المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌عناصر الدرس * شرح تعريف السورة والآية. * هل في القرآن فاضل - شرح منظومة التفسير - جـ ٤

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌عناصر الدرس * شرح تعريف السورة والآية. * هل في القرآن فاضل

‌عناصر الدرس

* شرح تعريف السورة والآية.

* هل في القرآن فاضل ومفضول.

* الخلاف في ترجمة القرآن.

* شرح أقسام الترجمة.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

لا زال الحديث في مقدمة التي عنون لها المصنف رحمه الله تعالى بذكر بعض ما اختص به علم التفسير

وقَبْلَها لا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ

بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ

وبين أول ما ذكر في المقدمة وهو تعريف القرآن وهو ما نزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال:(ومِنْهُ الإعْجازُ).

وذكرنا أن هذا الحدّ هو من باب التقريب وليس الحدّ الذي يكون عند المناطقة ولذلك بعضهم يذكر بعض الفصول وبعضهم يحذفها على حسب ما يقع في نفسه من تميز القرآن على غيره ببعض الفصول دون بعض.

وهنا ذكر ما أجيز ثم ذكر الفصل الأول الذي هو أول الإنزال، والفصل الثاني وهو على محمدٍ، صلى الله عليه وسلم وبينا محترزات هذين الفصلين.

قال: (ومِنْهُ الاعْجازُ). هذا هو الفصل الثاني (ومِنْهُ الاعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). هذا فصلٌ ومعه تسمية لأن قوله: (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). (بِسُورَةٍ) هذا جار مجرور متعلق بقوله: (حَصَلْ) أي: حصل الإعجاز بسورة، وهذا من باب التسمية لماذا؟ لأنه لو قال:(ومِنْهُ الإعْجازُ) يعني المعجز بلفظه وسيأتي إعرابه المعجز بلفظه قد يتوهم متوهمٌ أنه لا إعجاز إلا بكل القرآن ودفعًا لهذا الوهم قال: (بِسُورَةٍ حَصَلْ). حينئذٍ يحصل الإعجاز بسورةٍ لا بأقل منها كما سيأتي فقوله: (ومِنْهُ الإعْجازُ). ذكرنا توجيهًا في الإعراب أن منه الواو بالطبع واو الحال، (ومِنْهُ) منه جار مجرور متعلق بمحذوف خبرٌ مقدم (والإعْجازُ). هذا مبتدأ مؤخر وجملته حصل بسورة في محل نص الحال من المبتدأ هذا وجهٌ، والوجه الأحسن منه أن يعرب الإعجاز مبتدأ، وحصل بسورةٍ هذا الجملة الخبر يبقى الإشكال بقوله:(مِنْهُ). منه الأصل أنه متأخر وهو مقدم عن تأخير والإعجاز حصل بسورةٍ منه، فمنه جارٌ مجرور في الأصل جار مجرور متعلقٌ بمحذوف صفة لسورة لأن الظروف كذلك الجار والمجرور بعد النكرة تعرب صفات، والمشهور أن الصفة صفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالاً، عليه يكون قوله:(ومِنْهُ). ومنه جار مجرور متعلق بمحذوف حال وصاحب الحال هو السورة وهذا الإعراب أولى وأوجه لماذا؟

لأننا لو قلنا: ومنه الإعجاز. مبتدأ وخبر، منه يُفهم التبعيض بعضه يحصل فيه الإعجاز إلا إذا جعلنا من هنا لابتداء الغاية بمعنى ما يذكره البعض المعجز بلفظه حينئذٍ صار الابتداءٌ من اللفظ وحصل الإعجاز مبتدأ بماذا؟ بلفظ القرآن، وهذا أيضًا وجهٌ حسن لكن الأولى أن يعرب الإعجاز مبتدأ، ومنه هذا حال مقدم وحصل بسورةٍ هذه الجملة خبر حصل بسورةٍ منه لأنه لا بد من التقديم.

ص: 1

(ومِنْهُ الإعْجازُ). قلنا: الإعجاز هذا مصدر أَعْجَزَ يُعْجِزُ إِعْجَازًا، والْمُعْجِز هذا يطلق عليه الآية وهو استعمالٌ القرآن وهو أولى وإن شاع عند كثير من المتأخرين إطلاق الإعجاز على الآية والعكس هو الصواب أن يطلق الآية على الإعجاز لأنه ما جاء في الكتاب والسنة إلا لفظ الآية والمعجزة عندهم أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي مع عدم المعارضة، والمراد بالتحدي طلب المعارضة أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي يأتي صاحبه يتحدى بهذه الآية هذا الأمر الخارق للعادة مع عدم المعارضة يعني لا يعارضه أحد والمعارضة هنا هي ما يكون في مثل هذا الموضع أن يُؤتى بلفظٍ معجز ولما انتفى ذلك لما تحداهم الرب جل وعلا ليأتوا بمثله فعجزوا ولم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بعشر سورٍ مثله، أيضًا لم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بسورةٍ أيضًا لم يستطيعوا. إذًا عدم المعارضة لم يتمكنوا من المعارضة لذلك قلنا: الصواب هو قول من يرى أن عدم المعارضة هنا لذواتهم. يعني قصورهم لذاتهم لا لكونهم قادرين وصُرِفُوا، لا، لا نقول بالصرف كما يقول المعتزلة ومن على شاكلتهم.

ما اختص به علم التفسير

وليس في طوق الورى من أصله

أن يستطيعوا سورةً من مثله

وليس في طوق الورى من أصله. ليس في قدرة وطاقة الورى الخلق من أصله من أصل الخلق نفسهم لذواتهم ولكونهم عاجزين أن يستطيعوا سورةً من مثله، إذًا لا كونهم قادرين ولكنهم صُرِفُوا، وإنما هو فرقٌ بين القولين أن نقول: أنهم يقدرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور أو بسورةٍ ولكنهم حُجبوا وصُرفوا عن ذلك، لكن الصواب أنهم عاجزون بأنفسهم لذواتهم والعلة واضحة أن الكلام الْمُتَحَدَّى به كلام الرب جل وعلا وهو صفة للخالق سبحانه، والكلام الذي يُؤتى من جهة المخلوق صفةٌ له وحاش أن تكون صفة المخلوق مساوية لصفة الخالق كما أن الفرق واضح بيِّن بين الذات ذات المخلوق وذات الخالق، كذلك صفات الذات تابعةٌ لها لذلك عند أهل السنة أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات كما أن ذاته جل وعلا لا تشبهه ذوات، كذلك صفاته لا تشبهه الصفات ومنه صفة الكلام، إذًا لا يمكن أن يقال بأنهم قادرون ولكنهم صُرفوا، هذا قول باطل بما يلزم عليه.

(ومِنْهُ الإعْجازُ) يعني للخلق إعجازه للخلق لإظهار صدق النبي صلى الله عليه وسلم في صحة دعواه لأن الإعجاز المقصود به إثبات أن القرآن حق وأن الرسول، رسول صدقٍ صلى عليه وآله وسلم. حصل بسورة هذا مفهومه أو هذا بيان لأقل ما يحصل به الإعجاز، اقتصر عليه على السورة دون ما دونه وهو الآية لماذا؟ لأنه لم يأت نص صريح - أقول: صريح - في التحدي بالآية وإن جاء التحدي بالآية ضمنًا، إذًا اقتصر على السورة لماذا؟

لأنه لم يكن في القرآن آية صريحة في التحدي بالآية لأنه كما ذكرنا أنه لا يوجد آية مفردة ليس عندنا في القرآن آية مفردة بل هي مستلزمة لما قبلها ولِمَا بعدها فصدق أن أقل ما يحصل به الإعجاز والتحدي هو السورة وأقل سورة هي سورة الكوثر وآياتها عددها ثلاث آيات فدل على ماذا؟

على أنه لا تكون الآية بمفردها دعوى التحدي وإنما تكون بثلاث آيات فأكثر.

ص: 2

إذًا اقتصر على السورة لأنه لم يكن في القرآن آية مفردة بل الآية تستلزم مناسبة لِمَا قبلها وما بعدها (بِسُورَةٍ) قلنا: هذا يقتضي أنه لا أقل منها قوله تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34]. بحديث تحداهم أولاً بأن يأتوا بمثل القرآن {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88]، {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ}

[هود: 13]، {قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38]، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] هذا واضح لا إشكال {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34] قال الزركشي رحمه الله: هذه يقتضي الإعجاز بآية. لأنها حديث أليس كذلك قلت: لم يرد التحدي بالآية صريحًا وإنما جاء ضمنًا وهو داخل في قوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34]. لأنه يشمل الآية، بل قال بعضهم: إن الإعجاز يكون بجملة يعني: بعض آية وليس بآية فقط، وإنما يكون بجملة جملة مركبة من مبتدأ وخبر وفعل وفاعلها أو نائبه وهذا أيضًا يستقيم مع ماذا؟ مع القول بكونه لم يصرح بالتحدي بآية والسبب في ذلك أنه لا آية مفردة وكذلك لا جملة مفردة فنقول: لم يرد التصريح بالتحدي بالآية لا لكونها ليست معجزة، لا، بل القرآن كله معجز لكنه بعضه معجز بذاته فيما لو انفرد عن غيره كسورة البقرة مثلاً كاملة أو عشر آيات كاملة أو سورة أكثر من ثلاث آيات تقول هذه معجزة بذاتها فيما لو لم تنضم إلى غيرها، ومنه ما هو معجز بالانضمام إلى غيره وهو الآية والجملة.

إذًا لا يخرج القول بكون الآية ليست معجزة لا يخرج عن كون القرآن معجزًا بل نقول: كله معجز. لماذا؟

لأن القرآن جاء متحديًا لمن اتصف بأعلى درجات الفصاحة حينئذ لا يعجز أن يأتي بكلمة واحدة، وقد وردت آية واحدة في القرآن بكلمة واحدة وهي:{مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن:64]. قال بعضهم: لا يوجد غيرها {مُدْهَامَّتَانِ} . والغريب أن السيوطي رحمه الله مثل بقوله: {وَالضُّحَى} [الضحى: 1]. أنه كلمة واحد {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1]، {وَالْفَجْرِ} [الفجر: 1] أنه كلمة واحدة وهذا مثال صحيح؟!

ليس بصحيح لماذا؟ لأنها جملة وليس بكلمة ولا كلمتين {وَالضُّحَى} هذه جملة {وَالْعَصْرِ} هذه جملة فعلية {وَالْفَجْرِ} تقول هذه جملة فعلية لماذا؟ لأن أصلها أقسم بالضحى، أقسم بالفجر هذا الأصل فيها ونابت الواو مناب فعل القسم لذلك لا يجوز الجمع بينها وبين فعل القسم. إذًا نقول: عجبنا من السيوطي مع كونها نحويًا إلا أنه مثل في التحبير بكلمة واحدة وهي قوله: {وَالضُّحَى} . والصواب أنه يقال: {مُدْهَامَّتَانِ} . كلمة واحدة في آية قيل: لا يوجد غيرها أما {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] هذه جملة ثم حرف عطف على ونظر هو المركب من فعل فاعل فيكون جملة ولا يكون كلمة واحدة.

ص: 3

إذًا نقول: قوله: (بِسُورَةٍ). يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به لقوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23]. لكن قوله تعالى:

{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34]. يقتضي الإعجاز بآية وقيل: إن الجملة الواحدة معجزة والجواب ما ذكرناه أن الآية مع غيرها والجملة مع غيرها.

قال بعضهم: (الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ، لَكِنْ مِنْهُ مَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا بِذَاتِهِ. وَمِنْهُ مَا إعْجَازُهُ مَعَ الِانْضِمَامِ إلَيْهِ)(ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). حصل الإعجاز بسورة كسورة الكوثر مثلاً، ومثلها فيه قدرها من غيرها لأنه يقال: سورة الكوثر. هذه ليست في الآيات أو ليست في الكلمات والحروف مثل آية الدَّيْن أيهما أكثر؟ آية الدَّيْن ولا شك لكن من حيث عدد الآيات سورة الكوثر أكثر لكن من حيث الكلمات نقول: آية الدين. هل يحصل الإعجاز بآية الدين؟ نعم كيف نقول بآية لا يحصل؟ باعتبار ما تضمنه من كلمات إذًا بسورة حصل ومثلها مثل السورة فيه يعني في الإعجاز به قدرها من غيرها فحينئذٍ ننظر في سورة الكوثر عدد كلماتها وأسطرها ومثله من غيرها أيضًا يكون معجزًا كآية الربا {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} [البقرة: 275]

إلى آخره نقول: هذه معجزة لأن في عدد الكلمات أكثر من سورة الكوثر إذًا مثل سورة الكوثر في قدرها في كلماتها والأصل مثلاً وعد الجمل نقول: مثلها في غيرها معجزٌ سواء كان آية مستقلة أو بعض آية وعليه نقول: ما كان آية لو انفرد وليس بمعجز هذا ما أمكن أن يؤتى بمثله فيما إذا كان كلمة أو كلمتين أو جملة فعلية أو جملية اسمية يعني: من قصار السور. وأمكن أن يُؤتى بمثله وأما ما كان طويلاً كآية الدين ونحوها نقول: هذا لا يمكن أن يُؤتى بمثله ولا نقول هنا معجزًا لاستلزامها ما قبلها وما بعدها إذًا مثل مسألة الآية أو الإعجاز والتحدي بالآية نقول: ليس كل آية نَدَّعِي أنها معجزة في ذاتها بل ما كان يُتصور في العقل أن يأتي العربي الفصيح بمثله فيما لو انفرد. نقول: هذا ليس بمعجز بذاته بانضمامه إلى غيره وما لم يكن كذلك فلا. نقول: لا، هو معجز بذاته إذًا تصريح أهل العلم بكون الآية لم يرد التحدي به نقول: أولاً لم يرد التحدي به صريحًا أما ضمنًا فقد ورد {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ} [الطور: 34] وكون الآية ليست معجزةً بذاتها نقول: فيما - لا بد من تقيده - فيما لو أمكن أو تصور العقل أن يأتي العربي الفصيح القح بمثله وما عدا ذلك فلا نقول: الآية معجزة سواء انضمت إلى غيرها أو انفردت عن غيرها. فالمسألة فيها تفصيل.

ص: 4

لَمَّا ذكر السورة وهو كونه يحصل الإعجاز بها شرع في بيان حقيقة السورة ما هي السورة؟ إذا قيل: (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ) حصل بسورة من القرآن ما هي هذه السورة متى نحكم على بعض الآيات بكونه سورة قال: (والسُّورَةُ). بدون همز وقد تهمز ويقال: السؤرة. وإن لم يكن مستعملاً إذًا يقال: السورة. ويقال: السؤرة. تهمز ولا تهمز اختلف في اشتقاقها فقيل: مشتقة من سور البلد لارتفاعه. وسميت السورة سورة مع كونها مشتقة من سور البلد لشرفها وارتفاعها وقيل: السورة المنزلة الرفيعة. أصلها المنزلة الرفيعة كما قال النابغة:

ما اختص به علم التفسير

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً

تَرَى كُلَّ مَلْكٍ حولََهَا يَتَذَبْذَبُ

سورة. يعني: منزلة رفيعة، ألم تر أن الله أعطاك سورة.

إذًا يحتمل أن يكون لفظ السورة مشتقًا من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة وكلٌ مسموع من لغة العرب وعليه إذا كان مشتقًا من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة فلا يكون مهموزًا لا يُتصور أن يهمز لأنه إذا اشتق مما لا همز فيه فلا يمكن أن يكون الفرع مهموزًا بل يكون تابعًا لأصله وقيل: مشتقة من سؤر الإناء. وهو بقيته لأنها جزء من القرآن فأصلها سؤرة بالهمزة ولكنها خففت بإسقاطها سؤرة إذًا همزة ساكنة ومعلوم أن الهمز ثقيل خاصة مع الواو فأسقط تخفيفًا من باب التخفيف وكل يحتمل، يحتمل أن يكون اشتقاق لفظ السورة من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة أو من سؤر الإناء وهو بقيته، ومعلوم أن السورة منزلتها رفيعة لأنها جزء من القرآن ولأنها كلام الرب جل وعلا إذًا منزلتها رفيعة وهي أيضًا مرتفعة ولها شرف كما أن السور سور البلد مرتفع وإن كان هذا ارتفاع حسي إلا أن ارتفاع السورة يكون معنويًّا ويحتمل أنها من السؤر سؤر الإناء حينئذ تكون مهموزة في الأصل إلا أنها خففت بماذا؟ بإسقاط الهمزة.

والسورة اصطلاحًا: الطائفة المترجمة. زد عليه توقيفًا. السورة الطائفة المترجمة توقيفًا لا بد من هذا في الحد، الطائفة المراد بالطائفة الجملة. طائفة من أي شيء؟ جملة من أي شيء؟ من القرآن، الطائفة هي الجملة من القرآن وإن شئت تقول: القطعة من القرآن. الطائفة قطعة من القرآن أو جملة من القرآن.

(المُتَرْجَمَةْ) أي: المعنونة لها عنوان والمراد بالعنوان هنا أن تكون مسماة باسم خاص سورة البقرة سورة آل عمران هذا عنوان سورة النساء هذا عنوان سورة التحريم هذا عنوان طائفة سورة التحريم من أولها إلى آخرها هذه طائفة جملة قطعة من القرآن أو لا؟

ص: 5

قطعة من القرآن ليست كل القرآن وإنما هي جزء وبعض وقطعة من القرآن معنونة بعنوان خاص وهو التحريم يميزها عن غيرها إذًا صار التحريم هذا علم ومسماه سورة التحريم التي هي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} إلى آخر السورة. [توقيفًا] أي: بتوقيف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى أن أسماء السور يكون موقوفًا ليس مجاله الاجتهاد فليس لكل شخص أن يأتي باسم ويجعله عنوانًا لسورة ما والمراد هنا بكون أسماء السور توقيفية المراد به كما قيده غيره المراد به السورة التي يشتهر بها العنوان لأن بعض السور كسورة البقرة تسمى فسطاط القرآن مثلاً وتسمى البقرة أيهما أشهر؟ البقرة وهي التي أثبتها الصحابة في المصحف فحينئذٍ نقول: لم يثبتوها كتابةً لكن عنون لها لم يكتب إلا قرآن ولذلك أخلوه من آمين ومن الاستعاذة ومن أسماء السور لكن معلوم عندهم أن {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1، 2]، هو سورة البقرة وهذا مطرد عندهم ومشتهر وإذا ذكرت سورة البقرة انصرف إلى مسماه الخاص نقول: هذا الاسم الذي إذا ذكر لم ينصرف إلى غيره وهو المشتهر عند ذكر اللفظ نقول: هذا الذي فيه الخلاف هل هو توقيفي أم اجتهادي؟

نقول: الصواب أنه توقيفي، وما عدا ذلك فهو اجتهادي لأن بعض الصحابة والتابعين كذلك قد أطلقوا بعض الأسماء على بعض السور ولذلك سمى حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما سمى التوبة بالفاضحة أليس كذلك؟ وسماها سورة العذاب، وسمى أيضًا خالد بن معدان البقرة بفسطاط القرآن، وابن عيينة سمى الفاتحة الواقية، ويحيى بن أبي كثير سمى الفاتحة أيضًا بالكافية، وكثير هذا تجدونه في أوائل السور ولذلك سميت القرآن بالكنز سميت بالصلاة سميت بالدعاء سميت

بأن كلها اجتهادية هذه، لكن الفاتحة أو أم القرآن وأم الكتاب هذه توقيفية، إذًا قوله:(الطائفةُ) من القرآن (المُتَرْجَمَةْ). يعني المعنونة المسماة باسمٍ خاص توقيفًا من النبي صلى الله عليه وسلم هذا يتعلق بالاسم المشهور للسورة وما عداه فيجوز أن يكون اجتهادًا وقد وقع من الصحابة ومن غيرهم، (المُتَرْجَمَةْ) مترجمة من ماذا؟ لو نظرت في القرآن لا بد من مناسبة بين الاسم والسورة، البقرة لماذا سميت البقرة؟ لذكر سورة البقرة. آل عمران؟ لذكر آل عمران. النساء؟ لكونها اشتملت على أحكام النساء

وهلم جرا. إذًا معنونة ومسماةً باسم خاص بجزءٍ منها أو بقصةٍ ذكرت في السورة إذًا ثمَّ تناسب وارتباط بين الاسم وبين المسمى لا بد أن تنظر أن يكون جزءًا من السورة قد عنون له بذلك العنوان وهذا مأخذ بعض من كره أن يقال: سورة البقرة. قال بل يقال: السورة التي تذكر فيها قصة البقرة، والسورة التي يذكر فيها قصة آل عمران، والسورة التي ذكر فيها الطلاق

وهلم جرا قالوا: لماذا؟

ص: 6

لأنك لو قلت: سورة البقرة. يفهم أنك قصرت السورة على ماذا؟ على قصةٍ واحدة وهي: أوعب وأكبر من ذلك. فكرهوا أن يقال: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء. هذا تعليل مع كونهم احتجوا بحديثٍ عند الطبراني مرفوعًا من رواية أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تقولوا: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، ويذكر فيها آل عمران وكذلك القرآن كله» . هذا حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: لا يصح رفعه. وقال البيهقي: إنما يُعرف موقوفًا عن ابن عمر فقط.

إذًا صار موقوفًا ولا يكون له حكم الرفع لأن مجاله الاجتهاد ويدل على صحة أن يقال: سورة البقرة. ما جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بعد رمي الجمرات قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.

حينئذٍ نقول: لا وجه أن يُنكر أن يقال: سورة البقرة. ولذلك في المسند أيضًا أن العباس نادى الناس بأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين يوم فر بعض الصحابة: يا أصحاب الشجرة يا أصحاب البقرة. بأمر النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فدل على أنه لا كراهة في قولنا: سورة البقرة، وسورة آل عمران. ولا نحتاج أن نقول: السورة التي يذكر فيها البقرة، أو السورة التي يذكر فيها أحكام النساء

وهلم جرا لما ذكرناه من السنة.

(والسُّورَةُ الطائِفَةُ المُتَرْجَمَةْ) توقيفًا قال السيوطي في الإتقان: وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار. إذًا ثابت أو لا؟

ثابت، والمراد به ما اشتهر، وأما ما لم يشتهر ما يذكره المفسرون في أوائل السور فهذا لا بأس أن يكون من قبيل الاجتهاد وقد يتعدد أو تتعدد أسماء السورة الواحدة كما ذكرناهم سابقًا.

الفاتحة، أم الكتاب، أم القرآن، الكنز، الدعاء، النور، الواقية، الكافية، المثاني

إلى آخره.

وكذلك يقال: الإسراء، وبني إسرائيل. والجاثية تسمى: الشريعة. والطلاق تسمى: النساء القصرى بعضهم يقول وقيل: الصغرى. إذًا قد يتعدد للسورة الواحدة اسمان فأكثر وقد يوضع اسم واحد لجملةٍ من السور كالزهراوين: للبقرة وآل عمران.

السبع الطوال: للبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف والسابعة يونس. كما روي عن مجاهد وغيره وأيضًا كذلك يقال: المفصل. المفصل هذا عنوان اسم واحد مسماه من الحجرات إلى الناس وقيل: من ق إلى الناس. إذًا قد يكون للسورة اسمًا واحدًا، وقد يتعدد فيكون اثنين فأكثر وقد يوضع اسم واحد لعدة سور.

ثم قال: (ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ). هل هذا داخلٌ في الحد أم زيادة فضلٍ أم داخل في الحد؟ ما الذي ينبني على القول بأنه داخلٌ في الحد؟

ص: 7

لو قيل بأن لأقل (ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ) داخلاً في الحد ما كان أكثر من ثلاث ليس بسورةٍ قد يتوهم متوهم هذا لكن نقول: لا، ليس داخلاً في الحد وإنما هذا من زيادة الفضل يعني: أراد أن يبين لك أقل ما يسمى سورة أو أقل ما وقع في الواقع بكونه سورة لأنه ينبني عليه ماذا؟ ينبني عليه معرفة أقل عدد لآيٍ لسورة حصل الإعجاز به فإذا قال: (ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ). أقل سورة هي ثلاث آيات إذًا أقل سورة حصل الإعجاز بها هي سورة الكوثر. لا يوجد غيرها ثلاث آيات (ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ) سمة بمعنى: علامة.

(ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها) أقل السورة (سِمَةْ) يعني: علامة. (ثَلاثُ) هذا مبتدأ و (سِمَةْ) خبر تقدير (ثَلاثُ آيٍ) علامة لأقلها أي: أقل ما يصدق عليه أنه سورة، إذًا لماذا بين أقل ما يصدق عليه أنه سورة لقوله:(ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). ليبين لك أن أقل ما يصدق عليه أنه سورة هو: سورة الكوثر. وهي: أقل ما يحصل الإعجاز بها. وهذا متى؟

إذا لم تجعل البسملة آية من السورة، وأما على قول الشافعي رحمه الله وغيره بأن البسملة آية داخلة في مسمى سورة فحينئذٍ أقل ما يكون سورة هو: أربع آيات. وأما إذا قيل: بأن البسملة ليست داخلةً في مسمى سورة سواء قلنا: هي آية من القرآن أو ليست بآية من القرآن نقول: أقل ما يصدق عليه أنه ثلاث. أقل ما يصدق عليه أنه سورة ثلاث آيات. وإذا قيل بدخول البسملة في مسمى السورة وأنها آيةٌ منها حينئذٍ يكون أقل ما يصدق عليه سورة أربع آيات والصواب أن الآية من القرآن أو لا؟

هي من القرآن، هذا لا شك لكن بعضهم نفى أن تكون آيةً أصلاً نفى أن تكون من القرآن وذلك في أربعة أقوال:

بعضهم نفى أن تكون آيةً من القرآن أصلاً.

وبعضهم أثبت أنها آية من القرآن من الفاتحة ومن كل سورة.

وبعضهم أثبت أنها آيةٌ من الفاتحة دون بقية السور.

- والصواب - القول الرابع: أنها آيةٌ مستقلة هي آيةٌ في القرآن مستقلة ويفتح بها كل سور وليست آيةً من سورة الفاتحة ولا من غيرها، وعليه حينئذٍ لا تعد من ضمن السور فلا يقال سورة الفاتحة أولها بسم الله الرحمن الرحيم بل أولها {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولذلك الذي يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة حديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبد قسمين» ، «قسمت الصلاة» الصلاة هنا مراد بها الفاتحة قال:«فإذا قال عبدي {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}» . لو كانت البسملة أول آية لقال لو قال عبدي أو إذا عبدي قال: بسم الله الرحمن الرحيم لكن لما افتتح الفاتحة بالحمد علمنا أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها هي قرآن لا شك فيه وليست بآية من كل سورة.

ص: 8

(ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ، والآيةُ الطائفةُ المَفْصُولَةْ) لما ذكر الآية في قوله: (ثَلاثُ آيٍ) أراد أن يميز لك هذه الآية ما حدودها متى تطلق اللفظ آية على مسماه قال: (ثَلاثُ آيٍ) كيف تعد الآية حينئذٍ احتجنا إلى بيان معنى الآية فقال: (والآيةُ الطائفةُ المَفْصُولَةْ) آية أصلها أَئْيَة كتَمْرَة قلبت عينها ألفًا على غير قياس، وقيل أصلها كقَائِلَة أَائِئَةٌ كقائلةٍ حذفت الهمزة تخفيفًا، (والآيةُ) عرفنا اشتقاقها معناها في اللغة العلامة يعني تطلق الآية عن العلامة وتطلق على المعجزة وتطلق على العبرة وتطلق على الأمر العجيب وتطلق على البرهان إلى غير ذلك.

(والآيةُ الطائفةُ) أي الجملة أو القطعة من القرآن (الْمَفْصُولَةْ) أي: مُمَيَّزة بفصلٍ وهو آخر الآية لذلك في الأصل في (النُّقاية) قال: وحدها عرفًا طائفة من كلمات القرآن متميزةٌ بفصل، والفصل المراد به آخر الآية، إذًا ذات مقاطع فهو ما يسمى بالمقطع أو الفاصلة (والآيةُ الطائفةُ المَفْصُولَةْ) يعني مميزة بفصلٍ وهو آخر الآية ويسمى فاصلة يعني خاتمة الآية يسمى فاصلة تقول ماذا {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً} [الذاريات: 1]. العلامة رقم واحد هذه فاصلة نقول هذا اسمه فاصلة، هل هو توقيفي أم اجتهادي؟

نقول: الأصل أنه توقيفي، هذا فيه عُلِمَ من وقف النبي صلى الله عليه وسلم على رأس الآية ولذلك كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقف على رؤوس الآية، فإن لم يعلم حينئذٍ لا بأس من الاجتهاد والقياس لماذا؟

لأنه إذا قيس في مثل هذا ما لم يعلم على ما علم هل يحصل منه الزيادة أو نقصانٌ في القرآن؟

ص: 9

لم يحصل به لا زيادة ولا نقصان، وعليه لا محذور في دخول الاجتهاد في الفواصل لكن الأصل أنه توقيفي وهذا هو الغالب والأسهل فإذا لم يعلم من النبي صلى الله عليه وسلم وقف على هذه الآية فحينئذٍ نقول ماذا نقول لا بأس من الاجتهاد، ولذلك ترون أن بعض الآيات تقف رؤوسها ثم ما بعدها متعلقٌ بما قبلها {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] هنا يفصل {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] ورأس آية {فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [البقرة: 220] هذا متعلقٌ بما قبله لماذا نقول هذا لماذا نجوز لو كان اجتهادًا لقيل لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة سنقف هنا لكن وقع ماذا {تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] فجاء رأس الآية {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 26، 27] نقول هاتان الآيتان فصل بينهما بفاصل وهي توقيفية وإلا لو كان اجتهادًا لا جمع ما بعدها مع ما قبلها {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 26، 27] لأنه بالنظر العقلي هكذا المجرد مع القصور يكون الأولى الوصل أليس كذلك عقولنا قاصرة لا شك فحينئذٍ نقول أولى الوصل لماذا يفصل بينهما نقول: لأن المسألة هنا توقيفية، إذًا الفواصل هذه الأصل والأغلب أنها توقيفية ولا بأس بدخول الاجتهاد في بعض ووقوع الاجتهاد لا يلزم منه تغير في القرآن لا ينبني عليه لا نقص ولا زيادة لأن القراءة كما هي لذلك يقال ليس في القرآن وقفٌ محرم لأنه لا يختل المعنى في نفس الأمر، إذًا قوله:(المَفْصُولَةْ) مفعولة من الفصل يعني المميزة (مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ)(مِنْ كَلِمَاتٍ) هذا جار مجرور متعلق بمحذوف حالٌ من الطائفة (الطائفةُ المَفْصُولَةْ) حالة كون تلك الطائفة (مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ) أي: من القرآن (مِنْ كَلِمَاتٍ) أقل الكلمات ثلاث فحينئذٍ يكون أقل الطائفة المفصولة الآية ثلاث هل هذا مفهوم معتبر، هل قوله (مِنْ كَلِمَاتٍ) معتبر لأن مفهومه أنه لا تكون الآية كلمتين ولا كلمة واحدة نقول: هذا المفهوم لا اعتبار له لقلة الآيات المؤلفة من كلمة أو كلمتين هذا قليل ولذلك نص بعضهم أن لا يوجد آية كلمة واحدة إلا {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] أليس كذلك؟ وإن ذكر السيوطي {وَالضُّحَى} ، {وَالْفَجْرِ} ،

{وَالْعَصْرِ} ، إلى آخره نقول: هذا ليس بجيد لأنه جمل وليس بكلمة.

(كَلِمَاتٍ) إذًا قد تكون كلمة وقد تكون ماذا كلمتين (مِنْهُ) أي: من القرآن.

ص: 10

إذًا علمنا حد السورة وعلمنا حد الآية يبقى السؤال هل ترتيب الآيات توقيفي أم اجتهادي ما المراد بترتيب الآيات {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 2، 4] هل يصح أن نقول مالك يوم الدين، الحمد لله رب العالمين، اهدنا الصراط المستقيم، لا يجوز بالنص والإجماع ترتيب الآيات توقيفي لا يجوز أن يقدم الآية التالية على سابقتها ولا أن تؤخر تالية على تاليها وإلا لا يجب أن تذكر الآيات على وقت المصحف العثماني الذي أجمع عليه الصحابة، إذًا ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع ولذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، ولذلك جاء في صحيح البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} قد نسختها الآية الأخرى وهذا على العكس الناسخ الأصل أنه يكون سابقًا والمنسوخ أن يكون تابعًا، وهنا ما الذي حصل؟ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] هذه سابقة أم متأخرة

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234] أيهما أسبق في القرآن؟ أيهما الأول

والوصية الثانية صحيح

هنا قال ابن الزبير: قلت لعثمان {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ - لأنها منسوخة - {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة: 240] هذه منسوخة وقلنا: النسخ هذا سبق أنه مثال للبعض لا للكل الأكثر في النسخ أن يكون لكل الحكم وهنا للبعض لماذا؟

لأنه نسخ بعض الحول وليس كل الحول لأن كان السنة اثني عشر شهرًا فصارت أربعة أشهر وعشرًا حينئذٍ صار المنسوخ بعض الحكم وليس كل الحكم وهذا يجعل مثال النسخ أو الرفع لبعض الحكم لا لكله، وقد يشتبه بالتخصيص وذكرنا الفرق في القواعد فلم تكتبها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا من مكانه. دل على ماذا؟ على أن عثمان رضي الله تعالى عنه إنما جعل في المصحف الذي سماه أو أطلق عليه: مصحف الإمام. أنه ما اتفق عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم من ترتيب الآيات فقال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا من مكانه. فحينئذٍ يكون ماذا؟ يكون توقيفيًّا.

وأما ترتيب السور بعضها تلو بعض فهذا مما وقع فيه نزاع فقيل: توقيفي. وقيل: اجتهادي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقيل قول ثالث يجمع بين القولين: بعضه توقيفي، وبعضه اجتهادي.

والأصح أن يقال: إنه توقيفي. أن ترتيب السور على الموجود الآن في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه أنه توقيفي الدليل ماذا؟

ص: 11

أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بعض السور مرتبة في صلاته، وروي أنه كان صلى الله عليه وسلم يجمع المفصل في ركعة وهذا يدل على ماذا؟ على أنه رتبه على ما هو عليه، وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء:«إنهن من العتاق الأول» . رتبها الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء وهذه هي الموجودة الآن أليس كذلك فدل على أنها توقيفي ولذلك جاء في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت آية قال:«اجعلوها» . أو «ضعوا هذه في سورة كذا في موضع كذا» . فدل على أن كل آية يُراعى لها موضعٌ ويراعى لها سورة معينة، ثم لو وقع نزاع في بعض مصاحف الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنهم يقولون يعني: ممن يحتج بكون المسألة اجتهادية اختلاف المصاحف مصحف أُبي، ومصحف ابن مسعود، ومصحف علي رضي الله تعالى عنه نقول: هذا سابق قبل الإجماع على مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما بعد ما وضع المصحف ورتبه عثمان على ما هو معلوم ومتقرر من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم نقول: كلٍّ رجع إلى مصحف عثمان. كلهم رجعوا ورتبوا مصاحفهم على مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه.

ما اختص به علم التفسير

والسُّورَةُ الطائِفَةُ المُتَرْجَمَةْ

ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ

عدد السور في المصحف مصحف عثمان كم؟ مائة وأربعة عشر سورة بالإجماع؟

قيل: بإجماع من يعتدد به. وهذا صحيح بإجماع من يعتدد به وقيل: مائة وثلاثة عشرة. وروي عن مجاهد بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة وما قيل بأنها مائة وأحد عشر بإسقاط الفاتحة والمعوذتين على مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه نقول: هذا ابن مسعود لا يُنكر كونها سورًا وإنما لم يذكر الفاتحة في مصحفه لكونها مما اشتهر أمر معلوم الكل يحفظ الفاتحة صغيرًا وكبيرًا حينئذٍ لم يذكرها في مصحفه ليس المراد بأنه أسقطها وكذلك المعوذات هذه فيها شبه أنه رقية وإلا رجع لكونها من القرآن.

ما اختص به علم التفسير

والآيةُ الطائفةُ المَفْصُولَةْ

مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ .........

أي: من القرآن (مِنْ كَلِمَاتٍ مِنْهُ) أي: من القرآن.

ما اختص به علم التفسير

........................

.............. والمَفْضُولَةْ

مِنْهُ على القَولِ بِهُ كَـ «تَبَّتِ»

والفاضِلُ الَّذْ بهِ مِنْهُ أَتَتِ

انتقل إلى مسألة إذا قيل: القرآن هو كلام الرب جل وعلا فهو صفة الخالق سبحانه وتعالى صفات المتكلم وكله معجزٌ بلفظه هذا تقرر أو لا؟

تقرر (ومِنْهُ الإعْجازُ) ومتعبد بتلاوته، يَرِدُ السؤال هل يقع بينه يعني: بين الكلام نفسه هل يقع بينه وفيه تفاضل أم لا؟

هل بعضه أفضل من بعض أو لا؟

هذه المسألة فيها خلاف هنا قال: (والمَفْضُولَةْ مِنْهُ على القَولِ بَهِ) قوله: (على القَولِ بِهِ). إشارة إلى أن بعضهم لا يقول به وهو القول الآخر وهو منسوب إلى أبي الحسن الأشعري والباقلاني وابن حبان أنهم منعوا التفضيل لا يقال: هذه السورة أفضل من هذه، ولا هذه الآية أفضل من هذه. مطلقًا لماذا؟

ص: 12

قالوا: لأن الجميع كلام الله ولئلا يوهم تَنَقُص الْمُفَضَّل عليه. لو قيل: سورة كذا أفضل من سورة كذا. إذًا الْمُفَضَّل عليه يتوهم للمتوهم أنها أدنى من تلك فقد يتبادر النقص إليها فقالوا: إذًا نمنع التفضيل بين القرآن ونقول: كله على مرتبة واحدة وكله على درجة واحدة.

هنا قال: (والمَفْضُولَةْ). هذا القول الثاني وهو إثبات كون القرآن فيه فاضل ومفضول لأنه عبر بالمفضولة، المفضول اسم مفعول أليس كذلك مأخوذ من الفضل مفضول واسم الفاعل منه: فاضلة. فاضل وفاضلة ومفضول ومفضولةٌ والسورة مفضولة وفاضلة هنا قال: (والمَفْضُولَةْ). دل على ماذا؟

على اختيار أن في القرآن فيه مفضول وفاضل (والمَفْضُولَةْ مِنْهُ) يعني: من القرآن. (على القَولِ بِهِ) بوجوده (كَـ «تَبَّتِ») يعني: كسورة تبت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].

(والفاضِلُ الَّذْ) هذه لغة في الذي، الذ بحذف الياء لغة في الذي. وأبى اللذ أوبي قال ابن مالك:(وجعل اللذ كاعتقد) يعني: وجعل الذي تعتقد. وأبى الذي أوبي حينئذٍ نقول: هذه لغة في الذي واللذ بحذف الياء (والفاضِلُ الَّذْ فيهِ) يعني: في الله عز وجل (مِنْهُ) من الله جل وعلا (أَتَتِ) أي تلك الآية أو السورة مراده أن المفضول هو كلامه تعالى في حق غيره، والفاضل هو كلام الله في الله جل وعلا كيف هذا؟

يعني ما كان متعلقًا بذاته وأسمائه وصفاته نقول: هذا أشرف من جهة المعنى مما تعلق بأبي لهب أليس كذلك؟ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] متعلق الحديث عن أبي لهب {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] متعلق الحديث عن ذات الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته أيهما أفضل من حيث المعنى؟

آية الكرسي فنقول: هذه أفضل من حيث ما تضمنته من المعاني العجيبة المتعلقة بذات الرب سبحانه وبأسمائه وصفاته، وتلك وإن كانت كلام الله عز وجل ومتعبد بتلاوتها وحصل الإعجاز بها إلا أنها من حيث المعنى ليست كتلك فالمقارنة حينئذٍ هنا مقارنة نسبية وليست مطلقة يعني لا نقارن أن {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} كلام خارجي عن كلام الرب جل وعلا حتى يُتوهم النقص وإنما نقارن بعض كلامه ببعضه الآخر فحينئذٍ {تَبَّتْ} نقول: هذه مفضولة بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى آية الكرسي مثلاً، وأما كلامه سبحانه في ذاته وأسمائه وصفاته فلا شك أنه أعلى المقامات وما دونه وهو كلامه جل وعلا في غيره هذا لا يُوهم النقص من حيث نسبته إلى الأول.

إذًا (والفاضِلُ) أي كلام الله في الله (الَّذْ) الذي (فيهِ) يعني: في الله عز وجل (مِنْهُ) أي من الله سبحانه (أَتَتِ) أي تلك الآية أو السورة فيه ومنه هذان ظرفان متعلقان بقوله: (أَتَتِ). والفاضل الذي أتت فيه منه جار ومجرور متعلق بقوله: (أَتَتِ). وأتت هذه صلة الموصول.

إذًا نقول: اختلف أهل العلم في ماذا؟ في هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ نقول: على قولين:

ص: 13

الأول: الذين منعوا، وهذا منسوب إلى: أبي الحسن الأشعري، والباقلاني وغيره ونسب للإمام مالك رحمه الله تعالى لذلك كره أن تردد الآيات دون غيرها في الصلاة لا تمسك آية واحدة {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] كل يوم في {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} لماذا؟ لأنه يُوهم أن هذه أفضل من غيرها لأن الإنسان لا تخصيص لمكان أو زمان أو مقروء إلا وثم اعتقاد فيه، فحينئذٍ لو خصص بعض الآيات دون بعض حينئذٍ يوهم أن هذه الآيات لها مزية عن غيرها وهذا قد يتبادر إلى الذهن خاصةً عند العوام قد يتبادر إلى الذهن ماذا؟ أنها أفضل وأن غيرها ليس بأفضل يتوهم ماذا؟ يتوهم النقص، لذلك قال بعضهم: لا فضل لبعض على بعض. لأن الكل كلام الله سبحانه رُوِيَ معناه عن مالك قال يحيى بن أبي يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ. لا يجوز أن يقال: بعض القرآن أفضل من بعض لماذا؟ قال: لأن الأفضل يُشعر بنقص المفضول وكلام الله حقيقةً واحدةً لا نقص فيه. وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث ثم اختلفوا فقيل: الفضل راجع إلى عظم الأجر والثواب يعني المرتب على قراءة الآيات ومضاعفة الثواب، وقيل: بل يرجع لذات اللفظ وهذا أصح مع عدم مخالفة الأول يعني: التفضيل راجع لذات اللفظ لما يتضمنه من المعاني العجيبة كالمتعلق بأسماء الرب جل وعلا فالتفضيل حينئذٍ يكون بماذا؟

يكون بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة قال بعض العلماء معلقًا على هذا الاختلاف يقول رحمه الله: والعجب ممن يذكر الخلاف - وقد ذكرته من باب التعليم فقط - والعجب ممن يذكر الخلاف في ذلك بعض ورود النصوص عن صاحب الشريعة بالتفضيل. حينئذٍ إذا جاءت النصوص واضحة بينة صريحة في تفضيل بعض القرآن على بعض كيف يرد الخلاف فيقال: لا تفضيل ومن فضل فقد أخطأ؟ نقول: من منع التفضيل فقد أخطأ لماذا؟ لورود النصوص الكثيرة التي جاءت في الصحيحين وفي غيره جاء حديث البخاري: «إني لأعلمك سورةً هي أعظم» أعظم تفضيل إذًا أعظم سورةٍ في القرآن ما هي؟ {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] من قال هذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم، إذًا إذا فضل النبي صلى الله عليه وسلم بعض السور على بعض هل نقول: من فضل بعض القرآن على بعض لقد أخطأ؟

ص: 14

لا، حينئذٍ نقول: العجب ممن يحكي الخلاف لورود التفضيل من صاحب الشريعة «إني لأعلمك سورةً هي أعظم سور في القرآن» . قال: ما هي؟ قال: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. والحديث أُبَيّ بن كعب في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي آية في كتاب الله أعظم» هناك تفضيل في السور وهنا في الآيات «أي آية في كتاب الله أعظم» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. هذا من باب الأدب قال: «يا أُبي أتدري أي آية في كتاب الله أعظم» ؟ قال: قلت {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قال: فضرب الله على صدري أو في صدري وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» . إذًا الأحاديث الواردة في فضائل القرآن كلها - وما أكثره - صنف العلماء كتبًا مفردة في فضائل القرآن فكل حديث وارد في فضائل القرآن في بعض السور أو في بعض الآيات كما هو في العشر الأوائل من سورة الكهف أو في الأواخر تقول: كل حديث دل على ذلك فهو دليل على جواز التفضيل ويُنْكَرَ على مَنْ أَنْكَر التفضيل بل الصواب أنه يفاضل بعض بين القرآن بعضه من بعض، ولذلك ما تضمنته آيات الأحكام هل هو مثل القصص؟

الجواب: لا، لا شك في ذلك لا يمكن أن يقارن آيات تضمنت أصول المعتقد مع آيات جاءت في ماذا؟ في بيان بعض القصص ولا يمكن أن يفضل أو يقارن بين آيات تضمنت أحكام عظيمة في الشريعة كلية قواعد عامة مع غيرها مما تضمن على بعض أو جزئيات الشرعية، إذًا التفضيل ثابت ولا شك فيه (والمَفْضُولَةْ مِنْهُ) من القرآن (على القَولِ بِهِ) على القول بوجوده (كَـ «تَبَّتِ») كسورة تبت (والفاضِلُ الَّذْ فيهِ مِنْهُ أَتَتِ) العلماء يذكرون مثالاً واحدًا تبت والإخلاص لماذا؟ هكذا في (البرهان) و (الإتقان) وغيرهم، وبعضهم يقول: لا تقرأ (تبت) في الصلاة ولا تقول (عبس) لا تقرأ (عبس). سمعت بعض المعاصرين يذم من يقرأ عبس في الصلاة كيف {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1] هذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله! إذًا نقول: لماذا قارنوا بين تبت والإخلاص؟ لأن تبت لم نجد فيها فضل والإخلاص ورد فيها فضل وأنها تعدل ثلث القرآن.

ثم قال: ما اختص به علم التفسير

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ

قِراءَةٌ بِهِ وأَنْ يُتَرْجَمُ

هذا البيت فيه إشكال من جهة أن بعض النسخ أثبتت (بِهِ) قبل الواو وبعضها أثبتته بعد (أَنْ)، (قِراءَةٌ بِهِ وأَنْ يُتَرْجَمُ)، (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ) هذا جار ومجرور (بِغَيْرِ) جار ومجرور متعلق بقوله (قِراءَةٌ) يعني: تحرم قراءةٌ (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ)(تَحْرُمُ) هذا فعل مضارع (قِراءَةٌ) هذا فاعله (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (قِراءَةٌ). لأنه مصدر.

(بِهِ وأَنْ يُتَرْجَمُ)، (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) أيهما أولى؟

ص: 15

بدليل هذا أولى لقاعدة كذا؟ (قِراءَةٌ بِهِ وأَنْ يُتَرْجَمُ) بِهِ لو قيل (بِغَيْرِ) أنه جار ومجرور متعلق بقراءة حينئذ (بِهِ) صار لا وجه له فحينئذٍ يتعين تأخير بعد (أَنْ)، (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) لو جعلنا ماذا؟ (بِغَيْرِ) جار ومجرور متعلق بقوله:(قِراءَةٌ). ولفظ توجيه وتخريج يمكن أن يقال: (بِغَيْرِ) الباء حرف جر زائد وغير مبتدأ (تَحْرُمُ قِراءَةٌ بِه) قراءة هذا فاعل تحرم، و (بِه) الضمير يعود على (غَيْر لَفْظِ العَرَبِيِّ) والجملة حينئذٍ تكون خبرًا للمبتدأ غير وحينئذٍ لا نقول:(بِغَيْرِ) جار ومجرور متعلق بقراءة فلما جعلنا الباء هنا مثل بحسبك درهمٌ الباء حرف جر زائد، وحسب مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفع بضمة مقدرة، إذًا الباء هنا لا نحتاج إلى متعلق لتتعلق به لماذا؟ لأن الذي يكون حرف جر زائد أو شبيه بالزائد لا يحتاج إلى متعلق وإنما الذي يكون أو يفتقر إلى متعلق يتعلق به هو حرف الجر الأصلي حينئذٍ لو جعلنا الباء حرف جر أصلي لا بد من متعلق وهو قراءة، وإذا كان:(قِراءَةٌ). هو متعلق بغير فكذا قوله: (بِهِ). وإذا جعلنا (بِغَيْرِ) أنه مبتدأ غير مبتدأ مرفوع بالابتداء والباء حرف جر جائز أين خبره (تَحْرُمُ قِراءَةٌ) فعل فاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، يُشترط في الجملة في الواقعة خبرًا اشتمالها على ضمير أين الضمير في قوله:(تَحْرُمُ قِراءَةٌ). ليس عندنا قبل (بِهِ)(تَحْرُمُ قِراءَةٌ) ليس عندنا ضمير يعود إلى المبتدأ فقيل: (بِهِ). الضمير يعود على غير اللفظ العربي فاستقام الكلام.

وإن جعلنا (بِغَيْرِ) هذا الجار والمجرور أصلي حرف جار أصلي حينئذٍ يتعلق بالقراءة وبه صار حشرٌ والأولى تأخيره على النصف الثاني (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ).

إذا قيل: (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) فيه إشكالات:

الأول: الفصل بين أن ومعمولها، هل يجوز أو لا يجوز ثم (أَنْ) هذا حرف مصدر لفظي كيف يقال:(يُتَرْجَمُ) هذا مثل {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي} [الشعراء: 82] يغفرَ لا بد أن يكون منصوبًا، فجواب (أن به يترجم)، حينئذٍ نقول: إذا عرضنا عن هذه النسخة وفي ظني أنها أولى (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) نقول اختلف أهل العربية في جواز الفصل بين أن المصدرية ومعمولها بالظرف والشبه.

هذا محل نزاع هل يجوز أو لا يجوز.

إذا قيل أريد أن أقعدَ في الدار أو في المسجد، أريد أن أقعدَ في المسجد.

ص: 16

أريد: هذا فعل، أن: حرف مصدر، أقعدَ: هذا فعل مضارع منصوب بأن، في المسجد: حال متعلق بأقعد. هل يصح أن أقول: أريد أن في المسجد أقعدَ أو لا؟ يعني الفصل بين أن والفعل بين معمولٍ ومعمولها الذي هو معمول أن الذي هو الفعل، أقعد هذا معمول أن تعلق به في المسجد هل يجوز الفصل بين أن ومفهومها هذا محل نزاع، بعضهم جوزه في السعة يعني في الاختيار، ومذهب المصريين منهم أنه يجوز في الضرورة فقط وأما في الاختيار فلا يجوز الفصل بين أن ومدخولها مطلقًا سواءً كان في الظرف أو الجار والمجرور أو غيره فحينئذٍ لا يجوز أن يقال في النثر يعني: في الاختيار والسعة: أريد أن في المسجد أقعد هذا باطل لا يصح لأن أن المصدرية هذه متصلة بمدخولها وهو موصولها فيلزم حينئذٍ أن يكون تاليًا لها ولا يفصل عنها بأي كان سواءٌ كان اسمًا ظاهرًا أو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا وهذا مذهب سيبويه وهو مذهب البصريين، وعليه:

(وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) جائزٌ أو لا؟ جائز لأنه في مقام ضرورة ليس في النثر ليس في الاختيار، حينئذٍ صار ضرورة إذا قيل ضرورة مرادهم الشعر وليس مرادهم النثر في الاختيار إذا قيل في الاختيار مرادهم النسخ والضرورة أو في غير الاختيار مرادهم الشعر وهنا جاز حينئذٍ على مذهب البصريين قاطبة (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ)، جائز ولا إشكال فيه إذًا حل الإشكال أو لا؟ حل الإشكال.

(وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ). هذا جائزٌ لأنه باب الضرورة وفي غير الاختيار.

يترجم: بالرفع ليست منصوبة وهذا الإشكال الأصل وأن به يترجمَ أن حرف يعمل نصب ينصب ويترجمَ أريد أن في الدار أو في المسجد أقعدَ؟ أريد أن في المسجد أقعدَ بالنصب على أنه معمول أن هنا أيضًا الأصل أنه يترجمَ (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ):

ما اختص به علم التفسير

وبعضهم أهمل (أن) حملاً على

(ما) أختها حيث استحقت عملت

هذا على قول بعض أهل العرب أنه إذا وجدت (أن) يجوز إعمالها ويجوز إهمالها.

أريد أن أقعدَ أن أقعدٌ بالنصب والرفع وهو مقيسٌ عند ابن مالك رحمه الله

وبعضهم يعني: بعض العرب، وبعضهم أهمل أن يعني لا يعملها النصب أهمل أن حملاً على ما أختها ما المصدرية، لأن ما المصدرية هذه لا تعمل النصب وأن المصدرية تعمل النصب بعضهم حمل ما المصدرية على أن فأعملها وهو شاذ، وبعضهم حمل أن المصدرية على ماذا؟ على ما المصدرية فأبطل عملها أهملها فصارت حرفًا مهملاً، إذًا هنا:(وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ). نقول هذا جائزٌ لغةً لماذا؟ حمل أن المصدرية على ما المصدرية لأن ما المصدرية لا تعمل وأن الأصل فيها أنها تعمل ولو وجب إعمالها حيث استحقت عملاً، يعني: ما المصدرية هذا الأصل، ولو وجد شرط تحقق نصب أن المصدرية وعدم تركها بعلمٍ ولا ضمنٍ نقول يجوز الإهمال (لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233]. قراءة ابن محيصن (يُتِمُّ)(أَرَادَ أَن يُتِمُّ) أن حرف مصدر يتمُّ فعل مضارع مرفوع كيف رفع وأن سبقته أليس هو مثل {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي} [الشعراء: 82] هذا مثله لا شك إنه مثله لكن هنالك نصب وهنا أهمل وكلاهما جائز ومقيس في لغة العرب.

ما اختص به علم التفسير

ص: 17

أن تقرءان على أسماء ويحكما

مني السلام وأن لا تشعرا أحدا

أن تقرءان، تقرءان: النون ثابتة أو لا؟ ثابتة والأصل أن تقرءا هذا مذهب البصريين وعند الكوفيين لا يجوز فحينئذٍ تكون أن مخففةً من الثقلية. إذًا قوله: (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) فيه إشكالان وقد وجد الحلان الحمد لله (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) الفرق بين أن المصدرية معمولها بمعمول المعمول، ما هو معمول أن؟ الفعل ترجم ما معمول المعمول (بِهِ) حصل الفصل بين (أَنْ) ومعمولها وهو جائزٌ في الضرورة وهو مذهب البصريين، وبعضهم جوزه مطلقًا يعني في النثر وفي الضرورة (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) بالرفع نقول هذا أيضًا جائزٌ ومقيس كما هو مذهب ابن مالك رحمه الله تعالى وإلا الأصح والأحسن نقول الأصح لو قيل (قراءة به وأن يترجم) لا إشكال وبعض النسخ فيه شرح التفسير هكذا (قراءة به وأن يترجم)، على جعل (بِغَيْرِ) الباء حرف جر زائد وليس بأصلي فلا يحتاج إلى متعلق، وحينئذٍ لو قيل (بِغَيْرِ) متعلقٍ بقراءة حينئذٍ نقول:(قِراءَةٌ وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) وهذا أحسن.

ما اختص به علم التفسير

بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ

قِراءَةٌ وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ

يعني مراده أنه لا يجوز ويحرم قراءة بغير اللفظ العربي (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على ماذا؟ يحتمل أنه على (قِراءَةٌ) ويحتمل أنه على عطف على (غَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ) إن عطفناه على الأول (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ) صار من عطف التفسير وإن عطفناه على الآخر (قِراءَةٌ) فاعل صار العطف مغايرًا، وأيهما أولى؟

الثاني عطف المغايرة هو الأصل وإذا تردد أن يكون بين عطف التفسير وعطف المغايرة حمل على الثاني، (وأَنْ بِهِ يُتَرْجَمُ) المصدر المنسبك عطفٌ على (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ) عطف تفسير ويدل عطفه على (قِراءَةٌ) المعنى المراد بهذا البيت أنه يحرم قراءة القرآن بغير اللفظ العربي وبالمترجم به، وعلى الثاني نقول: يحرم قراءة القرآن بغير اللفظ العربي وترجمته، تحرم الترجمة وتحرف القراءة بغير اللفظ العربي.

هذه المسألة وقع فيها نزاع عند بعضهم وكان الخلاف ليس بواقع وإنما هو متصور أو متوهم لكن هذا يمكن رده بالحدِّ، نقول: القرآن ما هو؟ كلام الله المنزل على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المعجز بلفظه. إذًا هو كلام الله ألفاظه وحروفه ومعانيه وتراكيبه وجمله وسوره وآياته من أين؟ من الله جل وعلا

(المُنْزِلُ) إذًا هذا مكان محلها منزلةٌ وإذا ترجم القرآن بلغةٍ أخرى قبل أن ندخل في التفاصيل نقول إذا ترجم القرآن بالفارسية مثلاً هل المترجم هو القرآن؟

نقول: القرآن هو كلام الله المنزل إذا قال: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ}

[البقرة: 1، 2] أتى بكل كلمة ما يرادفها بالفارسية مثلاً أو الانجليزية أو الفرنسية، الكلام الإنجليزي هذا الذي ترجم به القرآن، الانجليزي هذا هل هو منزل من عند الرب جل وعلا؟

لا، بل الأمر واضح ولا يحتاج إلى كثير إعمال ذهن، حينئذٍ لو قيل بجواز ترجمة القرآن إلى لغةٍ أخرى بأن يُجعل كل لفظٍ مرادفٍ للفظ آخر في لغةٍ أخرى لبطل كونه قرآنًا لماذا؟

ص: 18

لانتفاء كونه كلام الرب جل وعلا وإنما ينسب إلى قائله، ثم انتفاء كونه معجزًا، ثم انتفاء كونه منزل من عند الرب جل وعلا.

إذًا لم ينطبق عليه الحد، فكل دعوى إلى ترجمة القرآن ترجمة حرفية بأن يُجعل بإيذاء كل كلمة في القرآن كلمة أخرى من لغةٍ أجنبية ونحوها نقول: هذا يبطله تعريف القرآن السابق، وحينئذٍ لا نحتاج إلى دخول في تفاصيل.

إذًا نقول: المعنى الذي دل عليه البيت السابق هو أنه يحرم قراءة القرآن بغير اللفظ العربي وبالمترجم به.

الترجمة ما المراد بالترجمة؟ قال في القاموس: التُّرجمان المفسر للكلام، وقد ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر، وقيل: نقله من لغة إلى لغة أخرى.

إذًا نقول: الترجمة في اللغة تأتي بمعنى التفسير والبيان والإيضاح وتأتي بمعنى النقل. الترجمة التي يمكن أن تكون داخلة معنا هنا في البحث نوعان:

ترجمة حرفية.

وترجمة تفسيرية معنوية.

الترجمة التفسيرية المعنوية هذه تتعلق بالمعنى فقط دون اللفظ فيُشرح المعنى بلغة أخرى من غير تقييد بحرفية اللفظ. يعني: يأتي إلى مراد من آية فيقول: المراد بهذه الآية كيت وكيت بلسان آخر غير عربي هذه تسمى ماذا؟

ترجمة تفسيرية معنوية أن يترجم وينقل المعنى الذي دل عليه القرآن يترجمه إلى لغة أخرى من غير أن يتقيد بترتيب الآيات ولا الكلمات.

الترجمة الحرفية هي: إبدال لفظ الأصل بلفظ آخر مرادف له باللغة أخرى. يأتي {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]{الْحَمْدُ} في لغة العرب الحمد يأتي بالفارسية يقول: كذا. {للهِ} هذا في العربية يأتي بالفارسية يقول: كذا {رَبِّ} في العربية يأتي بمرادفها في الفارسية {الْعَالَمِينَ} يأتي بمرادفها في الفارسية فتكون هذه ترجمة ماذا؟ حرفية نقل كل كلمة من العربية إلى الفارسية نقول: هذه ترجمة حرفية. والتفسيرية المعنوية ينظر إلى المعنى دون أن يتقيد، تقول: وصف الرب جل وعلا بالربوبية وأنه رب للعالمين يأتي بهذا المعنى فيترجمه إلى لغة أخرى نقول: هذه ترجمة تفسيرية معنوية.

نقول: ترجمة القرآن ترجمةً حرفية محالةٌ وغير ممكنة ولا مقدور عليها. هذا محال يستحيل أن يترجم القرآن حرفًا حَرفًا بلغة أخرى ولذلك ما نقل أبي حنيفة رحمه الله بأنه أجاز قراءة القرآن بالفارسية مطلقًا سواء كان في الصلاة أو في غيرها لمن أحسن العربية أو غيرها هذا رُدَّ عليه مع صحة رجوعه رحمه الله عن هذا القول، رُدَّ عليه بأنه لو جاز الترجمة الحرفية لخرج عن كونه قرآنًا وهذا يكفي في إبطال هذا القول، لو جازت الترجمة الحرفية لخرج عن كونه قرآنًا لأن القرآن ماذا؟ نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء: 195] ولذلك جاء {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً} [فصلت: 44] وهذا يدل على ماذا؟ على أنه لا يمكن أن يكون ماذا؟ أن يكون أعجميًا حينئذٍ ما نُسب إلى أبي حنيفة أنه يجوز قراءة القرآن بالفارسية كان في أول أمره ثم رجع، وأما أبو يوسف فقيده بأن لم يحسن العربية لكن ما ذكرناه هو أصح.

ص: 19

إذًا نقول: فترجمة القرآن ترجمة حرفية محالةً وغير ممكنة ولا مقدورة أو مقدور عليها والعلماء متفقون على عدم إمكانها فضلاً عن وقوعها، يعني: لا تتصور عقلاً فضلاً عن هل وقعت أم لا؟ ولهذا قال القفال الشاشي رحمه الله: عندي أنه لا يقدر أحدًا أن يأتي بالقرآن بالفارسية. لماذا؟ قال: لأنه إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله جل وعلا وإنما إن جاء فإنما يكون ببعض. وأحسن من هذا أن يقال: إنه يخرجه عن كونه قرآنًا، وعن كون معجزًا، وعن كونه متعبد بتلاوته لأنه إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله الرب جل وعلا فإن الترجمة - هكذا قال - إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها وذلك غير ممكن إذًا نقول: الخلاصة القراءة بغير اللسان عربي غير متصور عقلاً فضلاً عن كونه واقعًا أو ليس بواقع، فظهر من هذا كما قال الزركشي فظهر من هذا أن الخلاف في جواز قراءته بالفارسية لا يتحقق لعدم إمكان تصوره لأن في كتب الفروع يذكرون هذه المسألة إذا ذكروا الفاتحة وأنها ركن هل يجوز قراءتها الفارسية أو لا؟

هذا خلاف غريب جدًا هل يجوز قراءته بالفارسية أو لا؟ فمنهم من يقول: جائز. ومنهم من يقول: لو جاز بطلت صلاته. وبضعهم يقول: فسدت الصلاة. وبعضهم يقول: جائز لمن لا يحسن. نقول: هذا الخلاف باطل من أصله لماذا؟ لأنه لو نقل بالفارسية لخرج عن كونه قرآنًا صار متكلمًا بكلام ليس من جنس الصلاة فبطلت صلاته {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [يوسف: 2] وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً} [فصلت: 44]. قال الزركشي رحمه الله تعالى في (البرهان): واستقر الإجماع على أنه تجب قراءة القرآن على هيأته التي يتعلق بها الإعجاز لنقص الترجمة عنه ولنقص غيره من الألسن عن البيان الذي اختص به دون سائر الألسنة. وعبر عن هذا المعنى ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلاً. إذا قيل: غير ممكن. يعني: لا يتصور في العقل فضلاً عن كونه موجودًا في الواقع أم لا. فالنفي هنا نفي للإمكان وللتصور فضلاً عن كونه واقعًا أو ليس بواقعٍ.

أما الترجمة التفسيرية المعنوية فهي كما ذكرناه سابقًا أن يأتي إلى المعنى فيأخذ المعنى ويترجمه إلى لغة أخرى هذا أيضًا فيه تفصيل ليس على إطلاقه منعًا ولا جوازًا، وأما الترجمة التفسيرية المعنوية من أجل العمل فجائزة وقيدها بعضهم كالزركشي في (البرهان) للضرورة يعني: المعنى معاني القرآن يفسر بلغة بلسان غير عربي للضرورة لماذا؟ لما سيأتي إن شاء الله وهذا على ما مشى عليه كثير من عدم التفريق بين التفسيرية والمعنوية والأحسن أن يقال: ثّمَّ فرق بين التفسيرية والمعنوية. قال الشاطبي في الموافقات بعد أن قسم لنا معاني القرآن إلى نوعين:

معانٍ أصلية.

ومعانٍ ثانوية.

لأنه يطلق القول فيقال: الترجمة المعنوية للقرآن جائزة، وهذا يطلقه البعض لكن هذا ليس على إطلاقه لأن المعنى الذي دلّ عليه القرآن نوعان:

معانٍ أصلية.

ومعانٍ ثانوية فرعية.

ص: 20

المعاني الأصلية المراد بها: التي يستوي في فهما كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة والمركبة وأساليب تركيب المعرفة العامة إجمالية يعرف أن سورة الفاتحة تبحث في ماذا؟ تبحث في إثبات الربوبية جل وعلا، وإثبات الألوهية، وإثبات الأسماء والصفات، إذًا هذا فهم عام.

وأما المعاني الثانوية هي: خصائص اللسان العربي التي يرتفع بها شأن كلام مما يتعلق بعلوم البيان والمعاني والبديع ما يمسى عندهم بخواص التراكيب.

إذًا ثَمَّ معنى أصلي يستوي في فهمه سواء كان متعلمًا أو مدركًا لما يدرك به خصائص التراكيب أو لا، يعني يستوي فيه العامي الذي عنده نوع بيان وغيره، وثَمَّ معانٍ في القرآن ثانوية لا تدرك إلا بعمق وتدبر ونظر في كلام العرب أولاً ثم من القرآن حتى تستنبط هذه المعاني من تقديم وتأخير وحذف واستعارة وكناية ومجاز وحقيقة إلى آخره كونه مشتركًا لفظيًا أو مشتركًا معنويًا إلى آخره فنقول: هذه خواص التراكيب التي لا تدرك إلا بالبيان ولا تدرك إلا بالبديع والمعاني وإلا تدرك إلا بالتعمق والرسوخ في لغة العرب هذه لا يمكن ترجمتها، وإنما تتعلق الترجمة بالمعاني الأصلية فقط لذلك قال الزمخشري: إن في لسان العرب. أو قال: كلام العرب من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان. يعني: لسان العرب يدل على معانٍ ولطائف وخصائص تتعلق بالتراكيب هذه الخصائص وهذه المعاني الخاصة واللطائف التي تؤخذ من لسان عربي لا يمكن أن يقوم مقام اللسان العربي لسان آخر حينئذٍ تتعذر الترجمة لمعاني القرآن الثانوية كما تعذرت ترجمة القرآن ترجمة حرفية تتعذر أيضًا عقلاً ولا يتصور ترجمة ماذا؟ المعاني الثانوية، وهذا النوع من المعاني الثانوية غير مقدور عليه في ترجمة القرآن لأنه لا يفي بحقها أي لسان غير اللسان العربي لأن أي لغة لا تحمل تلك الخواص كل لغة لا تحمل تلك الخواص.

أما القسم الأول وهو المعاني الأصلية فهي التي يمكن نقلها إلى لغة أخرى قال الشاطبي رحمه الله الشاطبي بحث هذه المسألة في (الموافقات) بحث نفيس -: إن ترجمة القرآن على الوجه الأول - ويعني به النوع الأول المعاني الأصلية - ممكن إن ترجمة القرآن على الوجه الأول - وهو المعاني الأصلية العامة التي يشترك في فهمها الكل - ممكنٌ ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معانيه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي.

إذًا عرفنا أنه لا بد من التفريق في القول بأنه يصح ترجمة معاني القرآن بين المعاني الأصلية والمعاني الثانوية، المعاني الثانوية هذه كالترجمة الحرفية لماذا؟ لأنه كما لا يقوم حرف مقام حرفٍ كذلك لا يقوم حرفٌ من لسان غير عربي في مقابلة معنى ثانوي إذا صار متعذرًا بقي ماذا؟ المعاني الأصلية وهل كل معنى أصلي يصح ترجمته أو لا هذا أيضًا فيه تفصيل.

الترجمة التفسيرية أن يفسر القرآن ثم يترجم هذا التفسير فإن هذا يكون ترجمة تفسير القرآن فيبين الكلام بلغة أخرى ولا بأس بذلك لماذا؟

ص: 21

لأن شرط لزوم الرسالة البلاغ، الكفار مثلاً والعجم لا يمكن أن نقيم الحجة عليهم إلا بالبلاغ يعني: بلاغ ماذا؟ بلاغ الرسالة فإذا تعذرت الترجمة الحرفية وتعذرت الترجمة للمعنى الثانوي حينئذ لو مُنع الترجمة التفسيرية كيف يصل إليهم البلاغ؟

إذًا لذلك جاءت كلمة الزركشي أنه يصح ترجمة المعنى للضرورة ويقصد هذا المعنى وهو أنه لتعذر الترجمة الحرفية وتعذر ترجمة المعنى الثانوي حينئذٍ لا بد من النظر في تفسير القرآن فيفسر القرآن ثم يترجم هذا التفسير لماذا؟

لأنه لا بد من إبلاغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والشريعة إلى الكفار وأما العرب فواضح لأنه بلسانهم نزل القرآن وما عداهم من العجم لا بد من تبليغهم الرسالة ولا يمكن إلا بترجمة تفسير القرآن لأنه واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فصار تفسير القرآن حينئذٍ وترجمته واجبة، إذًا لأن شرط لزوم الرسالة البلاغ وامتنع يعني: إذا امتنع ترجمة القرآن ترجمةً حرفية وامتنع ترجمة المعاني الثانوية ومع جواز ترجمة المعاني الأصلية إلا أن فيها بعض الفساد والخطأ يعني إذا قيل بجواز ترجمة المعاني الأصلية الكلية هذا أيضًا يقع فيه بعض الخطأ من حيث

ماذا؟ من حيث الْمُتَرْجِم ومن حيث اللغة الْمُتَرْجَم إليها يحتمل الخطأ أو لا؟

يحتمل الخطأ، والخطأ هنا ليس بالشيء الهين إذا تُرجم قصد أو قلنا المعاني الأصلية بمعنى أصول الشريعة الكلية والقواعد العامة فإذا ترجمت قاعدة وهي خطأ وأصل في الشرع وهو خطأ لسبق فهم الْمُتَرْجِم أو ظن أن هذه اللغة الْمُتَرْجَم إليها تفي بهذا المعنى الأصلي نقول: هذا فساد وهذا خطأ. ولذلك سيأتي أنه يشترط في الترجمة شروط أربعة فلم يبق إلا أن يُترجم تفسير القرآن الترجمة المعنوية يأخذ المترجم معاني القرآن وينقلها إلى لغة أخرى فيقول: معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية.

وأما الترجمة التفسيرية فالمفسر يذكر فهمه الخاص للآية فيقول: يعني كذا. ثم يُتَرْجِم هذا المعنى هذا على قول من فرق .. الأكثر من المتقدمين على أن التفسيرية هي المعنوية ولا إشكال في ذلك وبعض المعاصرين يفرق بين التفسيرية والمعنوية، فيجعل المعنوية أن يقال معنى هذه الكلمة أو الآية كيت وكيت فيأتي بمرادفاتها في اللغة الأخرى، والتفسيرية يفسر القرآن بفهم المفسر خاصةً يتكلم عن هذه السورة بكلام واضح بين، إذًا صار شبه منفك عن ألفاظ القرآن ثم يأتي المترجم يترجم هذا التفسير بفهم خاص حينئذٍ يحتمل الخطأ أيضًا لماذا؟

لكونه عن اجتهاد، وإذا كان اجتهادًا لأن التفسير الخاص الذي يعبر عن الفهم الخاص هذا يحتمل الخطأ، ولذلك إذا قيل بالجواز لا بد أن يضيق هذا المقام لا يفتح يضيق مقام ترجمة القرآن فيقال: إذا قيل بالجواز في المعاني الأصلية أما الثانوية فالمنع والحرفية فالمنع. فحينئذٍ لا بد من شروط:

ص: 22

الأول: أن لا تجعل الترجمة بديلاً عن القرآن فلا يؤخذ هذا كتاب ترجمة سورة البقرة ثم يصير منفكًا ومنفصلاً حينئذٍ يؤدي إلى الاشتغال بماذا؟ بالترجمة أو الكلام المترجم بلغة أخرى عن القرآن، وهذا ينافي أصلاً من أصول تنزيل القرآن لأنه متعبد بتلاوته والإعجاز حاصل بلفظه، وإنما يكون هذا من باب التقريب ولذلك قيض الزركشي أيضًا في هذا المعنى ترجمة القرآن قال: يترجم له ما لا بد منه، ثم يؤمر بتعلم لسان العرب. يعني: لا يؤتى كل الدين من أوله إلى آخره يترجم القرآن من أوله إلى آخره لا تؤخذ الأصول العامة فتترجم ثم يقال له: هذا هو الإسلام فيسلم فيؤمر بتعلم لسان العربي لإدراك ما لم يترجم له، وهذا القيد أيضًا لا بد منه. إذًا أن لا تجعل هذا الكتاب المترجم بديلاً عن القرآن.

الثاني: أن يكون الْمُتَرْجِمُ عالِمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين إفرادًا وتركيبًا، اللغة العربية واللغة المترجم إليها لا بد أن يكون عالمًا بمدلول هذه الألفاظ متعمقًا في فهم معانيها إفرادًا وتركيبًا.

الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية يعرف معنى التوحيد توحيد الأسماء والصفات توحيد الألوهية توحيد الربوبية إذا لم يكن عالمًا ففسر توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية هذا ماذا صنع؟ لم يصنع شيئًا هذا، الكافر يعرف أنه لا رب إلا الله لكن لا يعرف أنه لا معبود بحق إلا الله عز وجل حينئذٍ لو فسر له ترجم له توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ولم يكن عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية فقد أفسد.

الرابع: أن يكون الْمُتَرْجِمُ مسلمًا مستقيمًا في دينه مأمومًا لا بد من هذه الشروط الأربعة حينئذٍ يكون باب الترجمة قد ضيق على أصحابه، ويكون الذي يُتَرْجَم إذا أردنا الخلاصة الذي يمكن ترجمته هو بعض المعاني الأصلية لا كل المعاني الأصلية.

إذًا (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ قِراءَةٌ بِهِ)، (تَحْرُمُ) هذا مطلقًا سواء كان خارج الصلاة أو داخلها أحسن العربية أم لا (قِراءَةٌ بِهِ) أي: بغير اللفظ العربي أيًّا كان بالفارسية بالإنجليزية بالفرنسية

إلى آخره أيًّا كان وكانوا يمثلون بالفارسية.

(وأَنْ يُتَرْجَمُ) يعني: تحرم ترجمة القرآن تحرم القراءة بترجمة القرآن.

ما اختص به علم التفسير

كذاكَ بالْمَعْنَى، وأَنْ يُفَسَّرا

بالرأَيِ لا تَأْوِيْلَهُ فَحَرِّرَا

(كذاكَ بالمَعْنَى) كذاك أي: مثل ذاك التحريم وهو تحريم ماذا؟ تحريم القراءة بغير اللسان العربي وتحريم الترجمة (كذاكَ بالْمَعْنَى) كذاك تحريم قراءته بالمعنى، يعني لا تقرأ القرآن بالمعنى كما يروى الحديث بالمعنى ما دليله؟

ما رأيكم هل يجوز قراءة القرآن بالمعنى؟

أخرجه عن كونه قرآنًا، امسك بالحد أخرجه عن كونه قرآنًا فإذا جاز في الحديث لأن الحديث لسنا متعبدين بألفاظه ففرق بين القرآن والحديث، لذلك ذكرنا فروقًا بين الحديث القدسي على قول بأنه من كلام الرب جل وعلا، وأما الحديث النبوي الذي ليس منزلاً وإنما هو ابتداءً وإنشاءً من النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز روايته بالمعنى على قول الأكثرين.

ص: 23

(كذاكَ بالْمَعْنَى) أي يحرم قراءة القرآن بالمعنى فإذا لم تجز قراءته بالمعنى الذي هو تفسير بالعربي لمسائل التحدي نقول: لا يجوز أن يُقرأ بالمعنى أليس كذلك؟ لا يجوز أن يقرأ القرآن بالمعنى وإذا قرأناه بالمعنى نقرأه بلسان عربي أليس كذلك؟ فإذا امتنع وحرم قراءته بلسان عربي والمراد به المعنى فقراءته بلسان غير عربي من باب أولى وأحرى، فنجعل تحريم قراءة القرآن بالمعنى دليلاً على تحريم الترجمة في الجملة أليس كذلك؟ واضح هذا الدليل؟

نقول: يحرم قراءة القرآن بالمعنى وإذا قرأناه بالمعنى الكلام هنا متخصص بالعرب فحينئذٍ العربي صاحب اللسان العربي يحرم عليه أن يقرأ القرآن بالمعنى فإذا حرم عليه قراءة القرآن بالمعنى وقد قرأه بلسان عربي فمن بابٍ أولى وأحرى أن يحرم عليه قراءته بلسان غير عربي. فتجعل التحريم هنا دليلاً على التحريم السابق. (كذاكَ بالْمَعْنَى) أي: مثل ذاك التحريم تحريم قراءته بالمعنى.

(وأَنْ يُفَسَّرا بالرأَيِ) يعني يحرم تفسير القرآن بالرأي، ما المراد بالرأي هنا؟ الفكر والنظر ابتدائي يعني: يسمع آية، يسمع سورة، يسمع شيء معين من القرآن فيقول: مراد الله به كذا. دون أن يرجع إلى التفسير سواء كان تفسير النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو عالم بقواعد اللغة ونحو ذلك (وأَنْ يُفَسَّرا) الألف هذه للإطلاق يعني: ويحرم تفسير القرآن بالرأي لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» . رواه أبو داوود، والترمذي وحسنه. ولقوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]. هذه عامة في التفسير وفي غيره كل الشريعة {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} كل إنسان لا يعلم شيئًا الله أعلم {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فإذا قال: مراد الله جل وعلا بهذه الآية. وكان ابتداءً من رأيه دون الرجوع إلى قواعد التفسير نقول: قد قال على الله ما لا يعلم.

(وأَنْ يُفَسَّرا بالرأَيِ لا تَأْوِيْلَهُ فَحَرِّرَا)(لا تَأْوِيْلَهُ) بالرأي لأن الاستدراك هنا (وأَنْ يُفَسَّرا بالرأَيِ لا تَأْوِيْلَهُ) يعني: بالرأي. لأن الرأي رأيان:

صحيح، وفاسد.

صحيح إذا اعتمد على قواعد التفسير والمفسرين، وفاسد إذا كان متبعًا لهواه.

{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] الرافضة يقولون: عائشة رضي الله تعالى عنها. هذا تفسير ماذا؟ هذا لا نسميه تفسيرًا هذا نسميه لعب هذا يسمى لعب. (لا تَأْوِيْلَهُ)(بالرأَيِ) فلا يحرم للعالم بالقواعد والواقف على علوم القرآن وشروط المفسر فحينئذٍ يكون المصنف هنا تبعًا للأصل قد فارق أو غاير بين التفسير والتأويل فارق بين وغاير بين التفسير والتأويل، فحينئذٍ نقول: الفرق بينهما أن التفسير لا يجوز بالرأي لماذا؟ قال: لأنه شهادة على الله والقطع بأنه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى. إذا قطع بأنه عنى بهذا المعنى هو هذا المعنى لا بد من نص لا نقطع لذلك المفسر لا يقطع مثل المجتهد الذي يجتهد في الأحكام يجتهد رأيه وينظر في قواعد يقول: لعل الصواب كذا. ولا يقطع بأنه هو الحق لاحتمال ماذا؟

ص: 24

لاحتمال الخطأ في اجتهاده، كذلك المفسر لا يقطع بأن مراد الرب جل وعلا من هذه الآية أو من هذه الكلمة هو كذا إلا بلفظ من النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة الذين شاهدوا التنزيل والوحي، وأما التأويل فهو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة بأن مراد الله تعالى كذا يعني ينظر في الأقوال فإذا بابن عباس قال قولاً وخالفه زيد بن ثابت وخالفه معاذ مثلاً فينظر في اعتبار القواعد فيقول: الله أعلم أن قول ابن عباس أرجح. فحينئذٍ ماذا؟ رجح أو قدم أحد المحتملات على الآخر.

(لا تَأْوِيْلَهُ) التأويل إذا نظرنا إليه من حيث هو نقول: هذا مصدر. أَوَّل يُئَوِّلُ تأويلاً لأن التأويل له معنى خاص عند المتأخرين ولكن نقول من حيث القسمة: التأويل في الأصل أنه مصدر أَوَّل يُئَوِّلُ تأويلاً مأخوذ من الأَوْلِ وهو الرجوع إلى الأصل يقال: آل إليه أَوْلاً ومآلاً بمعنى رجع ويقال: أوَّل الكلام تأويلاً وتأوَّلَهُ فسره وعليه في المعنى اللغوي هنا افترق الاصطلاح على ثلاثة أنحاء:

فيطلق التأويل ويراد به تأويل الكلام بمعنى ما أوله إليه المتكلم.

أو ما يؤول إليه الكلام ويرجع، والكلام حينئذٍ إنما يرجع ويعود إلى حقيقته في الإنشاء إلى امتثال المأمور وفي الخبر إلى وقوع الْمُخْبِر به حينئذٍ صار هذا النوع نوعين لأنه إما أن يكون ما يؤول إليه الكلام ويرجع إما أن يكون إنشاءً ومنه الأمر وإما أن يكون خبرًا فتأويل الأمر هو فعل المأمور به ولذلك لو قال .... : أقيموا الصلاة. فقام صلى فعل الصلاة نقول: هذا تأول الآية. بمعنى: امتثل المأمور به. ولذلك جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي» . تقول: كان يتأول القرآن. لأنه جعله {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 1 - 3] إذًا امتثل المأمور فسمي تأويلاً، وتأويل الإخبار أو الأخبار هو وقوع الْمُخْبَرِ عين الْمُخْبر به {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ} [الأعراف: 53]

إلى آخر الآية {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} المراد به يوم يقع عين المخبر به وهو الساعة {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} يعني: يوم يأتي عين المخبر به وهو وقوع الساعة.

ص: 25

وأما النوع الثالث وهو: التأويل عند المتأخرين صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل، وهذا قد شاع في كتب التأويل التي هي بمعنى التحريف في باب المعتقد يسمون التحريف بغير اسمه فيقول: هذا تأويل. من باب تنميق وتحسين العبارة ويحدونه بماذا؟ بصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل لدليلٍ يجعله صحيحًا فإن لم يكن لدليل حينئذٍ يكون من باب إتباع الهوى إذًا عرفنا قوله: (لا تَأْوِيْلَهُ فَحَرِّرَا). (لا تَأْوِيْلَهُ) يعني: لا يحرم تأويل القرآن بالرأي إذا كان معتمدًا على قواعد وشروط المفسرين، ويطلق التأويل أيضًا بمعنى التفسير كما هو عادة ابن جرير رحمه الله فيقال: القول في تأويل هذه الآية كيت وكيت. يعني: في تفسير الآية وهذا هو المشهور عند السلف أن التأويل بمعنى التفسير (فَحَرِّرَا) هذه تكملة للشطر أو فخذ الفرق بين التفسير والتأويل محررًا الفرق بينهما والثاني أولى يعني: يجعل للكلمة معنى. (فَحَرِّرَا) إما أن يكون تكملة وإما أن يكون مرادًا به فخذ الفرق بين التفسير والتأويل محررًا، إذًا نقول: الحاصل من هذين البيتين أن المصنف رحمه الله تعالى يرى أن قراءة القرآن بغير اللسان العربي - وهذا مجمع عليه ليس شأن المصنف فقط - أنه يحرم قراءة القرآن بلسان غير عربي. لكن التعبير هذا يصح أو لا؟

إذا قيل: يحرم قراءة القرآن بغير اللسان العربي يصح؟ هو يقول: (بِغَيْرِ لَفْظِ العَرَبِيِّ تَحْرُمُ قِراءَةٌ). نحن نقول: غير ممكن غير مقدور عليه محالاً مستحيلاً فكيف نقول: تحرم؟ عند الأحناف - مضى معنا - أن النهي يقتضي الصحة أليس كذلك؟ النهي عن الشيء يقتضي الصحة قالوا: لولا تصور وقوعه لما تعلق النهي عنه أما ما لا يقع فلا يُنهى عنه، لا يقال للأعمى: أبصر. أو لا تنظر إلى المرأة مثلاً، أعمى تراه أعمى غير مبصر هنا لا يتعلق به النهي يقال: لا تنظر عورة المسلمين. هو لا يمكن أن يُنهى عنه فحينئذٍ كيف نقول هنا؟

نقول: هذا من باب التنزل يعني: لو قيل بترجمة القرآن إلى لسانٍ غير عربي تحرم. يعني: إن تُصور أو تصورت الترجمة حسًا فالحكم الشرعي التحريم إذا تصورت الترجمة حسًا يعني: وقوعها في الوجود فالحكم الشرعي التحريم. والشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في أصول التفسير يقول: قد يحصل في الحس الترجمة لكلمة واحدة. لكن هذا أيضًا يحتاج إلى نظر يعني: قد يقال له:

{لَا رَيْبَ} . لا يعرف {لَا رَيْبَ} قد يأتيك يعرف بعض العربية ولا يعرف {لَا رَيْبَ} فتأتي بها بلغته حينئذٍ ترجمة له حرفًا بحرف في لغتك {لَا رَيْبَ} بهذا اللفظ ويوازيها ويساويها عندنا في لغة العرب {لَا رَيْبَ} يقول: إذا كان كلمة فقط أحيانًا وكذا يقول: لا بأس بها. لكن هذا أيضًا يحتاج إلى نظر هل يوجد كلمة في لغة العرب مساوية للغة أخرى من كل وجه؟ هذا يحتاج إلى إثبات، إذًا عرفنا أن مراده بهذا البيت تحريم القراءة - قراءة القرآن - بغير لسان العرب وتحريم ترجمته هذا إن أمكن وتُصُوِّر في الحسي وإلا فالعقل يمنع الترجمة الحرفية، كذلك يحرم قراءته بالمعنى وهذا يمكن وكذلك تفسيره بالرأي لا تأويله بالرأي المحمود.

ونقف على هذا وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.

ص: 26