المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأول: عدم تسمية الكتاب من قبل المصنف نفسه - الأباب في ضبط اسم الكتاب

[عبد القادر المحمدي]

الفصل: ‌الأول: عدم تسمية الكتاب من قبل المصنف نفسه

فلو ثبت أنّ الترمذي سمّى كتابه الجامع الصحيح فهل هي مثل تسميته الجامع أو السنن أو الجامع المعلّ؟ بالتأكيد لا، وهل كلام العلماء في الترمذي ومنهجه سيكون بنفس الطريقة؟ لذا فمن يصف الترمذي حينئذ أنه متساهل لأنّه يخرج عن الضعفاء في (سننه) أو (صحيحه)، سيغير حكمه على الترمذي فيما لو ثبت لديه أنّ الترمذي أراد به جامعاً معلّاً!

ثم تجدك أحياناً أمام مشكلة أخرى، فتجد بعض أهل العلم حينما يعدد مصنفات عالم من العلماء يذكر له عدة عناوين متقاربة جداً قد يصفها بعضهم أنها مفقودة! ثم بعد التحقيق تجدها كتاباً واحداً، وأمثل بمثال واحد على هذا القول:

كتاب (الأفراد) لمسلم بن الحجاج رحمه الله، إذ فرق بعض أهل التراجم والفهارس بين هذا العنوان و (من ليس له إلا راو واحد)، وعداه مصنفين له (1)، والصحيح أنه مصنف واحد، كما بينه ابن خير الأشبيلي فسماه (الأفراد في ذكر جماعة من الصحابة والتابعين ليس لهم إلا راو واحد من الثقات)(2).

وأوضح منه: عدُّ صاحب كشف الظنون كتاب (الإنتفاع بجلود السباع) وكتاب (الانتفاع بأهب السباع)،كتابين مستقلين لمسلم رحمه الله (3)، والصحيح أنه كتاب واحد.

لهذا أردنا مناقشة هذه المشكلة ببعض توسع، وهو في نهاية الأمر لا يعدُ محاولة لفهم هذا الإشكال، فإنْ أصابت فبتوفيق من الله تعالى وحده، وإنْ أخطأت فمن ضعفي وقصوري، والله أعلم.

‌ويمكن عزو أسباب ما قدمناه إلى أسباب مختلفة:

‌الأول: عدم تسمية الكتاب من قبل المصنف نفسه

.

فيظهر من صنيع المتقدمين من أئمة الحديث المصنفين أنهم كانوا يجمعون أحاديثهم بشكل كتب متعددة حسب مضمون الكتاب، ويطلقون عليه اسماً مناسباً لهذا المضمون، ككتاب الطهارة، وكتاب الطلاق، وكتاب العلم

الخ

وكانت هذه الكتب مرجعاً للمحدث، يضبط حديثه عليه، إذ كانت لدى غالب الإئمة كتب يراجعونها، بل يعاب على الشيخ الذي ليس لديه كتاب، ولمّا كان الكتاب قد يداخله الخلل أو التلف أو الضياع،

وغيرها من الآفات آثر المحدثون تقديم ضبط الصدر على ضبط الكتاب، لمن يضبطه، أما من لا يضبط

(1) ينظر: تذكرة الحفاظ 2/ 590،والحطة، القنّوجي ص248.

(2)

فهرسة ابن خير الاشبيلي ص181.

(3)

كشف الظنون، حاجي خليفة 1/ 175،و2/ 1399.

ص: 2

فلا يثبتون حديث هذا الشيخ ما لم يعارض بكتابه، والمسألة تحتاج مزيد تفصيل ليس محلها هنا، ولكن الذي أريد قوله: أنهم حينما يصنفون أحاديثهم كانوا يجمعونها على شكل كتب ثم يخرجونها للناس

وهذه الكتب المتفرقة تجمع في مصنف واحد، والذي يجمعها في العادة هم تلامذة الشيخ، فمن حضر كل المجالس جمع المصنَّف كله بكتبه المتفرقة، وأمّا من فاته مجلس، فقد فاته بعض الحديث، ومن فاته أكثر من ذلك، يفوته كتاب أو كتب من مصنف شيخه ذا، قال عبد الله بن أحمد:"قلت لأبي: هذه الأحاديث التي تقول: قرأت على عبد الرحمن عن مالك سمعها أو عرضها؟ فقال: قال عبد الرحمن: أما كتاب الصلاة فأنْا قرأته على مالك. قال عبد الرحمن: وسائر الكتب قرئت على مالك وأنا أنظر في كتابي، قال: قرأت على عبد الرحمن كتاب الصلاة، وكتاب الطلاق، وكتاب الحج، فأما الصلاة فعبد الرحمن قرأه على مالك، وسائر الكتب قرئت على مالك وعبد الرحمن حاضر لها"(1).

وقد عنى أحمد ههنا سماع عبد الرحمن بن مهدي من مالك في موطئه، فلا يسوغ الاعتراض بانه قصد كتاباً آخر! ولهذا جئت به.

لذا تجد الاختلاف في نسخ كتاب واحد (مصنف) بين تلاميذ شيخ واحد، كاختلاف الروايات عن أبي داود لكتابه السنن، قال الحافظ ابن حجر:" فروايتا اللؤلؤي وابن داسة متقاربتان إلاّ في بعض التقديم والتأخير، وأما رواية ابن الأعرابي فتنقص عنهما كثيراً، وقد سقط من رواية ابن داسة من كتاب الأدب من قوله: (باب ما يقول إذا أصبح وإذا أمسى) إلى: (باب الرجل ينتمي إلى غير مواليه). وكان يقول: قال أبو داود. ولا يقول: حدثنا أبو داود. وأما رواية ابن الأعرابي فسقط منها: كتاب الفتن، وكتاب الملاحم، وكتاب الحروف، وكتاب الخاتم، وكتاب اللباب، وفاته من كتاب الطهارة والصلاة والنكاح أوراق كثيرة خرجها من رواياته عن شيوخه"(2).

وتأمل ههنا في قول الحافظ: (وفاته من كتاب ............)،فهو واضح جلي.

ومن ذلك -مثلاً- قول الحاكم:" ولمسلم المسند الكبير على الرجال ما أرى أنه سمعه منه أحد و"كتاب الجامع على الأبواب" رأيت بعضه "(3). قوله: بعضه، يشير إلى أنه كان على اجزاء متفرقة.

(1) علل أحمد (2423).

(2)

المعجم المفهرس، ابن حجر ص31.

(3)

نقله الذهبي في تذكرة الحفاظ 2/ 126.

ص: 3

وهكذا في اختلاف النسخ عن كل الأئمة، ولذا تجد كلما زاد عدد الرواة عن الشيخ زادت اختلافاتهم، وهو أمر طبعي، يدل على ورعهم، وتعظيمهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانت على زماننا لسلخ بعضهم من بعض! نسأل الله العافية.

فلم يكن شائعاً في زمان الأئمة رحمهم الله كتابة اسماء مصنفاتهم على كتبهم، أو حتى إطلاق أسماء معينة، فهم يسمون مصنفهم بوصفه طريقة تصنيف: مسند، جامع، صحيح، مختصر

وهكذا كانوا يترك أكثرهم الكتب المجموعة في مصنف واحد دون أسماء، ويضعون لهم شروطاً يصرحون بها أحياناً ويسكتون أحياناً أخرى،،ويضع بعضهم -القليل - مقدمات توضح تصرفهم، ولكنهم في الغالب لا يطلقون عليها اسماً معيناً.

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله:"والشافعي لم يسمِّ الرسالة بهذا الاسم، إنما يسميها (الكتاب) أو يقول كتابي أو كتابنا. وانظر الرسالة (رقم 96، 418، 420، 573، 625، 709، 953) وكذلك يقول -الشافعي- في كتاب (جماع العلم) مشيراً إلى الرسالة:" وفيما وصفنا ههنا وفي (الكتاب) قبل هذا " (1).ويظهر أنها سميت (الرسالة) في عصره، بسبب إرساله إياها لعبد الرحمن بن مهدي "(2).

ثم هذا الجمع إما أنْ يكون مرتباً على أبوب الفقه: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة .. ،أو يرتب على شكل مسند فيكون كل جزء حاوياً على حديث صحابي ما، كحديث أنس، وحديث جابر، وحديث أبي هريرة، ثم تجمع بعدها من قبل الإمام المصنف أو تلامذته، وهكذا.

ثم تشتهر بين تلامذته -من بعد المصنِّف-باسم الصحيح، أو سنن فلان، أو مصنف فلان، أو جامع فلان .... ولهذا لم يشتهر عنهم القول: حدثنا فلان في جامعه أو سننه، ولا يعزون إلى اسمه، بل يقول: في كتابه. أو يقول: من حديثه. فاطلق المحدثون من بعد زمن المصنفين الأُول أسماء تلك الكتب باعتبار وصفها لا أنها اسم من نسج المصنف، فأطلقوا (المصنَّف) على طريقة معينة لجمع الرويات ثم قالوا:(مصنف عبد الرزاق)، (مصنف ابن أبي شيبة)،والجامع على طريقة أخرى، فقالوا:(جامع معمر)،وأطلقوا السنن على طريقة ثالثة، فقالوا:(سنن أبي داود)، (سنن النسائي) .. وهكذا.

(1) الأم 7/ 253.

(2)

مقدمة الرسالة ص12.

ص: 4

وإلاّ فلا يخطر ببال أحدنا جزماً أن يسمي أبو داود كتابه سنن أبي داود!، وكذا النسائي وكذا أحمد وكذا معمر

الخ

أقول: ربما كتبوا مثلا: السنن، أو المسند أو الجامع، أو المصنف .. -أقول ربما - ثم جاء تلامذتهم وزادوا فيه اسم الشيخ للتمييز، ولو سلمنا بهذا جدلاً فلا ينفي أصل القول من أنهم لم يسموا كتبهم بهذا التسمية، ولهذا تجد اختلافاً كبيراً في اسم كتاب واحد، فمثلاً: الدارمي بعض النسخ المخطوطة جاءت (سنن دارمي)،وبعضها (مسند الدارمي)،وبعضها (المسند الصحيح الجامع)،وكذا الترمذي: مرة سمي بـ (جامع) ومرة (سنن)،ومرة (الجامع الصحيح)، ومرة (الجامع الكبير)،ومرة:(الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل) .... وهكذا.

وتدرك هذا الاختلاف في الاسماء بشكل أدق في المعاجم المسندة والأثبات، كونهم يوردون اسماء الكتب بصورة أدق من غيرهم ممن يكتب في التراجم والسير، الذين يوردون الأسماء باختصار وتصرف، ومن هذه الفهارس المسندة: فهرسة ابن عطية الأندلسي المحاربي (ت 542هـ)،وفهرسة ابن خير الإشبيلي (ت: 575هـ)، وبرنامج الوادي آشي الأندلسي (ت 749هـ)، والمعجم المفهرس لابن حجر العسقلاني (ت852)،وغيرها.

فالأمر الذي يجب التنبه إليه: أنّ اسماء الكتب اليوم هي ليست من نسج المصنف بالضرورة، وإنما قد تكون من نسج الطلاب أحياناً، ومن تصرف النساخ غالبا، وهذا الأمر يستحق الدراسة والتتبع لأنه تترتب عليه -اليوم- أمور كثيرة، فلو ثبت أنّ اسم الترمذي (الجامع) يختلف عنه لو كان (الصحيح) أو (السنن)،وهذا يعرف فرقه طلبة العلم.

لذا فلا تجد إماماً من الأئمة يذكر اسم مصنفه في مصنف له ثان، بل يقول: كتابي الكبير (1)،أو كتابي الأخر، أو يصفه بصفة ما بما يميزه للسامع أو للقارئ.

وربَّ معترض يعترض علينا أنّ الإمامين البخاري ومسلماً قد سمّيا كتابيهما، كما درسه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله، ورجح هناك أنّ اسم صحيح البخاري: (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور

(1) ينظر: صحيح ابن خزيمة (2883) و (2885)،و (2959).

ص: 5

رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه)، بما نص عليه ابن خير الاشبيلي في فهرسته (1)، وابن الصلاح في مقدمته (2)،وتبعه النووي في تهذيب الاسماء، وغيرهم، وكذا جاء في بعض النسخ.

ورجح الشيخ أبو غدة اسم صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) كما نص عليه ابن خير الاشبيلي في فهرسته (3)،وغيره.

قلت: ولا ايراد فيه على ما قدمنا، فالاشكال باقٍ في عدم اثباتهما على طرة الكتاب، ويؤيد هذا وقع الاختلاف الكبير في اسميهما بين النسخ المختلفة والأثبات، كما نقلهما الشيخ هناك، ولا أدلّ على ذلك من عدم جزم النووي باسم صحيح مسلم بما جزم به ابن الاشبيلي! ثم يعكر على الشيخ أبي غدة رحمه الله أنّ ابن عطية الأندلسي ت (542هـ)،سمّاه في فهرسته (المسند الجامع الصحيح المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو أسبق من ابن خير الاشبيلي.

وهكذا فالخلاف يبقى قائماً، وقل مثل ذلك في اسم كتاب الإمام البخاري فجاء في بعض النسخ (الجامع الصحيح)،و (الجامع المسند الصحيح ..)،وسمّاه الحافظ في الهدي (4):(الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه). الخ.

والأظهر -عندي-أنّ الاسمين هما شرطاهما في كتابيهما، وتأمل قول الحاكم في كتابه: تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم: "أنا مبين إن شاء الله أسامي من أخرجهم محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح، ومسلم بن الحجاج في المسند الصحيح"(5). فوصف صحيح البخاري بـ (الجامع الصحيح)،ووصف صحيح مسلم بـ (المسند الصحيح)،فالأئمة يطلقون وصف (المسند) على طريقة تصنيف الكتاب، ويطلقون (الصحيح) على وصف لحال تلك الأسانيد، ومثله بالنسبة للجامع الصحيح، وقد أطلقوا اسم المسند الصحيح على أكثر من كتاب.

(1) فهرسة ابن خير الأشبيلي ص82.

(2)

مقدمة: ص26.

(3)

ص86.

(4)

هدي الساري ص6.

(5)

تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم ص35.

ص: 6