الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناصر الدرس
* العقد الخامس (ما يرجع إلى مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام وهو"14" نوعاً)
* النوع الأول (العام الباقي على عمومه)
* النوع الثاني والثالث (العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص)
* النوع الرابع (ما خُصَّ منه بالسنة)
* النوع الخامس (ما خُصَّ به من السنة)
* النوع السادس (المجمل) والنوع السابع (المُؤَوَّل)
* النوع الثامن (المفهوم)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (العِقْدُ الخامس) العقد الخامس من العقود الستة التي ذكرها إجمالاً في قوله: (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ). العقد الخامس ذكرنا أن العِقد بكسر العين لا بالفتح وهي: القلادة.
ما يرجعُ إلى مباحثِ المعاني المتعلقة بالأحكام. (ما) اسم موصول بمعنى الذي ويصدق هنا على أنواع، العقد الخامس أنواع من أنواع علوم القرآن مجموع تحت عنوان واحد أو ضابط أو قدر مشترك (يرجعُ إلى مباحثِ) جمع مبحث وهو محل البحث أو مكان البحث (إلى مباحثِ المعاني) هذه يقابل مباحث الألفاظ لأنه ذكر في العقد الرابع ما يرجع إلى الألفاظ، وذكرنا أنه لا يمكن إذا جعل مبحث خاص من ألفاظ أو مبحث خاص من معاني ليس المراد أنه ينفك اللفظ عن المعنى أو أن المعنى ينفك عن اللفظ، لا، وإنما المراد أن يكون النظر أولاً إلى اللفظ، ثم يتبعه المعنى وهنا النظر إلى المعنى ثم يتبعه اللفظ، فلا انفكاك لا ينفك أحدهما عن الآخر، إذ لو قدر معاني دون ألفاظ لا يمكن أن تقدر معاني دون ألفاظ لكن ليست هي المعاني التي ترجع إليها الأحكام الشرعية ولا يمكن أن نقدر لفظ بدون معنى.
إذًا مباحث المعاني معاني جمع معنى والمراد به ما يقصد من اللفظ (المتعلقة بالأحكام) معاني القرآن منها ما يتعلق بالأحكام ومنها ما لا يتعلق بالأحكام، ومن أنواع علوم القرآن ما يرجع إلى معاني خاصة هذه المعاني الخاصة لها أثر في الحكم الشرعي بمعنى أن الحكم الشرعي التكليفي والوضعي يعتمد على ماذا؟ يعتمد على هذا المعنى الذي سيذكره المصنف لذا قال:(المعاني المتعلقة). يعني: المرتبطة (المعاني المتعلقة) أي: المرتبطة. (بالأحكام) هذا جار ومجرور متعلق بـ (المتعلقة) يعني: التي لها أثر في الأحكام والأحكام هنا جمع حُكْمٍ، والحكم في اللغة المنع ومنه قوله جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
…
إني أخاف عليكم أن أغضبا
والحكم في اصطلاح الأصوليين: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع. وهذا شُرح في ((نظم الورقات)) وشرح في ((قواعد الأصول)) فلا نحتاج إلى شرحه وإلا المناسب أن يشرح هنا لأنه يبين لك المعنى الذي تعلق به هذا الحكم الشرعي ومنه تعلم أن قوله: (بالأحكام). هذا قد يتعلق به الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوقفي وهما داخلان في حد الحكم على ما ذكرناه الآن خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع.
كلام ربي إن تعلق بما
…
يصح فعلاً للمكلف اعلما
من حيث أنه به مكلف
…
فذاك بالحكم لديهم يعرف
(بالأحكام وهو أربعةَ عشر نوعًا) هو أكثر من ذلك لماذا؟ لأن مباحث لو نظرت فيها سيتكلم عن العام وعن الخصوص التخصيص وعن المطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. إذًا هذا مبحث ليس مستقلاً عند أرباب علوم القرآن بل أشبه ما يكون بمبحث مستعار من فن أصول الفقه، وهذا ما اعتُرض بعض علماء بأن علوم القرآن ليست بعلم مستقل وإنما هي علوم مجموعة ملفقة هو علم ملفق كما قيل في الأصول أصول الفقه بأنه علم ملفق لماذا؟
لأن بعضه يرجع إلى اللغة كالمترادف والمشترك وما ذكرناه بالعقد الرابع، وبعضه يرجع إلى أصول الفقه كالمبحث الذي سيذكره في العقد الخامس هذا، فحينئذٍ يكون ما يقال في ذلك العلم يُنقل بنفسه فيجعل في علوم القرآن، ولذلك لو نظر في علوم القرآن لوجد أن العلوم التي يمكن أن تستقل عن العلوم التي تُبحث في اللغة وفي أصول الفقه وفي علوم الحديث لوجد أنها قليلة، وأما ما يرتبط به الحكم الشرعي مطلقًا سواء كان في الأحكام الأصلية معتقد والأحكام الفرعية العلمية والعملية لوجد أن أكثرهم يبحث في اللغة وفي أصول الفقه وفي علوم الحديث، وما ينفرد به علوم القرآن هو أقل يعني: ما يترتب عليه من حيث العمل وإلا المبحث هذا العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمنطوق والمفهوم هذا جل وأهم ما يُذكر في أصول الفقه وهو البحث في ماذا؟ في الألفاظ كذلك هنا لو نظرت نفس ما يقال في أصول الفقه هو عينه الذي يقال هنا، وأما ما يقوله البعض العامة من المعاصرين بأن أرباب علوم القرآن قد أخطئوا في وضع هذه الأنواع في علوم القرآن ثم نقلوا كلام الأصوليين هنا، والأولى أنه يتكلم بلغة علوم القرآن، نقول: وما هي لغة علوم القرآن؟
ليس بفن مستقل بذاته حينئذٍ لو قيل: العام. ولم يبحث كما بحثه الأصوليين بماذا يقال عام؟ الأصوليون يعرف لك العام ثم يقسمه ثم يذكر لك أن العام من عوارض الألفاظ ثم يذكر لك وجود العام القول به سائغ أو لا، ثم يقول إجماع الصحابة على أنهم عملوا بالعام ثم ما يتخصص
…
إذًا هذا كله في الكتاب وهذا كله يتعلق بعلم القرآن علم الكتاب، حينئذٍ ننظر فيه من هذه الجهة ولا يمكن أن يُنظر فيه من جهة أخرى لأن الحكم عليه بكونه عامًا هذا حكم اللغوي، الحكم بأن هذا اللفظ عام الناس بمعنى عام والذي والتي والذين ليس بحكم الأصولي وليس بحكم شرعي وليس بحكم يتعلق بعلوم القرآن ولا بحكم يتعلق بعلوم الحديث ونحو ذلك، بل هي علوم لغوية بحتة في الأصل ولذلك يقال: العام. هذا لفظ وضعته العرب للدلالة على الشمول مع أن اثنين فصاعد حينئذٍ لا يتصور أن ينفك الكلام في علوم القرآن في مبحث العام والخاص ومبحث المطلق والمقيد عن كلام الأصوليين بل هو عينه ولا إشكال في هذا لأنها ما ذكرت في علوم القرآن إلا من أجل ماذا؟ من أجل استنباط الأحكام الشرعية منها، إن وجد مطلق ومقيد ولا يتعلق به حكم شرعي فحينئذٍ نقول: هذا ينطبق عليه حد المطلق والمقيد عند الأصوليين، وكونه لم يتعلق به حكم شرعي فرعي فحينئذٍ لا ينفي كونه من مباحث ماذا؟ الأصوليين أو اللغويين، فحينئذٍ النظر في هذه العلوم أو هذه الأنواع في علوم القرآن تجد ((البرهان)) للزركشي وهو أصولي كما هو معلوم، وتجد ((الإتقان)) وتجد غيره كالبلقيني ونحوه يذكرون خلاف الأصوليين ويذكرون ما يذكرونه في أصول الفقه بتمامه كأنه بحث نقل من الأصول إلى علوم القرآن وهذا لا إشكال فيه بل هو الأصل، وحينئذٍ لا نحتاج أن نقول: لا بد أن نتكلم في علوم القرآن في مبحث عام في كلام مغاير لكلام الأصوليين هذا لا يمكن أن يقع، ولا يمكن أن نتكلم عن المطلق والمقيد بكلام مغاير لكلام الأصوليين هذا لا وجود له أصلاً لا وجود له.
وهو أربعة عشر نوعًا
النوع الأول: العامُّ الباقي على عُمومِه
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
وَعَزَّ إِلَاّ قَولَهُ {وَاللَّهُ
…
بِكُلِّ شَيْءٍ} أَيْ عَلِيْمٌ ذَا هُوْ
وقَولَهُ {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
…
وَاحِدَةٍ} فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ
العام في اللغة هو مشتق من قولهم: عممت الناس بالعطاء. أي: شملتهم بالعطاء، فالعام حينئذٍ يكون بمعنى الشامل والعموم بمعنى الشمول، العام بمعنى الشامل والعموم هو الشمول، فهذا هو وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
إذًا لفظ العام في اللغة معناه الشامل ما شمل اثنين فصاعدًا وما كان في اصطلاح الأصوليين وهو الموجود معنا هنا كذلك ما عم اثنين فصاعدًا لكن لا بد من قيود، ونقول في الاصطلاح العام لفظ يستغرق الصالح له بحسب وضع واحد دفعةً من غير حصر. لفظ هذا جنس يشمل كل ما يُتَلَفَّظ به سواء كان مهملاً - وهو ما لم تضعه العرب - أو مستعملاً - وهو ما وضعته العرب - يشمل العام والخاص والمطلق والمقيد الحقيقة والمجاز المجمل المبين، لفظ جنس فيصدق حينئذٍ على كل ما يمكن أن يصدق عليه مما تألف من حروف هجائية، فكل ما ركب من حروف هجائية فهو لفظ، إذًا العام لفظ احترز به عن المعنى لأن المعنى لا يوصف بكونه عام وإنما العموم من عوارض الألفاظ وهذا هو الصحيح، ولذلك اتفقوا على أن اللفظ يوصف بالعموم واختلفوا في وصف المعنى بالعموم هل هو حقيقة أو مجاز؟
الصحيح أنه مجاز حينئذٍ الذي يوصف بكونه عامًا هو اللفظ.
وهو من عوارض المباني
…
وقيل للألفاظ والمعاني
وهو من عوارض المباني يعني: الألفاظ حقيقة وهذا باتفاق، وقيل: للألفاظ والمعاني. يعني للمباني والمعاني. فيوصف بها المعنى حقيقة كما وصف به اللفظ حقيقة والصواب أنه يوصف به المعنى مجازًا ولذلك قال السيوطي رحمه الله:
يُقَالُ لِلْمَعْنَى أخَصُّ وَأَعَمّْ
…
وَالْخَاصُ وَالْعَامُ بِهِ اللَّفْظُ اتَّسَمْ
إذًا يوصف المعنى فيقال: أعم. لكن من قبيل المجاز ويقال للمعنى أخص لكنه من قبيل المجاز، ويوصف اللفظ بكونه عامًا وبكونه خاصًا، فجعلوا صيغة التفضيل للمعنى وما عدا ذلك الذي هو العام والخاص للفظ لأن المعنى هو المقصود وهو أهم وأرفع فجعلوا له أفعل التفضيل.
لا يوصف المعنى لكونه عامًا لماذا؟
لأن شرط - هذا مهم أن تعرفه - لأن شرط العام اللفظي أن يكون متحدًا في الحكم، لأنه يَرِدُ السؤال لماذا لا نعطف العام المعنى بكونه عامًا؟ نقول: شرط العام أن يكون الشمول فيه متحدًا في أفراده الحكم متحد في جميع على جهة الاستواء فإذا كان الحكم ليس متحدًا بل متفاوتًا فحينئذٍ لا يتحقق فيه معنى العموم فلذلك يقال: أكرم الطلاب. الطلاب هذا عام لأنه جمع محلى بأل
…
(الجمع والفرد معرفان باللام) فنقول: الطلاب. هذا لفظ عام فيشمل زيد، وبكر، وعمرو، وخالد
…
إلى آخره، أكرم فالأمر هنا بالإكرام واقع على كل فرد فَرد من أفراد اللفظ العام على جهة التساوي في الحكم فحينئذٍ يكون إكرام زيد مساوي لإكرام عمرو أولاً لا بد أن يصدق الحكم على كل فرد فَرد هذا لا بد منه، ثم كل فرد له نصيب من الإكرام مساوي للفرد الآخر فحينئذٍ إكرام زيد مساوي لإكرام عمرو، وإكرام عمرو مساوي لإكرام خالد وهلم جره، هذا شرط في العام، ولذلك قوله تعالى:{وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ} ،
…
{وَأَقِيمُواْ} . الواو يصدق على كل مكلف ذكرًا بالغًا أم أنثى فقيرًا أم غنيًّا حاكمًا أم محكومًا أيًّا كان مريضًا أم صحيحًا، استوى الحكم أم لا؟
استوى الحكم فيهم كلهم، كُلهم أربع ركعات أربع ركعات إلا المسافر - لدليل خاص - فحينئذٍ نقول: الحكم هنا مستوي. لكن لو قيل: عمّ المطر المدينة. فحينئذٍ نقول: المطر عم لكن المحل الذي نزل عليه المطر في المدينة مكة مثلاً لو نزل عليها المطر نقول: عم المطر المدينة. يعني: مكة. هل مستوي في جميع الأطراف أم متفاوت؟
متفاوت لا شك، قد يكون نزل على هذه المنطقة بشدة والمنطقة التي تليها بخفة وقد يكون بعضها لم ينزل بعد وبعضها قد تأخر وبعضها سابق إلى آخره، فحينئذٍ هل الحكم متساوي في أفراده؟
الجواب: لا، هذا هو السر في كون المعنى لا يوصف بالعموم إلا مجازًا، فإذا قيل: عم الحاكم القبيلة بالعطاء. حينئذٍ نقول: هنا العموم وصف بكونه عطائه، عطَاؤه وصف بكونه عامًا من باب المجاز لماذا؟
لأنه في الأصل أنه لا يساوي بين القبيلة فيعطي الرئيس أكثر من غيره ويعطي ذلك أكثر من غيره حينئذٍ يحصل التفاوت وعدم التساوي في الحكم، إذًا قوله: لفظ نعلم منه أن العموم وصف للألفاظ لا للمعاني، فخرج به المعنى وخرج به الألفاظ المركبة لأنها قد يحصل شمول يعني يعم شيئين فصاعدًا بألفاظ مركبة لكنها لا توصف بكونها عامة ولو وصفت بكونها عامة يكون مجازًا، ضرب زيدٌ عمرًا هذا تركيب دل على شيئين فصاعدَا أليس كذلك؟ ضرب زيدٌ عمرًا دل على شيئين فصاعدًا صحيح؟ -
…
ما هي هذه الأشياء - الضرب، وفاعل الضرب، ومن وقع عليه الضرب، إذًا شيئين فصاعدًا هذا عموم لأن العام في اللغة هو الشامل والعموم هو الشمول، وهنا هذا اللفظ شمل معنيين فأكثر، فحينئذٍ نقول: الألفاظ المركبة غير داخلة بل خارجة من قوله: لفظ. يستغرق. الاستغراق المراد به الاستيعاب والتناول لفظ يستغرق أي يستوعب ويتناول جميع الأفراد التي يصلح لها اللفظ جميع الأفراد، هذا هو الأصل في مدلول اللفظ العام أنه يتناول أفرادًا دَفعةً واحدة فكل فردٍ فردٍ يصدق عليه اللفظ فهو داخل في الحكم. يستغرق إذا قلنا: لفظ يشمل المهمل وغيره حينئذٍ نقول: خرج المهمل من قوله: يستغرق. لأن المهمل هو الذي لم تضعه العرب، فحينئذٍ إذا لم تضعه العرب إذًا هو غير موضوع وإذ لم يكن موضوعًا فمن باب أولى أن يكون مستغرقًا. يستغرق صالح له. قيل هذا يخرج المطلق على القول بأن المطلق لا استغراق فيه والصواب أن المطلق يستغرق ولكنه على جهة البدل لا على جهة الشمول، فالعام له شمول، والمطلق له شمول واستغراق واستيعاب وتناول، لكن شمول العام دفعةً واحدة، وشمول المطلق بدليٌ بمعنى أن العام إذا قيل أكرموا الطلاب فكل من يتصف بهذا الوصف فهو داخلٌ في مدلول اللفظ فيصدق عليه الحكم ويقع عليه الحكم وهو وجوب الإكرام، أكرم الطلاب ولكن قوله:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] رقبة هذا عام جنس دالٌ على الأهمية بلا قيد هذا مطلق لا نقول عام، نقول: هذا مطلق. ويصفه بعضهم بكونه عامًا لكنه على جهة المجاز والتوسع وإلا هو مطلق {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} هل هذه الرقبة معينة زيد أو عمرو أو خالد هل معينة من جهة موقعها أرضها جنسها؟ لا، إذًا تشمل أو لا؟ يصدق على زيد أن رقبة إذا كان عبدًا ويصدق على عمرو وعلى بكر وعلى من كان هنا وعلى من كان في الخارج فكلهم داخلون تحت اللفظ لماذا؟
لصدق اللفظ عليه، لكن صدق اللفظ عليه هل هو على جهة الشمول - كما يشمله لفظ الطلاب - أم على جهة البدل؟
على جهة البدل. بمعنى أنه إذا قيل أعتق أو أكرم طالبًا لو قيل كرم طالبًا من الموجودين الآن أكرم طالبًا، طَالبًا هذا يشملكم كلكم لكن المراد به طالبٌ واحد فكل واحدٍ منكم قد يصدق عليه اللفظ ويشمله اللفظ لكن على جهة البدل، لماذا؟
لأن المطلق - كما سيأتي - أنه مقيدٌ بواحدٍ في الخارج سواءٌ كان موضوعًا له وهو النكرة أو لازمًا له. لأنه هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيدٍ، وهذا على قول بأنه مفارق للنكرة، فحينئذٍ المطلق {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أو أكرم رجلاً أو أكرم طالبًا نقول: هذا يستوعب ويتناول عدة أفراد، لكنه ليس دفعةً واحدة فليس إذا قيل أكرم طالبًا ليس كل الطلاب الآن دفعةً واحدة يدخلون في اللفظ وإنما يصدق على هذا فإن أكرم هو حينئذٍ سقط عن الباقين برئت الذمة، وإذا قيل أكرم رجالاً أو قيل أكرم طلابًا بدون ال حينئذٍ أُكرم ثلاثة فقط من الموجودين وسقط العهدة عن البقية، لكن كل ثلاثة على جهة البدل فهو داخلٌ تحت اللفظ.
لفظ يستغرق. إذًا أخرج المطلق، وبعضهم لا يجعله مخرجًا بالاستغراق بل بقوله: دفعة. ولذلك زدناها في الحدِّ - وهو أحسن - بحسب الوضع دفعةً، دفعة هو الذي أخرج المطلق ولكن هنا أخرج المطلق لم يخرج المطلق كما يقول بعضهم وإنما أخرج النكرة في سياق الإثبات.
الصالح جميع الأفراد، الصالح له يعني جميع الأفراد هذا فيه احتراز عن العام إذا لا يصلح ولا يصدق اللفظ العام إذا لا يصلح ولا يصدق على جميع الأفراد لأن لفظ العام قد يطلق ابتداءً فيراد به جميع الأفراد، فحينئذٍ إذا قيل أكرم الطلاب وقد نويت فقط جميع الأفراد، فحينئذٍ نقول هذا عامٌ لفظٌ يستغرق ويصلح لجميع الطلاب جميع الأفراد يدخلون تحت اللفظ فهو كالعلم عليهم يقع عليهم فردًا ولكن قد يُستعمل اللفظ ابتداءً وهو لفظٌ عام في أصله قد يُستعمل ابتداءً في بعض الأفراد وهذا المسمى العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} الناس هذا لفظ عام ولذلك جاء في قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] وجاء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] هذا أمر بالتوحيد {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} كل الناس يشمل مؤمنهم وكافرهم لأن الكافر مخاطب فإذا جاء في قوله:
…
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} فنقول {الَّذِينَ} هذا صيغة عموم {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} هذا صيغة عموم {إِنَّ النَّاسَ} هذه صيغة عموم، إذًا اجتمع عندنا ثلاثة صيغ ومن المحال أن يُحمل أو تحمل على هذه الألفاظ الثلاث على عمومها، لا يمكن أن يكون الناس قالوا للناس إن الناس الذين قال لهم الناس إذًا الناس كلهم لأن لفظ الناس يَطْبِقُ على كل الأفراد، إذًا هم الذين تكلموا كلهم تكلموا، تكلموا لمن للناس لكل الناس هذا لا يمكن، وإنما استعمل لفظ الناس أولاً في نُعيم بن مسعود رضي الله تعالى عنه صحابي أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، نعيم بن مسعود فهو واحد حينئذٍ هنا اللفظ الناس نقول: هو في الأصل لفظٌ مُسْتَغْرِق لكنه في هذا التركيب هل يصلح لجميع الأفراد يصدق على كل الأفراد؟
الجواب: لا.
هل هو عام؟ نقول: لا. ليس بعام، لا بد من إخراجه، ولذلك اتفقوا على أنه مجاز،
والثاني اعز للمجاز جزما
…
وذاك للأصل وفرع يُنمى
فحينئذٍ قوله: يستغرق ما يصلح له. يعني: جميع الأفراد وإذا لم يكن مستغرقًا لجميع الأفراد ابتداءً فحينئذٍ نقول هذا عامٌ أريد به الخاص وهذا سيأتي الكلام عنه.
إذًا في قوله جميع الأفراد أخرج العام الذي أريد به الخصوص كما ذكرناه في الآية {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ} [آل عمران: 39] وهو جبريل عليه السلام أطلق اللفظ كل الملائكة؟ نقول: لا. المراد به جبريل عليه السلام. بحسب وضعٍ واحد هذا الإخراج المشترك، لماذا؟ لأن المشترك يشمل معنيين فأكثر، أليس كذلك؟ عَيْن يشمل الدلالة معنى وهو الذهب ويشمل العين الباصرة ويشمل الجارية، إذًا دلَّ على اثنين فصاعدا كما دل لفظ الطلاب على زيد وبكر وعمرو فشمل اثنين فصاعدا، فعين هذا عام أم لا؟ هو اسمه مشترك لا إشكال لكن هل هو عامٌ أو لا؟ أَمَا استغرق معنيين فأكثر كما استغرق الطلاب، استغرق، كيف؟ فشرط العام أن يكون دلالته على معنًى واحدٍ بوضع واحد، فمدلول الطلاب أفراد متصفون بالطلب معنًى واحد ووضع اللفظ ابتداءً وضعًا واحدًا لكل الطلاب، لكن العين أخذناه بالعين ما اتحد لفظه وتعدد وضعه، إذًا الوضع متعدد فوضع لفظ عين للباصرة مغايرة لوضع لفظ عين للذهب، إذًا الوضع متعدد ونحن نقيد العام بحسب وضع واحد إذًا لفظ عين لفظ مستغرق لمعاني لا إشكال لكنه بتعدد الأوضاع، فوضع العين على الباصرة مغاير وضع عين على ماذا؟ الجارية .. وهلم جرا، أما الطلاب فهذا موضوع وضعًا ابتدائيًّا هكذا أولاً من غير حصر من هذا الإخراج أسماء العدد، عندي مائة، مائة ريال، مائة هذا لفظ مستغرق يصلح لجميع الأفراد بحسب وضع واحد لكنه ليس بلفظ عام بل هو خاص لماذا؟ لأنه محصور وشرط العام أن لا يكون محصورًا.
إذًا هذه كلها قيد ولذلك الحدود هذه مهمة جدًا يعتني بها طالب العلم ولا يزهد فيها ولا يظن أنها من ضياع الأوقات ولا أنها من تكلف المتأخرين - كما يقال - لا هذا ليس بصحيح، لأنه يحدد لك العام انظر لفظ، إذًا المعنى لا يتصل هذا قيد لا بد أن يعلمه الطالب، مستغرق إذًا الذي لا يستغرق الرجل عندي رجل هذا غير مستغرق جاء زيد، زَيد هذا غير مستغرق يصلح لجميع الأفراد بحسب وضع واحد دَفْعَة واحدة لإخراج المطلق من غير حصر، هذه كلها قيود يعني: سواء ذكرتها على هيئة حدّ أو ذكرتها شروط وشرحتها لا بأس بهذا لكن لا بد من العناية بهذا حتى يُفرق، لا تفرق بين هذا عام وهذا مطلق إلا بمعرفة الحدود تطبق الحد أولاً ثم بعد ذلك تحكم عليه، هذا حد العام.
وأجمع السلف على أن للعام صيغًا بإجماع السلف لا خلاف بينهم، إجماع السلف على أن العام له صيغ تدل عليها معلومة في لغة العرب ونزل القرآن بها، ومنها: كلٌّ والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما وأيٌّ وما ومن شرطًا واستفهامًا وموصولاً والجمع المضاف والمعرف بأل واسم الجنس المضاف والمعرف بأل والنكرة في سياق النفي والنهي والاستفهام وفي سياق الشرط وفي سياق الامتنان، هذه كلها من صيغ العموم، ومن أين نأخذ هذه؟
من لغة العرب، إذًا بحثها بحث لغوي حينئذٍ يُنْظَرُ فيها بنظرتين: نظرة شخص أو ناظر أو طالب لغوي، وأصولي، لأن الأصوليون قد يزيدون بعض القيود وبعض المعاني وخاصة من نظر في الكتاب والسنة وتقيدات الكتاب والسنة، وهذه لها أمثلة وفي بعضها خلاف، هذا مبسط وذكر في القواعد وفي ماذا؟ نظم الورقات، وقد يأتي بكتابٍ موسع يستوفي هذه المسائل.
أقسام العام: ينقسم العام باعتبارات مختلفة نأخذ باعتبارٍ واحدٍ هنا فينقسم باعتبار المراد منه، ما المراد من هذا اللفظ؟ إذا حكمنا عليه بأنه لفظٌ عام نطبق عليه الحد أولاً فإذا به لفظٌ مستغرقٌ إلى آخره، ثم باعتبار المراد منه باعتباره إذا أُطْلِقَ وانصرف إلى المعنى هل دائمًا إذا أُطْلِقَ لفظ العام ينصرف إلى مدلوله كليًا أم لا؟ هذا الذي سيذكره هنا.
ينقسم باعتبار المراد منه إلى:
- عامٍ أريد به العام. وهو الذي عبر عنه المصنف في (النوع الأول: العامُّ الباقي على عُمومِه). هو العام الذي أريد به العام كقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]{دَآبَّةٍ} هذا نكرة في السياق النفي وزيدت عليها من، من هذه صلة توكيد زائدة و {دَآبَّةٍ} هذا مبتدأ جر بمن الزائدة ورفعه ضمة مقدر على آخره، نكرة في سياق النفي، وذكرنا أن النكرة في سياق النفي تعم كقوله:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]{مِن شَيْءٍ} أي شيء كبير أو صغير قديم أم حديث {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} يعني: رده إلى الله تعالى، هذا عامٌ أريد به العام يعني: لا يخرج عنه فردٌ من أفراده البتة، لا يحتمل التخصيص البتة لا يمكن أن يأتي فرد فيقول لا هذا من دابةٍ إلا على الله رزقها إلا فردٌ وهو كذا رزقه ليس على الله، ممكن؟! لا يمكن هذا، إذًا يمتنع أن يُخصص هذا.
عام أريد به الخاص. يعني ابتداءً هو يتناول الأفراد من جهة الاستعمال لا يتناول الأفراد لا استعمالاً ولا حكمًا كما سيأتي التفريق بينه وبين الآخر. ومثاله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] الذي ذكرناه، ومثله {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ} [آل عمران: 39] {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} قيل: إن ثَمَّ قرينة لفظية تدل على أن المراد بالناس هنا عامٌ أريد به الخاص لقوله تعالى فيما بعد: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 175] ذلكم فلو كان جمعًا لقال إنما أولئكم الشيطان لكنه قال:
…
{ذَلِكُمُ} ، ذا
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ بِذِي
إذًا المشار إليه مفرد وهو قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} . والناس في اللفظ مفرد أو جمع؟ جمع، فحينئذٍ نعلم أن المراد بهذا اللفظ وهو عام أريد به الخاص وهو واحدٌ.
إذًا انقسم باعتبار المراد منه إلى عامٍ أريد به العام وهو الباقي على عمومه، وإلى عامٍ أريد الخاص ابتداءً.
وينقسم باعتبار تخصيصه يعني: ما ورد عليه التخصيص أو لا إلى:
- عامٍ محفوظ هذا تعبير ابن تيمية رحمه الله تعالى عامٍ محفوظ يعني حفظ عن التخصيص لم يَرِد عليه تخصيص، إلى عام محفوظٍ باقٍ على عمومه لم يدخله تخصيص.
- وإلى عام مخصوصٍ يعني قد زال عمومه ودخله التخصيص.
إذًا هذا نوعان أو هذان تقسيمان:
تقسيمٌ باعتبار المراد منه.
وتقسيمٌ باعتبار ماذا؟ باعتبار التخصيص. يعني هو يقبل التخصيص لكنه لم يَرد عليه مخصص فهو محفوظًا، والآخر هو عامٌ قد ورد عليه التخصيص.
(وَعَزَّ إِلَاّ قَولَهُ: {وَاللَّهُ) النوع الأول - الكلام في العام هذا طويل هذا أهم ما نذكره هنا ويتعلق به هذه المسائل وإلا الكلام فيه طويل جدًا -.
النوع الأول: العام الباقي على عمومه. العام هذا يشمل ثلاثة أنواع قوله: (الباقي) يعني: الذي بَقِيَ من البقاء والاستمرار يعني الذي بقي، (ال) هنا موصولة (العامُّ الباقي) يعني: الذي بَقِيَ واستمر على عمومه وهو ما عبر عنه أيضًا شيخ الإسلام بالعام المحفوظ، بَقِيَ، يقولون: الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته، يفسرون هناك في الحواشي الباقي يعني الذي بقي واستمر، لا بد من كلمة واستمر، لا بد الذي بقي واستمر، إلى استعمله المكلف في وضوء أو غسل، أما إذا بَقِيَ ثم لم يستمر إما أنه خرج إلى النجس وإما إلى الطاهر، وأما إذا قلنا الباقي يعني الذي بقي واستمر إلى زمن ماذا؟ إلى زمن استعمل المكلف له، كذلك هنا العام الباقي يعني الذي بقي واستمر على عمومه فلم يطرأ عليه مخصص وهو العام المحفوظ، يقول الناظم هنا تبعًا للسيوطي رحمه الله:(وَعَزَّ) ما هو؟ العام عز يعني قل وندر، العام الذي بقي على عمومه وعز (العامُّ الباقي على عُمومِه) فاعل ضمير مستتر (عَزَّ) هذا فعلٌ ماض مبنيٌ على الفتح والفاعل ضمير مستتر يعود على قوله:(العامُّ الباقي على عُمومِه)، وهنا تأخذ باستقراء أن الناظم رحمه الله يربط الأبيات بالعناوين والتراجم انتبه لهذا.
(إِلَاّ قَولَهُ) إلا أداة استثناء، (قَولَهُ) بالنصب واجب أو جائز؟
واجب لماذا؟ تام موجب [أحسنت] تام موجب
ما استثنت إلا مع تمام يتصل
وجوبًا، هنا تام موجب لأنه ليس بمنفي موجب لكون ليس منفيًا وتام لأن المستثنى منه مذكور وهو ضمير مستتر (وَعَزَّ) هو الضمير، هذا ضمير مستتر عاملته العرب معاملة المذكور ولذلك استعارت له اللفظ أنت، قم أنت، ولذلك من الخطأ إعرابه - وإن أعرابه البعض - {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ}
…
[البقرة: 35] أنت أعربه بعضهم أنه فاعل نسب لسيبويه، لكن المشهور عند المتأخرين وكثير من المتقدمين أنه لا إعراب فاعل لأن اسكن هذا فعل أمر وفاعل مطرد أنه ضمير مستتر وجوبًا حينئذٍ لا يمكن إبرازه، حينئذٍ يقال أنت اسكن أنت يا آدم اسكن يا آدم، هذا ضمير مستتر، أنت هذا ضمير الرفع استعير للتأكيد، والمؤكد ما هو؟ الضمير المستتر، فلما أكدوه دل على ماذا؟ دل على أنه معاملٌ معاملة المذكور، ولذلك أكدوه وعطفوا عليه {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} بالرفع الواو حرف عطف وزوجك بالرفع معطوف على ماذا؟ على أنت؟ لا، ليس على أنت، على الضمير المستر، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الضمير المستتر في قوة المذكور، وذكرنا هذا في الملحق بتوسع.
إذًا (إِلَاّ قَولَهُ) منصوبٌ على الاستثناء ونصبه واجب (إِلَاّ قَولَهُ) تعالى
…
({وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ}) أين صيغة العموم؟ كلّ، كُل هذه صيغة عموم أفرادها أين أفرادها مصدقها؟ شيء الذي هو المضاف إليه دائمًا العموم يكون في أفراد المضاف إليه كل {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ} [الإسراء: 13] نقول: كل إنسان هذا من صيغة العموم يعني كل فردٍ من أفراد الإنسان ألزمناه طائره، حينئذٍ ننظر إلى ما أضيفت إليه الكل، وهنا شيء، شَيء يصدق على ماذا؟ على كل وعلى الجزء، إذًا متعلق علم الرب جل وعلا على كليات والجزئيات لأن بعض الفلاسفة أنكر تعلقه بالجزئيات، كذلك يتعلق بالموجود وبالمعدوم وبالمستحيل، يشمل هذه بقوله:{وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
…
[البقرة: 282] عليمٌ بالرفع على أنه خبر، الله لفظ الجلة مبتدأ و {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} جارٌ مجرور متعلق بقوله:{عَلِيمٌ} ، وعليم خبر، إذًا مُتَعَلَّقُ علم الرب جل وعلا عامٌ لا يخرج عنه فردٌ من الأفراد مهما كان من الموجودات والمعدومات والمستحيلات من الكليات والجزئيات، هل يستثنى منه شيء؟ لا يُستثنى منه شيء، فهو عامٌ باقٍ على عمومه لا يخرج عنه فردٌ من أفراده البتة ولا يمكن ولا يجوز إخراج فردٍ عنه من أفراده ({وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} أَيْ عَلِيْمٌ) أي أتى بها من أجل النظم (ذَا هُوْ)
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ
ما هو المشار إليه ذا {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282](هُوْ) أي: العام الباقي على عمومه. (ذَا) المشار إليه المثال قوله: ({وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} أَيْ عَلِيْمٌ)، (ذَا) المذكور المثال من قوله تعالى:{وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} [البقرة: 282](هُوْ) أي العام الباقي على عمومه، (وقَولَهُ) هذا معطوف على قوله:(إِلَاّ قَولَهُ) وقوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]. أين العموم، أين صيغة العموم؟
الأصول ترى مثل النحو يحتاج إلى تمرين أين صيغة العموم؟
[
…
الكاف صيغة عموم؟! لك لكَ الله الكاف صيغة عموم؟!] (1)
{خَلَقَكُم} خلق وقوله: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أين الصيغة العموم؟
من يقول نفي
…
ومن يقول إثبات .... أين هي؟ {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أعدم عن .... الكاف صحيح لماذا قلت لكم الكاف من ذلك]
{خَلَقَكُم} من المخاطب؟ أنتم فيشمل جميع البشر، كلهم من ذرية آدم بلا تخصيص {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} الكاف هنا مخاطبون أنتم، يعني الصحابة ومن بلغهم القرآن كلكم أيها البشر مخاطبون بماذا؟ بكونكم مخلوقين من نفس واحدة، هل يختص هذا بفرد دون فرد؟ الجواب: لا، هل يمكن تخصيصه؟ الجواب: لا.
(1) محادثة جانبية.
(وقَولَهُ) هذا معطوف على قوله: (قَولَهُ). ({خَلَقَكُم) يعني: جميع البشر وكلهم من ذرية آدم بلا تخصيص (مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}) نفس مضاف وواحدة مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بقوله: ({خَلَقَكُم). (فَخُذْهُ) أي: هذا المذكور المثالين (دُونَ لَبْسِ) يعني: من غير خلط بكونه عامًا باقيًا على عمومه. من غير لبس واللبس يطلق بمعنى الخلط {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ} [الأنعام: 82] يعني: لم يخلطوا {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} يعني: بشرك. هذا ما يتعلق بالعام الباقي على عمومته. قال السيوطي رحمه الله: هذا النوع مثاله عزيز. [ترى الدرس سهرة الليلة سأشرح على مهلي المشغول إذا جاء وقت الانصراف يمشي
…
] [الآية هكذا {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي نعم ممكن على الوقف أي أحسنت الآية أين هذا النساء
…
أي نعم {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} ] (1)
(فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ) قال السيوطي رحمه الله تعالى: هذا النوع مثاله عزيز إذ ما من عام إلا ويُتخيل فيه التخصيص. وعبارة الفقهاء والأصوليين: ما من عام إلا وقد خُصَّ. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرفض هذا يقول: لا، ليس بصواب فقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} . قد يُخص منه غير المكلم يعني: يمثل للعام الذي خُص {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} الناس هل يشمل كل الناس أم المكلفون؟
(1) محادثة جانبية.
المكلفون إذًا خُصَّ بالمكلفين {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] خص منه حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} حرم الربا {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] خُصَّ منه العرايا كما سيأتي هذا كلام من؟ كلام السيوطي رحمه الله تعالى قال: هذا النوع عزيز. قال الزركشي رحمه الله تعالى: إنه كثير في القرآن. العام الذي باقٍ على خصوصه إنه كثير في القرآن وأورد منه {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} التي ذكرها في النظم وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} [يونس: 44]. عام {لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} هنا العام من جهتين: من جهة إيقاع الظلم {لَا يَظْلِمُ} يظلمُ فعل مضارع في صيغة النفي وإذا وقع فعل المضارع في صيغة النفي فيعم لأنه مصدر، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، إذًا لا يقع أدنى ظلم من الرب جل وعلا {إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ} كل الناس أي فرد من أفراد الناس حتى الكافر لا يتوجه إليه ظلم من الرب جل وعلا، كذلك قوله:{وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49] عام باقٍ على عمومه، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} عام، {ثُمَّ رَزَقَكُمْ} عام، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عام، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} عام [الروم: 40] كلها عام باقٍ على عمومها، {الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [غافر: 67] هذا عام باقٍ على عمومه، {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً} [غافر: 64] عام باقٍ على عمومه، فكيف يقال: وعز. وهذه الآيات ومثلها كثير كثِير في القرآن. قال السيوطي ردًّا على صاحب ((البرهان)) الزركشي: بل المراد أنها في الأحكام، وما ذكره الزركشي في ((البرهان)) لم يتعلق بالأحكام - وهذا هو الجمع بين كلام ابن تيمية وغيره بأن مراد ابن تيمية رحمه الله كما ذكره الزركشي هنا أن العمومات المحفوظة كثيرة جدًا هذا بإطلاق القرآن كله سواء كان في الأحكام أم في غيره بدليل أن شيخ الإسلام رحمه الله مثل بـ:{الْحَمْدُ للهِ} قال: هذا عام، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] هذا عام {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} كل ما يقع في يوم الدين مالكه الرب جل وعلا، لا يخرج عنه فرد من أفراد ذلك اليوم، هذا يدل على ماذا؟ على أن مقصد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله العام الباقي على عمومه مطلقًا دون نظر إلى كونه تعلق به حكم شرعي تكليفي أم لا، وهذا لا إشكال فيه، فيقال: أكثر العمومات المتعلقة بالأحكام التكليفية مخصوصة لأنه ما من عام تعلق بحكم تكليفي إلا وتَخُصُّ منه المجنون والصبي والعبد على قول والنائم والساهي كل من ليس بمكلف فهو مخصوص {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] نقول: {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} هذا مخصوص بماذا؟ بالمكلف، أخرج الصبي، أخرج المجنون لا يأمر بالصلاة
…
إلى آخره، إذًا كل عام متعلقه في الحكم الشرعي تكليفي فحينئذٍ يكون ماذا؟ يكون مخصوصًا السيوطي رحمه الله تعالى قال: قد ظفرت بآية عام في الأحكام لا خصوص فيه. ما هي؟ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] قال: هذه الآية عامة وهي باقية على عمومها.
والسيوطي إذا بصر بشيء يفرح به.
(وَعَزَّ إِلَاّ قَولَهُ: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} أَيْ عَلِيْمٌ ذَا هُوْ
وقَولَهُ: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ) هذا هو النوع الأول وهو العام الباقي على عمومه يعني: العام المحفوظ الذي لم يُخَصْ أبدًا، وأكثر ما يوجد في الأحكام الشرعية التكليفية.
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
العام المخصوص يعني: هو في الأصل عام ولكنه دخله التخصيص كما إذا قلت: أكرم الطلاب إلا زيدًا. فنقول: الطلاب هذا لفظ عام يستغرق في جميع ما يصلح له اللفظ إلا بحسب وضع واحدًا دفعة بلا حصر، لكن استثنيت زيد، فحينئذٍ نقول: الطلاب هذا عام مخصوص، فكما ذكر السيوطي في ميما سبق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} هذا يُخص بغيره مكلف {النَّاسُ} هذا يشمل الصبي، ويشمل الرضيع، ويشمل الحمل، ويشمل المجنون، هل نأمرهم بتقوى الله ما نأمرهم إذًا مخصوص أو لا؟ نقول: مخصوص. هذا عام مخصوص {وَحَرَّمَ الرِّبَا} خُص بالسنة بالعرايا يعني: العرايا في الأصل أنها داخلة في حد الربا لكن خُصت بدليل شرعي كذلك {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}
…
[المائدة: 3]، {إِلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] دل على أن الميتة كلها رجس جاءت الأدلة من السنة باستثناء ماذا؟ الإهابة أو جلد الميت إذا دبغ .. إلى آخر ما يُذكر في موضعه.
والعام الذي أريد به الخصوص هذا ابتداءً، يعني: أول ما ابتدأ به المتكلم نطق به ولم يُرد كل الأفراد، فهو لا يتناول الأفراد ابتداءً لا استعمالاً ولا حكمًا. وذكر أهل العلم في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص بعض الفروق:
أولاً: العام المخصوص. هو ما يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا العام المخصوص هو الذي أريد أو يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا.
والعام الذي أريد به الخصوص لم يقصد فيه إلا بعض الأفراد، وبعضها لم يقصد، لا تناولاً ولا حكمًا، بل المراد به البعض فقط في الاستعمال والحكم معًا، فإذا قلت مثلاً: عليَّ عشرة إلا ثلاثة. عشرة هذا نتوسع في كونها عام - وهي ليس بعام لكن يذكرونه مثال لأن التمثيل به واضح - عشرة نقول: لها أفراد أو لا؟ لها أفراد، إذا أطلقت لفظ العشرة حينئذٍ يستعمل في أو تدل على أفرادها من جهة اللغة ابتداءً فكل فرد من أفراد العشرة هو داخل فيها إذا قيل له: عليَّ عشرة وسكت. كم يكون الأفراد عشرة كل الأفراد من واحد إلى عشرة، لكن لو قال له عليَّ عشرة إلا ثلاثة نقول: ننظر إلى لفظ العشرة هل أريد به لفظ العشرة كله هل يشمله من جهة اللغة - دعك من الحكم - من جهة اللغة هل يشمل كل أفراد العشرة نقول: نعم. إذًا هو يشمل كل الأفراد استعمالاً من جهة الاستعمال اللغوي لماذا؟ بدليل أنه استثنى منه وقوله: إلا ثلاثةً. هذا يدل على أن الثلاثة التي يضعه العشرة غير مرادًا بالحكم مع كونها مراده بالاستعمال، فاللفظ يشملها من جهة الاستعمال ولا يشملها من جهة الحكم، ولذلك نقول بعبارة مختصرة: العام المخصوص ما يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا. - أحفظ هذه استعمالاً لا حكمًا - يعني: من جهة الاعتراف لم يُرَد به لو أقر على نفسه هذا حكم شرعي له عليَّ عشرة إلا ثلاثة يعني كم؟ سبعة إذًا اعترف بسبعة، يعني السبعة ليست هي كل العشرة أين ذهبت الثلاثة استثناها ليست بمرادة، ليست بمرادة استعمالاً أم حكمًا؟
حكمًا لا استعمالاً لأن اللفظ يشملها، فالذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد فإذا قال كما ذكرناه في الآية {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] نقول: ابتداءً في أول الكلام أُطْلِقَ اللفظ ولم يُرد به كل الأفراد وإنما أريد به الواحد وهو نعيم بن مسعود فقط، فحينئذٍ نقول: هل شمل الأفراد استعمالاً؟
لا، وإنما أطلق وأريد به بعض الأفراد والبعض الآخر غير مراد لا استعمالاً ولا حكمًا. إذًا نحفظ كلمة استعمالاً لا حكمًا. [أرى الوجوه ما كأنها المسألة واضحة].
سنقول: اللفظ عام له أفراد في باب العام المخصوص نقول: الأفراد مرادة استعمالاً لا حكمًا.
في باب العام الذي أريد به الخصوص كل الأفراد غير مرادة لا استعمالاً ولا حكمًا بل أريد بعضها وبعضها لم يرد، لو تأملت الآية {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} الناس هنا ابتداءً استُعمل في نعيم بن مسعود ولم يقصد به كل الناس قالوا ثم بعد ذلك وصل إلى نُعيم بن مسعود يعني بعد التخصيصات، نقول: لا، ابتداءً استعمل في هذا، فحينئذٍ لم يُرَدّ كل الأفراد لا استعمالاً ولا حكمًا، فالذي أريد به الخصوص لم يُرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها، ولذلك قيل: هو مجاز. ولذلك قال: (والثاني اعز للمجاز جزما). يعني: أنه من باب إطلاق الكل وأريد به البعض، أُطْلِقَ الكل وأريد به البعض، وهذا هو المجاز.
والمخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لا من جهة الحكم هذا هو الفرق الأول ما هو؟
هل كل الأفراد مراده في العام المخصوص أو لا من جهة الاستعمال اللفظ؟
مرادة، ومن جهة الحكم غير مرادة {وَالْمُطَلَّقَاتُ} [البقرة: 228] كل المطلقات حامل أم لا آيسة أم لا حرة أم أمة صغيرة أم كبيرة داخلة في هذا اللفظ أم لا؟
داخلة في هذا اللفظ، لكن من جهة الحكم؟
لا، لوجود المخصصات. هذا ماذا نسميه؟ عام مخصوص {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ} [آل عمران: 39] كل الملائكة؟ لا، وإنما أريد به ابتداءً أطلق اللفظ الذي له أفراد وأريد به واحد وهذا مجاز. [ما شاء الله عليكم].
الثاني: الذي أريد به الخصوص مجاز قطعًا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي لأنه نُقل، لفظٌ وُضِعَ للدلالة مستغرق لجميع ما يصلح له اللفظ، هذا أصل الناس هذا عام يطلق على كل الأفراد ثم استعملته إلى واحد نقول: هذا مجاز. وسبق أن الجمع إذا استعمل في المفرد مجاز، هذا مجاز قطعًا ولذلك اتفقوا على هذا.
والثاني اعز للمجاز جزما
…
وذاك للأصل وفرع يُنمى
والعام المخصوص فيه مذاهب، اختلفوا فيه، فيه مذاهب يعني مختلف فيه هل هو حقيقة أم مجاز؟ أصحها أنه حقيقة يعني دلالة المطلقات على ما بقي جاءت خمسة مخصصات أخرجت بعض المطلقات خمسة أنواع وبقي دال على بعضها حينئذٍ دلالة اللفظ على ما بقي بعض التخصيص حقيقة أو مجاز؟ نقول: أصحه أنه حقيقة. وقيل: أنه مجاز. والأصوب أنه حقيقة لماذا؟ لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص يعني: هب أنه لم يرد تخصيص دلالة اللفظ على الفرد الذي أخرج حقيقة أو مجاز؟
حقيقة إذًا يبقى دلالته على الباقي بماذا؟
حقيقة، إذًا لا فرق، تناول اللفظ للبعض الباقي بعد تخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقيٌ اتفاقًا فليكن هذا التناول حقيقيًّا أيضًا.
الثالث: أن قرينة المخصوص لفظية، العام المخصوص قرينته لفظية، قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة، وذات عقدية الذي هو العام الذي أريد به الخصوص وسيأتي في النظم هذا.
الرابع: أن قرينة العام الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه. يعني لا توجد في غير النص بل تفهمه منه سياق كلامه ومن فحوى الكلام {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} أي قارئ بعقل يفهم أنه لا يمكن يكون كل الناس قائلون وكل الناس مقول لهم، هذا بعيد ما يتصوره إنسان عاقل، كذلك {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عمران: 39] كل الملائكة منذ أن خلق الله السماوات والأرض لا يمكن أن يُراد، فحينئذٍ نقول: من السياق تعرف أن هذا ماذا؟ أنه عامٌ أُريد به الخصوص فهو مجاز من إطلاق الكل على الجزء وهو مجاز مرسل.
إذًا قرينة العام الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه، والآخر قد لا تنفك عنه وهذا كثير في المخصصات المنفصلة.
الخامس: المراد به الخصوص يصح أن يراد به واحد اتفاقًا لأنه مجاز، وأما العام المخصوص هل يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، هذا محلٌ نزاع ومحل اختلاف.
والصواب التفصيل، فيما يدل على معنى الجمع لا يجوز التخصيص إلى أن يبقى واحدًا بل إلى أن يبقى أقل الجمع وما عداه فيجوز.
جوازه لواحدٍ في الجمع
…
أتت به أدلة في الشرع
وموجبٍ أقله القفال
…
والمنع مطلقًًا له اعتلال
يعني هل يجوز في العام المخصوص أن يرد مخصصات، نقول: هذا لا يستغرق كل الناس مثلاً. لفظ عام أكرم الطلاب، ويكون الطلاب عندي عشرة ثم أقول: إلا زيدًا وإلا بكرًا وإلا عمرًا وإلا خالدًا وإلا محمدًا وإلا فوزي وإلا عبد الله وإلا عبد الرحمن وإلا علي كم بقي في العام؟ واحد يجوز أو لا يجوز؟
فيه خلاف، والصواب أنه لا يجوز. في مثل هذا اللفظ لا يجوز لماذا لأن الطلاب هذا صيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة، ومضى معنى في القواعد قول البستي وهو قول يحفظ: أن الكامل في العموم هو الجمع، لماذا؟ لدلالته على العموم بصورته ومعناه. تنبه لهذا، قول البستي الذي سبق معنا في قواعد الأصول أن الكامل في العموم هو الجمع، لماذا؟ لدلالته على العموم بصورته وبمعناه فحينئذٍ لا يمكن أن يخصص من جهة المعنى على ما لا يدل عليه الصورة، وما عدا ذلك كالمفرد المضاف حينئذٍ يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، ومن جوز التخصيص إلى أن يبقى واحد اعتمد على العام الذي أريد به الخصوص ولذلك في ((المراقي)) قال:
جوازه لواحدٍ في الجمع
…
أتت به أدلة في الشرع
جوازه لواحدٍ يعني جاء في باب التخصيص، جوازه، جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد أتت به أدلة في الشرع مثلوا بماذا؟ مثلوا بقوله تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173]، {فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ}
…
[آل عمران: 39]، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ} [النساء: 54] قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم، مثلوا بماذا؟ بالعام الذي أريد به الخصوص وأريد به واحد، وهذا كان عند المتقدمين لا تفريق بين النوعين، المتقدمون من الأصوليين ممن كتب لا يفرقون بين النوعين فهو نوعٌ واحد فحينئذٍ عومل معاملة العام المخصوص فنظر على دلالته على واحد فقيل يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، والصواب التفريق بين النوعين وأن النوع العام المخصوص حقيقة والنوع الثاني مجازٌ مرسل علاقته الكلية والجزئية لأنه من باب إطلاق الكل على الجزء.
قال رحمه الله:
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
وَأَوَّلٌ شَاعَ لِمَنْ أَقَاسَا
…
والثَّانِ نَحْوُ يَحْسُدُونَ النَّاسَا
وَأَوَّلٌ حَقِيْقَةٌ والثَّانِيْ
…
مَجَازٌ الفَرْقُ لِمَنْ يُعَانِيْ
قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ تُرَى عَقْلِيَّةْ
…
وَأَوَّلٌ قَطْعاً تُرَى لَفْظِيَّةْ
والثَّانِ جَازَ أَنْ يُرَادَ الوَاحِدُ
…
فِيْهِ وَأَوَّلٌ لِهذَا فَاقِدُ
(وَأَوَّلٌ) بالتنوين، العام المخصوص، (شَاعَ) وكثر، كثير في الكتاب لأن البحث هنا في الكتاب، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (شَاعَ) وكثر لمن (أَقَاسَا) الألف للإطلاق (أَقَاسَا) بمعنى: تتبع، من تتبع القرآن وجد أن العام المخصوص كثير وخاصةً في الأحكام، بل لا يكاد أن يوجد حكم عام لفظٌ عام يتضمن حكمًا شرعيًا إلا وقد خص حينئذٍ صار كثيرًا وشائعًا.
(وَأَوَّلٌ شَاعَ لِمَنْ أَقَاسَا) كثر (والثَّانِ) العام الذي أُريد به الخصوص
…
(والثَّانِ) بحذف الياء (نَحْوُ) قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} . الألف للإطلاق هنا {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} الناس قيل: النبي صلى الله عليه وسلم، أُطلق عليه الناس لماذا؟ لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة، ولذلك سبق معنا أنه سُمِّيَ محمد لذلك.
(والثَّانِ) أي العام الذي أريد به الخصوص وعرفنا الفرق بين النوعين مثاله قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} ، والناس المراد به النبي صلى الله عليه وسلم على قولهم حينئذٍ أطلق لفظ الناس وهو عامٌ لفظٌ مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضعٍ واحدٍ من غير حصر هذا لفظٌ عام لكنه ابتداءً أُطلق على النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَأَوَّلٌ حَقِيْقَةٌ) يعني فرق وأراد أن يفرق بين النوعين، مَثَّلَ للثاني ولم يُمَثِّلُ للأول لشهرته، والمشهور الأصل فيه أنه لا يذكر، والآصل الأصل فيه على أنه لا يذكر يعني: ما كان على أصل فالأصل أنه لا يذكر وما كان شائعًا ذائعًا فالأصل أنه معلوم وما كان معلوم لا يحتاج إلى التمثيل، لكن الثاني فيه نوع لبس وخفاء وقلة فاحتاج إلى أن يمثل له، أراد أن يفرق بين النوعين قال:
…
(وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (حَقِيْقَةٌ) وعرفنا هذا، لاستعماله فيما وضع له ثم أخرج منه البعض بمخصص، لماذا هو حقيقة؟
لأنه استعمل في ما وضع له في لغة العرب، وكونه أخرج بعض الأفراد بمخصص لا يُخرجه عن كونه حقيقة لأن تناول اللفظ للأفراد بعد التخصيص كتناوله له قبل التخصيص، فلا فرق حينئذٍ.
(والثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص (مَجَازٌ) لماذا؟
لأنه استُعمل ابتداءً في بعض ما وُضع له، لا بد من قيد ابتداء، لأنه استُعمل ابتداءً في بعض ما وُضع له، وهذا المجاز يُسمى مجازًا مرسلاً من إطلاق الكل مرادًا به الجزء، وعلاقته الكلية والجزئية وهي من علاقات المجاز المرسل،
…
{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} [البقرة: 19]. كل الأصبع أم أطرافها؟ أطرافهَا، يقولون: هذا مجاز، أطلق الكل وأريد به الجزء أو البعض.
(الفَرْقُ لِمَنْ يُعَانِيْ). (الفَرْقُ) يعني المذكور بكون الأول حقيقة والثاني مجازًا ظاهرٌ (لِمَنْ يُعَانِيْ) لمن يعتني به، يعني بالفرق، لمن يعتني به يعلم أن الأول حقيقة والثانية مجاز.
(قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص قرينته ماذا؟ (تُرَى) أي تعلم عقلية نسبةً إلى العقل لأن القرائن قد تكون لفظية وقد تكون عقلية وقد تكون معنوية، {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] هذا مُثِّلَ له بالقرينة العقلية وسبق أن الكثير من الأصوليين يُمَثِّلُون به يعني: بهذه الآية على ماذا؟ المخصص العقلي أليس كذلك؟ {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} شيء، هو شيء هذا جاء في الكتاب أنه يطلق على الرب جل وعلا {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19]. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}
…
[القصص: 88]. جل وعلا حينئذٍ نقول: أُطلق لفظ الشيء على الله عز وجل قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} هل خلق نفسه؟ الجواب: لا. إذًا بمخصص هو العقل القرينة هنا عقلية {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]. مع أنها لم تدمر السماوات والأرض، أليس كذلك؟ قالوا: التخصيص هنا حصل بالعقل (قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) العام الذي أريد به الخصوص (تُرَى عَقْلِيَّةْ) يعني تُعلم عقلية نسبة إلى العقل وقيل: حالية وهذا في الغالب، وقد تكون لفظية، قد تكون قرينة العام الذي أريد به الخصوص لفظية ما هو مثاله؟
…
[أحسنت]{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} [آل عمران: 175]. هذه قرينة لفظية ذكرناه فيما سبق: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173]. قلنا النظر إلى سياق الآية يدل على ماذا؟ على أن الناس هنا استعمل في ماذا؟ في غير ما وُضِعَ له، ويدل عليه قوله تعالى:{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} . بذا
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ
هذا مرجعه ماذا؟ اسم الإشارة للمفرد المذكر، لو كان المراد بالناس في قوله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} لو كان المراد به جميع مدلوله لقال: إنما أولئكم الناس، إنما أولئكم الشيطان أو الشياطين، لكنه ما قال {إِنَّمَا
…
ذَلِكُمُ} فدل على ماذا فدل على أن المراد باللفظ الأول واحد.
(قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ تُرَى عَقْلِيَّةْ) إذًا هذا في الغالب وقد تكون قرينته لفظية كما في الآية التي ذكرناها حيث المراد به واحد، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص
…
(قَرِيْنَةُ)(تُرَى لَفْظِيَّةْ)(قَطْعاً)، (وَأَوَّلٌ) العام المخصوص (قَرِيْنَةُ)
…
(قَطْعاً) أي جزمًا (تُرَى) أي تعلم (لَفْظِيَّةْ) كالاستثناء والشرط والغاية، أو الكتاب بالكتاب أو الكتاب بالسنة .. إلى آخره، يعني المخصصات كلها المتصلة والمنفصلة، المخصصات المنفصلة ذكرنا أنها تسعة، والمخصصات المتصلة ذكرنا أنها أربعة أو خمسة، كل هذه لفظية. إذًا (قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص عقلية لا لفظية هذا في الحكم الأغلبي وأما العام المخصوص فهذا قرينته ماذا؟ لفظية سواءً كانت متصلة أو منفصلة.
(والثَّانِ جَازَ أَنْ يُرَادَ الوَاحِدُ فِيْهِ)(والثَّانِ) بحذف الياء للوزن (والثَّانِ) أي العام المراد به الخصوص المجاز، جاز بلا خلافٍ أن يراد به الفرد الواحد ولذلك أجمعوا على أن المراد الناس واحد في قوله نعيم بن مسعود، (والثَّانِ جَازَ) بلا خلافٍ أن يراد به الفرد الواحد، (فِيْهِ) هذا به في بمعنى الباء هنا {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137، 138]. يعني في الليل إذا الباء تأتي بمعنى في وهنا في بمعنى الباء، إذًا كلٌ منهما يتناوب عن الآخر، معتلق بقوله:(يُرَادَ) به (الوَاحِدُ) وذكرنا هذا:
جوازه لواحدٍ في الجمع
…
أتت به أدلة في الشرع
والصواب أنه لا، بل أقل الجمع، (وَأَوَّلٌ لِهذَا فَاقِدُ)، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (لِهذَا) أي الجواز بإرادة الواحد (فَاقِدُ) فلا يجوز فيه حينئذٍ قصر العام على فردٍ من أفراده جوازًا متفقًا عليه، بل يجوز عند بعضهم ويمتنع عند آخرين حينئذٍ يكون ممنوعًا لماذا؟
لما ذكرناه عن الغسل لأنه يدل على الجمع بصورته فحينئذٍ لا بد إذا خُصِّصَ من جهة المعنى أن يدل على أقل ما يدل عليه الجمع وهو ثلاثة على الصواب أن أقل الجمع ثلاثة، إذًا قوله:(والثَّانِ) أي العام المراد به الخصوص جاز أن يراد به الواحد لأنه مجاز فيستعمل للجمع مرادًا به الواحد ولا إشكال، وأما الثاني فلأنه حقيقة حينئذٍ لا يجوز أن يُخَصَّصَ الجمع إلى أن يبقى واحد بل إلى أن يبقى أقل الجمع وهو ثلاثة. (وَأَوَّلٌ لِهذَا) أي الجواز لإرادة الواحد فاقدٌ فلا يجوز فيه قصر العام على فردٍ من أفراده جوازًا متفقًا عليه بل على خلافٍ والأصح التفصيل إلى أن يبقى أقل الجمع إن كان جمعًا وإلا واحدٍ في غيره إلى أقل الجمع فيما إن كان جمعًا وإلى واحدٍ في غيره.
هذا فيما يتعلق بالجمع والتفريق بين الأنواع.
النوع الرابع: ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ
خُصَّ بمعناه أنه أراد بالتبيين الخاص كأنه قال العام والخاص، لأنه يذكر هذه الأنواع متقابلة، المنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، كذلك العام والخاص، ولذلك نقول: الخاص ضد العام، والتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده، يعني يكون اللفظ عامًا يشمل كل الأفراد فيتعلق به حكمٌ ثم يَرِدُ دليل متصل أو منفصل فَيَخُصُّ بعض تلك الأفراد بحكم مغاير لحكم العام كما في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ
…
قُرُوءٍ} [البقرة: 228]. الحكم هنا يشمل كل مطلقة من حيث اللفظ وأما إذا نظرنا إلى سائر المخصصات سننظر فإذا به يأتي قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]. هذه آية اختص الحكم فيها بذوات الأحمال وهي مطلقة إذًا هي مخصوصة من قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} فنقول هذا ماذا؟ قصر العام يعني حكم العام على بعض أفراده قصر العام يعني: قصر حكمه أما العام فيبقى عام لا يقصر وإنما الذي يقصر هو الحكم على بعض أفراده وأين البعض الأخر؟ خرج بالتخصيص، إذًا التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده، ويطلق التخصيص على الدليل الذي حصل به التخصيص على نفس الدليل، فالْمُخَصِّصُ هو التَّخْصِيصُ عند بعضهم، التَّخْصِيص بمعنى الْمُخَصِّص فصار حقيقةً عرفية أو مجازًا عند الأصوليين في إطلاق الْمُخَصِّص على التَّخْصِيص والتَّخْصِيص على الْمُخَصِّص، وإن كان الأصل في الْمُخَصِّص ما هو؟ هو الشارع المخصص من هو؟ هو الشارع إرادة الشارع، عدم إرادة هذا الفرد في الحكم لكنه نقل من هذا المعنى وجُعل علمًا على الدليل نفسه، ولذلك نقول:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ} مُخَصِّص، من الْمُخَصِّص النص اللفظ أم الرب جل وعلا؟ الرب هو الذي خَصَّصَ لكن سُمِّيَ الدليل وأولات الأحمال سُمِّيَ مُخَصِّصًا من باب التوسع.
إذًا الخاص لغةً ضد العام، والتخصيص عرفناه، وأما الخاص لأنه يقابل التخصيص هو اللفظ الدال على محصورٍ بشرطٍ أو عدم لأنه ضد العام، العام لفظٌ مستغرقٌ بلا عدد ولا حصر، الخاص عكسه لفظٌ لم يستغرق أو استغرق إما أنه لم يستغرق كزيد والرجل إذا أريد به معين إذا لم يستغرق أو استغرق لكنه مع حصرٍ، تقول رأيت رجالاً هذا دال على حصر ليس بعام أليس كذلك محصور رجال ثلاثة، هذا أقل ما يحمل عليه اللفظ، عندي مائة ريال. نقول: هذا محصور بعدد يسمى خاصًا حكم التخصيص الإجماع منعقدٌ على جواز التخصيص من حيث الجملة، شرطه أنه لا يصح إلا بدليلٍ صحيح، أثره يجب العمل بدليل التخصيص إذا صح في صورة التخصيص وإنزال دلالة العام عليه، يعني: اللفظ العام يدل على الصورة التي أُخرج حكمها من اللفظ العام لكنها من حيث دلالة اللفظ العام لها مهدرة يعني غير معمولٍ بها مضطرحة فقوله:
…
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} . هذا يشمل ذوات الأحمال أو لا؟ يشمله لا شك في هذا، لكن من حيث الحكم لا يشملها. إذًا أهدرت هذه الصورة صورة الأصل داخلة لكنها أهدرت لماذا؟
لوجود الدليل المخصص الذي خصها بحكم المخالف للحكم العام.
إذًا أثره يجب العمل بدليل التخصيص إذا صح في صورة التخصيص:
…
{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ} . نُعمل هذا اللفظ فيما دل عليه اللفظ، ونبقي مدلول العام أو نترك دلالة العام على بقية الأفراد غير صورة التخصيص، فصارت دلالة اللفظ العام على ما أخرج بالنص مهدرة، الصورة داخلة لكنها من حيث الحكم مهدرة واضح؟
(ما خُصَّ مِنهُ) من السنة، (ما) أي: القرآن الذي خُصَّ منه بالسنة، إذا عُلِمَ أن الإجماع منعقد على جواز التخصيص بالجملة حينئذٍ عندنا وحيان كتابٌ وسنة كل منهما يُخَصِّصُ الآخر، الكتاب يُخَصِّصُ السنة مطلقًا سواءً كانت متواترة أم آحادية، والسنة تُخَصِّصُ الكتاب مطلقًا سواءً كانت السنة آحادية أم متواترة ثم الدليل الآخر الذي هو الإجماع والقياس، الإجماع لا شك أنه يُخَصِّصُ الكتاب ويخصص السنة، وأما القياس هذا فمحل نزاع والأصح أنه يخصص. (ما خُصَّ مِنهُ) أي القرآن (بالسنَّةِ) هنا خص السنة لماذا؟
لكونها وحيًا لأنه يتكلم عن الوحي الذي هو القرآن، والسنة وحيًا:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]. حينئذٍ أطلق هنا التخصيص تخصيص القرآن بالسنة لهذه الفائدة (ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ) السنة في اللغة سيرةً حميدةً كانت أو ذميمة {سُنَّةَ اللَّهِ} [الأحزاب: 62]. يعني طريقته في المكذبين {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7]. ولكل قومٍ سنة وإمامها تطلق السنة على ما يقابل القرآن ومنه حديث مسلم: «يؤم القوم أقرئهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» . السنة هنا مقابلة للقرآن، والمراد بالسنة هنا في اصطلاح الأصوليين ما خُصَّ منه يعني: القرآن بالسنة بأي مفهوم بالسنة هل السنة المقابلة للفرض؟ أم السنة المقابلة للبدعة؟ أم السنة المقابلة للقرآن؟ أم السنة عند الأصوليين وهي أقولٌ النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته؟
الأخيرة. إذًا المراد بالكتاب هنا ما خص بالكتاب أو الكتاب الذي خص بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو بفعله أو بتقريره، (ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ) أطلق المصنف هنا السنة فيشمل حينئذٍ المتواترة والآحاد، إذًا يخص الكتاب بالسنة مطلقًا، تخصيص الكتاب بالسنة مطلقًا، أما المتواترة فمحل اتفاق يعني: جائزٌ أن يأتي الدليل العام في الكتاب في القرآن ثم يأتي المخصص من السنة، أما المتواترة إن كان المخصص من السنة سنة متواترة فهذا جائزٌ باتفاقٍ بدليلين:
أولاً: مشاهدة الوقوع ودائمًا نجعل الوقوع دليل الجواز، إذا وقع شيء تجده أمامك في الكتاب والسنة تقول: هذا جائز ولو كان فردًا واحدًا، فنقول: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائزٌ بدليل مشاهدة الوقوع والوقوع دليل الجواز. مثال تخصيص الكتاب بالسنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل» مع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]. وقوله عليه الصلاة والسلام «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . هذان حديثان في الزمن الأول اعتُرض بكونهما ليس متواترين ولكن أجيب بكونهما متواترين في الزمن الأول في زمن الصحابة ولذلك لم يختلفوا في هذا الحكم فدل على أن الدليل معلومٌ عند الكل، فحينئذٍ صار متواترًا في زمن الصحابة والعبرة في تأصيل الأحكام هو زمن الصحابة العبرة في تأصيل الأحكام والأصول والقواعد هو زمن الصحابة إذًا هذان الحديثان خَصَّصَا قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} . أين العام؟ أولادكم {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} عامٌ أضيف حينئذٍ يعم الكافر والمسلم القاتل وغير القاتل الذكر والأنثى جاء لفظ: «لا يرث القاتل» . إذًا {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} نقيده ما لم يكن قاتلاً فأخرجنا القاتل فإن قتل الولد أباه لا يرث، لو كان الولد كافرًا والأب مسلمًا حينئذٍ نقول:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} يشمل الأصل الكافر والمسلم لكن جاء دليل مخصص وهو أن الكافر لا يرث المسلم ولا المسلم الكافر فحينئذٍ نخص العام، إذًا العام في القرآن والخاص جاء في السنة فجاز تخصيص العام الذي في القرآن بالسنة، والحديثان في مرتبة التواتر في زمن التخصيص وهو زمن الصحابة لأن بعضهم اعترض قال: هذا الحديث آحاد. نقول: لا، الحديثان في مرتبة التواتر في زمن التخصيص وهو زمن الصحابة، والعبرة به لا بهذا الزمن، ولو سُلِّمَ بأنها آحاد فحينئذٍ اتفقوا والعبرة بالصحابة اتفقوا على تخصيص قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} . بقوله: «لا يرث القاتل» . «ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» . حكمنا بأنهما حديثان آحاديان فخَصَّصَ الصحابة القرآن بالسنة الآحادية، والمتواتر أقوى من الآحاد فإذا أعملوا الأضعف الذي هو الآحاد عندهم فمن باب أولى أن يخصصوه بالمتواتر. إذًا سواء قلنا بأنهما متواترين أم آحاد نقول: اتفاق أنه حصل التخصيص به. لأنه في مرتبة التواتر في زمن الصحابة فصح الدليل قالوا: لا، هذا الحديث آحاد. نقول: إذا خصصوا بالآحاد والعام في القرآن وهذه سنة فمن باب أولى وأحرى أن يخصصوه بالمتواتر هذا يدل على ماذا؟ على فقه. إذًا عرفنا هذا.
مثال تقسيمة الكتاب بالسنة الفعلية المتواترة رجم ماعز بن مالك هذا فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم، خَصَّصَ قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]. فصارت الآية قاصر على ماذا؟ الزاني البكر والزانية البكر، أما المحصن فلا، هذا الدليل الأول مشاهدة الوقوع إذًا يجوز تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا المتواترة والآحادية، ذكرنا الدليل الأول على تخصيص القرآن بالسنة المتواترة سواءً كانت قوليه كما في «لا يرث القاتل» . أو فعلية كما في رجم ماعز بن مالك.
الدليل الثاني: العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة، العام إذا جاء في القرآن والخاص في السنة المتواترة نقول: هذان دليلان شرعيان كل منهما يُثْبَتُ به حكم شرعي أليس كذلك لو جاء العام لوحده دون معارض للسنة يُعمل به وتُثبت به الأحكام لو جاء في السنة لوحده دون معارضة مع الكتاب يُثبت به أحكام، إذًا كل منهما دليلان، فإما أن يعمل بهما معًا وإما أن يُطَّرحا معًا وإما أن يقدم العام على الخاص وإما أن يقدم الخاص على العام، [كيف هذا هل يمكن أن يعمل بهما معًا؟ لا ما يمكن إذا أعملت النصين معًا في غير سورة التخصيص لا إشكال، لكن هل يمكن أن تُوَرِّث الولد القاتل ولا تورثه هذا معنى أنك أعملت النصين معناه ماذا؟ أنك قد وَرَّثْتَ الولد القاتل ولم تورثه أيضًا، وَرَّثْتَه ولم تورثه يمكن؟ لا يمكن] هل نسقطهما معًا هذا باطل هل يقدم العام على الخاص مطلقًا؟ نقول: لا لماذا؟ إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما فلو قدمت العام مطلقًا يعني: ورثت القاتل وهو ولد «لا يرث القاتل» هذا نص {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} هذا يشمل القاتل لو قدمت العام معناه أنك ورثت الولد القاتل ولا يرث القاتل كأنها غير موجود هذا معناه تقديم العام، قدمت الخاص على العام معناه أنك أعملت العام في غير صورة الخاص وأعملت الخاص في ما دل عليه، وهذا الرابع هو الأصح وهو الأولى.
أما تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية، فالجمهور على جواز التخصيص، تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية، الجمهور إذًا فيه خلاف ليس كالأول، الأول متفق عليه، تخصيص الكتاب القرآن بالسنة الآحادية الجمهور على جواز تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية وهو الحق بدليلين:
أولاً: إجماع الصحابة والحمد لله، فقد خَصَّصُوا قوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} [النساء: 24]. بعد أن عد المحرمات قال: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} . ومنه ماذا؟ جمع المرأة على عمتها والعمة والخالة، والعمة والخالة على المرأة وجاء حديث «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . فخصصهم وهذا آحاد «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . هذا آحاد خصص الآية {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا} هذه صيغة عموم {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} .
الثاني: في إثبات تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية هو الثاني في النوع الأول يعني تقول: هما دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يُطَّرحا معًا أو يعملا معًا أو يقدم العام على الخاص أو الخاص على العام والثلاثة الأولى باطلة فيتعين أن يقدم الخاص على العام لا يلتبس عليك التعبير، تقديم العام على الخاص معناه الخاص كأنه لم يوجد لا أثر له فتقدم العام في الصورة التي دل عليها الدليل الخاص والخاص صار ملغيًا، هذا تقديم العام على الخاص وذكرنا أن هناك رواية عن الإمام أحمد بهذا، والصواب أنه يقدم الخاص عن العام فيعمل العام في غير صورة الخاص، وما كان من صورة الخاص دخل في العام فهو إهدارها الذي ذكرناه في حكم التخصيص أو أثره.
قال رحمه الله:
النوع الرابع: ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ
بالسنة يشمل السنة المتواترة القولية والفعلية، والآحادية القولية والفعلية.
(تَخْصِيْصُهُ بِسُنَّةٍ قَدْ وَقَعَا)(تَخْصِيْصُهُ) أي: القرآن. (بِسُنَّةٍ) صحيحة أو حسنة وفي الشرع عبر بماذا صحيحة أو في منزلتها. قال المحشي: ليشمل خبر الآحاد ولا إشكال. ليشمل ماذا؟ خبر الآحاد (قَدْ وَقَعَا)(قَدْ) للتحقيق (وَقَعَا) الألف للإطلاق أي: وقعا وقوعًا كثيرًا تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا وقعا وقوعًا كثيرًا، وقعا الألف للإطلاق يعني: هذا كثير.
(فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا)، (فلا تَمِلْ) يعني: إذا عرفت أنه قد وقعا وهو كثير بتخصيص الكتاب بالسنة يتفرع على هذا الفاء للتفريع هذه (فلا تَمِلْ) ما نوعه هذا؟ اسم أم فعل أم حرف؟ فعل أي أنواع الأفعال؟ مضارع أم أمر؟ تَمِلْ تميل عنه (فلا تَمِلْ) أصله مأخوذ من الميل مال يميل تميل فلا تمل سكنت اللام للا يعني لا الجازمة فالتقى الساكنان الياء واللام فحذفت الياء (فلا تَمِلْ) يعني: فلا تميل. (لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا)(لِقَولِ) عالمٍ أو شخص قد منعا، الألف للإطلاق لكنه يوهم هذا القول بأن هذا من منعا أن المنع واقع على ماذا؟ على السنة المتواترة في كونها مخصصة للكتاب والسنة الآحادية وليس الأمر كذلك، بل الخلاف في السنة الآحادية، وأما السنة المتواترة فهذا بلا خلاف لأن السنة المتواترة قطعية والقرآن قطعي ولا بأس بتخصيص القطعي بالقطعي، أما الآحاد فعندهم ظنية كلها ظنية كل ما ليس بمتواتر فهو ظني والقرآن قطعي فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي (فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا) كأبي حنيفة وغيره هكذا مثل في الشرح المساوي والأصح أن فيه تخصيص لأن المسألة فيها أربعة مذاهب:
المذهب الأول يعني فيمن منع تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
المذهب الأول: المنع مطلقًا. والإطلاق هنا يعرف بالمذاهب الآتية وهو مذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين يعني: لا يجوز أن يخصص القرآن بخبر الواحد مطلقًا ما حجتهم؟ قالوا: إن الكتاب قطعي والسنة ظنية والقطعي لا يخصص بالظن كالنسخ، إذ التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد، التخصيص يشبه النسخ وسبق معنا في القواعد الفروق بين التخصيص والنسخ فلا عودة ولا إعادة، لكن نقول هنا: التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد يعني: رفع، التخصيص فيه رفع والنسخ فيه رفع، لكن التخصيص رفع عن بعض الأفراد، والنسخ رفع في الغالب عن كل الأفراد، إذًا فرق بينهما.
أجيب عن هذه الحجة: بأن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام. لو سُلِّم بأن خبر الواحد من جهة السند ظني الثبوت إلا أنه من جهة الدلالة هو أقوى لأن قوله مثلاً: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]. دلالته على ذوات الحمل أو الأحمال محتملة، وأولات الحمل هذا نص وأيهما أقوى في الدلالة النص حينئذٍ صار اللفظ أو الخبر خبر الواحد هذا ليس بالسنة كمثال فقط يعني من باب التنظير {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] نقول: هذا خاص دلالته على أولات الحمل أظهر من دلالة {وَالْمُطَلَّقَاتُ} على ذوات الحمل لماذا؟ لأن ذاك اللفظ العام
…
{وَالْمُطَلَّقَاتُ} يدل على أولات الحمل احتمالاً وهذا يدل عليها من جهة النص فحينئذٍ صار أقوى إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام إلا أنه غير محتمل وأما العام فيحتمل فيكون راجحًا عليه والعمل بالراجح متعين، وبأن النسخ أشد من التخصيص ولذلك منع الجمهور أن ينسخ القرآن بخبر الواحد وهذا سيأتي معنا، جمهور أهل العلم على المنع والصواب على الجواز كما سيأتي بيانه، لكن من باب ذكر المسألة هنا أن أكثر أهل العلم على منع نسخ القرآن بخبر الواحد وجمهورهم على جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لماذا؟
لأن النسخ أشد من التخصيص لأنه رفع لكل الحكم وذاك رفع لبعض الحكم عن الأفراد، وبأن النسخ أشد من التخصيص، وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته، لأنك إذا قارنت بين خبر الواحد بأنه ظني والنص القرآني بأنه قطعي نقول: محل التخصيص ما هو؟
الآن العام {وَالْمُطَلَّقَاتُ} من حيث الثبوت قطعي ومن حيث الدلالة ظني أليس كذلك؟ الآن {وَالْمُطَلَّقَاتُ} نقول: من حيث الدلالة قطعي الثبوت ومن حيث الدلالة والمعنى ظني الدلالة حينئذٍ هل يقال بأن الخبر الواحد ظني فلا يقوى على تخصيص القطعي؟ نقول: هو يخصص اللفظ أم يخصص المدلول؟ يخصص المدلول إذًا الاعتراض ليس بوارد، وبأن النسخ أشد من التخصيص وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته ودلالة العام على كل فرد للخصوص ظنية بخلاف ثبوت ذلك العام في القرآن فإنه قطعي هذا مذهب الأول وهو المنع مطلقًا لا يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد مطلقًا.
الثاني: التخصيص بينما خص بقطعي وبينما خص بظني وهذا مذهب كثير من الحنفية. قالوا: إن كان العام في القرآن قد خصص بقطعي يعني: لفظ عام جاءت السنة المتواترة خصصته ثم جاء خبر الواحد وهو ظني فأراد أن يخصص ما خصص بالسنة القطعية المتواترة قالوا: يجوز. لماذا؟
لأنه انتهك عرضه من البداية، فإذا كان كذلك قالوا: يجوز أن يرد خبر الواحد فيخصص أما الذي لم يرد عليه تخصيص فلا يجوز. وهذا مذهب كثير من الحنفية التفصيل بين ما خص بقطعي عام في القرآن خص بقطعي يعني: بسنة متواترة. وبين ما خص بظني، فإن خص بقطعي فجاء الظني مخصصًا جاز وإن لم يخص مطلقًا وهو المحفوظ حينئذٍ لا يجوز أن يخص بخبر الواحد وكلها وحي فعلام التفرقة.
الثالث: التفصيل بين المخصص بالمتصل وبين المخصص بالمنفصل، فما لم يخص أو خص بمتصل فلا يخصصه خبر الواحد، وما خص بمنفصل صح. يعني: مثل الأول لكن بالنظر إلى المخصص هل هو متصل أو لا، فما لم يخص أو خص بمتصل يعني: جاء القرآن لفظ عام وجاء مخصص متصل بالقرآن فيجوز حينئذٍ أن يرد المخصص بخبر الواحد لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ} [آل عمران: 97]. الناس هذا عام جاء تخصيصه في القرآن بمتصل مثل هذا يصح أن يرد خبر الواحد مخصصًا له وما عداه فلا إن خُصَّ بمنفصل فلا {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} لا يصح أن يخصص بخبر الواحد لماذا؟
لأنه لم يخص بمتصل بل خص بمنفصل.
الرابع: يُعمل بما عدا الفرد الذي دل عليه الخاص، أما هو فإنه قد تعارض فنتوقف حتى يرد دليل يرجح أحدهما على الآخر، وهذا منسوب للباقلاني يعني يقول: إذا جاء لفظ عام في القرآن وجاء مخصصه في السنة الآحادية ما دل عليه السنة الآحادية لا نُجْرِي عليه حكم العام مثل لو مثلنا بالحديث «لا يرث القاتل» {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] هذا يدل على أن القاتل يرث أليس كذلك؟ قوله: «لا يرث القاتل» . هذا خبر واحد يدل على أن القاتل لا يرث يقول: نجري في غير قاتل الحكم على ما هو عليه، وأما القاتل فقد تعارض النصان هذا قال: يرث. وهذا قال: لا يرث. نحتاج إلى مرجح خارج فنتوقف، وهذا منسوب إلى الباقلاني المراد من قوله:(فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا). أن المانعين على أربعة مذاهب ولذلك يقال: في المسألة خمسة مذاهب:
الأول: الحق أنه جائز مطلقًا. وبكون خبر الواحد لا يفيد إلا الظن مطلقًا بدون تفصيل هذا محل نظر وليس بسديد.
قال:
آحَادُهَا وغَيْرُها سَواءُ
…
فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ
(آحَادُهَا) من السنة (وغَيْرُها) غير الآحاد وهو المتواتر سواءٌ هذا تأكيد لما ذكرناه في العنوان ما خص منه بالسنة أن مراد المصنف ماذا؟ المتواتر أو الآحاد وهنا نص على ما دل عليه قول السنة ضمنًا. (آحَادُهَا) أي: السنة آحاد السنة (وغَيْرُها) أي: غير الآحاد وهو المتواتر (سَواءُ) أي: مستوي في جواز تخصيص الكتاب بها (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ)، (فَبِالْعَرَايَا) فإذا علمت ذلك فيتفرع ماذا؟ أن العرايا الذي هو حديث العرايا لأنه يريد أن يمثل ماذا؟ {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] هذا يشمل العرايا وغيرها فجاءت قصة العرايا في الصحيحين فحملنا اللفظ على غير سورة التخصيص (فَبِالْعَرَايَا) أي: فبحديث العرايا وهو ما رواه الشيخان وهو حديث آحاد أنه صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا. (خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) ربا رباءُ لغتان (خُصَّتِ) آية
…
(الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} . حرم الربا الرِّبا إذًا هذا عام يشمل كل صور الربا ومنه العرايا خصت منه بالسنة حينئذٍ صار ماذا؟ آحادًا قد خصص قرآنًا، (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى:{وَحَرَّمَ الرِّبَا} فإنها عامة للعرايا وغيرها، العرايا جمع عرية كمطايا جمع مطية، مأخوذٌ من التعري وهو التجرد، واختلف في تسميتها إذ سميت بذلك أنها عريت من جملة التحريم أي خرجت منها وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خاصًا في ما دون خمسة أوسق ولها تفاصيل في كتب الفقه، عرفنا هذا، ما خُصَّ منه بالسنة. إذًا قرآن يخص بالسنة، تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا ثم قال رحمه الله:
النوعُ الخامسُ
قال رحمه الله: النوع الخامس، يعني: من العقد، الخامس.
[الذي يتعب يريد أن يتكيء ما في مانع
ما في .. الذي يتعب ويريد أن يتكيء على جزاه الله خير
…
تحت ما في .. .]
النوع الخامس من العقد الخامس. ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام (ما خُصَّ به مِن السنَّةِ) عكس الأول العام في السنة ثم يرد الخاص في القرآن يعني: سنة خصصت القرآن، هل القرآن يخصص السنة هذا أيضًا محل أخذٍ
…
وعطاء، (ما خُصَّ به) أي القرآن، القرآن خص به من السنة مطلقًا المتواترة والآحادية.
تخصيص السنة مطلقًا المتواترة والآحادية بالكتاب اختلفوا على مذهبين الأول يجوز تخصيص السنة بالكتاب أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد اللفظ الخاص في القرآن، نقول: يجوز. وهو مذهب أكثر أهل العلم وهو الحق بدليلين:
أولاً: قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]. فالكتاب مبين لكل شيء والسنة شيء من الأشياء فيشملها اللفظ لكل شيء هذا من صيغ العموم يعني كل موجود فحينئذٍ السنة شيءٌ من الأشياء فحينئذٍ صح ماذا؟ أن يكون الكتاب مبينًا طيب، نحن نقول ماذا؟ نقول: مخصص. والتخصيص بيان [أحسنت].
إذًا قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} والسنة شيء والتخصيص بيان فيكون الكتاب مخصصًا للسنة.
الثاني: العام من السنة مطلقًا والخاص من الكتاب دليلان شرعيان نعم دليلاً شرعيان هذا نظر استقراء وتتبع لا يمكن إسقاط هذا النظر، لأن العام الذي هو من القرآن والخاص الذي في السنة دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يعمل بهما معًا وإما أن يُطَّرحا معًا وإما أن يقدم العام وإما أن يقدم الخاص على ما ذكرناه والأصح أنه يقدم الخاص على العام، إذًا يقدم الخاص على العام مطلقًا سواءً كان الخاص بالكتاب أو بالسنة قاعدة عامة، الخاص يقدم على العام مطلقًا سواءٌ كان العام من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كان الخاص من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كانت السنة متواترة أو آحادية.
المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص السنة بالكتاب، لماذا؟ يعني: لا يجوز أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد مخصصه في القرآن لماذا؟ هذا مذهب بعض الشافعية وبعض المتكلمين قالوا: دليلهم دفع الإيهام لأنك لو جعلت الكتاب مخصصًا للسنة والتخصيص بيان لصار الكتاب مبينًا للسنة والعكس هو الذي جاء به النص فدفعًا لهذا الإيهام قالوا: نمنع ماذا؟ نمنع أن يكون الكتاب مخصصًا للسنة. إذًا دليلهم دفع الإيهام وهو أنه إذا وصف الكتاب بكونه بيانًا للسنة تُوهِّم بأنه تابعٌ للسنة لأن البيان تابعٌ فوجب ألا يجوز دفعًا للإيهام، إيهام من؟
وأجيب بالمنع، نمنع أن يكون ثّمَّ إيهام لأن الله تعالى وصف الكتاب بكونه:{تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]. ومنه السنة ولا إشكال وهذا كان في معرض المدح حينئذٍ لو كان المبين تابعًا للسنة وهنا قد جاء المدح به نقول قد دل الدليل على أنه تابعٌ وهو ممدوحٌ، فحينئذٍ ليس عندنا إيهام يمكن دفعه، فهو مُبَيِّن ومُبَيَّن في كلتا الحالتين هو ممدوح وإذا مدح صار ماذا؟ صار أصلاً ولذلك يمكن أن يدفع هذا الإيهام بماذا؟ بما تقرر في نفوس وخاصة الناظر في التخصيص العام وبأهل العلم بكون القرآن أصلاً هل يمكن أن نقول قائل من أهل العلم وممن يعرف أن هذا تخصيص وهذا مخصص أن يقول: إن السنة هي الأصل مطلقًا في الأحكام الشرعية، هذا لا يرد حتى في حديث النفس، بل القرآن هو الأصل والسنة فرعٌ، والسنة حجيتها ثابتةٌ بالقرآن ولا شك.
إذًا أجيب بالمنع لأن الله تعالى وصف الكتاب بكونه: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} في معرض المدح له فلا يوهم التبعية وإلا لما كان ذلك صالحًا للمدح ولو سلمنا جدلاً بأنه تابعٌ له فإن الإيهام زائلٌ ومرتفعٌ بما عُلِمَ بالضرورة من كون القرآن أصلاً والسنة فرعًا لا يختلف اثنان في هذا، فكون القرآن مبينًا لا إشكال فيه القرآن يخصص السنة والسنة تخصص القرآن وكلاهما وحيٌ:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]. فلا إشكال، ولذلك مثل هذه المسائل الأصل فيها أنه ينظر في الوقوع وقع أو لا؟ إن وقع إنه أصلٌ ما نأتي ننظر في عقولنا يجوز أو لا يجوز؟ ثم نأتي ولو وقع في الوجود تخصيص السنة بالقرآن نأتي نؤول ونحرف، لا، التأصيل والتقعيد يكون تابعًا للوقوع في الكتاب والسنة، فإن وقع ننظر وقع أو لا إن وقع حينئذٍ نقول: جائز ولا إشكال فنقعد على الموجود، وأما أن ننظر إليها نظرة عقلية بحتة ثم ننظر بعد ذلك في الكتاب والسنة فإذا جاء نقول: خالف القاعدة إذًا ليس بمخصص هذا ليس بسليم.
(النوعُ الخامسُ: ما خُصَّ به مِن السنَّةِ
وعَزَّ) يعني: قل وندر (لَمْ يُوْجَدْ سِوَى أَرْبَعَةِ). (وعَزَّ) يعني قل تخصيص السنة بالكتاب، هذا عزيز وقليل لو وجد، إذا قال:(وعَزَّ) هذا مثل ما ذكرناه عن ابن تيمية رحمه الله في المترادف قال ماذا: قل وندر وجود المترادف في اللغة قليل في اللغة وأما في القرآن فإما نادرٌ أو معدوم، أما في اللغة قال: قليل. إذًا الحكم عليه بكونه نادر في القرآن أو قليل في اللغة هل يمنع وجود الترادف؟ لا يمنع وجود الترادف إذًا الترادف موجود لكنه قليل. هنا يقول: بجواز تخصيص السنة بالكتاب لكنه قليل ولذلك قال: (وعَزَّ) أي قل وندر، لم يوجد تخصيص السنة بالكتاب سوى أربعة أمثلة وزاد عليها السيوطي خامسة في ((الإتقان)) وهي قوله تعالى:{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات: 9]. قال: هذه آية خصت، خُص بها عموم قوله صلى الله عليه وسلم:«إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» .
(سِوَى أَرْبَعَةِ) يعني من الآيات قد خُصّ بها أربعة أحاديث (وعَزَّ لَمْ يُوْجَدْ) قل (لَمْ يُوْجَدْ) تخصيص السنة بالكتاب (سِوَى) هذا استثناء غير (أَرْبَعَةِ) من الآيات أو أربعة آيات أربعة من الآية أحسن الإضافة لا تصح لأنه يجب تجريد أربعة من التاء أربع آيات، أما أربعة آيات لا، ولذلك نقدر من أربعة من الآيات ليصح التركيب، قد خُصَّ بها أربعة أحاديث إذًا عندنا أربعة أحاديث فيها لفظٌ عام ومخصصاتها في الكتاب، وذلك: (كآَيَةِ الأَصْوَافِ أَوْ كَالجِزْيَةِ
والصَّلَواتِ حَافِظُوا عَلَيْهَا
…
والعَامِلِيْنَ ضُمَّهَا إِلَيْهَا
وذلك: (كآَيَةِ الأَصْوَافِ) في سورة النحل قال تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]. هذه آية خَصَّتْ قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أُبِينَ من حيٍ فهو ميت» . وسيأتي (أَوْ كَالجِزْيَةِ) أو بمعنى الواو لأنه يريد أن يجمع الأربعة فلا معنى للواو هنا إلا أن تكون أداة لمعنى أو إلا أن تكون بمعنى الواو (أَوْ) بمعنى الواو (كَالجِزْيَةِ) يعني: كآية الجزية في سورة التوبة: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. هذه المراد آية الجزية أو آية (الصَّلَواتِ حَافِظُوا عَلَيْهَا){حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] هذه في سورة البقرة. وآية (العَامِلِيْنَ) ضمها إليها: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} إلى قوله: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60]
…
(والعَامِلِيْنَ) يعني: وآية العاملين (ضُمَّهَا) يعني ضم آية العاملين إليها إلى الثلاثة المتقدمة هذا من باب التكملة.
إذًا ذكر أربع آيات في القرآن هذه كلها مخصصات لأربعة أحاديث، ثم سيسرد لنا الأحاديث التي هي مشتملة على لفظ عام من السنة (حَدِيثُ مَا أُبِيْنَ في أُولاهَا خُصَّ) يعني أولى تلك الآيات الأربعة، وهي آية الأصواف خص أي عموم ذلك الحديث (مَا أُبِيْنَ). (مَا) صيغة عموم كل ما قطع من الميت فهو ميت. فحكمه النجاسة هذا عام أليس كذلك، فإذا جُزَّ الصوف منها أو الوبر أو الريش وهي ميتة فحكم الريش وحكم الوبر وحكم الصوف أنه نجس، أليس كذلك؟ [صحيح، نعم]«وما أبين من حي فهو ميت» . وحكم الميتة ماذا النجاسة، قوله تعالى:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا}
…
[النحل: 80]. هذا جاء في سياق الامتنان، والقاعدة أن الرب جل وعلا لا يمتن إلا بما هو طاهر وقوله:{وَمِنْ أَصْوَافِهَا} . هذا يشمل كونها حية أو ميتة {وَأَوْبَارِهَا} . يشمل كونها حية أو ميتة، فامتن الرب جل وعلا بأصواف هذه الأنعام وهي حية وهي ميتة فدل على ماذا على أنها طاهرة، فنأتي بهذا النص من السنة:«ما أبين» . فنخرج منه ماذا؟ الصوف والوبر والريش، فنحكم عليه بأنه طاهر فلو وجد عنك ميتةٌ نجسة لا شك الأصل على إعمال الحديث نقول: ريشها وشعرها أو وبرها نقول: هذا نجس لكن نخصه ونحكم عليه بكونه طاهرًا بدلالة الآية، فصارت الآية خاصة واللفظ هنا في الحديث عام (حَدِيثُ مَا أُبِيْنَ في أُولاهَا)«ما أبين من حيٍ فهو ميتٌ» . هكذا رواه الحاكم عن أبي سعيد وصححه على شرط الشيخين، دل على أن ما انفصل من حيٍ فحكمه حكم الميت مطلقًا، صوفًا أو وبرًا أو غيرها وخصصت الآية بكونه طاهرًا (خُصَّ) أي عموم ذلك الحديث انتهى.
(وأَيْضًا خَصَّ ما تَلاهَا
لِقَولِهِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلا
…
مَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَرَدْتُ قَابِلا
(وأَيْضًا) أي: وكما خَص ذلك أو خُص ذلك الحديث بتلك الآية آية الأصواف آض يئيض أيضًا نرجع مفعول مطلق لعامل محذوف وجوبًا (خَصَّ) بالبناء للفاعل (ما تَلاهَا) أي: تلا الآية الأولى (ما تَلاهَا) الضمير يعود على الآية الأولى الذي تلا الآية الأولى ما هو؟ آية الجزية، خصت ماذا؟ خصت لقوله:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» ، «أمرت أن أقاتل الناس» الناس هذا لفظ عام وهو وارد في السنة أليس كذلك يشمل ماذا؟ يشمل من؟ كل كافر كل مشرك من أهل الكتاب ومن غيرهم سواءٌ أهل الجزية أم غيرهم أليس كذلك؟ يشمل الكل لكن الآية قيدت القتل بماذا؟ بدفع الجزية «أمرت أن أقاتل الناس» مطلقًا ولو دفعوا الجزية هذا ظاهر النص، ولو دفع الجزية أيضًا يقاتل، القتل مستمر ولو دفع الجزية، لكن جاءت الآية مُقَيِّدَة {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29]، {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إلى {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ}
قاتلوا الذين لا يؤمنون حتى يعطوا الجزية فإن أعطوا الجزية ارتفع الأمر بالقتل فصارت الآية مخصصة لعموم الحديث.
(وأَيْضًا خَصَّ ما تَلاهَا لِقَولِهِ) خص ما تلاها الذي تلاها (لِقَولِهِ) اللام هذه زائدة لأن خَصَّ فعل ماضي وما هذا فاعلها (ما تَلاهَا) يعني: تلا الآية الأولى وهي آية الجزية كأنه قال: خَصَّتْ آية الجزية قوله، قوله هذا مفعول به دخلت عليه اللام فنقول هذه زائدة (تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ) هناك بينا تلك المسألة فلا عودة ولا إعادة.
إذًا اللام هذه زائدة مؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: «أمرت أن أقاتل» . (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلا) الألف هذه للإطلاق يعني أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، (مَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَرَدْتُ) ما الذي أراده عليه الصلاة والسلام الشهادة قولوا كلمة واحدة من النطق بالشهادتين (قَابِلا) قابلاً وناطقًا لها، الألف هذه بدل عن التنوين.
وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ
…
حِلِّ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ
(وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين وهي آية {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] وآية العاملين عليها (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين (النَّهْيَ عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) هذا راجع إلى الآية {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى} هذا راجع إليها {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} هذا يشمل ماذا؟ المكتوبة، والمراد بها المكتوبة مطلقًا يعني: سواء كانت في وقت النهي أو لا، أحاديث وردت بالنهي عن الصلاة ما بين الصبح إلى طلوع الشمس، ووقت الدلوك، وما بعد صلاة العصر إلى الغروب نصوص كثيرة متواترة في هذا، هذه الأحاديث عامة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، هذا يشمل ماذا؟ هذا عام أو لا؟ يشمل المكتوبة أو لا؟ فلو كانت منسية تذكر بعد صلاة العصر يصلي أو لا بعموم هذا الحديث لا يصلي، لكن بقوله:{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} يشمل المكتوبة مطلقًا في أي وقت كان فحينئذٍ نجعل هذه الآية مخصصة لقوله عليه الصلاة والسلام بالنهي أو الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات المعلومة مطلقًا لأن النهي عام يشمل الصلاة المكتوبة وغيرها لكنه مخصوص بهذه الآية (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين (النَّهْيَ) هذا مفعول به (عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) هذا راجع للآية
…
{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} (والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ) هذا راجع لآية العاملين قال: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60]. جاء حديث «لا تحل الصدقة لغني» . هذا يشمل ماذا؟ سواء كان عاملاً عليها أو لا وقوله: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . خاص أو عام؟
خاص نحن نقول: الخاص في القرآن {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} هذا خاص من جهة ويشمل الغني والفقير من جهة أخرى، قوله:«لا تحل الصدقة لغني» . سواء كان عاملاً أو لا وخصننا ماذا؟ اللفظة بكونه غير عامل يعني لفظ الحديث «لا تحل الصدقة لغني» إلا العاملين عليها فتحل مطلقًا سواء كانوا فقراء أو لا. إذًا قوله:
وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ
…
حِلِّ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ
نقول: معنى البيت أن قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} مخصصة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات المنهي عنها المروي في الصحيحين وغيرهما فإنه عام للصلوات المكتوبة وغيرها وخصته الآية بما عدا المكتوبة، وأما المكتوبة فمأمور بالمحافظة عليها مطلقًا في أوقات النهي وفي غيرها، فصار اللفظ خاص في ماذا؟ في القرآن {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ} المراد بها الخمس {والصَّلَاةِ الْوُسْطَى} هذا من باب التأكيد وهي صلاة العصر على الصحيح، وحينئذٍ يحمل أحاديث النهي على ماذا؟ على ما عدا المكتوبات مطلقًا أليس كذلك؟ الجمهور على الإطلاق يعني: لا يحل أو لا تحل الصلاة غير المكتوبة في أوقات النهي ولو كانت ذوات أسباب وهذا هو الأصح، أن النهي عام يشمل ذوات الأسباب وغيرها ولم يرد نص بتعميم ذوات الأسباب بأنه مصطلح خاص يشمل عدة فرائض أو عدة نوافل فيخرج بهذا الوصف هذا ليس فيه ذوات أسباب غير مسماة لا في عرف الصحابة ولا في عرف كبار التابعين، وإنما جاء استنباطًا عند الشافعية ولذلك الجمهور على المنع مطلقًا وهذا هو الصح (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) وقوله:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} مُخَصِّصَة لقوله مما رواه أو فيما رواه النسائي وغيره بلفظ: «لا تحل الصدقة لغني» . فإنه عام شامل للعاملين وغيره فخصته الآية بغيرهم وهي حل لهم.
النوع السادس: المُجْمَلُ
النوع السادس من العقد الخامس فيما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام
…
(المُجْمَلُ) والأصل والمجمل والمبين، لكنه ترك المبين مع أنه يحتاج إلى بحث لعله لما كان تابعًا للنقاية مختصر فتركه كما تركه هناك لعله من باب التسهيل والتيسير على المبتدئ (المُجْمَلُ) اسم مفعول من أجملت الشيء. وهو لغةً: المجموع. أجملت الشيء إجمالاً جمعته من غير تفصيل، إذًا هو في اللغة المجموع. يقال: أجملت الشيء إجمالاً جمعته من غير تفصيل، ويطلق على الخلق والمبهم والمحصل لذلك جاء فجملوه يعني: أذابوه وخلطوه بغيره.
وفي الاصطلاح كما عرفه الناظم هنا: ما لم تضح دلالته على معناه. يعني: لفظ لم تضح دلالته على معناه. إذًا هو له معني ولكنه غير ظاهر الدلالة فيه مثاله كالمشترك المشترك له معاني كما في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]. قروء قلنا: هذا مشترك يصدق على الطهر ويصدق على الحيض. إذًا له معنى لكن من حيث اللفظ دون النظر إلى شيء آخر {ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} هل اتضح المعنى المراد؟ لا، لم يتضح لماذا؟ لأنه يحتمل معنيين هما متنافيان، لا يمكن أن يحمل على المعنيين معًا لو لم يكن متنافيين نقول: لا إجمال. لماذا؟
لأن الأصح أن المشترك إذا دل على معاني متعددة ولم يكن بينها تنافي حمل على الجميع. وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا مذهب الأئمة الأربعة وهذا قرره الشافعي في كتاب ((الرسالة)) أنه يحمل على كل المعاني، أما إذا لم يكن أو كان بينها تنافي حينئذٍ يستحيل أن يحمل على كِلا المعنيين، إذًا ما لم تضح دلالته على معناه، إذا فما اتضحت دلالته على معناه هذا هو المبين، قد يكون نصًا، وقد يكون ماذا؟ ظاهرًا وقد يكون مؤولاً بالدليل فصار متضحًا. يعني: يحتمل معنيين هو في أحدهما أرجح لكنه رُجح أو قُدم المعنى المرجوح بدليل صحيح وهذا يسمى ماذا؟ يسمى مؤولاً بالدليل، هل معناه متضح؟ نقول: نعم، النص معناه متضح الظاهر معناه متضح بقي ماذا؟ المجمل، وعرفه في مختصر التحرير بقوله: ما تردد بين مُحْتَمِلَيْنِ فأكثر على السواء. وهذا أحسن ما تردد ما يعني: لفظ. تردد بين مُحْتَمِلَيْنِ، إذًا ما دل على معنى واحد نص، فلذلك أخرج النص فله محمل، فأكثر بالمعنيين على السواء أخرج ماذا؟ الظاهر، لماذا؟ لأنه وإن دل على معنيين إلا إنه في أحدهما أظهر من الآخر وأخرج الحقيقة التي لها مجاز لأنها اللفظ الأسد مثلاً يدل على معنيين أليس كذلك؟ يدل على الحيوان المفترس ويدل على الرجل الشجاع موضوع وضعًا شخصيًّا بالأول وموضوع وضعًا نوعيًّا بالثاني.
المجمل هل هو واقع في القرآن أم لا؟ نقول: نعم مذهب جماهير أهل العلم أن المجمل واقع في القرآن، ولذلك ذكره هنا على أنه نوع من أنواع علوم القرآن، المجمل واقع في القرآن خلاف لداود الظاهري فإنه منعه قيل: مطلقًا. وقيل: منعه يعني منع وقوعه إن لم يكن مبينًا لا مطلقًا، إن كان مبينًا قال: يجوز وقوعه في القرآن. وإن لم يكن مبينًا قال: لا يجوز وقوعه في القرآن. إذًا فيه تفصيل، ولكن أكثر أهل العلم بل الجماهير أنه واقع في القرآن.
أسباب الإجمال، ما السبب الذي يؤدي إلى عدم ظهور المعنى أو تردد اللفظ بين معنيين على السواء؟
منها الاشتراك الذي ذكرناه في السابق لكن مع عدم إمكان الجمع بين المعاني منها المشترك أو الاشتراك نحو {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، عسعس قلنا: هذا لفظ مشترك وهو فعل يُطلق على معنيين متضادين أدبر وأقبل، أقبل وأدبر، هل يمكن حمل اللفظ على معنيين؟
الجواب: لا. فإنه موضوع لأقبل وأدبر كذلك القرء موضوع للطهر والحيض والشفق كذلك متردد بين البياض والحمرة إذًا الاشتراك من أسباب ماذا؟ من أسباب وقوع اللفظ في الإجمال أو الوقوع في الإجمال، ومنها الاشتراك في اللفظ المركب، ذاك في المفرد وهذا في اللفظ المركب نحو {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 237] هذا يحتمل ماذا؟ {يَعْفُوَ} من الذي يعفو الزوج أم الولي؟ يحتمل حصل هنا الاشتراك بالتركيب لأنه فاعل، ولا فاعل إلا مع فعله إذًا حصل بماذا؟ بالتركيب {أَوْ يَعْفُوَ} يحتمل الزوج وهو رأي أبا حنيفة والشافعي وأحمد في رواية، أو الولي وهو رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى.
ومنها الاشتراك في الحرف {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} [المائدة: 6] منه، يحتمل أنه للابتداء ويحتمل أنها للتبعيض حصل الاشتراك في ماذا؟ في اللفظ فلفظ {مِّنْهُ} متردد بين أن تكون لابتداء الغاية وبين أن تكون للتبعيض.
كذلك الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} [آل عمران: 7]. {وَالرَّاسِخُونَ} هل هي للابتداء الاستئناف أم عاطفة فيه خلاف وينبني عليه خلاف في المعنى، محتمل العطف والابتداء.
ومنه الحذف {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]{وَتَرْغَبُونَ} الرغب يتعدى بفي ويتعدى بعن، رغبت عنه صرفته عنه، رغبت فيه أقبلت، وهنا حذف فوقع إجمال، ترغبون عن أن تنكحوهن أو ترغبون في نكاحهن هذا حصل فيه إجمال.
ومنها التصريف في اللفظ، صرف يعني، نحو المختار وذكرنا مثال في القرآن {وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282] وذكرناه في قواعد الأصول.
حكم المجمل: يجب التوقف فيه - لو ورد في القرآن - يجب التوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى يرد الدليل الخارج المعين للمراد. يعني: الأصل التوقف حتى يرد الدليل المعين للمراد ولكنه دليل خارجي.
هل يجوز إبقاء اللفظ المجمل على إجماله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ هل يجوز أو لا؟ فيه مزاعم، هي ثلاثة أقوال، أصحها: لا يجوز إبقاء المكلف بالعمل به ويجوز إبقاء غيره، يعني التفصيل، إن كان المجمل متعلقًا بحكم تكليفي لا يجوز أن يبقى مجملاً وإن لم يكن متعلقًا بحكم تكليفي فيجوز أن يبقى مجملاً، وهذا هو الصواب لماذا؟
لأن ما تعلق به حكم تكليفي حينئذ يجب البيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكيف تنزل الآية وفيها لفظ مجمل والناس مطالبون بامتثال هذا الأمر أو ما دل عليه اللفظ المجمل ثم يموت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبينه هذا بعيد لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة هذا لا يجوز بالإجماع.
والثاني: يجوز بقاؤه - الذي لا يتعلق به تكليف - مجملاً لعدم وجود الضرورة إلى بيانه.
القول الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا وهو مذهب كثير من العلماء لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}
…
[النحل: 44]. {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} وفيه المجمل {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} إذًا هو مأمور بالبيان، هذه وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا لم يبين المجمل قالوا: لم تحصل لكنه هناك فائدة في المجمل ولذلك اختلفوا {الم} هذه ما المراد بها؟ فيه خلاف طويل عريض هل بينت؟ ما بينت كلٍّ يقول باجتهاده نقول: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين المراد به وهو في غير الأحكام الشرعية ولا بأس ويحصل به الابتلاء في الإيمان والتسليم.
المذهب الثالث والأخير: يجوز بقاؤه مجملاً مطلقًا لعدم ترتب المحال عقلاً فكان جائزًا وهذا ضعيف.
قال رحمه الله تعالى:
النوع السادس: المُجْمَلُ
مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ
…
كالقُرْءِ إِذْ بَيَانُهُ بالسُّنةِ
(مَا لَمْ يَكُنْ)(مَا) أي: لفظ، وهذا مطلق فيشمل اللفظ المفرد والمركب، المركب تمثل له بماذا؟ {أَوْ يَعْفُوَ} لأنه مركب إجمالٌ وقع بالتركيب، ولفظ مفرد تمثل له بالقرء ونحوه، ثم المفرد هذا قد يكون اسمًا وقد يكون فعلاً وقد يكون حرفًا، وقد يقع الإجمال في الأسماء كالقرء وقد يقع في الأفعال كـ:{عَسْعَسَ} ، وقد يقع في الحرف كـ:{مِن} أليس كذلك؟
(مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) يعني: المجمل هو اللفظ الذي لم يكن بواضح الدلالة لم يكن واضح الدلالة واضحِ الباء هذا زائدة وقاعة في جواب يكن.
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ
…
وَبَعْدَ لا ونَفْي كَانَ قَدْ يُجْز
نفي كان هذه باء زائدة للتوكيد والأصل لم يكن واضحًا، فتكون الباء زائدة واضحِ بالجر هذا خبر منصوب كيف منصوب وهو مكسور الخبر يكن منصوب [منصُوب نعم منصوب علامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وهو الباء].
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ
…
وَبَعْدَ لا ونَفْي كَانَ قَدْ يُجْز
(مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) الدلالة فهم أمر من أمر أو كون أمر بحيث يُفهم منه أمر فهم منه بالفعل أو لا، على ما ذكرناه مرارًا.
لما لم يكن بواضح الدلالة؟
نقول: بسبب من أسباب الإجمال سابقة الذكر لا بد من تقيده (مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) بسبب من أسباب الإجمال المذكورة السابقة ومنها الاشتراك واقتصر عليه الناظم، ومنها يعني من أسباب الإجمال الاشتراك وهذا خص عليه الناظم لذلك قال:(كالقُرْءِ). مثال الكاف تمثيلية لا استقصائية كاف تمثيلية لا استقصائية (كالقُرْءِ) يعني: وذلك المجمل الذي لم يكن بواضح الدلالة كلفظ القرء بفتح وضم يقال قُرء وقَرء، ويجمع على أَقْرَاء وقُرُوء دون تفصيل، يعني سواء كان المراد به الطهر يجمع على قروء وأقراء، أقراء جمع قلة وقروء جمع كثرة، وإن كان المراد به الحيض نقول: أيضًا يجمع على أقراء جمع قلة وقروء جمع كثرة لماذا؟
ردًا على من قال: أنه إذا جمع على أقراء فالمراد به الحيض وإذا جمع على قروء فالمراد به الطهر. وهذا التفريق ليس بسديد ليس عليه دليل. (كالقُرْءِ) هذا يستعمل في ماذا؟ في القرء والحيض (إِذْ بَيَانُهُ) كالقرء الوارد في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]. إذًا وقع في القرآن وهذا الذي عنون له المصنف (إِذْ) هذه للتعليل، (إِذْ بَيَانُهُ) بيان ماذا؟ القرء هل المراد به في الآية الحيض أم الطهر؟ بالسنة جاء ثابتًا بالسنة على خلاف بين العلماء هل المراد به الطهر فأيدوه بسنة أو مرادًا به الحيض فأيدوه بسنة (كالقُرْءِ إِذْ بَيَانُهُ بالسُّنَّةِ) يعني: هي التي تبين أن المراد به الطهر أو المراد به الحيض، قيل: المراد بالقرء هو الطهر لحديث ابن عمر في الصحيحين لما طلق زوجته وهي حائض فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء» . فدل على ماذا؟ على أن زمان العدة هو الطهر وعليه مالك والشافعي وجه الاستدلال فيه بعد.
أو الحيض يعني قيل الحيض لحديث فاطمة بنت أبي حبيش .. إني امرأة استحاض إلى آخره قال: «دعي الصلاة أيام أَقْرَائك» . متى تدع الصلاة أيام الطهر أم الحيض؟ الحيض فدل على أن القرء المراد به الحيض.
أجاب أولئك قالوا: أقراء. هذا جمع، والمراد به قرء إذا جمع على أقراء فهو الحيض وإذا جمع على قروء فالمراد به الطهر، لكن هذا لا دليل عليه، وعليه أبو حنيفة وأحمد هذا ما يتعلق بالمجمل.
[النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ
المؤول شرحناه فيما سبق (لا تأويله فحررا) ذكرنا معناه في اللغة ومعانيه في الاصطلاح ذكرنا المعنى الثالث وهو أن المتأخرين لا يعرف عن السلف وهو أنهم يأتون إلى اللفظ الظاهر، قول الظَّاهر هذا ما احتمل معانين هو في أحدهما أظهر إذًا يحمل على المعنى الراجح لا على المعنى المرجوح، قد يأتي دليل فَيُعَيِّن أن المراد المعنى المرجوح دون الراجح فيقدم المرجوح على الراجح، هذا ننظر إلى الدليل فإن صح الدليل صح التأويل وإلا فلا.
النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ: وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح بدليلٍ، هذا المراد به عند المتأخرين وذكرنا الأنواع الثلاثة فيما سبق.
النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ: هذا اسم مفعول أُوِّلَ يُؤَوَّلُ فَهُو مُؤَوَّلُ بمعنى الرجوع كما ذكرناه.
(عَنْ ظَاهِرٍ مَا بِالدَّلِيلِ نُزِلا) عَرَّفَه في الشرح بقول: ما ترك ظاهره بدليل. يعني: ما صُرِفَ عن ظاهره بدليل أي كان الدليل مستقيمًا صحيحًا سُمِّيَ تأويلاً صحيحًا وإلا صارًا مردودًا أو باطلاً. (عَنْ ظَاهِرٍ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (نُزِلا). والألف نزلا الألف للإطلاق بمعنى ماذا؟ بمعنى تُرِكَ. كقولك: نَزَلْتُ عن الحق إذا تركته. (عَنْ ظَاهِرٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: (نُزِلا). (مَا بِالدَّلِيلِ)(مَا) أي: لفظ. (بِالدَّلِيلِ) قيل: القطعي ولا يشترط فيه. بل متى ما صح الدليل سواء كان قطعيًّا أو ظنيًّا، ولكن لعلهم قيدوه بالقطعي للمثال الذي سيذكره في الشرح قيدوه بالقطعي لعله للمثال الذي سيذكره. إذًا (مَا بِالدَّلِيلِ نُزِلا) ما تُرك بالدليل عن ظاهره أليس كذلك؟ ما نُزلا بالدليل عن ظاهر يعني: ما تُرك بالدليل عن ظاهره فحُمل على المعنى المرجوح دون المعنى الراجح، والمعنى لفظ تُرك ظاهره بسبب الدليل المانع من ذلك، هذا المراد بالشطر الأول معنى لفظ ترك ظاهره بسبب الدليل القطعي المانع من ذلك، والقطع هذا لا نحتاجه، (كاليَدِ للهِ هُوَ الَّلذْ أُوِّلا) هذه مصيبة المجاهل (كاليَدِ) يعني: وذلك الظاهر المؤول بدليلٍ ما هو؟ اليد لله لماذا؟ يد الله في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]. قالوا: يد الله هذه لا يفهم منها إلا الجارحة، أولاً شبهوا اعتقدوا التشبيه أن ألفاظ أو أسماء أو الصفات التي هي للرب جل وعلا قالوا: لا نُدرك منها إلا ما نُدركه من أنفسنا، فإذا قال:{يَدُ اللَّهِ} لا نفهم من لفظ يد إلا هذه، والله جل وعلا منزه عن هذه الجارحة. نقول: نعم الله عز وجل منزه عن اليد الجارحة لكن ما الذي أدراكم أن مراده بـ: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أنها اليد الجارحة، ما الذي أدراكم؟ نقول: لا الصفة بحسب الموصوف بحسب الذات، إن أضيفت اليد إلى المخلوق فهي على ما تليق به، وإن أضيف إلى الخالق فهي على ما تليق به، فكما أن المضاف إليه وهو الخالق مباينًا كل المباينة عن المخلوق فمن باب أولى أن تباين من جهة الصفات، ولذلك نقول: الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، كما نثبت ذاتًا لا مثيل لها ولا نظير لها ولا تشبهه الذوات كذلك نثبت صفات له لا نظير لها ولا مثيل لها ولا تشبهها الصفات.
إذًا عرفنا القاعدة العامة أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات (كاليَدِ للهِ) يعني ظاهرها ماذا؟ قالوا: الجارحة هذا ظاهرها وإذا أولت بمعنى ماذا القوة مثلاً قوة هذا معنى مرجوح والظاهر أن المراد ماذا؟ الجارحة حينئذٍ نصرف لفظ اليد من الدلالة على الجارحة وهو أظهر فيها إلى المعنى المرجوح وهو؟ القوة ونحو ذلك فسموه ماذا؟ مؤولاً بالدليل، لكن المثال فاسد هذا. (كاليَدِ) إذ ظاهرها الجارحة (للهِ) في قوله تعالى:{يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (هُوَ الَّلذْ أُوِّلا)(هُوَ الَّلذْ)، (الَّلذْ) هذا لغة في الذي
وَأْبَ الَّلذْ أُبِي
وجعل اللذ كاعتقد
(هُوَ الَّلذْ أُوِّلا) بالبناء للمجهول أو مغير الصغية والألف للإطلاق، هذا المثال فاسد، لو أردنا مثالاً صحيحًا ماذا نقول؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: 6] هذا مثل له بالظاهر ومثل له هناك في الذي يُطرح إلى المعنى المرجوح بأدنى دليل، ذكرناه في القواعد قال: الظاهر بعضه يحتاج إلى دليل قولي، وبعضه يحتاج إلى دليل متوسط، وبعضه يحتاج إلى أدنى دليل. ومثلنا فيما سبق لأدنى دليل لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} . لأن ظاهر النص إذا قمتم يعني: إذا وقفت تريد أن تكبر {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} لكن نقول هنا مؤول بماذا؟ إذا أردتم لا بد من التقدير {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98] قرأت انتهيت تستعذ أو شرعتَ؟ شرعت، إذًا قد يؤول الفعل الماضي للإرادة وقد يؤول بالشروع.
النوع الثامن: المفهوم
المفهوم والمنطوق هذا الأصل. المفهوم والمنطوق هما متقابلان، المفهوم اسم مفعول من فهم وهو إدراك معنى الكلام فما يستفاد من اللفظ فهو مفهوم، والمنطوق اسم مفعول من نطق والمراد به في اللغة الملفوظ به.
المفهوم حقيقة ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق لأن الأحكام الشرعية إما أن تؤخذ من المنطوق وإما أن تأخذ من المفهوم، والمنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق يعني في محل اللفظ، وما فهم منه في محل مَحل السكوت يسمى مفهومًا {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] نقول: هذه الآية دلت على تحريم التأفيف من جهة ماذا من جهة المنطوق لماذا؟ لأن ضابط المنطوق ما دل عليه أو ما دل على الحكم في محل النطق، والذي نطق به هو قوله:{فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} هذا منطوقٌ به إذًا تحريم التأفيف مأخوذٌ من المنطوق، تحريم الضرب؟ من المفهوم، ما دليله؟ {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} هل لفظ جاء فيه تحريم الضرب؟
لم يأت فيه تحريم الضرب، وإنما أخذنا هذا الحكم من اللفظ لا في محل النطق بل في محل السكوت.
(النوع الثامن: المفهوم) وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وخلافه المنطوق ما دل عليه في محل النطق ولم يذكره لأنه الأصل.
المفهوم قسمان:
مفهوم موافقة.
ومفهوم مخالفة.
قال رحمه الله: (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ كأُفِّ). (مُوافِقٌ) يعني: مفهوم دل عليه اللفظ لكن محل النطق (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ) موافق هذا خبر مبتدأ محذوف هو موافق فهو موافق والتنوين ولذلك نص موافقٌ هو أي: المنطوق. (مَنْطُوقَهُ) بالنصب على أنه مفعولٌ به لموافق، وهو ما يوافق حكمه المنطوق، وافق حكمه المنطوق هنا {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} الحكم ما هو؟
التحريم، مفهومه تحريمُ الضرب والقتل من باب أولى وأحرى فحينئذٍ استوى التأفيف الذي دُلَّ عليه بالمنطوق، والضرب الذي دل عليه المفهوم استوى في ماذا في الحكم وهو التحريم، إذًا وافقه أو لا؟
وافقه، هذا يسمى ماذا؟ مفهوم موافقة. (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ كأُفِّ) ما وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم ويسمى فحوى الخطاب، ولحنه، والقياس الجلي، والتنبيه، ومفهوم الخطاب، بعضهم يخص به بماذا؟ يخص بفحوى الخطاب إن كان أولى، وبلحن الخطاب إن كان مساويًا، إن كان أولى عرفناه في آية تحريم التأفيف {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} لأن المسكوت عنه أولى بالتحريم من المنطوق {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10] {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ} مفهومه {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} يأكلونها في البطن، ولو حرقوها، يستوي الحكم، ولو دفنوها؟
إذًا يستوي الحكم {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} ليس المراد به الأكل فقط [
…
كيف
…
نعم لماذا عُلِّقَ الحكم على الأكل دون غيره] لأنه الغالب، لكن يستوي الأكل مع الإحراق بجامع الإتلاف {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} المراد به إتلاف مال اليتيم بأي صورةٍ كانت فحينئذٍ نقول النص دل على تحريم ماذا إحراق مال اليتيم لكن بالمفهوم، هل هو أولى أم مساوي؟
مساوي، هذا يسمى ماذا يسمى المساوي.
إذًا مفهوم الموافقة قسمان قد يكون الحكم حكم المسكوت عنه أولى من حكم المنطوق به كآية التأفيف، وقد يكون مساويًا له.
كـ: {أُفٍّ} يعني: وذلك كمفهوم أف فإنه يُفهم منه تحريم الضرب من باب أولى، والفتل من باب أولى وأحرى، مفهوم الموافقة حجة، هذا لا شك فيه أنه حجة. قال ابن مفلح رحمه الله: ذكره بعضهم إجماعًا لتبادر فهم العقلاء إليه، ثم قال:(ومِنْهُ). أي (ومِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ) يعني مفهوم المخالفة، يعني: ما يخالف حكمه المنطوق، المسكوت عنه حكمه مخالف للمنطوق في الآيتين السابقتين التحريم في المنطوق وفي المفهوم، هنا لا، التخالف (ومِنْهُ) أي: من المفهوم (ذُو تَخَالُفٍ) وهذا يسمى دليل، دليل الخطاب، يعني: ما يخالف حكمه المنطوق، أول شيء تقول ما خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم، وهذا أيضًا حجة عند الجماهير مفهوم المخالفة حجة عند الجماهير، وهذا ما مثاله؟
«من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» . من لم يرد الله به خيرًا لا يفقه في الدين. والمراد بالخير هنا ليس أصل بالخير كما نص ابن حجر على هذا في الفتح، هو ورد به التمام. لأن من عنده التوحيد وهو جاهل عامي عنده خير أو لا؟ عنده خير، «من يرد الله به خيرًا» . يعني خيرًا تامًا «يفقه في الدين» . وأما الموحد العامي هذا عنده خير عظيم لكنه فاته التمام.
مفهوم المخالفة حجة عند جماهير العلماء بجميع أقسامه ما عدا مفهوم اللقب لكن للعمل بهذا المفهوم شروط، ذكرناها فيما سبق لكن يجمعها قاعدة لا بد من التأمل فيها وهي أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر لكونه مختصًا بالحكم دون سواه، متى ما وجدت هذه العلة، فحينئذٍ نقول: يعتبر مفهوم المخالفة. فإن انتقى فحينئذٍ مفهوم المخالفة.
قاعدة: أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر لكونه مختصًا بالحكم دون سواه. إن كان كذلك حينئذٍ لا مفهوم وإلا فله مفهوم.
(ومِنْهُ) أيضًا من المفهوم (ذُو تَخَالُفٍ) أي: صاحب تخالفٍ أي: مخالفة. وذلك في الوقف (ومِثْلُ ذَا شَرْطٌ وغَايَةٌ عَدَدْ) يعني أراد أن يعدد لك أنواع مفهوم المخالفة أين توجد؟ هي كثيرة لكن ذكر بعضها ونقف مع ما ذكره فقط.
وذلك (ومِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ) يعني: مخالفة وذاك أو وذلك في مفهوم الوصف أي: مثل مفهوم الوصف، والمراد بمفهوم الوصف هنا عندهم ليس مطلق الوصف المرادف للوصف عند النحاة، لا، المراد به لفظٌ مقيد لآخر ليس بشرطٍ ولا غايةٍ ولا استثناء ولا عدد، ولا يريدون بها النعت النحوي فقط فتشمل نحو ماذا؟ قوله صلى الله عليه وسلم:«في الغنم السائمة زكاةٌ» . هذا نعت، والمضاف سائمة الغنم، والمضاف إليه مطل الغني ظلم، والحال {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] أي: لا في غيرها. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلاً مؤبرًا فثمرته هذه للبائع» . شرحناها في قواعد الأصول، ومفهوم الصفة هذا رأس المفاهيم هو في القمة، ولذلك قال أبو المعالي: لو عبر معبرٌ عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا لأن فيها معنى الصفة.
(في الوَصْفِ ومِثْلُ ذَا) أي ومثل مفهوم الوصف (ومِثْلُ) أي ومثل مفهوم الوصف (ذَا) السابق يعني (شَرْطٌ)(ومِثْلُ ذَا) مضاف ومضاف إليه (ذَا) المشار إليه ما هو (ذَا) مرجعه ما هو المفهوم الوصفي (ومِثْلُ ذَا) مضاف مضاف إليه (مِثْلُ ذَا) أي: مثل مفهوم الوصف (شَرْطٌ) والمراد به الشرط اللغوي وهو ما عُلِّقَ من الحكم على شيءٍ بأداة الشرع. ما علق من الحكم على شيءٍ بأداة الشرع (وغَايَةٌ) ستأتي أمثلته في النظم (وغَايَةٌ) يعني: ومفهوم غايته، وحقيقتها مد الحكم بأداة الغاية، و (عَدَدْ) يعني: مفهومٌ عدد بإسقاط الواو، ومفهوم عددٍ وهو تعليق الحكم بعددٍ مخصوص.
هذه أربعة مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، يعني: لها حكم المخالف للمنطوق، فيحكم لهذا المفهوم ويُعتبر بالشرط والقيد الثاني ألا يكون تنصيص الحكم في المنطوق ألا تظهر له فائدة إلا ذكر ماذا؟ المنطوق أو تعريفه به.
(وَنَبَأُ الفَاسِقِ لِلْوَصفِ)، (وَنَبَأُ الفَاسِقِ) يعني: مثالٌ للوصف، ونبأ هذا مبتدأ وهو مضاف والفاسق ومضاف إليه، (لِلْوَصفِ وَرَدْ) للوصف جارٌ مجرور متعلق بقوله:(وَرَدْ). (وَرَدْ) بمعنى جاء وثبت يعني جاء مثالاً نبأ الفاسق أين؟
في قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} [الحجرات: 6] وصف أو لا؟
وصف، إذًا إذا لم يأتكم فاسق، عدل يجب قبول خبره، إذًا له مفهوم مخالفة (وَنَبَأُ الفَاسِقِ) لمفهوم الوصف (وَرَدْ) أي جاء مثالاً، جملة ورد هذا خبرٌ مبتدأ وهو نبأ {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فيجب التبين في خبر الفاسق، ومفهومه يجب قبول خبر الواحد العدل.
(والشَّرْطُ) يعني مفهوم الشرط مثاله نحو قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]. هنا علق الحكم على إن الشرطية يعني المراد بالشرط الذي هو له مفهوم معتبر الشرط اللغوي {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} فيجب الإنفاق على أولات حمل بالمنطوق، ومفهومه أنه لا يجب على غير ذوات حملٍ بالمفهوم إذًا خالف أو لا؟
حكم المسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق به. (وغَايَةٌ) يعني مفهوم غاية (جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ لِزَوْجِهَا) مفهوم الغاية للإنسان ما هو قد جاءت الآية (بِنَفْيِ حِلِّ لِزَوْجِهَا) أي المطلقة بالثلاثة (قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ) من هو؟ قبل أن تنكح ماذا الزوج وذلك بقوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. فإن لم تنكح زوجًا غيره لا تحل له فإن نكحت بشروطٍ معتبرة حينئذٍ حلت له للزوج الأول (وغَايَةٌ جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ
لِزَوْجِهَا قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ) غيره زوجها الذي طلقها غير زوجها الذي طلقها (وَكالثَّمَانِينَ لِعَدٍّ أَجْرِهِ)(وَكالثَّمَانِينَ) يعني: كمفهوم الثمانين. (لِعَدٍّ) أي: لمفهوم عددٍ هذا مثال لقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . أي: لا أقل ولا أكثر لاتسع وسبعين ولا واحد وثمانين ولو زاد شره؟ ولو زاد شره، نعم {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (وَكالثَّمَانِينَ) أي كمفهوم الثمانين في قوله تعالى:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . أي: لا أقل ولا أكثر (لِعَدٍّ) لمفهوم عددٍ (أَجْرِهِ) أمرٌ من الإجراء يعني أجره مثالاً لمفهوم العدد.
ونقف على هذا.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.