الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناصر الدرس
* تتمة أغراض تعريفه.
* أغراض تنكيره.
* أغراض ذكر توابعه.
* أغراض فصله بضمير الفصل.
* أغراض الخروج عن مقتضى الظاهر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَأَلْ لِعَهْدٍ أَوْ حَقِيقَةٍ وَقَدْ
…
تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ أَوْ لِمَا انْفَرَدْ
هذا المعرف الخامس، وهو:(أَلْ). ونطق بـ أل بناءً على أن المعرف هو (أَلْ) برمتها الهمزة واللام، خلافًا لمن قال: الألف واللام. حينئذٍ يحتمل عنده أن المعرف هو اللام والصحيح أن المعرف هو (أَلْ) بناءً على مذهب الخليل بكون الهمزة همزة قطع لكنها سُهِّلَتْ وصارت همزة وصل لكثرة الاستعمال، (وَأَلْ) أي: المعرفة. ونقول: عبَّر بـ (أَلْ) دون الألف واللام اختيارًا لمذهب الخليل أن الْمُعَرِّفَ مجموع (أَلْ)، وتعريف المسند إليه بـ (أَلْ) للنكت، فتارة يكون لعهد كما قال هنا:(لِعَهْدٍ). أي: لمعهود. أطلق المصدر وأراد به اسم المفعول، (لِعَهْدٍ) أي: حصة معهودة بين المتكلم والمخاطب، حصة يعني: قدر معهود بين المتكلم والمخاطب واحدًا كان أو اثنين أو جماعة يختلف، قد يكون المعهود شيئًا واحدًا فردًا، وقد يكون مثنًى، وقد يكون متعددًا، فهو قابل للكل، فالمراد منه العهد الخارجي هنا لأنه سيقابله بقوله:(أَوْ لِمَا انْفَرَدْ). وهو حقيقة وقد تفيد الاستغراق، إذًا عندنا عهد خارجي، وذلك لتقدم ذكره صريحًا ويسمى العهد الخارجي الحقيقي، أو كناية يعني: يكون العهد الخارجي متقدمًا يكون ذكره أو المعهود يكون المعهود متقدمًا، إما أن ينطق به صريحًا وإما أن يكنى عنه يعني يذكر كنايةً ويسمى العهد الخارجي التقديري، إذًا عندنا عهد خارجي حقيقي وهو الذي ذُكر المعهود صريحًا، وعندنا كناية ويسمى العهد الخارجي التقديري، وهذا تقسيم البيانيين.
فالأول: العهد الخارجي الحقيقي كقوله تعالى: {فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} [النور: 35]{الْمِصْبَاحُ} (أَلْ) في قولك: {الْمِصْبَاحُ} للعهد الخارجي الحقيقي لماذا؟ لكون المعهود - ما هو المعهود -؟
…
{مِصْبَاحٌ} السابق، وذكر أولاً، ومثله المثال المشهور بـ {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 1
6]
أي: الذي أرسل أولاً. فإذا أعيدت النكرة معرفة فحينئذٍ هو عين الأول، ويسمى العهد الخارجي الحقيقي لكونه قد ذُكِرَ أولاً.
والثاني: العهد الخارجي التقديريّ نحو ماذا؟ كقولك: انْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَالْمُنْطَلِقُ ذُو سَعَادَةٍ. انْطَلَقَ وَالْمُنْطَلِقُ، هنا في الْمُنْطَلِقُ (أَلْ) للعهد لكنه عهد خارجيّ تقديريّ لماذا؟ لكون انْطَلَقَ يدل على اسم الفاعل التزامًا، فإن انْطَلَقَ يدل على الْمُنْطَلِقُ التزامًا لأن انْطَلَقَ حَدَثٌ، والحدث لا بد له من مُحْدِثِّ، والْمُحْدِث هو المتصف بالحدث. انْطَلَقَ مُنْطَلِق، ضَرَبَ ضَارِب، قَتَلَ قَاتِل، إذًا دلالة قَتَلَ على قَاتِل دلالة التزامية، فحينئذٍ يكون العهد هنا عهدًا خارجيًّا لكنه تقديري، وقد اجتمعا في قوله تعالى يعني: خارجًا، صريح حقيقي، والتقديري في قوله تعالى:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران: 36]، {وَلَيْسَ الذَّكَرُ} هنا تقديري
…
{كَالأُنثَى} هنا حقيقي، أي: ليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ، فالأنثى إشارة إلى ما سبق ذكره صريحًا في قوله تعالى حكاية عن أم مريم {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} نكرة، ثم قال:{كَالأُنثَى} إذًا هي عينُها لكنه ليس مسند إليه والذكر إشارة إلى ما سبق ذكر كناية في قوله تعالى حكاية عنها: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]. أين الذكر هنا؟ {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} أين الذكر؟ {مَا} كناية عن الذكر كأنها قالت: نذرت لك ذكرًا في بطني محررًا. وإن كانت {مَا} هذه عامة للذكر والأنثى لكن لما كان الذي يُحَرَّر ويكون خادمًا لبيت المقدس هو الذكر يعني: محصور في الذكور. هذه قرينة، ثم قوله:{مُحَرَّراً} . هذا حال، حَال من {مَا} ، لو كان المراد بها الأنثى لقالت: محررةً. تأنيث لكن قال: {مُحَرَّراً} . علمنا أن {مَا} صاحب الحال مذكر هنا، فدل على أن {مَا} كناية عن ذكر، فلما قال:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ} . الذي دلت عليه {مَا} {كَالأُنثَى} ،
…
{إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} إذًا اجتمع عندنا العهد الخارجي الحقيقي والعهد الخارجي التقديريّ. إذًا {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} فـ {مَا} عامة للذكر والأنثى لكن التحرير وهو أن يعتقل ولد لخدمة بيت المقدس للذكور دون الإناث وكذلك تزيد عليه {مُحَرَّراً} ، وقد يستغنى عن ذكره لتقدم علم المخاطب به يعني: المعهود الخارجي قد لا يُذكر لا تصريحًا ولا كناية لماذا؟ لعلم المخاطَب بِهِ، نحو ماذا؟ خَرَجَ الأَمِيرُ، ذَهَبَ الأَمِير، رَاعَيْتُ الأَمِير، وأنت تعلم أنه ليس للبلد إلا أمير واحد، فحينئذٍ المعهود هنا فرد خارجي أليس كذلك؟ لكن أين هو؟ هل ذكر صريحًا؟ الجواب: لا، هل ذكر كناية؟ الجواب: لا، أين الإحالة؟ الإحالة لشيء معلوم عند المخاطب لماذا؟ لكوني أنا المتكلم وأنت أيها المخاطب نعلم أن البلد ليس لها إلا أمير واحد، خَرَجَ الأَمِيرُ إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد قالوا: ومنه - عند البيانيين - {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40]{بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} ، {تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وهذا مدلوله فرد لكنه يعلمه المخاطب، فحينئذٍ المعهود في قوله:{الْغَارِ} . والمعهود في قوله:
…
{بِالْوَادِ} . والمعهود في قوله: {الشَّجَرَةِ} .
لم يتقدم لا تصريحًا ولا كناية، وإنما عُهِدَ علمه إلى المخاطب، واضح؟ أو لكونه محسوسًا مُبْصَرًا كقولك لِمَنْ يسدد سهمًا: الْقِرْطَاس. يعني: شيء محسوس أمامك الْقِرْطَاس يعني: سدد القرطاس مثلاً أو لكونه حاضرًا نحو {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] حاضر اليوم نزلت الآية يوم عرفة يعني: هذا اليوم. حينئذٍ (أَلْ) هنا تفيد العهد الحضوري، وكل هذا في غير مسند لكن الحكم واحد، والبيانيون اعتادوا أن يمثلوا للمعاني بالمسند وغيره.
إذًا العهد الخارجي الأصل أنه منقسم إلى قسمين:
عهد خارجي حقيقيّ: إذا كان المعهود ملفوظًا به مصرحًا {مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} .
وعهد خارجي تقديريّ: وهو إذا كُنِّيَ عنه مثل {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} ، والمراد بالذكر هنا حينئذٍ نقول: هذا عهد خارجي تقديري، وقد يأتي لغيره فيما ذكر.
(أَوْ حَقِيقَةٍ)(أَوْ) للتنويع، أو يكون المسند إليه معرفًا بـ (أَلْ) لأجل الإشارة لـ (حَقِيقَةٍ) يعني: نفس الحقيقة فـ (أَلْ) عند البيانيين قسمان:
عهدية.
وحقيقية.
فقط الحقيقية هي الجنسية وتدخل تحتها الاستغراقية، بخلاف التقسيم عند النحاة عند النحاة تختلف، عند البيانيين (أَلْ) إما عهدية، وإما حقيقية. يعني: إما تأتي للعهد كما قال الناظم هنا، وإما لحقيقة.
ثم العهد أنواع ثم الحقيقية كذلك أنواع.
(حَقِيقَةٍ) من الحقائق أي: ماهية من الماهيات المشتركة بين جميع الأفراد التي يُعبر عنها بالجنس - عند البيانيين - يعني: الحقيقة من حيث هي لا باعتبار الأفراد، الإنسان حيوان ناطق، الإنسان من حيث هو إنسان لا باعتبار الأفراد، حينئذٍ يعبر عنها بالحقيقة يعني: ماهية من الماهيات، أو حقيقة من الحقائق التي يُعبَّر عنها بالجنس من غير اعتبار مصدقها، ما المراد بالمصدق؟ الأفراد، يعني: ما يَصْدُقُ عليه اللفظ، لفظ إنسان يصدق على عمرو، وخالد، وبكر، ومحمد، هذا يُسمى مصدر، نعتبر مدلول اللفظ من حيث هو لا باعتبار المصدر يُسمى ماذا؟ يسمى حقيقة. نحو: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة. هذا المثال مشهور: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة. حَقِيقَةُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ حَقِيقَةِ الْمَرْأَة، لا باعتبار الأفراد يعني: ليس كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، ليس هذا المراد، الآن وجد العكس، الرَّجُلُ حقيقة الرجل من حيث هو رجل يعني: وصف الرجولة خير من وصف الأنوثة أليس كذلك؟ هذا هو المراد، أي: حقيقة الرجل من حيث هي هِي يعني: لا باعتبار الأفراد ومنه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}
…
[الأنبياء: 30] يعني: من جنس الماء - وإن كان هذا ليس من المسند إليه - ومنها اللام داخلة على المعرفات حقيقية تقول: الكلمة قول مفرد. الكلمة (أَلْ) أي: حقيقة الكلمة من حيث هي هِي يعني: لا باعتبار الأفراد. الإنسان حيوان ناطق يعني: الإنسان من حيث هو هُو. والكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، ولا تدل هذه اللام على وحدة ولا تعدد. إذًا لام حقيقة تدل على حقيقة من الحقائق وماهية من الماهيات لا باعتبار الأفراد، فلا تدل على تعدد ولا على وحدة، وإنما على شيء من حيث هو هُو.
ثم قال: (وَقَدْ تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ). (وَقَدْ) ليست للتقليل إنما هي كثيرة (تُفِيدُ) ما هي؟ (أَلْ) التي للحقيقة يعني: مع دلالتها على الحقيقة والماهية (تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) يعني: الشمول. (تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) إذًا الاستغراقية ليست مباينة للحقيقية وإنما هي داخلة تحتها، (وَقَدْ تُفِيدُ) وهي (أَلْ) التي للحقيقة (الاسْتِغْرَاقَ) سواء كان حقيقيًّا أو عرفيًّا - كما سيأتي - للأفراد حقيقة كـ {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} يعني: عالم كل غيب وكل شاهدة، كل فرد من أفراد الغيب عالم به، وكل فرد من أفراد الشهادة عالم به {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] يعني: كل إنسان، هذه (أَلْ) الاستغراقية لأنها أشارت إلى الحقيقة لكن باعتبار الأفراد وباعتبار جميع الأفراد ثلاثة أشياء:
{الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} حقيقة الإنسان ميزه عن الحيوان عن سائر الحيوان يعني: الأنواع.
ثم كان الحكم على الأفراد.
ثم الحكم على الأفراد على نوعين: بعض الأفراد أو جميع الأفراد؟ هنا جميع الأفراد ولذلك صَحَّ حُلُول لفظ كل محلها والاستثناء من مدخولها، {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ} [العصر: 2، 3] {إِلَّا} أداة استثناء {الَّذِينَ} جمع أليس كذلك؟ هو مُستثنى، أين المستثنى منه؟ الإنسان، الإنسان في اللفظ واحد، كيف استثني منه {الَّذِينَ} ؟
نقول: هو باعتبار المعنى في شمول. يعني: كل إنسان كل فرد من أفراد الإنسان.
{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] هذه موصولية إذًا (وَقَدْ تُفِيدُ الاسْتِغْرَاقَ) للأفراد حقيقةً كـ {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي: كل غيب وكل شهادة، أو عرفًا يعني: لها استغراق لكنه عرفيّ كقولهم: جَمَعَ الأَمِيرُ الصَّاغَة. كل صاغة العالم أو صاغة بلده؟
بلده، لأن هذا العرف، الأمير ليس له إلا ما تحته، أليس كذلك؟
جَمَعَ الأَمِيرُ الصَّاغَة يعني: صاغة بلده، هذا الذي يُعَوَّلُ عليه، وأما لفظ الصاغة لو قيل بأنه كالإنسان حينئذٍ جمع كل من يَصْدُق عليه الوصف في العالم كله، وهذا لا وجود له.
إذًا هذا استغراق عرفي يعني: باعتبار عرف المتكلِم. كون (أَلْ) للاستغراق المراد بها أنها تعمُّ الأفراد ومع ذلك معنى الجنسية لا يفارقها، لأن الحقيقية قلنا: حقيقة من الحقائق وماهية من الماهيات وهي التي يُعَبَّرُ عنها بالجنس، إذًا (أَلْ) الجنسية.
(أَلْ) الحقيقية هي الجنسية عند البيانيين، حينئذٍ (أَلْ) التي تفيد الاستغراق لا تفارق الجنسية، وإنما مع دلالتها على الجنسية تدل على الأفراد، إما كُلاًّ في الحقيقي أو بعضًا في العرفيّ، فمعنى الجنسية لا يفارقها كما أشرنا فيما سبق {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أُشير بـ (أَلْ) إلى الحقيقة لكن لم يقصد بها الماهية من حيث هي هِي ولا من حيث تحققها في ضمن بعض الأفراد، بل في ضمن الجميع بدليل صحة الاستثناء.
{إِنَّ الْإِنسَانَ} رُوعِي فيه الاستغراق ورُوعِي فيه الجنس، انتبه لهذا.
(أَوْ لِمَا انْفَرَدْ)(أَوْ) للتنويع أي: ترد (أَلْ) المعرفة للجنس لا مطلق (أَلْ) للإشارة (لِمَا انْفَرَدْ) هذا نوع من النوع الثاني، (أَلْ) لعهد انتهينا منها، أو حقيقة أو قال ماذا؟ بـ أو (أَوْ حَقِيقَةٍ) ثم هذه الحقيقية الجنسية تفيد الاستغراق وقد تفيد كذلك (لِمَا انْفَرَدْ) يعني: لفرد ذهني (لِمَا انْفَرَدْ) أي: لفرد مبهم من أفراد الجنس، يعني: يكون مدلولها فردًا لكنه ليس في الخارج وإنما هو شيء في الذهن أي: للفرد الواحد من أفراد الجنس غير معين عند السامع باعتبار عهديته في الذهن، يعني: معهود في الذهن، كقولك: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. أليس كذلك؟ إذا قلت لابنك: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. اذْهَبْ إِلَى كُلِّ سُّوقٍ في العالم، إِلَى كُلِّ سُوقٍ في البلد، إلى سوق واحد غير معين ما المراد؟ الثالث. إذا قلت:(أَلْ) هنا كـ (أَلْ) في الإنسان عمت كل الأسواق أليس كذلك؟ اذْهَبْ إِلَى السُّوق يعني كل سوق، اذْهَبْ إِلَى السُّوق والمراد به العرفي يعني: أسواق البلد كلها اذْهَبْ إِلَى سُّوق يعني: المراد به سوقًا واحدًا يحصل به الذهاب، اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد المراد به فرد من أفراد المسجد ليس المراد به كل المساجد، إذًا جاءت (أَلْ) هنا لفرد مبهم غير معين، وحينئذٍ يكون هذا الفرد وجوده وجود في الذهن فقط، لأنه إذا قال: اذْهَبْ إِلَى السُّوق. أنا استحضر أي سوق في ذهني وتمشي، وإما إذا كان معهودًا في الخارج وهذا فيما مضى في العهدية.
إذًا (أَوْ لِمَا انْفَرَدْ) يعني: للفرد الواحد من أفراد الجنس غير معين عند السامع باعتبار عهديته في الذهن، وهذه التي تسمى (أَلْ) العهدية الذهنية، وهي عند النحاة نوع من أنواع العهدية، وهنا عندهم نوع من أنواع الجنسية، واضح؟
(أَلْ) العهدية للذهن هذه عند النحاة يجعلونها داخلة في العهدية التي تقابل الحقيقة والجنسية، وهنا لا، يجعلونها داخلة في الحقيقية، ادخل السوق إلى حيث لا عهد فإن الدخول إنما يكون في سوق واحد، وهذا الاسم الذي دخلت عليه (أَلْ) والمراد به فرد واحد غير معين في المعنى كالنكرة، لأنه كأنه قال: ادخل السوق. ادخل سوقًا. أي سوقٍ، فيصدق بسوق واحد، إذًا هو في المعنى كالنكرة إذا لم يكن لمعين يعرفه المخاطب فصار شائعًا بحسب الظاهر ولهذا يوصف بالجمل، قال تعالى:{وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ، {اللَّيْلُ} المراد به فرد غير معين حينئذٍ وصف بـ {نَسْلَخُ} ، {نَسْلَخُ} الجمل بعد المعارف أحوال وهنا لا يعرب حالاً، وإنما يعرب صفةً لماذا؟ لأن الليل في قوة النكرة، والجمل بعد النكرات صفات، ولذلك أُعْرِبَ صفة.
وأوضح منه قوله يعني من حيث الاستدلال:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
…
وَمَضَيْتُ ثُمَّت قلت لا يعنيني
اللئيم فرد مبهم غير معين، يَسُبُّنِي الجملة صفة وليست بحال لماذا؟ لأن اللئيم المراد به فرد واحد غير معين فهو في معنى النكرة صار شائعًا في جنسه، فحينئذٍ نقول: هذا هو معنى النكرة، إذًا أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ أيُّ لئيم؟ أيَّ لئيمٍ كان فيصدق بفرد شائع واضح هذا؟ إذًا (أَلْ) التي يُراد بها الجنس وهي معرفة باللام، إما أن يراد بها نفس الحقيقة، واضح؟ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَة، وإمَّا فرد معين فهو العهد الخارجي، وإمَّا فرد غير معين وهو العهد الذهني، وإمَّا كل الأفراد وهو الاستغراق، هذا ذكره في ((الإيضاح)) ونُوزِعَ في قول: فرد معين وهو العهد الخارجي.
ثم ذكر الإضافة بقوله:
وَبإِضَافَةٍ فَلِلإِخْتِصَارِ
…
نَعَمْ وَلِلذَّمِّ أَوِ احْتِقَارِ
هذا المعرف السادس والأخير، وتعريف المسنَد إليه بإضافة إلى شيء من المعارف يكون لنكت، وإن يكن أي: المسند إليه معرفًا بإضافة يعني: بسبب الإضافة الباء سببية
فالاختصار الفاء وقعت في جواب الشرط، أي: بأن يكون المقام مقتضيًا الاختصار لأنك لو لم تضف لعددت وأطلت الحديث، فيورد المسند إليه مضافًا إلى غيره بكونه الإضافة أقصر طريق إلى إحضار المسند إليه في ذهن السامع كقول الشاعر:
هواي مع الركب اليماني لمصعد
…
جنيب وجثماني بمكة موثق
فإنه أخصر من قوله: الذي أهواه. هواي الذي أهواه، ومثله قوله: بنو إسرائيل. بدل من أن تعدد تقول: بنو إسرائيل. {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ} [يوسف: 58] بدل من أن تعدد تأتي بالإضافة فهو أخصر، فإنه يُغني عن تفصيل المتعذر كما في بني إسرائيل، أو مرجوح ومثله أولاد يعقوب
…
(نَعَمْ وَلِلذَّمِّ أَوِ احْتِقَارِ). (نَعَمْ) هذا حرف جواب مبني على السكون لا محل له من الإعراب ولا عمل له، ومن معانيه أنه حرف توكيد، متى؟ إذا صُدِّرَ به الكلام كما هو الشأن هنا. (نَعَمْ) وبالتبعية التي مضت مثل ما مر معنا في نظم ((الآجرومية)) هو نفسه، نعم إنك طالب مجتهد، هنا حرف توكيد، (وَلِلذَّمِّ) للمضاف إليه أو للمضاف، قد يضاف الشيء ويراد به ذم المضاف أو المضاف إليه، علماء البلد فعلوا كذا مثلاً، تريد به الذم، «تعس عبد الدرهم» . «تعس عبد الدينار» . أريد به الذم، ولد الحجام حاضرٌ أريد به الذم، ومثله الاحتقار الذي ذكره في
…
# 23.26 (أَوِ احْتِقَارِ) وهو قريب من الذم، فالأمثلة واحدة، وبهذا انتهى البحث الثالث وهو تعريف المسند إليه.
البحث الرابع في تنكيره قال:
وَإنْ مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ
…
وَالضِّدِّ وَالإِفْرَادِ وَالتكْثِيرِ
وَضِدِّهِ ...................
…
.............................
هذا ما يتعلق بماذا؟ بتوابع المسند إليه، الفرق بين هذا البحث والبحث السابق أن البحث السابق يتعلق بذات المسند إليه بذاته، هو يُحذف بذاته، يُذكر بذاته، كذلك يكون معرفة بذاته، (نَعَمْ) ذات تتعلق بالوصف وليس بـ .. يكون نكرة بذاته فالتعريف والتنكير، التنكير هذا متعلق بالبحث بمقابل المعرفة، ما وصلنا لما سيأتي.
البحث الرابع تنكيره أي: تنكير المسند إليه (وَإنْ يَكُنْ مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ)، (وَإنْ يَكُنْ) المسند إليه (مُنكَّرًا) أي: نكرة فيكون لنكت فوائد يعني (فلِلتَّحقِيرِ) الفاء واقعة في جواب الشرط بمعنى أنه أحقر من أن يُعَيَّن، ما تُعين تأتي بنكرة لأنه إن ذكرته معرفةً فحينئذٍ رفعت من شأنه، وتحقره تأتي به نكرة.
(وَالضِّدِّ) ضد التحقير وهو التعظيم، وهو تعظيم شأنه بمعنى أنه أعظم من أن يُعَيَّن فارتفاع شأنه أو انحطاطه هو المانع من تعريفه فيهما، واجتمعا في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ
…
وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طَالِبِ الْعُرفِ حَاجِبُ
أي: مانع عظيم، حاجب في الأول أي: مانع عظيم عن كل ما يَعِيبُهُ، وليس له عن طالب الإحسان حاجب حقير فكيف بالعظيم، حينئذٍ اجتمع التنكير هنا مرادًا به التعظيم ومرادًا به التحقير.
إذًا (فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ) يعني: تحقير المسند إليه، فهو أحقر من أن يُعَيَّن، (وَالضِّدِّ) الذي هو ضد التحقير، فـ (أل) هنا نائبة عن المضاف إليه أو للعهد، أي: ضد التحقير وهو تعظيم شأنه واجتمعا في البيت السابق.
(وَالإِفْرَادِ) أي: القصد إلى فرد مما يصدق عليه اسم الجنس، كقوله تعالى:{وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [يس: 20]. ما المراد به {رَجُلٌ} يعني: واحد الإفراد إذا أردت الفرد الواحد تأتي باللفظ مُنِكَّرًا، وجاء رجل يعني: رجل واحد. (وَالإِفْرَادِ){وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} دلّ على أنه مفرد، أي: رجل واحد وهذه وحدة شخصية، وقد يؤتى به للدلالة على وحدة نوعية، أي: نوع خاص مخالف للأنواع المعهودة وهو أمر واحد تحته وأشياء متعددة سواء كانت متفقة الحقائق أو مختلفة، يعني: ليس كالنوع عند المناطقة، فإنه يدل على متعدد لكنها حقائق متفقة، أي: نوع غريب كما في قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7]. أي: نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه الناس وهو غطاء التعامي عن آيات الله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} هذا الاعتراض. نقول: المراد به وحدة يعني: وحدة شخصية أو وحدة نوعية؟
وحدة نوعية، لماذا؟ لأن المراد بالغشاوة هنا التعامي عن تدبر آيات الله، وهذا له أسباب وله صفات، متعددة أو متحدة؟
متعددة مختلفة، إذًا غشاوة فيه وحدة لكنها نوعية لا شخصية.
(وَالتكْثِيرِ وَضِدِّهِ) وهو القلة أي يُنَكّر المسند إليه للدلالة على كثرة في أفراد المسند إليه بمعنى أنه كثير حتى لا يُحتاج إلى تعريفه إلى كقولهم: إن له لإبلاً. كثيرة يعني: وبعضهم يجعل التنوين هو الدال على التكثير.
ومنه عند الزمخشري {إِنَّ لَنَا لأَجْراً} [الأعراف: 113] كثيرًا، والقلة نحو قوله تعالى:{وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72]. قليل رضوانه قليل فكيف بالكثير، فهو أكبر وأكبر، أي: رضوان قليل أكبر ليدل على غيره من باب أولى.
إذًا (وَإنْ مُنكَّرًا) يعني: وإن يؤتى بالمسند إليه (مُنكَّرًا فلِلتَّحقِيرِ وَالضِّدِّ) وهو التعظيم (وَالإِفْرَادِ وَالتكْثِيرِ وَضِدِّهِ) وهو القلة، هذا ما يتعلق بذات المسند إليه.
ثم شرع فيما يتعلق بإتباع المسنَد والفرق بينهما أن ذلك يتعلق بذاته، وهذا يتعلق بخارج عنه بلفظ خارج عنه.
ثم بَيَّن الأمور العارضة المتعلق بتوابع المسند إليه - وهو البحث الخامس - فبدأ بالوصف الذي هو النعت فقال رحمه الله تعالى:
. وَالْوَصْفُ لِلتَّبْيِين
…
وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ
يعني: ووصفه كذا للتبيين هكذا للتبيين نعم هذا خبر أو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ) هذه معطوفة عليه (وَالْوَصْفُ) أي: وصف المسند إليه، لماذا تصف المسند إليه؟ لماذا تأتي بالصفة؟ لأمور منها (لِلتَّبْيِين) وهو ما يُعَبّر عنه بالكشف، تبيين ما يسمى بالصفة الكاشفة يعني: يكون محتمل، فترفع الاحتمال أو تقلل الاشتراك، وهو ما يُعَبّر عنه بالكشف عن معناه، بأن احتاج إلى ذلك بأن يكون مبهمًا يحتاج إلى تعين كقوله تعالى:{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 2، 3]. {الَّذِينَ} هذا وصف للمتقين وهو صفة كاشفة، وكقوله أو قولك أنت: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله. الجسم الطويل العريض هذه كلها أوصاف كاشفة وليس كل جسم وإنما هو ما اجتمع فيه الصفات السابقة.
(وَالمَدْحِ) أي: إفادة المدح بالوصف نحو: زيد العالم جاءني. هذا فيه مدح لزيد {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] هذا نعت للمدح، ومنه:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . هذا مدح، وقد يأتي للذم أو الترحم.
(وَالتَّخْصِيصِ) أي: إفادة الوصف للتخصيص للمسند إليه، إرادة التخصيص يعني: إرادة إفادة تقليل الاشتراك أو رفع الاحتمال، وأراد بالتخصيص هنا ليس كالتخصيص عند النحاة، وإنما أراد به ما يعم تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال الْمُعَبَّر عنه عند النحاة بالتوضيح أليس كذلك؟ النحاة تقول: الوصف إما مخصص أو موضح، مخصص في النكرات موضح في المعارف. هذا عند من؟
عند النحاة.
جاء رجل عظيم. قالوا: هذا تخصيص.
جاء زيد التاجر. قالوا: هذا توضيح.
فرق بينهما [أن النكرة](1) أن الموصوف إذا كان نكرة فحينئذٍ يكون تخصيصًا، والموصوف إذا كان معرفة حينئذٍ يكون توضيحًا، عند البيانيين يجمعون المعنيين في معنى واحد وهو التخصيص فأيهما أعم؟
التخصيص عند البيانيين أعم من التخصيص عند النحاة، لماذا؟
لأن التخصيص عند النحاة تقليل الاشتراك فقط، وعند البيانيين تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال، فانتبه للفوارق.
وأراد بالتخصيص هنا ما يَعُمُّ تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال [الْمُعَبِّر عنه بالتوضيح أو $$ هل سبق أم أرادها الشيخ 31.58] الْمُعَبَّر عنه بالتوضيح وعند النحاة التخصيص عبارة عن تقدير الاشتراك الحاصل في النكرات نحو قولك: جاء رجل عالم. قالوا: جاء رجل. رجل هذا يشمل الجاهل والعالم، فإذا قلت: عالم. قلت الاشتراك لماذا؟ لأنه بقي اشتراك ما هو؟ من هو هذا الرجل العالم زيد أو عمرو أو خالد بقي اشتراك، لكن هذا قللت الاشتراك، فإنه كان بحسب الوضع محتملاً لكل فرد من أفراد الرجال فلما قُلْتَ: عالم. قللت ذلك الاشتراك وخصصته بضرب من الأفراد المتصفة بالعلم.
(1) سبق مستدرك بعده مباشرة.
والتوضيح عند النحاة عبارة عن رفع الاحتمال الحاصل في المعارف نحو: زيد التاجر عندنا. فإن وصفه بالتاجر يرفع احتمال غيره، فالتخصيص عند البيانيين أعم فيشمل تقليل الاشتراك وهذا في وصف النكرة، ورفع الاحتمال وهذا في وصف المعرفة.
(وَالتَّعْيِينِ) هكذا (وَالمَدْحِ وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّعْيِينِ) ويعبر عنه بالتنصيص أي: البسط والبيان لكون دلالة المنطوق أقوى نحو: جاءني رجل واحد. جاءني رجل قال: واحد. ما الفائدة هنا؟ تنصيص تعيين، لأن ما دلّ عليه بالمنطوق ليس في قوة ما دُلّ عليه بالمفهوم، فإن رجل دلّ على الواحد بالمفهوم، وواحد دلّ على الواحد بالمنطوق، هكذا قيل.
قيل: وهو شرط في إفادة الوصف المدح أو الذم أو الترحم وإذا لم يكن متعيِّنًا قبل ذكر الوصف كان الوصف مخصِّصًا حينئذٍ يكون ماذا؟ اشترط ذلك لئلا يكون الوصف مخصِّصًا، على كل التعيين قل من ذكره. يعني: لم يذكره إلا صاحب ((التلخيص)).
المبحث السادس: في تأكيده أو الذي يليه بعد الوصف
وَكَوْنُهُ مُؤَكَّدًا فَيَحْصُلُ
…
لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لَا يَشْمُلُ
وَالسَّهْوِ وَالتَّجَوُّزِ المُبَاحِ
…
.............................
يُؤَكَّدُ المسند إليه بأحد المؤكِّدات المذكورة في النحو فيحصل تأكيده لأمور:
أولاً: (لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لَا يَشْمُلُ) يعني: دفع توهم عدم الشمول. جاء القوم، القوم هذا مُسنْد إليه، ما هو يحتمل أنه مجاز أطلق الكل وأريد به البعض يحتمل هذا؟ لكن إذا أكدته جاء القوم كلهم، إذًا ما فائدة التوكيد هنا؟ دفع توهم عدم إرادة الشمول بالمسند إليه وهو القوم. أي: دفع توهم كون المسند إليه لا يشمل للأجزاء أو للجزئيات نحو: استوى الرغيف كله. استوى الرغيف، يحتمل استوى بعضه دون كله، وإذا قلت: كله. حينئذٍ رفعت توهم عدم إرادة الشمول للأجزاء، لا للجزئية، وجاء القوم كلهم لئلا يُتوهم أنه استوى البعض في المثال الأول وأن البعض لم يجئ لكنك لعدم اعتدادك بالباقي منهما جعلت الفعل المسند إلى الكل بناءً على أنهم في حكم شيء واحد.
إذًا لعدم توهم عدم إرادة الشمول أُكَّد المسند إليه - وهذا مر معنا في المؤكدات بكل وكذلك، والمجاز بنحو نفسه وعينه -.
واستهوي أي: لدفع وهم استهوي والنسيان في النسبة كقولك: جاء زيد. زيد هذا مسند إليه يحتمل أنك أخطأت، أردت أن تقول: جاء عمرو. فقلت: جاء زيد. لكن لما قلت: زيد زَيد. علمنا أنك متيقظ فالثاني يكون مؤكدًا للأول لدفع توهم السهو أو النسيان، لأن إعادة لفظ المسند إليه تنفي السهو والنسيان فيه، ثم السهو والنسيان وإن اشتركا في أن الحكم مع كل منهما يكون صادرًا على سبيل الغلط لكنهما افتراقا بأن الأول الذي هو السهو ينبه صاحبه بأدنى تنبيه بخلاف الثاني.
(وَالتَّجَوُّزِ) يعني لدفع توهم المجاز وهذا في النفس والعين جاء زيد يحتمل أنه رسوله أو غلامه أو كتابه، قلت: نفسه، عينه. حينئذٍ رفعت توهم المجاز، أي دفع توهم المجاز أي: التجوز في النسبة نحو: جاء زيد نفسه. فإنه ينفي أن يكون جاء غلامه، وإنما نسب المجيء إليه تجوزًا، وقلنا: هذا فيه بحث فصلناه في شرح المطول على (الآجرومية)) يُرجع إليه، والكلام غير مسلم مطلقًا.
وقوله: (المُبَاحِ). هذا من باب التتمة يعني: التجوز المباح الذي يكون سائغًا يعني: ما وجد فيه شروط المجاز، ليس كل ما ادُّعِي المجاز حينئذٍ قُبِلَ، المجاز لا شك أنه موجود في اللغة وفي الكتاب والسنة لكن ليس على إطلاقه.
إذًّا:
وَكَوْنُهُ مُؤَكَّدًا فَيَحْصُلُ
…
لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لَا يَشْمُلُ
وَالسَّهْوِ وَالتَّجَوُّزِ المُبَاحِ
…
.............................
المباح صيغة كاشفة (ثُمَّ بَيَانُهُ فَلِلإِيضَاحِ بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ)، (بَيَانُهُ) يعني: يعطف على المسند إليه عطف بيان، ما فائدة عطف البيان هذه كلها مرت معنا في النحو، (ثُمَّ) للترتيب الذكري (بَيَانُهُ) أي: إتباع المسند إليه بعطف البيان. (فَلِلإِيضَاحِ) يعني: له فائدة واحدة وهي إيضاحه باسم يختص به مثل ماذا؟ أقسم بالله أبو حفص. من هو أبو حفص؟ يحتمل عُمَر، حينئذٍ لما قلت: عمر. رجعت إلى الأول فعطفت عليه ورفعت الاحتمال لأن أبا حفص كنية ليست لعمر بن الخطاب فقط، وإنما هي له ولغيره ولكن عمر حينئذٍ تعين بأن المراد بمسمى أبي حفص هو عمر بن الخطاب
…
(فَلِلإِيضَاحِ بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ) يختص بالمسند إليه، وقوله:(بِهِ). هذا متعلق بقوله: (يَخْتَصُّ) باسم يختص، يختَص باسم به، أي: لإيضاحه وكشفه باسم مختص به، للإيضاح باسم، باسْم هذا متعلق للإيضاح [لا، للإيضاح]، (فَلِلإِيضَاحِ) يعني: إيضاح المسند إليه (بِاسْمٍ) مختص (بِهِ) بالمسمى، (بِهِ) متعلق بـ (يَخْتَصُّ)، و (بِاسْمٍ) متعلق بالإيضاح تقدير الكلام (فَلِلإِيضَاحِ) باسم مختص به أي: بالمسند إليه، والفرق بينه وبين الصفة الموضحة أنه وُضع ليدل على للإيضاح بخلافها، يعني: الصفة قد تأتي موضحة وعطف البيان يأتي موضحًا، ما الفرق بينهما؟ نقول: الفرق: أن عطف البيان وُضع ابتداءً ليدل على الإيضاح بخلاف الصفة، فإنها وضعت لتدل على معنى في موصوفها.
ومثاله عطف البيان كقولك: قدم صديقك خالد. فإنه يجوز أن يكون للمخاطب أكثر من صديق أليس كذلك؟ جاء صديقك كل واحد عنده أصدقاء من هو؟ خالد إذًا وضحت أم لا؟ وضحته باسم يختص به لا يشاركه غيره فيه البتة، فإنه يجوز أن يكون للمخاطب أكثر من صديق واحد فلا يتبادر إلى ذهنه باللفظ صديقك ما هو مراد المتكلم، فلما فُسِّرَ بما هو المراد منه وهو خالد اتضح المراد، ولا يلزم أن يكون عطف البيان أوضح من متبوعه على الصحيح فيه خلاف بجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما معًا، ومثَّلُوا لذلك بغير المسند إليه بقوله: أقسم. بقول الشاعر:
أقسم بالله أبو حفص عمر.
مع أنه الكنية أشهر وأوضح من الاسم لجواز تعدد كل واحد منهما منفردًا فيكون فيه خفاء ويرتفع عنه ذلك الخفاء بذكر الثاني مع الأول، يعني: قد يكون المسند إليه مع عطف البيان كل منهما فيه إيضاح للآخر، وذلك إذا اشتهر أحدهما واشتهر الثاني كذلك.
(وَالإِبْدَالُ يَزِيدُ تَقْريرًا لِمَا يُقَالُ) هذا الثالث من التوابع، (وَالإِبْدَالُ) منه أي: من المسند إليه (يَزِيدُ) المسند إليه (تَقْريرًا) أي: تقرير الأمر في نفس السامع ففيه نوع تقوية وتوكيد لماذا؟ لأنه في نية تكرار العامل مثل السابق: قدم صديقك خالد. يحتمل أنه بدل كأنك قلت: قدم صديقك قدم خالد. لأن العامل في الثاني هو عين العامل في الأول لكن على التكرار، يعني: أو بتعبير آخر أدق نقول: العامل في الثاني مغاير للعامل الأول من حيث العمل، لكنه من حيث الوصف فهو هُو، قدم صديقك قدم خالد، إذًا العامل في صديق هو عينه العامل في خالد لكن باعتبار التعدد لا باعتبار الاتحاد، يعني: ليس هو كالصفة مع الموصوف.
يزيد تقريرًا (لِمَا يُقَالُ) أي: بالمعنى المقصود (لِمَا يُقَالُ) تتمة يعني للذي (يُقَالُ) المراد به المعنى المقصود، فالإبدال من المسند إليه لزيادة التقريب وفائدته المبالغة وسبب التقرير هنا تأكيد المعنى تكرار العامل، فقوله:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} [الفاتحة: 6، 7]. أبدل ليكون شهادة بالصراط بالاستقامة على أبلغ وجه {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} صراط من؟ ما صفة أهله؟ قال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} . إذًا فيه زيادة تقرير لأنه إذا طرق السمع أولاً مبهمًا ثم عُقِّبَ بالتفسير تمكن عنده، وكذا بدل البعض كالسابق بدل الكل من الكل نحو: جاء القوم أكثرهم. جاء القوم جاء أكثرهم والاستمال نحو سُلِبَ عمرو ثوبه، سُلِبَ عمرو سُلِبَ ثوبه، فيه تكرار، وأما بدل والغلط فلا يرد هنا لأنه ليس بفصيح خارج عن الفصاحة، والمراد بالزيادة التقرير أي التثبيت بالحكم والمسند إليه في ذهن السامع لاشتماله على تكرير الحكم والمسند إليه.
ثم قال:
الْعَطْفُ تَفْصِيلٌ مَعَ اقْتِرَابِ
…
أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ
(الْعَطْفُ) المراد به عطف النسق، (الْعَطْفُ) مبتدأ و (تَفْصِيلٌ) خبره، و (الْعَطْفُ) أي: النسق أي جعل المسند إليه معطوفًا عليه غيره بأحد الحروف العشرة أو التسعة المشهورة عند النحاة وهي مكررة في النحو ومكررة بمعانيها، والأصل قاعدة هنا أن يعتبر في المعنى معنى الحرف المعنى الذي وُضع له الحرف، فالواو لمطلق الجمع، والفاء للترتيب لا # 43.48، وثم، المعاني تلك هي المعتبرة هنا، فإذا عطفت بالفاء لإرادة معنى الفاء، وإذا عطفت بـ ثم لإرادة معنى ثُمَّ .. وهكذا، الحكم واحد، هذه قاعدة عامة في هذا الباب ولكن مثل بمثالين، و (الْعَطْفُ) المذكور يكون لأمور منها (تَفْصِيلٌ) بالصاد المهملة أي: تفصيل المسند إليه. (تَفْصِيلٌ)(مَعَ اقْتِرَابِ) أي: مع اختصار. أراد بالاقتراب هنا الاختصار هذا تعبير في ذلك، مع اختصار في ذلك التفصيل لطي العامل من المعطوف، نحو قولك: جاء زيد وعمرو. هنا فصلت جاء زيد وعمرو، أفادت الواو المغايرة هذا الأصل في العطف حينئذٍ فصلت في من ثبت له المجيء وهو زيد وهو عمرو، فإن فيه تفصيل الفاعل لأنه زيد وعمرو من غير دلالة على تفصيل الفعل، الفعل واحد الذي هو المسند بأن المجيئين كانا معًا أو مترتبين مع مهلة أو بلا مهلة، إذ الواو وإنما هي لمطلق الجمع، أي: لثبوت الحكم للتابع والمتبوع من غير تعرض لا لترتيب ولا لمعية، كما هو الشأن في معنى الواو وهو مذهب البصريين، قيل: واحترز بقوله: مع اختصار أي نحو قوله: جاءني زيد وجاءني عمرو. هنا ليس عندنا اختصار لماذا؟ لأنه فصَّل المسند، وبالسابق فصل الفاعل ووحد المسند، جاء ثبت المجيء واحد زيد وعمرو إذًا التفصيل في الفاعل، لو قلت: جاء زيد وجاء عمرو. فصلَّت كذلك في المسند فليس فيه اختصار، فإنه وإن أفاد تفصيل المسند إليه لكنه لا يفيد بالاختصار، فلا يكون من عطف المسند إليه بل من عطف الجملة.
(أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) أو يكون العطف فيه (رَدّ سَامِعٍ) أي: للسامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه، وذلك بالعطف بلا - وهذا مر معنا في النحو - جاءني زيد لا عمرو، إذا اعتقد المخاطَب أن الذي جاءك زيد حينئذٍ قد أخطأ في الحكم فترده من الخطأ إلى الصواب تقول: جاءني زيد لا عمرو. (أَوْ رَدِّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَابِ) يعني: من الخطأ الذي أعتقده إلى الصواب وهذا يكون بلا وبل كذلك ولكن على تفصيل عند النحاة.
(وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) مبتدأ وخبر، ومن جملة أحوال المسند إليه،
…
(الْفَصْلُ) فصل ماذا عن ماذا؟ المسند عن المسند إليه [أنتم ظاهرية] المراد بالفصل هنا ما يسمى بضمير الفصل [ها ها](وَالْفَصْلُ للتَّخْصِيصِ) يعني: من جملة أحوال المسند إليه الفصل أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤْتَى به بين المبتدأ والخبر، زيد هو القائم، هو، هذا ضمير فصل، صورته صورة ضمير، هو ليس بضمير على الصحيح، هو حرف لكن صورته صورة الضمير ولذلك سُمَّي ضميرًا، فصل بين المسند إليه والخبر، واضح؟ هذا يُسمى ضمير فَصْلٍ. أي: تعقيبه بما صورته صورة ضمير مرفوع منفصل يُؤتى به بين المبتدأ والخبر وهما أصله عند اشتباه الخبر بالصفة، يعني:[زيد قائم](1) يحتمل احتمالاً أن قائم صفة لزيد، زيد القائم بـ
…
(أَلْ) ليس نكرة هذا يحتمل إذا قلت: زيد قائم هذا لا يحتمل أنه صفة، لماذا؟ لأن قائم نكرة وزيد معرفة، ولا بد من التطابق، إذًا لا يحتمل، لكن لو قلت: زيد القائم احتمل أن القائم هنا صفة لزيد وأنت أردت أن يكون خبرًا فتأتي بالضمير، زيد هو القائم فتعين أن يكون خبرًا لأنه لا يوصل بين الموصوف وصفته الضمير، وذلك إذا كان الخبر معرفة نحو: زيد هو العالم. أو اسم تفضيل مستعملاً بمن نحو: زيد هو أفضل من عمرو. أو فعلاً ماضيًا نحو: زيد هو قام، أو فعلاً مضارعًا نحو: زيد هو يقوم. أربعة أحوال، يعني لا يُؤْتَى بضمير الفصل بعد المبتدأ المسند إليه إلا إذا كان الخبر معرفةً، أو اسم تفضيل وذكرت معه من، [أو فعل ماضي](2) أو فعلاً ماضيًا، أو فعلاً مضارعًا. وإنما يجاء به إذا كان الخبر أحد هذه الأمور المذكورة، وتسميته بالفصل عند البصريين، والكوفيين يسمونه عامدًا أو دعامة، وله أحكام، هل هو اسم أو حرف، وعلى الأول إذا ثبت أنه اسم هل له موضع من الإعراب أو لا؟ وإذا كان له موضع هل الموضع باعتبار من قبله؟ أو باعتبار ما بعده، أقوال مبسوطة في كتب النحو، وجعله من أحوال المسند إليه دون المسند مع أن واسطة لاقترانه أولاً بالمسند إليه، أو لأنه في المعنى عبارة عنه وفي اللفظ مطابق له فإفرادًا وتذكيرًا وتأنيثًا وتثنيةً وجمعًا، كذلك وتكلمًا وخطابًا وغيبًا، يعني: لماذا جعلناه من توابع المسند إليه مع كون القدر المشترك بين المسند إليه والمسند؟ لأن له أحكامًا تتأتى على ضمير الفصل راجعة إلى المسند إليه، والحق أن فائدته ترجع إليهما جميعًا، لأنه يجعل أحدهما مخصصًا ومقصورًا عليه، ولآخر مخصصًا به ومقصورًا عليه، ويكون الإتيان به كما قال الناظم هنا:(للتَّخْصِيصِ). يعني: لإفادة التخصيص والقصد، وهو إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عن ما عداه، وهذا قد يذكره في باب القصر فيما يأتي، ويكون الإتيان به (للتَّخْصِيصِ) أي: لأجل التخصيص بالمسند إليه بالمسند أي قصره على المسند إليه، لأنه مما يفيد القصر والحصر نحو: زيد هو القائم. يعني: لا غيره.
(1) سبق وضحه الشيخ بعدها.
(2)
سبق مستدرك بعده.
إذًا أثبت القيام لزيد وحصرته في زيد ونفيت القيام عن غير زيد، بماذا حصل؟ بضمير الفصل كأنك قلت: ما قائم إلا زيد، والزيدان هما قائمان انظر ثنيت هما، والزيدون هم القائمون {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: لا غيرهم. {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} [الشورى: 9] أي: لا غيره. واضح هذا؟
لما فرغ الناظم من الكلام عن إتباع المسند إليه بأحد التوابع المتقدم بيانها أو ما يتصل بذلك أو ضمير الفصل شرع بالكلام على تقديمه والأصل ويقال: تأخيره
فقال:
............ والتَقْدِيمُ
…
فَلاِهْتِمَامِ يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ
كَالأَصْل وَالتَّمْكِينِ وَالتَّعَجُّلِ
…
.............................
تقديم المسند إليه هذا تابع لذاته، فصل بينهما الناظم تبعًا للقزويني في
…
((التلخيص)). (والتَقْدِيمُ) يعني: المسند إليه على غيره من أجزاء الكلام، والمراد هنا من التقديم إراده مقدمًا يعني: لا يتأخر، لأنك تقول: في الدار زيد، زيد في الدار. متى تُقَدِّمُ ومتى تؤخر؟ هنا يبحث البيانيون،
…
(فَلاِهْتِمَامِ) به يعني: يقدم المسند إليه لقاعدة عامة وهو أنه مهم، ثم هذه الأهمية لها أسباب يعني: الاهتمام هذا جنس عام ويصدق بماذا؟ لكونه الأصل ولكونه التمكين والت
…
#52.15 هذه كلها سبب أو أسباب لبيان كون المسند إليه مهتمًا به، واضح؟
إذًا القاعدة العامة في كونه مقدمًا هو الاهتمام، ثم ما وجه هذا الاهتمام؟ بأي سبب يكون؟ وبأي طريقة يكون؟ هو الذي ذكره فيما بعده. ولذلك قال:(فَلاِهْتِمَامِ) به وأنه هو المهم عند المتكلم أو المخاطب من ذكره غيره. أي: فلكون ذكره أهم ولا يكن في التقديم مجرد ذكر الاهتمام، بل لا بد من أن يبين أن الاهتمام من أي وجه وبأي سبب فلهذا فصله الناظم بقوله:(يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) والتفصيل. لماذا؟ لأي شيء؟ للاهتمام. قال ماذا؟ (والتَقْدِيمُ فَلاِهْتِمَام) الاهتمام يحصل بماذا؟ قال: (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ). يعني: التنويع والتفصيل للاهتمام (كَالأَصْل) وما عطف عليه، (يَحْصُلُ التَّقْسِيمُ) أي: تفصيل جهة الاهتمام وسببه (كَالأَصْل) فيه لأن المسند إليه الأصل فيه أن يكون مقدمًا لماذا؟ لأنه محكوم عليه، والمحكوم عليه الأصل أن يتقدم لأنه موضوع، والخبر محمول عليه، هذا الأصل كالأساس بالنسبة للبيت، (كَالأَصْل) فيه أي: الأمر الذي ينبغي أن يتصف الشيء به في نفسه لولا المانع، وذلك لأنه محكوم عليه ولا بد من تحققه قبل الحكم فقصدوا أن يقدم في الذكر أيضًا، وهذا واضح، لاسيما ولا مقتضى للعدول عنه لأنه إذا لم يكن سبب لأن يتأخر المسند إليه إذا لم يكن عندنا مقتضٍ - وهذا موافق للأصل - فاجتمع فيه أمران:
كونه الأصل محكومًا عليه.
وكونه لم يوجد مقتضٍ لتأخيره.
لذلك قال: لاسيما ولا مقتضي للعدول عنه إذ لو وجد أمر يقتضي العدول عن ذلك الأصل فإنه يُلغى - يعني: التقديم - ولا يقدم المسند إليه على المسند كما في الفاعل مع فعله، فإن مرتبة العامل الذي هو الفعل مثلاً التقديم على المعمول كالفاعل، لأن الكلام في المسند إليه يعم المبتدأ والفاعل، المبتدأ واضح أنه متقدم فقام زيد هنا متأخر، لماذا تأخر؟ لوجود المقتضي، ما هو المقتضي؟ أنه فاعل، وكونه فاعلاً بمعنى أنه لا يتقدم على عامله، وبعد فعل فاعل، وهذا يبحث في كتب النحو، وكما لو تضمن الخبر استفهامًا ما نحو: أين زيدٌ حينئذٍ تقول ماذا؟ أين زيدٌ؟ أين مبتدأ، زيدٌ وأين الخبر؟ أين، إذًا لماذا؟ تأخر هنا لوجود المقتضي وهو كون الخبر متضمنًا الاستفهام، والاستفهام له الصدارة في الكلام، حينئذٍ وجب تقديمه، ولهذا الموضع من المواضع وجوب تقديم الخبر على المبتدأ، أين زيدٌ؟ فإنه من مقتضيات العدول عن الأصل .. وهكذا. والتمكين فالأصل والتمكين أن يكون التقدير للمسند إليه بالتمكين أي: التَّمَكُّن يعني: تمكن الخبر في ذهن أو تمكن الخبر في ذهن السامع، تمكن الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ تشويقًا إليه أي: للخبر وذلك إذ وصف المبتدأ بوصف غريب مشوقٍ إلى معرفة خبره، ولا شك أن حصول الشيء بعد التشوق إليه أوقع في النفس من غيره، بمعنى أنك تقدم المبتدأ على الأصل لوجود مقتضٍ وهو ماذا؟ أن فيه شيئًا يدل على التشويق، وهذا التشويق يمهد للخبر حينئذٍ هذه الفائدة مشتركة بين المبتدأ والخبر، فحينئذٍ إذا جاء الخبر بعد التشوق تمكن في النفس كما قال الشاعر:
والذي حارت البرية فيه
هذا مبتدأ، هذا يجعل الإنسان عندما يسمع هذا الكلام من هو الذي حارت البرية - إنسان - حيوانٌ مستحدثٌ من جماد
جاء الخبر حينئذٍ تمكن في النفس، فقدم المبتدأ وهو الموصول [وصل معنى نعم] (1) وهو الموصول لما وصله بجملة قوله:
حارت البرية فيه
(1) سبق.
فصارت النفس متشوقةً إلى الخبر عنه، ما هو؟ فلما أتى إلي بعد ذلك الشوق صادف عنده من التمكن ما لم يصادفه لو عكس الأمر، والتعجل أي: ويكون تقديم المسند إليه لأجل التعجل يعني: تعجيلاً للمسرة خبر. نجح زيدٌ أو ناجحٌ زيدٌ حينئذٍ نقول: هذا عجل. يعني لم يكن هذا في المبتدأ، أي: لتعجيل المسرة للمخاطب بالتفاؤل بلفظه إذا كان مِمَا يتفاءل به نحو: سعدٌ في دارك، هو يحب سعد مثلاً قال: سعدٌ في دارك فرحًا منذ أن سمع سعد استبشر بذلك، أو لتعجيل الإساءة مثلاً كقولك مثلاً السفاح في دارك [ها ها] هذا فيه ماذا تعجيلٌ للإساءة إليه. (وَقَدْ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ إِن وَلِي)، (وَقَدْ) هذا للتكثير هنا ليس للتقليل (وَقَدْ يُفِيدُ) تقديم المسند إليه
…
(الاخْتِصَاصَ) وعرفنا معنى الاختصاص متى؟ (إِن وَلِي نَفْيًا) بلا فاصل بينهما يعني: إذا تقدم المسند إليه وكان الخبر جملةً فعلية وكان النافي قد اتصل بالمسند إليه، يعني: ليس بينهما فاصلٌ البتة (وَقَدْ) هذه للتكثير (يُفِيدُ) تقديم المسند إليه لا لما سبق من الاعتبارات، بل يقدم ليفيد (الاخْتِصَاصَ) والحصر بالفعل الواقع في مقام الخبر، يعني: قصر الخبر الفعل عليه، وهذه قيود يتقدم المسند إليه، ويكون تاليًا لنفيٍ بلا فاصل، ويكون الخبر جملة فعلية. بهذه القيود الثلاث أفاد الاختصاص والقصر.
ما أنا قلت هذا. ما أنا قلت، أنا قلت جملةٌ اسمية أنا مبتدأ وتقدم، قلتُ هذا، هذه جملة فعلية خبر ما هنا، حينئذٍ ما أنا قلت هذا فيه حصرٌ أم لا؟
فيه حصر أم لا؟ ماذا تفهم من هذه الجملة؟ ما أنا قلت هذا؟
بل غيري، بل سواي.
إذًا الحصر هنا في نفي القول عن الشخص نفسه، وفيه فائدة أخرى من جهة المفهوم وهي إثباته للغير، وذلك لا يصح أن يقال ما أنا قلت هذا ولا غيري هذا تناقض ولا يصح، لماذا؟ لأنك بقولك ولا غير بالمنطوق نفيت ما أثبته بالمفهوم لأن قولك ما أنا قلت بمفهومه فيه ثبوتٌ للغير بأنه قاله، فإذا قلت ولا غير حينئذٍ تناقضت.
إذًا (وَقَدْ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ إِن وَلِي) وكذلك إن وَلِِيَ، يعني: تلا المسند إليه نفيًا، لكن قَصَّرَ هنا الناظم، وكان الخبر جملةً فعلية، ليس نفيًا فقط، وكان الخبر جملةً فعلية، فإن كان جملة اسمية فلا، إن كان مفردًا فلا، فلا يختص الحكم هنا إلا بما إذا كان الخبر جملة فعلية، أي: أداة نفيٍ أي: واقعًا بعدها بلا فاصلٍ سواءٌ كان مظهرًا، أو مضمرًا، معرفًا، أو منكرًا، مطلقًا المسند إليه سواء كان ضميرًا أم لا معرفةً أم لا، نحو: ما أنا قلت هذا. أي: بل سواي أي للغير. وإنما يختص نفي القبول أو القول عنه وإنما يختص نفي القول عنه إذا وقع على غيره، إذ لو لم يقع على غيره لم يختص نفيه به، الاختصاص هنا في ماذا؟
في نفي القول عن نفسه، ما أنا قلت هذا، الاختصاص الذي أفاده تقدم النفي وتقدم المسند إليه وكون الجملة الفعلية خبرًا عن المبتدأ هو نفي القول عن الذات، وهذا إنما يكون فيه إثباتٌ لغيره، إذًا له جهتان، ولذلك قال: إنما يختص نفي القول عنه إذا وقع على غيره، إذا إذ لو لم يقع على غيره لم يختص نفيه به، فالتقديم يفيد نفي الفعل عن المتكلِم وثبوته لغيره على الوجه الذي نُفِيَ عنه من العموم أو الخصوص، ولا يلزم ثبوته لجميع من سواه، يعني: إذا قلت: ما أنا قلت هذا. إذًا بل سوايَ، إذًا كل من سواه، لا، ليس المراد هذا، وإنما المراد به البعض على الوجه الذي نُفِيَ عن المتكلِم، لأن التخصيص إنما هو بالنسبة إلى من توهم المخاطب اشتراكه مع المتكلم أو انفراده به دونه، بخلاف لو قلت: ما قلتُ. ما قلتُ هذا فيه نفي فقط ليس فيه اختصاص النفي عنك وإثباته لغيرك، فإنه إنما يكون في شيءٍ لم يثبت أنه مقولٌ، ما قلت يعني: هذا يأتي في المناظرة أو المجادلة، لو قلتَ: ما قلتُ هذا. حينئذٍ ما الذي تُفيده هذه الجملة؟ تفيد أن هذا القول منفي لكنه لا يدل على أنه قد قيل، لكن قولك: ما أنا قلتُ هذا، هذا فيه إثباتٌ للقول، فرقٌ بين الجملتين، ما قلتً هذا. إذًا القول لم يقل من أصل، ليس فيه دلالة. لكن ما أنا قلتُ هذا. القول قد قيل به لكنه لم أقله أنا نفيت عن نفسي وأثبته لغيري، ففرقٌ بين الجملتين، بخلاف: ما قلتُ. فإنه إنما يكون في شيءٍ لم يثبت أنه مقول، وما أنا قلتُ هذا في شيءٍ ثبت أنه مقولٌ ولكن نفيته عن نفسي، فالتقدم هنا أفاد التخصيص، ونفي الحكم عن المذكور مع ثبوته لغيره.
وهذه المسألة فيها تفصيلات كثيرة جدًا في ((المطولات)) ترجعون إليها.
ثم ختم الباب بمسألة وهي أن جميع ما تقدم في هذا الباب من الأحوال المقتضية لاختلاف المسند إليه من الحذف والذكر .. إلى آخره هو مقتضى الظاهر، يعني: الكلام هنا كالكلام في أَضْرُبِ الخبر، أضرب الخبر عرفنا ابتدائي لا يؤكد، الطلبي مؤكد واحد استحسانًا يعني: وجوبًا أقل، الإنكاري وجبت.
ثم قد تتبدل وتتغير، يعني: يخرج الكلام على غير مقتضى الظاهر، هنا كذلك قد يقتضي الظاهر الحذف لكن تخالفه فتذكره، قد يقتضي المقام الذكر لكنك تحذفه، إذًا قد يؤتى بالكلام في الاعتبارات الماضية لا على وجهٍ، لكن لا بد من فائدة ونكتة.
ما سبق هو مقتضى الظاهر وقد يخرج الكلام على خلافه لنكتةٍ، ولذلك قال:
وَقَدْ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ
…
يَأْتِي كَالأُولَى وَالْتِفَاتٍ دَائِر
(وَقَدْ) تقليل أو تكثير؟ إن كان في نفسه فهو كثير، كثير جدًا ولذلك الغيب والالتفات كثير حتى في القرآن، وإن كان باعتبار ما جرى على وفق الظاهر فهو قليل، فالتقليل والتكثير هنا باعتبار المقابل، إن كان في نفسه فهو كثير، وإن كان بمقابلة ما سبق فهو قرين.
(وَقَدْ) يأتي (عَلَى خِلَافِ)، (وَقَدْ)(عَلَى خِلَافِ) مقتضى
…
(الظَّاهِرِ) لاقتضاء الحال إياه (يَأْتِي) ما هو؟ (وَقَدْ) يأتي (عَلَى خِلَافِ) مقتضى الظاهر، ما هو الذي يأتي؟ المسند إليه [نعم المسند إليه]، قد يأتي المسند إليه والعارض له الحذف ومقتضى الظاهر أنه يذكر فحينئذٍ جاء خلاف مقتضى الظاهر، لنكتةٍ فمن ذلك قالوا: وضع المضمر موضع الظاهر، قد يقتضي الكلام أن تعبر بالاسم بالظاهر فتأتي بالضمير، والعكس بالعكس، كقوله: نِعْمَ عبدًا ما كان نعم العبد، العبد عبدًا أين الاسم الظاهر؟ وأين الضمير؟ نِعْمَ العبد، العبد اسم ظاهر، قد تعدل عن هذا الظاهر وتقول: نِعْمَ عبدًا أين الضمير؟ نِعْمَ هو عبدًا، إذًا عدلت عن التصريح بالعبد وجئت به مضمرًا، يعني: ضميرًا، إذ المقام يقتضي الإظهار لعدم تقدم المسند إليه، فأضمر معادًا إلى مُتَعَقَّلٍ في الذهن والتزم تفسيره بنكرةٍ ليُعْلَمَ جنس المتعقل، يعني: قد تقول: نِعْمَ عبدًا، والأصل أن تقول: نِعْمَ العبد، فتَعْدِل عنه فتقول: نِعْمَ عبدًا، عدلت عن الاسم الظاهر إلى الضمير، ما الذي سوَّغ لك ذلك؟ كونك جئت بنكرةٍ، وهذه النكرة تعتبر مفسرة لمرجع الضمير، لأن الضمير في الأصل يرجع إلى متقدم، وهناك [ستة أحوال أو $$ 1.07.11] ستُ أحوال يرجع الضمير إلى متأخر منها هذا الضمير، نِعْمَ عبدًا. عاد الضمير إلى عبدًا ولم يعد إلى متقدم، فلما كان كذلك حينئذٍ وضع الضمير موضع الاسم الظاهر، ومثَّل الناظم بمثالين للخروج عن جاء مقتضى الظاهر، الأول أشار إليه بقوله:(كَالأُولَى). الأولى يعني: كونه أولى بالقصد والإرادة، أي: من خلاف المقتضى أي: مقتضى الظاهر مجاوبة المخاطب بغير ما ترقب، يعني: يسأل السائل أو يطلب بلسانٍ مقاله يطلب كلامًا فأجيبه بغير ما سأل، هذا يُسَمّى ماذا؟ الأسلوب الحكيم
…
[سماه السكاكي (المغالطة)](1) مجاوبة المخاطب بغير ما يترقب، وسماه الجرجاني (المغالطة) ليس السكاكي، والسكاكي الأسلوب الحكيم وذلك بحمل كلامه على خلاف قصده، تنبيهًا على أنه أولى بالقصد، كمن يسأل عن شيءٍ لا يختص به فتجيبه بجوابٍ يتعلق به، كأنك تقول: كان الأولى بك أن تسأل عما أجبتك به، وأما ما سألت عنه فهذا تعديل عنه، كقول الْقَبَعْثَرَى وقد قال له الحجاج متوعدًا: لأحملنك على الأدهم. قصد به الحديد، فحمله القَبَعْثَرَى على الخيل: مثل الأمير يحمله على الأدهم والأشهب. هذا حَمَلَ ماذا؟ حَمَلَ كلام المتكلم على خلاف مقتضى الظاهر، لأن مقتضى الظاهر أن الأدهم مراد به الحديد، فقال له: مثل الأمير يحمله على الأدهم والأشهب. أراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القَبَعْثَرَى بغير ما ترقبه من فهمه التوعد بألطف وجهٍ مشيرًا إلى أن من كان مثله في السلطة والسعة إنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل، لا أن يقيد. فقال له الحجاج: إنه حديد. فقال: لأن يكون حديدًا خيرٌ من أن يكون بليدًا. حديد قال له: لأن يكون حديدًا أولى من أن يكون بليدًا. ومنه إجابة السائل بغير ما يتطلب تنبيهًا على أنه الأولى أو الأهم.
(1) ((سبق استدركه الشيخ.
قالوا: كقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] اشتهر هذا المثال عند البيانيين سألوا عن الهلال يبدوا دقيقًا ثم يتزايد حتى يستوي ثم ينقص حتى يعود كما بدأ، فأي فائدةٍ تحت ذلك، فأجيب ببيان حكمة ذلك وهي أنه معرفة المواقيت والحلول والآجال، يعني: ليس لكم أن تسألوا عن دقته وغيره، ورُوِيَ أنهم لم يسألوا عن سبب زيادة الهلال ونقضانه بل عن سبب خلقه، والله أعلم.
الثاني وأشار إليه بقوله: (وَالْتِفَاتٍ دَائِر). يعني: دائرٍ بين التكلم والخطاب والغيبة التفات دائر، دائر بين ماذا؟ بين التَّكَلُّمِ والخطاب والغيبة. المشهور عند الجمهور أن الالتفات هو التعبير عن معنًى بطريقٍ من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريقٍ آخر منها، يعني: خاصٌ بهذه الثلاثة، يتكلم عن الغيبة ثم ينتقل مباشرة إلى الخطاب، أو العكس بالعكس، فالانتقال من الغيبة إلى التكلم، ومن التكلم إلى الخطاب، وهذا يسمى ماذا؟ يسمى التفاتًا لأنه على خلاف مقتضى الظاهر.
مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب كقوله تعالى: {وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22]. {أَعْبُدُ} {تُرْجَعُونَ} ، الأصل وإليه أرجع هذا الأصل {أَعْبُدُ} أرجع، {أَعْبُدُ} ترجع، إذًا هذا إلى الخطاب والأصل وإليه أرجع، ومن التكلم إلى الغيبة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 1، 2] أين الالتفات؟
…
{أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، {إِنَّا} وهذا تكلم من التكلم إلى الغيبة، أين الغيبة؟ {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} لأن الاسم الظاهر عندهم من الغيبة، تقول: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ غائب هذا ليس، لإنه إما خطاب وإما هو وإما أنا، إما هذا أو ذاك، واحدٌ من الثلاثة، فإذا قلت: زيدٌ قائمٌ. هذه عبارة عن الغيبة فالاسم الظاهر نوعٌ من أنواع التعبير عن الغائب، فإذا قال:{إِنَّا} . هذا متكلم، ثم قال:{فَصَلِّ} الأصل يقول: لِي لكن قال {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} غيبةٌ لأنه اسم ظاهر.
ومن الخطاب إلى الغيبة حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم هذا الأصل، لكن قال:{وَجَرَيْنَ بِهِم} [يونس: 22]. هذا التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة.
ومن الغيبة إلى التكلم {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} [فاطر: 9].
ومن الغيبة إلى الخطاب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] الفاتحة الآيات الثلاثة الأول {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2، 4] هذه كلها ثلاث آيات غيبة لأنه بالاسم الظاهر {إِيَّاكَ} انتقال لأن الأصل إياه نعبد وهذا الأصل، لكن خرج عن مقتضى الظاهر لنكتةٍ.
والالتفاتُ مأخوذٍ من التفات، التفات الإنسان من يمينه إلى شماله وبالعكس، ووجه التسمية فيه ظاهر وهو من محاسن الكلام، ووجه حسنه ما ذكره الزمخشري هو أن الكلم إذا نقل من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ كان ذلك أحسن تطريةً لنشاط السامع وأكثر إيقاظًا للإصغاء إليه من إجراءه على أسلوبٍ واحد، يعني: الذي يستمع بعقل إذا انتقل من خطاب إلى غيبة، ومن غيبة ينشط، أما الذي لا يدري فهو لا يدري.
ومن خلاف الظاهر التعبير عن المستقبل بلفظٍ الماضي هذا لا بد من ذكره، التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، والعكس كذلك، يعني: الأصل في المعنى الماضي الحدث الذي وقع في الزمن الماضي أن يعبر عنه بالزمن الماضي قد يعبر عنه بالمستقبل لنكتة.
ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وضع
…
لكون محققًا نحو فزع
إنما يدل على تحقق وقوعه ويجعل ما هو للواقع كالواقع {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ} [النمل: 87]، {وَيَوْمَ يُنفَخُ} على بابه لا إشكال فيه لأن النفخ لم يقع بعد {فَفَزِعَ} ما فزعوا بعد، لأن فزع يدل على ماذا؟
يدل على حدثٍ وقع في الزمن الماضي، إذًا الفزع وقع، وهو لم يقع، حينئذٍ نقول: استعمل الماضي مرادًا به المستقل للدلالة على تحققه.
منه كذلك {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: 50] بعد ما نادوْا سينادي {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ} [الأعراف: 48] كذلك، جعل المتوقع الذي لا بد من وقوعه بمنزلة الواقع.
إذًا (وَقَدْ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ يَأْتِي كَالأُولَى) هذه بفتح الهمزة وسكون الواو، (وَالْتِفَاتٍ دَائِر) وبهذا انتهيا من أحوال المسند إليه، وبحثه طويل جدًا، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.