المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌خاتمة بقلم فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن المحمد الدوسري الحمد - البيان «مقدمة وخاتمة» لكتاب كشف الشبهات

[علي الحمد الصالحي - عبد الرحمن الدوسري]

فهرس الكتاب

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌خاتمة بقلم فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن المحمد الدوسري الحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

‌خاتمة

بقلم فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن المحمد الدوسري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فإن شيخنا المغفور له (محمد بن عبد الوهاب) قد نور البصائر في (كشف الشبهات) وأزال كل إشكال يورده المبطلون والمخرفون.

وبما أن الشيخ عالج في رسالته شرك التخريف بصوره المتمثلة في دعاء الأموات والغائبين، وتقديس القبور.

فقد حدثت ضروب من الشرك في هذا الزمان، برزت بأسماء وألقاب ينخدع بها الجهلة ويتعلق بها المغرضون والحاقدون.

ذلك أن أعداء الإسلام الموتورين به لما هالهم ما رأوا من عظمته وقوة إيمان أهله وزحفهم السريع الذي اكتسحوا به أغلب المعمورة في وقت قصير، صمموا على الكيد لأهله بشتى طرق الهدم والتخريب، والذي تولى كبره منهم هم اليهود والفرس.

ثم تتابعوا (والكفر ملة واحدة) فبثوا بذور التفرقة بما انتحلوه من مذاهب هدامة يبرزونها بأسماء وألوان شتى ليدخلوا في الدين ما ليس منه ويخرجوا منه ما لابد منه حتى كثرت المذاهب، والطرق والمبتدعات التي فتت في عضد المسلمين ومزقت وحدتهم وأوقفت زحفهم، وعطلت طاقاتهم، وأقعدتهم عن حمل الرسالة والجهاد.

ص: 9

ثم لما تخوفوا أخيرا من البعث الإسلامي الصحيح الذي ندب إليه (الشيخ) وقام به مع أعوانه في كل مكان، أعادوا نعرتهم الأولى التي طمستها الأنوار المحمدية حين حاولوا إشعالها بين الأنصار.

فوجدوا في هذا الوقت لها مرتعا خصبا، وكسبوا أنصارا لهم على الباطل من أبنائنا (من جلدتنا وينطقون بلغتنا) فألهبوا حماس الجهلة بنعرات العصبيات القومية في كل أمة إسلامية.

وعلى الأخص العرب، ليصرفوهم عن واجبهم ويقطعوا صلتهم بينهم وكتابهم، ويحولوا ما بقي فهم من طاقات الخير والهداية إلى الوثنية وعبادة المادة والشهوات وتقديس الأشخاص، والرغبة إليهم بحجة الجنسية والوطنية، وعكسوا لذلك كل مفهوم، واستعملوا جميع وسائل الإغراء لحمل المسلمين على التمرد عن وحي الله، حتى تكونت في المحيط الإسلامي والعربي خاصة ردة جديدة، وجاهلية جديدة، أفظع من كل جاهلية سبقتها، بما انتحلوه من مبادئ وطنية ومذاهب مادية مزخرفة بألقاب ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب مما لا يكشف إلا بالرجوع إلى أصل التوحيد الذي تكلم عليه الشيخ.

وأرى لزاما عليّ في هذه العجالة أن أُقرِّب معاني ذلك إلى القراء الكرام. فأقول:

اعلم أن توحيد الألوهية الذي تقتضيه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) المركبة من النفي والإثبات، يستلزم أصلين لا تقوم إلا بهما.

ص: 10

أحدهما: الكفر بكل معبود أو مألوه بالحب والتعظيم له، أو الخضوع لأمره وقبول حكمه سوى الله تعالى كائنا من كان بأي حجة ادعى، ولأي مصلحة تزعم وتصدى، فمن ركن إلى أي أحد من أولئك فقد ناقض هذه الكلمة العظيمة وكان خائنا لما عاهد الله عليه من مدلولها.

ثانيهما: إفراد الله بجميع أنواع العبادة والاستسلام لحكمه في كل شيء.

وحقيقة العبادة إخلاص الحب لله مع خضوع القلب، وانقياد الجوارح بدافع الحب والتعظيم.

وحقيقة الحب هي عين موافقة الله، ومحبة ما يحبه، والمسارعة فيما يرضيه، وبغض ما يكرهه واجتنابه، ومحبة أوليائه وأهل طاعته وموالاتهم ومساندتهم حيثما كانوا ومن أي جنس كانوا.

وبغض أعدائه وأهل معصيته والمخالفين لحكمه النابذين لكتابه ومعاداتهم ولو كانوا أقرب قريب.

وأن لا يؤثر محبة أي شيء على حب الله وما يحبه الله أبدا، ولا تحصل موافقته على ما يحبه ويرضاه إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه وحفظ حدوده في ذلك، ولا يحصل هذا إلا باتباع شريعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالمحب لله الصادق معه المخلص له هو الذي يكون اتجاهه اتجاها واحدا للواحد الأحد في طريق واحد بجميع أموره وظروفه، وما عداه ليس محبا لله ولرسوله، مهما ادعى.

إذ من أمحل المحال عقلا وشرعا حصول المحبة أو قبول دعواها ممن يخالف ما يحبه محبوبه، ويسارع إلى ما يكرهه ويسخطه، أو يحب أعداءه ويواليهم ويساندهم ويبغض أهل طاعته ويعاديهم وينابذهم ويقف في صف أعدائهم.

ص: 11

هذا شيء يقرره العرف والعقل فضلا عن الشرع الذي هو حقيقة ملة إبراهيم.

ومن هنا نعرف ما انغمس به غالب المحسوبين على الإسلام من الوثنية الجديدة، بل من أقبح أنواع الشرك بما استجلبوه من مبادئ الغرب ومذاهبه المادية التي بدلوا بها قولا غير الذي قيل لهم، فجعلوا حدود الوطن فوق حدود الله، وآثروا محبوباتهم وجميع نزعاتهم على حب الله وطاعته، وجعلوا لأنفسهم الخيرة فيما يشرعون وينظمون خلافا لما قضى الله ورسوله، واتبعوا ما يمليه رجال تألهوهم بالحب والتعظيم، وجعلوهم أندادا من دون الله، زاعمين أن القومية والوطنية وما يستلزمها من المذاهب المادية تتمثل في تلك الأشخاص الذين يعملون لخيرهم ويسطرون فلسفة مبادئهم ومذاهبهم فيما يزعمون، وزيادة شركهم وقبح وثنيتهم عن الأوائل ظاهر مكشوف لأنهم لم يسووا محبوبهم برب العالمين فيكونوا كغيرهم من المشركين الذين {هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .

بل زادوا لهم حباً وانقياداً في كل شيء وكان أحدهم لا يبالي إذا انتهكت محارم الله وانتقص دينه ورسوله، ولا يطمئن قلبه لذكر الله وما نزل من الحق، بل ينفر ويشمئز.

أما إذا فعل ما يخل بمبادئهم وفلسفة مذاهبهم أو ذكر محبوبهم بسوء فمن ذلك يغضبون وينتصرون لهم ما لم يغضبوا لله وينتصروا لدينه، وتجدهم قد زادوا وتمادوا في غيهم على كل ما فعله الكفرة الفجرة في غابر القرون، بحيث انعدم في بعضهم توحيد الربوبية فضلا عن توحيد الألوهية، وأصبحوا أقبح حالا من المنافقين الذين يأمرون بالمنكر؛ لأنهم يشجعون عليه فينال صاحبه منهم الجوائز والألقاب الرفيعة والوظائف

ص: 12

العالية، ويكفيك أنهم منحوا لقب القداسة للنصراني الملحد الذي قال أشنع مقالة وأقبحها، جعل فيها المبدأ والوطن ندا من دون الله بكل صراحة ووقاحة إذ قال:

بلادك قدمها على كل ملة

ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم

(إلخ) مما هو استدراك على الله ورسوله بزعمهم حصول الوحدة وطلبها في غير دين الله، وهذا مشاقة لله ومحادة له وتبديل لكلماته واستهانة بعزته وملكوته إذ يقول {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} .

وقد أجلبوا على أبناء المسلمين بسائر أنواع التضليل والافتراء على الله وتحبيب موالاة أعدائه بحجة الجنس والوطن، وتعطيل شريعته بحجة التطوير الفاسد، وعبادة كل طاغوت في سبيل ذلك كقولهم (الدين لله والوطن للجميع) فهل انقادوا لله وحكموا الوطن على أساس دينه الصحيح وشريعته أو اطرحوا الدين الذي يلوكونه في هذه الكلمة وخططوا مناهجهم الوطنية على أساس المادة والكفر بالله.

وما أكثر ما يموهون به على الرعاع والأوغاد بقولهم (الدين علاقة بين العبد وربه فقط لا شأن له في الحياة) فما الفائدة من إرسال الله الرسل وإنزاله الكتب وشرعية الجهاد والأمر والنهي، إذا كان الدين لا شأن له في الحياة؟ ولأي شيء يزخر القرآن بذكر الأحكام السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأحوال الشخصية وأحكام السلم والحرب بحيث لم يفرط في شيء من أمور الدنيا مع الوحي الثاني الذي هو السنة -أهذا ليعمل به أو يطرح ويتخذ هزوا ولعبا؟

ص: 13

يا عجبا هل يرضي أحد من الزعماء الذين تبنوا هذه الفكرة أن يقتصر رعاياه وموظفوه في علاقتهم به على مجرد ذكر اسمه ومدحه وتعليق صورته دون التقيد بأوامره ونظمه، بل يجلبوا نظما من غيره حسب أهوائهم فهل يعتبرهم مخلصين ويرضى عنهم.

أو يعتبرهم خونة وينزل بهم العقوبات.

تالله لقد جعلوا لأنفسهم منزلة فوق الله وأغرقوا في الضلال.

بل زادوا افتراءا على الله بقولهم (إرادة الشعب من إرادة الله) وهذا قول فاحش لم يجروء عليه أبو جهل وقومه مع خبثهم وعنادهم، بل ولا إبليس رئيس الكفر والشر؛ لأنه بهتان معروف قبحه وفساده ببداهة العقول.

ذلك أن أذواق الشعوب ونزعاتها تختلف، فإذا جعلت إرادة الشعب من إرادة الله صارت نزعات الوجودية والشيوعية الإباحية، بل ونزعات الصهيونية من إرادة الله التي يرضاها لعباده، وصارت جميع الأعمال الوحشية التي يرتكبها بعض الشعوب، وما يعشقه مرضى القلوب من التفسخ والانحلال، ودغدغة الغرائز وإشباع الشهوات من إرادة الله التي يرضاها ويأمر بها، فعلام ينتقدوا على غيرهم ويصيحوا عليه إذا اختار لنفسه نوعا من الحكم ويسمحوا لأنفسهم بغزوه وقصفه وترويعه؟ {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

تالله لقد زادوا في الشرك والضلال والفتنة والإغراء على قول من قال {سَأُنْزلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ} لأنهم زعموا أن ما أنزل الله مدعاة للتخلف ووصفوه بالرجعية والألقاب الذميمة تنفيرا

ص: 14

عنه، ولا يزال خريجوا المدارس الاستعمارية يركزون هذه المفاهيم في طبقات الأمة الإسلامية، وعلى الأخص في المدارس التي هي أول فرص فرض الاستعمار علينا ثقافته بواسطتها وأخذت تعمل الأصابع الخفية التي يحركها في هذا السبيل.

فعلى المسلمين شيباً وشباباً، حكومات وشعوباً، أن ينتبهوا لما حل بهم من هذا الشرك الجديد والوثنية الجديدة التي هي أفظع من كل وثنية سبقتها والتي هي في مكان بعيد عن حب الله ورسوله والالتفاف إلى شريعته.

وتنزيله تلك الوثنية الجديدة التي استجلبت جميع الأحوال الرجعية التي أهلك الله أصحابها في القرون البالية والتي صاغتها الثقافة الاستعمارية بألقاب جديدة، وروجتها بكل فتنة وإغراء جعلت أبناء المسلمين يلحدون في أسماء الله ويبتذون كتابه ويقطعون صلتهم بنبيهم الذي أرسله مزكيا لهم، فجعلوا الأولوية لغيره في كل شيء، والله أوجب عليهم أن يجعلوا الأولوية له حتى على أنفسهم، وعدلوا بربهم غيره.

بل زادوا عليه غيره حبا وتعظيما جهرا على عمد دون غفلة أو نسيان وألحدوا في أسمائه، في أعظمها وأجلها فأسقطوا حدود الله بحجة قسوتها وبشاعتها، كأنه ليس رحماناً ولا رحيماً.

وعطلوا شريعته واستبدلوا بها القوانين الوضعية بحجة تطور العصر كأنه ليس عليماً ولا حكيماً، وجعلوا لهم الخيرة من أمرهم كأنه ليس رباً ولا ملكاً ولا حاكماً ولا مهيمناً، وافتروا عليه في كل ناحية وجاهروا بموالاة أعدائه من دونه ودون المؤمنين استهانة بعزته واستدراكا على علمه وحكمته وعدم مبالاة بوعده ووعيده وشدة بطشه وانتقامه، وشابهوا الأنعام التي لا تعرف سوى العيش وتربية الأولاد.

ص: 15

بل كانوا شراً منها وأضل سبيلاً، إذ الأنعام خير وبركة وأغلب أعمال البشرية اليوم شر ونقمة، والأنعام لا تعقل وليس عليها تكليف وهؤلاء وهبهم الله العقل وكلفهم حمل كتابه ورسالته للقيام بطاعته والجهاد في سبيله لإعلاء كلمته وإصلاح الأرض على ضوء شريعته، فخانوا أمانة الله بإطراحهم أوامره، ونبذهم كتابه ورسالته، وإفسادهم في الأرض بدل إصلاحها وحملهم رسالة الجبت والطاغوت والجهاد في سبيلها؛ فهم بذلك قد ألحدوا إلحاداً ظاهراً عظيماً في مدلول (لا إله إلا الله) إذ قبلوا النفي فيها لما سواه إثباتها لتأليههم له بالحب والتعظيم والاستسلام لقوله، والتفاني في تنفيذ حكمه دون التفات لقول الله ورسوله، وقلبوا الإثبات فيها نفيا بجعلهم الله صفرا على الشمال في كل شيء، ونبذهم لكتابه والعمل على إشغال الناس عنه باللغو ولهو الحديث المتواصل في المطبوعات والإذاعات، ومنعوا عباده المسلمين من الانقياد لحكمه إلا في نواح ضيقة من صوم وصلاة محصورة ونحوها، وأوجبوا عليهم الاستسلام لهم في كل ناحية وميدان.

فهل يجدي اعترافهم بالله اعترافا لفظيا؟ أم لا فرق بينهم وبين الشيوعية سوى أن الشيوعيين صاروا شجعانا فصرحوا بقول (لا إله) وهؤلاء ظلوا ثعالبا يراوغون وينافقون والمنافقون أشد جرما وأفظع تأثيرا ونكاية بالأمة.

فعلى كل من يحب الله أن يخلص له ويصدق معه في كشف هؤلاء وهتك أستارهم كما كشف الشيخ حقيقة مشركي زمانه رحمه الله رحمة واسعة ووفق العاملين في سبيله للاستقامة على ما ينجيهم في الدنيا والآخرة والله يتولى الصالحين.

ص: 16