الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرح
المؤلف رحمه الله يقول: هذا الاختلاف قد يكون لأحد الأسباب لكن هذه الأسباب ليست شاملة؛ لأن أسباب اختلاف العلماء ذكرها رحمه الله في كتاب ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) أكثر من هذه الأسباب، فهنا يقول:((قد يكن لخفاء الدليل)) ، ويخفي الدليل بمعنى أنه لا يظن أن هذا دليل على كذا، فهو سمعه لكن خفي عليه أنه دليل، وقد يذهل عنه، أي: يكون ذاكراً له ولكن نسيه، وقد يكون لعدم سماعه وهذا هو الجهل، وقد يكون الغلط في فهم النص، وهذا قصور الفهم، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، يعني أنه فاهم الدليل، وعالم به لكنه اعتقد أن هناك معارضاً راجحاً يمنع القول بهذا الدليل، إما تخصيص، أو نص، أو تقييد، أو ما أشبه ذلك، ومن أراد البسط في هذا فليرجع إلي كتاب المؤلف رحمه الله وهو:((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) ، وكذلك كتاب لنا صغير كالملخص لكن فيه زيادة تمثيل واسمه:((الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه)) .
فصل في نوعي الاختلاف في التفسير المستند إلى النقل وإلى طريق الاستدلال
الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك إذ العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق، والمنقول إما عن المعصوم وإما عن غير المعصوم، والمقصود بيان جنس المنقول سواء كان المعصوم أو غير المعصوم، وهذا هو النوع الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه.
وهذا القسم الثاني من المنقول: وهو ما لا طريق لنا إلي الجزم بالصدق منه عامته مما لا فائدة فيه والكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلي معرفته فإن الله تعالى نصب على الحق فيه دليلاً، فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة.
الشرح
وهذا صحيح فاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ليس فيه فائدة، سواء كان أحمر أو أبيض أو أسود، فلا فائدة لنا من معرفته، وليس لنا طريق إلي العلم به، إلا عن طريق الإسرائليين، والإسرائيليون ليسوا موثوقين، ولا فائدة لنا في العلم بلونه إذ لا يهم كونه اسود أو أبيض أو أحمر.
وكذلك أيضاً في البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، في قوله تعالي:(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) هل البعض هو اليد أم الرجل أم الرقبة أم الرأس؟ فلا ندري.
* * *
وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها.
الشرح
فليس هناك فائدة في معرفة من أين خشبها ومما كان، هل كان من الأثل، أم من السمر، أم من الساج؟ وما كان مقدارها وطولها في السماء وطولها في الأرض وعرضها؟ كل هذا لا يهمنا.
* * *
وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان من هذا منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم كاسم صاحب موسى أنه الخضر- (1) ، فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب- كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق (2)
وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب- فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة.
(1) رواه البخاري، كتاب العلم باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه وسلم، (74) ، ومسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر عليه السلام، (2380) .
(2)
قال شيخنا محمد رحمه الله: في نسختي حاشية على هؤلاء كعب الأحبار هو أبو إسحاق: كعب ابن ماتع الحبر يمني من مسلمة أهل الكتاب، كان في زمن الصحابة وروى عنهم بعض الحديث النبوي، ورووا عنه شيئا من قصص النبيين، توفي بحمص سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان.
وهب بن منبه يمني أيضاً ولد في آخر خلافة عثمان، وروي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، وروى عنه عمرو بن دينار الجمحي المكي، وعوف بن جميلة العبدي وأقرانه، تولى قضاء صنعاء، وكان كثير النقل من كتب الإسرائيليات، وألف كتاباً في القدر ثم ندم ورجع عنه، وكان يعد فيما سوى ذلك ثقة صدوقاً، وحديثه عن أخيه همام في الصحيحين توفى سنة أربع عشرة ومائة.
ومحمد بن إسحاق بت يسار المدني، أحد الأعلام لا سيما في المغازي والسير، قال ابن معين، ثقة وليس بحجة، وقال أحمد: حسن الحديث، توفى سنة إحدى وخمسين ومائة.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن أهل يحدثوكم بباطل فتصدقوه)) (1) .
وكذلك ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلاً صحيحاً، فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلي الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين.
ومع جزم الصحابي بما يقوله فكيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا تصديقهم، والمقصود أن مثل هذا الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه ولا تفيد حكاية الأقوال فيه هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته وأمثال ذلك.
وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود فيما يحتاج إليه ولله الحمد، فكثيراً ما يوجد في التفسير
(1) رواه البخاري كتاب تفسير القرآن باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، (4485)، ولفظه:((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ((آمنا بالله وما أنزل إلينا))
والحديث والمغازى أمور منقوله عن نبينا صلي الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، والنقل الصحيح يدفع ذلك؛ بل هذا موجود فيما مستنده النقل، وفيما يعرف بأمور أخرى غير النقل.
فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي، والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد:((ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي)) ويروي: ((ليس لها أصل)) أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير (1) ، والشعبي (2) ، والزهري (3) ، وموسى بن عقبة (4) ، وابن إسحاق (5) ،
ومن بعدهم، كيحيي بن سعيد الأموي (6) والوليد بن مسلم، والواقدي (7) ونحوهم من كتاب المغازي.
(1) عروة: أحد الفقهاء السبعة ولد سنة 29هـ وتوفي سنة93هـ، وأخذ علم خالته عائشة، وروي عن على ومحمد بن اسلم، وأبي هريرة، لم يدخل نفسه في شيء من الفتن، وكان عالما ثبتاً مؤمناً.
(2)
الشعبي: هو عامر بن شراحيل الشعبي، توفي سنة 103هـ الإمام العلم، أدرك خمسائة من الصحابة، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وهو من شيوخ ابن سيرين والأعمش وشعبه، قال الفجلي: مرسل الشعبي صحيح.
(3)
الزهري، هو ابن شهاب الزهري محمد بن مسلم ولد سنة 50هـ وتوفي سنة 124هـ أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، والمدون الأول لعلم السنة بإشارة عمر بن عبد العزيز، وكان يقول:((ما استودعت قلبي شيئا فنسيته)) وهو من شيوخ مالك والليث بن سعد واضرابهما.
(4)
موسي بن عقبة: من أقدم مؤرخي المدينة، أخذ عن عروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص الليثي، قال مالك:((عليكم بمغازي ابن عقبة فإنه ثقة وهي أصح المغازي، وتوفي في خلافة عبد الملك)) .
(5)
محمد بن إسحاق، هو ابن يسار المدني وقد سبق التعريف به..
(6)
يحيي بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي الحافظ الكوفي، أخذ العلم عن أبيه وهشام بن عروة وابن جريح، وأخذ عنه ابنه سعيد بن يحيي، والإمام أحمد، وإسحاق، وابن معين، توفي سنة 194هـ،
(7)
الوليد بن مسلم الأموي مولاهم، أي نسب إلي الأمويين، لأنه مولى لهم، أبو العباس الدمشقي عالم الشام، أخذ العلم عن محمد بن عجلان القرشي وهشام بن حسان، وثور بن يزيد والأوزاعي، وهو من شيوخ الإمام أحمد وإسحاق وابن مدين وأبي الخيثمة توفي سنة 195هـ
فإن أعلم الناس بالمغازى أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق.
الشرح
هذه فائدة مهمة جداً لأن أهل كل بلد وطائفة قد يكونون أعلم من البلد الآخر والطائفة الأخرى في شيء من مسائل الدين، فإذا قيل لك: من أعلم الناس بالمغازى؟ فكما قال الشيخ رحمة الله أهل المدينة، ثم أهل الشام ثم أهل العراق، وعلل الشيخ ذلك فقال:
* * *
فأهل المدينة أعلم بها؛ لأنها كانت عندهم، وأهل الشام كانوا أهل غزو وجهاد فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم، ولهذا عظم الناس كتاب أبي إسحاق الغزاري الذي صنفه في ذلك، جعلواالأوزاعي (1) أعلم بهذا الباب من غيره من علماء الأمصار.
الشرح
عنى المؤلف هنا خاصة بأبي إسحاق الفزازي
(1) الواقدي: هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي المدني أحد الأعلام وقاضي العراق، أخذ عن ابن عجلان القرشي وابن جريح ومالك وخلائق، وأخذ عنه ابن سعد وأحمد بن منصور الرمادي وطائفة، كان عالماً بالمغازي والسير والفتوح واختلاف الناس، قال إبراهيم الحربي: هو أمين الناس على أهل الإسلام، لكن أئمة الحديث يرونه دون هذه المنزلة في السنة، توفي سنة 207هـ.
والأوزاعي.
***
وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد (1) وعطاء بن أبي رباح (2) وعكرمه (3)
مولي ابن
(1) الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزاري الكوفي ثم المصيصي أخذ العلم عن خالد الحذاء وحميد الطويل وأبي طوالة ومالك وموسى بن عقبة والأعمش. وأخذ عنه الأوزاعي والثوري مع أنه من شيوخه وغيرهما، قال أبو حاتم: إمام ثقة مأمون، توفي سنة 86هـ.
(2)
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام من أعلام أئمة المسلمين، كان المقتدى بعلمه وفقهه في الديار الشامية. آخر دولة بني أمية وصدر دولة بني العباس، أخذ عن عطاء وابن سيرين ومكحول وقتادة ونافع واخذ عنه عاقل بن زياد السكسكي الدمشقي وقاضي دمشق يحيى بن حمزة بن واقد الحضري وبقية بن الوليد الكلاعي الحمصى، وأكثر حملة السنة والفقه والعلم من معاصريه في الديار الشامية والأقطار الإسلامية الأخرى. قال الإمام الفقيه الحافظ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه:((إذا اجتمع الوزاعي والثوري ومالك على الأمر فهو سنة)) ولد الأوزاعي سنة 88هـ وتوفي سنة 175هـ. ودفن في رأس بيروت في الحي المعروف باسمه إلي هذا اليوم.
(3)
مجاهد هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبي السائب، ولد سنة 21هـ وتوفي بمكة وهو ساجد سنة 102هـ، وكان من تلاميذ ابن عباس وأم سلمة وأبي هريرة وجابر، ومن تلاميذه عكرمة وعطاء وقتادة والحكم بن عتيبة وأيوب وثقة ابن معين، ووأبو زرعة. ورد في خلاصة تهذيب الكمال أنه عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات..
عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس (1) ، وأبي الشعثاء (2) وسعيد بن جبير (3) وأمثالهم وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود.
(1) عطاء بن أبي رباح يمني من الجند التي كان قد نزلها معاذ بن جبل مبعوثاً من النبي صلى الله عليه وسلم وتحول عطاء إلي مكة وبلغ مرتبة الإمامة والفقه وانتهت إليه الفتوي بمكة. قال فيه ابن عباس لأهل مكة: تجتمعون على وعندكم عطا؛ توفي سنة 114هـ، ولهذا كان عطاء رحمه الله من أعلم الناس بالمناسك.
(2)
عكرمة مولى ابن عباس. هو أبو عبد الله عكرمة البربري أحد الناس الأعلام، قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، توفي في سنة 105هـ.
(3)
طاووس بن كيسان يمني من الجند أيضا أدرك خمسين من الصحابة، وبلغ منزلة الأئمة الأعلام، وأخذ عن الصفوة من ائمة التابعين، قال ابن عباس:((إني لأظن طاووسا من أهل الجنة)) توفي في يوم التروية من سنة 106هـ وصلى عليه هشام بن عبد الملك.
الشرح
يقول المؤلف رحمه الله: إن التفسير أعلم الناس به أهل مكة بخلاف المغازى فأعلم الناس بها أهل المدينة ويعلل ذلك فيقول: لأنهم أصحاب ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح.
* * *
ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن اسلم (1) الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن وأخذه من عبد الرحمن عبد الله بن وهب.
والمراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصداً أو اتفاقاً بغير قصد، كانت صحيحة قطعاً، فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقاً للخبر، وإما أن يكون كذباً تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقاً بلا ريب.
الشرح
المراسيل هل تكون صدقاً أو هل تكون صحيحة أم لا؟ والمراسيل هي: التي رفعها إلي النبي صلى الله عليه وسلم من لم
(1) أبو الشعتاء: جابر بن زيد الأزدي البصري، قال ابن عباس هو من العلماء. توفي سنة 93هـ وقيل بعد ذلك.
يسمع منه؛ من تابعي أو صحابي، فالمرسل: هو ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلي الله عليه وسلم، فلو روى محمد بن أبي بكر حديثاً عن النبي صلي الله عليه وسلم سميناه مرسلاً، لأنه لم يسمع منه قطعاً، فمحمد ابن أبي بكر ولد في عام حجة الوداع. ومع ذلك قال أهل العلم: إن مراسيل الصحابة حجة، وأما مرسل التابعي فالتابعون يختلفون فمنهم من يقبل مرسله، ومنهم من لا يقبل، فالذين تتبعوا وعرف أنهم لا يرسلون إلا عن صحابي مثل سعيد بن المسيب، فإنه قد قيل إنه لا يرسل إلا عن أبي هريرة فيكون مرسله صحيحاً، والذين ليسوا على هذه الحال ينظر في المرسل نفسه، إذا تعددت طرقه وتلقته الأمة بالقبول فإنه يكون صحيحاً ومثال ذلك حديث عمرو بن حزم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلي أهل اليمن كتاباً فيه ذكر الديات والزكاة، ومنه ((وأن لا يمس القرآن إلا طاهر (1)) ) .
* * *
فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات وقد علم أن المخبرين لهم يتواطؤوا على اختلافه، وعلم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقاً بلا قصد، علم أنه صحيح، مثل شخص يحدث عن واقعة جرت ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد علم أنه لم يواطئ الأول فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل القوال والأفعال، فيعلم قطعاً أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كذب بها عمداً أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه،
(1) رواه مالك في الموطأ (199/1)
فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتاً وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية وروى فلم تجر العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظاً ومعنى مع الطول المفرط، بل يعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدث حديثاً طويلاً فيه فنون وحدث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه أو يكون الحديث صدقاً، وبهذه الطريق يعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافياً إما لإرساله وإما لضعف ناقله.
الشرح
المؤلف رحمه الله يقول: إن المراسيل إذا تعددت طرقها، وليس فيها اتفاق أو مواطأة عليها، فإنه يعلم بأنها صحيحة، ثم ضرب مثلاً: لو أن رجلاً أخبرك بخبر عن واقعة وفصل ما فيها تفصيلاً كاملاً عن كل ما جرى فيها من قول وفعل وإن زدت فقل ومن حضور، وهذا الرجل ضعيف عندك لا تثق بخبره، لكن جاءك رجل آخر وحدثك بنفس الحديث وأنت تعلم أنه ما حصل بينه وبين الأول مواطأة ولا اتفاق، ثم جاء ثالث ورابع وهكذا، وإن كان هؤلاء كلهم ضعافاً لكن كون كل واحد منهم يذكر القصة على وجه مطابق للآخر مع طولها هذا يبعد أن يكون الخبر مختلفاً، لكن لو كانت القضية واقعة صغيرة مثلاً، وجاء إنسان وحدث بها، ثم آخر وهكذا، وكلهم ضعاف فإنها قد لا تصل إلي العلم وإلي الجزم بأنها حق؛ لأن مثل الكذبة الواحدة قد تقع، فقد يقولها قائل، ثم يقولها الثاني، ثم يقولها الثالث
وهي لست لها أصل، مثل أن يكون أناس يريدون أن يروعوا الناس فقالوا: إنه سقطت مثلاً قذيفة في مكان، ولكن ما وصفوها، وقال آخرون مثل ذلك، وهكذا، فربما يكون هؤلاء قصدوا بذلك الترويع وكذبوا في هذا، لكن يأتون يكون لنا قصة بتفاصيلها القولية والفعلية هذا يبعد أن يكون ذلك على سبيل الكذب إلا إذا علمنا أن بينهم اتفاقاً أو مواطأة على ذلك.
وهذا هو حاصل ما ذكره المؤلف رحمه الله، وكل ذلك يريد به أن يؤيد أن المراسيل إذا تعددت طرقها وعلم أنه ليس هناك مواطأة ولا اتفاق فإنها تكون صحيحة؛ لأن كلا منهم يذكرها عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وكونهم يتفقون على هذا من طرق متعددة يدل على أن لها أصلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه يبعد في العادة أن مثل هؤلاء كلهم ينسبونها إلي الرسول عليه الصلاة والسلام بدون أن تصل إليهم من طريق مرفوع.
ثم اذكر أيضاً أن المؤلف رحمه الله يقول العادة ويكررها، وذلك لأن مثل هذه المسائل الخبرية- كما قال ابن حجر- لا مدخل للعقل فيها، ولو أننا أخذنا بكل احتمال عقلي ما بقي علينا خبر يمكن تصديقه ولا حكم يمكن إثباته؛ لأنه في المجادلة كل إنسان يورد لك احتمالاً ويقول يحتمل كذا وكذا.
* **
لكن مثل هذا لا تضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تعلم بهذه الطريق بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق.
الشرح
والمعنى أن هذه الطريق التي ذكرها المؤلف رحمه الله لا يمكن أن تثبت بها الألفاظ والدقائق التي لا تعلم إلا بطريق آخر أصح منها. فالمؤلف رحمه الله هنا لا يتكلم عن المراسيل، بل يتكلم عن هذه الحادثة التي وقعت وحصل فيها التفصيل، فإن الألفاظ والدقائق التفصيلية من هذه الحادثة لا تثبت بهذه الطريق، بل يحتاج إلي نقل صحيح يعتمد عليه لإثباتها، أما هذه التفاصيل في ظل الحادثة- ونحن نتكلم عن الحادثة عموماً- تثبت بهذه الطريق التي توافقوا فيها، لكن الدقائق والتفاصيل لا تثبت إلا بطريق يثبت به مثل هذه الدقائق والتفاصيل.
* * *
ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر وأنها قبل أحد، بل يعلم قطعا أن حمزة وعلياً وابا عبيدة برزوا إلي عتبة وشيبة والوليد، وأن علياً قتل الوليد، وأن حمزة قتل قرنه، ثم يشك في قرنه هل هو عتبة أم شيبة؟!.
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك، ولهذا إذا روى الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم من وجهين- مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر- جزم بأنه حق، لا سيما إذا علم أن نقلته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما يخاف على أحدهم النسيان
والغلط، فإن من عرف الصحابة كابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة وغيرهم علم يقينا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله. صلى الله عليه وسلم فضلاً عمن هو فوقهم، كما يعلم الرجل من حال من جربه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع الطريق ويشهد بالزور، ونحو ذلك.
وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عرف مثل أبي صالح السمان (1) والأعرج (2) وسليمان بن يسار (3) وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعاً أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث،
(1) أبو صالح السمان: هو ذكوان المدني أخذ عن بعض الصحابة، وشهد الدار، وسمع منه الأعمش ألف حديث. قال أحمد: ثقة ثقة توفي سنة 101هـ.
(2)
الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز المدني القارئ أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه الزهري وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وأبو الزناد المدني. قال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. توفي الأعرج في الإسكندرية سنة 117هـ.
(3)
سليمان بن يسار المدني- مولى ميمونة- أحد الفقهاء السبعة أخذ عن بعض الصحابة وأخذ عنه قتادة والزهري وعمرو بن شعيب حفيد عبد الله بن عمرو بن العاص. توفي سنة 100هـ، أو بعدها عن ثلاث وسبعين سنة
فضلاً عمن هو فوقهم مثل محمد بن سرين (1) والقاسم بن محمد (2) أو سعيد بن المسيب (3)
أو علقمه (4) أو الأسود (5) أو نحوهم.
(1) محمد بن سيرين البصري مولى أنس ومن أقران الحسن بن ابي الحسن. أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه طائفة من ائمة التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا عاليا رفيعاً إماماً فقهيا كثير العلم توفي سنة 110هـ،
(2)
القاسم بن محدم حفيد أبي بكر الصديق وأحد الفقهاء السبعة. أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه طائفة من أعلام التابعين قال أبو الزناد: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من القاسم. توفي سنة 106هـ.
(3)
سعبد بن المسيب المخزومي المدني رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيهم، قال عبد الله بن عمر: هو والله أحد المقتدي بهم، وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين عن أبي هريرة، لأنه كان صهره، ولد سنة 15، وتوفي سنة93هـ..
(4)
عبيدة بن عمرو السلماني (من قبائل مراد) توفي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الطريق إليه، أخذ عن على وأبن مسعود، وأخذ عنه الشعبي والنخعي وابن سيرين، كان يوازي شريحاً في القضاء والعلم. توفي سنة 72هـ.
(5)
علقمة: هو ابن قيس النخعي الكوفي أحد الأعلام، روى عن الخلفاء الراشدين الأربعة وطبقتهم، وأخذ عنه الأئمة؛ كإبراهيم النخعي والشعبي، توفي سنة 62هـ عن تسعين سنة.
وإنما يخاف على الواحد من الغلط فإن الغلط والنسيان كثيراً ما يعرض للإنسان، ومن الحفاظ من قد عرف الناس بعده عن ذلك جداً، كما عرفوا حال الشعبي والزهري وعروة وقتادة (1) والثوري (2) وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه والثوري في زمانه.
فإنه قد يقول القائل: إن ابن شهاب الزهري، لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه (3) .
(1) الأسود: هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أخذ عن ابن مسعود وعائشة وأبي موسي، وأخذ عنه إبراهيم النخعي وطبقته، كان يختم القرآن في كل ليلتين، وحج ثمانين حجة وتوفي سنة 74هـ.
(2)
قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام، روى عن أنس وسعيد بن المسيب وابن سيرين وروى عن الحفاظ والأئمة واحتج به أصحاب الصحاح وتوفي سنة 117هـ.
(3)
سفيان الثوري من بني ثور ابن عبد مناة بن طابخة، كوفي من أعلام الأئمة الحفاظ المتميزين بالمعرفة والزهد والورع. ولد سنة 77هـ وتوفي بالبصرة سنة 161هـ.
والمقصود أن الحديث إذا روي مثلاً من وجهين مختلفين من غير مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطاً كما امتنع أن يكون كذباً، فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة وإنما يكون في بعضها، فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة، ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة، ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في القصة مثل حديث اشتراء النبي صلي الله عليه وسلم البعير من جابر فإن من تأمل طرقه علم قطعاً أن الحديث صحيح (1) ، وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن.
الشرح
وهذا هو الذي قلناه قبل قليل. إذا كان في القصة شيء من الدقائق فلا يكفي هذا النقل بل لا بد من طريق آخر يثبت به.
* * *
وقد بين ذلك البخاري في صحيحه، فإن جمهور ما في
(1) في سيرة عمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالي لابن الجوزي صفحة 28، عن الليث بن سعد إمام أهل مصر أن إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز حدثه أنه سمع أباه يقول لابن شهاب الزهري.
ما أعلمك تعرض على شيئا أي من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شيئا قد مر على مسامعي، ومعنى ذلك أنه رضي الله تعالى عنه عارف بالحديث- إلا أنك أوعي له مني، وروي مثله عن معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز.
البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبه من هذا النحو. ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق. والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذباً في نفس الأمر والأمة مصدقة له قابلة له: لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب. وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع، وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطل بخلاف ما اعتقدناه، فإذا اجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطناً وظاهراً.
الشرح
وهذا واضح، فأحياناً يمر عليك الحديث وتعلم أن معناه كذا وكذا، لكن فيه احتمال أن يكون خلاف ذلك، بأن يكون معناه الباطن-الذي هو خلاف الظاهر- على خلاف ما فهمت، فإذا انعقد الإجماع على ما يقتضيه ظاهر الحديث علمنا بأنه لا يحتمل المعنى الباطن الذي نقدره في أذهاننا، لأن الأمة لا تجتمع على خطأ.
فمثلاً اختلاف الرواة في مقدار ثمن جمل جابر لا يجعله مضطرباً، لأن هذا الاضطراب لا يعود إلي أصل الحديث، وإنما يعود
إلي مسألة جزئية فيه وهو لا يضر، وكذلك اختلافهم في حديث فضالة بن عبيد في قيمة القلادة. هل هي اثنا عشر ديناراً أو أقل أو اكثر؟ فهذا أيضاً لا يضر؛ لأن هذا الاختلاف ليس في اصل القصة.
* * *
ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيراً من أهل الكتاب أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية؛ كأبي إسحاق وابن فورك، وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبى المعالي، وأبو حامد وابن عقيل، وابن الجوزي، وأبن الخطيب، والآمدي ونحو هؤلاء. والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضى عبد الوهاب، وأمثاله من الماكية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي، وأمثاله من الحنفية، وهو الذي ذكره أبو يعلي وأبو الخطاب، وأبو الحسن ابن الزاغوني، وأمثالهم من الحنبلية.
الشرح
وبهذا يكون المؤلف رحمه الله ذكر عن علماء المذاهب الأربعة وهو يدل على سعة إطلاعه- رحمه الله وهذه المسألة من مسائل أصول
الفقه وأصول الحديث، أي في المصطلح وفي أصول الفقه. فخبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له إن كان خبراً، وعملا به إن كان طلبا. هل ذلك يفيد العلم واليقين؟ وهذا فيه الخلاف الذي ذكره المؤلف، ولكن جمهور علماء المسلمين على أنه يفيد العلم واليقين، وذكر ابن حجر أنه يفيد العلم بالقرائن وهذا هو الحق، فإن أحداً لا يتطرق إليه الشك في أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي)) (1) مع أنه خبر آحاد، ولا نشك في أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال:((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (2) مع أنه خبر آحاد، إلى غير ذلك مما هو خبر آحاد ومع ذلك يفيد العلم اليقيني لكثرة الشواهد التي تثبته ولتلقي الأمة له بالقبول.
* * *
وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به؛ فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار بالإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة.
الشرح
والمؤلف رحمه الله يريد بهذا أن إجماع كل ذي فن بفنه، فمثلاً في علم الحديث نرجع إلى إجماع أهل الحديث، فإذا أجمع أهل الحديث على أن خبر الواحد إذا تلقي بالقبول واحتفت به القرائن أفاد العلم فلا يهمنا من خالفهم من الفقهاء، كذلك أيضاً الاعتبار للإجماع
(1) رواه البخاري، كتاب في بدء الوحي باب بدء الوحي، رقم (1) ومسلم، كتاب الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية (1907) .
(2)
رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة.. (1718)
في الأحكام الشرعية-كالواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح- المعتبر في ذلك علماء الأحكام الفقهاء. كذلك الإجماع في مسألة نحوية، الاعتبار بإجماع أهل النحو، وعلى هذا فقس، لأن صاحب كل علم أدري بما يحصل فيه، فالإنسان الفقيه لا يعرف إجماع أهل النحو، ولا يعرف إجماع أهل الحديث، ولا الأصوليين مثلاً، فالمهم أننا نعتبر إجماع كل قوم في علمهم وفنهم الذي يجمعون عليه، فإذا قال لنا قائل مثلاً: إن الفقهاء أو إن أهل الكلام خالفوا في خبر الواحد، وقالوا: لا يمكن أن يفيد العلم، قلنا لا يهمنا مخالفتهم، إنما نحن ننظر إلي إجماع أهل الحديث وعلى هذا فقس.
* * *
والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاور أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيراً في علم أحوال الناقلين.
الشرح
لو جاء واحد مثلاً من أهل النحو وقال: أجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، فنقول له: ما هذا عشك فادرجي. قل أجمع العلماء على رفع الفاعل ونصب المفعول به، نقول: نعم سمعاً وطاعة، ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: لكن هذا ينتفع به كثيراً من علم أحوال الناقلين. هل الناقل لهذا الكلام من الفقهاء أم من الأصوليين أم من النحويين؟
* * *
وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيء الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون
مثل هذه الأحاديث ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره، قال أحمد:((قد أكتب حديث الرجل لأعتبره)) ومثل ذلك بعبد الله بن لهيعة، قاضي مصر فإنه كان من أكثر الناس حديثاً ومن خيار الناس، ولكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط فصار يعتبر بذلك ويتشهد به وكثيراً ما يقترن هو والليث بن سعد والليث حجة ثبت إمام.
الشرح
ذكر المؤلف رحمه الله أن الإمام أحمد يقول: ((قد أكتب حديث الرجل لأعتبره)) . وليس معنى لأعتبره: أحتج به، لكن المعنى أنني أطلب له شواهد ومتابعات، ولهذا قال ابن حجر في النخبة:((وتتبع الطرق لذلك يسمي الاعتبار)) الشاهد هو الاعتبار، فهنا شاهد ومتابع، فالشاهد أن يأتي حديث مستقل بغير هذا السند يكون شاهداً للحديث الذي نحن نطلب له ما يؤيده.
والمتابعات تكون في السند بمعنى أن الراوى يجد متابعاً له في
الحديث عن هذا الرجل الثقة، فلو روى إنسان غير ثقة عن الزهرى مثلاً، والزهري ثقة. روي عنه إنسان غير ثقه، فنحتاج أن نرى أحداً تابع هذا الراوي عن الزهري في روايته عن الزهري، فإذا وجدنا متابعاً قوي الحديث، أو مثلاً حديثاً آخر من طريق آخر غير طريق الزهرى يشهد لهذا الحديث فيسمى هذا شاهداً، وتتبعنا للطرق لأجل وجود متابع أو شاهد يسمى الاعتبار، وهذا معنى قول الإمام أحمد:((لأعتبره)) أي لأجل أن أنظر هل له من يتابعه أو له حديث شاهد.
***
ولهذا عبد الله بن لهيعة يكثر الإمام أحمد من الرواية عنه في المسند كثيراً جداً لكن عبد الله بن لهيعة هذا من علم أنه سمع منه قبل احتراق كتبه كان حجة، ومن علم أنه سمع منه بعد ذلك كان مشكوكاً فيه وغير موثوق به؛ لأنه رحمه الله اختلفت حاله بعد احتراق كتبه، وإذا شككنا هل هو ممن سمع منه قبل أو بعد؛ فإننا نتوقف فيه بدون أن نرجح، لكن القسم الثاني نرجح أنه خطأ.
* * *
وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهم أيضاً يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم غلطه فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا:((علم علل الحديث) وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطه فيه عرف، إما بسبب ظاهر؛ كما عرفوا أن النبي صلي الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال (1) وأنه صلى في البيت ركعتين (2) وجعلوا رواية ابن عباس لتزوجها وهو محرم (3) ، ولكونه لم يصل مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه اعتمر أربع
(1) رواه الترمذي، كتاب الحج باب ما جاء في كراهية ترويج المحرم (841) .
(2)
أخرجه أحمد في المسند (2/46) .
(3)
رواه البخاري، كتاب المغازى، باب عمرة لقضاء
…
، رقم (4258) ، ومسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحارم، وكراهة خطبته 1410، (46، 47، 48) .
عمر (1) وعلموا أن قول ابن عمر: إنه اعتمر في رجب مما وقع فيه الغلط.
الشرح
إذا مع أن هؤلاء كلهم ثقات لكن الغلط لا يسلم منه أحد، وعلى هذا فالنبي صلي الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال؛ لأنها هي بنفسها قالت: إنه تزوجها وهو حلال، وكذلك قال ابو رافع وهو السفير بينهما: إنه تزوجها وهو حلال، وأما صلاته في البيت يعني: في الكعبة فهذا لا شك فيه ثابت، ونفي ابن عباس له يحمل على أنه نفى علمه به، وأما رواية أنه أعتمر أربع عمر فهو ثابت أيضاً.
فالنبي صلي الله عليه وسلم اعتمر أربع مرات؛ العمرة الأولي: عمرة الحديبية، والثانية عمرة القضاء، والثالثة عمرة الجعرانة، والرابعة: العمرة التي كانت مع حجه، فإنه كان قارناً، فهذه أربع عمر، ولم يعتمر النبي عليه الصلاة والسلام سواها أبداً، فقول ابن عمر: إنه اعتمر في رجب هذا مما وهم فيه رضي الله عنه.
* * *
وعلموا أنه تمتع وهو آمن في حجة الوداع، وأن قول عثمان لعلي: كنا يومئذ خائفين (2) مما وقع فيه الغلط.
الشرح
عثمان رضي الله عنه لا يري التمتع، ويقول إن الرسول عليه الصلاة والسلام تمتع؛
لأنه كان خائفاً، ولكن هذا ليس بصواب، فإن الرسول كان تمتع وهو آمن ما يكون وليس فيه خوف.
(1) رواه البخاري، كتاب العمر باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (1775، 1776) .
(2)
أخرجه مسلم، كتاب الحج باب جواز التمتع، رقم (1223)
* * *
وأن ما وقع في بعض طرق البخاري ((إن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر (1) ، مما وقع فيه الغلط وليس فيه خوف.
الشرح
هذا أيضاً مما نعلم أنه غلط وهو أن النار يبقى فيها فضل عمن دخلها، فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم النار، فهذا ليس بصواب، بل النار لا تزال يوضع فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله عليها رجله- سبحانه وتعالى فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط (2) ولأن النار لو أنشأ لها أقواماً لإحراقهم بها لكان ذلك منافياً للعدل والرحمه، فهذا مما يعلم أنه ليس بصواب حتى وإن ورد في صحيح البخاري، وقال هذا الراوي فيه وهم والطريق الآخر اصح منه.
* * *
والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعاً بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعلم به كلما وجد لفظاً في حديث قد رواه ثقة أو رأي
(1) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب ما جاء في قول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) رقم (7449) .
(2)
رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالي:(وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) رقم (4850) ، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون.. (2846) .
حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته.
الشرح
وهذا الذي قاله الشيخ أخيراً، وحكم بأنه طرف يقع فيه كثير من الناس اليوم، فتجدهم يعتمدون على ظاهر الإسناد، ويصححون الحديث بناء على ظاهره، ولا ينظرون إلي الأحاديث الصحيحة التي تعتبر في السنة كالجبال، وهذه المسألة دائما أحذر منها، وأقول: إن مثل هذه الأحاديث التي ليست في الكتب المعروفة المتلقاة عن أهل العلم إذا وردت ولو بسند ظاهر الصحة وهي تعارض الأحاديث الواضحة البينة المتلقاة بالقبول؛ فإنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد عليها، فكما أننا لا نعتمد على ظاهر الإسناد-لا تصحيحاً ولا تضعيفاً -فإنه يجب أن نحيل هذه المسائل إلي القواعد العامة في الشريعة والأحاديث التي تعتبر جبالاً راسية، فالشيخ الآن بين رحمه الله أنه قد يكون السند صحيحاً والمتن غير صحيح كما سبق من ذكر الأوهام، كذلك بعض الناس الذين يدعون علم الحديث وانهم أهله ورجاله تجدهم يعتمدون على حديث رواته ثقة، وظاهره الصحة فيجعلونه معرضاً للأحاديث المتلقاة بالقبول المتفق على صحتها.
* **
حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط.
وكما أن على الحديث أدلة يعلم بها أنه صدق، وقد يقطع
بذلك، فعليه أدلة يعلم بها أنه كذب ويقطع بذلك مثل ما يقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل، مثل حديث يوم عاشوراء، وأمثاله مما فيه أن من صلي ركعتين كان له كأجر كذا وكذا نبيا، وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.
والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.
الشرح
حاطب الليل لا يميز بين الرطب واليابس، وبين الحطب والحية وغيرها فيلتقط ما يجده.
* * *
والواحدي صاحبه كأن أبصر منه بالعربية لكن هو أبعد عن السلامة واتباع السلف، والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة والموضوعات في كتب التفسير كثيرة.
الشرح
هذا تقويم من شيخ الإسلام رحمه الله لهذه الكتب فتكلم عن الثعلبي والواحدي والبغوى. ومتقضى كلامه أن تفسير البغوي أحسن هذه التفاسير.
وإذا سأل أحدكم: هل سياق الإسناد قبل الحديث الموضوع يبرر الإتيان به في كتاب التفسير؟ فأقول هذا وإن كانت تبرأ ذمته به لكنه
لا ينبغي أن يأتي بالموضوعات، هذا في الموضوع، أما الضعيف فأهون. إذاً فالموضوع لا ينبغي أن يأتي به.
* * *
منها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة (1) وحديث على الطويل في تصدقه بخاتمه في الصلاة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم (2) .
الشرح
تكلم المؤلف- رحمه الله على حديث على الطويل، وهذا الحديث روي من عدة طرق أخرجها الطبري وغيره في تفسير قوله تعالي:(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(المائدة: 55)، وفحواها أن علياً رضي الله عنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه فنزلت الآية. قال ابن كثير في هذه الروايات: وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، وعلق المرحوم الشيخ أحمد شاكر على هذه الآثار التي أخرجها الطبري بقوله:((وهذه الآثار جميعاً لا تقوم بها حجة في الدين)) .
وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه موضوع، والموضوع هو المكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1) كحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يفتتح صلاته بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة باب من رأى الجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) (245) ، واخرجه الحاكم (1/326) وصححه، وحديث أبي هريرة لما قرأ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وقال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن حبان في صححه (5/104) وابن خزيمة في صحيحه أيضاً (1/251)، والحاكم في المستدرك (1/357) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن الكبري (2/46) وصححه.
(2)
رواه الطبري في تفسيره (4/628، 629) .
ومثل ما روي في قوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(الرعد: 7)، أنه على (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة: 12) ، أذنك يا علي.
الشرح
والظاهر أن هذا من تفسير الرافضة، فهم الذين يدسون مثل هذه الأشياء، ولا شك أن لكل قوم هادياً، لكن ليس هو على فقط، كل قوم يسر الله لهم من يهديهم، وعلى رأس الهداة الرسل عليهم الصلاة والسلام. (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) هذه في أي أذن واعية، تعي القول وتفهمه فهي داخلة في هذه الآية.
ومثل هذا ما أخرجه ابن جرير، وابن مردوية، وأبو نعيم وغيرهم من حديث ابن عباس، قال لما نزلت:(ِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)(الرعد: 7) وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: ((أنا المنذر، وأوما بيده إلي منكب على فقال: أنت الهادي يا على. بك يهتدي المهتدون من بعدي (1)، قال الحافظ ابن كثير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة (2) .
(1) رواه الطبري في تفسيره 0 (108-013)
(2)
تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/550) .
فصل
في النوع الثاني: الخلاف الواقع في التفسير من جهة الاستدلال
وأما النوع الثاني من سببي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق (1) ووكيع (2) وعبد بن حميد (3) وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم،، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهوية، وبقي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينه، وسنيد، وابن جرير، وابن أبي
(1) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، أخذ عن ابن جريج وهشام بن حسان وثور بن يزيد ومعمر ومالك، ورحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم وأخذوا عنه، قال الإمام أحمد: لم أسمع منه شيئاً لكنه رجل يعجبه أخبار الناس. ولد سنة 126هـ. وتوفي سنة 211هـ.
(2)
وكيع بن الجراح بن مليح الرقاشي الكوفي أحد الأئمة الأعلام، أخذ عن هشام بن عروة وابن عون وشعبة، وهو من شيوخ الإمام أحمد وطبقته، قال أحمد: ما رأيت مثله في العلم والحفظ والإتقان مع خشوع وورع. توفي سنة 196هـ.
(3)
عبد بن حميد بن نصر الكسي أخذ عن على بن عاصم ومحمد بن بشر وعبد الرزاق والنضر بن شميل، وأخذ عنه مسلم والترمذي، قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ. توفي سنة 249هـ.
حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله بن ماجه، وابن مردويه.
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.
الشرح
إذا القسم الأول: وهم الذين اعتقدوا شيئاً فأرادوا أن يحملوا معاني الكلام عليه، وهذا كما يكون في العقائد والأمور العلمية يكون كذلك في الأحكام والأمور العملية، تجد الرجل يعتنق مذهباً معيناً ثم يحاول أن يصرف معاني النصوص إلي ذلك المعنى المعين الذي كان يعتنقه سواء في أسماء الله وصفاته، أو في التوحيد، أو ما أشبه ذلك.
فمثلاً: يقول أنا أجيز التوسل حتى بالجن والشياطين، لأن الله يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة)(المائدة: 35) فأتوسل بكل شيء، وكذلك أيضاً ينكر صفات الله عز وجل ويقول لأن الله يقول (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشوري: 11) وأنا إذا أثبت الصفة مثلت، يكون معتقداً هذا الاعتقاد ثم يحمل القرآن على ذلك.
القسم الثاني: ليس عنده اعتقاد سابق لكنه يفسر القرآن بحسب ما يدل عليه اللفظ، بقطع النظر به وهو الله، وعن المنزل
عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن المخاطب به وهم المرسل إليهم، ينظر إلي الكلام من حيث هو كلام فقط، وهذا أيضاً خطأ، فإنه بلا شك عند جميع الناس أن الكلام يختلف معناه بحسب المتكلم به، وبحسب المخاطب به أيضاً.
فمثلاً لو جاءتك كلمة نابية من شخص محترم، وجاءتك مثل هذه الكلمة من شخص ساقط فإن كلمة الأول أشد تاثيراً، لأن كلمة المحترم لها وزن، فإذا وصفني بعيب مثلاً فمعناه أنه حط من قدري، لكن إذا جاء شخص ساقط يسب كل أحد وسبني فلن يهمني كثيراً. مع أن الكلمة واحدة.
كذلك أيضاً، لو أن واحداً تكلم مع شخص فقال: والله هذا رجيل ! ورجيل تصغير رجل- وهو يتحدث عن صبي صغير، صارت مدحاً له، ولكن لو قالها لرجل عاقل كبير صارت ذماً.
إذاً فالكلمة الواحدة تجدها تختلف بحسب المخاطب بها، حتى إن الكلمة التي تصغر تكون أحياناً معناها عظيماً وكبيراً كما قيل:
وكل أناس سوف تدخل بينهم
دويهية تصفر منها الأنامل
فبعض الناس يأخذ القرآن والحديث ويفسره بحسب ما يقتضيه ذلك اللفظ الظاهر بقطع النظر عن المتكلم به والمخاطب والمنزل عليه وقرائن الأحوال، وهذا خطأ.
* * *
فالأولون راعوا المعنى الذي من غير نظر إلي ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان والآخرون راعوا مجرد اللفظ
وما يجوز أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به والسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيراً ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعني في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيراً ما يغلطون في صحة المعني على الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلي المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلي اللفظ أسبق.
الشرح
ولكن الواجب على الإنسان أن ينظر إلى اللفظ وينظر إلى قرائنه المحيطة به، من حال المتكلم به والمخاطب والمنزل عليه وما أشبه ذلك، وهذا شيء معروف لكل أحد؛ بل إن الكلام يختلف حتى في نبرات المتكلم، فلو تكلم مثلاً بعنف واحمرار عين وانتفاخ أوداج وانتشار شعر فليس كمن تكلم بهدوء، تجد الأول كأنما يرمي بشرر والثاني ليس كذلك.
فالشيخ رحمه الله هنا جعلهم على قسمين: قسم ينظرون إلى المعنى لكن يحاولون أن يجعلوه على ما يريدونه هم، وقسم ينظرون إلي اللفظ فقط، ليس عندهم اعتقاد سابق لكن ينظرون إلى مجرد اللفظ بقطع النظر عن الأحوال والقرائن. فهؤلاء ينظرون إلي المعنى وهؤلاء ينظرون إلي اللفظ، ويقصد بالأولين الذين عندهم اعتقاد القسم الأول.
* * *
والأولون صنفان تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به. وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلاً فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول،
وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول، وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضاً في تفسير الحديث.
فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها.
وعمدوا إلي القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات علي مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.
الشرح
والفرق بين الأمرين أنهم تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم ويحرفون الكلام عن مواضعه. ونضرب مثلاً لذلك بالمعطلة، حيث يقولون:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، هذا يدل على أننا لا نثبت أي صفة تكون للمخلوق، وليس صحيحاً أن الآية تدل على ما قالوا. وتارة يحرفون الكلم فيقولون: إن المراد باليد: القدرة أو النعمة. فهم يثبون هذا لكن يحرفونه، فتارة يحملون اللفظ، ما لا يحتمله، وتارة يصرفونه عن معناه.
ومن هذا ما وقع أخيراً من أولئك الذين فسروا القرآن بما يسمي بالإعجاز العلمي، حيث كانوا يحملون القرآن أحياناً ما لا يتحمل، صحيح أن لهم استنباطات جيدة تدل على أن القرآن حق ومن الله عز وجل، وتنفع في دعوة غير المسلمين إلي الإسلام ممن يعتمدون على الأدلة الحسية في تصحيح ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنهم أحياناً يحملون القرآن ما لا يتحمله، مثل قولهم: إن قوله
تعالي: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)(الرحمن: 33) ، إن هذا يعني الوصول إلى القمر وإلى النجوم وما أشبه ذلك، لأن الله قال:(لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) والسلطان عندهم العلم. وهذا لا شك أنه تحريف، وأنه حرام ان يفسر كلام الله بهذا، لأن من تدبر الآية وجدها تتحدث عن يوم القيامة، والسياق كله يدل على هذا. ثم إنه يقول:(أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا) وهؤلاء ما نفذوا من أقطار السموات، بل ما وصلوا إلي السماء، وأيضاً يقول:(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) وهؤلاء لم يرسل عليهم.
والحاصل أن من الناس من يتجاوز ويغلو في إثبات أشياء من القرآن ما دل عليها القرآن، ومنهم من يفرط وينفي أشياء دل عليها القرآن، لكن يقول هذا ما قاله العلماء السابقون ولا نقبله. لا صرفاً ولا عدلاً، وهذا خطأ أيضاً، فإذا دل القرآن على ما دل عليه العلم الآن من دقائق المخلوقات، فلا مانع من أن نقبله وأن نصدق به إذا كان اللفظ يحتمله، أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فلا يمكن أن نقول به.
* * *
ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم. وهذا كالمعتزلة مثلاً فإنهم من أعظم الناس كلاماً وجدالاً.
الشرح
فالخوارج مثلاً يأخذون بنصوص الوعيد وما ظاهره الكفر، فيكفرون المسلمين بالكبائر.
والرافضة يحرفون القرآن أيضاً فيقولون في قوله تعالي: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)(الرحمن: 19) ، المراد بذلك على وفاطمة، ويقولون ((وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)) (الاسراء: 60) المراد بها بنو أمية. ولهم تفاسير غريبة منكرة -والعياذ بالله-فهم يحرفون الكلم عن مواضعه في تفسير الآيات الدالة على الذم وتأويلها إلي خصومهم، والآيات الدالة على المدح يجعلونها لمن ينتصرون لهم.
وكذلك الجهمية - والعياذ بالله- أصحاب الجهم بن صفوان يحرفون كل آيات الصفات، لأنهم يعتقدون أن الله ليس له صفة، وأن أسماءه مجرد إعلام، ومنهم من يقول: إنه ليس له اسم ولا صفة وأما هذه الأسماء فهي أسماء لمخلوقاته، ليست أسماء له وعلى كل حال الحمد لله (ْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) (البقرة: 213) ، وأما المعتزلة أصحاب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد فهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله من أعظم الناس كلاماً وجدالاً؛ لأنهم دائماً يرجعون إلي العقل ولا يعبؤن بالنصوص إطلاقاً، حتى فيما لا تدركه العقول يحكمون العقل، والقاعدة عندهم في الصفات يقولون: إن ما أثبته العقل فهو ثابت سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن موجوداً، وما نفاه العقل فهو منفي سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أم لا، وما لا يقتضي
العقل إثباته ولا نفيه، فأكثرهم نفاه؛ لأنه قال: لا نثبت إلا ما أثبته العقل، وبعضهم توقف فيه، فما دام العقل لا يدل على إثباته ولا نفيه نتوقف، وهم يجادلون في هذا جدالا عظيماً، وإذا رأيتهم تعجبك أقوالهم، ولكنها أقوال باطلة، كما قيل فيها:
حجج تهافت كالزجاج تخالها
حقا وكل كاسر مكسور
فهم يتناقضون فتجد الواحد منهم يرى أن من الواجب أن يوصف الله بكذا، والآخر يرى أنه من المستحيل أن يوصف الله بكذا، وتناقض الأقوال يدل على بطلانها.
وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن علية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب أبي على الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، والجامع لعلم القرآن لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة.
الشرح
الكشاف لأبي القاسم الزمخشري كتاب معروف متداول، وهو جيد في اللغة والبلاغة، لكنه على أصول المعتزلة مثل ما قال الشيخ، ولا تكاد تعرف كلامه في ذلك إلا إذا كان عندك علم بمذهب المعتزلة ومذهب أهل السنة والجماعة؛ لأنه رجل جيد وبليغ، يدخل عليك الشيء وأنت لا تشعر به، حتى كأنك تظن أن هذا هو الكلام الصحيح السداد، لكن فيه بلاء، فمثلا: قال: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (آل عمران: 185)، قال أي: فوز أعظم من دخول الجنة والنجاة من النار؟ ! وهذا كلام طيب. لكنه يريد نفي رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية الله عز وجل أعلى شيء، كما قال تعالى:(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)(يونس: 26) ، فأنت إذا قرأت هذا الكلام فستجده صحيحا، فليس هناك فوز أعظم من دخول الجنة والنجاة من النار، ولن تدري أن هذا الرجل يشير إلى أنه لا رؤية، وأن الله لا يرى؛ لأن رؤية الله اعظم من دخول الجنة، وأعظم من كل شيء. وله أشياء عجيبة وتصرف يتلاعب بالعقول. إذا لم يكن عندك حذر منه ومعرفة بأصول المعتزلة، وأصول أهل السنة والجماعة، فإنك تضل. هذا إذا تكلم فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وما يتعلق بمذهبهم، أما إذا تكلم في البلاغة والعربية فهو جيد.
وأصول المعتزلة خمسة يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات.
الشرح
فهم يقولون: نحن نوحد الله ونقول من أصولنا التوحيد. ولكن التوحيد الذي يريدون له معنى آخر.
وكذلك أيضا: العدل، والعدل أيضا أصل عظيم، قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ)(النحل: 90) .
والثالث: المنزلة بين المنزلتين، ولكي نعرف هذا الأصل عندهم نضرب مثلا فنقول: هناك رجل محافظ على الطاعات متجنب للمعاصي، ورجل آخر يفعل الكبائر وهو مؤمن، ورجل ثالث: كافر. فهل تجعل الثلاثة سواء؟ فإذا أجبتهم: بلا، يقولون: إذا هذا المؤمن الذي يفعل الكبائر يصير في منزلة بين المنزلتين، فلا نقول مؤمن ولا كافر.
أما الأصل الرابع فهو إنفاذ الوعيد، فهم يقولون: إن الله عز وجل يتوعد على فعل المعاصي التي لا تخرج من الإسلام مثل: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)(النساء: 93)، ومثل:((ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر، قاطع الرحم، والمنان بما أعطى)) (1)، ومثل:((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) (2) . فيقولون نحن ننفذ هذا الوعيد؛ لأن الذي قال هذا الوعيد الله عز وجل وهو قادر فلابد من إنفاذه، فهم يقولون ننفذ الوعيد.
والأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من أصولهم، ونعم الأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن سيأتينا ما يريدون بهما من معنى باطل، وما يلبسون به على الناس،
(1) رواه النسائي، كتاب الزكاة باب المنان بما أعطي، رقم (2562) .
(2)
رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار..، رقم (106)
فهذه الأصول إذا قرأتها تقول هذه أصول حق لكن عندما تفسر تجد أنها باطلة.
وتوحيدهم هم توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات وغير ذلك، قالوا إن الله لا يرى، وإن القرآن مخلوق، وإنه تعالى ليس فوق العالم. وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات.
الشرح
وعلى هذا صار التوحيد عندهم تجريد الله من صفاته، يقولون: وحد الله، يعني جرده من صفاته؛ لأنك إذا أثبت له صفة مثلته بغيره وحينئذ لم تكن موحدا؛ لأن التوحيد مبناه على أمرين: على النفي والإثبات؛ لأنه من وحد يوحد، فلا توحيد في إثبات فقط ولا توحيد في نفي فقط، لأن النفي المجرد تعطيل، والإثبات المجرد لا يمنع المشاركة، فلا توحيد إلا بنفي وإثبات.
فإذا قلت: لا قائم، فهذا نفي، وبهذا فقد نفيت القيام عن كل أحد فهو تعطيل، وإذا قلت زيد قائم فهذا إثبات، لكن لا يمنع المشاركة، قد يكون عمرو قائما، وخالد قائما. وإذا قلت لا قائم إلا زيد صار الآن توحيدا، وجعلت القائم واحدا وهو زيد.
ومثل ذلك لا إله إلا الله. فهؤلاء يقولون إن التوحيد أن لا تثبت لله صفة أبدا ـ نسأل الله العافية ـ فلا سمع ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا علم ولا شيء أبدا.
وأما عدلهم فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها ولا هو قادر عليها كلها؛ بل عندهم أن أفعال العباد لم يخلقها الله لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعاً، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته.
الشرح
وهذا هو العدل عندهم. يقولون: إن الله لا يشاء كل شيء، وأفعال العباد لا يشاؤها، ولا خلق كل شيء. يقولون: لو كان الله يشاء أفعال العباد ويخلقها ثم يعذبهم فهذا ظلم، فإذا قلنا لم يشاؤه ولم يخلقها، ويعذبهم لأنهم هم الذين شاؤوها أوجدها صار ذلك عدلا. وهذا لو تأتي به لعامي وتحدثه بهذا الحديث وافقك فورا، وقال هذا صحيح، كيف الله يشاء أفعالهم ويخلق أفعالهم ثم يعذبهم عليها، فهم قالوا: هذا ظلم. إذا فالله عز وجل لم يشأ أفعال العبد ولا خلقها.
ونقول لهم رداً على قولهم: هذا في الحقيقة تعطيل وتنقص للخالق؛ أن يكون في ملة ما لا يشؤه ولا يريده، أو أن يكون هناك خلق لم يقم به، وليس الله هو الذي خلقه، وهذا معنى قوله:(اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء)(الزمر: 62)، ثم نقول: إن الظلم منتف بأمرين: معقول، ومنقول.
أما المعقول فلأن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان عقلاً يدرك به ويعرف به ما يضره وينفعه، وهو ليس كالبهيمة؛ بل له عقل يتصرف به، ولم يحجزه عن عقله أبداً.
وأما المنقول فقد أرسل إليه الرسل، وبين له الحق من الباطل، وأقام عليه الحجة (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: 165) .
والظلم الحقيقي أن يقول لك افعل، ثم تفعل ثم يعاقبك، أما أن يقول: لا تفعل ثم تفعل فيعاقبك فهذا ليس ظلما أبداً، ولو أن رجلا قال لولده: لا تفعل ثم فعل فعاقبه لعده الناس عدلا وتقويما لهذا الابن، فانظر إلى تلبيسهم ـ والعياذ بالله ـ ومجادلتهم، وإلى باطلهم.
ثم هم يقولون: إن الله تعالى لا يريد إلا ما أمر به فقط، فجعلوا الإرادة بمعنى الأمر، أي: الأمر الشرعي، وهذا باطل، لو قلنا إنه لا يريد إلا ما أمر به شرعا لكان أكثر الناس يعملون بغير إرادته؛ لأن تسعمائة وتسعاً وتسعين بالألف كلهم لا ينفذون مراد الله الشرعي، ولا شك أن هناك فرقا بين الرضا التابع للأمر وبين المشيئة الشاملة لما أمر به وما لم يأمر به.
***
وقد وافقهم على ذلك متأخروا الشيعة؛ كالمفيد، وأبي جعفر الطوسي وأمثالهما.
الشرح
عبر الشيخ رحمه الله هنا بالشيعة وكان فيما سبق يعبر بالروافض، فهم شيعة بحسب قولهم إنهم شيعة لعلي بن أبي طالب، وهم روافض
لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين رحمه الله حين اجتمعوا إليه، وقالوا: ما تقول في أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا وقال هما وزيرا جدي، يعني بجده الرسول عليه الصلاة والسلام. فلما قال ذلك رفضوه واعتزلوه ومن ثم سموا رافضة.
والحقيقة أن أهل السنة والجماعة هم شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن آمن من آل البيت؛ لأن المؤمن هو ولي لكل مؤمن، قال الله تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(التوبة: 71) ، فكل من كان أكثر إيمانا بالله عز وجل، فإنه أكثر ولاية للمؤمنين من آل البيت ولغيرهم، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه برئ مما ينسب إليه من هذه الأقوال الباطلة، بل إنه رضي الله عنه حرق غاليتهم بالنار، لما جاءوا إليه وقالوا له: أنت الله ـ نعوذ بالله ـ فما صبر، وأمر بالأخاديد فخدت وبالحطب فجمع ثم ألقاهم في النار شر قتلة، والعياذ بالله لأنهم جعلوه إلهاً، والذين لا يجعلونه إلها باللفظ قد
يجعلونه إلهاً بالمعنى، ويعتقدون أنه مدبر للكون، وأنه ما من ذرة في الأرض ولا في السماء إلا والذي يدبرها علي بن أبي طالب قطب الأقطاب.
وعلى كل حال فنحن نقول: نشهد الله عز وجل على محبة المؤمنين من آل البيت، ونرى أن المؤمن من آل البيت له حقان علينا: الحق الأول: إيمانه، والثاني: قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى أنهم ما شرفوا إلا لقربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس الرسول هو الذي شرف بهم؛ بل هم شرفوا بقربه، ونرى أيضا أنهم مراتب ومنازل، وأنهم وإن تميزوا بهذه الخصيصة -وهي القرب من الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يعني ذلك أن لهم الفضل المطلق على من فضلهم في العلم والإيمان، فأبوبكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم هؤلاء أفضل من علي بن أبي طالب الفضل المطلق، وإن كان علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يمتاز عنهم في بعض الخصوصيات، لكن هذا لا يلزم منه التفضيل المطلق؛ لأن هناك فرقا بين الإطلاق وبين التقييد.
وبالنسبة لإحراقهم بالنار فهو رضي الله عنه رأى أن هذا أعظم عقوبة، مثل ما فعل أبو بكر رضي الله عنه في الأمر بتحريق اللوطي، وإن كان الإنسان قد يخفى عليه بعض الشيء أحيانا، ولهذا قال ابن عباس: لو أنه في مقام علي بن أبي طالب لقتلهم؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) (1) وما أحرقتهم بالنار؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم نهى أن يعذب بالنار (2)، فقيل إنه قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات يعني على العيب والخطأ.
***
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير باب لا يعذب بعذاب الله، (3017)
(2)
رواه البخاري، كتاب استتابة المرتدين باب حكم المرتد والمرتدة..، (6922) .
لأبي جعفر هذا تفسير على هذه الطريقة لكن يضم إلى ذلك قول الإمامية الاثني عشرية، فإن المعنزلة ليس فيهم من يقول بذلك، ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
ومن أصول المعتزلة مع الخوارج إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة ولا يخرج منهم أحداً من النار. ولا ريب أنه قد رد عليهم طوائف من المرجئة والكرامية والكلابية وأتباعهم فأحسنوا تارة وأساؤوا أخرى حتى صاروا في طرفي نقيض كما قد بسط في غير هذا الموضع.
الشرح
وهذا يكون أحيانا يرد بعض الناس على بعض البدع ولكن يكون في طرفي نقيض مع الآخرين فيأتي هو أيضاً ببدعة، مثل ما ذهب إليه بعض الناس من أنه ينبغي في عاشوراء التوسعة على الأهل وإدخال الفرح والسرور، ليقابلوا بذلك الرافضة الذين يجعلون يوم عاشوراء يوم غم وحزن، وهذا خطأ؛ لأن البدعة لا يجوز أن تقابل ببدعة؛ بل يكفي في البدعة منعها، بأن توضح أن هذا غير مشروع، وأن كل بدعة ضلالة، وأما أن تحدث شيئا يقابلها فلا يمكن هذا، ولا ينفع ولا يذهب البدعة إلا السنة فقط.
***
والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين، ولا في رأيهم ولا في تفسيرهم.
وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم.
ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحاً ويدس البدع، في كلامه ـ وأكثر الناس لا يعلمون ـ كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير، ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله، وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها ولا يهتدي لذلك.
الشرح
ذلك لأنهم كانوا أقوياء في الأساليب، فتجد ظاهر كلامهم أنه جيد وليس فيه شيء، لكنهم يدسون فيه السم، فهؤلاء الذين ينقلون من تفاسيرهم ما ينقلون وهم يعلمون فساد قولهم هؤلاء قد اغتروا بأساليبهم وألفاظهم ولم يهتدوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وقد سبق لنا أن بينا أن سبب ذلك أنهم كانوا يعتقدون رأياً ثم يستدلون لرأيهم، أو يستدلون بنصوص الكتاب والسنة على ما لا تدل عليه.
***
ثم إنه بسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي منها العالم عجبا، فتفسير الرافضة كقولهم:(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)(المسد: 1) وهما أبو بكر وعمر.
الشرح
يعني يجعلون أبا بكر وعمر اليدين، يدان لأبي لهب - نسأل الله العافية - وهذا مما يدل على أن الرافضة في الحقيقة عندهم من الغل والحقد على الصحابة رضي الله عنهم؛ بل وعلى دين الإسلام ما يتسترون بظاهر حالهم من أنهم مسلمون وأنهم أهل الإسلام، وهم والعياذ بالله في باطن أمرهم من أشد عداوة وبغضاً لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فرجل يقول إنه مؤمن وإنه مسلم، ثم يقول إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر، وهما أشرف الأمة على الإطلاق، فإذا كانت مثل هذه الآيات تنزل فيهما فما بقي للمسلمين شأن بعد ذلك.
***
و (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(الزمر: 65) ، أي بين أبي بكر وعمر وعلى في الخلافة.
الشرح
والمراد لئن أشركت بالله في عبادته (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)(الزمر: 65)، وهم يقولون: لئن
أشركت بين هؤلاء الثلاثة في الخلافة، يعني لئن جعلتهم خلفاء فإن عملك يبطل، وعلى هذا فقد حرفوا القرآن أعظم تحريف، والعياذ بالله.
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة) هي عائشة حسب زعمهم.
الشرح
قاتلهم الله، فالذي يقول هذا هو موسى لقومه، ومع ذلك قالوا: إن المراد عائشة أمرنا الله تعالى أن نذبحها، وعندي أن أي إنسان يرى مثل هذه التفاسير، لا يشك في كفرهم والعياذ بالله، ولا يشك أنهم حتى ما عندهم حياء من الله ولا يستحيون من عباد الله (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة: 67) ، أين عائشة من موسى حتى ينزل كلام رب العالمين على هذه المعاني؟
هذا قول الرافضة المتقدمين، وكذلك المتأخرين، فإنهم يأخذون عنهم ويجادلون عنهم.
وليس بصحيح قول من يقول إن الرافضة المتقدمين يرون إمامة أبي بكر وعمر، فإني قد رأيت أمراً عجبا منهم، لكن ليس من كلهم حيث يقول: إن أبا بكر كافر، وعمر كافر وعثمان كافر، وعلي كافر، الثلاثة الأولون قالوا كفرة لأنهم ظلمة، والرابع علي، لأنه لم يدافع عن الحق واستسلم للباطل، فكفر برضاه بالباطل.
و (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)(التوبة: 12) ، طلحة والزبير.
الشرح
وهذا لا يستقيم، يقول تعالى:(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)(التوبة: 12) هذا في المعاهدين الذين عاهدهم الرسول عليه الصلاة والسلام، والحكم ينسحب على غيرهم بالقياس، والآية ليست لما أراد هؤلاء المحرفون والعياذ بالله، لكنهم لا يبالون ولا يستحيون لا من الله ولا من عباد الله ولا من أحد.
و (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)(الرحمن: 19) ، علي وفاطمة، و (اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (الرحمن: 22) الحسن والحسين.
الشرح
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (الرحمن) إذا كان بينهما برزخ لا يبغيان فهل علي مع فاطمة بينه وبينها برزخ؟ لكن هذه سخافة مثل ما قال الشيخ رحمه الله يقضي العالم منها العجب من سوء الفهم وسوء القصد، فتفاسيرهم هذه جامعة بين أمرين: بين سوء الفهم وبين سوء القصد.
والمراد بالبحرين كما قال العلماء معناه المالح والعذب، والبرزخ الذي بينهما قيل إنه ما يرى عند مصب النهر في البحر فإن النهر يأتي مندفعا بقوة ويكون أمامه كالحاجز فلا يمتزج بالبحر عند المصب، وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالبرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض، وأن هذا من قدرة الله عز وجل لأن الأرض كروية وكيف أن
الله عز وجل أمسك هذا البحر فيها حتى لا يبغي. ولا يبغي بمعنى لا يطغى على اليابس وقال بعضهم: إن هذا البرزخ هو برزخ دقيق بين البحر المحيط والبحار الأخرى التي تعتبر كالخلجان بالنسبة له. فبينها برزخ، ويقولون إنه يحس به بالأسماك التي تعيش في هذا ولا تعيش في الثاني أو بالعكس، وهذا يدل على أنها متنوعة على الرغم من أنها متلاصقة، فبينهما برزخ.
فهذه ثلاثة أقاويل في معنى هذا، ولم يقل احد من أهل العلم ـ لا السابقون ولا اللاحقون ـ إن المراد به فاطمة وعلي بن أبي طالب، لكن هذه من خرافات الرافضة والعياذ بالله.
(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)(يس 12:) في علي بن أبي طالب.
الشرح
أين هذا من اللفظ؟ (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي في كتاب يأتم به الإنسان ويأخذ به ويراه ويشاهد عمله، فأين هذا من علي بن أبي طالب؟ لكن هم يقولون علي إمام ومبين وفصيح ومظهر للحق، فكل شيء أحصاه الله في هذا الرجل، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين، وهذا واضح في أنهم يدعون أن علي بن أبي طالب يعلم الغيب؛ لأنهم يقولون كل شيء أحصيناه وأين مكانه؟ في هذا الإمام، أي كائن في هذا الإمام، فعلى هذا يعتقدون أن عند علي بن أبي طالب من علم الغيب والشهادة ما عند الله، فكل ما
أحصاه الله من الأمور فإنه كائن في هذا الإمام في علي بن أبي طالب.
(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)(1) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ) (النبأ: 1، 2) ، علي بن أبي طالب.
الشرح
(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)(1) عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) يقولون: إن هذا علي ابن أبي طالب لأن الناس مختلفون فيه ما بين مادح وقادح ومحب ومبغض، ولكن هل علي نبأ أم منبأ به؟ ثم هذا الخلاف (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) كائن لأنه لم يقل الذي هم فيه يختلفون أو سيختلفون، وعلي بن أبي طالب حين نزلت الآية ما اختلف الناس فيه.
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(المائدة: 55) ، هو علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة (1) .
الشرح
وليس ذلك بصحيح (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
(1) تقدم تخريجه
المقصود كل مؤمن فهو ولي لله ورسوله، قال تعالى:(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)(البقرة: 257)، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول:((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه)) (1) ، فهذه الولاية الحقيقية، ولا ريب أن علي بن أبي طالب له حظ من هذه الآية كغيره من المؤمنين، وأنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويركع ويسجد رضي الله عنه ولكن لا يمكن أن نقول إن هذا خاص به لا يتناول غيره، فعلي رضي الله عنه ييدخل في الآية، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وخالد بن الوليد، وغيرهم من الصحابة كلهم داخلون في هذه الآية.
والزبير بن العوم قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير (2) ، ومع ذلك فهم يقولون إن الزبير من أئمة الكفر، فإذا كان الزبير من أئمة الكفر وهو حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم الخاصون به هم أئمة الكفر؟ وما ظنك برجل يكون أصحابه الخاصون به أئمة الكفر؟ يكون مثلهم إما بطريق اللزوم، وإما بطريق الاصطحاب، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر:((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (3) .
* * *
(1) رواه البخاري، كتاب النفقات باب قول النبي صلي الله عليه وسلم من ترك
…
، (5371) ومسلم، كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة، (867) .
(2)
رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل الطليعة، (2846) ، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير، (2415) .
(3)
رواه الترمذي، كتاب الزهد باب ما جاء في أخذ المال بحقه، (2378)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وكذلك قوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ)(البقرة: من الآية157) ، نزلت في على لما أصيب بحمزة.
الشرح
يا سبحان الله العظيم أيهما أعظم مصاباً الرسول صلى الله عليه وسلم أم على بحمزة؟ الرسول صلي الله عليه وسلم. ولكنهم يقولون: إن عليا هو الذي أصيب بحمزة، وهو الذي له هذه الآية، فيكون من كذبهم وافترائهم على بن أبي طالب اشد حزناً على فقد حمزة من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وكذبوا والله في ذلك، فأعظم من أصيب به بلا شك هو الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومما يقارب هذا في بعض الوجوه ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(آل عمران: 17) ، إن الصابرين رسول الله، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين على،
الشرح
وهذا جهل أيضاً؛ لأن هذه الأوصاف يصح أن تنطبق على موصوف واحد، أما توزيعها فهذا غير صحيح، وأيضاً:(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ) الذي يظهر أن القانت أفضل منهم. فكيف يكون الرسول صلى الله عليه وسلم في مرتبة الصبر، وهذا في مرتبة الصدق، وهذا في مرتبة القنوت؟! فالرسول عليه الصلاة والسلام هو أفضل من اتصف بهذه الصفات، فهو أصبر
الصابرين، وأصدق الصادقين من الخلق، وكذلك أفضل القانتين، وهو أجود المنفقين، حتى إنه يعطي عطاء من لا يخشي الفاقة (1) ، ويبيت طاويا عليه الصلاة والسلام (2) ، وأما استغفاره فناهيك به؛ كان يستغفر الله ويتوب في اليوم مائة مرة (3)، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول:((أفلا أكون عبداً شكورا)) (4) .
وفي مثل قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) أبو بكر (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار) عمر (ِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) عثمان (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً)(الفتح: 29) .
الشرح
وهذا التوزيع ليس بتفسير الرافضة لكنه تفسير قاصر بلا شك، يقول:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) لأن ابا بكر معه في الغار (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)(التوبة: 40) وعمر، (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ لأن اشد الناس في دين الله عمر، وعثمان مشهور بالرحمة واللين والعطف، (رُكَّعاً سُجَّداً) وعلى بن أبي طالب رضي الله عنه من الراكعين الساجدين، لكن عثمان أيضاً شهر عنه أنه كان يقوم الليل، وأنه كثير القيام.
والحاصل أن هذا خطأ وأن قوله: (وَالَّذِينَ مَعَه) يشمل كل الصحابة، وقوله:(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) ينطبق على الجميع.
* * *
(1) رواه مسلم، كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم..، (2312) .
(2)
رواه الترمذي، كتاب الزهد باب ما جاء في معيشة النبي
…
، (2360) ، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب خبز الشعير، (3347) .
(3)
رواه مسلم، كتاب الذكر، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم (2702)
(4)
رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك..، رقم (4836) ، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، (2819) .
وأعجب من ذلك قول بعضهم (وَالتِّينِ) أبو بكر، (وَالزَّيْتُونِ) عمر (وَطُورِ سِينِينَ) عثمان، (َوهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) على.
الشرح
هذا كتاب تفسير، والشيخ رحمه الله ينقل عن تفسير، فالتين: أبو بكر، والزيتون: عمر، وطور سينين: عثمان، وهذا البلد الأمين: على بن أبي طالب. سماهم كلهم بمأكول ومسكون. نسأل الله العافية، ولعله لما قدم التين وكان أبو بكر رضي الله عنه مقدما بدأ به، فقال ما دام أبو بكر أفضلهم والله بدأ بالتين، ثم بالزيتون على حسب ترتيبهم في الخلافة والأفضلية.
وقال: إن هذه أربع كلمات، وهؤلاء أربعة وهم مرتبون هكذا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على.
* * *
وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص، وقوله تعالي:(وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) كل ذلك نعت للذين معه، وهي التي يسميها النحاة خبرا بعد خبر، والمقصود هنا أنها كلها صفات لموصوف واحد وهم الذين معه، ولا يجوز أن يكون كل منها مراداً به شخص واحد، وتتضمن تارة جعل اللفظ المطلق العام منحصراً، في شخص واحد كقولهم: إن قوله تعالي (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِين) (المائدة: من الآية55) أريد بها على وحده، وقول بعضهم: إن قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ)(الزمر: من الآية33) أريد بها أبو بكر وحده.
الشرح
هذا قال به بعض المفسرين، قالوا:(وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) هذه نزلت في أبي يكر، ولكن سبق لنا أن قولهم نزلت في كذا يعني أنه داخل في معناها، فيكون تفسيراً، وعلى هذا فمن قال إنها نزلت في أبى بكر، فمعناه أن أبا بكر رضي الله عنه يدخل في هذا الوصف (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) ولا شك أن أول من يدخل فيها الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه جاء بالصدق وصدق به، فشهد لنفسه عليه الصلاة والسلام أنه رسول حقاً، وأنه عليه الصلاة والسلام مرسل إلى جميع الناس، وأمر أن يقول ذلك (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) فجاء بالصدق وصدق به أيضاً.
* * *
وقوله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)(الحديد10) أريد بها أبو بكر وحده ونحو ذلك.
الشرح
والذي قال أريد بها أبو بكر مثلاً نقول: إن أراد على سبيل الحصر فخطأ، وإن أراد على سبيل المثال فصحيح. ولنا أن نقول: نزلت في أبي بكر يعني وفي أمثاله، ولكن إن أريد الحصر فهذا لا يجوز، وهذه قاعدة في التفسير؛ أنه لا يجوز أن يخصص العام ويحصر معناه إلا بدليل، فإن جاء الدليل مثل قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) أن الناس المراد بهم أبو سفيان (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) وهذا كما قيل، وإلا فإن الواجب إبقاء العم على عمومه لأن حصره في واحد من أفراده قصور في التفسير، وكما نعلم جميعاً أن المفسر يجب أن يكون مطابقاً للمفسر، أما أن يخصص فهذا لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يعم أيضاً، فإذا جاء نص في شيء خاص لم يجز أن نجعله عاما اللهم إلا عن طريق القياس، إن كان مما يمكن فيه القياس.
* * *
وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيراً ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير المأثورة وأعظمها قدراً، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلي السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب.
الشرح
هذا من كلام الشيخ رحمه الله، وهو يدل على أن الرجل منصف وعادل، وأن الحق ولو كان من أهل البدع، يجب أن يقبل، وأن أهل البدع إذا كان بعضهم أقرب إلي السنة من بعض يجب أن يثنى عليهم
بهذا القرب، وأما أن نرد ما قاله أهل البدع جملة وتفصيلاً، حتى ما قالوه من الصواب، ونقول هذا قاله صاحب بدعة، فهذا خطأ؛ لأن الواجب أن يقول الإنسان الحق أينما كان ولا ينظر إلي قائله، ولهذا قال يجب أن يعرف الرجال بالحق، لا الحق بالرجال، وأنت إذا عرفت الحق بالرجال فمعناه أنك مقلد محض، لكن إذا عرفت الرجال بالحق، وأنه إذا كان ما يقولونه حقا فهم رجال حقا فهذا هو العدل، فالشيخ رحمه الله يقول: يجب أن يعطي كل ذي حق حقه حتى ولو كان من أهل البدع وكان قريبا من أهل السنة فإننا نعطيه حقه، ونقول إن هذا المبتدع أقرب إلى السنة من هذا المبتدع.
* *
فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية
بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه- وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان- صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان
مخطئا
في ذلك بل مبتدعا، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه.
فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب.
الشرح
وهنا يجدر التنبيه إلي هذه المسألة المهمة فإن من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين
وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في هذا؛ بل يكون مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه، يعني نحن نصفه بأنه مخطئ وبأنه مبتدع، لأن كل قول في دين الله لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهو قول مبتدع؛ لأنه محدث، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام:((وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)) (1) .
أو في الأمور العلمية العقدية، فكل شيء مخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان فإنه قول مبتدع، وصاحبه مخطئ، ولكن هل يأثم هذا القائل؟ ينظر إذا كان مجتهداً باذلاً وسعه في طلب الحق ولكن لم يصل إليه فهو مغفور له، ولهذا قال الشيخ رحمه الله:((وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه))
قلنا الآن نظران: نظر إلى القول أو التفسير، ونظر إلي القائل أو المفسر، فالقول أو التفسير المخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان هذا قول مبتدع باطل، وأما بالنسبة للقائل فينظر فإن كان قد بذل الجهد وسعى بقدر ما يستطيع إلى الوصول إلى الحق ولكن لم يتبين له إلا ما قال، فإنه يغفر له خطؤه لأن الله يقول:(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)(البقرة: 286) ، فيعذر بهذا الخطأ، وهذه القاعدة تكاد تكون مجمعاً عليها، وإن كان الصحابة يختلفون في تفصيلها أحياناً لكن هي قاعدة أصيلة وأصل في هذا.
ورب سائل يقول: كيف يقال لمن عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه. كما ذكر
(1) رواه مسلم، كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة، (867) .
ذلك المؤلف رحمه الله؟
والجواب على ذلك بأنه قال بقول ليس معروفاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعلى ذلك فهو مبتدع في قوله هذا، ولكن لا نعطيه الوصف المطلق وإن كان مبتدعاً في ذلك.
ورب سائل يقول: بالنسبة إلي التفاسير العلمية التي تنظر للمكتشفات الحديثة، عندما يكون هناك تفسير لآية ليس هناك دليل شرعي عليه، بمعني حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هنا أقوال عن الصحابة أو أقوال عن السلف في تفسير هذه الآية، وقد يكون أيضاً هناك أكثر من قول، ويأتي مفسر يستند في التفسير إلي جانب اللغة العربية أو المكتشفات الحديثة. فما هو القول في هذا؟ وهل يدخل في القاعدة السابقة فيقال عنه إنه مبتدع؟
والجواب: أنه إذا صحت دلالة القرآن عليه فليس بمبتدع، إذا كان لا يخالف قول السلف في ذلك، أما إذا خالف قولهم فإننا نقول: إنه مبتدع ونرده، لكن غالب ما تكون من هذه المكتشفات مسكوت عنه بالنسبة لمن سبق، لأنهم لم يطلعوا عليها، لكن قد يكون القرآن دل عليها بعمومه أما أن يدل عليها بخصوصها فهذا بعيد ولو دل عليها بخصوصها لكان الصحابة يدرون عنه وفسروه بها. فهذه الاكتشافات العلمية إذا صح أنها داخلة في الآية أما إذا لم يصح فهذا يجب أن يرد على قائله.
فمثلاً هناك من فسر الفتنة بالغزو الفكري، وهذا صحيح، كما أخبر بها الرسول صلي الله عليه وسلم: ((فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً
ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً)) (1) .
* * *
فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلي الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم؛ فقد اخطأ في الدليل والمدلول جميعاً.
الشرح
أخطأ في الدليل؛ لأنه فسره بغير المراد به، وأخطأ في المدلول حيث أتي بمعني مخالف لما كان عليه السلف.
* * *
ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها: إما عقلية، وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه.
الشرح
هذا صحيح وما قاله الشيخ رحمه الله له أصل في القرآن، وأن المخالفين لذلك لهم شبه، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله:(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)(آل عمران: 7) لأن المبطل لو أتي بشيء لا شبهة فيه لم يقبل منه، فهو يأتي بأمور فيها اشتباه لكنه والعياذ بالله- زائغ لا يحمل هذا المتشبه على المحكم حتى يكون بينا، وإنما يجعل الشيء كله
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال..، (118) .
مشتبهاً، وكما قال الشيخ رحمه الله كل من خالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان فله شبه يتعلل بها ويموه بها.
* * *
والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أريد به وتأولوه على غير تأويله.
فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق. وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع، ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.
وكذلك وقع من الذين صنفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنفوه من شرح القرآن وتفسيره.
وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي في حقائق التفسير. وإن كان فيما ذكروه ما هو معان باطلة فإن ذلك يدخل في القسم الأول وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسداً.