المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * اقسام الحكم الشرعي * الواجب وأقسامه.   الدرس الثالث   الحمد لله رب - شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول - جـ ٣

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * اقسام الحكم الشرعي * الواجب وأقسامه.   الدرس الثالث   الحمد لله رب

‌عناصر الدرس

* اقسام الحكم الشرعي

* الواجب وأقسامه.

الدرس الثالث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

ذكرنا أن هذا الباب معقود في بيان الحكم ولوازمه.

وأقسام الحكم أربعة: حكم، ومحكوم فيه، ومحكوم عليه، وحاكم.

وذكر المصنف هذه الأوجه كلها إلا المحكوم فيه وهو فعل المكلف، إلا لما بين لك حد الحكم فيما يراه هو بأنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا، وقلنا هذا أقرب إلى مدلول الحكم عند الفقهاء وليس عند الأصوليين؛ لأنه عرفه بماذا؟ بقضاء الشارع، يعني حكم الشارع على المعلوم، حينئذ هذا أقرب إلى قول الفقهاء بأنه مدلول خطاب الشارع، ثم بعدما عرف لك الحكم ذكر ضمنا في الحد السابق أن الحكم الشرعي قسمان: حكم تكليفي، وحكم وضعي.

فقال: "والأحكام قسمان" الأحكام الشرعية وليست غيرها، لماذا؟ لأن الحديث في الحكم الشرعي.

"والأحكام قسمان: قسم يُعنوَن له بالأحكام التكليفية" يقال أحكام التكليف، وعرفنا معنى التكليف مما سبق لغة واصطلاحا، وهذه الإضافة هنا (أحكام التكليف) من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني الأحكام التي تسبب في وجودها هو التكليف، لأن التكليف هو سبب ثبوت الأحكام، إذ لا حكم شرعي إلا إذا وُجد التكليف، فإذا ثبت التكليف حينئذ ذا حكم شرعي، هذا هو الأصل، إذن أحكام التكليف نقول هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، لأن التكليف سبب ثبوت الأحكام.

أحكام تكليفية وأحكام وضعية، أحكام تكليفية مايكون البحث فيها عن التأثيم وعدمه، هل يأثم أو لا يأثم، هل يثاب أو لا يثاب، وهذه المعاني [ .... ] الآتية.

وأحكام وضعية، وهي ما يكون البحث فيها عن النفوذ وعدمه، كالصحة والفساد والأداء والقضاء ونحو ذلك، كما سيأتي بيانه.

وعلى طريقة الأصوليين أن يقال: "الأحكام التكليفية ما اقتضى الخطاب طلبه أو تخييره، إذا اقتضى الخطاب الشرعي طلبا أو تخييرا حكمنا عليه بأنه حكم تكليفي؛ لأن الطلب قسمان كما سبق وسيأتي، والتخيير المقصود به الإباحة، والوضعية هي جعل الشيء علامة أو صفة لشيء آخر، كجعل دلوك الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر ونحو ذلك، حينئذ نقول: الحكم الوضعي هذا مأخوذ من الجعل، كون الشيء علامة على شيء آخر، كأن الرب جل وعلا يقول إذا وُجد هذا في الكون (وهو من فعله سبحانه)، إذا وُجد فقد صار هذا الوجود علامة على وجود الحكم التكليفي وهو إما الإيجاب أو التحريم، حينئذ يكون حكم الجعل في الأصل ليس من فعل العبد وإنما هو من فعل الله عز وجل.

"والأحكام قسمان" كما ذكرناه سابقا، وهو شامل في الحد الأصح أو المشهور عند جماهير الأصوليين بأن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، "بالاقتضاء أو التخيير" قلنا هذا مختص بالأحكام التكليفية، "أو الوضع" هذا مختص بالأحكام الوضعية.

قال: "تكليفية" يعني القسم الأول "تكليفية" نسبة إلى التكليف، قال وهي خمسة، أي هذه الأحكام التكليفية محصورة بعدد عند جماهير أهل العلم وأنها خمسة أحكام لا سادس لها، ودليل القسمة هو الاستقراء، هو الاستقراء والتتبع لنصوص الشرع.

ص: 1

فقالوا: "خطاب الشرع إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا" لأن الكلام الآن في الأحكام التكليفية، فننظر إليه من جهة القسم الأول، "خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع" وعرفنا أن الاقتضاء المراد به الطلب، خطاب الله تعالى إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا، والاقتضاء (الذي هو طلب) إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم [اثنان في اثنين بأربعة]، حينئذ نقول عند التخصيص: "خطاب الله تعالى المقتضي الطالب للفعل على جهة الجزم بحيث لا يجوز معه الترك، بأن يكون رتب العقاب على ترك الفعل، هذا يسمى إيجابا عند الأصوليين، مُتَعَلَّقُه الذي هو فعل المكلف يسمى واجبا.

"خطاب الله المتعلق بفعل المكلف المقتضي لطلب فعل لا على جهة الجزم" هذا يسمى ندبا عند الأصوليين ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى مندوبا.

هذا النوع الأول (ما اقتضى طلبا لإيجاب فعله).

النوع الثاني (ما اقتضى طلبا وهو تركه) وهذا أيضا قسمان:

"ترك مع جزم" يعني بأن قطع بالمنهي عنه بحيث رتب العقاب على الفعل (هذا الأول) هذا يسمى عند الأصوليين تحريما، ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى حراما أو محرما أو محظورا.

"طلب الترك لا مع الجزم" بأن لم يرتب العقاب على الفعل، هذا يسمى عند الأصوليين كراهة، ومتعلقه الذي هو صفة فعل المكلف يسمى مكروها.

هذه أربعة أقسام داخلة في قوله بالاقتضاء، وهذا بالاستقراء والتتبع لا يوجد لها خامس.

ص: 2

"أو تخييرا" الذي هو خير الشارع بين الفعل والترك، خير المكلف بين أن يفعل أو يترك، هذا يسمى إباحة، وهكذا نقول على قول الجمهور، لماذا؟ لأن بعض الشافعية والحنابلة أيضا زادوا قسما سادسا، وهو المسمى بخلاف الأولى، وخلاف الأولى هذا متعلقه النوع الرابع "ماطلب الشارع تركه لا على الجزم" هذا يسمى ماذا؟ كراهة، ومتعلقه صفة الفعل الذي هو المكروه، قالوا: لا هذا لا نقول مكروها كذا بإطلاق، وإنما نقول:"ما طلب الشارع تركه لا على الجزم، إما أن يرد بنص خاص بالنهي عنه، أو لا، إن ورد بنهي خاص عنه بأن نص الشرع وكان النهي هنا ليس على جهة الجزم نقول هذا مكروه" كقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس] هذا نهي، مطلوب الترك، هل هو على وجه التحريم؟ نقول لا، لأنه ليس على وجه الإلزام، هل هو طلب ترك للفعل لاعلى وجه الجزم؟ نقول نعم، هل ورد فيه نص خاص؟ نقول نعم، هذا النص، حينئذ يسمى مكروها، لماذا؟ لأن الشارع طلب ترك الفعل لا على الجزم، وقد نص عليه بعينه، فقال:[لا يجلس]، أما إذا طلب الشارع تركه لا على الجزم، ولم ينص عليه، وإنما عُلِمَ من جهة أخرى، من جهة الفهم، من جهة الالتزام فهذا يسمى خلافَ الأوْلَى، وهو كل المأمورات على جهة الندب، قالوا: كل أمْرٍ أمَرَ به الشرع على سبيل الندب فهو مستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده، كما قالوا في باب الأمر: أمر إيجاب. أمر إيجاب الذي هو صيغة (افعل)، نقول: هذا يدل على الوجوب، يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي تحريم، الأمر على جهة الإلزام، صيغة (افعل) فلا نقول إنها تدل على الوجوب، هذه الصيغة تدل على النهي من جهة المعنى، ما نوع النهي الذي اقتضته من جهة المعنى؟ التحريم.

إذا أمر الشرع بأمر على سبيل الندب، قالوا هذا يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي خلاف الأولى، قالوا مثل ماذا؟ قالوا إذا أمر الشارع أو كما أمر بصلاة الضحى، صلاة الضحى هذه سنة، هل ورد النهي عن ترك صلاة الضحى؟ قالوا لا، لما أمر بها على سبيل الندب استلزم من جهة المعنى النهي عن تركها، إذن ترك صلاة الضحى هذا لم يرد به نص خاص وإنما استلزم الأمر بها ندبا النهي عن تركها ولكنه لا وجه الكراهة وإنما على وجه خلاف الأولى، ولذلك قعدوا قاعدة [الأمر بالشيء ندبا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى]، وهو قاعدة عامة كل أمر أمر به الشرع على جهة الندب ولم يرد نهي خاص في ضده فهو محمول على النهي ولكنه نهي خلاف الأولى، هذه ستة، إذن ليست بخمسة، ولذلك قلنا على قول الجمهور.

ثم الخطاب المقتضي للفعل.:. جزما فإيجاب لدى ذي النقل

وغيره الندب وما الترك طلب.:. جزما فتحريم له الإثم انتسب

أو لا مع الخصوص أو لا فَعِ ذا.:. خلاف الاولى وكراهة خذا

لذاك والإباحة الخطاب.:. فيه استوى الفعل والاجتناب

ص: 3

هذا الذي ذكره صاحب المراقي تبعا للسبكي في جمع الجوامع، إذن بعض المالكية كما هو مذهب كثير من الشافعية المتأخرين أم القسمة سداسية وليست بخماسية، والأحناف يزيدون على القسمة الخماسية أمرين؛ فيجعلونها سبعة، زادوا ماذا؟ زادوا الفرض والكراهة على جهة التحريم، الكراهة التنزيهية عند الجمهور، والكراهة التحريمية عند أبي حنيفة وأصحابه، ما وجه التفرقة؟ قالوا: نأتي إلى جزء معين، وهو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، هذا سميناه بماذا؟ بالإيجاب مطلقا، ولا نفصل، يعني سواء ثبت هذا الطلب بدليل قطعي أو بدليل ظني كلاهما يسمى ماذا؟ يسمى إيجابا، عند الاحناف لا، قالوا: ما طلب الشارع فعله على جهة الجزم لا نقول مطلقا هو واجب، وإنما ننظر إلى طريق الثبوت، فإن ثبت ما طلبه الشارع طلبا جازما بدليل قطعي هذا نسميه فرضا، وما طلب الشارع فعله طلبا جازما بدليل ظني فلا نسميه فرضا وإنما نسميه واجبا، إذن القسم الذي أطلق عليه الجمهور أنه واجب مطلقا سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لا، لا يسوون بين الطريقين، بل لابد من التفرقة بين الدليل القطعي والدليل الظني ولذلك عندهم تفرقة بين الفرض والواجب، الواجب ما ثبت بدليل ظني والفرض ما ثبت بدليل قطعي، وعند الجمهور لا، بل هو عينه، ولذلك قال صاحب المراقي:(والفرض والواجب قد توافقا).

وهذا هو الأصح، لماذا؟ لاستواء حدهما كما سيأتي، لأن الفرض ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه على ما يذكره المصنف هنا، وكذلك حكم الواجب، إذن استويا في الحد.

أما الكراهة التحريمية فزادوها في القسم السادس، [هو ماطلب الشارع تركه طلبا جازما]، قلنا هذا نسميه تحريما مطلقا، سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لنظرهم في الفرض والواجب من جهة الدليل والثبوت نظروا أيضا في هذا القسم، فقالوا: ما ثبت بدليل قطعي نسميه حراما، وما ثبت بدليل ظني [ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني] لا نسميه حراما، وإنما نطلق عليه الكراهة التحريمية، إذن الفرض عند الأحناف أعلى من الواجب، والحرام عند الأحناف أعلى من الكراهة التحريمية، لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والحرام ثبت بدليل قطعي، والواجب ثبت بدليل ظني والكراهة التحريمية ثبتت بدليل ظني، إذن على الترتيب الفرض أعلى ثم الواجب ثم الحرام ثم الكراهة التحريمية، لكن الجمهور يقولون: لا، لا ننظر إلى الدليل بل إلى الحكم نفسه وهو خطاب الله عز وجل، لماذا؟ لاستواء حد كل منهما، الحرام والكراهة التحريمية يشملهما حد واحد، ولذلك لو قيل: حُدَّ لنا الكراهة التحريمية، لقال: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ما حد الحرام؟ ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، إذن نوع الدليل لا مدخل له في حقيقة الشيء، وإنما ننظر إلى مدلول النص نفسه.

إذن: "تكليفية"، قال: وهي خمسة معلومة بطريق الاستقراء، وهذا قول الجماهير، وعند الشافعية وبعض المالكية زيادة خلاف الأولى، وعند الأحناف زيادة الفرض والكراهة التحريمية.

ص: 4

قال: "واجب"، هذا هو الأول، الحكم التكليفي الأول هو الواجب، وذكرنا أن متعلق الإيجاب هو فعل المكلف، فإذا تعلق الإيجاب بفعل المكلف سمي الفعل واجبا، وهنا يقول أولها واجب، هل هذا مستقيم؟ هل هذا يستقيم؟ هل الواجب حكم شرعي؟ لا ليس بحكم شرعي، الواجب ليس بحكم شرعي، ولذلك ذكرنا فيما سبق أن الأصوليين يقولون إيجاب ووجوب وواجب، ولكل معنى، الإيجاب والوجوب متحدان في الذات مختلفان في الاعتبار؛ لأن الإيجاب هو عين الخطاب، هو نفسه (وأقيموا الصلاة)، وهو نظر الأصولي، والوجوب هو مدلول (وأقيموا الصلاة)، إذن بالنظر إلى فعل المكلف تعلقت الآية (أقيموا الصلاة) فدلت على الوجوب، أما هي عينها فهي إيجاب، ولذلك الأصح أن يقال: "أوجب الله الصلاة إيجابا فوجبت الصلاة وجوبا، مبحث الأصوليين في الأول (أوجب الله الصلاة إيجابا)، ومبحث الفقهاء في الثاني (فوجبت الصلاة وجوبا)، تعلق الإيجاب بفعل المكلف يجعل وصف فعل المكلف أنه واجب، فحينئذ الواجب هذا على زنة اسم فاعل، يدل على ذات وصفة، إذن ذات متصفة بصفة هي الإيجاب، والفعل الذي تعلق به الإيجاب لا يمكن أن يكون هو عين كلام الله عز وجل، مع تقرير أن الإيجاب هو عين كلام الله عز وجل، ولذلك نقول هو حكم والحكم صفة الحاكم، إذن نقول واجب هذا ليس بحكم شرعي وإنما هو فعلٌ، أو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه، إذن هو من متعلقات الحكم، يعني ما تعلق به الحكم هو فعل المكلف كما سبق هناك، ولذلك هذه المسائل كلها التي تأتي في الأحكام التكليفية ما يضبطها حق الضبط إلا من عرف محترزات الحكم الشرعي على وجهه الصحيح، ولو بتعمق ولو بدقة ولو بتكلف، هناك قلنا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، حكم الله أو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، إذن المتعلِّق ليس هو عين المتعلَّق، عندنا متعلِّق ومتعلَّق، ما هو المتعلِّق؟ خطاب، خطاب الله المتعلِّق، نعت لخطاب، المتعلِّق بفعل المكلَّف، فعل المكلَّف متعلَّق به، مثلما نقول هكذا (المروحة) تعلقت بالسقف، المتعلِّق هو الإيجاب، والمتعلَّق به هو فعل المكلَّف، حينئذ الواجب من قسم المتعلِّق أو المتعلَّق؟ المتعلَّق، حينئذ ليس حكما شرعيا، وإنما توسع الأصوليون في ذلك توسعا مما جعل النقد موجها إليهم من هذه الحيثية، وإنما يقال: عرَّف الواجب باعتبار كونه متعلَّقا للحكم الشرعي الذي هو الإيجاب، إذا أردنا أن نحد الواجب باعتبار المتعلِّق لا باعتبار المتعلَّق، فنقول: الواجب باعتبار المتعلِّق وهو الإيجاب، الذي هو الحكم الشرعي الحقيقي، حده ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وإذا أردنا أن نحده باعتبار المتعلَّق به فنقول كما قال المصنف هنا ما يُثاب أو ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، إذن له حيثيات، ننظر إليه من حيث المتعلِّق فنعرفه من حيث الإيجاب، وننظر إليه من حيث المتعلَّق فنعرفه من حيث كونه صفةً لفعل المكلَّف، نقول الواجب له معنيان: معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، أما معناه في اللغة فهو الساقط والثابت، يعني يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثابت، من مجيئه بمعنى الساقط قوله جل وعلا:[فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا]{الحج:36} ، يعني سقطت

ص: 5

ولزمت محلها، هذا هو الأصح، وجاء في الحديث في الميت:"فَإذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً" أي: سقطَ ولَزم محله، ويأتي بمعنى الثابت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الموجبة للرحمة، فالواجب يأتي بمعنى الساقط والثابت، الساقط كما ذكرناه في المثالين:"فَإذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً"، والثابت كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الثابتة أو التي تثبت لصاحبها الرحمة، إذن يأتي الواجب بمعنى الساقط والثابت، طيب الوجوب يكون على هذا بمعنى السقوط والثبوت، وورد أيضا بمعنى اللزوم، لذلك جاء في المصباح:(وجب البيع والحق، يجب وجوبا ووجبا لزم وثبت)، إذن يأتي بمعنى اللازم ويأتي بمعنى الثابت ويأتي بمعنى الساقط.

أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهُمُ.:. عن السِّلم حتى كان أول واجبِ.

ص: 6

أما في الاصطلاح فنقول: الواجب له اعتباران: إما أن يُنظَر إليه باعتبار المتعلِّق فحينئذ نقول من حيث كونه حكما شرعيا: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، ووردت حدود كثيرة في تعريف الواجب في الاصطلاح وأكثرها صحيح، وإن كان يعترض كثير من الأصوليين على كثير منها، لكنها كلها متقاربة والانتقاد قليل ويمكن أن يُجابَ عنه، والذي يمكن أن يناسب هذا المقام أن نقول: الإيجاب هو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما) حكم شرعي، أو خطاب الله، (طلب الشارع) أخرج ما لا طلب فيه وهو الإباحة، أخرج المباح، ليس فيه طلب، (ما طلب الشارع فعله) أخرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه، (طلبا جازما) أخرج المندوب، إذن صار هذا الحد على جهة التقريب صار هذا الحد مختصا بالإيجاب، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما طلب) نقول هذا جنس، (ما) جنس يشمل جميع الأحكام الشرعية التكليفية، (طلب الشارع) أخرج الإباحة أو المباح لأن ليس فيه طلب، استوى فيه الطرفان الفعل والترك، (طلب الشارع فعله) خرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه لأنهما مطلوبا الترك والإعدام، (طلبا جازما) ما طلب الشارع فعله = لم يخرج الندب بعد، لأنه مطلوب الفعل، (طلبا جازما) طلبا هذا مصدر، (طلبا جازما) يعني على وجه القطع، بأن رتب الشارع على تركه الوعيد، وهذا أخرج الندب لأنه مطلوب الفعل طلبا غير جازم، بأن لم يرتب الشارع على تركه الوعيد، هنا عرفه من جهة أخرى وهو كونه صفة لفعل المكلف، قال:"واجب" حينئذ نقيده من حيث تعلقه بفعل المكلف، لابد من تقييده لأنه أراد أن يعرف الواجب لكونه حكما شرعيا، قلنا هذا لايصح في هذا الحال، وإنما نعرف الواجب من حيث كونه حكما شرعيا، الذي هو الإيجاب في التعريف السابق، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، الذي ذكره المصنف هنا على المشهور عند المتأخرين ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، هذا تعريف للواجب من حيث تعلقه بفعل المكلف، لأن الواجب صفة الفعل الذي فعله المكلف وليس هو صفة لكلام الله عز وجل ولا مدلولا لكلام الله عز وجل، إذن الواجب ليس هو الحكم الشرعي عند الأصوليين وليس هو الحكم الشرعي عند الفقهاء، لأن مدلول الحكم الشرعي في (أقيموا الصلاة) عند الفقهاء هو الوجوب لا الواجب، والحكم الشرعي عند الأصوليين هو الإيجاب لا الواجب ولا الوجوب، إذن نقول قوله واجب أي من حيث تعلقه بفعل المكلف، قال: واجب يقتضي الثواب على الفعل، (يقتضي) يعني يترتب عليه، والاقتضاء الأصل فيه الطلب، يعني يطلب ويترتب على فعله وإيجاده الثواب، هذا إذا نظرت فإذا به تعريف للواجب فيه بلازمه، لماذا؟ لأن الثواب والعقاب حكمان مترتبان على تحصيل وإيجاد الواجب، وليس هو عين الواجب، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولذلك يقال في هذا إنه رسم وليس بحد، لأن ذكر الثمرة أو ذكر الحكم نقول هذا من قبيل الرسوم لا من قبيل الحدود، حينئذ نقول إذا ذكر الشيء برسمه بثمرته بحكمه بلازمه نقول هذا فرع عن حقيقة الشيء، (يقتضي الثواب) الثواب والعقاب، الثواب هو الجزاء مطلقا، هكذا في اللغة، الثواب هو الجزاء مطلقا، يعني سواء كان الجزاء بخير على خير أو بشر على شر، ولا يختص الثواب بجزاء

ص: 7

الخير على الخير، وهذا وارد في الكتاب:[قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ]{المائدة:60} ، هنا الثواب على شر إذا وقع الثواب على الشر، [هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] {المطَّففين:36}، ثواب الكفار ليس هو بخير وإنما هو بشر جزاء على ما فعلوا، إذن نقول الثواب لغة: الجزاء مطلقا، ومنه قول الشاعر:

لكل أخي مدح ثواب علمته.:. وليس لمدح الباهلي ثواب.

أي: جزاء.

والعقاب في اللغة: التنكيل على المعصية، ومنه قول الشاعر:

ومن عصاك فعاقبه معاقبةً.:. تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد.

إذن عرفنا حقيقة الثواب، وحقيقة العقاب.

(يقتضي الثواب على الفعل) على الإيجاد، وهنا قال الفعل وهو عام، يشمل القول ويشمل النية والاعتقاد والترك ويشمل أيضا الفعل الصريح وهو ظاهر الدخول.

(والعقاب على الترك) إذن لازم الواجب وثمرة الواجب أنه إذا وجد وسقط به المكلف إيجادا له على وجهه الشرعي نقول ترتب عليه الثواب إذا وُجد، وإذا عُدِم ولم يأت به المكلف على وجهه الشرعي حينئذ ترتب العقاب، إذن العقاب وجودا، العقاب والثواب لازمان للواجب وجودا للثواب وعدما في الترك، إذا ترك الواجب هل يثاب؟ نقول لا يثاب، ما الذي يوجد؟ العقاب، إذا وجد الفعل الواجب وجد ماذا؟ الثواب وانتفى العقاب، لكن يذكر أن العلم هنا ضابطين لابد من ذكرهما:(يقتضي الثواب على الفعل) قالوا لابد من القيد امتثالا، لأن شرط الثواب هو النية، نية التقرب إلى الله جل وعلا بكون هذا الفعل طاعة، وقربة إلى الرب سبحانه، ولذلك يقسم الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به وعدمه إلى قسمين: فيقال [واجب لا يعتد به إلا بوجود النية]، إذا وجدت النية _نية التقرب إلى الله سبحانه_ حينئذ صار الواجب صحيحا ويثاب عليه، إذا فقدت النية لا يصلح الواجب ولا يثاب عليه، بل يعاقب عليه إذا تعمد ذلك، وهذا مثل ما يقال فيه إنه من العبادات المحضة، كالصلوات الخمس، هذا واجب، ولا يمكن أن يثاب على هذا الواجب، بل لا يمكن أن يعتبر ويصح إلا إذا وجدت نية التقرب إلى الله عز وجل، "لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ"، "إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، فكل عمل يكون مشروطا بالنية في ترتب الثواب عليه، إذن الواجب الذي يترتب عليه الثواب ولا يوجد الثواب إذا انتفت النية وأثرت فيه صحة نقول هذا في العبادات المحضة التي يُعبَّر عنها بأنها غير معقولة المعنى، هذا في الأصل، إذن قسم لا يُعتد به يعني لا يصح إلا بوجود نية التقرب والامتثال كالصلوات الخمس وصيام رمضان والحج ونحو ذلك، القسم الثاني:[واجب يعتد به] يعني يعتبر صحيحا، وبفعله تبرأ الذمة، ويسقط الطلب ولكن لا ثواب عليه إذا فقدت النية، إذا وجدت النية مع هذا القسم ترتب عليه الثواب، إذا لم توجد النية نقول الواجب صحيح وتخلف الثواب لتخلف النية.

وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.

فيما له النية لا تُشترطُ.:. وغير ما ذكرته فغلط.

ص: 8

لأن بعضهم يرى أنه يثاب مطلقا، مثل ماذا هذا؟ النوع الثاني؟ مثل ماذا؟ النفقة على الزوجة أو على الزوجات، هذه واجبة، أليست كذلك؟ واجبة، لكن إذا أنفق على الزوجة خوفا منها، سقط الواجب أو لا؟ سقط، هل تبرأ الذمة بهذا؟ نقول نعم برأت الذمة وسقط الطلب؛ لكن هل يثاب؟ لا؛ لأنه لم ينفق على الزوجة طلبا لمرضاة الرب جل وعلا، وإنما لأمر آخر، كذلك رد الدين ورد المغصوب، هذه إذا حصل الرد، رد المغصوب كما هو وحصل رد الدين كما هو نقول فعل الواجب، لكن هل يثاب؟ نقول لا يثاب إلا إذا نوى أنه رد الدين امتثالا لأمر الله عز وجل، أو أنه رد المغصوب أو العارية لأمر الله عز وجل، فحينئذ نقول هذا القسم الثاني يجزيء ويسقط الطلب وتبرأ الذمة ويثاب عليه إذا وجدت النية، وأما إذا فعله بغفلة عن نية الامتثال فأجزأ وأسقط الطلب ولكن لا ثواب، ولذلك هذا الذي نص عليه صاحب المراقي:(وليس في الواجب) هذا نفي، (وليس في الواجب من نوال) يعني من عطاء وأجر وثواب.

وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.

فيما له النية لا تشترط.:. وغير ما ذكرته فغلط.

يعني الواجب الذي يعتد به ويكون صحيحا ولا تشترط النية في صحته (فيما له النية لا تشترط) يصح الواجب، (وليس في الواجب من نوال) يعني من ثواب، فالنفي يكون للثواب لا للصحة، (وغير ما ذكرته فغلط).

ومثله الترك، اجتناب المحرم قد يجتنب المكلف الحرام فيترك الحرام، هل كل ترك للحرام يقتضي الثواب؟ الجواب لا، بل إذا ترك الحرام ممتثلا أمر الله عز وجل نقول هذا وُجد شرط النية، وجد شرط الثواب وهو وجود نية التقرب والامتثال فيثاب حينئذ، وأما إذا ترك الحرام ولم ينوِ (يعني تركه بغفلة، ما استحضر في قلبه هيبة أو عظمة الرب جل وعلا أو التقرب من الله عز وجل أو أنه انتثال لأمره سبحانه) فهل يعاقب؟ لا، لا يعاقب، وإنما نقول انتفى الثواب لانتفاء شرط الثواب وهو النية، فحينئذ ترك الحرام لا يثاب عليه مع الغفلة، ويثاب عليه مع النية، ولذلك لو فكر إنسان كم وكم وكم ترك من الثواب، يعني ترك الربا لأنه مثلا الإنسان قد يكون غير مرابي، وهذه نعمة عظمى، لكن هل ينوي بأنه تارك للربا ما خطر في قلبه أو أنه ما جاءت المناسبة أو أنه تتقزز نفسه منه، نقول إذا كانت هذه هي الموجبات فحينئذ لا ثواب على الترك، أما إذا استحضر في نفسه أنه قد يفتن في هذه البلية ولكن ابتعاده عنها واجتنابه لها خوفا من الله عز وجل وامتثالا لنهيه سبحانه وتعالى حينئذ توجد النية، يوجد الثواب لوجود شرط الثواب وهو النية، لذلك قال:

ومثله الترك لما يُحَرَّمُ.:. من غير قصد ذا نعم مسلم.

ص: 9

ومثله، أي مثل الواجب الذي يعتد به ولا ثواب الترك لما يحرم، لأن الترك للمحرم من غير من قصد ذا (الذي هو الامتثال) نعم مسلم، نعم هو مسلم من الإثم، لماذا؟ لأن الإثم على الزنا مثلا أو الربا مرتب على وجوده، فإذا لم يوجد لا إثم، لكن لا يلزم من ارتفاع الإثم وجود الثواب، ليس بينهما تلازم، قد يرتفع الإثم لعدم وجود المقتضِي، لكن هل يلزم من ذلك وجود الثواب؟ نقول: لا، نقول: لا، ولذلك قال بعضهم:(ترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية)، هكذا قال في شرح الكوكب المنير، وجود الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، إذا انتفت النية نقول: صح الواجب فيما لا يشترط له النية وصح ترك المحرم ولكن لا ثواب، ولذلك يقيد هذا فيقال: يقتضي الثواب على الفعل مطلقا؟ امتثالا لأمر الرب جل وعلا، والعقاب على الترك، إذن يقتضي العقاب، هل كل واجب يقتضي العقاب؟ لابد وأن يعاقب؟ هل كل واجب يقتضي العقاب؟ أم بعض الواجبات قد يحصل العفو من الرب جل وعلا؟ أحسنت، الثاني، من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الفاسق الملي إذا مات من غير توبة فإنه تحت المشيئة، قد يكون فاعلا لمحرم وقد يكون تاركا لواجب وقد يعفو الرب جل وعلا، فإذا قيل والعقاب على الترك، حينئذ يُفهم من هذا في ظاهره أنه يلزم العقاب، ففرق كثير من الأصوليين والشرَّاح عن هذه الجملة (والعقاب) قالوا: يترتب ويستحق، لأن ترتب العقاب لا يلزم منه حصول العقاب، واستحقاق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، ولذلك اعتُرض على ابن مالك (رحمه الله تعالى) في قوله:(وكل حرفٍ مستحق للبنا) قد يستحق الشيء ولا يأخذه، إذن لا يُفهم من هذه العبارة ماذا؟ أن الحرف مبني، لماذا؟ لأن الاستحقاق شيء ووجود الشيء بالفعل شيء آخر، فحينئذ إذا قيل يستحق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، وإذا قيل ترتب العقاب لا يلزم منه وجود العقاب بالفعل، ولكن هذا مع كثرة الناظمين له والقائلين به أنا أقول: لا وجه لهم، لماذا؟ لأن النظر هنا في الواجب باعتبار الفعل فعل المكلف وأما كونه معفوا عنه في الآخرة هذا ليس للناظم في الكتاب والسنة، وإنما دلت النصوص على أن الأصل في تارك الواجب ما هو؟ وجود العقاب أو العفو؟ وجود، هذا هو الأصل، والعفو أصل أم طاريء؟ طاريء، إذن لا نقول الطاريء حدا في الواجب، وإلا لو قلنا للناس مثلا: والعقاب على الترك الواجب ما يستحق، قد لا يقع العقاب، هذا يكون فيه تقوية لهم في الجرأة على ترك الواجبات، ولذلك نقول والعقاب على الترك لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه باعتبار أمر الدنيا والنظر في مدلول النصوص (نصوص الكتاب والسنة) ثبت بالاستقراء أن الأصل في الواجب تركه مقتض للعقاب، يعني يترتب ويستحق والأصل وقوع الشيء، ثم كونه قد يعفو عنه الرب جل وعلا هذا أمر طاريء وليس لنا أن نتدخل فيه، وإنما ننظر فيما يعنينا، أما كونه يعفو عنه أو لا يعفو ليس في نظرنا.

"واجب يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك"، هذا حده، وعرفنا أن الأصح أن الواجب والفرض مترادفان، أن الفرض والواجب مترادفان.

ص: 10

والفرض والواجب ذو ترادف.:. ومالَ نعمان إلى التخالف.

والفرض والواجب قد توافقا.:. كالحتم واللازم مكتوب وما.

هذه الألفاظ كلها مترادفة، يقال هذا فرض وهذا واجب وهذا مكتوب:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ]{البقرة:183} ، دل على الوجوب، كذلك اللزوم وكذلك الحتم، محتوم وملزوم، من لزمته [ .... ] كذلك الحتم:[كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا]{مريم:71} نقول هذه الألفاظ كلها مترادفة ومصدقها ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه، إذن كلها أسماء مترادفة في الشرط، والتفرقة بينها وخاصة بين الواجب والفرض لا دليل عليه، ولذلك ابن قدامة في الروضة قال:(لاستواء حدهما) والفرض هو الواجب لاستواء حدهما، يعني حد الواجب هو عين حد الفرض، ولذلك جاء في الحديث قول الرب جل وعلا:"مَا تَقَرِّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِأحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ"، فدل على ماذا؟ ماذا نفهم من هذا؟ "وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إَلَيَّ بِالنَّوَافِلِ"، إذن قابل النوافل بماذا؟ بالفرض، وهذا يشمل ماذا؟ الواجب والفرض عند الأحناف، فحينئذ يستوي النوعان، إذن نقول الخلاصة أن الأصح أن الفرض والواجب والحتم والمكتوب كلها ألفاظ مترادقة، تصدق على محل واحد وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، إذا قيل ما صِيَغ الواجب؟ متى نحكم على الشيء بالشرع أنه واجب؟ نقول:

أولا: بصيغة افعل، صيغة الأمر (افعل)، [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] {البقرة:43} نقول هذا واجب.

الثاني: المضارع المقرون بلام الأمر، [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ] {الطَّلاق:7} نقول هذا واجب وفرض، لماذا؟ لأنه فعل مضارع مقرون بلام الأمر، وهو دال على الوجوب.

ثالثا: اسم فعل الأمر، [عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ] {المائدة:105} (عليكم) هذه اسم فعل أمر، وهو يدل على الوجوب.

رابعا: المصدر النائب عن فعل الأمر، [فَضَرْبَ الرِّقَابِ] {محمد:4} يعني (فاضربوا رقابهم).

الخامس: التصريح بلفظ الأمر، [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ] {النحل:90} (يأمر) نقول هذا يدل على الوجوب، والأظهر أنه لا يدل على الوجوب، لماذا؟ لأنه يشمل الندب.

السادس: ترتب العقاب على الترك، [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] {الزُّمر:65} نقول هنا ترتب العقاب، نقول:(صَلِّ وإلا قتلتُكَ) نقول (صَلِّ) هذا يدل على الوجوب من جهتين، من جهة كونه أمرا ومن جهة ترتب العقاب على الترك.

إذا وُجد واحد من هذه الأمور نقول: يُفهم منها الوجوب.

وثم صِيغ يذكرها كثير من الأصوليين.

ص: 11

قال: "وينقسم من حيث الفعل" الآن شرع في بيان أقسام الواجب، الواجب له أقسام ثلاثة، "ينقسم الواجب من حيث الفعل" هذا تقسيم، "وينقسم أيضا من حيث الوقت، وينقسم أيضا من حيث الفاعل" وكلها ذكرها المصنف، إذن له ثلاث حيثيات: ينقسم من حيث الفعل، يعني باعتبار ذاته، نفس الفعل، فعل المكلف، باعتبار ذاته، بحسب فعل المكلف، ننظر إلى فعل المكلف الذي حكمنا عليه بأنه واجب، يعني ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، كالصلاة والزكاة والحج، نقول ننظر إلى الصلاة نفسها، فنقسم الواجب باعتبار الفعل إلى نوعين: إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، كما ذكره المصنف، إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، إلى معين، قال في حده:"لا يقوم غيره مقامه"، يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه، يعني يحدد لك الفعل شيء واحد، وهذا تعرفه وينضبط معك بالواجب المخير، لأن الواجب المخير كما قال:"مبهم في أقسام محصورة" أن يذكر لك الشارع ثلاثة أشياء، ويقول لك يجب واحد منها، هل عيَّن لك الواجب؟ لا، لم يعين، وإنما ذكر لك واحدا في أقسام محصورة، إذن هو مبهم، لو عيَّن لك شيئا واحدا، قال:[أَقِمِ الصَّلَاةَ]{الإسراء:78} هل أنت مخير في الصلاة؟ نقول: لا، لماذا؟ لأن هذا الواجب يسمى واجبا معينا، لا يجزيء غيره ولا يقوم غيره مقامه، لا يمكن أن يؤمر الآن بصلاة الظهر مثلا ثم يقول: لا، أنا أخرج لعرفة، يأتي بالحج، لماذا؟ لأن الصلاة (صلاة الفرض) التي هي الظهر لا يقوم غيرها مقامها، قال:"إلى معين" يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه لا يقوم غيره (يعني غير الفعل) مقامه، فيتعين عليك إذا قيل لك [أقم الصلاة] أن تصلي ولا خيار لك في الترك، وإذا قيل:[فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]{البقرة:185} يتعين عليك الصوم ولا يجزيء غير الصوم مقام الصوم في شهر رمضان، هذا نسميه ماذا؟ واجبا معينا، لا يقوم غيره مقامه، كالصلاة كما مثلنا، والصوم كما مثلنا، ونحوهما كالحج وبر الوالدين والصدق ونحوها من الواجبات، فالمطلوب في هذه الواجبات كلها واحد لا خيار فيه، لماذا؟ لأن الشارع قد طلب منك هذا الفعل وعينه، ولم يخيرك بين شيئين أو ثلاثة وأنت تختار واحدا منها.

ص: 12

"وإلى مبهم" هذا هو القسم الثاني الذي يقابل المعين، "وإلى مبهم" مبهم من الإبهام، وهو عدم التعيين، الإبهام هو عدم التعيين إذا قيل جاء الذي، قالوا:(الذي) هذا اسم موصول وهو مبهم، (هذا) اسم إشارة وهو مبهم، لا يتعين إلا بالمشار إليه، (هذا زيد)، (جاء الذي قام أبوه) إذن (الذي، وهذا) من المبهمات، لماذا؟ لأن المراد منها عند إطلاقها غير معين، لابد أن يأتي شيء آخر يبين المراد منها، هنا قال:"مبهم" غير معين، "في أقسام محصورة" لأنه لو أوجب شيئا مبهما لا في أقسام محصورة صار من التكليف بالمحال، لا يمكن هذا يتصور، أن يأمرك بشيء مبهم، ماهو؟ الله أعلم به، أن يأمرك بشيء مبهم ثم لا يحصره لك في شيء معين، هذا لا يقع وإنما يكون من التكليف بالمحال، وإنما قال:"في أقسام محصورة" لحكاية الواقع الذي جاء به الشرع، وهذه بعضهم ينكر وجوده، لكن الصواب أنه ثابت وجائز عقلا وواقع شرعا، أما جائز عقلا فلا يمتنع أن يقول الأب لولده (ائت بكذا أو كذا)، خيره بين شيئين، أو أن يقول السيد لعبده (خِط لي ثوبا أو ائت بماء) خيره بين شيئين إذا أتى بواحد منهما أجزأ وأسقط الطلب، إذن بالعقل لا يمنع، وبالشرع أيضا هو واقع، قال تعالى:[فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ]{المائدة:89} ، [أو] هذه للتخيير، إذن هل الواجب كل هذه الثلاثة أشياء؟ لا، وإنما الواجب واحد، ما هو؟ نقول مبهم، مطلقا؟ مبهم مطلق؟ نقول: لا، مبهم في أقسام محصورة، عدَّ لك ثلاثة أشياء وخيرك أيها المكلف تخفيفا ورحمة أن تختار أنت، فحينئذ لو ترك الجميع أثم، لو فعل الجميع أُجر، قيل على أعلاها، وقيل على أدناها، قال:"مبهم في أقسام محصورة" وهذا الذي يسميه الأصوليون الواجب المخير، والأول الواجب المعين، واجب معين وواجب مخير، إذن "مبهم في أقسام محصورة" يجزيء واحد منها، يعني يجزيء ويسقط الطلب فعل واحد منها، لماذا؟ لأن الشرع قد خيرك أيها المكلف في فعل واحد، وعين لك ثلاثة أشياء كما في خصال الكفارة، واضح هذا؟ إذن نقول ينقسم الواجب باعتبار الفعل نفسه بالنظر إلى ما طلبه الشارع إلى نوعين: واجب معين وواجب مخير، "واجب معين" عين لك شيئا واحدا ليس لك الخيار في تركه، كقوله تعالى:[وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ]{البقرة:43} عين لك الصلاة، هل يقوم غير الصلاة مقامها؟ الجواب: لا، "وإلى واجب مخير" يعني خيرك الشرع بين أشياء هو الذي حصرها لك، فذكر لك عدة أشياء، ثلاثة أو أربعة، وقال لك يجب عليك واحد منها، أي شيء فعلته منها أجزأ وأسقط الطلب وبرأت الذمة، [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] {المائدة:89} حدد لك ثلاثة أشياء، الواجب منها واحد فقط، نسميه هذا واجب مخير.

ص: 13

"ومن حيث الوقت" يعني ينقسم الواجب من حيث الوقت، يعني باعتبار الزمن الذي يقع فيه الواجب، يعني باعتبار زمن أدائه، متى يُفعل هذا الواجب؟ الأصل فيه أو الغالب الكثير أن بعض الواجب قد يكون مؤقتا محددا، وبعضه يكون غير مؤقت وغيرمحدد، غير مؤقت يعني لم يُجعل له وقت معين، مثل الزكاة، الزكاة متى تجب؟ هل لها وقت أول وآخر؟ ليس لها وقت، متى ما تم الحول والنصاب ودار الحول وجبت الزكاة، في وقتها، منذ أن وجد الشرط والسبب وجدت الزكاة، إذن نقول الزكاة لا وقت لها، وإنما وقتها حيث وجبت، وبعض الواجبات عين له الشارع وقتا، فحينئذ يكون هذا الوقت مقدرا من الشرع، ولذلك يُعَرَّف الوقت بأنه الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، قدره الشارع للعبادة، لأنك لو نظرت نظرا عقليا هكذا، العبادة المأمور بها إما أن يكون الوقت مساويا لها (لفعلها) ولا يسع الوقت أكثر من فعل الواجب، وإما أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون أقل، قسمة عقلية، إما أن يكون أقل من وقت العبادة (من فعل العبادة)، يعني لا يسعها، مَثَّلَ بعض الأصوليين كأربع ركعات في طرفة عين، لو كلفك الشارع بأربع ركعات في طرفة عين، هكذا، غَمَّض عينك وافتح، أربع ركعات، قالوا: هذا محال؛ لأنه تكليف بالمحال لا يوجد هذا، ماذا بقي؟ بقي أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون مساويا لفعل العبادة، إذن قسمان، قالوا: نسمي الوقت أو الواجب الذي كان مساويا للعبادة نسميه واجبا مضيقا، والوقت الذي يكون أكثر من العبادة نسمي الواجب الذي حل فيه واجبا موسعا، إذن قوله:"ومن حيث الوقت" أي ينقسم الواجب من حيث الوقت الذي يقع فيه الواجب، والوقت هو الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، "إلى مضيق" يعني إلى واجب مضيق، ضيق فيه على المكلف، بحيث لا يجد سعة إلى تأخيره، فلو أخره لصار قضاءً، عرفه المصنف بقوله:"ما تعين له وقت لا يزيد على فعله"(ما) أي فعل، واجب، قول وعمل إلى آخره، تعين له وقت، يعني حُدِّدَ له وقتٌ من قِبل الشارع لا يزيد على فعله من جنسه، قال:"كصوم رمضان" صوم رمضان نقول هذا واجب مضيق، لماذا؟ لأن من جنس رمضان الواجب صوم النفل مثلا أو واجب آخر، كالكفارة أو النذر، فحينئذ لو صام أول يوم من رمضان هل يسع أن يجمع بين صوم رمضان وصوم النافلة وصوم النذر مثلا؟ هل يمكن؟ لا يمكنه، إذن نقول: هذا الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسع إلا عبادة صوم رمضان فقط، وأما ما كان من جنس الصوم كالنفل أو الواجب الآخر غير صوم رمضان فلا يسعه، لماذا؟ لأن الوقت هنا مواز ومساو لوقت العبادة، لذلك قال:"ما تعين له وقت" يعني حدد له وقت في الشرع، لا يزيد هذا الوقت على فعله، بل هو مساو له، من جنسه، لا بد من قيد من جنسه لأن الصوم قد يأتي بواجب آخر يصوم مثلا ويتصدق ويزكي ويبر والديه ويأتي بواجبات أخرى، إذن جمع في وقت واحد بين الصوم وبين غيره من الواجبات، أما من جنس الصوم فلا، "كصوم رمضان"، "وإلى واجب موسع، وهو ما كان وقته المعين يزيد على فعله من جنسه" يعني يسع الوقت الفعلَ وزيادة، كالصلاة والحج، كالصلاة، أوقات الصلاة مثلا إذا صلى الظهر نقول هل الوقت موازٍ للصلاة بحيث لا يزيد الوقت على

ص: 14

فعل الصلاة أم يزيد؟ نقول: يزيد، هل له أن يفعل من جنس الواجب الموسع الذي هو الصلاة نفلا أو واجبا آخر في نفس الوقت أو لا؟ يسعه، يمكن أن يأتي بصلاة واجبة غير صلاة الظهر، أن صلاة الظهر الآن هل يمكن أن تأتي بصلاة واجبة أخرى؟ يمكن، مثل ماذا؟ القضاء، لو تذكر صلاة منسية واجبة، ما صلى صلاة الظهر أمس، فصلى صلاة الظهر اليوم، نقول جاء بالواجب، وهذا الواجب موسع، لأن الوقت يسع هذه الصلاة الأربع ركعات، ويسع غيرها من جنسها، وهو قضاء صلاة أخرى، القضاء للصلاة الأخرى هو عين أو من جنس الواجب الموسع الذي هو صلاة الظهر أولا، كذلك له أن يتنفل بما شاء من النوافل للصلوات، نسمي هذا الوقت أو نسمي هذا الواجب واجبا موسعا، كصوم رمضان، قال:"كالصلاة" يعني المراد بها الوقت، "والحج" الحج هل وقته موسع أم مضيق؟ هل المراد أن يحج مرتين في سنة؟ أو المراد أنه يستطيع أن يرمي في الصباح ثم يتفرغ لسائر العبادات ببقية يومه؟ أو أن يطوف بالصباح ويتفرغ لسائر العبادات في يومه؟ نقول باعتبار أفعال وأعمال الحج هو واجب موسع، وباعتبار كونه لا يسع غيره بمعنى أنه لا يستطيع أن يحج مرتين هو واجب مضيق، لأن هذه السنة مثلا إذا حج لا يسع أن يحج مرة أخرى كما إذا صام رمضان لا يسع أن يصوم رمضان آخر سابق أو يقضي صوما، أما باعتبار الآحاد وباعتبار الأفراد نقول: يسع أن يأتي بالرمي وهو واجب ثم يتفرغ لسائر العبادات، إذن وَسِعَ الوقت الرمي وزيادة، وإن كان المثال فيه نوع إشكال، قال:"فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه"(فهو) أي المكلف، (مخير في الإتيان به) أي بالواجب الموسع (في أحد أجزائه) يعني في أي جزء من أجزاء وقته، ولذلك فيه إن الوجوب يتعلق بجميع الوقت، ثم هو مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أوقع هذا الفعل، فوقت الظهر مثلا جميعه نقول محل لأداء الصلاة الواجبة وهي الظهر، هل إذا وقعت في أول الوقت تكون أداء؟ نعم، هل إذا وقعت في أثناء الوقت (منتصفه) تكون أداء؟ نقول: نعم، هل إذا وقعت في آخر وقت الظهر تقع أداء؟ نعم، معنى هذا الكلام يستفاد منه أن جميع وقت الظهر محل أداء صلاة الظهر، فحينئذ صار الوقت كله وقت أداء، ولذلك نص الأصوليون على أن تعلق الواجب يكون بجميع الوقت، وقتا موسعا، أداء لا قضاء، لأن بعضهم يرى أن فعل العبادة في آخر وقتها يكون قضاء، كما هو مذهب بعض أو ما يُنسب إلى الأحناف، والصواب أنه يكون أداء، فلو أخر الصلاة إلى آخر وقته الظهر نقول جائز أو لا؟ جائز، هل يجب عليه أن ينوي التأخير؟ أو يعزم على التأخير؟ نقول: لا، هذا هو الصواب، والجمهور على أنه لابد أن يأتي بالعزم، بدل التأخير، والصواب أنه لا يجب ذلك.

جميع وقت الظهر قال الأكثر.:. وقت أداء، وعليه الأظهر.

لا يجب العزم على المؤخر.:. وقد علم وجوبه للأكثر.

ص: 15

يعني عند الجمهور أنه إذا أخر الواجب الموسع إلى آخر وقته يجب عليه أن ينوي ويعزم أنه سيأتي به في آخر الوقت، لماذا؟ لأن هذا واجب، والوجوب قد تعلق بأول الوقت، فحينئذ إما أن يأتي به وإما أن يأتي ببدله، إما أن يأتي به، بفعله في أول الوقت، وإما أن يأتي ببدله، ببدل الفعل وهو العزم، والصواب أنه لا يجب، لماذا؟ لأمرين: أولا: التعريف، قالوا: إما أن يأتي به ومن أتى به في آخر الوقت فقد أتى به في وقته، إذن هو لم يخرجه عن وقته حتى لابد أن يأتي ببدله كالقضاء والعزم، الثاني: وهو أصرح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل جبريل عليه السلام علمه أول الوقت ثم جاء بعدها في اليوم التالي وصلى به في آخر الوقت، هل قال له في اليوم الأول: انوِ؟ اعزم أن تأتي به متأخر؟ هل قال له ذلك؟ لا، لم يُقَل هذا، فدل على أنه لا يجب العزم على من أخر الصلاة في الواجب الموسع إلى آخر الوقت، لماذا؟ لأنه فعل ما يجوز له فعله وهو التأخير، إذن ما المراد إذا قيل هو واجب موسع؟ معناه أنه مخير في أي وقت من أوقات الفعل أن يوقع الصلاة، هذا حيث لا تعليل آخر، قد يقول قائل: طب صلاة الجماعة تقع في الأول فلا يجوز أن يتأخر، نقول هنا النظر ليس لفعل الصلاة، وإنما لأمر آخر، لنصوص أخرى، دلت على وجود الجماعة في أول الوقت فحينئذ وجوب التقديم هنا لا لذات الصلاة وإنما لأمر آخر تعلق بالصلاة وهو وجوب الجماعة على قول من يرى وجوبها، إذن لا يعتبر بوجوب صلاة الجماعة على أنه يجب أن يأتي بها في أول الوقت وإنما النظر إلى الصلاة نفسها، فنقول وجبت الصلاة، قد يكون مسافرا وعند بعضهم لا تجب عليه الجماعة، فحينئذ نقول: له أن يؤخر في آخر الوقت، ولا يجب على الصحيح أن يأتي ببدل هذا التأخير وهو العزم، (جميع وقت الظهر قال الأكثر وقت أداء وعليه) إذا قيل وقت أداء حينئذ كيف نقول يجب عليه العزم؟ (وعليه الأظهر لا يجب العزم على المؤخر وقد علم وجوبه للأكثر) لكن الجمهور والأكثر إذا لم يكن الدليل معهم حينئذ لا نوافق وإن كان الأكثر إصابة الجمهور لكن الدليل أولى بالاتباع، إذن قال:"فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه" ولذلك هو من جهة المعنى فيه نوع الواجب المخير، الواجب المخير هناك التخيير وقع في ماذا؟ في عين الواجب، واحد من ثلاث، وهنا وقع في ماذا؟ في إيقاع الفعل في أي وقت، إذن الاختيار هنا والتخيير في الوقت، بين أجزاء الوقت، وهناك وقع بين الواجبات أنفسها، وهنا في الوقت، فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص لجواز التأخير بخلاف ما بعده، هذه مسألة تتفرع على مسألة الواجب الموسع، إذا جاز له أن يؤخر فتأخيره إما إلى أن يضيق عليه الوقت أم قبله، كيف يضيق عليه الوقت؟ فلو أخر صلاة الظهر إلى أن بقي عشر دقائق ويخرج الوقت، نقول: عشر دقائق هذا في الغالب تسع أربع ركعات، صار الوقت مضيقا عليه، إذن قد يصير الواجب الموسع مضيقا، متى؟ إذا أخر الواجب حتى بقي عليه ما لا يسع إلا الواجب، ولذلك يجوز للمرأة مثلا أن تؤخر قضاء شهر رمضان حتى (هي مخيرة وموسعة) من شهر شوال (هي عليها ستة أيام مثلا) من شهر شوال هي مخيرة أو الواجب موسع في أن تؤخرها إلى أن يبقى ستة أيام من شعبان، حتى يبقى

ص: 16

ستة أيام من شعبان، يعني وينتهي شهر شعبان، إذا بلغت القدر المعين لها في قضائها نقول: ضاق عليها الوقت فتعين، فيجب عليها أن تصوم ثاني يوم، أما ما قبل ذلك فهي مخيرة أن توقع الصيام في شهر شوال في شهر ذي القعدة إلى آخره، حتى يبقى قدر الأيام التي عليها، فإذا بقي قدر الأيام حينئذ نقول ضاق عليها الوقت فصار الوقت مضيقا، هنا من المسائل [

]

ص: 17

فلو أخر ومات، أخر من جاز له التأخير حتى بقي وقت يسع الصلاة وغيرها، يعني لم يضق عليه الوقت، أخر صلاة الظهر حتى الساعة الثالثة، نقول: بقي عليه وقت موسع، يسع الصلاة الأربع ركعات وزيادة، لو مات قبل أن يصلي هل يموت عاصيا أم لا؟ هل عصى؟ مات، ما صلى الظهر، ترك واجبا أو لا؟ تراك واجبا، نعم ما صلى الواجب، هل يعصي أو لا؟ نقول: لم يعص، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وحُكي إجماعا أنه ليس عاصيا، لذلك قالوا هنا: فلو أخر من له التأخير ومات قبل أن يفعلها كالصلاة فإنها تسقط بموته عند الأئمة الأربعة، لماذا؟ لأنها تسقط بموته يعني لا يطلب قضاؤها من غيره من الورثة، لأنها لا تدخلها النيابة فلا فائدة في بقائها في الذمة بخلاف الزكاة والحج، يعني سقط وجوب الصلاة فلا تتعلق بها الذمة، لماذا؟ لأن الصلاة لا نيابة فيها، بخلاف الزكاة، لو لم يُزكِّ فمات حينئذ وجبت الزكاة في التركة، "قبل ضيق الوقت" هنا قيدٌ هذا، له مفهوم، قبل أن يضيق عليه الوقت، الجواب: لم يعص، لم يعص بالتأخير كما قلنا عند الأئمة الأربعة وحُكي إجماعا، لماذا لم يعص بالتأخير؟ لأنه لم يضق عليه الوقت، يعني لم يتعين عليه فعل الصلاة في ذلك الوقت، أنت مخير دخل الوقت الساعة الثانية عشرة والنصف، يجوز أن تصلي الساعة الواحدة، أنت وشأنك، تريد أن تصلي الواحدة والربع، الواحدة والنصف، الثانية، الثانية والنصف، أنت مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أنت مخير أن توقع الصلاة فيه، إذن فعل ما يجوز له، لأنه لما أخر إلى الساعة الثانية مثلا فمات قبل الساعة الثانية نقول: قد فعل جائزا، وإذا فعل جائزا لا يترتب عليه العقاب، لذلك قوله:"قبل ضيق الوقت" هذا قيد، لم يعص، لماذا؟ قالوا: لجواز التأخير، اللام هنا للتعليل، تعليل الحكم، ما هو الحكم؟ عدم العصيان، عدم العصيان بترك الصلاة حتى قُبِضَ، لجواز التأخير لأنه فعل ماله فعله، فلماذا لا يقدر في نفسه أنه قد لا يعيش؟ هل ممكن الإنسان يجعل في نفسه ابتداء من نومه كل لحظة ممكن يأتيه ملك الموت، لماذا لم يحسب حساب هذه الجزئية؟ قالوا: واعتبار السلامة العاقبة ممنوع لأنه غيب، يعني قد يعتذر معتذر فيقول لماذا لم يعتقد في نفسه أنه قد يقبض في هذه اللحظة؟ نقول لاعتبار سلامة العاقبة ممنوع، لماذا؟ لأنه غيب، أنت ما تدري، الأصل أنك تعيش، الأصل السلامة أما عدم السلامة فهذا أمر غيبي، لا تدري متى سيأتيك ملك الموت، لكن الأصل أنك تعيش، ولذلك أنت الآن قدرت نفسك أنك بعد العصر ستذهب إلى كذا وكذا وكذا، أليس كذلك؟ لأنك جريت على الأصل وأنك باق بإذن الله تعالى، "بخلاف ما بعده" بعد ماذا؟ بعد ضيق الوقت، فإنه يعصي، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن مانع منه، فعدم البقاء أثم إجماعا، يعلم أنه سيقتل قبل خروج الوقت بنصف ساعة، يعلم هذا أن القصاص سيأتي عليه الساعة الثالثة فأخر حتى الساعة الثالثة، ولم يُصل فقتل، يعصي أو لا؟ يعصي، هل خرج الوقت؟ هل خرج الوقت في حقه؟ خرج الوقت في حقه، أما الوقت باعتبار نفسه فهو باق، حينئذ نقول أثم إجماعا، لماذا؟ لأنه يعتبر تاركا للصلاة عمدا، لذلك قال: "بخلاف ما بعده وهو ضيق الوقت، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن

ص: 18

مانع منه كعدم البقاء أثم إجماعا"، طيب لو بقي؟ حكم عليه بالقصاص الساعة الثالثة، فأخر حتى الساعة الثالثة فلما جاء الوقت قالوا: عفونا عنه، ثم صلى، يأثم؟ يأثم، ما نوع الصلاة؟ أداء أم قضاء؟ اختلف فيها والأصح أنها أداء، لماذا؟ لأن خروج الوقت باعتبار ظنه، هو ظن أنه سيقتل في الساعة الثالثة فلما عفي عنه نقول الظن صار خطأ ولا عبرة بالظن البين خطؤه، فحينئذ لو صلى قبل خروج الوقت نفسه حكمنا على الصلاة بأنها أداء وليست قضاء، ثم قال: "ومن حيث الفاعل" إذن عرفنا أن الواجب ينقسم من حيث الوقت إلى واجب مضيق وإلى واجب موسع، ثم قال: "ومن حيث الفاعل" يعني بالنظر إلى المكلف والمخاطب، قد يخاطَب بالواجب كلُّ فرد بذاته، بعينه، وقد يخاطب كل المخاطبين أو كل المكلفين والمطلوب بعضهم، والمطلوب بعض المخاطبين، ومن حيث الفاعل أي من حيث المخاطب أو المكلف ينقسم الواجب إلى قسمين: فرض عين، يعني إلى واجب هو فرض عين، سمي فرض عين لماذا؟ لأن المخاطب به كل عين، كل شخص بذاته، لا يقوم واحد عن غيره في فعل الواجب، حينئذ هذه تسمى فرض عين، "وهو" أي فرض العين ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة، يعني لا ينوب شخص عن شخص، لا يمكن أن تقول لابنك أو لصاحبك صلِّ الظهر اليوم عني، يمكن؟ لا يمكن، لماذا؟ لأن الصلاة مخاطب أنت بعينك بنفسك، لا يجزيء، لا يقوم غيرك بفعل هذا الواجب، يسمى هذا واجبا عينيا، "ما لا تدخله النيابة"، قال: "مع القدرة وعدم الحاجة" مع القدرة لا تدخله النيابة، إذن إذا لم تكن قدرة تدخله النيابة، وهذا محل إشكال، هذا التعريف ليس بصواب، "ومع القدرة وعدم الحاجة" مثل بالعبادات الخمس، مَثَّل لها في التعريف بالعبادات الخمس، "كالعبادات الخمس" ما هي العبادات الخمس؟ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، أربعة أو خمسة؟ أربع، أين الخامس؟ هذا محل إشكال، إما ان نقول إنه من باب التغليب، أو نقول بعَدِّ الطهارة منها، والشيخ الفوزان في شرحه عَدَّ الطهارةَ، قال: خمسة، وأرجع إلى الفروع، بأن العبادات الخمس المراد بها في هذا الموضع كمثال الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، حينئذ صارت خمسة، أو نقول كما قال الشيخ بن عثيمين (رحمه الله تعالى) إنه من باب التغليب، وإلا التخميس هنا فيه نظر، قال: "كالعبادات الخمس" الصلاة، إذا أردنا أن نطبق الحد نقول: ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة، القدرة المراد بها القدرة البدنية، إذن إذا وجدت القدرة لا تصح النيابة، إذا عدمت القدرة صحت النيابة، هل هذا صحيح في الصلاة؟ لا، الصلاة أبدا لا تدخلها النيابة مطلقا إلا في موضع واحد تبعا لا استقلالا، وهو ركعتي الطواف، ركعتي الطواف لمن حج نيابة عن شخص آخر، فحينئذ يطوف عن ذلك الشخص المنيب، فإذا صلى صلى تبعا للطواف، صلى لنفسه أو لغيره؟ قالوا: لغيره، كيف نقول الأصل عدم النيابة؟ نقول: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، هذا الموضع الوحيد الذي استثناه كثير من الفقهاء، إذن نقول الصلاة لا تدخلها النيابة مع القدرة ولا مع عدم القدرة مطلقا، الصلاة لا نيابة فيها، الزكاة هل تدخلها النيابة أم لا؟ وجبت الزكاة عن المرأة فأخرج الزوج عنها بإذنها، صحَّ؟ صحَّ، إذن

ص: 19

دخلتها النيابة، الصوم لا تدخله النيابة، لا مع القدرة ولا مع العدم، لكن ورد من مات قام عنه وليه، هذا يقيد بالنذر، الحج هل تدخله النيابة؟ نعم تدخله النيابة لكن مع العجز، أما مع القدرة فلا تدخله النيابة، يعني إذا قدر أن يحج بنفسه حجا واجبا حينئذ يتعين بنفسه، إذن قوله:"ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة كالعبادات الخمس" هذا التعريف ليس بصواب، وإنما نقول:"ما طلب الشارع فعله من كل واحد بالذات" أو "من معين كالخصائص النبوية" كل واحد لابد أن يقوم بهذا الفعل، "أو من معين" من شخص معين مُسَمّى، كالخصائص النبوية، فرضت بعض الأشياء خُص النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الواجبات، إذن هذا هو فرض العين، قالوا:"وفرض كفاية" فرض كفاية هذا مأخوذ من (كفى_يكفي) سمي فرض كفاية لأن البعض يكفي، بعض المخاطبين يكفي في سقوط الطلب وبراءة الذمة، إذا فعله البعض أسقط الإثم عن الآخرين، قال:"فرض كفاية" لأن قيام البعض به يكفي، وهو (أي فرض الكفاية):"ما يسقطه فعل البعض" يعني واجب إذ افعله البعض أسقطه عن الآخرين، "مع القدرة وعدم الحاجة" يعني ولو كان الآخرون الذين أسقط عنهم فرض الكفاية أو الواجب = ولو كانوا قادرين، نقول الصلاة، كما مثل هنا، قال:"كالعيد والجنازة" العيد على قول إنها فرض كفاية إذا فعلها البعض سقط عن الآخرين ولو كان الآخرون قادرين على الإتيان؟ نقول: نعم، ولو كان الآخرون قادرين على الإتيان، الجنازة يعني يقصد بها تجهيزها وغسلها ودفنها والصلاة عليها، هذه إذا فعله البعض أسقط الإثم عن الباقين، ولو كان الباقون الآخرون قادرين على الفعل، إذن بفعل البعض أسقط عن الآخرين، " وهو ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة" يعني ولو كانوا قادرين عليه وليسوا محتاجين لغيرهم كالعيد والجنازة، قال:"والغرض منه (والحكمة منه) _من فرض الكفاية_ وجود الفعل في الجملة" النظر في فرض العين إلى الفاعل، إلى الفاعل بالأصالة، والنظر في فرض الكفاية إلى الفعل بالأصالة، وإلى الفاعل بالتبع، إذن نظر الشارع في فرض العين إلى الفعل إلى إيجابه، ولذلك صار أهم وأفضل من فرض الكفاية لأن الفعل مقصود بالذات، وعُين كل فاعل لفعل وإيجاد هذا الفعل، إذن صار أولى ومقدما وأفضل، وأما في فرض الكفاية فالمقصود إيجاد الفعل، المقصود أن هذا الميت يغسل، لابد أن يغسل، أي واحد منكم غسله أسقط الإثم عن الباقين، لماذا؟ لأن المقصود ماهو؟ حصول التغسيل، حصول الدفن، حصول الحمل، حصول الصلاة، فإذا وقعت هذه الأمور نقول: حصل الفعل، ولذلك قال:"والغرض منه" _أي من فرض الكفاية_ وجود الفعل في الجملة" يعني من البعض، إذا قيل في الجملة وبالجملة، في الجملة بـ (في) يعني في البعض دون الآخرين، وإذا قيل بالجملة بـ (الباء) حينئذ يلزم الجميع، وهذا بالجملة يقابل المجموع عند المناطقة، وبالجملة يقابل الجميع، هكذا ينطق في كتب الفقه، فلو تركه الكل أثموا، لو تركه الكل أثموا، لماذا؟

فَرْضُ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ.:. وَنَظَرٌ عَنْ فَاعِلٍ يُجَرَّدُ.

وَزَعَمَ الأُسْتَاذُ وَالْجُوَيْنِي.:. وَنَجْلُهُ يَفْضُلُ فَرْضَ الْعَيْنِ.

ص: 20

وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ.:. وَالْقَوْلُ بِالْبَعْضِ هُوَ الْمَنْصُورُ.

إذا قيل صلاة الجنازة واجبة، وخوطب بها المكلفون، من المخاطب؟ هل كل الناس أم بعضهم؟ الخطاب هنا موجه إلى من؟ هل إلى الكل أم إلى البعض؟ هذا فيه خلاف، الجمهور على أنه موجه إلى البعض، بدليل ماذا؟ أنه إذا فعل البعض وامتثل ذلك الواجب سقط عن الباقين، قالوا: لو خوطب الباقون لَمَا سقط عنهم الإثم بفعل الآخرين، والأصح أنه:(وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ) عفوا العكس هو الصواب، أن الخطاب هنا موجه للبعض على قول بعض الشافعية وهو اختيار السيوطي كما هنا، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ* وَالْقَوْلُ بِالْبَعْضِ هُوَ الْمَنْصُورُ)، يعني القول المرجح عند السيوطي أن المخاطب بفرض الكفاية هو من قام بهذا الفعل، ومن عداه ليس مخاطبا بذلك الفعل، والأصح أن الجميع مخاطبون بإيجاد الفعل، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ) يعني المخاطب بفروض الكفاية الكل، لماذا؟ لما ذكره المصنف هنا، "فلو تركه الكل أثموا"، لماذا؟ لو كان الخطاب موجها للبعض لِمَا يأثم الكل؟ إنما أثموا لكونهم مخاطبين بهذا الفعل، فحينئذ دل على أن الخطاب موجه إلى الكل، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ) لفوات الغرض، ما هو الغرض؟ وجود الفعل في الجملة، من أدلة الجمهور على أن الخطاب موجه للكل ما ذكره المصنف هنا، " أثموا بالترك" ولا إثم إلا على ترك واجب، أيضا العمومات الواردة في قوله تعالى (ويكاد يكون إجماعا، بل هو إجماع) أن الجهاد في الأصل فرض كفاية، ومع ذلك قال جل وعلا: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ {البقرة:190} ، (قاتلوا) الواو هذه للعموم، خطاب لمن؟ للكل، وهو فرض كفاية إذا فعله البعض سقط عن الآخرين، إذن عرفنا من هذا أن الواجب ينقسم باعتبار المخاطب إلى قسمين: فرض عين وفرض كفاية، (فرض عين) وهو أن يكون المخاطب به كل واحد بالذات، (وفرض كفاية) أن يكون المخاطب به كل المكلفين فإذا فعله البعض سقط عن الآخرين، ثم ذكر مسألة تتعلق بالواجب وهي:(ما لا يتم الواجب إلا به) قسمان، فلا تقدر، (وما لا يتم الواجب إلا به قسمان) بمعنى أن الواجب قد يكون واجبا لذاته، وقد يكون واجبا لغيره، قال:"وما لا يتم الواجب إلا به قسمان: القسم الأول: إما غير مقدور للمكلف" يعني ليس في قدرته، ولا في سعته، ولا في طاقته تحصيله وإيجاده، لا يستطيع إيجاده هذا الفعل، كالقدرة واليد في الكتابة، القدرة هنا مثلا كالصلاة، نقول الأصل وجود القيام، فإذا عجز ولم يقدر على القيام نقول ماذا؟ سقط عنه القيام؟ لا نقول سقط عنه القيام، نقول لم يجب عليه القيام، لم يتعلق به الوجوب أصلا، لماذا؟ لأن القدرة مع عجزه ليس في قدرته، الاستطاعة أن يقوم فيصلي قائما ليست في قدرته، إذا كان مريضا مكسور الظهر هل يستطيع أن يرفع عن نفسه هذا الشيء؟ لا يستطيع، فحينئذ لا نقول إنه وجب عليه فسقط للعجز، وإنما نقول التعبير الصحيح أنه لم يجب عليه أصلا، "كالقدرة واليد في الكتابة"، لو وجبت عليه الكتابة كالوصية مثلا وهو مقطوع اليدين كيف يكتب؟ هل هو قادر أم عاجز؟ عاجز، هل نقول تعلق به الوجوب

ص: 21

فوجب عليه أن يكتب ثم عجز فسقط عنه الوجوب؟ أو نقول لم يتعلق به الوجوب أصلا؟ الثانية، لم يتعلق به الوجوب أصلا، واستكمال عدد الجمعة، عدد الجمعة عندهم أربعون، لابد، فإذا جاء تسع وثلاثون ما وجبت الجمعة، إذن إذا كان شخص في بيته ويعلم يقينا أن المسجد فيه ثلاثون شخصا، هل وجبت عليه الجمعة وهو في بيته حتى يخرج؟ الجواب لا، لماذا؟ لعدم استكمال عدد الجمعة، والصواب أنه لا يشترط فيه، لكن مثال ذكره، "إما غير مقدور للمكلف" يعني ليس في قدرته، قال:"فلا حكم له" يعني لا يتعلق به الحكم الشرعي، إذن لا يجب ولا يحرم عليه، فلا حكم له، يعني لا يتعلق به الحكم الشرعي، فلا نقول وجب فسقط كما هو تعبير الكثير، نقول يسقط عنه القيام، لا، لا يسقط عنه القيام، إنما لم يجب عليه القيام أصلا، هذا النوع الأول، قال:"وإما مقدور عليه" يعني في قدرته وسعته وطاقته أن يحصله ويوجده، كالسعي إلى الجمعة، والسفر إلى مكة، السعي إلى الجمعة ما حكمه؟ واجب، لماذا واجب؟ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به، وهو في مقدوره (لابد من هذا القيد حتى تخرج النوع الأول) فهو واجب، إذن السعي إلى الجمعة والجمعة واجبة ولا يمكن أن يحقق ويوجد هذا الواجب وهو صلاة الجمعة إلا بالمشي إلى الجمعة، فحينئذ نقول: وجب المشي، لماذا؟ لأن الجمعة واجبة، والمشي لابد منه، يتوقف الذهاب إلى المسجد على وجود المشي، أو يتوقف إيقعا صلاة الجمعة على وجود المشي والحركة، فحينئذ نقول: ما لا يتم الواجب وهو صلاة الجمعة إلا به كالمشي والسعي إلى الصلاة وهو في قدرته فهو واجب، "كالسعي إلى الجمعة والسفر إلى مكة مع الاستطاعة وإحصاء المال لإخراج الزكاة" كل هذه نقول واجبة، لماذا؟ لأن الزكاة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به وهو في مقدوره فهو واجب، "وصوم جزء من الليل" يعني في الصوم الواجب، "وصوم جزء من الليل" هذه المسألة فيها خلاف، "وصوم جزء من الليل" يعني لابد أن يصوم جزءا من الليل، من أوله وآخره، لماذا؟ لأنه مأمور بإيقاع الصوم في نهار رمضان، ولا يمكن أن يتحقق بإيقاع الصوم في نهار رمضان إلا إذا أخذ جزءا من قبل الفجر وجزءا من بعد الغروب، ولكن في تسميته صوما هذا ليس بصواب، وإن قال بعضهم بوجوب الإمساك النزاع معه خفيف، لكن تسميته صوما الصحيح لا، لأن الصوم الشرعي لا يكون إلا في نهار رمضان، أما في الليل فلا يعتبر صوما وإنما يعتبر إمساكا، كذلك بعد غروب الشمس لا يعتبر صوما وإنما يعتبر إمساكا، ولذلك لو قال كما قال بعضهم:(وإمساك جزء من الليل في الصوم الواجب ما لا يتم الواجب إلا به وهو تحقيق إيقاع الصوم في نهار رمضان إلا به وهو إدخال جزء من الليل قبل الفجر وجزء من الليل بعد الغروب إلا به في هذا الفعل فهو واجب) والصواب أنه إذا تحقق أنه صام في النهار فلا يجب عليه، والاحتياط يحتاج إلى دليل، "وغسل جزء من الرأس" يعني لغسل الوجه، غسل الوجه واجب واستيعاب الوجه واجب ولا يتحقق غسل الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، هكذا قالوا والصواب أنه لا يجب في المسألتين، لماذا؟ لأنه قد يستطيع أن يغسل وجهه دون أن يغسل جزءا من رأسه، "ما لا يتم الواجب وهو غسل الوجه وتعميمه إلا به وهو غسل جزء من الرأس فهو واجب"،

ص: 22

إذن غسل جزء من الرأس واجب على هذه القاعدة على مراد المصنف، وصوم جزء من الليل قبل الفجر وبعد الغروب هذا واجب على ما رأى المصنف والصواب أنه لا يجب في المسألتين، "فهو واجب لتوقف التمام عليه"، تمام ماذا؟ تمام إيجاد الواجب، لأنه لو (والمسألة عقلية نظرية ليس فيها دليل شرعي) لو جعل للمكلف أن يحتج بعدم إيجاب المشي إلى الصلاة لسقطت الجمعة عن كل الناس، أليس كذلك؟ فهذا يؤدي إلى إبطال الصلاة لأنه إذا لم يمش فيجب عليه المشي قال الصلاة واجبة والمشي غير واجب، إذن لا آثم بترك الصلاة، فحينئذ يسقط عنه الواجب لسقوط الوسيلة إليه، نقول: لا، الصواب لها أحكام المقاصد، ولذلك نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا مغاير لقوله:"ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب" وهو النوع الأول، النوع الأول هنا " ما لا يتم الواجب إلا به إما غير مقدور للمكلف" هذا يعبر عنه الأصوليون بقاعدة "ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب" نقول الزكاة مثلا، الزكاة لا تجب إلا ببلوغ النصاب، إذا وجد النصاب وجبت الزكاة بحولان الحول، هل يجب عليك أن تذهب وتشتغل وتعمل حتى تجمع النصاب؟ هذا في قدرتك أو لا؟ ممكن يكون في قدرتك أن تذهب وتعمل وتجمع مالا ليحول عليه الحول فتجب الزكاة، نقول هذا غير مكلف به، لماذا؟ لأن المقدمة هنا مقدمة وجوب لا مقدمة وجود مقدمتان:(مقدمة وجوب) يعني ما كان وسيلة لإيجاد الحكم الشرعي، الصلاة الزكاة ليس بواجبة، الذي ليس عنده مال يزكَّى الزكاة ليست بواجبة، هل لك أن تسعى لتجب عليك الزكاة؟ ليس بواجب، لذلك نقول ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، إذن لا يجب عليك أن تسعى لتجمع مالا فيحول عليه الحول فتجب عليك الزكاة، لأن هذه المقدمة وهي جمع النصاب ليست مقدمة لوقوع الواجب الذي تعلق به التكليف وإنما هي لإيجاب الفعل ولذلك نقول المقدمة مقدمتان مقدمة وجوبٍ، وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، كدخول الوقت للصلاة، الصلاة لا تجب إلا إذا دخل الوقت، ليس في وسعك أن تذهب أو تصنع شيئا ليدخل عليك الوقت، لماذا؟ لأن الوجوب يتعلق بالصلاة متى؟ إذا دخل الوقت، تحصيل ما يؤدي أو يثبت الوجوب للصلاة ليس في وسعك وليس في قدرتك، كدخول الوقت للصلاة والاستطاعة للحج، غير المستطيع لا يجب عليه أن يسعى فيأتي بالمال ليجب عليه الحج، نقول الحج ليس واجبا عليك، لماذا؟ لأنك غير مستطيع، ولا يجب الحج إلا بالاستطاعة، الاستطاعة هذه مقدمة لوجوب الحج، لا يلزمك الإتيان بمقدمة الوجوب، فلا يقال لك اذهب واشتغل واعمل من أجل أن تأتي بمال فيجب عليك الحج، كذلك الحولان والنصاب للزكاة، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مقدمة وجوب، فهذه المقدمة ليست واجبة باتفاق العلماء، لماذا؟ لأن الفعل نفسه ليس بواجب، فإن تتوقف على ما يؤي إلى وجوبه حينئذ ليس واجبا عليك تحصيله، المقدمة الثانية (مقدمة وجود) يعني ثبت أنه واجب، ثبت بالشرع أنه واجب ثم توقف إيجابه وحصول هذا الواجب على وسائل، نقول الوسائل لها أحكام المقاصد، ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب على وجه شرعي صحيح لتبرأ منه الذمة، هذه قسمت إلى قسمين (مقدمة الوجود): ما هو في مقدرو

ص: 23

المكلف وما ليس في مقدور المكلف، قالوا: ما كانت في مقدور المكلف فهي واجبة، وما ليست في مقدور المكلف هي محل النزاع عند الأصوليين والأصح أنها لا تجب، ولذلك ما لا يتم الواجب إلا به بعضهم يرى أنه يعبر بما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، لماذا؟ تشمل الندب، ليعم مقدمة الواجب بالوجوب وليعم المندوب، ثم ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون منصوصا عليه في الشرع، وقد لا يكون منصوصا عليه في الشرع، فإذا كان منصوصا عليه في الشرع = جاء دليل خاص به كالوضوء جاء دليل خاص وحينئذ نقول ثبت بدليلين بنص الشرع وبهذه القاعدة، وما لا يرد فيه نص أو لم يرد فيه نص حينئذ نقول: ثبت وجوبه بهذه القاعدة، مثل إحصاء المال لإخراج الزكاة، إذا وجبت الزكاة بشرطها لا يمكن إن كان عنده مال كثير = لا يمكن أن يخرج الزكاة إلا إذا عرف ما الذي عنده، وجبت الزكاة لكن كم مقدارها؟ لابد أن يحصي المالأ، إحصاء المال هذا واجب، هل نص عليه الشرع؟ نقول: لا، لم ينص عليه الشرع، وإنما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ينبني على هذه القاعدة:"ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب".

فَمَا بِهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ يَرَى.:. وُجُوبَ تَرْكِهِ جَمِيعُ مَنْ دَرَى.

ترك الحرام واجب، "ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب" هو داخل وفرع في ضمن القاعدة السابقة، "ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب"، هذا يتفرع على القاعدة السابقة، لأن الوجوب قد يكون في الوجود الذي هو الإيجاد، وقد يكون الوجوب فيما هو ترك للمحرم، إذا كان لا يتم ترك الحرام إلا بشيء جائز حينئذ نقول هذا الجائز واجب الكف عنه، مثلا له مثال مشهور عند الأصوليين: فلو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة، قال: وجب الكف تحرجا عن مواقعة الحرام، فلو (الفاء) للتفريع، بأن يتفرع عن القاعدة السابقة (اشتبهت أخته بأجنبية) هذا يمكن، هل لها صورة؟ يمكن تشتبه بالرضاعة، هذا يحصل كثيرا، يغفل يسأل عنه الناس، إذا اشتبهت أخته بأجنبية ويعلم أن واحدة منهما أخته بالقطع والثانية أجنبية = فلو اشتبهت أخته بأجنبية لم يجز العقد عليهما، لا يجوز أن يعقد عليهما، الأجنبية حلال أم حرام؟ حلال، وأخته حرام، نقول وجب الكف عنهما، أما الأجنبية فلاشتباهها بالمحرم، وأما أخته فبالأصالة، إذن صارت الأجنبية حراما لاشتباهها بأخته، وترك العقد على أخته هذا واجب ولا يتم هذا الواجب إلا بترك العقد على الأجنبية، حينئذ نقول:

فَمَا بِهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ يَرَى.:. وُجُوبَ تَرْكِهِ جَمِيعُ مَنْ دَرَى.

ص: 24

حينئذ يجب ترك العقد على الأجنبية دفعا للوقوع في العقد على أخته، (أو ميتة بمذكاة) هذا واضح، (ميتة بمذكاة) يعلم أن واحدة منهما مذكاة والأخرى ميتة، يحرم عليه الأكل من الميتة، والأصل في المزكاة أنه جائز أن يأكل منها، فإذا حصل الاشتباه نقول حرم الأكل منهما، الميتة بالأصالة والمزكاة للاشتباه، وجب الكف تحرجا، وجب الكف يعني عن العقد على الأخت والأجنبية، ووجب الكف عن أكل المزكاة المشتبهة بالميتة، تحرجا، تفعلا، هذا التفعل يأتي مرادا به = يأتي بمعنى التجنب، يعني بعدا عن الوقوع في الحرج، ولذلك جاء في الحديث:"فأخبر بها معاذ تأثما" يعني خروجا عن الوقوع في الإثم، هنا تحرجا يعني خروجا عن الوقوع في الحرج، وجب الكف عن مواقعة الحرام وهو أخته والميتة، ولا يتم ذلك إلا باجتناب الميتة والمزكاة ولا يتم ذلك في العقد إلا بالكف عن الأخت والأجنبية، فلو وطيء واحدة أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعا للحرام باطنا، ما تورع فتزوج واحدة منهما فظهر أنها الأجنبية بعد ذلك هل يكون قد وقع في الحرام؟ نقول: لا، نقول يجب الكف عنهما، لا يتزوج هذه ولا تلك، لكن ما تورع فعقد النكاح، نقض، فحينئذ نقول إن صادف أنها أخته فالعقد باطل لا إشكال، وإن صادف أنها الأجنبية قال هنا لم يكن مواقعا للحرام باطنا، يعني بينه وبين الله عز وجل لا إثم، لا يأثم على أنه قد وقع في زنا، وإنما يأثم على المخالفة، يأن ثم أمرين عندنا في مثل هذه المسألة، إذا حُرِّمَ أكلُ المذكاة لاشتباهها بالميتة عندنا أمران، إثم على أكل الميتة وإثم على مخالفة الإقدام، فحينئذ إذا أكل وثبت أنها ميتة قد أثم من وجهين، (ولم يكن مضطرا) قد أثم من وجهين، أولا: أكل الميتة، وثانيا: مخالفة الأمر، لأننا نقول يجب الكف عنهما، عن أكل واحدة منهما، فحينئذ يأثم من جهتين، فلو صادف أن المأكول هي المذكاة نقول لا يأثم من جهة كونها ميتة لأنه لم يأكل ميتة، وإنما يأثم من جهة مخالفة الواجب وهو الكف، ولذلك قال:"فلو وطيء" يعني بالتزوج، تزوج واحدة منهما أو أكل من الميتة أو المذكاة فصادف المباح" معنى ذلك عرف أن الذي أكله هو المذكاة، وعرف أن المعقود عليها هي الأجنبية = "لم يكن مواقعا للحرام باطنا، لعدم تيقنه الحرام، لكن ظاهرا" يعني لكنه مواقع له ظاهرا، "لفعل ما ليس له"، مواقع للحرام ظاهرا لأنه خالف الوجوب، "لفعل ما ليس له" يعني ما ليس له فعله؛ لأنه الواجب عليه الكف للاشتباه، لماذا؟ لأننا نقول: الإثم من جهتين: من جهة مخالفة الكف ومن جهة التلبس بمواقعة الأخت أو الأكل من الميتة، فإذا انتفى الإثم المرتب على مواقعة الأخت وانتفى الإثم المرتب على أكل الميتة بقي إثم واحد وهو المخالفة.

ص: 25

وبهذا نعلم ما يشتهر الآن من بعض طلاب العلم، يُستفتى في مسألة فيظن الجواب، أو لا يعلم الجواب، هذا يحصل معي كثيرا، يُسأل في مثل هذا المسألة فيجيب بما يراه في وقته وأفتى له عقله، ثم يسألني فأقول له الجواب، يقول الحمد لله أنا قلت له كذلك، هل هذا يأثم أو لا؟ هو صادف الحق، أفتى على ما يوافق الحق فيما يظنه لكنه نقول هو آثم، لماذا؟ لأنه خالف، هو ممنوع من الإفتاء بغير علم، إما يكون عندك علم أو لا، قسمان لا ثالث لهما، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] {النحل:43} والآن يقولون مثقف ومفكر، وليس في العالِم مثقف، إما أن يكون في العالِم وإما أن يكون في الجاهل، وليس بين العالِم والجاهل منزلة وسط، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] {النحل:43}، إن سُئلْتَ عن مسألة وتعلم يقينا الجواب فأفتِ بها، إن وافقت الحق فالحمد لله فلك أجران كل من أهل الاجتهاد، إن كنت مخطئا فحينئذ يتحمل صاحب الفتوى الذي نقلت عنه، أو إذا كنت مجتهدا فلك أجر، أما ان تفتي هكذا من عندك ثم تسأل عن العلم فإذا وافق الفتوى التي أفتيت بها قلت الحمد لله (كلها)، إنما أنت آثم لأنك خالفت وأقدمت على الفتوى، أنت ممنوع من الفتوى، فإذا أفتيت بعقلك وبرأيك وبظنك في ذلك الوقت وخاصة إذا كان مبناها على الهوى والعقل فصادف أن هذه الفتوى وافقت الحق نقول أنت آثم، ولا يكفيك أن تقول الحمد لله قد أفتيت بهذا، وهذا كثير يسأل في مسألة كهذه المسألة، يفتون هكذا وخاصة في الحج وفي رمضان، يلتقي الناس بعضهم ببعض فالعوام يصيرون مفتين، ولذلك الشيخ بن عثيمين يقول:[ما أكثر من يفتيك يوم الحج] العوام كلهم ينقلبون علماء، الله المستعان، إذن قوله:"فلو اشتبه" المقصود بها تفريع للمسألة السابقة، "فلو اشتبه محرم بمباح" هذا الخلاصة، لو اشتبه محرم بمباح وجب الكف، ولا يحرم المباح في ذاته، يعني لا ينقلب المباح محرما، بل هو على أصله، وإنما المباح لم يحرم، فالمنع لا لكونه حراما، يعني انقلب من الإباحة إلى التحريم، وإنما لأجل الاشتباه، إذن المباح يبقى مبحا، فالمذكاة مباحة، فلو ظهر بعد ذلك وارتفع الاشتباه وعلمت أن هذه مذكاة هل يجوز الأكل منها؟ يجوز الأكل منها، قبل رفع الاشتباه لا يجوز، لماذا؟ لأنها محرمة؟ هل هي محرمة لذاتها؟ الجواب لا، وإنما حرمن لأجل الاشتباه، فإذا زال الاشتباه وعلمت أن هذه المذكاة حينئذ زال الأمر الذي توقف عليه وجوب الكف ظاهرا، إذن نقول فوجوب الكف ظاهرا لا يدل على شمول التحريم لما كان أصله مباحا، ولهذا لو أكلهما لم يعاقب إلا على أكل ميتة واحدة، إنما لو أكل الثنتين لم يعاقب إلا على أكل الميتة، لو تزوج الثنتين لم يعاقب إلا على وطء أخته، هذا خاتمة هذا الفصل، ومسائله كثيرة، وترجعون إليها في المطولات.

ص: 26