المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * الجدات وأحوالهن. * الوارثات من الجدات. * التعصيب لغة واصطلاحا. * - شرح الرحبية للحازمي - جـ ١١

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * الجدات وأحوالهن. * الوارثات من الجدات. * التعصيب لغة واصطلاحا. *

‌عناصر الدرس

* الجدات وأحوالهن.

* الوارثات من الجدات.

* التعصيب لغة واصطلاحا.

* أنواع العصبة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

لا زال الحديث في باب أصحاب السدس أو من يرث السدس، وهو آخر الأبواب التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، وأصحاب السدس سبعة، وسبق عدّهم وبيان شروط كلّ واحدٍ منهم، متى يأخذ السدس؟ وختم بالسابع وهو الواحد من ولد الأم:

وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا

وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ لَا يُنْسَى

بمعنى أنه يُشترط أن يكون فردًا يعني واحدًا ولا يكون متعددًا، فإن كان ولد الأم متعددًا حينئذٍ انتقل إلى الثلث، فصار من أصحاب الفرض الثاني. ثم لما انتهى الكلام على من يرث السدس في نفس الباب المعقود لمن يرث السدس شرح يتكلم في شيء من أحوال الجدات، وسبق أن الجدة ترث السدس، حيث قال فيما سبق ماذا قال؟

وَالسُّدْسُ فَرْضُ جَدَّةٍ في النَّسَبِ

وَاحِدَةً كَانَتْ لأُمٍّ أو أَبِ

وهذه الجدة تختلف قد تكون واحدة وقد تكون متعددة، قد تكون متساوية إذا كن متعددات أو قد يكن متباينات، ولذلك استطرد الناظم رحمه الله تعالى في بيان أحوال الجدات، استطردًا قال هنا على وجه الاستطراد وهو ذكر الشيء في غير محله لمناسبة. قبل الشروع في ذلك قدم الشارع مقدمة قال: واعلم قبله - يعني قبل التكلم في شيء من أحوال الجدات - أنه إذا اجتمع جدات عدة جدات ثنتان فأكثر يعني من جدتين فأكثر أما الواحدة فتأخذ السدس ولا إشكال.

أنه إذا اجتمع جدات فتارةً يكن في درجة واحدة يعني متساويات في درجة واحدة وقد ذكر الناظم بقوله:

وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ

وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ

فَالسُّدْسُ .................

......................

الخ البيت الثاني

. هذا تارة يكن في درجة واحدة متساويات، وتارة يكونوا بعضهن أقرب من بعض، وهذا ذكره الشارح في قوله:

وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ

أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ

إذًا تارة تكون في درجة واحدة، وتارة يكونوا بعضهن أقرب من بعضٍ، وعلى كلٍّ من التقديرين السابقَيْنِ فتارة يكن من جهة واحدة، يعني من جهة الأب فقط، أو من جهة الأم فقط، وتارة يكن من جهتين يعني من جهة الأب ومن جهة الأم، فالصور حينئذٍ يكون أربعة، وقد شرع أول ما شرع في بيان حكم المتساويات في قوله:

وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ

وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ

فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ

في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ

المذاهب تختلف في جدات، ثَمَّ ما هو متفق عليه مجمعٌ عليه، وثَمَّ ما هو مختلف فيه، وقد قررنا فيما سبق أن نذكر مذهب الحنابلة ولكن بعد أن نذكر الأبيات نلخص مذهب الحنابلة في الجدات.

(وَإِنْ تَسَاوَى) المساواة معلومة (نَسَبُ) أي قرابة الجدات بأن كن في درجة واحدة. وقوله: (الْجَدَّاتِ). كما سبق مرارًا أن الجمع في هذا الباب يعني في هذا الفن يراد به اثنان فأكثر، حينئذٍ إذا اجتمع جدتان فأكثر، والكلام فيما إذا تعدد الجدات، والمراد بالجمع ما فوق الواحدة فيشمل اثنتين فأكثر، وذلك قال الشارح: الجدات حيث كن ثنتين فأكثر، وتحته صورتان:

ص: 1

كونهن من جهة واحدة يعني من جهة الأب فقط، كلا الجدتين من جهة الأب هذا يعبر عنه بأنه من جهة واحدة، أو كونهن من جهتين يعني من جهة أب جدة أو نم جهة الأم جدة حينئذٍ ليستا من جهة واحدة، هذا يعبر عنه باختلاف الجهتين مع التساوي. إذًا إذا تساوى نسب الجدات حينئذٍ ينظر فيهن من هذه الجهتين، هل هن من جهة واحدة كأم أم الأب وأم أب الأب، انظروا الخاتمة بماذا؟ بالأب إذًا هاتان جدتان من جهة الأب أم أم الأب وأم أب الأب، أو كونهن من جهتين كأم أم وأم أب، أم الأم جدة وهي من قبل الأم، وأم الأب جدة وهي من قبل الأب، انظر أم أم، أم أب، جهتهم واحدة يعني التقارب العدد واحد، لو كان أم أم أم، أم أب ليسا في درجة واحدة، يعني تنظر العدد بين الأم وبين من ترث به.

(وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ) حيث كن ثنتين فأكثر قلنا: وتحته صورتان كونهن من جهة واحدة يعني من جهة الأب فقط كأم أم الأب، وأم أب الأب، أو كونهن من جهتين كأم الأم وأم الأب.

(وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ) هذا قيد لأنه ليس كل جدة ترث، ثَمَّ جدة محجوبة، وثَمَّ جدة فاسدة، جدة محجوبة وجدة فاسدة، فاحترز بقوله:

(وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). أن لا يكون من بين الجدات جدة محجوبة أو جدة فاسدة، هذا واضح بيِّن مما سبق ومما سيأتي في باب الحجب. (وَكُنَّ) الواو هذه واو الحال، كنّ الضمير هنا نون الإناث اسم كان، وكلهنّ هذا توكيد لنون الإناث، (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ) هذا توكيد، توكيد المرفوع مرفوع، ونون الإناث هذه [مرفوع] مرفوعة محلاً لأنها مبنية (وَارِثَاتِ) بالخفض، لماذا بالكسر؟ لماذا كُسِرت (وَارِثَاتِ)؟ لماذا خفضتْ؟

لم تخفض نعم هذا الجواب، إذًا هذه الكسرة ليست كسرة خفض، وإنما هي كسرة نصبٍ، لماذا؟ لأنه خبر كان، لماذا كان بالكسرة لا بالفتحة؟

.

ولدليل؟

[أي نعم أحسنت]

وما بتا وألف قد جمعا

يكسر في الجر وفي النصب معا

هكذا، نقول الدليل؟ تأتي بهذا، ليس عندنا قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، المقام ليس مقام تشريع، ما الدليل؟ تقول: قال ابن مالك. لأن قاعدة متفق عليها وهذا استناده.

إذًا (وَارِثَاتِ) هذا خبر كان بأن لا يكون فيهن جدة محجوبة كأم الأب معه، أم الأب معه عند الشافعية نشرح ما عند الشافعية أنها محجوبة، وعند الحنابلة لا، الأب لا يحجب أمه، لكن عند الشافعية هكذا، لئلا يكون فيهن جدة محجوبة كأم الأب معه، يعني إذا وُجدَ جدة أم الأب والأب كذلك موجود، حينئذٍ أدلت بماذا؟ أدلت بالأب وهو موجود، إذًا يحجبها على القاعدة، والمذهب عندنا لا، لا يحجبها كما سيأتي، ولا فاسدة وهي التي تُدْلِي بذكر بين أنثيين كأم أب الأم، إذا وقع الذكر بين أنثيين حينئذٍ لم تكون وارثةً. إذًا قوله:(وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). هذه الجملة في محل نصب حال، والمراد به الاحتراز عن الجدة المحجوبة على كلام الناظم لأنه شافعي، والجدة الفاسدة وهي التي لا تكون وارثة وضابطها التي تُدْلِي بذكر بين أنثيين.

ص: 2

(فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) إن تساوى نسب الجدات ما الحكم؟ كلهن يأخذن السدس، يقتسمن السدس بالسوية، يعني يشتركن الثنتان فأكثر في ماذا؟ في السدس، ليس لكل واحدة سدس {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11] لا، هنا الكل يجتمع في السدس، ففرض المجموع أو الجميع السدس يقتسمن بينهن بالسوية، يعني إذا كان عندنا السدس، وعندنا جدتان حينئذٍ ينتصف السدس بينهن، نصف السدس ونصف السدس. (فَالسُّدْسُ) الفاء واقعة في جواب الشرط (فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) يعني بالاستواء في القسمة العادلة الشرعية حال كون ذلك ثابتًا (في الْقِسْمَةِ)، (في الْقِسْمَةِ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، حال كون ذلك أي التسوية بينهن في السدس ثابتًا في القسمة العادلة، هذا لا شك أنها قسمة عادلة، لأن مدلول النصوص هو هذا الذي ذكره الناظم، العادلة أي غير الجائرة، إذ العدل الإنصاف وهو إعطاء المرء ما له يعني الذي له، وأخذ ما عليه، ولا شك أنها قسمة عادلة وهي مأخوذة من الشرع، ولذلك قال:(الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ). يعني المنسوبة إلى الشرع.

إذًا بين الناظم في هذا البيت أو هذين البيتين الحالة لأولى للجدات، وهن أو] هي إذا اجتمع الجدات اثنتان فأكثر فإن كن متساويات حينئذٍ اشتركن في السدس ولذلك قوله هنا:(في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ). في بعض النسخ (المرضية) يعني التي ارتضاها الفرضيون، أما إذا كنَّ غير متساويات في الدرجة فإن الجدة القربى تسقط الجدة البعدى، إذا لم يكن متساويات في الدرجة فإن الجدة القربى تسقط الجدة البعدى سواءٌ كانت من جهة الأم أو من جهة الأب خلافًا للمالكية والشافعية، هذا عندنا معاشر الحنابلة، فالقربى عندهم من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأب إلى العكس، وهذا سيأتي بيانه.

الدليل على التساوي ما روى الحاكم على شرط الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم قضى للجدتين في الميراث بالسدس، وقيس الأكثر منهما عليهما، بل ثبت بالنص توريث ثلاث جدات وفي مراسيل أبي داوود أنه صلى الله عليه وسلم ورث ثلاث جدات، أي وهن [أم الأم] أم أم الأم، وأم أم الأب، وأم أبي الأب كما فسرهن الراوي، وذلك ما سيأتي تقديره لأن المذهب عند الحنابلة لا يرث إلا ثلاث جدات فقط. إذًا هذه الحالة الأولى.

ثم ذكر حكم ما إذا كان إحداهما أقرب من الأخرى، وهما من جهتين، وأما إذا كانت من جهة واحدة فسيذكره فيما يأتي:

وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ

في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى فَقُلْ لِي حَسْبِي

يعني لم يذكر ما ذكره هنا أولاً بأنه إذا تساوى نسب الجدات من جهة واحدة، طيب إذا كانت إحداهما قربى والأخرى بعدى، لا شك أن القربى تسقط البُعدى، لكنه أخرَّه في آخر النظم وشرع فيما يتعلق باجتماع الجدتين إذا كن من جهتين ونحو ذلك. فقال رحمه الله:

وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ

أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ

ص: 3

انظر هنا اجتمعت جدة لأم وجدة لأب، إذًا من جهتين، من جهة واحدة يعنون بها من قبل الأم فقط جدتان فأكثر، الحكم السابق فيهما إن كن متساويات اشتركن في السدس، إن كانت إحداها قربى والثانية بعدى حينئذٍ القربى أسقطت البعدى، وإذا اجتمعت وكنّ من جهتين إحداهما من قبل الأم، والأخرى من قبل الأب حينئذٍ فيه التفصيل الذي ذكره عند الشافعية. (وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ ** أَمَّ أَبٍ)

(وَإِنْ تَكُنْ) تكن اسم تكن هنا ضمير يعود على الجدة، (وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة (قُرْبَى) هذا خبر تكن (قُرْبَى لأُمٍّ) اللام هنا بمعنى من كما نخرجه دائمًا للناظم لأن التنصيص على شيء قد يُفهم أن غيره ليس بداخلٍ فيه وليس الأمر كذلك، (وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة (قُرْبَى) هذا خبر تكن (لأُمٍّ) يعني من أم وعلى حذف مضاف يعني من قبل الأم، حينئذٍ يشمل أم الأم، وأم أم الأم .. وهلمّ جرّا، لماذا؟ لأنه لو نص على الظاهر الذي أُخِذَ من اللفظ حينئذٍ اختص الحكم بأم الأم، وليس الأم كذلك، حينئذٍ لا بد من جعل اللام بمعنى من ثم على حذف مضاف، ولذلك قال الشارح: أي من جهة الأم، انظر من جهة الأم، جعل اللام بمعنى من ثم جعل الأم مضاف إليه والمضاف محذوف وهو تقديره من جهة الأم من قبل الأم، (حَجَبَتْ) أي منعت (أَمَّ أَبٍ بُعْدَى) حجبت أي القربى لأم من قبل لأم (أَمَّ أَبٍ بُعْدَى) أم هذه مفعولاً لقوله:(حَجَبَتْ) و (بُعْدَى) صفة له، (حَجَبَتْ ** أَمَّ أَبٍ) أي من جهة الأب، القول فيها كالقول فيما سبق، فليس قاصرةً على أم الأب كما هو ظاهر العبارة. (وَسُدْسًا سَلَبَتْ) يعني وسلبت سدسًا يعني أخذت السدس كاملاً، لأنها لو اشتركت معها لكان نصف السدس لها، هو حقها ولكن الناظم هنا عبر بأنها سلبت السدس كاملاً لانفرادها، وإلا الظاهر أنه ليس ثم سدس كامل في الأصل لها، هي لا تستحق إلا النصف، وكونها حجبتها أخذت نصف السدس الآخر، حينئذٍ لم تسلب السدس كله، وإنما سلبت نصف السدس هذا هو في الحققة، ولكن لما كان السدس معطيًا على جهة الاستقلال عبر الناظم بذلك، و (وَسُدْسًا سَلَبَتْ) أي سلبت سدسًا، السلب في الحقيقة لنصف السدس لأنها لو لم تحجب الأخرى لاشتركتا ولكن نظر [المصنف](1) الناظم هنا لكونها أخذت سدس بكامله.

قال الشارح هنا: وإن تكن الجدة قربى لأم أي من جهة الأم كأم أم حجبت أم أب أي من جهة الأب بُعدى، كأم أم الأب، انظر أم الأم قريبة يعني ليس بينها وبين الميت إلا واحد، وهنا البعدى أم أم أب، أيهما أقرب؟ هذه باثنين وهذه بواحد وصلت، إذًا القريبة تحجب البعيدة لكن بشرط أن تكون القريبة من جهة الأم والبعيدة من جهة الأب، وكأم أب أبٍ أشار بتعدد المثال إلى أنه لا فرق بين أن تدلي للأب بأنثى أو بذكر، العكس لو كانت القربى أم أبٍ والبعدى أم الأم هذا فيه خلافٌ بين الشافعي. إذًا عندنا صورتان:

أن تكون القربى أم أم من جهة الأم، والبعدى من جهة الأب حجبتها لا إشكال فيه، لو كانت بالعكس بأن كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم فالقولان منصوصان، يعني في كتب أهل العلم، ففيهما خلاف أيهما يسقط الأخرى.

ثم ذكر ما كانت القربى من جهة الأب فقال:

(1) سبق.

ص: 4

وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ

أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ

(وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة القربى (فَالْقَوْلَانِ)، (وَإِنْ تَكُنْ بِالْعَكْسِ) متلبسة بالعكس يعني من المسألة الأولى بأن كانت القريبة من جهة الأب والبعدى من جهة الأم، أيهما يحجب الآخر؟ هل نعمم القاعدة فنقول: القربى مطلقًا تحجب البعدى سواء كنت القربى من جهة الأم أو من جهة الأب أم نفصل؟

فنقول: القربى إن كانت من جهة الأم حجبت البعدى، وأما بالعكس ففيه خلاف فنرجح بأنه لا تسقط البعدى التي هي من قبل الأم بالقربى من جهة الأب، هذا الذي يعنيه الناظم هنا (وَإِنْ تَكُنْ بِالْعَكْسِ) إن تكن الجدة القربى بالعكس مما سبق يعني من المسألة السابقة المخالفة للصورة السابقة بأن كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم، قال:(فَالْقَوْلَانِ) الفاء واقعة في جواب الشرط والقولان مبتدأ (مَنْصُوْصَانِ) خبر المبتدأ (في كُتْبِ أَهْلِ الْعِلْمِ) يعني منهم من قال بأنها تَطرد القاعدة القربى مطلقًا تحجب البعدى مطلقًا، ومنهم من فصل قال: إن كانت القربى من جهة الأم حجبت البعدى من جهة الأب، وإن كانت القربى من جهة الأب لم تحجب البعدى من جهة الأم، بل تحجبها تلك أو يشتركان على خلاف، (في كُتْبِ)، (كُتْبِ) بإسكان التاء وهو لغة وللوزن كذلك، (أَهْلِ الْعِلْمِ) أي الفقهاء الفرضيين (مَنْصُوْصَانِ) قلنا: هذا خبر المبتدأ، نصّ على الشيء نصًّا عينه وحدده، وصيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف. قال:(بِالْعَكْسِ) من المسألة الأولى بأن كانت القربى من جهة الأب كأم أب والبعدى من جهة الأم كأم أم أم، (فَالْقَوْلَانِ) فيهما في هاتين الصورتين مذكوران في كتب أهل العلم من الشافعية وغيرهم منصوصان للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهما روايتان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه. (لَا تَسْقُطُ الْبُعْدَى) هذا القول الأول:

لَا تَسْقُطُ الْبُعْدَى عَلَى الصَّحِيحِ

وَاتَّفَقَ الْجُلُّ عَلَى التَّصْحِيحِ

ص: 5

(لَا تَسْقُطُ الْبُعْدَى) هذا خبرًا لمحذوف يعني أحد القولين (لَا تَسْقُطُ الْبُعْدَى)، أي بُعدى؟ التي من جهة الأم لا تسقط تبقى مع التي من جهة الأب وهي القربى، (لَا تَسْقُطُ) أي الجدة، (الْبُعْدَى ** عَلَى الصَّحِيحِ) يعني على القول الصحيح، صحيح فعليل بمعنى مفعول، يعني على القول المصحح، وصح الشيء صحة بَرِءَ من كل عيب أو ريب فهو صحيح.

(عَلَى الصَّحِيحِ) أي على القول الصحيح (وَاتَّفَقَ الْجُلُّ) يعني الجل معظم الشافعية، وكذلك المالكية على التصحيح. يقال: صححه أي زال خطأه أو عيبه. إذًا رجح المصنف هنا بأن البعدى لا تسقط، (لا تَسْقُطُ الْبُعْدَى) من جهة الأم بالقربى من جهة الأب، بل يشتركان في السدس، على الصحيح عندهم وبه قال مالك رحمه الله تعالى، وعلة عدم السقوط قالوا: لأن التي من جهة الأم وإن كانت أبعد فهي أقوى، التي من جهة الأم وإن كانت بعيدة فهي أقوى من القريبة أتي من جهة الأب لكون الأم أصلاً في إرث الجدات، لأن إرث الجدات بطريق الأمومة، فعدل قرب التي من قبل الأب قوة التي من قبل الأم فاعتدلتا واشتركتا، هو يقول: فاعتدلا فاشتركا. لا، هنا التأنيث واجب فاعتدلتا واشتركتا.

القول الثاني: تحجبها يعني القربى تحجب البعدى، ولو كانت القربى من قبل الأب تحجب البعدى من جهة الأم، وهذا هو الصحيح، للقاعدة المطردة وهو مذهب الحنابلة كما سيأتي. والقول الثاني تحجبها أي أن القربى تحجب البعدى جريًا على الأصل والقاعدة من أن القربى تحجب البعدى، هذا هو الأصل المطرد في علم الفرائض، أن القريب يحجب البعيد لا يرث معه. وبه قال أبي حنيفة وهو المفتى به عند الحنابلة، وهو الأولى بالقبول لموافقته للأصول. (وَاتَّفَقَ الْجُلُّ) يعني المعظم من الشافعية والمالكية كذلك على التصحيح لهذا القول الأول.

إذًا إذا كان من جهتين فحينئذٍ إذا كانت القربى من جهة الأم أو كانت القربى من جهة الأب حينئذٍ حجبت البعدى مطلقًا على الصحيح، وعند الشافعية فيه تفصيل: إن كانت القربى من جهة الأم حجبت البعدى من جهة الأب، وإن كانت القربى من جهة الأب لم تحجب البعدى من جهة الأم، بل ترث معها وتشترك في السدس، والصحيح هو الحجب.

إذًا قوله: (وَإِنْ تَكُنْ). هذا ذكرٌ للجدات إذا كانت إحداهما أقرب من الأخرى وهما من جهتين ثم قال:

وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ

فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

هذا تصريح بمفهوم قوله: (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). صرح بالمفهوم أن التي تكون فاسدة هي من وُجد فيها هذا الضابط فلا تكون وارثةً، لأنه بين لك بقوله:(وَإِنْ تَسَاوَى)

إلى آخره الجدة الوارثة، طيب من هي التي لا ترث؟ حينئذٍ نحتاج إلى بيان لأنك قيدت الحكم قلت:(وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ) نفهم منه أن من الجدات من ترث، ومن الجدات من لا ترث، إذًا ما الضابط بينهما قال:

وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ

فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

ص: 6

إذا أدلت ووصلت إلى الميت بشخص لا يرث ليس من أصحاب الفروض وليس من أصحاب التعصيب فحينئذٍ نقول: هذه جدة فاسدة غير صحيحة، لماذا؟ لأنها لا ترث. (وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ) من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) وهي كل من أدلت بذكر بين أنثيين هذا ضابطها، كل من دلت بذكر بين أنثيين (فَمَا لَهَا) الفاء واقعة [في جواب] واقعة في خبر المبتدأ ليست في جواب، لأن كل مبتدأ وهو من صيغ العموم حينئذٍ يُستحسن أن تدخل الفاء على الخبر، (وَكُلُّ) هذا ضابط كل (مَنْ أَدْلَتْ) من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) يعني وصلت إلى الميت بغير وارث، شخص لا يرث (فَمَا لَهَا حَظٌّ) أي نصيب من الموارث، (فَمَا لَهَا حَظٌّ) فليس لها حظ من الموارث، أي من الأمور الموروثة فهو جمع ميراث بمعنى الموروث.

قال الشارح هنا: (وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ) وكل من أدلت من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) كأم أب الأم، أب الأم من الأرحام من ذوي الأرحام، فإن أب الأم غير وارث، ويعبر عنها بالتي تدلي بذكر بين أنثيين، كلاهما مختلفان في الصيغة والمؤدي واحدٌ، (فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ) لأنها من ذوي الأرحام فلا ترث إلا عند من قال بتوريث ذوي الأرحام، وهم الحنابلة وغيرهم، في المذهب عندنا الضابط هنا: لا يسقط الجدة إلا الأم، وأما الأب والجد فلا يسقطان الجدة المدلية بهما عند الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة، يعني أم الأب ترث مع الأب، وأم أب الأب ترث مع الجد، لأن أبا الأب هو الجد فترث معه ولا يحجبها، هذا يضاف إلى ما ذكرناه هناك من الإخوة الأم، الإخوة لأم قلنا القاعدة: أن كل من أدلى بوارث حينئذٍ حجبه. هذه قاعدة استثنينا فيما سبق بالاتفاق الإخوة لأم، لأنهم أدلوا بالأم ويرثون معها، يضاف إليه عند الحنابلة الجدة مع الأب، والجدة مع الجد، الذي هو أبو الأب [نعم]، لا يُسقط الجدة إلا الأم، الأم هي التي تسقطها، وأما الأب والجد فلا يسقطان الجدة المدلية بهما عند الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة، والجدة الفاسدة هي الجدة المدلية بذكر بين أنثيين كأم أب الأم. قال هنا فائدة عند الشارح:

حاصل القول أن الجدات عند الفرضيين على أربعة أقسام:

القسم الأول: من أدلت بمحض إناث، يعني بإناث خلّص، أم أم أم ليس بينهما ذكر ولا تنتهي بذاك. كأم الأم وأمهاتها المدليات بإناث خُلّص، بخلاف ما لو كان هناك ذكر بين الإناث، فإنها لا ترث حينئذٍ على هذا القسم الأول من أدلت بمحض الإناث، جدة تدلي للميت بمحض الإناث أم أم، أم أم الأم .. وهلم جرا وإن علون، حينئذٍ نقول: هذه السلسلة كلها إناث حينئذٍ ترث، وهذه محل إجماع بين أهل العلم، ترث بإجماع الأئمة الأربعة، لكن بهذا الشرط بمحض الإناث بخلاف ما لو كان هناك ذكر بين الإناث فإنها لا ترث حينئذٍ.

إذًا القسم الأول لا خلاف فيه المجمع عليه إذا عرفته يسير لك للأمر كثيرًا.

ص: 7

والقسم الثاني: من الجدات: من أدلت بمحض ذكور، يعني ذكور خُلّص ليس بينهم إناث، كأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أب أب الأب. ذكر لك ثلاثة أنواع انتبه أم الأب هذه وارثة بالإجماع، يعني الإجماع الأئمة الأربعة لا خلاف في أن أم الأب وارثة، واضح؟ [وأم أبي] وكذلك أمهاتها المدليات بمحض الإناث يعني وإن علون أم أم أم أب، أم أم أم الأب

إلى آخره كلهنّ وارثات بشرط أن لا يكون ثم فاصل بين الإناث بذكرٍ. وأما الثانية وهي أم أبي الأب وهذه ترث عند الأئمة الثلاثة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد حتى المذهب عندنا ترث خلافًا للمالكية فلا ترث عندهم، أم أبي الأب هذه قلنا: ترث عند الأئمة الثلاثة ولا ترث عند المالكية، ومثلها في ذلك أمهاتها المدليات بإناث خُلّص، هذا النوع الثاني.

الثالث ليس القسم الثاني النوع الثالث في الجدات المذكورات في القسم الثاني: أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة، الحنابلة لا ترث وهكذا بمحض الذكور، يعني كأم أبي أبي أبي أبٍ إذًا القسم الثاني من أدلت بمحض ذكور يعني بذكور خُلّص وذكر الناظم ثلاث أنواع لهذا القسم:

- أم الأب، وترث بإجماع.

- أم أبي الأب ترث عند الثلاثة خلافًا للمالكية.

- أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة.

القسم الثالث من أحوال الجدات: من أدلت بإناث إلى ذكور، يعني إناث والخاتمة بذكور، أي لا بإناث خلص، ولا بذكور خُلص مثل ماذا؟

أم أم أبي انظر أدلت بإناث أم أم إلى ذكور أب، كأم أمي أبي وكأم أم أبي أبٍ وهكذا، أم أم الأب هذه مجمع على إرثها، وأم أم أبي أبٍ هذه وارثة عند غير المالكية يعني عند ثلاثة ترث إلا المالكية.

القسم الرابع: عكس الثالث يعني من أدلت بذكور إلى إناث، أم أبي الأم وهذه هي التي احترز عنها بقوله:

وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ

فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

يعني جدة فاسدة، ليس لها حظ من الإرث، وهي غير وارثة عندنا كالحنيفة والمالكية والحنابلة، إلا على القول بتوريث ذوي الأرحام.

إذًا هذه أربعة أقسام على ما ذكرناه في اختلاف المذاهب الأربعة، وسيأتي خلاصة المذهب إن شاء الله تعالى.

وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ

في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى فَقُلْ لِي حَسْبِي

هذا البيت لو جعله فيما يتعلق بقوله:

فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ

في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ

ص: 8

(وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) لأنه هو متعلق به، الجدات إذا كن من جهة واحدة من جهة الأم فقط واجتمعن ليسا في درجة واحدة، إحداهما قربى والثانية بعدى، إذًا البعدى تسقط بالقربى هذا الذي عناه هنا. (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) يعني من الورثة الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ)، (وَتَسْقُطُ) من الورثة

(الْبُعْدَى) هذه صفة لموصوف محذوف أي الجدة البعدى، وتسقط الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ) يعني بالجدة صاحبة القربي، ذات بمعنى صاحبة، سواءٌ كانتا من جهة الأم كأم أم وأمها إتفاقًا لأنها مُدلية بها بأم الأم فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى مدلية بالقربى كأم أب وأمها اتفاقًا أيضًا لأنها أدلت بها فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى لا تدلي بالقربى أم الأب وأم أبي الأب على الأصح المنصوص في زوائد الروضة. إذًا:

وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ

في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى .........

عند الثلاثة لا إشكال فيه اتفاقًا، وإنما في المذهب الأولى يعني الخلاف عند الشافعية، وأما عند الحنابلة قولاً واحدًا أنها تسقط، وكذلك عند المالكية وعند الحنفية، وإنما في المذهب الأولى يعني في القول الأول عند الشافعية لأن في هذه المسألة قولين: تسقط، لا تسقط. والمرجح عندهم أنها تسقط اتفاقًا للثلاثة. إذًا قوله:(في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى). يعني في القول الأرجح عند الشافعية، وأما عند الأئمة الثلاثة فمحل وفاق لا خلاف بينهم في أن البعدى تسقط بذات القرب، وهذا فيما إذا كان من جهة واحدة، أن قربى كل جهة تحجب بعداها، هذا الضابط في باب الفرائد، قربى كل جهة تحجب بعدها. وأما الوجه الثاني عندهم أنها لا تحجبها بل يشتركان في السدس، لأنها قال هنا: أنها لا تحجبها أي بعدم إدلائها بها بل يشتركان في السدس. (في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى) يعني الأرجح المفتى به في بعض هذه المسائل، وأما في بعضها فاتفاقًا فتسقط البعدى بالقربى اتفاقًا كما قررتُ لك فجريان الخلاف في هذه المسائل باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع (فَقُلْ لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفي كأنه استشعر أنه أطال في هذا الباب فيكفي هذه المسائل، فقل: أيها الناظر في هذا النظم (لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفيني ما حصل من ذكر المسائل في أصحاب الفروض أو في الجدات فـ (حسب) اسم فعل بمعنى يكفي، (ففيما ذكرته لي) كفاية للمبتدئ، ولا يقصر عن إفادة المنتهي ومن أراد التبحّر في ذلك فعليه بالكتب المطوّلة:

وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ

مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلَا غُمُوضِ

ص: 9

(وَقَد تَّنَاهَتْ) قد للتحقيق (تَّنَاهَتْ) تفاعل هنا ليس على بابه كما أشار الشارح إلى ذلك بقوله: أي انتهت، (تَّنَاهَتْ) يعني بلغت الغاية في النهاية ليس هذا المراد، وإنما المراد أنها انتهت (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه قسمة الفروض. فالذي انتهى بيان الفروض ومستحقيها لا قسمة الفروض، قسمة الفروض هذا يكون عمليًّا وإنما بيان الفروض وبيان مستحقي الفروض هو الذي انتهى، فمراده (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) وهو معرفة من يرث ومن لا يرث، ومعرفة الفروض وأصحابها

إلى آخره هذا الذي يكون أصلاً، ثم بعد ذلك تقسم، هذا كم له وهذا كم له؟

إذًا (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) حال كونها (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ) يعني من غير التباس، يقال: أشكل الأمر التبس، (وَلَا غُمُوضِ) هذا لازم لما قبله غمض الشيء والكلام غموضًا خَفِيَ يعني من غير التباس ومن غير خفاء (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي: انتهت (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلَا غُمُوضِ)، وهو كذلك لأن الرحبية من المنظومات الواضحة البيّنة التي لا تحتاج إلى كثرة كلام.

مَن يرث من الجدات عند الحنابلة ثلاثة فقط:

- الأولى: أم الأم وإن علت بمحض الإناث، وقلنا: هذا مجمع على توريثها.

- الثانية: أم الأب كذلك يعني وإن علت بمحض الإناث، وهذه مجمع على توريثها.

- الثالثة: أم أبي الأب.

عند الحنابلة غير هذه الثلاثة لا ترث فقط، وهذا هو ظاهر السنة، أن غير هذه الثلاثة لا يرثن البتة، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، وكذا كل جدة تُدلي بغير وارث إجماعًا لا ترث، وأما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، والخلاف في ذوي الأرحام هذا معلوم، ولا خلاف بين العلماء في توريث أم الأم، وأم الأب، وإنما الخلاف في الثالث فقط وهي أم أبي الأب والصحيح أنها ترث، ودليل الحصر في الثلاثة لماذا حصرنَّ في ثلاثة ما رواه سعيدٌ في سننه عن ابن عيينة عن منصور عن إبراهيم النخعي أن النبي صلى الله عليه وسلم ورّث ثلاث جدّات.

قول ثلاث يدل على ماذا؟ على الحصر.

أن النبي صلى الله عليه وسلم ورّث ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، أم الأم هذه واحدة، أم الأب وأم أبي الأب ثنتين من قبل الأب، وأخرجه [أبو عبيد، والدارقطني](1) قال في الإرواء: وإسناده صحيح مرسل. وأخرجه البيهقي والمرسل مختلف فيه، لكن عند كثير من الأوائل السلف أنه معمول به قبل وجود فتنة الكذب ونحو ذلك، لكن يؤيده الإجماع الآتي.

(1) هكذا في الإرواء (6/ 127).

ص: 10

وأخرج البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا قال الحافظ يعني أخرجه البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا. إذًا من ومرسل إبراهيم النخعي ومن مرسل الحسن البصري أن الوارثات من الجدات ثلاثة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وذكر البيهقي عن محمد بن نصر أنه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك. ما هو ذلك؟ أنه لا يرث إلا ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك ولا يصح إسناده عنه. يعني ما روي عن إنكار سعد بن أبي وقاص لا يثبت عنه البتة، فالمذهب عندنا يرث الجدات الثلاث، وإن علون أمومة السدس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يرث غير ثلاث جدات، أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب وإن علون أمومةً وأبوةً إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم. ووجه الاستدلال من الأثر السابق قوله: ورَّث ثلاث جدات. وقال: كذلك في الأثر: كانوا يورثون ثلاث جدات. فدل على التحديد بثلاث وأنه لا يرث أكثر منهن وأن المدلية بأبٍ بين أمين غير وارثة، من أدلت بأبٍ بين أمَّين يعني بين أنثيين، ذكر بين أنثيين هذه ليست وارثة ونص عليها الناظم:

وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ

فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

حالات الجدة تلخيصًا لما سبقه، وقلنا: هذا في المذهب.

إن انفردت واحدة من الثلاث أخذت السدس كاملاً بلا نزاع إذًا إذا لم يكن ثَمَّ أم، فإن وُجدت الأم حجبتها، إن انفردت واحدة يعني لم يوجد إلا جدة واحدة ومن الأم أو أم الأب، أو أم أبي الأب حينئذٍ انفردت أخذت السدس، إلا إذا وُجدت الأم بتحجبها، فإن وُجدت الأم حينئذٍ لا ترث، وإن اجتمع اثنتان أو ثلاث فننظر فإما أن يتحاذين بمعنى أن يتساوين في درجة القرب من الميت كأم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أبٍ انظر كلهن في درجة واحدة، ثلاث ثلاث، يعني تعد الدرجة تعرف تعد كم بينهم أم أم أم ثلاث، أم أم أبٍ ثلاث، أم أبي أبٍ تقول: هؤلاء استوين في الدرجة حينئذٍ الحكم يأخذن السدس يشتركن في السدس كاملاً. يعني (فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) كما ذكر الناظم أو تساوين في درجة البعد من الميت فالسدس بينهن لخبر قضى للجدتين في الميراث بالسدس، وقس الأكثر منهما عليهما، ولعدم المرجح لإحداهن على الأخرى، ولأنهن ذوات عدد، واستوى كثيرهن وواحدتهن كالزوجات، جاء النص في الزوجة والزوجات مثلهن، فكذلك الجدات إذا كن وارثات فكل واحدة منهن حينئذٍ تستحق تطلب السدس لكن لما لم تكن منفردة حينئذٍ تُشَرَّك مع غيرها، وإن لم يتساوين فمن قربت من الجدات فالسدس لها وحدها مطلقًا، سواء كانت من جهة الأم، أو من جهة الأب لأنهن أمهات يرثن ميراثًا واحدًا من جهة واحدة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن كالآباء والأبناء والإخوة، (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) من كل جهة للقربى، سواء كانت القربى من جهة الأم والبعدى من جهة الأب أو بالعكس.

إذًا هذا هو المذهب دون تفصيل على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.

ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان ما يتعلق بالإرث أو النوع الأول وهو الفرض:

وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا

فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ عَلَى مَا قُسِّمَا

ص: 11

بين لك الفرض وأصحابه، ثم انتقل إلى بيان النوع الثاني وهو التعصيب فقال:(بَابُ التَّعْصِيب)

لما أنهى الكلام على الفروض ومستحقيها شرع في بيان العصبات فقال: (بَابُ التَّعْصِيب) أي هذا باب بيان التعصيب، وما يتعلق به من حيث التعريف ومن حيث الأحكام.

التعصيب مصدر عَصَّبَ يُعصِّبُ تَعْصِيبًا لأنه فعَّل، وفعّل كَلَّّمَ يُكَلِّمُ تَكْلِيمًا، عَلَّمَ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا. إذًا التعصيب هذا مصدر، وعَصَّبَ بتشديد الصاد فعَّل يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا، تَعْصِيبًا هذا لا حاجة لأن يذكره الشارح لأنه هو المحدث عنه كان الأولى حذفه فهو عاصب، هل اتفقا عَصَّبَ يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا فهو عَاصِب؟ يتفق؟ فهو مُعَصِّب [نعم أحسنت] هذا الذي يتفق، لكن عَاصِب هذا مصدر عَصَبَ كضَرَبَ فهو عَاصِب، وإن كان هذا المشهور عن ألسنة الفرضيين، يقولون: عاصب ويقولون باب التعصيب حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب وأخذوا عاصب، عاصب. ويقولون: باب التعصيب، حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب، وأخذوا عاصب من عَصَبَ، وهذا لا إشكال فيه. لكن قوله: فهو عاصبٌ قد يوحي أو يشير إلى أنه عاصب اسم فاعل مأخوذ من عَصَّبَ وليس الأمر كذلك، بل هو مُعَصِّب، فهو عاصب بيان لاسم الفاعل وكان حق العبير مُعَصِّب لأنه هو اسم فاعل لعَصَّبَ، وأما عَاصِب فهو اسم فاعل لعَصَبَ كضَرَبَ عَاصِب، مثل قَتَلَ فهو قاتل، وضَرَبَ فهو ضارب عَصَبَ فهو عَاصِب، أما مُكَلِّم ومُعَلِّم ومُعَصِّب هذا لفعّل، يأتي على وزن مُفَعِّل لأنه من غير ثلاثي، كل ما كان ليس أصله ثلاثيًّا حينئذٍ يأتي على مُفْعلْ هذا هو الأصل، ويجمع العاصب على عَصَبَة، عاصب اسم فاعل يُجمع على عَصَبَة هذه يبين لك اصطلاحات الفرضيين، يجمع العَاصِبُ على عَصَبَة مثل طَالِبُ وطَلَبَة، عَاصِب عَصَبَة، والعَصَبَة جمع يجمع كذلك على عَصَبَات، فعصبات جمع الجمع، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وجمع الجمع هذا سماعي ليس قياسيًا، جمع الأول عَصَبَة هذا لا إشكال فيه أنه قياسي، وأما جمع الجمع كله في لسان العرب كله سماعي يعني ليس له ضوابط، بل قيل: بأن جمع التكسير كله سماعي، وقيل بعضه قياسي، ثم اختلفوا فيه على كلام طويل عريض، ويجمع الْعَصَبَة وهو جمع على عَصَبَات كقَصَبَة وقَصَبَات، وعَصَبَات جمع الجمع، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يقال زيد عصبة والزيدان عصبة والزيدون عصبة، واحد، مثل قولك زيدٌ عدلٌ والزيدان عدل والزيدون عدل هل بينهما فرق؟ نعم بينهما فرق، زيدٌ عدلٌ الزيدان عدلٌ مصدر والمصدر يخبره عن الواحد والاثنين والجمع، وأما عصبة قلنا: هذا جمع فكيف يستوي؟ هذا قد يقال: بأن له استعمالين يعني ثَمَّ تعارض بين ما بدأ به الشارح وبين قوله الأخير، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يعني يطلق على الواحد عصبة فيقال: زيد عصبة، وعلى الاثنين الزيدان عصبة وعلى الجمع فيقال الزيدون عصبة، كما نقول: زيد عدل والزيدان عدلٌ والزيدون عدلٌ. وظاهر هذا أنه اسم جنس إفرادي، وهذا يخالف قوله ما سبق أنه جمع لعاصب إلا أن يقال: إن فيه استعمالين يستعمل جمعًا، ويستعمل اسم جنس إفرادي.

ص: 12

إذًا ليس هو السابق وإنما هكذا ابتداءً عصبة نوعان: عصبة جمع لعاصب، وعصبة اسم جنس إفرادي. من أجل أن يصح التعبير لأن الذي يخبر به عن الواحد والاثنين والجمع ويستوي اللفظ دون تغيير له بإلحاق علامة التثنية أو إلحاق علامة جمع هو الجنس الإفرادي، وأما الذي يكون جمعًا فلا يصح هذا، إنما نقول: زيد عصبة والزيدان عصبتان والزيدون عصبات. هذا الذي يناسبه، وأما اتحاد اللفظ فحينئذٍ لا بد أن يكون اسم جنس إفرادي.

إذًا عصبة له استعملان جمع وليس بجمع، وهذا لا إشكال فيه مثل فُلك يكون جمعًا ويكون مفردًا، والأمر واضح، وقُفُل ونحوها، قُفُل وقُفل، لا، قُفُل هذا مفرد وقفل جمع ثم يتحدان إذا خُفِّفَ الثاني قُفُل قُفْل يُنْظَر فيه.

والعصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه، العصبة عرفنا أنه اسم لذوات، وقرابة في الأصل أنها مصدر فهي معنىً، حينئذٍ لا يصح الإخبار عن المبتدأ بذي المعنى، أي ذوو قرابة الرجل فلا بد من حذف المضاف، العصبة لغة قرابة الرجل ذوو قرابة الرجل، لا بد من الإتيان بذو وجمعها، أي ذوو قرابة الرجل، فهو على تقدير مضاف ليصح الإخبار به عن العصبة، فإن القرابة معنى من المعاني، والعصبة اسم للذوات فلا يصح الإخبار إلا بتقدير هذا المضاف، ويصح أن تكون القرابة بمعنى الأقارب، وحينئذٍ اتحدا من حيث إطلاقه على الذوات. إذًا القرابة مصدر ولا يصح الإخبار به عن الذوات وهو العصبة، حينئذٍ لا بد من حذف مضاف ذوو قرابة، أو نجعل القرابة هنا ليس المراد بها المصدر وإنما أطلق وأريد بها الأقارب وهم ذوات. قرابة الرجل لأبيه. هذا تقييد احترازًا من قرابة الرجل لأمه لأنه ليس عصبات إنما هو خاص بالرجل، أي دون أمه لضعف قرابتها حيث أدلوا برحم أنثى، وأيضًا في الغالب أنه من قبيلة أخرى منفكة عن الميت. إذًا العصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه سمّو بها يعني سمي أقارب الرجل بالعصبة، لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالعصبة حينئذٍ مأخوذة من العصْب بمعنى الإحاطة، وعَصَبَ بمعنى أحاط يتعدّى بالباء، وبمعنى شدّ يتعدى بنفسه، وكل ما استدل حول شيء فقد عصب به أي أحاط به، ومنه العصائب أي العمائم يعني منه، من العصب بمعنى الإحاطة العصائب أي العمائم، سميت بذلك لإحاطتها بالرأس، وقيل: سمو بها يعني بهذا اللفظ أقارب الرجل بالعصبة لتَقَوِّي بعضهم ببعض، يعني بعض الأقارب يتقوى بالبعض الآخر على القديم، من العصب وهو من الشدِّ والمنع، بعضهم يشدّ بعضًا، يقال: عصبت الشيء عصبًا شددته، والرأس بالعمامة شددته، ومنه العصابة يُشَدُّ الرأس بها، وقيل غير ذلك. إذًا لماذا سمو عصبة؟

فيه قولان:

- إما من الإحاطة من عصب بمعنى الإحاطة لأنهم أحاطوا بالميت.

- أو مأخوذ من الشد والمنع.

ومدار هذه المادة وهي العين والصاد والباء على الشدِّ والقوة والإحاطة والمنع، وكلها لا مانع أن يقال: بأنهم سمو عصبة لهذه المعاني.

ص: 13

إذًا عرّف المصنف هنا الشارح العصبة لغة قرابة الرجل لأبيه، أورِدَ على هذا أُعتُرض على هذا التعريف بأن فيه قصورًا لأنه لا يشمل الآباء ولا الأبناء مع أن الإحاطة لا تتم لا بهم، فالأبناء من تحت والآباء من فوق والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم في الجوانب القريبة والبعيدة، ولذلك قيل: العصبة - تعريف آخر - من يرثُ بلا تقدير. لأن الإرث على نوعين: إرث بالفرض وهو مقدر، وإرث بالتعصيب وهو غير مقدر. وهذان الحدان مذكوران في كتب الفرائض وكل من عرّف التعصيب ففي حده خلل، والأولى أن يُعدّىَ فيقال العصبة أو من يرث بالعصبة ثلاثة أقسام النوع الأول وهم كذا وكذا، والنوع الثاني وهم كذا وكذا

لذلك قال قائل:

وليس يخلو حدّه من نقد

فينبغي تعريفه بالعدِّ

فيقال: العصبة بالنفس اثنا عشر، والعصبة بالغير، والعصبة مع الغير، أما محاولة أن تضع له تعريف هذا لا يسلم منه اعتراض.

والعصبة اصطلاحًا:

قال الناظم هنا:

وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ

بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ

هذا تقدمة.

فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ

مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي

أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ

فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ

ص: 14

وحَقَّ وحُقّ يجوز فيه الوجهان حَقَّ بالفتح أي وجب صناعةً، وفحَقَّ بفتح الحاء مبنيًّا للفاعل بمعنى وجب، حقّ الشيء يَحِقُّ بالكسر أي وجب، حَقَّ يَحِقُّ من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ أي وَجَبَ، وإنما وجب صناعةً أن نشرع في التعصيب لماذا؟ لأن العادة عند الفرضيين جرت بذلك يقسمون الإرث إلى نوعين (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ) ثم يشرعون في الفرض، ثم بعد الانتهاء من الفرض يبدؤون بالتعصيب، حينئذٍ صار الواجب هنا واجب صناعة كما نذكره في مقدمات البسملة وغيرها، وإنما وجب صناعة أن نشرع في التعصيب لأن العادة جرت بذلك بذكر التعصيب بعد ذكر الفروض، ويصح أن يقرأ بضم الحاء مبنيًّا للمفعول لأنه يستعمل متعدِّيًا فيصح بناؤه للمفعول كما في قول النحاة تقدير زيدٌ أبوك عطوفًا أي أُحِقُُّهُ عطوفًا إذًا يجوز فيه الوجهان حَقَّ حُقَّ ولا إشكال فيه. (أَنْ نَشْرَعَ) أن وما دخلت عليه تأويل مصدر فاعل أو نائب فاعل، إذا قيل حُق فهو نائب فاعل، وإذا قيل حَقّ فهو فاعل، أن نشرع ونبدأ في التعصيب، يعني في بيان التعصيب وحينئذٍ يكون حذف المضاف، في بيان ذي التعصيب، يعني أصحاب الإرث بالتعصيب، ولذلك قال الشارح في الإرث به، وعليه ففي النظم توسُع بحذف الجار مع الباء (به) حذفها (بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ) نشرع بكلّ. إذًا بكل جار ومجرور متعلق بقوله: نشرع، (بِكُلِّ) هل الاستغراق هنا مراد بمعنى أنه لا يترك شيئًا البتة، أو عرفي يعني بالمجموع؟ لا شك أنه الثاني، فحينئذٍ الاستغراق هنا الذي أفادته كلّ استغراق عرفي لأنه بحسب ما تيسر له، وإلا فالاستغراق الحقيقي غير ممكن (بِكُلِّ قَوْلٍ) قول مصدر بمعنى مقول بمعنى اسم المفعول، بكلّ مقول تيسر له، حينئذٍ نجعل الكلية هنا عرفية لا حقيقية، وصف هذا القول بأنه موجَز بفتح الجيم أي موجَز فيه، فهو من باب الحذف والإيصال، ويصح كسر الجيم موجِز على أنه اسم فاعل لكن يكون الإسناد مجازيًّا أي من موجِزٍ قولٍ موجزٍ صاحبه، يعني الصاحب هو الذي يوجِز، وأما موجَز فهو وصف للقول، وموجِز بالكسر فهو وصف للناظم نفسه، والموجَز المراد به المختصر، وهذا بناءً على أنّ الإيجاز والاختصار مترادفان كما سبق في أول النظم. (مُصِيبِ) اسم فاعل من أصاب، وأصله مُصْوِب بوزن مُكْرِم نُقلت حركة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة، مُصِيب من الصواب ضد الخطأ، ولذلك قال الشارح: ليس بخطأ.

فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ

مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي

ص: 15

(فَكُلُّ) يعني إذا أردت بيان العصبة فأقول كل مَن حينئذٍ تكون الفاء فصيحة، فالفاء فاء الفصيحة، ويصح أن تكون استئنافية قاله البيجوري، واعترض إتيانه في التعريف هنا لأنه أراد أن يعرف العصبة اصطلاحًا جاء بكلّ، ومعلوم أن كلّ ليست من [ها] لا تدخل الحدود، لأن الحدود يراد بها الماهية، والماهية تكون في الذهن، وكلّ تكون لضبط الأفراد، وإفراد تكون في الخارج، كيف يعرف ما في الذهن بشيء في الخارج؟! هذا فيه اعتراض، واعترض إتيانه بكلّ لأن التعريف لبيان الماهية وكل للأفراد فلا يصح الإتيان بها في التعريف، فأجيب أنه ضابط لا تعريف. كلّ ما صُدِّر بلفظ كلّ فهو ضابط، وهذا ضابط نفسه. إذًا ضابط كل ما صدر بلفظ كل فهو ضابط، واضح وليس بتعريف، ولذلك يسمى بعض الكتب الكليات وليست من القواعد كما سبق في شرح الفرائد. وأجيب بأنه ضابط لا تعريف، وقيل: التعريف ما بعد كلّ. نعم أجاب بعضهم بأن التعريف ما بعد كلّ. وإنما دخلت عليه للدلالة على أن التعريف محيط بأفراد المعرف، لأنها مفيدة للإحاطة فتدل على أنها لم يخرج عن هذا التعريف شيء من أفراد المعرف.

(فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) كلّ مضاف ومَن مضاف إليه، كلّ مبتدأ أليس كذلك؟ أين خبره؟ [أحسنت] البيت الثاني.

فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ

مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي

أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ

.......................

إلى هنا انتقى الحدّ (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) الجملة هنا (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) حينئذٍ يكون جوابًا للمبتدأ، والفاء واقعة في الخبر (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) أحرز يعني حاز بمعنى جمع، أحرز كلّ المال، وهذا التعريف إنما يصدق على العصبة بالنفس لأنه هو الذي يصدق عليه أنه إذا انفرد جمع كل المال أخذ كل المال، ولذلك قيده الشارح هنا عند الانفراد، فكل من جمع وأحرز وحاز كل المال عند الانفراد عن الفروض يعني لا يكون ثَمَّ صاحب فرض معه، إذا لم يكن من الورثة إلا ابنٌ فقط، نقول: الابن هذا ليس من أصحاب الفروض التي سبقت معنا، حينئذٍ يجوز كل المال نقول: هذا عصبة بالنفس.

بيّن من أحرز من القرابات أو الموالي لأن العصبة نوعان:

- عصبة بنسب.

- وعصبة بسبب

الأول منه القرابات، والثاني الذي هو بسبب الموالي، جمع مولى كما سبق معنا أن المعتِق وكذلك المعتِقة ممن يرث سبب وهو [ها] العتق، ماذا قال في الأسباب؟

..................

كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلَاءٌ وَنَسَبْ

.......................

ضيعتم .. #59.18، نكاح السبب الأول، وولاء هذا السبب الثاني.

ص: 16

إذًا يرث بسبب هو الولاء. إذًا قوله: (مِنَ الْقَرَابَاتِ) هذا بيان لمن أحرز بأنه يرث بالعصبة وهو من القرابات، أو من الموالي يعني بسببه. قوله:(الْقَرَابَاتِ). قيل: ليس بعربي، لأنه جمع قرابة هي في الأصل مصدر، ولا يثنى ولا يجمع، المصدر لا يثنى ولا يجمع، ما يقال: عدلان وعدول هذا الأصل فيه إلا إذا أُوِّل باسم الفاعل، إذا أوّل باسم الفاعل جُمِعَ، إذا أوّل باسم المفعول جُمِعَ، وأما باعتباره مصدر كما هو للدلالة على المعنى فلا يثنى ولا يجمع، حينئذٍ قرابات جمع قرابة، وقلنا: قرابة هذا مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع كيف جمع؟ قالوا: هذا ليس بعربي. إلا إذا تنوع بأنواع صح جمعها، فحينئذٍ نقول: هذا عربي، وصح تنوعه وصح جمعه. وأجيب: بأن القرابة أنواع فلذلك جمعت. نعم هو هذا، وبأن محل المنع إذا يعني المصدر على مصدرية، و (ما) هنا بمعنى اسم الفاعل فالقرابة بمعنى القريب، والقرابات بمعنى الأقارب، نعم المصدر على معناه يعني بالدلالة على المصدرية لا يثنى ولا يجمع، ولكن إذا ضُمِّن معنى شيء آخر أو فسر أو أوّل بشيء آخر كاسم الفاعل واسم المفعول حينئذٍ جُمع ومنه القرابة، من القرابات جمع قرابة أي الأقارب، لذلك قال الشارح هكذا.

(أَوِ الْمَوَالِي) من المعتِقِين وعصبتهم إجماعًا، وهذا محل إجماع أن العصبة بالنفس قد يكون بنسب وقد يكون بسبب. لقوله تعالى:{وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]. بمعنى ماذا؟ {وَهُوَ} يعود على الأخ {يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} قالوا: وغير الأخ كالأخ. يعني من باب القياس. وهذه الآية استدل بها أهل العلم وأجمعوا على مدلولها ولذلك قال: إجماعًا. لقوله تعالى قوله تعالى هذا بيانًا لمستند الإجماع ليس هو دليل آخر من حيث هو، إنما هو جماع لمدلول الآية، فورّث في هذه الآية الأخ جميع ما للأخت {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} ، {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} حينئذٍ ورث الأخ كل ما للأخت، وهذا هو حقيقة التعصيب بأنه أحرز كل المال إذا لم يكن ثم وارث {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} ، والابن وابنه والأب والجد أولى من الأخ لقرابته، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام وبنو هم والموالي بجامع التعصيب، وهذا كله مجمع عليه، يعني منهم من نص عليه الدليل، ومنهم من أُلحق بالقياس، ثم القياس مجمع عليه.

إذًا هذا جزء من العصبة بأن من أحرز كل المال من القرابات أو الموالي عند انفراده بمعنى إذا لم يكن ثَمَّ صاحب فرض فهو عاصب:

أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ

فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 17