الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- تصريحاً أو حكماً من قوله أو فعله أو تقريره أو إلى الصحابي كذلك، وهو من لقي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح، أو إلى التابعي وهو من لقي الصحابي كذلك، فالأول
المرفوع
، والثاني الموقوف، والثالث المقطوع، ومن دون التابعي فيه مثله، ويقال للأخيرين: الأثر، والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال".
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصريحاً أو حكماً من قوله أو فعله أو تقريره"، لما أنهى الحافظ -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بالمتن من حيث القبول والرد أردفه بما يتعلق بالإسناد، والإسناد: هو الطريق الموصل للمتن، أو سلسلة الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً بشيخه وانتهاءً بمن يسند إليه الخبر، والمتن غاية ما ينتهي إليه الإسناد من الكلام، ثم شرع المصنف -رحمه الله تعالى- في تقسيم آخر للخبر باعتبار النسبة والإضافة.
وما سبق الحديث فيه فتقسيمات أخرى بحسب تعدد الطرق، وباعتبار القوة والضعف، فإن انتهى الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصريحاً بأن كانت الإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم صريحة لا تحتمل من قوله كقول عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) وقول ابن مسعود رضي الله عنه: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)) الحديث، أو يقول الصحابي أو غير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، هذا مرفوع صراحة من قوله عليه الصلاة والسلام.
المرفوع:
ومثال المرفوع من فعله تصريحاً ما نقله عنه الصحابة من رمله في الطواف، وسعيه الشديد في السعي، ومنه قول الصحابي:"كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار"، ومنه قول الصحابي أو غيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا أو يترك كذا؛ لأن كلاً من فعله وتركه عليه الصلاة والسلام شرع يقتدى به فيه، ومثال المرفوع من التقرير تصريحاً كأن يقول الصحابي: فعلت أو فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ولا يذكر إنكاره لذلك، ومنه قول الصحابي:"أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، خالد بن الوليد اجتر الضب فأكله والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر إليه، فلم ينكر عليه، وهذا من تقريره عليه الصلاة والسلام، هذا إذا كانت الإضافة إلى النبي عليه الصلاة والسلام صريحة، أو تكون الإضافة إلى النبي عليه الصلاة والسلام حكماً لا صراحة، ومن ذلك قول الصحابي:"كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقد قطع أبو عبد الله الحاكم وغيره من أهل الحديث أن ذلك من قبيل المرفوع، قال ابن الصلاح:"وبلغني عن أبي بكر البرقاني: أنه سأل أبا بكر الإسماعيلي عن ذلك فأنكر كونه من المرفوع"، والأول هو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة.
وقد استدل جابر بن عبد الله رضي الله عنه على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن، هذا إذا أضاف الوقت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا من غير إضافة إلى زمن النبي عليه الصلاة والسلام فجزم ابن الصلاح بأنه من قبيل الموقوف، لكن ذهب العراقي وابن حجر والسيوطي إلى أنه مرفوع أيضاً، وهو اختيار النووي.
إذا قال الصحابي: "كنا نفعل كذا" مع الإضافة إلى عهد النبي عليه الصلاة والسلام فهذا مرفوع عند الجماهير، وإن حكم أبو بكر الإسماعيلي الإمام بأنه موقوف ولا يعتبر من المرفوع، إذا أضيف إلى زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أما إذا لم يضف إلى زمنه عليه الصلاة والسلام بأن قال الصحابي: كنا نفعل كذا، أو كنا نرى كذا، أو كنا نقول كذا، فجزم ابن الصلاح بأنه من قبيل الموقوف، بأنه من قبيل الموقوف، لكن العراقي وابن حجر والسيوطي ذهبوا إلى أنه مرفوع أيضاً، وإن لم يضف إلى عهد النبي عليه الصلاة والسلام وهو اختيار النووي والرازي والآمدي؛ لأن الظاهر من مثل قول الصحابي أنه يحكي الشرع، لا سيما إذا كان يستدل به على حكم شرعي، إذا كان يستدل بذلك على حكم شرعي، ويقول: كنا نفعل كذا، لا شك أنه يريد أن ينسب ذلك إلى زمن الشارع وإن لم يصرح به.
قول الصحابي: "أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا" من نوع المرفوع عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، إذا صرح الصحابي بالآمر فلا إشكال في كونه مرفوع، إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في كونه مرفوع صراحة، أما إذا قلنا: أمرنا ولم يصرح بالآمر، أو نهينا ولم يصرح بالناهي فكذلك هو من قبيل المرفوع عند أكثر أهل العلم وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي، وأبو الحسن الكرخي.
قال ابن الصلاح: "والأول هو الصحيح؛ لأن مطلق ذلك ينصرف إلى من إليه الآمر والنهي، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا، لا ينصرف هذا الأمر والنهي إلا إلى من له الأمر والنهي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كانت المسألة شرعية لا شك أن الآمر والناهي للصحابة هو الرسول عليه الصلاة والسلام، أم عطية تقول: "أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور إلى صلاة العيد" من الآمر لهن؟ لا شك أنه الرسول عليه الصلاة والسلام، "نهينا عن اتباع الجنائز" هذا أيضاً لا شك أن الناهي هو الرسول عليه الصلاة والسلام.
أبو بكر الإسماعيلي الإمام وأبو الحسن الكرخي خالفا في ذلك وقالا: إنه من قبيل الموقوف لاحتمال أن يكون الآمر والناهي غير الرسول عليه الصلاة والسلام، قال ابن الصلاح:"والأول هو الصحيح؛ لأن مطلق ذلك ينصرف إلى من إليه الآمر والنهي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام"، إذا صرح الصحابي بالآمر والناهي فقال:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا شك أنه مرفوع صراحة، مرفوع صراحة قطعاً، لكن دلالته على الأمر والنهي هل هو مثل قوله: افعلوا، أو لا تفعلوا؟ هل قول الصحابي:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" هو كتصريح النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: افعلوا؟ يعني هل قول عائشة: أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، أو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام:((أنزلوا الناس منازلهم))؟ مثله وإلا لا؟ نعم، دلالته على الأمر والنهي خالف فيها داود الظاهري وبعض المتكلمين، أما الجماهير على أنه لا فرق بين أن يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: افعلوا، أو يقول الصحابي: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلاهما من قبيل الأمر وهو دال على الوجوب، خالف في ذلك داود الظاهري وبعض المتكلمين، قالوا: لأن الصحابي قد يسمع كلام يظنه أمر وهو في الحقيقة ليس بأمر، وقد يسمع كلاماً يظنه نهياً وهو في الحقيقة ليس بنهي، لكن هذا الكلام مردود، هذا الكلام مردود؛ لأن الصحابة -رضوان الله عليهم-، إذا لم يعرفوا مدلولات الألفاظ الشرعية، من يعرفها بعدهم؟ لا أحد يعرف إذا كان الصحابة لا يعرفون الخطاب الشرعي، إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:((أمرت)) ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)) ((نهيت عن قتل المصلين)) فالآمر والناهي من؟ من؟ هو الله سبحانه وتعالى، فهو من قبيل الخبر الإلهي والقدسي.
ثالثاً: قول الصحابي: من السنة كذا، الأصح أنه مرفوع؛ لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا مريداً به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يجب اتباعه، نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك وفي نقله نظر، فعند الشافعي في المسألة قولان، وذهب أبو بكر الصيرفي وأبو بكر الرازي وابن حزم إلى أنه غير مرفوع، لكن الصحيح الأول، قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
قول الصّحابيّ: (من السّنّة) أو
…
نحو: (أمرنا) حكمه الرّفع ولو
بعد النّبيّ قاله بأعصرِ
…
على الصّحيح وهو قول الأكثرِ
قد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته صلى الله عليه وسلم؟ فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن إذا قال الصحابي: ليس من السنة كذا، ليس من السنة كذا، هل نستدل به على أن هذا العمل مبتدع؟ أو يحتمل أن هناك سنة لم تبلغ هذا الصحابي؟ احتمال، احتمال أنه لا يوجد سنة أصلاً؛ لأنه نفى، وهذا يقوى الظن إذا لم نجد له مخالف من الصحابة، ويحتمل أن هناك سنة في الباب لكنها خفيت على هذا الصحابي، فالنفي ليس مثل الإثبات هنا.
رابعاً: من المرفوع حكماً أن يقول الصحابي الذي لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب ما لا مجال للرأي فيه، ولا مدخل للاجتهاد فيه، ولا تعلق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدأ الخلق وأخبار الأنبياء أو الآتية كالملاحم والفتن، وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، قال ابن حجر في النزهة: "وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبراً له، لا بد أن يكون لهذا الصحابي مخبر، ولا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفاً للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبي عليه الصلاة والسلام، أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني.
يعني المسألة مفترضة في صحابي لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات وذكر كلاماً غيبياً أو ذكر كلاماً لا مجال للاجتهاد فيه، إذن لا يمكن أن يتلقاه إلا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كان كذلك؛ فله حكم ما لو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو مرفوع سواء، سواء كان مما سمعه عنه بدون بواسطة، أو ما كان مما سمعه بواسطة.
من ذلكم تفسير الصحابي للقرآن الكريم، تفسير الصحابي للقرآن الكريم جزم الحاكم بأن له حكم الرفع، وحمله ابن الصلاح على ما يتعلق بسبب نزول آية يخبر به الصحابي أو نحو ذلك كقول جابر رضي الله عنه: "كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} [(223) سورة البقرة] فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعدودة في الموقوفات، يقول الحافظ العراقي:
وعدّ ما فسّره الصّحابي
…
رفعاً فمحمول على الأسبابِ
الحاكم حينما قال: إن تفسير الصحابي مرفوع حكماً لما عرف من الوعيد الشديد من تفسير القرآن بالرأي، والصحابة مع شدة ورعهم وتحريهم لا يمكن أن يفسروا القرآن بآرائهم مع شدة هذا الوعيد:"من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ ولو أصاب" فالمقصود أن الصحابة مع شدة تحريهم وورعهم وتثبتهم وعلمهم بالنهي الشديد لتفسير القرآن بالرأي لا يمكن أن يفسروا شيئاً من تلقاء أنفسهم إلا وقد سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام، هذه حجة الحاكم، لكن القرآن منه ما يدرك بلغة العرب مثلاً والصحابي قد يفسر الكلام -كلام الله عز وجل بلغة العرب، ومنه ما لا بد فيه من التوقيف من النبي عليه الصلاة والسلام فمثل هذا لا يدرك فيكون من قبيل ما لا مجال للاجتهاد فيه، ونظراً لوجود هذا النوع وهذا النوع قال الحاكم: أن له حكم الرفع، والأكثر على أنه ليس له حكم الرفع؛ لأن الصحابي قد يفسر برأيه اعتماداً على لغة أو استنباط حكم، أو ما أشبه ذلك، ابن الصلاح حمل قول الحاكم على ما يتعلق بأسباب النزول وأسباب النزول لها حكم الرفع، لماذا؟ لأن النزول الرسول عليه الصلاة والسلام طرف فيه، ذكر أو لم يذكر، الرسول طرف في التنزيل؛ لأنه عليه ينزل القرآن، ذكر أو ولم يذكر، ولذا جاء في ألفية العراقي:
وعدّ ما فسّره الصّحابي
…
رفعاً فمحمول على الأسبابِ
قال ابن الصلاح: "من قبيل المرفوع الأحاديث التي قيل في أسانيدها عند ذكر الصحابي يرفع الحديث، أو يبلغ به، أو ينميه، أو رواية، مثال ذلك: سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية: ((تقاتلون قوماً صغار الأعين)) ((تقاتلون قوماً صغار الأعين)) عن أبي هريرة رواية، وبه عن أبي هريرة يبلغ به قال:((الناس تبع لقريش)) أبو هريرة رواية يعني عن النبي عليه الصلاة والسلام، أبو هريرة يبلغ به، يعني يبلغ به النبي عليه الصلاة والسلام، فكل ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً.
قال ابن الصلاح: "وإذا قال الراوي عن التابعي: يرفع الحديث، أو يبلغ به، فذلك مرفوع أيضاً، ولكنه مما رفعه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيكون له حكم المرسل"، فعلى هذا كل ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف فهو مرفوع، وزاد بعضهم الهم، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يهم إلا بما يجوز له فعله، ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، وآمر رجالاً يحتطبون حطب فأخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) هذا مرفوع، هذا هَمٌ منه عليه الصلاة والسلام، والهم مرتبة من مراتب القصد بعد الخاطر والهاجس وحديث النفس الهم، وآخرها العزم كما هو معروف.
اشترط الخطيب البغدادي لتسمية الخبر مرفوعاً: أن يكون مما أضافه الصحابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقط، فعلى هذا ما يضيفه التابعي فمن بعده إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمى مرفوعاً، ولفظه كما في الكفاية:"المرفوع ما أخبر فيه الصحابي عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله"، لكن الحافظ ابن حجر توقف في كونه يشترط ذلك، يعني هل ما أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام إذا أضافه التابعي لا يسمى مرفوع؟ ذكروا عن الخطيب أنه يشترط ذلك، ولفظه في الكفاية يحتمل، لكن الحافظ ابن حجر توقف في كونه يشترط ذلك فإنه قال: يجوز أن يكون ذكر الخطيب للصحابي على سبيل المثال أو الغالب لكون غالب ما يضاف إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو من إضافة الصحابي، لا أنه ذكره على سبيل التقييد، فلا يخرج حينئذ عن الأول ويتأيد بكون الرفع إنما ينظر فيه إلى المتن دون الإسناد، المتن هل هو من قول الرسول؟ أضافه من أضافه مرفوع، ما دام من قول النبي عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان من قول من دونه على ما سيأتي فإن كان من الصحابة فهو موقوف، وإلا فالمقطوع.
قال السخاوي: "وفيه نظر، وقد يطلق المرفوع ويراد به المتصل لا سيما عند مقابلته بالمرسل"، فإذا قيل: رفعه فلان وأرسله فلان، يعني أن أحدهما وصل إسناده والآخر قطعه، وحينئذٍ فهو رفع مخصوص، على أن ابن النفيس مشى على ظاهر هذا فقيد المرفوع بالاتصال.
وسمّ مرفوعاً مضافاً للنّبي
…
واشترط (الخطيب) رفع الصّاحبِ
ومن يقابله بذي الإرسالِ
…
فقد عنى بذاك ذا اتّصالِ
كما يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-.
ثم قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "أو إلى الصحابي كذلك، وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح".
لما فرغ الحافظ -رحمه الله تعالى- من بيان المرفوع، وقدمه لشرف النسبة؛ لأنه يضاف إلى أشرف الخلق، أردفه بالموقوف، فقال: أو تنتهي غاية الإسناد إلى الصحابي كذلك، أي مثلما تقدم مما يضاف إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل، وإن منه ما هو قول، ومنه ما هو فعل، ومنه ما هو تقرير، و (أو) هنا للتقسيم، "أو إلى الصحابي" هذا تقسيم وليست شك، وليست للإضراب، إنما هي للتقسيم.
خير أبح قسم بـ (أو) وأبهمِ
…
. . . . . . . . .
فمن معانيها التقسيم وهو المراد هنا، ثم عرف الصحابي بأنه: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة، هذا ما رجحه ابن حجر رحمه الله، والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، قال الحافظ:"والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد"، وقوله:"مؤمناً" يخرج من حصل له اللقاء المذكور لكن في حال كونه كافراً، وقوله:(به) يخرج من كان مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء، يخرج من كان مؤمناً لكن بغيره من الأنبياء، وهل يمكن أن يقال لغير المؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام أنه مؤمن؟ يقال لليهودي الذي يؤمن بموسى مؤمن؟ ويقال للنصراني الذي يؤمن بعيسى أنه مؤمن؟ لا، الإيمان في شرعنا يقتضي الإيمان بجميع الأركان، وإذا انتفى ركن من هذه الأركان، أو بعض ركن انتفى الإيمان.
فلا بد من الإيمان بالرسل كلهم، فاليهودي الذي لا يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام ويصدق به ويتبعه لا يسمى مؤمن، والنصراني الذي لا يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام لا يسمى مؤمن؛ لأن من أركان الإيمان الإيمان بالرسل، والكفر بواحد منهم كفر بجميعهم، والله المتسعان، لكن هل يخرج من لقيه مؤمناً بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة؟ لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمن بأنه سيبعث ومعترف بأنه نبي لكن قبل البعثة، قال الحافظ:"فيه نظر، قلت: ومثال ذلك: ورقة بن نوفل حيث ذكره الطبري والبغوي وابن قانع وابن السكن وغيرهم في الصحابة، قال الحافظ في الإصابة: "وفي إثبات الصحبة له نظر، لقوله في قصة بدء الوحي:"فلم ينشب ورقة أن توفي" فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام.
ثم ذكر الحافظ خبراً مرسلاً وصفه بأنه جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام حتى أسلم بلال، ثم قال: والجمع بينه وبين حديث عائشة أن يحمل قوله: "ولم ينشب ورقة أن توفي" أي قبل أن يشتهر الإسلام.
ثم ذكر الحافظ خبراً ضعيفاً يدل على أن ورقة مات على نصرانيته، لكن الصواب أنه آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام وصدقه لما قص عليه خبر بدء الوحي، لكنه مات قبل أن يدعو النبي عليه الصلاة والسلام الناس إلى الإسلام، وعلى هذا كونه مقطوع بنجاته وأنه من أهل الجنة هذا ما فيه إشكال، لكن هل هو معدود في هذه الأمة أو ممن قبلها؟ هذه مسألة محل نظر، هل يثبت في الصحابة فيكون من هذه الأمة؟ أو لا تثبت صحبته؛ لأن الحد لا ينطبق عليه، لكنه آمن وصدق بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكان على دين صحيح في وقته، والقول بنجاته مبني على ثبوت ما نقل في ترجمته من أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه في بطنان الجنة، وعليه ثياب السندس، وأن عليه أيضاً ثياب بيض، فإن ثبتت هذه الأخبار وإلا فهو على الرجاء كغيره من مسلمي هذه الأمة وغيرهم، والله أعلم.
قوله: "ومات على الإسلام" ليخرج من ارتد بعد أن لقيه مؤمناً به ومات على الردة؛ كعبيد الله بن جحش وابن خطل، قوله:"ولو تخللت ردة" أي: بين لقيه له مؤمناً به وبين موته على الإسلام؛ فإن اسم الصحبة باق له، سواء رجع إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعده، وسواء لقيه ثانياً أم لا كالأشعث بن قيس فإنه كان ممن ارتد وأتي به أبو بكر أسيراً فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها.
الردة محبطة للعمل {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [(65) سورة الزمر] لكن هل الموت على الردة شرط في حبوط العمل؟ أو أن مجرد حصول الردة محبط للعمل؟ القيد المذكور في الآية الأخرى {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [(217) سورة البقرة] نعم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} قيد يجعل الردة لا تحبط العمل إلا إذا مات وهو مرتد، أما إذا ارتد ثم رجع إلى الإسلام فإن عمله باق لا يحبط، ومن ذلكم الصحبة، وهذه المسألة مسألة خلافية بين كثير من أهل العلم مع الحنفية، ولذا إذا حج ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام هل يلزم بحجة ثانية أو لا يلزم؟ والمسألة الخلاف فيها معروف ومبسوط عند أهل العلم.
ولا تظنون أن الردة لا بد أن يكفر بالله أو برسوله أو بكتبه، أو .. ، يترك الصلاة فيصير مرتد، هل عليه أن يعيد الحج أو لا يعيد؟ هذه المسألة الخلافية، ومقتضى قوله تعالى:{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [(217) سورة البقرة] أنه لا يحبط عمله إلا إذا مات كافر.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: "ويدخل في قولنا مؤمناً به كل مكلف من الجن والإنس فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مرسل إليهم، مرسل إلى الجن أيضاً، وأما إنكار ابن الأثير على أبي موسى تخريجه لبعض الجن الذين عرفوا في كتابه الصحابة فليس بمنكر لما ذكرته".
وقال ابن حزم في المحلى: "من ادعى الإجماع فقد كذب، من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم فهم صحابة فضلاء، فمن أين للمدعي إجماع أولئك؟ "، ابن حزم يقول: أي شخص يدعي الإجماع على مسألة من المسائل كذاب، لماذا؟ لأنه إن أحاط بأقوال الإنس لم يحط بأقوال الجن، يقول:"من ادعى الإجماع فقد كذب على الأمة، فإن الله تعالى قد أعلمنا أن نفراً من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم فهم صحابة فضلاء، فأين للمدعي إجماع أولئك؟ ".
قال ابن حجر في الإصابة: "وهذا الذي ذكره في مسألة الإجماع لا نوافقه عليه، وإنما أردت نقل كلامه بكونهم صحابه"، ومثل هذا الكلام هو الذي جعل ابن حزم بكل سهولة يخالف جماهير الأمة، بل قد يخالف الإجماع، الأمة كلها في جهة وابن حزم في جهة؛ لاحتمال أن يكون واحد من الجن قال بهذا القول، نعم، وهذا من شذوذ ابن حزم، معروف، نعم.
وهل تدخل الملائكة فيمن لقي النبي عليه الصلاة والسلام مؤمناً به؟ محل نظر، قد قال بعضهم: إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثاً إليهم أو لا؟ وقد نقل الرازي الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، لم يكن مرسلاً إلى الملائكة، ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلاً إليهم، لكن كونه مرسل إليهم أو غير مرسل لا فائدة وراءه، هم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، هؤلاء الخلق أنفاسهم عبادة، جميع تصرفاتهم عبادة، ولا يتلبسون بالمعصية، حيل بينهم وبين الشهوات، فكونه مرسل إليهم أو غير مرسل الخلاف لفظي، قال ابن حجر:"وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى"، وقال بعضهم: لا يعد صحابياً إلا من وصف بأحد أوصاف أربعة: من طالت مجالسته للنبي عليه الصلاة والسلام، أو حفظت روايته، أو ضبط أنه غزا معه، أو استشهد بين يديه، واشترط بعضهم في صحة الصحبة بلوغ الحلم، أو المجالسة ولو قصرت، اختار البخاري في صحيحه أن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، يعني مجرد رؤية حال كونه مؤمناً به يكون صحابي، ورجحه ابن حجر في الفتح إلا أنه هل يشترط في الرائي أن يكون بحيث يميز ما رآه أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية؟ محل نظر، وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني، أنه يكتفى بمجرد حصول الرؤية، يدل على الثاني فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبي بكر الصديق وإنما ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وأيام، كما ثبت في الصحيح، أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة، ولدته في المحرم قبل أن يدخلوا مكة، وذلك في أواخر ذي القعدة سنة عشر، ومع ذلك فأحاديث هذا الضرب مراسيل بلا شك.
يستحيل أن يكونوا سمعوا من النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة شيئاً، لكن في إثبات الصحبة لهذا الضرب نظر.