الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استخدام التعبيرات المعروفة الآن، فهذه التعبيرات الحديثة متأثرة بالنظم الدستورية الغربية المعاصرة، كما أن ما يعده العلماء المعاصرون من مسائل دستورية بطبعها هي موجودة فعلا في التراث الدستوري الإسلامي، ولكن باختلاف المصطلحات، والعبرة ليست بالأسماء ولكن بالمسميات، ولعل هذا الأمر اتضح من خلال تتبع بعض الأمور الدستورية في هذا البحث.
[التجربة الدستورية السعودية]
3 -
التجربة الدستورية السعودية: في الوقت الذي تمكن فيه الغرب من السيطرة على البلاد الإسلامية، وغرز مخالبه في مختلف أجزائها، وأحاط بها من كل جانب، وما نتج عنه من تغلب عسكري وسياسي وثقافي وتشريعي على البلاد الإسلامية، وفي الوقت الذي انتشرت في البلاد الإسلامية الاتجاهات الدستورية المستوردة المنبتة الصلة عن حضارة الأمة وتاريخها كان هناك اتجاه دستوري إسلامي أصيل برز في الجزيرة العربية، حاملا لواء الشريعة الإسلامية الحقة وداعيا إليها، هذا الاتجاه الذي يأخذ بنظام الإسلام الدستوري، ويطبق شرع الله ومنهجه في أمور الحياة، " ففي ظروف الهزيمة الشاملة للمسلمين أمام الغزوة الأوربية التي لم يكن احتلالها العسكري هو أخطر أسلحتها بل محاولة إقناع المسلمين بأن الإسلام قد انتهى عصره، وأن التغريب هو حتمية التاريخ، فاستطاع السعوديون (بالله ثم) بدعوة محمد بن عبد الوهاب تأخير التغريب مائة عام (1) "، وأثبتوا للعالم أنه بالرجوع إلى المنبع الصافي الكتاب والسنة يمكن تحويل هذا الدين إلى واقع معاش في شتى نواحي الحياة، وأثبتوا للمسلمين إمكانية تطبيق الإسلام شريعة وعقيدة، وإمكانية قيام مجد
(1) محمد جلال كشك، السعوديون والحل الإسلامي، ص 6، طبعة ثالثة 1402هـ.
المسلمين مرة أخرى على ما قام عليه المجد الأول، وأن الاستسلام للحلول المستوردة لا يؤدي بحال إلى تقدم الأمة ونمائها، بل يؤدي إلى تبعيتها وتأخرها وأثبتوا كذلك مصداقية الحل الإسلامي وصلاحيته لهذا العصر ولكل عصر وأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وبالرغم من الهزيمة التي لحقت بالدولة السعودية في عهدها الأول، والمؤامرات الدولية التي حيكت ضدها، إلا أنها استطاعت - بفضل الله - ثم بتمسكها بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، بعد مرور قرن على التجربة الأولى وكان قرنا حاسما في تاريخ المسلمين، فلم يقتصر الأمر على استمرار الزحف الغربي على بلاد المسلمين وسقوط البلاد الإسلامية في يد الاستعمار، بل إن الشك بدأ يغزو الطبقة المثقفة المسلمة في صلاحية الاتجاه الإسلامي، بحيث استسلموا للحلول الغربية المستوردة في شتى مناحي الحياة، كما حدث في تركيا وغيرها من بلاد المسلمين، وتأكدت الاتجاهات التغريبية في مطلع القرن العشرين، حيث فتح باب التغريب على مصراعيه، وإذا بالسعوديين يهبون مرة أخرى بقيادة عبد العزيز فيطرحون الحل الإسلامي وينتصرون، بل إن نصرهم هو النصر الوحيد على الساحة الإسلامية إن لم نقل في العالم الثالث حتى النصف الثاني من القرن العشرين، فاستطاعوا وحدهم إقامة كيان مستقل عن السيطرة الاستعمارية الغربية (1) ذلك أن الدولة السعودية اتخذت الكتاب والسنة مصدر التشريع والحكم، ودعت وعملت على الحفاظ على كيان الأمة، والاستمساك بمبدأ وحدتها، كما استمرت في الدعوة واتصال النشاط العلمي والحضاري، ونشر الثقافة الإسلامية (2) .
(1) المرجع السابق، ص70.
(2)
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الملك عبد العزيز والمملكة العربية السعودية المنهج القويم في الفكر والعمل، ص 18، طبعة عام 1406هـ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
قام الملك عبد العزيز رحمه الله " ليقيم دولة إسلامية كبرى وهي المملكة العربية السعودية، مملكة العقيدة المنجية، ومملكة الشريعة المنظمة، ومملكة الوحدة الراسخة، ومملكة الأمن المكين الواعد، ومملكة البناء والعمران، ومملكة القوة والسلام، ومملكة الوزن الدولي المؤثر والموقر "(1) وقد " استقى الملك عبد العزيز فكره السياسي من أصول: العقيدة، والشريعة، والوحدة، كما استقاها من أنهار العقيدة والشريعة والوحدة، هذه الينابيع هي: الشورى، والمصلحة العامة، والموقع "(2) .
وقد " طبق الملك عبد العزيز رحمه الله منهج الإسلام في مجالات القضاء والإعلام "(3) وكافة مجالات الحياة واستمر هذا من بعده منهجا للدولة السعودية، ممثلا الاتجاه الدستوري الإسلامي الأصيل في العصر الحديث، مما يثبت صلاحية الاتجاه الإسلامي مرة أخرى، ويضع المسلمين أمام مسؤولياتهم في انحرافهم عن هذا الاتجاه الذي أثبت صلاحيته في هذا العصر، رغم كل الظروف وكل المؤامرات، بل هو الحل الوحيد الناجح للبلاد الإسلامية؛ لأن الحل الوحيد المرتبط بحضارة الأمة وتاريخها وظروفها ومشاعر أفرادها، وفي هذا الخصوص يقول الملك عبد العزيز رحمه الله:" إن العرب في هذا الزمن تأخروا كثيرا، وليس لهم من المجد شيء، فوسائل القوة كلها بيد غيرهم، وإذا لم يرجع العرب للأصل الذي نشأ عليه أولهم فما هم ببالغين شيئا إلا أن يشاء الله "(4) وقال رحمه الله " أما نحن فلا عز لنا إلا بالإسلام، ولا سلام لنا إلا التمسك به، وإذا حافظنا عليه حافظنا على عزنا وسلاحنا، وإذا أضعناه
(1) المرجع السابق، ص 10 - 21.
(2)
المرجع السابق ص 75.
(3)
المرجع السابق، ص 97.
(4)
عبد المنعم الغلامي، الملك الراشد، ص 360 - 361.
ضيعنا أنفسنا وبؤنا بغضب من الله " (1) ويقول كذلك: " أما الحياة التي تسير على غير الدين فهي كالمطر الذي يقع على الأرض السبخة فلا يجدي ولا يثمر، إن الدين الإسلامي الصحيح في نظري هو أساس الرقي ومن اعترضنا في ديننا أو وطننا قاتلناه حتى ولو كان أهل الأرض " (2) . فالمملكة العربية السعودية قامت على أساس من الإسلام ودعوته، فالإسلام والدعوة إليه كانا الأساس لقيام هذه الدولة ونشأتها، واستمر التطور التنظيمي للمملكة على أساس المواءمة بين الأسس الإسلامية ومتطلبات العصر، فنشأ النظام الدستوري والمؤسسات الدستورية في المملكة العربية السعودية على أساس الشريعة الإسلامية، فاتباع النهج الإسلامي في المملكة ليس وليد تغيرات وظروف معينة، بل هو ناشئ مع نشوء هذه المملكة.
ويجري العمل في المملكة العربية السعودية على أساس أن نصوص القرآن والسنة تسمو فوق النصوص الوضعية الأخرى، بمعنى أنه لا يجوز للدولة إصدار نظام يتعارض مع نصوص القرآن والسنة، سواء أكان هذا النظام ضمن النظام الأساسي أو النظم العادية، ومن المعروف أن القرآن الكريم والسنة المطهرة يهدفان إلى تحقيق العدل والمساواة ونفي الحرج، وهذه هي الأهداف التي تحاول الدساتير - في جميع أنحاء العالم - تحقيقها، وقد حددت نصوص القرآن والسنة وسائل لبلوغ هذه الأهداف منها: التشاور، والتعاون، والاجتهاد (3) .
والعمل في المملكة قائم على أساس أنه يمكن وضع أي قاعدة قانونية
(1) محيى الدين القابسي، المصحف والسيف، ص101، ط بدون، المطابع الأهلية للأوفست، الرياض.
(2)
المرجع السابق، ص 137 - 138.
(3)
د. مطلب النفيسة، مذكرة لدارسي الأنظمة في كلية العلوم الإدارية جامعة الملك سعود، ص2.
في نظامها الأساسي أو نظمها العادية، إذا كان هدف هذه القاعدة المصلحة العامة، وبشرط عدم تعارضها مع نصوص القرآن والسنة، وهذا هو التطبيق السليم للشريعة الإسلامية (1) .
وقد نشأت معظم القواعد القانونية في المملكة عن طريق الاجتهاد، لبروز الحاجة العملية إليها، ولم تتقل من أنظمة أخرى (2) .
ذلك كله يجعل النظام القانوني في المملكة متميزا عن غيره من الأنظمة القانونية في البلاد الإسلامية، في موضوعاته، وخصائصه، ولغته، وطرق البحث فيه، فمن المعروف أن البلاد الإسلامية الأخرى تأثرت بالنظم القانونية الغربية، فكانت بداية انطلاقتها منقطعة عن ماضيها القانوني، بينما سارت المملكة العربية السعودية نحو بناء نظام قانوني متصل بالماضي، تتعايش فيه الحلول الجديدة للمشاكل العصرية مع التراث الفقهي الشرعي القديم، وتعتبر تجريه المملكة هذه الحل العملي السليم لعلاقة الشريعة الإسلامية بالقانون الحديث، وهذا الحل لم يكن ممكنا لو لم توجد في الشريعة الإسلامية مبادئ ووسائل ذاتية تسمح بإيجاد حلول جديدة للمشكلات المستجدة (3) .
ومن المعروف أن أحكام الدستور قد تكون مدونة في وثيقة تسمى الدستور أو النظام الأساسي، أو عدة وثائق، وقد تكون غير مدونة كذلك، فقد عرف التاريخ القديم والحديث دولا كبيرة ذات نظم دستورية عريقة ولم يكن لها دستور مدون، مثل الدولة الإسلامية في عصورها المتقدمة، ونجد في العصر الحديث بريطانيا - وهي من الدول العظمى في هذا
(1) المرجع السابق، ص342.
(2)
المرجع السابق، ص3.
(3)
المرجع السابق، ص3.
العصر لها نظام دستوري، وأحكام دستورية واضحة، بالرغم من عدم تدوينها في وثيقة الدستور؛ وذلك لأن مناط وجود الدستور هو سيادة أحكامه، لأهميتها. من بين سائر الأحكام القانونية الأخرى، فإذا تحققت هذه السيادة، وهذا السمو لأحكام الدستور، فلا يؤثر بعد ذلك تدوين هذه الأحكام أو عدم تدوينها، أو جمعها في وثيقة واحدة أو تفريقها في عدة وثائق، والقواعد الدستورية في المملكة العربية السعودية طبقا للنظام الدستوري الإسلامي تنقسم إلى قسمين، هما: الأحكام الثابتة، والأحكام المتغيرة، فالأحكام الثابتة هي نصوص القرآن والسنة، وما أجمع عليه علماء المسلمين من أحكام، وما كان من مبادئ الإسلام العامة في الشؤون الدستورية، كالشورى، والعدالة، والتعاون. . أما الأحكام غير الثابتة فهي الأحكام المستنبطة عن طريق الاجتهاد، والأحكام المتعلقة بالأساليب والوسائل والأنظمة والتفصيلات، التي تختلف تبعا لاختلاف ظروف الزمان والمكان، والمرجع في استنباط هذه الأحكام والأمور الدستورية هو الشريعة الإسلامية، وعلماء الشريعة هم المرجع لمعرفة الأحكام الشرعية عند الاشتباه.
فالأحكام الثابتة موجودة في مصادرها وهي القرآن والسنة، ولا يجوز أن يخالفها أي حكم آخر مهما كانت درجته وأهميته.
وسنستعرض هنا المؤسسات والوثائق الدستورية في المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز رحمه الله، هذه المؤسسات والوثائق ذات العلاقة بالشؤون الدستورية التي مصدرها الاجتهاد وتتغير حسب المصلحة وظروف الزمان والمكان، ويعكس هذا الاستعراض مدى اهتمام الدولة السعودية منذ نشأتها بالجانب الدستوري ومؤسساته واهتمام قيادتها بذلك حتى قبل أن يتم توحيدها، والاستعراض التالي يوضح لنا التاريخ الدستوري لهذه البلاد.
أ - إنشاء الهيئة التأسيسية: أمر الملك عبد العزيز رحمه الله في وقت مبكر - قبل اكتمال توحيد المملكة - بتكوين هيئة تأسيسية مكونة من ثلاثة عشر عضوا، وكان من مهام هذه الهيئة، وضع المواد الأساسية لتشكيلات الحكومة، وهي ما سميت بالتعليمات الأساسية، أو النظام الأساسي، أي الدستور (1) وكان ذلك في عام 1344م وفي نفس العام وأثناء عمل الهيئة أصدر الملك أمرا بإنشاء مجلس الشورى العام (2) .
وقد عقدت الهيئة التأسيسية عدة اجتماعات، وفي خلال سبعة أشهر، وضعت المواد الأساسية لنظام الحكم والإدارة، وبعد عرضها على الملك صدرت مقترنة بموافقته عليها في 21 / 2 / 1345 هـ (3) .
وقد اشتملت هذه التعليمات الأساسية (4) على تسعة أقسام، هي:
- القسم الأول: المملكة وشكل الدولة والعاصمة واللغة.
- القسم الثاني: إدارة المملكة والأحكام النيابية العامة ومسؤولية الإدارة.
- القسم الثالث: يختص بأمور المملكة.
- القسم الرابع: يختص بالمجالس كمجلس الشورى.
- القسم الخامس: يختص بديوان المحاسبات.
- القسم السادس: يختص بالمفتشية العامة.
(1) د. محمد صادق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، ص 39 - 30، 1385هـ، معهد الإدارة العامة بالرياض.
(2)
د. محمد صادق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، ص 39 - 30، 1385هـ، معهد الإدارة العامة بالرياض.
(3)
المرجع السابق ص31.
(4)
المرجع السابق، ص25 / 2، 3 / 3 / 1345هـ، والدستور في البلاد الإسلامية ومشكلاته في ضوء الإسلام للمؤلف ملحق رقم (2) .
- القسم السابع: يختص بالمأمور في.
- القسم الثامن: يختص بالمجالس العمودية بالبلدية.
- القسم التاسع: يختص بلجان الإدارة للبلديات (1) تعتبر هذه التعليمات دستورا كاملا، بالنسبة لدولة ناشئة، ومن الواضح أنها لم تفصل بين السلطات الثلاث، كما هو الوضع في الدساتير الحديثة، ولكن تركيز هذه السلطات مقيد بأحكام الشريعة، كما نصت على ذلك المادة الخامسة من التعليمات، كما أن النص في المادة الثانية على أن الدولة ملكية شورية إسلامية يجعل الأحكام تكون دائما منطبقة مع الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة وسلف الأمة، كما نصت على ذلك المادة السادسة من التعليمات، ولم تتعرض هذه المواد لتفصيلات ترد أحيانا في بعض الدساتير الحديثة؛ لأنه أحال على الشريعة الإسلامية، وقد كفلت الشريعة الإسلامية كفالة تامة كل ما يحتاجه المجتمع، ولم تتعرض هذه التعليمات إلى استقلال السلطة القضائية؛ لأنه من المعروف بداهة، وضع النظام القضائي في الإسلام، واستقلال القضاة، ومركزهم في الدولة من الأمور الواضحة المقررة منذ العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين، وهي أمور لم تصل إليها النظم القانونية الحديثة إلا منذ أقل من قرنين من الزمان، بل إن القضاء في الإسلام فوق جميع السلطات بما فيها الرئيس الأعلى للدولة، وتاريخ القضاء في الإسلام خير شاهد على ذلك.
لقد جرى على هذا النظام تعديلات عدة تبعا لتطور الظروف والأحوال ولعل أهم هذه التعديلات تعديل نظام مجلس الشورى، حيث وافق الملك عبد العزيز على مشروع نظام مجلس الشورى المقدم من قبل
(1) المرجع السابق، ص 31 - 44، صحيفة أم القرى عدد 90 - 91 في 25 / 2 / 1345هـ و 3 / 3 / 1345هـ.
لجنة التفتيش والإصلاح، وحل المجلس القديم في 7 / 1 / 1346 هـ وبعد يومين من حل المجلس صدر النظام الجديد، وعين أعضاؤه الجدد (1) .
ب - مجلس الشورى: كان الملك عبد العزيز رحمه الله قد أصدر بلاغا بإنشاء مجلس الشورى العام، وعندما صدرت التعليمات الأساسية، في 21 / 2 / 1345 هـ، نصت في القسم الرابع منها على تأليف مجلس الشورى من النائب العام ومستشاريه وستة أعضاء. وعندما قدمت لجنة التفتيش والإصلاح مشروع نظام مجلس الشورى الجديد (2) وافق عليه الملك، وحل المجلس القديم في 7 / 6 / 1346 هـ. وتألف المجلس - وفق نظامه الجديد - من ثمانية أعضاء برئاسة النائب العام، وأعطى للمجلس صلاحيات واسعة، من بينها النظر في القرارات الصادرة من السلطة التنفيذية، حيث تعرض على المجلس على شكل مشروع، لإبداء رأيه فيه، كما أجاز النظام للمجلس أن يلفت نظر الحكومة عند وقوع خطأ في تطبيق القوانين والأنظمة (3) .
ومن اختصاصات المجلس ما يلي:
1 -
موازنات دوائر الحكومة.
2 -
الرخص في الشروع في عمل مشاريع اقتصادية وعمرانية.
3 -
الامتيازات والمشاريع المالية والاقتصادية.
4 -
نزع الملكية للمنافع العمومية.
(1) د. محمد عبد الجواد محمد، التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية، ص 91 - 92، طبعة عام 1397هـ.
(2)
المرجع السابق ص 32ـ 36.
(3)
صحيفة أم القرى، العدد 135 في 15 / 1 / 1349هـ.
5 -
سن القوانين والأنظمة.
6 -
الموازنات التي تضاف إلى موازنات الدوائر في بحر السنة.
7 -
النفقات العارضة التي تعرض لدوائر الحكومة في بحر السنة، إذا زاد المطلوب عن مائة جنيه.
8 -
قرارات استخدام الموظفين الأجانب.
9 -
العقود مع الشركات أو التجار لمشتري أو بيع لوازم دوائر الحكومة إذا زاد المبلغ عن مائتي جنيه (1) .
وطرأت تعديلات لهذا النظام صدرت بأمر ملكي على شكل نظام جديد عام 1374هـ، وهذه التعديلات فيما يتعلق في الأمور الشكلية للمجلس حيث لم يطرأ تعديلات أو إضافات مهمة على اختصاصات وصلاحيات المجلس وفق نظامه السابق (2) .
ولقد مارس المجلس صلاحياته وقام بمسؤولياته وفقا لنظامه الذي صدر عام 1347هـ (3) وخلال ربع قرن مارس المجلس صلاحيات وسلطات اقتربت كثيرا من السلطات التشريعية، فلم يسن نظام في تلك الفترة إلا بعد دراسته ومناقشته في المجلس (4) وفي ذلك يقول الملك عبد العزيز رحمه الله: " لقد أمرت أن، لا يسن نظام في البلاد ويجرى العمل به قبل أن يعرض على مجلسكم من قبل النيابة العامة، وتنقحونه بمنتهى حرية الرأي، على الشكل الذي يكون منه الفائدة لهذه البلاد وقاصديها من حجاج بيت الله الحرام، إنكم لتعلمون أن أساس نظامنا وأحكامنا هو
(1) المرجع السابق، ص 36 - 39.
(2)
المرجع السابق، ص 36 - 39.
(3)
موسوعة الأنظمة السعودية - د / محمد الهوشان، د / على العمير، ص 21، 32 - دار موسوعة الأنظمة السعودية، طبعة أولى، 1399هـ، والدستور والبلاد الإسلامية ومشكلاته في ضوء الإسلام للمؤلف ملحق رقم (3) .
(4)
محمد صادق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، ص 39.
الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقا لصالح البلاد على شرط أن لا يكون مخالفا للشريعة الإسلامية " (1) .
وعندما تكون مجلس الوزراء سنة 1373هـ استدعت الظروف التنظيمية للدولة أن تشمل سلطاته بعض الاختصاصات التي كان يزاولها مجلس الشورى (2) .
جـ - مجلس الوزراء: بقي العمل بالنظام الأساسي السابق ذكره وما جرى عليه من تعديلات حتى صدر نظام مجلس الوزراء، حيث تولى هذا المجلس السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وتسمى في المملكة السلطة التنظيمية، وتعتبر معظم القواعد الدستورية في المملكة موجودة في نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم 38 وتاريخ 22 / 10 / 1377 هـ (3) وتتميز بأنها لم تدون في وثيقة واحدة، وأن بعضها تكون عن طريق العرف أو العادة وأنها مرنة (4) حيث إن هذا النظام على الرغم من تسميته نظام مجلس الوزراء إلا أنه في حقيقته نظام أساس، ويقابل الدستور في الدول الأخرى، ووفقا لهذا النظام يعتبر الملك ومجلس الوزراء السلطة التشريعية ويعتبر مجلس الوزراء وما يتبعه من أجهزة إدارية السلطة التنفيذية، وهو ما يستفاد من المواد (7، 25، 119) من نظام المجلس (5) .
(1) محي الدين القابسي، المصحف والسيف، ص91.
(2)
د. محمد صادق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، ص39.
(3)
نظام مجلس الوزراء - مطبعة الحكومة - مكة المكرمة - طبعة رابعة، 1392هـ الدستور في البلاد الإسلامية ومشكلاته في ضوء الإسلام ملحق رقم (4) .
(4)
د. مطلب النفيسة، مذكرات لدارسي الأنظمة. ص 1.
(5)
د. عبد الفتاح حسن، مذكرات القانون الإداري، معهد الإدارة العامة بالرياض، ص 25. د. عيد مسعود الجهني، مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية بين الشريعة الإسلامية والاتجاهات الدستورية، 93 - 94، طبعة أولى 1404هـ، مطابع المجد التجارية.
وقد أدخلت على هذا النظام منذ صدوره بعض التعديلات التي لم تغير من جوهره شيئا، منها على سبيل المثال: المرسوم الملكي رقم3 / 6 / 3121 في 26 / 12 / 1378 هـ بتعديل المادة (13) وبمقتضى هذا التعديل، يجوز في الحالات الاستثنائية انعقاد المجلس انعقادا صحيحا بحضور نصف أعضائه بدلا من الثلثين، وكذلك المرسوم الملكي رقم 14 في 14 / 7 / 1387 هـ، بتعديل المادتين (7) ، (8) ، وبمقتضى هذا التعديل أصبح جلالة الملك هو رئيس مجلس الوزراء (1) .
د - التنظيمات الجديدة:
استمر العمل بنظام مجلس الوزراء المشار إليه في الفقرة السابقة وتعديلاته نظاما أساسيا أو دستورا بالمعنى الخاص أو الفني للدستور إلى أن أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز الأنظمة الجديدة، وهي: النظام الأساسي للحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق، التي تعتبر إتماما لحلقة البناء الدستوري في المملكة العربية السعودية وخلاصة لتجربة إسلامية فذة عرفها التاريخ الحديث، وسنلقي الضوء في الفقرات التالية على هذه التنظيمات الجديدة.
هـ - النظام الأساسي للحكم:
صدر هذا النظام بموجب الأمر الملكي ذي الرقم أ / 90 المؤرخ في 27 / 8 / 1412 هـ ويقع هذا النظام في ثلاث وثمانين مادة ينظمها تسعة أبواب (2) وجاء النظام بلغة دقيقة وعبارات منتقاة شاملة وهو يعكس اقتناع المجتمع السعودي بالإسلام عقيدة وشريعة، ويعتبر هذا النظام كما قال خادم المحرمين الشريفين في كلمته عند صدور التنظيمات الجديدة: " إن هذه الأنظمة الثلاثة إنما هي توثيق لشيء قائم وصياغة لأمر واقع معمول به (3)
(1) المرجع السابق ص 25 - 26.
(2)
جريدة عكاظ العدد 9534.
(3)
جريدة عكاظ العدد 9534.
"وعماد النظام الأساسي ومصدره هو الشريعة الإسلامية حيث اهتدى هذا النظام بشريعة الإسلام في تحديد طبيعة الدولة ومقاصدها ومسؤولياتها وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم والتي تقوم على الأخوة والتناصح والموالاة والتعاون (1) .
إذن فمسألة صدور هذه الأنظمة في وثائق إنما هي من باب التنظيم وهي مسألة تقنينية بحتة تطلبتها ظروف العصر، وإلا فإن المملكة لم تعرف ما يسمى بالفراغ الدستوري كما مر معنا في الاستعراض السابق.
ويعتبر النظام الأساسي للحكم في المملكة دستورا للملكة العربية السعودية بالمعنى الخاص للدستور؛ لتوافر المعايير القانونية الشكلية منها والموضوعية في هذا النظام وانطباقها عليه، إلا أنه على الرغم من ذلك فإنه لا يعتبر المرجع الأساسي الحاكم لغيره، بل هو نص محكوم بغيره، ويؤخذ هذا من نصوص مواد النظام، كما جاء في المواد الأولى، والسابعة، والثامنة والأربعين حيث ورد فيها: إن (المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينهما الإسلام، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. . . .) .
وهذا يرجع إلى خصوصية المملكة وتميزها في كل شؤونها حتى إن هذا التميز أصبح واضحا في لغتها ومصطلحاتها القانونية التي تميزها عن غيرها؛ نتيجة لارتباطها بالإسلام عقيدة وشريعة، فنظمها كلها وحتى النظام الأساسي هي أحكام اجتهادية محكومة بالشريعة الإسلامية مستظلة بهديها.
وـ نظام مجلس الشورى الجديد:
صدر هذا النظام بموجب الأمر الملكي ذي الرقم أ / 91 المؤرخ في
(1) المرجع السابق.
27 -
/ 8 / 1412 هـ وقد جاء هذا النظام ليحل محل نظام مجلس الشورى الصادر عام 1347هـ وقد صدر هذا النظام في ثلاثين مادة (1) يهدف المجلس إلى إبداء الرأي في سياسات الدولة ومناقشة خططها ودراسة الأنظمة والمعاهدات والاتفاقات والامتيازات، وترفع قرارات المجلس لرئيس مجلس الوزراء الذي يحيلها إلى مجلس الوزراء لدراستها فإذا اتفقت وجهتا نظر المجلسين صدرت بعد موافقة الملك عليها، وإن تباينت وجهات النظر فللملك إقرار ما يراه.
وارتباط نظام المجلس بالإسلام يبدو جليا فالمادة الأولى صادرة عن الآيات الدالة على الشورى من القرآن الكريم والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم كما نصت على أن يمارس المجلس مهامه وفقا لنظامه وللنظام الأساسي للحكم ملتزما بكتاب الله وسنة رسوله، محافظا على روابط الأخوة والتعاون على البر والتقوى، وصدور هذا النظام ما هو إلا تحديث وتطوير للوضع القائم؛ استجابة لمتطلبات المرحلة، وقد صدر الأمر الكريم ذو الرقم أ / 15 المؤرخ في 3 / 3 / 1414 هـ بإصدار اللائحة الداخلية لمجلس الشورى، ولائحة حقوق أعضاء المجلس، وقواعد تنظيم الشؤون المالية والوظيفية للمجلس، وقواعد التحقيق والمحاكمة لأعضاء المجلس.
ز - نظام المناطق:
صدر هذا النظام بموجب الأمر الملكي ذي الرقم أ / 92 المؤرخ في27 / 8 / 1412 هـ وجاء في أربعين مادة (2) ويهدف هذا النظام إلى دعم التنمية، والمحافظة على الأمن والنظام، وكفالة حقوق المواطنين وحرياتهم، في إطار الشريعة الإسلامية، كما ورد في المادة الأولى من النظام، وقد
(1) المرجع السابق.
(2)
المرجع السابق.
نشأ بموجب هذا النظام مجلس في كل منطقة يحدد احتياجاتها ومشاريعها ويدرس مخططاتها التنظيمية ومتابعة وتنفيذ ما يخص المنطقة من خطة التنمية والموازنة والتنسيق في ذلك.
كما صدر الأمر الملكي ذو الرقم أ / 21 المؤرخ في 30 / 3 / 1414 هـ بتعديل بعض مواد هذا النظام التي لم تغير من جوهره شيئا.
ح - نظام مجلس الوزراء الجديد:
ووفقا لهذه التنظيمات الجديدة كان لا بد من تعديل نظام مجلس الوزراء السابق ليتفق مع هذه التنظيمات فصدر الأمر الملكي ذو الرقم أ / 13 والمؤرخ في 3 / 3 / 1414 هـ القاضي بإصدار نظام مجلس الوزراء بصيغته الجديدة وذلك في اثنين وثلاثين مادة (1) .
كما صدر الأمر السامي ذو الرقم أ / 14 المؤرخ 3 / 3 / 1414 هـ بتحديد مدة من يشغل مرتبة وزير والمرتبة الممتازة من موظفي الدولة، وبهذا يكتمل عقد منظومة الأحكام الدستورية في المملكة العربية السعودية في عصرها الحديث.
من خلال هذا الاستعراض التاريخي لأبرز المعالم الدستورية في تاريخ المملكة الحديث يتضح ارتباط النظام الدستوري في المملكة بالإسلام من خلال هيمنة الشريعة الإسلامية على كافة الأحكام والنظم، بما فيها النظم الدستورية، وأن أيا من مجلس الشورى، ومجلس الوزراء لا يملك حق إصدار قرار أو حكم معين يخالف الشريعة الإسلامية، كما أن السلطة التنفيذية لا تستطيع الخروج عن أحكام الشريعة في تنفيذها للأنظمة؛ لالتزام الأنظمة أساسا بالشريعة الإسلامية، ولعدم شرعية أي نظام يخالف حكما شرعيا، كما أن السلطة القضائية ملزمة بالحكم
(1) المرجع السابق.
بالشريعة الإسلامية، ولا يجوز لها الحكم بأي حكم يخالف الشريعة مهما كان مصدره، وبهذا تضرب المملكة مثالا رائعا للتطبيق السليم للشريعة الإسلامية في نظامها الدستوري في العصر الحديث، بحيث لا يتعارض مع التقدم والتنمية الشاملة لكل مرافق الحياة، فالنموذج الدستوري السعودي يعتبر النموذج الدستوري الإسلامي الوحيد الذي استطاع تحقيق النجاح والتقدم في هذا العصر، دون ميل إلى التشريعات الغربية أو التأثر بها، ودون التحجر العقيم الذي يرفضه الإسلام، ودون الفوضوية والارتجال في التطبيق.
ط - عناصر النظام الدستوري السعودي: نستنتج من الفقرات السابقة أن النظام الدستوري السعودي يتكون من العناصر التالية:
1 -
نصوص عامة في الكتاب والسنة تؤصل للنظام الدستوري في الدولة المسلمة.
2 -
أعراف دستورية استقرت وهي مستمدة من تلك النصوص العامة ومستهدية بوقائع دستورية للدولة الإسلامية في عهودها السابقة.
3 -
وثائق دستورية دعت الحاجة إلى تدوينها إما على شكل نظم أو معاهدات أو التزامات أو قواعد نظامية معينة أو غير ذلك من أشكال تجمعها صفة الدستورية بالمعنى الفني أو الخاص للدستور.
4 -
مؤسسات دستورية تتفاعل مع الواقع والعصر وتستجيب لمتطلباتهما وفق الثوابت الإسلامية التي تنطلق وتلتزم بها هذه البلاد.
ي - النظام الدستوري في المملكة وحقوق الأفراد: من المعروف أن حقوق الأفراد من الأركان الرئيسة للدستور، والمملكة
العربية السعودية بهدي من الشريعة الإسلامية لم تغفل هذا الجانب، بل أولته جل عنايتها واهتمامها وضمنت للأفراد كل حقوقهم التي يجب أن يتمتعوا بها في ظل الشريعة الإسلامية، يتضح ذلك من التطبيق العملي الملموس في المملكة، وقد أوجزت المملكة ذلك في مذكرتها حول شريعة حقوق الإنسان في الإسلام وتطبيقها في المملكة، الموجهة للهيئات الدولية المختصة (1) وقد أجملت تلك الحقوق بالنقاط التالية:
أ - كرامة الإنسان.
ب - عدم التمييز في الكرامة وفي الحقوق الأساسية بين إنسان وآخر.
جـ - النداء بوحدة الأسرة الإنسانية.
د - الدعوة إلى التعارف والتعاون على الخير، وتقديم جميع أنواع البر إلى جميع بني الإنسان.
هـ - عدم إكراه الإنسان على تغيير عقيدته.
و حرمة العدوان على مال الإنسان ودمه.
ز - حصانة البيت لحماية حرية الإنسان.
ح - التكافل فيما بين أبناء المجتمع، وفي حق كل إنسان بالحياة الكريمة والتحرر من الحاجة، والفقر، بفرض حق معلوم في أموال القادرين، ليصرف لذوي الحاجة على اختلاف حاجاتهم.
ط - إيجاب العلم على كل مسلم.
ي - فرض العقوبة على الممتنعين عن التعلم أو التعليم مما لم تصل إليه بعد حقوق الإنسان في أية دولة.
(1) انظر نص المذكرة في ندوة علمية حول الشريعة الإسلامية، وحقوق الإنسان، وزارة الإعلام السعودية، 1392 هـ.
ك - فرض الحجر الصحي في حالات الأمراض المعدية، وقد عرفته الدولة الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا، عملا بقول الرسول صلى الله عليه ونسلم:«إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه» (1) .
ل - النصوص الأخرى من القرآن والسنة بشأن الحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية (2) .
وغير ذلك مما لم تصل إليه بعد نصوص " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "، ولا نصوص " الميثاق الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان"، بل ظلت هذه النصوص مجرد توصيات أدبية لا ضمان لها من الضمانات التشريعية لا على المستوى الدولي ولا الإقليمي، وهذه أولى تحفظات (3) المملكة على الميثاقين، لذلك كله تحرص المملكة على ألا تهبط بهذه الحقوق إلى مستوى التوصيات التي لا ضامن لها، وأن يبقى العمل على أساس الشريعة الإسلامية لما اتخذته الشريعة من ضمانات وإجراءات قامت المملكة بتنفيذها على أوسع نطاق وبكل طاقة.
وقد سأل فريق من كبار رجال القانون والفكر في أوروبا في ندوة علمية لهم مع فريق من كبار علماء المملكة العربية السعودية في اجتماعهم في الرياض سنة 1392هـ، سألوا عن عدم وضع المملكة دستورا لها في ذلك الوقت - يقصدون دستورا مدونا - فأجابهم الفريق السعودي: " بأن الغرض من وضع النظام الأساسي وإعلانه في العصور الحديثة إنما
(1) رواه البخاري، ح (5728) ومسلم، ح (2218) .
(2)
انظر: ذلك بالتفصيل في نص المذكرة، المرجع السابق.
(3)
المعروف أن المملكة هي الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم التي لم توقع على هذين الميثاقين، لمخالفتهما لأحكام الإسلام، مما يدل على صدق التمسك الدستوري بالنظام الإسلامي حتى ولو خالف ذلك العالم كله.
كان من أجل تحديد سلطه رئيس الدولة وتصرفاته بحدود حقوق الإنسان الأساسية، وأحكام الحقوق المعلنة الوضعية؛ وذلك ليقضي على السلطة المطلقة التي كانت لرؤساء الدول على شعوبهم وليقضي على الزعم الذي يزعمه أولئك بأنهم خلفاء الله في أرضه، وأنهم إنما يستمدون سلطاتهم منه، ولكن رئيس الدولة في الدولة التي تطبق فيها شريعة الله الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية فإن سلطاته محدودة بحدود وأحكام الشريعة في أحكامها الأساسية، وفي أحكامها التفصيلية مثل أي رئيس دولة ذات دستور وقوانين، وأن ولايته إنما يستمدها من مبايعة الشعب له ولا يدعي أبدا أنه خليفة الله في الأرض، وإنما يستمد ولايته منه ولذلك لا ينبغي إساءة فهم تطبيق شريعة الله لديه، بما عرف في الغرب سابقا من الحكم (الثيوقراطي) ، وأن الحاكم فيه هو خليفة الله في الأرض، وأنه لا شيء يحد من سلطاته، فكل ذلك لا يتفق مع مفهوم الحكم في الدولة التي يقوم حكمهما على الشريعة الإسلامية، ولذلك لا مانع من إعلان نظام أساسي يستمد مبادئه مع شريعة القرآن) (1) وهذا ما تم بالفعل من خلال المسيرة الدستورية للمملكة.
ك - النظام الدستوري الإسلامي في المملكة وأثره في الأنظمة والمؤسسات: أدى التزام الملكة العربية السعودية بالنظام الدستوري الإسلامي، إلى أن تكون كافة النظم ملتزمة بالإسلام، كما أدى إلى أن تكون كافة الاستراتيجيات، والسياسات، والأهداف، منبثقة من الإسلام، فإذا نظر الباحث إلى استراتيجية التنمية في المملكة يجد أن أهم مبدأين تستند إليها هما:
(1) المراجع السابقة ص 38 - 39.
1 -
المحافظة على القيم الدينية والأخلاقية للإسلام.
2 -
ضمان الدفاع عن الدين والوطن (1) .
ويقع على عاتق كل مصلحة حكومية واجب إلزامي بمساندة هذه المبادئ ودعمها، كما أن البعض يتعين عليه القيام بدور محدد في هذا الصدد، فتعتبر وزارة الداخلية مسؤولة عن تطبيق الشريعة الإسلامية، كما أن الخدمات القضائية مسؤولة عن تنفيذ النظم وتوفير الخدمات القانونية في القضايا المدنية والمعاملات، وتعتبر وزارة الحج مسؤولة عن حماية مصالح الحجاج، وتنظيم المرافق اللازمة لملايين الحجاج الذين يفدون إلى الأماكن المقدسة كل سنة، كما أن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مسؤولة عن بناء وصيانة المساجد واستثمار أموال الأوقاف لفائدة المجتمع، وهناك أيضا هيئات ومجالس دينية متخصصة، تتلقى دعما تاما من الدولة وأموالا؛ لتقديم الإرشاد الديني إلى كل المواطنين (2) وتقوم بدور فعال في الحياة العامة في المملكة، ومنها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهيئة كبار العلماء، ومجلس الدعوة والإرشاد، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، ووزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، إضافة إلى الاضطلاع بمهمة الدعوة إلى الله في أنحاء العالم، وما يترتب على ذلك من إيفاد للدعاة إلى أصقاع الأرض، والدعم المادي والمعنوي لمؤسسات الدعوة في الداخل والخارج، كما يوجد في المملكة ثلاث جامعات متخصصة في التعليم الإسلامي، من أهدافها إعداد الكوادر المتخصصة في العلوم الشرعية، كالقضاء، والدعوة، والتعليم
(1) خطة التنمية الثالثة، وزارة التخطيط، 1400، 1405 هـ، ص 312.
(2)
المرجع السابق، ص 312.
الإسلامي، بالإضافة إلى أقسام وكليات أخرى على المستوى الجامعي، وكذلك تشجيع البحوث والترجمة في المجالات الإسلامية وغرس الروح الإسلامية ورسالة الإسلام (1) .
ونعرض هنا لبعض الأنظمة والسياسات التي تنظم المجتمع وشؤون الدولة في المملكة العربية السعودية؛ لبيان مدى أثر الالتزام بالنظام الدستوري الإسلامي في هذه الأنظمة، ومنها على سبيل المثال:
1 -
النظام القضائي: يقوم النظام القضائي في المملكة العربية السعودية، على أصلين هما كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يتبعهما من أصول معتبرة، فيها يكون الفصل بين المنازعات، والرجوع عند التحاكم، وانبثق من ذلك تنظيم القضاء في المملكة، وفقا لما يلي:
أ - طرق الإثبات الموضحة في الشريعة الإسلامية.
ب - الاجتهاد القضائي في ظل ذلك.
جـ - الاستدراك الضابط للاجتهاد القضائي، وتضطلع به جهتان:
- هيئة التمييز.
- مجلس القضاء الأعلى.
وكان لتطبيق القضاء الإسلامي القائم على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية دعم للأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي بالمملكة (2) .
(1) المرجع السابق، ص 267 - 268.
(2)
حسن بن عبد الله آل الشيخ، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية، ص 30. طبعة أولى، تهامة للنشر والتوزيع، نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / 64) وتاريخ 14 / 7 / 1395هـ. د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الملك عبد العزيز والمملكة العربية السعودية المنهج القويم في الفكر والعمل، ص 98.
2 -
سياسة التعليم: السياسة التعليمية للملكة هي الخطوط العامة التي تقوم عليها عملية التربية والتعليم، أداء للواجب في تعريف الفرد بربه ودينه وإقامة سلوكه على شرعه، والسياسة التعليمية في المملكة تنبثق من الإسلام الذي تدين به الأمة، وهي جزء أساسي من السياسة العامة للدولة، وتقوم هذه السياسة على أسس منها:
أ - الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.
ب - التصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياة، وأن الوجود كله خاضع لما سنه الله تعالى؛ ليقوم كل مخلوق بوظيفته دون خلل أو اضطراب.
جـ - الحياة الدنيا مرحلة إنتاج وعمل، يستثمر فيها المسلم طاقاته عن إيمان بالحياة الأبدية الخالدة في الدار الآخرة، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.
د - الرسالة المحمدية هي المنهج الأقوم للحياة الفاضلة التي تحقق السعادة لبني الإنسان وتنقذ البشرية مما ترددت فيه من فساد وشقاء.
هـ - طلب العلم فرض على كل فرد ومسلم، ونشره وتيسيره في مختلف المراحل واجب على الدولة بقدر وسعها وإمكاناتها.
و العلوم الدينية أساسية في جميع سنوات التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي بفروعه، والثقافة الإسلامية مادة أساسية في جميع سنوات التعليم العالي.
ز - الثقة الكاملة بمقومات الأمة الإسلامية وأنها خير أمة أخرجت للناس، والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها، وتباين ديارها:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92](1) .
حـ - التضامن الإسلامي في سبيل جمع كلمة المسلمين وتعاونهم ودرء الأخطار عنهم.
ط - شخصية المملكة العربية السعودية متميزة بما خصها الله به من حراسة مقدسات الإسلام، وحفاظها على مهبط الوحي، واتخاذها الإسلام عقيدة، وعبادة، وشريعة، ودستور حياة واستشعار مسؤوليتها العظيمة في قيادة البشرية وهدايتها إلى الخير.
ي - الدعوة إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن واجبات الدولة والأفراد وذلك هداية للعالمين، وإخراجا لهم من الظلمات إلى النور، وارتفاعا بالبشر في مجال العقيدة إلى مستوى الفكر الإسلامي (2) .
3 -
السياسة الإعلامية: جاء في التمهيد لهذه السياسة على أنها تنبثق من الإسلام الذي تدين به الأمة عقيدة وشريعة، وتهدف إلى ترسيخ الإيمان بالله عز وجل في النفوس، والنهوض بالمستوى الفكري والحضاري والوجداني للمواطنين، وإلى معالجة المشكلات الاجتماعية وغيرها، وإلى تعميق مفهوم الطاعة له ولرسوله ولأولي الأمر، والحض على احترام النظام وتنفيذه عن قناعة (3) .
(1) سورة الأنبياء، آية:92.
(2)
وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية. وزارة المعارف الطبعة الأولى، 1390هـ.
(3)
السياسة الإعلام للمملكة العربية السعودية وزارة الإعلام، الطبعة بدون.
وجاء في المادة الأولى من هذه السياسة، النص على أن يلتزم الإعلام السعودي بالإسلام، وأن يحافظ على عقيدة السلف الصالح، وأن يستبعد من وسائله كل ما يناقض شرع الله (1) .
كما جاء في المادة الثانية والعشرون النص على أن الإعلام السعودي يؤكد أن الدعوة إلى الله بين المسلمين وغيرهم قائمة دائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك فهو يقوم بنصيبه في أداء هذا الواجب الجليل سالكا في دعوته إلى الله سبل الحكمة والموعظة الحسنة معتمدا على مخاطبة الفكر ومبتعدا عن كل ما من شأنه أن يثير حفائظ الآخرين.
ومن هذه الأمثلة الثلاثة يتضح الأثر الكبير للنظام الدستوري الإسلامي الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية، على نظمها، وسياساتها، ومؤسساتها وانطلاقها من الإسلام وارتباطها به؛ لكونه مصدرا وحيدا للتشريع في الدولة.
* * *
(1) المرجع السابق.