المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(تعريف الحديث الصحيح) - شرح اختصار علوم الحديث - عبد الكريم الخضير - جـ ١

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌(تعريف الحديث الصحيح)

والضعيف كما هو معروف أدرج في السنن تغليباً، ومن باب تتميم القسمة؛ ولأنه ليس بمقطوعٍ بكذبه، وإن كان الغالب على الظن عدم ثبوته، يقول الحافظ ابن كثير:"هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فليس إلا صحيح أو ضعيف" لأن الكلام إما صدق وإما كذب، ولا واسط عند أهل السنة، وإن كان المعتزلة يوجد عندهم قسم ثالث ليس بصدقٍ ولا كذب، لكن استدراك الحافظ بن كثير رحمه الله يقول:"هذا التقسيم إذا كان إلى ما في نفس الأمر فليس إلا صحيح أو ضعيف، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك" يقول الحديث عندهم: حديث صحيح وضعيف وحسن ومرسل ومدلس ومعنعن ومعلق .. الخ، أنواع كثيرة هو أشار إليها، يقول:"كما قد ذكره آنفاً هو وغيره" لماذا لم يقل: ينقسم الحديث إلى خمسة وستين بل قال هذه الثلاثة؟ يجاب عن هذا الإشكال بأن المراد الثاني، المراد تقسيمه على اصطلاح المحدثين، والكل راجع إلى الثلاثة، فالمرسل يدخل في الضعيف، المدلس كذلك

الخ، فالضعيف أقسامه كثيرة تندرج تحت هذا الاسم، المرفوع مثلاً منه ما يدخل في الصحيح، ومنه ما يدخل في الحسن، ومنه ما يدخل في الضعيف، الموقوف منه ما يدخل في الصحيح والحسن والضعيف

الخ، فالمقصود أن المراد الثاني، وهو المنظور إليه اصطلاح المحدثين، والكل -كل هذه الأنواع- تندرج في الأقسام الثلاثة.

(تعريف الحديث الصحيح)

قال: أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً.

الصحيح والضعيف أيضاً صيغة مبالغة من الصحة ضد السقم، والصحة والسقم في المحسوسات يقولون: حقيقة، وفي المعاني مجاز عند من يقول بالمجاز، وإلا فهي حقيقة عرفية، من يقول بالمجاز لا إشكال عنده، لكن الذي لا يقول بالمجاز يكون هذا من باب الحقائق العرفية.

ص: 10

الصحيح عرفه رحمه الله بقوله -تبعاً لابن الصلاح-: "الحديث المسند الذي يتصل بإسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً" فقوله: "المسند" يأتي في تعريف المسند أقوال أهل العلم في المراد بالمسند، فالمسند هو المرفوع عند بعضهم، وعند بعضهم المسند هو المتصل، وعند آخرين هو المرفوع المتصل، من يجمع الأمرين معاً، فإذا قلنا: أن المراد بالمسند –المسند المرفوع- فيكون هذا التعريف خاص بما رفع عن النبي عليه الصلاة والسلام وعلى هذا فما يضاف عن الصحابة والتابعين لا يسمى صحيح، وإذا قلنا: بالقول الثاني وهو أن المسند المتصل، متصل الإسناد فيشترط لصحة الخبر مرفوعاً كان أو موقوفاً أو مقطوعاً اتصال الإسناد، لكن لا حاجة لهذه الكلمة؛ لأنه يقول:"الذي يتصل إسناده" وعلى كل حال، على كل تقدير لا حاجة لهذه الكلمة فحذفها أولى، فيكون: الحديث الذي يتصل إسناده واتصال الإسناد في أن يكون كل راوٍ من رواته قد تحمل الحديث عمّن فوقه بطريق ٍمعتبر من طرق التحمل، وأدّاه إلى من بعده بطريقٍ أيضاً معتبر من طرق التحمل التي يأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-.

"يتصل إسناده بنقل العدل" لا بد أن يكون إسناده متصلاً بنقل العدول، الرواة العدول، والعدل عرفه أهل العلم بأنه من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، الضابط الحازم الحافظ الذي يحفظ ويتقن ما يسمعه من حين السماع إلى الأداء، "بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه" في جميع طبقات السند، ولا بد من اشتراط العدالة والضبط، ومن مجموع العدالة والضبط يساوي الثقة؛ لأن الثقة هو العدل الضابط، ولهذا لو قال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل الثقة عن مثله لكفى، لكنه تبع في ذلك ابن الصلاح، يقول الحافظ العراقي رحمه الله:

أجمع جمهور أئمة الأثر

والفقه في قبول ناقل الخبر

بأن يكون ضابطاً معدلاً

الخ كلامه رحمه الله الذي سيأتي في بابه في معرفة من تقبل روايته ومن ترد، "ولا يكون شاذاً" الشذوذ أيضاً مختلف فيه عند أهل العلم، لكن الذي استقر عليه اصطلاح المتأخرين هو ما يراه الإمام الشافعي رحمه الله من أنه تفرد الثقة مع المخالفة.

ص: 11

وذو الشذوذ ما يخالف الثقة

فيه الملا والشافعي حققه

ومنهم من يرى أن مجرد التفرد شذوذ، مجرد التفرد شذوذ، وسيأتي تقريره وتحقيقه -إن شاء الله تعالى- في بابه.

"ولا معللاً" يعني مشتمل على علة، والعلة: سبب خفي يقدح في صحة الخبر الذي ظاهره السلامة من هذه العلة، ويأتي -إن شاء الله- بحث المعلّ، هم يقولون: المعلل والمعلول، لكنها لغات مردودة ضعيفة، فالأصل أن يقال: المعل على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، فعلى هذا يكون الحديث الصحيح ما اشتمل على شروطٍ كم؟ خمسة، أن يتصل إسناده بنقل العدل الضابط مع انتفاء الشذوذ والعلة، فلذا يقول الحافظ العراقي رحمه الله في تعريفه:

فالأول المتصل الإسنادِ

بنقل عدلٍ ضابط الفؤادِ

عن مثله من غير ما شذوذِ

وعلةٍ قادحةٍ فتوذِ

الذي يتصل إسناده، قيد، يخرج به ما انقطع إسناده، سواء كان الانقطاع ظاهراً أو خفياً، فالانقطاع الظاهر يشمل المعلق والمرسل والمعضل والمنقطع أيضاً، على ما سيأتي والانقطاع الخفي يشمل المرسل الخفي والمدلس.

"بنقل العدل" يخرج ما رواه غير العدل، ومن ارتكب معصية تخل بعدالته وتخرجه عن ملازمة التقوى، بأن يرتكب كبيرة أو يترك واجب، فمثل هذا فاسق، وقد أمرنا بالتثبت في الخبر، فلا نقل خبره حتى نتثبت فيه، والتثبت أن يأتينا من طرق أخرى، فالعدالة تتطلب التقوى والمروءة، مما يخل بالعدالة الفسق، ومن باب أولى الكفر، والفسق منه الفسق العملي، ارتكاب المحرمات، ومنه الفسق الاعتقادي على ما سيأتي بحثه في رواية المبتدع.

ومن أهم ما ينظر إليه في هذا الباب الكذب؛ لأن الأخبار مدارها على الصدق، ولذا يفردونه، وإن كان كاذب يدخل في الفاسق، والتهمة بالكذب والفرق بينهما أن من يطلق عليه وصف كذب يراد به أن يكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يتهم بالكذب لا يكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرف عنه الكذب في حديثه مع الناس، يقول: ثم أخذ يبين فوائده وما احترز بها عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في راويه نوع جرح، يعني بأحد الطعون الخمسة، التهمة بالكذب، الفسق، البدعة، الجهالة، على ما سيأتي تفصليه -إن شاء الله تعالى-.

ص: 12

ثم أخذ يبين فوائد قيوده، وما احترز بها عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في راويه نوع جرح، قال: فهذا هو الحديث الذي يُحكم له بالصحة بلا خلافٍ بين أهل الحديث، وقد يختلفون في بعض الأحاديث، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، أو في اشتراط بعضها، كما في المرسل.

هذا الحديث الذي يشتمل على الشروط الخمسة هو الحديث الذي يحكم بالصحة بلا خلافٍ بين أهل الحديث، إذا اشتمل الحديث على هذه الشروط الخمسة فهو صحيح اتفاقاً، الذي ينازع في اشتراط انتفاء الشذوذ يخرج عن هذا الإجماع الذي ذكره الحافظ، من العلماء من نازع في اشتراط انتفاء الشذوذ، يقول: لا يلزم اشتراط انتفاء الشذوذ، بل قد يوجد من الشاذ ما هو صحيح؛ لأن راويه ثقة، وغاية ما في الباب أن يكون هناك صحيح وأصح، إذا وجد راجح ومرجوح صحيح وأصح، ووجد من ينازع في اشتراط انتفاء الشذوذ، والحافظ رحمه الله يقول:"هذا والحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلافٍ بين أهل الحديث" من نازع باشتراط بعض هذه الشروط يخرج عن هذا الإجماع الذي ذكره ابن كثير؟ لا، لا يخرج، لماذا؟ لأنه لم يذكر الإجماع في الأقل، وإنما ذكر الإجماع في الأعلى، الذي توافرت فيه هذه الشروط، لو لم يشترط انتفاء الشذوذ، ثم قال: بلا خلاف؟ قلنا: لا، يوجد من يخالف، لا بد من اشتراط انتفاء الشذوذ، لكن الذي لا يشترط انتفاء الشذوذ، وانتفى الشذوذ لا يوافق على أنه حديث صحيح؟ بلى يوافق، فمن باب أولى، وقد يختلفون في بعض الأحاديث، يقول: ما دام هذه الشروط الخمسة عند أهل العلم مضبوطة ومتقنة، محررة وتطبيقها سهل، كيف يختلفون في حديث واحد منهم من يقول: صحيح، ومنهم من يقول: ضعيف؟ أجاب عن ذلك لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، يختلفون في راوي من الرواة، منهم من يقول: ثقة، ومنهم من يقول: هو دون الثقة، ضعيف مثلاً، أو صدوق، فلا يستحق الوصف بالصحة، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، ومنهم من يقول: هذا الراوي لقي الراوي الثاني وأخذ عنه، ومنهم من يقول: لم يلقه، لم يثبت عنه أنه لقيه، وهكذا.

ص: 13

"أو في اشتراط بعضها" بعضهم ينازع في اشتراط انتفاء الشذوذ على ما تقدم فيسمي ما اشتمل على الشذوذ صحيح، وغيره يسميه ضعيف؛ لأنه نازع اشتراط بعض الشروط، منهم من لا يشترط الاتصال مثلاً في الإسناد فيقبل المرسل، وهذا قول جمع من أهل العلم، قبول المراسيل، فعلى هذا إن صحت المراسيل فينازع، يأتيه من يقول: الخبر ضعيف؛ لأنه مرسل.

احتج مالك وكذا النعمانُ

به وتابعوهما به ودانوا

ورده جماهر النقادِ

في الجهل في الساقط في الإسنادِ

على ما سيأتي في باب المرسل -إن شاء الله تعالى-.

المقصود أن هذه الشروط يشترطها جمع من أهل العلم، جمع غفير، وإن نازع بعضهم في اشتراط بعضها في صحة الخبر، فإذا توافرت هذه الشروط التي هي الحد الأعلى فالخبر صحيح اتفاقاً، الخبر صحيح اتفاقاً، إذا انتفى الشذوذ الذي ينازع اشتراط انتفاء الشذوذ، ألا يصححه؟ يصحح، من العلل ما هو قادح، ومنها ما هو ليس بقادح، كما هو معروف، ويأتي هذا في باب المعل -إن شاء الله تعالى-.

قلت: فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه، من صحابيٍ أو من دونه، ولا يكون شاذاً، ولا مردوداً، ولا معللاً بعلة قادحة، وقد يكون مشهوراً أو غريباً.

ص: 14

حد الصحيح الذي تقدم أجمله هنا وحذف كلمة المسند لعدم الحاجة إليها، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني إن كان الخبر مرفوعاً، أو إلى الصحابي إن كان موقوفاً، أو من دونه إن كان مقطوعاً، ولا يكون شاذاً ولا مردوداً بأي سبب موجب للرد، ولا معللاً بعلةٍ قادحة؛ لأن من العلل ما ليس بقادح، يعني الاختلاف في الراوي مثلاً، إذا وجد راوي مهمل ولم نستطع تمييزه من بين من يشاركه في الاسم، أو وجد اختلاف هل هذا الحديث عن سفيان الثوري أو ابن عيينة، اختلفوا فيه على راويين، وهما ثقتان، هذه علة نعم، تدل على أن هذا الراوي ما ضبط من حدثه، لكن هي علة ليست بقادحة؛ لأنه أينما ذهب فهو على ثقة، ولذا لم يشترطوا مثل هذا، وقد يكون مشهوراً، مستفيضاً، يروى من طرق متعددة، قد يكون عزيزاً بأن يروى من طريقين، وقد يكون غريباً، قد يكون الحديث صحيحاً غريباً؛ إذا لم يأتِ إلا من طريق واحد، أو تفرد به راوٍ واحد، وليس تعدد الطرق شرط، ليس بشرط لقبول الخبر ولا لصحته، وليس بشرط للبخاري كما زعمه بعضهم.

ليس شرطاً للصحيح فاعلمِ

وقيل شرط وهو قول الحاكمِ

الحاكم كلامه يومي إلى اشتراط التعدد في ناقل الأخبار، لكن كلامه مردود، تبعه على هذا جمع من أهل العلم، يعني لا بد أن يكون الخبر مروياً من طريقين فأكثر، في كلام البيهقي ما يفيده، قول أبي الحسين البصري من المعتزلة: ليس بغريب، وقول الكرماني الشارح يزعم أنه شرط البخاري في صحيحه، لكن ليس هذا بصحيح، أول حديث في الصحيح، وآخر حديث في الصحيح يرد هذا الكلام، فإن أول حديث، حديث (الأعمال بالنيات) غريب غرابة مطلقة، ومثله آخر حديث في الصحيح:((كلمتان خفيفتان على اللسان)) .. الخ، غريب أيضاً غرابة مطلقة، فهذان الحديثان وغيرهما من غرائب الصحيح ترد هذه المقالة.

ص: 15

وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله، ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها، فعن أحمد وإسحق: أصحها: الزهري عن سالم عن أبيه، وقال علي بن المديني والفلاس: أصحها محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي، وعن يحيى بن معين: أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، وعن البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر، وزاد بعضهم: الشافعي عن مالك إذ هو أجلّ من روى عنه.

هو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله، قد يشترك أحاديث في الصحة، وبعضها أصحّ من بعض، وكلها حجج يجب العمل بها، لكن يستفاد من هذا التفاوت عند المعارضة فيقدم الأصح على الصحيح، ولذا ذكر أهل العلم أصح الأسانيد، وإن كان الأولى أن لا يحكم على سندٍ ما بأنه أصح مطلقاً؛ لأنه قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً، والحافظ العراقي رحمه الله.

والمعتمد إمساكنا عن حكمنا على سندْ

بأنه أصح مطلقاً وقدْ

خاض به قوم فقيل مالكُ

عن نافع بما رواه الناسكُ

الخ، ولا شك أن مثل هذا وإن قال به كبار الأئمة، الإمام البخاري له قول، الإمام أحمد له قول، النسائي، الفلاس، يحيى بن معين وغيره لهم أقوال في هذه المسألة؛ لكن لا شك أن هذا قول منتقد، لذا إذا أردنا أن نأتي إلى ما اختاره الإمام البخاري مثلاً: مالك عن نافع عن ابن عمر، مالك نجم السنن؛ لكن هل كل ما رواه الإمام مالك أرجح مما رواه غيره في كل حديث حديث؟ ألم تضبط للإمام مالك بعض الأخطاء؟ في باب الشاذ ومالك سمى ابن عثمان عمر، لم يوافق على ذلك، مالك عن نافع، نافع ضابط متقن لكن الأكثر على أن سالماً ابن عبد الله بن عمر أجلّ من نافع، ابن عمر، هل هو أضبط من أبيه؟ أو أوثق من أبيه؟ فمن هنا أوتي ودخل على هذه الأقوال.

ص: 16

وعلى كل حال يستفاد من معرفة أصحّ الأسانيد وحفظها أن نحكم بالصحة مباشرة لما روي بواسطتها، ونرجحها، كي نرجحها أيضاً إما باعتبار من قيل فيهم ذلك كالرواة، أو باعتبار القائلين عند الحاجة إلى ذلك، وإلا فليست مضطردة، فقد يعرض للمفوق ما يجعله فائق كما هو معروف، ولذا المعتمد الإمساك على الحكم على سندٍ ما بأنه أصح، أو على حديثٍ ما بأنه الأصح مطلقاً، أو على كتابٍ ما بأنه أصح الكتب، وإن كان العلماء قرروا أن صحيح البخاري أصح الكتب، وهذا قول جماهير أهل العلم على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، وهو المعتمد عندهم، لكن هل يعني هذا أن كل حديث في البخاري أصحّ من كل ما في صحيح مسلم؟ لا؛ لأن التفضيل هذا إجمالي.

(أول من جمع صحاح الحديث)

فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فهما أصح كتب الحديث، والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة، ومن هاهنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافاً لأبي علي النيسابوري شيخِ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب.

ثم إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صحَّحا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها.

يقول رحمه الله: "فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح" يعني الصحيح المجرد، وإلا فموطأ مالك مشتمل على أحاديث صحيحة كثيرة، وهو قبل البخاري، فأول من اعتنى بجمع الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ثم تلاه تلميذه وخريجه مسلم بن الحجاج، وهذان الكتابان أصح الكتب، والبخاري أرجح وأصح.

أول من صنف في الصحيحِ

محمدٌ وخص بالترجيحِ

ومسلم بعدُ -يعني بعد البخاري-.

ومسلم بعد وبعض الغرب معْ

أبي علي فضلوا ذا لو نفعْ

ص: 17

جمهور العلماء على أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم وأرجح منه، أبو علي النيسابوري، وبعض المغاربة فضلوا صحيح مسلم على صحيح البخاري، حجة الجمهور في ترجيح البخاري أن الأصحية ترجع إلى اتصال الأسانيد وثقة الرواة، والبخاري لا شك أنه أكثر اتصالاً؛ لأنه يشترط اللقاء على ما استفاض عنه ونقله أهل العلم وقرروه وحرروه، وإن نوزع في ذلك أخيراً، على ما سيأتي في السند المعنعن -إن شاء الله- تعالى، البخاري رحمه الله يعتني بهذا عناية فائقة، إذا كان السند عنده معنعن، والراوي وصم بتدليس ولو كان غير مخل يتبع ذلك بمتابعة تبين أن هذا الراوي قد سمعه من هو فوقه، أو يشهد لما ذكره في السند المعنعن، والأمثلة على ذلك في البخاري كثيرة جداً.

ومسلم رحمه الله يكتفي بالمعاصرة في السند المعنعن، قرر ذلك صراحةً في مقدمة صحيحه، وشنّ على من يشترط ثبوت اللقاء، وهذه مسألة طويلة الذيول، مسلم قررها تقريراً لا مزيد عليه في مقدمة صحيحه، والشراح وضحوا مراده ومقصوده، وهل يريد بمن يرد عليه في مقدمته البخاري أو علي بن المديني أو غيرهما، كلام طويل سيأتي أو تأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى- في موضعه.

أيضاً الرواة بالنسبة لصحيح البخاري، من خرج عنهم الإمام أوثق ممن خرج لهم مسلم، بدليل أن من انتقد من الرواة في صحيح مسلم أكثر مما انتقد من رواة صحيح البخاري، وما انتقد من الأحاديث في صحيح مسلم أكثر مما انتقد في صحيح البخاري.

أيضاً الإمام مسلم تلميذ البخاري وخريجه يستفيد منه، معرفته بالعلل لا شيء بالنسبة للإمام البخاري، المقصود أن الإمام البخاري أرجح وكتابه أصحّ، وهذا ترجيح إجمالي، يعني جملة ما في صحيح البخاري أرجح من جملة ما في صحيح مسلم، وإن كان في صحيح مسلم ما قد يفوق ما في صحيح البخاري لقرائن تحتفّ به، على ما سيأتي فيما يفيده خبر الواحد.

ص: 18

البخاري ومسلم لم يلتزما إخراج ما يحكم بصحته من الأحاديث، بل تركا من الأحاديث الصحيح الكثير خشية أن يطول الكتاب كما صرح به كل منهما فيما نقل عنه، ومسلم صراحةً في صحيحه يقول:"ليس كل حديث صحيح وضعته هاهنا، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه" والخلاف في فهم كلام الإمام مسلم طويل، لعلّ الوقت يسمح لبسطه فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

نقل عنهما أيضاً التصحيح خارج صحيحهما، فنقل عن البخاري كثيراً، نقل الترمذي أنه صحح أحاديث في علله وفي سننه، وشرح الحافظ ابن رجب رحمه الله على البخاري مملوء بتصحيحات الأئمة، كالبخاري ومسلم وأحمد وغيره، على كل حال لا حاجة للاستدارك على الصحيحين لذات الاستدراك، أما أن تجمع الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين مطلب، لكن ما يقال: أن البخاري أخلّ بشرطه، مسلم أخلّ بشرطه، فينتقد ويعاب عليه أنه ما خرج أحاديث ينبغي أن يخرجها لأنها على شرطه؛ لأنه ما التزم.

ولم يعمّاه ولكن قلّما

عند ابن الأخرم منه قد فاتهما

فاتهما شيء كثير، ولكن قلّما عند ابن الأخرم منه قد فاتهما -ورد هذا الكلام-.

ورد لكن قال يحيى البرُ

لم يثبت الخمسة إلا النزرُ

الخمسة المراد بها البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي، وفيه ما فيه أيضاً؛ لأنه فات الخمسة شيء كثير من الصحيح، يصفو من صحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والسنن من الصحيح الشيء الكثير، وفيه ما فيه كناية عن ضعفه لقول الجعفي عن البخاري:"أحفظ منه عُشر ألف ألف" يحفظ مائة ألف حديث صحيح، والذي في كتابه شيء يسير من هذا العدد، سبعة آلاف بالمكرر، بدون التكرار ألفين وستمائة وحديثين.

ص: 19