المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وعلا- لموسى {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [(142) سورة الأعراف] - شرح بلوغ المرام - عبد الكريم الخضير - جـ ٢٣

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: وعلا- لموسى {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [(142) سورة الأعراف]

وعلا- لموسى {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [(142) سورة الأعراف] يقول: يواصل أربعين ثم تنكشف له الأمور، يصير من أرباب الأحوال والمكاشفات، والذهبي يقول: هذا إن ثبت أنه يستمر أربعين يوم، إن ثبت هذا ضرب من الهلوسة، الجوع له أثر، له أثر على الدماغ، كما أن كثرة الأكل تنشأ عنه أبخرة تتصاعد إلى الدماغ فتؤثر فيه، فلا إفراط ولا تفريط، فعلى الإنسان أن يكون معتدلاً في أموره كلها، ويحفظ بذلك دينه ودنياه، وهنا يقول:((التثاؤب من الشيطان)) التثاؤب من الشيطان؛ لأنه يصدر عن امتلاء البطن والكسل، وهذه تبعث على التراخي والتكاسل والتأخر عن العبادات، وهذا مما يحبه الشيطان، فكأن التثاؤب نشأ منه لأنه يحبه ((فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) أي: يمسك بفمه، يضع يده أو شيء على فمه لئلا يرى منه ما يستقذر، أو يخرج منه ما يستقبح، المقصود أن هذا من الأدب النبوي، ما استطاع، الذي لا يستطيعه لا يكلفه، بعض الناس إذا تثاءب تصدر منه أصوات مزعجة، مزعجة، فإن كانت في الصلاة فالصلاة على خطر من الإبطال، وإن كانت خارج الصلاة فهي مكروهة كراهة شديدة، تثاءب حال قراءة القرآن قالوا: من أدب القارئ، قارئ القرآن أن يمسك عن القراءة أثناء التثاؤب؛ لأن هذه القراءة يتقرب بها إلى الله عز وجل، والتثاؤب من الشيطان، لا يجتمع هذا وهذا.

"رواه مسلم والترمذي، وزاد: ((في الصلاة)) "((التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع)) ولا شك أن التنصيص على الصلاة لا يعني أن الأمر بالكظم مخصوص بالصلاة وأنه خارج الصلاة لا يكظم، بل يكظم مطلقاً، ويعتني بصلاته أكثر من غيرها.

دخول هذا الحديث في باب الخشوع في الصلاة، لا شك أن التثاؤب المصحوب بالكسل والخمول لا يمكن أن يتحقق معه الخشوع، لا يمكن أن يتحقق معه استحضار ما هو بصدده من إقبال على ربه عز وجل؛ لأنه لو كان مستحضراً الحالة التي هو فيها، والمقام الذي قامه لا شك أنه سوف ينشد معه، ويلقي له باله وهمه، فإذا حضر القلب وتدبر ما قرأ، وتفكر فيما سمع -إن كان مأموماً- فإنه ينشغل عن هذا التثاؤب، والله المستعان، نعم.

‌باب: المساجد

باب: المساجد

ص: 10

"عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحح إرساله".

نعم "باب: المساجد" المساجد: جمع مسجِد ومسجَد، والمسجد: موضع السجود، المسجَد، والمسجِد: موضع الصلاة، جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة جداً تتعلق بالمساجد، في بنائها، وتنظيفها، وتطييبها، واحترامها، وبيان الأحكام المتعلقة بها {إِنَّمَا يَعْمُرُ} إيش؟

طالب: {مَسَاجِدَ اللهِ} .

من؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم {مَنْ آمَنَ بِاللهِ} [(18) سورة التوبة] فلا يعمر المسجد إلا من آمن بالله، والمراد بذلك العمارة الحقيقية، سواءً كانت عمارة معنوية أو حسية، فالذي يعمر المسجد بالتردد إليه لأداء الصلوات هو المؤمن بالله عز وجل، والذي يعمر المساجد عمارة حسية من مال طيب يبتغي بذلك وجه الله عز وجل من آمن بالله عز وجل، المقابلة في قوله -جل وعلا-:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ} [(19) سورة التوبة] ولذا من مسائل الجاهلية التمدح بعمارة المسجد الحرام، التمدح بعمارة المسجد الحرام، وهذا مذموم، مذموم إذا كان في مقابلة الإيمان، أما إذا كانت عمارة المسجد الحرام وغيره من بيوت الله مع الإيمان فقد جاء مدحه:((من بنى لله مسجداً لو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)) والحديث متواتر، لكن متى يذم التمدح بعمارة المساجد والبيوت -بيوت الله- وعلى رأسها المسجد الحرام؟ إذا كانت في مقابل الإيمان، ولذا نعى على المشركين تمدحهم بسقاية الحاج مع مزاولتهم الشرك، عمارة المسجد الحرام مع اقترافهم لهذا الذنب العظيم، لكن إذا كانت عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج والإحسان إليهم مقرونة بالإيمان بالله عز وجل فمن أفضل الأعمال، جاء أيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً:((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) فالمساجد هي بيوت الله، وهي مساكن الأتقياء، وجاء في الخبر:((المسجد بيت كل تقي)).

وخير مقام قمت فيه وحلية

تحليتها ذكر الإله بمسجدِ

ص: 11

فالمسجد مهوى فؤاد المؤمن، ومجمع قلبه، وهو أنسه، وهو نزهته، فإذا ذهب أرباب الدنيا للنزهة في بلاد أو في أرض الله مما يباح من ذلك فإن المؤمن التقي نزهته وسياحته في بيوت الله، وجاء في السبعة الذين يظلهم الله في ظله:((رجل قلبه معلق بالمساجد)) فالمساجد في الإسلام لها شأن عظيم، ما أحسن أن يتقدم المسلم إلى الصلاة قبل الأذان فيصلي ما كتب الله له، ويقرأ ما أراد الله له، وينتظر بعد الصلاة إن انتظر الصلاة الأخرى ذلكم الرباط، إن انتظر وقتاً ولو دون الصلاة الأخرى يقرأ فيه كلام الله عز وجل، ويناجي ربه، وينكسر بين يديه، نعمة، نعمة لا يدانيها شيء من متع الدنيا.

فالمسجد هذا وضعه في الإسلام، مو بالإنسان يدخل المسجد آخر من يدخل وأول من يخرج، المسألة كأنها إلقاء عبء ثقيل على الكاهل، لا، ((ورجل قلبه معلق بالمساجد)) هذا أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، يتلو كتاب الله، يصلي ما كتب له، يقرأ في كتب أهل العلم، يحاسب نفسه، باقي ربع، طالب:. . . . . . . . .

لا، خليه نفسه. . . . . . . . .

المقصود أن الحديث في المساجد لا ينتهي، والله المستعان.

ص: 12

المسجد كان في عهد النبوة هو كل شيء، هو الإمارة، وهو الشرطة، وهو الهيئة، ومنه تبعث الجيوش، وفيه تقام الدروس، المقصود أنه كل شيء، كل ما يصدر عن الحكومة النبوية منبعه المسجد، إذا كان المسجد يؤدي دوره الذي بني من أجله صار هو مصدر النور والإشعاع للأمة، قد يقول قائل: قد يوجد من يرغب البقاء في المسجد، لكنه قد لا يمكن من ذلك؛ لأنه يأتي أحياناً تعليمات تنص على إغلاق المساجد، كم من شخص يود أن يجلس في المسجد لا سيما بعد صلاة الصبح إلى انتشار الشمس، ثم يفاجئ أن حارس المسجد يغلق الكهرب والأبواب، ويأمره بالخروج، ما في شك أن هذه التوجيهات لها أسباب، يعني وجد بعض المشاكل، وجد بعض القضايا، وجد بعض السرقات، وجد ما جعل المسئولين عن المساجد يأمرون بإغلاقها، لكنها مع ذلكم إذا وجد شخص مأمون موثوق يلزم المسجد ويتكفل بحفظ المسجد ورعايته فالعلة علة المنع معقولة، تزول، يزول الحكم بزوالها، فعلى من يتولى هذا أن يمكن هؤلاء، لا سيما إذا كانوا على قدر من اليقظة بحيث لا يعبث بالمسجد، لا يتلف شيء من ممتلكات المسجد، أو ما أشبه ذلك، فسبب المنع هو ما ذكر من وجود بعض التجاوزات والتصرفات في المسجد، وله وجه، لكن يبقى أن الأصل أن المسجد متاح للمسلمين، يزاولون فيه ما شرع فيه من عبادات، حتى النوم يجوز في المسجد، حتى النوم يجوز في المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام أيقظ علياً وهو نائم في المسجد، المقصود أن مثل هذه الأمور وإن صدر فيها بعض الأنظمة لوجود بعض التجاوزات وبعض التصرفات إلا أنه إذا وجد من يوثق به ويركن إليه يؤنس به مثل هذا يمكن من مزاولة هذه العبادة في هذه البيوت بيوت الله.

"عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحح إرساله" وصحح إرساله الترمذي، لكن المرجح عند أهل العلم أنه موصول، أنه موصول، وصححه جمع من أهل العلم، فالحديث صحيح.

"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم" وعرفنا أن مثل هذه الصيغة مرفوعة بالاتفاق، ودلالتها على اللزوم كدلالة:(افعلوا) عند الجمهور، فلا يحتاج إلى إعادة مثل هذا.

ص: 13

"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور" في الدور يحتمل أن يكون المراد البيوت، ويحتمل أن يراد بها الأحياء المشتملة على الدور، ويحتمل أن يراد بها القبائل، كما جاء في الحديث الصحيح:((خير دور الأنصار بنو النجار)) يعني خير قبائل الأنصار بنو النجار، فأمر أن تبنى المساجد في هذه القبائل، كل قبيلة تني مسجد، كل حي من الأحياء يبنون مسجد، ولا يمنع أيضاً أن يتناول الحديث بعمومه، أن يتخذ الإنسان في بيته الخاص مسجداً ينظفه ويتعاهده ويصلي فيه، لا سيما النساء وأهل الأعذار المعذورون من صلاة الجماعة، ولا يعني هذا أنه لا يصلى إلا في هذه البقعة، لا.

"وأن تنظف" وهذا هو اللائق ببيوت الله عز وجل، تنظف من كل ما يستقذر دق أو جل، تنظف من المستقذرات كلها الحسية والمعنوية.

"وتطيب" وجاء تطييب المساجد، واشتهر بذلك نعيم المجمر كان يبخر مسجد النبي عليه الصلاة والسلام في عهد عمر رضي الله عنه فتنظيف المساجد وإظهارها بالمظهر اللائق بها، وتطييبها بالروائح الطيبة، وإزالة ما ينافي ذلك من القاذورات والأوساخ، وما تنبعث منه الروائح الكريهة، ولذلك أمر بإخراج من أكل ثوماً أو بصلاً أو غير ذلك مما له روائح كريهة كالدخان وشبهه، نعم؟

طالب:. . . . . . . . .

الكلام على اتخاذ القبور مساجد يطول، لعلنا نستأنف في الدرس اللاحق -إن شاء الله تعالى-.

نشوف بعض الأسئلة.

يقول: ما حكم السبحة؟ هل هي بدعة أم لا؟ مع العلم بأني لا أسبح بها في وقت الصلوات أي التسبيح المشروع بعد الصلاة، ولكن أستعملها في بعض التسبيح المطلق كمائة مرة وما أشبه ذلك؟

ص: 14

السبحة لا شك أنها أمر حادث، غير معهودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإن أصلت وجعل لها أصل من الحصى التي كانت أم المؤمنين تسبح به، فوجها النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن تسبح بأناملها لأنها مستنطقات، المقصود أن السبحة كثير من الناس يستعملها لمجرد العبث، لا يستعملها في عبادة، مجرد عبث، لا يسبح بها، هذا حال كثير من الناس، إما سبحة وإلا مرسن وإلا شيء يعبث به، هذا لا علاقة له في حكم شرعي، مجرد عبث وعبث يسير، يعني إن سلمت من السرف والخيلاء لأن من السبح ما قيمته بالمئات، هذا إسراف، لكن إذا كانت أمر يسير يعبث به الإنسان التضييق على الناس في هذا الباب وهو لا يدخل في تعبد ولا يقصد به أداء عبادة، الأمر فيه سهل -إن شاء الله-.

يبقى التسبيح به لا إشكال في أن التسبيح بالأصابع والأنامل لأنها مستنطقة أفضل، وبعضهم يطلق البدعة فيمن يسبح ويعد التسبيح وغيره من الأذكار في السبحة، ولا شك أنها مستحدثة، لا توجد في عهده عليه الصلاة والسلام، ولا عصر من سلف من هذه الأمة إلا أن من رأى أنه لا بأس بها قال: أصلها الحصى، التي كانت أم المؤمنين تسبح بها. . . . . . . . .، وعد الأذكار بالأنامل سهل وأيسر من السبحة، ومنضبط، منضبط، قد يقول قائل: الأصابع أصابع اليد خمسة فكيف نسبح مائة في خمسة أو كذا؟ نقول: تسبح مائة في خمسة، بضمها وفتحها عشرة، وعد الأعداد بالشمال، تسبح باليمين وتعد هذه الأعداد العشرات الخمسة الأولى بالضم، والخمسة الثانية بفتحها تكون عشر، ثم تعقد واحدة في اليد اليسرى، فإذا انتهيت من العشرة عشر مرات بيدك اليسرى تكون انتهيت من مائة تسبيحة أو مائة تهليلة بيدك اليمنى، على أن التسبيح باليد اليمنى وإن كان أفضل من التسبيح باليدين كلتيهما؛ لأنه جاء فيه حديث في سنن أبي داود، وفيه كلام لأهل العلم، ما يسلم من كلام، لكنه في هذا الباب صالح للاحتجاج، في مثل هذا الباب يصلح للاحتجاج.

يقول: سؤال لا أدري هل أحمد هو أحمد ابن المديني أو أحمد بن حنبل؟

أولاً: ابن المديني اسمه: علي، علي بن عبد الله المديني، شيخ البخاري، من أقران الإمام أحمد، من أئمة المسلمين.

ص: 15

يقول: هل ورد حديث في استحباب البقاء في المسجد بعد صلاة الصبح إلى شروق الشمس؟

النبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه يمكث في مصلاه حتى ترتفع الشمس، وهذا في الصحيح، أما الترغيب في المكث من قوله عليه الصلاة والسلام إلى طلوع الشمس وصلاة الركعتين، فهذا فيه أنه يعدل حجة، وكلام أهل العلم في الحديث معروف، مضعف عند جمع، وحسنه آخرون، ومن يعمل به رجاء ما رتب عليه من ثواب لن يحرم -إن شاء الله تعالى-، وإن عمل بالاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام بفعله وأنه يمكث حتى ترتفع الشمس فهذا لا إشكال فيه، فالمكث سنة، لكن الثواب المرتب عليه، وأنه يعدل حجة هو محل الأخذ والرد.

يقول: ما مدى صحة أحاديث السفياني؟ مع أنها تواترت الأحاديث فيه تواتر معنوي؟

أحاديث السفياني كلها لا تسلم من مقال، ولو قيل بضعفها بضعف مفرداتها وبضعفها مجتمعة لما بعد، وكذلك أحاديث الرايات السود مثلها في الضعف.

يقول: اللام في كلمة: ((لينتهين)) ما نوعها للتحريم أو للكراهة؟

قلنا: إن ترتيب العقوبة ولو كانت دنيوية يدل على التحريم، إذ لا يعاقب من لا يفعل المحرم.

يقول: أرغب في حفظ متن بلوغ المرام فهل أحفظ الأحاديث المحكوم عليها بالضعف؟

نعم احفظ جميع ما في الكتاب، ما بين غلافيه يحفظ، من أراد أن يحفظ كتاباً فليحفظ جميع ما فيه من صحيح وضعيف وغير ذلك، ومع ذلكم يعرف الصحيح من الضعيف، ولا يعني أنه إذا حفظ لا يحفظ الأحكام على هذه الأحاديث، يحفظ، بل لو حفظ الأخطاء والأوهام كما هي واستحضر الصواب كان أولى، هذا إذا حفظ كتاب ما هو حفظ انتقاء من كتاب يختلف هذا عن هذا، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 16