الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتأسيسًا على ما سبق يمكننا أن نتخيل أو نتصور مكتبات المساجد وقد امتلأت رفوفها بالكتب والمخطوطات والمصورات من كل لغة ومن كل لون ومن كل بلد، كما يمكننا أن نتصور حال المساجد وهي تعج بآلاف المسلمين من طلاب العلم ما بين جالس في حلقة يستمع لأستاذ أو يسأل، أو منكب على كتاب يقرؤه، أو باحث ينقب في مخطوطة يحاول فهم ما بها، أليست هذه الصورة نادرة ورائعة لمجتمع بلغ أوج الازدهار في النهضة العلمية بفضل شرارة الدين التي أوقدت هذه الشجرة المباركة؟ فسطعت مصابيح العلم فروعها زاهية باهية رائعة.
[من الآثار الإيمانية والتربوية للمسجد]
[التعارف والأخوة الإسلامية]
من الآثار الإيمانية والتربوية للمسجد 1 - التعارف والأخوة الإسلامية: إن التعارف قاعدة من قواعد الآداب الإسلامية، بل هو ضرورة من ضرورات التعامل بين الناس، فالجار يحتاج إلى جاره، ولا يمكن أن يتعامل معه إلا إذا تعارفا، وكل واحد من الناس قد يحتاج إلى غيره، فكيف يتعامل معه بدون تعارف بينهما؟
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13](1) .
والمسجد كفيل بإيجاد تعارف أخوي إيماني لا ينسى، ذلك أن المصلين في الحي الواحد لا يلتقون في المسجد غالبًا إلا لأداء صلاة الفريضة، أما إذا كانت تربطهم حلقات الدرس في المسجد فإن لقاءهم يكون أكثر، وكذلك صلاة العيدين والجمعة وغيرها. إن أهل الحي الواحد بعد فترة قصيرة يصبحون كلهم متعارفين بسبب تكرار رؤية بعضهم بعضًا ومصافحة بعضهم بعضًا، ولقائهم في حلقات الدروس عند العلماء، وهكذا.
ولكن التعارف بين المسلمين، ليس هو مجرد معرفة اسم الشخص واسم أبيه ولقبه ووظيفته فقط، وإنما المقصود منه هو أهم من ذلك، وهو تقوية أواصر الأخوة الإيمانية التي يترتب عليها العمل بكل ما يقويها من المحبة، والتزاور والتواصل وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وإعانة المحتاج والضعيف وإفشاء السلام، وطلاقة الوجه وطيب الكلمة، والتواضع وقبول الحق، والعفو والسماحة ودفع السيئة بالتي
(1) سورة الحجرات الآية (13) .
هي أحسن، والإيثار وحسن الظن، ونصر المظلوم، وستر المسلم إذا وجدت منه هفوة، وتعليم الجاهل، والإحسان إلى الجار، وإكرام الضيف، وأداء الحقوق إلى أهلها، والنصح لكل مسلم وهذا كله منطلقه بيت الله.
وكذلك تجنب كل ما يضعف الأخوة الإيمانية من ظلم وحسد، واحتقار وسخرية، وغيبة ونميمة، وهجر وقطيعة، وفعل ما يثير الشك والقلق عند أخيه المسلم، ومنافسة على بعض أمور الدنيا التي قد شرع فيها، كالبيع على البيع، والخطبة على الخطبة، والغش والكذب.
وقد كانت هذه المعاني العظيمة من الأخوة الإيمانية وتعاطي ما يقويها، وتجنب ما يضعفها موجودة في أعلى صورها عندما كان المسجد موجودا في أعلى صورة له، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين، وقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم أول أخوة، وهي أخوة المهاجرين والأنصار الذين أظلهم مسجده الشريف، وربطت أخوتهم الشهادتان، ووحدتهم راية الجهاد في سبيل الله حتى لقد عزم أخ من الأنصار أن يتنازل لأخيه من المهاجرين عن شطر ماله، وإحدى زوجتيه