المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * نبذة عن الناظم وكتابه. * منهجية في دراسة علم - شرح مائة المعاني والبيان - جـ ١

[أحمد بن عمر الحازمي]

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * نبذة عن الناظم وكتابه. * منهجية في دراسة علم

‌عناصر الدرس

* نبذة عن الناظم وكتابه.

* منهجية في دراسة علم البلاغة.

* شرح مقدمة الناظم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

نشرع هذه الليلة بإذن الله تعالى وتوفيقه في منظومة:

((مائة المعاني والبيان))

لابن الشَّحْنَة الحنفيِّ، وهي كما هو مقرر في فن البيان.

والبيان هنا بمعنى علوم البلاغة الثلاثة، البيان يطلق ويراد به:

علم البيان الخاص.

وعلم المعاني.

وعلم البديع.

ويأتي أهمية هذا العلم في كونه داخلاً في مفهوم علوم اللغة، وعلوم اللغة كما مرَّ معنى مرارًا هي مفتاح لفهم الشريعة، هي شرط لاتفاقها للأصول في صحة الاجتهاد، ولا يصح لمجتهد أن يجتهد إلا إذا تحقق بعلوم اللغة، وأهم علوم اللغة على جهة الترتيب النحو، ثم الصرف، ثم البيان.

وعلم البلاغة يتعلق بالمعنى، وعلم النحو يتعلق بالإعراب، وعلم الصرف يتعلق بالأبنية والصيغ، فحينئذٍ تقاسمت العلوم الثلاثة الكلمات وكذلك الجمل، علم النحو يتعلق بآخر الكلمة على جهة الإعراب والبناء وهو علم بأصول يعرف [به أو $‌

‌ 1

.35] بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً، الإعراب والبناء إنما يكون بعد إدخال الكلمة في جملة مفيدة، فحينئذٍ يأتي السؤال هل هذه الكلمة معربة أم مبنية؟ أما قبل ذلك فلا توصف الكلمة بكونها معربة ولا مبنية، إذًا هي موقوفة فيها كما هو الصحيح من أقوال النحاة من أقوال ثلاث $ 1.59 في هذه المسألة.

وأما علم الصرف إنما يتعلق بالبنية فقط على الوزن كما مرَّ معنا، وعلم المعاني يتعلق بـ أو علم البلاغة يتعلق بكذلك المفردات من حيث كونها فصيحة أم لا، ويتعلق بالمتكلم، ويتعلق بالكلام، كما سيأتي بحث في الفرق بين الفصاحة والبلاغة.

فعلم المعاني علم مهم جدًا، إذ هو يعرف به الإعجاز القرآني من حيث التحدي الذي حصل من الرب جل وعلا للمشركين في أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا في تراكيبه ولا في مفرداته ولا في مدلولاته، بل كما قال بعضهم: لو أخذ شخص ما كلمة من آية ووضع محلها ما وضع لما استطاع أن يأتي بمثل بما كانت عليه من التركيب. ووصف بعضهم بأن علم البيان يعتبر كالروح للإعراب كما قال الأخضري في ((الجوهر)):

لأنه كالروح للإعراب

وهو لعلم النحو كاللباب

يعني: علم البيان يعتبر كالروح للإعراب يعني: الكلمة المعربة، يعني: كأنه شبه الكلمة المعربة بالجسد وعلم البيان بالروح، فحينئذٍ إذا فقدت الروح من الجسد فهو عدم، كذلك الكلام المعرب إذا فُقِد من علم البيان البلاغة فهو موات فحينئذٍ لا فائدة منه.

هذا وإن درر البيان

وغرر البديع والمعاني

تهدي إلى موارد شريفه

ونبذ بديعة لطيفه

من علم أسرار اللسان العربي

ودرك ما خص به من عجم

لأنه كالروح للإعراب

وهو لعلم النحو كاللباب

ص: 1

والنحو أشبه ما يكون بالقشور، إذًا هذه العلوم الثلاثة متلازمة النحو، والصرف، والبيان، على خلاف من شاع عند المشتغلين بالعلم الشرعي أنه لا بد أن يركز على النحو ثم يترك ما سواه، نعم النحو أهمها ويأتي بعدها في المرتبة الصرف، ويأتي في المرتبة الثالثة علم البيان، لكنها متلازمة من حيث الدلالات، لا يمكن أن يفهم النحو على وجهه إلا بفهم الصرف والبيان، ولا يمكن أن يفهم الصرف على وجهه به إلا بفهم النحو والبيان، كذلك البيان هذا ثمرة علم النحو، [كالعلم بالنسبة لـ أو](1) كالعمل بالنسبة للعلم، حينئذٍ إذا وجد العلم بلا عمل حينئذٍ كالشجر بلا ثمر فلا فائدة فيه، وكذلك علم البيان ثمرة النحو، فحينئذٍ إذا لم يكن ثمرة حينئذٍ لا فائدة من النحو وإنما يكون علمًا جافًا ظاهريًّا، وأما الغوص فيه فهذا يكون لأهله.

قال الثَّعَالَبِيُّ في كتابه ((الإعجاز والإيجاز)): " من أراد أن يعرف جوامع الكلم ويتنبه على فضل الإعجاز والاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء ويفطن لكفاية الإيجاز، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام ". وهذا يدل على أن الأصل في فهم بلاغة العرب إنما هو القرآن، ولذلك نقول دائمًا: من أراد أن يُحِيطَ بفن البلاغة فليأخذ مختصرًا مما يُرشد بيان مصطلحات أهل العلم ثم ليعتكف على تفاسير أهل العلم خاصة مما يعتني بلسان العرب في تفسير القرآن مع المأثور، ولا شك في أنه أصل لكن يجمع بين المأثور وغيره بأن يجعل نصيبًا وحظًا وافرًا للكتب التي تعتني بالإعراب وبيان وجوه الصرف وكذلك البلاغة، فمن أراد بيان جوامع الكلم حينئذٍ فليعتكف على القرآن بعد أن يأخذ نصيبًا وافرًا من فهم مصطلحات أهل الفن على خلاف ما شاع عند البعض من أنه يجعل الدواوين ولسان العرب والأشعار والمنثورات مما أُثِرَ عن العرب أنه أصل في فهم بلاغة العرب، والعكس هو الصحيح، نعم قد يخفى بعض مدلولات القرآن لأنه نزل بلسان عربي مبين فحينئذٍ ترجع إلى لسان العرب من حيث النقل يعني: ما نقل عنهم في المنظوم والمنثور، وتنظر ماذا استخدموا في هذه الكلمة، وماذا عنوا بها، لكن لا يكون هو الأصل، ولا يكون طالب العلم معتكفًا على المعلقات وعلى الدواوين ويجعله أصلاً، ثم تشغله وتأخذ عمره عن الاشتغال بالقرآن، بل من كان في صدره القرآن ولو جزءًا منه فحينئذٍ يكون قد جمع في صدره مفردات وتراكيب لا نظير لها في لسان العرب البتة، لا بد أن يكون على يقين من هذا، فتراكيب القرآن أعلى درجات التركيب، وكلمات القرآن الموجودة في أعلى درجات الفصاحة من حيث الإفراد ومن حيث التركيب، خير الكلام ما طَرُفَتْ معانيه وشَرُفَتْ مبانيه والتَّذَّهُ أذان السامعين، وهذا أعلى ما يصدق على القرآن.

هذه المنظومة مختصرة ولم تكن شائعة عند بني أبناء الزمان لكن طلبًا للاختصار وإطالة للجوهر المكنون وقد أراد كثير من الطلاب أن تكون بدلاً عنه سيأتي تفصيل إن شاء الله تعالى.

(1) سبق.

ص: 2

أولاً: ما يتعلق بمؤلف هذه المنظومة فهو: أبو الوليد مُحِبُّ الدين محمد بن محمد بن الشِّحْنَة بكسر فسكون الحلبيّ، ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجريًّا فهو متأخر، من فقهاء الحنفية الكبار له اشتغال بالأدب والتاريخ، من علماء حلب ولي قضاءها مرات واسْتُقْضِيَ في دمشق يعني ليكون قاضيًا وكذلك في القاهرة، له مصنفات منها هذه المنظومة هي المعنية، توفي سنة خمسة عشر بعد المائة الثامنة من الهجرة.

اسمها ((مائة المعاني والبيان))، اسم هذه المنظومة ((مائة المعاني والبيان))، مائة لأنها عدد عددها لم يزد على المائة، والمعاني والبيان اشتمل على الفنون الثلاثة:

علم البيان علم المعاني أولاً.

ثم علم البيان.

ثم علم البديع.

وإنما لم يشتهر ذكر البديع في ضمن هذه الأسماء، أو ضمن هذين الاسمين لكون البديع يدخل في استعمال بعض البيانيين في مسمى البيان، فالبيان يطلق ويراد به البيان الخاص، ويطلق ويراد به ما يشمل البديع، بل يطلق البيان ويراد به المعاني العلوم الثلاثة، لأن فن البلاغة مؤلف من ثلاثة علوم: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.

كلها تسمى علم البيان، وقد يختص الثاني والثالث بالبيان، وقد يُخرج البديع فيسمى بديعًا، إذًا ((مائة المعاني والبيان))، وسُمِّيَتْ في بعض الشروح - وقفت عليها مخطوطة - كـ ((دفع المحنة)) و ((درر الفرائد))، و ((نور الأفنان))، ((مائة المعاني والبيان والبديع)) يعني: نص على البديع، والخلاف لفظي لأنه داخل في البيان.

ثالثًا: عدد أبياتها مائة بيت فقط، فهي مختصرة كما قال رحمه الله تعالى:

(أَبْيَاتُهَا عَنْ مِائَة لَمْ تَزِدِ)، (أَبْيَاتُهَا) أي: هذه المنظومة الأرجوزة

(عَنْ مِائَة لَمْ تَزِدِ) لم تزد عن مائة فهي مائة بيت اشتملت على علوم ثلاثة.

ضمن منظومته الفنون الثلاثة المشهورة في فن البلاغة وهي: المعاني، والبيان، والبديع. مع مقدمة وخاتمة مع الإيجاز، إيجاز قد يكون إيجازًا مخلاً في بعض المواضع لأن كل من أراد الإيجاز - وخاصة فيما اشتمل على علوم ثلاثة - لا بد أن يقع فيه خلل ويقع فيه شيء من النقص.

ومقدمة الكتاب في أربعة أبيات، ومقدمة العلم ست أبيات أو ستة أبيات لأن مقدمة الكتاب المراد بها البسملة والحمدلة ونحو ذلك.

وقوله: (فَصَاحَةُ المُفْرَدِ فِي سَلَامَتِهْ) هذا يسمى مقدمة العلم لأنهم اعتادوا أن يجعلوا في مقدمة الفنون الثلاثة الحديث عن الفصاحة والبلاغة والفرق بين اللفظين، حينئذٍ المقدمة مقدمة الكتاب في أربعة أبيات، ومقدمة العلم في ستة أبيات والمجموع عشرة.

ثم شرع في الفن الأول وهو علم المعاني وأخذ أربع وستين بيتًا، علم المعاني نظمه في أربع وستين بيتًا، ثم علم البيان في خمسة عشر بيتًا وهذا خلل كبير جدًا، ثم علم البديع في ستة أبيات وهذا كذلك خلل، والخاتمة جعلها بالسلقة الشعرية وهي خمس أبيات والمجموعة مائة بيت.

ص: 3

شروحها كلها مخطوطة إلا واحدة، وهو الموجود المصور بين أيديكم

((نَوْرُ الأفنان)) نَوْرُ وليس نُور، وإنما نَوْرُ بفتح فسكون ((نَوْرُ الأفنان على مائة المعاني والبيان)) لمحمد المحفوظ الشنقيطي أحد الشناقطة المعاصرين، وهو شرح مختصر وجيز جدًا، كما قال هو في مقدمته: وهذا شرح وجيز

إلى آخر كلامه.

هناك شروح مخطوط اسمه ((دفع المحنة عن قارئ منظومة ابن الشحنة)) للأهدل سيد بن محمد الأهدل جيد، وقد نص في شرحه أنه لم يجد شرحًا قبله يعني كأنه يشير إلى أنه أول من شرح هذه المنظومة، وليس ببعيد.

وكذلك شرح آخر مخطوط اسمه ((درر الفرائض المستحسنة في شرح منظومة ابن شحنة)) شمس الدين محمد بن نور الدين العُمري الشافعي، كذلك المخطوط موجود وهو جيد كذلك، وسَمَّى في شرحه أنه وقف على شرح للقاضي محب الدين بن تقي الدين الحموي، وانتقص شرحه.

فهذه ثلاث شروحات مخطوطة اثنان موجدان، والرابع لم أقف عليه شرح الحموي، وأما ((نَوْرُ الأفنان)) فهو موجود.

هل هذا النظم يعتبر نظمًا للتخليص؟

معلوم عند البيانيين أن العمدة عند المتأخرين إنما هو في ((التلخيص))، تلخيص ((المفتاح)) للسكاكي، ((المفتاح)) للسكاكي ضمنه ثلاث فنون أو عدة فنون من علوم العربية، وأدخل فيه الثلاثة فنون المشهورة النحو والصرف والبيان.

ابن الحاجب أخذ من المفتاح النحو فلخصه في ((الكافية)) المشهورة، وأخذ [من الصرف]($ 13.48 هل منه] ولخصه في ((الشافية)) المشهورة، والخطيب القزويني أخذ البيان فلخصه في كتابه المشهور

((التلخيص)) الذي طار به ذكره عند أهل العلم، وعليه الشروحات والحواشي وشرح التفتازاني المختصر، والشرح المطول، وابن يعقوب، والمغربي، وكذلك ((عروس الأفراح)) على كلٍّ خُدِمَ خدمة لم يعد لها نظير، ونُظِم نظمه الجوهري الأخضري في ((الجوهر المكنون)) ونظمه السيوطي في ((عقود الجمان)).

هل هذه المنظومة تعتبر نظمًا للتخليص أم لا؟

الظاهر أنها لا تُعتبر نظمًا للتخليص ولا تُعَدُّ من منظوماته، والمعاصرون الباحثون يحاولون أن يجعلوا بين كلِّ كتاب متأخر مع سلفه يجعلون بينهما علاقة، لأن له تلخيص له وتهذيبه له أو أنه أخذه برمته أو نحو ذلك، ولا بد من النظر والموازنة والمقارنة، ثم بعد ذلك يقال بأن هذا الكتاب نظم لكذا، وقفت على أن بعضهم يرى أن هذا النظم يعتبر نظمًا للتخليص وهذا فيه بُعد لماذا؟

أولاً: لأن الناظم لم يُنص على ذلك في مقدمة كتابه كما نصَّ الأخضري ونصَّ السيوطي في ((عقود الجمان))، وعادة أهل العلم على ذلك، فالسيوطي في المصطلح والعراقي في ألفيته إنما يذكرون إن هذا الكتاب إنما هو نظم للمنثور كذا وكذا وهذا لم ينص، والأصل في نسبة كل كتاب إنما يكون لمؤلفه يعني: أنه ابتدأه ابتداءً ولا يكون مقلدًا لغيره حتى يقوم الدليل الواضح البَيّن الكافي أن هذا الكتاب يعتبر نظمًا لغيره.

الثاني: قوله في المقدمة:

...................

وَبَعْدُ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنِّي أَنْظِمَا

فِي عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي

.............................

ص: 4

هذا ظاهر في أنه مستقل بذاته، وأن المادة مادة النظم إنما اعتبرها من جهة نفسه، أو أنه اقتطفها من مجموعة كتب، ولا يعتبر أن ذلك أخذه من

((التلخيص)) على جهة الخصوص.

ثالثًا: يقال بأن الموافقة في المنهج لأن منهج المصنف كمنهج صاحب

((التلخيص))، يعني: بدأ بالفصاحة فصاحة المفرد، والبلاغة، ثم قدَّم المعاني، ثم ترتيب مسائل المعاني بالفصول الثمانية، ثم البيان، ثم البديع. هذا الترتيب هو ترتيب صاحب ((التلخيص)).

نقول: هذا لا يلزم منه أن يكون نظمًا له، لماذا؟

لأن ثَمَّ منهجًا عامًا يعتبر في التصنيف عند أرباب التصنيف سواء كان في علم النحو أو في علم الصرف أو في علم البيان، استقرت العلوم على ترتيب معين فلا يقال بأنه إذا وافق المنهج الْمَنْهَج أنه أخذه منه، واتفق المتأخرون على أن العمدة الذي صار عمدة عندهم هو ((التلخيص))، حينئذٍ كما هو الشأن في أرباب التصنيف وأرباب المتون أنهم إذا اعتمدوا كتابًا ما حينئذٍ نحو منحاه في كل صغيرة وكبيرة، حينئذٍ إذا وافق صاحب ((التلخيص)) في كونه بدأ بتعريف الفصاحة أو البلاغة أو بدأ بعلم المعاني، ثم الثمانية الأبواب لا يلزم من ذلك أن تكون الموافقة في المنهج موافقة له في كل المسائل، وهذا القول به فيه شيء من التكلف والبعد، كما أن النحاة يبدؤون بتعريف الكلمة وبعضهم بتعريف الكلام، ثم يذكرون أقسام الكلمة والكلام، ثم يذكرون المرفوعات، ثم المنصوبات، ثم المخفوضات، ثم يقدمون الفاعل على المبتدأ - أكثرهم -، ثم المفاعيل يبدؤون بالمفعول به .. إلى آخره.

نقول: هذا منهج صعب فمن أَلَّف على هذا المنهج لا يقال بأنه اقتفى أثر فلان لأنه صار شائعًا بمعنى ليس خاصًا بأحد دون أحد، وهذا العلم شائع أو المشاع بين أهل العلم.

إذًا الموافقة في المنهج والترتيب نقول: هذه - الذي قد سار عليه الناظم وأنه موافق في الجملة لكتاب ((التلخيص)) للقزويني - لا يلزم منه أن يكون ناظمًا له، هذا الذي ينبغي اعتماده؛ لأن العلم كما شاع عند أهله واستقر وثبت على ترتيب القزويني وكل من جاء بعده سار على خطاه، فاستقر العلم على هذا المنهج فحينئذٍ التأليف أو النظم على هذا المنهج لا يقال بأنه نظم ((التلخيص)).

فمنهج التعريف عند العلماء وترتيب الأبواب والفصول والمسائل في مواضعها التي اشتهرت المصنفات موافقة ذلك لا يُعَدُّ أن الناظم وافق

((التلخيص)) في ذلك لأنه شائع وليس خاصًا بالقزويني.

والكلام في سائر العلوم على ما ذكرنا.

فكون الناظم هنا قد رتب منظومته على ترتيب القزويني وأنه عَبَّر عن المصطلحات بما استقر عند علماء الفن لا يلزم منه أن نحكم بأن هذه المنظومة تعتبر من المنظومات التي تُسْلَكُ في سلك منظومات ((التلخيص)) وأن القول به فيه شيء من التكلف.

ص: 5

رابعًا: أن المسائل المذكورة في النظم إنما هي من مُسلمات الفن يعني: ثَمَّ اصطلاحات وأحكام في كل الفنون منها ما هو متفق عليه، وإذا كان متفقًا عليه لا يستقل به فرض عن فرض آخر، فالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والفاعل يتأخر عن عامله، هذه أقوال ليست مخصوصة لزيد من النحاة دون غيره، فإذا نظمت لا يقال بأنه وافق غيره في هذا، بل هذا يُسَمَّى من المسائل المشاعة التي لا يَخْتَصُ بها أحد عن أحد، ولذلك إذا ذكر النحوي بأن الفاعل مرفوع لا يقول: كما قال سيبويه ونص عليه ابن هشام. لأن هذا مُسَلَّم عند الجميع، وإنما تذكر النسبة فيما إذا استنبطه العالم يعني: لم يسبق له عالم بأن نظر في هذه المسألة من هذه الجهة فاستنبط مسألة ما أو حكمًا ما، هذا الذي يُنْسَب إلى أصحابه، وليس كما شاع الآن في التصنيف أن كل كلمة يأتي يقول: انظر كذا وانظر كذا. إنما هم مقلدون لغيرهم ويسمونه توثيق المعلومات، ليس كل معلومة توثق، وإنما يوثق الذي يختص به عالم عن غيره، وأما ما شاع في الفنون فلا يقال بأنه لا بد من توثيقه.

إذًا هذه المسائل المذكورة في هذا النظم - وهي مائة بيت - اشتملت على مشهورات المسائل وهي من المسلمات عند أهل الفن، نقول: لم ينفرد بها صاحب ((التلخيص))، وإنما وافقه في الترتيب والتقديم والتأخير، ومثل هذه المسائل مشاعة في الفن لا يختص بها كتاب دون كتاب، فكون المصنف هنا ابن الشِّحْنَة ذكرها كونه ذكرها هنا فلمناسبة نظمه لهذا الْعِلْم لأنه أراد أن يكون النظم في فن البلاغة، إذ هو مائة بيت يعني هو مختصر جدًا وأراد ثلاثة فنون وليست بالقليلة ولذلك يعد من يتكلم في تصنيف الفنون يَعُدّ علم المعاني علمًا مستقلاً بذاته، له كتبه ومصنفاته، وعلم البيان كذلك مستقلاً بذات له مؤلفاته، كذلك علم البديع، ولذلك بعضهم يؤلف في المعاني دون البيان والبديع، أو يؤلف في البيان دون المعاني والبديع، أو في البديع دون المعاني والبيان، لأن كل علم يُعتبر مستقلاً عن غيره.

هذا النظم وجيز جدًا، ولذلك لم يذكر فيه الخلاف ولم يذكر فيه شيئًا من الترجيح، بل حتى الأمثلة لم يذكر إلا الشيء اليسير جدًا الذي لا يكاد يُذكر، وإنما هو سُلَّم للمبتدئ ليصل به إلى المطولات وليضبط بعض المصطلحات المشهورات عند أرباب هذا الفن.

فمقصودي أن المسائل التي شاعت في كل فن هذه كاسمها مشاعة ليست خاصة بكتاب دون كتاب.

خامسًا: منظومة ((مائة المعاني)) أو ((الجوهر المكنون)) - وهذا محط الفائدة هنا - هل هذا أو ذاك؟ [أيُّ أو $ 22.01 هل للتخيير] أيَّ النظميين يحفظ الطالب ((مائة المعاني)) أو ((الجوهر المكنون)

نقول: ((الجوهر المكنون)).

هذا النظم كما ذكرنا عدد أبياته مائة بيت يعني: إذا أخرجنا المقدمة حينئذٍ صار كم؟

ص: 6

مقدمة أربعة أبيات وهذه لا تختص بالعلم صار ستًا وتسعين، إذًا ستٌ وتسعون بيتًا، عدد أبيات ((الجوهر المكنون)) مائتان وواحد [وستون](1) بيتًا، هذا النمط العام للنظمَيْنِ، هذا مائة بيت وهذا مائتان وواحد وتسعون بيتًا والفرق واسعٌ كما ترى، إذ يزيد ((الجوهر)) بمائة وواحد وتسعين بيتًا وهذه كلها مشتملة على مسائل تركها صاحبنا ابن الشحنة حينئذٍ يكون قد ترك الكثير وليس بالقليل، هذا على جهة الإجمال.

وأما على جهة التفصيل فعلم المعاني في ((الجوهر)) مائة وست عشر بيتًا، وذكرنا أنه هنا كم؟ أربع وستون بيتًا، ففرق بينهما واضح فـ ((الجوهر)) يزيد باثنين وخمسين بيتًا، وعلم البيان في ((الجوهر)) أربع وستون بيتًا بعدد علم المعاني، وفي ((مائة المعاني)) خمسة عشر قليل جدًا، المجاز والتشبيه والكناية قليل جدًا أجحفه خمسة عشر بيتًا طيب ((الجوهر)) أربع وستون بيتًا، والفرق واضح إذ يزيد ((الجوهر)) بتسع وأربعين بيتًا، علم البديع في ((الجوهر)) - الفن الثالث - خمسة وسبعون بيتًا يعني: يعتبر عن ثلثي هذه المنظومة وفي ((مائة المعاني)) ستة أبيات، انظر الفرق خمسة وسبعون بيتًا وهذا ستة أبيات، وإذا أدخلنا الخاتمة في السلقيات الشعرية يعني مختلف في الخاتمة هل هي خاتمة للكتاب أو للعلوم كلها أو لعلم البديع وداخلة فيه على خلاف، إذا أدخلنا الخاتمة التي هي السلقات الشعرية هي خمسة أبيات صار كم خمس وست أحد عشر، إذًا علم البديع أحد عشر بيتًا والفرق واضح إذ يزيد ((الجوهر)) بنحو أربع وستين بيتًا.

هذه الفروق بين المنظومتين من حيث عدد الأبيات لكل من المنظومتين إجمالاً وتفصيلاً، ومن حيث الكم فلا مقارنة أصلاً، ومن حيث الكيف يعني المسائل المذكورات المادة كذلك لا مقارنة، فيزاد على ذلك من حيث العدد أن الأخضري حاول أن ينظم مشهورات المسائل التي حواها ((التلخيص)) يعني: نظم ((التلخيص)) ولذلك عده من يتكلم في المصنفات أن

((الجوهر المكنون)) يعتبر ماذا؟ يعتبر من منظومات ((التلخيص)) ولذلك قال:

فجئته برجز مفيد

مهذبٍ منقحٍ سديد

مُلْتَقطًا من درر التلخيص

جواهرًا بديعة التخليص

مُلْتَقَطًا وَمُلْتَقِطًا يجوز فيه الوجهان، إذًا مُلْتَقَطًا إذًا هو التقط كثير من مسائل ((التلخيص)) ونظمها وجاء بهذا العدد، ولذلك قال:

سَلَكْتُ مَا أَبْدَى مِنَ التَّرْتِيبِ

وَمَا أَلَوْتُ الْجُهْدَ في التَّهْذِيب

يعني: هَذَّبَ. إذًا مشهورات المسائل والزيادة وهذَّبه وسلك ما أبدى من الترتيب، يعني: لم أخالفه في الترتيب، إذًا عندنا أمران نص عليهما الأخضري:

أولاً: نظم ((التلخيص)).

وثانيًا: الترتيب.

ولذلك قال: سلكت ما أبدى. يعني: ما أظهره. من الترتيب يعني: ترتيب الفن. صاحبنا ابن الشحنة وافق في الثاني وهو أنه وافقت صاحب ((التلخيص)) في الترتيب لكنه لم ينظم ((التلخيص))، إذًا ((الجوهر)) يعتبر زيادة على كثرة الأبيات أو الزيادة من حيث الكم والكيف هو كذلك يعتبر نظمًا لأهم كتاب عند المتأخرين وهو:((التلخيص)).

(1) سبق استدركه الشيخ بعدها وصوابه تسعون.

ص: 7

وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: من أراد أن يحفظ ((الجوهر)) أو قد حفظه فلا يشتغل بهذا المتن يعني: ((مائة المعاني)) إنما تكون لمن لم يحفظ أو يكن قاصدًا أو في برنامجه أن يحفظ ((الجوهر المكنون))، وإما إن كان

((الجوهر)) فحينئذٍ يكون مغنيًا عن هذا الكتاب برمته جملاً وتفصيلاً، وأما من لم يكن في جدوله أو برنامجه أن يحفظ ((الجوهر المكنون)) وإنما أراد ((التلخيص)) أو ((عقود الجمان)) حينئذٍ يجعل هذا الكتاب سُلَّمًا لكن بشرط أن يكون الشرح متوسطًا، أما فك العبارات فهذا لا يكفي، إنما يدرسه دراسة إما على مرحلتين:

مرحلة الأولى فك العبارة.

ثم المرحلة الثانية وهي فك البسط.

ثم بعد ذلك ينتقل إلى ((التلخيص)) ويتجاوز ((الجوهر المكنون))، وأما أن يجمع بينهما ((مائة المعاني))، ثم ((الجوهر المكنون))، ثم

((التلخيص))، ثم ((عقود الجمان)) نقول: هذا من ضياع الأوقات، لأن المصطلحات هيَ هي والخلاف بينهم خلاف بين آراء رجال، يعني: هذا رأيه كذا وهذا رأيه كذا، وهذه مما لا يشتغل بها طالب علم في كل فن من الفنون، وإنما يأخذ ما شاع وما ذاع من العلم.

نعم إن كان للشخص مصطلحًا خاصًا فيفهمه من أجل قراءة هذا الكتاب المعين أو التفسير المعين أو نحو ذلك، فإذا أطلق لفظًا ما وأراد به مصطلحًا غير المصطلح المشهور أو أنه أعم أو أنه أخص فتقف على هذا المصطلح من أجل ألا تلتبس عليك الأمثلة أو تلتبس عليك المعاني، تعرف أن مصطلح زيد من الناس في الكناية كذا ومصطلح السكاكي على الخلاف المشهور عندهم في هذه المسائل، وأما أن يحفظ هذا وذاك وذَاك نقول: هذا يعتبر من ضياع الأوقات، والأولى الاعتماد إن اختار ((الجوهر)) أو ((مائة المعاني)) أن يذهب إلى ((عقود الجمان)).

((عقود الجمان)) هذه من استطاع أن يستوفيها حقها من الحفظ والفهم فحينئذٍ يكون قد جمع الشيء الكثير من مصطلحات الفن.

و ((عقود الجمان)) يعتبر كذلك نظمًا للتلخيص لهذا قال:

وهذه أرجوزة مثل الجمان

ضمنتها علم المعاني والبيان

لخصت فيها ما حوى التلخيص

مع ضم زيادة كأمثال اللمع

إذًا زاد على ما ذكره صاحب ((التلخيص))، بل كما فعل في

((الكوكب الساطع)) بأنه صَلَّحَ وأصلح [بين أو $ 29.02 هل للشك] ما قد انتقد على صاحب ((التلخيص))، هناك أصلح ما انتُقد على صاحب ((جمع الجوامع)) هنا كذلك.

مَا بَيْنَ إِصْلاحٍ لِمَا يُنْتَقَدُ

وَذِكْرُ أَشْيَاءَ لَهَا يُعْتَمَدُ

وَضَمّ مَا فَرَّقَهُ لِلْمُشْبِهِ

واللهَ رَبِّي أَسْأَلُ النَّفْعَ بِهِ

ص: 8

هذه ((عقود الجمان)) يعتبر القمة في فن البيان، فمن استطاع أن يهضمه مع شرحه للسيوطي رحمه الله تعالى أو المرشدي فحينئذٍ لن يكونَ بليغًا ولم يشم رائحة البلاغة إذا حفظ ((عقود الجمان)) لماذا؟ لأنه قد وقف على المصطلحات لأن البلاغة كما سيأتي مَلَكَةٌ، إذًا هيئة راسخة في النفس يقتدر بها على إنشاء كلام بليغ أو كلام فصيح، حينئذٍ هذه الملكة لا تكون بحفظ المصطلحات وإنما تكون بممارسة هذا الفن، يعني: يكون لصيقًا. لما اختاره، إن اختار القرآن فأنعم وأكرم يقف مع الجمل ويتفقه فيها وما قاله أرباب المعاني من الحذف والإيجاز، وعود الضمير، والتقديم والتأخير، والقصر، والفصل، وعطف الجمل، يقف لم كذا ولم .. إلى آخره، حينئذٍ إذا طَبَّقَ ومارس الفن بهذه الصورة حينئذٍ يكون بليغًا لأنه سينطبع في نفسه ما قد طَبَّقَ عليه حينئذٍ يستطيع أن ينشئ الكلام البليغ، وأما مجرد حفظ هذه المصطلحات فلا يسمن ولا يغني من جوع، وإنما هو عبث وتضيع أوقات كما هو الشأن في علم النحو، لو حفظ ألفية ابن مالك ولم يحسن الإعراب هل هو نحوي؟

ما شم رائحة النحو، ولذلك العلم يجمع بين أمرين: بين العلم الذي هو الحفظ والفهم، وأما الفهم دون الحفظ كما نقرر مرارًا لا علم إلا بحفظ لا بد أن يكون معه شيء من المحفوظ وإن قل، يعني: هو الذي يبقى معه، وأما المفهومات هذه تزول وتذهب، إذًا لا علم إلا بحفظ، وكذلك العكس أما أنه يعتمد على المحفوظات ويحفظ وَيحفظ ثم لا يهتم بممارسة الفنون فهذا يعتبر مُضيعًا لوقته ولو سَبَّحَ وشغل وقته بالطاعات لكان أولى له.

نعم لأن هذا الذي يصدق على أنه نسخة مكررة لو حفظ الزاد ولم يفقه معانيه نسخة مكررة، لو حفظ الألفية ألفية ابن مالك ولم يضبط الإعراب نسخة مكررة، عبث لماذا؟

لأنه لم يكن نحويًا، هو أراد من هذ الفن أن يكون نحويًا بأن يكون ممارسًا لفن النحو، بأن تكون عنده ملكة في الإعراب والتعبير والكلام الصحيح موافق لسَنَنِ وقواعد اللغة العربية، وإذا كان يحفظ ولا يعرب ويحفظ ولا يحسن أن يطبق لا يميز بين الحال والتمييز، ولا يميز بين الفاعل والمفعول، وَالمفعول المطلق .. إلى آخره وأنواعه نقول: هذا يعتبر عبثًا.

إذًا نقول: الأصل في تَعَلُّم والسُّلَّم في تَعَلُّم فن البلاغة لأن هذا الفن الآن في خبر كان يعني: غير موجود، علوم اللغة في الجملة غير موجودة، وعلوم الآلة في الجملة غير موجودة، وإن وجد نسخ من علم النحو وهذا على جهة القلة في بعض البقاع دون بعض، والآجرومية ولا يتجاوزوها إلا أن يشاء الله.

وأما علم الصرف والبيان فهذا في خبر كان يعني ذهب أهله، وذهب أصحابه، وذهب من يَتَعَلَّمَهُ ويُعَلِّمَهُ، لأن الطلاب عندهم موازنة يعني يأخذون العلوم ما اشتهوا، مثل الطعام الذي يكون مفروشًا على السفرة يريد أن يتخير من العلوم ما يحبه هو، ويألفه الطبع عنده، وما يسهل عليه، وما صَعُبَ عليه هذا تركه، يعني: مثل الذي يقول: هذا لا أطعمه وهذا أحبه، هذا أشتهيه من المأكولات وهذا لا ليس الأمر إليه.

ص: 9

إذا أردت العلم الشرعي لا بد من ميزان شرعي، وهو الذي وضعه أهل العلم من معرفة السَّنَنِ الذي يسلكه طالب العلم إن أراد أن يستنبط من الشرع، أو يفهم مدلولات الشارع. فحينئذٍ ليس الأمر إليك بل أنت محكوم مما ذكره أهل العلم فحينئذٍ لا بد يجب عليك وجوبًا شرعيًا ليس صناعيًّا، إذا أردت أن تفهم بنفسك دون أن تقلد، وأن تكون مُتَّبِعًا دون تقليد لأحد ما فحينئذٍ يجب عليك تَعَلُّم لسان العرب بأنواع الثلاث: النحو، والصرف، والبيان.

وأما إذا سَهُلَ علي النحو وصعب علي الصرف تركته، ثم انكب على مدلولات الكتاب والسنة وأرجح وأقدم وأؤخر نقول: هذا ليس إليك البتة.

إذًا نقول: السُّلَّم أن يدرس ((مائة المعاني)) لكن بشرح متوسط أو موسع، ثم يشرع في ((عقود الجمان)) إن أراد أن يحفظ ألفية، وإن لم يرد حينئذٍ يعتكف على ((التلخيص)) ويأخذ شرحًا أو شرحين، وثَمَّ ما يسمى بشروحات ((التلخيص)) مطبوعة مع بعضها البعض التفتازاني المختصر والمطول.

هذه - مع احترامي لأهل العلم وتقديرنا لهم - هذه ليست بلاغة العرب، وإنما هي بلاغة العجم لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يشرحوا البلاغة التي تكون مفتاحًا لفهم القرآن وتدبر القرآن، فإذا بهم قد دمجوا علم البلاغة دمجًا لا يكاد يكون له نظير إلا في علم الأصول بالمنطق والكلام، فخرج العلم من حيز أو من جهة أن يكون علمًا موروثًا عن العرب يُفْهَم به دلالات النصوص الوحيين إلى كونه مُسَلَّمَات ومقدمات يقينية ونظرية، وشكل أول، وشكل ثاني، فصارت هذه الشروحات كلها [تَعني أو $] تُعنى بهذا.

لكن ((التلخيص)) مع الإيضاح للقزويني نفسه لأنه لَمَّ ألف

((التلخيص)) قيل له غَمُضَ الكتاب يعني فيه اختصار نحتاج إلى إيضاح، فَأَلَّفَ الكتاب الذي هو ((الإيضاح)) فجعله كالشرح، وهذا أنفس شرح للتلخيص، وإن لم يكن مشروحًا له حاشية وعليه حاشية الدسوقي لكنها حاشية إذا أردت أن تطبق وتمارس علم المنطق فعليك بهذه الحاشية، يعني: درستم معي فيما سبق المنطق والشكل الأول والثاني صورهما موجبة .. أن ترى كلية كبرى .. إلى آخره تطبقها في حاشية الدسوقي على الإيضاح، وكذلك تجد في المطول وغيره لكن في الدسوقي هذا على جهة التعين، وهي ليست ببلاغة العرب، بل يكاد أن يكون الكلام خرج على كونه لسان العرب وإنما هو لسان الأعجمي ولكنة وكلام فيه شيء من الصعوبة، لكن الإيضاح على ((التلخيص)) مفيد جدًا، ثم تنكب انكبابًا تامًا على كتب التفسير، وكتب التفسير هذا التَّفسير من العلوم التي طبخت ولم تحترق بعد، يعني: علم ينتهي بعد، وكتب التفسير مشهورة.

إذًا السُّلَّم هو ((مائة المعاني)) ثم ((عقود الجمان)) إن أردت حفظ ((الألفية)) ثم تنكب على كتب التفسير، وإن لم ترد ((مائة المعاني)) فحينئذٍ نقول:((الجوهر المكنون)) وعليه حلية ((اللب المصون)) شرحناه وانتهينا منه فيما مضى، وبعد ذلك تدخل في ((عقود الجمان)).

ص: 10

يعني: يكفيك متنان في هذا الفن كله، إما ((الجوهر)) مع ((العقود))، أو ((التلخيص)) مع ((الإيضاح))، وإما ((مائة المعاني)) مع ((العقود)) أو ((التلخيص)) مع ((الإيضاح))، ثم بعد ذلك تنتهي، وما عدا ذلك كله خلاف وآراء الرجال يعني الذي صعب الفن أو استصعبه طلاب العلم في الفنون التي هي علوم الآلة هو أنهم ينظرون إلى أن كثرت الكتب هذه معناها أنك لن تحيط بالعلم إلا إذا وقفت على جميع المصنفات، هذا غلط، لا في النحو، ولا في الصرف، ولا في البيان يمكن اختصارها في بضع كتب، هذا من جهة ضبط الفن، نعم التأليف لا بد من النظر في كثير من المصنفات من أجل التوثيق فحسب، وأما من أجل إدراك العلم فهذا يكفيك في كل فن مختصر ومطول، ثم بعد ذلك إذا دخلت في صميم المقصود من هذه العلوم لأن هذه علوم آلة يعني: لا ينبغي لطالب العلم أن يعتكف عليها أكثر من وقتها، لها وقت معين فيتجاوزها وتبقه معه، يعني: ليس المراد يتجاوزها ويتركها وإنما يتجاوزها وتبقى معه، فإن أَشْكَلَ عليه شيء ما حينئذٍ رجع إلى كتب كل فن، النحاة في كتبهم، والصرفيين في كتبهم، وكذلك البيانيين، لأنه لا بد أن يقع لك إشكال ما في تفسير آية مثلاً، الكناية توجيها استعارة مصرحة مرشحة .. إلى آخره، قد يشكل عليك بعض الشيء فترجع تبحث، وأما أنك تأخذ كل كبير وصغير عند دراسة الفن فليس الأمر كذلك، لأنك لو بقيت عمرك كله ما انتهيت، لو أردت أن تأخذ في علم البيان كل صغير وكبير جميع المصطلحات العامة في الفن والخاصة لكل عالم، وما يرد عليه وما يعترض، إذًا ستبقى عشر سنين في علم البيان، وستبقى عشر سنين في علم النحو، وعشر سنين في علم الصرف، ثم إلى القبر، ما دخلت علم المقاصد هذا لا يصلح وإنما تبقى معك إلى ما شاء الله تعالى.

نشرع في النظم والطريقة كما ذكرت أنني لم أشرحها فيما سبق ولذلك سأشرحها شرحًا متوسطًا، سيكون الدرس إن شاء الله تعالى بعد المغرب وبعد العشاء هذا الأسبوع سنتجاوز أكثر من النصف، يبقى معنا قليل نكمله الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى، يعني إن شاء الله نحاول ألا يتجاوز العشرة أيام بعد المغرب والعشاء لكن نحاول أن نقف مع المتن وقفة جيدة بحيث من أراد أن ينطلق - ولمن لم يدرس ((الجوهر)) إذا درسه بما يكون معنا يستطيع أن يقرأ في ((التلخيص)) مباشرةً، وأما الذي درس ((الجوهر)) فيما مضى إنما يكون مراجعة له ولا يحفظ لمتن، لا يحفظ المتن وإنما يحفظه من لم يحفظ ((الجوهر))، ولذلك كما ذكرت أن سنشرحه شرحًا متوسطًا.

قال الناظم رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم).

الْحَمْدُ لِلّهِ وَصَلَّى اللهُ

عَلَى رَسُولهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ

مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَا

..........................

ص: 11

قال الناظم رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم). وهذه ذكرها بعض الشراح وشرحها كأنها من النظم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أُؤلف أو أنظم يعني: نقدر أن الباء هنا أصلية، فحينئذٍ لا بد لها من متعلق تتعلق به، وتقديره يكون فعلاً مؤخرًا خاصًا، فعلاً لأن الأصل في العمل للأفعال، ومؤخرًا للاهتمام وإفادة القصر والحصر، (بسم الله) لا بسم غيره كما هو الشأن في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]،

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي: لا نعبد إلا أنت، إلا الله وهي معنى لا إله إلا الله،

(بسم الله) أنظم أي: لا باسم غيره ففيه الحصر والقصر، وسيأتي الباب الخاص به في محله إن شاء الله تعالى، والاهتمام أنه لم يقدم على اسم الله تعالى شيئًا البتة، وإنما بدأ به، وكونه خاصًا يعني: لا عامًا. (بسم الله الرحمن الرحيم) أؤلف وهذا خاص، ما قال: أبدأ. لو قال: أبدأ. هذا عام، تبدأ ماذا؟ التأليف الأكل الشرب .. إلى آخره، نقول: كونه خاصًا لأنه أدل على المقصود، لأن كل من بسمل إنما جعل البسملة لِمَا ابتدأ به وشرع فيه، فالذي يأكل يقول: بسم الله الرحمن الرحيم آكل، والذي يشرب بسم الله الرحمن الرحيم أشرب، والذي ينام أنام .. وهكذا .. فكل فعل يدل على المقصود، أي: أؤلف أو أنظم حال كوني مستعينًا يعني: الباء هنا بمعنى الاستعانة وهي كما ذكرنا أنها أصلية، وإذا كانت أصلية حينئذٍ لا تكون زائدة، وإذا كانت أصلية حينئذٍ لا بد لها من متعلق تتعلق به.

لا بُدَّ لِلجَارِّ مِنَ التَّعلُّقِ

بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرتَقِي

وهذا هو الأصل، مستعينًا (بسم الله)، (بسم الله) والاسم مشتق من السمو، والسمو هو العلو على الصحيح، فيكون وزنه افْعٌ، والاسم في اللغة ما دلَّ على مسماه، وعرفًا ما دلَّ على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، قلنا مشتق من السمو وهو مذهب البصريين وهو العلو لأن الاسم علا على مسماه لذلك اشتق منه، والاسم مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه، والإضافة هنا أفادت العموم (بسم الله) يعني: بسم هو لله أي: بكل اسم هو الله، يعني مستعين هنا استعان بماذا في فعله؟ استعان بكل أسماء الله تعالى، ولذلك أقول: لو لم يستفد دارس هذه الكلمة العظيمة (بسم الله الرحمن الرحيم) لو لم يستفد إلا هذه الفائدة لكفاه، أنه يستحضر بقلبه - هنا يأتي العمل، الذهن والمعلومات ما تكفي - إذا أراد أن يفعل فعلاً ما قال: بسم الله الرحمن الرحيم. استشعر بقلبه أنه يستعين بكل أسماء الله تعالى فهذا يشعره بشيء آخر.

إذًا اسم مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه أي: مستعينًا بكل اسم هو لله جل وعلا، الإضافة أفادت العموم، والله هذا على الذات وهو مشتق على الصحيح بمعنى أنه دالٌ على ذات وصفة، خلافًا لمن قال بأنه جامد يعني: لا يدل على صفة بل يدل على الذات فقط، وهذا قول باطل فاسد، ولذلك جاء قوله تعالى:{وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 3]. {فِي السَّمَاوَاتِ} إيش إعرابه؟

..

نعم.

.

جار ومجرور، إيش فيه؟

جار ومجرور هذا نوعه، إعرابه متعلق بأي شيء؟

..

الله أي متعلق بـ الله، ومر معنا قبل قليل.

ولا بد للجر من التعلقِ

بفعل أو معناه .........

ص: 12

إذًا الجار والمجرور لا يتعلق إلا بالفعل أو ما فيه معنى الفعل وهو الوصف، وهذا لا يكون إلا إذا كان مشتقًا، إذًا (الله) تعلق به في السماوات، وهذا يدل على أنه مشتق، إذًا هو دال على ذات موصوفة بصفة إلهية، الأصل هو الإله، وهو الإله، الإِله يعني المعبود المطاع، وهو مشتق - كما ذكرنا - على الصحيح. (الرحمن الرحيم) اسمان كريمان من أسماء الله تعالى الحسنى، والرحمن دال على الصفة القائمة بالذات، والرحيم دال على تعلقها بالفعل كما نص على ذلك ابن القيم وهو وجه حسن أنه إذا اجتمع الاسمان الكريمان الرحمن الرحيم، صار الرحمن دالاً على الصفة الذاتية، والرحيم دالاً على الصفة الفعلية، إذ الرحمة لها جهتان من جهة تعلقها بالذات فهي صفة ذاتية ومن جهة تعلقها بالمرحوم - يعني: الذي هو محل للرحمة - فهي صفة فعلية. قال ابن القيم رحمه الله: ولهذا لم يجئ بسم الرحمن متعديًا في القرآن قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب: 43]. جاء التعدِّي الرحيم ولم يأت تعدِّي الرحمن يعني: ولم يقل رحمانًا {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} رحيمًا بالمؤمنين {بِالْمُؤْمِنِينَ} هذا جار ومجرور متعلق بقوله: {رَحِيماً} . هذا القول وإن لم يكن شائعًا إلا أنه الأنسب بأنه يفسر الرحمن الرحيم بهذين المعنيين الذي هو الدال على صفة القائمة بالذات أو الرحمن، والدال على تعلقها بالمرحوم وهو الرحيم، وإن كان شاع بأن الأول الرحمن فعلان دال على الامتلاء بأنه يعم الكافر والمؤمن، والرحيم دال على تعلقها بالمؤمنين فهو خاص، نقول: نعم الرحمن هذا فيه زيادة مبنى فيدل على زيادة المعنى، وأما الرحيم فهو أقل منه حروفًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: الرحمن من حيث المتعلق كذلك هو متعلق بالمؤمنين والكافر فهي رحمة عامة، وأما الرحيم فهي رحمة خاصة، ولذلك يقولون: عام المعنى خاص اللفظ، الرحمن عام المعنى لأنه واسع مدلوله يدل على الامتلاء وهو يتعلق بالمؤمن والكافر، بل حتى البهائم، وخاص اللفظ لأنه لا يطلق على غير الله إجماعًا، لا يطلق لفظ الرحمن على غير الله تعالى إجماعًا، أما الرحيم فهو خاص المعنى عام اللفظ، خاص المعنى لأنه متعلق بالمؤمن دون غيره، وأما كونه عام اللفظ فلأنه يُطلق على غير الله تعالى من حيث اللفظ تقول: جاء زيد الرحيم. {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب: 37] جاء في الموضع المراد به النبي صلى الله عليه وسلم فيُطلق رحيم على المخلوق، لكن الرحمن هذا خاص بالرب جل وعلا.

وابتدأ البسملة المصنف اقتداءً بالكتاب العزيز والإجماع العملي من أرباب التصنيف على أنهم إذ أرادوا التأليف بدأوا ببسم الله الرحمن الرحيم.

ص: 13

(الْحَمْدُ لِلّهِ وَصَلَّى اللهُ)، (الْحَمْدُ) اشتهر أن الحمد لغةً الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على جهة التعظيم، يعني: سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، الثناء إنما يكون باللسان وهل هو خاص بالخير أم أنه يعم الشر؟ محل نزاع والجمهور على أن الثناء لا يكون إلا بالخير،

وذهب بعضهم إلا أنه يكون في الخير كثيرًا وفي الشر قليل، ولذلك استدل بالصحابة رضي الله تعالى عنهم لما مر بجنازة أثنوا عليها خيرًا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«وجبت» . ومُرُّ بجنازة فأثنوا عليها شرًا، هذا محل الشاهد إذًا الثناء متعلقه الشر، والصحابة حجة، في اللغة حجة، يعني يحتج بأقوالهم، وإنما الخلاف في أقوالهم اللغوية يعني فهمهم اللغوي الصحابي حجة، وأما في مسألة الحكم الشرعي فهذه التي وقع فيها نزاع، إذًا الثناء الأصل فيه أن يكون بالخير وقد يكون في الشر كما مر في قول الصحابة. الثناء بالجميل على جميل الاختيار على جهة التعظيم، وعرفًا فعل يُنْبِئُ يعني: يشير. عن تعظيم الْمُنْعِم من حيث إِنَّهُ مُنْعِمٌ على الحامد أو غيره، وهذا تعريف شائع جدًا عند أرباب التصنيف لكن فيه، لأنه نظر؛ لأنهم خصوا الحمد بكونه في مقابلة الصفات المتعدية، الله عز وجل صفاته على نوعين:

منها ما هو لازم لا يتعدَّى أثره، كالكبرياء والعظمة.

ومنه ما يتعدَّى يكون ارتباطه بالمخلوق، كالرحمة مثلاً الرحمن، هذه صفة متضمن لصفة وهي الرحمة، وهذه متعدِّيَة للمخلوق، حينئذٍ إذا حصر الحمد في كونه يكون في مقابلة النعم حينئذٍ اختص بالصفات المتعدِّية وليس الأمر كذلك، بل يحمد الله تعالى على جميع صفاته حتى على استوائه على العرش وكونه عاليًا على العرش بذاته جل وعلا يحمد عليه. إذًا هذا الحد فيه شيء من النظر، فعلٌ ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم، إذًا لا من حيث إنه ليس منعم، نقول: هذا أخرج الصفات اللازمة وليس الأمر كذلك. منعم على الحامد أو غيره سواء كان باللسان أم بالجنان أم بالأركان، وهذا هو الشكر اللغوي، والشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بيان الحمد وهو أجود مما ذكره غير واحد: أن الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله. ذكر محاسن، والذكر يكون باللسان ويكون بغيره، ومحاسن جمع مَحْسَن فحينئذٍ يكون شامل للصفات الذاتية والصفات اللازمة والصفات المتعدية، وليس خاصًا بنوع دون نوع مع حبه وتعظيمه وإجلاله أخرج المدح إذ يكون فيه ذكر محاسن المحمود لكن لا مع المحبة والتعظيم وهذا هو الفرق بين الحمد والمدح، كلاهما ثناء إلا أن الثناء في الحمد يكون مع المحبة، لأن ليس كل من أثنى أحبك؟ قد يُثني عليك صباحًا مساءً يطريك بالشعر لكنك من أبغض الناس إليه، هذا لا يُسمى حمدًا، إنما يسمى مدحًا هو كذاب لكن لا يُسمى ماذا؟ يسمى مَدْحًا، إذًا فرق بينهما ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله، و (أل) في الحمد للاستغراق، وهو قول الجمهور، وقيل للجنس وهو اختيار الزمخشري.

ص: 14

(لِلّهِ) أي: اختصاصًا واستحقاقًا، فاللام صالحة للمعنيين، تكون بمعنى الاستحقاق، وتكون بمعنى الاختصاص، فهي صالحة للمعنين سواء جعلت (أل) للاستغراق حينئذٍ يكون المعنى أنواع الحمد، انظر المعاني هنا تختلف طالب العلم إذا قرأ {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} في الصلاة واستحضر أن (أل) هنا للاستغراق، ما معنى الاستغراق؟ يعني: استغراق جميع الأفراد، واستحضر هو يقرأ {الْحَمْدُ للهِ} يعني: كل جميع أنواع الحمد التي تكون على ألسنة الخلق وما أثنى الله تعالى به على نفسه لله تعالى كائنة لله استحقاقًا واختصاصًا، أي: أنواع الحمد كلها ثابتة لله، أو للجنس وعليه حينئذٍ يكون جنس الحمد ثابتٌ لله، وإذا ثبت الجنس لله ثبت الأفراد لأنه يلزم من اختصاص الجنس اختصاص الأفراد، كما مر معنا مرارًا، إذًا على المعنيين الاستغراق أو الجنس لا يُصرف فردٌ من أفراد الحمد لغير الله، فكل أنواع الحمد ثابتة ومختصة بالله عز وجل دون ما سواه.

(الْحَمْدُ لِلّهِ) بدأ بالحمدلة هنا، ثانيًا بعد الابتداء بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز لأنه أول ما افتتح الله تعالى القرآن قال:{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . [الفاتحة: 1، 2] اقتداءً بالكتاب من ألف كتابًا من البشر حينئذٍ يبدأ بالبسملة ثم يثني بالحمدلة، واختار الجملة الاسمية (الْحَمْدُ لِلّهِ) وهذا يأتينا بحثه في المعاني على الفعلية اقتداءً كذلك بالنص الآية لأن الله تعالى قال:{الْحَمْدُ للهِ} . ولدلالتها على الثبات والدوام، لأنه - كما سيأتي معنا - أن الخبر يكون جملة اسمية، ويكون جملة فعلية، متى تختار الجملة الاسمية على الفعلية، ومتى تختار الجملة الفعلية على الاسمية؟

بناءً على المعنى، وهنا (الْحَمْدُ) لما كان في مقابلة الذات الموصوفة بالإلهية وهي دائمةٌ باقيةٌ مستمرة ناسب أن يأتي بلفظٍ يدل على الثبات والدوام لا على الاستمرار والتجدد إنما هو خاصٌ بالفعلية، إذًا اختار الجملة الاسمية هنا لمعنى وهو كذلك في الآية يقال هنا ويقال في قوله تعالى:

{الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . لماذا جاء بالجملة الاسمية دون الفعلية؟

نقول: لأن الجملة الاسمية تدل على الثبات والدوام، وهنا عَلَّقَ الحمد بماذا (الْحَمْدُ لِلّهِ)، (لِلّهِ) أي: دالٌ على ذاتٍ متصفة بالإلهية، والذات هذا الوصف كذلك باقٍ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}

[الرحمن: 26، 27]، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، إذًا لما كانت الذات باقيةً مستمرةً أبد الآباد لا يلحقها عدمٌ ولا فناء البتة ناسب أن يأتي بجملةٍ دالة على ذلك المعنى، وهذه تختص بها الجملة الاسمية دون الجملة الفعلية، واضحٌ هذا؟ لذلك جاء بالجملة الاسمية، وقَدَّمَ الحمد على لفظ الجلالة (الْحَمْدُ لِلّهِ) لأنه الأصل، لأنه مبتدأ، وأصل المبتدأ أن يتقدم على الخبر.

ص: 15

ثانيًا: لداعية المقام، وهذا سيأتي بحثه في علم المعاني، وإن كان لفظ الجلالة أهم بالتقديم لذاته لأن لو نظرنا عندنا (الْحَمْدُ) وعندنا متعلق الحمد، وهو الله عز وجل أيهما أهم بالتقديم؟ لا شك أنه الثاني، لكنه ما رعى هذا، وإنما قدم الحمد على لفظ الجلالة، هل لكون الحمد أفضل وأهم؟

الجواب: لا. لكن لمطابقة ورعاية المقام، لأن المقام هنا مقام ثناءٍ وذكر، فيذكر اللفظ ويؤخر المحمود أو الْمُثْنَى عليه، وهذا مطابقةً لرعاية المقام، فرعاية المقام هنا أنسب للبلاغة كما سيأتي في حد البلاغة إذ هي مطابقة الكلام لمقتضى المقام.

وضد الحمد الذم كما أن ضد الشكر الكفران.

ثم لما أثنى على الخالق جل وعلا ثنَّى بالثناء على أفضل الخلق على الإطلاق.

أفضل الخلق على الإطلاق

نبينا فمل عن الشقاق

فقال: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى رَسُولهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ)، (وَصَلَّى اللهُ) هذه جملةٌ خبريةٌ لفظًا إنشائيةٌ معنى، لأن المراد بها الدعاء، مراد بها الدعاء، ومعنى (وَصَلَّى اللهُ) أي: أثنى الله على عبده في الملأ الأعلى - على أصح ما تفسر به الصلاة -،حينئذٍ إذا صلَّى الله على العبد بمعنى أنه أثنى عليه في الملأ الأعلى - وكما ذكرنا هي جملةٌ خبرية من حيث اللفظ إنشائيةٌ من حيث المعنى - معناها الدعاء، والصلاة فعالٌ من صَلَّى إذا دعا.

(عَلَى رَسُولهِ) الضمير يعود على الله عز وجل، والجار مجرور متعلق بقوله:(صَلَّى) لأنه فعلٌ، (عَلَى رَسُولهِ) وفي نسخة: على نبيه ولا إشكال، وعليه لفظ الأفراح، والرسول من البشر إنسانٌ أوحي إليه بشرعٍ وأمر بتبليغه - على ما اشتهر عند أرباب التصنيف - النبي إنسانٌ أوحي إليه بشرعٍ فهو أعم من الرسول على المشهور كل رسول نبي ولا عكس، رسول فعول بمعنى مفعل (عَلَى رَسُولهِ) رسول فعول بمعنى مفعل أي: المرسل وحذف المتعلق هنا (عَلَى رَسُولهِ) إلى من حذف المتعلق ما قال إلى الجن ولم يقل إلى الإنس ولم يقل إلى الملائكة، وإنما حذف المتعلق لإفادة العموم لأن من صيغ العموم حذف المتعلق إذًا (عَلَى رَسُولهِ) رسول فعول، وفعول من متعلقات الجار والمجرور الظرف، حينئذٍ نقول: حذف المتعلق للدلالة على العموم، إذ هو مرسل لجميع الخلق على خلافٍ في الملائكة، أما الجن والأنس فهو محل إجماعٍ.

ص: 16

(الَّذِي اصْطَفَاهُ)، (الَّذِي) هذا نعتٌ لرسول وهو في محل جر (عَلَى رَسُولهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ)، الضمير في (رَسُولهِ) و (اصْطَفَاهُ) يعود إلى الله عز وجل، (اصْطَفَاهُ) الضمير البارز يعود إلى رسوله، (اصْطَفَاهُ) فيه ضميران: ضميرٌ مستتر. وضميرٌ بارز. ضمير مستتر: هو الفاعل وهو يعود إلى الله عز وجل، هو الذي اصطفى، والضمير البارز: في محل نص مفعولٌ به، ما هو يعود إلى الرسول، إذًا النبي صلى الله عليه وسلم مُصطفى، (الَّذِي اصْطَفَاهُ) أي: اختاره أي: المصطفى، فالنبي صلى الله عليه وسلم مختار ولذلك يذكر أهل البيان أن الموصول مع صلته في قوة المشتق، الموصول (الَّذِي) مع صلته (اصْطَفَاهُ) لأن جملة (اصْطَفَاهُ) لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، الموصول الذي هو الذي هنا مع صلته جملة الصلة التي هي اصطفاه في قوة المشتق يعني: تحذفها وتأتي بمحلها بلفظٍ مشتق من اسم فاعل أو اسم مفعول، (الَّذِي اصْطَفَاهُ)(عَلَى رَسُولهِ) ماذا نقول؟

المصطفى أي: المختار، فهو المختار من سائر المخلوقات، وهو أفضلهم على الإطلاق - كما ذكرنا -، وهذه إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم:«إن الله اصطفى كنانةً من ولدي إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيارٌ من خيار من خيار» . و (الَّذِي) نعتٌ لرسول (مُحَمَّدٍ) بالجر إيش إعرابه؟ بدل من (رَسُولهِ) أو

أو

عطف بيان (رَسُولهِ) بدل أو عطف بيان، هل يصح أن يكون نعتًا؟

لا يصح، لماذا؟ لكونه جامدًا، لكونه علمًا، فالأعلام تنعت ولا ينعت بها، إلا على من يرى أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ذات معانٍ، لا شك أن أعلام الرب جل وعلا دالةٌ على الذات وهي أعلامٌ وأوصاف، ولذلك تُنعت ويُنعت بها، ونحن تداركناه اختصارًا بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن هذا نعت للفظ الجلالة، مَنْ رَأَى أنه عَلَم لا يُعربه نعت، ونص على ذلك ابن هشام وغيره لماذا؟ لكونه عَلَمًا، والعلم لا يُنعت به، والصحيح أنه نعتٌ وأنه علمٌ وينعت به في هذا الموضع لكن لا باعتبار العلمية وإنما باعتبار الوصفية،

لأن أعلام الله تعالى أعلامٌ وصفات، فهي من حيث كونها دالةٌ على الذات تُنْعَت، ومن حيث كونها دالةٌ على الصفات يُنْعَتُ بها، هل أعلام النبي صلى الله عليه وسلم كذلك؟

محل نزاعٍ، ورجح ابن القيم أنه كذلك، فإذا كان كذلك حينئذٍ صح النعت بها، وكذلك أعلام الملائكة.

إذًا (مُحَمَّدٍ) على رأي الجمهور أنه لا يُعرب نعتًا لأنه جامد، وعلى ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى حينئذٍ يصح أن يكون نعتًا، وهل يجوز رفعه؟

محمدٌ، يجوز؟

ص: 17

نعم يجوز رفعه محمدٌ، أي: هو محمدٌ خبرٌ لمبتدأٍ محذوف، إذًا (مُحَمَّدٍ) بالجر قلنا عطف بيان أو بدل من (رَسُولهِ)، ولا يجوز الرفع على أنه خبر لمحذوف أي: هو محمدٌ، والأول أولى يعني: الجر أولى، لأنه يجعل الكلام متصلاً بعضه ببعض، والقطع يجعله جملةً منفكة عن سابقه، والوصل مقدمٌ على القطع، محمدٌ علمٌ منقول من اسم مفعول المضعّف سُمِّيَ به لكثرة خصاله المرضية، (وَآلِهِ) بالجر عطفًا على (رَسُولهِ) وآل النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الدعاء، هنا مراد به أتباعه على دينه، فحينئذٍ يشمل كل متبعٍ، دخلت الأمة كلها التقي وغيره، ولم يذكر الصحب هنا إما اختصارًا أو اقتصارًا، اختصارًا بمعنى أنه تركه لأجل النظم أو الاختصار، واقتصارًا لكونه اقتصر على دخولهم في آل، إذا قلنا (وَآلِهِ) أتباعه على دينه دخل في أول من يدخل من؟ الصحابة، إذًا ذكر الصحابة، فلا نقول لهم لم يذكروا، ولكن تركه يعتبر اقتصارًا، وأما إذا لم نجعل الآل بمعنى الإتباع على الدين خصصناه بأقارب النبي صلى الله عليه وسلم، حينئذٍ لا يحمل كل الصحابة، إنما يشمل بعضهم دون بعضٍ. (مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَا) فعلٌ ماضٍ، فاعله ضمير مستتر يعود على الله تعالى سَلَّمَ لأن الذي صلَّى هو الله عز وجل، والذي سَلَّمَ هو الله عز وجل، إذًا فعلٌ ماضي كصلَّى وهو جملةٌ خبريةٌ لفظة إنشائيةٌ معنى، والألف فيه للإطلاق (سَلَّمَا)، وحذف متعلقه لدلالة ما سبق عليه، (وَسَلَّمَا) على رسوله (صَلَّى اللهُ) على رسوله، قال:(وَسَلَّمَا) على من؟ على رسوله، وحينئذٍ لا يكون من باب التنازع لأن الأول صلَّى (عَلَى رَسُولهِ) استوف متعلقه (وَسَلَّمَا) نقول: حُذِفَ المتعلق لماذا؟

لدلالة ما قبله عليه، إذًا سلَّمَ على من؟ (عَلَى رَسُولهِ)، ومعناه السلامة يعني: التحية، سَلَّمَ مَأْخُوذٌ من السلامة والمراد به التحية، وهنا أردف الصلاة بالسلام جمعًا بينهما امتثالاً لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} [الأحزاب: 56] فجمع بينهما امتثالاً للآية، وهو أعلى درجات الامتثال، لكن لو اقتصر على الصلاة دون السلام، أو على السلام دون الصلاة، لا إشكال فيه، وإن لم يكن ممتثلاً بمعنى أنه لم يكن كامل الامتثال، وإلا كان ممتثلاً، لأن دلالة الاقتران هنا غير معتبرة، بمعنى أن المطلوب ليس هو الجمع، المطلوب إحداث الصلاة، وإحداث السلام، ثم قد يكونان على جهة الجمع، وقد يكونان على جهة الإفراد، وليس في الآية ما يدل على أن المراد به الجمع، وإن كانت الواو لمطلق الجمع، لكن لو فعل أحد نوعي الصلاة دون السلام أو بالعكس لا نقول أنه وقع في كراهةٍ، وإن كان يعلل هنا أنه جمع بينهما هروبًا من كراهة تركهما أو الاقتصار على أحدهما - كما هو مشهور عند كثير من الفقهاء - لكن الصحيح أنه لا يكره إفراد الصلاة عن السلام، ولا إفراد السلام عن الصلاة لماذا؟ لعدم الدليل.

وأما الاستدلال بهذه الآية نقول: استدلالٌ بدلالة الاقتران وهي ضعيفةٌ عند جماهير الأصوليين.

ص: 18

مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَا

وَبَعْدُ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنِّي أَنْظِمَا

(وَبَعْدُ)[هذا كلمة، أو](1) هذه كلمةٌ يؤتي بها للانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر، يعني: انتقال من أسلوب المقدمة إلى الشروع في المقصود الذي عناه بنظمه، (وَبَعْدُ) هذا ظرف زمان مبنيٌ على الضم لقطعه عن الإضافة ونية معنى المضاف إليه على المشهور، أي: بعد الحمدلة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، (قَدْ أَحْبَبْتُ) هنا حذف الفاء، لأن الفاء هنا واجبة تتصل بجواب لأن الواو هذه نائبةٌ مناب أمَّا، وأما نائبةٌ مناب مهما، إذًا عندنا شرط وعندنا فعل شرط وجواب الشرط، هنا يجب اتصال الفاء بجواب الشرط، والأصل أما بعد فكذا، فحينئذٍ الفاء داخلةٌ أين هي؟

نقول: حذفها من أجل ضرورة النظم الوزن.

(قَدْ أَحْبَبْتُ) أي: فقد، حذف الفاء من الجواب لضرورة النظم، وأصله فقد أحببت أي: ملت وقصدت، والمحبة هنا على بابها النيل والقصد، (أَنِّي أَنْظِمَا) أي: أؤلف هذا على النسخة الموجودة عندكم، أي: أؤلف كلامي منظومًا، والنظم اسم لكلامٍ مقفى موزون، اسمٌ لكلامٍ لأن الشعر كلام، كما أن النثر كلام، لكنه مقفى، يعني: ذا قافيةٍ، موزون على أوزانٍ معلومة، وهي التفعيلات المشهورة عند أرباب الفن، ويُعَرِّفَهُ البعض بأن الكلام الموزون قصدًا لا بد أن يكون مقصودًا، فلو وافق الكلام تفعيلات بحرٍ ما لا يقال بأنه شعر لماذا؟ لأنه لم يقصد، لانتفاء القصد، فيشترط في الشعر أن يكون مقصودًا، وأما موافقة التفعيلات هذه هي مادة الشعر، حقيقة الشعر، ثم قد يتفقان في التفعيلات لأن التفعيلات عبارة عن حركات وسكنات، قد يتفق المنثور مع الشعر، فإن كان مقصودًا سُمِّيَ شعرًا وإلا فلا، مع اشتراط القافية، يقال إذًا (أَنِّي أَنْظِمَا) يقال: نَظَمَ اللؤلؤ جمعه في السلك وبابه ضَرَبَ، نَظَمَ أَنْظِمُ من باب أَضْرِبُ، إذًا بابه ضَرَبَ، وَنَظَّمَهُ تَنْظِيمًا مثله، ومنه نظم الشعر ونظَّمَهُ، إذًا يقال نَظَمَ الشعر ويقال نَظَّمَ الشعر، هذه النسخة الموجود المشهور (أَنِّي أَنْظِمَا) هذا فيها إشكال، لأن (أَنِّي) هذه الناصبه والياء اسمها و (أَنْظِمَا) هذا الألف للإطلاق، و (أَنْظِمَا) هذا فعل مضارع مبدوءٌ بهمزة المتكلم، وهو هنا منصوب، (أَنْظِمَا) بفتح الميم وأين الناصب؟ هذا محل إشكال ليس عندنا ناصب فكيف نُصِب؟

نقول: في بعض النسخ (أَنْ أُنَظِّمَ) نسخة من النسخ التي شرحت مخطوطات (أَنْ أُنَظِّمَا) وهي أسلم للاعتراض الذي في النسخة الموجودة المشهورة هذه، (أَنِّي أَنْظِمَا)، (أَنْظِمَا) فعل مضارع منصوب أين الناصب؟ ليس في النظم ما يدل على أنه منصوب، حينئذٍ بقي إشكال،

(أَنْ أُنَظِّمَا) زال الإشكال؟ لأن نَظَّمَ أُنَظِّم لا إشكال عندنا الثلاثي نَظَّمَ أُنُظّم من باب كَرُمَ أَكْرَمَ، إذًا أُكْرِم أُنَظِّم أُنَظِّمَا فعل مضارع منصوبٌ بأن والألف هذه للإطلاق، إذًا اتحدا وهو أولى، أَنْ أَنْظِمَا (أَنِّي أَنْظِمَا) أَنْ أُنَظِّمَ.

فِي عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي

أَرْجُوزَةً لَطِيفَةَ المَعَانِي

(1) سبق.

ص: 19

(فِي عِلْمَيِ) هذا متعلق بقوله: (أَرْجُوزَةً) أن أنظم ماذا؟ (أَرْجُوزَةً) التي في الشطر المصراع الثاني، البيت الثاني مفعولٌ به، والعامل في (أَنْظِمَا)، أنَظِّمُ ماذا؟ (أَرْجُوزَةً) (فِي عِلْمَيِ) إذًا في علمي هذا جار مجرور متعلق بقوله:(أَرْجُوزَةً)، (أَرْجُوزَةً)(فِي عِلْمَيِ)، (فِي عِلْمَيِ) متعلق بقوله:(أَرْجُوزَةً). الآتي مثنى علمٍ حذفت نونه للإضافة لما بعده (عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي)، الأصل المعاني والبيان، المعاني هو المتقدم والبيان لاحق، لأن البيان لا يتحقق إلا بدرك المعاني، فهو جزءٌ فيه في حقيقته - كما سيأتي - ولكن هنا قدم البيان على المعاني وإن كان هو متأخرًا على المعاني لأجل الوزن لا لكونه متقدمًا عليه في الوجود، لا، المتقدم في الوجود أولاً هو المعاني، ثم يأتي بعد ذلك علم البيان، وقوله:(الْبَيَانِ). يعني: الآتي تعريفه فما سيأتي، (وَالمَعَانِي) الآتي تعريفه، (أَرْجُوزَةً) هذا مفعول

(أَنْظِمَا) أفعولة يعني: وزنها أفعولة من الرجز تحريك البحر المشهور وهو مبنيٌ في الدائرة من مستفعلٍ ست مرات، قال الخليل: سُمِّيَ رجزًا لاضطرابه، والعرب تسمي الناقة التي يرتعش فخذاها رَجْزًا. لأنه فيه نوعٌ من الاضطراب، من التَّرجز يسمى رَجَزًا، لذلك (الْحَمْدُ لِلّهِ وَصَلَّى اللهُ) فيه رجز، ووصف الأرجوزة بقوله:(لَطِيفَةَ المَعَانِي). أي: دقيقة المعاني، (لَطِيفَةَ) يقال لَطُفَ الشيء من باب ظَرُفَ أي: صَغُرَ فهو لطيفٌ لطفًا ولطافة # 1.13.16

هذا في الأصل واللطيف من الكلام الدقيق المعنى، (أَرْجُوزَةً لَطِيفَةَ المَعَانِي) أي: دقيقة المعاني فمعانيها دقيقة حينئذٍ يكون من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي المعاني الدقيقة دقيقة المعاني المعاني الدقيقة، فقوله:(لَطِيفَةَ المَعَانِي) بالنصب على أنه نعت لـ (أَرْجُوزَةً)، وهو مضاف (وَالمَعَانِي) مضافٌ إليه، لوجازة لفظها وكثرة معناها، لأن هذا اللطيف من الشيء إنما يكون لدقة المعنى متى؟ إذا قلت الحروف والكلمات، ولذلك يُعَبّر عن المختصر بأنه ما قل لفظه وكثر معناه، وهذا مثله، والمعاني جمع معنى وهو ما يقصد من اللفظ، ما يُعنى من اللفظ، يعني: مدلول اللفظ ما يُقصد من اللفظ يُسَمَّى معنى، زيد هذا لفظٌ، مفهومه ومدلوله ومسماه ذاته، ذاته هو المقصود من اللفظ، يُسمى معنًى، ثم هذا المقصود قد يكون حسيًا وقد يكون معنويًا، وهذا يفيدك في التشبه الحسيّ والمعنويّ .. إلى آخره، فقد يكون حسيًّا مثل زيد، زيدٌ لفظٌ مدلوله ماذا؟

ذات، إذًا شيءٌ مشاهد محسوس في الخارج، عِلْم هذا ليس مدلوله أو مفهومه اللفظ أو شيءٌ حسي، ليس مدلوله شيءٌ حسي وإنما هو شيءٌ معنوي.

وقوله هنا: (عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي) علميِ المعاني والبيان، قَدَّمَ وأخَّر لِمَا ذكرنا.

لم يذكر البديع، وهي أرجوزة - كما ذكرناه - ذكر الثلاثة الفنون، ترى أحد عشر بيتًا في علم البديع مع كونه خص هنا في المقدمة بأنها خاصةٌ بعلمي المعاني والبيان، فأين البديع؟

ص: 20

قيل: لكون المقصود بالذات في هذا العلم هو العلمان المذكوران المعاني والبيان، هما المقصودان لا شك لأن هذا الأصل هذا هو الأصل، وعلم البديع كالتتمة لكونه لا مدخل له في البلاغة، إذًا لم يذكره لعدم أهميته، لأن الأساس هو علم المعاني والبيان، الذي يقوم به البنيان مثلاً، وعلم البديع كالتشطيب إن صح التعبير، فحينئذٍ نقول هذا كالتتمة، والأصح أن يقال هنا: لم يذكر البديع بناءً على ما ذكره صاحب ((الإيضاح)) القزويني رحمه الله تعالى في إيضاحه حيث قال: " وكثيرٌ من الناس يُسمي الجميع علم البيان، وبعضهم يُسمى الأول علم المعاني، والثاني والثالث علم البيان، والثلاثة علم البديع ". ولذلك ابن المعتز من أوائل من صنف، صنَّف كتابًا أسماه ((البديع)) يشمل الثلاثة الفنون: المعاني، والبيان، والبديع، الذي هو الخاص وليس المراد كتاب ابن معتز ((البديع)) البديع الخاص العلم الخاص الذي هو مقابل المعاني والبيان، لا، إنما أراد به الثلاثة الفنون.

فالظاهر أن الناظم هنا مشى على القول بأن البيان يُطلق على الثاني والثالث.

وقوله: (عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي) يُشير لذلك لماذا؟

لأن تخريجه على قول (عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي) ونقدر علم المعاني، حينئذٍ ذكر ثلاثة أو لا؟ لو قلت هكذا: علميِ البيان وعلم المعاني، هل دخل البديع؟

دخل البديع، لأن البيان يشمل البيان الخاص والبديع، فإذا قلت:

(عِلْمَيِ الْبَيَانِ) المراد به البيان الخاص، والبديع، (وَالمَعَانِي) أي: علم المعاني حينئذٍ يكون نص على الثلاثة وأشار إليه بهذا، [فالمراد $]، وقوله (عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي) يُشير إلى ذلك لأنه ثنى العلم فكأنه قال: علمي البيان الذين هما البيان والبديع، وعلم المعاني، فالمراد بالبيان ما يعم البديع تغليبًا للثاني على الثالث، وهو كثيرٌ في كلام الزمخشري في كشافه كما ذكره المرشدي عنه.

وفي قول الناظم (لَطِيفَةَ المَعَانِي) مع ما قبله و (المَعَانِي) الجناس التام يعني: نوعٌ من أنواع البديع لأنه قال ماذا؟

فِي عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالمَعَانِي

أَرْجُوزَةً لَطِيفَةَ المَعَانِي

المعاني المعاني مصراع على الأول ومصراع على الثاني، هل هما متحدان؟

في اللفظ نعم، وفي المعنى لا، لأن المراد بالأولى المعاني المراد بها العلم الخاص، والمعاني الثانية جمع، فالأولى مفرد والثانية جمع، ومراد الناظم إلى الأولى غير مراده من الثانية، إذًا اتحدا في اللفظ واختلفا في المدلول والمعنى، وحينئذٍ نقول: هذا يسمى جناسًا تامًا.

فالمراد هنا حينئذٍ على ما ذكرنا لا يَرِد اعتراض من اعترض بأنه لم يذكر البديع.

ص: 21

ثم قال الناظم: (أَبْيَاتُهَا). أي: الأرجوزة، أي عدد أبياتها جمع بيتٍ (عَنْ مِائَه) أي: مائة بيتٍ، التنوين هنا عوضٌ عن المضاف إليه، فالتنوين عوضٌ عن مضاف (لَمْ تَزِدِ) وهذا على القول بأن البيت اسمٌ للمصراعين، وهذا هو الصحيح، وأنها من كامل الرجز لا من مشطوره. (أَبْيَاتُهَا) أي: أبيات الأرجوزة (لَمْ تَزِدِ) عن مائة، وقوله:(أَبْيَاتُهَا) مبتدأٌ على حذف مضاف أي عدد أبياتها، لأن (مِائَه) هذا شيءٌ معدود، فحينئذٍ لا بد من التقدير، لكن هذا التقدير ليس من أجل الإعراب، وإنما من أجل المعنى، قد يكون المقدر يقدر لأجل صحة الإعراب، كقولك الحمد لله، لله لا يصح أن يكون خبرًا فلا بد أن يكون ثَمَّ محذوفًا، لله ثابتٌ لله، إذًا التقدير هنا من أجل صحة الإعراب، وقد يكون التقدير من أجل صحة المعنى، وهذا لا مدخل له في الإعراب وإنما مدخله في حل البيت.

إذًا (أَبْيَاتُهَا) مبتدأٌ والضمير هنا عاد إلى (أَرْجُوزَةً)، وهو مبتدأٌ على حذف مضاف و (عَنْ مائةٍ) متعلق بقوله:(تَزِدِ). وجملة (لَمْ تَزِدِ) بتحريك الدال من أجل الوزن، فعل مضارع مجزومٌ بـ (لَمْ) وجزمه سكون مقدرٌ على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الروي، (لَمْ تَزِدِ) هي أي: الأبيات ولذا أنث الفعل لأنه جمعٌ، والجمع كل جمعٍ مؤنث كما قال الزمخشري، والجملة خبر المبتدأ.

(فَقُلْتُ غَيْرَ آمِنٍ مِنْ حَسَدِ)(فَقُلْتُ) الفاء هذه فصيحة فاء فصحية، كأنه قيل له ماذا نظمت في علمي البيان والمعاني؟ ما هي هذه الأرجوزة؟

قال: (فَقُلْتُ) حال كوني (فَقُلْتُ) هذا النظم المذكور حال كوني (غَيْرَ آمِنٍ) اسم فاعل من أَمِنَ كعَالِم من عَلِمَ وهو من باب فَعِلَ، والأمن ضد الخوف (غَيْرَ آمِنٍ) أي: خائف (مِنْ حَسَدِ) حاسدٍ، والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود، لماذا خشي على نفسه من الحسد؟

لأنه نظم أهم المسائل في هذا الفن في مئة بيت، وهذا فيه تحدٍ لغيره؟

لأنه نظم في مئة بيتٍ فهو مع قلة عدد أبياته إلا أنه استوفى أهم مسائل علمي المعاني والبيان، فهو خائفٌ من أن يَحْسُدُه حاسدٌ على هذا العمل الذي قَلَّ فيه نظراءه، والله أعلم.

وصلًّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 22