المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌سورة آل عمران

‌سورة آل عمران

{الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي الأٌّرْضِ وَلَا فِى السَّمَآءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأٌّرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ آيَتٌ مُّحْكَمَتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَاّ أُوْلُواْ الأَلْبَبِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَاّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِأَيَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

ص: 1

{وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} ويكون: وهب، بمعنى جعل، ويتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، تقول العرب: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك. وهي في هذا الوجه لا تتصرف، فلا تستعمل منها بهذا المعنى إلَاّ الفعل الماضي خاصة.

لدن: ظرف، وقل أن تفارقها: من، قاله ابن جني، ومعناها: ابتداء الغاية في زمان أو مكان، أو غيره من الذوات غير المكانية، وهي مبنية عند أكثر العرب، وإعرابها لغة قيسية، وذلك إذا كانت مفتوحة اللام مضمومة الدال بعدها النون، فمن بناها قيل: فلشبها بالحروف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها، بخلاف: عند، ولدي. فإنهما يكونان لابتداء الغاية، وغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة، فالفضلة كثير، ومن العمدة {وعنده مفاتح الغيب} {ولدينا كتاب ينطق بالحق} .

وأوضح بعضهم علة البناء فقال: علة البناء كونها تدل على الملاصقة للشيء وتختص بها. بخلاف: عند، فإنها لا تختص بالملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فهي كأنها متضمنة للحرف الذي كان ينبغي أن يوضع دليلاً على القرب. ومثله: ثم، و: هنا. لأنهما بُنيا لما تضمنا معنى الحرف الذي كان ينبغي أن يوضع ليدل على الإشارة.

ومن أعربها، وهم قيس، فتشبيهاً: بعند، لكون موضعها صالحاً لعند، وفيها تسع لغات غير الأولى: لَدُن، ولُدْنُ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولَدُنِ، ولَدٌ ولُدْ، ولَدٌ ولَتْ. بإبدال الدال تاء، وتضاف إلى المفرد لفظاً كثيراً، وإلى الجملة قليلاً.

فمن إضافتها إلى الجملة الفعلية قول الشاعر:

صريع غوانٍ راقهن ورُقنَهُ

لدن شب حتى شاب سود الذوائبِ

قوال الآخر:

لزمنا لدن سالتمونا وفاقكم

فلا يك منكم للخلاف جنوحُ ومن إضافتها إلى الجملة الإسمية قول الشاعر:

تذكر نعماه لده أنت يافع

إلى أنت ذو فودثين أبيض كالنسر وجاء إضافتها إلى: أن والفعل، قال:

وليت فلم يقطع لدن أن وليتنا

ص: 2

قرابة ذي قربى ولا حق مسلم وأحكام لدن كثيرة ذكرت في علم النحو.

{الم * اللَّهُ} وقال الأخفش: يجوز: ألم الله، بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله.

واختلفوا في فتحة الميم: فذهب سيبويه إلى أنها حركت لالتقاء الساكنين، كما حركوا: من الله، وهمزة الوصل ساقطة للدرج كما سقطت في نحو: من الرجل، وكان الفتح أولى من الكسر لأجل الياء، كما قالوا: أين؟ كيف؟ ولزيادة السكرة قبل الياء، فزال الثقل. وذهب الفارء إلى أنها حركة نقل من همزة الوصل، لأن حروف الهجاء ينوي بها الوقف، فينوي بما بعدها الاستئناف. فكأن الهمزة في حكم الثبات كما في أنصاف الأبيات نحو:

لتسمعن وشياً في دياركم

الله أكبر: يا طارات عثماناً وضعف هذا المذهب بإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل. وما يسقط يتلقى حركته، قاله أبو علي. وقد اختار مذهب الفراء في أن الفتحة في الميم هي حركة الهمزة حين أسقطت للتخفيف الزمخشري، وأورد أسئلة وأاب عنها.

فقال: فإن قلت: كيف جامز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام، فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟

قلت: ليس هذا بدرج، لأن ميم في حكم الوقف والسكون، والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على الساكن قبلها الندل عليها، ونظيره قولهم: واحد إثنان، بالقاء حركة الهمزة على الدال. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وليس جوابه بشيء، لأنه ادّعى أن الميم حين حركت موقوفة عليها. وأن ذلك ليس بدرج، بل هو وقف، وهذا خلاف لما أجمعت العرب والنحاة عليه من أنه لا يوقف على متحرك ألبتة، سواء كانت حركته إعرابية، أو بنائية، أو نقلية، أو لإلتقاء الساكنين، أو للحكاية، أو للإتباع. فلا يجوز في: قد أفلح، إذا حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى دال: قد، أن تقف على دال: قد، بالفتحة، بل تسكنها قولاً واحداً.

ص: 3

وأما قوله: ونظير ذلك قولهم: واحد اثنان بالقاء حركة الهمزة على الدال، فإن سيبوية ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه، ولم يحك الكسر لغة. فإن صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه، كما زعم الزمخشري، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل، ولكنه موصول بقولهم: إثنان، فالتقى ساكنان، دال، واحد، و: ثاء، إثنين، فكسرت الدال لإلتقائهما، وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل. وأما ما استدل به للفراء من قولهم: ثلاثة أربعة، بإلقائهم الهمزة على بالهاء، فلا دلالة فيه، لأن همزة أربعة همزة قطع في حال الوصل بما قبلها وابتدائها، وليس كذلك همزة الوصل نحو: من الله، وأيضاً، فقولهم: ثلاثة أربعة بالنقل ليس فيه وقف على ثلاثة، إذ لو وقف عليها لم تكن تقبل الحركة، ولكن أقرت في الوصل هاء اعتباراً بما آلت إليه في حال مّا، لا أنها موقوف عليها.

ثم أورد الزمخشري سؤالاً ثانياً. فقال:

فإن قلت: هلا زعمت أنها حركت لإلتقاء الساكنين؟.

قلت: لأن إلتقاء الساكنين لا نبالي به في باب الوقف، وذلك كقولك: هذا ابراهيم، وداود، وإسحاق. ولو كان لإلتقاء الساكنين في حال الوقف موجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم لإلتقاء الساكنين، ولما انتظر ساكن آخر. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وهو سؤال صحيح، وجواب صحيح، لكن الذي قال: إن الحركة هي لإلتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من ألف لام ميم في الوقف، وهنما عنى إلتقاء الساكنين اللذين هما: ميم ميم الأخيرة. و: لام التعريف، كالتقاء نون: من، ولام: الرجل، إذا قلت: من الرجل.

ثم أورد الزمشخري سؤالاً ثالثاً، فقال:

فإن قلت: إنما لم يحركوا لألتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف، وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء بساكن ثالث لم يمكن إلَاّ التحريك فحركوا؟

ص: 4

قلت: الدليل على أن الحركة ليست الملاقاة الساكن أنهم كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم ومديق، فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقائ الساكنين. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وفي سؤاله تعمية في قوله: فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين؟ ويعني بالساكنين: الياء والميم في سيم، وحيئذ يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، يعني الياء والميم، ثم قال: فإن جاء بساكن ثالث، يعني لام التعريف، لم يمكن إلَاّ التحريك، يعني في الميم، فحركوا يعني: الميم لالتقائها ساكنة مع لام التعريف، إذ لو لم يحركوا لآجتمع ثلاث سواكن، وهو لا يمكن. هذا شرح السؤال.

وأما جواب الزمخشري عن سؤاله، فلا يطابق، لأنه استدل على أن الحركة ليست لملاقاة ساكن بامكانية الجمع بين ساكنين في قولهم: واحد اثنان، بأن يسكنوا الدال، والثاء ساكنة، وتسقط الهمزة. فعدلوا عن هذا الإمكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال، وهذه مكابرة في المحسوس، لا يمكن ذلك أصلاً، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون الدال وسكون الثاء، وطرح الهمزة.

وأما قوله: فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن الجمع كما قلناه، وأما قوله: كما قالوا: أصيم ومديق، فهذا ممكن كما هو في: راد وضال، لأن في ذلك التقاء الساكنين على حدّهما المشروط في النحو، فأمكن النطق به، وليس مثل: واحد اثنان. لأن الساكن الأول ليس حرف علة، ولا الثاء في مدغم، فلا يمكن الجمع بينهما.

ص: 5

وأما قوله: فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين، لما بني على أن الجمع بين الساكنين في واحد اثنان ممكن، وحركة التقاء الساكنين إنما هي لا يمكن أن يجتمعا فيه في اللفظ، ادّعى أن حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة لالتقاء الساكنين، وقد ذكرنا عدم إمكان ذلك، فإن صح كسر الدال، كما نقل هذا الرجل، فتكون حركتها لالتقاء الساكنين لا لنقل، وقد ردّ قول الفراء، واختيار الزمخشري إياه بأن قيل: لا يجوز أن تكون حركة الميم حركة الهمزة ألقيت عليها، لما في ذلك من الفساد والتدافع، وذلك أن سكون آخر ميم إنما هو على نية الوقف عليها، والقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة، ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها، وهذا متناقض. إنتهى. وهو ردّ صحيح.

والذي تحرر في هذه الكلمات: أن العرب متى سردت أسماء مسكنة الآخر وصلاً ووقفاً، فلوا التقى آخر مسكن منها، بساكن آخر، حرك لالتقاء الساكنين. فهذه الحركة التي في ميم: ألم الله، هي حركة التقاء الساكنين.

{الم * اللَّهُ} قال ابن كيسان: موضع: ألم، نصب، والتقدير: قرأوا ألم، و: عليكم ألم. ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى: هذا ألم، و: ذلك ألم.

وتقدم من قول الجرجاني أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هذه الحروف كتابك.

وقرأ عمر بن الخطابد وعبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس: القيام. وقال خارجه في مصحف عبد الله: القيم، وروي هذا أيضاً عن علقمة.

{الله} رفع على الإبتداء، وخبره:{لا إله إلا هو} و {نزل عليك الكتاب} خبر بعد خبر، ويحتمل أن يكون: نزل، هو الخبر، و: لا إله إلا هو، جملة اعترض.

وتقدم في آية الكرسي استقصاء إعراب: {لا إله إلا هو الحي القيوم} فأغنى عن إعادته هنا.

ص: 6

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً} والباء: تحتمل السببية أي: بسبب إثبات الحق، وتحتمل الحال، أي: محقاً نحو: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحاً.

وانتصاب: مصدقاً، على الحال من الكتاب، وهي حال مؤكدة، وهي لازمة، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه، فهو كما قال:

أنا ابن دارة معروفاً به نسبي

وهل بدارة يا للناس من عار؟ وقيل: انتصاب: مصدقاً، على أنه بدل من موضع: بالحق، وقيل: حال من الضمير المجرور. و: لما، متعلق بمصدقاً، واللام لتقوية التعدية، إذ: مصدقاً، يتعدى بنفسه، لأن فعله يتعدى بنفسه.

وقرأ الحسن: والأنجيل، بفتح الهمزة، وهذا يدل على أنه أعجمي، لأن أفعيلاً ليس من أبنية كلام العرب، بخلاف إفعيل، فإنه موجود في أبنيتهم: كإخريط، وإصليت.

وتعلق: من قبل، بقوله: وأنزل، والمضاف إليه المحذوف هو الكتاب المذكور، أي: من قبل الكتاب المنزل عليك وقيل: التقدير من قبلك، فيكون المحذوف ضمير الرسول. وغاير بين نزل وأنزل، وإن كانا بمعنى واحد، إذ التضعيف للتعدية، كما أن الهمزة للتعدية.

{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأٌّرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} و: كيف، هنا للجزاء، لكنها لا تجزم. ومفعول: يشاء، محذوف لفهم المعنى، التقدير: كيف يشاء أن يصوركم. كقوله {ينفق كيف يشاء} أي: كيف يشاء أن ينفق، و: كيف، منصوب: بيشاء، والمعنى: على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، ونصبه على الحال، وحذف فعل الجزاء لدلالة ما قبله عليه، نحو قولهم: أنت ظالم إن فعلت، التقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم، ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب، وإن كانت متعلقة بما قبلها في المعنى، فتعلقها كتعلق إن فعلت، كقوله: أنت ظالم.

وتفكيك هذا الكلام وإعرابه على ما ذكرناه، لا يهتدي له إلَاّ بعد تمرّن في الإعراب، واستحضار للطائف النحو.

ص: 7

وقال بعضهم {كيف يشاء} في موضع الحال، معمول: يصوركم؛ ومعنى الحال أي: يصوركم في الأرحام قادراً على تصوريكم مالكاً ذلك وقيل: التقدير في هذه الحال: يصوركم على مشيئته، أي مريداً، فيكون حالاً من ضمير اسم الله، ذكره أبو البقاء، وجوّز أن يكون حالاً من المفعول، أي: يصوركم منقلبين على مشيئته.

وقال الحوفي: يجوز أن تكون الجملة في موضع المصدر، المعنى: يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة، وكما يشاء.

{هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ آيَتٌ مُّحْكَمَتٌ} وقوله: {منه آيات محكمات} إلى آخره، في موضع الحال، أي: تركه على هذين الوجهين محكماً ومتشابهاً، وارتفع: آيات، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد، ويجوز ارتفاعه على الإبتداء، والجملة حالية. ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة، وأما قوله:{وأخر متشابهان} فأُخر صفة لآيات محذوفة، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر.

ص: 8

{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} ويكون قوله {والراسخون} مبتدأ و {يقولون} خبر عنه وقيل: والراسخون، معطوف على الله، وهم يعلمون تأويله، و: يقولون، حال منهم أي: قائلين وروي هذا عن ابن عباس أيضاً، ومجاهد والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأكثر المتكلمين. ورجح الأول بأول بأن الدليل إذا دل على غير الظاهر علم أن المراد بعض المجازات، وليس الترجيح لبعض إلَاّ بالأدلة اللفظية، وهي ظنية، والظن لا يكفي في القطعيات، ولأن ما قبل الآية يدل على ذم طالب المتشابه، ولو كان جائزاً لما ذمّ بأن طلب وقت الساعة تخصيص بعض المتشابهات، وهو ترك للظاهر، ولا يجوز، ولأنه مدح الراسخين في العلم بأنهم قالوا {آمنا به} ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان في الإيمان به مدح، لأن من علم شيئاً على التفصيل لا بد أن يؤمن به، وإنما الراسخون يعلمون بالدليل العقلي أن المراد غير الظاهر، ويفوضون تعيين المراد إلى علمه تعالى، وقطعوا أنه الحق، ولم يحملهم عدم التعيين على ترك الإيمان، ولأنه لو كان: الراسخون، معطوف على: الله، للزم أن يكون: يقولون، خبر مبتدأ وتقديره: هؤلاء، أو: هم، فيلزم الإضمار، أو حال والمتقدّم: الله والراسخون، فيكون حالاً من الراسخين فقط، وفيه ترك للظاهر. ولأن قوله:{كل من عند ربنا} يقتضي فائدة، وهو أنهم آمنوا بما عرفوا بتفصيله وما لم يعرفوه، ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل عرى عن الفائدة، ولما نقل عن ابن عباس أن تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يقع جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلَاّ الله، تعالى.

وتلخص في إعراب {والراسخون} وجهان:.

ص: 9

أحدهما: أنه معطوف على قوله: الله، ويكون في إعراب: يقولون، وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف. والثاني: أنه في موضع نصب على الحال من الراسخين، كما تقول: ما قام إلَاّ زيد وهند ضاحكة.

والثاني: من إعراب: والراسخون، أن يكون مبتدأ، ويتعين أن يكون: يقولون، خبراً عنه، ويكون من عطف الجمل.

{كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} هذا من المقول، ومفعول: يقولون قوله: {آمنا به كل من عند ربنا} وجعلت كل جملة كأنها مستقلة بالقول، ولذلك لم يشترك بينهما بحرف العطف، أو جعلا ممتزجين في القول امتزاج الجملة الواحدة، نحو قوله:

كيف أصحبت؟ كيف أمسيت؟ مما

يزرع الود في فؤاد الكريم؟ كأنه قال: هذا الكلام مما يزرع الودّ. والضمير في: به، يحتمل أن يعود على المتشابه، وهو الظاهر، ويحتمل أن يعود على الكتاب. والتنوين في: كل، للعوض من المحذوف، فيحتمل أن يكون ضمير الكتاب، أي: كله من عند ربنا، ويحتمل أن يكون التقدير: كل واحد من المحكم والمتشابه من عند الله، وإدا كان من عند الله فلا تناقض ولا أختلاف، وهو حق يجب أن يؤمن به.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} و: إذ، أصلها أن تكون ظرفاً، وهنا أضيف إليها: بعد، فصارت إسماً غير ظرف، وهي كانت قبل أن تخرج عن الظرفية تضاف إلى الجملة، واستصحب فيها حالها من الإضافة إلى الجملة، وليست الإضامة إليها تخرجها عن هذا الحكم. ألا ترى إلى قوله تعالى:{هذا يوم ينفع الصادقين} ؟ {يوم لا تملك} في قراءة من رفع يوم؟ وقول الشاعر.

على حين عاتبت المشيب على الصبا

على حين من تكتب عليه ذنوبه

على حين الكرام قليل

ألا ليت أيام الصفاء جديد

كيف خرج الظرف هنا عن بابه، واستعمل خبراً ومجروراً بحرف الجر، واسم ليت، وهو مع ذلك مضاف إلى الجملة؟.

ويجوز في: أنت، التوكيد للضمير، والفصل، والابتداء.

ص: 10

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا} وقرأ أبو عبد الرحمن: لن يغني، بالياء على تذكير العلامة. وقرأ علي: لن يغني، بسكون الياء. وقرأ الحسن: لن يغني بالياء أولاً وبالياء منالساكنة آخراً، وذلك لاستثقال الحركة في حرف اللين، وإجراء المنصوب مجرى المرفوع. وبعض النحويين يخص هذا بالضرورة، وينبغي أن لا يخص بها، إذ كثر ذلكح في كلامهم.

و: من، لابتداء الغاية عند المرد، وبمعنى: عند، قاله أبو بعيدة، وجعله كقوله تعالى:{أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} قال: معناه عند جوع وعند خوف، وكون: من، بمعنى: عند، ضعيف جداً.

وقال الزمشخري: قوله: من الله، مثله في قوله:{ان الظنّ لا يغني من الحق شيئاً} والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله، أو من طاعة الله شيئاً، أي: بدل رحمته وطاعته، وبدل الحق. ومنه: ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد أي: لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي: بدل طاعتك وعبادتك. وما عندك. وف معناه قوله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى} إنتهى كلامه.

وإثبات البدلية: لمن، فيه خلاف أصحابنا ينكرونه، وغيرهم قد أثبته، وزعم أنها تأتي بمعنى البدل. واستدل بقوله تعالى:{أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} {لجعلنا منكم ملائكة} أي: بدل الآخرة وبدلكم. وقال الشاعر:

أخذوا المخاض من الفصيل غلبة

ظلماً ويكتب للأميلا إفيلا أي بدل الفصيل، وشيئاً ينتصب على أنه مصدر، كما تقول ضربت شيئاً من الضرب، ويحتمل أن ينتصب على المفعول به، لأن معنى: لن تغني، لن تدفع أو تمنع، فعلى هذا يجوز أن يكون: من، في موضع الحال من شيئاً، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لها، فلما تقدّم انتصب على الحال. وتكون: من إذ ذاك للتبعيض.

ص: 11

فتلخص في: من، أربعة أقوال: ابتداء الغاية، وهو قول المبرد، والكلبي. و: كونها بمعنى: عند، وهو قول أبي عبيدة. و: البدلية، وهو قول الزمخشري، و: التبعيض، وهو الذي قررناه.

{وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة على خبر: إن، واحتمل أن تكونه مستأنفة عطفت على الجملة اغلأولى، وأشار: بأولئك، إلى بعدهم. وأتى بلفظ: هم، المشعرة بالاختصاص، وجعلهم نفس الوقود مبالغة في الاحتراق، كأن النار ليس لها ما يضرمها إلا هم، وتقدّم الكلام في الوقود في قوله:{وقودها الناس والحجارة} .

وقرأ الحسن، ومجاهد، وغيرهما: وقود، بضم الواو، وهو مصدر: وقدت النار تقد وقوداً، ويكون على حذف مضاف، أي: أهل وقود النار، أو: حطب وقود، أو جعلهم نفس الوقود مبالغة، كما تقول: زيد رضا.

وقد قيل في المصدر أيضاً: وقود، بفتح الواو، وهو من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الواو، وتقدّم ذكر ذلك.

و: هم، يحتمل أن يكون مبتدأ، ويحتمل أن يكون فصلاً.

{كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ} واختلفوا في إعراب: كدأب، فقيل: هو خبر مبتدأ محذوف، فهو في موضع رفع، التقدير: دأبهم كدأب، وبه بدأ الزمشخري وابن عطية.

وقيل: هو في موضع نصب بوقود، أي: توقد النار بهم، كما قد بآل فرعون. كما تقول: إنك لتثلم الناس كدأب أبيك، تريد: كظلم أبيك، قاله الزمخشري.

وقيل: يفعل مقدّر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحتراق، قاله ابن عطية. وقيل: من معناه أي عذبوا تعذيباً كدأب آل فرعون. ويدل عليه وقود النار.

وقيل: بلن تغني، أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، قاله الزمخشري. وهو ضعيف، للفصل بين العالم والمعمول بالجملة التي هي:{أولئك هم وقود النار} على أي التقديرين اللذين قدرناهما، فيها من أن تكون معطوفة على خبر إن، أو على الجملة المؤكدة بإن، فان قدرتها اعتراضية، وهو بعيد، جاز ما قاله الزمخشري.

ص: 12

وقيل: بفعل منصوب من معنى: لن تغني، أي بطل انتفاعهم بالأموال والأولاد بطلاناً كعادة آل فرعون.

وقيل: هو نعت لمصدر محذوف تقديره: كفراً كدأب والعامل فيه: كفروا، قاله الفراء وهو خطأ، لأنه إذا كان معمولاً للصلة كان من الصلة، ولا يجوز أن يخبر عن الموصول حتى يستوفي صلته ومتعلقاتها، وهنا قد أخبر، فلا تجوز أن يكون معمولاً لما في الصلة.

وقيل: بفعل محذوف يدل عليه: كفروا، التقدير: كفروا كفراً كعادة آل فرعون.

وقيل: العامل في الكاف كذبوا بآياتنا، والضمير في: كذبوا، على هذا الكفار مكة وغيرهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كذبوا تكذيباً كعادة آل فرعون.

وقيل: يتعلق بقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} أي: أخذهم أخذاً كما أخذ آل فرعون، وهذا ضعيف، لأن ما بعد الفاء العاطفة لا يعمل فيما قبلها.

وحكى بعض أصحابنا عن الكوفيين أنهم أجازوا: زيداً قمت فضربت، فعلى هذا يجوز هذا القول.

فهذه عشرة أقوال في العامل في الكاف.

{وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} وموضع: والذين، جر عطفاً على: آل فرعون.

{كَذَّبُواْ بِأَيَتِنَا} بهذه الجملة تفسير للدأب، كأنه قيل: ما فعلوا؟ وما فعلوا بهم؟ فقيل: كذبوا بآياتنا، فهي كأنها جواب سؤال مقدّر، وجوّزوا أن تكون في موضع الحال، أي: مكذبين، وجوزوا أن يكون الكلام تم عند قوله:{كدأب آل فرعون} ثم ابتدأ فقال: {والذين من قبلهم كذبوا} فيكون: الذين، مبتدأ، و: كذبوا خبره وفي قوله: بآياتنا، التنفات، إذ قبله من الله، فهو اسم غيبة، فانتقل منه إلى التكلم.

ص: 13

{قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأوْلِى الأٌّبْصَرِ * زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَأَبِ} .

{وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وأبعد من ذهب إلى أن: إلى، في معنى: في، فيكون المعنى: إنهم يجمعون في جهنم وبئس المهاد، يحتمل أن يكون من جملة المقول، ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى، قاله الراغب؛ والمخصوص بالذم محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: وبئس المهاد جهنم. وكثيراً ما يحذف لفهم المعني، وهذا مما يستدل به لمذهب سيبويه: أنه مبتدأ والجملة التي قبله في موضع الخبر، إذ لو كان خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر للزم من ذلك حذف الجملة برأسها من غير أن يبقى ما يدل عليها، وذلك لا يجوز، لأن حذف المفرد أسهل من حذف الجملة. وأمّا من جعل: المهاد، ما مهدوا لأنفسهم، أي: بئسما مهدوا لأنفسهم، وكان المعنى عنده، و: بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم، ففيه بُعْدٌ، ويروى عن مجاهد.

{قَدْ كَانَ لَكُمْءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ} والجمهورُ برفع: فئة، على القطع، التقدير: إحداهما، فيكون: فئة، على هذا خبر مبتدأ محذوف، أو التقدير: منهما، فيكون مبتدأ محذوف الخبر.

وقيل: الرفع على البدل من الضمير في التقتا.

ص: 14

وقرأ مجاهد، والحسن، والزهري وحميد: فئةٍ، بالجر على البدل التفصيلي، وهو بدل كل من كل، كما قال:

وكنت كذي رجلينٍ رجل صحيحة

ورجل رمي فيها الزمان فشُلَّتِومنهم من رفع: كافرة، ومنهم من خفضها على العطف، فعلى هذه القراءة تكون: فئة، الأولى بدل بعض من كل، فيحتاج إلى تقدير ضمير أي: فئة منهما تقاتل في سبيل الله، وترتفع أخرى على وجهي القطع إما على الإبتداء وإما على الخبر.

وقرأ ابن السميفع، وابن أبي عبلة: فئة، بالنصب. قالوا: على المدح، وتمام هذا القول: إنه انتصب الأول على المدح، والثاني على الذم، كأنه قيل: أمدح فئة تقاتل في سبيل الله، وأذم أخرى كافرة.

وقال الزمخشري: النصب في: فئة، على الاختصاص وليس بجيد، لأن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرة ولا مبهماً، وأجاز هو، وغيره قبله كالزجاج: أن ينتصب على الحال من الضمير في: التقتا، وذكر: فئة، على سبيل التوطئة.

{يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ} فالظاهر أن الجملة صفة لقوله: وأخرى كافرة، وضمير الرفع عائد عليها على المعنى، إذ لو عاد على اللفظ لكان: تراهم، وضمير النصب عائد على: فئة تقاتل في سبيل الله، وضمير الجرّ في: مثليهم، عائد على فئة أيضاً، وذلك على معنى الفئة، إذ لو عاد على اللفظ لكان التركيب: تراها مثليها، أي ترى الفئةُ الكافرُة الفئةَ المؤمنةَ في مثلي عدد نفسها. أي: ستمائة ونيف وعشرين، أو مثلي أنفس الفئة الكافرة، أي ألفين، أو قريباً من ألفين.

ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الفئة المؤمنة على المعنى، والضمير المنصوب والمجرور عائداً على الفئة الكافرة على المعنى، أي: ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثلي نفسها.

ويحتمل أن يعود الضمير المجرور على الفئة الكافرة، أي: مثلي الفئة الكافرة.

والجملة إذ ذاك صفة لقوله: وأخرى كافرة، ففي الوجه الأول الرابط الواو، وفي هذا الوجه الرابط ضمير النصب.

ص: 15

فيه {يَرَوْنَهُمْ} قراءتان بالياء والتاء.

والرؤية في هاتين القراءتين بصرية تتعدّى لواحد، وانتصب: مثليهم، على الحال. قاله أبو علي، ومكي، والمهدوي. ويقوي ذلك ظاهر قوله: رأي العين، وانتصابه على هذا انتصاب المصدر المؤكد.

قال الزمخشري: رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات. وقيل: الرؤية هنا من رؤية اللب، فيتعدى لإثنين، والثاني هو: مثليهم. ورد هذا بوجهين: أحدهما: قوله تعالى: رأي العين، والثاني: أن رؤية القلب علم، ومحال أن يعلم الشيء شيئين.

وأجيب عن الأول: بأن انتصابه انتصاب المصدر التشبيهي، أي: رأياً مثل رأي العين أي يشبه رأي العين وليس في التحقيق به. وعن الثاني: بأن معنى الرؤية هنا الاعتقاد، فلا يكون ذلك محالاً. وإذا كانوا قد أطلقوا العلم في اللغة على الاعتقاد دون اليقين، فلأن يطلقوا الرأي عليه أولى. قال تعالى:{فإن علمتموهن مؤمنات} أي فإن اعتقدتم إيمانهن، ويدل على هذا قراءة من قرأ: ترونهم، بضم التاء، أو الباء. قالوا: فكأن المعنى أن اعتقاد التضعيف في جمع الكفار أو المؤمنين كان تخميناً وظناً، لا يقيناً. فلذلك ترك في العبارة ضرب من الشك، وذلك أن: أُري، بضم الهمزة تقولها فيما عندك فيه نظر، وإذا كان كذلك، فكما استحال أن يحمل الرأي هنا على العلم، يستحيل أن يحمل على النظر بالعين، لأنه كما لا يقع: العلم غير مطابق للمعلوم، كذلك لا يقع: النظر البصري مخالفاً للمنظور إليه، فالظاهر أن ذلك إنما هو على سبيل التخمين والظن، وإنه لتمكن ذلك في اعتقادهم شبه برؤية العين.

{وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} من الذهب بيان للقناطير وهي في موضع الحال أي كائناً من الذهب.

ص: 16

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأٌّسْحَارِ * شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

{للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} يحتمل أن يكون للذين متعلقاً بقوله: بخير من ذلكم، و: جنات، خبر مبتدأ محذوف أي: هو جنات، فتكون ذلك تبييناً لما أبهم في قوله: بخير من ذلكم ويؤيد ذلك قراءة يعقوب: جنات، بالجر بدلاً من: بخير، كما تقول: مررت برجل زيد، بالرفع و: زيد بالجر، وجوّز في قراءة يعقوب أن يكون: جنات، منصوباً على إضمار: أعني، ومنصوباً على البدل على موضع بخير، لأنه نصب. ويحتمل أن يكون: للذين، خبرا لجنات، على أن تكون مرتفعة على الإبتداء، ويكون الكلام تم عند قوله: بخير من ذلكم، ثم بين ذلك الخير لمن هو، فعلى هذا العامل في: عند ربهم، العامل في: للذين، وعلى القول الأول العامل فيه قوله: بخير.

وأعرب: الذين يقولون، صفة وبدلاً ومقطوعاً لرفع أو لنصب، ويكون ذلك من توابع:{الذين اتقوا} أو من توابع: العباد، والأول أظهر.

و {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} : مفعول: شهد، وفصل به بين المعطوف عليه والمعطوف، ليدل على بالاعتناء بذكر المفعول، وليدل على تفاوت درجة المتعاطفين، بحيث لا ينسقان متجاورين. وقدم الملائكة على أولي العلم من البشر لأنهم الملأ الأعلى، وعلمهم كله ضروري، بخلاف البشر، فإن علمهم ضروري وإكتسابي.

ص: 17

وقرأ أبو الشعثاء: شهد، بضم الشين مبيناً للمفعول، فيكون: أنه، في موضع البدل أي: شهد وحدانية الله وألوهيته. وارتفاع: الملائكة، على هذه القراءة على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: والملائكة وأولوا العلم يشهدون. وحذف الخبر لدلابة المعنى عليه، ويحتمل أن يكون فاعلاً بإضمار فعل محذوف لدلالة شهد عليه، لأنه إذا بني الفعل للمفعول فإنه قبل ذلك كان مبنياً للفاعل، والتقدير: وشهد بذلك الملائكة وأولوا العلم.

وقرأ أبو المهلب، عم محارب بن دثار: شهداء الله، على وزن: فعلاء، جمعاً منصوباً.

قال ابن جني: على الحال من الضمير في المستغفرين. وقيل: نصب على المدح، وهو جمع شهداء، وجمع شاهد: كظرفاء وعلماء. وروي عنه، وعن أبي نهيك: شهداء الله، بالرفع أي: هم شهداء الله. وفي القراءتين: شهداء، مضاف إلى اسم الله.

وروي عن أبي المهلب: شهد بضم الشضين والهاء، جمع: شهيد، كنذير ونذر، وهو منصوب على الحال، واسم الله منصوب. وذكر النقاش: أنه قرىء كذلك بضم الدال وبفتحها مضافاً لام الله في القراءتين.

وذكر الزمخشري، أنه قرىء: شهداء لله، برفع الهمزة ونصبها، وبلام الجر داخلة على اسم الله، فوجه النصب على الحال من المذكورين، والرفع على إضمارهم، ووجه رفع الملائكة على هاتين القراءتين عطفاً على الضمير المستكن في شهداء، وأاز ذلك الوقوع الفاصل بينهما. وتقدم توجيه رفع الملائكة إما على الفاعلية، وإما على الإبتداء.

ص: 18

وقرأ أبو عمر وبخلاف عنه بإدغام: واو، وهو في: واو، والملائكة. وقرأ ابن عبا:{أنه لا إله إلَاّ هو} بكسر الهمزة في: أنه، وخرج ذلك على أنه أجرى: شهد، مجرى: قال، لأن الشهادة في معنى القول، فلذلك كسر إن، أو على أن معمول: شهد، هو إن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله:{أنه لا إله إلَاّ هو} جملة اعتراض بين المعطوف عليه والمعطوف، إذ فيها تسديد لمعنى الكلام وتقوية، هكذا خرجوه والضمير في: أنه، يحتمل أن يكون عائداً على: الله، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، ويؤيد هذا قراءة عبد الله {شهد الله أن لا إله إلا هو} ففي هذه القراءة يتعين أن يكون المحذوف إذا خففت ضمير الشأن، لأنها إذا خففت لم تعمل في غيره إلَاّ ضرورة، وإذا عملت فيه لزم حذفه.

قالوا: وانتصب: {قائماً بالقسط} على الحال من اسم الله تعالى، أو من: هو، أو من الجميع، على اعتبار كل واحد واحد، أو على المدح، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلَاّ هو. أو: على القطع، لأن أصله: القائم، وكذا قرأ ابن مسعبود، فيكون كقوله:{وله الدين واصبا} أي الواصب.

وقرأ أبو حنيفة: قيما، وانتصابه على ما ذكر. وذكر السجاوندي: أن قراءة عبد الله: قائم، فأما انتصابه على الحال من اسم الله فعالمهلا شهد، إذ هو العامل في الحال، وهي في هذا الوجه حال لازمة، لأن القيام بالقسط وصف ثابت لله تعالى.

ص: 19

وقال الزمخشري: وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه، أي: من الله، كقوله:{وهو الحق مصدقاً} . انتهى. وليس من الحال المؤكدة، لأنه ليس من باب:{ويوم يبعث حياً} ولا من باب: أنا عبد الله شجاعاً. فليس {قائماً بالقسط} بمعنى: شهد، وليس مؤكداً مضمون الجملة السابقة في نحو: أنا عبد الله شجاعاً، وهو زيد شجاعاً. لكن في هذا التخريج قلق في التركيب، إذ يصير كقولك: أكل زيد طعاماً وعائشة وفاطمة جائعاً. فيفصل بين المعطوف عليه والمعطوف بالمفعول، وبين الحال وذي الحال بالمفعول والمعطوف، لكن بمشيئة كونها كلها معمولة لعامل واحد، وأما انتصابه على الحال من الضمير الذي هو: هو، فجوّزه الزمخشري وابن عطية.

قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعلته حالاً من فاعل: شهد، فهل يصح أن ينتصب حالاً من: هو، في:{لا إله إلا هو} ؟

قلت: نعم لأنها حال مؤكدة، والحال المئكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقوله: أنا عبد الله شجاعاً. انتهى. ويعني: أن الحال المؤكدة لا يكون العامل فيها النصب شيئاً من الجملة السابقة قبلها، وإنما ينتصب بعامل مضمر تقديره: أحق، أو نحوه مضمراً بعد الجملة، وهذا قول الجمهور. والحال المئكدة لمضمون الجملة هي الدالة على معنى ملازم للمسند إليه الحكم، أو شبيه بالملازم، فإن كان المتكلم بالجملة مخبراً على نفسه، فيقدر الفعل: أحق، مبنياً للمفعول، نحو: أنا عبد الله شجاعاً، أي: أحق شجاعاً. وإن كان مخبراً عن غيره نحو: هو زيد شجاعاً، فتقديره: أحقه شجاعاً.

وذهب الزجاج إلى أن العامل في هذه الحال هو الخبر بما ضمنم ممن معنى المسمى، وذهب ابن خروف إلى أنه المبتدأ بما ضمن من معنى التنبيه. وأما من جعله حالاً من الجميع، على ما ذكره، فرد بأنه لو جاز ذلك لجاز: جاء القوم راكباً، أي: كل واحد منهم. وهذا لا تقوله العرب.

ص: 20

وأما انتصابه على المدح، فقال الزمخشري: فإن قلت أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة، كقولك: الحمد لله الحميد، «إنا معشر الأنبياء لا نورث» .

إنا بني نهشل لا ندعى لأب؟

قلت: قد جاء نكرة في قول الهذلي:

ويأوي إلى نسوة عطل

وشعثاً مراضيع مثل السعالي

انتهى سؤاله وجوابه. وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يفرّق بين لامنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، وبين المنصوب على الاختصاص، وجعل حكمهما واحداً، وأورد مثالاً من المنصوب على المدح وهو: الحمد لله الحميد، ومثالين من المنصوب على الاختصاص وهما:«إنا معشر الأنبياء لا نورث» .

إنا بني نهشل لا نعدى لأب

والذي ذكر النحويون أن المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم قد يكون معرفة، وقبله معرفة يصلح أن يكون تابعاً لها، وقد لا يصلح، وقد يكون نكرة كذلك، وقد يكون نكرة وقبلها معرفة، فلا يصلح أن يكون نعتاً لها نحو قول النابغة:

أقارعُ عوفٍ لا أحاولُ غيرَها

وجوه قرودٍ يبتغي من يخادعُ

فانتصب: وجوه قرودٍ، على الذم. وقبله معرفة وهو قوله: أقارع عوف.

وأما المنصوب على الاختصاص فنصبوا على أنه لا يكون نكرة ولا مبهماً، ولا يكون إلَاّ معرفاً بالألف واللام، أو بالإضافة، أو بالعلمية، أو بأي، ولا يكون إلَاّ بعد ضمير متكلم مختص به، أو مشارك فيه، وربما أتى بعد ضمير مخاطب. وأما انتصابه على أنه صفة للمنفي فقال الزمخشري: فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟

ص: 21

قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف، ثم قال: وهو أوجه من انتصابه عن فاعل: شهد، وكذلك انتصابه على المدح. انتهى. وكان قد مثل في الفصل بين الصفة والموصوف بقوله: لا رجل إلَاّ عبد الله شجاعاً. ويعني أن انتصاب: قائماً، على أنه صفة لقوله: إله، أو لكونه انتصب على المدح أوجه من انتصابه على الحال من فاعل: شهد، وهو الله. وهذا الذي ذكره لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي، وهو المعطوفان اللذان هما: الملائكة وأولو العلم، وليسا معمولين من جملة {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} بل هما معمولان: لشهد، وهو نظير: عرف زيد أن هنداً خارجة وعمرو وجعفر التميمية. فيفصل بين هنداً والتميمية بأجنبي ليس داخلاً فيما عمل فيها، وفي خبرها بأجنبي وهما: عمرو وجعفر، المرفوعان بعرف، المعطوفان على زيد.

وأما المثال الذي مثل به وهو: لا رجل إلَاّ عبد الله شجاعاً، فليس نظير تخريجه في الآية، لأن قولك: إلَاّ عبد الله، يدل على الموضع من: لا رجل، فهو تابع على الموضع، فليس بأجنبي. على أن في جواز هذا التركيب نظراً، لأنه بدل، و: شجاعاً، وصف، والقاعدة أنه: إذا اجتمع البدل والوصف قدم الوصف على البدل، وسبب ذلك أنه على نية تكرار العامل على المذهب الصحيح، فصار من جملة أخرى على المذهب.

وأما انتصابه على القطع فلا يجيء إلا على مذهب الكوفيين، وقد أبطله البصريون.

والأولى من هذه الأقوال كلها أن يكون منصوباً على الحال من اسم الله، والعامل فيه: شهد، وهو قول الجمهور.

ص: 22

وأما قراءة عبد الله: القائم بالقسط، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو القائم بالقسط. قال الزمخشري وغيره: إنه بدل من: هو، ولا يجوز ذلك، لأن فيه فصلاً بين البدل والمبدل منه بأجنبي. وهو المعطوفان، لأنهما معمولان لغير العامل في المبدل منه، ولو كان العامل في المعطوف هو العامل في المبدل منه لم يجز ذلك أيضاً، لأنه إذا اجتمع العطف والبدل قدم البدل على العطف، لو قلت جاء زيد وعائشة أخوك، لم يجز. إنما الكلام: جاء زيد أخوك وعائشة.

وقال الزمخشري فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه، ولو قلت: جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز؟

قلت: إنما جاز هذا لعدم الإلباس، كما جاز في قوله:{ووهبنا له إسحاق ويعقوب ونافلة} إن انتصب: نافلة، حالاً عن: يعقوب، ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً، جاز لتميزه بالذكورة. انتهى كلامه.

وما ذكر من قوله في: جاءني زيد وعمرو راكباً، أنه لا يجوز ليس كما ذكر، بل هذا جائز، لأن الحال قيد فيمن وقع منه أو به الفعل، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قيداً فإنه يحمل على أقرب مذكور، ويكون راكباً حالاً مما يليه، ولا فرق في ذلك بين الحال والصفة، لو قلت: جاءني زيد وعمرو الطويل. لكان: الطويل، صفة: لعمرو، ولا تقول: لا تجوز هذه المسألة، لأنه يلبس بل لا لبس في هذا، وهو جائز فكذلك الحال.

وأما قوله: في: نافلة، إنه انتصب حالاً عن: يعقوب، فلا يتعين أن يكون حالاً عن: يعقوب، إذ يحتمل أن يكون: نافلة، مصدراً كالعافية والعاقبة.

{لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وارتفع: العزيز، على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: والعزيز، على الاستئناف قيل: وليس بوصف، لأن الضمير لا يوصف، وليس هذا بالجمع عليه، بل ذهب الكسائي إلى أن ضمير الغائب كهذا يوصف.

وجوّزوا في إعراب: العزيز، أن يكون بدلاً من: هو.

ص: 23

{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَمُ} قراءة الجمهور بكسر «إن» على الاستئناف وأما قراءة الكسائي ومن وافقه في نصب: أنه، وأن، فقال أبو علي الفارسي: إن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو، ألا ترى أن الدين الذي هو الإسلام يتضمن التوحيد والعدل وهو هو في المعنى؟ وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال، لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل. وقال: وإن شئت جعلته بدلاً من القسط، لأن الدين الذي هو الإسلام قسط وعدل، فيكون أيضاً من بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة. انتهت تخريجات أبي علي، وهو معتزلي، فلذلك يشتمل كلامه على لفظ المعتزلة من التوحيد والعدل، وعلى البدل من أنه لا إله إلا هو، خرجه غيره أيضاً وليس بجيد، لأنه يؤدي إلى تركيب بعيدٌ أن يأتي مثله في كلام العرب، وهو: عرف زيد أنه لا شجاع إلَاّ هو، و: بنو تميم، وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل المحامي، إن الخصلة الحميدة هي البسالة. وتقريب هذا المثال: ضرب زيد عائشة، والعمران حنقاً أختك. فحنقاً: حال من زيد، وأختك بدل من عائشة، ففصل بين البدل والمبدل منه بالعطف، وهو لا يجوز. وبالحال لغير المبدل منه، وهو لا يجوز، لأنه فصل بأجنبي بين المبدل منه والبدل. وخرجها الطبري على حذف حرف العطف، التقدير: وأن الدين. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه، ووجه ضعفه أنه متنافر التركيب مع إضمار حرف العطف، فيفصل بين المتعاطفين المرفوعين بالمنصوب المفعول، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوع المشارك الفاعل في الفاعلية، وبجملتي الاعتراض، وصار في التركيب دون مراعاة الفصل، نحو: أكل زيد خبزا وعمرو وسمكاً. وأصل التركيب: أكل زيد وعمرو خبزاً وسمكاً. فإن فصلنا بين قولك: وعمرو، وبين قولك: وسمكاً، يحصل شنع التركيب. وإضمار حرف العطف لا يجوز على الأصح.

ص: 25

وقال الزمخشري: وقرئتا مفتوحتين على أن الثاني بدل من الأول، كأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بياناً صريحاً، لأن دين الإسلام هو التوحيد والعدل. إنتهى. وهذا نقل كلام أبي علي دون استيفاء.

وأما قراءة ابن عباس فخرج على {أن الدّين عند الله الإسلام} هو معمول: شهد، ويكون في الكلام اعتراضان: أحدهما: بين المعطوف عليه والمعطوف وهو {أنه لا إله إلا هو} والثاني: بين المعطوف والحال وبين المفعول لشهد وهو {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} وإذا أعربنا: العزيز، خبر مبتدأ محذوف، كان ذلك ثلاث اعتراضات، فانظر إلى هذه التوجيهات البعيدة التي لا يقدر أحد على أن يأتي لها بنظير من كلام العرب، وإنما حمل على ذلك العجمة، وعدم الإمعان في تراكيب كلام العرب، وحفظ أشعارها.

وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتبا: أنه لا يكفي النحو وحده في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بدّ من الأطلاع على كحلام العرب، والتطبع بطباعها، والاستكثار من ذكل، والذي خرجت عليه قراءة: أن الدّين، بالفتح هو أن يكون الكلام في موضع المعمول: للحكيم، على إسقاط حرف الجر، أي: بأن، لأن الحكيم فعيل للمبالغة: كالعليم والسميع والخبير، كما قال تعالى {من لدن حكيم خبير} وقال {من لدن حكيم عليم} والتقدير: لا إله إلا هو العزيز الحاكم أن الدّين عند الله الإسلام.

فإن قلت: لم حملت الحكيم على أنه محول من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلا جعلته فعيلاً بمعنى مفعل، فيكون معناه المللهحكم، كما قالوا في: أليم، إنه بمعنى مؤلم، وفي سميع من قول الشاعر:

أمن ريحانة الداعي السميع

أي المسمع؟

ص: 26

فالجواب: إنا لا نسلم أن فعيلاً يأتي بمعنى مفعل، وقد يؤوّل: أليم وسميع، على غير مفعل، ولئن سلمنا ذلك فهو من الندور والشذوذ والقلة بحيث لا ينقاس، وأما فعيل المحوّل من فاعل للمبالغلا فهو منقاس كثير جداً، خارج عن الحصر: كعليم وسميع قدير وخبير وحفيظ، في ألفاظ لا تحصى، وأيضاً فإن العربي القح الباقي على سليقته لم يفهم من حكيم إلَاّ أنه محوّل للمبالغة من حالكم، ألا ترى أنه لما سمع قارئاً يقرأ {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور} رحيك أنك أن تكون فاصلة هذا التركيب السابق: والله غفور رحيم فقيل له التلاوة: {والله عزيز حكيم} فقال: هكذا يكون عز فحكم، ففهم من حكم أنه محول للمبالغة من حالكم، وفهم هذا العربي حجة قاطعة بما قلناه، وهذا تخريج سهل سائغ جداً، يزيل تلك التكلفات والتركيبات المعقدة التي ينزه كتاب الله عنها.

وأما على قراءة ابن عباس فكذلك نقول، ولا نجعل: أن الدين معمولاً: لشهد، كما فهموا، وان: أنه لا إله إلَاّ هو، اعتراض، وأنه بين المعطوف والحال وبين: أن الدين، اعتراض آخر، أو اعتراضان، بل نقول: معمول: شهد، إنه بالكسر على تخريج من خرج أن شهد، لما كان بمعنى القول كسر ما بعدها إجراءً لها مجرى القول، أو نقول: إنه معمولها، وعلقت ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي بخلاف أن لو كان مثبتاً، فإنك تقول: شهدت إن زيداً ألمنطلق، فيعلق بأن مع وجود اللام لأنه لو لم تكن اللام لفتحت أن فقلت: شهدت أن زيداً منطلق، فمن قرأ بفتح: أنه، فإنه لم ينو التعليق، ومن كسر فإنه نوى التعليق. ولم تدخل اللام في الخبر لأنه منفي كما ذكرنا.

{بغيا بينهم} وإعراب: بغياً، فإنه أتى بعد إلَاّ شيآن ظاهرهما أنهما مستثنيان، وتخريج ذلك: فأغنى عن إعادته هنا.

ص: 27

{فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وهذه الجملة جواب الشرط والعائد منها على إسم الشرط محذود تقديره: سريثع الحساب له.

{فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} {ومن ابتعن} قيل: من، في موضع رفع، وقيل: في موضع نصب على أنه مفعول معه، وقيل: في موضع خفض عطفاً على اسم الله.

ومعناه: جعلت مقصدي بالإيمان به، والاعة له، ولمن اتبعني بالحفظ له، والتحفي بتعلمه، وصحته.

فأما الرفع فعطفاً على الفاعل في: أسلمت، قاله الزمخشري، وبدأ به قال: وحسن للفاصل، يعنى أنه عطف على الضمير المتصل، ولا يجوز العطف على الضمير المتصل المرفوع إلَاّ في الشعر، على رأي البصريين. إلَاّ إنه فصل بين الضمير والمبعطوف، فيحسن. وقاله ابن عطية أيضاً، وبدأ به. ولا يمكن حمله على ظاهره لأنه إذا عطف على الضمير في نحو: أكلت رغيفاً وزيد، لزم من ذكل أن يكونا شريكين في أكل الرغيف، وهنا لا يسوغ ذلك، لأن المعنى ليس على أنهم أسلموا هم وهو صلى الله عليه وسلّموجهه لله، وإنما المعنى: أنه صلى الله عليه وسلّمأسلم وجهه لله، وهم أسلموا وجوههم لله، فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف على ضمير محذوف منه المفعول، لا مشارك في مفعول: أسلمت، التقدير: ومن اتبعني وجهه.

أو أنه مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، ومن اتبعني كذلك، أي: أسلموا وجوههم لله، كما تقول: قضى زيد نحبه وعمرو، أي: وعمرو كذفلك. أي: قضى نحبه.

ومن الجهة التي امتنع عطف. ومن، على الضمير إذا حمل الكلام على ظاهره دون تأويل، يمتنع كون: من، منصوباً على أنه مفعول معه، لأنك إذا قلت: أكلت رغيفاً وعمراً، أي: مع عمرو، دل ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف، وقد أجاز هذا الوجه الزمخشري، وهو لا يجوز لما ذكرنا على كل حال، لأنه لا يمكن تأويل حذف المفعول مع كون الواو واو المعية.

ص: 28

وأثبت ياء: اتبعني، في الوصل أبو عمرو، ونافع، وحذفها الباقون، وحذفها أحسن لموافقة خط المصحف، ولأنها رأس آية كقوله: أكرمن وأهانن، فتشبه قوافي الشعر كقوله الشاعر:

وهل يمنعنّي ارتيادُ البلا

د من حذر الموت أن يأتيَنْ

{فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذه الجملة هي خبر: إن، ودخلت الفاء لما يتضمن الموصول من معنى اسم الشرط كما قدّمناه، ولم يعب بهذا الناسخ لأنه لم يغير معنى الابتداء، أعني: إن.

ومع ذلك في المسألة خلاف: الصحيح جواز دخول الفاء في خبر: إن، إذا كان اسمها مضمناً معنى الشرط، وقد تقدّمت شروط جواز دخول الفاء في خبر المبتدأ، وتلك الشروط معتبرة هنا، ونظير هذه الآية في دخول الفاء {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم} {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم} .

ومن منع ذلك جعل الفاء زائدة، ولم يقس زيادتها.

ص: 29

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيَّامًا مَّعْدُودَتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَاّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ الَّيْلَ فِى الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَةً وَيُحَذِّرْكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفُ بِالْعِبَادِ * قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ

ص: 30

فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ} .

اللهم: هو الله إلَاّ أنه مختص بالنداء فلا يستعمل في غيره، وهذه الميم التي لحقته عند البصريين هي عوض من حرف النداء، ولذلك لا تدخل عليه إلَاّ في الضرورة. وعند الفراء: هي من قوله: يا الله أمنا بخير، وقد أبطلوا هذا النصب في علم النحو، وكبرت هذه اللفظة حتى حذفوا منها: أل، فقالوا: لا همّ، بمعنى: اللهمّ. قال الزاجر:

لا هم إني عامر بن جهم

أحرم حجاً في ثياب دسم وخففت ميمها في بعض اللغات قال:

كَحَلْقَه من أبي رياح

يسمعها اللَّهُمَ الكُبار {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} جملة حالية وقيل مستأنفة.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ} وارتفع: ذفلك، بالابتداء، و: بأنهم، هو الخبر، أي: ذلك الإعراض والتولي كائن لهم وحاصل بسبب هذا القول، وهو قولهم: إنهم لا تمسهم النار إلَاّ أياماً قلائل، يحصرها العدد. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: شأنهم ذلك، أي التولي والإعراض، قاله الزجاج. وعلى هذا يكون: بأنهم، في موضع الحال، أي: مصحوباً بهذا القول، و: ما في: ما كانوا، موصولة، أو مصدرية.

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَاّ رَيْبَ فِيهِ} وانتصاب: فكيف، قيل على الحال، والتقدير: كيف يصنعون؟ وقدره الحوفي: كيف يكحون حالهم؟ فإن أراد كان التامة كانت في موضع نصب على الحال، وإن كانت الناقصة كانت في موضع نصب على خبر كان، والأجود أن تكون في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى: التقدير: كيف حالهم؟ والعامل في: إذا، ذلك الفعل الذي قدره، والعامل في: كيف، إذا كانت خبراً عن المبتدأ إن قلنا إن انتصابها انتصاب الظروف، وإن قلنا إنها اسم غير ظرف، فيكون العامل في: إذا، المبتدأ الذي قدرناه، أي: فكيف حالهم في ذلك الوقت؟ وهذا الاستفهام لا يحتاج إلى جواب، وكذا أككثر استفهامات القرآن، لأنها من عالم الشهادة، وإنما استفهامه تعالى تقريع.

ص: 31

{قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ} وانتصاب: مالك الملك، على أنه منادى ثانٍ أي: يا مالك الملك، ولا يوصف اللهم عند سيبويه، وأجاز أبو العباس وأبو إسحاق وصفه، فهو عندهما صفة للاهم، وهي مسألة خلافية يبحث عنها في علم النحو.

{لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ} وقرأ الجمهور: لا يتخذ، على النهي وقرأ الضبي برفع الذال على النفي، والمراد به النهي، وقد أجاز الكسائي فيه الرفع كقراءة الضبي.

و: يتخذ، هنا متعدية إلى اثنين، و: من دون، متعلقة بقوله: لا يتخذ، و: من، لابتداء الغاية.

{وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ} وخبر: ليس، هو ما استقلت به الفائدة، وهي: في شيء، و: من الله، في موضع نصب على الحال، لأنه لو تأخر لكان صفة لشيء، والتقدير: فليس في شيء من ولاية الله. و: من، تبعيضية نفي ولاية الله عن من اتخذ عدوه ولياً، لأن الولايتين متنافيتان، قال:

تود عدوي ثم تزعم أنني

صديقك، ليس النَّوْكُ عنك بعازب وتشبيه من شبه الآية ببيت النابغة:

إذا حاولت في أسد فجوراً

فإني لست منك ولست مني ليس بجيد، لأن: منك ومني، خبر ليس، وتستقل به الفائدة. وفي الآية الخبر قوله: في شيء، فليس البيت كالآية.

ص: 32

قال ابن عطية {فليس من الله في شيء} معناه في شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «من غشنا فليس منا» . وفي الكلام حذف مضاف تقديره: فليس من التقرب إلى الله والتزلف. ونحو هذا مقوله: في شيء، هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله:{ليس من الله في شيء} . انتهى كلامه. وهو كلام مضطرب، لأن تقديره: فليس من التقرب إلى الله، يقتضي أن لا يكون منالله خبراً لليس، إذ لا يستقل. فقوله: في شيء، هو في موضع نصب على الحال يقتضي أن لا يكون خبراً، فيبقى: ليس، على قوله لا يكون لها خبر، وذلك لا يجوز. وتشبيهه بقوله عليه السلام:«من غشنا فليس منا» ليس بجيد لما بيناه من الفرق في بيت النابغة بينه وبين الآية.

{إِلاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَةً} هذا استثناء مفرع من المفعول له.

وقال الزمخشري: إلَاّ أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه وقرىء: تقية. وقيل: للمتقي تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه. انتهى فجعل: تقاة، مصدراً في موضع اسم المفعول، فانتصابه على أنه مفعول به لا على أنه مصدر، ولذلك قدره إلَاّ أن تخافوا أمراً.

وقال أبو عليّ: يجوز أن يكون: تقاة، مثل: رماة، حالاً من: تتقوا، وهو جمع فاعل، وإن كان لم يستعمل منه فاعل، ويجوز أن يكون جمع تقي. انتهى كلامه.

وتكون الحال مؤكدة لأنه قد فهم معناها من قوله {إلا أن تتقوا منهم} وتجويز كونه جمعاً ضعيف جدّاً، ولو كان جمع: تقي، لكان أتقياء، كغني وأغنياء، وقولهم: كمي وكماة، شاذ فلا يخرجّ عليه، والذي يدل على تحقيق المصدرية فيه قوله تعالى:{اتقوا الله حق تقاته} المعنى حق اتقائه، وحسن مجيء المصدر هكذا ثلاثياً أنهم قد حذفوا: اتقى، حتى صار: تقي يتقي، تق الله فصار كأنه مصدر لثلاثي.

ص: 33

وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وأبو رجاء، وقتادة، والضحاك، وأبو حيوة، ويعقوب، وسهل، وحميد ابن قيس، والمفضل عن عاصم: تقية على وزن مطية وجنية، وهو مصدر على وزن: فعيلة، وهو قليل نحو: النميمة. وكونه من افتعل نادر.

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا} اختلف في العامل في: يوم، فقال الزجاج: العامل فيه: ويحذركم، ورجحه. وقال أيضاً: العامل فيه: المصير. وقال مكي بن أبي طالب: العامل فيه: قدير، وقال أيضاً: فيه مضمر تقديره اذكر. وقال ابن جرير: تقديره: اتقوا، ويضعف نصبه بقوله: ويحذركم، لطول الفصل. هذا من جهة اللفظ، وأما من جهة المعنى فلأن التحذير موجود، واليوم موعود، فلا يصح له العمل فيه، ويضعف انتصابه: بالمصير، للفصل بين المصدر ومعموله، ويضعف نصبه: بقدير، لأن قدرته على كل شيء لا تختص بيوم دون يوم، بل هو تعالى متصف بالقدرة دائماً. وأما نصبه باضمار فعل، فالإضمار على خلاف الأصل.

وقال الزمخشري: {يوم تجد} منصوب: بتود، والضمير في: بينه، ليوم القيامة، حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. إنتهى هذا التخريج.

والظاهر في بادىء النظر حسنه وترجيحه، إذ يظهر أنه ليس فيه شيء من مضعفات الأقوال السابقة، لكن في جواز هذه المسألة ونظائرها خلاف بين النحويين، وهي: إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء اتصل بالمعمول للفعل، نحو: غلام هند ضربت، وثوبي أخويك يلبسان، ومال زيد أخذ، فذهب الكسائي، وهشام، وجمهور البصريين: إلى جوزاز هذه المسائل. ومنها الآية على تخريج الزمخشري، لأن الفاعل: بتودّ، هو ضمير عائد على شيء اتصل بمعمول: تودّ، وهو: يوم، لأن: يوم، مضاف إلى: تجد كل نفس، والتقدير: يوم وجدان كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوؤ تودّ.

ص: 34

وذهب الفراء، وأبو الحسن الأخفش، وغير من البصريين إلى أن هذه المسائل وأمثالها لا تجوز، لأن هذا المعمول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به في هذه المسائل يخرجه عن ذلك، لأنه يلزم ذكر المعمول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، ولهذه العلة امتنع: زيداً ضرب، وزيداً ظنّ قائماً. والصحيح جواز ذلك قال الشاعر:

أجل المرء يستحث ولا يد

ري إذا يبتغي حصول الأماني أي: المرء في وقت ابتغائه حصول الأماني يستحث أجله ولا يشعر.

و: تجد، الظاهر أنها متعدّية إلى واحد وهو: ما عملت، فيكون بمعنى نصيب، ويكون: محضراً، منصوباً على الحال. وقيل: تجد، هنا بمعنى: تعلم، فتتعدّى إلى اثنين، وينتصب: محضراً على أنه مفعول ثان لها، وما، في: ما عملت، موصولة، والعائد عليها من الصلة محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية أي: عملها، ويراد به إذ ذاك اسم المفعول، أي: معمولها، فقوله: ما عملت، هو على حذف مضاف أي: جزاء ما عملت وثوابه.

قيل: ومعنى: محضراً على بهذا موفراً غير مبخوس. وقيل: ترى ما عملت مكتوباً في الصحف محضراً إليها تبشضيراً لها، ليكون الثواب بعد مشاهدة العمل.

وقرأ الجمهور: محضراً، بفتح الضاد، اسم مفعول. وقرأ عبيد بن عمير: محضرا بكسر الضاد، أي محضراً الجنة أو محضراً مسرعاً به إلى الجنة من قولهم: أحضر الفرس، إذا جرى وأسرع.

ص: 35

و: ما عملت من سوء، يجوز أن تكون في موضع نصب، معطوفاً على: ما عملت من خير، فكيون المفعول الثاني إن كان: تجد، متعدّية إليهما، أو الحال إن كان يتعدّى إلى واحد محذوفاً، أي: وما عملت من سوء محضراً. وذلك نحو: ظننت زيداً قائماً وعمراً، إذا أردت: وعمراً قائماً، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون: تودّ، مستأنفاً. ويجوز أن يكون: توّد، في موضع الحال أي: وادة تباعد ما بينها وبين ما عملت من سوء، فيكون الضخمير في بينه عائداً على ما عملت من سوء، وأبعد الزمخشري في عوده على اليوم، لأن أحد القسمين اللذين أحضر له في ذلك اليوم هو: الخير الذي عمله، ولا يطلب تباعد وقت إحضاراً لخير إلَاّ بتجوّز إذا كان يشتمل على إحضار الخير والشر، فتودّ تباعدة لتسلم من الشر، ودعه لا يحصل له الخير. والأولى: عوده على: ما عملت من السوء، لأنه أقرب مذكور، لأن المعنى: أن السوء يتمنى في ذلك اليوم التباعد منه، وإلى عطف: ما عملت من سوء، على: ما عملت من خير، وكون، تودّ، في موضع الحال ذهب إليه الطبري، ويجوز أن يكون: وما عملت من سوء، موصولة في موضع رفع بالابتداء و: تودّ، جملة في موضع الخبر: لما، التقدير: والذي عملته من سبوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري وثنى به ابن عطية، واتفقا على أنه لا يجوز أن يكون: وما عملت من سوء، شرطاً. قال الزمخشري: لارتفاع: تودّ. وقال ابن عطية: لأن الفعل مستقبل مرفوع يقتضى جزمه، اللهم إلَاّ أن يقدر في الكلام محذوف، أي: فهي تودّ، وفي ذلك ضعف. إنتهى كلامه. وظهر من كلاميهما امتناع الشرط لأجل رفع: تودّ، وهذه المسألة كان سألني عنها قاضي القضاة أبون العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، رحمه الله، واستشسكل قول الزمخشري. وقال: ينبغي أن يجوز غاية ما في هذا أن يكون مثل قول زهير:

وإن أتاه خليل يوم مسألة

ص: 36

يقول: لا غائب مالي ولا حرم وكتبت جواب ما سألني عنه في كتابي الكبير المسمى: (بالتذكرة) ، ونذكر هنا ما تمس إليه الحاجة من ذلك، بعد أن نقدّم ما ينبغي تقديمه في هذه المسألة، فنقول: إذا كان فعل الشرط ماضياً، وما بعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء، جاز في ذلك المضارع الجزم، وجاز فيه الرفع، مثال ذلك: إن قام زيد يقوم عمرو، وان قام زيد يقم عمرو. فاما الجزم فعلى أنه جواب الشرط، ولا تعلم في جواز ذلك خلافاً، وأنه فصيح، إلَاّ ما ذكره صاحب كتاب (الإعراب) عن بعض النحويين أنه: لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع: كان، لقوله تعالى {من كان يريد الحياة الدنا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها} لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها.

وظاهر كلام سيبويه، ونص الجماعة، أنه لا يختص ذلك بكان، بل سائر الأفعال في ذلك مثل كان، وأنشد سيبويه للفرزدق:

دسَّت رسولاً بأن القوم إن قدروا

عليك يشفوا صدوراً ذات توغير

وقال أيضاً:

تعال فإن عاهدتني لا تخونني

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثير. وقال بعض أصحابنا: وهو أحسن من الجزم، ومنه بين زهير السابق إنشاده، وهو قوله أيضاً:

وإن سل ريعان الجميع مخافة

يقول جهاراً: ويلكم لا تنفروا وقال أبو صخر:

ولا بالذي إن بان عنه حبيبه

يقول ويخفي الصبر: إني الجازع

وقال الآخر:

وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه

تشوّف أهل الغائب بالمتنظِّر

وقال الآخر:

وإن كان لا يرضيك حتى تردّني

إلى قطري لا إخاك راضياً

وقال الآخر:

إن يسألوا الخير يعطوه، وإن خبروا

في الجهد أدرك منهم طيب إخبار

ص: 37

فهذا الرفع، كما رأيت كثير، ونصوص الأمة على جوازه في الكلام، وإن اختلفت تأويلاتهم كما سنذكره. وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن رشيد المالقي، وهو مصنف (صف المباني) رحمه الله: لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم لأنه أصل العمل في المضارع، تقدّم الماضي أو تأخر، وتأوّل هذا المسموع على إضمار الفاء، وجعله مثل قول الشاعر:

إنك إن يصرغ أخوك تصرغ.

على مذهب من جعل الفائ منه محذوفة.

وأما المقدّمون فاختلفوا في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم. وأما جواب الشرط فهو محذوف عنده.

وذهب الكوفيون، وأبو العباس إلى أنه هو الجواب حذفت منه الفاء، وذهب غيرهما إلى أنه لما لم تظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط، لكونه ماضياً، ضعف عن العمل في فعل الجواب، وهو عنده جواب لا على إضمار الفاء، ولا على نية التقديم، وهذا والمذهب الذي قبله ضعيفان.

وتلخص من هذا الذي قلناه: أن رفع المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً، لكن امتنع أن يكون: وما عملت، شرطاً لعلة أخرى، لا لكون: تود، مرفوعاً، وذلك على ما نقرره على مذه سيبويه من أن النية بالمرفوع التقديم، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجواب لا نفس الجواب، فنقول: إذا كان: تود، منوياً به كالتقديم أدّى إلى تقدّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناه في العربية. ألا ترى أن الضمير في قوله: وبينه، عائد على اسم الشرط الذي هو: ما، فيصير التقدير: تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء؟ فيلزم من هذا التقدير تقدّم المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز.

فإن قلت: لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط؟ فإن كان نيته التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير: ضرب زيداً غلامه، فالفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير.

ص: 38

فالجواب: إن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا جملة دليله، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنما تعمل في جملة الجزاء وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب. وإذا كان كذلك تدافع الأمر، لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل الشرط، ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط اقتضتها، فتدافعا. وهذا بخلاف: ضرب زيداً غلامه، هي جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، وكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ولذلك جاز عند بعضهم: ضرب غلامها هنداً، لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع: ضرب غلامها جار هند، لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرق ما بين المسألتين. ولا يحفظ من لسان العرب: أو دّلو أني أكرمنه أياً ضربت هند، لأنه يلزم منه تقديم المضمر على مفسره في غير المواضع التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره.

وقرأ عبد الله، وابن أبي عبلة: من سوء ودّت لو أن، وعلى هذه القراءة يجوز أن تكون: ما، شرطية في موضع نصب، فعملت. أو في موضع رفع على إضمار الهاء في: عملت، على مذهب الفراء، إذ يجيز ذلك في اسم الشرط في فصيح الكلام، وتكون: ودّت، جزاء الشرط.

قال الزمخشري: لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى، لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، وأثبت لموافقة قراءة العامة. انتهى.

و: لو، هنا حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف، ومفعول: تود، محذوف، والتقدير: تود تباعد ما بينهما لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسرت بذلك، وهذا الإعراب والتقدير هو على المشهور في: لو، و: أن، وما بعدها في موضع مبتداً على مذهب سيبويه، وفي موضع فاعل على مذهب أبي العباس.

ص: 39

وأمّا على قول من يذهب إلى أن: لو، بمعنى: أن، وأنها مصدرية فهو بعيد هنا لولايتها أن وأن مصدرية، ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلَاّ قليلاً، كقوله تعالى {مثل ما أنكم تنطقون} والذي يقتضيه المعنى أن: لو أن، وما يليها هو معمول: لتودّ، في موضع المفعول به. قال الحسن: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً، ذلك معناه.

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاٍّنثَى وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يمَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ *

ص: 40

قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّىءَايَةً قَالَءَايَتُكَ أَلَاّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَرِ} .

نوح: اسم أعجمي مصروف عند الجمهور وإن كان فيه ما كان يقتضي منع صرفه وهو: العلمية والعجمة الشخصية، وذلك لخفة البناء بكونه ثلاثياً ساكن الوسط لم يضف إليه سبب آخر، ومن جوز فيه الوجهين فبالقياس على هذا لا بالسماع، ومن ذهب إلى أنه مشتق من النواح فقوله ضعيف، لأن العجمة لا يدخل فيها الاشتقاق العربي إلَاّ ادعى أنه مما اتفقت فيه لغة العرب ولغة العجم، فيمكن ذلك. ويسمى: آدم الثاني واسمه السكن، قاله غير واحد، وهو ابن لملك بن متوشلخ بن اخنوخ بن سارد بن مهلابيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم.

عمران: اسم أعجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، ولو كان عربياً لامتنع أيضاً للعلمية، وزيادة الألف والنون إذ كان يكون اشتقاقه من العمر واضحاً.

زكريا: أعجمي شبه بما فيه الألف الممدودة والألف المقصورة فهو ممدود ومقصور، ولذلك يمتنع صرفه نكرة، وهاتان اللغتان فيه عند أهل الحجاز، ولو كان امتناعه للعلمية والعجمة انصرف نكرة. وقد ذهب إلى ذلك أبو حاتم، وهو غلط منه، ويقال: ذكرى بحذف الألف، وفي آخره ياء كياء بحتى، منونة فهو منصرف، وهي لغة نجد، ووجهه فيما قال أبو علي؛ إنه حذف ياءي الممدود والمقصور، وألحقه ياءي النسب يدل على ذلك صرفه، ولو كانت الياآن هما اللتين كانتا في زكريا لوجب أن لا يصرف للعجمة والتعريف. انتهى كلامه. وقد حكي: ذكر على وزن: عمر، وحكاها الأخفش.

هنا: اسم إشارة للمكان القريب، والتزم فيه الظرفية إلَاّ أنه يجر بحرف الجر، فإن ألحقته كاف الخطاب دل على المكان البعيد. وبنو تميم تقول: هناك، ويصح دخول حرف التنبيه عليه إذا لم تكن فيه اللام، وقد يراد بها ظرف الزمان.

ص: 41

يحيي: اسم أعجمي امتنع الصرف للعجمة والعلمية، وقيل: هو عربي، وهو فعل مضارع من: حي، سمي به فامتنع الصرف للعلمية ووزن الفعل، وعلى القولين يجمع على: يحيون، بحذف الأولف وفتح ما قبلها على مذهب الخليل، وسيبويه ونقل عن الكوفيين: إن كان عربياً فتحت الياء، وإن كان أعجمياً ضمت الياء.

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} وروي معناه عن ابن عباس، قال: المراد اصطفى دينهم على سائر الأديان، واختاره الفراء. وقال التبريزي: هذا ضعيف، لأنه لو كان ثَمَّ مضاف محذوف لكان: ونوح مجروراً، لأن آدم محله الجر بالإضافة، وهذا الذي قاله التبريزي ليس بشيء، ولولا تسطيره في الكتب ما ذكرته. لأنه لا يلزم أن يجر المضاف إليه إذا حذف المضاف، فيلزم جر ما عطف عليه، بل يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف المحذوف. ألا ترى إلى قوله واسأل القرية؟ وأما إقراره مجروراً فلا يجوز إلا بشرط ذكر في علم النحو.

{عَلَى الْعَلَمِينَ} متعلق باصطفى، ضمنه معنى فضل، فعداه بعلى. ولو لم يضمنه معنى فضل لعدى بمن.

{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} أجازوا في نصب: ذرية، وجهين:

أحدهما: أن يكون بدلاً. قال الزمخشري {من آل إبراهيم وآل عمران} يعني أن الآلين ذرية واحدة، وقال غيره بدل من نوح ومن عطف عليه من الأسماء. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون بدلاً من آدم لأنه ليس بذرية انتهى.

وأجازوا أيضاً نصب: ذرية، على الحال، وهو الوجه الثاني من الوجهين، ولم يذكره الزمخشري، وذكره ابن عطية. وقال: وهو أظهر من البدل.

وتقدّم الكلام على ذرية دلالةً واشتقاقاً ووزناً، فأغنى عن إعادته.

وقرأ زيد بن ثابت والضحاك: ذِرية، بكسر الذال، والجمهور بالضم.

{بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} جملة في موضع الصفة لذرية و: من، للتبعيض حقيقة أي: متشعبة بعضها من بعض في التناسل.

ص: 42

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ} والعامل في: إذ، مضمر تقديره: إذكر، قاله الأخفش، والمبرد، أو معنى الاصطفاء، التقدير: واصطفى آل عمران. قاله الزجاج، وعلى هذا يجعل {وآل عمران} من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات، لأنه إن جعل من باب عطف المفردات لزم أن يكون العامل فيه اصطفى آدم، ولا يسوغ ذلك لتغاير زمان هذا الاصطفاء، وزمان قول امرأة عمران، فلا يصح عمله فيه.

وقال الطبري ما معناه: إن العامل فيه: سميع، وهو ظاهر قول الزمخشري، أو: سميع عليم، لقول امرأة عمران ونيتها، و: إذ، مصنوب به. انتهى. ولا يصح ذلك لأن قوله: عليم، إما ان يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله: سميع، فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول لأنه أجنبي منهما، وإن كان وصفاً فلا يجوز أن يعمل: سميع، في الظرف، لأنه قد وصف. اسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وصف قبل أخذ معموله لا يجوز له إذ ذاك أن يعمل على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك، ولأن اتصافه تعالى: بسميع عليم، لا يتقيد بذلك الوقت.

وذهب أبو عبيدة إلى أن إذ زائدة، المعنى: قالت امرأة عمران. وتقدّم له نظير هذا القول في: مواضع، وكان أبو عبيدة يضعف في النحو.

وانتصب محرراً، على الحال. قيل: من ما، فالعامل: نذرت وقيل من الضمير الذي في: استقر، العامل في الجار والمجرور، فالعامل في هذا: استقر، وقال مكي فمن نصبه على النعت لمفعول محذوف يقدّره: غلاماً محرراً. وقال ابن عطية: وفي هذا نظر، يعني أن: نذر، قد أخذ مفعوله، وهو: ما في بطني، فلا يتعدّى إلى آخره، ويحتمل أن ينتصب: محرراً، على أن يكون مصدراً في معنى: تحريراً، لأن المصدر يجوز أن يكون على زنة المفعول من كل فعل زائد على الثلاثة، كما قال الشاعر:

ألم تعلم مسرحي القوافي

ص: 43

فلاعياً بهنّ ولا اجتلابا التقدير: تسريحي القوافي، ويكون إذ ذاك على حذف مضاف، أي: نذر تحرير، أو على أنه مصدر من معنى: نذرت، لأن معنى:{نذرت لك ما في بطني} حررت لك بالنذر ما في بطني. والظاهر القول الأول، وهو أن يكون حالاً من: ما، ويكون، إذ ذاك حالاً مقدّرة إن كان المراد بقوله: محرراً، خادماً للكنيسة، وحالاً مصاحبة إن كان المراد عتيقاً، لأن عتق ما في البطن يجوز.

{قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَى} وقال الزمخشري: فإ قلت: كيف جاز انتصاب أنثى حالاً من الضمير في وضعتها؛ وهو كقولك: وضعت الأنثى أنثى؟.

قلت: الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال لأن الحال، وذا الحال شيء واحد، كما أنث الأسم في من كانت أمّك لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى:{فإن كانتا اثنتين} . إنتهى. وآل قوله إلى أن: أنثى، تكون حالاً مؤكدة، لا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال من أن يكون الحال مؤكدة. وأما تشبيهه ذلك بقوله: من كانت أمّك، حيث عاد الضمير على معنى: من، فليس ذلك نظير: وضعتها أنثى، لأن ذلك حمل على معنى: من، إذا المعنى: أية امرأة، كانت امّك، أي: كانت هي أيّ المرأة أمّك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحمل على معنى: من، ولو فرضنا أنه تأنيث للأسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير: وضعتها أنثى، لأن الخبر مخصص بالإضافة إلى الضمير، فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف أنثى، فإنه لمجرد التأكيد.

وأما تنظيره بقوله: {فإن كانتا اثنتين} فيعنى أنه ثنى بالأسم لتثنية الخبر، والكلام عليه يأتي في مكانه، فإنه من المشكلات، فالأحسن أن يجعل الضمير في: وضعتها أنثى، عائداً على النسمة، أو النفس، فتكون الحال مبنية لا مؤكدة.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} و: ما، موصولة بمعنى: الذي، أو: التي، وأتى بلفظ: ما، كما في قوله:{نذرت لك ما في بطني} والعائد عليها محذوف على كل قراءة.

ص: 44

{وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} مريم في لغتهم معناه: العابدة، أرادت بهذه التسمية التفاؤل لها بالخير، والتقرب إلى الله تعالى، والتضرّع إليه بأن يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن تصدّق فيها ظنها بها. ألا ترى إلى إعاذتها بالله وعاذة ذريتها من الشيطان؟ وخاطبت الله بهذا الكلام لترتب لاستعاذة عليه، واستبدادها بالتسمية يدل على أن أباها عمران كان قد مات، كما نقل أنه مات وهي حامل، على أنه يحتمل من حيث هي أنثى أن تستبدّ الأمّ بالتسمية لكراهة الرجال البنات، وفي الآية تسمية الطفل قرب الولادة، وفي الحديث:«ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم» . وفي الحديث أنه: «يعق عن المولود في السابع ويسمى» .

وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها من كلامها، وهي كلها داخله تحت القول على قراءة من قرأ: بما وضعت، بضم التاء. وأما من قرأ: بما وضعت، بسكون التاء أو بالكسر. فقال الزمخشري: هي معطوفة على: إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضان، كقوله:{وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} . إنتهى كلامه. ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتا معترضتان، لأنه يحتمل أن يكونه {وليس الذكر كالأنثى} في هذه القراءة من كلامها، ويكون المعترض جملة واحدة، كما كان من كلامها في قراءة من قرأ: وضعت، بضم التاء، بل ينبغي أن يكون هذا المتعين لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة، لأن في اعتراض جملتين خلافاً مذهب أبي علي: أنه لا يعترض جملتان وقد تقدّم لنا الكلام على ذلك.

ص: 45

وأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما بين المعطوف والمعطوف عليه على زعمه بقوله: {وانه لقسم لو تعلمون عظيم} ليس تشبيهاً مطابقاً للآية، لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم الذي هو:{فلا أقسم بمواقع النجوم} وجوابه الذي هو: {انه لقرآن كريم} بجملة واحدة وهي قوله: {وانه لقسم لو تعلمون عظيم} لكنه جاء في جملة الأعتراض بين بعض أجزائه وبعض، اعتراض بجملة وهي قوله:{لو تعلمون} اعترض به بين المنعوت الذي هو: لقسم، وبين نعته الذي هو: عظيم، فهذا اعتراض في اعتراض، فليس فصلاً بجملتي اعتراض لقوله:{والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} وسمي من الأفعال التي تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى آخر بحرف الجر، ويجوز حذفه واثباته هو الأصل، يقول سميت ابني بزيد، وسميته زيداً. قال:

وسميت كعباً بشر العظام

وكان أبوك يسمى الجعلأي: وسميت بكعب، ويسمى: بالجعل، وهو باب مقصور على السماع، وفيه خلاف عن الأخفش الصغير، وتحرير ذلك في علم النحو.

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} والباء في: بقبول، قيل: زائدة، ويكون إذ ذاك ينتصب انتصاب المصدر على غير الصدر، وقيل: ليست بزائدة.

وانتصب: نباتاً، على أنه مصدر على غير الصدر، أو مصدر لفعل محذوف أي: فنبتت نباتاً حسناً.

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} وانتصاب: هنالك، بقوله: دعا، ووقع في تفسير السجاوندي: أن هناك في المكان، وهنالك في الزمان، وهو وهم، بل الأصل أن يكون للمكان سواء اتصلت به اللام والكاف أو الكاف فقط أو لم يتصلا. وقد يتجوز بها عن المكان إلى الزمان، كما أن أصل: عند، أن يكون للمكان، ثم يتجوز بها للزمان، كما تقول: آتيك عند طلوع الشمس.

ص: 46

{قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} وتقدّم أن: لدن، لما قرب، و: عند، لما قرب ولما بعد، وهي أقل إبهاماً من: لدن، ألا ترى أن: عند، تقع جواباً لأين، ولا تقع له جواباً: لدن؟.

و {مِن لَّدُنْكَ} متعلق: بهب، وقيل: في موضع الحال من: ذرية، لأنه لو تأخر لكان صفة، فعلى هذا تتعلق بمحذوف.

وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من ضمير المفعول، أو من الملائكة، و: يصلي، يحتمل أن يكون صفة: لقائم، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: قائم، أو: من ضمير المفعول، على مذب من جوّز حالين من ذي حال واحد، ويحتمل أن يكون خبراً ثانياً: لهو، على مذهب من يجيز تعداد الأخبار لمبتدأ واحد، وإن لم تكن في معنى خبر واحد.

ويتعلق: في المحراب، بقوله: يصلي، ولا يجوز أن يتعلق: بقائم، في وجه من احتمالات إعراب: يصلي، إلا في وجه واحد، وهو أن يكون: يصلي، حالاً من الضمير الذي استكن في: قائم، فيجوز. لأنه إذ ذاك يتحد العامل فيه وفي: يصلى، وهو: قائم، لأن العامل إذ ذاك في الحال هو: قائم، إذ هو العامل في ذي الحال، وبه يتعلق المجرور.

وفي قوله: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ} قالوا: دلالة على جواز قيام الإمام في محرابه، وقد كرهه أبو حنيفة، وقال: كان ذلك شرعاً لمن قبلنا.

ورقق وَرش راء: المحراب، وأمال الراء ابن ذكوان إذا كانت: المحراب، مجروراً ونسب ذلك أبو علي إلى ابن عامر. ولم يقيد بالجر.

{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} قرأ ابن عامر، وحمزة: إن الله، بكسر الهمزة. فعند البصريين الكسر على إضمار القبول، أي: وقالت. وعند الكوفيين لا إضمار، لأن غير القول مما هو في معناه: كالنداء والدعاء، يجري مجرى القول في الحكاية، فكسرت بنادته، لأن معناه قالت له.

وقرأ الباقون بفتح الهمزة، وهو معمول لباء محذوفة في الأصل، أي بتبشير:

ص: 47

وحين حذفت فالموضع نصب بالفعل أو جر بالباء المحذوفة، قولان قد تقدما في غير ما موضع من هذا الكتاب.

وقرأ عبد الله: يا زكريا إن الله. فقوله: يا زكرياء، هو معمول النداء. فهو في موضع نصب، ولا يجوز فتح: إن، على هذه القراءة، لأن الفعل قد استوفى مفعوليه، وهما: الضمير والمنادى.

{مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ} وانتصب: مصدّقاً، على الحال قال ابن عطية: وهي حال مؤكدة.

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ} و: يكون، يجوز أن تكون تامّة وفاعلها غلام، أي: أنَّي يحدث لي غلام؟ ويجوز أن تكون ناقصة، ولا يتعين إذ ذاك تقديم الخبر على الأسم، لأنه قيل: دخول كان مصحح لجواز الإبتداء بالنكرة، إذ تقدّم أداة الإستفهام مسوغ لجواز الإبتداء بالنكرة، والجملتان بعد كل منهما حال، والعامل فيهما: يكون، إن كانت تامة، أو العامل في: لي، إن كانت ناقصة.

وقيل: {وامرأتي عاقر} حال من المفعول في: بلغني، والعامل بلغني، وكانت الجملة الأولى فعلية لأن الكبر يتجدّد شيئاً فشيئاً، فلم يكن وصفاً لازماً، وكانت الثانية اسمية والخبر: عاقر، لأنه كونها عاقراً أمر لازم لها لم يكن وصفاً طارئاً عليها، فناسب لذلك أن تكون الأولى جملة فعلية، وناسب أن تكون الثانية جملة اسمية.

ص: 48

{قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} الكاف: للتشبيه، وذلك: إشارة إلى الفعل، أي: مثل ذلك الفعل، وهو تكوّن الولد بين الفاني والعاقر، يفعل الله ما يشاء من الأفعال الغربية فيكون إخباراً من الله أنه يفعل الأشياء التي تتعلق بها مشيئته فعلاً، مثل ذلك الفعل لا يعجزه شيء، بل سبب إيجاده هو تعلق الإرادة: سواء كان من الأفعال الجارية على العادة أم من التي لا تجري على العادة؟ وإذا كان تعالى يوجد الأشياء من العدم الصرف بلا مادة ولا سبب، فكيف بالأشياء التي لها مادة وسبب وإن كان ذلك على خلاف العادة؟ وتكون الكاف على هذا الوجه في موضع نصب على أنها صفة لمصدر محذوف، أي: فعلاً مثل ذلك الفعل، أو على انها في موضع الحال من ضمير المصدر المحذوف: من يفعل، وذكل على مذهب سيبويه، وقد تقدّم لنا مثل هذا، ويحتمل أن يكون كذلك الله مبتدأ وخبراً، وذلك على حذف مضاف، أي صنع الله الغريب مثل ذلك الصنع، ويكون {يفعل ما يشاء} شرحاً للإبهام الذي في اسم الإشارة، وقدره الزمخشري على نحو هذه الصفة: الله، قال:{ويفعل ما يشاء} بيان له، أي يفعل ما يشاء من الأفاعيل الخارقة للعادات. إنتهى.

وقال ابن عطية: أي: كهذه القدرة المسغربة هي قدرة الله. إنتهى.

وعلى هذا الاحتمال، تكون الكاف في موضع رفع، لأن الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ والكلام جملتان، وعلى التفسير الأول الكلام جملة واحدة.

{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّىءَايَةً} وظاهر: جعل، هنا أنها بمعنى صيِّر، فتتعدّى لمفعولين: الأول آية، والثاني المجرور، قبله وهو: لي، وهو يتعين تقديمه، لأنه قبل دخول: اجعل، هو مصحح لجواز الابتداء بالنكرة.

ص: 49

وقرأ ابن أبي عبلة: أن لا تكلم، برفع الميم على أن: أن، هي المخففة من الثقيلة، أي أنه لا تكلم، واسمها محذوف ضمير الشأن، أو على إجراء: أن، مجرى: ما المصدرية، وانتصاب: ثلاثة أيام، على الظرف خلافاً للكوفيين، إذ زعموا أنه كان اسم الزمان يستغرقه الفعل، فليس بظرف، وإنما ينتصب انتصاب المفعول به نحو: صمت يوماً، فانتصاب ثلاثة أيام عندهم على أنه مفعول به، لأن انتفاء الكلام منه للناس كان واقعاً في جميع الثلاثة، لم يخل جزء منها من انتفاء فيه.

{إِلَاّ رَمْزًا} واستثناء الرمز، قيل: هو استثناء منقطع، إذا الرمز لا يدخل تحت التكليم، من أطلق الكلام في اللغة على الإشارة الدالة على ما في نفس المشير، فلا يبعد أن يكون هذا استثناء متصلاً على مذهبه. ولذكل أنشد النحويون:

أرادت كلاماً فاتقت من رقيبها

فلم يك إلَاّ ومؤها بالحواجب

وقال:

إذا كلمتني بالعيون الفواتر

رددت عليها بالدموع البوادرواستعمل المولدون هذا المعنى. قال حبيب:

كلمته بجفون غير ناطقة

فكان من ردّه ما قال حاجبه وكونه استثناءً متصلاً بدأ به الزمخشري. قال: لما أدّى مؤدّي الكلام، وفهم منه ما يفهم منه، سمي كلاماً.

وأما ابن عطية فاختار أن يكون منقطعاً. قال: والكلام المراد به في الآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الأستثناء أنه منقطع، وبدأ به أوّلاً، فقال استثناء الرمز وهو استثناء منقطع، ثم قال: وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ونحوها، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلاً.

وقرأ الأعمش: رمزاً، بفتح الراء والميم، وخرج على أنه جمع رامز، كخادم وخدم، وانتصابه إذا كان جمعاً على الحال من الفاعل، وهو الضمير في تكلم، ومن المفعول وهو: الناس. كما قال الشاعر:

فلئن لقيتك خاليين لتعلمن

أيىّ وأيّك فارس الأحزاب أي: إلَاّ مترامزين كما يكلم الأخرس الناس ويكلمونه.

ص: 50

{وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالإِبْكَرِ} وانتصاب: كثيراً، على أنه نعت لمصدر محذوف، أو منصوب على الحال من ضمير المصدر المحذوف الدال عليه: اذكروا، على مذهب سيبويه.

ومفعول: وسبح، محذوف للعلم به، لأن قبله:{واذكر ربك كثيراً} أي: وسبح ربك. و: الباء في: بالعشي، ظرفية أي: في العشي.

وقرىء شاذاً والإبكار، بفتح الهمزة، وهو جمع بكر بفتح الباء والكاف، تقول: أتيتك بكراً، وهو مما يلتزم فيه الظرفية إذا كان من يوم معين ونظيره: سحر وأسحار، وجبل وأجبال. وهذه القراءة مناسبة للعشي على قول من جعله جمع عشية إذ يكون فيها تقابل من حيث الجمعية، وكذلك هي مناسبة إذا كان العش مفرداً، وكانت الألف واللام فيه للعموم، كقوله:{إن الإنسان لفي خسر} وأهلك الناس الدينار الصفر.

وأما على قراءة الجمهور: والإبكار، بكسر الهمزة، فهو مصدر، فيكون قد قابل العشي الذي هو وقت، بالمصدر، فيحتاج إلى حذف أي: بالعشي ووقت الإبكار.

ويتعلق: بالعشي، بقوله: وسبح، ويكون على إعمال الثاني وهو الألى، إذ لو كان متعلقاً بقوله: واذكر ربك، لأضمر في الثاني، إذ لا يجوز حذفه إلا في ضرورة.

قيل: أو في قليل من الكلام، ويحتمل أن يكون من باب الإعمال، فيكون الأمر بالذكحر غير مقيد بهذين الزمانين.

ص: 51

{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ * يمَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الركِعِينَ * ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّلِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِىءُ الأٌّكْمَهَ والأٌّبْرَصَ وَأُحْىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلاٌّحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُّسْتَقِيمٌ} .

ص: 52

{ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ} والكاف في: ذلك، و: إليك، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأحسن في الإعراب أن يكون: ذلك، مبتدأ و: من أنباء الغيب، خبره. وأن يكون: نوحيه، جملة مستأنفة، ويكون الضمير في: نوحيه، عائداً على الغيب، أي: شأننا أننا نوحي إليك الغيب ونعلمك به، ولذلك أتى بالمضارع، ويكون أكثر فائدة من عوده على: ذلك، إذ يشتمل ما تقدّم من القصص وغيرها التي يوحيها إليه في المستقبل، إذ يصير نظير: زيد يطعم المساكين، فيكون إخباراً بالحالة الدائمة. والمستعمل في هذا المعنى إنما هو المضارع، وإذ يلزم من عوده على: ذلك، أن يكون: نوحيه، بمعنى: أوحيناه إليك، لأن الوحي به قد وقع وانفصل، فيكون أبعد فلي المجاز منه إذا كان شاملاً لهذه القصص وغيرها مما سيأتي، وجوّزوا أن يكون: نوحيه، خبراً: لذلك، و: من أنباء، حال من: الهاء، في: نوحيه، أو متعلقاً: بنوحيه.

{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَمَهُمْ} والعامل في: إذ، العامل في: لديهم. وقال أبو علي الفارسي: العامل في: إذ، كنت. إنتهى. ولا يناسب ذلك مذهبه في كان الناقصة. لأنه يزعم أنها سلبت الدلالة على الحدث، وتجردت للزمان وما سبيله هكذا، فكيف يعمل في ظرف؟ لأن الظرف وعاء للحدث ولا حدث فلا يعمل فيه، والمضارع بعد: إذ، في معنى الماضي، أي: إذ ألقوا أقلامهم للاستهام على مريم.

وارتفع {أيّهم يكفل مريم} على الابتداء والخبر، وهو في موضع نصب إما على الحكاغية بقول محذوف، أي: يقولون أيهم يكفل، ودل على المحذوف:{يلقون أقلامهم} .

والعامل في: اذ، العامل في: لديهم، أو، كنت، على قول أبي علي في: إذ يلقون.

ص: 53

وتضمنت هذه الآية من ضروب الفصاحة: التكحرار في: اصطفاك، وفي: يا مريم، وفي: ما كنت لديهم. قيل: والتقديم والتأخير في: واسجدي واركعي، على بعض الأقوال. والأشتعارة، فيمن جعل القنوعت والسجود والركوع ليس كناية عن الهيئات التي في الصلاة، والإشارة بذلك من أنباء الغيب، والعموم المراد به الخصوص في نساء العالمين على أحد التفسيرين، والتشبيه في أقلامهم، إذا قلنا إنه أراد القداح. والحذف على عدة مواضع.

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} العامل في: إذا، اذكر أو: يختصمون، أو إذ، بد من إذ، في قوله: إذ يختصمون، أو من: وإذ قالت الملائكة، أقوال يلزم في القولين المتوسطين اتحاد زمان الاختصام وزمان قول الملائكة، وهو بعيد، وهو قول الزجاج. ويبعد الرابع لطول الفصل بين البدل والمبدل منه. والرابع اختيار الزمخشري وبه بدأ.

{اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} والظاهر أن اسمه: المسيح، فيكون: اسمه المسيح، مبتدأ وخبراً، و: عيسى، جوزوا فيه أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون بدلاً، وأن يكون عطف بيان. ومنع بعض النحويين أن يكون خبراً بعد خبر، وقال: كان يلزم أن يكون أسماه على المعنى، أو أسماها على لفظ الكلمة، ويجوز أن يكون: عيسى، خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو عيسى ابن مريم. قال ابن عطية: ويدعو إلى هذا كون قوله: ابن مريم، صفة: لعيسى، إذ قد أجمع الناس على كتبه دون الألف. وأما على البدل، أو عطف البيان، فلا يجوز أن يكون: ابن مريم، صفة: لعيسى، لأن الأسم هنا لم يرد به الشخص. هذه النزعة لأبي علي. وفي صدر الكلام نظر. إنتهى كلامه.

وقال الزمخشري فإن قلت لِمَ قيل: {اسمه المسيح عيسى بن مريم} وهذه ثلاثة أشياء الأسم منها: عيسى، وأما: المسيح و: الأبن، فلقب وصفة؟.

ص: 54

قلت: الأسم للمسمى علامة يعرف بها، ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة. إنتهى كلامه. ويظهر من كلامه أن اسمه مجموع هذه الثلاثة، فتكون الثلاثة أخباراً عن قوله: اسمه، ويكون من باب: هذا حلو حامض، و: هذا أعسر يسر. فلا يكون أحدها على هذا مستقلاًغ بالخبرية. ونظيره في كون الشيئين أو الأشياء في حكم شيء واحد قول الشاعر:

كيف أصبحت كيف أمسيت مما

يزرع الود في فؤاد الكريم؟ أي: مجموع هذا مما يزرع الود، فلما جاز في المبتدأ أن يتعدد دون حرف عطف إذا كان المعنى على المجموع، كذلك يجوز في الخبر. وأجاز أبو البقاء أن يكون: ابن مريم، خبر مبتدأ محذوف أي: هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون بدلاً مما قبله، ولا صفة لأن: ابن مريم، ليس باسم. ألا ترى أنك لا تقول: اسم هذا الرجل ابن عمرو إلَاّ إذا كان علماً عليه؟ إنتهى.

قال بعضهم: ومن قال إن المسيح صفة لعيسى، فيكون في الكلام تقديم وتأخير تقديره: اسمه عيسى المسيح، لأن الصفة تابعة لموصوفها. إنتهى. ولا يصح أن يكون المسيح في هذا التركيب صفة، لأن المخبر به على هذا اللفظ، والمسيح من صفة المدلول لا من صفة الدال، إذ لفظ عيسى ليس المسيح.

ومن قال: إنهما اسمان تقدم المسيح على عيسى لشضهرته. قال ابنه الأنباري: وإنما بدأ بلقبه لأن: المسيح، أشهر من: عيسى، لأنه قل أن يقل على سمي يشتبه، وعيسه قد يقع على عدد كثير، فقدمه لشهرته. ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهر من أسمائهم؟ وهذا يدل على أن المسيح عند أبن الأنباري لقب لا اسم.

قال الزجاج: وعيسى معرب من: ايسوع، وإن جعلته عربياً لم ينصرف في معرفة ولا نكرة لأن فيه ألف تأنيث، ويكون مشتقاً من: عاسه يعوسه، إذا اساسه وقام عليه.

{وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} معطوف على قوله: وجيهاً، وتقديره: ومقرباً من جملة المقربين.

ص: 55

أعلم تعالى أن ثَمَّ مقربين، وأن عيسى منهم. ونظير هذا العطف قوله تعالى:{وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} فقوله: وبالليل، جار ومجرور في موضع الحال، وهو معطوف على: مصبحين، وجاءت هذه الحال هكذا لأنها من الفواصل، فلو جاء: ومقرباً، لم تكن فاصلة.

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلاً} وعطف: ويكلم، وهو حال أيضاً على: وجيهاً، ونظيره:{إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن} أي: وقابضات. وكذلك: ويكلم، أي: وملكماً. وأتى في الحال الأول بالأسم لأن الأسم هو للثبوت، وجاءت الحال الثانية جاراً ومجروراً لأنه يقد بالأسم. وجاءت الحالة الثالثة جملة لأنها في الرتبة الثالثة. أترى في الحال وصف في المعنى؟ فكما أن الأحسن والأكثر في لسان العرب أنه إكذا اجتمع أوصاف متغايرة بدىء بالأسم، ثم الجار والمجرور، ثم بالجملة. كقوله تعالى:{وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمان} فكذلك الحال، بدىء بالأسم، ثم الجار والمجرور، ثم بالجملة. وكانت هذه الجملة مضارعية لأن الفعل يشعر بالتجدد، كما أن الأسم يشعر بالثبوت، ويتعلق: في المهد، بمحذوف إذ هو في موضع الحال، التقدير: كائنا في المهد وكهلاً، معطوف على هذه الحال، كأنه قيل: طفلاً وكهلاً، فعطف صريح الحال على الجار والمجرور الذي في موضع الحال. ونظيره عكساً:{وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} ومن زعم أن: وكهلاً، معطوف على: وجيهاً، فقد أبعد.

ص: 56

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} وقرأ نافع، وعاصم، ويعقوب، وسهل: ويعلمه، بالياء وقرأ الباقون: بالنون، وعلى كلتا القراءتين هو معطوف على الجملة المقولة، وذلك إن قوله: قال كذلك، الضمير في: قال، عائد على الرب، والجملة بعده هي المقولة، وسواء كان لفظ الله مبتدأ، وخبره فيما قبله، لزم مبتدأ وخبره يخلق على ما مر إعرابه في:{قال كذلك الله يفعل ما يشاء} فيكون هذا من المقول لمريم، أم على سبيل الاغتباط والتبشير بهذا الولد الذي يوجده الله منها، ويجوز أن يكون معطوفاً على: يخلق، سواء كانت خبراً عن الله أم تفسيراً لما قبلها، إذا أعربت لفظ: الله مبتدأ وما قبله الخبر، وهذا ظاهر كله على قراءة الياء. وأما على قراءة النون، فيكون من باب الإلتفات، خرج من ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم لما في ذلك من الفخامة.

وقال أبو علي: وجوزه الزمخشري، وغيره عطف: ويعلمه، على: يبشرك، وهذا بعيد جداً لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. وأجاز ابن عطية وغيره أن يكون معطوفلاً على: ويكلم، وأجاز الزمخشري أن يكون معطوفاً على: وجيهاً، فيكون على هذين القولين في موضع نصب على الحال. وفيما أجازه أبو علي والزمخشري في موضع رفع لأنه معطوف على خبر إن، وهذا القولان بعيدان أيضاً لطول الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يقع مثله في لسان العرب.

ص: 57

وقال بعضهم: ونعلمه، بالنون حمله على قوله {نوحيه إليك} فإن عنى بالحمل العطف فلا شيء أبعد من هذا التقدير، وإن عنى بالحمل أنه من باب الالتفات فهو صحيح وقال الزمخشري: أو هو كلام مبتدأ يعنى أنه لا يكون معطوفاً على شيء من هذه التي ذكرت، فإن عنى أنه استئناف إخبار عن الله، أو من الله، على اختلاف القراءتين، فمن حيث ثبوت الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداء كلام إلَاّ أن يدعى زيادة الواو في: ويعلمه، فحينئذ يصح أن يكون ابتداء كلام، وإن عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر، فكان ينبغي أن يبين ما عطف عليه، وأن يكون الذي عطف عليه ابتداء كلام حتى يكون المعطوف كذلك.

وقال الطبري: قراءة الياء عطف على قوله {يخلق ما يشاء} وقراءة النون عطف على قوله {نوحيه إليك} قال ابن عطية: وهذا القول الذي قاله في الوجهين مفسد للمعنى. انتهى. ولم يبين ابن عطية جهة إفساد المعنى، أما قراءة النون فظاهر فساد عطفه على: نوحيه، من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى، أما من حث اللفظ فمثله لا يقع في لسان العرب لبعد الفصل المفرط، وتعقيد التركيب، وتنافر الكلام. وأما من حيث المعنى فإن المعطوف بالواو شريك المعطوف عليه، فيصير المعنى بقوله ذلك من أنباء الغيب أي: إخبارك يا محمد بقصة امرأة عمران، وولادتها لمريم، وكفالة زكريا، وقصته في ولادة يحيى له، وتبشير الملائكة لمريم بالاصطفاء والتطهير، كل ذلك من أخبار الغيب، نعلِّمه، أي: نعلم عيسى الكتاب، فهذا كلام لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله.

ص: 58

وأما قراءة الياء وعطف: ويعلمه، على: يخلق، فليست مفسدة للمعنى، بل هو أولى وأصح ما يحمل عليه عطف: ويعلمه، لقرب لفظه وصحة معناه. وقد ذكرنا جوازه قبل، ويكون الله قد أخبر مريم بأنه تعالى يخلق الأشياء الغريبة التي لم تجرِ بها عادة، مثل ما خلق لك ولداً من غير أب، وأنه تعالى يعلم هذا الولد الذي يخلقه لك ما لم يعلمه قبله من الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، فيكون في هذا الإخبار أعظم تبشير لها بهذا الولد، وإظهار بركته، وأنه ليس مشبهاً أولاد الناس من بني إسرائيل، بل هو مخالف لهم في أصل النشأة، وفيما يعلمه تعالى من العلم، وهذا يظهر لي أنه أحسن ما يحمل عليه عطف: ويعلمه.

{وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} اختلفوا في: رسولاً، هنا فقيل: هو وصف بمعنى المرسل على ظاهر ما يفهم منه وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، إذ قد ثبت أن رسولاً يكون بمعنى رسالة، وممن جوز ذلك فيه هنا الحوفي، وأبو البقاء، وقالا: هو معطوف على الكتاب، أي: ويعلمه رسالة إلى بني اسرائيل، فتكون: رسالة، داخلاً في ما يعلمه الله عيسى. وأجاز أبو البقاء في هذا الوجه أن يكون مصدراً في موضع الحال. وأما الوجه الأول فقالوا في إعرابه، وجوها.

أحدها: أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره: ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قالوا: فيكون مثل قوله:

يا ليت زوجك قد غدا

متقلداً سيفاً ورمحاً أي: ومعتقلاً رمحاً. لما لم يمكن تشريكه مع المنصوبات قبله في العامل الذي هو: يعلمه، أضمر له فعل ناصب يصح به المعنى، قاله ابن عطية وغيره.

الثاني: أن يكون معطوفاً على: ويعلمه، فيكون: حالاً، إذ التقدير: ومعلماً الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله: وجيهاً، قاله الزمخشري، وثنى به ابن عطية، وبدأ به وهو مبني على إعراب: ويعلمه وقد بينا ضعف إعراب من يقول: إن: ويعلمه، معطوف على: وجيهاً، للفصل المفرط بين المتعاطفين.

ص: 59

الثالث: أن يكون منصوباً على الحال من الضمير المستكن في: ويكلم، فيكون معطوفاً على قوله: وكهلاً، أي: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً ورسولاً إلى بني إسرائيل، قاله ابن عطية، وهو بعيد جداً لطول الفصل بين المتعاطفين.

الرابع: أن تكون الواو زائدة، ويكون هالاً من ضمير: ويعلمه، قاله الأخفش، وهو ضعيف لزيادة الواو، لا يوجد في كلامهم: جاء زيد وضاحكاً، أي: ضاحكاً.

الخامس: أن يكون منصوباً على إضمار فعل من لفظ رسول، ويكون ذلك الفعل معمولاً لقول من عيسى، التقدير: وتقول أرسلت رسولاً إلى بني إسرائيل، واحتاج إلى هذا التقدير كله، لقوله:{أني قد جئتكم} وقوله: {ومصدقاً لما بين يدي} ، إذ لا يصح في الظاهر حمله على ما قبله من المنصوبات لاختلاف الضمائر، لأن ما قبله ضمير غائب، وهذا أن ضمير متكلم، فاحتاج إلى هذا الإضمار لتصحيح المعنى. قاله الزمخشري، وقال: هو من المضايق، يعني من المواضع التي فهيا إشكال. وهذا الوجه ضعيف، إذ فيه إضمار القول ومعموله الذي هو: أرسلت، والاستغناء عنهما باسم منصوب على الحال المؤكدة، إذ يفهم من قوله: وأرسلت، أنه رسول، فهي على هذا التقدير حال مؤكدة.

فهذه خمسة أوجه في إعراب: ورسولاً، أولاها الأول، إذ ليس فيه إلَاّ إضمار فعل يدل عليه المعنى، أي: ويجعله رسولاً، ويكون قوله {أني قد جئتكم} معمولاً لرسول، أي ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة الجمهور، ومعمولاً لقول محذوف على قراءة من كسر الهمزة، وهي قراءة شاذة، أي: قائلاً إني قد جئتكم، ويحتمل أن يكون محكياً بقوله: ورسولاً، لأنه في معنى القول، وذلك على مذهب الكوفيين.

وقرأ اليزيدي: ورسولٍ، بالجر، وخرجه الزمخشري على أنه معطوف على: بكلمة منه، وهي قراءة شاذة في القياس لطول البعد بين المعطوف عليه والمعطوف.

ويجوز أن يكون: من ربكم، في موضع الصفة، لأنه يتعلق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق: بجئتكم، أي: جئتكم من ربكم بآية.

ص: 60

{أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} قرأ الجمهور: أني أخلق، بفتح الهمزة على أن يكون بدلاً من: آية، فيكون في موضع جر، أو بدلاً من قوله: أني قد جئتكم، فيكون في موضع نصب أو جر على الخلاف، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي، أي: الآية أني أخلق، فيكون في موضع رفع. وقرأ نافع بالكسر على الاستئناف، أو على إضمار القول، أو على التفسير للآية. كما فسر المثل في قوله:{كمثل آدم} بقوله: {خلقه من تراب} .

وقرأ بعضهم فأنفخها، أعاد الضمير على الهيئة المحذوفة. إذ يكون التقدير: هيئة كهيئة الطير، أو: على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى: مماثلة هيئة الطير، فيكون التأنيث هنا كما هو في المائدة في قوله:{فتنفخ فيها} ويكون في هذه القراءة قد حذف حرف الجرّ. كما قال:

ما شق جيب ولا قامتك نائحة

ولا بكتك جياد عند إسلاب يريد: ولا قامت عليك، وهي قراءة شاذة نقلها الفراء. وقال النابغة:

كالهبرقيّ ثنحَّى ينفخ الفحماء

فعدى: تفخ، لمنصوب، فيمكن أن يكون على إسقاط حرف الجر، ويمكن أن يكون على التضمين، أي: يضرم بالنفخ الفحم، فيكون هنا ناقصة على بابها، أو بمعنى: تصير.

وقرأ نافع ويعقوب هنا وفي المائدة: طائراً، وقرأ الباقون: طيراً، وانتصابه على أنه خبر: يكون، ومن جعل: يكون، هنا تامّة، و: طائراً، حالاً فقد أبعد. وتعلق بإذني الله، قيل: بيكون. وقيل: بطائر.

{وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ} و: ما، في: ما تأكلون وما تدخرون، موصولة اسمية، وهو الظاهر. وقيل: مصدري.

ص: 61

وقرأ الجمهور: تدخرون، بدال مشددة، وأصله: إذتخر، من الذخر، أبدلت التاء دالاً، فصار: إذدخر، ثم أدغمت الذال في الدال، فقيل: ادّخر، كما قيل: ادكره. وقرأ مجاهد، والزهري، وأيوب السختياني، وأبو السمال: تذخرون، بذال ساكنة وخاء مفتوحة. وقرأ أبو شعيب السوسي، في رواية عنه: وما تذدخرون، بذال ساكنة ودال مفتوحة من غير إدغام، وهذا الفك جائز. وقراءة الجمهور بالإدغام أجود، ويجوز جعل بالدال ذالاً، والإدغام فتقول: اذخر، بالذال المعجمة المشددة.

{وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} عطف و: مصدقاً، على قوله: بآية إذ الباء فيه للحال، ولا تكون للتعدية لفساد المعنى، فالمعنى: وجئتكم مصحوباً بآية من ربكم، ومصدقاً لما بين يدي. ومنعوا أن يكون: ومصقاً، معطوفاً على: رسولاً إلى بني إسرائيل، ولا على: وجيهاً، لما يلزم من كون الضمير في قوله: لما بين يدي، غائباً. فكان يكون: لما بين يديه، وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله: ورسولاً، أن يكون منصوباً بإضمار فعل، أي: وأرسلت رسولاً، فعلى هذا التقدير يكون: ومصدقاً، معطوفاً على: ورسولاً.

{وَلاٌّحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} واللام في: ولأحل لكم، لام كي، ولم يتقدم ما يسوغ عطفه عليه من جهة اللفظ، فقيل: هو معطوف على المعنى، إذ المعنى في: ومصدقاً، أي: لأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم. وهذا هو العطف على التوهم، وليس هذا منه، لأن معقولية الحال مخالفة لمعقولية التعليل، والعطف على التوهم لا بد أن يكون المعنى متحداً في المعطوف والمعطوف عليه. ألا ترى إلى قوله: فأصدق وأكحي كيف اتحد المعنى من حيث الصلاحية لجواب التحضيض؟ وكذلك قوله:

تقي نقي لم يكثر غنيمة

ص: 62

بنكهة ذي قربى ولا بحفلد كيف اتحد معنى النفي في قوله: لم يكثر، ولا في قوله: ولا بخفلد؟ أي: ليس بمكثر ولا بحفلد. وكذلك ما جاء من هذا النوع. وقيل: اللام تتعلق بفعل مضمر بعد الواو يفسره المعنى: أي وجئتكم لأحلّ لكم. وقيل: تتعلق اللام بقوله: وأطيعون، والمعنى: واتبعون لأحل لكم، وهذا بعيد جداً. وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره: لأخفف عنكم، أو نحو ذلك.

وقال الزمخشري: ولأحل، ردّ على قوله: بآية من ربكم، أي: جئتكم بآية من ربكم، لأن: بآية، في موضع حال، و: لأحل، تعليل، ولا يصح عطف التعليل على الحال لأن العطف بالحرف المشترك في بالحكم يوجب التشريك في جنس المعطوف عليه، فإن عطفت على مصدر، أو مفعول به، أو ظرف، أو حال، أو تعليل، أو غير ذلك شاركه في ذلك المعطوف.

{وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُّسْتَقِيمٌ} ظاهر اللفظ أن يكون قوله: {وجئتكم بآية من ربكم} للتأسيس لا للتوكيد، لقوله: قد جئتكم بآية من ربكم، وتكون هذه الآية قوله:{إن الله ربي وربكم فاعبدوه} لأن هذا القول شاهد على صحة رسالته، إذ جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجعل هذا القول آية وعلامة، لأنه رسول كسائر الرسل، حخيث هداه للنظر في أدلة العقل والأستدلال. وكسر: إن، على هذا القول لأن: قولاً، قبلها محذوف، وذلك القول بدل من الآية، فهو معمول للبدل. ومن قرأ بفتح: أن، فعلى جهة البدل من: آية، ولا تكون الجملة من قوله: إن، بالكسر مستأنفة على هذا التقدير من إضمار القول، ويكون قوله:{فاتقوا الله واطيعون} جملة اعتراضية بين البدل والمبدل منه.

ص: 63

وقيل: الآية الأولى في قوله: {قد جئتكم بآية} هي معجزة. وفي قوله: {وجئتكم بآية} هي الآية من الإنجيل، فاختلف متعلق المجيء، ويجوز أن يكون {وجئتكم بآية من ربكم} كررت على سبيل التوكيد، أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من: خلق الطير والإبراء والإحياء والإنباء بالخفيات، وبغيره من ولادتي من غير أب، ومن كلامي في المهد، وسائر الآيات. فعلى بهذا من كسر: إن، فعلى الأستئناف، ومن فتح فقيل التقدير، لأن الله ربي وربك فاعبدوه، فيكون متعلقاً بقوله: فاعبدوه، كقوله:{لايلاف قريشض} ثم قال: {فليعبدوا} فقدم: أن، على عاملها. ومن جوز: أن تتقدم: أن، ويتأخر عنها العامل في نحو هذا غير مصيب، لا يجوز: أن زيداً منطلق عرفت، نص على ذلك سيبويه وغيره، ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم، وما بينهما اعتراض. وقال ابن عطية: التقدير: أطيعون لأن الله ربي وربكم. إنتهى. وليس قوله بظاهر.

ص: 64

{فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَآءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ * وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ} .

{وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى} قيل: خير، هنا ليست للتفضيل، بل هي: كهي في قوله: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقر} وقال حسان.

فشركما لخيركما الفداء

ص: 65

وفي هذه الآية من ضروب البلاغة: الاستعارة في: أحس، إذ لا يحس إلا ما كان متجسداً، والكفر ليس بمحسوس، وإنما يعلم ويفطن به، ولا يدرك بالحس إلَاّ إن كان أحس، بمعنى رأى، أو بمعنى: سمع منهم كلمة الكفر، فيكون: أحس، لا استعارة فيه، إذ يكون أدرك ذلك منهم بحاسة البصر، أو بحاسة الأذن، وتسمية الشيء باسم ثمرته.

قال الجمهور: أحس منهم القتل، وقتل نبي من أعظم ثمرات الكفر.

والسؤال والجواب في: قال {من أنصاري إلى الله قال الحواريون} والتكرار في: من أنصاري إلى الله، وأنصار الله، وآمنا بالله، وآمنا بما أنزلت، ومكروا ومكر الله، والماكرين، وفي هذا التجنيس المماثل، والمغاير، والحذف، في مواضع.

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} العامل في: إذ، ومكر الله قاله الطبري، أو: اذكر، قاله بعض النحاة، أو: خير الماكرين، قاله الزمخشري. وهذا القول هو بواسطة الملك، لأن عيسى ليس بملكم، قاله ابن عطية.

{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ} {إلى يوم القيامة} الظاهر أن: إلى، تتعلق بمحذوف، وهو العامل في: فوق، وهو المفعول الثاني: لجاعل، إذ معنى جاعل هنا مصير.

ص: 66

{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} و: ذلك، مبتدأ، و: نتلوه، خبر و: من الآيات، متعلق بمحذوف لأنه في موضع الحال، أي: كائناً من الآيات. و: من، للتبعيض لأن هذا المتلو بعض الآيات والذكر، وجوّزوا أن يكون: من الآيات، خبراً بعد خبر، وذلك على رأي من يجيز تعداد الأخبار بغير حرف عطف، إذا كان لمبتدأ واحد، ولم يكن في معنى خبر واحد، وجوّزوا أن يكون: من، لبيان الجنس، وذلك على رأي من يجيز أن تكون: من، لبيان الجنس. ولا يتأتى ذلك هنا من جهة المعنى إلَاّ بمجاز، لأن تقدير: من، البيانية بالموصول. ولو قلت: ذلك نتلوه عليك الذي هو الآيات والذكر الحكيم، لاحتيج إلى تأويل، لأن هذا المشار إليه من نبأ من تقدم ذكره ليس هو جميع الآيات، والذكر الحكيم إنما هو بعض الآيات، فيحتاج إلى تأويل أنه جعل بعض الآيات، والذكر هو الآيات، والذكر على سبيل المجاز.

وممن ذهب إلى أنها لبيان الجنس: أبو محمد بن عطية، وبدأ به، ثم قال: ويجوز أن تكون للتبعيض وجوّزوا أن يكون ذلك منصوباً بفعل محذوف يفسره ما بعده، فيكون من باب الإشتغال، أي: نتلو ذلك نتلوه عليك، والرفع على الإبتداء أفصح لأنه عرى من مرجح النصب على الإشتغال؛ فزيدٌ ضربته، أفصح من: زيداً ضربته، وإن كان عربياً، وعلى هذا الإعراب يكون: نتلوه، لا موضع له من الإعراب، لأنه مفسر لذلك الفعل المحذوف، ويكون: من الآيات، حالاً من ضمير النصب في: نتلوه.

وأجاز الزمخشري أن يكون: ذلك، بمعنى: الذي، و: نتلوه، صلته. و: الآيات، الخبر. وقاله الزجاج قبله، وهذه نزعة كوفية، يجيزون في أسماء الإشارة أن تكون موصولة، ولا يجوز ذلك عند البصريين، إلَاّ في: ذا، وحدها إذا سبقها: ما، الإستفهامية باتفاق، أو: من، الإستفهامية باختلاف. وتقرير هذا في علم النحو.

ص: 67

وجوّزوا أيضاً أن يكون: ذلك، مبتدأ و: من الآيات، خبر. و: نتلوه، حال. وأن يكون: ذلك، خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. و: نتلوه، حال.

والظاهر في قوله: {والذكر الحكيم} أنه معطوف على الآيات، ومن جعلها للقسم وجواب القسم:{إن مثل عيسى} فقد أبعد.

{كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} والضمير المنصوب في: خلقه، عائد على آدم، وهذه الجملة تفسيرية لمثل آدم، فلا موضع لها من الإعراب. وقيل: هي في موضع الحال، وقدر مع خلقه مقدرة، والعامل فيها معنى التشبيه. قال ابن عطية: ولا يجوز أن يكون خلقه صفة لآدم ولا حالاً منه. قال الزجاج: إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيها، بل هو كلام مقطوع منه مضمنه تفسير المثل. إنتهى كلامه. وفيه نظر.

{الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} جملة من مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون: الحق، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو. أي: خبر عيسى في كونه خلق من أم فقط هو الحق، و: من ربك، حال أو: خبر ثان وأخبر عن قصة عيسى بأنها حق.

{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} و: من، يصح أن تكون موصولة، ويصح أن تكون شرطية، و: العم، هنا: الوحي الذي جاء به جبريل، وقيل: الآيات المتقدّمة في أمر عيسى، الموجبة للعمل. و: ما، في: ما جاءك، موصولة بمعنى: الذي، وفي: جاءك، ضمير الفاعل يعود عليها. و: من العلم، متعلق بمحذوف في موضع الحال، أي: كائناً من العلم. وتكون: من، تبعيضية. ويجوز أن تكون لبيان الجنس على مذهب من يرى ذلك، قال بعضهم، ويخرج على قول الأخفشض: أن تكون: ما، مصدرية، و: من، زائدة، والتقدير: من بعد مجيء العلم إياك.

ص: 68

{فَقُلْ تَعَالَوْاْ} قرأ الجمهور بفتح اللام وهو الأصل والقياس، إذا التقدير تفاعل، وألفة منقلبة عن يائ وأصلها واو، فإذا أمرت الواحد قلت: تعال، كما تقول: إخشَ واسعَ. وقرأ الحسن، وأبو واقد، وأبو السمال: بضم اللام، ووجههم أن أصله: تعاليوا، كما تقول: تجادلوا، نقل الضمة من الياء إلى اللام بعد حذف فتحتها، فبقيت الياء ساكنة وواو الضمير ساكنة فخذفت الياء لإلتقاء الساكنين، وهذا تعليل شذوذ.

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ * قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِى إِبْرَهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإْنْجِيلُ إِلَاّ مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ} .

ص: 69

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} وقيل: هذا إشارة إلى ما بعده من قوله {وما من إله إلَاّ الله} ويضعف بأن هذه الجملة ليست بقصص وبوجود حرف العطف في قوله: وما قال بعضهم إلَاّ إن أراد بالقصص الخبر، فيصح على هذا، ويكون التقدير: إن الخبر الحق أنه ما من إله إلَاّ الله. انتهى. لكن يمنع من هذا التقدير وجود واو العطف واللام في: لهو، دخلت على الفصل. والقصص خبر إن، والحق صفة له، والقصص مصدر، أو فعل بمعنى مفعول، أي: المقصوص كالقبض، بمعنى المقبوض، ويجوز أن يكون: هو، مبتدأ و: القصص، خبره، والجملة، في موضع خبر إن.

{وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ اللَّهُ} و: من، زائدة لاستغراق الجنس، و: إله، مبتدأ محذوف الخبر، و: الله، بدل منه على الموضع، ولا يجوز البدل على اللفظ، لأنه يلزم منه زيادة: من، في الواجب، ويجوز في العربية في نحو هذا التركيب نصب ما بعد: إلَاّ، نحو ما من شجاع إلَاّ زيداً، ولم يقرأ بالنصب في هذه الآية، وإن كان جائزاً في العربية النصب على الاستثناء.

{وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ويجوز في: لهو، من الإعراب ما جاز في: لهو القصص، وتقديم ذكر فائدة الفصل.

{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} و: تولوا، ماضٍ أو مضارع حذفت تاؤه، وجواب الشرط في الظاهر الجملة من قوله:{فان الله عليم بالمفسدين} .

{قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} عبر بالكلمة عن الكلمات، لأن الكلمة قد تطلقها العرب على الكلام، وإلى هذا ذهب الزجاج، إما لوضع المفرد موضع الجمع، كما قال:

بها جيفُ الحسرى، فأما عظامها

ص: 70

فبيض، وأما جلدها فصليب وإما لكون الكلمات مرتبطة بعضها ببعض، فصارت في قوة الكلمات الواحدة إذا اختلّ جزء منها اختلت الكلمة، لأن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، هي كلمات لا تتم النسبة المقصودة فيها من حصر الإلهية في الله إلا بمجموعها.

وقرأ الجمهور: سواء، بالجر على الصفة. وقرأ الحسن: سواء، بالنصب، وخرجه الحوفي والزمخشري على أنه مصدر. قال الزمخشري: بمعنى استوت استواء، فيكون: سواء، بمعنى استواء، ويجوز أن ينتصب على الحال من: كلمة، وإن كان نكرة ذو الحال، وقد أجاز ذلك سيبويه وقاسه، والحال والصفة متلاقيان من حيث المعنى، والمصدر يحتاج إلى إضمار عامل، وإلى تأويل: سواء، بمعنى: استواء، والأشهر استعمال: سواء، بمعنى اسم الفاعل، أي: مستو، وقد تقدّم الكلام على سواء في أول سورة البقرة والظاهر انتصاب الظرف بسواء.

{أَلَاّ نَعْبُدَ إِلَاّ اللَّهَ} موضع: أن، جر على البدل من: كلمة، بدل شيء من شيء، ويجوز أن في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي أن لا نعبد إلَاّ الله. وجوّزوا أن يكون الكلام تم عند قوله: سواء، وارتفاع: أن لا نعبد، على الابتداء والخبر قوله: بيننا وبينكم. قالوا: والجملة صفة للكلمة، وهذا وهم لعرو الجملة من رابط يربطها بالموصوف، وجوزوا أيضاً ارتفاع: أن لا نعبد، بالظرف، ولا يصح إلَاّ على مذهب الأخفش والكوفيين حيث أجازوا إعمال الظرف من غير اعتماد، والبصريون يمنعون ذلك، وجوز علي بن عيسى أن يكون التقدير: إلى كلمة مستو بيننا وبينكم فيها الامتناع من عبادة غير الله، فعلى هذا يكون: أن لا نعبد، في موضع رفع على الفاعل بسواء، إلَاّ أن فيه إضمار الرابط، وهو فيها، وهو ضعيف.

قل {يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَآجُّونَ} و: ما، في قوله: لمَ، استفهامية حذفت ألفها مع حرف الجر، ولذلك علة ذكرت في النحو، وتتعلق: اللام بتحاجون.

ص: 71

{هأَنتُمْ هَؤُلاءِ} وقرأ الكوفيون، وابن عامر، والبزي: ها أنتم، بألف بعد الهاء بعدها همزة: أنتم، محققة. وقرأ نافع، وأبو عمرو، ويعقوب: بهاء بعدها ألف بعدها همزة مسهلة بين بين، وأبدل أناس هذه الهمزة ألفاً محضة لورش: ها،للتنبيه لأنه يكثر وجودها مع المضمرات المرفوعة مفصولاً بينها وبين اسم الإشارة حيث لا استفهام، وأصلها أن تباشر إسم الإشارة، لكن اعتنى بحرف التنبيه، فقدم، وذلك نحو قول العرب: ها أناذا قائماً، و: ها أنت ذا تصنع كذا. و: ها هوذا قائماً. ولم ينبه المخاطب هنا على وجود ذاته، بل نبه على حال غفل عنها الشغفه بما التبس به، وتلك الحالة هي أنهم حاجوا فيما لا يعلمون، ولم ترد به التوراة والإنجيل، فتقول لهم: هب أنكم تحتجون فيما تدعون أن قد ورد به كتب الله المتقدمة، فلم تحتجون فيما ليس كذلك؟ وتكون الجملة خبرية وهو الأصل، لأنه قد صدرت منهم المحاجة فيما يعلمون، ولذاك أنكر عليهم بعد المحاجة فيما ليس لهم به علم، وعلى هذا يكون: ها، قد أعيدت مع اسم الإشارة توكيداً، وتكون في قراءة قنبل قد حذف ألف: ها، كما حذفها من وقف على:{أيه الثقلان} يا أيه بالسكون وليس الحذف فيها يقوى في القياس. وقال أبو عمرو ابن العلاء، وأبو الحسن الأخفش: الأصل في: ها أنتم. فأبدل من الهمزة الأولى التي للاستفهام هاء. لأنها أختها. واستحسنه النحاس. وإبدال الهمزة هاء مسموع في كلمات ولا ينقاس، ولم يسمع ذلك في همزة الاستفهام، لا يحفظ من كلامهم: هتضرب زيداً، بمعنى: زيداً إلَاّ في بيت نادر جاءت فيه: ها، بدل همزة الاستفهام، وهو:

وأتت صواحبها وقلن هذا الذي

ص: 72

منح المودّة غيرنا وجفانا ثم فصل بين الهاء المبدلة من همزة الاستفهام، وهمزة: أنت، لا يناسب، لأنه إنما يفصل لاستثقال اجتماع الهمزتين، وهنا قد زال الاستثقال بإبدال الأولى: هاء، ألا ترى أنهم حذفوا الهمزة في نحو: أريقه، إذ أصله: أأريقه؟ فلما أبدلوها هاء لم يحذفوا، بل قالوا: أهريقه.

وقد وجهوا قراءة قنبل على أن: الهاء، بدل من همزة الاستفهام لكونها هاء لا ألف بعدها، وعلى هذا من أثبت الألف، فكيون عنده فاصلة بين الهاء المبدلة من همزة الاستفهام، وبين همزة: أنتم، أجرى البدل في الفصل مجرى المبدل منه، والاستفهام على هذا معناه التعجب من حماقتهم، وأمّا من سهل فلأنها همزة بعد ألف على حد تسهيلهم إياها في: هيأة. وأمّا تحقيقها فهو الأصل، وأمّا إبدالها ألفاً فقد تقدّم الكلام في ذلك في قوله {أأنذرتهم أم لم تنذرهم} .

و: أنتم، مبتدأ، و: هؤلاء. الخنبر. و: حاججتم، جملة حالية. كقول: ها أنت ذا قائماً. وهي من الأحوال التي ليست يستغنى عنها، كقوله:{ثم أنتم هؤلاء تقتلون} على أحسن الوجوه في إعرابه.

وقال الزمخشري: أنتم، مبتدأ، و: هؤلاء، خبره، و: حاججتم، جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقي، وبيان حماقتكم، وقلة عقولكم، أنكم حاججتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم، ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم؟ انتهى.

وأجازوا أن يكون: هؤلاء، بدلاً، وعطف بيان، والخبر: حاججتم، وأجازوا أن يكون، هؤلاء، موصولاً بمعنى الذي، وهو خبر المبتدأ، أو: حاججتم، صلته. وهذا على رأي الكوفيين. وأجازوا أيضاً أن يكون منادي أي: يا هؤلاء، وحذف منه حرف النداء، ولا يجوز حذف حرف النداء من المشار على مذهب البصريين، ويجوز على مذهب الكوفيين، وقد جاء في الشعر حذفه، وهو قليل، نحو قول رجل من طيء:

إن أُلالى وصفوا قومي لهم فهم

ص: 73

هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولاً

وقال:

لا يغرّنكم أولاء من القو

م جنوح للسلم فهو خداع يريد: يا هذا اعتصم، و: يا أولاء.

{وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَءَامَنُواْ} مبتدأ والخبر: هم المتبعون له، فقد تكلف إضماراً لا ضرورة تدعو إليه.

وقرىء: وهذا النبيّ، بالنصب عطفاً على: الهاء، في اتبعوه، فيكون متبعاً لا متبعاً: أي: أحق الناس بإبراهيم من اتبعه، ومحمداً صلى الله عليهما وسلم، ويكون: والذين آمنوا، عطفاً على خبر: إن، فهو في موضع رفع.

وقرىء: وهذا النبي، بالجر، ووجه على أنه عطف على: إبراهيم، أي: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوا إبراهيم. و: النبي، قالوا: بدل من هذا، أو: نعت، أو: عطف بيان.

{وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ * يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} .

وقال أبو مسلم الأصبهاني: ودّ بمعنى: تمنى، فتستعمل معها: لو، و: أن، وربما جمع بينهما، فيقال: وددت أن لو فعل، ومصدره: الودادة، والأسم منه: وُدّ، وقد يتداخلان في المصدر والأسم. قال الراغب: إذا كان: ودّ، بمعنى أحبّ لا يجوز إدخال: لوغ فيه أبداً. وقال عليّ بن عيسى: إذا كان: ودّ، بمعنى: تمنى، صلح للماضي والحال والمستقبل، وإذا كان بمعنى المحبة والإرادة لم يصلح للماضي لأن الإرادة كاستدعاء الفعل. وإذا كان للحال والمستقبل جاز: أن ولو، وإذا كان للماضي لم يجز: أن، لأن: أن، للمستقبل. وما قال فيه نظر، ألا ترى أن: أن، توصل بالفعل الماضي نحو: سرّني أن قمت؟.

ص: 74

{مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ} في موضع الصفة لطائفة، والطائفة رؤساؤهم وأحبارهم. وقال ابن عطية: ويحتمل: من، أن تكون لبيان الجنس، وتكون الطائفة جميع أهل الكتاب، وما قاله يبعد من دلالة اللفظ، ولو، هنا قالوا بمعنى: أن فتكون مصدرية، ولا يقول بذلك جمهور البصريين، والأولى إقرارها على وضعها. ومفعول: ودّ، محذوف، وجواب: لو، محذوف، حذف من كلَ من الجملتين ما يدل المعنى عليه، التقدير: ودّوا إضلالكم لو يضلونكم لسرّوا بذلك، وقد تقدم لنا الكلام في نظير هذا مشبعاً في قوله:{يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} فيطالع هناك.

{وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} جملة حالية.

{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} وأما: يكتمون، فخبر حتماً لا يجوز فيه إلَاّ الرفع بمعنى أنه ليس معطوف على: تلبسون، بل هو استئناف، خبر عنهم أنهم يكتمون الحق مع علمهم أنه حق، وقال ابن عطية: قال أبو علي: الصرف ها هنا يقبح، وكذلك إضمار: أن، لأن: يكتمون، معطوف على موجب مقرر، وليس بمستفهم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة، قولك: أتقوم فأقوم؟ والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب، إلَاّ في ضرورة شعر، كما روي:

وألق بالحجاز فاستريحا

وقد قال سيبويه: في قولك: أسرت حتى تدخلها، الا يجوز إلَاّ النصب، في: تدخل، لأن السير مستفهم عنه غير موجب. وإذا قلنا: أيهم سار حتى يدخلها، رفعت، لأن السير موجب، والأستفهام إنما وقع عن غيره. إنتهى ما نقله ابن عطية عن أبي علي.

ص: 75

والظاهر تعارض ما نقل مع ما قبله، لأن ما قبله فيه: أن الأستفهام وقع على اللبس فحسب، وأما: يكتمون، فخبر حتماً لا يجوز فيه إلاّ الرفع، وفيما نقله ابن عطية أن: يكتمون، معطوف على موجب مقرر، وليس بمستفهم عنه، فيدل العطف على اشتراكهما في الإستفهام عن سبب اللبس وسبب الكتم الموجبين، وفرق بين هذا المعنى وبين أن يكون: ويكتمون، إخباراً محضاً لم يشترك مع اللبس في السؤال عن السبب، وهذا الذي ذهب إليه أبو علي من أن الإستفهام إذا تضمن وقوع الفعل لا ينتصب الفعل بإضمار أن في جوابه، تبعه في ذكل ابن مالك. فقال في (التسهيل) حين عد ما يضمر: أن، لزوماً في الجواب، فقال: أو لإستفهام لا يتضمن وقوع الفعل، فإن تضمن وقع الفعل م يجز النصب عنده، نحو: لم ضربت زيداً، فيجاز بك؟ لأن الضرب قد وقع ولم نر أحداً من أصحابنا يشترط هذا الشرط الذي ذكره أبو علي، وتبعه فيه ابن مالك في الإستفهام، بل إذا تعذر سبك مصدر مما قبله، إما لكونه ليس ثم فعل، ولا ما في معناه ينسبك منه، وإما لإسحالة سبك مصدر مراد استقباله لأجل مضي الفعل، فإنما يقدر فيه مصدر استقباله مما يدل عليه المعنى، فإذا قال: لم ضربت زيداً فأضربك. أي: ليكن منك تعريف بضرب زيد فضرب منا، وما ردّ به أبو عليّ على أبي إسحاق ليس بمتجه. لأن قوله:{لم تلبسون} ليس نصاً على أن المضارع أريد به الماضي حقيقة، إذ قد ينكر المستقبل لتحقق صدوره، لا سيما على الشخص الذي تقدم منه وجود أمثاله. ولو فرضنا أنه ماض حقيقة، فلا ردّ فيه على أبي إسحاق، لأنه كما قررنا قبل: إذا لم يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة، سبكناه من لازم الجملة.

ص: 76

وقد حكى أبو الحسن بن كيسان نصب الفعل المستفهم عنه محقق الوقوع، نحو: أين ذهب زيد فنتبعه؟ وكذلك في: كم مالك فنعرفه؟ و: من أبوك فنكرمه؟ لكنه يتخرج على ما سبق ذكره من أن التقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا. و: ليكن منك إعلام بقدر مالك فمعرفة منا. و: ليكن منك إعلام بأبيك فاكرام منا له.

وقرأ عبيد بن عمير: لم تلبسوا، وتكتموا، بحذف النون فيهما، قالوا: وذلك جزم، قالو: ولا وجه له سوى ما ذهب إليه شذوذ من النحاة في إلحاق: لِمَ بلم في عمل الجزم. وقال السجاوندي: ولا وجه له إلَاّ أن: لم، تجزم الفعل عند قوم كلم. إنتهى. والثابت في لسان العرب أن: لَم، لا ينجزم ما عدها، ولم أر أحداً من النحويين ذكر أن لِمَ تجري مجرى: لَمُ في الجزم إلا ما ذكره أهل التفسير هنا، وإنما هذا عندي من باب حذف النون حالة الرفع، وقد جاء ذلك في النثر قليلاً جداً، وذلك في قراءة أبي عمر، ومن بعض طرقه قالوا: ساحران تظاهرا، تتشديد الظائ، أي أنتما ساحران تتظاهرن فأدغم التاء في الظاء وحذف النون، وأما في النظم، فنحو: قول الراجز:

أبيت أسرى وتبيتي تدلكي

يريد: وتبيتين تدلكين. وقال:

فإن يك قوم سرهم ما صنعتمو

ستحتلبوها لاقحاً غير باهل والظاهر أنه أنكر عليهم لبس الحق بالباطل، وكتم الحق، وكأن الحق منقسم إلى قسمين: قسم خلطوا فيه الباطل حتى لا يتميز، وقسم كتموه بالكلية حتى لا يظهر.

{وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} جملة حالية.

ص: 77

{وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِءَامِنُواْ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .

{ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْءَاخِرَهُ} وانتصب: وجه النهار، على الظرف ومعناه: أول النهار، شبه بوجه الإنسان إذ هو أول ما يواجه منه.

وقال الربيع بن زياد العبسي في مالك بن زهير بن خزيمة العبسي:

من كان مسروراً بمقتل مالك

فليأت نسوتنا بوجه نهار والضمير في: آخره، عائد على النهار، أي: آخر النهار.

والناصب للظرف الأول: آمنوا، وللآخر: اكفروا. وقيل: الناصب لقوله: وجه النهار، أنزل. أي: بالذي أنزل على الذين آمنوا في أول النهار، والضمير في: آخره، يعود على الذي أنزل، أي: واكفروا آخر المنزل، وهذا فيه بعد ومخالفة لأسباب النزول، ومتعلق الرجوع محذوف أي: يرجعون عن دينهم.

{وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} اللام في: لمن، قيل: زائدة للتأكيد، كقوله {عسى: أن يكون ردف لكم} أي ردفكم، وقال الشاعر:

ما كنت أخدع للخليل بحله

حتى يكون لي الخليل خدوعاً أراد: ما كنت أخدع الخليل، والأجود أن لا تكون: اللام، زائدة بل ضمن، آمن معنى: أقر واعترف، فعدى باللام. وقال أبو علي: وقد تعدّى آمن باللام في قوله {فما آمن لموسى إلا ذريه} {وآمنتم له} {ويؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} انتهى.

ص: 78

{أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} يكون: أو يحاجوكم، معطوفاً على: يؤتى، وأو: للتنويع، وأجازوا أن يكون: هدى الله، بدلاً من: الهدى. لا خبراً لأن. والخبر قوله: {أن تؤتى أح مثل ما أوتيتم} أي أن هدى الله إيتاء أحد مثل ما أوتيتم من العلم، ويكون: أو يحاجوكم، منصوباً بإضمار: أن، بعد أو بمعنى: حتى، أي: حتى يحاجوكم عند ربكم فيغلبوكم ويدحضوا حجتكم عند الله، لأنكم تعلمون صحة دين الإسلام، وأنه يلزمكم اتباع هذا النبي، ولا يكون: أو يحاجوكم، معطوفاً على: يؤتى، وداخلاً في خبر إن، و: أحد، في هذين القولين ليس الذي يأتي في العموم مختصاً به، لأن ذلك شرطه أن يكون في نفي، أو في خبر نفي، بل: أحد، هنا بمعنى: واحد، وهو مفرد، إذ عنى به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما جمع الضمير في: يحاجوكم، لأنه عائد على الرسول وأتباعه، لأن الرسالة تدل على الأتباع. وقال بعض النحويين: إن، هنا للنفي بمعنى: لا، التقدير: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ونقل ذلك أيضاً عن الفراء، وتكون: أو، بمعنى إلَاّ، والمعنى إذ ذاك: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلَاّ أن يحاجوكم، فإن إيتاءه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم ومحاجتكم عند ربكم، لأن من آتاه الله الوحي لا بد أن يحاجهم عند ربهم في كونهم لا يتبعونه، فقوله: أو يحاجوكم، حال من جهة المعنى لازمة، إذ لا يوحي الله إلى رسول إلَاّ وهو محاج مخالفيه. وفي هذا القول يكون، أحد، هو الذي للعموم. لتقدّم النفي عليه، وجمع الضمير في: يحاجوكم، حملاً على معنى: أحد، كقوله تعالى {فما منكم من أحد عنه حاجزين} جمع حاجزين حملاً على معنى: أحد، لا على لفظه، إذ لو حمل على لفظه لأفرد.

ص: 79

لكن في هذا القول القول بأن: أن، المفتوحة تأتي للنفي بمعنى لا، ولم يقم على ذلك دليل من كلام العرب. والخطاب في: أو تتيم، وفي: يحاجوكم، على هذه الأقوال الثلاثة للطائفة السابقة، القائلة:{آمنوا بالذي أنزل} وأجاز بعض النحويين أن يكون المعنى: أن لا يؤتى أحد، وحذفت: لا، لأن في الكلام دليلاً على الحذف. قال كقوله:{يبين الله لكم أن تضلوا} أي: لا تضلوا. وردّ ذلك أبو العباس، وقال: لا تحذف: لا، وإنما المعنى: كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا: كراهة أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، أي: ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين.

والخطاب في: أوتيتم، و: يحاجوكم، لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هذا: أن يؤتى مفعول من أجله على حذف كراهة، ويحتاج إلى تقديره عامل فيه، ويصعب تقديره، إذ قبله جملة لا يظهر تعليل النسبة فيها بكراهة الإيتاء المذكور.

وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون قوله: أن يؤتى، بدلاً من قوله: أن يؤتى، بدلاً من قوله: هدى الله، ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن. ويكون قوله: أو يحاجوكم، بمعنى: أو فليحاجوكم، فإنهم يغلبونكم. انتهى هذا القول. وفيه الجزم بلام الأمر وهي محذوفة ولا يجوز ذلك على مذهب البصريين إلَاّ في الضرورة.

وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب: أن يؤتى، بفعل مضمر يدل عليه قوله {وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} كأنه قيل:{قل إن الهدى هدى الله} فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. انتهى كلامه. وهو بعيد، لأن فيه حذف حرف النهي ومعموله، ولم يحفظ ذلك من لسانهم. وأجازوا أن يكون قوله {أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم} ليس داخلاً تحت قوله: قل، بل هو من تمام قول الطائفة، متصل بقوله:{ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ويكون قوله: {هل إن الهدى هدى الله} حملة اعتراضية بين ما قبلها وما بعدها.

ص: 80

{أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} وقرأ ابن كثير: أن يؤتى أحد؟ بالمدّ على الإستفهام، وخرجه أبو عليّ على أنه من قول الطائفة، ولا يمكن أن يحمل على ما قبله من الفعل، لأن الإستفهام قاطع، فيكون في موضع رفع على الإبتداء وخبره محذوف تقديره تصدّقون به، أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحوه مما يدل عليه الكلام. و: يحاجوكم، معطوف على: أن يؤتى.

قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع: أن، نصباً، فيكون المعنى: أتشيعون، أو: أتذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ ويكون بمعنى: أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم؟ فعلى كلا الوجهين معنى الآية توبيخ من الأحبار للاتباع على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون: أو يحاجوكم، في تأويل نصب أن بمعنى: أو تريدون أن يحاجوكم؟.

قال أبو عليّ وأحد، على قراءة ابن كثير هو الذي لا يدل على الكثرة، وقد منع الإستفهام القاطع من أن يشيع لامتناع دخوله في النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلَاّ أنه: أحد، الذي في قولك: أحد وعشرون، وهو يقع في الإيجاب، لأنه في معنى: واحد، وجمع ضميره في قوله: أو يحاجوكم، حملاً على المعنى، إذ: لأحد، المراد بمثل النبوّة أتباع فهو في المعنى للكثرة قال أبو عليّ: وهذا موضع ينبغى أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن يدل على الكثرة. انتهى تخريج أبي علي لقراءة ابن كثير، وقد تقدم تخريج قراءته على أن يكون قوله: أن يؤتيى، مفعولاً من أجله، على أن يكون داخلاً تحت القول من قول الطائفة، وهو أظهر من جعله من قول الطائفة.

ص: 81

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَاّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى الأٌّخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} .

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ} وقرأ أبي بن كعب: تئمنه، في الحرفين، و: تئمنا، في يوسف. وقرأ ابن مسعود، والأشهب العقيلي، وابن وثاب: تيمنه، بتاء مكسورة وياء ساكنة بعدها، قال الداني: وهي لغة تميم. وأما إبدال الهمزة ياء في: تئمنه، فلكسرة ما قبلها كما أبدلوا في بئر.

وقد ذكرنا الكلام على حروف المضارعة من: فعل، ومن: ما أوله همزة وصل عند الكلام على قوله {نستعين} فأغني عن إعادته.

ص: 82

وقال: ابن عطية، حين ذكر قراءة أبي: وما أراها إلَاّ لغة: قرشية، وهي كسر نون الجماعة: كنستعين، وألف المتكلم، كقول ابن عمر: لا إخاله، وتاء الخاطب كهذه الآية، ولا يكسرون الياء في الغائب، وبها قرأ أبي في: تئمنه. انتهى. ولم يبين ما يكسر فيه حروف المضارعة بقانون كلي، وما ظنه من أنها لغة قرشية ليس كما ظنّ. وقد بينا ذلك في {نستعين} وتقدّم تفسير: القنطار، في قوله:{والقناطير المقنطرة} .

وقرأ الجمهور: يؤده، بكسر الهاء ووصلها بياء. وقرأ قالون باختلاس الحركة، وقرأ أبو عمرو، وأبو بكر، وحمزة، والأعمش بالسكون. قال أبو إسحاق: وهذا الإسكان الذي روي عن ثؤلاء غلط بيِّن، لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم، وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تسكن في الوصل. وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة، فغلطب عليه كما غلط عليه في: بارئكم، وقد حكى عنه سيبويه، وهو ضابط لمثل هذا، أنه كان يكسر كسراً خفيفاً. انتهى كلام ابن إسحاق. وما ذهب إليه أبو إسحاق من أن الإسكان غلط ليس بشيء، إذ هي قراءة في السبعة، وهي متواترة، وكفى أنها منقولة من إمام البصريين أبي عمرو بن العلاء. فإنه عربي صريح، وسامع لغة، وإمام في النحو، ولم يكن ليذهب عنه جواز مثل هذا.

وقد أجاز ذلك الفراء وهو إمام في النحو واللغة. وحكى ذلك لغة لبعض العرب تجزم في الوصل والقطع.

وقد روي الكسائي أن لغة عقيل وكلاب: أنهم يختلسون الحركة في هذه الهاء إذا كانت بعد متحرك، وأنهم يسكنون أيضاً. قال الكسائي: سمعت أعراب عقيل وكلاب يقولون: {لربه لكنود} بالجزم، و: لربه لكنود، بغير تمام وله مال وغير عقيل وكلاب لا يوجد في كلامهم اختلاس ولا سكون في: له، وشبهه إلَاّ في ضرورة نحو قوله.

له زجل كأنه صوت حاد

وقال:

إلا لأن عيونه سيل واديها

ص: 83

ونص بعض أصحابنا على أن حركة هذه الهاء بعد الفعل الذاهب منه حرف لوقف أو جزم يجوز فيها الإشباع، ويجوز الاختلاس، ويجوز السكون. وأبو إسحاق الزجاج، يقال عنه: إنه لم يكن إماماً في اللغة، ولذلك أنك على ثعلب في كتابه:(الفصيح) مواضع زعم أن العرب لا تقولها، وردّ الناس على أبي إسحاق في إنكاره، ونقلوها من لغة العرب. وممن ردّ عليه: أبو منصور الجواليقي، وكان ثعلب إماماً في اللغة وإماماً في النحو على مذهب الكوفيين، ونقلوا أيضاً قراءتين: إحداهما ضم الهاء ووصلها بواو، وهي قراءة الزهري، والأخرى: ضمها دون وصل، وبها قرأ سلام.

والباء في: بقنطار، وفي: بدينارد قيل: للإلصاق. وقيل: بمعنى على، إذا الأصل أن تتعدى بعلى، كما قال مالك:{لا تأمنا على يوسف} وقال: {هل آمنكم عليه إلَاّ كما أمنتكم على أخيه} وقيل: بمعنى في أي: في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار.

{إِلَاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا} و: ما، في: ما دمت، مصدرية ظرفية. و: دمت، ناقصة فخبرها: قائماً، وأجاز أبو البقاء أن تكون: ما، مصدرية فقط لا ظرفية، فتتقدر بمصدر، وذلك المصدر ينتصب على الحال، فيكون ذلك استثناءً من الأحوال لا من الأزمان. قال: والتقدير: إلَاّ في حال ملازمتك له. فعلى هذا يكون: قائماً، منصوباً على الحال، لا خبراً لدام، لأن شرط نقص: دام، أن يكون صلة لما المصدرية الظرفية.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} وجوّزوا أن يكون: علينا، خبر: ليس، وأن يكون الخبر: في الأمّيين، وذهب قوم إلى عمل: ليس، في الجار، فيجوز على هذا أن يتعلق بها.

قيل: ويجوز أن يرتفع: سبيل، بعلينا، وفي: ليس، ضمير الأمر، ويتعلق: على الله، بيقولون بمعنى: يفترون.

قيل: ويجوز أن يكون حالاً من الكذب مقدماً عليه ولا يتعلق بالكذب.

قيل: لأن الصلة لا تتقدّم على الموصول.

{وهم يعلمون} جملة حالية.

ص: 84

{مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} و: من، يحتمل أن تكون موصولة، والأظهر أنها شرطية، و: أوفى، لغة الحجاز و: وفى، خفيفة لغة نجد و: وفى، مشدّدة لغة أيضاً. وتقدّم ذكر هذه اللغات.

{ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى} وقرأ الجمهور: ثم يقول، بالنصب عطفاً على: أن يؤتيه، وقرأ شبل عن ابن كثير، ومحبوب عن أبي عمرو: بالرفع على القطع أي: ثم هو يقول. وقرأ الجمهور: عباداً لي، بتسكين ياء الإضافة. وقرأ عيسى بن عمر: بفتحها.

{بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} الباء للسبب، و: ما، الظاهر أنها مصدرية، و: تعلمون، متعدٍ لواحد على قرائة الحرميين وأبي عمرو إذ قرؤا بالتخفيف مضارع علم، فأما قراءة باقي السبعة بضم التاء وفتح العين وتشديد اللام المكسورة، فيتعدّى إلى اثنين، إذ هي منقولة بالتضعيف من المتعدية إلى واحد، وأول المفعولين محذوف تقديره: تعلمون الناس الكتاب. وتكلموا في ترجيح أحد القراءتين على الأخرى، وقد تقدّم أني لا أرى شيئاً من هذه التراجيح، لأنها كلها منقولة متواترة قرآناً، فلا ترجيح في إحدى القراءتين على الأخرى.

{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا} وقرأ عاصم وابن عامر، وحمزة ولا يأمركم، بنصب الراء، وخرجه أبو علي وغيره على أن يكون المعنى: ولا له أن يأمركم، فقد روا: أن، مضمرة بعد: لا، وتكون: لا، مؤكدة معنى النفي السابق، كما تقول: ما كان من زيد إتيان ولا قيام. وأنت تريد انتفاء كل واحد منهما عن زيد، فلا للتوكيد في النفي السابق، وصار المعنى: ما كان من زيد إتيان ولا منه قيام.

ص: 85

وقال الطبري قوله: بولا يأمركم، بالنصب معطوفعلى قوله: ثم يقول: قال ابن عطية: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى. انتهى كلامه. ولم يبين جهة الخطأ ولا عدم التئام المعنى به، ووجه الخطأ انه إذا كان معطوفاً على: ثم يقول، وكانت لا لتأسيس النفي، فلا يمكن إلَاّ أن يقدر العامل قبل: لا، وهو: أن، فينسبك من: ان، والفعل المنفي مصدرٍ منتف فيصير المعنى: ما كان لبشر موصوف بما وصف به انفاء امره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له الأنتفاء كان له الثبوت، فصار آمراً باتخاذهم أرباباً وهو خطأ، فإذا جعلت لا لتأكيد النفي السابق كان النفي منسحباً على المصدرين المقدر ثبوتهما، فينتفي قوله:{كونوا عباداً لي} وأمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضح هذا المعنى وضع: غير، موضع: لا، فإذا قلت: ما لزيد فقه ولا نحو، كانت: لا، لتأكيد النفي، وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت: لا، لتأسيس النفي كانت بمعنى: غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه وثبوت النحو له، إذ لو قلت: ما لزيد فقه وغير نحو، كان في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ماله غير نحو. ألا ترى أنك إذا قلت: جئت بلا زاد، كان المعنى: جئت بغير زاد، وإذا قلت: ما جئت بغير زاد، معناه: أنك جئت بزاد؟ لأن: لا، هنا لتأسيس النفي، وأن يكون من عطف المنفي بلا على الثبت الداخل عليه النفي، نحو: ما أريد أن تجهل وأن لا تتعلم، تريد: ما أريد أن لا تتعلم.

وأجاز الزمخشري أن أن تكون: لا، لتأسيس النفي، فذكر أولاً كونها زائدة لتأكيد معنى النفي، ثم قال: والثاني أن يجعل: لا، غير مزيده، والمعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان ينهي قريضشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك رباً، قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء.

ص: 86

قال: والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، وينصرها قراءة عبد الله: ولن يأمركم، انتهى كلام الزمخشري.

{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} .

و: بعد، ينتصب بالكفر، أو: بيأمركم، و: هذ، مضافة للجملة الإسمية كقوله:{واذكروا إذ أنتم قليل} وأضيف إليها: بعد، ولا يضاف إليها إلَاّ ظرف زمان.

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّهِدِينَ} .

يكون العامل: أذكر، أو: أذكروا، ويجوز أن يكون العامل في: إذ، قال من قوله:{قال أأقررتم} وهو حسن، إذ لا تكلف فيه.

قيل: ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم من لفظ إذ، والعامل فيها: اصطفى، وهذا بعيد جداً.

وقرأ جمهور السبعة: لما، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرأ حمزة: لما، بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير، والحسن: لما، بتشديد الميم.

فأما توجيه قراءة الجمهور ففيه أربعة أقوال.

ص: 87

أحدهما: أن: ما، شرطية منصوبة على المفعول بالفعل بعدها، واللام قبلها موطئة لمجيء: ما، بعدها جواباً باللقسم، وهو أخذ الله ميثاق. و: من، في قوله: من كتاب، كهي، في قوله:{ما ننسخ من آية} والفعل بعد: ما، ماضٍ معناه الاستقبال لتقدم، ما، الشرطية علىه. وقوله: ثم جاءكم، معطوف على الفعل بعد: ما، فهو في حيز الشرط، ويلزم أن يكون في قوله: ثم جاءكم، رابط يربطها بما عطفت عليه، لأن: جاءكم، معطوف على الفعل بعد: ما، و: لتؤمنن به، جواب لقوله {أخذ الله ميثاق النبيين} ونظيره من الكلام في التركيب: أقسم لأيهم صحبت، ثم أحسن إليه رجل تميمي لأحسنن إليه، تريد لأحسنن إلى الرجل التميمي. فلأحسنن جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وكذلك في الآية جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، والضمير في: به، عائد على: رسول، وهذا القول، وهو أن: ما، شرطية هو قول الكسائي.

وسأل سيبويه الخليل عن هذه الآية فقال ما نصه: ما، ههنا بمنزلة: الذي، ودخلت اللام كما دخلت على: إن، حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، فاللام في: ما، كهذه التي في: أن، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا انتهى ثم قال سيبويه: ومثل ذلك {لمن تبعك منهم لأملأن جهنم} إنما دخلت اللام على نية اليمين انتهى.

ص: 88

وقال أبو علي: لم يرد الخليل بقوله: بمنزلة الذي أنها موصولة، بل أنها السم، كما أن الذي اسم وفرَّ أن تكون حرفاً كما جاءت حرفاً:{وإن كلا لما ليوفينهم} وفي قوله: {وإن كل ذلك لما متاع} انتهى. وتحصل من كلام الخليل وسيبويه أن: ما، في: لما أتيتكم، شرطية وقد خرجها على الشرطية غير هؤلاء: كالمازني، والزجاج، وأبي علي، والزمخشري، وابن عطية وفيه خدش لطيف جدّاً، وهو أنه: إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفاً لدلالة جواب القسم عليه، وإذا كان كذلك فالمحذوف من جنس المثبت، ومتعلقاته متعلقاته، فإذا قلت: والله لمن جاءني لأكرمنه، فجواب: مَنْ، محذوف، التقدير: من جاءني أكرمه. وفي الآية اسم الشرط: ما، وجوابه محذوف من جنس جواب القسم، وهو الفعل المقسم عليه، ومتعلق الفعل هو ضمير الرسول بواسطة حرف الجر لا ضمير: ما، المقدّر، فجواب: ما، المقدّر إن كان من جنس جواب القسم فلا يجوز ذلك، لأنه تعّز. والجملة الجوابية إذ ذاك من ضمير يعود على اسم الشرط، وإن كان من غير جنس جواب القسم فيكف يدل عليه جواب القسم وهو من غير جنسه وهو لا يحذف إلَاّ إذا كان من جنس جواب القسم؟ ألا ترى أنك لو قلت: والله لئن ضربني زيد لأضربنه؟ فكيف تقدره: إن ضربني زيد أضربه؟ ولا يجوز أن يكون التقدير: والله إن ضربني زيد أشكه لأضربنه، لأن: لأضربنه، لا يدل على: أشكه، فهذا ما يرد على قول من خرج: ما، على أنها شرطية.

ص: 89

وأما قول الزمخشري: ولتؤمنن، ساد مسد جواب القسم، والشرط جميعاً فقول ظاهره مخالف لقول من جعل: ما، شرطية، لأنهم نصوا على أن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، اللهم إن عنى أنه من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب يسد مسدهما، فيمكن أن يقال؛ وأما من حيث تفسير الإعراب فلا يصح، لأن كلاًّ منهما، أعني: الشرط والقسم، يطلب جواباً على حدة، ولا يمكن أن يكون هذا محمولاً عليهما، لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل فيه، فيكون في موضع جزم، والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به بغير عمل فيه، فلا موضع له من الإعراب. ومحال أن يكون الشيء الواحد له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب.

والقول الثاني: قاله أبو علي الفارسي وغيره، وهو: أن تكون: ما، موصولة مبتدأة، وصلتها: آتيناكم، والعائد محذوف تقديره: آتيناكموه، و: ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والعائد منها على الموصول محذوف تقديره: ثم جاءكم رسول به، فحذف لدلالة المعنى عليه، هكذا خرجوه، وزعموا أن ذلك على مذهب سيبويه، وخرجوه على مذهب الأخفش: أن الربط لهذه الجملة العارية عن الضمير حصل بقوله: لما معكم، لأنه هو الموصول، فكأنه قيل: ثم جاءكم رسول مصدق له، وقد جاء الربط في الصلة بغير الضمير، إلَاّ أنه قليل: روي من كلامهم: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، يريدون: رويت عنه وقال:

فيا رب ليلى أنت في كل موطن

وأنت الذي في رحمة الله أطمعيريد في رحمته أطمع.

وخبر المبتدأ، الذي هو: ما، الجملة من القسم المحذوف وجوابه، وهو: لتؤمنن به، والضمير في: به، عائد على الموصول المبتدأ، ولا يعود على: رسول، لئلا تخلو الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ من رابط يربطها به، والجملة الابتدائية التي هي: لما آتيناكم، إلى آخره هي الجملة المتلقى بها ما أجرى مجرى القسم، وهو قوله:{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} .

ص: 90

والقول الثالث: قاله بعض أهل العلم، وهو: أن تكون: ما، موصولة مفعولة بفعل جواب القسم، التقدير: لتبلغن ما آتيناكم من كتاب وحكمة، قال: إلَاّ أنه حذف: لتبلغن، لدلالة عليه، لأن لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل حذف، ثم قال تعالى:{ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لتؤمنن به ولتنصرنه} وعلى هذا التقدير يستقيم النظم، انتهى. ويعني: يكون: لتؤمنن به، جواب قسم محذوف، وهذا بعيد جداً لا يحفظ من كلامهم، والله لزيداً تريد ليضربن زيداً.

والقول الرابع: قاله ابن أبي إسحاق، وهو: أن يكون: لما، تخفيف لما، والتقدير: حين آتيناكم، ويأتي توجيه قراءة التشديد.

وأمّا توجيه قراءة حمزة: فاللام هي للتعليل، و: ما، موصولة: بآتيناكم، والعائد محذوف. و: ثم جاءكم، معطوف على الصلة، والرابط لها بالموصول إما إضمار: به، على ما نسب إلى سيبويه، وإما هذا الظاهر الذي هو: لما معكم، لأنه في المعنى هو الموصول على مذهب أبي الحسن.

ص: 91

وقول الزمخشري: فجواب: أخذ الله ميثاق النبيين هو لتؤمنن به، والضمير في: به، عائد على رسول، ويجوز الفصل بين القسم والمقسم عليه بمثل هذا الجار والمجرور، لو قلت: أقسمت للخبر الذي بلغني عن عمر ولأحسنن إليه، جاز. وأجاز الزمخشري، في قراءة حمزة، أن تكون: ما، مصدرية، وبدأ به في توجيه هذه القراءة، قال: ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به، على أن: ما، مصدرية، والفعلان معها أعني: آتيناكم وجاءكم، في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ الله ميثاقهم ليؤمنن بالرسول ولينصرنه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي أمرتكم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. انتهى كلامه. إلَاّ أن ظاهر هذا التعليل الذي ذكره، وهذا التقدير الذي قدره، أنه تعليل للفعل المقسم عليه، فإن عنى هذا الظاهر فهو مخالف لظاهر الآية، لأن ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلاً لأخذ الميثاق لا لمتعلقة، وهو الإيمان. فاللام متعلقة بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقة بقوله: لتؤمنن به، ويمتنع ذلك من حيث إن اللام المتلقى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول: والله لأضربن زيداً، فلا يجوز: والله زيداً لاضربن، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في: لما، بقوله: لتؤمنن به.

وقد أجاز بعض النحويين في معمول الجواب، إذا كان ظرفاً أو مجروراً، تقدّمه، وجعل من ذلك عوض لا نتفرق، وقوله تعالى:{عما قليل ليصبحن نادمين} فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله: لتؤمنن به، وفي هذه المسألة تفصيل يذكر في علم النحو.

وذكر السجاوندي، عن صاحب النظم: أن هذه اللام في قراءة حمزة هي بمعنى: بعد، كقول النابغة:

توهمت آيات لها فعرفتها

لستة أعوام وذا العام سابع فعلى ذا لا تكون اللام في: لما، للتعليل.

ص: 92

وأمّا توجيه قراءة سعيد بن جبير، والحسن: لما، فقال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون: لما، تؤول إلى الجزاء كما تقول: لما جئتني أكرمتك. انتهى كلامه.

قال ابن عطية: ويظهر أن: لما، هذه هي الظرفية، أي: لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة.

وقال الزمخشري: لما، بالتشديد بمعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدّق وجب عليكم الإيمان به ونصرته. انتهى. فاتفق ابن عطية والزمخشري على أن: لما، ظرفية، واختلفا في تقدير الجواب العامل في: لما، على زعمهما. فقدّره ابن عطية من القسم، وقدّره الزمخشري من جواب القسم، وكلا قوليهما مخالف لمذهب سيبويه في: لما، المقتضية جواباً، فإنها عند سيبويه حرف وجواب لوجوب، وليست ظرفية بمعنى: حين، ولا بمعنى غيره، وإنما ذهب إلى ظرفيتها أبو علي الفارسي.

وقد تكلمنا على ذلك كلاماً مشبعاً في كتاب (التكميل لشرح التسهيل) وبينا أن الصحيح مذهب سيبويه.

وذهب ابن جني في تخريج هذه القراءة إلى أن أصلها: لمن ما، وزيدت: من، في الواجب على مذهب الأخفش، ثم أدغمت كما يجب في مثل هذا، فجاء: لمما، فثقل اجتماع ثلاث مميات، فحذفت الميم الأولى فبقي: لما.

قال ابن عطية: وتفسير هذه القراءة على هذا التوجيه الملحق تفسير: لما، بفتح الميم مخففة، وقد تقدّم. انتهى.

ص: 93

وظاهر كلامه أن: من، في قوله: لمن ما، زائدة في الواجب على مذهب الأخفش، وقد ذكر هذا التقدير في توجيه قراءة: لما، بالتشديد الزمخشري ولم ينسبه إلى أحد، فقال: وقيل أصله: لمن مّا، فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي: الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم، فحذفوا إحداها، فصارت: لما، ومعناه: لمن أجل ما آتيناكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى. انتهى كلامه. وهو مخالف لكلام ابن جني في: من، المقدّر دخولها على: ما، فإن ظاهر كلام ابن جني أنها زائدة، وظاهر كلام الزمخشري أنها ليست بزائدة، لأنه جعلها للتعليل.

وفي قول الزمخشري: فحذفوا إحداهما، إبهام في المحذوف، وقد عينها ابن جني: بأن المحذوفة هي الأولى، وهذا التوجيه في قراءة التشديد في غاية البعد، وينزه كلام العرب أن يأتي فيه مثله، فكيف كلام الله تعالى؟ وكان ابن جني كثير التمحل في كلام العرب. ويلزم في: لما، على ما قرره الزمخشري أن تكون اللام في: لمن ما آتيناكم، زائدة، ولا تكون اللام الموطئة، لأن اللام الموطئة إنما تدخل على أدوات الشرط لا على حرف الجر، لو قلت: أقسم بالله لمن أجلك لأضربن عمراً، لم يجز، وإنما سميت موطئة لأنها توطىء ما يصلح أن يكون جواباً للشرط للقسم، فيصير جواب الشرط إذ ذاك محذوفاً لدلالة جواب القسم عليه.

وقرأ عبد الله: رسول مصدّقاً، نصبه على الحال، وهو جائز من النكرة، وإن تقدّمت النكرة. وقد ذكرنا أن سيبويه قاسه، ويحسن هذه القراءة أنه نكرة في اللفظ معرفة من حيث المعنى، لأن المعنى به محمد صلى الله عليه وسلّمعلى قول الجمهور.

ص: 94

{قَالَ فَاشْهَدُواْ} وقوله: فاشهدوا، معطوف على محذوف التقدير، قال: أأقرتم فاشهدوا، فالفاء دخلت للعطف. ونظير ذلك قوله: ألقيت زيداً؟ قال: فأحسن إليه. التقدير: لقيت زيداً فاحسن إليه، فما فيه الفاء بعض المقول، ولا يجوز أن يكون كل المقول لأجل الفاء، ألا ترى قال: أأقررتم، وقوله: قالوا أقررنا؟ لما كان كل المقول لم تدخل بالفاء.

{وأنا معكم من الشاهدين} يحتمل الاسئناف على سبيل بالتوكيد، ويحتمل أن يكون جملة حالية.

{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} .

و: من، الظاهر أنها شرط، والجملة من: فأولئك وما بعده جزاء، ويحتمل أن تكون موصولة، وأعاد الضمير في: تولى، مفرداً على لفظ: من وجمع في: فأولئك، حملاً على المعنى.

وذكروا في هذه الآية أنواعاً من الفصاحة. منها: الطباق: في: بقنطار وبدينار، إذ أريد بهما القليل والكثير، وفي: يؤدّه ولا يؤدّه، لأن الأداء معناه الدفع وعدمه معناه المنع، وهما ضدان، وفي قوله: بالكفر ومسلمون، والتجنيس المغاير في: اتقى والمتقين، وفي: فاشهدوا والشاهدين، والتجنيس المماثل في: ولا يأمركحم أيأمركم، وفي: أقررتم وأقررنا. والإشارة في قوله: ذلك بأنهم، وفي أولئك لا خلاق لهم. والسؤال والجواب، وهو في: قال أأقررتم؟ ثم: قالوا أقررنا. والاختصاص في: يحب المتقين، وفي يوم القيامة، اختصه بالذكر لأنه اليوم الذي تظهر فيه مجازاة الأعمال. والتكرار في: يؤدّه ولا يؤده، وفي اسم الله في مواضع، وفي: من الكتاب وما هو من الكتاب. والاستعارة في: يشترون بعهد الله. والالتفات في: لما آتيتكم، وهو خطاب بعد قوله: النبيين، وهو لفظ غائب. والحذف في عدة مواضع تقدمت.

ص: 95

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأٌّسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأٌّخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ * إِلَاّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأٌّرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ} .

ص: 96

وقرأ أبو عمرو، وحفص، وعياش، ويعقوب، وسهل: يبغون، بالياء على الغيبة، وينسبها ابن عطية لأبي عمرو، وعاصم بكماله. وقرأ الباقون: بالتائ، على الخطاب، فالياء على نسق: هم الفاسقون، والتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والفاء لعطف هذه الجملة على ما قبلها، وقدمت الهمزة اعتناء بالاستفهام. والتقدير: فأغير؟ وجوّز هذا الوجه الزمخشري، وهو قول جميع النحاة قبله. قال: ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره: أيتولون فغير دني الله يبغون. انتهى. وقد تقدم ذكر هذا والكلام على مذهبه في ذلك، وأمعنا الكلام عليه في كتاب (التكميل) من تأليفنا.

وانتصب: غير، على أنه مفعول يبغون، وقدم على فعله لأنه أهم من يحث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل، قاله الزمخشري. ولا تحقيق فيه، لأن الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجه إلى الذوات، إنما يتوجه إلى الأفعال التي تتعلق بالذوات، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلقه غير دين الله، وانما جاء تقديم المفعول هنا من باب الاتساع، وشبه: يبغون، بالفاصلة بآخر الفعل.

والجملة من قوله: {وله أسلم} حالية. و: طوعاً وكرهاً، مصدران في موضع الحال، أي: طائعين وكارهين. وقيل: هما مصدران على خلاف الصدر.

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَمِ دِينًا} وانتصب: ديناً على التمييز: لغير، لأن: غير، مبهمة، ففسرت بدين، كما أن مثلاً مبهمة فتفسر أيضاً. وهذا كقولهم: لنا غيرها إبلاً وشاء، ومفعول: يبتغ هو: غير، وقيل: ديناً، مفعول، و: غير، منصوب على الحال لأنه لو تأخر كان نعتاً وقيل: ديناً، بدل من: غير، والجمهور على إظهار الغينين وروي عن أبي عمرو الإدغام.

ص: 97

{وَهُوَ فِى الأٌّخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ} الخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب شبه في تضييع زمانه في الدنيا باتباع غير الإسلام بالذي خسر في بضاعته، ويحتمل أن تكون هذه الجملة قد عطفت على جواب الشرط، فيكون قد ترتب على ابتغاء غير الإسلام ديناً عدم القبول والخسران، ويحتمل أن لا تكون معطوفة عليه بل هي استئناف إخبار عن حاله في الآخرة.

و: في الآخرة متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده، أي: وهو خاسر في الآخرة، أو: بإضمار أعني، أو: بالخاسرين على أن الألف واللام ليست موصولة بل للتعريف، كهي في: الرجل، أو: به على أنها موصولة، وتسومح في الظرف والمجرور لأنه يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، وكلُّ منقول، وقد تقدّم لنا نظير.

{وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} وشهدوا: ظاهره أنه معطوف على قوله كفروا، وبه قال الحوفي، وابن عطية، ورده مكي وقال: لا يجوز عطف: شهدوا، على: كفروا، لفساد المعنى، ولم يبين من أي جهة فساد المعنى، وكأنه توهم الترتيب، فلذلك فسد المعنى عنده وقال ابن عطية: المعنى مفهوم أن الشاهدة قبل الكفر، و: الواو، لا ترتب، وأجاز قوم منهم: مكي، والزمخشري: أن يكون معطوفاً على: ما في إيمانهم، من معنى الفعل، إذ المعنى: بعد أن آمنوا وشهدوا. وأجاز الزمخشري وغيره أن تكون: الواو، للحال لا للعطف، التقدير: كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا، والعامل فيه: كفروا.

{ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} وانتصاب: كفراً، على التمييز المنقول من الفاعل، المعني: ثم ازداد كفرهم، والدال الأولى بدل من تاء الافتعال.

وقرأ عكرمة: لن نقبل، بالنون، توبتهم، بالنصب، والضالون المخطئون طريق الحق والنجاة في الآخرة، أو: الهالكون، من: ضل اللبن في الماء إذا صار هالكاً. والواو في: وأولئك، للعطف إما على خبر إن، فتكون الجملة في موضع رفع، وإما على الجملة من: إن ومطلوبيها، فلا يكون لها موضع من الإعراب.

ص: 98

وذكر الراغب قولاً: إن الواو في: وأولئك، واو الحال، والمعنى: بل تقبل توبتهم من الذنوب في حال أنهم ضالون، فالتوبة والضلال متنافيان لا يجتمعان. انتهى هذا القول. وينبو عن هذا المعنى هذا التركيب، إذ لو أريد هذا المعنى لم يؤت باسم الإشارة، ويجوز في: هم الفصل، والابتداء والبدل.

قرأ عكرمة: فلن نقبل، بالنون و: ملء، بالنصب. وقرىء: فلن يقبل بالياء مبنياً للفاعل، أي فلن يقبل الله. و: ملء، بالنصب. وقرأ أبو جعفر، وأبو السمال: مل الأرض، يدون همز. ورويت عن نافع، ووجهه أنه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبل، وهو اللام، وحذفت الهمزة، وهو قياس في كل ما كان نحو هذا، وأتى بلفظ: أحدهم، لوم يأت بلفظ: منهم، لأن ذلك أبلغ وأنص في المقصود، إذ كان: منهم، يحتمل أن يكون يفيد الجميع.

وانتصاب: ذهباً، على التمييز، وفي ناصب التمييز خلاف، وسماه الفراء: تفسيراً، لأن المقدار معلوم، والمقدّر به مجمل. وقال الكسائي: نصب على إضمار: من، أي: من ذهب، كقوله:{أو عدل ذلك صياماًإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأٌّرْضِ ذَهَبًا} أي: من صيام. وقرأ الأعمش: ذهب، بالرفع. قال الزمخشري: ردّ على: ملء، كما يقال عندي عشرون نفساً رجال. انتهى. ويعني بالردّ: البدل، ويكون من بدل النكرة من المعرفة، لأن: ملء الأرض، معرفة ولذكل ضبط الحذاق قوله:{لك الحمد ملء السموات والأرض} بالرفع على بالصفة للحمد، واستعفوا نصبه على الحال لكونه معرفة.

ص: 99

{وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} قرأ ابن أبي عبلة: لو افتدى به، دون واو، و: لو، هنا هي بمعنى: إن، الشرطية لا: لو، التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره، لأن: لو، هنا معلقة بالمستقبل، وهو: فلن يقبل، وتلك معلقة بالماضي. فأما قراءة ابن أبي عبلة فإنه جعل الافتداء شرطاً في عدم القبول فلم يتعمم نفي وجود القبول، وأما قراءة الجمهور بالواو، فقيل: الواو زائدة، وهو ضعيف، ويكون المعنى إذ ذاك معنى قراءة ابن أبي عبلة. وقيل: ليست بزائدة.

وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله، لقوله:{ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه} والمثل يحذف كثيراً في كلامهم، كقولك: ضربت ضرب زيد، تريد: مثل ضربه، وأبو يوسف أبو حنيفة، تريد: مثله.

ولا هيثم الليلة للمطي

و: قضية ولا أبا حسن لها تريد: ولا هيثم، و: لا مثل أبي حسن، كما أنه يراد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد: أنت: وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد الآخر، فكانا في حكم شيء واحد. انتهى كلامه.

ولا حاجة إلى تقدير: مثل، في قوله {ولو افتدى به} وكان الزمخشري تخيل أن ما نفي أن يقبل لا يمكن أن يفتدى به، فاحتاج إلى إضمار: مثل، حتى يغاير بينب ما نفي قبوله وبين ما يفتدى به، وليس كذلك، لأن ذلك كما ذكرناه هو على سبيل الفرض، والتقدير: إذ لا يمكن عادة أن أحداً يملك ملء الأرض ذهباً بحيث لو بذلفه على أي جهة بذله لم يقبل منه، بل لو كان ذلك ممكناً لم يحتج إلى تقدير مثل، لأنه نفي قبوله حتى في حالة الافتداء، وليس ما قدر في الآية نظير ما مثل به، لأن هذا التقدير لا يحتاج إليه، ولا معنى له، ولا في الفظ ولا المعنى ما يدل عليه، فلا يقدر. وأما فيما مثل به من: ضربت ضرب زيد، وأبو يوسف أبو حنيفة، فبضرورة العقل نعلم أنه لا بد من تقدير: مثل، إذ ضربك يستبحيل أن يكون ضرب زيد، وذات أبي يوسف يستحيل أن تكون ذات أبي حنيفة. وأما:

لا هيثم الليلة للمطي.

ص: 100

يدل على حذف: مثل ما تقرر في اللغة العربية أن: لا، التي لنفي الجنس لا تدخل على الأعلام فتؤثر فيها، فاحتاج إلى إضمار: مثل، لتبقى على ما تقرر فيها، إذ تقرر أنها لا تعمل إلَاّ فى الجنس، لأن العلمية تنافي عموم الجنس. وأما قوله: كما أن يزاد في: مثلك لا يفعل كذا، تريد، أنت، فهذا قول قد قيل، ولكن المختار عند حذاق النحويين أن الأسماء لا تزاد، ولتقرير أن مثلك لا يفعل كذا، ليست فيه مثل زائدة مكان غير هذا.

وتضمنت هذه الآية من أصناف البديع: الطباق: في قوله: طوعا وكرها. وفي: كفروا بعد إيمانهم في موضعين. والتكرار: في: يهدي ولا يهدي. وفي: كفروا بعد إيمانهم. والتجنيس المغاير: في كفروا وكفروا. والتأكيد: بلفظ: هم، في قوله: وأولئك هم الضالون. قيل: والتشبيه في: ثم ازدادوا كفراً، شبه تماديهم على كفرهم وإجرامهم بالإجرام التي يزاد بعضها على بعض، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. والعدول من مفعل إلى فعيل، في: عذاب أليم، لما في: فعيل، من المبالغة. والحذف في مواضع.

{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .

و: من، في: مما تحبون، للتبعيض، ويدل على ذلك قراءة عبد الله: حتى تنفقوا بعض ما تحبون. و: ما، موصولة، والعائد محذوف.

ص: 101

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِى إِسْرَءِيلَ إِلَاّ مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَلَمِينَ * فِيهِءَايَتٌ بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ * قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَيَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ كَفِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطٍ مّسْتَقِيمٍ} .

ص: 102

{نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ} قال أبو البقاء: مِن متعلقة بحرم، يعني في قوله: إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه. ويبعد ذلك، إذْ هو من الاخبار بالواضح، لأنه معلوم أنّ ما حرم إسرائيل على نفسه هو من قبل إنزال التوراة ضرورة لتباعد ما بين وجود إسرائيل وإنزال التوراة. ويظهر أنه متعلق بقوله: كان حلاً لبني إسرائيل، أي من قبل أن تنزل التوراة، وفَصَلَ بالاستثناء إذ هو فصل جائز وذلك على مذهب الكسائي وأبي الحسن: في جواز أن، يعمل ما قبل إلاّ فيما بعدها إذا كان ظرفاً أو مجروراً أو حالاً نحو: ما حبس إلا زيد عندك، وما أوى إلا عمر وإليك، وما جاء إلا زيد ضاحكاً. وأجاز الكسائي ذلك في منصوب مطلقاً نحو: ما ضرب إلا زيد عمراً وأجاز هو وابنُ الأنباري ذلك في مرفوع نحو: ما ضرب إلا زيداً عمرو، وأما تخريجه على مذهب غير الكسائي وأبي الحسن فيقدر له عامل من جنس ما قبله تقديره هنا: حل من قبل أن تنزل التوراة.

{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} والأظهر في من أنها شرطية، ويجوز أن تكون موصولة. وجمع في فأولئك حملاً على المعنى. وهم: يحتمل أن تكون فصلاً، ومبتدأً، وبدلاً.

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَلَمِينَ} وللناس متعلق بوضع، واللام فيه للتعليل، وللذي ببكة خبر إنّ. والنعنى: للبيت الذي ببكة. وأكدت النسبة بتأكيدين: إنّ واللام. وأخبر هنا عن النكرة وهو أول بيت لتخصصها بالإضافة، وبالصفة التي هي وضع إمالها، وإمّا لما أضيفت إليه. إذْ تخصيصه تخصيصٌ لها بالمعرفة وهو للذي ببكة، لأن المقصود الإخبار عن أول بيت وضع للناس، ويحسن الإخبار عن النكرة بالمعرفة دخول إنّ. ومن أمثلة سيبويه: أنّ قريباً منك زيد. تخصص قريب بلفظ منك، فحسن الإخبار عنه. وقد جاء بغير تخصيص وهو جائز في الاختيار قال:

ص: 103

وأنّ حراماً أن أسب مجاشعاً

بآبائي الشم الكرام الخضارم والباء في ببكة ظرفية كقولك: زيد بالبصرة. ويضعفُ أن يكون بكة هي المسجد، لأنه يلزم أن يكونَ الشيء ظرفاً لنفسه، وهو لا يصحّ.

وانتصاب مباركاً على الحال. وجوزوا أنْ يكون حالاً من الضمير الذي استكن في وضع، والعامل فيها وضع أي أنَّ أول بيت مباركاً، أي في هذه الحال للذي ببكة. وهذا التقدير ليس بجائز، لأنك فصلت بين العامل في الحال وبين الحال بأجنبي وهو: الخبر، لأنه معمول لأنَّ خبر لها، فإنْ أضمرت وضع بعد الخبر أمكن أن يعمل في الحال، وكان تقديره: للذي ببكة وضع مباركاً. وعلى هذا التقدير ينبغي أن يحمل تفسير علي بن أبي طالب السابق ذكره عند ذكر كون هذا البت أولاً، إذ كان قد لاحظ في هذا البيت كونه وضع أولاً بقيد هذه الحال.

وجوزوا أيضاً أن يكون العامل في الحال العامل في ببكة، أي استقر ببكة في حال بركته. وهو وجه ظاهر الجواز، ولم يذكر الزمخشري غيره. وأما هدي فظاهره أنه معطوف على مباركاً، والمعطوف على الحال حال. وجوَّز بعضهم أنْ يكون مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي وهو هدي، ولا حاجة إلى تكلف هذا الإضمار.

{فِيهِءَايَتٌ بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَءَامِناً} وارتفاعُ آيات على الفاعلية بالمجرور قبله، فيكون المجرور في موضع الحال، والعامل فيها محذوف، وذلك المحذوف هو الحال حقيقة. ونسبة الحالية إلى الظرف والمجرور مجاز، كنسبة الخبر إليها. إذا قلت: زيد في الدار، أو عندك. ولذلك قال بعض أصحابنا: وما يعزى للظرف من خبرية وعمل، فالأصح كونه لعامله. وكون فيه في موضع حال مقدّرة، سواء كان العامل فيها هو العامل في ببكة، أم كان العامل فيها هو وضع على ما أعربوه، أو على ما أعربناه. ويجوز أو يكون جملة مستأنفة. أخبر الله تعالى أن فيه آيات بينات.

ص: 104

{ومن دخله كان آمناً} جملة من شرط وجزء، أو مبتدأ وخبر، لا على سبيل أن يكون اسماً مفرداً يعطف على قوله: مقام ابراهيم، فيكون ذلك تفسيراً صناعياً. بل لم يأت بعد قوله:{آيات بينات} سوى مفرد وهو: مقام ابراهيم فقال. فإن قلت: كيف أجزت أنْ يكون مقام إبراهيم والا من عطف بيان وقوله: ومن دخله كان آمناً جملة مستأنفة: إما ابتدائية، وإما شرطية؟ قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى. ون قوله: {ومن دخله كان آمناً} دل على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن داخله. ألا ترى أنك لو قلت فية آية بينة من دخله كان آمناً صحّ، لأنه في معنى فيه آية بينة أمن مَن دخله انتهى سؤاله وجوابه وليس بواضح. لأن تقديره وأمن الداخل، هو مرفوع عطفاً على مقام إبراهيم، وفسر بهما الآيات. والجملة من قوله: ومن دخله كان آمناً لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا إلا أنْ اعتقد أنّ ذلك معطوف محذوف يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه. فلا يجعل قوله: ومن دخله كان آمناً في معنى: وأمن داخله، إلا من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب. قال الزمخشري: ويجوز أن بذكر هاتين الآيتين ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما. ونحوه في طي الذكر قول جرير:

كانت حنيفة أثلاثاً فثلثهم

من العبيد وثلث من مواليها

ص: 105

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة» انتهى كلامه. وفيه حذف معطوفين، ولم يذكر الزمخشري في إعراب مقام إبراهيم إلا أنه عطف بيان لقوله: آيات بينات. ورد عليه ذلك، لأن آيات نكرة، ومقام إبراهيم معرفة، ولا يجوز التخالف في عطف البيان. وقوله مخالف لإجماع الكوفيين والبصريين، فلا يلتفت إليه. وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت، فتتبع النكرة النكرة والمعرفة المعرفة، وقد تبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما عند البصريين فلا يجوز إلا أنْ يكونا معرفتين، ولا يجوز أنْ يكونا نكرتين. وما أعربه الكوفيون ومن وافقهم: عطف بيان وهو نكرة على النكرة قبله، أعربه البصريون بدلاً، ولم يقم لهم دليل على تعيين عطف البيان في النكرة، فينبغي أن لا يجوز. والأولى والأصوب في إعراب مقام إبراهيم أنْ يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: أحدها: أي أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم. أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره منها: أي من الآيات البينات مقام إبراهيم. ويكون ذكر المقام لعظمه ولشهرته عندهم، ولكونه مشاهداً لهم لم يتغير، ولاذ كاره إياهم دين أبيهم إبراهيم. وأما على قراءة من قرأ: آية بينة بالتوحيد، فإعرابه بدل، وهو بدل معرفة من نكرة موصوفة، كقوله تعالى:{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله} .

ص: 106

{وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} وقرأ حمزة والكسائي وحفص حج بكسر الحاء، والباقون بفتحها. وهما لغتان: الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. وجعل سيبويه الحج بالكسر مصدراً نحو: ذكر ذكراً. وجعله الزجاج اسم العمل. ولم يختلفو في الفتح أنه مصدر، وحج مبتدأ وخبره في المجرور الذي هو ولله وعلى الناس متعلق بالعامل في الجار والمجرور الذي هو خبر. وجوز أنْ يكونَ على الناس حالاً، وأنْ يكون خبر الحج. ولا يجوز أن يكون «ولله» حالاً، لما يلزم في ذلك من تقدّمها على العامل المعنوي. وحج مصدر أضيف إلى المفعول الذي هو البيت، والألف واللام فيه للعهد. إذ قد تقدّم «أنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة» هذا الأصل ثم صار علماً بالغلبة. فمتى ذكر البيت لا يتبادر إلى الذهن إلا أنه الكعبة، وكأنه صار كالنجم للثريا وقال الشاعر:

لعمري لأنت البيت أكرم أهله

وأقعد في أفنائه بالأصائل

ص: 107

وفي إعراب مَنْ خلاف، ذهب الأكثرون إلى أنه بدل بعض من كل، فتكون مَن موصولة في موضع جر، وبدل بعض من كل لا بد فيه من الضمير، فهو محذوف تقديره، من استطاع إليه سبيلاً منهم. وقال الكسائي وغيره: من شرطية، فتكون في موضع رفع بالابتداء. ويلزم حذف الضمير الرابط لهذه الجملة بما قبلها، وحذف جواب الشرط، إذ التقدير من استطاع إليه سبيلاً منهم فعليه الحج، أو فعلية ذلك. والوجه الأوّل أولى لقلة الحذف فيه وكثرته في هذا. ويناسب الشرط مجيءُ الشرط بعده في قوله:{ومن كفر} وقيل: مَنْ موصولة في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم من استطاع إليه سبيلاً. وقال بعض البصريين: مَنْ موصولة في موضع رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو حج، فيكون المصدر قد أضيف إلى المفعول ورفع به الفاعل نحو: عجبت من شرب العسل زيد، وهذا القول ضعيف من حيث اللفظ والمعنى. أمّا من حيث اللفظ فإنّ إضافة المصدر للمفعول ورفع الفاعل به قليل في الكلام، ولا يكاد يحفظ في كلام العرب إلا في الشعر، حتى زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا في الشعر. وأمّا من حيث المعنى فإنه لا يصح، لأنّه يكون المعنى: إنّ الله أوجب على الناس مستطيعهم وغير مستطيعهم أنْ يحج البيت المستطيع. ومتعلق الوجوب إنما هو المستطيع لا الناس على العموم، والضمير في إليه يعود على البيت، وقيل: على الحج. وإليه متعلق باستطاع، وسبيلاً مفعول بقوله استطاع لأنه فعل متعد. قال تعالى:{لا يستطيعون نصركم} وكل موصل إلى شيء، فهو سبيل إليه.

{وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ} ومن شرطية وجواب الشرط الجملة المصدرة بالفاء، والرابط لها بجملة الشرط هو العموم الذي في قوله:{عن العالمين} إذْ مَن كفر فهو مندرج تحت هذا العموم.

ص: 108

{قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَيَتِ اللَّهِ} وتقدّم الكلام على «لم» وحذف الألف من ما الاستفهامية إذا دخل عليها الجار. وقوله: «على ما تعملون» متعلق بقوله: شهيد. وما موصولة. وجوزوا أنْ تكون مصدرية، أي على عملكم.

{قُلْ يأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} وصدّ: لازم ومتعد. يقال: صد عن كذا، وصد غيره عن كذا. وقراءة الجمهور: يصدون ثلاثياً، وهو متعد ومفعوله مَنْ آمن. وقرأ الحسن: تصدُّون من أصدّ، عدى صدّ اللازم بالهمز، وهما لغتان.

وقال ذو الرّمة:

أناس أصدُّوا الناس بالسيف عنهم

{تَبْغُونَهَا عِوَجاً} نصبه على الحال من الضمير في يبغون، أي عوجاً منكم وعدم استقامة انتهى. وعلى التأويل الأول يكون عوجاً مفعولاً به،

{يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ كَفِرِينَ} والجملة من قوله: «يبغونها عوجاً تحتمل الاستئناف، وتحتمل أن تكون حالاً من الضمير في يصدُّون أو من سبيل الله، لأن فيها ضميرين يرجعان إليهما.

وانتصاب كافرين على أنه مفعول ثان ليردّ، لأنها هنا بمعنى صير كقوله:

فرد شعورهنّ السود بيضاً

وردّ وجوههنّ البيض سودا

وقيل: انتصب على الحال، والقول الأول أظهر.

وذكروا في هذه الآيات من فنون البلاغة والفصاحة: الاستفهام الذي يراد به الإنكار في {لم تكفرون} {لم تصدون} {وكيف تكفرون} والتكرار: في يا أهل الكتاب، وفي اسم الله في مواضع، وفيما يعملون، والطباق: في الإيمان والكفر، وفي الكفر إذ هو ضلال والهداية، وفي العوج والاستقامة، والتجوز: بإطلاق اسم الجمع في فريقاً من الذين أوتوا الكتاب فقيل: هو يهودي غير معين. وقيل: هو شاس بن قيس اليهودي. وإطلاق العموم والمراد الخصوص: في يا أيها الذين آمنوا على قول الجمهور أنه خطاب للأوس والخزرج. والحذف في مواضع.

ص: 109

{يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ * تِلْكَءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَلَمِينَ * وَللَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاٍّمُورُ * كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ * لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأٌّدُبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ

ص: 110

مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأٌّنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} .

أصبح: من الأفعال الناقصة لاتصاف الموصوف بالصفة وقت الصباح. وقد تأتي بمعنى صار وهي ناقصة أيضاً، وتأتي أيضاً لازمة تقول: أصبحت أي دخلت في الصباح. وتقول: أصبح زيد، أي أقام في الصباح ومنه. إذا سمعت بسري القين فاعلم أنه مصبح، أي مقيم في الصباح.

قال ابن عطية: ويصح أن يكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإنْ كان لم يتصرف منه، فيكون: كرماة ورام، أو يكون جمع تقي، إحد فعيل وفاعل بمنزلة. والمعنى على هذا: اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى انتهى كلامه. وهذا المعنى ينبو عنه هذا اللفظ، إذ الظاهر أنّ قوله: حقّ تقاته من باب إضافة إلى موصوفها، كما تقول: ضربت زيداً شديد الضرب، أي الضرب الشديد. فكذلك هذا أي اتقوا الله الاتقاء الحق، أي الواجب الثابت. أما إذا جعلت التقاة جمعاً فإنَّ التركيب يصير مثل: اضرب زيداً حق ضرابه، فلا يدل هذا التركيب على معنى: اضرب زيداً كما يحق أن يكون ضرابه. بل لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى، والتقدير: اضرب زيداً ضرباً حقاً كما يحق أن يكون ضرب ضرابه. ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقادير يصح بها معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ.

ص: 111

{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} والجملة من قوله: وأنتم مسلمون حالية، والاستثناء مفرع من الأحوال. التقدير: ولا تموتن على حال من الأحوال إلا على حالة الإسلام. ومجيئُها إسمية أبلغُ لتكرر الضمير، وللمواجهة فيها بالخطاب. وزعم بعضهم أنَّ الأظهر في الجملة أن يكون الحال حاصلة قبل، ومستصحبة. وأمّا لو قيل: مسلمين، لدلَّ على الاقتران بالموت لا متقدماً ولا متأخراً.

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً} انتصب جميعاً على الحال.

{وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} وأصبح كما ذكرنا في المفردات تستعمل لاتصاف الموصوف بصفته وقت الصباح، وتستعمل بمعنى صار، فلا يلحظ فيها وقت الصباح بل مطلق الانتقال والصيرورة من حال إلى حال. وعليه قوله:

أصبحت لا أحمل السلاح ولا

أملك رأس البعير أن نفرا

قال ابن عطية: فأصبحتم عبارة عن الاستمرار، وإنْ كانت اللفظة مخصوصة بوقت مّا، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبتدأ النهار، وفيها مبدأ الأعمال. فالحال التي يحسبها المرء من نفسه فيها هي الحال التي يستمر عليها يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع:

أصبحت لا أحمل السلاح ولا

أملك رأس البعير إن نفرا

ص: 112

وهذا الذي ذكره: من أن أصبح للاستمرار، وعلله بما ذكره لا أعلم أحداً من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أنها تستعمل على الوجهين اللذين ذكرتهما. وجوز الحوفي في «إذ» أن ينتصب باذكروا، وجوز غيره أن ينتصب بنعمة. أي إنعام الله، وبالعامل في عليكم. إذ جوزوا أن يكون حالاً من نعمة، وجوزا أيضاً تعلق عليكم بنعمة، وجوزوا في أصبحتم أن تكون ناقصة والخبر بنعمته والباء ظرفية وإخواناً حال يعمل فيها أصبح، أو ما تعلق به الجاروالمجرور. وأن يكون إخواناً خبر أصبح والجار حال يعمل فيه أصبح، أو حال من إخواناً لأنه صفة له تقدمت عليه، أو العامل فيه ما فيه من معنى تآخيتم بنعمته. وأن يكون أصبحتم تامة، وبنعمته متعلق به، أو في موضع الحال من فاعل أصبحتم أو من إخواناً، وإخواناً حال. والذي يظهر أن أصبح ناقصة وإخواناً خبر، وبنعمته متعلق بأصبحتم، والباء للسبب لا ظرفية.

وقال بعض الناس: الأخ في الدين يجمع إخواناً، ومن النسب إخوة، هكذا كثر استعمالهم. وفي كتاب الله تعالى:{إنما المؤمنون أخوة} والصحيح أنهما يقالان من النسب. وفي الدين: وجمع أخ على أخوة لا يراه سيبويه، بل أخوة عنده اسم جمع، لأن فعلاً لا يجمع على فعله. وابن السراج يرى فعلة إذا فهم منه الجمع اسم جمع، لأن فعلة لم يطرد جمعاً لشيء. والضمير في منها عائد على النار، وهو أقرب مذكور، أو على الحفرة. وحكى الطبري أن بعض الناس قال: يعود على الشفا، وأنت من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث. كما قال جرير:

أرى مر السنين أخذن مني

كما أخذ السرار من الهلال

ص: 113

قال ابن عطية: وليس الأمر كما ذكروا، لأنه لا يحتاج في الآية إلى هذه الصناعة إلا لو لم يجد معاداً للضمير إلا الشفا. وهنا معنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة انتهى. وأقول: لا يحسن عوده إلا على الشفا، لأنّ كينونتهم على الشفا هو أحد جزئي الإسناد، فالضمير لا يعود إلا عليه. وأما ذكر الحفرة فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها، ألا ترى أنك إذا قلت: كان زيد غلام جعفر، لم يكن جعفر محدثاً عنه، وليس أحد جزئي الإسناد. وكذلك لو قلت: ضرب زيد غلام هند، لم تحدث عن هند بشيء، وإنما ذكرت جعفراً وهنداً مخصصاً للمحدث عنه.

{وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ} قيل: من للجنس، وقيل: للتبعيض.

وقرأ الجمهور: ولْتكن بسكون اللام. وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن، والزهري، وعيسى بن عمر، وأبو حيوة: بكسرها، وعلَّةُ بنائها على الكسر مذكورة في النحو. وجوزوا في «ولتكن» أن تكون تامة، فيكون منكم متعلقاً بها، أو بمحذوف على أنه حال، إذ لو تأخر لكان صفة لأمّة. وأن تكون ناقصة، ويدعون الخبر، وتعلق من على الوجهين السابقين. وجوزوا أيضاً أنْ يكونَ منكم الخبر، ويدعون صفة. ومحط الفائدة إنما هو في يدعون فهو الخبر.

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} والعامل في {يوم تبيض} ما يتعلق به. ولهم عذاب عظيم أيْ وعذابٌ عظيم كائن لهم يوم تبيض وجوه. وقال الحوفي: العامل، فيه محذوف تدل عليه الجملة السابقة، أي: يعذبون يوم تبيض وجوه. وقال الزمخشري: بإضمار اذكروا، أو بالظرف وهو لهم. وقال قوم: العامل عظيم، وضعف من جهة المعنى لأنه يقتضي أنّ عظمَ العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أنْ يعمل فيه عذاب، لأنه مصدر قد وصف.

ص: 114

وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو رزين العقيلي، وأبو نهيك: تبيض وتسودّ بكسر التاء فيهما، وهي لغة تميم: وقرأ الحسن، والزهري، وابن محيصن، وأبو الجوزاء: تبياض وتسواد بألف فيهما. ويجوز كسر التاء في تبياض وتسواد، ولم ينقل أنه قرىء بذلك.

{>ُ؛ ِ} هذا تفصيل لأحكام من تبيض وجوههم وتسودّ. وابتدىء بالذين اسودّت للاهتمام بالتحذير من حالهم، ولمجاورة قوله: وتسودّ وجوه، وللابتداء بالمؤمنين والاختتام بحكمهم. فيكون مطلع الكلام ومقطعه شيئاً يسر الطبع، ويشرح الصدر. وقد تقدّم الكلام على أما في أول البقرة وأنها حرف شرط يقتضي جواباً، ولذلك دخلت الفاء في خبر المبتدأ بعدها، والخبر هنا محذوف للعلم به. والتقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟ كما حذف القول في مواضع كثيرة كقوله: أي يقولون: سلام عليكم. ولمّا حذف الخبر حذفت الفاء، وإنْ كان حذفُها في غير هذا لا يكون إلا في الشعر نحو قوله:

فأمّا القتال لا قتال لديكم

ولكنّ سيرا في عرض المواكب

ص: 115

يريد فلا قتال، وقال الشيخ كمال الدين عبد الواحد بن عبد الله بن خلف الأنصاري في كتابه الموسوم بنهاية التأميل في أسرار التنزيل: قد اعترض على النحاة في قولهم: لما حذف. يقال: حذفت الفاء بقوله تعالى: {وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} تقديره فيقال لهم: أفلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف فيقال، ولم تحذف الفاء. فلما بطل هذا تعين أن يكون الجواب: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، فوقع ذلك جواباً له. ولقوله: أكفرتم، ومن نظم العرب: إذا ذكروا حرفاً يقتضي جواباً له أن يكتفوا عن جوابه حتى يذكروا حرفاً آخر يقتضي جواباً ثم يجعلون لهما جواباً واحداً، كما في قوله تعالى:{فأمّا يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فقوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جواب للشرطين، وليس أفلم جواب جواب أمّا، بل الفاء عاطفة على مقدّر والتقدير: أأهملتكم، فلم أتل عليكم آياتي. انتهى ما نقل عن هذا الرجل وهو كلام أديب لا كلام نحوي. أمّا قوله: قد اعترض على النحاة فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة، لأنه ما من نحوي إلا خرّج الآية على إضمار فيقال لهم: أكفرتم، وقالوا: هذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدّر لا يستغني المعنى عنه، فالقول بخلافه مخالف للإجماع، فلا التفات إليه. وأمّا ما اعترض به من قوله:{وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي} وأنهم قدروه فيقال لهم: أفلم تكن آياتي، فحذف فيقال: ولم تحذف الفاء، فدل على بطلان هذا التقدير فليس بصحيح، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في أفلم ليست فاء، فيقال التي هي جواب أمّا حتى يقال حذف، فيقال: وبقيت الفاء، بل الفاء التي هي جواب أمّا، ويقال بعدها محذوف. وفاء أفلم تحتمل وجهين، أحدهما أن تكون زائدة. وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قولَ الشاعر:

يموت أناس أو يشيب فتاهم

ويحدث ناس والصغير فيكبر

ص: 116

يريد: يكبر وقول الآخر:

لما اتقى بيد عظيم جرمها

فتركت ضاحي جلدها بتذبذب

يريد: تركت. وقال زهير:

أراني إذا ما بت بتّ على هوى

فثم إذا أصبحت أصبحت غادياً

يريد ثم. وقول الأخفش: وزعموا أنهم يقولون أخوك، فوجد يريدون أخوك وجد. والوجه الثاني: أن تكون الفاء تفسيرية، وتقدم الكلام فيقال لهم: ما يسوؤهم، فالم تكن آياتي، ثم اعتنى بهمزة الاستفهام فتقدمت على الفاء التفسيرية، كما تقدم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله:{أفلم يسيروا في الأرض} وهذا على مذهب من يثبت أن الفاء تكون تفسيرية نحو: توضأ زيد فغسل وجهه ويديه إلى آخر أفعال الوضوء. فالفاء هنا ليست مرتبة، وإنما هي مفسرة للوضوء. كذلك تكون في {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} مفسرة للقول الذي يسوؤهم وقول هذا الرجل. فلما بطل هذا يعني ـ أن يكون الجواب فذوقوا ـ أي تعين بطلان حذف ما قدره النحويون من قوله، فيقال لهم لوجود هذا الفاء في أفلم تكن، وقد بينا أن ذلك التقدير لم يبطل، وأنه سواء في الآيتين. وإذا كان كذلك فجواب أمّا هو، فيقال في الموضعين، ومعنى الكلام عليه. وأمّا تقديره: أأهملتكم، فلم تكن آياتي، فهذه نزعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشري يقدر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلاً يصح عطف ما بعدها عليه، ولا يعتقد أن الفاء والواو وثم إذا دخلت عليها الهمزة أصلهن التقديم على الهمزة، لكنْ اعتنى بالاستفهام، فقدم على حروف العطف كما ذهب إليه سيبويه وغيره من النحويين. وقد رجع الزمخشري أخيراً إلى مذهب الجماعة في ذلك، وبطلان قوله الأول مذكور في النحو. وقد تقدم في هذا الكتاب حكاية مذهبه في ذلك. وعلى تقدير قول هذا الرجل: أأهملتكم، فلا بدّ من إضمار القول وتقديره، فيقال: أأهملتكم لأن هذا المقدر هو خبر المبتدأ، والفاء جواب أما. وهو الذي يدل عليه الكلام، ويقتضيه ضرورة. وقول هذا الرّجل: فوقع ذلك جواباً له، ولقوله: أكفرتم، يعني أنْ فذوقوا العذاب جواب لأمّا، ولقوله:

ص: 117

أكفرتم؟ والاستفهام هنا لا جواب له، إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإرذال بهم. وأمّا قول هذا الرّجل: ومن نظم العرب إلى آخره، فليس كلام العرب على ما زعم، بل يجعل لكل جواب أنَّ لا يكن ظاهراً فمقدر، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً، وأما دعواه ذلك في قوله تعالى:{فأما يأتينكم} الآية. وزعمه أن قوله تعالى: {فلا خوف عليهم} جواب للشرطين. فقولٌ روي عن الكسائي. وذهب بعض الناس إلى أن جواب الشرط الأول محذوف تقديره: فاتبعوه. والصحيح أن الشرط الثاني وجوابه هو جواب الشرط الأول. وتقدمت هذه الأقوال الثلاثة عند الكلام على قوله: {فأما يأتينكم} الآية. بما كنتم، الباء سببية وما مصدرية.

ص: 118

وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر: فأما الذين اسوادت، وأما الذين ابياضت بألف. وأصل افعلّ هذا افعلل يدل، على ذلك اسوددت واحمررت، وأن يكون للون أو عيب حسي، كأسود، وأعوج، واعوز. وأن لا يكون من مضعف كاحم، ولا معتل لام كألمى، وأنْ لا يكون للمطاوعة. وندر نحو: انقضّ الحائط، وابهار الليل، وإشعار الرجل بفرق شعره، وشذا رعوى، لكونه معتل اللام بغي لون ولا عيب مطاوعاً لرعوته بمعنى كففته. وأما دخول الألف فالأكثر أن يقصد عروض المعنى إذا جيء بها، ولزومه إذا لم يجأ بهما. وقد يكون العكس. فمن قصد اللزوم مع ثبوت الألف قوله تعالى:{مد هامتان} ومن قصد العروض مع عدم الألف قوله تعالى: {تزوّر عن كهفهم} واحمرّ خجلاً. وجواب أما ففي الجنة، والمجرور خبر المبتدأ، أي فمستقرون في الجنة. وهم فيها خالدون جملة مستقلة من مبتدأ وخبر، لم تدخل في حيز أما، ولا في إعراب ما بعده. دلّت على أنَّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود. وقال الزمخشري:(فإن قلت) كيف موقع قوله: هم فيها خالدون بعد قوله: ففي رحمة الله؟ (قلت) : موقع الاستئناف. كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون، لا يظعنون عنها ولا يموتون انتهى. وهو حسن. وقيل: جواب أما ففي الجنة هم فيها خالدون، وهم فيها خالدون ابتداء. وخبر وخالدون العامل في الظرفين، وكرر على طريق التوكيد لما يدل عليه من الاستدعاء والتشويق إلى النعيم المقيم.

ص: 119

{>ُ للهِتِلْكَءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَلَمِينَ} وتلك مبتدأ أو آيات الله خبره، ونتلوها جملة حالية. قالوا: والعامل فيها اسم الإشارة. وجوزوا أن يكون آيات الله بدلاً، والخبر نتلوها. وقال الزجاج: في الكلام حذف تقديره تلك آيات القرآن المذكورة حجج الله ودلائله انتهى. فعلى هذا الذي قدره يكون خبر المبتدأ محذوف، لأنّه عنده بهذا التقدير يتم معنى الآية. ولا حاجة إلى تقدير هذا المحذوف، إذ الكلام مستغن عنه تام بنفسه. والباء في بالحق باء المصاحبة، فهي في الموضع الحال من ضمير المفعول أي: ملتبسة بالحق.

وللعالمين في موضع المفعول للمصدر الذي هو ظلم، والفاعل محذوف مع المصدر التقدير: ظلمه، والعائد هو ضمير الله تعالى أي: ليس الله مريداً أن يظلم أحداً من العالمين.

قالوا وتضمنت هذه الآيات الطباق: في تبيضّ وتسودّ، وفي اسودّت وابيضّت، وفي أكفرتم بعد إيمانكم، وفي بالحق وظلماً. والتفصيل: في فأمّا وأمّا. والتجنيس: المماثل في أكفرتم وتكفرون. وتأكيد المظهر بالمضمر في: ففي رحمة الله هم فيها خالدون. والتكرار: في لفظ الله. ومحسنه: أنه في جمل متغايرة المعنى، والمعروف في لسان العرب إذا اختلفت الجمل أعادت المظهر لا المضمر، لأن في ذكرع دلالة على تفخيم الأمر وتعظيمه، وليس ذلك نظير.

لا أرى الموت يسبق الموت شيء

لاتحاد الجملة. لكنه قد يؤتى في الجملة الواحدة بالمظهر قصداً للتفخيم. والإشارة في قوله: تلك، وتلوين الخطاب في فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم، والتشبيه والتمثيل في تبيض وتسودّ، إذا كان ذلك عبارة عن الطلاقة والكآبة والحذف في مواضع.

ص: 120

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وظاهر كان هنا أنها الناقصة، وخير أمة هو الخبر. ولا يراد بها هنا الدلالة على مضي الزمان وانقطاع النسبة نحو قولك: كان زيد قائماً، بل المراد دوام النسبة كقوله:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} {وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} وكون كان تدل على الدوام ومرادفه لم يزل قولاً مرجوحاً، بل الأصح أنها كسائر الأفعال تدل على الانقطاع، ثم قد تستعمل حيث لا يراد الانقطاع. وقيل: كان هنا بمعنى صار، أيْ صرتم خير أمة. وقيل: كان هنا تامة، وخير أمة حال. وأبعد من ذهب إلى أنّها زائدة، لأن الزائدة لا تكون أول كلام، ولا عمل لها. وقال الزمخشري: كان عبارة عن وجود الشيء في من ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارىء. ومنه قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً} .

ص: 121

ومنه قوله: كنتم خير أمة، كأنه قيل: وجدتم خير أمة انتهى كلامه. فقوله: أنها لا تدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار، فإذا كانت بمعنى صار دلت على عدم سابق. فإذا قلت: كان زيد عالماً بمعنى صار، دلت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم. وقوله: ولا على انقطاع طارىء قد ذكرنا قبل أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي منها على الانقطاع، ثم قد تستعمل حيث لا يكون انقطاع. وفرقٌ بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك تقول: هذا اللفظ يدل على العموم؟ ثم تستعمل حيث لا يراد العموم، بل المراد الخصوص. وقوله: كأنه قال وجدتم خير أمة، هذا يعارض أنها مثل قوله:{وكان الله غفوراً رحيماً} لأن تقديره وجدتم خير أمة يدل على أنها تامة، وأن خير أمة حال. وقوله: وكان الله غفوراً لا شك أنها هنا الناقصة فتعارضا. وقيل: المعنى: كنتم في علم الله. وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: فيما أخبر به الأمم قديماً عنكم. وقيل: هو على الحكاية، وهو متصل بقوله:{ففي رحمة الله هم فيها خالدون} أي فيقال لهم في القيامة: كنتم في الدنيا خير أمة، وهذا قول بعيد من سياق الكلام. وخير مضاف للنكرة، وهي أفعل تفضيل فيجب إفرادها وتذكيرها، وإن كانت جارية على جمع.

{أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وهي جملة في موضع الصفة لأمة، أي خير أمة مخرجة، ويجوز أن تكون في موضع الصفة لخير أمة، فتكون في موضع نصب أي مخرجة. وعلى هذا الوجه يكون قد روعي هنا لفظ الغيبة، ولم يراع لفظ الخطاب. وهما طريقان للعرب، إذا تقدم ضمير حاضر لمتكلم أو مخاطب، ثم جاء بعده خبره إسماً، ثم جاء بعد ذلك ما يصلح أن يكون وصفاً، فتارة يراعى حال ذلك الضمير فيكون ذلك الصالح للوصف على حسب الضمير فتقول: أنا رجل آمر بالمعروف، وأنت رجل تأمر بالمعروف. ومنه {بل أنتم قوم تفتنون} وأنك امرؤ فيك جاهلية:

وأنت امرؤ قد كثأت لك لحية

كأنك منها قاعد في جوالق

ص: 122

وتارةً يراعى حال ذلك الاسم، فيكون ذلك الصالح للوصف على حسبه من الغيبة. فتقول: أنا رجل يأمر بالمعروف، وأنت امرؤ تأمر بالمعروف. ومنه: كنتم خير أمة أخرجت ولو جاء أخرجتم فيراعى ضمير الخطاب في كنتم لكان عربياً فصيحاً. والأولى جعله أخرجت للناس صفة لأمة، لا لخير لتناسب الخطاب في كنتم خير أمة مع الخطاب في تأمرون وما بعده.

{تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وقال ابن عطية: تأمرون وما بعده أحوال في موضع نصب انتهى. وقاله الراغب: والاستئناف أمكن وأمدح. وأجاز الحوفي في أن يكون تأمرون خبراً بعد خبر، وأن كون نعتاً لخير أمة.

{لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى} والظاهر أن قوله: إلا أذى استثناء متصل، وهو استثناء مفرغ من المصدر المحذوف التقدير: لن يضرُّوكم ضرراً إلا ضرراً لا نكاية فيه، ولا إجحاف لكم. وقال الفراء والزجاج والطبري وغيرهم: هو استثناء منقطع، والتقدير: لن يضروكم لكنْ أذى باللسان.

{ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} ثم لا ينصرون: هذا استئنافُ أخبار أنّهم لا ينصرون أبداً. ولم يشرك في الجزاء فيجزم، لأنه ليس مرتباً على الشرط، بل التولية مترتبة على المقاتلة. والنصر منفى عنهم أبداً سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا، إذ منع النصر سببه الكفر. فهي جملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، كما أن جملة الشرط والجزاء معطوفة على لن يضروكم إلا أذى. وليس امتناع الجزم لأجلهم كما زعم بعضهم زعم أن جواب الشرط يقع عقيب المشروط. قال:

وثم للتراخي، فلذلك لم تصلح في جواب الشرط. والمعطوف على الجواب كالجواب وما ذهب إليه هذا الذاهب خطأ، لأن ما زعم أنه لا يجوز قد جاء في أفصح كلام. قال تعالى:{وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} فجزم المعطوف بثم على جواب الشرط.

ص: 123

{أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ} عام في الأمكنة. وهي شرط، وما مزيدة بعدها، وثقفوا في موضع جزم، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، ومن أجاز تقديم جواب الشرط قال: ضربت هو الجواب، ويلزم على هذا أن يكون ضرب الذلة مستقبلاً. وعلى الوجه الأول هو ماض يدل على المستقبل، أي ضربت عليهم الذلة، وحيثما ظفر بهم ووجدوا تضرب عليهم، ودل ذكر الماضي على المستقبل، كما دل في قول الشاعر:

وندمان يزيد الكأس طيباً

سقيت إذا تغوّرت النجوم التقدير: سقيت، وأسقية إذا تغوّرت النجوم.

{إِلَاّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} هذا استثناء ظاهره الانقطاع، وهو قول: الفراء، والزجاج. واختيار ابن عطية، لأن الذلة لا تفارقهم. وقدره الفراء: إلا أن يعتصما بحبل من الله، فحذف ما يتعلق به الجار كما قال: حميد بن نور الهلالي:

رأتني بحبليها فصدت مخافة

ص: 124

ونظره ابن عطية بقوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} قال: لأن بادىء الرأي يعطي أن له أن يقتل خطأ. وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك. وإنما في الكلام محذوف يدركه فهم السامع الناظر في الأمر وتقديره: في أمتنا، فلا نجاة من الموت إلا بحبل. نتهى كلامه. وعلى ما قدره لا يكون استثناء منقطعاً، لأنه مستثنى من جملة مقدّرة وهي قوله: فلا نجاة من الموت، وهو متصل على هذا التقدير فلا يكون استثناء منقطعاً من الأول ضرورة أن الاستثناء الواحد لا يكون منقطعاً متصلاً. والاستثناء المنقطع كما قرر في علم النحو على قسمن منه: ما يمكن أن يتسلط عليه العامل، ومنه ما لا يمكن فيه ذلك، ومنه هذه الآية. على تقدير الانقطاع، إذ التقدير: لكن اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس ينجيهم من القتل والأسر وسبي الذراري واستئصال أموالهم. ويدل على أنه منقطع الأخبار بذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله} فلم يستثن هناك. وذهب الزمخشري وغيره إلى أنه استثناء متصل قال: وهو استثناء من أعم عام الأحوال.

ص: 125

{لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَءَايَتِ اللَّهِءَانَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأٌّيَتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأٌّنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .

سواء خبر ليس

ص: 126

ومن أهل الكتاب أمة قائمة: مبتدأ وخبر. وقال الفراء: أمة مرتفعة بسواء، أي ليس أهل الكتاب مستوياً من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة، فحذفت هذه الجملة المعادلة، ودل عليها القسم الأول كقوله:

عصيت إليها القلب إني لأمره

سميع فما أدري أرشد طلابها

التقدير: أم غي فحذف لدلالة أرشد وقال:

أراك فما أدري أهم ضممته

وذو الهم قدماً خاشع متضائل

التقدير: أم غيره. قال الفراء: لأن المساواة تقتضي شيئين: سواء العاكف فيه والبادي سواء محياهم ومماتهم. ويضعف قول الفراء من حيث الحذف. ومن حذف وضع الظاهر موضع المضمر، إذ التقدير: ليس أهل الكتاب مستوياً منهم أمة قائمة كذا، وأمة كافرة. وذهب أبو عبيدة: إلى أن الواو في ليسوا علامة جمع لا ضمير مثلها، في قول الشاعر:

يلومونني في شراء النخيـ

ـل قومي وكلهم ألوم

واسم ليس: أمّة قائمة، أي ليس سواء من أهل الكتاب أمّةً قائمة موصوفة بما ذكروا أمة كافرة.

قال ابن عطية: وما قاله أبو عبيدة خطأ مردود انتهى. ولم يبين جهة الخطأ، وكأنه توهم أن اسم ليس هو أمة قائمة فقط، وأنه لا محذوف. ثمّ إذ ليس الغرضُ تفاوت الأمة القائمة التالية، فإذا قدر ثم محذوف لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردوداً. قيل: وما قاله أبو عبيدة هو على لغة أكلوني البراغيث، وهي لغة رديئة والعرب على خلافها، فلا يحمل عليها مع ما فيه من مخالفة الظاهر انتهى. وقد نازع السهيلي النحويين في قولهم: إنها لغة ضعيفة، وكثيراً ما جاءت في الحديث. والإعراب الأول هو الظاهر. وهو: أن يكون من أهل الكتاب أمةٌ قائمة مستأنف بيان لانتفاء التسوية كما جاء {يأمرون بالمعروف} بياناً لقوله: {كنتم خير أمة} .

{وَهُمْ يَسْجُدُونَ} وقوله: وهم يسجدون جملة في موضع الصفة أيضاً معطوفة على يتلون، وقيل حالية.

ص: 127

وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة معطوفة من الكلام الأوّل، أخبر عنهم أيضاً أنهم أهل سجود، ويحسِّنُهُ أنْ كانت التلاوة في غير صلاة. ويكون أيضاً على هذا التأويل في غير صلاة نعتاً عدد بواو العطف، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل. وأجاز بعضهم في قوله: وهم يسجدون أن يكون حالاً من الضمير في قائمة، وحالاً من أمة.

{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ} والظاهر في يؤمنون أن يكون صفة أي تالية مؤمنة. وجوزوا أنْ تكون الجملة مستأنفة، أو في موضع الحال من الضمير في يسجدون، وأن تكون بدلاً من السجود. قيل: لأن السجود بمعنى الإيمان.

{وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ} من قيل للتبعيض وقيل لبيان الجنس.

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} ما: قيل موصولاً وقيل مصدرية.

وارتفاعُ صرّ على أنه فاعل بالمجرور قبله، إذْ قد اعتمد بكونه وقع صفة للريح. فإنْ كان الصر البرد وهو قول: ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، أو صوت لهيب النار أو صوت الريح الشديدة. فظاهر كون ذلك في الريح. وإنْ كان الصرُّ صفةً للريح كالصرصر، فالمعنى فيها قرةُ صرَ كما تقول: برد بارد، وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه. أو تكون الظرفية مجازاً جعل الموصوف ظرفاً للصفة. كما قال: وفي الرحمن كاف للضعفاء. وقولهم: إن ضيعني فلان ففي الله كاف. المعنى الرحمن كاف، والله كاف. وهذا فيه بعد.

وقوله: أصابت حرث قوم في موضع الصفة لريح. بدأ أولاً بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة. وقوله: ظلموا أنفسهم جملة في موضع الصفة لقوم.

ص: 128

{وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ولكن وقرىء شاذاً: ولكنَّ بالتشديد، واسمها أنفسهم، والخبر يظلمون. والمعنى: يظلمونها هم. وحسنٌ حذفُ هذا الضمير، وإنْ كان الحذف في مثله قليلاً كون ذلك فاصلة رأس آية، فلو صرَّح به لزال هذا المعنى. ولا يجوز أنْ يعتقدَ أنَّ اسم لكن ضمير الشأن. وحذف وأنفسهم مفعول بيظلمون، لأن حذف هذا الضمير يختص بالشعر.

{يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وقوله: من دونكم في موضع الصفة لبطانة، وقدّره الزمخشري: من دون أبناء جنسكم، وهم المسلمون. وقيل: يتعلق من بقوله: لا تتخذوا. وقيل: مِنْ زائدة، أي بطانة دونكم.

ص: 129

والجملة من قوله: لا يألونكم خبالاً لا موضع لها من الإعراب، إذ جاءت بياناً لحال البطانة الكافرة، هي والجمل التي بعدها لتنفير المؤمنين عن اتخاذهم بطانة. ومن ذهب إلى أنها صفة للبطانة أو حال مما تعلقت به من، فبعيد عن فهم الكلام الفصيح. لأنهم نهوا عن اتخاذ بطانة كافرة، ثم نبه على أشياء مما هم عليه من ابتغاء الغوائل للمؤمنين، وودادة مشقتهم، وظهور بغضهم. والتقييد بالوصف أو بالحال يؤذن بجواز الاتخاذ عند انتفائهما. وألا متعد إلى واحد بحرف الجر، يقال: ما ألوت في الأمر أي ما قصرت فيه. وقيل: انتصب خبالاً على التمييز المنقول من المفعول، كقوله تعالى:{وفجرنا الأرض عيوناً} التقدير: لا يألونكم خبالكم، أي في خبالكم. فكان أصل هذا المفعول حرف الجر. وقيل: انتصابه على إسقاط حرف، التقدير: لا يألونكم في تخبيلكم. وقيل: انتصابه على أنه مصدر في موضع الحال. قال ابن عطية: معناه لا يقصرون لكم لكم فيما فيه الفساد عليكم. فعلى هذا يكون قد تعدى للضمير على إسقاط اللام، وللخبال على إسقاط في. وقال الزمخشري: يقال: أَلا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّي إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحاً، ولا آلوك جهداً، على التضمين. والمعنى: لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه انتهى.

{وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} وما في قوله: ما عنتم مصدرية، وهذه الجملة مستأنفة كما قلنا في التي قبلها. وجوّزوا أن يكون نعتاً لبطانة، وحالاً من الضمير في يألونكم، وقد معه مرادة.

ص: 130

{هَآأَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ} تقدّم لنا الكلام على نظيرها، أنتم أولاء في قوله:{هاأنتم هؤلاء حاججتم} قراءة وإعراباً. وتلخيصه هنا أن يكونَ أولاء خبراً عن أنتم، وتحبونهم مستأنف أو حال أو صلة، على أن يكون أولاء موصولاً أو خبراً لأنتم، وأولاء مناداً، أو يكون أولاء مبتدأ ثانياً، وتحبونهم خبر عنه، والجملة خبر عن الأوّل. أو يكون أولاء في موضع نصب نحو: أنا زيداً ضربته، فيكون من الاشتغال. واسم الإشارة في هذين الوجهين واقع على غير ما وقع عليه أنتم، لأن أنتم خطاب للمؤمنين، وأولاء إشارة إلى الكافرين. وفي الأوجه السابقة مدلوله ومدلول أنتم واحد. وهو: المؤمنون. وعلى تقدير الاستئناف في تحبونهم، لا ينعقد مما قبله مبتدأ وخبر إلا بإضمار وصفٍ تقديره: أنتم أولاء الخاطئون في موالاة غير المؤمنين إذ تحبونهم ولا يحبونكم.

والواو في وتؤمنون للعطف على تحبونهم، فلها من الإعراب ما لها. وقال الزمخشري: والواو في وتؤمنون للحال، وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم. والحال: إنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصل منكم في حقكم ونحوه. فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون انتهى كلامه وهو حسن. إلا أنه فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو: أنه جعل الواو في وتؤمنون للحال، وأنها منتصبة من لا يحبونكم. والمضارعُ المثبت إذا وقع حالاً لا تدخل عليه واوٍ الحال تقول: جاء زيد يضحك، ولا يجوز ويضحك. فأما قولهم: قمت وأصك عينه ففي غاية الشذوذ. وقد أوَّل على إضمار مبتدأ أي قمت وأنا أصك عينه، فتصير الجملة اسمية. ويحتمل هذا التأويل هنا، أي: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كلِّه، لكن الأولى ما ذكرناه من كونها للعطف.

ص: 131

{إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً} وقرأ الجمهور: إن تمسسكم بالتاء. وقرأ السلمي بالياء معجمة من أسفل، لأن تأنيث الحسنة مجازى. وقرأ الحرميان وأبو عمرو وحمزة في رواية عنه: لا يضركم من ضار يضير. ويقال: ضار يضور، وكلاهما بمعنى ضرَّ. وقرأ الكوفيون وابن عامر: لا يضرُّكم بضم الضاد والراء المشدّدة، من ضرّ يَضُرُّ. واختلف، أحركةُ الراء إعرابٌ فهو مرفوعٌ أم حركة اتباع لضمة الضاد وهو مجزوم كقولك: كدّ؟ ونسب هذا إلى سيبويه، فخرج الإعراب على التقديم. والتقدير: لا يضركم أن تصبروا، ونسب هذا القول إلى سيبويه. وخرج أيضاً على أنّ لا بمعنى ليس، مع إضمار الفاء. والتقدير: فليس يضركم، وقاله: الفراء والكسائي. وقرأ عاصم فيما روى أبو زيد عن المفضل عنه: بضم الضاد، وفتح الراء المشددة. وهي أحسن من قراءة ضم الراء نحو لم يرد زيد، والفتح هو الكثير المستعمل. وقرأ الضحاك: بضم الضاد، وكسر الراء المشدّدة على أصل التقاء الساكنين. وقال ابن عطية: فأما الكسر فلا أعرفه قراءة، وعبارة الزجاج في ذلك متجوز فيها، إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة انتهى. وهي قراءة كما ذكرنا عن الضحاك. وقرأ أبيُّ لا يضرركم بفك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز، وعليها في الآية إن تمسَسْكم. ولغة سائر العرب الإدغام في هذا كله.

ص: 132

قالوا: وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البلاغة والفصاحة. منها: الوصل والقطع في {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} والتكرار: في أصحاب النار هم. والعدول عن اسم الفاعل إلى غيره: في يتلون وما بعده، وفي يظلمون. والاكتفاء بذكر بعض الشيء عن كله إذا كان فيه دلالة على الباقي في: يؤمنون بالله واليوم الآخر. والمقابلة: في تأمرون وتنهون، وفي المعروف والمنكر. ويجوز أن يكون طباقاً معنوياً، وفي حسنة وسيئة، وفي تسؤهم ويفرحوا. والاختصاص: في عليم بالمتقين، وفي أموالهم ولا أولادهم، وفي كمثل ريح، وفي حرث قوم ظلموا أنفسهم، وفي عليم بذات الصدور. والتشبيه: في مثل ما ينقون، وفي بطانة، وفي عضوا عليكم الأنامل من الغيظ على أحد التأويلين، وفي تمسسكم حسنة وتصبكم سيئة. شبه حصولهما بالمس والإصابة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، والصحيح أن هذه استعارة. وفي محيط شبه القدرة على الأشياء والعلم بها بالشيء المحدق بالشيء من جميع جهاته، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس. والتجنيس المماثل: في ظلمهم ويظلمون، وفي تحبونهم ولا يحبونكم، وفي تؤمنون وآمنا، وفي من الغيظ وبغيظكم. والالتفات: في وما تفعلوا من خير فلن تكفرواه على قراءة من قرأ بالتاء، وفي ما تعملون محيط على أحد الوجهين. وتسمية الشيء باسم محلة: في من أفواههم عبر بها عن الألسنة لأنها محلها. والحذف في مواضع.

ص: 133

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِءَالَافٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَالافٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} .

{وَإِذْ غَدَوْتَ} والعامل في إذا ذكر. وقيل: هو معطوف على قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} أي وآية إذ غدوت، وهذا في غاية البعد. ولولا أنه مسطور في الكتب ما ذكرته. وكذلك قولُ مَنْ جعل من في معنى مع، أي: وإذ غدوت مع أهلك. وهذه تخريجات يقولها وينقلها على سبيل التجويز من لا بصر له بلسان العرب.

ص: 134

وتبوىء جملة حالية من ضمير المخاطب. فقيل: هي حال مقدرة، أي خرجت قاصد التبوئة، لأن وقت الغودِّو لم يكن وقت التبوئة. وقرأ الجمهور تبوىء من بوّأ. وقرأ عبد الله: تبوِّىء من أبوأ، عداه الجمهور بالتضعيف، وعبد الله بالهمزة. وقرأ يحيى بن وثاب: تبوى بوزن تحيا، عداه بالهمزة، وسهل لام الفعل بإبدال الهمزة ياء نحو: يقرى في يقرىء. وقرأ عبد الله: للمؤمنين بلام الجر على معنى: ترتب وتهيىء. ويظهر أنَّ الأصل تعديته لواحد بنفسه، وللآخر باللام لأن ثلاثيه لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف جر.

وقرأ الأشهب: مقاعد القتال على الإضافة، وانتصاب مقاعد على أنه مفعول ثان لتبوى. ومَنْ قرأ للمؤمنين كان مفعولاً لتبوىء، وعداه باللام كما في قوله:{واذبوا أنا لابراهيم مكان البيت} وقيل: اللام في لابراهيم زائدة، واللام في للقتال لام العلة تتعلق بتبوىء. وقيل: في موضع الصفة لمقاعد.

وقال الزمخشري: وقد اتسع في قعد وقام حتى أجريا مجرى صار انتهى. أمّا إجراء قعد مجرى صار فقال أصحابنا: إنما جاء في لفظة واحدة وهي شاذة لا تتعدى، وهي في قولهم: شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة، أي صارت. وقد نقد على الزمخشري تخريج قوله تعالى:{فتقعد ملوماً} على أن معناه: فتصير، لأن ذلك عند النحويين لا يطرد. وفي اليواقيت لأبي عمر الزاهد قال ابن الأعرابي: القعد الصيرورة، والعرب تقول: قعد فلان أميراً بعدما كان مأموراً أي صار. وأمّا إجراء قام مجرى صار فلا أعلم أحداً عدّها في أخوات كان، ولا ذكر أنها تأتي بمعنى صار، ولا ذكر لها خبراً إلا أبا عبد الله بن هشام الحضراوي فإنه قال في قول الشاعر:

على ما قام يشتمني لئيم

إنها من أفعال المقاربة

ص: 135

{إِذْ هَمَّتْ} : بدل من إذ غدوت. قال الزمخشري: أو عمل فيه معنى سميع عليم انتهى. وهذا غير محرر، لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقول: أو عمل فيه معنى سميع أو عليم، وتكون المسألة من باب التنازع. وجوز أن يكون معمولاً لتبوى، ولغدوت. وهمّ يتعدى بالباء، فالتقدير: بأن تفشلا.

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} والجملة من قوله: وأنتم أذلة حال من المفعول في نصركم.

{أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِءَالَافٍ} وقرأ الحسن: بثلاثة آلاف يقف على الهاء، وكذلك بخمسة آلاف. قال ابن عطية: ووجه هذه القراءة ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال الأول. والهاء إنما هي أمارة وقف، فتعلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع. فمن ذلك ما حكاه الفرائ أنهم يقولون: أكلت لحما شاة، يريدون لحم شاة، فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف قالا: يريدون. قال: ثم مطلوا الفتحة في القوافي ونحوها في مواضع الروية والتثبت. ومن ذلك في الشعر قول الشاعر:

ينباع من زفرى غضوب جسرة

زيانة مثل العتيق المكرم

يريد ينبع فمطل. ومنه قول الآخر:

أقول إذ حزت على الكلكال

يا ناقتا ما جلت من مجال

يريد الكلكال فمطل. ومنه قول الآخر:

فأنت من الغوائل حين ترمى

ومن ذم الرجال بمنتزاح

ص: 136

يريد بمنتزح. قال أبو الفتح: فإذا جاز أن يعترض هذا التمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه، إذ هما في الحقيقة إثنان انتهى كلامه. وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب، والذي يناسبتوجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوصل مجرى الوقف، أبدلها هاء في الوصل، كما أبدلوا لها هاء في الوقف، وموجود في كلامهم إجراء الوصل مجرى الوقف، وإجراء الوقف مجرى الوصل. وأما قوله: لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، وجميع ما ذكر إنما هو من باب إشباع الحركة. وأشباع الحركة ليس نحو إبدال التاء هاءً في الوصل، وإنما هو نظير قولهم: ثلاثة أربعة، أبدل التاء هاء، ثم نقل حركة همزة أربعة إليها، وحذف الهمزة، فأجرى الوصل مجرى الوقف في الإبدال. ولأجل الوصل نقل إذ لا يكون هذا النقل إلا في الوصل.

وقرىء شاذاً بثلاثة آلاف بتكسين التاء في الوصل، أجراه مجرى الوقف. واختلفوا في هذه التاء الساكنة أهي بدل من الهاء التي يوقف عليها أم تاء التأنيث هي؟ وهي التي يوقف عليها بالتاء كما هي؟ وهي لغة.

وقرأ الجمهور منزلين بالتخفيف مبنياً للمفعول، وابن عامر بالتشديد مبنياً للمفعول أيضاً، والهمزة والتضعيف للتعدية فهما سيان. وقرأ ابن أبي عبلة: منزلين بتشديد الزاي وكسرها مبنياً للفاعل. وبعض القراء بتخفيفها وكسرها مبنياً للفاعل أيضاً، والمعنى: ينزلون النصر.

ص: 137

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَاّ بُشْرَى لَكُمْ} وإلاّ بشرى مستثنى من المفعول له، أي: ما جعله الله لشيء إلا بشرى لكم. فهو استثناء فرغ له العامل، وبشرى مفعول من أجله. وشروط نصبه موجودة وهو: أنه مصد ومتحد الفاعل والزمان. ولتطمئن معطوف على موضع بشرى، إذ أصله لبشرى. ولما اختلف الفاعل في ولتطمئن، أتى باللام إذ فات شرط اتحاد الفاعل، لأن فاعل بشرى هو الله، وفاعل تطمئن هو قلوبكم. وتطمئن منصوب بإضمار أن بعد لام كي، فهو من عطف الإسم على توهم. موضع اسم آخر، وجعل على هذا التقدير متعدية إلى واحد.

وقال الحوفي: إلا بشرى في موضع نصب على البدل من الهاء، وهي عائدة على الوعد بالمدد. وقيل: بشرى مفعول ثان لجعله الله. فعلي هذين القولين تتعلق اللام في لتطمئن بمحذوف، إذ ليس قبله عطف يعذف عليها. قالوا: تقديره ولتطمئن قلوبكم به بشركم. وبشرى: فعلى مصدر كرجعى، وهو مصدر من بشر الثلاثي المجرد، والهاء في به تعود على ما عادت عليه في جعله على الخلاف المتقدم.

وقال ابن عطية: اللام في ولتطمئن متعلقة تفعل مضمر بدل عيه جعله. ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به، وتطمئن به قلوبكم انتهى. وكأنه رأى أنه لا يمكن عنده أن يعطف ولتطمئن على بشرى على الموضع، لأن من شرط العطف على الوضع ـ عند أصحابنا ـ أن يكون ثم محرر للموضع، ولا محرز هنا، لأن عامل الجر مفقود. ومن لم يشترط المحرز فيجوز ذلك على مذهبه، وإن لا فيكون من باب العطف على التوهم كما ذكرناه أولاً.

ص: 138

{لِيَقْطَعَ طَرَفاً} واللام في ليقطع يتعلق قيل: بمحذوف تقيديره أمدكم أو نصركم. وقال الحوفي: يتعلق بقوله: {ولقد نصركم الله} أي نصركم ليقطع. قال: ويجوز أن يتعلق بقوله: وما النصر إلا من عند الله. ويجوز أن تكون متعلقة بيمددكم. وقال ابن عطية: وقد يحتمل أن تكون اللام متعلقة بجعله، وقيل: هو معطوف على قوله. ولتطمئن، وحذف حرف العطف منه، التقدير: ولتطمئن قلوبكم به وليقطع، وتكون الجملة من قوله: وما النصر إلا من عند الله اعتراضية بين المعطوف عليه والمعطوف. والذي يظهر أنْ تتعلق بأقرب مذكور وهو: العامل من في عند الله وهو خبر المبتدأ. كأنّ التقدير: وما النصر إلا كائن من عند الله، لا من عند غيره. لأحد أمرين: إما قطع طرف من الكفار بقتل وأسر، وإما بخزي وانقلاب بخيبة. وتكون الألف واللام في النصر ليست للعهد في نصر مخصوص، بل هي للعموم، أي: لا يكون نصر أي نصر من الله للمسلمين على الكفار إلا لأحد أمرين.

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأٌّمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ * وَللَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَفاً مُّضَعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .

ص: 139

{أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ} قيل: هو عطف على ما قبله من الأفعال المنصوبة. ويكون قوله: ليس لك من الأمر شيء جملة اعتراضية، والمعنى: أن الله مالك أمرهم، فإما أنْ يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل: أن مضمرة بعد أو، بمعنى: إلا أن، وهي التي في قولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، والمعنى: أنه ليس له من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم بالإسلام فيسر بهداهم، أو يعذبهم بقتل وأسر في الدنيا، أو بنار في الآخرة، فيستشفى بذلك ويستريح. وعلى هذا التأويل تكون الجملة المنفية للتأسيس، لا للتأكيد. وقيل: أو يتوب معطوف على الأمر. وقيل: على شيء. أي: ليس لك من الأمر، أو من توبتهم، أو تعذيبهم شيء. أو ليس لك من الأمر شيء، أو تعذيبهم. والظاهر من هذه التخاريج الأربعة هو الأول.

وقد تضمنت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبديع. من ذلك العام المراد به الخاص: في من أهلك، قال الجمهور: أراد به بيت عائشة. فالاختصاص في: والله سميع عليم، وفي: فليتوكل المؤمنون، وفي: ما في السموات وما في الأرض، وفي: يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء خص نفسه بذلك كقوله: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم {وفي العزيز الحكيم} لأن العز من ثمرات النصر، والتدبير الحسن من ثمرات الحكمة.

ص: 140

والتشبيه: في ليقطع طرفاً، شبه من قتل منهم وتفرّق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه وانخرم نظامه، وفي: ولتطمئن قلوبكم شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرّجل الساكن الحركة. وفي: فينقلبوا خائبين شبه رجوعهم بلا ظفر ولا غنيمة بمن أمل خيراً من رجل فأمّه، فأخفق أمله وقصده. والطباق: في نصركم وأنتم أذلة، النصر إعزاز وهو ضد الذل. وفي: يغفر ويعذب، الغفران ترك المؤاخذة والتعذيب المؤاخذة بالذنب. والتجوز بإطلاق التثنية على الجمع في: أن يفشلا. وبإقامة اللام مقام إلى في: ليس لك أي إليك، أو مقام على: أي ليس عليك. والحذف والاعتراض في مواضع اقتضت ذلك والتجنيس المماثل في: أضعافاً مضاعفة. وتسمية الشيء بما يؤول إليه في: لا تأكلوا سمَّى الأخذ أكلاً، لأنه يؤول إليه.

ص: 141

{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالأٌّرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَفِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الأٌّرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأٌّعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأٌّيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّلِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ} .

{فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ} ومفعول استغفروا الله محذوف لفهم المعنى، أي فاستغفروا لذنوبهم. وتقدم الكلام على هذا الفعل وتعديته.

{وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللَّهُ} جملة اعتراض المتعاطفين، أو بين ذي الحال والحال. وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة إعراباً في قوله:{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} .

ص: 142

{وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال الزمخشري: وهم يعلمون حالية من فعل الإصرار.

وأجاز أبو البقاء أن يكون: وهم يعلمون حالاً من الضمير في فاستغفروا، فإنْ أعربنا ولم يصرّوا جملة حالية من الضمير في فاستغفروا، جاز أن يكون: وهم يعلمون حالاً منه أيضاً. وإن كان ولم يصروا معطوفاً على فاستغفروا كان ما قاله أبو البقاء بعيداً للفصل بين ذي الحال والحال بالجملة.

{أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} والذين إذا فعلوا مبتدأ، وأولئك وما بعده خبره، وجزاؤهم مغفرة مبتدأ وخبر في موضع خبر أولئك. وثم محذوف أي: جزاء أعمالهم مغفرة من ربهم لذنوبهم.

{وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ} المخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك، أي المغفرة والجنة.

{فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} والجملة الاستفهامية في موضع المفعول لانظروا لأنها معلقة وكيف في موضع نصب خبر كان.

{وَأَنتُمُ الأٌّعْلَوْنَ} قيل جملة حالية والظاهر أنها إخبار مستأنف.

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} وجواب الشرط محذوف تقديره: فتأسوا فقد مس القوم قرح، لأن الماضي معنى يمتنع أن يكون جواباً للشرط. ومن زعم أن جواب الشرط هو فقد مس، فهو ذاهل.

{وَتِلْكَ الأٌّيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} والأيام: صفة لتلك، أو بدل، أو عطف بيان. والخبر نداولها، أو خبر لتلك، ونداولها جملة حالية.

ص: 143

{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ} هذه لام كي قبلها حرف العطف، فتتعلق بمحذوف متأخر أي: فعلنا ذلك وهو المداولة، أو نيل الكفار منكم. أو هو معطوف على سبب محذوف هو وعامله أي: فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم. هكذا قدّره الزمخشري وغيره، ولم يعين فاعل العلة المحذوفة إنما كنى عنه بكيت وكيت، ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف. ففي هذا الوجه حذف العلة، وحذف عاملها، وإبهام فاعلها. فالوجه الأول أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل. ويعلم هنا ظاهره التعدي إلى واحد، فيكون كعرف. وقيل: يتعدّى إلى ثنين، الثاني محذوف تقديره: مميزين بالإيمان من غيرهم.

ص: 144

وقد تضمنت هذه الآيات فنوناً من الفصاحة والبديع والبيان: من ذلك الاعتراض في: والله يحب المحسنين، وفي: ومن يغفر الذنوب إلا الله، وفي: والله لا يحب الظالمين. وتسمية الشيء باسم سببه في: إلى مغفرة من ربكم. والتشبيه في: عرضها السموات والأرض. وقيل: هذه استعارة وإضافة الحكم إلى الأكثر في أعدّت للمتقين، وهي معدة لهم ولغيرهم من العصاة. والطباق في: السرّاء والضرّاء، وفي: ولا تهنوا والأعلون، لأن الوهن والعلو ضدان. وفي آمنوا والظالمين، لأن الظالمين هنا هم الكافرون، وفي: آمنوا ويمحق الكافرين. والعام يراد به الخاص في: والعافين عن الناس يعني من ظلمهم أو المماليك. والتكرار في: واتقوا الله، واتقوا النار، وفي لفظ الجلالة، وفي والله يحب، وذكروا الله، وفي وليعلم الله، والله لا يحب، وليمحص الله، وفي الذين ينفقون، والذين إذا فعلوا. والاختصاص في: يحب المحسنين، وفي: وهم يعلمون، وفي: عاقبة المكذبين، وفي: موعظة للمتقين، وفي: إن كنتم مؤمنين، وفي: لا يحب الظالمين، وفي: وليمحص الله الذين آمنوا، وفي: ويمحق الكافرين. والاستعارة في: فسيروا، على أنه من سير الفكر لا القدم، وفي: وأنتم الأعلون، إذا لم تكن من علو المكان، وفي: تلك الأيام نداولها، وفي: وليمحص ويمحق، والإشارة في هذا بيان. وفي: وتلك الأيام. وإدخال حرف الشرط في الأمر المحقق في: إن كنتم مؤمنين، إذا علق عليه النهي والحذف في عدة مواضع.

ص: 145

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الأٌّخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ * فَئْاتَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الأٌّخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ * سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّلِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الأٌّمْرِ وَعَصَيْتُمْ

ص: 146

مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأٌّخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .

كائن: كلمة يكثر بها بمعنى كم الخبرية. وقلَّ الاستفهام بها. والكاف للتشبيه، دخلت على أي وزال معنى التشبيه، هذا مذهب سيبويه والخليل، والوقف على قولهما بغير تنوين. وزعم أبو الفتح: أنّ أيا وزنه فعل، وهو مصدر أوى يأوى إذا انضم واجتمع، أصله: أوى عمل فيه ما عمل في طي مصدر طوي. وهذا كله دعوى لا يقوم دليل على شيء منها. والذي يظهر أنه اسم مبني بسيط لا تركيب فيه، يأتي للتكثير مثل كم، وفيه لغات: الأولى وهي التي تقدمت. وكائن ومن ادعى أن هذه اسم فاعل من كان فقوله بعيد. وكلئن على وزن كعن، وكأين وكيين، ويوقف عليها بالنون. وأكثر ما يجيء تمييزها مصحوباً بمن. ووهم ابن عصفور في قوله: إنه يلزمه مِنْ، وإذا حذفت انتصب التمييز سواء أولها أم لم يليها، نحو قول الشاعر:

أطرد اليأس بالرجاء فكاين

آلماً عم يسره بعد عسر

وقول الآخر:

وكائن لنا فضلاً عليكم ونعمة

قديماً ولا تدرون ما من منعم

{أَمْ حَسِبْتُمْ} وأمْ هنا منقطعة في قول الأكثرين تتقدر ببل، والهمزة على ما قرر في النحو. وقيل: هي بمعنى الهمزة. وقيل: أم متصلة. قال ابن بحر: هي عديلة همزة تتقدر من معنى ما تتقدم، وذلك أنَّ قوله:{أن يمسسكم قرح وتلك الأيام نداولها} إلى آخر القصة يقتضي أن يتبع ذلك: أتعلمون أن التكاليف يوجب ذلك، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمل مشقة وأن تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم واقعاً. انتهى كلامه. وتقدّم لنا إبطال مثل هذا القول. وهذا الاستفهام الذي تضمنته معناه الإنكار والإضراب الذي تضمنته أيضاً هو ترك لما قبله من غير إبطال وأخذ فيما بعده.

ص: 147

وظاهره: أن أم متصلة، وخشيتم هنا بمعنى ظننتم الترجيحية، وسدّ مسد مفعوليها أن وما بعدها على مذهب سيبويه، وسد مسد مفعول واحد والثاني محذوف على مذهب أبي الحسن.

ولما يعلم: جملة حالية، وهي نفي مؤكد لمعادلته للمثبت المؤكد بقد. فإذا قلت: قد قام زيد ففيه من التثبيت والتأكيد ما ليس في قولك: قام زيد. فإذا نفيته قلت: لما يقم زيد. وإذا قلت: قام زيد كان نفيه لم يقم زيد، قاله سيبويه وغيره. وقال الزمخشري: ولما بمعنى لم، إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدلَّ على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى وقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدني أن يفعل كذا، ولما تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله انتهى كلامه. وهذا الذي قاله في لما أنَّها تدل على توقع الفعل المنهى بها فيما يستقبل، لا أعلم أحداً من النحويين ذكره. بل ذكروا أنك إذا قلت: لما يخرج زيد دلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الإخبار. أمّا أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئاً يقارب ما قاله الزمخشري. قال: لما لتعريض الوجود بخلاف لم.

وقرأ الجمهور بكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن وثاب والنخعي بفتحها، وخرج على أنه اتباع لفتحة اللام وعلى إرادة النون الخفيفة وحذفها كما قال الشاعر:

لا تهين الفقير علك أن

تركع يوماً والدهر قد رفعه

ص: 148

وقرأ الجمهور: «ويعلم» برفع الميم فقيل: هو مجزوم، وأتبع الميم اللام في الفتح كقراءة من قرأ: ولما يعلم بفتح الميم على أحد التخريجين. وقيل: هو منصوب. فعلى مذهب البصريين بإضمار أن بعد واو مع نحو، لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وعلى مذهب الكوفيين بواو الصرف، وتقرير المذهبين في علم النحو. وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد بكسر الميم عطفاً على ولما يعلم. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو ويعلم برفع الميم. قال الزمخشري: على أن الواو للحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون انتهى. ولا يصح ما قال، لأن واو الحال لا تدخل على المضارع، لايجوز: جاء زيدو يضحك، وأنت تريد جاء زيد يضحك، لأن المضارع واقع موقع اسم الفاعل. فكما لا يجوز جاء زيد وضاحكاً، كذلك لا يجوز جاء زيد ويضحك. فإنْ أوّلَ على أن المضارع خبرُ مبتدأ محذوف أمكن ذلك، التقدير: وهو يعلم الصابرين كما أولوا قوله: نجوت وأرهنهم مالكاً، أي وأنا أرهنهم. وخرج غير الزمخشري قراءة الرفع على استئناف الاخبار، أي: وهو يعلم الصابرين.

{مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} وقرأ النخعي والزهري: تلا قوه ومعناها ومعنى تلقوه سواء، من حيثُ أنّ معنى لقي يتضمن أنه من اثنين، وإنْ لم يكنْ على وزن فاعل. وقرأ مجاهد من قبلُ بضم اللام مقطوعاً عن الإضافة، فيكون موضع أنْ تلقوه نصباً على أنه بدل اشتمال من الموت.

ص: 149

{فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} وقيل: معنى الرؤية هنا العلم، ويحتاج إلى حذف المفعول الثاني أي: فقد علمتم الموت حاضراً، وحذف لدلالة المعنى عليه. وحذف أحد مفعولي ظن وأخواتها عزيز جداً، ولذلك وقع فيه الخلاف بين النحويين. وقرأ طلحة بن مصرف. فلقد رأيتموه باللام، وأنتم تنظرون جملة حالية للتأكيد، ورفع ما يحتمله رأيتموه من المجاز أو من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين، أي معاينين مشاهدين له حين قتلبين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا، فعلى هذا يكون متعلق النظر متعلق الرؤية، وهذا قول الأخفش، وهو الظاهر.

ص: 150

{أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ} الفاء للعطف، وأصلها التقديم. إذ التقدير: فأإن مات. لكنهم يعتنون بالاستفهام فيقدّممونه على حرف العطف، وقد تقدّم لنا مثل هذا وخلاف الزمخشري فيه. وقال الخطيب كمال الدين الزملكاني: الأوجه أن يقدّر محذوف بعد الهمزة وقيل الفاء، تكون الفاء عاطفة عليه. ولو صرّح به لقيل: أتؤمنون به مدة حياته، فإن مات ارتددتم، فتخالفوا سنن اتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على ملل أنبيائهم بعد وفاتهم انتهى. وهذه نزعة زمخشرية. وقد تقدم الكلام معه في نحو ذلك. وأن هذه الفاء إنما عطفت الجملة المستفهم عنها على الجملة الخبرية قبلها، وهمزة الاستفهام داخلة على جملة الشرط وجزائه. وجزاؤه، هو انقلبتم، فلا تغير همزة الاستفهام شيئاً من أحكام الشرط وجزائه. فإذا كانا مضارعين كانا مجزومين نحو: أإن تأني آتك. وذهب يونس إلى أن الفعل الثاني يبني على أداة الاستفهام، فينوي به التقديم، ولا بد إذ ذاك من جعل الفعل الأول ماضياً لأن جواب الشرط محذوف، ولا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط لا يظهر فيه عمل لأداة الشرط، فيلزم عنده أن تقول: أإن أكرمتني أكرمك. التقدير فيه: أكرمك أن أكرمتني، ولا يجوز عنده إنْ تكرمني أكرمك بجزمهسسما أصلاً، ولا إن تكرمني أكرمك بجزم الأول ورفع الثاني إلا في ضرورة الشعر. والكلام على هذه المسألة مستوفى في علم النحو. فعلى مذهب يونس: تكون همزة الاستفهام دخلت في التقدير على انقلبتم، وهو ماض معناه الاستقبال، لأنه مقيد بالموت أو بالقتل. وجواب الشرط عند يونس محذوف.

{فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} انتصب شيئاً على المصدر.

ص: 151

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} وأن تموت في موضع اسم كان، ولنفس هو في موضع الخبر، فيتعلق بمحذوف. وجعل بعضهم كان رائدة. فيكون أن تموت في موضع مبتدأ، ولنفس في موضع خبره. وقدره الزجاج على المعنى فقال: وما كانت نفس لتموت، فجعل ما كان اسماً خبراً، وما كان خبراً اسماً، ولا يريد بذلك الإعراب، إنّما فسر من جهة المعنى. وقال أبو البقاء: اللام في: لنفس، للتبيين متعلقة بكان انتهى. وهذا لا يتم إلا أن كانت تامة. وقول من قال: هي متعلقة بمحذوف تقديره: وما كان الموت لنفس وإن تموت، تبيين للمحذوف مرغوب عنه، لأن اسم كان إن كانت ناقصة أو الفاعل إن كانت تامة لا يجوز حذفه، ولما في حذفه أنْ لو جاز من حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز على مذهب البصريين.

{كِتَباً مُّؤَجَّلاً} أي له أجل لا يتقدم ولا يتأخر وفي هذا رد على المعتزلة في قولهم بالأجلينْ والكتابة هنا عبارة عن القضاء، وقيل: مكتوباً في اللوح المحفوظ مبيناً فيه. ويحتمل هذا الكلام أن يكون جواباً لقولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. وانتصاب كتاباً على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة والتقدير: كتب الله كتاباً مؤجلاً ونظيره: {كتاب الله عليكم صنع الله ووعد الله} . وقيل: هو منصوب على الإغراء، أي الزمور وآمنوا بالقدر وهذا بعيد. وقال ابن عطية: كتاباً نصب على التمييز، وهذا لا يظهر فإن التمييز كما قسمه النحاة ينقسم إلى منقول وغير منقول، وأقسامه في النوعين محصورة، وليس هذا واحداً منها.

ص: 152

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} وقرأ الحرميان وأبو عمرو قتل مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك، إلا أنه شدّد التاء، وباقي السبعة قاتل بألف فعلاً ماضياً. وعلى كل من هذه القرآت يصلح أن يسند الفعل إلى الضمير، فيكون صاحب الضمير هو الذي قتل أو قتل على معنى التكثير بالنسة لكثرة الأشخاص، لا بالنسبة لفرد فرد. إذ القتل لا يتكثر في كل فرد فرد. أو هو قاتل ويكون قوله: معه ربيون محتملاً أن تكون جملة في موضع الحال، فيرتفع ربيون بالابتداء، والظرف قبله خبره، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير في معه العائد على ذي الحال، ومحتملاً أن يرتفع ربيون على الفاعلية بالظرف، ويكون الظرف هو الواقع حالاً التقدير: كائناً معه ربيون، وهذا هو الأحسن. لأن وقوع الحال مفرداً أحسن من وقوعه جملة. وقد اعتمد الظرف لكونه وقع حالاً فيعمل وهي حال محكمة، فلذلك ارتفع ربيون بالظرف. وإنْ كان العامل ماضياً لأنه حكى الحال كقوله تعالى:{وكلبهم باسط ذراعيه} وذلك على مذهب البصريين. وأما الكسائي وهشام فإنه يجوز عندهما إعمال اسم الفاعل الماضي غير المعرف بالألف واللام من غير تأويل، بكونه حكاية حال، ويصلح أن يسند الفعل إلى ربيون فلا يكون فيه ضمير، ويكون الربيون هم الذين قتلوا أو قتلوا أو قاتلوا، وموضع كأين رفع على الابتداء. والظاهر أن خبره بالجملة من قوله: قتل أو قتل أو قاتل، سواء أرفع الفعل الضمير، أم الربيين. وجوزوا أن يكون قتل إذا رفع الضمير في موضع الصفة ومعه ربيون في موضع الخبر كما تقول: كم من رجل صالح معه مال. أو في موضع الصفة فيكون قد وصف بكونه مقتولاً، أو مقتلاً، أو مقاتلاً، وبكونه معه ربيون كثير. ويكون خبر كأين قد حذف تقديره: في الدنيا أو مضى. وهذا ضعيف، لأن الكلام مستقل بنفسه لا يحتاج إلى تكلف إضمار. وأما إذا رفع الظاهر فجوزوا أن تكون الجملة الفعلية من قتل ومتعلقاتها في موضع الصفة لنبي، والخبر

ص: 153

محذوف. وهذا كما قلنا ضعيف. ولما ذكروا أن أصل كأين هو أي دخلت عليها كاف التشبيه فجرتها، فهي عاملة فيها، كما دخلت على ذا في قولهم: له عندي كذا. وكما دخلت على أنّ في قولهم: كأن ادعى أكثرهم إن كأن، بقيت فيها الكاف على معنى التشبيه. وإن كذا، وكأن، زال عنهما معنى التشبيه. فعلى هذا لا تتعلق الكاف بشيء، وصار معنى كأين معنى كم، فلا تدل على التشبيه ألبتة. وقال الحوفي: أما العامل في الكاف فإن حملناها على حكم الأصل فمحمول على المعنى، والمعنى: إصابتكم كإصابة من تقدّم من الأنبياء وأصحابهم. وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى كم، كان العامل بتقدير الابتداء، وكانت في موضع رفع وقتل الخبر. ومن متعلقة بمعنى الاستقرار، والتقدير الأول أوضح لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى بما يجب من الخفض في أي. وإذا كانت أي على بابها من معاملة اللفظ، فمن متعلقة بما تعلقت به الكاف من المعنى المدلول عليه انتهى كلامه. وهو كلام فيه غرابة. وجزَّهم إلى التخليط في هذه الكلمة ادّعاؤهم بأنها مركبة من: كاف التشبيه، وإن أصلها أي: فجرت بكاف التشبيه. وهي دعوى لا يقوم على صحتها دليل. وقد ذكرنا رأينا فيها أنها بسيطة مبنية على السكون، والنون من أصل الكلمة وليس بتنوين، وحملت في البناء على نظيرتها كم. وإلى أن الفعل مسند إلى الضمير.

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَاّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا} وقرأ الجمهور قولهم بالنصب على أنه خبر كان. وإن قالوا في موضع الاسم، جعلوا ما كان أعرف الاسم، لأن إنَّ وصلتها تتنزل منزلة الضمير. وقولهم: مضاف للمضير، يتنزل منزلة العلم. وقرأت طائفة منهم حماد بن سلمة عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم فيما ذكره المهدوي برفع قولهم، جعلوه اسم كان، والخبران قالوا. والوجهان فصيحان، وإن كان الأول أكثر. وقد قرىء: ثم لم تكن فتنتهم بالوجهين في السبعة.

ص: 154

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} وتعدت صدق هنا لى اثنين، ويجوز أن تتعدى إلى الثاني بحرف جر، تقول: صدقت زيداً الحديث، وصدقت زيداً في الحديث، ذكرها بعض النحويين في باب ما يتعدى إلى اثنين. ويجوز أن يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، فيكون من باب استغفر. واختاروا العامل في إذ صدقكم.

{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الأٌّمْرِ} وإذاً في قوله: إذا فشلتم، قيل: بمعنى إذ، وحتى حرف جر ولا جواب لها إذ ذاك، ويتعلق بتحسونهم أي: تقتلونهم إلى هذا الوقت. وقيل: حتى حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية، كما تدخل على جمل الابتداء والجواب ملفوظ به وهو قوله: وتنازعتم على زيادة الواو، قاله: الفراء وغيره. وثم صرفكم على زيادة ثم، وهذان القولان واللذان قبلهما ضعاف. والصحيح: أنه محذوف لدلالة المعنى عليه، فقدره ابن عطية: انهزمتم. والزمخشري: منعك نصرة، وغيرهما: امتحنتم. والتقادير متقاربة. وحذفُ جواب الشرط لفهم المعنى جائز لقوله تعالى: {فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية} تقديره فافعل ويظهر أن الجواب المحذوف غير ما قدروه وهو: انقسمتم إلى قسمين. ويدل عليه ما بعده، وهو نظير:{فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} التقدير: انقسموا قسمين: فمنهم مقتصد لا يقال: كيف، يقال: انقسموا فيمن فشل وتنازع، وعصى. لأن هذه الأفعال لم تصدر من كلبهم، بل من بعضهم كما ذكرناه في أول الكلام على هذه الآية.

ص: 155

وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع ضروباً: من ذلك الاستفهام الذي معناه الإنكار في: أم حسبتم. والتجنيس المماثل في: انقلبتم ومن ينقلب، وفي ثواب الدنيا وحسن ثواب. والمغاير في قولهم: إلا أن قالوا. وتسمية الشيء باسم سببه في: تمنون الموت أي الجهاد في سبيل الله، وفي قوله: وثبت أقدامنا فيمن فسر ذلك بالقلوب، لأن ثبات الأقدام متسبب عن ثبات القلوب. والالتفات في: وسنجزي الشاكرين. والتكرار في: ولما يعلم ويعلم لاختلاف المتعلق. أو للتنبيه على فضل الصابر. وفي: أفإن مات أو قتل لأن العرف في الموت خلاف العرف في القتل، والمعنى: مفارقة الروح الجسد فهو واحد. ومن في ومن يرد ثواب الجملتين، وفي: ذنوبنا وإسرافنا في قول من سوى بينهما، وفي: ثواب وحسن ثواب. وفي: لفظ الجلالة، وفي: منكم من يريد الجملتين. والتقسيم في: ومن يرد وفي منكم من يريد. والاختصاص في: الشاكرين، والصابرين، والمؤمنين. والطباق: في آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا. والتشبيه في: يردّوكم على أعقابكم، شبه الرجوع عن الدين بالراجع القهقري، والذي حبط عمله بالكفر بالخاسر الذي ضاع ربحه ورأس ماله وبالمنقلب الذي يروح في طريق ويغدو في أخرى، وفي قوله: سنلقى. وقيل: هذا كله استعارة. والحذف في عدة مواضع.

ص: 156

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأٌّمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الأٌّمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأٌّمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأٌّرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ

ص: 157

الْقَلْبِ لَانْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأٌّمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَتٌ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} .

ص: 158

وقرىء تلو من بإبدال الواو همزة، وذلك لكراهة اجتماع الواوين. وقياس هذه الواو المضمومة أن لا تبدل همزة لأن الضمة فيها عارضة. ومتى وقعت الواو غير أول وهي مضمومة، فلا يجوز الإبدال منها همزة إلا بشرطين: أحدهما: أن تكون الضمة لازمة. الثاني: أن لا تكون يمكن تخفيفها بالإسكان. مثال ذلك: فووج وفوول. وغوور. فهنا يجوز فؤوج وقؤول وغؤور بالهمز. ومثل كونها عارضة: هذا دلوك. ومثل إمكان تخفيفها بالإسكان: هذا سور، ونور، جمع سوار ونوار. فإنك تقول فيهما: سور ونور. ونبه بعض أصحابنا على شرط آخر وهو لا بد منه، وهو: أن لا يكون مدغماً فيها نحو: تعود، فلا يجوز فيه تعوذ بإبدال الواو المضمومة همزة. وزاد بعض النحويين شرطاً آخر وهو: أن لا تكون الواو زائدة نحو: الترهوك وهذا الشرط ليس مجمعاً عليه. وقرأ الحسن: تلون، وخرجوها على قراءة من همز الواو، ونقل الحركة إلى اللام، وحذف الهمزة. قال ابن عطية: وحذفت إحدى الواوين الساكنين، وكان قد قال في هذه القراءة: هي قراءة متركبة على قراءة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام انتهى. وهذا كلام عجيب تخيل هذا الرجل أنه قد نقلت الحركة إلى اللام فاجتمع واوان ساكنان، إحداهما: الواو التي هي عين الكلمة، والأخرى: واو الضمير. فحذفت إحدى الواوين لأنهما ساكنان، وهذا قول من لم يمعن في صناعة النحو. لأنها إذا كانت متركبة على لغة من همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام، فإن الهمزة إذ ذاك تحذف، ولا يلتقي واوان ساكنتان. ولو قال: استثقلت الضمة على الواو، لأن الضمة كأنها واو، فصار ذلك كأنه جمع ثلاث واواوت، فتنقلب الضمة إلى اللام، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى منهما، ولم يبهم في قوله إحدى الواوين لأمكن ذلك في توجيه هذه القراءة الشاذة، أما أنْ يبنى ذلك على أنه على لغة من همز على زعمه، فلا يتصور. ويحتمل أن يكون مضارع ولي وعدي بعلي، على تضمين معنى العطف. أي: لا تعطفون على أحد.

ص: 159

وقرأ الأعمش وأبو بكر في رواية عن عاصم: تلوون من ألوى، وهي لغة في لوى. وظاهر قوله على أحد العموم.

{فَأَثَبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ} وقال الزمخشري: فأثابكم عطف على صرفكم انتهى. وفيه بعدٌ لطول الفصل بين المتعاطفين. والذي يظهر أنه معطوف على تصعدون ولا تلوون، لأنه مضارع في معنى الماضي، لأن إذ تصرف المضارع إلى الماضي، إذ هي ظرف لما مضى. والمعنى: إذ صعدتم وما لويتم على أحد فأثابكم.

{لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ} اللام لام كي، وتتعلق بقوله: فأثابكم. فقيل: لا زائدة لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحزن.

{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} وأعربوا أمنة مفعولاً بأنزل، ونعاساً بدل منه، وهو بدل اشتمال. لأن كلاًّ منهما قد يتصور اشتماله على الآخر، أو يتصور اشتمال العامل عليهما على الخلاف في ذلك. أو عطف بيان، ولا يجوز على رأي الجمهور من البصريين لأن من شرط عطف البيان عندهم أن يكون في المعارف. أو مفعول من أجله وهو ضعيف، لاختلال أحد الشروط وهو: اتحاد الفاعل، ففاعل الإنزال هو الله تعالى، وفاعل النعاس هو المنزل عليهم، وهذا الشرط هو على مذهب الجمهور من النحويين. وقيل: نعاساً هو مفعول أنزل، وأمنة حال منه، لأنه في الأصل نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال. التقدير: نعاساً ذا أمنة، لأن النعاس ليس هو إلا من. أو حال من المجرور على تقدير: ذوي أمنة. أو على أنه جمع آمن، أي آمنين، أو مفعول من أجله أي لأمنة قاله: الزمخشري، وهو ضعيف بما ضعفنا به قول من أعرب نعاساً مفعولاً من أجله.

ص: 160

وقرأ حمزة والكسائي: تغشى بالتاء حملاً على لفظ أمنة هكذا قالوا. وقالوا: الجملة في موضع الصفة، وهذا ليس بواضح، لأن النحويين نصوا على أن الصفة مقدمة على البدل وعلى عطف البيان إذا اجتمعت. فمن أعرب نعاساً بدلاً أو عطف بيان لا يتم له ذلك، لأنه مخالف لهذه القاعدة، ومن أعربه مفعولاً من أجله ففيه أيضاً الفصل بين النعت والمنعوت بهذه الفضلة. وفي جواز ذلك نظر مع ما نبهنا عليه من فوات الشرط وهو: اتحاد الفاعل. فإن جعلت تغشى جملة مستأنفة وكأنها جواب لسؤال من سأل: ما حكم هذه الأمنة؟ فأخبر تعالى تغشى طائفة منكم، جاز ذلك. وقال ابن عطية: أسند الفعل إلى ضمير المبدل منه انتهى. لما أعرب نعاساً بدلاً من أمنة، كان القياس أن يحدث عن البدل لا عن المبدل منه، فحدث هنا عن المبدل منه، فحدث هنا عن المبدل منه. فإذا قلت: إن هنداً حسنها فاتن، كان الخبر عن حسنها، هذا هو المشهور في كلام العرب. وأجاز بعض أصحابنا أن يخبر عن المبدل منه كما أجاز ذلك ابن عطية في الآية، واستدل على ذلك بقوله:

إن السيوف غدوها ورواحها

تركت هوازن مثل قرن الأعضب

ويقول الآخر:

وكأنه لهق السراة كأنه

ما حاجبيه معين بسواد

فقال: تركت، ولم يقل تركاً. وقال معين: ولم يقل معينان، فأعاد الضمير على المبدل منه وهو السيوف، والضمير في كأنه ولم يعد على البدل وهي: غدوها ورواحها وحاجبيه. وما زائدة بين المبدل منه والبدل. ولا حجة فيما استدل به لاحتمال أن يكون انتصاب غدوها ورواحها على الظرف لا على البدل، ولاحتمال أن يكون معين خبراً عن حاجبيه، لأنه يجوز أن يخبر عن الاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، كاليدين والرجلين والعينين والحاجبين إخبار الواحد. كما قال:

لمن زحلوقه زل

بها العينان تنهل

وقال:

وكأنّ في العينين حبّ قرنفل

أو سنبلاً كحلت به فانهلت

فقال: ظلتا ولم يقل: ظلت تكف. وقرأ الباقون: يغشى بالياء، حمله على لفظ النعاس.

ص: 161

{وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ} والواو في قوله: وطائفة، واو الحال. وطائفة مبتدأ، والجملة المتصلة به خبره. وجاز الابتداء بالنكرة هنا إذ فيه مسوغان: أحدهما: واو الحال وقد ذكرها بعضهم في المسوغات، ولم يذكر ذلك أكثر أصحابنا وقال الشاعر:

سرينا ونم قد أضاء فمذ بدا

محياك أخفى ضوؤه كل شارق

والمسوغ الثاني: أن الموضع موضع تفصيل. إذ المعنى: يغشى طائفة منكم، وطائفة لم يناموا، فصار نظير قوله:

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له

بشق وشق عندنا لم يحوّل

ونصب طائفة على أن تكون المسألة من باب الاشتغال على هذا التقدير من الإعراب جائز. ويجوز أن يكون قد أهمتهم في موضع الصفة، ويظنون الخبر. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً، والجملتان صفتان، التقدير: ومنكم طائفة. ويجوز أن يكون يظنون حالاً من الضمير في أهمتهم، وانتصاب غير الحق. قال أبو البقاء: على أنه مفعول أول لتظنون، أي أمراً غير الحق، وبالله الثاني. وقال الزمخشري: غير الحق في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله ظن الجاهلية، وغير الحق تأكيد ليظنون كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك، انتهى. فعلى هذا لم يذكر ليظنون مفعولين، وتكون الباء ظرفية كما تقول: ظننت بزيد. وإذا كان كذلك لم تتعد ظننت إلى مفعولين، وإنما المعنى: جعلت مكاك ظني زيداً. وقد نص النحويون على هذا. وعليه:

فقلت لهم ظنوا بألفي مدحج

سراتهم في السائريّ المسرد

ص: 162

أي: اجعلوا مكان ظنكم ألفي مدحج. وانتصاب ظن على أنه مصدر تشبيهي، أي: ظناً مثل ظن الجاهلية. ويجوز في: يقولون أن يكون صفة، أو حالاً من الضمير في يظنون، أو خبراً بعد خبر على مذهب من يجيز تعداد الأخبار في غير ما اتفقوا على جواز تعداده. ومن شيء في موضع مبتدأ، إذ من زائدة، وخبره في لنا، ومن الأمر في موضع الحال، لأنه لو تأخر عن شيء لكان نعتاً له، فيتعلق بمحذوف. وأجاز أبو البقاء أن يكون من الأمر هو الخبر، ولنا تبيين وبه تتم الفائدة كقوله تعالى:{ولم يكن له كفواً أحد} وهذا لا يجوز: لأن ما جاء للتبيين العامل فيه مقدر، وتقديره: أعني لنا هو جملة أخرى، فيبقى المبتدأ والخبر جملة لا تستقل بالفائدة، وذلك لا يجوز. وأما تمثيله بقوله: ولم يكن له كفواً أحد فهما لا سواء، لأن له معمول لكفواً، وليس تبييناً. فيكون عامله مقدراً، والمعنى: ولم يكن أحد كفواً له، أي مكافياً له، فصار نظير لم يكن له ضار بالعمرو، فقوله: لعمرو ليس تبينناً، بل معمولاً لضارب. وقرأ الجمهور كله بالنصب تأكيداً للأمر. وقرأ أبو عمر: وكله على أنه مبتدأ، ويجوز أن يعرب توكيداً للأمر على الموضع على مذهب من يجيز ذلك وهو: الجرمي، والزجاج، والفراء. قال ابن عطية: ورجح الناس قراءة الجمهور، لأن التأكيد أملك بلفظة كلّ انتهى. ولا ترجيح، إذ كل من القراءتين متواتر، والابتداء بكل كثير في لسان العرب وجواب لو هو الجملة المنفية بما. وإذا نفيت بما فالفصيح أن لا تدخل عليه اللام.

{وَقَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأٌّرْضِ} اللام في «لإخوانهم» لام السبب وليس لام التبليغ.

ص: 163

وإذا ظرف لما يستقبل. وقالوا: ماض، فلا يمكن أن يعمل فيه. فمنهم من جرده عن الاستقبال وجعله لمطلق الوقت بمعنى حين، فاعمل فيه قال: وقال ابن عطية: دخلت إذا وهي حرف استقبال من حيث الذين اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي، ومن يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان. قال الزمخشري:(فإن قلت) : كيف قيل إذا ضربوا في الأرض مع قالوا؟ (قلت) : هو حكاية الحال الماضية، كقولك: حين تضربون في الأرض انتهى كلامه. ويمكن إقرار إذا على ما استقر لها من الاستقبال، والعامل فيها مضاف مستقبل محذوف، وهو لا بد من تقدير مضاف غاية ما فيه أنّا نقدره مستقبلاً حتى يعمل في الظرف المستقبل، لكن يكون الضمير في قوله: لو كانوا عائداً على إخوانهم لفظاً، وعلى غيرهم معنى، مثل قوله تعالى:{وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} وقول العرب: عندي درهم ونصفه. وقول الشاعر:

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا ونصفه فقد

والمعنى: من معمر آخر ونصف درهم آخر، ونصف حمام آخر، فعاد الضمير على درهم الحمام لفظاً لا معنى. كذلك الضمير في قوله: لو كانوا، يعود على إخوانهم لفظاً والمعنى: لو كان إخواننا الآخرون.

وقرأ الجمهور غزاً بتشديد الزاي، وقرأ الحسن والزهري بتخفيف الزاي. ووجه على حذف أحد المضعفين تخفيفاً، وعلى حذف التاء، والمراد: غزاة. وقال بعض من وجهٍ على أنّه حُذف التاء وهو: ابن عطية، قال: وهذا الحذف كثير في كلامهم، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي:

أبى الذمّ أخلاق الكسائي وانتحى

به المجد أخلاق الأبوّ السوابق

ص: 164

يريد الأبوة: جمع أب، كما أن العمومة جمع عم، والبنوّة جمع ابن. وقد قالوا: ابن وبنوّ انتهى. وقوله: وهذا الحذف كثير في كلامهم ليس كما ذكر، بل لا يوجد مثل رام ورمى، ولا حام وحمى، يريد: رماة وحماة. وإن أراد حذف التاء من حيث الجملة كثير في كلامهم فالمدعي إنما هو الحذف من فعله، ولا نقول أنَّ الحذف ــ أعني حذف التاء ــ كثيرٌ في كلامهم، لأنه يشعر أن بناء الجمع جاء عليها، ثم حذفت كثيراً وليس كذلك، بل الجمع جاء على فعول نحو: عم وعموم، وفحل وفحول، ثم جيء بالتاء لتأكيد معنى الجمع، فلا نقول في عموم: أنه حذفت منه التاء كثيراً لأن الجمع لم يبن عليها، بخلاف قضاة ورماة فإن الجمع بني عليها. وإنما تكلف النحويون لدخولها فيما كان لا ينبغي أن تدخل فيه، إن ذلك على سبيل تأكيد الجمع، لمَّا رأوا زائداً لا معنى له ذكروا أنّه جاء بمعنى التوكيد، كالزوائد التي لا يفهم لها معنى غير التأكيد. وأمّا البيت فالذي يقوله النحويون فيه: أنه مما شذ جمعه ولم يعل، فيقال فيه: أبى كما قالوا: عصى في عصا، وهو عندهم جمع على فعول، وليس أصله أبوه. ولا يجمع ابن علي بنوّة، وإنما هما مصدران. والجملة من لو وجوابها هي معمول القول فهي في موضع نصب على المفعول، وجاءت على نظم ما بعد إذا من تقديم نفي الموت على نفي القتل، كما قدم الضرب على الغزو. والضمير في: لو كانوا، هو لقتلى أحد، قاله: الجمهور. أو للسرية الذين قتلوا ببئر معونة قاله: بكر بن سهل الدمياطي. وقرأ الجمهور: وما قتلوا بتخفيف التاء. وقرأ الحسن: بتشديدها للتكثير في المحال، لا بالنسبة إلى محل واحد، لأنه لا يمكن التكثير فيه.

ص: 165

{لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ} اختلفوا في هذه اللام فقيل: هي لام كي. وقيل: لام الصيرورة. فإذا كانت لام كي فبماذا تتعلق، ولماذا يشار بذلك؟ فذهب بعضهم: إلى أنّها تتعلق بمحذوف يدل عليه معنى الكلام وسياقه، التقدير: أوقع ذلك، أي القول والمعتقد في قلوبهم ليجعله حسرة عليهم. وإنما احتيج إلى تقدير هذا المحذوف لأنه لا يصح أن تتعلق اللام على أنها لام كي يقال: لأنهم لم يقولوا تلك المقالة ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، فلا يصح ذلك أن يكون تعليلاً لقولهم.

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} وأكد ذلك بالقسم. لأن اللام في لئن هي الموطئة للقسم، وجواب القسم هو: لمغفرة. وكان نكرة إشارة إلى أن أيسر جزء من المغفرة والرحمة خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز المؤمن. وجاز الابتداء به لأنه وصف بقوله من الله. وعطف عليه نكرة ومسوغ الابتداء بها، كونها عطفت على ما يسوغ به الابتداء. أو كونها موصوفة في المعنى إذ التقدير: ورحمة منه. وثمَّ صفة أخرى محذوفة لا بد منها وتقديرها: ورحمة لكم. وخبر هنا على بابها من كونها افعل تفضيل، كما روي عن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء. وارتفاع خير على أنه خبر عن قوله: لمغفرة.

وترتفع المغفرة على خير الابتداء المقدر. وقوله: خير صفة لا خير ابتداء انتهى قوله. وهو خلاف الظاهر. وجواب الشرط الذي هو إن قتلتم محذوف، لدلالة جواب القسم عليه. وقول الزمخشري: سدَّ مسدَّ جواب الشرط إن عنى أنه حذف لدلالته عليه فصحيح، وإن عنى أنه لا يحتاج إلى تقدير فليس بصحيح.

ص: 166

{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} لم يؤكد الفعل الواقع جواباً للقسم المحذوف لأنه فصل بين اللام المتلقى بها القسم وبينه بالجار والمجرور. ولو تأخر لكان: لتحشرن إليه كقوله: ليقولن ما يحبسه. وسواء كان الفصل بمعمول الفعل كهذا، أو بسوف. كقوله:{فلسوف تعلمون} أو بقد كقول الشاعر:

كذبت لقد أصبى على المرء عرسه

وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي

قال أبو علي: الأصل دخول النون فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلات، فبدخول لام اليمين على الفضلة وقع الفصل، فلم يحتج إلى النون. وبدخولها على سوف وقع الفرق، فلم يحتج إلى النون، لأن لام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالاً، أمّا إذا كان مستقبلاً فلا.

ص: 167

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ} وما هنا زائدة للتأكيد، وزيادتها بين الباء وعن ومن والكاف، وبين مجروراتها شيء معروف في اللسان، مقرر في علم العربية. وذهب بعض الناس إلى أنها منكرة تامة، ورحمة بدل منها. كأنه قيل: فبشيء أبهم، ثم أبدل على سبيل التوضيح، فقال: رحمة. وكان قائل هذا يفر من الإطلاق عليها أنهار زائدة. وقيل: ما هنا استفهامية. قال الرازي: قال المحققون: دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز، وهنا يجوز أن تكون ما استفهامية للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك بأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم أنه ما أظهر البتة تغليظاً في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أنَّ هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني قبل ذلك انتهى كلامه. وما قاله المحققون: صحيح، لكنَّ زيادة ما للتوكيد لا ينكره في أماكنه من له أدنى تعلق بالعربية، فضلاً عن مَنْ يتعاطى تفسير كلام الله، وليس ما في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملاً فلا يحتاج ذلك إلى تأويلها بأن يكون استفهاماً للتعجب. ثمّ إنَّ تقديره ذلك: فبأي رحمة، دليل على أنّه جعل ما مضافة للرحمة، وما ذهب إليه خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لا تضاف ما الاستفهامية، ولا أسماء الاستفهام غير أي بلا خلاف، وكم على مذهب أبي إسحاق. والثاني: إذا لم تصح الإضافة فيكون إعرابه بدلاً، وإذا كان بدلاً من اسم الاستفهام فلا بد من إعادة همزة الاستفهام في البدل، وهذا الرجل لحظ المعنى ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه والتسور عليه. قول الزجاج في ما هذه؟ إنها صلة فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين.

ص: 168

وتضمنت هذه الآيات الطباق في: ينصركم ويخذلكم، وفي رضوان الله وبسخط. والتكرار في: ينصركم وينصركم، وفي الجلالة في مواضع. والتجنيس المماثل: في يغل وما غل. والاستفهام الذي معناه النفي في: أفمن اتبع الآية. والاختصاص في: فليتوكل المؤمنون، وفي: وما كان لنبي، وفي: بما يعملون خص العمل دون القول لأن العمل جل ما يترتب عليه الجزاء. والحذف في عدة مواضع.

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ * أَوَ لَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ * وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاّتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

ص: 169

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ} وقرىء شاذاً: لمن منّ الله على المؤمنين بمن الجارة ومن مجرور بها بدل قد من. قال الزمخشري: وفيه وجهان: أن يراد لمن من الله على المؤمنين منه أو بعثه فيهم، فحذف لقيام الدلالة. أو يكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير، إذا كان قائماً بمعنى لمن مَنَّ الله على المؤمنين وقت بعثه انتهى.

أمّا الوجه الأوّل فهو سائغ، وقد حذف المبتدأ مع من في مواضع منها:{وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به} {وما منا إلا له مقام} {وما دون ذلك} على قول. وأما الوجه الثاني فهو فاسد، لأنه جعل إذ مبتدأة ولم يستعملها العرب متصرفة ألبتة، إنما تكون ظرفاً أو مضافاً إليها اسم زمان، ومفعولة باذكر على قول. أمّا أنْ تستعمل مبتدأ فلم يثبت ذلك في لسان العرب، ليس في كلامهم نحو: إذ قام زيد طويل وأنت تريد وقت قيام زيد طويل. وقد قال أبو علي الفارسي: لم ترد إذ وإذا في كلام العرب إلا ظرفين، ولا يكونان فاعلين ولا مفعولين، ولا مبتدأين انتهى كلامه. وأمّا قوله: في محل الرفع كإذا، فهذا التشبيه فاسد، لأن المشبه مرفوع بالابتداء، والمشبه به ليس مبتدأ. إنما هو ظرف في موضع الخبر على زعم من يرى ذلك. وليس في الحقيقة في موضع رفع، بل هو في موضع نصب بالعامل المحذوف، وذلك العامل هو مرفوع. فإذا قال النحاة: هذا الظرف الواقع خبراً في محل الرفع، فيعنون أنه لما قام مقام المرفوع صار في محله، وهو في التحقيق في موضع نصب كما ذكرنا. وأما قوله في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً، فهذا في غاية الفساد. لأن هذا الظرف على مذهب من يجعله في موضع خبر المبتدأ الذي هو أخطب، لا يجيز أن ينطق به، إنما هو أمر تقديري. ونصّ أرباب هذا المذهب وهم القائلون بإعراب أخطب مبتدأ، أنَّ هذه الحال سدت مسد الخبر، وأنه مما يجب حذف الخبر فيه لسد هذه الحال مسده. وفي تقرير هذا الخبر أربعة مذاهب، ذكرت في مبسوطات

ص: 170

النحو.

{وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ} وإن هنا هي الخففة من الثقيلة، وتقدّم الكلام عليها وعلى اللام في قوله:{وإن كانت لكبيرة} والخلاف في ذلك فأغنى عن إعادته هنا. وقال الزمخشري: إنْ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإنّ الشأن والحديث كانوا من قبل لفي ضلال مبين. انتهى. وقال مكي: وقد ذكر أنه قبل إن نافية، واللام بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، قال: وهذا قول الكوفيين. وأما سيبويه فإنه قال: إن مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، والتقدير على قوله: وإنهم كانوا من قبل في ضلال مبين. فظهر من كلام الزمخشري أنه حين خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن والحديث. ومن كلام مكي أنها حين خففت حذف اسمها وهو ضمير عائد على المؤمنين، وكلا هذين الوجهين لا نعرف. نحو: يا ذهب إليه. إنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنّك إذا قلت: إن زيداً ائم ثم خففت، فمذهب البصريين فيها إذ ذاك وجهان: أحدهما: جواز الأعمال، ويكون حالها وهي مخففة كحالها وهي مشددة، إلا أنها لا تعمل في مضمر. ومنع ذلك الكوفيون، وهم محجوجون بالسماع الثابت من لسان العرب. والوجه الثاني: وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل، لا في ظاهر، ولا في مضمر لا ملفوظ به ولا مقدر ألبتة. فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر، ولزمت اللام في ثاني مضمونيها إن لم ينف، وفي أولهما إن تأخر فنقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيداً قائم. وإن وليه جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من فواتح الابتداء. وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم. والجملة من قوله: وإن كانوا، حالية. والظاهر أن العامل فيها هو: ويعلمهم، فهو حال من المفعول.

ص: 171

{أَوَ لَمَّا أَصَبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} الهمزة للاستفهام الذي معناه الإنكار. وقال ابن عطية: دخلت عليها ألف التقرير، على معنى إلزام المؤمنين هذه المقالة في هذه الحال. وقال الزمخشري: ولمّا نصب بقلتم وأصابتكم في محل الجرّ بإضافة لما إليه، وتقديره: أقلتم حين أصابتكم، وأنَّى هذا نصب لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع. (فإن قلت) : على م عطفت الواو هذه الجملة؟ (قلت) : على ما مضى من قصة أحد من قوله: {ولقد صدقكم الله وعده} ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، فكأنه قال: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا؟ انتهى.

أمّا العطف على ما مضى من قصة أحد من قوله: {لقد صدقكم الله وعده} . ففيه بعدٌ، وبعيد أن يقع مثله في القرآن. وأمّا العطف على محذوف فهو جار على ما تقرر في غير موضع من مذهبه، وقد رددناه عليه. وأما على مذهب الجمهور سيبويه وغيره قالوا: وأصلها التقديم، وعطفت الجملة الاستفهامية على ما قبلها. وأمّا قوله: ولما نصب إلى آخره وتقديره: وقلتم حينئذ كذا، فجعل لمّا بمعنى حين فهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما هو مذهب أبي علي الفارسي. زعم أن لما ظرف زمان بمعنى حين، والجملة بعدها في موضع جر بها، فجعلها من الظروف التي تجب إضافتها إلى الجمل، وجعلها معمولة للفعل الواقع جواباً لها في نحو: لما جاء زيد عمرو، فلما في موضع نصب بجاء من قولك: جاء عمرو. وأمّا مذهب سيبويه فأما حرف لا ظرف، وهو حرف وجوب لوجوب، ومذهب سيبويه هو الصحيح. وقد بينا فساد مذهب أبي علي من وجوه في كتابنا المسمى: بالتكميل.

ص: 172

{قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} وأنى هذا: جملة من مبتدأ وخبر، وهي في موضع نصب على أنها معمولة لقوله: قلتم. قالوا ذلك على سبيل التعجب والإنكار لما أصابهم، والمعنى: كيف أصابنا هذا ونحن نقاتل أعداء الله، وقد وعدنا بالنصر وإمداد الملائكة؟ فاستفهموا على سبيل التعجب عن ذلك. وأنى سؤال عن الحال هنا، ولا يناسب أن يكون هنا بمعنى أين أو متى، لأنّ الاستفهام لم يقع عن المكان ولا عن الزمان هنا، إنما الاستفهام وقع عن الحالة التي اقتضت لهم ذلك، سألوا عنها على سبيل التعجب. وقال الزمخشري: أنى هذا من أين هذا، كقوله:«أنى لك هذا» لقوله: «من عند أنفسكم» وقوله: «من عند الله» انتهى كلامه. والظرف إذا وقع خبر للمبتدأ ألا يقدر داخلاً عليه حرف جر غير في، أما أنْ يقدَّر داخلاً عليه مِنْ فلا، لأنه إنما انتصب على إسقاط في. ولك إذا أضمر الظرف تعدى إليه الفعل بوساطة في ألاّ أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به، فتقدير الزمخشري: أنى هذا، من أين هذا تقدير غير سائغ، واستدلاله على هذا التقدير بقوله: من عند أنفسكم، وقوله: من عند الله، وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ، وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها. وأمّا على ما قررناه، فإنّ الجواب جاء على مراعاة المعنى، لا على مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ. وقد تقرر في علم العربية أن الجواب يأتي على حسب السؤال مطابقاً له في اللفظ، ومراعي فيه المعنى لا اللفظ. والسؤال بأبي سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمر، والجواب بقوله: من عند أنفسكم يتضمن تعيين الكيفية، لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى. لو قيل على سبيل التعجب والإنكار: كيف لا يحج زيد الصالح، وأجيب ذلك بأن يقال: بعدم استطاعته حصل الجواب وانتظم من المعنى، أنه لا يحج وهو غير مستطيع.

ص: 173

{وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} وما موصولة مبتدأ، والخبر قوله: فبإذن الله، وهو على إضمار أي: فهو بإذن الله. ودخول الفاء هنا. قال الحوفي: لما في الكلام من معنى الشرط لطلبته للفعل. وقال ابن عطية: ودخلت الفاء رابطة مسددة. وذلك للإبهام الذي في ما فأشبه الكلام الشرط، وهذا كما قال سيبويه: الذي قام فله درهمان، فيحسن دخول الفاء إذا كان القيام سبب الإعطاء انتهى كلامه. وهو أحسن من كلام الحوفي، لأن الحوفي زعم أن في الكلام معنى الشرط. وقال ابن عطية: فأشبه الكلام الشرط. ودخول الفاء على ما قاله الجمهور وقرروه قلق هنا، وذلك أنهم قرّروا في جواز دخول الفاء على خبر الموصول أنّ الصلة تكون مستقلة، فلا يجيزون الذي قام أمس فله درهم، لأن هذه الفاء إنما دخلت في خبر الموصول لشبهه بالشرط. فكما أن فعل الشرط لا يكون ماضياً من حيث المعنى، فكذلك الصلة.

{هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَنِ} وأقرب هنا افعل تفضيل، وهي من القرب المقابل للبعد. ويعدّي بإلى وباللام وبمن، فيقال: زيد أقرب لكذا، وإلى كذا، ومن كذا من عمرو. فمن الأولى ليست التي يتعدى بها افعل التفضيل مطلقاً في نحو: زيد أفضل من عمرو. وحرفا الجر هنا يتعلقان بأقرب، وهذا من خواص أفعل التفضيل إنه يتعلق به حرفا جر من جنس واحد، وليس أحدهما معطوفاً على الآخر. ولا بدلاً منه بخلاف سائر العوامل، فإنه لا يتعلق به حرفا جر من جنس واحد إلا بالعطف، أو على سبيل البدل. فتقول: زيد بالنحو أبصر منه بالفقه.

ص: 174

والعامل في يومئذ أقرب. ومنهم متعلق بأقرب أيضاً، والجملة المعوض منها التنوين هي السابقة، أي: هم قوم إذ قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. وذهب بعض المفسرين فيما حكى النقاش: إلى أن أقرب ليس هو هنا المقابل للأبعد، وإنما هو من القَرَب بفتح القاف والراء وهو المطلب، والقارب طالب الماء، وليلة القرب ليلة الوداد، فاللفظة بمعنى الطلب. ويتعين على هذا القول التعدية باللام، ولا يجوز أن تعدّى بإلى ولا بمن التي لا تصحب كل أفعل التفضيل، وصار نظير زيد أقرب لعمرو من بكر.

{الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} وجوزوا في إعراب الذين وجوهاً: الرفع على النعت للذين نافقوا، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من الواو في يكتمون، والنصب على الذم أي: أذم الذين، والجرّ على البدل من الضمير في بأفواههم أو في قلوبهم.

والجملة من قوله: وقعدوا حالية أي: وقد قعدوا. ووقوع الماضي حالاً في مثل هذا التركيب مصحوباً بقد، أو بالواو، أو بهما، أو دونهما، ثابت من لسان العرب بالسماع.

ص: 175

قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الذين قتلوا فاعلاً، ويكون التقدير: ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً، أي: لا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. (فإن قلت) : كيف جاز حذف المفعول الأوّل؟ (قلت) : هو في الأصل مبتدأ فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: أحياء. والمعنى: هم أحياء لدلالة الكلام عليها انتهى كلامه. وما ذهب إليه من أن التقدير: ولا تحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً لا يجوز، لأنَّ فيه تقديم المضمر على مفسره، وهو محصور في أماكن لا تتعدى وهي باب: رب بلا خلاف، نحو: ربه رجلاً أكرمته، وباب نعم وبئس في نحو: نعم رجلاً زيد على مذهب البصريين، وباب التنازع على مذهب سيبويه في نحو: ضرباني وضربت الزيدين، وضمير الأمر والشأن وهو المسمى بالمجهول عند الكوفيين نحو: هو زيد منطلق، وباب البدل على خلاف فيه بين البصريين في نحو: مررت به زيد، وزاد بعض أصحابنا أن يكون الظاهر المفسر خبراً للضمير، وجعل منه قوله تعالى:{وقالوا إن هي إلا حياتنا الدّنيا} التقدير عنده: ما الحياة إلا حياتنا الدّنيا. وهذا الذي قدره الزمخشري ليس واحداً من هذه الأماكن المذكورة. وأما سؤاله وجوابه فإنه قد يتمشى على رأي الجمهور في أنه: يجوز حذف أحد مفعولي ظن وأخواتها اختصاراً، وحذف الاختصار هو لفهم المعنى، لكنه عندهم قليل جداً. قال أبو عليّ الفارسي: حذفه عزيز جداً، كما أن حذف خبر كان كذلك، وإن اختلفت جهتا القبح انتهى. قول أبي علي. وقد ذهب الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن ملكون الحضرمي الإشبيلي إلى منع ذلك اقتصاراً، والحجة له وعليه مذكورة في علم النحو. وما كان بهذه المثابة ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً حذفه عند الجمهور، ينبغي أن لا يحمل عليه كلام الله تعالى. فتأويل مَن تأوّل الفاعل مضمراً يفسره المعنى، أي: لا يحسبن هو أي أحد، أو حاسب أولى. وتنفق القراءتان في كون الفاعل ضميراً وإن اختلفت بالخطاب والغيبة.

ص: 176

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} وقرأ الجمهور: بل أحياء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: بل هم أحياء. وقرأ ابن أبي عبلة: أحياء بالنصب. قال الزمخشري: على معنى بل أحسبهم أحياء انتهى. وتبع في إضمار هذا الفعل الزجاج قال الزجاج: ويجوز النصب على معنى: بل أحسبهم أحياءً. ورده عليه أبو علي الفارسي في الإغفال وقال: لا يجوز ذلك، لأن الأمر يقين، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة. فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن يُضمر فعلاً غير المحسبة اتقدهم أو اجعلهم، وذلك ضعيف، إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر انتهى كلام أبي علي. وقوله: لا يجوز ذلك لأن الأمر يقين، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة معناه: أنَّ المتيقن لا يعبر عنه بالمحسبة، لأنها لا تكون لليقين. وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد يقع حسب لليقين كما تقع ظن، لكنه في ظن كثير، وفي حسب قليل. ومن ذلك في حسب قول الشاعر:

حسبت التقى والحمد خير تجارة

رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلا

وقول الآخر:

شهدت وفاتوني وكنت حسبتني

فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي

فلو قدر بعد: بل أحسبهم بمعنى أعلمهم، لصحَّ لدلالة المعنى عليه، لا لدلالة لفظ ولا تحسبن، لاختلاف مدلوليهما. وإذا اختلف المدلول فلا يدل أحدهما على الآخر. وقوله: ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة غير مسلم، لأنه إذا امتنع من حيث المعنى إضماره أضمر غيره لدلالة المعنى عليه لا اللفظ. وقوله: أو اجعلهم، هذا لا يصح ألبتة، سواء كانت اجعلهم بمعنى اخلقهم، أو صيرهم، أو سمهم، أو القهم. وقوله: وذلك ضعيف أي النصب، وقوله: إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر إن عنى من حيث اللفظ فصحيح، وإن عنى من حيثُ المعنى فغير مسلم له، بل المعنى يسوغ النصب على معنى اعتقدهم، وهذا على تسليم إن حسب لا يذهب بها مذهب العلم.

ص: 177

ومعنى عند ربهم: بالمكانة والزلفى، لا بالمكان. قال ابن عطية: فيه حذف مضاف تقديره: عند كرامة ربهم، لأن عند تقتضي غاية القرب، ولذلك يصغر قاله سيبويه انتهى. ويحتمل عند ربهم أن يكون خبراً ثانياً، وصفة، وحالاً. وكذلك يرزقون: يجوز أن يكون خبراً ثالثاً، وأن يكون صفة ثانية. وقدَّم صفة الظرف على صفة الجملة، لأن الأفصح هذا وهو: أن يقدم الظرف أو المحرور على الجملة إذا كانا وصفين، ولأن المعنى في الوصف بالزلفى عند الله والقرب منه أشرف من الوصف بالرزق. وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف، ويكون العامل فيه في الحقيقة هو العامل في الظرف.

{فَرِحِينَ بِمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} ومن يحتمل أن تكون للسبب، أي: ما آتاهم الله متسبب عن فضله، فتتعلق الباء بآتاهم. ويحتمل أن تكون للتبعيض، فتكون في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على ما، أي: بما آتاهموه الله كائناً من فضله. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، فتتعلق بآتاهم. وجوّزوا في فرحين أن يكون حالاً من الضمير في يرزقون، أو من الضمير في الظرف، أو من الضمير في أحياء، وأن يكون صفة لأحياء إذا نصب.

{أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وجوزوا في إعراب ويستبشرون أن يكون معطوفاً على فرحين ومستبشرين كقوله: «صافات ويقبضن» أي قابضات وأن يكون على إضمارهم. والوا للحال، فتكون حالية من الضمير في فرحين، أو من ضمير المفعولين في آتاهم، أو للعطف. ويكون مستأنفاً من باب عطف الجملة الاسمية أو الفعلية على نظيرها.

ص: 178

وإن هي المخففة من الثقيلة، واسمها محذوف ضمير الشأن، وخبرها الجملة المنفية بلا. وإن ما بعدها في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل اشتمال من الذين، فيكون هو المستبشر به في الحقيقة أو منصوب على أنه مفعول من أجله، فيكون هو المستبشر به في الحقيقة. أو منصوب على أنه مفعول من أجله، فيكون علة للاستشار، والمستبشر به غيره. التقدير: لأنه لا خوف عليهم. ولاذوات لا يستبشر بها فلا بد من تقدير مضاف مناسب وتضمنت هذه الآيات من ضروب البديع، الطباق في قوله: لقد منّ الله الآية، إذ التقدير منّ الله عليهم بالهداية، فيكون في هذا المقدّر. وفي قوله: في ضلال مبين، وفي: يقولون بأفواههم، والقول ظاهر ويكتمون. وفي قالوا لإخوانهم وقعدوا، إذ التقدير حين خرجوا وقعدوا هم. وفي: أمواتاً بل أحياء وفي: فرحين ويحزنون. والتكرار في: وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا الاختلاف متعلق العلم. وفي فرحين ويستبشرون. والتجنيس المغاير في: إصابتكم مصيبة، والمماثل في: أصابتكم قد أصبتم. والاستفهام الذي يراد به الإنكار في: أو لما أصابتكم. والاحتجاج النظري في: قل فادرأوا عن أنفسكم. والتأكيد في: ولا هم يحزنون. والحذف في عدة مواضع لا يتم المعنى إلا بتقديرها.

ص: 179

{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَبَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الأٌّخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَنِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأًّنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ

ص: 180

السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} .

{الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَبَهُمُ الْقَرْحُ} والظاهر إعراب الذين مبتدأ، والجملة بعده الخبر وجوزوا الاتباع نعتاً، أو بدلاً، والقطع إلى الرفع والنصب. ومن في منهم قال الزمخشري: للتبيين مثلها في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم غفرة وأجراً عظيماً} لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، إلا بعضهم. وعن عروة بن البزير قالت لي عائشة: أن أبويك لممن استجابوا لله والرسول تعني: أبا بكر والزبير انتهى. وقال أبو البقاء: منهم حال من الضمير في أحسنوا، فعلى هذا تكون من للتبعيض وهو قول من لا يرى أن من تكون لبيان الجنس.

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} وجوزوا في إعراب الذين قال: أوجه الذين قبله، والفاعل بزاد ضمير مستكن يعود على المصدر المفهوم من قال أي: فزادهم ذلك القول إيماناً. وأجاز الزمخشري أن يعود إلى القول، وأن يعود إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده. وهما ضعيفان، من حيث أن الأول لا يزيد إيماناً إلا بالنطق به، لا هو في نفسه. من حيثُ أن الثاني إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجزي على ذلك الجمع، لا على المفرد. فيقول: مفارقه شابت، باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز مفارقه شاب، باعتبار مفرقه شاب.

{لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} الجملة من قوله: لم يمسسهم سوء في موضع الحال، أي سالمين. وبنعمة حال أيضاً، لأن الباء فيه باء المصاحبة، أي: انقلبوا متنعمين سالمين. والجملة الحالية المنفية بلم المشتملة على ضمير ذي الحال، يجوز دخول الواو عليها، وعدم دخولها. فمن الأوّل قوله تعالى:{أو قال أوحي إلي} ولم يوح إليه شيء، وقول الشاعر:

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم

أذنب وإن كثرت فيّ الأقاويل

ص: 181

ومن الثاني قوله تعالى: {وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً} وقول قيس بن الأسلت:

واضرب القوس يوم الوغى

بالسيف لم يقصر به باعي

ووهم الأستاذ أبو الحسن بن خروف في ذلك فزعم: أنها إذا كانت الجملة ماضية معنى لا لفظاً احتاجت إلى الواو كان فيها ضميراً، ولم يكن فيها. والمستعمل في لسان العرب ما ذكرناه.

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} والتشديد في يخوّف للنقل، كان قبله يتعدّى لواحد، فلما ضعف صار يتعدّى لاثنين. وهو من الأفعال التي يجوز حذف مفعوليها، وأحدهما اقتصار أو اختصار، أو هنا تعدّى إلى واحد، والآخر محذوف. فيجوز أن يكون الأوّل ويكون التقدير: يخوفكم أولياء، أي شر أوليائه في هذا الوجه. لأن الذوات لا تخاف، ويكون المخوفون إذ ذاك المؤمنين، ويجوز أن يكون المحذوف المفعول الثاني، أي: يخوّف أولياءه شرّ الكفار، ويكون أولياءه في هذا الوجه هم المنافقون، ومن في قلبه مرض المتخلفون عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلّمأي: أنه لا يتعدّى تخويفه المنافقين، ولا يصل إليكم تخويفه. وعلى لوجه الأوّل يكون أولياءه هم الكفار: أبو سفيان ومن معه. ويدل على هذا الوجه قراءة ابن مسعود وابن عباس يخوفكم أولياءه، إذ ظهر فيها أن المحذوف هو المفعول الأوّل. وقرأ أبيّ والنخعي: يخوفكم بأوليائه، فيجوز أن تكون الباء زائدة مثلها في يقرأن بالسور، ويكون المفعول الثاني هو بأوليائه، أي: أولياءه، كقراءة الجمهور. ويجوز أن تكون الباء للسبب، ويكون مفعول يخوّف الثاني محذوفاً أي: يخوّفكم الشرّ بأوليائه، فيكونون آلة للتخويف. وقد حمل بعض المعربين قراءة الجمهور يخوف أولياءه على أن التقدير: بأوليائه فيكون إذ ذاك قد حذف مفعولاً لدلالة، المعنى على الحذف، والتقدير: بأوليائه، فيكونون آلة للتخويف. وقد حمل بعض المعربين قراءة الجمهور يخوف أولياءه على أن التقدير: بأوليائه، فيكونون

ص: 182

آلة للتخويف. وقد حمل بعض المعربين قراءة الجمهور يخوف أولياءه على أن التقدير: بأوليائه، فيكون إذ ذاك قد حذف مفعولاً يخوف لدلالة، المعنى على الحذف، والتقدير: يخوفكم الشرّ بأوليائه، وهذا بعيد. والأحسن في الإعراب أن يكون ذلكم مبتدأ، والشيطان خبره، ويخوف جملة حالية، يدل على أن هذه الجملة حال مجيء المفرد منصوباً على الحال مكانها نحو قوله تعالى:{فتلك بيوتهم خاوية} {وهذا بعلي شيخاً} وأجاز أبو لابقاء أن يكون الشيطان بدلاً أو عطف بيان، ويكون يخوف خبراً عن ذلكم. وقال الزمخشري: الشيطان خبر ذلكم، بمعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان، ويخوّف أولياءه جملة مستأنفة بيان لتثبيطه، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة، ويخوف الخبر والمراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان انتهى كلامه. فعلى هذا القول تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب. وإنما قال: والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان، لأنه لا يكون صفة، والمراد به إبليس. لأنه إذا أريد به إبليس كان إذ ذاك علماً بالغلبة، إذ أصله صفة كالعيوق، ثم غلب على إبليس، كما غلب العيوق على النجم الذي ينطلق عليه.

ص: 183

وقال ابن عطية: وذلكم في الإعراب ابتداء، والشيطان مبتدأ آخر، ويخوف أولياءه خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأوّل. وهذا الإعراب خبر في تناسق المعنى من أن يكون الشيطان خبر ذلكم، لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة انتهى. وهذا الذي اختاره إعراب لا يجوز، إن كان الضمير في أولياءه عائداً على الشيطان، لأن الجملة الواقعة خبراً عن ذلكم ليس فيها رابط يربطها بقوله: ذلكم، وليست نفس المبتدأ في المعنى نحو قولهم: هجيري أبي بكر لا إله إلا الله، وإن ان عائداً على ذلكم، ويكون ذلك عن الشيطان جاز، وصار نظير: إنما هند زيد يضرب غلامها والمعنى: إذ ذاك، إنما ذلكم الركب، أو أبو سفيان الشيطان يخوفكم أولياءه، أي: أولياء الركب، أو أبي سفيان والضمير المنصوب في تخافوهم الظاهر عوده على أولياءه، هذا إذا كان المراد بقوله: أولياءه كفار قريش، وغيرهم من أولياء الشيطان. وإن كان المراد به المنافقين، فيكون عائداً على الناس من قوله:{إن الناس قد جمعوا لكم} قوى نفوس المسلمين فنهاهم عن خوف أولياء الشيطان، وأمر بخوفه تعالى، وعلق ذلك على الإيمان. أي إنَّ وصف الإيمان يناسب أن لا يخاف المؤمن إلا الله كقوله:{ولا يخشون أحداً إلا الله} وأبرز هذا الشرط في صفة الإمكان. وإن كان واقعاً إذ هم متصفون بالإيمان، كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا. وأثبت أبو عمرو ياء وخافون وهي ضمير المفعول، والأصل الإثبات. ويجوز حذفها للوقف على نون الوقاية بالسكون، فتذهب الدلالة على المحذوف.

ص: 184

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأًّنفُسِهِمْ} وقرأ حموة تحسبنّ بتاء الخطاب، فيكون الذين كفروا مفعولاً أول. ولا يجوز أن يكون: أنما نملي لهم خير، في موضع المفعول الثاني، لأنه ينسبك منه مصدر المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول من حيث المعنى، والمصدر لا يكون الذات، فخرج ذلك على حذف مضاف من الأول أي: ولا تحسبن شأن الذين كفروا. أو من الثاني أي: ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب، أنَّ الإملاء خير لأنفسهم حتى يصح كون الثاني هو الأول. وخرجه الأستاذ أبو الحسن بن الباذش والزمخشري: على أن يكون أنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الذين. قال ابن الباذش: ويكون المفعول الثاني حذف لدلالة الكلام عليه، ويكون التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا خيرية إملائنا لهم كائنة أو واقعة. وقال الزمخشري: (فإن قلت) : كيف صح مجيء البدل ولم يذكر إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على على مفعول واحد؟ (قلت) : صح ذلك من حيث أن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحيّ، ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض مع امتناع سكوتك على متاعك انتهى كلامه. وهو التخريج الذي خرجه ابن الباذش والزمخشري سبقهما إليه الكسائي والفراء، فالأوجه هذه القراءة التكرير والتأكيد. التقدير: ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم. قال الفرّاء ومثله: هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم، أي ما ينظرون إلا أن تأتيهم انتهى. وقد ردّ بعضهم قول الكسائي والفراء فقال: حذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد، فهو غلط منهما انتهى.

ص: 185

وقد أشبعنا الكلام في حذف أحد مفعولي ظن اختصاراً فيما تقدم من قول الزمخشري في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} إن تقديره: ولا تحسبنهم. وذكرنا هناك أن مذهب ابن ملكون أنه لا يجوز ذلك، وأن مذهب الجمهور الجواز لكنه عزيز جداً بحيث لا يوجد في لسان العرب إلا نادراً وأن القرآن ينبغي أن ينزه عنه. وعلى البدل خرج هذه القراءة أبو إسحاق الزجاج، لكن ظاهر كلامه أنها بنصب خير. قال: وقد قرأ بها خلق كثير، وساق عليها مثالاً قول الشاعر:

فما كان قيس هلكه هلك واحد

ولكنه بنيان قوم تهدما

بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل، وعلى هذا يكون: أنما نملي بدل، وخيراً: المفعول الثاني أي إملائنا خيراً. وأنكر أبو بكر بن مجاهد هذه القراءة التي حكاها الزجاج، وزعم أنه لم يقرأ بها أحد. وابن مجاهد في باب القراءات هو المرجوع إليه.

ص: 186

وقال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر قبح أن يحتج بها لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير كأنه قال: ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي لهم خير لأنفسهم انتهى وعلى مقالة الأخفش يكون إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً في موضع المفعول الثاني، وإنما نملي لهم خير مبتدأ وخبر، أي إملاؤنا لهم خير لأنفسهم. وجاز الابتداء بأن المفتوحة، لأن مذهب الأخفش جواز ذلك. ولإشكال هذه القراءة زعم أبو حاتم وغيره أنها لحن وردّوها. وقال أبو علي الفارسي: ينبغي أن تكون الألف من إنما مكسورة في هذه القراءة، وتكون إن وما دخلت عليه في موضع المفعول الثني. وقال مكي في مشكله: ما علمت أحداً قرأ تحسبن بالتاء من فوق، وكسر الألف من إنما. وقرأ باقي السبعة والجمهور يحسبنَّ بالياء، وإعرابُ هذه القراءة ظاهر، لأن الفاعل هو الذين كفروا، وسدّت إنما نملي لهم خير مسد مفعولي يحسبنَّ كما تقول: حسبت أن زيداً قائم. وتحتمل ما في هذه القراءة وفي التي قبلها أن تكون موصولة بمعنى الذي، ومصدرية، أي: أن الذي نملي، وحذف العائد أي: عليه وفيه شرط جواز الحذف من كونه متصلاً معمولاً لفعل تام متعيناً للربط، أو أنَّ إملائنا خير. وجوّز بعضهم أن يسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون فاعل الغيب كفاعل الخطاب، فتكون القراءتان بمعنى واحد.

ص: 187

وقرأ يحيى بن وثاب: ولا يحسبن بالياء، وإنما نملي بالكسر. فإن كان الفعل مسنداً للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون المفعول الأول الذين كفروا، ويكون إنما نملي لهم جملة في موضع المفعول الثاني. وإن كان مسنداً للذين كفروا فيحتاج يحسبن إلى مفعولين. فلو كانت إنما مفتوحة سدت مسد المفعولين، ولكن يحيى قرأ بالكسر، فخرج على ذلك التعليق فكسرت إن، وإن لم تكن اللام في حيزها. والجملة المعلق عنها الفعل في موضع مفعولي يحسبن، وهو بعيد: لحذف اللام نظير تعليق الفعل عن العمل، مع حذف اللام من المبتدأ كقوله:

إني وجدت ملاك الشيمة الأدب

أي لملاك الشيمة الأدب، ولولا اعتقاد حذف اللام لنصب. وحكى الزمخشري أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر إنما الأولى، وفتح الثانية. ووجه ذلك على أن المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان. والجملة من إنما نملي لهم خير لأنفسهم اعتراض بين الفعل ومعموله، ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المدة، وترك المعاجلة بالعقوبة. وظاهر الذين كفروا العموم.

وكتبوا ما متصلة بأن في الموضعين. قيل: وكان القياس الأولى في علم الخط أن تكتب مفصوله، ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا تخالف، ونتبع سنة الإمام في المصاحف. وأما الثانية، فحقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون العمل، ولا يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي. ولا مصدرية، لأن لازم كي لا يصحّ وقوعها خبر للمبتدأ ولا لنواسخه. وقيل: اللام في ليزدادوا للصيرورة. {ولهم عذاب مهين} هذه الواو في: ولهم، للعطف.

ص: 188

{مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} واللام في قوله: ليذر هي المسماة لام الجحود، وهي عند الكوفيين زائدة لتأكيد النفي، وتعمل بنفسها النصب في المضارع. وخبر كان هو الفعل بعدها فتقول: ما كان زيد يقوم، وما كان زيد ليقوم، إذا أكدت النفي. ومذهب البصريين أنَّ خبر كان محذوف، وأن النصب بعد هذه اللام بأن مضمرة واجبة الإضمار، وأنَّ اللام مقوية لطلب ذلك المحذوف لما بعدها، وأنَّ التقدير: ما كان الله مريداً ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، أي: ما كان مريداً لترك المؤمنين. وقد تكلمنا على هذه المسألة في كتابنا المسمى بالتكميل في شرح التسهيل.

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} وقرأ حمزة تحسين بالتاء، فتكون الذين أول مفعولين لتحسبن، وهو على حذف مضاف أي: بخل الذين. وقرأ باقي السبعة بالياء. فإنْ كان الفعل مسنداً إلى الضمير، فيكون المفعول الأول محذوفاً تقديره: بخلهم، وحذف لدلالة يبخلون عليه. وحذفه كما قلنا: عزيز جداً عند الجمهور، فلذلك الأولى تخريج هذه القراءة على قراءة التاء من كون الذين هو المفعول الأول على حذف مضاف، وهو فصل. وقرأ الأعمش بإسقاط هو، وخيراً هو المفعول بتحسبن. قال ابن عطية: ودل قوله: يبخلون على هذا البخل المقدر، كما دل السفيه على السفه في قول الشاعر:

إذا نهى السفيه جرى إليه

وخالف والسفيه إلى خلاف

ص: 189

والمعنى: جرى إلى السفه انتهى. وليست الدلالة فيهما سواء لوجهين: أحدهما أن الدال في اةية هو الفعل، وفي البيت هو اسم الفاعل، ودلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة اسم الفاعل، ولذلك كثر إضمار المصدر لدلالة الفعل عليه في القرآن وكلام العرب، ولم تكثر دلالة اسم الفاعل على المصدر إنما جاء في هذا البيت أو في غيره إنْ وجد. والثاني أن في الآية حذفاً لظاهر، إذ قدروا المحذوف بخلهم، وأما في البيت فهو إضمار، لا حذف. ويظهر لي تخريج غريب في الآية تقتضيه قواعد العربية، وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال، إذا جعلنا الفعل مسنداً للذين، وذلك أن تحسبن تطلب مفعولين، ويبخلون يطلب مفعولاً بحرف جر، فقوله: ما آتاهم يطلبه يحسبن، على أن يكون المفعول الأول، ويكون هو فصلاً، وخيراً المفعول الثاني ويطلبه يبخلون بتوسط حرف الجر، فاعمل الثاني على الأفصح في لسان العرب، وعلى ما جاء في القرآن وهو يبخلون. فعدى بحرف الجر واحد معموله، وحذف معمول تحسين الأول، وبقي معموله الثاني، لأنه لم يتنازع فيه، إنما التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول. وساغ حذفه وحده، كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه: متى رأيت أو فلت: زيد منطلق، لأن رأيت وقلت في هذه المسألة تنازعا زيد منطلق، وفي الآية: لم يتنازعا إلا في المفعول الواحد، وتقدير المعنى: ولا تحسبن ما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم الناس الذين يبخلون به، فعلى هذا التقدير والتخريج يكون هو فصلاً لما آتاهم المحذوف، لا لتقديرهم بخلهم. ونظير هذا التركيب ظن الذي مرّ بهند هي المنطلقة المعنى، ظن هنداً الشخص الذي مرّ بها هي المنطلقة، فالذي تنازعه الفعلان هو الاسم الأول، فاعمل الفعل الثاني وبقي الأول يطلب محذوفاً، ويطلب المفعول الثاني مثبتاً، إذ لم يقع فيه التنازع. ولما تضمن النهي انتفاء كون البخل أو المبخول به خيراً لهم، وكان تحت الانتفاء قسمان: أحدهما أن لا خير ولا شر، والآخر إثبات

ص: 190

الشر، أتى بالجملة التي تعين أحد القسمين وهو: إثبات كونه شراً لهم.

وتضمنت هذه الآيات فنوناً من البلاغة والبديع. الاختصاص في: أجر المؤمنين. والتكرار ف: يستبشرون، وفي: لن يضروا الله شيئاً، وفي: اسمه في عدة مواضع، وفي: لا يحسبن الذين كفروا، وفي ذكر الإملاء. والطباق في: اشتروا الكفر بالإيمان، وفي: ليطلعكم على الغيب. والاستعارة في: يسارعون، وفي: اشتروا، وفي: نملي وفي: ليزدادوا إثماً، وفي: الخبيث والطيب. والتجنيس المماثل في: فآمنوا وإن تؤمنوا. والالتفات في: أنتم إن كان خطاباً للمؤمنين، إذ لو جرى على لفظ المؤمنين لكان على ما هم عليه، وإن كان خطاباً لغيرهم كان من تلوين الخطاب، وفي: تعملون خبير فيمن قرأ بتاء الخطاب. والحذف في مواضع.

{لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأٌّنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِالْبَيِّنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَعُ الْغُرُورِ} .

{قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ}

ص: 191

وإن وما بعدها محكي بقالوا: وأجاز أبو البقاء أن يكون محكياً بالمصدر، فيكون من باب الأعمال. قال: وإعمالُ الأول أصلٌ ضعيف، ويزداد ضعفاً لأن الثاني فعل والأول مصدر، وإعمال الفعل أقوى. والظاهر أنَّ ما فيما قالوا موصولة بمعنى الذي، وأجيز أن تكون مصدرية.

وقرأ الجمهور: سنكتب وقتلهم بالنصب. ونقول: بنون المتكلم المعظم. أو تكون للملائكة. وقرأ الحسن والأعرج سيكتب بالياء على الغيبة. وقرأ حمزة: سيكتب بالياء مبنياً للمفعول، وقتلهم بالرفع عطفاً على ما، إذ هي مرفوعة بسيكتب، ويقول بالياء على الغيبة. وقرأ طلحة بن مصرّف: سنكتب ما يقولون. وحكى الداني عنه: ستكتب ما قالوا بتاء مضمومة على معنى مقالتهم. وقرأ ابن مسعود: ويقال ذوقوا. ونقلوا عن أبي معاذ النحويّ أنّ في حرف ابن مسعود سنكتبُ ما يقولون ونقول لهم ذوقوا.

ص: 192

و {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} والذين قالوا صفة للذين قالوا. وقال الزجاج: الذين صفة للعبيد. قالابن عطية: وهذا مفسد للمعنى والوصف انتهى. وهو كما قال. وجوزوا قطعة للرّفع، والنصب، واتباعه بدلاً. وفي أن لا نؤمن تقدير حرف جر، فحذف وبقي على الخلاف فيه: أهو في موضع نصب أو جر؟ وأن يكون مفعولاً به على تضمين عهد معنى الزم، فكأنه ألزمنا أن لا نؤمن. وقرأ عيسى بن عمر بقرُبان بضم الراء. قال ابن عطية: اتباعاً لضمة القاف، وليس بلغة. لأنه ليس في الكلام فُعُلان بضم الفاء والعين. وحكى سيبويه السلطان بضم اللام، وقال: إن ذلك على الاتباع انتهى. ولم يقل سيبويه: إنَّ ذلك على الاتباع، بل قال: ولا نعلم في الكلام فعلان ولا فعلان، ولا شيئاً من هذا النحو لم يذكره. ولكنه جاء فعلان وهو قليل، قالوا: السلطان وهو اسم انتهى. وقال الشارح: صاحب في اللغة لا يسكن ولا يتبع، وكذا ذكر التصريفيون أنه بناء مستقبل. قالوا فيما لحقه زيادتان بعد اللام وعلى فعلان ولم يجيء إلا اسماً: وهو قليل نحو سلطان.

ص: 193

{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه التقدير: وإن يكذبوك فتسلّ به. ولا يمكن أن يكون فقد كذب رسل الجواب لمضيه، إذ جواب الشرط مستقبل لا محالة لترتبه على المستقبل، وما يوجد في كلام المعربين أنَّ مثل هذا من الماضي هو جواب الشرط، فهو على سبيل التسامح لا الحقيقة. وبنى الفعل للمفعول لأنه لم يقتصر في تكذيب الرسل على تكذيب اليهود وحدهم لأنبيائهم، بل نبه على أنَّ من عادة اليهود وغيرهم من الأمم تكذيب الأنبياء، فكان المعنى: فقد كذبت أمم من اليهود وغيرهم الرسل. قيل: ونكر رسل لكثرتهم وشياعهم. ومن قبلك: متعلق بكذب، والجملة من قوله: جاؤا في موضع الصفة لرسل انتهى. والباء في بالبينات تحتمل الحال والتعدية، أي: حاؤا أممهم مصحوبين بالبينات، أو جاؤا البينات. وقرأ الجمهور: والزبر. وقرأ ابن عامر: وبالزبر، وكذا هي في مصاحف أهل الشأم. وقرأ هشام بخلاف عنه وبالكتاب. وقرأ الجمهور: والكتاب. وإعادة حرف الجر في العطف هو على سبيل التأكيد. وكان ذكر الكتاب مفرداً وإنَّ كان مجموعاً من حيث المعنى لتناسب الفواصل، ولم يلحظ فيه أن يجمع كالمعطوف عليهما لذلك.

وتضمنت هذه الآيات التجنيس المغاير في قوله: الذين قالوا: والمماثل في: قالوا، وسنكتب ما قالوا، وفي: كذبوك فقد كذب. والطباق في: فقير وأغنياء، وفي: الموت والحياة، وفي: زحزح عن النار وأدخل الجنة. والالتفات في: سنكتب ونقول، وفي: أجوركم، إذ تقدمه كل نفس. والتكرار في: لفظ الجلالة، وفي البينات. والاستعارة في: سنكتب على قول من لم يجعل الكتابة حقيقة، وفي: قدّمت أيديكم، وفي: تأكله النار، وفي: ذوقوا وذائقة. والمذهب الكلامي في فلم قتلتموهم. والاختصاص في: أيديكم. والإشارة في: ذلك، والشرط المتجوز فيه. والزيادة للتوكيد في: وبالزبر وبالكتاب في قراءة من قرأ كذلك. والحذف في مواضع.

ص: 194

{لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الاٍّمُورِ * وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأّيَتٍ لاٌّوْلِى الأٌّلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَطِلاً سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَرٍ * رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَنِ أَنْءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَئَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأٌّبْرَارِ * رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى

ص: 195

وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَتِهِمْ وَلائدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ * لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ * مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا نُزُلاٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ للَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

ص: 196

{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} وارتفاع ولا تكتموانه لكونه وقع حالاً، أي: غير كاتمين له وليس داخلاً في المقسم عليه. قالوا وللحال لا العطف، كقوله:{فاستقيما ولا تتبعان} وقوله: ولا يسأل في قراءة من خفف النون ورفع اللام. وقيل: الواو للعطف، وهو من جملة المقسم عليه. ولمّا كان منفياً بلا لم يؤكد، تقول: والله لا يقوم زيد، فلا تدخله النون. وهذا الوجه عندي أعرب وأفصح، لأن الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ، قبل لا، حتى تكون الجملة اسمية في موضع الحال، إذ المضارع المنفي بلالاً تدخل عليه واو الحال. وقرأ عبد الله: ليبينونه بغير نون التوكيد. قال ابن عطية: وقد لا تلزم هذه النون لام التوكيد، قاله: سيبويه انتهى. وهذا ليس معروفاً من قول البصريين، بل تعاقب اللام والنون عندهم ضرورة. والكوفيون يجيزون ذلك في سعة الكلام، فيجزون: والله لا قوم، ووالله أقومن. وقال الشاعر:

وعيشك يا سلمى لا وقن إنني

لما شئت مستحل ولو أنه القتل

وقال آخر:

يميناً لأبغض كل امرىء

يزخرف قولاً ولا يفعل

{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا يحسبن ولا يحسبنهم بالياء فيهما، ورفع باء يحسبنهم على إسناد يحسبن للذين، وخرجت هذه القراءة على وجهين: أحدهما ما قاله أبو عليّ: وهو أن لا يحسبن لم يقع على شيء، والذين رفع به. وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قوله:

وما خلت أبقي بيننا من مودّة

عراض المداكي المشنقات القلائصا

وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد. قال ابن عطية: فتتجه القراءة بكون فلا يحسبنهم بدلاً من الأول، وقد تعدّى إلى المفعولين وهما: الضمير وبمفازة، واستغنى بذلك عن المفعولين، كما استغنى في قوله:

ص: 197

بأي كتاب أم بأية سنة

ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب

أي: وتحسب حبهم عاراً عليّ. والوجه الثاني ما قاله الزمخشري: وهو أن يكون المفعول الأول محذوفاً على لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة، بمعنى: لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين. وفلا يحسبنهم تأكيد، وتقدّم لنا الرد على الزمخشري في تقديره لا يحسبنهم الذين في قوله:{ولا يحسبن الذين كفروا إنما} وإن هذا التقدير لا يصح فيطلع هناك. وتعدى في هذه القراءة فعل الحسبان إلى ضميريه المتصلين: المرفوع والمنصوب، وهو مما يختص به ظننت وأخواتها، ومن غيرها: وجدت، وفقدت، وعدمت، وذلك مقرّر في علم النحو.

وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: لا تحسبن، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب، وفتح الباء فيهما خطاباً للرسول، وخرجت هذه القراءة على وجهين: أحدهما ذكره ابن عطية، وهو أن المفعول الأول هو: الذين يفرحون. والثاني محذوف لدلالة ما بعده عليه كما قيل آنفاً في المفعولين. وحسن تكرار الفعل فلا يحسبنهم لطول الكلام، وهي عادة العرب، وذلك تقريب لذهن المخاطب. والوجه الثاني ذكره الزمخشري، قال: وأحد المفعولين الذين يفرحون، والثاني بمفازة. وقوله: فلا يحسبنهم توكيد تقديره لا يحسبنهم، فلا يحسبنهم فائزين. وقرىء لا تحسبن فلا تحسبنهم بتاء الخطاب وضم الباء فيهما خطاباً للمؤمنين. ويجيء الخلاف في المفعول الثاني كالخلاف فيه في قراءة الكوفيين. وقرأ نافع وابن عامر: لا يحسبن بياء الغيبة، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب، وفتح الباء فيهما، وخرجت هذه القراءة على حذف مفعولي يحسبن لدلالة ما بعدهما عليهما. ولا يجوز في هذه القراءة البدل الذي جوّز في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين لاختلاف الفاعل. وإذا كان فلا يحسبنهم توكيداً أو بدلاً، فدخول الفاء إنما يتوجه على أن تكون زائدة، إذ لا يصح أن تكون للعطف، ولا أن تكون فاء جواب الجزاء. وأنشدوا على زيادة الفاء قول الشاعر:

ص: 198

حتى تركت العائدات يعدنه

يقلن فلا تبعد وقلت له: ابعد

وقال آخر:

لما اتقى بيد عظيم جرمها

فتركت ضاحي: كفه يتذبذب

أي: لا تبعد، وأي تركت. وقرأ النخعي ومروان بن الحكم بما آتوا بمعنى: أعطوا.

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَماً وَقُعُوداً} وجوزوا في الذين النعت والقطع للرفع والنصب، وعلى جنوبهم حال معطوفة على حال، وهنا عطف المجرور على صريح الاسم. وفي قوله: دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً عطف صريح الاسم على المجرور.

{ويتفكرون في خلق السموات والأرض} الظاهر أنه معطوف على الصلة، فلا موضع له من الإعراب. وقيل: الجملة في موضع نصب على الحال، عطفت على الحال قبلها.

{رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَطِلاً سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} هذه الجملة محكية بقول محذوف تقديره: يقولون. وهذا الفعل في موضع نصب على الحال.

انتصاب باطلاً على أنه نعت لمصدر محذوف. وقيل: انتصب باطلاً على الحال من المفعول. وقيل: انتصب على إسقاط الباء، أي بباطل، بل خلقته بقدرتك التي هي حق. وقيل: على إسقاط اللام وهو مفعول من أجله، وفاعل بمعنى المصدر أي بطولاً. وقيل: على أنه مفعول ثان لخلق، وهي بمعنى جعل التي تتعدى إلى اثنين، وهذا عكس المنقول في النحو وهو: أنَّ جعل يكون بمعنى خلق، فيتعدى لواحد. أما أنّ خلق يكون بمعنى جعل فيتعدى لاثنين، فلا أعلم أحداً ممن له معرفة ذهب إلى ذلك. والباطل: الزائل الذاهب ومنه:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

والأحسن من أعرايبه انتصابه على الحال من هذا، وهي حال لا يستغنى عنها نحو قوله:{وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} لا يجوز في هذه الحال أن تحذف لئلا يكون المعنى على النفي، وهو لا يجوز.

ص: 199

{رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} ومن مفعوله لفعل الشرط. وحكى بعض المعربين ما نصه، وأجاز قوم أن يكون من منصوباً بفعل دل عليه جواب الشرط وهو: فقد أخزيته. وأجاز آخرون أن يكون من مبتدأ، والشرط وجوابه الخير انتهى. أما القول الأول فصادر عن جاهل بعلم النحو، وأما الثاني فإعراب من مبتدأ في غاية الضعف. وأما إدخاله جواب الشرط في الخبر مع فعل الشرط فجهالة. ومن أعظم وزراً ممن تكلم في كتاب الله بغير علم.

ص: 200

{رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَنِ أَنْءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَئَامَنَّا} سمع إن دخل على مسموع تعدي لواحد نحو: سمعت كلام زيد، كغيره من أفعال الحواس. وإن دخل على ذات وجاء بعده فعل أو اسم في معناه نحو: سمعت زيداً يتكلم، وسمعت زيداً يقول كذا، ففي هذه المسألة خلاف. منهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرة كان صفة لها، أو معرفة كان حالاً منها. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني لسمع، وجعل سمع مما يعدي إلى واحد إن دخل على مسموع، وإلى اثنين إن دخل على ذات، وهذا مذهب أبي علي الفارسي. والصحيح القول الأول، وهذا مقرر في علم النحو. فعلى هذا يكون ينادي في موضع الصفة لأن قبله نكره، وعلى مذهب أبي علي يكون في موضع المفعول الثاني. وذهب الزمخشري إلى القول الأول قال: تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، لتوقع الفعل على الرّجل، وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالاً عنه، فأغناك عن ذكره. ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدٌّ. وإن يقال: سمعت كلام فلان، أو قوله انتهى كلامه. وقوله: ولولا الوصف أو الحال إلى آخره ليس كذلك، بل لا يكون وصف ولا حال، ويدخل سمع على ذات، لا على مسموع. وذلك إذا كان في الكلام ما يشعر بالمسموع وإن لم يكن وصفاً ولا حالاً، ومنه قوله تعالى:{هل يسمعونكم إذ تدعون} أغني ذكر ظرف الدعاء عن ذكر المسموع.

ص: 201

واللام متعلقة بينادي، ويعدي نادي، ودعا، وندب باللام وبالي، كما يعدي بهما هدي لوقوع معنى الاختصاص، وانتهاء الغاية جميعاً. ولهذا قال بعضهم: إن اللام بمعنى إلى. لما كان ينادي في معنى يدعو، حسن وصولها باللام بمعنى: إلى. وقيل: اللام لام العلة، أي لأجل الإيمان. وقيل: اللام بمعنى الباء، أي بالإيمان. والسماع محمول على حقيقته، أي سمعنا صوت مناد. قيل: ومن جعل المنادي هو القرآن، فالسماع عنده مجاز عن القبول، وأن مفسرة التقدير: أنْ آمنوا. وجوز أن تكون مصدرية وصلت بفعل الأمر، أي: بأن آمنوا. فعلى الأول لا موضع لها من الإعراب، وعلى الثاني لها موضع وهو الر، أو النصب على الخلاف. وعطف فآمنا بالفاء مؤذن بتعجيل القبول، وتسبيب الإيمان عن السماع من غير تراخ، والمعنى: فآمنا بك أو بربنا.

{رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ} ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف أي: ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك، لأنَّ الرسل يحملون ذلك، فإنما عليه ما حمل انتهى. وهذا الوجه الذي ذكر آخراً أنه يجوز لبس بجائز، لأن من قواعد النحويين أن الجارّ والمجرور والظرف متى كان العامل فيهما مقيداً فلا بد من ذكر ذلك العامل، ولا يجوز حذفه، ولا يحذف العامل إلا إذا كان كوناً مطلقاً. مثال ذلك: زيد ضاحك في الدار، لا يجوز حذف ضاحك ألبتة. وإذا قلت: زيد في الدار فالعامل كون مطلق يحذف. وكذلك زيد ناج من بني تميم، لا يجوز حذف ناج. ولو قلت: زيد من بني تميم جاز على تقدير كائن من بني تميم، والمحذوف فيما جوزه الزمخشري وهو قوله: منزلاً أو محمولاً، لا يجوز حذفه على ما تقرر في علم النحو. وإذا كان العامل في الظرف أو المجرور مقيداً صار ذلك الظرف أو المجرور ناقصاً، فلا يجوز أن يقع صلة، ولا خبر إلا في الحال. ولا في الأصل، ولا صفة، ولا حالاً.

ص: 202

{وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ} يوم القيامة: معمول لقوله ولا تخزنا، ويصلح أن يكون معمولها لتخزنا وآتنا ووعدتنا ويكون من باب الإعمال.

{أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} ومنكم في موضع الصفة، أي: كائن منكم. وقوله: من ذكر أو أنثى، قيل: من تبيين لجنس العامل، فيكون التقدير الذي هو ذكر أو أنثى. ومن قيل: زائدة لتقدم النفي في الكلام. وقيل: مِنْ في موضع الحال من الضمير الذي في العامل في منكم أي: عامل كائن منكم كائناً من ذكر أو أنثى. وقال أبو البقاء: من ذكر أو أنثى بدل من منكم، بدل الشيء من الشيء، وهما لعينٍ واحدة انتهى. فيكون قد أعاد العامل وهو حرف الجر، ويكون بدلاً تفصيلياً من مخاطب. ويعكر على أن يكون بدلاً تفصيلياً عطفه بأو، والبدل التفصيلي لا يكون إلا بالواو كقوله:

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة

ورجل رمى فيها الزمان فشلت

ويعكر على كونه من مخاطب أنَّ مذهب الجمهور: أنه لا يجوز أن يبدل من ضمير المتكلم وضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، وأجاز ذلك الأخفش. هكذا أطلق بعض أصحابنا الخلاف وقيده بعضهم بما كان البدل فيه لإحاطة، فإنه يجوز إذ ذاك. وهذا التقييد صحيح، ومنه «تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا» فقوله لأوّلنا وآخرنا بدل من ضمير المتكلم في قوله: لنا وقول الشاعر:

فما برحت أقدامنا في مقامة

ثلاثتنا حتى أرينا المنائيا

فثلاثتنا بدل من ضمير المتكلم. وأجاز ذلك لأنه بدل في معنى التوكيد، ويشهد لمذهب الأخفش قول الشاعر:

بكم قريش كفينا كل معضلة

وأم نهج الهدى من كان ضليلا

وقول الآخر:

وشوهاء تغدو بي إلى صارخ الوغى

بمستلئم مثل الفنيق المرجل

فقريش بدل من ضمير المخاطب. وبمستلئم بدل من ضمير المتكلم. وقد تجيء أو في معنى الواو إذا عطفت ما لا بد منه كقوله:

قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم

من بين ملجم مهره أو سافع

ص: 203

يريد: وسافع. فكذلك يجوز ذلك هنا في أو، أن تكون بمعنى الواو، لأنه لما ذكر عمل عامل دل على العموم، ثم أبدل منه على سبيل التأكيد، وعطف على حد الجزئين ما لا بد منه، لأنه لا يؤكد العموم إلا بعموم مثله، فلم يكن بدّ من العطف حتى يفيد المجموع من المتعاطفين تأكيد العموم، فصار نظير من بين ملجم مهره أو سافع. لأنّ بين لا تدخل على شيء واحد، فلا بد من عطف مصاحب مجرورها.

{وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ} وقرأ حمزة والكسائي وقتلوا وقاتلوا بالبناء للمفعول ثم بالمبني للفاعل، فتتخرج هذه القراءة على أن الواو لا تدل على الترتيب، فيكون الثاني وقع أولاً ويجوز أن يكون ذلك على التوزيع فالمعنى: قتل بعضهم وقاتل باقيهم. وقرأ عمر بن عبد العزيز: وقتلوا وقتلوا بغير ألف، وبدأ ببناء الأول للفاعل، وبناء الثاني للمفعول، وهي قراءة حسنة في المعنى، مستوفية للحالين على الترتيب المتعارف. وقرأ محارب بن دثار: وقتلوا بفتح القاف وقاتلوا. وقرأ طلحة بن مصرف: وقتلوا وقاتلوا بضم قاف الأولى، وتشديد التاء، وهي في التخريج كالقراءة الأولى.

{لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَتِهِمْ وَلائدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ} لأكفرن: جواب قسم مذوف، والقسم وما تلقى به خبر عن قوله:{فالذين هاجروا} وفي هذه الآية ونظيرها من قوله: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم} والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقول الشاعر:

جشأت فقلت اللذ خشيت ليأتين

وإذا أتاك فلات حين مناص

رد على أحمد بن يحيى ثعلب إذ زعم أن الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ لا تكون قسمية.

ص: 204

{ثَوَاباً مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} انتصب ثواباً على المصدر المؤكد، وإن كان الثواب هو المثاب به، كما كان العطاء هو المعطى. واستعمل في بعض المواضع بمعنى المصدر الذي هو الإعطاء، فوضع ثواباً موضع إثابة، أو موضع تثويباً، لأنَّ ما قبله في معنى لأثيبنهم. ونظيره صنع الله ووعد الله. وجوّز أن يكون حالاً من جنات أي: مثاباً بها، أو من ضمير المفعول في:{ولأدخلنهم} أي مثابين. وأن يكون بدلاً من جنات على تضمين، ولأدخلنهم معنى: ولأعطينهم. وأن يكون مفعولاً بفعل محذوف يدل عليه المعنى أي: يعطيهم ثواباً. وقيل: انتصب على التمييز. وقال الكسائي: هو منصوب على القطع، ولا يتوجه لي معنى هذين القولين هنا.

وأعربوا عنده حسن الثواب مبتدأ، وخبراً في موضع خبر المبتدأ الأول. والأحسن أن يرتفع حسن على الفاعلية، إذ قد اعتمد الظرف بوقوعه خبراً فالتقدير: والله مستقر، أو استقرّ عنده حسن الثواب.

وانتصاب نزلاً قالوا: إما على الحال من جنات لتخصصها بالوصف، والعامل فيها العامل في لهم. وإما بإضمار فعل أي: جعلها نزلاً. وإمّا على المصدر المؤكد فقدره ابن عطية: تكرمة، وقدره الزمخشري: رزقاً أو عطاء. وقال افرّاء: انتصب على التفسير كما تقول: هو لك هبة وصدقة انتهى. وهذا القول راجع إلى الحال.

{وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} وللأبرار متعلق بخير، والأبرار هم المتقون الذين أخبر عنهم بأن لهم جنات. وقيل: فيه تقديم وتأخير. أي الذي عند الله للأبرار خير لهم، وهذا ذهول عن قاعدة العربية من أن المجرور إذ ذاك يتعلق بما تعلق به الظرف الواقع صلة للموصول، فيكون المجرور داخلاً في حيز الصلة، ولا يخبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها.

ص: 205

{خَشِعِينَ للَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} كما اشترت بها أحبارهم الذين لم يؤمنوا. وانتصاب خاشعين على الحال من الضمير في يؤمن، وكذلك لا يشترون هو في موضع نصب على الحال. وقيل: حال من الضمير في إليهم، والعامل فيها أنزل. وقيل: حال من الضمير في لا يشترون، وهما قولان ضعيفان. ومن جعل من نكرة موصوفة، يجوز أن يكون خاشعين ولا يشترون صفتين للنكرة. وجمع خاشعين على معنى من كما جمع في وما أنزل إليهم. وحمل أولاً على اللفظ في قوله: يؤمن، فأفرد وإذا اجتمع الحملان، فالأولى أن يبدأ بالحمل على اللفظ.

ص: 206

وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع الاستعارة. عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله، وبسماع المناد إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازته على يسير أعمالهم، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه، وبالنزل عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته. قيل: ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء، كما استعير «ولم أدر ما حسابيه» لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى:{فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} والطباق في: البيينة للناس ولا تكتمونه، وفي السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، فالسماء جهة العلو والأرض جهة السفل، والليل عبارة عن الظلمة والنهار عبارة عن النور، وفي: قياماً وقعوداً ومن: ذكر أو أنثى. والتكرار: في لا تحسبن فلا تحسبنهم، وفي: ربنا في خمسة مواضع، وفي: فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا إن كان المعنى واحد وفي: ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وف: ثواباً وحسن لثواب. والاختصاص في: لأولي الألباب، وفي: وما للظالمين من أنصار، وفي: توفنا مع الأبرار، وفي: ولا تحزنا يوم القيامة، وفي: وما عند الله خير للأبرار. والتجنيس المماثل في: أن آمنوا فآمنا، وفي: عمل عامل منكم. والمغاير في: مناداً ينادي. والإشارة في: ما خلقت هذا باطلاً، والحذف في مواضع.

ص: 207