المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * بيان وجه الشبه وأنواعه. * بيان أداة التشبيه والغرض - شرح مائة المعاني والبيان - جـ ١٣

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * بيان وجه الشبه وأنواعه. * بيان أداة التشبيه والغرض

‌عناصر الدرس

* بيان وجه الشبه وأنواعه.

* بيان أداة التشبيه والغرض من التشبيه.

* أنواع التشبيه باعتبار أركانه.

* الحقيقة والمجاز.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فلا زال الحديث في المقصد الأول من المقاصد الثلاث في علم البيان، وقلنا: هو محصورٌ في ثلاثة مقاصد: التشبيه، ثم المجاز، ثم الكناية. وشرع في التشبيه وعرفنا حقيقته وأنه مقومٌ من أربعة أركان، وبَيَّنَ ما يتعلق بالركنين الأولين في قوله:

وَطَرَفَا التَّشْبِيهِ حسِّيَّانِ

وَلِّوْ خَيَالِيًّا وَعَقْلِيَّانِ

وَمِنْهُ بِالْوَهْمِ وَبِالْوُجْدَانِ

أَوْ فيهِمَا يَخْتَلِفُ الجُزْآنِ

ثم شرع فيما يتعلق بالركن الثالث وهو وجه التشبيه. بعد إنهاء الكلام في الطرفين شرع في الكلام عن الجامع بينهما وهو وجه الشبه. ويُعَبِّرُ عنه السيوطي بـ (وجه التشبيه). وقدَّمَهُ على ما يليه لأن له مدخليةً في مفهوم التشبيه كالطرفين، فقالوا:(وَوَجْهُهُ) أي وجه الشبه واحدًا كان أو متعددًا، يكون وجه الشبه واحدًا، يعني شيئًا واحدًا، وقد يكون متعددًا كما يأتي (مَا اشْتَرَكَا فِيهِ)، (مَا) أي المعنى أو معنًى (اشْتَرَكَا) أي الطرفان الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به (فِيهِ) أي في ذلك المعنى الذي قُصِدَ اشتراك الطرفين فيه، والمراد هنا ليس مطلق المعنى لأنه كما مرَّ معنا أن قولك: زيدٌ كالأسد ثَمّ اشتراك في الوجود والحيوانية، وما يتعلق بأعراض كُلاًّ منهما ولكن المراد أن ثَمَّ معنًى وُجِدَ في الْمُشَبَّه به ووُجِدَ في الْمُشَبَّه، وأريد إلحاقه به، إذ التشبيه إلحاق الفرع بالأصل، والمراد المعنى الذي له زيادة اختصاصٍ بالْمُشَبَّه وقد اشتركا فيه كالشجاعة في قولك: زيدٌ كالأسد. الأسد لا شك أنه متفقٌ على أنه شجاع، ووُجِدَ [في] هذا الوصف في زيد قلت: زيدٌ كالأسدِ. في ماذا؟ في الشجاعة. إذًا كون هذا الوصف موجودًا في الْمُشَبَّه به هذا لا إشكال فيه، وإنما هل هو موجودٌ في الْمُشَبَّه باعتبار المتكلم؟ نعم، زيدٌ كالأسد. ثم قال:(وَجَا) بالقصر للضرورة وهو لغة مثل هذه يقال: لغة. وإن كان الشارح أنه قال: إنه بالقصر للضرورة (وَجَا ** ذَا) أي وجه الشبه، وجه الشبه ينقسم إلى نوعين:

- إلى خارجٍ عن حقيقة الطرفين.

- وغير خارج.

ص: 1

خارج، وغير خارج. وهذا الاصطلاح كما مرّ معنا اصطلاحٌ منطقي خارجًا عن الذات، وليس بخارجٍ عن الذات. ما كان داخلاً في الذات كالكلِّ الحقيقي، والكل العرضيّ، والمراد هنا ما كان داخلاً في الذات كالجنس والنوع أو تمام الذات فهذا داخل، وما كان وصفًا فهو العرضي هذا الخارجي. ولذلك قال:(وَجَا ** ذَا) أي وجه الشبه غير خارجٍ عن حقيقة الطرفين، كما أشار إليه في قوله:(فِي حَقِيقتيهِمَا) أي حقيقة الطرفين. وذلك [بأن يكون تمام الماهية النوعية](1) نعم بأن يكون تمام ماهيتها النوعية، أو جزءً منها مشتركًا بينهما وبين ماهيةٍ أخرى كما في تشبيه إنسانٍ بإنسان في كونه إنسانًا، أو الأوضح من هذا أن يقال: تشبيه ثوبٍ بآخر في الجنس والنوع، كما يقال: هذا القميص مثل هذا، يعني في كونه من قطنٍ أو كتان أو نحو ذلك، وهذا تشبيهٌ به في الجنس، أو أن تقول: هذا الثوب مثل هذا في كونه قميصًا لا في الجنس الذي وُجِدَ منه، قد يقال: هذا الثوب مثل هذا، والمراد به أنه مصنوعٌ من قطنٍ ونحوه، وقد يقال: هذا الثوب مثل هذا، يعني في الهيئة. فحينئذٍ الأول في الجنس، والثاني في النوع. أو يقال: هذا مثل هذا. وتقصد به إنسان شَابَهَ إنسانٍ آخر، وكل منهما قدرٌ مشترك في الإنسانية التي هي الحيوان الناطق، أو جزءها كما في تشبيه بعض الحيوانات بالإنسان في كونه حيوانًا، على كلٍّ ما كان داخلاً يراد به الجنس والنوع.

مثالٌ أوضح أن يقال: هذا الثوب مثل هذا. في كونه مصنوعًا من قطنٍ ونحوه، وإن كان المراد به الهيئة العامة والنوع فيقال: هذا الثوب مثل هذا. يعني في كونه قميصًا. وجاء وجه شبهٍ خارجًا (وَخَارِجَا) يعني عن حقيقة الطرفين (وَصْفًا) هذا تابع لقوله: خارجًا. (خَارِجَا وَصْفًا فَحِسِّيٌّ وَعَقْلِيٌّ) هذا نوع للوصف، و (وَصْفًا) أي صفة، وتلك الصفة على نوعين - عند البيانيين -:

- إما حقيقة.

- أو إضافية.

والأولى الحقيقة:

- إما حسية.

- وإما عقلية.

ولذلك قال: (وَصْفًا فَحِسِّيٌّ) الفاء هذه فاء الفصيحة، (فَحِسِّيٌّ) فهو حسيّ أي الوصف. (وَعَقْلِيٌّ) يعني وهو عقليّ، أو منه حسيّ ومنه عقليّ يحتمل النوعين أو الوجهين. إذًا هذان النوعان الحسيّ والعقليّ وصفان أو نوعان للوصف الحقيقي وليس داخل فيه مفهوم الإضافي.

إذًا الصفة:

إما حقيقة، وهذه تنقسم إلى قسمين: حسية، وعقلية.

وإما إضافية.

(1) سبق.

ص: 2

فالحسية المشار إليها بقوله: (فَحِسِّيٌّ) أي مدرك بالحسّ. حسّ يعني مدرك بإحدى الحواس الخمس. كالكيفيات الجسمية مما يدرك بالبصر من الألوان والأشكال والمقادير والحركات وما يتصل بها كالحسن والقبح والضحك والبكاء، هذه كلها متعلق بالبصر، أو بالسمع من الأصوات الضعيفة والقوية والتي بين بَين، أو بالذوق من الطعوم، أو بالشمّ من الروائح، أو باللمس من الحرارة والبرودة ونحوها. هذا ما يتعلق بالحسّ. يعني ما كان مدركًا بإحدى الحواس الخمس. والعقلية المشار إليها بقوله:(وَعَقْلِيٌّ) كالكيفيات النفسانية من الذكاء والتيقظ والمعرفة والعلم والقدرة والكرم والسخاء والحلم والغضب وما جرى مجراها من الغرائز والأخلاق. هذه لا تدرك بالبصر ولا بالسمع ولا بالذوق ولا بغيرها، حينئذٍ إذا انتفى إدراكها بالحواس الخمس حينئذٍ صار إدراكها بالعقل.

والإضافية التي تقابل الحقيقة كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس، يعني بأن يكون معنًى متعلقًا بشيئين هذا المراد بالإضافية، لأن الإضافة بالنسبة كما يقال الابتداء حقيقي وابتداء نسبي. إذًا النسبي هنا باعتبار شيء آخر فيكون بين أمرين، بأن يكون معنى متعلق بشيئين كإزالة الحجاب في تشبيه الحجة بالشمس، لو شبه الحجة بالشمس ما وجه الشبه؟ إزالة الحجاب. هل إزالة الحجاب موجودة في الشمس فقط دون الحجة؟ أو في الحجة دون الشمس؟

الجواب: لا، وإنما هي متعلقة بالطرفين، هذا يسمى ماذا؟ إضافية. فإنها ليست هيئة متقررةً في ذات الحجة ولا في ذات [الحجاب] (1) إزالة الحجاب. نقول: هذا وصف إضافي. يعني باعتبار النوعين لا باعتبار وجوده في شيء دون آخر. ثم ذكر تقسيمًا آخر لوجه الشبه، فقال:

........... وَذَا

وَاحِدًا أوْ فِي حُكْمِهِ أَوْ لَا كَذَا

(1) سبق.

ص: 3

(وَذَا) أي وجه الشبه. إما واحدًا أو في حكمه، والمراد في قوله:

(وَاحِدًا) ما يُعَدُّ في متعارف اللغة أمرًا واحدًا، يعني غير مركب، شيء واحد، سواء كان حقيقةً لا جزء له كمفهوم الجوهر، إن صح، أو لها جزء، لكن اعتبر أجزاؤها منضمًا بعضها إلى بعض ووضع بإزاء مجموعها لفظ مفرد، إذًا المراد بالواحد هنا: ما كان لفظًا مفردًا، سواء كان مدلوله شيئًا واحدًا أو كان شيئًا مركبًا لكنه بانضمامه بعضه إلى بعض صار شيئًا واحدًا. وهذا الذي عناه بقوله:(أوْ فِي حُكْمِهِ) أمرًا واحدًا، يعني شيء واحد لا يتجزأ، أو يكون متجزئًا لكنه لما انضم بعضه إلى بعض صار شيئًا واحدًا، ولذلك قال:(أوْ فِي حُكْمِهِ) يعني في حكم الواحد. ووضع بإزاء مجموعها لفظ مفرد فإنها بهذا الاعتبار تُعَدُّ أمرًا واحدًا كمفهوم الإنسان، الإِنسان ما مفهومه؟ مركب من شيئين وهو كونه حيوانًا ناطقًا، الحيوانية شيء، والناطقية شيء آخر. إذًا رُكِّبَ منهما وصار شيئًا واحدًا، صار هو مدلول الإنسان. لا ينفك الحيوان عن الناطق كما أنه لا ينفك الناطق عن الحيوان. إذًا صار لفظ إنسان مفردًا ومدلوله شيء واحد. ثم هذا الشيء الواحد ليس باعتبار الأصل وإنما بعد الانضمام كمفهوم الإنسان، وهذا هو الذي عناه الناظم بقوله:(أوْ فِي حُكْمِهِ). إما واحدًا (أوْ فِي حُكْمِهِ)، أي في حكم الواحد نُزِّلَ مُنَزَّلَتَهُ لكونه من أمرين أو أمور متعددة، وكل واحد منهما حسيّ أو عقليّ، يعني الأول هذا الذي وجه الشبه يكون واحدًا (أوْ فِي حُكْمِهِ) إن اعتبرناهما اثنين كل واحد منهما إما حسيّ وإما عقليّ، وعرفنا المراد بالحسيّ وهو المدرك بإحدى الحواس الخمس، والمراد بالعقلي وهو ما يُدرك بغير الحواس الخمس. (أَوْ لَا كَذَا)، (أَوْ لَا) يكون (كَذَا) يعني كالأمر الواحد ولا في حكمه، ودخل تحت هذا النوع نوعان:

- ما يسمى بالمركب.

- وما يسمى بالمتعدِّي.

إذًا (أَوْ) هذا للتنويع، عطف على قوله:(وَاحِدًا أوْ فِي حُكْمِهِ) أي لا يكون واحدًا ولا في حكم الواحد بأن يكون متعددًا أو مركبًا، فدخل تحت قوله:(أَوْ لَا كَذَا) نوعان. حينئذٍ وجه الشبه: إما واحدًا، وإما مركبًا، وإما متعددًا. (أوْ فِي حُكْمِهِ) هذا لا يذكره كثير من البيانيين، إنما هو تصرف من الناظم لعله تبع أحدًا ما، (أَوْ) ثلاثة أنواع: إما واحدًا أمرًا واحدًا، وإما أن يكون متعددًا، وإما أن يكون مركبًا. والمركب لا شك أنه مأخوذ من متعدد. هذا مركب معناه أجزاء، والمتعدد لا شك أنه أجزاء، والفرق بينهما كما سيأتي.

والمركب من متعددٍ:

- إما تركيبيًا حقيقيًّا بأن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمةً من أمور مختلفة.

- أو تركيبًا اعتباريًّا بأن يكون هيئة انتزعها العقل من عدة أمور.

إذًا المركب من متعددٍ إما أن يكون تركيبًا حقيقيًّا، وهذا متى؟ أن يكون وجه الشبه حقيقةً ملتئمة، يعني مأخوذة من عدة أمور، أو يكون اعتباريًّا بأن يكون هذه الصورة لا وجود لها في الخارج وإنما انتزعها العقل من عدة أشياء، وبالمثال يتضح المقام.

ص: 4

والمتعدد هذا المقابل للمركب بأن ينظر - يعني الناظر - إلى عدة أمور ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها، أي يكون كل منها وجهًا للشبه، يعني يُشَبِّهُ شيئًا بشيء في عدة أمور، ووجه الشبه يكون متعددًا، زَيْدٌ كَعَمْرٍو في كونه عالمًا أديبًا حييًّا هذه ثلاث صفات، شَبَّهْتَ زيد بعمرو في ماذا؟ في ثلاثة أشياء، وجه الشبه نقول: هنا متعدد. كل واحد من هذه الأمور هو وجه شبه، أليس كذلك؟ لأنك أردت ماذا؟ أردت اشتراكهما في صفة العلم، وفي صفة الأدب، والحياء. نقول: هذه الثلاثة. كلها مرادة، وكل واحد منها وجه شبه. هذا يُسمى ماذا؟ يسمى متعددًا، أما المركب فيخالف هذا.

إذًا المتعدد بأن ينظر الناظر إلى عدة أمور عدة أشياء ويقصد اشتراك الطرفين في كل واحد منها، أي يكون كل منها وجهًا للشبه، ولهذا يعني بهذا التعبير فارق المركب، فإنه لم يقصد فيه اشتراك الطرفين في كل من تلك الأمور بل في الهيئة المنتزعة أو في الملتئمة منها، بمعنى أن المركب مركب من عدة أشياء، ولكن لم يلاحظ فيه كل فرد على جهة الانفراد، وإنما هذه الأمور المتعددة لها هيئة انتزع من هذه الأمور المتعددة هيئة صار هو وجه الشبه، حينئذٍ الفرق بين المتعدد المركب أن كلاً منهما مركب من أجزاء، إلا أن المتعدد كل جزء من هذه الأجزاء هو وجه شبه بعينه، وأما المركب فلا، ليس كل جزء من هذه الأمور المتعددة هو وجه شبه، بل الهيئة العامة التي أخذها الناظر أو المتكلم الْمُشَبَّه أخذها من هذه الأمور المتعددة.

وهذه الأقسام الثلاثة: إما حسي، وإما عقلي. أمر واحد، متعدد، مركب.

الأمر الواحد: إما حسي وإما عقلي.

والمركب: إما حسي وإما عقلي.

والمتعدد: إما حسي وإما عقلي.

فهذه ستة أقسام، ويزيد الثالث الذي هو المتعدد بالاختلاف أي بعضه حسيّ وبعضه عقلي. حينئذٍ صارت القسمة سبعة، يعني المتعدد يكون كل من الطرفين حِسِّيَّيْنِ، ويكون كل من الطرفين عقليين، وقد يكونا مختلفين الأول حسيّ والثاني عقليّ أو بالعكس. والمراد بالحسيّ من وجه الشبه هنا ما يكون طرفاه حِسِّيَّيْنِ لا غير، يعني يكون الْمُشَبَّه حِسِّيًّا، ويكون الْمُشَبَّه به حِسِّيًّا، فلا يجوز أن يكون كلاهما أو أحدهما عقليًّا - انتبه هنا - اصطلاح خاص في وجه الشبه.

ص: 5

إذا قيل: حسيّ: المراد به أن الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به كلاهما حسيان. فإن كانا عقليين أو أحدهما عقليّ فليس بحسيّ، فليس كل ما رأيت الْمُشَبَّه به فقط حسيًّا فهو حسيّ لا بد أن ينظر في الْمُشَبَّه هل هو حسيّ مثله أم لا؟ فإن اتفقا في أن كلاً منهما حسيّ فحينئذٍ فهو حسيّ، فإن اختلفا فحينئذٍ لا يكون حسِّيًّا بل يكون عقليًّا. فلا يجوز أن يكون كلاهما أو أحدهما عقليًّا لامتناع أن يُدرك بالحسّ من غير الحسّ شيء. والمراد بالعقلي ما هو أعمّ من الحسّي أن يجوز أن يكون طرفاه حسيين أو عقليين أو أحدهما حسيًّا والآخر عقليًّا. الواحد الحسيّ مثاله يعني من وجه الشبه. قالوا: كتشبيه الخد بالورد. رجعنا [ها ها] كتشبيه الخد بالورد هذا حسيّ لأن الخد حسيّ والورد حسيّ ووجه الشبه ما هو؟ في الحمرة، والحمرة هذه حسية وصف لأنها مدرك بالبصر، الأحمر تدركه بماذا بالعقل أو البصر؟ [هاه يا سلطان] بالبصر، إذًا هو حسيّ هذا واحد، وهو شيء واحد أو متعدد؟ الحمرة يعني اللون الأحمر؟ هو شيء واحد. إذًا الواحد الحسيّ من وجه الشبه كتشبيه الخد بالورد، فإن وجه الشبه الجامع بين الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به هو حمرة اللون وهو شيء واحد.

إذًا كل ما شبه شيء بشيء في اللون فهو حسيّ، ويكون ماذا؟ إذا كان اللون واحدًا فيكون شيئًا واحدًا.

والواحد العقلي من وجه الشبه كتشبيه الشخص الشجاع بالسبع زَيْدٌ كَالأَسَدِ في ماذا؟ في الشجاعة. الشجَاعة هذا شيء عقليّ متعدد أو أمر واحد؟

أمر واحد، شيء واحد. إذًا الواحد العقلي من وجه الشبه كتشبيه الشخص الشجاع بالسبع، ووجه الشبه حينئذٍ بينهما الشجاعة، أو تشبيه العلم بالنور في الاهتداء الْعِلْمُ كَالنُّورِ نقول: هذا تشبيه عقليّ. لماذا؟ لكون وجه الشبه المراد به الاهتداء وهو شيء واحد. إذًا الواحد الحسيّ كتشبيه الخد بالورد في الحمرة، والواحد العقلي من وجه الشبه - الكلام في وجه الشبه الآن - الواحد العقلي كالعلم بالنور في الاهتداء.

ومثال المركب الحسيّ والمركب الحسيّ عرفنا أنه من متعددٍ، وليس كل واحد من هذه المتعدد مرادٌ لذاته، بل المراد هيئة منتزعة من الأمور، يعني هذه أشياء متعددة شكلت هيئة شبهت الشيء بالشيء في هذه الهيئة لا في كل فرد من أفرادها، مثاله قول الشاعر:

وقد لاح بالفجر، بعض الروايات بالصباح.

وقد لاح بالفجر الثُّرَيَّا [كما ترى](1)

كعنقود مُلَاّحِيَّة حين نورا

الثُّرَيَّا معروف هذا اسم لجملة من النجوم مجتمعة، يعني لها اجتماع بعضها قريب من بعض. كعنقود، الكاف أداة التشبيه، وعنقود مشبه به والثُّرَيَّا مشبه، إذًا شبه الثُّرَيَّا بعنقود، عنقود من ماذا؟ عنقود مُلَاّحِيَّة. قالوا: عنب أبيض في حبه طول. نَوَّرَا الذي هو العنقود، فالوجه هنا، ما الوجه؟ الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرات الصغار المقادير في رأي العين، يعني تعرف عنقود العنب حينئذٍ إذا كان بجوار بعضه البعض وهو أبيض وكذلك الثُّرَيَّا بعضها قريب من بعض، حينئذٍ شبه الثُّرَيَّا باجتماعها وتلاصقها وقربها والنور الحاصل منها بعنقود مُلَاّحِيَّة، يعني عنب أبيض قريب بعضه من بعض.

(1) وقال: على ما ترى. وروي: لمن رأى.

ص: 6

هل لكل عنبة من هذه الأفراد هي مراده بذاتها أو المجموع؟

المجموع. إذًا شبه هيئة بهيئة، كأنه قال: كهيئة الثُّرَيَّا في الاجتماع والنور والاستضاءة كهيئة عنقود مُلَاّحِيَّة كأنها عنقود من عنب، عرفتموه هذا مثله.

إذًا الوجه هنا الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرات الصغار المقادير في رأي العين، فهنا ماذا صنع؟ قالوا: نظر إلى عدة أشياء وقصد إلى الهيئة الحاصلة منها، هذا المركب الحسيّ لأن الثُّرَيَّا ونورها يُدرك بالحسّ، وعنقود الْمُلَاّحِيَّة يُدرك بالحسّ بالبصر. إذًا مركب حسيّ.

المركب العقلي كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً} [الجمعة: 5]. شَبَّه ماذا؟ الذين يحملون التوراة بالحمار، بجامع ماذا؟ قالوا: الوجه هنا حرمان الانتفاع، حمار يحمل أسفارًا فلم ينتفع بها، وهؤلاء الحمير البشرية حَمِلُوا التوراة فلم ينتفعوا بها، إذًا شبه هذا بذاك في ماذا؟ بجامع الحرمان، كل منهما محروم مما حمله، الوجه حرمان الانتفاع بأبلغ نافعٍ الذي هو التوراة مع تحمل التعب في اصطحابه وهو أمر عقليّ مأخوذ من أمور متعددة، هذا الأمر العقلي مأخوذ من أشياء متعددة، وهي صورة، يعني ليس كل واحد منها مقصودًا بذاته، بل المراد به الهيئة، لأنه رُوعِيَ فيه من جهة الحمار فعل مخصوص وهو الحمل، ومحمول مخصوص وهو الأسفار المشتملة على العلوم، إذًا حمار وشيء يحمله إذًا عندنا حمل، والحمل هذا ليس مطلق حمل وإنما المراد به الأسفار، والأسفار المراد بها كتب العلم التي فيها علم النافع، وهو الأسفار المشتملة على العلوم، وكون الحمار جاهلاً بما فيها، هذا أمر تزيده حمار وهو كاسمه جاهل ويحمل شيئًا مخصوصًا، ثُمَّ هذا الشيء المخصوص ليس كل شيء، وإنما شيء ينتفع به، وكذلك رُوعِيَ من جهة الْمُشَبَّه الذين يحملون التوراة فعل مخصوص وهو الحمل للتوراة لأنها بأيديهم، ومحمول مخصوص وهو التوراة المشتملة على العلوم، وكون اليهود جاهلين بما فيها حقيقةً أو حكمًا لعدم عملهم بمقتضاها. إذًا الصورة التي حصلت في التشبيه هنا مركب عقليّ، مركب من ماذا؟ من كونه الْمُشَبَّه به حمار، وثَمَّ فعل وهو حمل، والمحمول ثُمَّ عدم الانتفاع، هذه أربعة، أشياء ليس كل واحد منها مقصودًا لذاته، فليس الحمار هو المقصود لذاته فقط، وإنما بكونه حاملاً، وليست الأسفار مقصودة لذاتها بل المراد بها أنها شيء يُنتفع به، شُبِّهَ من يحمل التوراة ولم يعمل بما فيها بالحمار. إذًا هذا يسمى ماذا؟ مركبًا عقليًّا.

ومثال المتعدد الحسيّ تشبيه فاكهة بأخرى في اللون والطعم والرائحة، في لونها وهو مقصود لذاته، وطعمها وهو مقصود لذاته، ورائحتها وهو مقصود لذاته.

إذًا كل واحد من هذه الأشياء مقصودة لذاتها، لم ننظر إلى الهيئة المجتمعة ليس عندنا هنا هيئة مجتمعة، وإنما كل واحد من هذه الأشياء مقصودًا لذاتها، والعقليّ تشبيه رجل بآخر في العلم والحياء والحلم، هذه كلها مدركة بالعقل. إذًا متعدد الحسيّ كتشبيه فاكهة بأخرى فيما ذُكِر، والمتعدد العقلي تشبيه زيد بعمرو في العلم والحياء والأخلاق، هذه كلها مدركة بالعقل.

ص: 7

ومثال المتعدد المختلف: حسن الطلعة وكمال الشرف بتشبيه رجلٍ بالشمس، زيدٌ كالشمس، في ماذا؟ في حسن الطلعة وكمال الشرف وبالإضاءة مثلاً، حينئذٍ نقول هذه ثلاثة أشياء مع الشمس. إذًا قوله:

(وَاحِدًا أوْ فْي حُكْمِهِ أَوْ لَا كَذَا) شمل أنواع الشبه أوجه الشبه الثلاثة:

- إما أن يكون أمرًا واحدًا وهو إما حسي أو عقليّ.

- وإما أن يكون متعددًا وهو حسي أو عقليّ.

- وإما أن يكون مركبًا وهو حسي أو عقليّ.

وهذه ستة أنواع ويزيد المتعدد بكونه قد يختلف حينئذٍ صارت سبعة أنواع.

إذًا (وَذَا ** وَاحِدًا أوْ فْي حُكْمِهِ) هذا المراد به شيءٌ واحد الذي هو الواحد، (أَوْ لَا كَذَا) أو لا يكون مثل ذا المشار إليه ما هو؟ الواحد وما في حكمه، يعني أو (ذَا)، (أَوْ لا)، (أَوْ لا) يكون (كَذَا) أي مثل (ذَا) المذكور، فهو عطفٌ عليه، فالحاصل أن وجه الشبه إما واحدٌ أو مركبٌ أو متعدد، وهذه على القسمة التي ذكرناها سابقًا.

ثم قال رحمه الله تعالى:

وَالْكَافُ أَوْ كَأَنَّ أَوْ كَمِثْلِ

أدَاتُهُ وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ

هذا المبحث

الرابع أو الثالث؟

طرفان الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به هذان اثنان، الرابع إذًا، وأما أداته أي: أداة التشبيه، قلنا: لا بد من أداة تشبيه مشاركة أمرٍ لآخر في معنىً ليس مطلقًا، دلالة مشاركة أمرٍ لآخر، دلالة تكون من المتكلِّم إلى المخاطَب، طيب بأي شيءٍ يكون؟ بأداةٍ. ولذلك أما (أدَاتُهُ) فهي الكاف أي مسماها الكاف، ليس الكاف حرف كاف، إنما مسمى الكاف، وهي داخلة على قول كالأسد: زيدٌ كالأسد، الكاف هنا مسمى الكاف كا هو المراد (الْكَافُ) أي مسماها، أطلق الناظم هنا قال:(الْكَافُ). ومعلومٌ أن الكاف تأتي حرفًا وتأتي اسمًا

واستعمل اسمًا

كما قال ابن مالك، حينئذًٍ شمل اللفظ النوعين (وَالْكَافُ) سواء كان اسمًا أو حرفًا، وعليه زيدٌ كالأسد فيه وجهان من الإعراب صحيح؟ الوجه الأول؟

البلاغة ثمرة النحو، فمن لا نحو عنده لا يُثْمِرُ. [ها ها] نعم: كالأسد فيه وجهان مبتدأ

أي تكون هي؟

هي الخبر. إذًا الكاف خبر هكذا، تقول: زيدٌ مبتدأٌ، كالأسد الكاف خبرٌ المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، ثم الكاف مضاف والأسد مضافٌ إليه، هذا جيد. النوع الثاني واضح، وهو أن يكون كالأسد جارٌ مجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. إذًا (الْكَافُ) أي مسماها حرفًا كانت أو اسمًا، (أَوْ كَأَنَّ)، (أَوْ) للتنويع، (كَأَنَّ) أي وكأن. قال الزجاج في كأن: هي للتشبيه ليست مطلقًا، بل إذا كان الخبر جامدًا. يعني فصَّل الزجاج في كأن هل هي للتشبيه أم لا؟

فقال: إذا كان الخبر جامدًا فهي للتشبيه، وإن كان الخبر مشتقًا فحينئذٍ هي للشك لا تكون للتشبيه.

ص: 8

إذًا (أَوْ كَأَنَّ) على مذهب الزجاج متى؟ إذا كان الخبر جامدًا، نحو كأن زيدًا أسدٌ، في هذا التركيب كأن للتشبيه، لماذا؟ لكون الخبر وهو أسدٌ جامدًا، يعني يدل على ذات ليس مشتقًا، كأن زيدٌ أسدٌ كأن هنا للتشبيه، وللشك إذا كان مشتقًا نحو كأنك قائمٌ، كأنك قائمٌ ليست للتشبيه عند الزجاج وإنما هي للشك. إذًا ثَمَّ فرقٌ، وقيل هي للتشبيه مطلقًا سواء كان الخبر جامدًا أو مشتقًا، وهو مذهب الجمهور، أكثر البيانين على أن (كَأَنَّ) للتشبيه مطلقًا سواء كان الخبر جامدًا أو كان الخبر مشتقًا، وظاهر كلام الناظم هنا الإطلاق لأنه لم يقيدها. قال:(أَوْ كَأَنَّ). فأطلق حينئذٍ يحمل على ما إذا كان الخبر جامدًا أو مشتقًا.

(أَوْ كَمِثْلِ) أي ومثل، وَمثل مثل شبه وما في معناهما ولفظة نحو وما يؤدي معناها نحو قولك زيد مثل الأسد، كلمة مثل هذه تفيد التشبيه زيد مثل الأسد، زيد شبه الأسد، زيد نحو الأسد، كل هذا أداة تشبيه. ولذلك قال:(أَوْ كَمِثْلِ). لم يقل أو مثل قال: (أَوْ كَمِثْلِ) يعني المثل ومثل المثل، كنحو وشبه ونحو ذلك، واضح؟ ولذلك أدخل الكاف على مثل، يعني ليست مثل فحسب، وإنما هي وما كان بمعناها، زيد مثل الأسد.

إذًا هذه ثلاث أدوات: الكاف، وكأن، ومثل وما كان نحو مثلٍ.

والأصل في الكاف ونحوها مما يدخل على المفرد كلفظ: نحو، ومثل، وشبهه. أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا - هذا مما يتعلق بالأداة - أن تدخل الكاف وما كان داخلاً على مفردٍ أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا أو تقديرًا، زيدٌ كالأسد، أين دخلت الكاف وهي أداة تشبيه؟

على الْمُشَبَّه أو على الْمُشَبَّه به؟

على الْمُشَبَّه به، هذا هو الغالب والأصل فيها، هذا هو الأصل فيه أن تدخل على الْمُشَبَّه به لفظًا كالمثال المذكور زيدٌ كالأسد، أو تقديرًا: زيدٌ أسدٌ، على المثال السابق زيدٌ أسدٌ، وعلى الصحيح أن هذا استعارة أو تشبيه؟ قلنا: ثَمَّ ما هو مختلفٌ فيه، والصحيح أنه تشبيهٌ اصطلاحي وليس باستعارة.

ومثله أي المحذوف وهو المقدر قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] التقدير في الآية أو كمثل ذَوِي صَيِّبٍ، فالمثل الْمُشَبَّه به قد ولي الكاف لأن المقدر في حكم الملفوظ {أَوْ كَصَيِّبٍ} أو كمثل صيبٍ يعني ذوي أصحاب صيبٍ، فدخلت الكاف هنا على محذوف، والذي هو مثل حينئذٍ حُذِفَ.

ص: 9

وقد يليها غير الْمُشَبَّه به لكنه ليس هو المطرد، المطرد أن يلي الكاف الْمُشَبَّه به، وقد لا يليها كقوله تعالى:{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [الكهف: 45] مثل الحياة الدنيا كماء، هل الْمُشَبَّه به الماء؟ لا، ليس الْمُشَبَّه به الماء. إذًا دخلت على غير الْمُشَبَّه به، إذ ليس الماد تشبيه حال الدنيا بالماء ولا بغيره، يعني ولا بمفردٍ آخر يحتمل تقديره، بل المراد تشبيه حالها في نظرتها وبهجتها وما يعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات الحاصل من الماء، يكون أخضرًا ناضرًا شديد الخضرة ثم ييبس فَتُطَيِّرَهُ الرياح كأن لم تكن، إذًا هيئة منتزعة بهيئةٍ منتزعة حينئذٍ {كَمَاء} ليس الماء الْمُشَبَّه به، وليس ثَمَّ مفرد آخر يمكن تقديره في المحل، وإنما المراد به تشبيه الدنيا في هيئتها وحالها وما تؤول إليه بالنبات الذي يكون بالماء، ثم ينبت، ثم يصفر، ثُمَّ ثُمَّ .. إلى آخره، فشبه حالةٍ بحالة. فـ (الْكَافُ أَوْ كَأَنَّ أَوْ كَمِثْلِ ** أدَاتُهُ) كما قال الناظم هنا. (وَالْكَافُ)(أدَاتُهُ) كاف مبتدأ و (أدَاتُهُ) خبر، ويمكن العكس، (أدَاتُهُ) مبتدأ (وَالْكَافُ) خبر، إذا جعلنا الكاف مبتدأ حينئذٍ والكاف وما عطف عليه أداته، من أجل أن يصح المعنى، لأن (أدَاتُهُ) ليس الكاف فحسب وإنما ما عُطِفَ عليه داخلٌ فيها، الكاف وما عطف عليه خبرٌ المبتدأ، فالكاف أداته أي أداة التشبيه أي آلته التي يُتَوَصَّلُ بها حرفًا كانت أو اسمًا أو فعلاً، ولذلك عبر بالأداة الشاملة للأنواع الثلاثة، الفعل ليس في الكاف، وإنما المراد به قد يكون أداة التشبيه اسمًا أو فعلاً أو حرفًا. ولذلك قال هنا:(وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ)، (وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ) يعني قد يكون أو يقع التشبيه بالفعل، وقد يكون التشبيه بذكر الفعل، يعني بذكر فعلٍ ينطق به يُنْبِئُ هذا الفعل عن التشبيه، فيستغنى به عن الأداة. (وَقَدْ بِذِكْرِ الْفِعْلِ) قد للتقليل هنا، يعني وقد يكون التشبيه لا بالأداة وإنما بذكر فعل يُستغنى بذكر الفعل عن الأداة، لكنه تختلف مادته، يعني مادة الفعل بحسب قرب الشبه وبعده، فإن كان الشبه قريبًا جيء بـ (علمت)، وإن كان الشبه بعيدًا جيء بـ (حَسِبْتُ)، فـ (علمت) للشبه القريب، و (حَسِبْتُ) للشبه البعيد، فيأتي في التشبيه القريب بنحو علمت زيدًا أسدًا. لو قال: علمت زيدًا أسدًا في معنى التشبيه أو لا؟ علمت زيدًا أسدًا؟ لا يمكن أن يكون المراد علمت زيدًا أسدًا يعني حيوان مفترس؟ يمكن؟ لا يمكن. إذا فيه تشبيه قطعًا، إذا امتنع أن يُحْمَل زيدٌ على أنه الحيوان المفترس الهيئة المخصوصة الجثة إذًا لا بد من وقوع التشبيه، أين أداة التشبيه؟ ليس عندنا أداة، قالوا: الفعل هنا أغنى عن ذكر أداة التشبيه، ثم هذا التشبيه قريب، ولذلك استعمل في عَلِم الدال على اليقين، علمتُ زيدًا أسدًا الدال على التحقيق، وفي البعيد التشبيه البعيد حَسِبْتُ زيدًا أسدًا.

ص: 10

يعني حَسِبَ تدل على الظن، الدالة على الظن وعدم التحقق، يعني حَسِبْتُ دال على الظن وعدم التحقق، هكذا قال في ((التلخيص)) يعني ذكره صاحب ((التلخيص)) القزويني: أن الفعل قد يستغنى به عن الأداة. فليس عندنا أداة. واعْتُرِضَ عليه بأن في مثل كون هذه الأفعال مُنْبِئَةً عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل يُنْبِئُ عن حال التشبيه في القرب والبعد وأن الأداة المحذوفة، نعم التشبيه قريب في علمت، والتشبيه بعيد في حسبتُ، لكن عندنا أداة محذوفة علمت زيدًا كالأسد، هذا أصل التركيب، وحُذِفَت الأداة، حَسِبْتُ زيدًا كالأسد، وحُذِفَت الأداة، فليس عندنا فعل ينوب مناب الأداة فيُسْتَغْنَى عنها، بل لا تشبيه إلا بأداة مطلقًا، وما ذكره صاحب ((التلخيص)) فيه نظر. إذًا اعْتُرِضَ بأن في مثل كون هذه الأفعال مُنْبِئَةً عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل يُنْبِئُ عن حال التشبيه في للقرب والبعد، وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونه، نحو: زيد أسد، لأن عَلِمْتُ مُنْبِئٌ عنه، إذًا الذي أَنْبَأَ وأشار إلى التشبيه هو أداة التشبيه، وهي مقدرة، وُجِدَتْ أولاً ثُمَّ حُذِفَت، وأما عَلِمَ فلا يدل على التشبيه البتة، وإنما يدل على قربه أو بعده.

وَغَرَضٌ مِنْهُ عَلَى مُشَبَّهِ

يَعُودُ أَوْ عَلَى مُشَبَّهٍ بِهِ

هذا ما يتعلق بالغرض، لأي غرض تأتي بالتشبيه، لماذا تعدل إلى التشبيه؟

وأما (غَرَضٌ مِنْهُ) أي من التشبيه وهو ما يقصده المتكلِّم في إيراده من الغاية، ما هي غاية التشبيه؟ ما هو الهدف من التشبيه؟

هو المراد به الغرض، (غَرَضٌ مِنْهُ) وهو ما يقصده المتكلِّم في إيراده من الغاية، في الغالب أنه يعود على الْمُشَبَّه لأن الغرض إما أن .. ، عندنا طرفان مشبه ومشبه به بعض الأغراض تعود على الْمُشَبَّه، وهو الأغلب، وبعضٌ آخر يعود على الْمُشَبَّه به على قلة، فالأصل في عود الغرض إنما يكون للمشبه، لأنه هو الذي يراد به إلحاقه بالْمُشَبَّه به، لأن الْمُشَبَّه به هو وصفٌ ثابتٌ له لا إشكال فيه، وأما الْمُشَبَّه هو الذي فيه إلحاق. (عَلَى مُشَبَّهِ ** يَعُودُ)، (وَغَرَضٌ مِنْهُ) يعني من التشبيه، (يَعُودُ عَلَى مُشَبَّهٍ)، (عَلَى مُشَبَّهٍ) متعلق بقوله:(يَعُودُ) في الأغلب، وهو على وجوه مختلفة، يعني هذه الأغراض أحدها بيان إمكان وجوده، يعني نعدل إلى تشبيه ببيان إمكان وجود الْمُشَبَّه، بأن يكون أمرًا غريبًا يمكن أن يخالف فيه، ويُدَّعَى امتناعه، حينئذ يُسْتَشْهَدُ له بالتشبيه، يعني المراد هنا الكلام في الْمُشَبَّه، قد يكون شيئًا غريبًا، قد ينازع بعض الناس في وجوده، حينئذ يُلْحِقُهُ بماذا؟ بالمسلم به، هذا أمر مشكوك فيه، هل هو موجود أو لا؟

هل يمكن أن يوجد أو لا؟ يلحقه بماذا؟

بالْمُشَبَّه به، إذًا يعدل إلى التشبيه، كقول المتنبي:

فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وأنت منهم

فَإِنَّ الْمِسْك بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ

ص: 11

فإنه لما ادَّعَى أن الممدوح فاق الناس حتى صار أصلاً برأسه وجنسًا بنفسه، فإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم يعني كونك فائق الأنام قد خرجت عنهم، كأنك لست بإنسان كأنك ملك، هل هذا ممكن أو لا؟ قد يتبادر الذهن أنه غير ممكن، وكان هذا في الظاهر كالممتنع احتد لهذه الدعوة وبين إمكانها بأن شبه هذه الحال بحال المسك، المسك ما أصله، أصله الدم، إذًا خرج المسك من الدم، إذًا أصله الدم، ثم هو ليس بدمٍ، إذًا أنت خرجت عن الناس وأصلك من الناس وأنت لست من الناس، كما أن المسك بعض دم الغزال، بحال المسك الذي هو من الدماء، ثُمَّ إنه لا يُعَدُّ من الدماء، هو من الدماء باعتبار الأصل، ثُمَّ هو الآن بحاله ووضعه ورائحته ولونه وجماله ليس من الدماء، إذًا أنت فقت الناس وأنت منهم في الأصل لكنك لست منهم، لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم والتشريف فيه ضمني لا صريح. إذًا المراد هنا بالتشبيه بيان إمكان وجوده، بأن يكون أَمْرًا غَرِيبًا يمكن أن يخالف فيه.

ثانيها: بيان حال [الْمُشَبَّه به](1) الْمُشَبَّه - الكلام في الْمُشَبَّه - بيان حال الْمُشَبَّه بأنه على أي وصف من الأوصاف كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد، إذا علم السامع لون الْمُشَبَّه به دون الْمُشَبَّه، حين يسأل عن ثوب ما، ما لونه؟ فتقول: هذا الثوب كذا، مثل ذاك الثوب في لونه. إذًا بان حاله وانكشف حاله.

ثالثها: بيان قدر حال الْمُشَبَّه.

الأول يتعلق بماذا؟ بحاله، الثاني: قدر حال الْمُشَبَّه في القوة والضعف والزيادة والنقصان كما في تشبيه الثوب الأسود بالغراب، في ماذا؟ في شدة السواد، هو أسود يعلم أنه أسود لكن ما قوته وضعفه؟ قال: كالغراب. إذًا في شدة سواده رابعها: تقرير حال الْمُشَبَّه في نفس السامع وتقوية شأنه، كما في تشبيه من لا يَحْصُلُ من سعيه أو يُحَصِّلُ من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء الذي يسعى ويسعى ولا يحصل شيء، كالراقم على الماء كالذي يكتب على الماء. قالوا: هذا يُبَيِّن ماذا؟ يقرر حال الْمُشَبَّه في نفس السامع.

خامسها وسادسها: قصد تشويه الْمُشَبَّه أو تقبيحه في عين السامع أو العكس، تزينه من أجل أن يرغب فيه، زيد كالأسد، زيد كالحمار. الأول للأول، والثاني للثاني.

سابعها: قصد استظرافه كما في تشبيه فحم فيه جمر موقد ببحر من المسك موجه الذهب، ووجه ظرافته وإبرازه في صورة ممتنع عادة، فحم فيه جمر يَلْهَب. قالوا: شبه هذا بماذا؟ ببحر من مسك موجه الذهب، هذا فيه ظرافة فقط يعني من باب المزاح. هذا أكثر ما يُذْكَر في بيان الغرض في الْمُشَبَّه، يعني التشبيه في الْمُشَبَّه.

(أَوْ عَلَى مُشَبَّهٍ بِهِ) أو يعود العرض في التشبيه على الْمُشَبَّه بِهِ، على قلة، والأول هو الأغلب والأكثر. ومرجعه أمران: يعني السبب أو الغرض أو الهدف أمران:

(1) سبق.

ص: 12

إما لإيهام أنه أتم من الْمُشَبَّه في وجه الشبه. الذي يُسَمّى التشبيه المقلوب، بدلاً من أن تقول زيد كالبدر، البدر كزيد. إذًا الجمال في زيد أتم منه في البدر، إما لإيهام أنه أتم من الْمُشَبَّه في وجه الشبه، لأن الأصل في إلحاق الْمُشَبَّه بالْمُشَبَّه به إلحاق ناقص بكامل هذا الأصل، فإذا عَكَسْتَ جعلتَ الْمُشَبَّه به مشبهًا فحينئذ جاء الإيهام، وذلك في التشبيه المقلوب بأن يُجعل الناقص مشبهًا به قصدًا إذا ادَّعاء أنه أكمل، كقوله:

وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأنَّ غُرَّتَهُ

وَجْهُ الْخَلِيفةِ حِينَ يُمْتَدَحُ

عكس، بدا الصباح كأن غرته جعل للصباح غرة، كأن غرة الصباح وجه الخليفة، العكس هو الصحيح كأن وجه الخليفة هو الصباح، أو كغرة الصباح، قصد إيهام أن وجهه أتم من الصباح بالضوء والضياء، وإما لبيان الاهتمام بالْمُشَبَّه به كتشبيه الجائع وجهًا كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف، ويُسَمَّى إظهار المطلوب ولا يحصل إلا في مقام الطّمع في المطلوب. على كلٍّ الوجه الأول هو الذي يذكر غالبًا.

إذًا الغرض من التشبيه:

- إما أن يعود على الْمُشَبَّه وهذا هو الأصل وهذا هو الكثير الغالب، ومنها ما ذكرناه الأمور السبعة أو الثمان السابقة.

- وقد بعود إلى الْمُشَبَّه به، وهذا أظهر ما يكون في التشبيه المقلوب.

ثم قال: (فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ أِقْسِم ** أَنْوَاعَهُ)، (فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ) من أركان التشبيه الأربعة، كم؟

أربعة: مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه.

أقسام التشبيه باعتبار هذه الأقسام كلّ واحد منها له أقسام كثيرة، أجملها الناظم قال:(أِقْسِم)(فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ أِقْسِم ** أَنْوَاعَهُ) يعني أنواع التشبيه، اقسم أنواع التشبيه، التقسيمات هنا لأنواع التشبيه، باعتبار ماذا؟ باعتبار كل ركن من أركانه الأربعة، فالفاء داخلة على قوله:(أِقْسِم) فـ (أِقْسِم) أنواعه باعتبار (كُلِّ رُكْنٍ) من أركانه الأربعة، أي الطرفين أعني الطرفين الوجه والأداة والغرض منه (أِقْسِم) أنواعه أي أنواع ذلك الركن، حينئذ له أقسام نشير إليها على جهة الإجمال وإلا تحتاج إلى دروس متعددة، فيقسم باعتبار طرفين إلى أربعة أقسام، باعتبار الْمُشَبَّه والْمُشَبَّه به ينقسم إلى أربعة أنواع، أربعة أقسام، لأنه إما تشبيه مفرد بمفرد، أو مركب بمركب، أو مفرد بمركب، أو مركب بمفرد. كم؟ أربعة. انتهينا.

ص: 13

إذا تقسيم مفرد بمفرد سواء كان المفرد مقيد أو غير مقيد، إذا قُيِّدَ المفرد بقيد أو بظرف أو بجار ومجرور هل يخرجه عن كونه مفردا؟ الجواب: لا. حينئذ يختلف التشبيه، المفرد الْمُقَيّد ليس كالمفرد غير المقيد، يعني من جهة كمال المعنى، لأنه إما تشبيه مفرد بمفرد، وهما أي التشبيه المفرد بالمفرد مقيدان كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على طائل هو كالراقم على الماء، فالْمُشَبَّه الساعي مفرد وهو مقيد بأنه لا يَحْصُل أو يُحَصِّل من سعيه على شيء، إذا ساعي ليس مطلق الساعي ليس كل ساعي، وإنما ساعٍ معين وهو الذي يسعى ويسعى، لأن الساعي نوعان: ساعي يسعى ويحصل كل ما يريد، وساعي يسعى ولا يحصل شيء مما يريد. وبين بين وهذه قسمة، وإذًا فالْمُشَبَّه هو الساعي وهو مفرد مقيد بأن لا يَحْصُل أو يُحَصّل من سعيه على شيء، والْمُشَبَّه به الراقم مقيد بكون رقمه على ماذا؟ على الأرض أو على الماء؟ على الماء، إذًا كلّ منهما مقيد، الساعي مقيد بكونه لا يُحَصّل على شيء من سعيه، والراقم الذي يكتب كونه مقيدًا بكونه يكتب على الماء. إذًا هذا مفرد بمفرد، وكل منهما مقيد، لأن وجه الشبه التسوية بين الفعل وعدمه، وهو موقوف على اعتبارها بين القيدين، أو غير مقيدين كتشبيه الخد بالورد، الخد غير مقيد والورد غير مقيد، أو مختلفين يعني الأول مقيد والثاني غير مقيد، نحو ماذا؟ والشمس قول الشاعر:

والشمس كالمرآة في كفِّ الأشل

الشمس مشبه، والمرآة مشبه به، لكنه مقيد في كف الأشم، يعني تبرق لها بريق، لو وضعت المرآة في يد الأشل تهتز، الشمس مثلها ضوءها، تشبيه

#50.37. إذًا الشمس كالمرآة في كف الأشل، الْمُشَبَّه به وهو المرآة مقيد بكونه في كف الأشل، بخلاف الْمُشَبَّه وهو الشمس، وعكسه أن يكون الْمُشَبَّه غير أن يكون الْمُشَبَّه مقيدًا والْمُشَبَّه به غير مقيد، لو عكسنا المثال السابق: المرآة في كف الأشل كالشمس، صار مشبه مقيد والْمُشَبَّه به غير مقيد، هذا مفرد بمفرد، إما أن يكون مقيدين، أو غير مقيدين، أو مختلفين. وتشبيه المركب بالمركب بأن يكون كل من الطرفين كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى صارت شيئًا واحدًا، وهذا كالمثال السابق الثُّريا والعنقود والجمع بينهما الهيئة المنتزعة من أشياء متعددة، وإما تشبيه مركب بمفرد كقوله:

تَريا نهارًا مُشَمَّسًا قد شابه

زَهْرُ الرُّبَا فكأنما هو مُقْمِرُ

فالْمُشَبَّه هنا وهو نهار مشمس شابه أي خالطه الزهر، وهذا مركب، والْمُشَبَّه به وهو مقمر مفرد، إذا هنا مركب بمفرد. الأول: قال: هو مُقْمِر نهار مُشَمَّسٌ قد شابه زهر الربا هذا مشبه، والْمُشَبَّه به فكأنما هو مقمر.

والرابع تشبيه مفرد بمركب عكس السابق، كما مرّ في تشبيه الشقيق وهو مفرد بأعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد، وهو مركب من عدة أمور.

إذًا أربعة أقسام للطرفين من أراد التوسع يرجع إلى كتب أُخَر.

ص: 14

وينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه إلى تمثيل، وهو ما كان وجه الشبه فيه وصفًا منتزعًا من متعدّد كما يأتي في مجاز المركب: إن أراك تقدم رجلاً وتأخر أخرى. هنا وجه الشبه تمثيلي وهو منتزه من عدة أمور، ويأتي إن شاء الله، [فالْمُشَبَّه به] فالْمُشَبَّه هيئة منتزعة من أمور متعددة والْمُشَبَّه به كذلك، وإلى غير تمثيلٍ وهو ما ليس وجهه كذلك، نحو: الصالح في هذا الزمان كالكبريت الأحمر.

وإلى مجملٍ ومفصل، والمجمل هو ما يُذكر فيه وجه الشبه. إذا حذف زيدٌ كالأسد هذا يسمى مجملاً، والمفصل هو ما ذكر فيه وجه الشبه في الشجاعة، زيدٌ كالأسد في الشجاعة هذا يسمى مفصلاً، إذا حُذف فهو مجمل.

وباعتبار الأداة ينقسم التشبيه إلى مؤكدٍ وهو ما حذف أداته، ومرسلٌ وهو ما ذكرت أداته، والأقسام كثيرة جدًا ذكرها أرباب البيان يُرجع إليها.

إذًا الخلاصة هنا نقول: (فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ أِقْسِم ** أَنْوَاعَهُ) يعني أنواع التشبيه. فالضمير هنا يعود إلى التشبيه، هذا ما يتعلق بالمقصد الأول وهو التشبيه.

ثم انتقل إلى ما يتعلق بالمقصد الثاني من المقاصد الثلاث وهو المجاز، لما انتهى من ما يتعلق بالمقصد الأول وهو الأهم ولذلك أطال فيه انتقل إلى بيان المقصد الثاني وهو المجاز.

فقال: (ثُمَّ). هذا للترتيب الذكري يعني بعد أن ذكرنا لك ما يتعلق بالمقصد الأول وهو التشبيه، انتقل إلى المقصد الثاني فهو المجاز.

(المَجَازُ) أصله مَجْوَز على وزن مَفْعَل، بوزن مَفْعَل، ولِمَ قلبت الواو ألفًا مجاز؟

ص: 15

اكتفاءً بجزء العلة هذا أحسن ما

اكتفاءً بجزء العلة، أو بالنظر إلى الناظرين قبل النقل وبعد النقل، قُلِبَتِ الواو ألفًا لتحركها في الأصل مَجْوَز وانفتاح ما قبلها في الحال بعد النقل، وهذا فيه تكلف، والأولى أن يقال اكتفاء بجزء العلة. وهو في الأصل مصدر نُقِلَ إلى الكلمة الجائزة أي المتعدية مكانها الأصلي، أو الكلمة الْمَجُوزِ بها، يعنى إما أن يكون اسم فاعل، وإما أن يكون اسم مفعول. إما كلمة جائزة يعني جازت وتعدت مكانها الأصلي، وإما كلمة مَجُوزٌ بها يعني تُعُدِّيَ بها مكانها الأصلي على أنهم جازوا بها مكانها الأصلي، هذا إذا جُعِلَ ماذا؟ اسم مفعول فهو مصدر ميمي بمعني الفاعل أو بمعنى المفعول، وأيهما أولى؟ الأولى أن يُجْعَل بمعنى اسم الفاعل، لماذا؟ لأن عدم التقدير أولى من التقدير، لأن إذا قلت: جائزة. إذا ليس عندنا تقدير، مَجُوز بها لا بد من التقدير، كلمة جائزة يعني متعدية مكانها الأصلي ليس عندنا تقدير، مَجُوزٌ بها عندنا تقدير، وعدم التقدير أولى من التقدير، إذا الأول الذي هو كونها بمعنى الفاعل أولى لعدم احتياجه إلى تقدير، وأعلم أن المقصود هنا في البحث الأصلي النظر الأصلي في علم البيان إنما هو المجاز، ولذلك الناظم لم يذكر الحقيقة، لكن لا يمكن أن يفهم المجاز إلا بذكر الحقيقة، وإنما ذَكَرَ المجاز لأنه هو الذي يتأتى به اختلاف الطرق دون الحقيقة إلا أنها لما كانت الأصل للمجاز، إِذِ الاستعمال في غير ما وضع له فرع الاستعمال في ما وضع له. الكلمة أو اللفظ إذا اسْتُعْمِلَ فيما وضع له في لسان العرب هذا أصل، وإذا استُعملت في غير ما وُضِعَ له هذا فرع، حينئذٍ لا يفهم الفرع إلا بفهم أصله، فلما كان اسْتِعْمَال اللفظ في غير ما وُضِعَ له فرعًا عن استعمال اللفظ فيما وُضِعَ له حينئذٍ تعين الكلام عن الحقيقة، ولذلك جرت العادة عند البيانين أن يبدأ البحث بالحقيقة أولاً، والحقيقة في الأصل فَعِيل بمعنى فَاعِل، من حَقَّ الشيء إذا ثَبَتَ، أو بمعنى مفعول لأن فَعِيلاً في اللغة يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مفعول، مِنْ حَقَّقْتُه إذا ثَبَّتُهُ، نُقِلَت إلى الكلمة الثابتة أو المثبتة في مكانها الأصلي. إذًا الحقيقة فَعِيل بمعنى فاعل، إما بمعنى فاعل يعني الثابتة، أو بمعنى مفعول يعني الْمُثْبَتَة في مكانها، يحتمل هذا وذاك، لكن إذا كانت بمعنى الْمُثْبَتَة حينئذٍ تكون التاء هنا للوصفية في الأصل .. #58.13 وعُرْفًا الكلمة المستعملة في مَعْنًى وُضِعَتْ له باصطلاح التخاطب، يأتي شرحه بعد الصلاة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 16