الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في مقدمة فتح الباري طبعة بولاق سنة (1301هـ) طبع على صفحة العنوان من هدي الساري طبع عليها ما نصه: "قال في الضوء اللامع في ترجمة الحافظ ابن حجر ما لفظه: "وسمعته يقول -يعني السخاوي يقول: "سمعت ابن حجر يقول: "لست راضياً عن شيء من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ لي من تحريرها سوى شرح البخاري ومقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الميزان، بل كان يقول فيها:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أتقيد بالذهبي ولجعلته كتاباً مبتكراً"، يقول:"بل رأيته في مواضع أثنى على شرح البخاري -يعني وحق له ذلك- والتغليق والنخبة"، ثم قال: "وأما سائر المجموعات فهي كثيرة العدد، واهية العُدَد، ضعيفة القوى، ضامية الروى، ولكنها كما قال بعض الحفاظ من أهل المائة الخامسة:
ومالي فيه سوى أنني
…
أراه هوىً وافق المقصدا
وأرجو الثواب بكتب الصلاة
…
على السيد المصطفى أحمدا
وهذا الحافظ هو أبو بكر البرقاني، وقبل البيتين قوله:
أعلل نفسي بكتب الحديث
…
وأحمد فيه لها الموعدا
وأشغل نفسي بتصنيفه
…
وتخريجه دائماً سرمدا
وهذا الكلام المنسوب إلى الضوء اللامع لم أجده فيه، لم أجده في الضوء اللامع، بل هو موجود أو قريب منه في الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر للسخاوي، ويهمنا من ذلك أنه راضي عن النخبة.
طالب:. . . . . . . . .
وفي لسان الميزان، اختصر كلام الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال، ثم زاد عليه، بدأ بتجريد كتاب الذهبي وذكر الزوائد ثم اضطرب في الترتيب؛ لأنه تبع كتاب آخر تقيد بكتاب آخر، لكن لو ألفه ابتداءً كان أجود؛ لأن الإنسان وهو يؤلف ابتداءً حر يرتب كيفما شاء، لكن إذا تقيد بالكتاب مشكلة لا بد أن يتبع ذلك الكتاب.
الدعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث:
هناك دعوة تردد على ألسنة بعض طلبة العلم ممن يعتني بالحديث وعلومه ممن هم فيما نحسبهم -والله حسيبهم- من خيار طلاب العلم ولا يساء بهم الظن، هناك هذه الدعوة التي أثيرت قبل سنوات تدعو إلى نبذ قواعد المتأخرين في مصطلح الحديث، والأخذ مباشرة من كتب المتقدمين، لماذا؟ لأن قواعد المتأخرين قد تختلف أحياناً عن مناهج المتقدمين.
فلو أخذنا على سبيل المثال زيادة الثقة، تعارض الوصل والإرسال، تعارض الوقف مع الرفع، لوجدنا أن المتأخرين في كتبهم يحكمون بأحكام مطردة ثابتة، فيقبلون زيادة الثقة مطلقاً، وإن جنح بعضهم إلى ردها مطلقاً.
واقبل زيادات الثقات منهمُ
…
ومن سواهم فعليه المعظمُ
"وقيل: لا"، ويحتج من قبل زيادة الثقة مطلقاً بأن معه زيادة علم خفيت على من نقص، كما أن من حكم للوصل مطلقاً يقول: معه زيادة خفيت على من أرسل، وهكذا الشأن فيمن حكم للرفع دون الوقف والعكس، يقول: ترد زيادة الثقة لأنها مشكوك فيها، القول الثاني: يحكم بالإرسال لأنه متيقن، والوصل مشكوك فيه، يحكم للوقف لأنه متيقن والرفع مشكوك فيه، وعلى هذا يطردون الأحكام على الأحاديث، بينما نجد الأئمة الكبار كأحمد والبخاري وأبي حاتم والدارقطني لا يحكمون بأحكام عامة مطردة، فتجدهم أحياناً يقبلون الزيادة وأحياناً يردونها، أحياناً يحكمون بالوصل وأحياناً يحكمون بالإرسال، أحياناً يحكمون بالوقف وأحياناً يحكمون بالرفع، فليس هناك لديهم قواعد مطردة، بل يحكمون على كل حديث بما ترجحه القرائن بالنسبة لهذا الحديث على وجه الخصوص، وهذه الدعوة إلى نبذ قواعد المتأخرين وتقليد المتقدمين أقول: في ظاهرها جيدة، لكن مخاطبة الطالب المبتدئ بها تضييع له، حينما يقال للطالب المبتدئ: انبذ قواعد المتأخرين، اترك النخبة، اترك ابن كثير والباعث، اترك ابن الصلاح وألفية العراقي، كيف يتعلم ويتمرن على علم المتقدمين؟ كيف يخاطب الطالب المبتدئ ويقال له: تبدأ بشرح علل الترمذي لابن رجب، أو تبدأ بالإلزامات والتتبع للدارقطني؟ هو ما يعرف الصحيح من الضعيف حتى يبدأ بمثل هذه الكتب.
وإذا قيل له: قلد المتقدمين، لا شك أن المتأخرين عالة على المتقدمين، والأصل في هذا الباب هم المتقدمون، لكن كيف نتعلم على كتب المتقدمين وعلى أحكام المتقدمين؟
طالب مبتدئ في حكم العامي كيف يتمرن على قواعد المتقدمين؟ لا بد من أن يتمرن على قواعد المتأخرين، ويضبط هذه القواعد ويتقنها، ثم يبدأ بنفسه يخرج وينظر في الأسانيد، وإذا أكثر من ذلك وتأهل وصارت لديه أهلية النظر، وتأهل لمحاكاة المتقدمين في أحكامهم على الحديث بالقرائن، لا بأس هذا فرضه؛ لأن المتأخرين عالة على المتقدمين.
فإذا أراد أن يحكم على حديث: ((لا نكاح إلا بولي)) كيف يحكم عليه؟ وقد حكم البخاري بوصله وأبو حاتم بإرساله؟ كيف يحكم على هذا الحديث؟ هل لديه أهلية لينظر بين أقوال أهل العلم بالقرائن فيرجح ما ترجحه القرائن، ماذا عنده من القرائن؟ أئمة كبار يحفظون مئات الألوف من الأحاديث، يكفيهم من الحديث شمه من أجل أن يحكموا عليه، أحكام المتقدمين فرع عن علم المتقدمين، علم المتقدمين قليل جداً، إيش معنى قليل؟ قليل الكلام وهو علم مبارك، يعني ما تركوا شيء ما حكموا عليه لكنه مبارك، من يطالع في:(فضل علم السلف على الخلف) للحافظ ابن رجب رحمه الله عرف كيف يحكم المتقدمون؟ وكيف يفتي المتقدمون؟ بينما علم المتأخرين كثير، كثير جداً، تجده إذا أراد أن يشرح مسألة يأخذ عليها ساعة، ويكتفي المتقدم بكلمة.
يقول ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "من فضل عالماً على آخر بكثرة الكلام فقد فضل الخلف على السلف" ونحن نبهر إذا وجدنا الشخص واضح العبارة بين الأسلوب، وماذا وراء ذلك من العلم والعمل؟! والله المستعان.
أعود إلى المسألة فأقول: إذا كان الطالب ينصح وهو مبتدئ بمحاكاة المتقدمين في أحكامهم على الأحاديث، حديث:((لا نكاح إلا بولي)) حكم الإمام البخاري بوصله وحكم أبو حاتم بإرساله بما تحكم أنت؟ هل أنت مطالب بتقليد الأئمة في كل حديث تبعاً لهذه الدعوى؟ الأئمة ما اتفقوا في الحكم على حديث واحد، كيف تقلدهم؟ تقلد من؟ هل لديك أهلية وأنت مبتدئ أن تقول: أنا أقلد الإمام أحمد أو أقلد البخاري بإطلاق؟ ما استفدت قد يكون الصواب مع البخاري أو مع أحمد أحياناً.
إذا حكم البخاري بأن حديث رفع اليدين بعد الركعتين مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، واعتمد عليه من حديث ابن عمر في صحيحه وحكم عليه الإمام أحمد بالوقف تقلد من من المتقدمين؟ إن كان المقصود تقليد المتقدمين في كل حديث حديث فلا شك أنه مستحيل؛ لأن أحكام المتقدمين متباينة في الأحكام على الحديث، بل وفي أحكامهم على الرجال، فمن نقلد من المتقدمين؟ إن كان المقصود محاكاة المتقدمين في أحكامهم على الأحاديث فنقول: كلام جميل وطيب وممكن، لكن كيف مبتدئ؟ كيف يحاكي المتقدمين فيحكم على الحديث بالقرائن وهو ما يعرف القرائن؟ قد يكون الشاهد لهذا الحديث أو المتابع لهذا الحديث بعد ورقة من الحديث الذي يدرسه، وهو لا يعرفه ولم يطلع عليه، كيف يحكم على الأحاديث بالقرائن؟ نقول: لا بد من معاناة كتب المتأخرين، وإدامة النظر فيها وفهمها وإتقانها ثم بعد ذلكم التمرين والتخرج على هذه الكتب بالإكثار من تخريج الأحاديث، ودراسة أسانيدها، وجمع طرقها وشواهدها ومتابعاتها، ثم بعد ذلكم إذا تأهل الطالب يقال له: فرضك محاكاة المتقدمين ولا تقلد المتأخرين، ونظير هذه الدعوى دعوى سبقتها بأكثر من عشرين سنة تدعو إلى نبذ كتب الفقه والتفقه مباشرة من الكتاب والسنة، لا نختلف مع أحد في أن الأصل الكتاب والسنة، وأنه لا علم إلا من الكتاب والسنة، لكن كيف يتفقه الطالب المبتدئ من الكتاب والسنة؟ هل لديه من الأهلية ما يمكنه من ذلك؟ هل حفظ من النصوص ما يدفع به التعارض ويتمكن من الجمع بينها؟ هل عرف المطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص؟ هذا الطالب الذي يخاطب بمثل هذا الكلام، اترك كتب الفقه، هذه أقوال الرجال، بل وجد من أحرق بعض الكتب كالزاد وغيره، ويتندرون بطلاب العلم ويقولون لمن حفظ الزاد: صار حكماً بين العباد، مبالغة في التنفير من هذه الكتب، نقول: لا، الطالب المبتدئ لا بد أن يتفقه على الجادة، فيفهم الزاد، أو غيره من الكتب، من غير إلزام بكتاب معين، المقصود أنه يسلك الجادة، يأتي إلى الزاد وهو على سبيل المثال من أجمع الكتب، والزاد من أجمع الكتب وأكثرها مسائل، يأتي إليه الطالب فيفهم المسائل، إن كان ممن تسعفه الحافظة فيحفظ وإلا
يقتصر على الفهم، يأتي إلى الزاد مسألة مسألة فينظر في هذه المسألة في قول المؤلف كذا، يراجع الشرح، يتصور المسألة على وجهها، يستدل لهذه المسألة، يلتمس الدليل لهذه المسألة، ثم ينظر من قال بما قاله المؤلف من أهل العلم؟ وبما استدلوا؟ من خالف هذا القول؟ وبما استدل؟ ثم يوازن بين الأدلة، وهذه مرحلة لاحقة، يعني المبتدئ يكفيه أن يعرف هذه المسائل ويتصورها على الوجه الصحيح ثم مرحلة ثانية يستدل لهذه المسائل، ثم مرحلة ثالثة يقارن بين أقوال الأئمة مع أدلتها، ويرجح القول الراجح إذا تأهل، ليس معنى هذا أن الزاد دستور مثل القرآن لا يحاد عنه، لا، الزاد فيه أكثر من ثلاثين مسألة خالف فيها المذهب، فضلاً عن القول الراجح، حينما ينصح بالزاد أو بغيره من الكتب ليس معنى هذا أنها ضربة لازب، لا، لا يحاد عنها، إنما يتمرن عليه، مثل خطة البحث، تتخذ هذا الكتاب خطة ومنهج تسير عليه، تتفقه عليه، فإذا تصورت مسائله وذكرت الأدلة وعرفت من خالف بدليله واستطعت أن توازين بين الأقوال بأدلتها، ورجحت القول الراجح وما تدين الله به، وهذه –مثلما ذكرنا- مرحلة ثالثة، حينئذ تتأهل لأن تتفقه من الكتاب والسنة، أما تتفقه من الكتاب والسنة كيف تتفقه منه؟ تجد آية عامة تخصيصها في حديث مثلاً قد لا تقف عليه إلا بعد سنوات، تجد آية مطلقة حديثها مقيدها حديث لا تقف عليه إلا بعد مدة طويلة، حديث تنظر فيه في أوائل صحيح البخاري لا تقف على ناسخه إلا آخر ابن ماجه، متى تتفقه على الكتاب والسنة؟ نعم إذا تأهلت فرضك الاجتهاد، ولا يجوز لك أن تقلد الرجال، إذا تأهلت لكن قبل أن تتأهل الطالب المبتدئ في حكم العامي فرضه التقليد، اسألوا أهل الذكر، فرضه سؤال أهل العلم، في حكم العامي، لكن إذا تأهل، يعني شخص يقرأ في كتاب من كتب السنة: باب الأمر بقتل الكلاب، ويتفقه من السنة، ثم يأخذ المسدس وما شاف من كلب قتله، درسه في الكتاب نفسه من الغد: باب نسخ الأمر بقتل الكلاب، فمثل هذا يتفقه من الكتاب والسنة؟ وفي كتب الفقه مباشرة والأمر بقتل الكلاب منسوخ ينتهي الإشكال، ينظر كيف جاء الأمر بقتل الكلاب؟ من خلال هذه الجملة ينظر في أحاديث .. ، لأنه دُل على أن هناك أمر بقتل
الكلاب، ودُل من خلال هذه الجملة أن هناك نسخ لهذا الأمر بجملة واحدة، لا يعني هذا أننا ندعو إلى التقليد، لا والله، بل فرض طالب العلم المتأهل الاجتهاد، الاجتهاد حسب القدرة والطاقة، وإلا الاجتهاد المطلق لو قيل باستحالته لما بعد، وقد أغلقه الأئمة من قديم، أغلقه العلماء، أغلقوا باب الاجتهاد، لكنه مفتوح، وشرطوا له شرائط، لكن إيش معنى الاجتهاد المطلق الذي هو مفتوح؟ هل معناه الاجتهاد في كل مسألة مسألة بجميع ما تطلبه هذه المسألة؟ يعني إذا أردنا حكم من الأحكام وبحثنا فيما جاء في هذا الحكم من نصوص جئنا إلى ما جاء في القرآن، جئنا إلى ما ذكر في السنة من أحاديث وجمعنا طرق هذه الأحاديث ونظرنا في رجال هذه الطرق واحداً بعد واحد، فبدأنا بأول إسناد وفيه خمسة ستة من الرواة، ولك راوٍ من الرواة فيه أقوال تصل أحياناً إلى العشرين عن أهل العلم، عن أهل الشأن.
فإن أردت أن تحكم على هؤلاء الخمسة والستة والسبعة من خلال هذه الأقوال العشرين، وأردت أن ترجح وتوازن بين هذه الأقوال، الراوي الواحد يحتاج إلى وقت طويل، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، إلى ستة، ثم بعد ذلكم الطريقة الثاني، إن احتجت إليه، ثم الثالث إن احتجت إليه، وهكذا، وهذا كله في مسألة واحدة تأتي إلى المسألة التي تليها فتصنع بها مثل ما صنعت بالمسألة الأولى، هذا إذا أردت أن تجتهد في الاستنباط وفي إثبات عمدة الاستنباط، .... إثبات الدليل، لا شك أن هذا يحتاج إلى وقت طويل.
وإذا عرفنا أن شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز أو الألباني أو غيرهما -رحمة الله على الجميع- ممن يشار إليه بالتفرد في هذا العلم لم يخرجوا عن ربقة التقليد في هذا العلم، كيف ذلك؟
أنت إذا أردت أن تجمع حديث بطرقه يمكن يجتمع لك من الرجال في هذا الحديث في مجموع طرقه أكثر من مائة رجل، مائة رجل في كل راوٍ ثلاثة أقوال خمسة عشرة، وصل بعضهم إلى عشرين، كم عندك من قول لأهل العلم في حديث واحد، في رواة هذا الحديث، قد تتداخل بعض الطرق مع بعض، لكن افرض أن عندك كم؟ كمٍ هائل، ألف قول لرجال طرق هذا الحديث، تحتاج إلى عمر، فأنت إن اتجهت إلى هذا وعنيت بالرواية لا شك أنه على حساب الدراية، وهذا ظاهر في صنيع من؟ الألباني -رحمه الله تعالى-.
وإن اتجهت إلى الدراية مع العناية بالاعتماد على الكتاب والسنة لا شك أنه على حساب الرواية، وهذا ما يصنعه الشيخ عبد العزيز رحمه الله، يكفيه أن يثبت الخبر، أو يثبته أحد الأئمة، وهما –أعني الشيخ عبد العزيز والشيخ الألباني -رحمة الله على الجميع- يعتمدان اعتماداً أغلبياً على التقريب، وهذا تقليد ما خرجنا من التقليد؛ لأن التقريب يحكي وجهة نظر ابن حجر رحمه الله، تجد هناك التقريب التقريب، وهو عمدة كثير من أهل العلم، لكن نضرب مثال بهذين الإمامين لأنهما بلغا الغاية في نظرنا، وأفنيا العمر الطويل في خدمة هذا العلم، فإذا أردنا أن نقلد ابن حجر في الحكم على الرجال -ولا مفر من التقليد- رأينا أن ابن حجر أيضاً وقعت له أوهام في التقريب، له أوهام في التقريب، ليس بمعصوم.