الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ص 39]
فصل ــ 2
التابعون
التابعيُّ: مَن أدرك بعض الصحابة، ورأى بعضهم، وسمع منه سماعًا يُعتدُّ به، بأن يكون السامع مميزًا، وقيل: بل تكفي الرؤية مع التمييز.
والذي يظهر في حديث: "خيرُ الناسِ قرني، ثمّ الذين يلونهم"
(1)
أن الدخول في "الذين يلونهم" يُشْترط فيه زيادة على ما تقدَّم، قال ابن الأثير في "النهاية"
(2)
عن أبي عبيد الهروي: "فيه: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" يعني الصحابة ثم التابعين
(3)
، والقرن أهلُ كلّ زمان، وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة".
أقول: والقول الثاني كأنّه ضابط تقريبيّ للأول.
هذا، والقرون تتداخل ــ أعني أن القرن الأول إذا أخذَ في النقصان أخذ الذي يليه في الزيادة، وهكذا ــ فقد يقال: إن قَرْنه صلى الله عليه وآله وسلم بقي على الغلبة إلى تمام ثلاثين سنة من الهجرة، ثم أخذ في الضعف، وذلك حين بدأ الناسُ في الإنكار على أمراء عثمان، وأخذ القرنان يصطرعان، فكان
(1)
سبق تخريجه.
(2)
(4/ 51).
(3)
"الغريبين": (5/ 1533 - ط نزار الباز).
[ص 40] بعد خمس سنين قتل عثمان، وذلك مصداق حديث البراء بن ناجية عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل مَنْ هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا". قال: فقلت: مما بقي أو ممّا مضى؟ قال: "ممّا مضى"
(1)
.
وفي بعض الروايات "مما بقي".
وروى شريك عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعًا:"إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين، فإن اصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عامًا رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سَنَن من قبلهم"
(2)
.
فكان لخمس وثلاثين حَصْر عثمان، ولم يقم الدين كما ينبغي؛ إذ لم يصطلحوا على غير قتال، بل كان هلاك ما بالقتل والفرقة والفتنة، فكان سبيلهم سبيل الأمم الماضية من الاختلاف، ثم تمت الغلبة للقرن الثاني بعد سنوات بقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام، ثم بتسليم ابنه الحسن الخلافة لمعاوية، وذلك مصداق حديث سفينة مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الخلافة ثلاثون
(1)
أخرجه أحمد (3730)، وأبو داود (4254)، والطيالسي (383)، والحاكم (3/ 123) وغيرهم. قال الحاكم: صحيح الإسناد.
(2)
أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ــ كما في "اتحاف الخيرة": (8/ 11) ــ والبزار: (5/ 323)، والطبراني في "الكبير":(10/ 158)، قال البوصيري: بسندٍ ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.
عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك"
(1)
.
أقول: فتمَّت الغلبة للقرن الثاني بنحو أربعين سنة من الهجرة، فثلاثون سنة منها كانت للقرن الأول، وعشر بينه وبين الثاني، ثم تمَّت للقرن الثاني ثلاثون سنة لستين من الهجرة، فكانت ولاية يزيد، ثم قتل الحسين بن عليّ عليه السلام.
وقد صحَّ عن أبي هريرة [ص 41] أنه كان يتعوَّذ من عام الستين وإمارة الصبيان
(2)
، فمات قبلها.
ثم كانت وقعة الحرَّة، وإحراق الكعبة، ثم كان بعد السبعين رمي الكعبة بالمجانيق، وقتل ابن الزبير، واستتباب الأمر لعبد الملك.
وعلى هذا المنوال يكون انتهاء القرن الثاني سنة سبعين، وانتهاء الثالث على رأس المائة.
ومن أسباب الفضل للثاني والثالث: أنه لم يزل فيهما بقايا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهى ذلك بعد انتهاء المائة بقليل، مصداقًا
(1)
أخرجه أحمد (21919)، وأبو داود (4647)، والترمذي (2226)، والنسائي في "الكبرى"(8099)، وابن حبان (6943)، والحاكم:(3/ 71، 145) وغيرهم من طرق عن سعيد بن جُمهان عن سفينة به. والحديث صححه أحمد كما في "السنة"(636) للخلال، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن" وصححه ابن حبان.
(2)
تعوّذه من عام الستين وإمارة الصبيان أخرجه الطبراني في "الأوسط"(1397) وقال: لم يرو هذا الحديث عن علي بن زيد إلا حماد، تفرّد به رَوح بن عبادة.
ورواه أبو هريرة مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعوّذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" أخرجه أحمد (8319، 8320)، والبزار (16/ 249).
لقوله صلى الله عليه وآله وسلم قبيل موته: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن [على] رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ"
(1)
.
هذا، والظاهر أنه يدخل في القرن الأول من أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجتمع به، وكذلك من أسلم بعده بقليل، وكذا من ولد بعده بقليل، بحيث يكون منشؤه في عهد كثرة الصحابة وظهورهم؛ فإنه يقتدي بهم، ويقتبس من أخلاقهم وآدابهم، حتى يستحكم خلقُه على ذلك. ولا مانع من أن يكون هؤلاء في القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة.
وعلى هذا فالدرجات تتفاوت: فمَنْ وُلد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرب إلى نيل خصائص القرن الأول ممن ولد بعده بخمس [ص 42] سنوات ــ مثلًا ــ وهكذا، حتى إن من ولد بعده صلى الله عليه وآله وسلم بخمس عشرة سنة أقرب إلى القرن الثاني، وقد يكون بعض من يولد متأخرًا أمكن في خصائص القرن الأول ممن ولد متقدِّمًا لأسباب أخرى، ككثرة مجالسة أفاضل الصحابة، وقس على هذا.
ومن استحكمت قوَّته في عهد القرن الأول فهو منهم، وإن بقي إلى الثاني والثالث، وهكذا. وقد يكون هذا هو السرّ ــ والله أعلم ــ في الشكِّ في أكثر روايات الحديث: أكرّر النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم "ثم الذين يلونهم" مرتين أم ثلاثًا؟ وذلك أنه بعد انتهاء قَرْنه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، تبقى جماعة من أهل الثالث يعيشون في الرابع.
(1)
أخرجه البخاري (116)، ومسلم (2537) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وما بين المعكوفات منهما.
[ص 43] هذا، وقد احْتُجَّ بهذا الحديث على أن الظاهر في التابعين وأتباعهم العدالة، فمن لم يُجْرَح منهم فهو عدل.
وقد يوجَّه ذلك بأنَّ الخيرَ لم يرتفع من الأمة جملةً بعد تلك القرون، فثناؤه صلى الله عليه وآله وسلم عليها، وذمه من بعدها إنما هو بناء على الأغلب، فكأنه يقول: إن غالب أهلها أخيار، وغالب من بعدها أشرار. وإذا ثبت أن غالبهم أخيار، فمن لم يُعْرَف حاله منهم حُمِل على الغالب.
أقول: وفي هذا نظر من وجهين:
الأول: أنه قد يجوز أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم راعى الكثرة، فيكون حاصل ذلك أن القرن الأول ــ وهم الصحابة ومن انضمَّ إليهم ــ غالبهم عدول، والقرن الثاني نصفهم عدول، والقرن الثالث ثلثهم عدول، والثلث كثير، وأما بعد ذلك فإن العدالة تقلُّ عن ذلك. وعلى تسليم الغلبة في القرن الثاني ــ أيضًا ــ فقد يكون في الثالث التعادل، واستحقوا الثناء لأنّ شرّهم لم يكن أكثر من خيرهم، بخلاف من بعدهم.
الوجه الثاني: أن الغلبة تصْدُق بخمسة وخمسين في المائة ــ مثلًا ــ، ومثل هذا [ص 44] لا يحصل به الظن المعتبر في أنَّ مَنْ لم يُعْرَف حاله من المائة فهو من الخمسة والخمسين، ولو قال المحدِّث:"أكثر مشايخي ثقات"، لما كان توثيقًا لمن لا يُعْرَف حاله منهم.
وتمام هذا البحث يأتي في الكلام على المجهول إن شاء الله تعالى
(1)
.
* * * *
(1)
لم يتمكن المؤلف من كتابة هذا البحث.
[ص 16]
(1)
فصل ــ 3
اختلف في حدِّ الكبيرة اختلافًا كثيرًا، ومن أحبَّ الاطلاع على ذلك فليراجع كتاب "الزواجر"
(2)
لابن حجر المكي.
وقد وردت الأحاديث في النصِّ على بعض الكبائر، وثبت بالأدلة أن من الذنوب الأخرى ما هو أشدُّ من بعض النصوص أو مثله، فالمدار على الاجتهاد.
* * * *
فصل ــ 4
اشتهر بين أهل العلم أنّ الإصرار على الصغيرة يصيّرها كبيرة، وقال جماعة: كالكبيرة في ردِّ الشهادة والرواية، وقيَّده جماعة بالإصرار على كثير من الصغائر، بحيث تصير معاصي الرجل أغلب من طاعاته، لنصِّ جماعةٍ من الأئمة كالشافعي وغيره على أنَّ من غلبت طاعاتُه معاصيه فهو عدل. وعبارة الشافعي:"لا أعلم أحدًا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية الله إلا يحيى بن زكريا عليه السلام، ولا عُصِي الله فلم يُخْلَط بطاعته، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرَّح". أسنده الخطيبُ في "الكفاية"(ص 79) وذكر هناك أقوالًا أخرى في هذا المعنى، وبَسَط الكلامَ فيه ابنُ حجر المكي في "الزواجر"(2/ 187).
(1)
عدنا إلى هذا الموضع (ص 16) بإشارة المؤلف في آخر (ص 44).
(2)
(1/ 4 - 10).
[ص 17] أقول: قد يصعب الحكم على من يجتنب الكبائر كلها بأنَّ الغالب عليه المعصية، والغالب على من يستكثر من الصغائر إلى ما يقارب هذا الحدّ أنه لا يسلم من بعض الكبائر، وفي "الصحيحين"
(1)
عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه". فالصغائر حِمَى الكبائر، فمن وقع في الصغائر إلى الحدِّ المتقدّم ذِكْره فالغالب أنه يقع في الكبائر، والله أعلم.
فإن فُرِضَ أنه لم يوقَفْ له على كبيرة فقد يقال: يجعل حكمه حكم مرتكب الكبيرة؛ لما تقدَّم أنَّ الغالب أنه لا يسلم منها.
* * * *
فصل ــ 5
عدُّوا مما يُسْقط العدالة: صغائر الخِسّة، ومثَّلوه بالتطفيف بحبَّةٍ، وسرقة باذنجانة. وكذلك قالوا في الرشوة، وأكل مال اليتيم، والغصب، وجزم كثيرون بأنَّ هذه كلّها كبائر، سواء وقعت في كثير أو قليل. راجع "الزواجر"(1/ 221).
أقول: الظاهر أنها كبائر، وعلى فَرْض أنها صغائر فالغالب أن صاحبها لا يسلم من الكبائر؛ لأنَّ مَنْ لم يمنعه دينه وإيمانه وتقواه من المعصية لتحصيل منفعة تافهة، فَلأَنْ لا يمنعه ذلك من تحصيل ما هو أعظم منها= أولى
(1)
البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
وأحرى. قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]. [ص 18] أي أنّ منهم من هو عظيم الأمانة، حتى لا يغلب هواه وشهوتُه أمانتَه ولو عَظُمت المنفعةُ التي تحصل له بالخيانة. والقنطار جاء عن الحسن البصري: أنه ملء مَسْك ثور ذهبًا
(1)
.
ومنهم من ليس عنده من الأمانة ما يغلب به هواه وشهوته في اليسير كالدينار، أي: وإذا كان هواه وشهوته يغلبان أمانته في الدينار فأولى من ذلك أن يغلباها فيما هو أكثر منه.
[ص 19] ومما يلتحق بهذا الفرع: تقبيل الأجنبية، أو معانقتها على رؤوس الأشهاد، ويظهر ــ والله أعلم ــ أنه كبيرة من جهة المجاهرة بالفحش. وفي "الصحيحين"
(2)
وغيرهما: "كلُّ أُمتي مُعافى إلا المجاهرين
…
" الحديث.
وفي المجاهرة بالمعصية عدة مفاسد، منها: حَمْل الناس على فعل مثلها.
وفي "صحيح مسلم"
(3)
: "
…
ومن سنَّ في الإسلام سنةً سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
(1)
انظر "معاني القرآن": (1/ 383) للزجاج، و"المفردات"(ص 677) للراغب الأصبهاني.
(2)
البخاري (6069)، ومسلم (2990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
(1017) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
ومثل هذا الفعل ظاهر في انتفاء الحياء أو ضعفه. وفي "الصحيح"
(1)
: "إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت".
ومعناه ــ والله أعلم ــ إذا فقد الإنسان الحياء صنع ما شاء، أي: فالظنُّ به أنه لا يحجم عن ارتكاب كل ما تدعوه إليه نفسُه
(2)
.
* * * *
[ص 20] فصل ــ 6
اشتهر بين أهل العلم: أنّ ممّا يخرم العدالة: تعاطي ما ينافي المروءة، وقيَّده جماعةٌ بأن يكثر ذلك من الرجل، حتى يصير إخلاله بما تقتضيه المروءة غالبًا عليه، قال الشافعي ــ رحمه الله تعالى ــ:"ليس من الناس أحدٌ نعلمه ــ إلا أن يكون قليلًا ــ يمحض الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئًا من الطاعة والمروءة، فإذا كان الغالب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قُبِلَت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادتُه". "مختصر المزني ــ بهامش الأم": (5/ 256)
(3)
.
أقول: ذكروا أنّ المدار على العرف، وأنه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يعدُّ الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع مِنْ رجل من أهل
(1)
أخرجه البخاري (3483، 3484) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.
(2)
انظر "فتح الباري": (6/ 523).
(3)
(5/ 310 ــ طبعة المعرفة).
العلم، لا إذا كان من تاجر ــ مثلًا ــ. وقد يُعدّ ذلك الفعل مِنْ مِثْل ذلك الرجل خرمًا للمروءة في الحجاز ــ مثلًا ــ لا في الهند. وقد يُعدّ خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء. أو يعدُّ خرمًا في عصر ثم يأتي عصرٌ آخر لا يعدُّ فيه خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يعدُّه أهلُ العرف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون ــ مع صرف النظر عن عرف الناس ــ مطلوبًا فعله شرعًا، وجوبًا أو استحبابًا.
الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
[ص 21] فأمّا الأول، فلا وجه للالتفات إلى العرف فيه؛ لأنه عُرْفٌ مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعل رجل حفظًا لمروءته في زعمه، كان أحقّ بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأمّا الثاني، فالعرف فيه معاضد للشرع، فالاعتداد به في الجملة متجه؛ إذ يقال في فاعله: إنه لم يستحيِ من الله عز وجل ولا من الناس، وضعف الحياء من الله عز وجل ومن الناس أبلغ في الذمِّ من ضعف الحياء من الله عز وجل فقط، وقد مرَّ حديث "كلُّ أُمّتي معافَى إلا المجاهرين"
(1)
.
(1)
سبق (ص 35).
وأمّا الثالث فقد يقال: يلتحق بالثاني؛ إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي: تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
[ص 22] هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه، بأن كان مجتنبًا الكبائر وكذا الصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يُلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصوّر فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فَرْض إمكان ذلك، فقد تبيّن من قوَّة إيمانه وتقواه وخوفه من الله عز وجل ما لا يحتاج معه إلى معاضدة خوفه من الناس، بل يظهر في هذا أنّ عدم مبالاته بالنّاس إنما هو من كمال إيمانه وتقواه.
وأمّا من كثر منه ارتكاب الصغائر، ومع ذلك كثر منه مخالفة المروءة، ولم يبلغ أن يقال: إن معاصيه أغلب من طاعاته= فهذا محلُّ النظر، وفَصْل ذلك إلى المعدِّل؛ فإن كان يجد نفسه غير مطمئنة إلى صدقه، فليس ممن يُرْضى، وقد قال الله عز وجل:{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282].
* * * *
فصل ــ 7
التفسيق مَنوطٌ بالإثم، فمن ارتكب مفسِّقًا جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فلم نؤثِّمْه لعذره فكذلك لا نفسِّقُه. راجع كلام الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم"(6/ 210).
* * * *
فصل ــ 8
[ص 23] ما تقرّر في الشرع أنه كبيرة إذا وقع من الإنسان فلتة، كمن أغضبه إنسان فترادّا الكلامَ حتى قذفَه على وجه الشّتْم، ففي الحكم بفسقه نظر؛ لأن مثل هذا قد لا يوجب سوء ظن الناس بالمشتوم، فإن سامع مثل هذا قد يفهم منه الشتم فقط، لا أن الشاتم يثبت نسبة الفاحشة إلى المشتوم.
والذي يدفعُ الإشكالَ من أصله أن يتوب ويستغفر، فعلى فرض أنها كبيرة فقد تاب منها، وقد تقرّر في الشرع أن التوبة تجبُّ ما قبلها، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا يُحْمَل ما روي عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة: أنه ذَكَر أبا الزبير: محمد بن مسلم بن تَدْرُس وسماعه منه قال: "فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟! قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك شيئًا". ذَكَر هذا في ترجمة أبي الزبير في "التهذيب"
(1)
. لكن قال في ترجمة محمد بن الزبير التميمي: "وأسند ابنُ عديّ من طريق أبي داود الطيالسي قلت لشعبة: مالَك لا تحدِّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجل فافترى عليه، فقلت له، فقال: إنه غاظني"
(2)
.
واتفاق القصة لكلٍّ من الرجلين: محمد بن الزبير، ومحمد بن مسلم أبي الزبير ليس بممتنع، لكن تقارب الاسمين يقرب احتمال الخطأ، والله أعلم.
(1)
"تهذيب التهذيب": (9/ 442). وانظر لتحقيق حال أبي الزبير "عمارة القبور- المبيضة"(ص 77 - 81) و"المسوّدة"(ص 82 - 87) للمؤلف.
(2)
المصدر نفسه: (9/ 167).
[ص 24] وفي ترجمة أبي حُصَين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي من "التهذيب": "وقال وكيع: كان أبو حصين يقول: أنا أقرأ من الأعمش، فقال الأعمش لرجل يقرأ عليه: اهمز الحوتَ، فهمزه، فلما كان من الغد قرأ أبو حصين
(1)
في الفجر (نون) فهمز الحوتَ، فقال له الأعمش ــ لمّا فرغ ــ: أبا حصين كسرتَ ظهرَ الحوت! فقذفه أبو حصين، فحلف الأعمش ليحدَّنّه، فكلَّمَه فيه بنو أسد فأبى، فقال خمسون منهم:[والله لنشهدنَّ أن أمه كما قال.]
(2)
فغضب الأعمش وحلف أن لا يساكنهم وتحوَّل عنهم" (7/ 127).
أقول: هذه الرواية منقطعة؛ لأنّ أبا حصين توفِّي قبل مولد وكيع أو بعده بقليل على اختلاف الروايات في ذلك
(3)
.
فإن صحَّت، فهمز الحوت معناه أن يقال:"الحؤت" بهمزة بدل الواو، وهي لغة قد قرأ ابن كثير {بِالسُّؤْقِ وَالْأَعْنَاقِ}
(4)
[ص: 33] قالوا: "وكان أبو حيَّة النُّميري يهمز كلَّ واوٍ ساكنة قبلها ضمة"
(5)
"روح المعاني": (7/ 354).
فكأنّ أبا حصين ظنَّ أنَّ مراد الأعمش بقراءة "الحؤت" مهموزًا إظهار
(1)
بعده في الأصل، والتهذيب:"قرأ". خطأ.
(2)
سقط من الأصل والتهذيب، والاستدراك من "تاريخ دمشق":(38/ 413)، و"السير":(5/ 414).
(3)
في سندها أيضًا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي. ضعيف.
(4)
انظر "المبسوط"(ص 279) لابن مهران.
(5)
وانظر "المحرر الوجيز": (4/ 262)، و"البحر المحيط":(7/ 59)، و"الدرّ المصون":(8/ 619)