المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي) - شرح اختصار علوم الحديث - عبد الكريم الخضير - جـ ٢

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌(إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي)

كتاب الإمام مالك هو أجلّ هذه الكتب المتقدمة وأعظمها نفعاً بلا شك، فيه الأحاديث الصحيحة المسندة، وإن كان الكتاب ليس بالكبير، فيه البلاغات والمنقطعات والمراسيل، ولا يستدرك على الإمام مالك في ذلك؛ لأنه يرى حجية المرسل، وهذه البلاغات وصلها ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد سوى أربعة أحاديث، كما هو معروف، اعتنى أهل العلم بالموطأ عناية فائقة لإمامة مؤلفه، ولعظم نفعه، ولاختصاره أيضاً يعني شرحه متيسر، فابن عبد البر رحمه الله النمَري بفتح الميم نسبة إلى النمر بكسرها، والقاعدة أن ما كسر ثانيه يفتح في النسبة، النمِر نمَري، سلِمة سلَمي، ملِك ملَكي، وهكذا.

كتابا (التمهيد والاستذكار) لابن عبد البر من أنفس ما كتب في شروح الأحاديث، والإمام ابن عبد البر رحمه الله مكث ثلاثين سنة في تأليف التمهيد، ولذا جاء على هذا الوضع المتقن المحرر، وهو يعتني في هذا الكتاب بالمعاني، معاني الأحاديث وأسانيدها والروايات، وكتابه الآخر (الاستذكار) وهو أيضاً من أجود ما كتب في فقه السنة، وعناية المؤلف فيه بالفقه، وأقوال فقهاء الأمصار، هناك شروح أخرى للموطأ جيدة ونفيسة، (المنتقى) للباجي، (أوجز المسالك) للكندهلوي، كتاب طيب مطبوع متداول، (تنوير الحوالك) كتاب مختصر للسيوطي، شرح الزرقاني شرح متوسط، وهناك شرح لولي الله الدهلوي اسمه (المسوى شرح الموطأ) وله شرح آخر اسمه (المصفى) لكنه بالفارسية، أما (المسوى) هو بالعربية كتاب نافع على اختصاره الشديد.

فالمسألة مفترضة في موطأ الإمام مالك وهو مالكي، ففيه أقوال الإمام مالك وفقه الإمام مالك، أضاف إليه قول الحنفية والشافعية، وأهمل المذهب الرابع وهو مذهب الإمام أحمد، فلا شك أنه يستفاد منه في أقوال الشافعية والحنفية، إضافةً إلى قول مالك، وأما مذهب الإمام أحمد فيعلق على الكتاب من كتب الحنابلة، وهي موجودة ومتداولة، وفيه لفتات وتنبيهات لطيفة.

(إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي)

ص: 9

وكان الحاكم أبو عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي: الجامع الصحيح، وهذا تساهل منهما فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة، وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر، وأن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلم غير مسلَّم، فإن فيه رجالاً مجهولين: إما عيناً أو حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في (الأحكام الكبير).

السنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة تأتي في المرتبة الثانية بعد الصحيحين، ويأتي بعد ذلك المسانيد، وكونها في المرتبة الثانية لاشتمالها على الصحيح وهو كثير، والحسن وهو أكثر، وفيها الضعيف، وإن كان من أهل العلم من أطلق عليها الصحاح، كالحافظ السلفي وغيره، الحاكم والخطيب يسميان كتاب الترمذي: الجامع الصحيح، وسمي كتاب النسائي صحيح النسائي.

ومن عليها أطلق الصحيحا

فقد أتى تساهلاً صريحا

كيف يقال: الصحيح وفيه أحاديث ضعيفة كثيرة، هذا تساهل بلا شك، ففيها الأنواع الثلاثة، من الصحيح والحسن والضعيف، يأتي بعد ذلك المسانيد كمسند الإمام أحمد، والطيالسي، وغيرها، وهي في الرتبة دون السنن، ولذا يقول الحافظ العراقي:

ودونها في رتبةٍ ما جعل

على المسانيد فيدعى الجفلا

كمسند الطيالسي وأحمدا

وعده للدارمي انتقدا

والسبب أن المصنف في السنن يترجم بأحكام، جواز كذا، تحريم كذا، ثم يذكر تحت الترجمة أقوى ما يجد من الأحاديث، أما صاحب المسند فإنه يترجم بأسماء الصحابة فيذكر من أحاديثهم ما وقع له كيفما اتفق، ولذا صارت رتبتها دون السنن، ولذا يقول:

ودونها في رتبةٍ ما جعل

على المسانيد فيدعى الجفلا

والكلام في مسند الإمام أحمد، وكلام شيخ الإسلام عليه كثير، وأنه أجود من شرط أبي داود، أو هو المساوي لشرط أبي داوود.

(مسند الإمام أحمد)

ص: 10

وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مرو، وشهداء وعسقلان، والبِرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ، ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا -مع أنه لا يوازيه كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته- أحاديث كثيرة جداً، بل قد قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين.

مسند الإمام أحمد من أعظم دواوين الإسلام، ومن أكبر كتاب السنة وأجلها، وفيه من الأحاديث ما يقرب من ثلاثين ألف، وإن قيل كما نبهنا أمس أنه فيه أربعين ألف، هذا المسند إطلاق الصحيح عليه لا شك أنه قول ضعيف، فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وفي هذا لا تتجاوز النسبة فيه النسبة التي في السنن، ففيه أحاديث ضعيفة بل فيه موضوعة، يقول: كحديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث الأحمر عند حمص، الأرض اللينة السهلة هذا البرث، وغير ذلك وقد نبه عليه طائفة من الحفاظ.

الحافظ العراقي صنف في موضوعات المسند، وذكر فيه تسعة أحاديث، والحافظ ابن حجر أيضاً ذكر هذه الأحاديث وذيل عليها، والسيوطي كذلك، والمدراسي أيضاً له زيادات، قد تصل الأحاديث إلى أربعين حديثاً كلها موضوعة، ودافع الحافظ ابن حجر عن المسند دفاعاً طيباً من مثله، وهو حافظ من حفاظ السنة، وذكر هذه الأحاديث وأجاب عنها واحداً واحداً، في كتابه (القول المسدد في الذب عن المسند) وذكر أن دفاعه عن المسند إنما هو دفاع عن السنة، لا لشخص الإمام أحمد؛ لأن الدفاع عن مثل هذا الكتاب الكبير قربة إلى الله سبحانه وتعالى، وهو دفاع عن السنة، فما بالكم بالدفاع عن الصحيحين الذين هما أصح الكتب المصنفة، إذا تطاول عليهم أحد فما دونهما من باب أولى، وقد امتدت بعض الأيدي إلى الصحيحين بالتصحيح والتضعيف، والبخاري ومسلم ليسا بمعصومين، وجد عندهم بعض الأحاديث التي تكلم عليها بعض الحفاظ وهي نادرة، يسيرة، بالنسبة لما اشتمل عليه الصحيحان من الأحاديث الصحيحة، والغالب أن الصواب مع الشيخين، مما يدرك من مظانه.

ص: 11

المقصود أن الدفاع عن المسند للحافظ بن حجر كتاب نفيس، ينبغي الإطلاع عليه، اسمه (القول المسدد في الذب عن المسند) له ذيل للسيوطي، وله ذيل آخر لصبغة الله المدراسي، ذكروا فيه الأحاديث المنتقدة في المسند، وأجابوا عن بعضها حسب الإمكان.

يقول: "ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا مع أنه لا يوازيه مسند –نعم اللهم إلا أن كان مسند بقي بن مخلد- في كثرته وحسن سياقاته" نعم، الإمام أحمد ممن يعتني بالألفاظ سواء كانت في المتون والأسانيد، وممن يفرق بين صيغ الأداء، فهو نظير الإمام مسلم في هذا، فيه أحاديث كثيرة جداً، أو فاته أحاديث كثيرة جداً، "بل قد قيل: أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين" هذا الكلام ليس بصحيح، فاته من الصحابة نزر يسير، قليل.

(الكتب الخمسة وغيرها)

وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السِّلَفي في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلماً وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، تساهل منه، وقد أنكره ابن الصلاح وغيره، قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد، كمسند عبد بن حُميد، والدارمي، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى، والبزار، وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم، فإنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه.

نعم هي مع ذلك أعلى رتبة، يعني كتب الخمسة في السنن، الكتب الخمسة يعني الصحيحين مع السنن، والخلاف في السادس عند أهل العلم معروف والأكثر على أنه ابن ماجة لكثرة زوائده، وأما ابن الأثير فجعل الثلاثة الموطأ، ومنهم من جعل الدارمي بدل الموطأ، "وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد والدارمي" الدارمي سنن مرتبة على الأبواب وليس على المسانيد، نعم له مسند، لكن هذا المسند مفقود من قبل ابن الصلاح، ولذا يقول الحافظ العراقي رحمه الله:

ودونها في رتبةٍ ما جعل

على المسانيد فيدعى الجفلا

كمسند الطيالسي وأحمدا

وعده للدارمي اُنتقدا

انتقد عليه، عده للدارمي مع المسانيد لأنه سنن.

(التعليقات التي في الصحيحين)

ص: 12

وتكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضاً، لكنها قليلة، قيل: إنها أربعة عشر موضعاً، وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التمريض فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضاً؛ لأنه وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم، وما كان من التعليقات صحيحاً فليس من نمط الصحيح المسند فيه؛ لأنه قد وسم كتابه بـ (الجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه).

فأما إذا قال البخاري: "قال لنا" أو "قال لي فلان كذا"، أو "زادني" ونحو ذلك، فهو متصل عند الأكثر، وحكي ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضاً، يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة، وقد رده ابن الصلاح بأن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال: إذا قال البخاري: "وقال لي فلان" فهو مما سمعه عَرْضاً ومناولة، وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رَدَّه حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري:"وقال هشام بن عمار"، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار.

قلت: وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد مسنداً متصلاً إلى هشام بن عمار وشيخه أيضاً، كما بيناه في كتاب (الأحكام) ولله الحمد.

التعليقات أو المعلقات وحقيقة المعلق: ما حذف من مباديء إسناده من قبل المصنف راوٍ أو أكثر، إن حذف الشيخ فقط هذا معلق، إن حذف الشيخ وشيخه أيضاً معلق، حذف جميع الإسناد معلق، اختصر على الصحابي فقط معلق، وهكذا، يقولون: إنه مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق، رجح ابن حجر أخذه من تعليق الطلاق، وشيخه البلقيني على خلافه، يعني رجح أنه من تعليق الجدار، إيش معنى تعليق الجدار؟ هل المقصود تعليق الجدار أو التعليق على الجدار؟ مأخوذ من تعليق الجدار؟

طالب: التعليق على الجدار.

ص: 13

لكن هو رجح أن يكون مأخوذ من تعليق الجدار، ابن حجر رجح أن يكون مأخوذ من تعليق الطلاق، وأقول: لا هذا ولا ذاك، بل هو مأخوذ من تعليق المرأة، إيش معنى تعليق الطلاق؟ إن فعلت كذا فأنتِ طالق وهكذا، لكن تعليق المرأة التي قال الله سبحانه وتعالى عنها:{فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [(129) سورة النساء] معلقة ليس ذات زوج، وليست مطلقة، نعم، أنه أخذ من هذا صحيح، مثل الشيء المعلق الذي لا يعتمد على الأرض، بل بينه وبين الأرض فراغ، وهو أيضاً يمكن أخذه من التعليق على الجدار، ليس من تعليق الجدار، {فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [(129) سورة النساء] يعني ليست بذات زوج ولا مطلقة، لعل المراد بتعليق الطلاق هذا، كما أنه لعل المراد من قوله: تعليق الجدار التعليق على الجدار.

ص: 14

يقول: "تكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري ومسلم أيضاً، لكنها قليلاً، قيل: أنها أربعة عشر موضعاً" معلقات مسلم لا داعي لبحثها، لماذا؟ لأنها كلها موصولة بالصحيح نفسه، في صحيح مسلم كلها موصولة، أولاً: هي قليلة أربعة عشر حديث، وكلها موصولة في الصحيح نفسه إلا واحد، وهذا الواحد موصول في صحيح البخاري، إذاً نحتاج إلى بحث معلقات صحيح مسلم، ما نحتاج إلى بحث؟ الكلام في معلقات صحيح البخاري، وعدتها ألف وثلاثمائة وأربعين أو واحد وأربعين حديث، وكلها موصولة في الصحيح نفسه عدا مائة وستين، أو مائة وتسعة وخمسين، والكلام في هذا القدر بمائة وتسعة وخمسين أو مائة وستين، لأن ما وصل في الصحيح لا داعي للكلام فيه، الكلام فيما لم يوصل من معلقات البخاري، وهي قليلة بالنسبة لحجم الكتاب، وهذه تنقسم إلى قسمين، منها: ما صدر بصيغة الجزم، قال فلان، ذكر فلان، حكى فلان، قالوا: هذه صحيحة إلى من علقت عنه، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا معلق عن مالك، في واسطة بين البخاري ومالك، لكن إذا جزم نقول: هذا صحيح إلى مالك، يبقى النظر فيمن أبرز، النظر في مالك لا يحتاج، كذلك نافع وابن عمر، لكن لو قال البخاري يروى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، هذه يسمونها صيغة التمريض، وهذه لا يستفاد منها لا صحة ولا ضعف، بل وجد منها ما هو صحيح، ووجد منها ما هو ضعيف ضعف منجبر، وأما الضعيف الضعف الذي لا ينجبر، فإن الإمام البخاري يبينه، مثل قول البخاري:"ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه)) ولم يصح"، الضعيف الذي ضعفه لا ينجبر يتعقّبه البخاري -رحمه الله تعالى-، يقول:"حاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علقه عنه ثم النظر فيما بعد ذلك، ومنها ما كان بصيغة التمريض فلا يستفاد منه صحة ولا تنافيها؛ لأنه قد وجد ما صدر بصيغة التمريض وهو صحيح" نعم وجد ما علق بصيغة التمريض وهو مخرج في صحيح مسلم، يقول: "وما كان من التعليقات صحيح فليس من نمط الصحيح المسند فيه -يعني مما لم يوصل في الصحيح- لأنه قد وسم كتابه بالجامع المسند -يعني الذي ذكرت فيه الأسانيد- المختصر في أمور رسول الله -صلى الله عليه

ص: 15

وسلم- وسننه وأيامه. أما إذا قال البخاري: قال لنا" أو قال، إذا عزا لشيخه بقال، قال محمد بن بشار، وهو شيخه، قال هشام بن عمار، وهو شيخه، روى عنه أحاديث بصيغة التحديث، قال: حدثنا هشام بن عمار في خمسة مواضع، الأكثر على أنه موصول متصل، وإن (قال) مثل (عن) محمولة على الاتصال بالشروط المعروفة عند أهل العلم، ولذا يقول الحافظ العراقي رحمه الله:

. . . . . . . . .

عنعنةٍ كخبر المعازفِ

أما الذي عزا لشيخه بقال فكذي

لا تصغ لابن حزم المخالفِ

فغاية هذه الصيغة أنها مثل عن، وإن قال بعضهم أنه معلق؛ لأنه لو كان رواه عن شيخه مباشرة لقال: حدثنا كالجادة، ولذا علّم الحافظ المزي على حديث المعازف بعلامة التعليق (خ ت)، وعلى كل حال لو قلنا: أنه معلق وقد جزم به إلى هشام بن عمار، قال هشام بن عمار فهو صحيح أيضاً، وهو مخرج في سنن أبي داود وغيره من كتب السنة، بأسانيد صحيحة.

طالب:. . . . . . . . . يصبح موصول؟

هو موصول بلا شك، سواء عند البخاري أو غيره، فعلى القول بأنه معلق هو معلق بصيغة الجزم.

طالب:. . . . . . . . .

صحيح، على كل حال الحديث صحيح، ولذا قال:

. . . . . . . . .

لا تصغ لابن حزم المخالفِ

ابن حزم حكم على جميع الأحاديث الواردة في الغنا بأنها موضوعة، وهذا تأييداً لرأيه وقوله في إباحة الغناء، المقصود أن بعضهم قال: إذا قال البخاري: قال لنا، أو قال لي فلان أو زادني في ذلك فهو متصل، وبعضهم يزعم أن البخاري لا يقول ذلك إلا فيما سمعه في حال المذاكرة، لا على جهة التحديث، إذا سمع من شيخه خبراً مذاكرة، لا على سبيل التحديث فإنه يقول: قال لنا، لكن الحافظ ابن حجر وغيره يقولون: لا يوجد ما يدل على هذا، أبو جعفر بن حمدان يرى أن البخاري إذا قال: قال لي فلان فإنما هو مما سمع عرضاً ومناولة، العرض القراءة على الشيخ، وهي من طرق التحمل المعتبرة المجمع عليها، عرضاً ومناولة إيش معنى عرضاً ومناولة؟

طالب: كونه يقرأ الطالب على الشيخ ثم يعطيه الكتاب.

من الذي يعطي الكتاب؟

طالب: الطالب يعطي الشيخ الكتاب.

ص: 16

فيه العرض وفيه المناولة، الشيخ يعطي الطالب الكتاب هذه مناولة، العرض أن يقرأ على الشيخ، الطالب يقرأ على الشيخ، يعرض عليه ما عنده.

طالب: الشيخ يعطي للطالب كتابه ليصوب أيضاً بعد القراءة يصوب كتاب الشيخ؟

لكن هناك نوع اسمه عرض المناولة، يعني الطالب يأتي بالكتاب ويعرضه على الشيخ ويقول -يناوله الشيخ- فيقول: هذا من مرويك فيقول: نعم، فيرده عليه، هذا عرض المناولة، على كل حال ستأتي -إن شاء الله- في طرق التحمل.

يقول: "وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري: وقال هشام بن عمار وقال: أخطأ ابن حزم فيه من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار" ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان أطال في تصحيح الحديث وذكر شواهده، وقال في ذلك أن (قال) مثل (عن) يشترط فيها براءة الراوي من وسمة التدليس، وقال أن البخاري أبعد خلق الله عن التدليس، مع أنه لو قال: من أبعد خلق الله عن التدليس لكان أولى، أبعد خلق الله عن التدليس مبالغة، مع أنه قيل في ترجمته من الخلاصة في ترجمة الذهلي قالوا: روى له البخاري ويدلسه، ويأتي في مبحث التدليس -إن شاء الله تعالى-.

ثم حكى أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيها من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به، لا بد وأن يكون صحيحاً في نفس الأمر، وهذا جيد، وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محيي الدين النووي وقال: لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك.

قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّل عليه وأَرْشَد إليه، والله أعلم.

ص: 17

حاشية: "ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية، مضمونه: أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة: منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الاسفراييني والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحق الشيرازي من الشافعية. ابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة. وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية قال: "وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم: كأبي إسحاق الاسفراييني، وابن فورك قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة"، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً، فوافق فيه هؤلاء الأئمة.

الصحيحان البخاري ومسلم تقدمت الإشارة إلى أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، والأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، حتى قال جمع من أهل العلم: أنه لو حلف شخص بالطلاق أن جميع ما في البخاري ومسلم صحيح لما حنث، فالأمة تلقت الكتابين بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى من كثرة الطرق، قال: سوى أحرفٍ يسيرة، سوى أحاديث يسيرة في الكتابين، ما يقرب من مائتي حديث انتقدها الحافظ الدارقطني وغيره، والغالب أن الصواب مع الشيخين، وقد دافع عن الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر في المقدمة في الباري، والنووي دافع أيضاً باختصار في شرحه على صحيح مسلم عما انتقده الدارقطني في صحيح مسلم، وأكثر الأحاديث المنتقدة في لا سيما في مسلم في بعض الطرق التي أخرج الإمام مسلم من الطرق ما يشهد بصحتها، فعلى هذا هذه الأحاديث اليسيرة المنتقدة وهي مجال للبحث عند أهل العلم الصواب فيها مع الشيخين، هذه خارجة عن إفادة القطع؛ لأن ابن الصلاح يريد أن يقرر أن ما رواه البخاري ومسلم مفيد للقطع، للعلم؛ لأن الأخبار تنقسم إلى أقسام، منها: ما يفيد العلم، ومنها: ما يفيد الظن، ومنها: ما يفيد الشك، ومنها: ما يفيد الوهم.

ص: 18

على كل حال هذه تقسيمات معروفة عند أهل العلم فالذي يفيد القطع العلم اليقيني الضروري هو المتواتر عند أهل العلم، وفي السنة المتواتر، هذا مفيد للقطع ولا كلام فيه، يبقى الآحاد بأقسامه الثلاثة: المشهور والعزيز والغريب، في الأصل تفيد الظن، هذا في الأصل لماذا؟ لأن الراوي مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان إلا أن نسبة الخطأ والنسيان موجودة وإن قلت، إيش معنى القطع؟ معناه أن الخبر لا يحتمل النقيض، صواب مائة بالمائة، الظن يحتمل النقيض على ضعف، لو افترضنا أن الخبر صحيح بنسبة 99% أو 95% أو 90% قلنا: أفادنا الظن ما أفادنا القطع؛ لأنه يحتمل النقيض، ننتبه لهذه المسألة؛ لأنها هولت من الطرفين، الذي ينفي والذي يثبت، وتشبث بذيولها بعض المبتدعة، فخبر الواحد إذا صح هل يفيد القطع أو الظن؟ الأصل فيه أنه لا يفيد إلا الظن، لماذا؟ لأن الراوي مهما بلغ، مالك نجم السنن، ضبطت عليه أوهام، الراوي مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان إلا أن خبره يحتمل النقيض ولو بنسبة واحد بالمائة، ما دام الخبر ما صل إلى نسبة مائة بالمائة فهو ظن، احتمال راجح، هذا قول، وهو قول الأكثر، أنه في الأصل لا يفيد إلا الظن.

منهم من قال: أن الخبر الواحد بمجرده يفيد القطع، حسين الكراديسي وداود الظاهري وجمع، يقولون: يفيد القطع، يعني مجرد ما تسمع خبر ممن تثق به، زيد من الناس تثق به، ثقة عندك، يقول: حضر فلان، تحلف على هذا أنه حضر فلان، يفيد القطع عندك مائة في المائة، ألا يحتمل أن يأتي زيد بعد ساعة أو ساعتين قال: أخطأت، رأيت شخصاً ظننته فلاناً، ما حصل هذا كثير؟ يحصل هذا، المقصود أن الأكثر على أنه لا يفيد بمجرده بمفرده إلا الظن، منهم من يرى أنه يفيد القطع.

ص: 19

والقول الوسط أنه يفيد القطع إذا احتفت به قرينة، لماذا نحتاج إلى هذه القرينة؟ لكي تكون في مقابل الاحتمال المرجوح، فإذا وجدت هذه القرينة أفادنا القطع، وهذا ما قرره شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه، وقرره ابن القيم في الصواعق، والحافظ ابن حجر في شرح النخبة، وجمع من أهل العلم من أهل التحقيق يرون أن خبر الواحد إذا احتفت به قرينة أفاد القطع؛ وإلا فالأصل أنه لا يفيد إلا الظن، والعلة في ذلك ما سمعتم، الذين قالوا: أنه يفيد القطع من غير نظرٍ إلى القرائن يريدون أن يقطعوا الطريق على المبتدعة الذين يقولون: ما دام خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فإنه لا تثبت به العقائد، فخبر واحد لا تثبت به العقائد؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، نقول: لا يفيد إلا الظن وتثبت به العقائد كما تثبت به الأحكام، ولا نلتزم بما إلتزمه المبتدعة، من القرائن التي ذكروها مما يحتف بها الخبر، أن يكون الحديث مخرجا ً في الصحيحين أو في أحدهما؛ لأن تلقي الأمة بالقبول لهذين الكتابين قرينة، كون الحديث مروي بطرق متعددة، متباينة، سالمة من القوادح أيضاً قرينة على أن الحديث ضبط، كون الحديث تداوله الأئمة فرواه إمام عن إمام عن إمام، قرينة أيضاً؛ لأنه لو قدر أن الإمام مالك أخطأ يتابعه الشافعي على خطئه؟ لا، لو أخطأ الشافعي يتابعه أحمد على خطئه؟ لا، فهذه قرائن تدل على أن الخبر ضبط وأتقن، فالخبر إذا احتفت به قرينة أفاد القطع.

هنا يقول: "وقد خالف في هذه المسألة محي الدين النووي وقال لا يستفاد القطع بصحةٍ من ذلك" نحكم له بالصحة فإن احتفت به قرينة أفادنا القطع، وإلا فالأصل أنه لا يفيد إلا الظن، وهذا ما رجحه النووي.

واقطع بصحة لما قد أسندا

كذا له وقيل ظناً ولدى

محققيهم قد عزاه النووي

وفي الصحيح بعض شيء قد روي

ص: 20

المقصود أن النووي خالف ابن الصلاح فيما ذهب إليه، وأظن الخلاف لفظي؛ لأن ابن الصلاح نظر إلى خبر الواحد المحتف بالقرينة كما قرره شيخ الإسلام، ولا يمكن أن يقول ابن الصلاح: أن أي خبر يأتي به ثقة يقطع به من غير نظر إلى قرينة، النووي نظر إلى الخبر مجرد، والنظر إلى الخبر مجرد لا يفيد إلا الظن، ومن نظر إليه مع القرائن التي احتفت به قال: أنه يفيد القطع.

أما ما ذهب إليه داود الظاهري وحسين الكرابيسي من أنه يفيد القطع مطلقاً فلا وجه له لما عرفنا، شيخ الإسلام رحمه الله يقول الحافظ ابن كثير:"وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه -يعني تابع ابن الصلاح في ذلك- ثم وقفت بعد هذا على كلام شيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول" هذه قرينة عن جماعات من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، شيخ الإسلام صرح في مواطن كثيرة من منهاج السنة أن الخبر الذي تحتف به قرينة يفيد القطع "مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعاتٍ من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي والشيخ أبو حامد الاسفراييني، القاضي أبو الطيب الطبري، ابن اسحق الشيرازي، -هؤلاء من أئمة الشافعية- وابن حامد وأبو يعلى، وابن الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة، السَّرَخسي -أو السَّرْخسي يجوز هذا وذاك- من الحنفية، قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم

".

ص: 21

يقول: "وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامةً" ومراد شيخ الإسلام رحمه الله بالخبر الذي احتفت به قرينة، "وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً فوافق فيه هؤلاء الأئمة" ابن الصلاح أطلق لكنه أطلقه فيما رواه الشيخان، وتخريج الشيخين قرينة على أن الخبر ضبط وأتقن، وهو أيضاً مستمد من تلقي الأمة بالقبول، هذه قرينة، وهو الذي نص عليه شيخ الإسلام هنا أنه نقل وقطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، فلا نقول: أن خبر الواحد يفيد القطع مطلقاً، ولو صح، لو جاءنا مالك عن نافع عن ابن عمر، يعني في غير الصحيحين، مالك يهم حصلت له أخطاء وإن كان نجم السنن، ولا يحتاج إلى تزكية، من مشاهير أهل العلم في الضبط والإتقان والحفظ، ومن أهل الانتقاء والتحري والتثبت، لكن ضبطت عليه أوهام رحمه الله، فهذه المسألة يطول البحث فيها، وخلاصة القول أن فيها ثلاثة أقوال: أنه يفيد القطع مطلقاً، أنه يفيد الظن مطلقاً، أنه لا يفيد القطع إلا بقرينة، وهذا هو أعدل الأقوال.

وأما قول من يقول: أنه يفيد القطع مطلقاً خشيةً من تشبث أهل البدع بمثل هذا القول، وأنه إذا كان لا يفيد إلا الظن لا تثبت به عقائد، كلامهم طويل في هذا، نقول: لا، لا نلتزم باللازم وننتهي من الإشكال، نقول: نثبت الإحكام بخبر الواحد إذا صح ولو احتمل النقيض؛ لأن الأحكام مبنية على غلبة الظن، نثبت العقائد بخبر الواحد إذا صح؛ لأن الشرع واحد، فما تثبت به الأحكام تثبت به العقائد.

يقول: هناك من يقول: أن التقسيم إلى متواتر وآحاد أمر حادث قال به أهل البدع لرد الأحاديث، ولهذا لم يعرف عن السلف هذا التقسيم فما رأيك؟

ص: 22

لو قلنا: أن كل هذه التقسيمات ما وجدت عند السلف، ابحث عن كلام الصحابة في الصحيح والضعيف والحسن تجد شيء؟ تجد؟ تجد عن ابن عمر قال: هذا الحديث حسن أو عن عمر؟ لا ما في كلام السلف شيء من هذا، هذه التقسيمات اصطلاحية، المتواتر وإفادته القطع، لا أحصي ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، ومثّل للمتواتر بأحاديث، وقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، كل هذا موجود من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي تصدى لأهل البدع، إذا وجد هذا الكلام، نعم لو لم يلفظ به إلا مبتدع اجتنبناه، لكنه موجود في كلام أهل السنة، وسواء سميناه متواتر أو آحاد أو لم نسمه، الحقيقة حقيقة، الأخبار متفاوتة، هل الأخبار على حدٍ سواء؟ الخبر الذي يأتيك من طريق عشرة مثل الخبر الذي يأتيك عن طريق واحد؟ لا، في تفاوت، فالأخبار متفاوتة، والخلاف لفظي، والتسمية اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإذا عرفنا أن شيخ الإسلام رحمه الله نطق بالمتواتر، وأن في السنة المتواتر، وأنه يفيد القطع، وأن منها المتواتر اللفظي، وأن منها المتواتر المعنوي، وش بقي؟

ص: 23

لا نلتزم باللازم، نقول: العقائد تثبت بالآحاد كالأحكام وينتهي الإشكال، المبتدعة يريدون شيء حينما يقسمون إلى متواتر وآحاد يريدون أن يثبتوا أن المتواتر هو المفيد للقطع، والآحاد لا يفيد إلا الظن، يريدون أن ينفوا كثير مما يثبته أهل السنة في أمور الاعتقاد بهذه الطريقة، لا نلتزم بلازمهم، أما كونهم يقولون بشيء وهو صحيح وحق، الحق يقبل ممن جاء به، لكن باطلهم يرد عليهم، لا يحملنا الحماس والدفاع إلى أن ننفي الحقائق، أو نثبت ما لم يثبت عن الله ولا عن رسوله، يصير مثل واحد يقول: اليهود نفوا صلب المسيح وقتل المسيح، فقام واحد من جهال المسلمين، قال: لا، اليهود قتلوه، هو يزعم أن اليهود يتقربون إلى النصارى في كلامه هذا من أجل كسب القضية، وهو يريد أن يكسب القضية من طرفٍ آخر، لا قتلوه، يفرق بين

ما سويت شيء، كذبت القرآن، ماذا فعلت؟ فأحياناً الحماس من بعض طلاب العلم يوقع في حرج، ينفي ما هو موجود، مثبت، الأخبار متفاوتة، منها: ما يفيد العلم، يعني بمجرد سماعه تجزم بأنه صحيح، ومنها: ما يفيد إلا الظن، يعني لو جاءك شخص وقال: هناك مدينة اسمها بغداد، وأنت ما شفت بغداد، تقول: لا اصبر خليني أشوف معجم البلدان؟ ما يحتاج، لكن لو قال لك: هناك قرية اسمها: طهب الطيب، إيش تقول؟ انظر في معجم البلدان، عرف بها .... الأخبار متفاوتة، منها: ما يلزم بتصديقه من سماعه، ومنها: ما يحتاج إلى نظر واستدلال، يحتاج إلى مقدمات، على كل حال الكلام في هذا الموضوع يطول، والله المستعان.

هنا سؤال: يذكر الإخوان أنه مهم، أما البقية تترك للغد؛ لأننا تأخرنا إلى أكثر من اللازم.

يقول: نلاحظ بعض الناس ردوا حديث الآحاد حتى في الأحكام إذا خالف العقل؟

ص: 24

أولاً: العقل الصريح السليم لا يمكن أن يخالف النص الصحيح، لكن العقل الملوث بالشبهات والشهوات لا بد أن يخالف ما يعارض شهواته وشبهاته، العقل لا ينكر أنه يميز ويدرك الحسن ويدرك القبيح؛ لكنه لا يستقل بذلك، وشيخ الإسلام رحمه الله قرر هذه المسألة في إفاضة في كتبه لا سيما كتاب (درء تعارض العقل والنقل) وقرر رحمه الله أنه لا يمكن أن يوجد نص صحيح يعارض العقل الصريح، يعارض العقل السليم، القلب السليم الخالي من الشبهات والشهوات، لكن قلب تراكمت عليه الشهوات والشبهات، وران عليه ما كسب مثل هذا القلب، مثل هذا العقل لا بد أن يعارض ويخالف، لكن مثل هذا لا عبرة به، يعني حينما يرد حديث:((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) يقال: الواقع يشهد بخلاف ذلك، شوف إندي رغاندي، وشوف تاتشر، وشوف كلدمائير التي هزمت العرب، ذا عقل هذا؟ بالله هذا عقل سليم؟ الذي يرد النصوص بمثل هذه السذاجة؟ لا، العقل الذي يسير مع الكتاب والسنة حيثما سار لا يمكن أن يجد أدنى أشكال في النصوص الصحيحة، والله المستعان.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هذا سؤال يقول: هناك كتب باسم الجمع بين الصحيحين، وباسم اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، فما معناهما وما موضوعهما؟ وما أفضل الطبعات؟

الجمع بين الصحيحين للحميدي وللصاغاني ولغيرهما من أهل العلم ممن حاول أن يجمع الصحيحين في كتابٍ واحد مع حذف المكررات، وكتاب الحميدي كتاب جميل ونفيس، طبع أخيراً، إلا أنه أحياناً لا أقول: دائماً، لا ينقل من الأصول مباشرةً، لا ينقل من الصحيحين مباشرة، بل قد يعتمد على المستخرجات، ولذا تجدون في ألفاظه ما يخالف ما في الصحيحين أحياناً، مع أنه يبيّن ويميزّ اللفظ الذي في الصحيحين، وما زاده من المستخرجات غالباً، لا أقول: دائماً، ولا أقول: بما قاله من كتب في المصطلح أن الحميدي لم يميز، كما يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

. . . . . . . . .

وليت إذ زاد الحميدي ميزا

ص: 25

الحميدي ميّز؛ لكنه ليس على قاعدة مضطردة، قد يفوته بعض الشيء، أما بالنسبة لما اتفق عليه الشيخان، فهناك كتاب اسمه (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) إلا أن ترتيبه فيه شيء من الصعوبة، وأجود منه ما جاء في السؤال (كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) لمحمد فؤاد عبد الباقي، أما بالنسبة لطبعات هذه الكتب فالجمع بين الصحيحين لا أعرف أنه طبع إلا مرة واحدة، أخيرة أيضاً، أما (اللؤلؤ والمرجان) فطبعة الحلبي الأولى طيبة جداً.

يقول: هناك طبعة للصحيح فيها تعليقات مطبوعة عام 1358 فيما أظن صورتها دار اشبيليا في ثلاث مجلدات في تسعة أجزاء، وهي مطبوعة أصالةً في دار الطباعة الفاخرة، فهل لها علاقة باليونينية؟

الذي أعرف أنها مطبوعة في الخمسينات، خمسة وخمسين أو ستة وخمسين هي طبعة الحلبي، وهي مأخوذة من الطبعة السلطانية فيها إشارة إلى الفروق بالحاشية، لكنهم أغفلوا بعض الفروق، الطبعة في الجملة جيدة، إلا أن من صورها فيما بعد وقف على مقالٍ للشيخ أحمد شاكر في إحدى المجلات عن البخاري وعن عناية اليونيني به، وأن أصل هذه الفروق، فصور هذا المقال وأرفقه بهذه الصورة زاعماً أن هذه الصورة بتقديم الشيخ أحمد شاكر، وهذا الكلام ليس بصحيح، إنما هو للترويج، الشيخ أحمد شاكر لا علاقة له بطبعات الصحيح.

هذا يسأل عن الدروس والأشرطة؟

هذه ممكن يسأل عنها الإخوان الذين يحضرون الدروس، والدروس معلنة.

هذا يقول: لو جعل الخمس الدقائق الأخيرة للأسئلة؟

هذا ما ينضبط، في الأخير ما ينضبط.

يقول: هل تحبذ في هذا الزمان القراءة على من عنده أسانيد متصلة إلى الأئمة البخاري ومسلم وغيره؟ وهل وقع لكم أسانيد متصلة إلى أصحاب هذه الكتب؟

ص: 26

أنا لا أهتم بالأسانيد كثيراً، نعم عندنا إجازة من الشيخ حمود التويجري رحمه الله والعناية بها على حساب التحصيل والفهم والدراية مضيعة للوقت؛ لأنها لا يترتب عليها تصحيح ولا تضعيف، نعم إذا حصلت من غير تعب، من غير تضييع لوقت لا بأس؛ لأنها محافظة على خصيصة هذه الأمة، وإلا فلا أثر لها في الواقع لأنه ما الذي يستفيد حديث في صحيح البخاري مروي في البخاري ترويه بإسناد صحيح أو ضعيف؟ لا قيمة لك لا أنت ولا إسنادك، لكن إبقاء سلسلة الإسناد من خصائص هذه الأمة، تنبغي المحافظة عليه، لكن لا يكون على حساب التفقه في الأحاديث، ومعرفة صحيحها من ضعيفها.

هل يوجد في زماننا من له أسانيد توصي طلبة العلم بالأخذ عنهم؟

يوجد، لكن الشيخ حمود رحمه الله أجاز جمع من طلبة العلم، فيؤخذ عنهم لا بأس، لكن لا يكون على حساب فهم الأحاديث وتثبيتها وتصحيحها وتضعيفها.

هل البخاري يشترط ثبوت اللقاء؟

في أكثر من سؤال، وهذا يأتي في السند المعنعن -إن شاء الله تعالى-.

يقول: هل صحيح أنه يوجد أحاديث في صحيح البخاري لم تبلغ مرتبة الحسن؟

البخاري أصح الكتب بعد كتب الله سبحانه وتعالى، وهو كتاب تلقته الأمة بالقبول، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً، وفيه بعض الأحاديث الذي انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي أحاديث يسيرة، مع أن هذا الانتقاد قابل للنقاش، والغالب أن الصواب مع البخاري غالباً، وفي ملاحظات الدارقطني ما له وجه، ولكن البخاري لا يقتصر على إيراد الحديث من طريقٍ واحد أو من وجهٍ واحد، إنما قد يذكر في بعض الطرق ما فيه كلام غير معتمدٍ عليه، ولا يعتمد على هذا الطريق إنما يذكره لتصريحٍ بسماعٍ ونحوه أو لعلوٍ في إسناد، المقصود أن المتون ثابتة.

يقول: هل هناك شرح مختصر للبخاري غير فتح الباري؟ ومسلم غير النووي؟

ص: 27

أما بالنسبة للنووي فلا يوجد أخصر من شرح النووي، وهو شرح مختصر وجامع ونفيس، فلا ينبغي أن يبحث عما هو أخصر منه، أما بالنسبة لفتح الباري فهو شرح فيه طول بلا شك لكنه نافع ومفيد، هناك ما هو أخصر منه كالكرماني وهو قبل ابن حجر، وفيه أوهام تعقبها الحافظ وغيره، وهناك إرشاد الساري وهو أخصر أيضاً من فتح الباري، وفيه فوائد وفيه ضبط، إتقان للصحيح.

يقول: الطبعة العامرة لصحيح مسلم وهل هي معتمدة أم لا؟

نعم، الطبعة العامرة في صحيح مسلم طبعة جيدة، وهي أجود من طبعتهم لصحيح البخاري، الطبعة العامرة التي من اسطنبول لصحيح مسلم معتنىً بها ومتقنة في الجملة، يعني لا يوجد عليها ملاحظات إلا نادراً جداً، بخلاف طبعتهم لصحيح البخاري، طبعتهم لصحيح البخاري عليها ملاحظات كثيرة، وفيها سقط بعض الأحاديث، وإن زعموا أنهم أخذوا هذه الطبعة من إرشاد الساري.

المقصود أن الطبعة العامرة لصحيح مسلم طبعة جيدة، علماً بأن الطبعة الموجودة مع شرح النووي، في الطبعة البهية وما صوّر عنها مأخوذة من الطبعة العامرة بحروفها؛ لكن من قارن بين هذه الطبعة، الطبعة العامرة، وبين الطبعة التي على هامش إرشاد الساري، وجد بعض الفروق، لا سيما في صيغ الأداء، وفي أنساب بعض الرواة، يجد بعض الفروق.

طالب:. . . . . . . . .

هو يقول: أشبيلية تسعة أجزاء، والعامرة ثمانية.

طالب:. . . . . . . . .

.... إيه ثمانية، البخاري ومسلم كلاهما ثمانية في العامرة.

يقول: ما رأيك بحفظ مختصر مسلم ثم حفظ مفردات البخاري؟ وهل هذا يغني عن حفظ الصحيحين الأصل؟

ص: 28

هذا حسب الحافظة قوةً وضعفاً، إن كانت لديه الحافظة القوية التي تسعفه لحفظ المتون والأسانيد فالأصول لا يعدل بها شيء، لكن إذا كانت الحافظة لا تسعف، ويريد أن يحفظ ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث وسلك هذه الطريقة بدءً بحفظ المتفق عليه (اللؤلؤ والمرجان) مثلاً، ثم يحفظ مفردات البخاري ثم مفردات مسلم، وإذا اعتنى بمختصر الزبيدي للبخاري وأضاف إليه مفردات مسلم، وإن قال: أن مسلم أكثر عناية بالألفاظ وقدم مختصره على مختصر البخاري وحفظ زوائد البخاري، فهو على خير على كل حال. لكن ينبغي أن نعرف كيف نبدأ؟ ما نبدأ بالكتب الطويلة قبل المختصرات، لا نصعد إلى السطح من غير سلم، نبدأ بالمتون الصغيرة المعتمدة على أهل العلم، ولا بد قبل ذلك أن تحفظ الأربعين مثلاً، أحاديث قواعد كلية، إذا حفظتها، وقرأت عليها بعض الشروح، حفظت العمدة والبلوغ، لك أن تحفظ ما شئت من الكتب، أما أن تحفظ بأسانيد أو متون مجردة عن الأسانيد فهذا خاضع لقوة الحافظة وضعفها، علماً بأن طالب العلم لا بد أن يحفظ السلاسل المشهورة التي يروى بها أكبر قدر من الأحاديث، وهذا يعينه على الحفظ، والله المستعان.

ص: 29