المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌استدراج الله للأمم بالنعم - دروس للشيخ سفر الحوالي - جـ ٢١

[سفر الحوالي]

الفصل: ‌استدراج الله للأمم بالنعم

‌استدراج الله للأمم بالنعم

وقال الله سبحانه وتعالى أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:94 - 99].

إن هذه الآيات التي يبين الله سبحانه وتعالى فيها أنه ما أرسل من نبي في قرية إلا أخذ أهلها بالبأساء والضراء، ثم بدل مكان السيئة الحسنة، أي: أنهم أبدلت سيئاتهم وكربهم تلك بحسنات ونِعَم، ثم ماذا حصل لهم بعد ذلك؟ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا: قد مس آباءنا السراء والضراء، كانوا يتكلمون مما عفى عليهم، يقولون: قد مس آباءنا في الماضي السراء والضراء، وهم منعمون وينزل عليهم من الخيرات الشيء الكثير، ماذا حصل لهم بعد ذلك؟ قال تعالى:{فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [الأعراف:95] فالذي ينظر إلى واقع المسلمين اليوم، وينظر إلى مثل هذه الآيات يجدها تتمثل في واقعنا وحياتنا.

كان آباؤنا وأجدادنا قد مستهم البأساء والضراء، فبدلنا مكان السيئة الحسنة، حتى تنعم كثير من المسلمين، وعندها بدأ كثير منهم لا يرعوي لنعمة الله، ولا لكلام الله، ولا لما أعطاه الله سبحانه وتعالى من جزيل النعم في الدنيا، بل أنكر هذه النعم، وجعل يعفو عليها ويتبرم منها، ينكر هذه النعم، فلا نخشى أن تأتي المرحلة التي بعدها وهي:{فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [الأعراف:95].

فالنبي صلى الله عليه وسلم قائد الغُرِّ المحجلين وأكرم الخلق الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً، أو رأى رعداً أو برقاً يصفر وجهه صلى الله عليه وسلم، وكانت تسأله عائشة رضي الله عنها: وتقول له: {يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا السحاب ورأوا مثل هذا فرحوا واستبشروا، فقال لها: يا عائشة قد عُذب أقوام بالريح، وقد عذب أقوام بالمطر} {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [النمل:58].

فإذا كان هذا هو حال رسولنا صلى الله عليه وسلم، فما هي حالنا اليوم وقد أغرقنا في الذنوب والمعاصي حتى فشت فينا كثير من الذنوب والمعاصي؟ ثم يقول الله سبحانه وتعالى مبيناً أمراً آخر:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96] عندما تكذب الأمم ويكذب الناس يأخذهم الله سبحانه وتعالى لا بظلم منه سبحانه وتعالى، وإنما بما كانوا يكسبون، ولذلك يقول سبحانه وتعالى محذراً الأمة:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25] فحذرنا سبحانه وتعالى من ذلك في القرآن، وبيَّن لنا، وأوضح لنا الطريق، وأوضح لنا سنته في الكون، وسننه تعالى في إهلاك الأمم، وإتيان الأمم من بعدهم، فيحل قوماً مكان قوم، وهذه هي سنة الله، وما ذهب القوم الأولون إلا بما كسبوا، وما أتى القوم الآخرون إلا ليستخلفهم الله فينظر ماذا يعملون.

ص: 3