وعليه جمهور العلماء
(5)
، وأكثر
(1)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 7/ 57.
(2)
ينظر: المرجع السابق.
(3)
ينظر: التمهيد 15/ 219، وفتح الباري 6/ 397، والعذب النمير 2/ 665.
(4)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 1/ 354، وتأويل مشكل القرآن (ص: 175)، وجامع البيان 8/ 48، والنكت والعيون 2/ 170، وزاد المسير (ص: 468)، وتفسير ابن كثير 3/ 1366.
(5)
ينظر: مجموع الفتاوى 4/ 234، وتفسير ابن كثير 3/ 1366، والبحر المحيط 4/ 225، وفتح الباري 6/ 396، ولوامع الأنوار البهية 2/ 223، والعذب النمير 2/ 664.
المفسرين.
(1)
وجعل الكرماني (ت: بعد 500) قولَ الضحاك (ت: 105) في هذه الآية من العجيب الذي فيه أدنى خلل ونظر
(2)
، وقال عنه ابن عطية (ت: 546): (وهذا ضعيف)
(3)
.
* * *
عن ابن أبي نجيح: (أن رجلين اختصما إلى طاووس فأكثَرَا، فقال: اختلفتما وأكثَرتُما. فقال أحد الرجلين: لذلك خُلقنا. قال: كذبت. قال: أليس يقول الله {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود 118 - 119]؟ قال: لم يخلقهم ليختلفوا، إنما خلقهم للرحمة والجماعة)
(4)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 8/ 48، معاني القرآن وإعرابه 2/ 292، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 492، وتفسير القرآن العزيز 2/ 98، والوسيط 2/ 323، والوجيز 1/ 375، والجُمان في متشابه القرآن (ص: 243)، وغرائب التفسير 1/ 386، والكشاف 2/ 63، والمحرر الوجيز 2/ 346، والتفسير الكبير 13/ 160، والجامع لأحكام القرآن 7/ 57، وأنوار التنْزيل 1/ 322، ومجموع الفتاوى 16/ 192، وتفسير ابن كثير 3/ 1366، وتفسير الحداد 3/ 90، وفتح القدير 2/ 229، وروح المعاني 8/ 378، وتفسير التحرير والتنوير 8/ 76.
(2)
غرائب التفسير 1/ 386.
(3)
المحرر الوجيز 2/ 346.
(4)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 1/ 14 (25)، وأبو جعفر الرملي في جزء تفسير يحيى بن يمان (ص: 50) (50)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2095 (11293)، وعزاه السيوطي في الدر 4/ 439 لأبي الشيخ. من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح.
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
لَمَّا اختصم هذان الرجلان إلى طاوس (ت: 106) فأكثَرَا، نهاهُمَا عمَّا هُمْ فيه من اختلافٌ مذمومٌ، فقال أحدهما مُسَوِّغًا ذاك الاختلاف:(لذلك خُلِقنا)، واستدل على قوله هذا بقوله تعالى {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود 118 - 119]، فذهب الرجلُ إلى أن الضمير في {وَلِذَلِكَ} [هود 119] عائدٌ على الاختلاف السابق ذكره، واللاَّمُ فيه للتعليل، أي: خَلَقَهُم ليَختَلِفُوا. واللفظ يحتمله.
وأنكر طاووس (ت: 106) هذا الاستدلال، ورَدَّ المعنى الذي ذكره الرجل، وبَيَّنَ أن الضمير في قوله {وَلِذَلِكَ} [هود 119] عائِدٌ على الرحمة المذكورة في قوله {إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود 119]، وهي للضمير أقربُ مذكور، ومن ثَمَّ يبطُلُ الاستدلال بالآية على تسويغ ما فيه هذان الرجلان من اختلاف؛ لأن أهل الرحمة لا يختلفون اختلافًا يفترقون به ويتباغضون، كما هو ظاهرُ حالِ هذين الرجلين، ويؤكد أن اختلافهما من الاختلاف المذموم ذكرُ طاووس (ت: 106) للجماعة في رده على الرجل بقوله: (إنما خلقهم للرحمة والجماعة)، أي: لا لِمَا أنتُمَا فيه من فرقة وخِصَام.
*
الحكم على الاستدراك:
استدلال الرجل بالآية على خلافه وتفَرُّقِه مع صاحبه مردودٌ غيرُ صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية دوامَ اختلاف الخلق، ثم استثنى منهم أهل الرحمة، فقال تعالى {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} [هود 118 - 119]، فأهل الرحمة لا يختلفون، وإن اختلفوا فليس اختلافهم من جنس اختلاف الخلق في أديانهم وتباغضهم وتفرقهم، فإن اختلافهم رحمةٌ لا تباغُضَ فيه، واجتماعٌ لا فُرقَةَ فيه، فهُم أعلَمُ الخلق بالحَقِّ، وأرحمهم للخلق، قال الحسن (ت: 110): (أهل رحمة الله لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم)
(1)
، وقال قتادة
(1)
جامع البيان 12/ 186 (14407).
(ت: 117): (أهلُ رحمة الله أهلُ الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهلُ معصيته أهلُ فرقةٍ، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم)
(1)
. فهذا الاختلاف المذموم غير داخل في معنى الآية على جميع الأقوال الآتية، واللام التي جعلها للتعليل ليست كما ذهب إليه، وسيأتي بيان معناها في القول الثاني في الآية.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في تعيين مُفَسّر الضمير في الآية على قولين:
الأول: أن المُراد بقوله {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود 119]: الرحمة التي هي أقرب مذكور، أي: ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم. وهو قول ابن عباس رضي الله عنه
(2)
، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، وطاووس (ت: 106)، وقتادة (ت: 117)، ومقاتل (ت: 150)، والثوري (ت: 161)
(3)
، واختاره الحداد (ت: 800)
(4)
. وإنما لم يُؤنث في الإشارة إلى الرحمة؛ لأنها مصدر، أي: خلقهم ليرحمهم. ولأن تأنيث الرحمة ليس حقيقيًا، ومثله قوله تعالى {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف 56].
(5)
الثاني: أن المُراد: خلقهم ليختلفوا فريقين، فريقًا يَرْحمُ فلا يختلف، وفريقًا لا يَرْحَمُ يختلف. فتكون الإشارة بقوله {وَلِذَلِكَ} [هود 119] للأمرين: الاختلاف والرحمة، قال
(1)
تفسير ابن أبي حاتم 6/ 2094 (11290)، وينظر: مجموع الفتاوى 22/ 359، و 24/ 172.
(2)
من طريقي: عكرمة، والضحاك. ينظر: جامع البيان 12/ 187، وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 2095.
(3)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 135، وتفسير الثوري (ص: 136)، وجامع البيان 12/ 187، وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 2095، وزاد المسير (ص: 677)، وتفسير ابن كثير 4/ 1820.
(4)
في تفسيره 3/ 506. وهو اختيار جمهور المعتزلة، كما شرحه الشريف المُرتضى في أماليه 1/ 70، وذكره الزمخشري في الكشاف 2/ 422، وذلك منهم فِرارًا من القول بأنه تعالى خلقهم للاختلاف؛ لمُخَالَفته لأصلهم في باب العدل والقدر. ينظر: نكت القرآن 1/ 607، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 27، والمحرر الوجيز 3/ 215، والتفسير الكبير 18/ 63، والبحر المحيط 5/ 273.
(5)
ينظر: أمالي المرتضى 1/ 71، والكشف والبيان 5/ 194، ووَضَح البرهان 1/ 447، والتفسير الكبير 1863.
الثعلبي (ت: 427): (وهذا بابٌ سائِغٌ في اللغة، وهو أن يُذكَرَ لفظان مُتَضادَّان، ثُمَّ يُشَارُ إليهما بلفظ التوحيد)
(1)
، ومنه قوله تعالى {لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة 68]، وقوله {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان 68]، وقوله {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس 58]
(2)
. ويدُلُّ على هذا القول أن الكلام في الآية في بيان اختلاف الخلق في أديانهم، وهو مُفتَتَحُ الكلام وإليه يعود، قال تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود 118]، ثُمَّ الاختلاف المذكور أكثر مناسبة للإشارة للمُذَكَّر البعيد في قوله {وَلِذَلِكَ} [هود 119]، كما أن سباق الآية ولحاقها يؤكد هذا المعنى، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية انقسام الخلق إلى شَقِيٍّ وسعيد فقال {شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود 105]، ثم تَمَّمَ تعالى هذه الآية ببيان حالِ هذين الفريقين المُختَلِفَين فقال {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود 119]. وقد أشار إلى سِبَاقِ الآية ابنُ عباس رضي الله عنه
(3)
، كما أشارَ إلى لِحاقِها أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: 224)
(4)
.
وعلى هذا القول تكون اللامُ في قوله تعالى {وَلِذَلِكَ} [هود 119]، بمعنى:"على" كما ذكره ابن جرير (ت: 310)
(5)
، أو للصيرورة، وبيان العاقبة الكونية
(6)
. وهو قول ابن عباس رضي الله عنه
(7)
، وعمر بن عبد العزيز (ت: 101)، والحسن (ت: 110)، وعطاء
(1)
الكشف والبيان 5/ 194.
(2)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 215، والجامع لأحكام القرآن 9/ 76.
(3)
ينظر: جامع البيان 12/ 186 (14408)، وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 2095 (11292).
(4)
كما في تفسير السمعاني 2/ 468. وينظر: أحكام القرآن 3/ 27، والتفسير الكبير 18/ 63، والإشارات الإلهية 2/ 326.
(5)
جامع البيان 12/ 188، وينظر: الكشف والبيان 5/ 194.
(6)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 3/ 215، والمحرر الوجيز 3/ 216، ومجموع الفتاوى 4/ 236، والبحر المحيط 5/ 272.
(7)
من طريق عطاء، وابن أبي طلحة. ينظر: جامع البيان 12/ 186، والوسيط 2/ 597.
(ت: 114)، والكلبي (ت: 146)، والأعمش (ت: 148)، ومقاتل بن حيَّان (ت: 150)، ومالك بن أنس (ت: 179)، والفراء (ت: 207)
(1)
، وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: 224) وقال: (وعليه أهلُ السُّنةِ)
(2)
.
وما عدا هذين القولين من الأقوال إمَّا راجِعٌ إليهما
(3)
، أو فيه تكلُّفٌ وبُعدٌ، قال أبو حيَّان (ت: 745): (وقد أبعد المتأوِّلُون في تقدير غير هذه الثلاث)
(4)
، أي: رجوع الضمير للاختلاف، أو الرحمة، أو كليهما.
والقول الثاني أرجح القولين وأولاهُما؛ لدلالة لفظ الآية وسياقها عليه، ولأنه أعم من القول الأول، بل القول الأول راجِعٌ إليه ومترتبٌ عليه، كما أشار إلى ذلك جماعةٌ من المفسرين
(5)
، وقال عنه النحاس (ت: 338): (وهو أبيَنُها وأجمعُها)
(6)
، وعليه أكثر المفسرين.
(7)
* * *
(1)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 2/ 31، وجامع البيان 12/ 186، وتفسير ابن أبي حاتم 6/ 2095، وبحر العلوم 2/ 147، والكشف والبيان 5/ 194، وتفسير ابن كثير 4/ 1820.
(2)
تفسير السمعاني 2/ 468، والوسيط 2/ 597، ولعلَّ مُراده أن ذلك في مقابل قول المعتزِلة السابق في القول الأول. وينظر: معاني القرآن، للنحاس 3/ 389.
(3)
ذكر الماوردي في النكت والعيون 2/ 511، وابن الجوزي في زاد المسير (ص: 677)، ما مجموعه خمسةَ أقوالٍ في الآية، هي تشقيقٌ وتكثيرٌ لِهذين القولين، في حين أنهُما وجهٌ واحِدٌ في تفسير ابن أبي حاتم 6/ 2095، ووجهان في تفسير ابن جرير 12/ 186.
(4)
البحر المحيط 5/ 273، وينظر: المحرر الوجيز 3/ 215، وروح المعاني 12/ 493.
(5)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 84، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 389، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 27.
(6)
معاني القرآن 3/ 389، وينظر: تفسير السمعاني 2/ 468.
(7)
ينظر: جامع البيان 12/ 188، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 84، ومعاني القرآن، للنحاس 3/ 389، وتفسير القرآن العزيز 2/ 313، والكشف والبيان 5/ 195، والوسيط 2/ 597، والوجيز 1/ 537، ومعالم التنْزيل 4/ 207، وأحكام القرآن، لابن العربي 3/ 27، والمحرر الوجيز 3/ 215، والتفسير الكبير 18/ 63، والجامع لأحكام القرآن 9/ 76، والإشارات الإلهية 2/ 326، ومجموع الفتاوى 4/ 236، والبحر المحيط 5/ 272، وروح المعاني 12/ 492، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 824، والتحرير والتنْوير 12/ 189.
قال مسروق: (والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم قومه، قال: فنَزلت {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف 10]. قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليهما وسلم، فآمَنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب مسروق (ت: 63) إلى أن المُراد بالشاهد: موسى عليه السلام، شَهِدَ على مثل هذا القرآن وهو: التوراة، فآمنَ هو وأتباعه، واستكبرتم أنتم عن الإيمان برسولكم محمد صلى الله عليه وسلم
(2)
. وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على سياق الآية، فإن هذه الآية جاءت في سياق مُحَاجَّة مشركي قريش وتوبيخهم، قال ابن جرير (ت: 310): (وهذه الآية نظير سائر الآيات قبلها)
(3)
، وهي قوله تعالى {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 26/ 13 (24168 - 24169)، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 380 لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.
وإسناده صحيح.
(2)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 6/ 443، وتفسير ابن كثير 7/ 3187.
(3)
جامع البيان 26/ 17.
يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأحقاف 7 - 9]. ثُمَّ قوله تعالى {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف 9] يُقَوِّي هذا المعنى، فهو صلى الله عليه وسلم ليس بأوَّل الرسل، فقد كان قبله رُسلٌ، منهم موسى عليه السلام الشاهد على مثل القرآن وهي التوراة. ثُمَّ ذكر تعالى بعد هذه الآية تأكيدَ هذا المعنى بقوله {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف 11 - 12]. ونظير هذا القول قوله تعالى {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 16 - 20].
ونفى مسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام رضي الله عنه، ومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ النُّزول، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:(ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف 10])
(1)
، وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال:(نزلت فيَّ آياتٌ من كتاب الله {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف 10])
(2)
.
*
الحكم على الاستدراك:
وافق الشعبيُّ (ت: 104)، وعكرمةُ (ت: 105) مسروقًا (ت: 63) فيما ذهب إليه من أن الآية لم تنْزل في عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
(3)
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 160 (3812)، ومسلم في صحيحه 6/ 35 (2483).
(2)
أخرجه الترمذي في جامعه 5/ 381 (3256)، وابن جرير في تفسيره 26/ 14 (24171)، وفي إسناده ضعف، وصَحَّ عن سعد ابن أبي وقاص وغيره من الصحابة أنها نزلت في عبد الله بن سلام. ينظر: صحيح مسلم 6/ 35 (2483)، وجامع البيان 21/ 126 ط/ التركي.
(3)
ينظر: جامع البيان 26/ 12، وزاد المسير (ص: 1300)، والدر المنثور 7/ 380.
وذهب سعد بن أبي وقاص، وعوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنهم، وابن عباس من طريق العوفيين، ومجاهد (ت: 104)، والضحاك (ت: 105)، وعكرمة (ت: 105) في رواية، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسُّدي (ت: 128)، والثوري (ت: 161)، ومالك بن أنس (ت: 179)، وغيرهم، إلى أنها نزلت في عبد الله بن سلام رضي الله عنه.
(1)
وظاهرُ الآية وسياقها ظاهرٌ في مُحاجَّة قريش، وإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وموافقته ما جاء به المرسلون قبله، ويؤكد ذلك أن السورة مكية بالإجماع
(2)
، وسبق ذكر نظير هذه الآية في كتاب الله تعالى. وقد رَدَّ مسروقُ (ت: 63)، والشعبيُّ (ت: 104) القولَ الثاني بأن السورة مكية؛ لأن عبد الله بن سلام إنما أسلم في المدينة. فأجاب من ذهب إلى أنها في عبد الله بن سلام عن ذلك بأن هذه الآية مدنية في سورة مكية، قال ابن سيرين (ت: 110): (كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام. قال: والسورة مكية، والآية مدنية. قال: وكانت الآية تنْزل فيُؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها بين آيتي كذا وكذا، في سورة كذا، يرون أن هذه منهُن)
(3)
.
ومع وجاهة هذا القول، وجلالة القائلين به، وذهاب كثير من المفسرين إليه
(4)
، إلا أن القول الأول أرجح منه؛ لوجوه:
(1)
ينظر: تفسير ابن وهب 1/ 54، وجامع البيان 26/ 14، وزاد المسير (ص: 1300)، وتفسير ابن كثير 7/ 3188.
(2)
ينظر: فضائل القرآن، لابن الضُّريس (ص: 34)، وجامع البيان 26/ 3، وفتح القدير 5/ 22.
(3)
تفسير البستي 2/ 342، وينظر: التنْزيل وترتيبه (ص: 60)، والدر المنثور 7/ 380.
(4)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 221، ومعاني القرآن، للفراء 3/ 51، ومعاني القرآن وإعرابه 4/ 439، ومعاني القرآن، للنحاس 6/ 442، وإعراب القرآن 4/ 106، وتفسير القرآن العزيز 4/ 223، والوسيط 4/ 104، والوجيز 2/ 995، وتفسير السمعاني 5/ 151، والكشاف 4/ 291، والتفسير الكبير 28/ 9، والجامع لأحكام القرآن 16/ 125، وأنوار التنْزيل 2/ 978، وتفسير البحر المحيط 8/ 58، وفتح القدير 5/ 22، 25، وروح المعاني 26/ 236، وأضواء البيان 7/ 247، والعذب النمير 2/ 868.
الأول: موافقته لسياق الآية.
الثاني: موافقته لموضوع السورة العام ومكان نزولها.
الثالث: لم يَجرِ لأهل الكتاب أو اليهود ذِكرٌ في محيط الآية.
(1)
الرابع: أن السلف كثيرًا ما يذكرون نزول الآية في أمر، ويريدون بذلك أنه داخلٌ في معنى الآية، وممَّا يَصِحُّ أن تُراد به، وقد سبق بيان ذلك
(2)
. ويشهد لهذا قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: (نزل فِيَّ آياتٌ من كتابِ الله {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} [الأحقاف 10]، ونزلت فِيَّ {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد 43])
(3)
، وكلا الآيتين مكِّيَّتان، والعموم في الثانية ظاهر، وتخصيصها بعبد الله بن سلام باطلٌ قطعًا
(4)
، فمُرادُه إذًا من كلا الآيتين ما ذُكِر.
(5)
الخامس: أن إخراج الآية من سياقها مُخالِفٌ للأصل، ومُحِيلٌ لنظم الآية واتساقها، ولا حاجَة داعيةً إليه، وقد استقام المعنى بدونه، قال ابن جرير (ت: 310): (ولا دَلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدَّم الخبر عنهم معنى)
(6)
.
السادس: أن لفظة {شَاهِدٌ} [الأحقاف 10] نَكِرَةٌ في سياق الشرط، فتُفيد العموم.
(7)
فمن ثَمَّ يكون الشاهد اسمُ جنس يَعُمُّ عبد الله بن سلام وغيره، وهو اختيار ابن جرير (ت: 310)، وابن عبد البر (ت: 463)، وابن تيمية (ت: 728)، وابن كثير
(1)
ينظر: جامع البيان 26/ 17، وروح المعاني 26/ 237.
(2)
ينظر: الاستدراك رقم (55)(ص: 281).
(3)
أخرجه الترمذي في جامعه 5/ 381 (3256)، وابن جرير في تفسيره 26/ 14 (24171).
(4)
ينظر: الصواعق المرسلة 2/ 702.
(5)
ينظر: الاستيعاب 3/ 923.
(6)
جامع البيان 26/ 17.
(7)
ينظر: روح المعاني 26/ 237.
(ت: 774)، والسعدي (ت: 1376)، وابن عاشور (ت: 1393)
(1)
، ونسبه ابن عطية (ت: 546) للجمهور.
(2)
* * *
[72]{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر 1].
عن سعيد بن جبير: (أن ابن عباس رضي الله عنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر
(3)
: فقلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه نَهرٌ في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه)
(4)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب سعيد بن جبير (ت: 95) إلى أن المُراد بالكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله رسولَه صلى الله عليه وسلم. ونقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على اللغة كما سيأتي.
وذهب قومٌ إلى أن المُراد بالكوثر في الآية: نَهرٌ في الجنة. مُعتَمِدِين على حديث أنس رضي الله عنه قال: (بَيْنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهُرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه مُتَبَسِّمًا، فقلنا: ما أضحككَ يا رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفًا سورة. فقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ
(1)
جامع البيان 26/ 17، والاستيعاب 3/ 923، ومجموع الفتاوى 15/ 74، و 16/ 214، وتفسير ابن كثير 7/ 3188، وتيسير الكريم الرحمن 2/ 668، والتحرير والتنوير 26/ 20.
(2)
المحرر الوجيز 5/ 94، وينظر: معالم التنْزيل 7/ 254.
(3)
الراوي عن سعيد بن جبير، وهو: حصين بن عبد الرحمن السُّلمي الكوفي، مات سنة (136). ينظر: الكاشف 1/ 237، والتقريب (ص: 253).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 603 (كتاب 65 - التفسير، باب 108 - سورة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، برقم: 4966).
شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر 1 - 3]. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نَهرٌ وَعَدَنِيهِ ربي عز وجل في الجنة، عليه خيرٌ كثيرٌ، هو حوضٌ ترِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُهُ عددُ النجوم، فيُختَلَج العبدُ منهم، فأقول: رَبِّ إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك)
(1)
، فهذا تفسيرٌ نبويٌ صريحٌ في أن الكوثر نهرٌ في الجنة.
*
الحكم على الاستدراك:
صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنه أن الكوثرَ في الآية: الخير الكثير. وتبعه سعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، ومحارب بن دِثَار
(2)
(ت: 116)، وقتادة (ت: 117)
(3)
.
وذهب أنس بن مالك، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس
(4)
رضي الله عنهم، وأبو العالية (ت: 93)، ومجاهد (ت: 104)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114)، وعطاء الخراساني (ت: 135)، ومقاتل (ت: 150)، إلى أن المُراد به في الآية: نَهرٌ في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم
(5)
. وقد صَحَّ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق.
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 85 (400).
(2)
محارب بن دِثَار السدوسي الكوفي القاضي، ثقة إمام زاهد، مات سنة (116). ينظر: الكاشف 3/ 122، والتقريب (ص: 922).
(3)
ينظر: صحيح البخاري 8/ 603، وجامع البيان 30/ 416، وتفسير ابن كثير 8/ 3876.
(4)
من طريق عطاء عن ابن جبير، وصححها ابن كثير في تفسيره 8/ 3876، ومن طريق العوفيين. ينظر: جامع البيان 30/ 416.
(5)
ينظر: تفسير مقاتل 3/ 528، وجزء فيه تفسير يحيى بن يمان (ص: 106)، وجامع البيان 30/ 414، 418، وتفسير ابن كثير 8/ 3877.
والكوثر لُغَةً: فَوْعَلٌ من الكثرة، أي: بليغُ الكَثرَة
(1)
، قال الشاعر
(2)
:
وأنتَ كَثيرٌ يا ابنَ مروانَ طَيِّبٌ
…
وكانَ أبوكَ ابنُ العَقائِل كَوثَرا
(والعرب تُسَمِّي كُلَّ شيءٍ كثيرٍ في العدد والقدر والخطر: كوثَرًا)
(3)
، وهو ما اعتمده أصحاب القول الأول.
ولكنه تفسيرٌ مُقابَلٌ في القول الثاني بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم، وقَد جعلَهُ جماعةٌ من المفسرين نَصًّا من النبي صلى الله عليه وسلم، يُخَصَّصُ به العموم اللفظي في الآية، وممَّن ذهب إلى ذلك ابن جرير (ت: 310)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والبغوي (ت: 516)، والقرطبي (ت: 671)، والطوفي (ت: 716)، وابن جُزي (ت: 741)، وأبو حيان (ت: 745)، وابن حجر (ت: 852)
(4)
، ونسبه الواحدي (ت: 468) لأكثر المفسرين
(5)
، وقال الرازي (ت: 604): (وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف)
(6)
.
والصواب أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، هو من باب التمثيل لا التخصيص، وهو ما فهمه ابن عباس رضي الله عنه، ومن تبعه من المفسرين، فإن الأحاديث في الكوثر بلغت حَدَّ التواتر
(7)
، فلم تكن لتخفى على ابن عباس رضي الله عنه،
(1)
ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: 474)، وتهذيب اللغة 10/ 102، والمفردات (ص: 703)، وأساس البلاغة 2/ 123.
(2)
هو: الكميت بن زيد الأسدي، ينظر: لسان العرب 5/ 133.
(3)
الكشف والبيان 10/ 308، وينظر: معالم التنْزيل 8/ 558، والجامع لأحكام القرآن 20/ 147.
(4)
ينظر: جامع البيان 30/ 418، وتفسير القرآن العزيز 5/ 167، ومعالم التنْزيل 8/ 558، والجامع لأحكام القرآن 20/ 148، والإشارات الإلهية 3/ 423، والتسهيل 4/ 426، والبحر المحيط 8/ 520، وفتح الباري 8/ 604،
(5)
الوسيط 4/ 560، وينظر: أنموذج جليل (ص: 582).
(6)
التفسير الكبير 32/ 116.
(7)
ينظر: تفسير ابن كثير 8/ 3877، ونظم المُتناثِر من الحديث المُتواتر (ص: 250).
بل قد صَحَّ عنه تفسير الكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، كما سبق، ولا يُتَصَوَّر أن يخالف ابن عباس رضي الله عنه نَصَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان أراد ذلك.
ووجوه ترجيح العموم في الآية عديدة، وهي:
الأول: أنه الحقيقة اللغوية لكلمة: كوثر. ولا يُقَدَّم عليها النقل الشرعي ما لَم يكُن صريحًا.
الثاني: أنه دلالة اللفظ في قوله تعالى {الْكَوْثَرَ} [الكوثر 1]، فإن اقتران هذه الصفة باللام المفيدة للاستغراق جعلها شامِلَة، ولإعطاء معنى الكثرة كاملة.
(1)
الثالث: دلالة حذف موصوف الكوثر، فإنه أبلغُ في العموم؛ لِمَا فيه من عدم التعيين.
(2)
الرابع: أن فَهم ابن عباس رضي الله عنه للتمثيل، أولى من فهم من بعده للتخصيص، فمن حضر التنْزيل وعاصر نزوله وأحواله، كان أعرف بتأويله، ولا يُعارَض هذا بأقوال غيره من الصحابة أن الكوثر نهرٌ في الجنة كما سبق؛ إذ أقوالُهم جاريةٌ مجرى التعريف بالكوثر شرعًا، لا تفسير معناه في الآية، ولو جُعِلَت أقوالهم في سياق بيان معنى الآية لكانت من قبيل التمثيل للمعنى أيضًا، إذ ليس في كلامهم دليلُ تخصيص يُعتَمَد عليه.
الخامس: أن قَولَه صلى الله عليه وسلم في الحديث: (عليه خيرٌ كثيرٌ)، يُشعِرُ بأن معنى الوصفية موجود، وهو ما فهمه ابن عباس رضي الله عنه ومن تبعه من المفسرين.
السادس: أن العموم أنسب لسياق الآية، فقد قال تعالى في آخر السورة {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر 3]، وذلك فيمَن قال من المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا
(1)
ينظر: مقدمة تفسير ابن النقيب (ص: 522)، ومجموع الفتاوى 16/ 530.
(2)
ينظر: مجموع الفتاوى 16/ 529، ودقائق التفسير 6/ 312.
مات ابنه عبد الله: دَعُوه فإنما هو رجلٌ أبتَر لا عَقِبَ له، لو هلك لانقطع ذِكره، واسترحتم منه
(1)
. فناسَب ذلك أن يذكر عظيمَ نِعَمه، وجليل فضله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وهو القول بالعموم على ما سَبَق.
السابع: أن أكثر المفسرين على عدم التخصيص، ثُمَّ هُمْ بعد ذلك على قسمين:
- فمنهم من يُحَدِّد معنىً للآية على جِهَة التمثيل
(2)
، كقول عكرمة (ت: 105): (هو: النبوة)، وقول الحسن (ت: 110): (هو: القرآن).
(3)
- ومنهم من يَختارُ العموم مُطلَقًا بلا تَمثيل
(4)
، كقول السمرقندي (ت: 375): (يعني: الخير الكثير)
(5)
، وقول ابن عطية (ت: 546): (كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم .. ، فنعمَ ما ذَهَبَ إليه ابن عباس، ونِعمَ ما تَمَّمَ به ابن جبير رضي الله عنهم
(6)
.
ولا شَكَّ أن البيان النبوي السابق عن الكوثر يدخُلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا في معنى الآية عند اختيار العموم، كما أشار إلى ذلك ابن عباس رضي الله عنه، وسعيد بن جبير (ت: 95).
(1)
ينظر: جامع البيان 30/ 426، وأسباب النُّزول (ص: 466).
(2)
بلغت الأقوال في هذا القسم أكثر من ستة وعشرين قولًا. ينظر: الكشف والبيان 10/ 310، والبحر المحيط 8/ 520، وروح المعاني 30/ 661.
(3)
ينظر: جامع البيان 30/ 417، والكشف والبيان 10/ 310.
(4)
ينظر: معاني القرآن، للفراء 3/ 295، وتفسير غريب القرآن (ص: 474)، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 369، ونكت القرآن 4/ 553، وتهذيب اللغة 10/ 102، وبحر العلوم 3/ 519، والوجيز 2/ 1236، والمحرر الوجيز 5/ 529، والكشاف 4/ 802، وأنوار التنْزيل 2/ 1175، ومقدمة تفسير ابن النقيب (ص: 522)، ومجموع الفتاوى 16/ 526، وتفسير ابن كثير 8/ 3877، وتفسير الحداد 7/ 279، وروح المعاني 30/ 662، وتيسير الكريم الرحمن 2/ 1067، والتحرير والتنوير 30/ 573، وتفسير ابن عثيمين (ص: 331).
(5)
بحر العلوم 3/ 519.
(6)
المحرر الوجيز 5/ 529.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: إدراك مفسري السلف لترابط المعاني وتداخلها، وحرصهم على اختيار أعَمِّها وأفخَمِها، وهذا بَيِّنٌ من جواب سعيد بن جبير (ت: 95): (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه).
ثانيًا: لزوم التفريق في كلام النبي صلى الله عليه وسلم على معاني الآيات بينَ ما هو نَصٌّ في التفسير فلا يجوز مخالفته، وما هو من قبيل التمثيل، أو بيان الأولى، ونحو ذلك مِمَّا لا حصر فيه للمعنى. ومن وسائل التفريق المُعتَبَرة بين نَوْعَي التفسير النبوي السابِقَين: فَهمُ الصحابي وتفسيره، فهو الأقدَرُ على تَمْييز هذين النوعين من جميع من بعده؛ لاطِّلَاعِه على أمور خارِجَةٍ عن النص النبوي الذي بين أيدينا، كسياق الموقف ومُناسبته، وشهود التنْزيل، وقرائنه الحالِيَّة، ومعرفة حال من نزل فيهم القرآن، بالإضافة إلى إدراكهم لخصائص ألفاظه، وفَهمِهم مُراده عن قُرب واطلاع، فإدراكهم للمعاني أَتَمّ، وتعبيرهم عنها أفصح وأوضح، قال ابن القيم (ت: 751): (والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم)
(1)
، وقال الشاطبي (ت: 790): (فمتى جاء عنهم تقييدُ بعضُ المُطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعَمَلُ عليه صواب)
(2)
. وتُعَدُّ هذه الأمور وغيرها من أسباب حُجِّيَة قول الصحابي، ووجوه تقديمه على ما عداه.
(3)
* * *
(1)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 226).
(2)
الموافقات 4/ 128.
(3)
ينظر: أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 245، والفقيه والمتفقه 1/ 437، والعُدَّة، لأبي يعلى 3/ 721، ومجموع الفتاوى 20/ 14، وتنبيه الرجل العاقل 2/ 560، وعنه نقل ابنُ القيم في إعلام الموقعين 5/ 543، ومختصر الصواعق المرسلة (ص: 510)، والموافقات 4/ 127. وممَّا أُفرِدَ في هذا الموضوع: إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، للعلائي، وقول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية، لبابكر الفاداني، والصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله، لعبد الرحمن الدرويش، وقول الصحابي في التفسير الأندلسي حتى القرن السادس، لفهد الرومي.
[73] {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَ
طَهِّرِينَ} [البقرة 222].
عن أبي المنهال
(1)
قال: (كنت عند أبي العالية يومًا فتوضأ وتوضأت، فقلت {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة 222]. فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب)
(2)
.
*
تحليل الاستدراك:
حملَ أبو المنهال (ت: 129) التطهر في الآية على الطهارة بالماء، وهو قولٌ معتَمِدٌ على المتبادر من اللفظ، وسياق الآية، ووروده بهذا المعنى في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية. فظاهر اللفظ المتبادر منه هو التطهر بالماء، قال ابن جرير (ت: 310): (ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه)
(3)
، قال تعالى {وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة 8]، وقال {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال 11]، ثُمَّ موضوع الآية في الحيض وبيان حكمه والطهارة منه، ولَمَّا كانت الطهارة منه بالغسل بالماء، ناسب خِتام الآية بالثناء على فاعليه، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة 108]، وقد ثبت
(1)
سيَّار بن سلامة الرياحي، أبو المنهال البصري، ثقة، مات سنة (129). ينظر: الكاشف 1/ 414، والتقريب (ص: 427).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 1/ 13 (23)، و 7/ 207 (35382)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 403 (2127)، و 6/ 1883 (10083)، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 589 لوكيع، وعبد بن حميد. من طريق عبَّاد بن العوَّام، وعوف بن أبي جميلة العَبدي الأعرابي، عن أبي المنهال. وقد تحَرَّفَ في مصنف ابن أبي شيبة، وتفسير ابن أبي حاتم إلى (المنهال).
وإسناده صحيح.
(3)
ينظر: جامع البيان 2/ 531.
أن الله تعالى أثنى على هؤلاء القوم من الأنصار لتطهرهم بالماء
(1)
، وجاءت السنة بهذا المعنى في دعائِه صلى الله عليه وسلم بعد الوضوء:(اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)
(2)
، فتطابق دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع لفظ الآية، واقترن بالوضوء بالماء، فدلَّ على أنه المُراد.
أمَّا أبو العالية (ت: 93) فقد أثنى على التطهر بالماء، وذكر أنه أمرٌ حَسَنٌ فَضيلٌ، لكن المُراد عنده بالتطهر في الآية: من الذنوب. وهو معنىً مأخوذٌ من عموم اللفظ، ومناسب لسياق الآية، وله شواهد في القرآن. فالتطهر في الآية جاء مقرونًا ب"أل" المفيدة للعموم والاستغراق، وأولى ما تَطَهَّرَ منه العبدُ ذنوبَه، وطهارة الباطن أصلٌ لطهارة الظاهر، وهو الأنسب لذكر التوابين في الآية، والثناء عليهم بترك الذنوب والطهارة منها. ويشهد له من القرآن قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة 103]، وقوله {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل 56]، وقوله سبحانه:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب 33]، قال الطحاوي (ت: 321): (فإن ذلك عند جميعهم على التطهير من الذنوب، ومن سائر الأشياء التي تدنس بني آدم)
(3)
.
(1)
ينظر: مسند أحمد 3/ 422 (15524)، وسنن أبي داود 1/ 11 (44)، وجامع الترمذي 5/ 280 (3100)، وسنن ابن ماجة 1/ 127 (355)، وجامع البيان 11/ 40، وأحكام القرآن، للطحاوي 1/ 131.
(2)
أخرجه الترمذي في الجامع 1/ 78 (384) عن عمر، والطبراني في الأوسط 5/ 140 عن ثوبان، والبيهقي في السنن الصغرى 1/ 94 (112) عن ابن عمر وأنس، وهو حديث حسن بطرقه، وذكر ابن القيم ثبوته في زاد المعاد 1/ 188، وقد أعلَّه الترمذي بالاضطراب، وأجاب عنه أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي 1/ 79. وله شواهد عن علي وحذيفة رضي الله عنه، في مصنف ابن أبي شيبة 1/ 13 (20، 25)، وأصله عند مسلم في صحيحه 1/ 470 (234)، وأحمد في مسنده 4/ 145، 153 (17352، 17431)، بدون (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين).
(3)
أحكام القرآن 1/ 130.
*
الحكم على الاستدراك:
ذهب ابنُ عباس رضي الله عنه، وعطاء (ت: 114)، وأبو المنهال (ت: 129)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل (ت: 150)، إلى أن المُراد: التطهر بالماء.
(1)
وذهب سعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، إلى ما ذهب إليه أبو العالية (ت: 93)، فحملوا الآية على التطهر من الذنب
(2)
، واختاره ابن أبي زمنين (ت: 399)، والشوكاني (ت: 1250).
(3)
ولفظ التَّطَهر في الآية المقترن بأل المفيدة للعموم والاستغراق يشمل جميع معاني التطهر الظاهرة والباطنة، غيرَ أن التطهر بالماء أولى هذه المعاني؛ لأنه الأغلب من معانيه، والأوفق لسياق الآية وموضوعها، قال ابن العربي (ت: 543): (واللفظ وإن كان يحتمل جميع ما ذُكر، فالأول به أخص- أي: التطهر بالماء للصلاة-، وهو فيه أظهر، وعليه حَمَلَه أهلُ التأويل، وهو المُنعَطِف على سابق الآية، المُنتَظم معها)
(4)
، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يحب المتطهرين في آيتين، آية البقرة هذه، وآية التوبة في قوله تعالى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة 108]، ولَمَّا صَحَّ أن المُراد بالتطهر في آية التوبة التطهر بالماء كما سبق، كان ذلك أولى المعاني وأقربها في الآية الأخرى، قال الطحاوي (ت: 321): (فدلَّ ذلك على أن الطهارة المذكورة في الآية الأولى، هي هذه الطهارة المذكورة في الآية الأخرى)
(5)
، وقد جاءت دلالة السنة ظاهرة على هذا المعنى كما سبق.
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 118، ومصنف ابن أبي شيبة 3/ 141، وجامع البيان 2/ 531، وزاد المسير (ص: 132)، ومعالم التنْزيل 1/ 259.
(2)
ينظر: جامع البيان 2/ 531، وزاد المسير (ص: 132).
(3)
تفسير القرآن العزيز 1/ 222، وفتح القدير 1/ 396.
(4)
أحكام القرآن 1/ 220.
(5)
أحكام القرآن 1/ 131.
وهو اختيار ابن جرير (ت: 310)، والطحاوي (ت: 321)، والنحاس (ت: 338)، والجصاص (ت: 370)، والسمرقندي (ت: 375)، والواحدي (ت: 468)، وابن العربي (ت: 543)، وأبو حيَّان (ت: 745)، وابن القيم (ت: 751).
(1)
* * *
[74] {مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ا
لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح 29].
عن منصور بن المعتمر
(2)
، عن مجاهد في قوله تعالى {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح 29]، قال:(هو الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون)
(3)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 2/ 531، أحكام القرآن، للطحاوي 1/ 130، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 184، وأحكام القرآن، للجصاص 1/ 425، وبحر العلوم 1/ 205، والوسيط 1/ 328، والوجيز 1/ 168، وأحكام القرآن، لابن العربي 1/ 220، والمغني 1/ 437، والبحر المحيط 2/ 179، والتبيان في أقسام القرآن (ص: 225)، وتفسير ابن عثيمين 3/ 82.
(2)
منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت، مات سنة (132). ينظر: الكاشف 3/ 177، والتقريب (ص: 973).
(3)
أخرجه الثوري في تفسيره (ص: 278)(900)، وابن المبارك في الزهد (ص: 56) (173)، مُختصرًا، والبخاري في صحيحه 8/ 445 (كتاب 65 - التفسير، باب 48: سورة الفتح)، مُعلَّقًا بصيغة الجزم، وعبد بن حميد في تفسيره، كما في فتح الباري 8/ 446، والبستي في تفسيره 2/ 378 (951، 953)، وابن جرير في تفسيره 26/ 143 (24482)، وابن أبي حاتم في تفسيره، كما في تفسير ابن كثير 7/ 3258، وعزاه السيوطي في الدر 7/ 471 لسعيد بن منصور، وابن نصر. من طريق ابن جريج ومنصور، عن مجاهد.
وإسناده صحيح.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا
(1)
في الآية أثر السجود المحسوس في الوجه، ومن فسرها بذلك أخذه من ظاهر لفظ الآية، فإنها بينت سبب هذه السيماء والعلامة، فقال تعالى {مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح 29]. ثم السياق يشهد له أيضًا، ففي الآية قبلها {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح 29]، ومن كانت هذه حاله ظهر عليه نحو ذلك الأثر ولو لم يقصد. كما ورد في السنة ما يشهد له، وهو قوله صلى الله عليه وسلم فيمن يُخرج من النار من الموحدين:(ويعرفونهم بآثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود)
(2)
، وعن جابر مرفوعًا:(إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا داراتِ وجوهِهِم، حتى يدخلون الجنة)
(3)
، فهو أثرٌ في الوجه محسوس لا تمسه النار يوم القيامة.
وفسَّرها مجاهد بأنها الخشوع، وفي ألفاظ أخرى عنه قال: التواضع، والوقار، والسَّحنة
(4)
. فهي ليست بالأثر المحسوس على وجه المصلي؛ لأنه ربما ظهرت على من لا يدخل في من وَصَفَتْهُم الآية، كقساة القلوب، وبعض المنافقين
(5)
. قال ابن عطية (ت: 546): (وهذه حال مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِل الضحك، وتَرد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء)
(6)
، وظاهر اللفظ يحتمل بعمومه هذا المعنى، كما يشهد له سياق الآية، فهو في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يكن ذلك الأثر المحسوس من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من سِمَةِ جميع أصحابه رضي الله عنهم.
(1)
السِّيمَا هي: العلامة التي يُعرف بها الخير والشر. ينظر: تهذيب اللغة 13/ 76.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 341 (806)، ومسلم في صحيحه 1/ 393 (299).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 417 (319)، وينظر: فتح الباري 2/ 342.
(4)
ينظر: صحيح البخاري 8/ 445، وتفسير البستي 2/ 378، وجامع البيان 26/ 143.
(5)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 6/ 514.
(6)
المحرر الوجيز 5/ 141.
*
الحكم على الاستدراك:
يجتمع كلا هذين القولين في بيان المراد بالسيما في الآية على أنها في الدنيا، وقد سَبَقَ بعضُ الصحابة مُجاهدًا إلى هذا القول، فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح 29] قال:(أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته، وسمته وخشوعه)
(1)
، وعن الجعيد بن عبد الرحمن
(2)
قال: كنت عند السائب بن يزيد
(3)
إذ جاء الزبير بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وفي وجهه أثر السجود، فقال السائب:(لقد أفسدَ هذا وجهَه، أما والله ما هي السِّيمَا التي سَمَّى اللهُ، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثَّرَ السجود بين عيني)
(4)
، ومُراد السائب رضي الله عنه أن هذه العلامة لا تؤثر عند عدمها، فكذلك لا تؤثر عند وجودها، فصاحب هذه العلامة لا يدخل في من وُصِف في الآية بمجردها، بل لا بد من أمر آخر هو ما بينه ابن عباس رضي الله عنه، ومِنْ بعده مجاهد (ت: 104)، وهو سمت الإسلام العام، وهديه وخشوعه وتواضعه. ومن ثَمَّ يكون نفيهم للأثر الحسِّي للسجود في الوجه أن يكون مرادًا في الآية، أي: بمفرده، أو من يتقصَّدُه، ويُرائي به، كما في اعتراض مجاهد في الاستدراك. وقريب من هذا القول تفسير السيما بنور الوجه من أثر الصلاة، كما قاله
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 26/ 143 (24479)، من طريق مجاهد عن ابن عباس، وأخرجه الثعلبي في تفسيره 9/ 65 من رواية الوالبي، وإسناده حسن، وينظر: الوسيط 4/ 146، ومعالم التنْزيل 7/ 324.
(2)
الجعيد أو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس، مات سنة (144). ينظر: الكاشف 1/ 183، والتقريب (ص: 197).
(3)
السائب بن يزيد بن سعيد بن ثُمامة الكندي، من صغار الصحابة، له رؤية ورواية، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة (91). ينظر: السير 3/ 437، وتهذيب التهذيب 1/ 683.
(4)
أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 4/ 378 (2418)، والطبراني في الكبير 7/ 158 (6685)، والبيهقي في السنن 2/ 287 (3374). وإسناده صحيح، وينظر: مجمع الزوائد 7/ 107.
الثوري (ت: 161)، وصححه النحاس (ت: 338)
(1)
، وفيه قول بعض السلف:(من كثرت صلاته بالليل، حَسُنَ وجهه بالنهار)
(2)
.
وذهب أبو العالية (ت: 93)، وسعيد بن جبير (ت: 95)، وعكرمة (ت: 105)، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، ومالك (ت: 179)، إلى أن السيما آثارُ السجود في الدنيا من نحو: أثر السهر والتعب في الوجه، والصُّفرة، وأثر ثرى الأرض وترابها، والطَّهُور
(3)
. وهذا من تفسير السيما بالمثال من غير حصر.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (هو ما يبدو على وجوه المؤمنين يوم القيامة من أثر صلاتهم)
(4)
. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح 29]: النور يوم القيامة)
(5)
، قال ابن عاشور (ت: 1393): (وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات، إذ كل ذلك من السيما
(1)
إعراب القرآن 4/ 136.
(2)
أخرجه ابن ماجة في سننه 1/ 422 (1333) مرفوعًا عن جابر، ولا يصح، قال ابن عطية (ت: 546): (وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ثمَّ نَزَع شريكٌ لَمَّا رأى ثابتَ الزاهد، فقال يعنيه: من كثُرَت صلاته بالليل، حَسُن وجهه بالنهار. فظن ثابت أن هذا الكلام مُتَركب على السند المذكور، فحدث به عن شريك). المحرر الوجيز 5/ 141، ونقل ابن حجر (ت: 852) اتفاق أئمة الحديث على أنه من قول شريك لثابت لَمَّا دخل. ينظر: الكافي الشافِ 4/ 338.
(3)
ينظر: تفسير ابن وهب 2/ 135، وجامع البيان 26/ 144، والكشف والبيان 9/ 65.
(4)
جامع البيان 26/ 142 (24473).
(5)
أخرجه الطبراني في الصغير 1/ 370 (619)، والأوسط 4/ 371 (4464)، وعزاه في الدر 7/ 470 لابن مردويه، وقال الهيثمي:(رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه رواد بن الجراح، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره). مجمع الزوائد 7/ 107، وفي التقريب (ص: 329): (روَّاد بن الجراح صدوق اختلط بآخره فتُرك)، وقد حَسَّن حديثه هذا السيوطي في الدر 7/ 470، وتبعه الآلوسي في روح المعاني 26/ 389.
المحمودة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أعلاها)
(1)
، واختاره مقاتل بن حيَّان (ت: 150)
(2)
، واستبعده ابن جزي (ت: 741)، وقال:(لأن قوله {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح 29]، وصف حالهم في الدنيا، فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك)
(3)
.
والصحيح حمل السيما في الآية على العموم، فجميع آثار السجود الحسية والمعنوية، في الدنيا والآخرة، داخلة في معنى الآية. واختاره قتادة (ت: 117)، وعطاء الخراساني (ت: 135)
(4)
، وابن جرير (ت: 310) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم: في وجوههم من أثر السجود، ولم يخص ذلك على وقت دون وقت، وإذا كان ذلك كذلك، فذلك على كل الأوقات)
(5)
.
* * *
(1)
التحرير والتنوير 26/ 206.
(2)
تفسير البستي 2/ 379 (954، 956).
(3)
التسهيل 4/ 105.
(4)
جامع البيان 26/ 145، والكشف والبيان 9/ 66.
(5)
جامع البيان 26/ 144.
رابعًا: استدراكات أتباع التابعين
[75]{يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة 269].
قال مالك بن أنس: (قال زيد بن أسلم: إن الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمرٌ يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب زيد بن أسلم (ت: 136) إلى أن الحكمة: العقل. وهذا القول معتمدٌ على اللغة، إذ أصل الحكمة: المنع
(2)
، ومن معانيها: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من الجهل والهوى، قال ابن الأنباري (ت: 328): (والحِكمَةُ: اسمُ العقل، وجمعها: حِكَم)
(3)
. كما أنه صحيحٌ في السياق، فالعقل من خير الله الكثير الذي يؤتيه من يشاء.
وذهب مالك (ت: 179) إلى أن الحكمة: العلم والفقه في دين الله، والتفكر في أمره، وإصابة الحق واتباعه
(4)
. وهو معنىً معتمِدٌ على اللغة؛ إذ من معاني الحكمة
(1)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 2/ 130 (256) عن مالك، وابن جرير في تفسيره 3/ 125 (4840 - 4842)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 532 (2829)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 83، 757 (70، 1394 - 1399). من طريق عبد الله بن وهب، عن مالك.
وإسناده صحيح.
(2)
ينظر: مقاييس اللغة 1/ 311.
(3)
الزاهر 1/ 111.
(4)
هذا مجموع ما رُوِيَ عن الإمام مالك في معنى الآية، ينظر: المحرر الوجيز 1/ 364، والجامع لأحكام القرآن 3/ 213.
أيضًا: الحُكم وفصل القضاء
(1)
، وكذا: الإحكام والإتقان والإصابة
(2)
، والفقه في دين الله واتِّبَاعه مانعٌ من الجهل والظلم والخلل. وقد استشهد مالك (ت: 179) على هذا المعنى بقوله تعالى {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم 12]، وقوله {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ} [الزخرف 64]
(3)
، وقد جاءت "الحكمة" في أكثر الآيات بِهذا المعنى، كما في قوله تعالى {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة 129]، وقوله {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء 113]، وقوله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة 110]، وقوله {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} [الإسراء 39]، وقوله تعالى لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب 34]، وقوله تعالى عن داود عليه السلام {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص 20]، ثُمَّ هو معنىً صحيحٌ في السياق، فالفقه في الدين خيرُ ما يُؤتى العبد، ويشهد له من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:(من يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّه في الدين)
(4)
.
*
الحكم على الاستدراك:
الحِكمَةُ عند العرب: ما مَنَعَ من الجهل
(5)
. ولا يكون ذلك إلا بعلم وفهم، والعلم الممدوح في هذه الآية وفي غيرها من كتاب الله هو علم القرآن والفقه في الدين، ومن ثَمَّ دارت تفاسير السلف للحكمة حول هذا المعنى: (الإتقان وإصابة
(1)
ينظر: جامع البيان 3/ 125.
(2)
ينظر: الزاهر، لابن الأنباري 1/ 109، وتهذيب اللغة 4/ 71، والمحرر الوجيز 1/ 364.
(3)
تفسير ابن وهب 2/ 130 (257).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 197 (71)، ومسلم في صحيحه 3/ 105 (1037).
(5)
ينظر: الزاهر، لابن الأنباري 1/ 397، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 298، والغريبين 2/ 477، ومشارق الأنوار 1/ 303، والجامع لأحكام القرآن 3/ 214.
الحق في القول والفعل)، وإن اختلفت عباراتهم، وتعددت ألفاظهم
(1)
، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:(الحكمة: القرآن)
(2)
، وقال ابن عباس رضي الله عنه:(يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابِهه، ومُقَدَّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله)
(3)
، وقريبٌ من ذلك عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وأبي العالية (ت: 93)، والنخعي (ت: 96)، ومجاهد (ت: 104)، وأبي مالك، والحسن (ت: 110)، ومكحول (ت: 112)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)، والربيع بن أنس (ت: 139)، والكلبي (ت: 146)، ومقاتل بن حيان (ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150)، ومالك بن أنس (ت: 179)، وابن زيد (ت: 182)، وابن قتيبة (ت: 276)، وأبو العباس ثعلب
(4)
(ت: 291)
(5)
، وغيرِهِم، مِمَّا هو من التفسير بالمثال، وبجزء المعنى، ولا تعارض فيه
(6)
، قال ابن القيم (ت: 751): (وأحسنُ ما قيلَ في الحكمة: قول مجاهد، ومالك: إنها معرفةُ الحق والعمل به، والإصابةُ في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان)
(7)
.
وقد جاء رَدُّ مالك بن أنس (ت: 179) على قول زيد بن أسلم (ت: 136) من هذا
(1)
ينظر: جامع البيان 3/ 125، والمحرر الوجيز 1/ 364، والكليات (ص: 382).
(2)
معاني القرآن وإعرابه 1/ 351، وزاد المسير (ص: 165).
(3)
جامع البيان 3/ 124.
(4)
أحمد بن يحيى بن زيد بن سيَّار الشيباني مولاهم، أبو العباس ثعلب، النحوي اللغوي الحافظ، صَنَّف معاني القرآن، وغريب القرآن، والقراءات، وغيرها، مات سنة (291). ينظر: معجم الأدباء 2/ 536، وبغية الوعاة 1/ 396.
(5)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 146، وتفسير غريب القرآن (ص: 33)، وجامع البيان 3/ 124، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 531، وبحر العلوم 1/ 231، والفقيه والمتفقه 1/ 189، وزاد المسير (ص: 165).
(6)
ذكرَ أبو حيان في البحر المحيط 2/ 334 تسعةً وعشرين مقالةً في تفسير الحكمة في الآية. وينظر: تفسير ابن أبي حاتم 532، وحقائق التفسير 1/ 79، والكشف والبيان 2/ 271.
(7)
مدارج السالكين 3/ 350.
الوجه، فحملُ الحكمة في الآية على العقل مُجَرَّدًا لا يصح، من جهة أن العقل بلا دين لا خيرَ فيه، بل العاقل بلا دين والجاهل سواءٌ في عدم الانتفاع والاهتداء للحق والعمل به، ومثلُ ذلك غير ممدوح، قال مالك (ت: 179): (ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله)، فالعالم بأمر دينه هو مِمَّنْ آتاه الله الحكمة وإن كان ضعيف العقل والتدبير في أمر دنياه.
ومن ثَمَّ فقول زيد (ت: 136) في تفسير الحكمة وإن كان صحيحًا لُغةً، إلا أنه ضعيفٌ تفسيرًا؛ لقصور معناه عن اشتمال وصف الخيرية الأعظم الممدوح في لفظ الحكمة وهو: الفقه في الدين والعمل به، والصواب قول مالك (ت: 179) لصحته في اللغة، ولأنه أعمُّ في المعنى، ولشواهد هذا المعنى المتوافرة من الكتاب والسنة، بل لم يَرِد العقل مُجَرَّدًا معنىً للحكمة في القرآن الكريم
(1)
، إذ ما كُلُّ عاقلٍ بحكيم، كما أن العقل الممدوح في كتاب الله هو ما كان طريقًا للتدبر، وموصلًا للحق والاهتداء، لا ما عَرِيَ عن ذلك، قال تعالى {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة 242]، وقال {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران 118]، وقال {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف 2]، والعاقل بلا هداية كغير العاقل سواء، قال تعالى {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة 171]، وقال {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك 10].
وقد اتفقت كلمة المفسرين
(2)
على قول مالك (ت: 179) كما سبق.
(3)
(1)
ينظر: الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص: 111)، وتحصيل نظائر القرآن (ص: 107)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: 174)، ونزهة الأعين النواظر (ص: 260).
(2)
ينظر: الوسيط 1/ 383، وتفسير ابن كثير 2/ 643.
(3)
وينظر: جامع البيان 3/ 125، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 298، وتفسير القرآن العزيز 1/ 260، والوسيط 1/ 383، والوجيز 1/ 189، والمحرر الوجيز 1/ 364، والكشاف 1/ 311، وقانون التأويل (ص: 152)، والتفسير الكبير 7/ 59، والجامع لأحكام القرآن 3/ 214، وأنوار التنْزيل 1/ 145، والإشارات الإلهية 1/ 362، والبحر المحيط 2/ 334، ومدارج السالكين 3/ 350، وتفسير ابن كثير 2/ 643، وفتح القدير 1/ 491، وروح المعاني 3/ 56، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 202، والتحرير والتنوير 3/ 61، وتفسير ابن عثيمين 3/ 351.
قال سفيان بن عيينة: (ليس تأويل قوله {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة 282] من الذِّكْرِ بعدَ النِّسيَان، إنما هو من الذَّكَر، بِمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابن عيينة (ت: 198) أن يكون المُراد بالتذكير في الآية: ما يُقابلُ النسيان. ومن ذهب إلى ذلك اعتمد ظاهرَ اللفظ والمتبادر منه، وكذا سياق الآية؛ إذ عِلَّةُ الأمر بشهادة امرأتين مع رجل مذكورة في الآية وهي قوله تعالى {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة 282]، فخشيةً من نسيان إحدى المرأتين تشهد معها أخرى لِتُذَكرها ما نسيت، فالمناسب لذكر النسيان في الآية ما يقابله وهو: التذكر.
وذهب ابن عيينة (ت: 198) إلى أن المُراد بالتذكير هنا: أن تجعلها ذَكَرًا في شهادتها بشهادتها معها، إذ شهادتهما كشهادة رجل في الضبط والحفظ والإتقان. وقوله هذا معتمدٌ على معنى الآية وحكمها، فقد جعل تعالى شهادة امرأتين كشهادة
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 3/ 169 (4985)، وقال: حُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن المنذر في تفسيره 1/ 78 (111)، من طريق علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم، بلفظه. والثعلبي في تفسيره 2/ 295.
وفي إسناده ضعف؛ للجهالة بين أبي عبيد وشيخه ابن عيينة.
رجل في قوله {فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة 282]، فناسب أن يكون التذكير بعد هذا الحكم أن تجعل إحداهما الأخرى ذكرًا في الشهادة حين تشهد معها فتكونا بذلك بمنْزلة الذَّكَر، وقد صَحَّ هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:(ما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لُبٍ منكُنّ. فقالت امرأةٌ: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل)
(1)
. كما اعتمد هذا القول على قراءة من قَرَأ {فَتُذَكِّرَ} [البقرة 282]، بالتخفيف
(2)
، من أذْكَرَ يُذْكِر، وعن الفراء (ت: 150) وأبي عمرو بن العلاء
(3)
(ت: 154): (من قَرَأ بالتخفيف فهو من الذَّكَر الذي هو ضد الأُنثى)
(4)
.
*
الحكم على الاستدراك:
رُوِيَ عن أبي عمرو بن العلاء (ت: 154) في هذه الآية نحو ما رُوِيَ عن ابن عيينة (ت: 198)
(5)
، واختاره القاضي أبو يعلى
(6)
(ت: 458)
(7)
، وجوز الجصاص
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 483 (304)، ومسلم في صحيحه 1/ 250 (79)، وينظر: أحكام القرآن، للجصاص 1/ 621.
(2)
قراءةٌ سبعية، قرأ بها ابنُ كثير وأبو عمرو، ويعقوب، والكسائي برواية قتيبة. ينظر: المبسوط في القراءات العشر (ص: 137)، والإقناع في القراءات السبع 2/ 616.
(3)
زَبَّان بن العلاء بن عمار التميمي المازني، أبو عمرو البصري، الإمام اللغوي المُقرئ، أحد السبعة وأكثرهم شيوخًا، مات سنة (154). ينظر: طبقات القراء 1/ 91، وبغية الوعاة 2/ 231.
(4)
ينظر: أحكام القرآن، للجصاص 1/ 621، وحجة القراءات (ص: 150)، والكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 321.
(5)
ينظر: زاد المسير (ص: 172)، والجامع لأحكام القرآن 3/ 257، والبحر المحيط 2/ 365.
(6)
محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، أبو يعلى ابن الفرَّاء الحنبلي القاضي، الفقيه شيخ الحنابلة في وقته، صنف أحكام القرآن، ونقل القرآن، وغيرها، مات سنة (458). ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 166، والسير 18/ 89.
(7)
زاد المسير (ص: 172).
(ت: 370) كلا المعنيين؛ تكثيرًا للمعاني، وجمعًا بينها.
(1)
واختار أن التذكير في الآية: ضد النسيان، سعيدُ بن جبير (ت: 95)، والضحاكُ (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117)، والسدي (ت: 128)، والربيع بن أنس (ت: 139)، ومقاتل بن حيَّان (ت: 150)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)، والفراء (ت: 207)، وابن قتيبة (ت: 276)
(2)
، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهم
(3)
، وهو الصواب من معنى الآية؛ لأنه الظاهر المُتبادر من اللفظ في هذا السياق، ولدلالة السياق عليه دلالةً صريحةً، إذ المُقابِلُ للضلال والنسيان المذكور فيها: التذكر بعد النسيان.
(4)
أمَّا قولُ ابنُ عيينة (ت: 198) فهو عند عامَّة المفسرين قولٌ غريبٌ شاذٌّ بعيدٌ باطلٌ
(5)
،
(1)
أحكام القرآن 1/ 621.
(2)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 151، ومعاني القرآن، للفراء 1/ 184، وتأويل مشكل القرآن (ص: 254)، وجامع البيان 3/ 171، وتفسير ابن أبي حاتم 2/ 562، والنكت والعيون 1/ 356، وزاد المسير (ص: 172).
(3)
جامع البيان 3/ 170، وزاد المسير (ص: 172)، والتفسير الكبير 7/ 100.
وينظر: جامع البيان 3/ 170، ومعاني القرآن وإعرابه 1/ 363، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 318، وبحر العلوم 1/ 237، وتفسير القرآن العزيز 1/ 268، والكشف والبيان 2/ 295، والوسيط 1/ 404، وتفسير السمعاني 1/ 285، وغرائب التفسير 1/ 236، ومعالم التنْزيل 1/ 351، والكشاف 1/ 321، والمحرر الوجيز 1/ 382، والتفسير الكبير 7/ 100، والجامع لأحكام القرآن 3/ 257، والتسهيل 1/ 228، والبحر المحيط 2/ 366، وبدائع التفسير 1/ 445، وتفسير ابن كثير 2/ 665، وتفسير الحداد 1/ 447، وفتح القدير 1/ 509، وروح المعاني 3/ 80، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 211، والتحرير والتنوير 3/ 109، وتفسير ابن عثيمين 3/ 407.
(4)
ينظر: جامع البيان 3/ 170، والكشف والبيان 2/ 295، والمحرر الوجيز 1/ 382.
(5)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 1/ 318، وغرائب التفسير 1/ 236، والمحرر الوجيز 1/ 382، وأحكام القرآن، لابن الفرس 1/ 432، وتفسير ابن كثير 2/ 665، والتفسير الكبير 7/ 100، وفتح القدير 1/ 509.
من مُنْكَر التأويل
(1)
، وبدع التفاسير
(2)
، ويتبَيَّن خَطَؤه من وجوه:
الوجه الأول: خروجه عن مقتضى اللغة، فقد ذكر النحاس (ت: 338) أنه قولٌ لا يعرفه أهل اللغة
(3)
، وجعله أبو بكر النقاش (ت: 351) في مقدمة تفسيره ضمن باب: في شواذ التفسير ممَّا يُنكِره أهل اللغة والنظر، ويتذاكر به أصحاب الأخبار والأثر
(4)
. وكذا أدرجه أبو نصر الحدادي
(5)
(ت: بعد 400) في كتابه "المدخل لعلم التفسير" ضمن باب: ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصلٌ عند النحويين ولا في اللغة
(6)
. وبَيَّن أبو حيّان (ت: 745) خللَ هذا القول من جهة اللغة فقال: (إن المحفوظ أن هذا الفعل لا يتعدى، تقول: أذكَرَت المرأةُ فهي مُذكر، إذا ولدت الذكور، وأما: أذكَرَت المرأةَ، أي: صيرتها كالذَّكَر، فغير محفوظ)
(7)
.
الوجه الثاني: أن السياق صريحٌ في إرادة التذكير الذي هو ضد النسيان، قال ابنُ العربي (ت: 543): (والذي يَصِحُّ أن يعقُبَ الضلالَ والغفلَةَ: الذِّكرُ)
(8)
، والضالَّة منهما إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار.
(9)
(1)
ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: 10).
(2)
ينظر: الكشاف 1/ 321، وروح المعاني 3/ 80، وبدع التفاسير (ص: 32).
(3)
معاني القرآن 1/ 318.
(4)
شفاء الصدور (مخطوط، ص: 13).
(5)
أحمد بن محمد بن أحمد السمرقندي، أبو نصر الحدادي، شيخ القراء بسمرقند، صنف المدخل لعلم تفسير كتاب الله، والموضح في التفسير، مات (بعد 400). ينظر: غاية النهاية 1/ 105، ومقدمة محقق كتابه المدخل (ص: 17).
(6)
المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى (ص: 98، 109).
(7)
البحر المحيط 2/ 366.
(8)
أحكام القرآن 1/ 302. وينظر: معالم التنْزيل 1/ 351، والمحرر الوجيز 1/ 382، والتفسير الكبير 7/ 100، والجامع لأحكام القرآن 3/ 257.
(9)
جامع البيان 3/ 170.
الوجه الثالث: اختلاله من جهة المعنى، وذلك من وجهين: أولهما ذكره النحاس (ت: 338) بقوله: (لو كان إنما معناه: تجعلها بمنْزلة الذَّكَر. لم يُحتَج إلى {أَنْ تَضِلَّ} [البقرة 282]؛ لأنها كانت تجعلها بمنْزلة الذَّكَر، ضَلَّت أو لم تَضِلّ، ولا يجوز أن تُصَيِّرها بمنْزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها)
(1)
. وثانيهما ذكره أبو حيَّان (ت: 745)
(2)
ومعناه: أنه لو سُلِّمَ بأن أذكَرَ بمعنى: تصيرها ذَكَرًا. فلا يصح؛ لأن التصيير ذَكَرًا سيشملُ المرأتين، إذ كلتاهُما سَتُذَكِّرُ الأُخرى على هذا التأويل، فتصبح شهادة المرأتين كشهادة رجلين، وهذا باطل.
الوجه الرابع: أن النساء لو بَلَغنَ ما بَلَغنَ، ولم يكن معهنَّ رجلٌ لم تَجُز شهادَتُهُن
(3)
، قال الرازي (ت: 604): (فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذَكَّرَت الأولى)
(4)
.
ولا حُجَّة لهذا القول في القراءة السبعية المذكورة؛ فإن "ذَكَّرَ وأَذْكَرَ" بمعنىً واحد، قال الجوهري
(5)
(ت: 393): (وذكرتُ الشيءَ بعدَ النسيانِ، وذَكَرْتُه بلساني وقلبي، وتَذَكَّرتُه، وأَذْكَرتُه غيري، وذَكَّرتُه بمعنىً)
(6)
، قال مكيّ (ت: 437): (فالقراءتان مُتعادِلتان)
(7)
، أي في المعنى.
(1)
معاني القرآن 1/ 318.
(2)
البحر المحيط 2/ 366.
(3)
ينظر: المغني 13/ 429، وزاد المسير (ص: 172)، والتفسير الكبير 7/ 100.
(4)
التفسير الكبير 7/ 100.
(5)
إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر الفارابي، اللغوي الأديب، أخذ عن أبي علي الفارسي، والسيرافي، وصَنَّف كتابه المشهور «الصَّحاح» ، وغيره، توفي سنة (393). ينظر: معجم الأدباء 2/ 656، وبغية الوعاة 1/ 446.
(6)
الصَّحاح 2/ 665، وينظر: الوسيط 1/ 404.
(7)
الكشف عن وجوه القراءات 1/ 321. وينظر: شرح الهداية 1/ 212، والتسهيل 1/ 228.
الوجه الخامس: ما قاله ابنُ جرير (ت: 310) عن هذا القول: (أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ)
(1)
.
وليس ذهابُ الجصاص (ت: 370) للأخذ بكلا المعنيين للفائدة المتجددة في كلتيهما، بأولى من جمع القراءتين على معنىً واحدٍ صحيحٍ لُغةً وسياقًا ومعنىً، خاصَّةً إذا عُلِمَ ضعفُ أحد معنيي قراءة منهما، فالصواب يكون في حملها على معنى القراءة الثانية إذا صَحَّ ذلك لُغةً.
وأمَّا تخريجُ ابنُ جرير (ت: 310) لقول ابن عيينة (ت: 198) على أنه رُبَّما أراد أن المرأة الأولى تعين الأُخرى وتُجَرِّئها على ذكرِ ما نَسِيَت، فتُقَوِّي ذاكِرَتَها بالتذكير حتى تكون كالرجل في التَّذَكُّر، كقولهم للشيء القوي في عمله: ذَكَر، وكما يُقال للسيف الماضي في ضربه: سيفٌ ذَكَر
(2)
= فبعيدٌ لا وجه له؛ لنفي ابن عيينة (ت: 198) الصريح لمعنى التذكر المقابل للنسيان، ولأن مُؤَدَّاه للقول الثاني بعد تطويلٍ شديد، (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد)
(3)
، وقد قال ابن جرير (ت: 310): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بِها عن معاني القرآن أقربَها إلى فهم سامعيه)
(4)
.
* * *
(1)
جامع البيان 3/ 170.
(2)
جامع البيان 3/ 170.
(3)
التبيان في أقسام القرآن (ص: 216).
(4)
جامع البيان 17/ 16.
[77]{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف 152].
قال سفيان بن عيينة: (ليس في الأرضِ صاحبُ بدعةٍ إلا وهو يجدُ ذِلَّةً تَغْشَاه، وهو في كتابِ الله. قالوا: وأين هي من كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قولَه تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا} [الأعراف 152]. قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجلِ خاصَّةً. قال: كلا، اتلوا ما بعدها {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف 152]، فهي لكل مُفتَرٍ ومُبتَدعٍ إلى يوم القيامة)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب بعضُ جلساءِ ابن عيينة (ت: 198) إلى أن الوعيد الوارد في الآية خاصٌّ بأصحابِ العجل، الذين سِيقَ الحديثُ عنهم فيها، ولا يعدوهم إلى غيرهم، فيكون المعنى: وهكذا نجزي هؤلاء المفترين الذين زعموا أن العجل إلاهُهُم. فهو تخصيصٌ لمعنى الآيةِ بحسب سياقها وقصَّتها.
فبَيَّنَ لهم ابنُ عيينة (ت: 198) من هذه الآية معنىً عامَّا، وذكر أنَّها شاملةٌ لكُلِّ مُفتَرٍ ومُبتَدِعٍ إلى يوم القيامة. وهذا العموم مأخوذٌ من لفظ الآية وهو قوله تعالى {وَكَذَلِكَ} [الأعراف 152]، أي: وبمثل هذا العذاب نَجزي كَلَّ مُفتَرٍ. وهو ما استدَلَّ به على من استنكر قوله.
(1)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 9/ 96 (11766)، مُختصرًا من طريق المثنى، عن إسحاق، عن عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة. وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1571 (9008)، من طريق أبي حاتم، عن محمد بن أبي عمر العدني، عن ابن عيينة. وأبو نعيم في الحلية 7/ 281، من طريق إبراهيم بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق الثقفي، عن سوار بن عبد الله بن سوار، عن أبيه، عن ابن عيينة، واللفظ له. والبيهقي في الشعب 7/ 72 (9522)، من طريق أبي الحسين بن فهر المصري، عن الحسن بن رشيق، عن علي بن سعيد الرازي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن سفيان بن عيينة. وعزاه السيوطي في الدر 3/ 511 لأبي الشيخ.
وإسناده صحيح لغيره.
*
الحكم على الاستدراك:
عُرِفَ ابنُ عيينة (ت: 198) بالاستنباطات الحسنة، والمنازِع المُستحسنة من الآيات
(1)
، ومن ذلك إدخاله المبتدعةَ في معنى الآية، فإن الابتداع افتراءٌ على الله ورسوله، كما قال تعالى {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} [الأنعام 140]، وقال {قُلْ أَرَأَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس 59]، وقال {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل 56]، وقال أيضًا {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل 116]
(2)
، وقد شمل عموم قوله تعالى {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف 152] كُلَّ مُفتَرٍ على الله تعالى، فمن ثَمَّ صَحَّ تفسير ابن عيينة (ت: 198) للآية بذلك، مع ملاحظة أن أَوَّلَ المعاني دخولًا في الآية أصحاب العجل، ثم من شمله لفظ الآية بعدهم، قال ابن عطية (ت: 546): (المُراد أوَّلًا أولئك الذين افتروا على الله في عبادة العجل، وتكون قُوَّةَ اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مُفتَرٍ إلى يوم القيامة)
(3)
.
وقد ورد نحو قول ابن عيينة (ت: 198) عن جماعة من السلف، كجارية بن قدامة رضي الله عنه
(4)
، وقيس بن عُبَاد
(5)
(ت: بعد 80)، وأبي قِلابَة (ت: 104)، والحسن
(1)
ينظر: السير 8/ 458، وتفسير ابن عيينة (ص: 356).
(2)
ينظر: التفسير الكبير 15/ 13، والاعتصام (ص: 96).
(3)
المحرر الوجيز 2/ 458.
(4)
جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي، صحابي على الصحيح، مات في ولاية يزيد. ينظر: الطبقات، لابن خياط 1/ 44، والإصابة 1/ 555.
(5)
قيس بن عُبَاد القيسي الضُّبَعي، أبو عبد الله البصري، ثقةٌ مُخضرم، من كبار التابعين، مات بعد الثمانين. ينظر: الكاشف 2/ 405، والتقريب (ص: 805).
(ت: 110)، وأيوب السختياني
(1)
(ت: 131)، ومالك بن أنس (ت: 179)، والفضيل بن عياض
(2)
(ت: 187).
(3)
وورد حملُ الآية على عمومها عن ابن عباس رضي الله عنه
(4)
، وعليه عامَّة المفسرين
(5)
، وهو الصواب.
وما ذهب إليه بعض أصحاب ابن عيينة (ت: 198) من تخصيص الآية بأصحاب العجل، وعدم شمولها من سواهم قصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا من القصور في الفَهم، وقد أشار ابن القيم (ت: 751) إلى ذلك فقال: (وكذلك الحالُ في أحكامٍ وقعت في القرآن كان بُدُوُّ افتراضِها أفعالٌ ظهرت من أقوامٍ، فأنزل الله بسببها أحكامًا صارت شرائعَ عامَّةً إلى يوم القيامة، فلم يكن من الصوابِ أضافتها إليهم، وأنهم هم المرادون بها، إلا على وجه ذكر سبب النُّزول فقط، وأن تناولها لهم ولغيرهم تناولٌ واحدٌ)، ثُمَّ قال بعد أن مَثَّل لذلك: (ومن تأمَّلَ خطابَ القرآنِ وألفاظَه، وجلالَةَ المُتَكلِّم به، وعظمةَ مُلكِه،
(1)
أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّختَيَاني، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حُجَّة، من كبار الفقهاء العُبَّاد، مات سنة (131). ينظر: الكاشف 1/ 145، والتقريب (ص: 158).
(2)
الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي الخراساني، أبو علي المكي، الزاهد المشهور، ثقة عابد، مات سنة (187). ينظر: الكاشف 2/ 386، والتقريب (ص: 786).
(3)
ينظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 90، وجامع البيان 9/ 95، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1571، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/ 161، والكشف والبيان 4/ 286، وتفسير ابن كثير 3/ 1479.
(4)
ينظر: الوسيط 2/ 414، وزاد المسير (ص: 520).
(5)
ينظر: جامع البيان 9/ 95، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1571، وبحر العلوم 1/ 572، والكشف والبيان 4/ 286، والوسيط 2/ 414، والوجيز 1/ 415، وتفسير السمعاني 2/ 218، ومعالم التنْزيل 3/ 285، والمحرر الوجيز 2/ 458، وزاد المسير (ص: 520)، والتفسير الكبير 15/ 13، والجامع لأحكام القرآن 7/ 186، ومنهاج السنة النبوية 6/ 179، والبحر المحيط 4/ 396، وتفسير ابن كثير 3/ 1479، والاعتصام (ص: 96)، وتفسير الحداد 3/ 208، وفتح القدير 2/ 356، وروح المعاني 9/ 95، والتحرير والتنوير 9/ 120، والعذب النمير 4/ 1587.
وما أراد به من الهدايةِ العامَّةِ لجميع الأمم، قرنًا بعد قرنٍ إلى آخرِ الدهر، وأنه جعله إنذارًا لكل من بَلَغه من المُكلفين، لم يَخفَ عليه أن خطابَه العامُّ إنَّمَا جُعِلَ بإزاءِ أفعالٍ حسنةٍ محمودةٍ، وأخرى قبيحةٍ مذمومةٍ، وأنه ليس منها فعلٌ إلا والشَّرِكَةُ فيه موجودةٌ أو ممكنةٌ، وإذا كانت الأفعال مُشتَرَكة، كان الوعدُ والوعيدُ المُعَلَّقُ بها مشتَرَكًا، ألا ترى أن الأفعالَ التي حُكِيَت عن أبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأضرابِهم، وعن عبد الله بن أُبَيّ، وأضرابِه، كان لهم فيها شركاءُ كثيرون، حُكمُهُم فيها حُكمُهُم؟ ولهذا عَدَلَ الله سبحانه عن ذكرهم بأسمائهم وأعيانهم، إلى ذكر أوصافهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لئلا يَتَوَهَّم مُتَوَهِّم اختصاصَ الوعيدِ بهم وقصره عليهم، وأنه لا يجاوزهم، فَعَلَّقَ سبحانه الوعيدَ على الموصوفين بتلك الصفات دون أسماءِ من قامت به
(1)
، إرادةً لتعميم الحكم، وتناوله لهم ولأمثالهم ممن هو على مثل حالهم .. ، ولو أن الذين ارتكبوا ما ذكرنا من التفاسير المُستَكرَهَة المُستَغرَبَة، وحملوا العمومَ على الخصوص، وأزالوا لفظَ الآية عن موضوعه، علموا ما في ذلك من تصغير شأن القرآن، وهضمِ معانيه من النفوس، وتعريضه لجهلِ كثيرٍ من الناس بما عَظَّمَ اللهُ قدرَه، وأعلى خَطَرَه، لأَقَلُّوا مما استكثروا منه، ولَزَهِدوا فيما أظهروا الرغبة فيه، وكان ذلك من فعلهم أحسنُ وأجملُ وأولى بأن يُوَفَّى معه القرآنُ بعضَ حَقِّه من الإجلال والتعظيم والتفخيم، ولو لم يكن في تفسير القرآن على الخصوص دون العموم إلا ما يتصوره التَّالِي له في نفسه، من أن تلك الآيات إنما قُصِدَ بها أقوامٌ من الماضين دون الغابرين
(2)
، فيكون نفعه وعائدته على البعض دون البعض، لكان في ذلك ما يُوجِب النُّفرَة عن ذلك، والرغبة عنه)
(3)
.
(1)
في هذا الموضع من هذه الطبعة تكرار لهذه الجملة.
(2)
الغابر: من الأضداد، يطلق على الماضي والمستقبل. ينظر: الأضداد، للأنباري (ص: 129)، ورسالة الأضداد، للمنشي، ضمن ثلاثة نصوص في الأضداد (ص: 150).
(3)
الصواعق المرسلة 2/ 700.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
بيانُ أن ما ذهب إليه بعضُ أصحابِ ابن عيينة (ت: 198) تفريطٌ في فهم المعنى، يُقابلُه إفراطٌ في تحميلِ الآيةِ ما لا تحتمله من المعاني، والحسنةُ بين سيِّئَتين؛ وذلك بتوفيةِ الألفاظ حَقَّها من المعاني بلا زيادةٍ ولا نقص، قال ابن القيم (ت: 751): (والعلمُ بمرادِ المتكلمِ يُعرَف تارةً من عمومِ لَفظِه، وتارةً من عمومِ عِلَّتِه، والحَوَالَةُ على الأوَّل أوضَحُ لأربابِ الألفاظ، وعلى الثاني أوضحُ لأربابِ المعاني والفهم والتدبر، وقد يعرضُ لكُلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مُراد المتكلم، فيَعرِضُ لأربابِ الألفاظِ التقصيرُ بها عن عمومها، وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوقَ ما أُرِيدَ بها تارةً، ويعرض لأربابِ المعاني فيها نظيرُ ما يعرضُ لأربابِ الألفاظ، فهذه أربعُ آفاتٍ هي منشَأُ غَلَطِ الفريقين)، ثُمَّ مَثَّل لذلك، وقال:(ولهذا كان معرفةُ حدود ما أنزل الله على رسوله أصلُ العلم وقاعدته وآخِيَّتُه التي يَرجَعُ إليها، فلا يُخرِج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخِلُ فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقها، ويفهم المراد منها)
(1)
.
* * *
[78]{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة 55].
قيل لأبي جعفر الباقر في هذه الآية: (مَنْ الذين آمنوا؟ قال: الذينَ آمنُوا. وفي لفظ: أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. قيل له: بلغَنَا أنها نَزَلت في علي بن أبي طالب. قال: عليٌّ من الذين آمنوا)
(2)
.
(1)
إعلام الموقعين 2/ 387.
(2)
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم، كما في معاني القرآن، للنحاس 2/ 325، وابن جرير في تفسيره 6/ 389 (9522)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1162 (6547)، والثعلبي في تفسيره 4/ 81، وأبو نعيم في الحلية 3/ 185، وابن عساكر في تاريخ دمشق 54/ 290، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 99 لعبد بن حميد، وابن المنذر. من طُرُق عن عيسى بن يونس، وهُشيم، ويزيد بن هارون، وعَبدَة بن سليمان، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.
وإسناده حسن.
*
تحليل الاستدراك:
ذُكِرَ لأبي جعفر (ت: 114) أن المُراد بالذين آمنوا في الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه خاصًّةً، ومن ذهب إلى ذلك جعل جملة {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة 55] حالًا، وحملوا الركوعَ على ركوعِ الصلاةِ، أي: يؤتون الزكاة حالَ ركوعهم في صلاتهم. واعتمدوا أيضًا سبب النُّزول الوارد، وهو أن رجلًا سألَ صدقةً وكان عليٌّ رضي الله عنه راكعًا في صلاة، فأخرج له خاتَمَه وكان من فِضَّة، وتصدقَ به عليه، فأخبر المسكينُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنزل الله هذه الآية
(1)
. كما يقوي هذا التخصيص صحةُ إطلاقِ الكُلّ وإرادة البعض لُغةً، فتكون هذه الآية من العام الذي أُريدَ به الخصوص
(2)
، وقد صَحَّ في معنى هذه الآية من السنة قوله صلى الله عليه وسلم:(من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)
(3)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق، وابن مردويه، كما في تفسير ابن كثير 3/ 1194، وأخرجه ابن جرير في تفسيره 6/ 389 (9521، 9523 - 9524)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1162 (6549، 6551)، والطبراني في الأوسط 6/ 218 (6232)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: 333) (240)، والثعلبي في تفسيره 4/ 80، والواحدي في أسباب النُّزول (ص: 199)، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 99 لعبد بن حميد، وأبي الشيخ، والخطيب في المتفق والمفترق، وابن عساكر. وجميع طرقه ضعيفةٌ جدًا وموضوعة، وقد بَيَّن عللها ابن كثير في تفسيره عقب كلِّ رواية، ينظر: تفسيره 3/ 1194، وكذا ابن حجر في الكافي الشافِ 1/ 636، وقال ابن تيمية:(وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع). منهاج السنة 7/ 11. وينظر: مجمع الزوائد 7/ 17، والفتح السماوي 2/ 571.
(2)
ينظر: الإشارات الإلهية 2/ 120، وروح المعاني 6/ 458.
(3)
أخرجه أحمد في المسند 4/ 372 (19347)، و 5/ 366 (23156)، وفي فضائل الصحابة 2/ 569 (959)، وابن أبي شيبة في المصنف 6/ 372 (32118)، والترمذي في الجامع 5/ 633 (3713)، والنسائي في الكبرى 5/ 45 (8145)، و 5/ 131 (8468)، وابن حبان في صحيحه 15/ 375 (6931)، والطبراني في الأوسط 1/ 111 (346)، و 2/ 24 (1111)، وفي الكبير 3/ 179 (3049)، و 5/ 195 (5071). من طُرُقٍ، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الإمام أحمد، وصححه ابن جرير، وابن حجر. ينظر: منهاج السنة النبوية 7/ 320، والمطالب العالية 4/ 252، ومختصر زوائد البزار 2/ 306، وتهذيب التهذيب 3/ 171.
وأبطل ابن تيمية عددًا من الزيادات في هذا الحديث كزيادة: (اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه)، و (أنت أولى بكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ) وذكر أنها كذب. ينظر: منهاج السنة النبوية 7/ 319.
وذهب أبو جعفر (ت: 114) إلى أن المُراد بالآية العموم، وهم: الذين آمنوا. ومعتمده في ذلك ظاهرُ لفظ الآية، فإن {الَّذِينَ} [المائدة 55] في الآيةِ من صِيَغ الجمع وألفاظِ العمومِ لُغةً
(1)
، كما يدل عليه سببُ نُزول هذه الآيات وما قبلها، فهي نازلةٌ في عُبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تَبَرَّأ من حلفِ اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين
(2)
. ويدل على عمومها سياق الآيات قبلها وبعدها، قال ابن تيمية (ت: 728): (إنه من المعلوم المُستَفيض عند أهل التفسير خَلَفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن مُوَالاة الكُفار، والأمر بموالاة المؤمنين)
(3)
، ثُمَّ قال: (إن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبر القرآن، فإنه قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة 51]، فهذا نهيٌ عن موالاة اليهود والنصارى، ثُم قال {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
(1)
ينظر: إعراب القرآن، للنحاس 1/ 273، ومنهاج السنة النبوية 7/ 16، وروح المعاني 6/ 460.
(2)
فيما أخرجه ابن إسحاق في المغازي، كما في سيرة ابن هشام 2/ 49، والكافي الشافِ 1/ 630، وابن أبي شيبة في المصنف 6/ 391 (32301)، وابن جرير في تفسيره 6/ 372 (9479 - 9481)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1155 (6506)، والثعلبي في تفسيره 4/ 75، وعزاه السيوطي في الدر 3/ 92 لابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر. وفي أسانيدها ضعفٌ، وبعضها مرسل، وضَعَّفَها في الجملة ابنُ جرير في تفسيره 6/ 374.
واختار ابن جرير والثعلبي و ابن كثير أن هذه الآيات نزلت في عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، وهو المنقول عن أهل السير كالزهري، وابن إسحاق، وذكر ابن تيمية أن هذا هو المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف. ينظر: الكشف والبيان 4/ 80، ومنهاج السنة النبوية 7/ 18، وتفسير ابن كثير 3/ 1190، 1195.
(3)
منهاج السنة النبوية 7/ 18.
دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة 52]، إلى قوله {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة 53]، فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار كالمنافقين، ثم قال {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة 54]، فذكر فعل المرتدِّين و أنهم لن يَضُرُّوا الله شيئًا، و ذكر من يأتي به بَدَلَهُم، ثم قال {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة 55 - 56]، فتضمن هذا الكلامُ ذكرَ أحوالِ من دخل في الإسلام من المنافقين، و مِمَّنْ يرتَدُّ عنه، وحالِ المؤمنين الثابتين عليه ظاهرًا و باطنًا)
(1)
.
كما أن لهذا المعنى نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة 71]، وقوله {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم 4]، ومن سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:(إن آلَ أبي فُلانٍ ليسوا لِي بأولياء، إنما وليِّي اللهُ وصالحُ المؤمنين)
(2)
، قال النووي (ت: 676): (معناه: إنما ولِيِّي من كان صالحًا وإن بَعُدَ نسبًا منِّي، وليس ولِيِّي من كان غيرَ صالِحٍ وإن كان نسبُهُ قريبًا)
(3)
.
*
الحكم على الاستدراك:
لا يُعرَفُ عن أحدٍ من السلف والمفسرين أن هذه الآيةَ خاصَّةٌ بعليٍّ رضي الله عنه فلا تتناول غيره، قال ابن تيمية (ت: 728): (أجمع أهلُ العلم بالنقل على أنها لم تَنْزل في عليٍّ بخصوصه)، والقولُ بالعُموم في الآية هو الصوابُ لُغةً وسَبَبًا وسِيَاقًا، وهو ظاهر
(1)
منهاج السنة النبوية 7/ 19، وينظر: الإشارات الإلهية 2/ 122، 124، وروح المعاني 6/ 459.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 10/ 432 (5990)، ومسلم في صحيحه 1/ 445 (215).
(3)
شرح النووي على مسلم 1/ 445.
الآيةِ المُحتَفُّ بنظائره من الكتاب والسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه:(من أسلَمَ فقد تولَّى الله ورسولَه والذين آمنوا)
(1)
.
وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، والضحاك (ت: 105)، والحسن (ت: 110)، وأبي جعفر الباقر (ت: 114)، والسدي (ت: 128)، وعتبة بن أبي حكيم
(2)
(ت: 147)
(3)
، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهُم
(4)
.
ونَصَّ جماعةٌ من السلف على نفي التخصيص في الآية بقولهم: (عليٌّ من الذين آمنوا)، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه، وأبي جعفر الباقر (ت: 114)، والسُّدي (ت: 128)، وعُتبةُ بن أبي حكيم (ت: 147)
(5)
. وما ورد عن بعضهم من أنها نزلت في علي رضي الله عنه
(6)
فليس مُرادُه أنها لا تتناول غيره، وإنما هو عنده تمثيلٌ لمعنى الآية، وبِهذا يَصِحُّ الإجماع على عموم معنى الآية كما ذكره ابن تيمية (ت: 728) رحمه الله.
(1)
جامع البيان 6/ 389 (9520)، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1162 (6546)، من طريق ابن أبي طلحة.
(2)
عُتبَة بن أبي حكيم الهمْداني، أبو العباس الأُرْدُنِّي، محدث صدوق، مات سنة (147). ينظر: الكاشف 2/ 244، والتقريب (ص: 657).
(3)
ينظر: تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1162، والنكت والعيون 2/ 49، ومعالم التنْزيل 3/ 73.
(4)
المحرر الوجيز 2/ 209، والتفسير الكبير 12/ 26، والإشارات الإلهية 2/ 122. وينظر: جامع البيان 6/ 388، ومعاني القرآن، للنحاس 2/ 325، وإعراب القرآن، له 1/ 273، والوسيط 2/ 201، والوجيز 1/ 325، وتفسير السمعاني 47، ومعالم التنْزيل 3/ 72، والمحرر الوجيز 2/ 209، والتفسير الكبير 12/ 26، وأنوار التنْزيل 1/ 275، والإشارات الإلهية 2/ 124، ومنهاج السنة النبوية 3/ 404، و 7/ 7، والصواعق المرسلة 2/ 697، وتفسير ابن كثير 3/ 1194، وفتح القدير 2/ 73، وروح المعاني 6/ 458، وتيسير الكريم الرحمن 1/ 456، والتحرير والتنوير 6/ 240.
(5)
ينظر: تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1162، وتفسير ابن كثير 3/ 1194.
(6)
ينظر: تفسير مقاتل 1/ 307، وبحر العلوم 1/ 445، وتفسير القرآن العزيز 2/ 33، وتفسير الحداد 2/ 438.
وما ذهب إليه من زَعَم التخصيص
(1)
فليس فيه مُستَمسَك، وقد أجاب عنه العلماء
(2)
بِما يأتي:
أولًا: سبب النُّزول المذكور باطلٌ موضوعٌ كما سبق تخريجه.
ثانيًا: الأصل بقاء العام على عمومه، ولا يُصَارُ إلى التخصيص- فضلًا عن إرادة الخصوص- إلا بدليل صحيح صريح يتعيَّنُ المصير إليه. قال البيضاوي (ت: 685): (مع أن حمل الجمع على الواحد أيضًا خلاف الظاهر)
(3)
.
ثالثًا: أن حملَ الواو في قوله {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة 55] على العطف هو الأكثر، وهي المعروفة المُتبادرة في مثل هذا الخطاب
(4)
، ولا دليل على أنها واو حال لا من السياق ولا من خارجه.
رابعًا: أن الآيةَ جاءت في بيان وصف المؤمنين الذين هم أهل الولاية، فوصفهم الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومُداوَمَة الركوع، والتعبير بالجملة الإسمية- {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة 55]- مُفيدٌ للدوام والثبات على هذا الوصف، وإكثارهم من
(1)
أجمع الشيعة، وادَّعوا إجماع غيرهم على أن هذه الآية خاصَّةٌ بعليٍّ رضي الله عنه. ينظر: فقه القرآن، لقطب الدين الراوندي 1/ 116، ومتشابه القرآن، للمازندراني 2/ 30، ومنهاج السنة النبوية 7/ 5. والرافضةُ هم أكثرُ طوائف أهل الباطل ادِّعاءً لتخصيص عمومات الكتاب والسنة، قال ابن القيم (ت: 751): (فقلَّ أن تجد في القرآن والسنة لفظًا عامًّا في الثناء على الصحابة إلا قالوا: هذا في عليٍّ وأهلِ البيت). الصواعق المرسلة 2/ 688.
(2)
أبطل ابن تيمية دعوى الشيعة في هذه الآية من تسعةَ عشرَ وجهًا، اُستُفيدَت جملةُ الردود منها مُلَخَّصَةً. ينظر: منهاج السنة 7/ 7. كما أطالَ الردَّ عليهم الطوفي في الإشارات الإلهية 2/ 122، والآلوسي في روح المعاني 6/ 458.
(3)
أنوار التنْزيل 1/ 275، وينظر: التفسير الكبير 12/ 25، والإشارات الإلهية 2/ 123.
(4)
وهي أُمُّ الباب بإجماع النحاة. ينظر: رصفُ المباني (ص: 473)، ومغني اللبيب 1/ 665، والأشباه والنظائر، للسيوطي 2/ 118، والأمهات في الأبواب النحوية (ص: 241).
النوافل بعد الفرائض
(1)
، وهذه الآية بمنْزلة قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:(من عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه)
(2)
.
خامسًا: أن ثَناء الله تعالى على هذا الفعل في الصلاة يجعله دائرًا بين الوجوب والاستحباب؛ لأن الله تعالى لا يُثني إلا على ما هو محمودٌ عنده، والصدقةُ والهدية والعتق والهبة والإجارة والنكاح والطلاق ونحوها من العقود ليست مُستحبة ولا واجبةٌ في الصلاة باتفاق المسلمين، بل كثيرٌ منهم يُبطِل الصلاة بمثل ذلك وإن لم يتكلم فاعله، بل تبطل بالإشارة المفهومة
(3)
. ثُمَّ مُقتَضى إقامة الصلاة المذكور في الآية خُلُوُّها من أي عملٍ فيها من غير جنسها ولو قيلَ بإباحته.
(4)
سادسًا: أنه لو قُدِّر أن هذا مشروعٌ في الصلاة لم يختص به الركوع، بل فعله في القيام والقعود أولى منه وأيسر. فإن قيل: أُرِيدَ بهذا التعريف، لا المدح بالوصف. قيل: وكيف يُتركُ تعريفُ علي رضي الله عنه بالأمور الكثيرة المعروفة الظاهرة، ويُعرَّفُ بأمرٍ لا يعرفه إلا من سمعه وصَدَّقه؟!
سابعًا: أن حمل لفظ الزكاة على التصدُّق بالخاتم فيه بُعدٌ؛ لأن الزكاة لا تأتي إلا
(1)
ينظر: التحرير والتنوير 6/ 240.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 11/ 348 (6502).
(3)
ينظر: المحلى 3/ 51، والمجموع 4/ 20، والمغني 2/ 245، والإشارات الإلهية 2/ 123، وتفسير ابن كثير 3/ 1194.
(4)
ينظر: روح المعاني 6/ 460. وقد فَرَّع الجصاص في أحكام القرآن 2/ 557 على تصدُّقِ علي رضي الله عنه في الصلاة: إباحةَ العمل اليسير فيها. واجتهد في إثبات ذلك، وكذا فعل ابنُ الفرس المالكي في أحكام القرآن (مخطوط، ص: 71)، وينظر: الإكليل 2/ 648. ورُبَّما أمكن الاستدلال لذلك من غير هذه القصة الباطلة.
بلفظها المختصِّ بها، وهو: الزكاة المفروضة.
(1)
ثامنًا: مُقتضى الآية على هذا القول: أن عليًّا رضي الله عنه آتى الزكاة حالَ ركوعه. وعليٌّ رضي الله عنه مِمَّنْ لم تجِب عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولًا، وعليٌّ رضي الله عنه لم يكن من هؤلاء.
(2)
تاسعًا: أن المُراد بالوَلاية في الآية: المحبةُ والنصرة والإعانة. فهي ولايةٌ في الدين، وليس يُرادُ بها: الوِلاية، التي هي الإمارة والسلطنة. والفرقُ بينهما ظاهِرٌ معروف، فالأمير يُسَمَّى الوالي، ولا يُسمَّى الوليّ، فلفظ الوَليّ والوَلاية غير لفظ الوالي، والآيةُ عامَّةٌ في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامَّة. قال أبو عبيد (ت: 224): (فالمولَى والوَليُّ واحد، والدليل على هذا قوله عز وجل {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة 257]، ثُمَّ قال في موضعٍ آخَر {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد 11]، فمعنى حديث النبيصلى الله عليه وسلم - من كنت مولاه-: في ولاية الدين، وهي أجَلُّ الولايات)
(3)
.
عاشرًا: أن الله سبحانه لا يُوصَفُ بأنه مُتَوَلٍّ على عباده، أو أميرٌ عليهم، جل جلاله وتقدست أسماؤه، فإنه خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم، وله الخلق والأمر. بل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا لا يُقال إنه مُتَوَلٍّ على الناس وأميرٌ عليهم، فإن قدرَه أجلُّ من ذلك.
حادي عشر: ومن ثَمَّ فلا حُجَّة لهم في قوله صلى الله عليه وسلم: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)؛ لأن معناه كما قال أبو عبيد (ت: 224): (من كنت وليًّا له أُعينه وأنصره، فعليٌّ يعينه وينصره في الدين)
(4)
.
(1)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 144.
(2)
ينظر: طبقات ابن سعد 3/ 17، والتفسير الكبير 12/ 27، والسير، قسم الخلفاء الراشدون (ص: 244).
(3)
معاني القرآن، للنحاس 2/ 325. وينظر: التفسير الكبير 12/ 24، وروح المعاني 6/ 459.
(4)
تفسير السمعاني 2/ 48، وينظر: نكت القرآن 1/ 210، والغريبين 6/ 2034.
ثاني عشر: أنه ليس كُلُّ من تَوَلَّى عليه إمامٌ عادلٌ يكون من حزب الله، ويكون غالبًا، فإن أئمة العدل يتوَلَّون على المنافقين والكُفار، كما كان تحت حكم النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ذِمِّيُون ومنافقون.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: أن تخصيص عموم المعاني القرآنية بلا دليل تحريفٌ لمعاني كتاب الله تعالى، وقصورٌ عن ملاحظة العموم في اللفظ، ووقوفٌ بالآيةِ دون ما تشتمل عليه من المعاني، وهذا تقصير في الفهم يبعث عليه غالبًا الجهلُ والهوى
(1)
، وقد عَدَّ الأصفهاني (ت: 749) هذا القصرَ من التأويل المُستَكرَه؛ وهو ما يُستَبْشَعُ إذا سُبِرَ بالحُجَّة
(2)
، وقال ابن القيم (ت: 751): (وهكذا تجدُ كلَّ أصحاب مذهب من المذاهب إذا ورد عليهم عامٌّ يخالفُ مذهبهم ادَّعوا تخصيصه، وقالوا: أكثرُ عمومات القرآن مخصوصةٌ. وليس ذلك بصحيح، بل أكثرُها محفوظةٌ باقيةٌ على عمومها. فعليك بحفظ العموم فإنه يخلصك من أقوال كثيرةٍ باطلة)
(3)
.
ثانيًا: من أهم أسباب الغلط في التفسير: الجهل بلغةِ العرب عمومًا، وبالفروق اللغوية بين الألفاظ المُتشابهة وحملها على معنىً واحدٍ خصوصًا، وهو من أبواب التحريف المَطروقة عند المبتدعة، قال الحسن (ت:): (أهلكتكم العُجْمَةُ، تتأوَّلون القرآنَ على غير تأوِيلِه)
(4)
، وقال الزهري (ت: 124): (إنما أخطأَ الناسُ في كثيرٍ من تأويلِ القرآن لجهلهم بلغة العرب)، وقال أبو عبيد (ت: 224): (سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت أيوب السختياني يقول: عامَّةُ من
(1)
سبق بيان هذا في الاستدراك رقم (77)(ص: 366).
(2)
مقدمات تفسير الأصفهاني (ص: 134).
(3)
الصواعق المرسلة 2/ 689.
(4)
خلق أفعال العباد (ص: 61، 102)(236، 410)، والاعتصام (ص: 181، 504).
تزندَقَ بالعراق لجهلهم بالعربية)
(1)
، وقال الدارمي (ت: 280) مُبَيِّنًا أثر المبتدعة في اللغة: (لقد تَقَلَّدتَ أيها المُعارض من تفاسير هذه الأحاديث أشياء لم يسبقك إلى مثلها فصيحٌ ولا أعجميّ، ولو قد عِشتَ سِنينَ لقلَبتَ العربيةَ على أهلها)
(2)
.
* * *
[79]{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء 47].
قال ابنُ قتيبة في قوله تعالى {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء 47]: (قال أبو عبيدة: (يريدون بشرًا ذا سَحْرٍ؛ ذا رِئَةٍ)
(3)
، ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سَبَقَ التفسيرُ من السلف بما لا استكراهَ فيه، قال مجاهد في قوله {رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء 47]:(أي: مخدوعًا)
(4)
؛ لأن السِّحْرَ حِيلةٌ وخَديعةٌ. وقالوا في قوله {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون 89]: (أي: من تخدعون؟)
(5)
، {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء 153] (أي: المُعَلَّلِين)
(6)
، وقال امرؤ القيس
(7)
:
(1)
خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأوّل (ص: 63).
(2)
نقض الدارمي على المريسي 2/ 747. وينظر: الرسالة (ص: 51)، وتهذيب اللغة 1/ 6، ومجموع الفتاوى 7/ 119، والموافقات 4/ 224، و 5/ 53، والاعتصام (ص: 503)، وأسباب الخطأ في التفسير 2/ 982.
(3)
ينظر: مجاز القرآن 1/ 381، وجامع البيان 15/ 121، وتهذيب اللغة 4/ 171.
(4)
ينظر: تفسير مجاهد 1/ 362، وجامع البيان 15/ 120، وزاد المسير (ص: 815).
(5)
ينظر: جامع البيان 18/ 64، ونزهة القلوب (ص: 179).
(6)
ينظر: جامع البيان 18/ 64، والزاهر، لابن الأنباري 1/ 206، والدر 6/ 285.
(7)
امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث بن عمرو الكندي، ذو القروح، الملك الضِّلِّيل، من رؤوس الشعراء وكبرائهم، مات مسمومًا. ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 51، والشعر والشعراء (ص: 41)، والأغاني 9/ 59.
والبيت في ديوانه (ص: 63) وصدره: أرانا موضِعِين لأمْرِ غَيْبٍ.
ونُسْحَرُ بالطَّعَامِ وبالشَّرَاب
أي: نُعَلَّلُ فَكَأنا نُخدَع. وقال لبيد
(1)
:
فإن تَسْأَلِينا فِيمَ نحنُ؟ فإننا
…
عَصافِيرُ من هذا الأنامِ المُسَحَّرِ
أي: المُعَلَّل. والناس يقولون: (سَحَرْتَني بكلامك)، يريدون: خَدَعتَني
(2)
. وقوله {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} [الإسراء 48] يدلُّ على هذا التأويل؛ لأنهم لو أرادوا رجلًا ذا رِئَةٍ لم يكن في ذلك مثلٌ ضربوه، ولكنهم لمَّا أرادوا رجلًا مخدوعًا- كأنه بالخديعة سُحِر- كان مثلًا ضربوه، وتشبيهًا شبَّهوه. وكأنَّ المشركين ذهبوا إلى أن قومًا يعلِّمونه ويخدعونه، وقال الله في موضع آخرَ حكايةً عنهم {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل 103]، وقول فرعون {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء 101] لا يجوز أن يُراد به: إني لأظنك إنسانًا ذا رئة. وإنما أراد: إني لأظنك مخدوعًا)
(3)
.
*
تحليل الاستدراك:
ذهب أبو عبيدة (ت: 210) إلى أن المُراد بالمَسْحُورِ في الآية: بشرًا ذا سَحْرٍ، أي: رِئَةً. فصار المعنى عنده: ما تَتَّبعون أيها المؤمنون إلا بشرًا كالبشر يأكُل ويشرب. وقد أراد المشركون النبيَّ مَلَكًا لا يأكل ولا يشرب
(4)
، قال تعالى {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} [الأنعام 8]، وقال {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود 12]. واعتمد أبو عبيدة (ت: 210) فيما ذهب إليه صحَّةَ المعنى لُغةً
(5)
، واستشهد عليه بالبيتين السابقين،
(1)
ينظر: ديوانه (ص: 103).
(2)
ينظر: الزاهر، لابن الأنباري 1/ 206.
(3)
تفسير غريب القرآن (ص: 217).
(4)
ينظر: مجاز القرآن 1/ 382، وأمالي المرتضى 1/ 578.
(5)
وينظر: إصلاح المنطق (ص: 19، 91).
وكذا اعتمد نظائر هذا المعنى في غيرما آية كما سبق، ومن أظهر نظائره قوله تعالى {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء 153 - 154]، فالسياق ظاهر في أن مرادهم بالمُسَحَّر- أي: المسحور-: المخلوق، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنه.
(1)
ورَدَّ ابنُ قتيبة (ت: 276) هذا القول، ووصفه بالقول المُستَكرَه، وفسَّر المسحور في الآية: بالمخدوع. واعتمد في ذلك وروده عن السلف قبله، كما حكاه عن مجاهد (ت: 104)؛ وذلك أنهم أعلم بالتفسير، وأيده بمجيئه في القرآن الكريم بهذا المعنى في عدد من الآيات منها ما ذكر، ومن أظهر نظائرها قوله تعالى عن فرعون {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا} [الإسراء 101]، إذ لا يصح أن يُراد به إنسانًا ذا رئة، وإنما أراد: مخدوعًا، كما ذكر ابن قتيبة (ت: 276). ودَلَّلَ على هذا المعنى بصحته لُغةً، واستشهد عليه بالبيتين السابقين، وبانتشاره بهذا المعنى على ألسنة الناس، وبدلالة السياق بعده صراحة عليه.
*
الحكم على الاستدراك:
أصلُ كلمة "سَحَر" في اللغة يدل على: الخديعة. كما يدل على: عضو من الأعضاء
(2)
. فكلاهُما معنىً صحيح لهذه اللفظة، ولِكِلا المعنيين نظائر في كتاب الله تعالى تشهد له كما سبق، وقد قال ابن جرير (ت: 310) عن قول أبي عبيدة (ت: 210) هذا أنه: (غير بعيد من الصواب)
(3)
.
غير أن قول ابن قتيبة (ت: 276) يترجح من ثلاث جهات ذكرها في استدراكه، وهي:
(1)
جامع البيان 19/ 125 (20320)، من طريق أبي صالح.
(2)
ينظر: تهذيب اللغة 4/ 169، وجمهرة اللغة 1/ 511، والزاهر، لابن الأنباري 1/ 206، ومقاييس اللغة 1/ 589.
(3)
جامع البيان 15/ 121.
أولًا: أنه المذكور عن السلف، كمجاهد (ت: 104)، ولم يُنقَل عن أحد منهم تفسيرها هنا بما ذكر أبو عبيدة (ت: 210).
ثانيًا: دلالة السياق، وهي أقوى جهات الترجيح هنا؛ لعدم استقامة المعنى الأول به.
(1)
ثالثًا: أنه المعنى الأشهر والمتبادر لكلمة "مسحور"، قال النحاس (ت: 338): (والقول الأول- قول مجاهد- أنسب بالمعنى، وأعرفُ في كلام العرب)
(2)
، وقال ابن كثير (ت: 774): (مسحور: من السِّحْر، على المشهور)
(3)
.
ثُم هو كذلك اختيار أكثر المفسرين
(4)
، ولا يبعدُ عنه من فَسَّرَه بأنه: المغلوب على عقله
(5)
. بل هُما بمعنىً؛ فإن المخدوع مغلوبٌ على عقله.
ويُورَد على المعنى الذي ذكره أبو عبيدة (ت: 210) عدمُ استقامته مع نفس اللفظة في مواضع أُخر من القرآن، كالآية التي أوردها ابن قتيبة (ت: 276) فيما حكاه الله تعالى عن فرعون
(6)
. وما ذُكِر عن ابن عباس رضي الله عنه في شواهد المعنى لا يصح؛ لضعف أبي صالح، وانقطاعه بينه وبين ابن عباس رضي الله عنه. والمعروف عن أبي صالح (ت: 121) تفسير تلك الآية: بالمخدوعين.
(7)
(1)
ينظر: المحرر الوجيز 3/ 461، والبحر المحيط 6/ 41.
(2)
معاني القرآن 4/ 161.
(3)
تفسير القرآن العظيم 5/ 2098.
(4)
ينظر: معاني القرآن، للنحاس 4/ 161، وتفسير القرآن العزيز 3/ 24، وتفسير المشكل من غريب القرآن (ص: 137)، والوسيط 3/ 111، والوجيز 2/ 636، وتفسير السمعاني 3/ 246، والمحرر الوجيز 3/ 461، وزاد المسير (ص: 815)، والتسهيل 2/ 331، والبحر المحيط 6/ 40، وبهجة الأريب (ص: 125)، وتفسير ابن كثير 5/ 2098.
(5)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 260، وبحر العلوم 2/ 271، والكشف والبيان 6/ 105، والكشاف 2/ 645، والتفسير الكبير 20/ 179، والجامع لأحكام القرآن 10/ 177، وفتح القدير 3/ 322.
(6)
ينظر: بدائع الفوائد 2/ 743.
(7)
ينظر: الدر 6/ 285.
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: يظهر جلِيًّا من هذا الاستدراك بدايات النَّقدِ الموَسَّع للأقوال في التفسير في عصر السلف، وفي تحرير ابن قتيبة (ت: 276) لهذا الاستدراك يبرز بوضوح منهج المُفَسِّر الناقد، فبالإضافة إلى نقل الأقوال والإحاطة بها، نَجد تحريرها لُغةً، والاستشهاد عليها بكلام العرب، واعتبار نظائر معانيها في القرآن الكريم، واستقامتها فيها وعدم تناقضها، وكذا نقل أقوال السلف، وتقديمها، وعدم مخالفتها، ثم بيان مدى مناسبة المعاني للسياق، واشتهارها على الألسن.
وهذا التحرير من ابن قتيبة (ت: 276) في هذه الآية، يُشبِه أن يكون أُنموذجًا لمنهج السلف في التفسير، وبمراعاة هذه الجوانب وتحقيقها يسهل الوصول إلى معاني الآيات ومقاصدها، كما يسهل تمييز الأقوال فيها وحصرها، ومعرفة صحيحها ومقبولها ومردودها، ومن ثَمَّ تجتمع الأقوال، ويقلُّ الخلاف، ويصح الاستنباط والاستشهاد.
ثانيًا: في قول ابن قتيبة (ت: 276): (ولستُ أدري ما اضطره إلى هذا التأويل المُستَكرَه؟! وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه)، إشارة إلى لزوم اعتبار أقوال السلف أولًا، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها بما يخرج عنها ويناقضها، وأن عدم مراعاة ذلك يوقع في الخطأ في التفسير. وقد تميز ابن قتيبة (ت: 276) بين أهل اللغة بالاستفادة من أقوال السلف حتى في بيان الغريب
(1)
، كما أن إغفال هذا الجانب من أظهر ما أُخِذَ على أبي عبيدة (ت: 210) في كتابه "مجاز القرآن".
(2)
* * *
(1)
ينظر: تفسير غريب القرآن (ص: 10)، والتفسير اللغوي (ص: 369).
(2)
ينظر: جامع البيان 1/ 282، ومعاني القرآن، للنحاس 1/ 403، وطبقات النحويين واللغويين (ص: 167)، والمُعرَّب، للجواليقي (ص: 83)، ومعجم الأدباء 6/ 2707، والتفسير اللغوي (ص: 348، 560).
قال يحيى بن سَلاَّم في قوله تعالى {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور 4]: (العاصون، وليس بفسق الشرك، وهي كبيرة)
(1)
.
*
تحليل الاستدراك:
نفى ابنُ سلاَّم (ت: 200) أن يكون المُراد بالفِسقِ في الآية: فسق الشرك، المُخرج من المِلَّة. ومن ذهب إلى ذلك اعتمدَ صحةَ هذا المعنى لُغةً، فإنَّ الفسق مُطلَقُ الخروج عن الطاعة
(2)
، فيدخل فيه الخروج من الإسلام إلى الشرك. وهو الظاهر من اقترانه ب"ألْ" المفيدة للاستغراق والعموم، كما أن تقدم ضمير الفصل "هُمْ" يفيد اختصاصهم بصفة الفسق، وتمحضهم بها، وذلك حين كونهم مشركين. ثُم قد تكرر الاستعمال القرآني لكلمة الفسق بمعنى الشرك في غيرما آية، منها قوله تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة 67]، وهذه الآية نظير آية النور تركيبًا ومعنىً، قال الشوكاني (ت: 1250): (وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق)
(3)
. ومن النظائر كذلك قوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف 50]. بل الأعم الأغلب في زمن التنْزيل إطلاق الفاسق على الكافر، قال ابن الوزير
(4)
(ت: 840): (قد ورد في السمع ما يدل
(1)
تفسيره 1/ 428.
(2)
ينظر: مقاييس اللغة 2/ 354، وسيأتي بيان المعنى اللغوي بتوسع.
(3)
فتح القدير 2/ 539، وينظر: روح المعاني 18/ 402، والتحرير والتنوير 18/ 159.
(4)
محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى، أبو عبد الله الحسني اليمني، المعروف بابن الوزير، إمام فقيه أصولي، صنف العواصم والقواصم، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، وغيرها، مات سنة (840). ينظر: الضوء اللامع 6/ 272، والبدر الطالع 2/ 81.
على أن الفاسق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يُطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة 67]، وقوله {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ} [البقرة 99]، وقوله {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة 20])، وذَكَرَ آياتٍ كثيرةً ثم قال:(فهذه الآيات دالَّةٌ على أن الفاسق في العرف الأول يُطلَق على الكافر، ويسبق إلى الفهم)
(1)
.
وذهب ابنُ سلاَّم (ت: 200) إلى أن المُرادَ بالفِسقِ في الآية: فسق المعصية، غير المُخرجِ من المِلَّة. ومعتمده في ذلك صحة المعنى لُغةً، فالعاصي خارجٌ عن الطاعة. وكذلك دلالة السياق؛ فإنه في الحديث عن قذف المسلم لأخيه المسلم. ولهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، منها قوله {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة 197]، فسمى محظورات الإحرام ونحوها من المعاصي فسوقًا، كما سمى الكاذب فاسقًا في قوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات 6]، وعَدَّ التنابز بالألقاب فسوقًا في قوله {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} [الحجرات 11]، وقد جاءت السنة بإطلاق اسم الفسق على العاصي، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:(سباب المسلم فسوق)
(2)
، قال اللالكائي (ت: 418): (إن المسلم إذا سَبَّ المسلم وقذفه فقد كذب، والكذاب فاسق، فيزول عنه اسم الإيمان)
(3)
. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الفُسَّاق هم أهل النار)، قيل: يا رسول الله ومن الفُسَّاق؟ قال: (النساء)، قال رجل: يا رسول الله أوَ لَسْنَ أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: (بلى،
(1)
العواصم والقواصم 2/ 160 باختصار، وينظر: إيثار الحق على الخلق (ص: 407)، وتفسير المنار 1/ 239.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 135 (48)، ومسلم في صحيحه 1/ 241 (116).
(3)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 6/ 1093.
ولكنهن إذا أُعطِينَ لم يشكُرنْ، وإذا ابتُلِينَ لم يَصْبرنْ)
(1)
.
*
الحكم على الاستدراك:
الفسق لُغةً: الخروج عن الشيء، والعرب تقول: فَسَقَتْ الرُّطبَةُ من قشرها. إذا خرجت. ويقال: فسق الرجل. إذا فجر، وخرج عن الطاعة
(2)
، قال ابن الأنباري (ت: 328): (قال أهل اللغة: الفاسق معناه في كلام العرب: الخارج عن الإيمان إلى الكفر، وعن الطاعة إلى المعصية)
(3)
.
وذلك معناه شرعًا
(4)
، ثُمَّ هو في الإسلام على قسمين- أشار إليهما ابن الأنباري-:
الأول: فسقٌ مُخرجٌ من الملَّة، وهو فسق الشرك.
الثاني: فسقٌ غيرُ مُخرجٍ من الملَّة، وهو فسق المعصية.
وهذه القسمة ثابتةٌ شرعًا، مشهورة عن السلف رضي الله عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنه:(كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسمٍ، مثلُ: خاسر، ومُسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذَّنب)
(5)
، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه، وطاووس (ت: 106)، وعطاء (ت: 114)، وغيرُ واحد من أهل
(1)
أخرجه أحمد في المسند 3/ 428 (15570)، والحاكم في المستدرك 2/ 207 (2773) وصححه، وقال الهيثمي في المجمع 4/ 73: رجاله ثقات. وإسناده صحيح.
(2)
ينظر: جامع البيان 1/ 262، وتهذيب اللغة 8/ 315، وتفسير غريب القرآن (ص: 31)، ومقاييس اللغة 2/ 354، والصَّحاح 4/ 1543.
(3)
الزاهر 1/ 120.
(4)
ينظر: جامع البيان 1/ 262، والمفردات (ص: 636)، والمحرر الوجيز 1/ 112، وزاد المسير (ص: 51)، ومجاز القرآن، للعز بن عبد السلام (ص: 412)، وعمدة الحفاظ 3/ 230، وروح المعاني 1/ 284.
(5)
جامع البيان 1/ 267، والدر المنثور 1/ 97.
العلم قولهم: (كُفرٌ دون كفر، وفِسقٌ دون فسق)
(1)
، قال المروزي
(2)
(ت: 294): (الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيُسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا)
(3)
. ثُمَّ ما ورد في النص تسميته فسقًا من الذنوب يكون أعظم مما لم يُسَمَّ بذلك، قال البيضاوي (ت: 685): (والفسق إذا استُعمل في نوع من المعاصي دَلَّ على عظمته، كأنه مُتجاوزٌ عن حَدِّه)
(4)
، بل قد خُصَّ الفاسقُ عرفًا واستعمالًا بمن ارتكب كبيرة، أو أصرَّ على صغيرة، قال الأصفهاني (ت: بعد 450): (والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تُعُورِف فيما كان كثيرًا)
(5)
، وقال ابن حجر (ت: 852): (والفسق في عُرف الشرع أشدُّ من العصيان)
(6)
، وقد أشار إلى ذلك ابنُ سلاَّم (ت: 200) في هذه الآية بقوله: (وهي كبيرة).
ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين صحيحٌ لُغَةً، مُستَعمَلٌ في القرآن الكريم
(7)
، ويتحدد أيُّ نوعيه هو المراد بحسب السياق، كما سبق عن ابن عباس رضي الله عنه، فإن كان السياق في الكافرين فهو فسق الشرك، وإن كان في المؤمنين فهو فسق المعصية، ولا يصح حمل جميع ما في القرآن منه على معنىً واحد.
(1)
جامع البيان 6/ 347، وجامع الترمذي 5/ 21.
(2)
محمد بن نصر بن الحجاج المروزي، أبو عبد الله الحافظ، إمام في الحديث والسنة والأثر، صنف: تعظيم قدر الصلاة، واختلاف الفقهاء، وغيرها، توفي سنة (294). ينظر: السير 14/ 33، وطبقات الشافعية الكبرى 2/ 246.
(3)
تعظيم قدر الصلاة 2/ 526، وينظر: مجموع الفتاوى 11/ 140، 143، و 7/ 524، وكتاب الصلاة، لابن القيم (ص: 75).
(4)
أنوار التنْزيل 1/ 83.
(5)
المفردات (ص: 636).
(6)
فتح الباري 1/ 138، وينظر: التفسير الكبير 23/ 142، وروح المعاني 1/ 284.
(7)
ينظر: الأشباه والنظائر، لمقاتل (ص: 328)، والوجوه والنظائر، للدامغاني (ص: 368)، ونزهة الأعين النواظر (ص: 465).
وحيثُ كان سياقُ الآيات هنا واضحًا في المؤمنين؛ في بيان أحكام الزنا حَدًّا ونِكاحًا وقَذفًا، فالصواب أن المُراد بالفسق هنا: فسقُ المعصيةِ. كما ذكر ابنُ سَلاَّم (ت: 200)، وكذا سعيد بن جبير (ت: 95)، ومقاتل (ت: 150)، وابن زيد (ت: 182)، وابن نصر المروزي (ت: 294)، والسمرقندي (ت: 375)، وابن أبي زمنين (ت: 399)، والواحدي (ت: 468)، وابن القيم (ت: 751)
(1)
، وعليه عامَّةُ العلماءِ والمفسرين.
(2)
ولم أجد من فسر الفسق هنا بالشرك، غيرَ أنه جارٍ على أصول الخوارج في التكفير بالكبيرة
(3)
، والمعتزلة وإن قالوا إن مرتكب الكبيرة في منْزلة بين المنْزلتين؛ لا كافر ولا مؤمن
(4)
، والأباضية وإن سَمَّوا مرتكب الكبيرة كافرًا كفر نعمة، أو كفر نفاق
(5)
= فإنهم جميعًا موافقون للخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار يوم القيامة.
فتفسير الفسق هنا بالشرك، موافقٌ لرأي الخوارج صراحةً، وهو ما يؤول إليه قول المعتزلة والأباضية، باعتبار خلود الفاسق يوم القيامة مع المشركين
(6)
. قال هود
(1)
ينظر: تفسير مقاتل 2/ 408، وتعظيم قدر الصلاة 2/ 526، وجامع البيان 18/ 100، وتفسير ابن أبي حاتم 8/ 2531، وبحر العلوم 2/ 427، وتفسير القرآن العزيز 3/ 222، والوسيط 3/ 305، وكتاب الصلاة، لابن القيم (ص: 75).
(2)
ينظر: المحرر الوجيز 4/ 165، والجامع لأحكام القرآن 12/ 119، وتفسير الحداد 5/ 43، وروح المعاني 18/ 402، وفتح القدير 4/ 12.
(3)
ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: 86)، والفرق بين الفرق (ص: 55).
(4)
ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: 269)، وشرح الأصول الخمسة (ص: 471)، والملل والنحل 1/ 48.
(5)
ينظر: مقالات الإسلاميين (ص: 110)، والفرق بين الفرق (ص: 97)، وهِميان الزاد إلى دار المعاد 1/ 204، و 3/ 443، وتيسير التفسير 1/ 113. ووافقهم في تسميته منافقًا: عمرو بن عبيد، من رؤوس المعتزلة. ينظر: أمالي المرتضى 1/ 165، وشرح الأصول الخمسة (ص: 482).
(6)
ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أن الخلاف في مرتكب الكبيرة بين المعتزلة والخوارج والأباضية خلافٌ لفظي؛ لأن المآلَ واحدٌ عند الجميع وإن اختلفوا في الألفاظ، وإنما خفَّفَت المعتزلة- وتبعهم الأباضية- من أحكام مرتكب الكبيرة في الدنيا، فغيرت اسمه، ولم تُحل دمه وماله. ينظر: الفرق بين الفرق (ص: 119)، وشرح العقيدة الطحاوية 2/ 444، وتأثير المعتزلة في الخوارج والشيعة (ص: 20، 379).
بن مُحَكِّم الأباضي
(1)
في تفسيره المختصر من تفسير ابن سلاَّم (ت: 200)، عند آية النور هذه:(أي: العاصون، وليس بفسق الشرك، ولكن فسق النفاق، وهي كبيرة من الكبائر الموبقات)
(2)
، ومع أن الأصل في المُختَصِر تقليل عبارة الأصل، إلا أن التصرف في عبارة صاحب الأصل وتحويرها
(3)
، حمَلَ المُختَصِر على إقحام عبارة:(فسق النفاق) في وصف صاحب الكبيرة هنا، لتوافق رأيه، وتُبين مذهبه.
(4)
ومن مسائل هذا الاستدراك:
أولًا: إن معرفة واقع المفسر له أثرٌ جليل في معرفة وجه اختياره ومأخذ تفسيره، وهذا جليٌّ جدًا في تفاسير السلف واختياراتهم، وقد مضت الإشارة إلى ذلك والتمثيل له
(5)
، ومن ذلك تخصيص ابنُ سلاَّم (ت: 200) قولَ الخوارج والأباضية بالرد في هذه الآية، وإن لم يكن قولًا معروفًا أو مذكورًا عند أهل السنة؛ لكن لآثارهم السياسية
(1)
هود بن مُحَكِّم الهواري الأوراسي، مفسر من علماء الأباضية، عاش في القرن الثالث الهجري، وصنف: تفسير القرآن العزيز. مُختَصِرًا فيه تفسير يحيى بن سلاَّم. ينظر: معجم المفسرين 2/ 713، ومقدمة محقق تفسيره 1/ 42.
(2)
تفسير كتاب الله العزيز 3/ 162.
(3)
كثيرًا ما يُقحم المؤلفُ نحو هذه المصطلحات العقدية الأباضية في ثنايا كلام ابن سلاَّم، وقد أشار محقق هذا التفسير: بالحاج بن سعيد شريفي- أباضي- إلى ذلك في مقدمة تحقيقه، وينظر: التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا 2/ 810، ويتضح ذلك جليًا بمقارنه اختصاره باختصار ابن أبي زمنين في هذه الآية وغيرها من المواضع.
(4)
وقال ابن أطفيِّش الأباضي (ت: 1332) عند هذه الآية: (الفاسقون أي: الفاعلون لكبيرة نفاق عظيمة). هِميان الزاد 11/ 218.
(5)
ينظر: الاستدراك رقم (41)(ص: 229 - 230).
والاجتماعية في ذلك الوقت
(1)
، ولواجب البيان والبلاغ، بَيَّن رحمه الله بطلان هذا القول، في ذلك المقام.
ومن ثَمَّ ينبغي أن لا تخلوا كتب التفسير في كلِّ زمان من مثل هذه الإشارات والوقفات؛ سيرًا على نهج السلف في هذا الباب، وربطًا للناس بكتاب الله تعالى واقعًا وسلوكًا، وردًا للباطل وأهله من كل سبيل.
ثانيًا: تتلخص الأصول المنهجية للاختصار في ثلاثة أصول:
الأول: صحة الفهم.
الثاني: حسن البيان.
الثالث: سلامة المقصد.
فالأصل الأول يعصم من سوء الفهم، قلا يُبنَى المُختَصَر على ما لم يُرِده صاحب الأصل. والأصل الثاني يعصم من الخطأِ في إيصال مُراد صاحب الأصل. والأصل الثالث يعصم من تحريف مُراد صاحب الأصل، بزيادة أو نقص أو تصرُّفٍ في العبارة على وجه يُحيل المعنى إلى خلاف مُراد المؤلف، وعلى ما يوافق رأي المُختَصِر
(2)
. وأكثر ما يقع الخلل في مُختصرات التفسير من الإخلال بهذا الأصل، وعلى الأخص عند التخالف في الاعتقاد. وهو ما عُرِضَ لمثاله في اختصار هود بن محَكِّم لعبارة ابن سلاَّم (ت: 200) رحمه الله.
(3)
(1)
مكث ابنُ سَلاَّم (124 - 200) بأفريقية عشرين عامًا، عاصر فيها عددًا من حركات الأباضية في الشمال الأفريقي، والتي بدأت عام (131) واستمرت حتى عام (296) بنهاية الدولة الأباضية الرستمية، وقامت بعدها إمارات صغيرة ومشيخات إقليمية، لم يكن لها سلطان نافذ أو مدة طويلة كالدولة الرستمية. ينظر: غاية النهاية 2/ 373، ومقدمة تفسير ابن سلاَّم 1/ 11، والتفسير والمفسرون في غرب أفريقيا 1/ 55.
(2)
لَمَّا اجتمع لابن عباس رضي الله عنه العلمُ بالقرآن، وحسنُ البيان، كان "ترجمان القرآن"، ولا يكون ذلك إلا لِمَنْ تَحَقَّق علمه فيما يترجم عنه، وما يُتَرجِمُ إليه. وينظر قول صالح بن كيسان المتقدم (ص: 312).
(3)
للاستزادة ينظر: قواعد الاختصار المنهجي في التأليف، للدكتور عبد الغني مزهر، مجلة البحوث الإسلامية العدد (59) (ص: 337)، والاختصار في التفسير، لعلي بن سعيد العَمْري، رسالة ماجستير، بجامعة أم القرى.
الباب الثاني
"الاسْتِدْرَاكَاتِ فِي التَّفْسِيرِ"
نَشْأَتُهَا، وتَطَوُّرُهَا، وأَثَرُهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ
وَفِيهِ مَدْخَلٌ وفَصْلَان:
• مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
الفصل الأول: " الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ " نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.
الفصل الثاني: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ.
وَفِيهِ تَمْهِيدٌ وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ:
• المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوه التَّرْجِيحِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.
• المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.
• المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.
• المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
•
مَدْخَلٌ: حِرْصُ السَّلَفِ عَلَى تَصْحِيحِ الفَهْمِ لِمَعَانِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى.
ظهر اهتمام السلف بعلم التفسير جليًّا منذ نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حفظ الصحابة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظَ القرآن، وتفهموا معانيه، فعرفوا أكثَرَه بلسانِهم الذي نزل به القرآن، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف 2]، وما أشكل عليهم معناه سألوا عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبينه لهم كما أمره الله تعالى بقوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل 44]، وقوله {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ} [النحل 64]
(1)
، وقد كانت أفعالُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأقواله وتقريراته بيانًا للقرآن الكريم، وتأوُّلًا لِمَا فيه، قالت عائشةُ تَصِفُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:(كان خُلُقُهُ القرآن)
(2)
، وقالت:(كان رسول صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يتأَوَّلُ القرآن)
(3)
.
ولم يعهَد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأحدٍ من أصحابه بأمرٍ لم يعهده إلى الناس كافَّةً، قال عمَّار بن ياسر رضي الله عنه:(ما عهدَ إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شيئًا لم يعهدهُ إلى الناسِ كافَّةً)
(4)
، ولمَّا قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا والذي فلَقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسمَة، إلا أن يُعطِي اللهُ عز وجل عبدًا فهمًا في كتابه، أو ما في هذه الصحيفة. قيل: وما فيها؟ قال: العقلُ، وفِكاكُ الأسير، وأن لا يُقتَلَ مسلمٌ بكافرٍ)
(5)
.
(1)
ينظر: جامع البيان 1/ 58، وشفاء الصدور (مخطوط، ص: 9).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه 2/ 368 (746)، وينظر: شرح النووي على مسلم 2/ 369.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 605 (4968)، ومسلم في صحيحه 2/ 150 (484).
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 268 (2779).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 193 (3047)، ومسلم في صحيحه 3/ 497 (1370).
وحين تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن شيءٌ من كتاب الله خَفِيَّ المعنى عن الصحابة رضي الله عنهم، بل كُلُّ كتاب الله تعالى معلوم المعنى عند مجموع الصحابة رضي الله عنهم، ثُمَّ يتفاوت علم أفرادهم به بحسب ما اختصَّ الله تعالى كُلًا منهم، ويتقدمهم في هذا العلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(1)
، وابنُ عباس الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:(اللهم فَقِّهه في الدين، وعَلِّمه التأويل)
(2)
، وقال عنه ابن مسعود رضي الله عنه:(نعم ترجمان القرآن ابن عباس)
(3)
، وكذا عبدُ الله بن مسعود، الذي قال:(والله الذي لا إله غيره، ما أُنزِلَت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ أينَ أُنزِلَت، ولا أُنزِلَت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلمُ فيمَن أُنزِلَت، ولو أعلمُ أحدًا أعلمَ مِنِّي بكتاب الله تبلُغُه الإبلُ لرَكِبتُ إليه)
(4)
.
ثُمَّ تَحَمَّلَ هذا العلم من بعدهم التابعون وتابعوهم، فساروا فيه على سَنَنِ من قبلَهُم، واختصَّ به جماعةٌ منهم، فأفنوا فيه أعمارهم، واشتهروا به دون غيره من العلوم، فقد سألَ مجاهدُ (ت: 104) ابنَ عباس رضي الله عنه عن تفسير القرآن كاملًا وقال: (عرضتُ القرآنَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، أَقِفُهُ على كُلِّ آية فيمَ نَزَلَت؟ وكيفَ كانَت؟)
(5)
، كما كَتَبَ التفسير عنه كاملًا، قال ابن أبي مليكة (ت: 117): (رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب.
(1)
ينظر: شفاء الصدور (مخطوط، ص: 36، 38)، ومقدمات تفسير الأصفهاني (ص: 271)، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: 246).
(2)
أخرجه ابن راهويه في مسنده 4/ 230 (2038)، وأحمد في المسند 1/ 314 (2881)، وسنده صحيح.
(3)
أخرجه ابن جرير في تفسيره 1/ 61 (84 - 85)، وسنده صحيح، وينظر: تفسير ابن كثير 1/ 40.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 662 (5002)، ومسلم في صحيحه 6/ 15 (2463).
(5)
جامع البيان 1/ 62، وتذكرة الحفاظ، للقيسراني 2/ 706، وقال:(حديث حسن). وينظر: جامع البيان 30/ 39.
قال: حتى سأله عن التفسير كله)
(1)
، وقال أبو الجوزاء (ت: 83): (أقمت مع ابنِ عباسٍ وعائشةَ اثنتي عشرةَ سنة، ليس من القرآنِ آيةٌ إلا سألتُهُم عنها)
(2)
، وقال الشعبي (ت: 104): (والله ما مِنْ آيةٍ إلا قد سَأَلتُ عنها)
(3)
.
وكان من مُقتَضى خيريَّةِ هذه القرون الثلاثة من السلف أن يُبَيِّنوا معاني كتاب الله تعالى للناس أوضَحَ بيان، وأن يُصَحِّحوا لهم معانيه كما يُصَحِّحوا ألفاظه، قال أبو عبد الرحمن السلمي (ت: 74): (حدثنا الذين كانوا يُقرِؤوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشرَ آياتٍ لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا)
(4)
.
ولأجل هذه المقاصد الجليلة تميَّز تفسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا.
وقد اتَّخذَ بيانُهم للقرآن الكريم مسلَكَينِ عامَّين:
أوَّلُهما: عرضُ معاني الآيات وبيانها ابتداءً، ونَشرُ ذلك بين الناس، وهذا الأصل في تفسيرهم، وهو الأكثر، وعليه قامت مُصَنَّفاتهم في التفسير.
وثانيهما: رَدُّ المعاني الناقصة أو الباطلة، مع بيان صحيح المعاني وأولاها، وهو
(1)
جامع البيان 1/ 62. وقال مجاهد مرَّةً: (هكذا وجدت في كتابي) جامع البيان 30/ 39، وهو بِهذا يُعَدُّ أولَ من صَنَّفً كتابًا كاملًا في التفسير؛ فإن ابن عباس رضي الله عنه توفي سنة (68)، ومجاهدٌ فرغ من كتابة تفسيره كاملًا قبل ذلك.
(2)
التاريخ الكبير 2/ 16، وينظر: الثقات، لابن حِبَّان 4/ 42.
(3)
جامع البيان 1/ 60.
(4)
جامع البيان 1/ 56، والكشف والبيان (مخطوط، لوحة: 33)، والسير 4/ 269، 271.
أقلُّ المنهجين سلوكًا، ولا يلجأُ إليه المفسر إلا لحاجةٍ عارِضةٍ؛ كسؤال سائل، أو إيرادِ مُعتَرض، أو لمناسبةٍ واقعةٍ اقتضت التنبيه والرد.
ومن أظهر صور المسلك الثاني: "استدراكات السلف في التفسير"، وذلك بإتباع المعاني المذكورة بمعانٍ أصحَّ وأصوَبَ، وأكملَ وأوضَح.
* * *
الفصل الأول
"الاسْتِدْرَاكَاتُ فِي التَّفْسِيرِ" نَشْأَتُهَا، وَتَطَوُّرُهَا.
نَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ إذ هي طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان أسلوب الاستدراكات في التفسير من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة.
وقد أبانت الدراسةُ السابقةُ لنماذجَ مُختارةٍ من الاستدراكات في التفسير بداياتِ هذه النشأةِ، وكيف ارتبطت عند السلف بمسلك العرض والإيضاح غايةَ الارتباط، وقد كان أوَّلُ ظهورها في هذا العلم: في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير.
وقد تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وقد احتوت الدراسةُ ثلاثةَ عشرَ استدراكًا نبويًا تفسيريًّا (من: 1، إلى: 13)، وواحدًا وأربعينَ استدراكًا عن الصحابة رضي الله عنهم (من: 14، إلى: 54)، وعشرينَ استدراكًا عن التابعين (من: 55، إلى: 74)، وستةَ استدراكات عن أتباع التابعين (من: 75، إلى: 80).
كما تنوَّعت الاستدراكات في التفسير باعتبار موضوعاتها، وهذا عرضٌ لبعض ما وقفتُ عليه من موضوعات الاستدراكات في كتب التفسير، مع التمثيل عليها
(1)
:
* الاستدراكات في القراءات: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول قراءةٍ أو رَدِّها، ومن أمثلتها:
1 -
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (أنه قرأ {ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها} [البقرة 106]. فقيل له: إن سعيد بن المسيَّب يقرأ {تُنْسَها} [البقرة 106]، قال سعد: إن القرآن لم ينْزل على المسيَّب ولا آل المسيَّب، إنما هي: {ما نَنْسَخ من آية أو تَنْسَها} [البقرة 106] يا محمد. قال الله: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى} [الأعلى 6]، {وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف 24])
(2)
.
2 -
قال الأعمش: (كان ابن مسعود يقرأ {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران 161]، فقال ابن عباس: بلى ويُقتل. قال: فذكرَ ابنُ عباسٍ أن ذلك إنما كان في قطيفَةٍ، قالوا إن رسول الله غَلَّهَا يوم بدر، فأنزل الله {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران 161])
(3)
.
* الاستدراكات في قصص الآي وأخبار بني إسرائيل: وهي اعتراضاتٌ تختَصُّ بقبول شيءٍ من أخبارِ بني إسرائيلَ، أو رَدِّها، أو تصحيحِهَا، ومن أمثلتها:
1 -
قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات 107]:
(1)
اشتملت الدراسةُ في الباب الأوّل على نماذِجَ من هذه الأنواع، وسيُمَثَّلُ هنا بغيرها للتأكيد والإيضاح.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 285 (106)، وابن منصور في سننه 2/ 597 (208)، والنسائي في الكبرى 6/ 289 (10996)، وابن جرير في تفسيره 1/ 667 (1455)، وابن أبي داود في المصاحف 1/ 398 (291)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 200 (1059). وفي تحديد القراءات في الأثر اختلافٌ ينظر تحقيقه في المراجع السابقة، وفي تحقيق الدكتور أحمد الزهراني لتفسير ابن أبي حاتم 1/ 324، والدكتور سعد الحميِّد لسنن ابن منصور 2/ 597.
(3)
علَّقَهُ الثوري في تفسيره (ص: 81) عن ابن عباس، ووصله ابن جرير في تفسيره 8/ 236 (11363).
(المَفدِيُّ إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاقَ، وكذبت اليهود)
(1)
.
2 -
قال الحسن في قوله تعالى {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} [القصص 25]: (يقولون: شُعَيبٌ، وليسَ بشُعَيبٍ، ولكنَّه سيِّدُ الماءِ يومئذٍ)
(2)
.
* الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها: وتشملُ استدراكاتٍ في معاني الألفاظ، وأسبابِ النُّزول، والناسخِ والمنسوخ، وأحكامِ القرآن، ونحوها من موضوعات التفسير وعلومه، ومن أمثلتها:
1 -
قال ابن جرير (ت: 310): (قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المُتّكأُ هو: النّمرقُ يُتَّكَأُ عليه. وقال: زعمَ قومٌ أنه الأُترُجّ. قال: وهذا أبطلُ باطلٍ في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المُتّكأُ أُترُجّ يأكلونه
(3)
. وحكى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم قولَ أبي عبيدةَ، ثم قال: والفقهاء أعلمُ بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيءٌ كثيرٌ انقرضَ أهلُه)
(4)
.
2 -
قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: (أتدرون فيم أنزلت {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر 24]؟ قيلَ: في سبيل الله. قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة)
(5)
.
3 -
كان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة 184]، ويقول: (ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أن يصوما،
(1)
أخرجه ابن وهب في تفسيره 1/ 50 (108)، وابن جرير في تفسيره 23/ 99 (22637).
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2965 (1833).
(3)
مجاز القرآن 1/ 309.
(4)
جامع البيان 12/ 264.
(5)
عزاه السيوطي في الدر 5/ 66 لابن مردويه.
فيُطعِمان مكان كُلِّ يومٍ مسكينًا)
(1)
.
4 -
سُئِلَ الحسنُ عن قوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة 45]: (أهِيَ عليهم خاصَّةٌ؟ قالَ: عليهم وعلى الناس عامَّةً)
(2)
.
هذه جُملَةُ الموضوعات العامَّة للاستدراكات، وما يندرج تحتها من موضوعاتٍ جزئيةٍ تابعةٍ لها وغيرِ خارجةٍ عنها. ويلاحَظُ في هذه الموضوعات العامَّة التَنَوُّعُ الظاهر الذي يشيرُ إلى انتشار هذا الأسلوب في علم التفسير وتأصُّلِه في وجوهه وأنواعه.
وقد دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين:
الأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا.
والثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا.
كما دارت طُرُقُ الاستدراكات في التفسير بين طريقين:
أوَّلُهما: أن يَذكُرَ المفسرُ قولًا في الآية ثم يستدرك عليه.
وثانيهما: أن يُذكَر للمفسرِ قولٌ في الآية فيستدرك عليه.
ولَمَّا كانت الاستدراكات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبَّما أُفرِدت كُتُبٌ خاصَّةٌ في الاستدراكات على تفاسير متقدمة
(3)
، ولم يَخلُ من ذلك سوى التفاسير المختصرة
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 28 (4505).
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1144 (6436).
(3)
نحو كتابَي: «مباحثُ التفسير» أو «الاستدراك» لأحمد بن محمد بن مظفر الرازي (631)، وهو استدراكات على تفسير الثعلبي «الكشف والبيان» ، ويحقق الآن في جامعة أم القرى في رسالة ماجستير. وينظر: طبقات المفسرين، للداوودي (ص: 64)، ومعجم المفسرين 1/ 65. وكتاب «المُتَدارك على المَدارك» لابن الضياء العَدَويّ؛ محمد بن أحمد الصاغاني الحنفي (ت: 854)، عَمِلَه على تفسير النسفي، ووصل فيه إلى آخر سورة هود، وأتَمَّه أبوه. ينظر: الضوء اللامع 7/ 84.
التي قصد مُؤلفوها الاختيارَ والعرضَ دون التَّعَقُّب والرد.
وكُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كُلَّما كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير:"جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن" لابن جرير الطبري (ت: 310) رحمه الله، فقد جمع فيه مؤلفُه أقوالَ مفسري السلف بأسانيدها، وعَرَضَ لضعف هذه الأسانيد وعِلَلِها عند الحاجة، ودرسَ مُتُونَها دراسةً تفسيريَّة نقديَّة شاملة، فميَّزَ الأقوال وبيَّنها، ورجَّح ما اختاره منها، مع ذكر وجه ترجيحه ومأخَذَ اختياره بالتفصيل والدليل. وقد اشتهر في الناس إمامةُ مؤلِفه، وتمَكُّنُه واجتهادُه في سائر العلوم، فلا غرو أن صار تفسيرُه أصلًا لعَامَّة من بعده؛ نقلًا وشرحًا وتهذيبًا واعتراضًا.
وكان من أثرِ منهج ابن جرير (ت: 310) النقدي في تفسيره أن استدرك على من سبقه من المفسرين في مواضعَ كثيرة من تفسيره
(1)
، كما استدرك عليه من تبعه من المفسرين؛ مِمَّنْ جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان من أبرزهم في هذا الجانب: ابنُ عطية (ت: 546)، وابنُ كثير (ت: 774)
(2)
.
(1)
من أمثلة استدراكات ابن جرير على المفسرين قبله: 1/ 103، 112، 227، 228، 240، 472، 660، 661، 2/ 649، 3/ 56، 170، 5/ 93، 6/ 31، 7/ 93، 8/ 49، 12/ 264، 13/ 46، 23/ 4، 30/ 133.
(2)
ومن أمثلة ذلك في تفسير ابن عطية: 1/ 78، 101، 202، 224، 262، 287، 2/ 38، 48، 122، 163، 273، 330، 500، 3/ 32، 67، 291، 406، 4/ 133، 452، 5/ 258، 280، 492.
ومن أمثلته في تفسير ابن كثير: 1/ 232، 249، 2/ 855، 913، 981، 3/ 1375، 1390، 4/ 1766، 5/ 2367، 6/ 2672، 7/ 3291، 3367، 3624، 8/ 3721.
وقد سُجلتا رسالتان علميتان في الاستدراكات في هذين الكتابين على ابن جرير، ونوقشتا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهما بعنوان:«استدراكات ابن عطية الأندلسي على ابن جرير الطبري في تفسيره» ، و «استدراكات ابن كثير على ابن جرير في التفسير» .
ومن الأمثلة الظاهرة للاستدراكات في التفسير: استدراكات السمين الحلبي الكثيرة في تفسيره «الدر المصون» على الزمخشري، وأبي حيّان، وقد سُجلتا رسالتين علميتين، ونوقشتا في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وفي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. ومن البحوث والمقالات في هذا الباب:
- «استدراكات الفقيه ابن جُزيّ على القاضي ابن عطية في تفسير القرآن» ، لشايع بن عَبده الأسمري، مجلة الجامعة الإسلامية، (عدد: 112)، (ص: 259).
- «مناظرات في تفسير الآيات» ، لفريد مصطفى السلمان، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (عدد: 32)، شوال 1421 هـ، (ص: 87).
- «استدراكات الفِجِيجِي على القرطبي» ، لبنعلي محمد بوزيان، مجلة دعوة الحق، المغربية، (عدد: 343)، 1420 هـ، (ص: 47).
ثُمَّ تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه.
* * *
الفصل الثاني
أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ
وَفِيهِ تَمْهِيدٌ، وخَمْسَةُ مَبَاحِثٍ:
تمهيد:
تضمنت الاستدراكات في التفسير أنواعًا متعددةً من علوم التفسير وأصوله، فإن المفسِّر حين يتعرض لقولٍ من الأقوال بالردِّ والتصحيح، إنما ينطلق في ذلك من أصولٍ وقواعدَ تستلزم تقديم قوله واعتباره، وقد يُصَرِّح المُفَسِّرُ بهذه الأصول والقواعد، وقد لا يُصَرِّح بها وإنما تُتَعَرَّف من سياق الموقف ومناسباته، ومن مجموع ردود ذلك المفسِّر واستدراكاته.
وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير جُملَةً وافرةً من هذه الأصول والقواعد المنهجية في علم التفسير، وتلمُّس هذه المعارف التفسيرية من تفاسير السلف أولى وأحرى من تلَمُّسِها مِمَّنْ بعدهم؛ فهم أصلُ كلِّ علمٍ نافعٍ، ومن بعدهم إنما يَصدُر عنهم ويَأخذُ منهم، ورُبَّما تتابعَ بعضُ مَنْ بعدهم على ما لم يقولوه، أو فهموا ما لم يريدوه، فأصَّلوا على ذلك أصولًا، وفَرَّعوا علومًا، بعيدةً عن هدي سلفهم، أو مناقضةً له.
فمن ثَمَّ كانت العناية بجمع واستخراج أصول التفسير وقواعده من تفاسير السلف، وعبر استدراكاتِهم فيه، أحد مقاصد هذا البحث، وذلك من خلال صريح عبارتهم أوَّلًا، ثُمَّ بما يؤكدها من ترجيحاتهم واختياراتهم، مُعتمدًا في ذلك على ما سبق دراسته في الباب الأول من الاستدراكات، ثُمَّ بالاستدراكات من غيرها، مقتصرًا من ذلك على بيان أثرها في عَدَّةِ مباحث متنوعةٍ من مباحث أصول التفسير، مِمَّا له علاقةٌ مباشرةٌ بالاستدراكات فيه.
* * *
•
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى وجوهِ التَّرْجِيحِ فِيه.
ثَمَّةَ أمارات يُتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال في معاني الآيات، تعرف ب"وجوه الترجيح في التفسير"
(1)
، وهي وإن لم تكن دائمًا في محلّ الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم في الترجيح والاختيار، وقد كان لاستدراكاتهم في التفسير أثرٌ واضحٌ في إبراز هذه الوجوه والتأكيد عليها؛ لحاجة المفسر إلى ذكرها في استدراكاته عند الحاجة. وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، واستخراجها منها.
ومن خلال ما تمَّت دراسته من الاستدراكات في الباب الأول يتبيَّن في هذا الجانب ما يأتي:
أولًا: لم تكن هذه الوجوه الترجيحية نصوصًا صريحةً في كلام مفسِّري السلف على الأغلب، والصريح منها لم يكن مسبوكًا في صورة "قاعدةٍ" بمعناها الاصطلاحي، وإنما بدأت تبرز بِهذه الصورة في كلام نَقَدَةِ التفسير، ومحرري الأقوال فيه شيئًا فشيئًا.
(2)
ومن أمثلة ذلك قاعدة: "العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب"، فإن أصلَها وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخبره رجلٌ أنه أصاب ذنبًا، فنَزل فيه قولُه تعالى
(1)
ينظر: النكت والعيون 1/ 38، ومجاز القرآن، للعز بن عبد السلام (ص: 220) ط: دار البشائر، والتسهيل 1/ 20.
(2)
ولذلك سَمَّاها ابنُ جُزَي (ت: 741) في مقدمة تفسيره 1/ 20: «وجوه الترجيح» ، وهو أقدم من وصفها وجمع جُملةً وافِرَةً منها، وعِبارَتُه هذه تسميةٌ دقيقةٌ بالنظر إلى الغرض منها في استعمال المُفَسِّر، ولأن بعضها لا يرتقي إلى أن يكون قاعدة بمعناها الاصطلاحي، أو ليس لفظُهُ بِمَسبوكٍ في صورةِ قاعدةٍ، مع صِحَّتِه ووضوحِه.
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114]، فقال الصحابة: يا رسول الله أَلِهَذا خاصَّةً؟ قال: (بل للنَّاس كافَّةً)
(1)
. وفي أحدِ الاستدراكات رَجَّح محمد بن كعب القرظي (ت: 108) قولَه بِهذه القاعدة فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ)
(2)
، ثم تتابع المفسرون على الاحتجاج بِهذه القاعدة والترجيح بِها، قال ابن جرير (ت: 310): (إن الآية كانت قد تنْزل لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نَزلت فيه)
(3)
.
ثانيًا: انحصرت وجوه الترجيح في استدراكات السلف في أربعةِ أقسام عامَّة:
الأول: ترجيح المعنى لدلالةٍ شرعيَّةٍ، كدلالة القرآن والسنة نَصًّا على المعنى، أو وروده فيهما بذلك المعنى، أو للإجماع على معنى وعدم المخالف فيه، أو لمخالفته لنصوص الشرع وقواعده، كما في الاستدراكات رقم (1، 8، 10، 11، 13، 19، 21، 22، 47، 62، 64، 69، 79).
(4)
الثاني: ترجيح المعنى لدلالةٍ لُغَويَّةٍ، كأن يكون أظهر معاني اللفظ وأشهرها والمتبادر منها، أو يكون أصلًا لِمعانيه الأخرى، أو يكون بذلك المعنى في عُرفِ من
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه 6/ 233 (2763).
(2)
ينظر الاستدراك رقم (65)(ص: 319).
(3)
جامع البيان 14/ 341 ط: التركي. وينظر في إعمال هذه القاعدة: المحرر الوجيز 1/ 371، وأنوار التنْزيل 2/ 980، ومجموع الفتاوى 13/ 339، 15/ 364، والبحر المحيط 1/ 427، وتفسير ابن كثير 3/ 1094، 4/ 1570.
(4)
وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: تفسير ابن أبي حاتم 6/ 1881 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدر 5/ 466 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدر 2/ 446 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 3/ 408 عن كعب الأحبار، وجامع البيان 12/ 264 عن أبي عبيد القاسم بن سلاَّم، وتفسير البستي 2/ 154 عن ابن عيينة.
نزل عليهم القرآن، أو لمخالفته للُغَة العرب ومعهود كلامها، كما في الاستدراكات رقم (2، 26، 32، 33، 41، 42، 52، 65، 72، 77، 78، 79).
(1)
الثالث: ترجيح المعنى لدلالةِ السياق، سواءً سياق الآيات قبلها وبعدها، أو سياق الآيةِ الواحدة، كما في الاستدراكات رقم (7، 28، 38، 39، 40، 57، 60، 77).
(2)
الرابع: ترجيح المعنى لدلالةِ النُّزول، كذكر سببه، أو مكانه؛ مَكِيًّا كان أو مدنيًّا، كما في الاستدراكات رقم (15، 17، 33، 35، 39، 44، 65، 68، 71).
(3)
وما عدا هذه الأنحاء الأربعة في الترجيح إمَّا أن يكون داخلًا فيها وتابعًا لها، وإما أن يكون استعماله والترجيح به قليلًا، أو يكون وجهًا غير معتبرٍ.
ثالثًا: يتقدَّم الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّةٍ إجمالًا على غيره من وجوه الترجيح؛ لأن فيه ما هو نَصٌّ قاطِعٌ في الدلالة لا يُتَقَدَّمُ عليه بوجهٍ من الوجوه، وفيه ما أُجمِع عليه فلا
(1)
وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: الدر 4/ 428 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 914 عن ابن مسعود رضي الله عنه، وجامع البيان 5/ 142 عن ابن عباس رضي الله عنه، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1144 عن الحسن، والدر 5/ 396 عن كعب الأحبار، والدر 6/ 60 عن عروة بن الزبير، وتفسير ابن أبي حاتم 7/ 2405 عن محمد بن عباد، والدر 3/ 84 عن مقسم مولى ابن عباس رضي الله عنه، وزين العابدين، والدر 3/ 466 عن الضحاك، وسيرة ابن هشام 1/ 360 عن ابن إسحاق، والدر 3/ 511 عن ابن عيينة.
(2)
وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: الدر 3/ 159 عن عمر رضي الله عنه، وجامع البيان 6/ 310 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 3/ 86 عن جابر رضي الله عنه، والدر 3/ 191 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 5/ 333 عن ابن مسعود رضي الله عنه، والدر 3/ 515 عن أبي وجْزَة السعدي، والدر 8/ 585 عن الحسن، وجامع البيان 19/ 157 عن زيد بن أسلم، والدر 3/ 511 عن ابن عيينة.
(3)
وينظر أيضًا الاستدراكات الآتية: تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1671 عن عمر رضي الله عنه، والدر 2/ 388 عن أبي هريرة رضي الله عنه، والدر 3/ 572 عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، وجامع البيان 10/ 75 عن ابن الزبير رضي الله عنه، وجامع البيان 7/ 193 عن ابن أبزى، وجامع البيان 13/ 232 عن سعيد بن جبير، والكشف والبيان 5/ 302 عن أبي جعفر الباقر، وجامع البيان 26/ 13 عن مسروق والشعبي.
يُخالَف، وكذا قول الصحابة فلا يخرَجُ عنه.
رابعًا: ثَمَّةَ وجوهٌ من الترجيح ليست في قُوَّةِ هذه الوجوه الأربعة وتَقَدُّمِها، وهي مع ذلك مُفِيدةٌ مُعتَبَرة في الترجيح، ويقعُ الترجيح بها في تفاسير السلف كثيرًا مع تأخُّرها في القوَّة أو الظهور عن غيرها من الوجوه، ومن هذه الوجوه:
1 -
الترجيح بما ورد من أخبار أهل الكتاب المروية عنهم أو من كتبهم؛ مِمَّا وافق شرعنا أو لم يخالفه، وما صَحَّ عن الصحابة رضي الله عنهم من ذلك أعلاها درجةً؛ لتوثُّقهم في النقل، وتحَرِّيهم في المعنى، وقد وقع من السلف الترجيح كثيرًا بهذا الوجه، كما في الاستدراك رقم (28).
(1)
2 -
فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني، كما في الاستدراك رقم (62).
3 -
و 4 - الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والتَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه. وقد أشار إليهما ابن عباس رضي الله عنه فيما حكاه سعيد بن جبير (ت: 95) قال: (اختلفت أنا وعطاء وعبيد بن عمير في قوله {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء 43]، فقال عبيد بن عمير: هو الجماع. وقلت أنا وعطاء: هو اللمس. قال: فدخلنا على ابن عباس فسألناه، فقال: (غُلب فريقُ الموالي، وأصابت العرب). أو قال: (أخطأ المَوْلَيَان وأصاب العربيُّ؛ هو الجماع، ولكن الله يَعُفُّ ويَكنِي)
(2)
، وقد أُشيرَ إلى هذا الجانب
(1)
حصر بعض الباحثين مرويات ابن مسعود رضي الله عنه في التفسير من أخبار الأمم السابقة، فبلغت نحو (180) أثرًا. ينظر: تفسير ابن مسعود رضي الله عنه 1/ 71. وينظر: جامع البيان 16/ 97، والدر 5/ 447 عن كعب الأحبار، وتفسير ابن أبي حاتم 3/ 761 عن ابن عباس رضي الله عنه، وسؤالاته لأبي الجلد عند ابن أبي حاتم 1/ 55، وسؤالاته لكعب الأحبار في تفسير ابن وهب 1/ 29، 2/ 80، وقد جمعتُ كلّ الأخبار الإسرائيلية المروية عن السلف في تفسير ابن جرير، وبيّنت اعتمادهم عليها في التفسير تبيينًا وترجيحًا، وذلك في كتاب: "الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري الرواة والموضوعات والمقاصد".
(2)
تفسير ابن وهب 1/ 108 (245)، وجامع البيان 5/ 142 (7596 - 7597).
في غيرما رواية بقولهم: (وهو مَملوك- من الموالي- كذبَ العبد)
(1)
، ويلحق به من بعض الوجوه قولهم:(إنها نزلت وهو يهودي)
(2)
، ووجه ذلك ما سبق ذِكرُه من عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، والموالي وإن كانوا عربًا إلا أن العربيةَ فيهم ملكةٌ مُكتسبَةٌ ليست كالفطرية الراسخة في العربي صليبةً؛ الذي رضعها من صِغره، ودرجَ عليها في قومه، وارتاضَ بها لسانه، وشافه بها أجناس العرب، وعرف ألفاظهم ومعانيهم وأساليبهم وعاداتهم في الكلام.
وكذا كان التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه من أسباب الرسوخ فيه، وإتقانه، ومعرفة وجه صوابه، وهذا ما لا يتيسَّر للمولى؛ لاشتغاله بخدمة سيده والقيام بأمره، فيفوته شيء من العلم يدركه المصاحب للعلماء، المُلازِم لمجالسهم.
5 -
عُلُوُّ السِّنِّ، وقد وردت الإشارة إليه في غيرما رواية، نحو قولهم:(وأنا يومئذ حدث- والله ما سِنٌّ عاليةٌ- وإني لأصغر القوم- إنك غلامٌ حَدَثُ السِّنِّ- إن صبيانا هاهنا)، وكما في الاستدراكات (33، 62)
(3)
، وليس مُرادهم أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّهوا بعبارتهم هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق؛ ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص الصحابة رضي الله عنهم، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده.
(4)
(1)
ينظر: جامع البيان 5/ 142 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 6/ 374 عن مجاهد، وجامع البيان 2/ 536 عن أبي ماجد الزيادي.
(2)
ينظر: جامع البيان 4/ 276 عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(3)
وينظر: الدر 3/ 303 عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وجامع البيان 7/ 130 عن جبير بن نفير.
(4)
ومن وجوه الترجيح الفرعية أيضًا: الترجيح بكثرة القائلين، وجلالتهم، وباسم السورة، وموضوعها العام، ومناسبات الآيات والسور، وعدم ذكر الكتب الجامعة لأقوال المفسرين غيرَ معنىً واحد للآية، دون غيره من المعاني، ونحوها من الوجوه التي عرضت لها كتب التفسير، واعتمدها المفسرون في الترجيح، ولها شواهد من استدراكات السلف.
خامسًا: قد يتَّحِدُ قولان أو أكثرَ في وجهٍ من وجوه الترجيح العامَّة، فيُصَارُ إلى الترجيح بوجوهٍ عامَّةٍ أو فرعيَّةٍ أخرى، ومن أمثلته في الاستدراك الواحد الاستدراك رقم (52) حيث وقع فيه الترجيح بدلالة اللغة والسياق في كلا القولين، وكذا الاستدراك رقم (62) حيث وقع فيه الترجيح بدلالَةٍ شرعيَّة للقول الأوَّل، وبدلالَةِ السياق للقولين الآخرين، فيُصَارُ هنا إلى الترجيح بوجه آخر من الوجوه العامَّة أو الفرعِيَّة.
ومثاله في أكثر من استدراك في موضع واحد: قول الحسن (ت: 110) في قوله تعالى {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم 24] قال: كان والله سريًّا، يعني: عيسى عليه السلام. فقال له خالد بن صفوان: يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السَّريّ. فقال: صدقت
(1)
. وقال جرير بن حازم (ت: 170): سألَني محمد بن عبَّاد بن جعفر: ما يقول أصحابكم في قوله {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم 24]؟ قال: فقلت له: سمعت قتادة يقول: الجدول. قال: فأخبر قتادة عنِّي فإنما نزل القرآن بِلُغَتِنا: إنه الرجل السَّريّ.
(2)
فقد اعتمد خالدُ بن صفوان ومحمدُ بن عبَّاد على الترجيح بدلالة اللغة، فهُنا يُصَارُ إلى مُرَجِّح آخر وهو ما ذكره السمرقندي (ت: 375) عن حميد بن عبد الرحمن أنه لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: 110) قال: ألا ترى أنه قال {فَكُلِي وَاشْرَبِي} [مريم 26]؟
(3)
. وهي دلالة السياق.
وبِهذا يتبيَّن أثر استدراكات السلف في التفسير على وجوه الترجيح فيه، فقد قَرَّبت الاستدراكاتُ تلك الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصرها وما يُعتَبَرُ منها، وجعلَتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا.
(1)
تاريخ دمشق 16/ 104.
(2)
الدر 5/ 442.
(3)
بحر العلوم 2/ 322. وينظر الاستدراك رقم (58) (ص: 291).
•
المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الخَطَأِ فِي التَّفْسِيرِ.
تَضَمَّنت استدراكات السلف في التفسير إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من أسباب الخطأِ في التفسير؛ فإن المُفَسِّر حين يستدرك على قولٍ ويُخَطِّئُه يذكرُ أحيانًا وجه خَطَئِه وسبَبَه ليُعلَم ويُجتَنب.
وذِكرُهم لهذه الأسباب ربما كان صريحًا في أنها سبب الخطأ، كما في قول عمر لقدامة بن مظعون رضي الله عنهم:(أخطأتَ التأويل)، لَمَّا استدل له على إباحة شربه للخمر بالآية، ثم ذكر عمر سبب خطأِه بقوله:(إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حَرَّمَ اللهُ عليك)
(1)
. وربما ذُكِرَ السبب على سبيل الإيماء والإشارة، كما في قول ابن مسعود رضي الله عنه لمَّا بلغه قولٌ لكعب الأحبار (ت: 32)، قال:(إنها نزلت وهو يهودي)
(2)
.
وهذا جمعٌ لمَا ذُكِر عن السلف من أسباب الخطأِ في التفسير، من خلال ما تَمَّت دراسته من استدراكاتٍ في الباب الأول:
1 -
عدم التأمُّل في نظائر الآية وما يُفَسِّرها في القرآن، كما في الاستدراكات (1، 8، 11، 18، 60، 62، 79).
(3)
2 -
الأخذ بالنظائر القرآنية فقط دون النظر إلى غيرها من وجوه التفسير، كما في الاستدراكات (36، 62، 64)، وهذا مُقابِلٌ للسبب الأول.
3 -
عدم العلم بالسُّنَّة النبويَّة المُفَسِّرة للآية، أو مخالفة صريحها (11، 21، 34، 47).
(1)
ينظر الاستدراك رقم (16)(ص: 99).
(2)
ينظر الاستدراك رقم (39)(ص: 219).
(3)
وينظر: تفسير ابن وهب 2/ 104، وجامع البيان 7/ 334 عن أُبَي بن كعب رضي الله عنه.
4 -
عدم التَّنبُّه إلى لفظ الآية وتمامها، كما في الاستدراكات (2، 16، 38).
(1)
5 -
إهمال السياق وعدم الأخذ به، كما في الاستدراكات (7، 40، 57، 77، 79).
(2)
6 -
مخالفة العربية والجهل بِها، كما في الاستدراكات (32، 33، 62).
(3)
7 -
عدم التَّنَبُّه للفروق اللغوية بين الألفاظ، كما في الاستدراك رقم (41).
(4)
8 -
عدم فصاحة اللسان، والجهل بأساليب القرآن، كما في الاستدراك رقم (62).
(5)
9، و 10 - عدم الرسوخ وتحقُّق الملكة في اللغة، وعدم التَّفَرُّغ لتحصيل العلم والانقطاع إليه.
(6)
11 -
الجهل بسبب النُّزول وعدم اعتباره، كما في الاستدراكات (17، 33، 35، 39، 56، 68).
(7)
(1)
وينظر: تفسير ابن أبي حاتم 3/ 912 عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والدر 5/ 333 عن ابن عباس رضي الله عنه، وتفسير عبد الرزاق 3/ 464 عن أبي العالية، وجامع البيان 19/ 157 عن زيد بن أسلم، والدر 5/ 42 عن ابن عيينة.
(2)
وينظر: جامع البيان 6/ 310 والدر 5/ 277 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 3/ 84 عن سعيد بن جبير.
(3)
وينظر: تفسير ابن أبي حاتم 9/ 2924 عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتفسير عبد الرزاق 3/ 464 عن أبي العالية، والدر 6/ 60 عن عروة بن الزبير، وتفسير ابن أبي حاتم 7/ 2405 عن محمد بن عبَّاد، والدر 3/ 515 عن أبي وَجْزَة السعدي، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 419.
(4)
وينظر: الدر 3/ 240 عن ابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 9/ 115 عنه أيضًا، والدر 8/ 103 عن ابن عمر رضي الله عنه، والدر 3/ 302 عن عكرمة.
(5)
ينظر: تفسير ابن سلاَّم 2/ 519، 766.
(6)
ينظر بيانهما في «وجوه الترجيح الفرعية» في المبحث الأول من هذا الفصل.
(7)
وينظر: الدر 4/ 332 عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، والدر 3/ 572 عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، والدر 7/ 385 عن عائشة رضي الله عنها، وجامع البيان 6/ 343 عن أبي مجلز رضي الله عنه، وتفسير ابن أبي حاتم 8/ 2521 عن ابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 7/ 193 عن ابن أبزى رضي الله عنه، وجامع البيان 10/ 75 عن ابن الزبير رضي الله عنه، وجامع البيان 6/ 345 عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، وسنن ابن منصور 5/ 182 عن معاوية بن قُرَّة، والسير 5/ 339 عن الزهري.
12 -
التأخر عن زمن النُّزول، كما في الاستدراك رقم (35).
(1)
13 -
الجهل بحال من نزل عليهم القرآن، كما في الاستدراك رقم (26).
14 -
الجهل بزمن النُّزول مَكِّيِّه ومدنِيِّه، كما في الاستدراك رقم (71).
(2)
15 -
تخصيص المعنى بلا مُخَصِّص، كما في الاستدراكات (65، 72، 77، 78).
(3)
16 -
عدم الأخذ بالمُخَصِّص، كما في الاستدراكات (40، 44).
(4)
17 -
عدم الأخذ بمفهوم الآية الصحيح، كما في الاستدراك رقم (19).
18 -
الاعتقاد قبل الاستدلال، وهو ما أشار إليه الحسن (ت: 110) في جوابه عن قولٍ لبعض أهل الأهواء: (إنك والله لا تستطيع على شيء)
(5)
، وجاء رجلٌ من الخوارج إلى ابن أبزى رضي الله عنه وقرأ عليه {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام 1]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ فقال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى،
(1)
وينظر: جامع البيان 1/ 667 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(2)
وينظر: جامع البيان 13/ 232 عن سعيد بن جبير، وجامع البيان 26/ 13 عن الشعبي، والدر 7/ 380 عن عكرمة.
(3)
وينظر: جامع البيان 6/ 344 عن حذيفة رضي الله عنه، وأحكام القرآن، لإسماعيل بن إسحاق (ص: 221) عن ابن عباس رضي الله عنه، والكشف والبيان 6/ 16، والدر 8/ 445 عنه أيضًا، والدر 3/ 84 عن مقسم مولى ابن عباس وزين العابدين، والسير 5/ 339 عن الزهري.
(4)
وينظر: تفسير عبد الرزاق 3/ 223 عن قتادة، ومرويات الإمام أحمد في التفسير 2/ 49 عن أحمد بن حنبل.
(5)
جامع البيان 4/ 279 (6661).
إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حَدِّهَا.
(1)
وكما في الاستدراكات (40، 42، 68).
19 -
حداثةُ السِّنِّ.
(2)
20 -
مخالفة النصوص والأصول الشرعية.
(3)
21 -
مخالفة تفسير السلف، كما في الاستدراك رقم (79).
22 -
القول في الآية بلا علم، كما في الاستدراك رقم (23).
(4)
23 -
الاستعجال في حمل الآية على معنىً قبل التحقق منه
(5)
، ويدخل فيه: الإعجاب بالرأي، وهو ما ذكره إبراهيم النخعي (ت: 96) في استدراكه على قولٍ لأحدهم: (كان معجبًا برأيه)
(6)
، وذلك لمَا فيه من الاستعجال في حمل الآية على أحد المعاني دون تحقيقٍ وتأمُّلٍ، وقريبٌ منه قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن قولٍ لأبي هريرة رضي الله عنه:(إن أبا هريرة يكثر)
(7)
.
24 -
العلم الواسع بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه عن قولٍ لكعب الأحبار (ت: 32): (نزلت وهو يهودي)
(8)
، وهو سبب في
(1)
ينظر: جامع البيان 7/ 193، والدر المنثور 3/ 225.
(2)
ينظر بيانه في "وجوه الترجيح" في المبحث الأول من هذا الفصل.
(3)
ينظر: جامع البيان 13/ 112 عن عائشة رضي الله عنها، والدر 7/ 160 عن الحسن، وسيرة ابن هشام 1/ 360 عن ابن إسحاق.
(4)
وينظر: جامع البيان 25/ 143 عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(5)
ينظر: جامع البيان 7/ 130 عن جبير بن نفير، وتفسير ابن أبي حاتم 8/ 2733 عن أبي العالية.
(6)
الدر 7/ 73.
(7)
الدر 1/ 685.
(8)
ينظر الاستدراك رقم (39)(ص: 219).
مجانبة الصواب في التفسير إذا أوقع صاحبه في الدخول على المعاني القرآنيةِ بمقررات سابقة تؤثّر في اختيار المعاني، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:(ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه)
(1)
. أو إذا حمل صاحبه على عدم الاهتمام بطرق التفسير الأخرى كاللغة والسياق وأسباب النُّزول ونحوها، والمبادرة إلى حمل القرآن على أخبار أهل الكتاب دون استيعاب وجوه التفسير الأخرى.
ويلاحظُ في هذه الأسباب كثرتُها وتنوُّعها، وهي في الجملة مُتَفرِّعةٌ عن أمرين رئيسيَّين:
الأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده.
والثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح.
(2)
وبهذا يتبين أثر الاستدراكات في إبراز هذا الجانب من جوانب علم التفسير، ومدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر.
والمتأمِّلُ لهذه الأسباب وما أدَّت إليه من أخطاءَ وانحرافاتٍ في التفسير في القرون المفضلة الأولى، يجدها تتكرَّرُ أسبابًا لكلِّ الأخطاءِ والانحرافات الواقعة في التفسير بعد تلك القرون، فما من خطأٍ وانحرافٍ في تفسير آيةٍ وقع بعد عهد السلف إلا وله مثالٌ سابق في ذلك العهد، أشار علماؤهم إليه، ونبَّهوا عليه، وحَذَّروا منه،
(1)
جامع البيان 22/ 174.
(2)
وينظر: مقدمة جامع التفاسير (ص: 39)، وقانون التأويل (ص: 368)، ومجموع الفتاوى 13/ 344، 355.
ووَضَّحوا الصواب فيه أوضح بيان، وبكُلِّ سبيل
(1)
، فأبطلوا بذلك طرائق أهل الأهواء في التفسير، وقطعوا به أصول مناهج منحرفة ما فَتِئَ أعداء الإسلام يبعثونَها بكلِّ لباسٍ في كلِّ زمان.
وإن في العناية بمنهج السلف في هذا الباب، وما لهم فيه من سابقة وحسن بلاء، ما يوفِّرُ على المفسِّر من بعدهم وقتًا وجهدًا كبيرين يبذلهما في كشفِ أخطاء وانحرافات التفسير في كُلِّ عصر، ومن ثَمَّ تصحيحها وبيان الحق فيها بلا التباس، والتَوَفُّر بعد ذلك الواجب على غيره من واجبات المفسر الكثيرة التي تمسُّ الحاجة إليها.
* * *
(1)
ينظر: بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: 67).
•
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى أَسْبَابِ الاخْتِلَافِ فِيهِ.
يتحَصَّل من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين:
الأولى: المُفَسِّرُ، فإنَّ طائِفةً من أسباب الاختلاف ترجع إليه؛ كالاختلاف في درجة العلم، ودِقَّة الفهم، والقصد والإرادة، ورسوخ الإيمان والتقوى، ونحو ذلك، ولولا هذا التفاوت لَمَا وقع الاختلاف، فإنه سُنَّةٌ كونية بَيَّنها تعالى في آياتٍ شرعية، كقوله {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود 118 - 119]، وقوله {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام 35].
والثانية: المُفَسَّرُ، وهو الآيَاتُ القُرآنِيَّة في لفظها ومعناها، كالاختلاف بسبب تعدد القراءات، والاشتراك اللفظي، والإحكام والنسخ، ونحوها ممَّا سيرد مثاله فيما يأتي.
وهذا جمعٌ لأسباب الاختلاف الواردة في التفسير من خلال استدراكات السلف فيه
(1)
:
1 -
تعدد القراءات في الآيات، كما في الاستدراك رقم (6).
(2)
(1)
ينظر في تفصيل هذه الأسباب وغيرها: الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم، لابن السيِّد البَطليَوسي، ومجموع الفتاوى 13/ 332، والتسهيل 1/ 19، والموافقات 5/ 210، وأصول التفسير وقواعده، للعك (ص: 86)، واختلاف المفسرين أسبابه وآثاره، للفنيسان، وبحوث في أصول التفسير، للرومي (ص: 44)، وفصولٌ في أصول التفسير، للطيار (ص: 63)، وأسباب اختلاف المفسرين، للشايع.
(2)
وينظر: جامع البيان 1/ 667 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1429 عن علي رضي الله عنه، وجامع البيان 13/ 112 عن عائشة رضي الله عنها، وجامع البيان 4/ 207 عن ابن عباس رضي الله عنه، والدر 2/ 453، و 4/ 545 عن ابن عباس رضي الله عنه أيضًا، والدر 3/ 303 عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، والدر 3/ 301 عن الحسن.
2 -
العلم بالسنة النبوية، من حيث بلوغها وثبوتِها وفهمها، كما في الاستدراكات (3، 4، 10، 11، 21، 34، 47).
(1)
3 -
احتمال الإحكام أو النسخ، كما في الاستدراكات (15، 17، 25).
(2)
4 -
احتمال العموم أو الخصوص، كما في الاستدراكات (1، 5، 7، 11، 12، 13، 14، 15، 16، 17، 18، 21، 39، 40، 42، 43، 44، 45، 48، 49، 50، 51، 56، 60، 62، 65، 72، 73، 74، 75، 77، 78، 80).
5 -
احتمال اللفظ لأكثر من معنى، ويدخل فيه احتمال الحقيقة أو المجاز، والاشتراك اللفظي، وإجمال اللفظ، كما في الاستدراكات (2، 8، 9، 19، 20، 22، 23، 24، 26، 27، 28، 30، 31، 32، 33، 34، 35، 36، 37، 41، 46، 47، 51، 52، 53، 54، 55، 57، 58، 61، 63، 66، 71، 79).
6 -
الاختلاف في تحديد مرجع الضمير، كما في الاستدراكات (59، 62، 67، 68، 69، 70).
(3)
7 -
الاختلاف في تقدير المحذوف، كما في الاستدراكات (29، 38).
(4)
(1)
وينظر: جامع البيان 7/ 134 عن أبي بكر رضي الله عنه، وتفسير ابن أبي حاتم 5/ 1700 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والدر 2/ 383، و 3/ 68 عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وجامع البيان 7/ 128 عن ابن عمر رضي الله عنه، والدر 7/ 397 عن مجاهد، وجامع البيان 30/ 421 عن محارب بن دِثار.
(2)
وينظر: الدر 1/ 396 عن ابن عباس وعكرمة، والدر 7/ 397 عن مجاهد، وتفسير ابن أبي حاتم 9/ 3068 عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(3)
وينظر: الدر 3/ 549 عن ابن عمر رضي الله عنه، وتفسير ابن سلاَّم 1/ 419.
(4)
وينظر: الدر 3/ 494 عن أبي العالية.
8 -
احتمال الترتيب أو التقديم والتأخير، كما في الاستدراك رقم (38).
(1)
هذه جُملَةُ أسباب الاختلاف في التفسير، الواقعة في زمن السلف، ويُلاحَظُ فيها أمور:
أولًا: أن أكثر أسباب الاختلاف في زمن السلف ترجعُ إلى أمرين:
أوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص.
وثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى.
وهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وعُرفًا وشرعًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-.
ثانيًا: من الأسباب المعتبرة في عصر الصحابة على الخصوص: العلم بالسنة النبوية؛ بلوغًا وثبوتًا وفهمًا، وتعدد القراءات في الآيات، ويَقِلُّ تأثير هذين السببين في خلاف من بَعدَهم.
ثالثًا: في مقابل كثرة وقوع الخلاف من جِهَةِ تلك الأسباب يَقِلُّ أن يوجد في زمن السلف اختلافٌ سببه الجهلُ أو الهوى؛ لِقِلَّة البدعِ وأهلِها في زمانِهم، وعلى الأخصِّ في زمن الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنه أشرف العصور، (وكلما كان العصر أشرف، كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر)
(2)
.
رابعًا: تشتركُ جميعُ أسبابِ الاختلاف المذكورة في كونِها أسبابًا مُعتَبَرَة، والخلاف الناتج عنها له حَظٌّ من النظر، ونتيجته محتَرَمةٌ في كِلا نوعي الاختلاف: اختلاف التَّنَوعِ- وأكثرُ اختلافِهِم من هذا النوع-، واختلاف التضادّ.
وبِهذا يتبيَّنُ أثر استدراكات السلف في التفسير في بيان أصول أسباب الاختلاف فيه، وانحصارها في صُوَرٍ معدودة معتَبَرة، يرجع أكثرها إلى المُفرَدَةِ القرآنيَّةِ بدلالاتِها المُتعدِّدَة.
* * *
(1)
وينظر: الدر 3/ 271 عن ابن جريج.
(2)
مجموع الفتاوى 13/ 332، وينظر: الموافقات 5/ 221.
•
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِدْرَاكَاتِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ.
الرأيُ لُغةً: مصدر رَأَى الشيءَ، يَرَاه، رَأْيًا، وهو ما يراه الإنسان في الأمر ببصيرته
(1)
، ويغلب استعماله في المرئِيِّ نفسه، ويَرِدُ في استعمال العلماء مخصوصًا بما يراه القلب بعد فِكرٍ وتأمُلٍ وطلبٍ لمعرفةِ وجه الصواب مِمَّا تتعارضُ فيه الأمارات.
(2)
والتفسير بالرأي هو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه.
(3)
ويُرَادِفه التفسير الاجتهادي، والتفسير العقلي، وذلك أن الاجتهاد وسيلة التفسير بالرأي، والعقل مصدرُه.
وهو مسلكٌ من مسالك التفسير المعروفة، وقد وُجِد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقّرَّ أصحابه عليه، واستعمله السلف في تفاسيرهم.
(4)
وحيث إن استدراكات السلف في التفسير تُعّدُّ بطبيعتها نوعًا من الخلاف
(1)
ينظر: تهذيب اللغة 15/ 227، ومقاييس اللغة 1/ 504.
(2)
ينظر: المفردات (ص: 374)، وإعلام الموقعين 2/ 124، والغيثُ المُسجَم في شرح لامية العجم 1/ 63.
(3)
ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 177، والتحبِيْر، للسيوطي (ص: 327).
(4)
ثَمَّة أحاديث عديدة تدُلُّ على ذلك، منها: حديث عمرو بن العاص في سنن أبي داود 1/ 145 (334)، ومسند أحمد 4/ 203 (17845)، وسنده صحيح، وحديث ابن مسعود في صحيح البخاري 1/ 109، (32)، ومسلم 1/ 307 (124)، وكذا دعاءه صلى الله عليه وسلم لابن عباس كما في مسند ابن راهويه 4/ 230 (2038)، وأحمد 1/ 314 (2881)، وسنده صحيح، وأيضًا ما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه كما في جامع البيان 4/ 376 (6957)، وعن علي رضي الله عنه كما في صحيح البخاري 6/ 193 (3047)، ومسلم 3/ 497 (1370). وينظر: الموافقات 4/ 278.
المُتَضّمِّنِ لأكثَرَ من رأي؛ فإنها بِهذه الصورة تحتوي عَدَدًا من مسائل التفسير بالرأي، وتوضحُ جانبًا من هديِ السلف فيه، ومن هذه المسائل:
أولًا: انحصرَ موضوع التفسير بالرأي عندهم في نوعٍ من التفسير لا يتعدَّاهُ إلى غيره؛ وهو ما يَصِحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، وبيانُ ذلك أنَّ تفسيرَ كُلِّ مُفَسِّرٍ يرجِعُ إلى أحَدِ نوعين:
الأول: ما جِهَتُه النقل، كأسباب النُّزول، وقصص الآي، والمُغَيَّبات، وكُلُّ ما لا يتطَرَّق إليه الاحتمال، كاللفظ الذي ليس له غيرَ معنىً واحد في لغة العرب. وهذا النوع لا مجالَ فيه لإعمال المفسر رأيَه.
والثاني: ما جِهَتُه الاستدلال، وهو كُلُّ ما تطَرَّق إليه الاحتمال، فيدخُلُه رَأيُ المُفَسِّر ونَظَرُه واستنباطُه؛ لأن توجيه المعنى إلى أحدِ المُحتملات دون غيره إنما هو برأي من المفسر. وهذا النوع هو موضوع التفسير بالرأي ومجاله.
(1)
ولذلك اشتَدَّ نكيرُ السلف على كُلِّ قولٍ خارجٍ عن هذا المجال، كما في الاستدراكات (9، 33، 35، 38، 68)
(2)
.
ثانيًا: التزم تفسير السلف بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح
(3)
، ومن النادر في تفاسيرِهم وجود رأيٍ مبعثُه جهلٌ أو هوى، ومن وقع في شيء من ذلك فعن خَطأٍ منه لا يُقَرُّ عليه، ومن وقع فيه قاصِدًا تتابع عليه الإنكارُ
(1)
ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 181.
(2)
وينظر: تفسير ابن المنذر 2/ 790 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والدر 4/ 332 عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وجامع البيان 6/ 310 عن ابن عباس رضي الله عنه، والكشف والبيان 6/ 16، والدر 5/ 277 عنه أيضًا، ومرويات الإمام أحمد في التفسير 2/ 122.
(3)
ينظر: قانون التأويل (ص: 366)، وإعلام الموقعين 2/ 149، والموافقات 4/ 277، والتيسير في قواعد علم التفسير (ص: 140).
والتصحيحُ، والتحذيرُ من هذا المسلك بأكثَر من سبيل
(1)
، كما في الاستدراكات (12، 16، 34، 39، 40، 56، 62، 68، 76، 78).
(2)
ثالثًا: يتحصَّلُ من النظر في مجموع الاستدراكات أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم؛ سواءً منه ما ليس له أصلٌ صحيح، أو ما ضَادَّ النصوصَ الثابتة، أو ما ضَعُفَ مأخَذُه.
(3)
رابعًا: وفي مُقابل ذلك تكون موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها = شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر- على الحقيقة- من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا نقصٍ أو التباس، وأما ما زاد عليه من العلوم فمفيد وليس بلازم.
(4)
خامسًا: كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة فما بعدهم أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير، قال ابن تيمية (ت: 728): (وأمَّا النوع الثاني من مُسْتَنَدَي الاختلاف- وهو ما يُعلَمُ بالاستدلال لا بالنقل- فهذا أكثر ما فيه الخطأُ من جهتين، حدثَتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يُذكَر فيها كلام هؤلاء صِرفًا لا يكاد يوجد فيها شيءٌ من هاتين الجهتين)
(5)
، وينظر
(1)
ينظر: التكميل في أصول التأويل، للفراهي (ص: 216).
(2)
وينظر: تفسير ابن أبي حاتم 5/ 1700 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وتفسير ابن أبي حاتم 4/ 1056 عن ابن مسعود رضي الله عنه، والكشف والبيان 4/ 24 عن ابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 7/ 130 عن جبير بن نفير، وجامع البيان 7/ 193 عن ابن أبزى، والدر 1/ 371 عن عمر بن عبد العزيز، وجامع البيان 4/ 279 عن الحسن، وجامع البيان 9/ 279 عن ابن زيد.
(3)
ينظر: قانون التأويل (ص: 366)، وإعلام الموقعين 2/ 125، والموافقات 4/ 279.
(4)
ينظر: الموافقات 4/ 198.
(5)
مجموع الفتاوى 13/ 355، وينظر منه: 13/ 362.
أمثلةُ ذلك في الاستدراكات (40، 48، 68، 78، 80).
(1)
سادسًا: في الأخذِ بتفاسير السلف، وعدم الخروج عنها عِصمَةٌ من الوقوع في الرأي المذموم؛ الذي كان أحدُ أهمِّ أسباب بروزه مخالفةُ السلفِ والخروجُ عن أقوالهم؛ ولذلك جعل العلماءُ من شروط المفسِّر:(ألاَّ يكون تفسيرُه خارجًا عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة)
(2)
، قال ابن تيمية (ت: 728): (من عَدَلَ عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يُخالف ذلك كان مُخطِئًا في ذلك بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه)
(3)
.
وبِهذا يَتَّضِحُ أثر استدراكات السلف في التفسير على التفسير بالرأي، من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وبيان أَهَمِّ أسباب رَدِّه.
* * *
(1)
وينظر: تفسير ابن سلاَّم 1/ 237 عن ابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 6/ 310 عنه أيضًا، وجامع البيان 7/ 193 عن ابن أبزى رضي الله عنه.
(2)
جامع البيان 1/ 64.
(3)
مجموع الفتاوى 13/ 361. وينظر: التيسير في قواعد علم التفسير (ص: 146)، والإتقان 2/ 351.
•
المَبْحَثُ الخَامِسُ: اخْتِلَافُ مَدَارِسِ التَّفْسِيرِ وَعَلَاقَتُهُ بِالاسْتِدْرَاكَاتِ فِيهِ.
تُطلَقُ المَدرسةُ ويُراد بها لغةً: مكانُ الدَّرسِ والتعليمِ
(1)
.
ثُمَّ تُوُسِّعَ في معناها حديثًا، فصار يُراد بِها في عُرف الاستعمال:(جماعةٌ من الباحثين تعتنقُ مذهبًا مُعَيَّنًا، أو تقولُ برأيٍ مُشتَرَك. ويُقالُ هو من مدرسة فلانٍ: على رأيِهِ ومذْهَبِه)
(2)
.
وعلى هذا دَرَجَ جماعةٌ من المعاصرين
(3)
؛ فاستعملوا مصطلح "مدارس التفسير" في هذا المعنى
(4)
، وقَسَّموا هذه المدارس بحسب أمصار أعلام المفسرين
(1)
ينظر: تهذيب اللغة 12/ 250، والقاموس المحيط (ص: 490).
(2)
المعجم الوسيط (ص: 280) بتصرف يسير. وأشار الدكتور إبراهيم السامرائي إلى أن استعمال لفظة "المدرسة" بهذا المعنى إنَّما جاء تقليدًا للاستعمال الغربي لَهَا؛ والذي يريدون به ما يُقابِل كلمة "مذاهب" في الاستعمال العربي. ينظر: المدارس النحوية (ص: 139 - 141)، ومقال: الدرس النحوي في بغداد أم مدرسة بغداد النحوية، للدكتور محمد قاسم، مجلة التراث العربي، عدد: 64، 1417، و مقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير، للدكتور مساعد الطيار (ص: 295).
(3)
من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تأريخه لعلم التفسير: الدكتور محمد حسين الذهبي، في كتابه التفسير والمفسرون 1/ 110، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين نحو: عبد الله بن عباس ومدرسته في التفسير، لعبد الله محمد سلقيني، ومناهج المفسرين- التفسير في عصر الصحابة، لمصطفى مسلم (ص: 45)، وفي علوم القرآن، لأحمد حسن فرحات (ص: 242)، وتفسير التابعين، لمحمد الخضيري 1/ 365، والمدرسةُ القرآنيةُ في المغرب، لعبد السلام الكنُّوني، ومدرسة التفسير في الأندلس، لمصطفى المشيني، ومنهج المدرسة الأندلسية في التفسير، لفهد الرومي، ومدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم، لمحمد حسين الصغير، مجلة المورد العراقية، مجلد 17/ عدد 4، 1988 م.
(4)
لم أجد تحديدًا لمصطلح "مدارس التفسير" عند أحدٍ ممَّن استعمله، وقد أشار إلى ذلك صاحب تفسير التابعين 1/ 369، ثم لم يُبيِّن أيضًا مراده به!.
من الصحابة والتابعين
(1)
، ومَيَّزوا كُلَّ مدرسةٍ بخصائص تنفرد بِها عن غيرها.
وقد انحصرت بِهذا مدارسُ التفسيرِ في ثلاثِ مدارس
(2)
:
الأولى: مدرسة ابن عباس رضي الله عنه بِمَكَّة، وأشهر تلاميذها سعيد بن جبير (ت: 95)، ومجاهد (ت: 104)، وعكرمة (ت: 105)، وطاووس (ت: 106)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114).
الثانية: مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ رضي الله عنه بالمدينة، وأشهر تلاميذها أبو العالية (ت: 93)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: 108)، وزيد بن أسلم (ت: 136).
(3)
الثالثة: مدرسةُ ابن مسعود رضي الله عنه في العراق، وأشهر تلاميذها علقمة بن قيس (ت: 62)، ومسروق بن الأجدع (ت: 63)، والشعبي (ت: 104)، والحسن (ت: 110)، وقتادة (ت: 117).
(1)
ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 110. وقَسَّم بعضهم مدارس التفسير- باعتبار مصدر التفسير- إلى: مدرسة التفسير بالأثر، ومدرسة التفسير بالرأي. ينظر: أثر التطور الفكري في التفسير في العصر العباسي (ص: 63)، وتفسير التابعين 2/ 1169. والتقسيم بحسب الأمصار هو الأشهر.
(2)
ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 110. ووسَّعها بعضُهم وزاد: مدرسة التفسير في البصرة، والشام، واليمن، ومصر. ينظر: تفسير التابعين 1/ 525. كما قابل بعضُهم بين مدرسة المغاربة والأندلسيين، ومدرسة المشارقة في التفسير. ينظر: المدرسةُ القرآنيةُ في المغرب (ص: 120، 293)، ومنهج المدرسة الأندلسية في التفسير (ص: 8).
(3)
نَسَبَ الخضيريُّ مدرسةَ المدينةِ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه، وذكر من تلاميذها عروة بن الزبير (ت: 94)، وسعيد بن المسيب (ت: 94)، وسليمان بن يسار (ت: 107)، ولم يُشِر فيها إلى أُبَيّ بن كعب أو أحد تلامذته. ينظر: تفسير التابعين 1/ 505.
وهذا يشير إلى ضعف الأصل الذي بُنِيَ عليه تقسيم المدارس وتحديد علمائها وطلابها، ويؤكد ذلك التنازعُ الظاهرُ في تحديد مدرسة عدد من التابعين مِمَّنْ أقام بأكثر من مصرٍ، وأخذَ عن أكثر من شيخ من شيوخ هذه المدارس، كمجاهد، والحسن، وأبي العالية، وأبي مالك الغفاري، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وغيرهم.
وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس
(1)
، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت بعض المسائل في هذا الجانب، وهي:
أولًا: مع أن الاستدراكات هي مَظِنَّة بروز التمايز والتنوع بين هذه المدارس لطبيعة اختلاف الأقوال فيها- على ما سبق وصفه-، ومع كثرة هذا التداخل في الاستدراكات بين مختلف المدارس المذكورة = إلا أنه لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه.
ثانيًا: كما أنه لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس- المذكور- على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم
(2)
، وهذا يشير إلى أمرين:
أولهما: ضعف الوحدة الفكرية الواجبِ توفُّرها في المدارس التفسيرية، والتي تقتضي قِلَّة هذا الاختلاف داخل المدرسة الواحدة.
(3)
(1)
كما في الاستدراكات (17، 20، 59)، ولولا صعوبة تحديد مدارس عدد من التابعين لأُلحِقَ بها عددٌ غير قليل من الاستدراكات نحو (37، 39، 46، 47، 50، 52، 56، 57، 59، 60، 62، 65، 73، 74)، وينظر: بيان إعجاز القرآن، للخطابي (ص: 30) عن أبي الشعثاء وابن مسعود، وتفسير عبد الرزاق 3/ 464 عن أبي العالية والحسن.
(2)
كما في الاستدراكات (36، 46، 51، 55، 61، 62، 65، 75)، وينظر: جامع البيان 2/ 742 عن سعيد بن جبير ومجاهد وطاووس، وسنن سعيد بن منصور 3/ 984 عن إبراهيم النخعي والربيع بن خثيم، وفيه أيضًا 4/ 1633 عن عكرمة ومجاهد، والدر 4/ 265 عن السُّدِّي وإبراهيم النخعي.
(3)
وأشار إلى نحو هذا الدكتور فضل حسن عباس في كتابه إتقان البرهان في علوم القرآن 2/ 234، حيث عَدَل عن استعمال لفظ "مدارس التفسير في عهد التابعين"، إلى التعبير ب: أشهر المفسرين في عهد التابعين. وقال: (لأن المدرسة في لغة العصر: ما كانت لها ممَيِّزات وأُسس). وينظر: تفسير التابعين 2/ 1168.
ثانيهما: لا فرق عند المستَدرِك في استدراكه بين قائلٍ وآخر، بل ربما وقع الاستدراك من الطالب على شيخه
(1)
؛ فإنهم لا يلتزمون آراء شيوخهم في كل موضع في التفسير، بل يجتهدون ثم يوافقون أو يخالفون عن عِلمٍ وعَدلٍ، ولم يكن تنوُّع الأمصار وتعدد الشيوخ مثيرًا لأحدهم في اعتراضه واستدراكه على غيره.
ثالثًا: إن كان المُرادُ باختلاف المدارس وتنوعها اختلافًا فكريًا منهجيًّا يَمَسُّ أصول التفسير ومنهجه فهذا غير موجود بين السلف كما سيأتي، وإن كان المُراد بهذا التنوع اختلافًا وتمايُزًا فرعيًا جزئيًّا فهو موجود- وبشكلٍ ظاهرٍ كما سبق- في داخل كُلِّ مدرسةٍ تفسيرية، فعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن
(2)
وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع.
رابعًا: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير،، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ هذه المدارس في الإلمام بكامل هذه الجوانب، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم، فاعتماد أحدهم في تفسيره على القراءات أو الشِّعْر لا يعني عدم اعتماد الآخر عليها، أو رَدِّه لها، وإنما هو تفاوت في الإقلال أو الإكثار من هذا المصدر أو ذاك.
هذه أبرز المسائل المتعلقة بالمدارس التفسيرية، والتي برزت من خلال
(1)
ينظر: الدر 3/ 533 عن عكرمة وابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 12/ 67 عن سعيد بن جبير وابن عباس رضي الله عنه، وجامع البيان 1/ 164 عن ابن جريج ومجاهد، وجامع البيان 12/ 66 عن قتادة والحسن.
(2)
أي أئمة المفسرين، كما يسميهم ابن جرير. ينظر: جامع البيان 1/ 110.
استدراكات السلف في التفسير، وهي في مجملها- في الاستدراكات المدروسة وغيرها- لا تحتوي أيَّ إشارةٍ تَدُلُّ على وجود هذه المدارس في عصر السلف، بحسب المعنى اللغوي المتعارف عليه لهذه الكلمة.
فإذا انضاف إلى هذه المسائل عدمُ وجودِ تعريفٍ واضحٍ لهذا المصطلح عند من استعمله، وعدمُ الاتفاقِ على تقسيمٍ واحدٍ مستوعِبٍ لهذه المدارس، وعدمُ صحةِ نسبةِ عددٍ من أعلام مفسري التابعين إلى هذه المدارس؛ لا بحسب الشيوخ، ولا بحسب الأمصار، وعدمُ شمولِ هذا المصطلح ليستوعبَ كُلَّ من له مشاركة في علم التفسير من أعلام التابعين، وحيث إن كلمة "مدرسة" في عُرف الاستعمال تتضَمَّن نوعًا من الاختلاف أكبرُ وأعمقُ من الاختلاف الموجود بين السلف في علم التفسير، وفي غيره من العلوم = اقتضى ذلك كُلُّه إعادةَ النظرِ في هذا الاصطلاح؛ وتجاوزه إلى التعبير بما هو أصَحُّ وأدقُّ في الدلالة على المُراد منه؛ سواءً في بيان أئمة المفسرين من الصحابة ومن لهم جمهرةٌ من الطلاب اختَصُّوا بهذا العلم، أو بيان أشهر الأمصار التي تميزت ببثِّ علم التفسير بصورة واضحة. ومِمَّا يَصِحُّ أن يُعَبَّر به في هذا المقام، قول ابن تيمية (ت: 728) رحمه الله: (وأما التفسير فإن أعلمُ الناس به أهلَ مكةَ؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب)
(1)
.
* * *
(1)
مجموع الفتاوى 13/ 347.
•
الْخَاتِمَة
•
الحمد لله على إتْمام النعمة، واكتمال مباحث هذه الرسالة، وأسأله تعالى المزيد من فضله وتوفيقه، وبعد:
فهذا آخرُ هذا البحث وخاتِمَتُه، والتي أعرضُ فيها- بإذن الله- أبرزَ النتائج، وأهمَّ التوصيات، موضِّحًا جُملَةً من القضايا التي تبيَّنَت وتأكَّدَت من معاناة هذا البحث عدَدَ سنين، على ضخامة مادَّته، وتشَعُّب علومه ومسائله، وقد ثنيتُ القلم مرارًا عن كثير من العلم؛ اقتصارًا منه على ما توثَّقت صلته بعلم التفسير، وعَظُمَت فائدته فيه. وتتلخَّصُ هذه النتائج فيما يأتي:
أولًا: إن أَهَمَّ وأَجَلَّ مرحلةٍ في تاريخ علم التفسير هي: التفسير في عهد السلف؛ من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إذ إنها مرحلةُ نشأةٍ ونضوجٍ، واكتمالٍ وتمام في آنٍ واحد، فقد تكامل هذا العلم بأصوله وقواعده، ومنهجه وطرائقه في ذلك العهد الفاضل، وهذا من مقتضى خيرية تلك القرون الكاملة في العلم والدين، وهو كذلك ما يوقن به كُلُّ مطالعٍ لأخبارهم، ودارسٍ لتراثهم في هذا الباب.
ثانيًا: للتوصُّل إلى أنواع العلوم والمعارف التفسيرية في زمن السلف يَتَعَيَّنُ تفصيل طرائقهم ومسالكهم في تناول هذا العلم بيانًا وتبليغًا، ومنها هذا النوع من أنواع البيان، وهو: الاستدراكات في التفسير.
ثالثًا: اهتمَّ مُفَسِّروا السلف ببيان المعاني القرآنية غاية الاهتمام، وصَحَّحوا للناس معاني القرآن كما صَحَّحوا لهم أداء ألفاظه، ولأجلِ ذا تميَّزت تفاسير السلف بالإجمال، والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، والاستشهاد بألفاظهم وأساليبهم السليمة على المعاني، وكان عامَّةُ تفسيرهم على المعنى تسهيلًا وتقريبًا.
رابعًا: نَشَأَتْ الاستدراكاتُ في التفسيرِ مع أوَّلِ نَشْأَةِ التفسيرِ وظهورِه؛ فإنها طريقةٌ مُعتَبَرةٌ في بيان المعاني وإيضاحها، بل كان هذا الأسلوب من أفضل أساليب الردِّ والتصحيح، بعد البيان والتوضيح الذي يَتَوَخَّاهُ المفسِّرُ بأساليبَ كثيرة.
خامسًا: اعتمدَ السلفُ كثيرًا على هذا النوع من البيان في الكشف عن معاني القرآن وتصحيحها.
سادسًا: كان أوَّلُ ظهور الاستدراكات في هذا العلم: في بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بِحَظِّهِ من البيان النبوي، ومن ثَمَّ صارَ منهجًا مُتَّبَعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومَنْ بعدهم من أئِمَّة المفسرين؛ اقتداءًا بالهدي النبوي في ذلك، وأخذًا بفوائد هذا الطريق وعوائده الجليلة في التفسير.
سابعًا: أصبحت الاستدراكاتُ سَمتًا عامًّا في كتب التفسير المتوسطةُ والموَسَّعَة دون المختصرة، وصارت دليل تمكُّنٍ واقتدارٍ من المفسر في علمه، لما فيها من النقل والتحليل، والتصحيح والاختيار، ولا يتيسر هذا لِنَقَلَةِ التفسير غير المتبحرين فيه.
ثامنًا: كُلَّما اشتهرَ كتابٌ في التفسير، وعظُمَ اهتمامُ الناس به، كثَرت الاستدراكات والتَّعَقُّبات عليه، ومن أظهرِ الأمثلة على ذلك تفسير:"جامع البيان عن تأويلِ آيِ القرآن" لابن جرير الطبري (ت: 310) رحمه الله.
تاسعًا: تنوعت الاستدراكات باعتبار قائليها، وموضوعاتها، وأغراضها في تفاسير السلف تنوُّعًا ظاهرًا، فبالنظر إلى قائليها كان منها الاستدراكات النبويَّة، واستدراكات الصحابة على بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، وعلى التابعين. وكذا استدراكات التابعين على الصحابة، وعلى بعضهم، وعلى قولٍ مُطلَقٍ، وعلى أتباعهم. ثم كانت استدراكات أتباع التابعين على سَنَنِ استدراكات التابعين. وكان من موضوعاتها الاستدراكات في معاني الآيات وأحكامها وقراءاتها.
عاشرًا: دارت أغراضُ الاستدراكات في التفسير بين غرضين رئيسيين:
الأول: رَدُّ القول المُستَدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئِه، مع بيان وجه نقده واعتراضه أحيانًا.
والثاني: تكميلُ نقصِ القول المُستَدرَك، وإزالة لَبْسِه، وتوجيه السامع إلى معنىً أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكَر أحيانًا.
إحدى عشر: تمَيَّز هذا النوع من أنواع بيان علم التفسير باشتماله على جُملَةٍ وافِرةٍ من أصوله ومسائله، بل تعَدَّى أثرُه ليشمل عامَّة أصول ومسائل علم التفسير، على تفاوتٍ في وضوح ذلك وخفائه في كُلِّ موضع.
اثنى عشر: أبرزَ البحثُ أثر استدراكات السلف في التفسير على أربعة فروع من علوم التفسير، وهي:
1 -
وجوه الترجيح في التفسير، وهي وإن لم تكن بهذا الوضوح والتنصيص في تفاسير السلف إلا أنها معتمدهم ومرجعهم في الترجيح والاختيار، وسبيل معرفة هذه الوجوه من أقوال السلف ليس بقريب؛ لحاجته إلى استقراء أقوالهم وردودهم، ثم استخراجها منها. وقد قَرَّبَت الاستدراكاتُ هذه الوجوه وأبرزتْهَا، وساهمت في حصر أنواعها، وما يُعتَبَرُ منها، وجعلتها في مُتناوَل المفسرين بعدهم في كل زمان؛ جمعًا وتدوينًا، وتنقيحًا وتطبيقًا.
2 -
أسباب الخطأِ في التفسير، إذ تَضَمَّنت الاستدراكاتُ إشاراتٍ تُبيِّن عددًا من هذه الأسباب، والتي بلغت أربعةً وعشرين سببًا، تتفرَّع في جُملَتِها عن أمرين رئيسيَّين:
الأول: القُصُورُ في أهْلِيَّةِ المُفَسِّرِ، وعدم تمكنه من تحقيق ما هو بصدده.
والثاني: القُصُورُ في تَطْبِيقِ القَواعِدِ الشَّرعِيَّةِ والعِلْمِيَّة الحَاكمةِ لهذا العِلم، والضابطةِ لأصوله، والمبيِّنةِ لمنهجه في البيان والاختيار والترجيح.
وكان من أثر الاستدراكات في هذا الجانب إبرازه، وبيان مدى اهتمام مفسري السلف بالإشارة إليه تصريحًا وتلميحًا، ودِقَّتهم في تحديده في كل موضع، مع حسن الإشارة والأدب في تنبيه من وقع فيه، والزجر والإغلاظ على من استحقه من معاند أو مكابر. كما بَيَّن البحث أن هذه الأخطاء كانت أصول وبذور كُلِّ خطأٍ وانحراف حدث بعد ذلك في التفسير.
3 -
أسباب الاختلاف في التفسير، فقد تَبَيَّن من النظر في مجموع الاستدراكات عِدَّةَ أسبابٍ للاختلاف، ترجع على وجه العموم إلى جهتين: الأولى: المُفَسِّر. والثانية: الآيات القرآنية لفظًا ومعنىً. وقد أمكن حصرُ هذه الأسباب في ثمانية أوجه، كُلُّها أسبابٌ معتبرة، وليس فيها خلافٌ مبعثه جهلٌ أو هوى، وأكثرها راجعٌ إلى أمرين:
أوَّلهُمَا: احتمال العموم أو الخصوص.
وثانِيهِما: احتمال اللفظ لأكثرَ من معنى.
وهُما سببان مُتَعَلِّقان بالمُفرَدَةِ القرآنيَّةِ، ودلالاتِها المُتعدِّدَة بحسب وضعها- لُغَةً وشرعًا وعُرفًا-، وسياقها- زمانًا ومكانًا-.
4 -
التفسير بالرأي، وهو: اجتهادُ المفسِّر في فَهم القرآن وبيان معانيه. وقد اتَّضَحَ أثر الاستدراكات في التفسير على هذا الجانب من جِهَةِ بيان ما يدخله الرأي من التفسير، وأنواع الرأي، وما يُقبَلُ منه وما يُرَدّ، وأهمِّ أسباب ردِّه. وقد كان تفسير السلف بالرأي محصورًا في ما يصحُّ فيه إعمال الرأي والنظر، ثُمَّ التزم تفسيرهم بالمحمود من الرأي؛ وهو ما استند إلى علم صحيح، وتَبَيَّن أن الرأيَ المُخالف للعربية وللأدلة الشرعية رأيٌ مذموم، وأن موافقة العربية في ألفاظها وأساليبها، والأصول الشرعية وأدلَّتها، شرطانِ مُهِمَّان في صِحَّة الرأي المُفَسر به وقبوله، والعلم بِهِما هو ما يحتاجه المُفسر من العلوم، وبالقدر الذي تتبَيَّنُ له به معاني الآيات بلا
نقصٍ أو التباس. ثُمَّ كان لظهور البدع والأهواء في أواخر عهد الصحابة أثرٌ بارزٌ في ظهور الرأي الفاسد في التفسير.
ثالث عشر: بَيَّن البحث المراد بمدارس التفسير عند من استعمله من الباحثين، وحَدَّد أمصارها، وأعلامها من الصحابة والتابعين. وقد احتوت استدراكات السلف في التفسير عِدَّةَ نماذجَ من استدراكات أصحابِ كُلِّ مدرسةٍ على غيرها من المدارس، وهذه الجُملة الوافرة من الاستدراكات أوضحت مسائل مهمة في هذا الجانب، وبيانها:
1 -
لا أثر في الاستدراكات يشير إلى وجود هذه المدارس أو تَمَايُزها، لا من جهة الإشارة إلى بلد المفسِّر، ولا من جهة الإشارة إلى شيوخه.
2 -
لا أثرَ أيضًا لتنوُّع المدارس على وجود الاستدراكات، أو قِلَّتها وكثرتِها، بل احتوت الاستدراكات نماذِجَ عديدةً من استدراكات أصحاب المدرسة الواحدة على بعضهم.
3 -
أن الاختلاف بين مدارس التفسير إمَّا أن يكون أصليًّا جوهريًّا، وهذا غير موجود بينهم، بل أثبت البحث اتفاق أصولهم واتحاد منهجهم. وإمَّا أن يكون فرعيًّا ثانويًّا وهذا موجود داخل المدرسة الواحدة من هذه المدارس، وعلى كِلا المعنيين لا يَصِحُّ إطلاقُ هذا المصطلح على تراجمةِ القرآن وأمصارهم؛ لعدم مطابقته للواقع.
رابع عشر: أكَّدت جمهرةُ الاستدراكات اتِّحادَ منهج وأصول التفسير عند السلف بجميع طبقاتهم، وهذا من أظهر نتائج دراسة الاستدراكات في الباب الأول، فجميعُ مفسري السلف معتمدون في تفاسيرهم على القرآن، والسنة، ولسان العرب، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، والإسرائيليات، ونحوها ممَّا يلزمُ للتفسير، لا يخرجون عن ذلك، ولا يختلفون عليه، وتفاوُتُ علماءِ السلف في الإلمام بهذه الجوانب على الكمال، لا يعني اختلاف مناهجهم وتعدد مدارسهم.
خامس عشر: تَجَلَّت في هذا الموضوع صورٌ مشرقةٌ من أدب الخلاف بين السلف، وحُسن البيان في الاعتراض، كما أوَضَّح البحث أسباب الإغلاظ في الرَدِّ أحيانًا، وتخريجه وتوجيهه، وقد احتوى في أثناء ذلك الخلاف على نماذج رائعة للرجوع إلى الحق عند ظهوره كما هو دأب القوم رحمهم الله تعالى.
هذه أبرز نتائج الدراسة، وقد اشتملت إلى ذلك على عدد من المسائل العلمية التي تحتاج إلى مزيد بيانٍ وقصدٍ بالجمع والتحقيق، إلى جانب بعض التوصيات الهادفة إلى رفع مستوى التأصيل والإيضاح لجُملَةٍ من علوم التفسير والقرآن، وأُجمِلُ جميع ذلك فيما يأتي:
أولًا: توجيه الباحثين إلى تمييز طرائق السلف ومناهجهم في هذا العلم، ومن ثَمَّ إفراد هذه الطرائق بالجمع والدراسة، واستخلاص أصول وشواهد علوم التفسير المتنوعة من هذا المجموع بعد ذلك، على سَنَن دراسة استدراكاتهم في التفسير.
ثانيًا: الدعوة إلى جمع مرويَّات التفسير وعلومه من جميع كتب الإسلام المسندة في كافَّة العلوم، لتكون موردًا أصيلًا لكلِّ دراسةٍ احتاجت إلى مطالعة تلك المرويَّات والصدور عنها. فقد رأيت أثناء جمعي لروايات الاستدراكات من كتب التفسير والسنة، أن ثَمَّةَ جُملَةً وافِرَةً من المرويات التفسيرية في غير هذه الكتب، وأخُصُّ من ذلك كتب اللغة والأدب، والوعظ والرقائق.
وهذا مشروع جليل ضخم، يحتاج إلى جهاتٍ إشرافية وتنفيذيَّة على قدرٍ عالٍ من الكفاءة والتحقق في هذا العلم.
(1)
(1)
تحقق هذا بفضل الله في "موسوعة التفسير المأثور" التي أصدرها معهد الإمام الشاطبي بجدة، سنة 1439، في (24) مجلدًا، شاركت فيها في عدد من أبحاث المقدمات، مع رئاسة قسم التوجيه العلمي للموسوعة.
ثالثًا: تكرر عن السلف: "الاستنباط" و"التفسير على الإشارة والقياس"، وهذا النوع من العلوم يحتاج إلى دراسةٍ وافيةٍ تُبَيِّنه، وتحدد مجاله، ومنْزلته من التفسير، وتطبيقاته عند السلف، ونحو ذلك ممَّا يزيده جلاءً وبيانًا؛ لشِدَّة الحاجة إلى تحريره وتأصيله من خلال تفاسير السلف على الخصوص.
(1)
رابعًا: وجوب العناية بتقريب معاني الآيات، وتسهيلها للناس بكلِّ سبيل مباحٍ مُتاح، كما كانت عادَة السلف في ذلك، من نحو التفسير على المعنى، والإجمال والاختصار، وضرب الأمثال من واقع الناس، وربط الحوادث المستجدَّة لديهم بمعاني صحيحة من آيات القرآن.
خامسًا: يلزم العناية بآثار السلف في الإشارة إلى أسباب الخطأِ في التفسير، والصدور عنها في رّدِّ كُلِّ انحراف وخطأٍ يحصل في تفاسير من بعدهم في كُلِّ زمان ومكان.
سادسًا: أهمية جمع الإسرائيليات الواردة عن الصحابة على وجه الخصوص، ثُمَّ دراستها دراسةً تحليلية، تكشف عن منهجهم فيها، وتؤَصِّل لمن بعدهم هديًا قصْدًا لا إفراط فيه ولا تفريط.
(2)
هذا ما تيسر جمعه والدلالة عليه، وبالله تعالى التوفيق، وأسأله تعالى حُسنَ القبول، وحُسنَ الخِتام، وآخرُ دعوايَ أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
(1)
وقد يسّر الله لي إتمام ذلك في كتاب: "علم الاستنباط من القرآن .. المفهوم والمنهج"، وهو مقرر تعليمي درسي، صدر عن معهد الإمام الشاطبي بجدة سنة 1440.
وبقيت فكرة جمع المأثور عن السلف في هذا الباب، نسأل الله أن ييسّر من يتمّها من أهل العلم وطلابه.
(2)
اجتهدت في تحقيق ذلك مدّة أربع سنين، من 1435 إلى 1439، وأتممت فيه ثلاثة أبحاث جُمعت في كتاب واحد، وهو:"الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري .. الرواة - الموضوعات - المقاصد"، وطُبع عن مركز تكوين في الدمام، سنة 1439.