المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس فصل في مباحث الألفاظ.   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام - شرح القويسني على السلم المنورق للأخضري - جـ ٤

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس فصل في مباحث الألفاظ.   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام

‌عناصر الدرس

فصل في مباحث الألفاظ.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

الفصل السابق (فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الدَّلَالَةِ الوَضْعِيَّةِ)، بقي التنبيه على أن قوله:(الوَضْعِيَّةِ). هذا صريح في أن الأنواع الثلاثة كلها وضعية، واتفق المناطقة وغيرهم على أن المطابقية وضعية يعني دلالة المطابقة لا خلاف فيها في أنها وضعية، وأما دلالة التضمن ودلالة التزام هذه فيها خلاف [بين

النحاة] (1) بين الأصوليين، والبيانيين، والمناطقة، وقيل: وضعيتان. وعليه عامة المنطقيين، وهو الذي أشار إليه المصنف هنا وضعية حينئذٍ حكم على الأنواع الثلاثة بأنها وضعية، وقيل: عقليتان. يعني: دلالة التضمن عقلية، ودلالة التزام عقلية، وعليه عامة البيانيين يرجحون هناك أنها عقلية، وقيل: التضمن وضعية، والالتزام عقلية. وعليه جمهور الأصوليين، وهو المرجح، والصحيح أن دلالة التضمن وضعية وليست بعقلية، لأن أول ما يفهم من اللفظ هو الكل ثم ينتقل منه إلى الجزء، وهذا إنما فهم من جهة الوضع، والصحيح أن التضمنية وضعية والتزاميه عقلية، الالتزام واضح أنه من جهة العقل، والقول بأنها وضعية فيه شيء من النظر.

- - -

فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ

(فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) اعلم أن المنطقي لا بحث له إلا على المعاني، لكن لما كانت المعاني مفتقرة في فهمها إلى الألفاظ عقد المنطقيون لها بابًا وقسموا المستعمل منها إلى المركب والمفرد كما قاله المصنف.

ــ - الشرح - ــ

ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: [(فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) اعلم أن المنطقي]. يعني: العالم المنسوب إلى المنطق (المنطقي)، كالنحوي والصرفي والبياني (لا بحث له إلا على المعاني)، لأن البحث في المعقولات، والمعقولات معاني، إذًا الأصل في بحثه إنما هو المعقول مع الذي يكون في الذهن، حينئذٍ إذا كان كذلك فيكون البحث في الألفاظ تبعًا لا أصلاً، لأن الأصل في الفن إنما يبحث عن المعاني يعني عن المعقولات. فبحثهم عن الألفاظ يكون تبعًا، ولذلك ثَمَّ قدر مشترك بين المباحث اللفظية بين النحاة والمناطقة والأصوليين وغيرهم ثَمَّ أبحاث مشتركة، البحث يكون هنا ويكون في علم البيان ويكون في الأصول (لا بحث له إلا على المعاني، لكن لما كانت المعاني) المعقولات التي تكون في النفس، (مفتقرة) محتاجة أشد الاحتياج (في فهمها إلى الألفاظ)، لأن من يدرك الشيء كما ذكرنا اليوم أن من أدرك الشيء إن لم يحتج إلى الإخبار حينئذٍ لا إشكال لأنه لا يحتاج إلى اللفظ، إنما أدركه في نفسه وكانت الفائدة له هو، وأما إذا أراد أن يخبر غيره فلا بد أن يعبر بلفظٍ، إذًا صار تعبير للغير، أو صار إيصال المعاني، أو المعقولات للغير مفتقرًا إلى الألفاظ، لأنه لا يمكن أن يصل بذلك إلا بلفظ، [لكن لما كانت المعاني مفتقرة في فهمها إلى الألفاظ عقد المنطقيون لها

بابًا] أو فصلاً كما قال الناظم هنا: (فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ)

(1) سبق.

ص: 1

[وقسموا المستعمل منها إلى المركب والمفرد كما قاله المصنف]، إذًا بحثهم هنا إنما هو من جهة التبعة، (مَبَاحِثِ) جمع مبحث، والمراد به المسائل التي يذكرها المنطقيون في هذا الموضع، فإن كان المبحث مَفْعَل في الأصل استعمال لغوي هو اسم مكان لمكان البحث ثم اسُتعمل عرفًا في بيان الشيء والكشف عنه كقولهم: مبحث كذا. بمعنى مكان بيانه والكشف عنه مبحث كذا حينئذٍ مكان البحث عنه يعني الكشف والبيان.

(مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) أي هذا محل ومكان للبحث والكشف والإيضاح عن الألفاظ، والمراد به المسائل التي سيذكرها المصنف رحمه الله تعالى.

- - -

مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ

إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ

(مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) أي المستعمل منها، فخرج منها المهمل كديز، وقوله (حَيْثُ يُوجَدُ) أي في أي مكان يوجد اللفظ المستعمل فهو) (إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم، (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد.

ــ - الشرح - ــ

(مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) احترز به عن مهمل الألفاظ، ألفاظ جمع لفظ، واللفظ عند النحاة عند أهل اللغة: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، مهملاً كان أو مستعملاً، فاللفظ ينقسم عند النحاة إلى لفظ مستعمل ولفظ مهمل، ما حقيقة اللفظ المستعمل؟ هو ما وضعته العرب، يعني لمعنى. جعل اللفظ دليلاً على معناه أو لمعنى.

الثاني: المهمل، مُهْمَل مُفْعَل مأخوذ من الإهمال، وهو: الترك، وهو الذي لم تضعه العرب، إذًا (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) احترز به عن المهمل حينئذٍ يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، الألفاظ المستعملة (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) يعني المستعمل من الألفاظ، [أي: المستعمل منها، فخرج منها المهمل كديز] فلا معنى له، حينئذٍ لا ينقسم إلى المركب والمفرد، وإنما الذي ينقسم إلى المركب والمفرد هو المستعمل كديز هذا مهمل مقلوب زيد ورفعج مقلوب جعفر، هذا لا ينقسم إلى مفرد ومركب لأنه لا معنى له، وإنما الذي ينقسم هو الذي له معنى، (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ)، (حَيْثُ) هذه للإطلاق أي إطلاقية، لأن حيث تأتي للتقيد وتأتي للتعليل وتأتي للإطلاق ولها ثلاث معاني، [(حَيْثُ يُوجَدُ). أي: في أي مكان يوجد اللفظ المستعمل فهو] حينئذٍ (إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ)، إما لفظ مركب وإما لفظ مفرد، فانحصر اللفظ المستعمل في هذين القسمين الدليل وهو الاستقراء والتتبع، ((إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم، (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد) مركب زَيْدٌ قَائِمٌ (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد.

ثم أراد أن يعرف وإن كان الشارح هنا ذكر مثالين مثالاً للمركب ومثالاً للمفرد، والناظم ذكر التعريف قال:

- - -

فَأَوَّلٌ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى

جُزُءِ مَعْنَاهُ بِعَكْسِ مَا تَلَا

ص: 2

(فَأَوَّلٌ) أي المركب، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها في مقام التفصيل (مَا) أي هو الذي (دَلَّ جُزْؤُهُ) خرج ما لا جزء له كباء الجر ولامه وماله جزء لا يدل كزيد وعبد الله وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، أعلامًا، وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة فإنما كان قبل جعلها أعلامًا أما بعده فصارت أجزاؤها كزاي زيد لا تدل على شيء، ودلالتها السابقة صارت نسيًا منسيًا، (عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بضم الزاي متعلق بدل فهو تكملة له فلا يخرج به شيء، وقوله (بِعَكْسِ) أي حال كون المركب ملتبسًا بعكس (مَا) أي المفرد الذي (تَلَا) المركب في الذكر، أي تبعه، فالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه بأن لم يكن له جزء كباء الجر أو له جزء لا يدل على معنى كالأعلام المتقدمة.

ــ - الشرح - ــ

ص: 3

(فَأَوَّلٌ) الفاء هذه فاء الفصيحة (أي المركب) أراد أن يعرف المركب، ما حقيقة المركب؟ قال:(مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ)، (مَا) أي لفظ مستعمل له جزء وجزؤه دل على جزء المعنى، هذا حقيقة المركب، (فَأَوَّلٌ) هذا مبتدأ (وسوغ الابتداء بالنكرة) هنا (وقوعها في مقام التفصيل) أولٌ بعكس ما تلا، إذًا عندنا تفصيل، وإذا وقعت النكرة في مقام التفصيل حينئذٍ صار مسوغًا لها لأنها مفيدة فائدة ما فجاز الابتداء بها على المشهور عند النحاة (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ)[(مَا) أي هو الذي] اللفظ مستعمل لو فسره بلفظ مستعمل كان أولى، أو اللفظ المستعمل وجعلها بمعنى الذي، لأن قوله:[هو الذي]. طيب ما هو الذي؟ أي: اللفظ المستعمل. (دَلَّ جُزْؤُهُ)، إذًا له جزء، المركب ما له جزء، وهذا الجزء دل على جزء معناه يعني على بعض المعنى، [خرج ما لا جزء له] أصلاً [كباء الجر ولامه] وهذا ليس له جزء، أليس كذلك؟ زيد مؤلف من ثلاثة أجزاء (ز، ي، د)، لكن اللام لام الجر هي جزء واحد، ولا يعبر بأن له جزء أليس كذلك؟ فخرج ما لا جزء له، ليس له جزء بل هو شيء واحد [كباء الجر ولامه، وماله جزء لا يدل كزيد وعبد الله وتأبط شرًا والحيوان الناطق، أعلامًا] يعني في الثلاثة المتأخرة. عبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، هذه لها جزء، لكن الجزء لا يدل على جزء من المعنى الذي استعمل اللفظ له، فزيد عَلَم، ما معناه؟ الذات، أليس كذلك؟ له أجزاء مؤلف من ثلاثة أجزاء (ز، ي، د) هل الجزء (ز) يدل على شيء مما دل عليه لفظ زيد؟ لا يدل، إذًا زيد له جزء وهو (ز) ولا يدل هذا الجزء على جزء المعنى الذي وضع له لفظ زيد، لأن لفظ زيد مدلوله ما هو؟ ذاته الذات المشخصة، هل (ز) يدل على الذات المشخصة؟ لو قال: جاء (ز)، جاء (ي)، جاء (د) دل على شيء؟ لم يدل على شيء، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مفردًا وليس مركبًا، إذًا خرج ما له جزء، لكن هذا الجزء لا يدل على جزء المعنى كزيد عبد الله علمًا عبد الله قبل جعله علمًا له جزء ويدل على جزء المعنى، لكن بعد جعله علمًا صار عبد الله مثل زيد، لأنه في الأصل عبدٌ لله، عبد دل على العبودية، الله لفظ الجلالة دل على المعنى المراد له، ذات متصفة بصفة الإلوهية، لكن بعد جعله علمًا صار المعنى السابق نسيًا منسيًا، فعَبْدُ الله يسمى شخصًا عَبْدَ الله، هل يدل على اللفظ عبد الله على أنه عبد متحقق بالعبودية وصف العبودية لله عز وجل؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذا المعنى العبودية لله كان قبل جعله علمًا من حيث كونه مركبًا تركيبًا إضافيًّا، لكن لما جعل علمًا حينئذٍ سلب المعنى الذي دل عليه اللفظ قبل التركيب، إذًا عبد جزء الله جزء، هل يدل عبد على ما دل عليه لفظ عبد الله؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن عبد الله يدل على الذات فقط لا يدل على وصف معه، لماذا؟ لأن هذا شأن الأعلام.

اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقًا ** عَلَمُهُ ..

ص: 4

فالعلم يدل على الذات فقط دون وصف، وهذا معنى قول النحاة: الأعلام جامدة في الأصل. يعني: أعلام البشر ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم، فالأعلام جامدة بمعنى أنها لا تدل إلا على الذات فقط، ولا تدل على وصف يتعلق بالذات فزيد مدلوله الذات فقط، وعبد الله مدلوله الذات فقط، ولا يدل على وصف العبودية البتة، كذلك تأبط شرًا، تأبط شرًا يعني: جعله في إبطه، تأبط فعل ماضي، والفاعل هو، وشرًا مفعول به، تدل على معنى أو لا؟ تدل على معنى مركب، لكن لما جعل علمًا سلب منه المعنى السابق، تأبط شرًا مثل زيد يدل على الذات فقط ولا يدل على الشر ولا على التأبط ولا على غيره، وإنما دل على ذلك قبل جعله علمًا، حيوان ناطق لو سمي زيد أو سمي شخص بحيوان ناطق حينئذٍ نقول: حيوان كونه متصفًا بالحيوانية، وناطق كونه متصفًا بالناطقية، ويقول لك: تعريف الإنسان: حيوان ناطق، فلو سمي بهذا حينئذٍ نقول: سلب عنه المعنى السابق فصار المعنى السابق نسيًا منسيًا. إذًا هذه الألفاظ الثلاثة عبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، لها أجزاء فعبد الله مؤلف من جزأين عبد ولفظ الجلالة، الجزء عبد لا يدل على ما دل عليه لفظ عبد الله علمًا لأنه لا يدل إلا على الذات، كذلك تأبط شرًا جملة فعلية ولم تدل إلا على ذات زيد لأنه صار علمًا، وأما قبل جعله علمية فله معنى آخر والكلام في كونه علمًا، والحيوان الناطق مركبًا تركيبًا توصيفيًّا لا يدل بعد جعله علمًا على ما دل عليه قبل العَلَمِيّة، إذًا له جزء؟ نعم له جزء، وهو حيوان هذا جزء، وناطق هذا جزء، لا يدل لفظ الحيوان على مسمى الحيوان الناطق، لماذا؟ لأن هذه الألفاظ عبد والحيوان وتأبط مثل زاي زيد (ز) لا تدل على شيء البتة، واضح هذا؟ إذًا ما له جزء لكن هذا الجزء لا يدل يعني: على جزء المعنى الذي دل عليه اللفظ، فالعرب وضعت اللفظ زيد لمدلول هو الذات لو جيء بلفظ (ز) فقط لا يدل على شيء مما دل عليه زيد فهو الذات، وكذلك فيما تلاه من الأسماء، (لا يدل كزيد، وعبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، أعلامًا) يعني حال كونها الثلاثة المتأخرة أعلام، وأما زيد فهو علم، (وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة) عبد الله وتأبط شرًا والحيوان الناطق هذا يتوهم الناظر أنها تدل على معنى نقول: هذا المعنى متى؟ قبل جعله علمًا، وأما بعد جعله علمًا فلا فرق بين الأربعة البتة، فعبد مثل (ز) من زيد، وتأبط تأبط جزء مثل (ز) من زيد، والحيوان الناطق الحيوان جزء لكنه مثل (ز) من زيد فلا يدل على شيء مما دل عليه اللفظ كله، قال:(وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة فإنما كان). يعني: الدلالة. (قبل جعلها أعلامًا)، فهي أوصاف لأن المركب الإضافي، والجملة الفعلية، وكذلك الاسمية، والمركب التصريفي لها دلالات، أما قبل جعلها أعلامًا، (أما بعده) يعني بعد نقله وجعلها أعلامًا. (فصارت أجزاؤها كزاي زيد لا تدل على شيء) البتة (لا تدل على شيء ودلالتها السابقة) قبل جعلها علمًا (صارت نسيًا منسيًا) حينئذٍ تكون هذه الدلالة غير مقصودة، وإنما كانت قبل جعلها أعلامًا، إذًا ما حقيقة المركب؟ قال:(مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ).

ص: 5

إذًا له جزء ويدل الجزء على جزء المعنى، هذا يسمى مركبًا ما عداه فهو المفرد قال هنا:[(عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بضم الزاي]. للوزن هنا ولغة، [متعلق بدل فهو تكملة له فلا يخرج به شيء] يعني ليس للاحتراز، وقد جعلها بعضهم للاحتراز وأخرج به نحو أبكم. قال: أبكم هذا مؤلف من جزأين، أبكم يعني: لا يتكلم أخرص، أليس كذلك؟ إذًا أبكم يعني: أخرص، هو مؤلف من جزأين أب كم، أب دل على الأبوة، كم إما استفهامية أو خبرية سؤال عن عدد أو إخبار عن عدد كثير، إذًا له جزء لكنه لا يدل على جزء المعنى، واضح؟ أبكم مدلوله أخرص هو مؤلف من كلمتين جزأين، إذًا له جزء [لكنه](1) وله معنى ليس كعبد الله وتأبط شرًا له جزء وليس له معنى، هذا له جزء وهو أب ومدلوله الأبوة، وكم ومدلوله عدد كثير إذا كانت [إخبارية](2) خبرية أو عدد سؤال عددي إن كانت استفهامية، لكن هل الاستفهام أو الإخبار العدد من مدلول أبكم؟ الجواب: لا، هل أب الأبوة من مدلول أبكم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه وإن تألف من جزأين وكل جزء له معنى لكن هذا المعنى ليس جزء المعنى الذي دل عليه المركب أبكم حينئذٍ هذا يكون مفردًا ولا يكون مركبًا، إذًا (عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بعضهم جعله تكملة يعني لم يحترز به عن شيء، وبعضهم أخرج به ما له جزء وله معنى له دلالة لكن لا على جزأ معناه ومثل له بأبكم وهذا الذي جرى عليه الشيخ أمين في المقدمة المنطقية، وقوله:(بِعَكْسِ مَا تَلَا). يعني: بعكس ما تلاه. ما هو الذي تلاه؟ (فَأَوَّلٌ) يعني: المركب. (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ بِعَكْسِ) العكس هنا المراد به الخلاف مخالف يعني بخلاف ما أي الذي تلاه أي تلا المركب، ما الذي تلا المركب؟ المفرد، إذًا تعريف المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، تعريف المركب ما دل جزؤه على جزء معناه، إذًا له جزء ويدل على جزء المعنى، المركب الإضافي كغلام زيد وليس علمًا يدخل تحت المفرد أو تحت المركب؟ غلام زيد يعني: غلام منسوب لزيد. هذا معناه هذا مدلوله غلام منسوب لزيد، غلام لوحدها جزء ودلت على معنى، وهذا المعنى جزء من مفهوم غلام زيد، أليس كذلك؟ لأن غلام داخل في مفهوم غلام زيد، إذًا الغلام له معنى وهو جزء ودل على جزء معناه معنى غلام زيد، زَيد هذا جزؤه الثاني وله معنى ودل على جزء المعنى الموضوع له اللفظ وهو غلام زيد، إذًا غلام زيد هذا مركب وليس بمفرد والتقيد كحيوان ناطق مثلاً حيوان ناطق له جزءان:

الجزء الأول: حيوان.

والجزء الثاني: ناطق.

(1) سبق.

(2)

سبق.

ص: 6

حيوان ناطق، حيوان موصوف بالناطقية، إذًا حيوان فقط له معنى ودل على جزء معنى حيوان ناطق، وكذلك الناطق، إذًا له جزء وله دلالة وهذه الدلالة هي جزء المعنى، إذًا المركب التقيدي داخل في المركب، والإسنادي قَامَ زَيْدٌ، زيْدٌ قَائِمٌ، هذا واضح من باب أولى، ولذلك مثل به الشارح [(إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم] فأول ما يدخل في المركب هو الإسنادي، ويلحق به المركب الإضافي والمركب التقييدي، وهذه داخلة في مفهوم المركب، والمفرد يختص بالاسم والفعل والحرف، الاسم والفعل والحرف، فالاسم مفرد، والفعل مفرد، والحرف مفرد، ويدخل في الاسم الْعَلَم الإضافي كعبد الله لأننا جعلناها من ماذا؟ عبد الله، غلام زيد، حيوان ناطق، قبل جعلها أعلامًا هي مركبات، بعد جعلها أعلامًا هي مفردات، واضح؟ المركب الإضافي، المركب التقييدي، توصيفي بل الإسنادي قبل جعلها أعلامًا هي مركبات بعد جعلها أعلامًا هي مفردات يرد السؤال هنا.

إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ

وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ

قلنا: إدراك النسبة أي الخارجية الوقوع واللا وقوع مراد به المركبات يعني المركبات الإسنادية، فإدراك المركب الإضافي، هل هو تصديق؟ لا، إذًا خرج عن المركب، دخل في ماذا؟ في إدراك المفرد، وهنا المركب الإضافي دخل في المركب وليس بمفرد، واضح هذا؟

إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ

إدراك المفرد يعني ما ليس وقوع نسبة حكمية أو لا وقوعها كما ذكر الشارح، حينئذٍ إدراك المفرد الذي هو غلام زيد ليس بتصديق وإنما هو تصور، غلام زيد عرفت معنى غلام زيد مدلوله غلام منسوب لزيد، هذا تصديق؟ ليس بتصديق، لماذا؟ لأنه ليس إدراك وقوع نسبة في الخارج حينئذٍ يكون من قبيل المفرد وهنا جعلناه من قبيل المركب، هل هذا تعارض أم لا؟ نقول: المفرد في باب التصور والتصديق يختلف عن المفرد في هذا المقام، كالمفرد عند النحاة في باب الإعراب له معنًى، وفي باب المنادى واسم لا له معنًى آخر، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، المفرد عند المناطقة في باب التصور والتصديق تقسيم العلم إلى التصور والتصديق يدخل المركب الإضافي والتقييدي في قسم المفرد، لأنه إدراك مفرد يعني ما ليس وقوع نسبة خارجية أو لا وقوعها، وهنا في هذا المقام المفرد يدخل فيه ما لا يدل جزؤه على جزء المعنى، فخرج حينئذٍ المركب الإضافي والمركب التوصيفي قبل جعلها علمًا، إذًا المركب الإضافي يكون مفردًا في باب التصور ويكون مركبًا في باب مباحث الألفاظ، وكذلك المركب التقييدي أو التوصيفي يكون مفردًا في باب التصور ومعنا هنا يكون مركبًا حينئذٍ لا تعارض بين الاصطلاحين، والاصطلاح يختلف فالمفرد بالتصور والتصديق كل ما ليس بإسناد خبري تام، وفي مبحث المركب والمفرد هنا فله اصطلاح آخر على ما ذكرناه، إذًا

مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ

إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ

فَأَوَّلٌ ......................

........................

ص: 7

أي: المركب. (مَا) أي لفظ مستعمل. (دَلَّ جُزْؤُهُ) إذًا له جزء، وهذا الجزء له دلالة خرج ما لا جزء له أصلاً كباء الجر، وخرج ما له جزء لكن ليس له دلالة، وهذا الذي ذكره الشارح هنا (عَلَى جُزُءِ مَعْنَاهُ) يرى الشارح كغيره من بعض الشراح أنه من باب التكملة يعني ليس له محترز، والصحيح أن له محترز وهو نحو أبكم، (بِعَكْسِ مَا تَلَا) يعني (بِعَكْسِ مَا) أي المفرد الذي تلا المركب، بعكس العكس المراد به المعنى اللغوي [أي: حال كون المركب] هو قال: [ملتبسًا]. والأولى أن يقول: متلبسًا. [بعكس (مَا) أي المفرد الذي (تَلَا) المركب في الذكر أي تبعه] أي بعكس المفرد الذي، أو بعكس مفرد تلاه، حينئذٍ الضمير المستتر في تلا يرجع لما، والضمير المقدر المنصوب يرجع للمركب تلاه تلا في ضمير مستتر يعود إلى ما [بعكس (مَا)]، والضمير المنصوب المحذوف.

وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ

كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ

الضمير، تلاه الهاء هذا في محل نصب مفعول به يعود على المركب،

(فالمفرد) هو (ما لا يدل جزؤه على جزء معناه)، والمركب ما دل جزؤه على جزء معناه، إذًا نعلم من هذا التقسيم ومن هذين الحدين أن المفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه أن هذا اصطلاح خاص للمناطقة، ففعل كثير من النحاة المتأخرين في تعريف المفرد بقولهم: الكلمة قول مفرد، والمفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. هذا غلط، لماذا؟ لأنه اصطلاح المناطقة، فالمفرد عند المناطقة مخالف للمفرد عند النحاة، فلا يعرف بمثل ما عرف به النحاة، وإن شاع عند ابن هشام وغيره على دلالته إلا أن هذا غلط يعتبر لأنه من تَدَاخُل الاصطلاحات، قد نص على ذلك غير واحد كابن اللحام في مختصر أصول الفقه، وكذلك الفتوحي في شرح الكوكب المنير، ويسير الحمصي في حاشيته على مجيب الندا، والبيجوري في شرح العمريطي، نظم الآجرومية، كلهم نصوا على أن هذا من تداخل الحدود التعاريف والاصطلاحات، حينئذٍ المفرد عند النحاة هو: الكلمة الواحدة، أو الملفوظ لفظًا واحدًا عرفًا يعني مرة واحدة. وأما تعريفه بأنه (ما لا يدل جزؤه على جزء معناه) نقول: هذا غلط، ولذلك لما جاءوا عند عبد الله علمًا قالوا: هو كلمة واحدة. قد التزم ذلك السيوطي في ((همع الهوامع)) وكذلك الأشموني في ((شرح الألفية)) وهو غلط كذلك، نقول: غلط، لأنه من تداخل الحدود كما علمنا، إذًا نقول هنا المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، والمركب ما دل جزؤه على جزء معناه [(مَا) أي المفرد الذي (تَلَا) المركب في الذكر أي تبعه، فالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه بأن لم يكن له جزء] أصلاً [كباء الجر أو له جزء لا يدل على معنى]، مقصود وإنما معناه قبل جعله علمًا [كالأعلام المتقدمة]، سواء جعل علمًا ابتداءً كزيد أو بعد النقل كعبد الله وما عطف عليه.

- - -

وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي المُفْرَدَا

كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ حَيْثُ وُجِدَا

(وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ) بمصدوق الضمير (المُفْرَدَا كُلِّيٌّ اوْ) بوصل الهمزة (جُزْئِيُّ) متروك التنوين للضرورة (حَيْثُ وُجِدَا) الضمير للمفرد والألف للإشباع.

ص: 8

ــ - الشرح - ــ

ثم قسم لك المفرد إلى قسمين، والبحث هو الناظم هنا يريد أن يصل إلى تقرير مبادئ التصورات، لأن العلم ينقسم إلى قسمين: تصور، وتصديق. كل من التصور والتصديق له مبادئ وله مقاصد، ولذلك حصر الفن في مبادئ التصورات ومقاصدها وفي مبادئ التصديقات ومقاصدها، مبادئ التصورات هو الكليات الخمس: جنس، وفصل، عرض، نوع، وخاص، هذا مبادئ التصور لأنها هي التي تجعل في الحدود، ومقاصدها هو المعرف المعرفات، وهذا سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.

قوله: (وَهْوَ). أي: المفرد (عَلَى قِسْمَيْنِ) لما كان قوله: (وَهْوَ). قد يوهم أن الضمير يعود إلى الكلي إلى المركب، قال:(أَعْنِي المُفْرَدَا كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ). ينقسم المفرد إلى نوعين (كُلِّيٌّ) بالتنوين (اوْ) بإسقاط همزة القطع (جُزْئِيُّ) بترك التنوين للضرورة، (حَيْثُ وُجِدَا) هذه إطلاقية

[(وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي) بمصدوق الضمير] يعني الضمير يقع على ماذا؟ (المُفْرَدَا) الألف للإطلاق [(كُلِّيٌّ اوْ) بوصل الهمزة (جُزْئِيُّ) متروك التنوين للضرورة (حَيْثُ وُجِدَا)] يعني المفرد، أين ما وجد المفرد فهو لا يخرج عن قسمين، ضمير للمفرد يعني: نائب الفاعل (حَيْثُ وُجِدَا) هو أي: المفرد. الضمير المراد به هنا نائب الفاعل، والألف إطلاقية يعبر عنها للإشباع، إذًا ينقسم المفرد إلى قسمين: كلي، وجزئي. ما المراد بالكلي؟

- - -

فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ

كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ

(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) بين أفراده بمجرد تعقله (الكُلِّيُّ) والمعنى فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله (كَأَسَدٍ) وإنسان وحيوان سواء لم يوجد منه فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين الضدين أو مع إمكان أن يوجد منه فرد كبحر من زئبق، أو وجد منه فرد مع استحالة كالآلة، أو مع إمكان غيره كشمس، أو وجد منه أفراد متناهية كالإنسان أو غير متناهية كصفة وموجود وشيء فإنها تصدق بصفات الله تعالى القائمة بذاته التي لا نهاية لأفرادها كما دلت عليه السنة، واستحالة وجود ما لا نهاية له إنما تثبت في حق الحوادث (وَعَكْسُهُ) أي عكس الكلي (الجُزْئِِيُّ) فهو ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد فإنه موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص، لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص.

ــ - الشرح - ــ

ص: 9

(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) الفاء هذه فاء الفصيحة (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) هذا خبر مقدم و (الكُلِّيُّ) هذا مبتدأ مؤخر، إذًا (فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا) يعني ما دل على اشتراك في المعنى بين أفراده على السواء فهذا يسمى ماذا؟ لا يشترط السواء قد يكون بينهما تفاوت، ما أفهم اشتراكًا بين أفراده يسمى كليًّا، فاللفظ الذي إذا تعقل مدلوله يعني فهم معناه، ولا يختص بفرد دون فرد يسمى كليًّا، (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) قال:(بين أفراده بمجرد تعقله). يعني: تصوره، أو فهم معناه. منذ أن تفهم المعنى العقل لا يمنع أن يشترك في هذا المعنى اثنان فأكثر، كرجل رجل ما مدلول رجل؟ رجل، إنسان بالغ من بني آدم، هذا معناه منذ أن يتصور الذهن معنى رجل كلمة رجل هل يمنع العقل أن يشترك في هذا المعنى اثنين فأكثر؟ الجواب: لا، لأنه بالفعل يشترك فيه زيد وعمرو وخالد إلى آخره، فنقول: هذا القدر المشترك بين الأفراد يسمى كليًّا، لماذا؟ لأن بمجرد تعقل مدلول اللفظي لا يمنع تعقله من وقوع الشركة فيه، عكسه الجزئي بمعنى أنه بمجرد تعقل معناه يمنع الشركة فيه، فحينئذٍ يختص كالعلم زيد منذ أن تتصور معنى زيد وهو علم حينئذٍ يختص بمدلوله وهو الذات فلا يدخل تحت ذات زيد ذات عمرو، لماذا؟ لأن عمرو مختص بمدلوله وزيد مختص بمدلوله، بمجرد تعقل المعنى امتنعت الشركة، وأما الكلي فلا فلفظ امرأة ولفظ أسد ولفظ رجل ولفظ إنسان بمجرد تعقل معاني هذه الألفاظ الذي هو النكرة المعنى الشائع في جنسه نقول: هذا لا يمنع الشركة فيه، بل يشترك فيه أفراد قد تنحصر وقد لا تنحصر،

[(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) بين أفراده] يعني أفراد الكلي بسبب مجرد تعقله أو الباء تكون للتصوير [بمجرد تعقله (الكُلِّيُّ)، والمعنى فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله] هذا الذي عناه الناظم، واعلم أن الاشتراك نوعان: اشتراك معنوي، واشتراك لفظي.

الاشتراك المعنوي: أن يتحد اللفظ والوضع والمعنى.

الاشتراك اللفظي: أن يتحد اللفظ ويتعدد الوضع والمعنى.

ص: 10

أن يتحد اللفظ، إذًا كل منهما المعنوي واللفظي اتحدا في اللفظي، وأما المعنوي اتحدا في اللفظ والوضع والمعني، وأما اللفظي فاتحد في اللفظ وتعدد الوضع والمعنى، فلفظ رجل قلنا: هذا أفاد الاشتراك. والمراد هنا في تعريف الكلي بالاشتراك الاشتراك المعنوي، ليس عندنا تعدد في الوضع بل الوضع واحد، فوضع الواضع لفظ رجل وفهم المعنى منه حينئذٍ هذا المعنى مشترك بين زيد وعمرو وخالد وفؤاد إلى آخره، فنقول: هنا اشتراك معنوي أولاً اتحد اللفظ زَيْدٌ رَجُلٌ، عَمْرٌ رَجُلٌ، بَكْرٌ رَجُلٌ، اتحد اللفظ أو لا؟ اتحد اللفظ، المعنى واحد؟ المعنى واحد، هل الوضع واحدًا أو متعدد؟ الوضع واحد، وضعه الواضع مرة واحدة فحمل على أفراده حمل مواطئة فقيل: زَيْدٌ رَجُل، أخبرت عن زيد بكونه رجلاً ونفس اللفظ بوضعه السابق قلت: بَكْرٌ رَجُلٌ، وَعَمْرٌ رَجُلٌ، وَخَالِدٌ رَجُلٌ. هنا نقول: هذا اشتراك معنوي بمعنى أن اللفظ واحد لم يتعدد والمعنى واحد والوضع واحد، وضعًا معنويًّا واحدًا والاشتراك اللفظي هذا سيأتي معنا، (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ)، (فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله)، (اشتراكًا) أي الاشتراك المعنوي، كأسد هذا ليس خاصًا بحيوان مفترس دون آخر، (وإنسان وحيوان) حيوان نقول: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والحمار حيوان، إذًا هذه مشتركة فهي أفراد صدق عليها لفظ حيوان، حينئذٍ نقول: اللفظ واحد والمعنى واحد وهو ما اتصف بالحيوانية يعني فيه حياة فيه حركة، والثالث المعنى واحد، المعنى واحد والوضع واحد لم يتعدَّ، إذًا اتحدا الاشتراك الْمَعْنِي في ثلاثة أشياء: في اللفظ، وفي الوضع، وفي المعنى، وهذه الألفاظ كلها سائغة هنا، وهنا أشبه ما يكون بأن الكلي مرادف في الجملة للنكرة نكرة حينئذٍ يكون المعنى واحد، النكرة ما هي؟ ما شاع في جنس موجود، أو مقدر ما شاع في جنس، إذًا شاع وذاع في جنس قلنا: لا بد من التقدير يعني في أفراد جنس، لأن الجنس لا يتعدد إذا قلت: مفهوم رجل. ما هو المفهوم؟ إنسان بالغ من بني آدم، أو بالغ ذكر من بني آدم، هذا المعنى موجود في الذهن هو شيء واحد لا يقبل التعدد، وإنما التعدد يكون في ماذا؟ في الأفراد، والأفراد تكون في الخارج لا تكون في الذهن، وإنما الحقيقة التي تكون في الذهن هي التي توصف بكونها معقولاً وهي التي يعبر عنها بالجنس، حينئذٍ ما شاع في جنس يعني معنًى شاع وذاع وانتشر في جنس يعني في أفراد جنس، وهذا هو الاشتراك الذي عناه المناطقة فهما متقاربان [(كَأَسَدٍ) وإنسان وحيوان]، (الكُلِّيُّ) عرفنا أنه نوع من أنواع المفرد، قال هنا:[سواء لم يوجد منه فرد]. أراد أن يبين لنا أن الكلي أقسام يعني الكلي باعتبار أفراده في الخارج هل هي موجودة أو لا؟ وهل هي متناهية أو لا؟ أقسام، فالكلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الجملة، وإلى ستة أقسام من حيث التفصيل، لأنه إما أن لا يوجد منه فرد في الخارج، كلي أفهم اشتراكًا بين أفراده، هذا في الذهن طيب في الخارج قد لا يكون له فرد أصلاً، قالوا:[كبحر من زئبق].

ص: 11

مثلاً بحر زئبق، بحر من لبن، عسل، تصور ما شئت حينئذٍ يقول: بحر من زئبق هذا لا يمنع تصوره لا يمنع الاشتراك، عندك بحر هناك وبحر إلى آخره، إذًا قد يتصور الذهن أن هذا البحر مشترك بين أفراده، هذا في الذهن، خرجنا في الخارج أين هو؟ لا وجود له، إذًا كلي لا فرد له في الخارج أصلاً، أو يوجد منه فرد واحد، أو توجد منه أفراد كثيرة هذه ثلاثة أقسام من حيث الجملة، إما أنه لا فرد له في الخارج أصلاً أو له فرد واحد، ونحن نقول ماذا؟ ما أفهم اشتراكًا اشتراك بين ماذا؟ بين أفراده، إذًا له أفراد لكن وجدنا في الخارج ليس له إلا فرد واحد، إذًا هذا كلي باعتبار الذهن، وأما باعتبار الأفراد فهذا شيء آخر، هل له أفراد أم لا؟ هل له متعدد أم لا؟ أو توجد منه أفراد كثيرة هذه ثلاثة أقسام على جهة الجملة، وكل واحد من هذه الأقسام ينقسم إلى قسمين وذكرها الشارح هنا، إذًا قال:[سواء]. أراد التعميم في مفهوم الكلي [لم يوجد منه فرد]، إذًا كلي لم يوجد منه فرد البتة، وهذا نوعان: إما مع استحالة وجود فرد ثاني، أو مع الإمكان لكنه لم يوجد. معي؟ كلي لم يوجد منه فرد، لماذا لم يوجد منه فرد؟ إما الاستحالة وإما مع الإمكان لكنه لم يوجد، طيب، فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين ضدين، الجمع بين الضدين هذا له مفهوم ومفهومه لا يمنع الاشتراك يعني بمجرد تعقله في الذهن لا يمنع الاشتراك، لكن في الخارج ليس له فرد البتة، لماذا؟ لاستحالته لأنه يستحيل أن يجمع بين الضدين أو النقيضين ليل نهار في وقت واحد العقل لا يمنع، لا يمنع أن يكون الشيء ليل ونهار في وقت واحد، وأن يكون الإنسان حيوان فرس حمار في وقت واحد، العقل لا يمنع، لكن وجوده في الخارج هذا شيء آخر، العقل يجوز ما لا وجود له أصلاً يعني يتصور إنسان بعشرة ألسن بثلاث رؤوس عشرة أيدي تصور ممكن، لكن وجوده في الخارج شيء آخر، إذًا [لم يوجد منه فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين الضدين]، إذًا تقول: الجمع بين الضدين كلي، لأنه أفهم اشتراكًا بين أفراده، لكن باعتباره في الخارج لا وجود له، لماذا؟ لاستحالة وجود فرد يصدق عليه بأنه جمع بين الضدين، [أو مع إمكان أن يوجد منه] لكنه ما وجد لا مانع لكنه ما وجد ما خلقه الله عز وجل ما تعلقت به الإرادة مثل ماذا؟ بحر من زئبق، هذا نقول: كلي أفهم اشتراكًا بين أفراده لكن في الذهن، هل له فرد في الخارج؟ لا، لماذا؟ لاستحالته؟ لا ما يستحيل على الله عز وجل أن يخلق بحرًا من زئبق، من لبن، من عسل إلى آخره، لكن ما وجد، لماذا مع إمكانه؟ لعدم تعلق الإرادة به، هكذا نُعَلِّم التعاليم الشرعية، إذًا النوع الأول انقسم إلى اثنين: كلي لا يوجد منه في الخارج فرد أصلاً هذا تحته نوعان:

إما لاستحالته كالجمع بين ضدين.

النوع الثاني: مع الإمكان لكنه لم يوجد.

مثال الأول: الجمع بين الضدين.

والثاني مثال: بحر من زئبق.

ص: 12

[أو وجد منه فرد]، هذا النوع الثاني القسم الثاني [أو وجد منه] يعني من الكل، [فرد] في الخارج فرد واحد فقط [مع استحالة] غيره يعني لم يوجد له في الخارج إلا فرد واحد لم يوجد له فرد ثاني لماذا؟ قال: لأنه مستحيل. مثلوا لهذا النوع بالإله قالوا: الإله لم يوجد في الخارج إلا فرد واحد، وهو الله عز وجل، هل يوجد فرد ثاني؟ العقل لا يمنع قالوه، لماذا؟ لأنه أفهم اشتراكًا بمجرد تعقل مدلوله حينئذٍ نقول: كونه في العقل أفهم اشتراكًا نظرنا في الخارج فليس إلا فرد، لم يوجد فرد آخر لماذا؟ لكونه يستحيل أن يوجد مع الله تعالى إله آخر، وأنا أقول: هذا المثال غلط. لماذا؟ لأن الإله هو فِعَال بمعنى مفعول من أَلِهَ يَأْلَهُ إِلهَةً وَأُلُوهَةً يعني ما عبد، فكل ما عبد سمي إلهًا، كل ما توجه له بعبادة ما قَلَّت أم كثرت سمي إلهًا سواء كان معبودًا بحق أو لا؟ إذًا الإله له أفراد، لماذا؟ لأن الآلهة التي عبدها المشركون سماها الله عز وجل من سابع سماء أنها آله، ولذلك هم اعترفوا {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] حينئذٍ تسمى آلهة، فكل ما جعل معبودًا وتوسل إليه بأصناف العبادات أيًّا كانت قَلَّت أم كثرت هذا يسمى إلهًا، منزلة أخرى الإله الحق هذه مختصة بالله عز وجل، ولذلك نقول: لا إله حق إلا الله، فنفي الإلوهية الحقة عما سوى الله تعالى وإثباتها خالصة لله تعالى لو كانت هذه لا تسمى آلهة لما صح أن يقال: لا إله. لماذا؟ لأن لا النافية للجنس إنما تدخل على اسم جنس هو الذي يفهم اشتراكًا بين أنواع، وهذه الاشتراك بين الأفراد منها ما عبد بحق وهذا هو الله عز وجل، ومنها ما عبد بباطل وهو من صُرِفَت إليه العبادة سوى الله تعالى، إذًا مرادي بهذا أن تمثيل المناطقة بكلي له فرد في الخارج مع استحالة غيره بالإله، قالوا: لأنه خاص بالله. نحن نورد عليهم أمرين:

الأمر الأول: أن الإله ليس خاصًا بالله عز وجل، فقط الإله ليس الإله حق يعني بوصف الأحقية هذا خاص بالله عز وجل، لكن مطلق لفظ الإله هذا يصدق على الأصنام كما أنه يصدق على من عبد الشمس بأنها إله، ويصدق من عبد القمر أو غيرها بأنه إله، هذا أولاً.

ص: 13

ثانيًا: قلتم بأن الإله الحق في الخارج لا يصدق إلا على فرد واحد حينئذٍ يقال: كيف تصور اللفظ أوقع الاشتراك بين أفراد متعددة؟ لو جوز العقل تعدد الآلهة في الذهن لكان ماذا؟ لكان شركًا، لماذا؟ لأن تصور فرد وفرد وَفرد كل منها يوصف بكونه إلهًا مألوهًا ولا يوجد مألوه إلا الله عز وجل، نقول: العقل يدل على ما جاء به الشرع، ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الدلالة على التوحيد من جهة الشرع ومن جهة العقل، فلا يدل الشرع على أن ما عدا الله لا يسمى إله ويجيزه العقل، لا هذا باطل وعلى هذا الكلام الذي قرره المناطقة حينئذٍ يكون دلالة الشرك أو عدم الدلالة على التوحيد مأخوذة من العقل، وهذا باطل فهمتم هذا؟ إله ما أفهم اشتراكًا بين أفراده، إله هذا كلي لأنه له أفراد، إذًا لا يمتنع أن يكون عندنا أفراد متعددة كل منها يوصف بكونه مألوهًا، طيب، هذه كونها مألوهًا بحق أو بباطل؟ إن قلنا: بحق. فجوز العقل التعدد الشرك، وهذا باطل العقل لا يدل على الشرك إن كانت بعدم أحقية، وحينئذٍ نقول: تخالف الفرد الخارج مع المدلول الذهني.

الحاصل: أن هذا المثال فيه نظر ويحتاج إلى مثال آخر ولم أقف على مثال إلا ما ذكروه.

إذًا [أو وجد منه فرد مع استحالة غيره كالآلة، أو مع إمكان غيره كشمس] لم توجد في الدنيا إلا شمس واحدة ولا مانع أن يكون ثَمَّ شمس ثانية وثالثة ورابعة، لكن لم تتعلق بها الإرادة وحينئذٍ لم توجد إلا شمس واحدة، والشمس هي: كوكب نهاري مضيء ينسخ وجوده أو ظهوره وجود الليل. وهذا يصدق بواحد أو باثنين أو بثلاث إلى ما لا نهاية، إذًا هذا النوع الثاني كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد واحد إما مع الاستحالة كالإله على مثال المصنف أو مع الإمكان وهو كالشمس، أو وجد منه أفراد، وهذه الأفراد إما متناهية تنتهي أو غير متناهية، أفراد متناهية قالوا: كالإنسان والحيوان ينتهي. يعني: في الدنيا كلها تزول تنتهي، إذًا مدلول إنسان أفهم اشتراكًا حيوان ناطق، لكن هذه الأفراد موجودة بكثرة لكنها متناهية يعني تنتهي لها نهاية، [أو غير متناهية] كنعيم الجنة، نعيم الجنة هذا أفراد وهو غير متناهي، قال هنا:[كصفة]. صفة له مدلول وهو معنى قائم في النفس لا يمنع الاشتراك له أفراد ولكنها غير متناهية، لأنها تصدق على الله عز وجل وصفات الله تعالى غير متناهية كذلك موجود يطلق على الله عز وجل وهو صفة وهو غير متناهي كذلك الشيء إلى آخر ما يعيد، [فإنها تصدق بصفات الله تعالى القائمة بذاته التي لا نهاية لأفرادها] يعني الصفات. [كما دلت عليه السنة، واستحالة وجود ما لا نهاية له إنما تثبت في حق الحوادث] يعني الحوادث هو الذي يوصف بكونه [لا بأنه يستحيل أن يكون له أن](1) يستحيل أن يكون ما لا نهاية له من الحوادث، هذا كلام الشارح، إذًا الكلي ستة أقسام من حيث التفصيل وثلاثة من حيث الإجمال.

(1) سبق.

ص: 14

(وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ)، [(وَعَكْسُهُ) أي عكس الكلي (الجُزْئِِيُّ)، فهو ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد] وهو علم [فإنه موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص] يعني زيد وزيد وَزيد هذا زيد وهذا زيد وهذا زيد، نقول هنا الاشتراك لفظي وليس هو باشتراك معنوي، فتعدد اللفظ هنا بتعدد الوضع والذي معنا الاشتراك يكون الوضع متحدًا، حينئذٍ نقول: الوضع هنا متعدد، إذًا [ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد] فإن زيد [موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره] يعني مدلول زيد ذاته، إذًا لا يدخل ذات عمر تحت مدلول زيد [لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه] يعني لا يضر بكونه جزئيًا عند تعدد الوضع، [ولا يضر] يعني وصف زيد بكونه جزئيًا، [عروض الاشتراك اللفظي] لأن الاشتراك المراد به هنا المعنى، وهو ما اتحد معناه ولفظه ووضعه، وأما الاشتراك اللفظي فهو تعدد في الوضع نعم [عند تعدد وضعه لأشخاص، لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص] فهذا زيد وهذا زيد وهذا زيد، هذا وضعه له معناه المشخص، وهذا وضعه له معناه المشخص وهكذا الثالث.

وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي المُفْرَدَا

كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ حَيْثُ وُجِدَا

فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ

كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ

وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ

فَانْسُبْهُ أَوْ لِعَارِضٍ إذَا خَرَجْ

- - -

وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ

فَانْسُبْهُ أَوْ لِعَارِضٍ إذَا خَرَجْ

(وَأَوَّلاً) مفعول لفعل محذوف يفسره انسبه الآتي أي انسب أولاً، وهو الكلي (لِلذَّاتِ) أي الماهية (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) أي إن اندرج فيها بأن كان جزءًا لها جنسًا كالحيوان للإنسان أو فصلاً كالناطق له، (فَانْسُبْهُ) أي انسب الأول، وقد ذكر المصنف في شرحه أن أولاً مفعول لفعل محذوف كما قدرناه وأن فانسبه مفسر لذلك المحذوف. اعترض عليه بأن انسبه واقع بعد فاء الجواب، وما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها فلا يفسر عاملاً فيه. وأجيب بأن انسبه مؤخر من تقديم، والتقدير وأولاً انسبه للذات أن اندرج فيها، وعلى هذا فيكون جواب الشرط محذوفًا لدلالة انسبه المذكور عليه قاله الملوي، ولا يخفى بعد الجواب لما فيه من التكلفات. وقوله:(أَوْ لِعَارِضٍ) أي انسب لعارض (إذَا خَرَجْ) عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خالصًا كالضاحك للإنسان، أو كان عرضًا عامًا كالماشي له فانسبه لعارض بأن تقول كلي عرضي، والنسبة على غير قياس، فعلم أن ما كان جزء الماهية جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي، وما كان خارجًا عنها خاصةً أو عرضًا عامًا فهو كلي عرضي، وقضية ذلك خروج النوع كالإنسان عن الذاتي والعرضي فيكون واسطة بينهما، وهو أحد الأقوال الثلاثة. والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ. وفسر الذاتي بما ليس خارجًا عن الماهية بأن كان جزءها أو تمامها. والقول الثالث: أن النوع عرضي. وفسر العرضي بما ليس داخلاً فيها بأن كان تمامها أو خارجًا عنها.

ــ - الشرح - ــ

ص: 15

(وَأَوَّلاً) ما هو؟ الكلي أراد أن يقسم الكلي إلى قسمين، هذا تدرج قسم اللفظ المستعمل إلى مركب ومفرد، ثم قسم المفرد إلى كلي وجزئي، ثم أراد أن يقسم لنا الكلي إلى ذاتي وعرضي، فما كان داخلاً في الذات فهو كلي ذاتي، وما كان خارجًا عن الذات فهو كلي عرضي.

[(وَأَوَّلاً) هذا مفعول لفعل محذوف يفسره] قوله: (فَانْسُبْهُ). الآتي [أي: انسب أولاً، وهو الكلي] حينئذٍ يكون من باب الاشتغال.

إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ

عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلّ

فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرَا

حَتْمًا مُوَافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا

ص: 16

يعني: واجب الإضمار، إذًا [انسب أولاً وهو الكلي (لِلذَّاتِ) أي الماهية] تقول: كلي ذاتي. انسبه يعني: أضفه إليه وائت بياء النسبة فقل: كلي ذاتي. (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) إن اندرج فيها يعني [بأن كان جزءًا لها]، وهذا يصدق على شيئين اثنين من الكليات وهو: الجنس، والفصل. ولذلك قال:[أي إن اندرج فيها]. يعني: في الذات [بأن كان جزءًا لها] جزءًا من الذات داخلاً في الذات، وهذا إن ما أن يكون [جنسًا كالحيوان للإنسان] لأن الإنسان تعريفه حيوان ناطق، حيوان ناطق يعني: مفهوم الإنسان ذاته حيوان ناطق، فالحيوان جزء من الماهية، وهو الجنس، والناطق جزء من الماهية وهو فصل، إذًا الكلي الذاتي محصور في شيئين: الجنس، والفصل. [بأن كان جزءًا لها جنسًا كالحيوان للإنسان أو فصلاً كالناطق له، (فَانْسُبْهُ) أي انسب الأول، وقد ذكر المصنف في شرحه أن أولاً مفعول لفعل محذوف كما قدرناه] يعني وافق الشارح هنا صاحب الأصل، [وأن فانسبه مفسر لذلك المحذوف] وأعربه على ما أعربه الشارح نفسه يعني: الأخضري رحمه الله تعالى، حينئذٍ فيه اعتراض وهو أن قوله:(وَأَوَّلاً)، (فَانْسُبْهُ). هذا جاء متى؟ وأولاً للذات إن فانسبه إن ما بعد الشرط أو الفاء الواقعة في جواب الشرط لا يفسر ما قبله، والأصل أنه يتعين الرفع هنا على القاعدة النحوية أن أول هنا واجب الرفع، وأول بالذات هذا الأصل لكن الناظم نصبه فأراد به أن يكون من باب الاشتغال لكن يرد عليه ماذا؟ أنه يجوز أن يتسلط العامل المتأخر على السابق المتقدم فينصبه بشرط أن لا يوجد مانع، وعده من الموانع أن يكون الفاصل بين الاسم والمتأخر إن الشرطية أو فاء الجزاء، وهنا وجد فيه أداة الشرط وهو إن ووجد فيه كذلك فاء فَاء الجزاء، وما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله فلا يفسره كيف يقول هذا؟ قال:[واعترض] هنا [عليه بأن انسبه واقع بعد فاء الجواب، وما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها فلا يفسر عاملاً فيه]. حينئذٍ يجب رفعه على أنه مبتدأ والمسوغ التفصيل، [وأجيب] بجواب متكلف فيه بجواب يعني: فيه نظر لا يسلم، بأن قوله:[انسبه مؤخر من تقديم]. يعني: الكلام فيه تقديم وتأخير، وأصل التركيب هكذا وأولاً انسبه للذات إن فيها اندرج، أين جواب الشرط؟ ليس قوله:(فَانْسُبْهُ). المتأخر لا، هذا متأخر أصله بعد قوله:(وَأَوَّلاً). وأولاً انسبه للذات، إذًا عمل لا إشكال فيه وواضح، (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) فصلها (فَانْسُبْهُ) قدرها جملة ثانية، نقول: هذا فيه تكلف، [وأجيب بأن انسبه مؤخر من تقديم، والتقدير وأولاً انسبه للذات أن اندرج فيها] فانسبه للذات هذا الجملة محذوفة، (وعلى هذا] التقديم [فيكون جواب الشرط محذوفًا لدلالة انسبه المذكور عليه قاله الملوي) يعني في شرحه. [ولا يخفى بعد الجواب لما فيه من التكلفات] حينئذٍ الاعتراض باقي على المصنف، كيف نصبت والأصل أنك ترفع؟ [وقوله:(أَوْ لِعَارِضٍ)]. أو للتنويع يعني انسب الكل لعارض يعني انسب الأول لعارض فقل عرضي، كما نسبت الكلي إلى الذات فقلت: ذاتي.

ص: 17

[(إذَا خَرَجْ) عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خالصًا كالضاحك للإنسان] الإنسان حيوان ناطق، الضاحك يعني: قابل الضحك يعني قابل للضحك لا يشترط فيه أن يكون بالفعل، الإنسان يقبل أن يضحك لكن ليس المراد به أن يضحك أربعة وعشرين ساعة لا المراد أنه لو وجد سبب لضحك وعنده قابلية فالصفة موجودة فيه، حينئذٍ الضاحك يكون على مرتبتين: ضاحك بالفعل، وضاحك بالقوة.

ضاحك بالفعل يعني: وقعت الضحك يضحك.

وضاحك بالقوة يعني: لم يكن ضاحكًا بالفعل ولكنه عنده قابلية.

وهذه في جميع أوصاف الناس يعني يكون نائم بالفعل، أنت نائم الآن لكن بالقوة لا بالفعل، إذا نمت بالفعل حينئذٍ أنت نائم، وكذلك الأكل والشرب أنت الآن آكل لكن بالقوة فكل صفة فيك قابلة للإيجاد والعدم حينئذٍ إذا وجدت بالفعل فتقول: هذا صفة بالفعل آكل بالفعل، شارب بالفعل، جالس بالفعل، وإذا لم تكن حينئذٍ أنت قابل لها، فمثلاً القيام أنت الآن قائم أليس كذلك؟ أنت الآن جالس أو قائم؟ أنت الآن جالس وقائم في وقت واحد، لكنك جالس بالفعل وقائم بالقوة لأنك لو أدرت أن تقوم قمت أليس كذلك؟ أنت الآن جالس مستيقظ ونائم، مستيقظ بالفعل ونائم بالقوة، إذًا كل صف للإنسان يجوز فيه الوجهان هنا قال:[إذا خرج عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خاصًا كالضاحك للإنسان]. هذا عرض [أو كان عرضًا عامًا] خص هو العرض لكنه عرضٌ خاص يعني أوصاف متعلقة بالإنسان خارجة عن الذات، لكنها متعلقةٌ به لأن الذي يضحك هو الإنسان، قيل: مختصٌ الضحك بالإنسان. [أو كان عرضًا عامًا] يعني للإنسان وغيره لا يختص به بخلاف الأول الضاحك هذا عرض، لكنه عرضٌ خاص، خاصٌ بمن؟ بالإنسان، الماشي هذا عرض كذلك لكنه عام لأنه لا يختص بالإنسان، التحرك الحركة هذا عرض لكنه عرضٌ عام لأنه ليس خاصًا بالإنسان، أو [عرضًا عامًا كالماشي له] يعني الإنسان [فانسبه لعارض بأن تقول كلي عرضي، والنسبة على غير قياس]، لأن عارض عارضيُّ سابق وفيه نظر، [فعلم أن ما كان جزء الماهية جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي]، [أن ما كان جزء الماهية ٍ يعني بعض الماهية داخلاً في الماهية، والركن جزء الذاتي والشرط خرج هنا نقول: الفصل والجنس جزء الذاتي والعرض العام والخاص يكون خارجًا عن الذات، [جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي وما كان خارجًا عنها خاصةً] يعني عرضًا خاصًا، [أو عرضًا عامًا فهو كلي عرضي].

- - -

وَالكُلِّيَاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ

جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخَاصْ

ص: 18

(وَالكُلِّيَاتُ) بتخفيف الياء للضرورة جمع كلي (خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ) أي من غير نقص، أي ولا زيادة أيضًا. أولها (جِنْسٌ) وهو الكلي المقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو كالحيوان فإنه يقال على الإنسان والفرس والحمار، ويصدق عليها في جواب قول القائل: ما الإنسان والفرس والحمار؟ فقال في الجواب: حيوان. وإن شئت قلت في تعريف الجنس: هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها. (وَ) ثانيها (فَصْلٌ) وهو جزء الماهية الصادق عليها في جواب أي شيءٍ المميز لها عن غيرها، كالناطق بالنسبة للإنسان. وثالثها (عَرَضٌ) عام، وهو: الكلي الخارج عن الماهية الصادق عليها وعلى غيرها كالماشي بالنسبة للإنسان، ولا يقع العرض العام في الجواب.

ورابعها (نَوْعٌ) وهو الكلي المقول على كثيرين متحدين في الحقيقة في جواب ما هو كإنسان فإنه يصدق على زيد وعمرو وبكر فيقع جوابًا عنها في مثل قولك: ما زيد وعمرو وبكر؟ فيقال في الجواب: إنسان.

(وَ) خامسها (خَاصْ) أي خاصة فحذفت التاء للضرورة، وهو الكلي الخارج عن الماهية الخاص بها كالضاحك للإنسان.

ــ - الشرح - ــ

إذًا أربعة أقسام بَيَّن حكمها الجنس والفصل ذاتيان، كلها كليات الجنس والفصل ذاتيان، والخاص والعرض العام عرضيان، ماذا بقي؟ بقي النوع، هل هو ذاتيٌ أم عرضي؟ فيه ثلاثة أقوال، الجنس والفصل باتفاق ذاتيان، الخاصة والعرض العام باتفاق عرضيان، النوع فيه خلاف، ولذلك قال هنا:[وقضية ذلك]. يعني: التقسيم من الناظم على ما سبق، [خروج النوع كالإنسان عن الذاتي والعرضي فيكون واسطة بينهما] حينئذٍ [الذاتي سبق](1) النوع [ليس](2) هو كلي قطعًا لكنه ليس بذاتي ولا بعرضي، حينئذٍ الكلي يكون ثلاثة أقسام: كليٌ ذاتي، كليٌ عرضي، كليٌ لا ذاتي ولا عرضي. وهو النوع.

[والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ]، لأنه إذا قيل: النوع لا عرضي ولا كلي والأقوال ثلاثة، إذًا قيل: النوع ذاتيٌّ، وقيل: النوع عرضيٌّ، وقيل: النوع لا ذاتي ولا عرضي، وهذا هو المشهور أنه لا ذاتي ولا عرضي، [والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ] يعني داخلٌ في جزء الماهية منسوبٌ إليها، [وفسر الذاتي] حينئذٍ ليس بما اشتهر بأنه جزءٌ الماهية، [بما ليس خارجًا عن الماهية] وفسر ذلك وصور [بأن كان جزءها أو تمامها]، لأن تمام الماهية هو النوع، نحن نقول ماذا؟ الإنسان حيوانٌ ناطقٌ، حيوانٌ جزء الماهية جنس ناطقٌ جزء الماهية فصلٌ تمامها هذا النوع يعني جمع الحيوان مع الناطق يسمى نوعًا، لأنه هو المرادف للفظ إنسان فصار نوعًا، حينئذٍ فُسِّرَ الذاتي بما ليس خارجًا عن الماهية بأن كان جزءها كالحيوان والناطق أو كان تمامها.

[والقول الثالث: أن النوع عرضي، وفسر العرضي بما ليس داخلاً فيها بأن كان تمامها أو خارجًا عنها] فُسِّرَ العرضي بماذا؟ [بما ليس داخلاً فيها] يعني ليس داخلاً في الماهية، ثم تفسير ما ليس داخلاً في الماهية [بأن كان تمامها] وهو النوع، [أو خارجًا عنها] وهو الخاصة، والعرض العام، إذًا ثلاثة أقوال في النوع لكن المشهور هو أنه ليس بذاتي ولا بعرضي.

أسئلة:

(1) سبق.

(2)

سبق.

ص: 19

س: هذا يقول: كليٌّ وجد منه فرد مع استحالة غيره لا يمكن أن نمثل بواجب الوجود؟

ج: كلي وجد فرد مع استحالة غيره، إذا قلت ذلك معناه أن العقل لا يمنع تعدد واجب الوجود صحيح؟ لأن إذا كان كلي، ما معنى كلي؟ ما أفهم اشتراك يعني له أفراد في الذهن له أفراد، فالعقل لا يمنع تعدد واجب الوجود، وهذا باطل لأنه صار مجوزًا للشرك، وهذا باطل فالعقل يمنع الشرك، والعقل يدل على وجوب التوحيد، وهذا متطابق مع الشرع، فإذا قلنا: الإله المراد به الإله الحق في الخارج، وجوزنا التعدد في الذهن جوزنا الشرك تعدد الآلهة وكل واحد إله بحق، وهذا لا يمكن، كذلك واجب الوجوب إذا قلنا: أنه كلي حينئذٍ له أفراد ما لا نهاية في الذهن، وهذا واجب الوجود، وهذا واجب الوجود، وهذا واجب، وهذا باطل هذا، إذًا لو جوز ذلك لدل على أن العقل يجيز الشرك، وهذا باطلٌ بإجماع أهل السنة والجماعة، إذًا عرفنا الآن أن الكلي إما ذاتي، وإما عرضي، والذاتي هو ما كان داخلاً في الذات ويدخل تحته نوعان من أنواع الكليات وهو: الجنس، والفصل. والثاني: الكلي العرضي وهو ما كان خارجًا عن الذات، ويدخل تحته نوعان الخاصة ويسميه البعض بالعرض الخاص، والثاني: العرض العام، بقي النوع ففيه ثلاثة أقوال: ذاتي، عرضي، لا ذاتي ولا عرضي. والمراد بالنوع تمام الماهية يعني عندنا جزء الماهية يعني بعض الماهية، وجاء الجزء الثاني كملها، أليس كذلك؟ نقول: الإنسان ما هو؟ حيوانٌ ناطق، هل الحيوان هو عين الماهية ماهية الإنسان؟ لا هو جزءٌ منها، ناطق هل هو عين الإنسان؟ لا هو جزءٌ منها، إذًا الماهية أو الكلي الذاتي جزءٌ من الماهية (تمامها) تركيبها الحيوان ناطق فنقول: هذا هو النوع. إذًا ما كان جزء الماهية أو تمامها التمام هنا يكون هو النوع فهو خارجٌ عن الذاتي وخارجٌ عن العرضي، ثم أراد أن يفصل لنا الكليات الخمس، الكليات الخمس هذه هي مبادئ التصورات لأن المقاصد هي المعرفات تعرف بماذا؟ تركب التعريف بماذا؟ إمَّا جنس، وفصل، إما جنس بعيد، وفصلٌ قريب ونحو ذلك، هذه هي المادة التي تركب منها التعريفات، ولذلك يقال: مبادئ التصورات. وهي الكليات الخمس، وما سبق كله مقدمات.

ثانيًا: المقاصد، مقاصد تصورات وهي المعرفات يعني التي تكون هيئةً للمادة السابقة وهي الكليات الخمس.

قال: [(وَالكُلِّيَاتُ) بتخفيف الياء للضرورة]. كليّ أصلها بالتشديد [بتخفيف الياء للضرورة جمع كلي (خَمْسَةٌ)] يعني بالاستقراء والتتبع لا تخرج عنها، [(دُونَ انْتِقَاصْ) أي من غير نقص أي ولا زيادة أيضًا].

ص: 20

فالحاصل [أولها (جِنْسٌ)] أولها الجنس [وهو] أي تعريف الجنس، [الكلي] لا بد أن نأخذ الاسم المقسوم نأخذه جنسًا في حد القسم، وهذا مر معنا مرارًا، [الكلي] ينقسم إلى جنس وفصل إلى آخره، إذا أردنا أن نعرف الجنس نقول:[هو الكلي]. إذًا كليٌّ بمعنى أنه أفهم اشتراكًا بين أفرادٍ، [الكلي المقول] المقول والقول والحمل هنا بمعنى واحد يعني الذي يحمل على غيره هذا المراد بـ[المقول]، فالقول هنا والصدق بمعنى الحمل، كلي مقولٌ [المقول على كثيرين] على متعددين، هذا الأصل لماذا؟ لأن مفهوم الكلي ما أوقع اشتراكًا، وأوقع اشتراكًا لا بد أن يكون بين متعدد، أليس كذلك؟ وأقل التعدد اثنان، إذًا قوله:[على كثيرين]. اثنان فأكثر وليس المراد به ثلاثة فأكثر، إنما المراد به اثنان فأكثر، [مختلفين في الحقيقة] إذًا حقائقها مختلفة ليست متحدة [في جواب ما هو] يعني يقع الجنس من حيث الضابط في جواب ما هو، [كالحيوان] الحيوان جنس هذا جنس، لأن [الكليٌّ المقولٌ على كثيرين] يعني محمول يصدق يخبر به عن كثيرين مختلفين في الحقيقة، ويقع في جواب ما هو، قد يقال ما هو الإنسان والفرس والبغل والحمار؟ أعطيني جواب هذه الأفراد كلها يكون قدرًا مشتركًا بينها حيوان، إذًا هذا يسمى جنسًا فرد إنسان وفردٌ بغل، وفردٌ فرس، هل هذه متفقة في الحقيقة أو مختلفة؟ مختلفة في الحقيقة، إذًا هذا يسمى جنسًا كل لفظٍ يصدق يعني يخبر به على كثيرين اثنين فأكثر، وكانت هذه الكثرة أو التعدد بين حقائق مختلفة يعني هذا له ماهية، وهذا له ماهية، الإنسان مختلف عن البغل، إذًا هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، اختلفت الحقائق وصدق عليهما لفظٌ واحد وهو حيوان، ومن ضوابطه أن يصح الإخبار به عن كل فردٍ على حدة، فيقال: الإنسان - العوام يسمعون هذا - حيوان، والفرس حيوان، والبغل حيوان، صح أو لا؟ صح، إذًا هذا [ها ها] يسمى جنسًا، هنا قال:[في جواب ما هو كالحيوان فإنه يقال]. يعني: يحمل ويخبر به على الإنسان والفرس والحمار هذه حقائق كثيرة مختلفة، [ويصدق عليها في جواب قول القائل] السائل [ما الإنسان والفرس والحمار؟ فقال في الجواب: حيوان]، إذًا واضح هذا الجنس؟ حقائق مختلفة متعددة أفراد كل فردٍ له حقيقة، القدر المشترك بينها هو الذي يسمى جنسًا، [فقال في الجواب: حيوان. وإن شئت قلت في تعريف الجنس: هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها]. [جزء الماهية] من الإنسان، [الصادق عليها] على الإنسان وعلى غيرها، فإذا قلت: الإنسان حيوانٌ ناطق. حيوان هذا جنس يصدق على الإنسان وعلى غير الإنسان كالفرس والبغل، واضح هذا؟ [جزء الماهية) يعني ماهية الإنسان مثلاً، [الصادق عليها] ماهية الإنسان (وعلى غيرها) فلا يمنع الاشتراك على الأصل، هذا الجنس.

ص: 21

[(وَ) ثانيها (فَصْلٌ) وهو: جزء الماهية الصادق عليها] فقط دون غيرها الذي يحصل به التمييز لأنك إذا قلت: الإنسان حيوانٌ. اشترك دخل في الفرس إلى آخره، فإذا قلت: الناطق، حيوانٌ ناطق. [كونهم](1) ما معنى ناطق؟ ليس المراد منه أنه لا يلفظ لا، المراد به القوة العاقلة العقل الذي يميز به بين البهيمة والإنسان، هذا المراد بالناطق، حينئذٍ قولك: الناطق. حصل تمييز لغير الإنسان عن الإنسان، جزء الماهية وهو جزءٌ من الماهية لأن القوة العاقلة داخلةٌ في مفهوم الإنسان [الصادق عليها] فقط دون غيرها، ولذلك حصل بها التمييز، [في جواب أي شيءٍ هو) يعني في ذاته،

[المميز لها عن غيرها، كالناطق بالنسبة للإنسان]، إذًا الفصل [جزء الماهية الصادق عليها] فقط يعني الذي يميز الإنسان عن غيره، فإذا قلت: الإنسان. في تعريفه وجئت بالجنس فقط أنه حيوان، حيوان يصدق على الإنسان وعلى غيره، هذا لم يكن مانعًا حينئذٍ لا بد من كلمةٍ تُخْرِج ما عدا الإنسان، فتقول: الناطق. إذًا الناطق لو كان مشتركًا بين الإنسان وغيره ما حصل به التمييز، أليس كذلك؟ لو كان لفظ الناطق مشتركًا بين المعرف أو الإنسان وبين غيره ما حصل به التمييز، وإنما يحصل التمييز بين الحقائق المختلفة بالفصل وهو داخلٌ في الماهية.

[وثالثها (عَرَضٌ) عام، وهو: الكلي الخارج عن الماهية] عرفنا الخارج فيما سبق، [الصادق عليها وعلى غيرها] هذا أشبه ما يكون قريبًا من الجنس، لكن الجنس داخلٌ في الماهية ويصدق عليها وعلى غيرها، العرض العام خارجٌ عن الماهية ويصدق عليها وعلى غيرها، أليس كذلك؟ [كالماشي] والمتحرك [بالنسبة للإنسان، ولا يقع العرض العام في الجواب]، إذًا الماشي لو قيل: الإنسان هو الماشي. ما حصل به التمييز، لماذا؟ لأن الماشي يصدق على الإنسان وعلى غيره، إذًا لا يحصل به التعريف.

[ورابعها (نَوْعٌ)] النوع الذي قلنا: ليس بذاتي ولا بكلي، [وهو الكلي المقول على كثيرين متحدين في الحقيقة في جواب ما هو]، هنا اتحد النوع مع الجنس لأنه في جواب ما هو هذا أولاً، ثم كلي مقول على كثيرين اتحد على الجنس، إلا أن الفرق أن الجنس مختلفة الحقائق والنوع متحدة الحقائق زيدٌ، وبكرٌ، وعمرو، وخالد حقائقهم واحدة لو قلت: ما زيدٌ، وبكرٌ، وعمرو؟ قلت: إنسان. إذًا زيدٌ إنسان، وبكرٌ إنسان، وعمرو إنسان، كما قلت هناك في الحيوان كذا إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا يسمى نوعًا، إذًا كليٌّ مقولٌ على كثيرين متحدين في الحقيقة يعني حقائقهم متحدة ليست مختلفة كما هو الشأن في الجنس [في جواب ما هو] كلفظ إنسان فإنه نوعٌ، [فإنه يصدق على زيد وعمرو وبكر] فزيدٌ إنسان، وعمرو إنسان، وبكرٌ إنسان، وحقيقة زيد هي عينها حقيقة عمرو بخلاف إذا قلت: الحيوان فرس، وبغل، وعقرب، وحية. حقائقها مختلفة، أليس كذلك؟ هنا الحقائق متحدة مع أن الجنس يصدق على متعددين، ولكن حقائق مختلفة، ذلك النوع هنا يصدق على متعددين ولكنها حقائق متحدة، [فيقع جوابًا عنها في مثل قولك: ما زيد وعمرو وبكر؟ فيقال في الجواب: إنسان] واضحٌ؟ نعم.

(1) سبق.

ص: 22

[(وَ) خامسها (وَخَاصْ)]، (جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخَاصْ) بالتخفيف مع ترخيم حذف التاء يعني وقع فيه ضرورة من جهتين (أي خاصة فحذفت التاء للضرورة]، وهو بالتشديد كذلك [وهو الكلي الخارج عن الماهية الخاص بها]، إذًا كلي لأنه قسمٌ من أقسام الكلي

[الخارج عن الماهية]، لأنه مر معنا أن الكلي العرضي يشمل نوعين: عرضٌ عام، وعرضٌ خاص، وهو الخاص، إذًا هو خارجٌ عن الماهية

[الخاص بها] يعني الذي يميزها، هذا يقابل ماذا؟

يقابل الفصل [أحسنت]، فالفصل يميز، والخاص كذلك يميز، فيختص بالماهية إلا أن الفصل داخلٌ في الماهية، والخاصة هنا خارجٌ عن الماهية فالفرق بينهما من هذه الحيثية، [وهو الكلي الخارج عن الماهية الخاص بها كالضاحك للإنسان]، وهذا خاصٌ به يعني الذي قيل لا يضحك إلا الإنسان، وما عداه فلا يتصف به بهذا.

- - -

وَأَوَّلٌ ثَلاثَةٌ بِلَا شَطَطْ

جِنْسٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ أَوْ وَسَطْ

(وَأَوَّلٌ) أي الجنس (ثَلاثَةٌ بِلَا شَطَطْ) أي بلا زيادة (جِنْسٌ قَرِيبٌ) وهو ما لا جنس تحته، بل تحته الأنواع كالحيوان فإنه لا جنس تحته، وإنما تحته الأنواع كالإنسان والفرس ونحوهما، (أَوْ) جنس (بَعِيدٌ) وهو ما لا جنس فوقه وتحته الأجناس كالجوهر) ((أَوْ) جنسٌ (وَسَطْ) أي متوسط، وهو ما فوقه جنس وتحته جنس كالجسم فإن فوقه الجوهر وتحته الحيوان)

ــ - الشرح - ــ

(وَأَوَّلٌ) ما هو؟ الجنس، أراد أن يقسم لنا الجنس إلى ثلاثة أنواع: جنسٍ قريب، جنسٍ بعيد، جنسٍ متوسط. (وَأَوَّلٌ) بالتنوين [أي: الجنس، (ثَلاثَةٌ بِلَا شَطَطْ) أي بلا زيادة] شططٌ (بِلَا شَطَطْ) لا بشطط هذا مثل بلا زاد الباء داخلةٌ على شطط، (أي بلا زيادة (جِنْسٌ قَرِيبٌ)] [وحدّه](1) وتعريفه (ما لا جنس تحته) الأجناس عرفنا حد الجنس، بعضها متداخل، أعلى الأجناس يسمى بعيد الأبعد، وهل له وجود أم لا؟ هذا فيه خلاف، أدنى الأجناس هذا القريب بعضها متوسط، إذًا ما لا جنس تحته يسمى قريبًا، ما لا جنس فوقه يسمى بعيدًا، ما تحته أنواع وفوقه جنس يسمى متوسطًا يعني يأتي على مراتب ثلاثة: جنس، وجنس، وجنس. هنا الجنس القريب لا جنس تحته، ولذلك قال:(ما لا جنس تحته بل تحته الأنواع)، ثم قد يكون فوقه جنس، ثم قد يكون فوق الجنس جنس، وقد لا يكون فوقه شيءٌ البتة، البعيد ذاك انتهى وقف، مثل ما يكون منتهى الجموع صيغة منتهى الجموع الذي لا يجمع بعد الجمع، كلب، أكلب، أكالب، [(قَرِيبٌ) وهو ما لا جنس تحته بل تحته الأنواع كالحيوان فإنه لا جنس تحته، وإنما تحته الأنواع كالإنسان والفرس ونحوهما، (أَوْ) جنس (بَعِيدٌ) وهو ما لا جنس فوقه وتحته الأجناس كالجوهر)، وهذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى اعترض عليه، ((أَوْ) جنسٌ (وَسَطْ) أي متوسط، وهو: ما فوقه جنس وتحته جنس كالجسم فإن فوقه الجوهر وتحته الحيوان)، وهذا فائدته أن الذي يؤخذ في الحد إنما هو الجنس القريب فقط الحد التام إنما هو الجنس القريب، فيميز الناظر بين الجنس القريب من المتوسط من البعيد من أجل أن لا يخل بالتعاريف، ويأتي بحثه بعد الصلاة في الفصل الذي يليه، والله أعلم.

(1) سبق.

ص: 23

وصلَّ الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

- - -

ص: 24