الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صار مخدوشا على هذا التقدير؛ إذ الكفاية بزاوية واحدة من السفينة في الإنجاء من الغرق مفروضة، والمقصود من الإمام أن أتباعه ناجين من عقاب الآخرة، ففسد مذهب الاثني عشرية، بل الإمامية كله، فلا يصح لكل فرقة من فرق الشيعة ذلك، بل لا بد لهم أن يعلموا جميع المذاهب حقا وصوابا، مع أن بين مذاهبهم كثيرا من التناقض والتضاد، والحكم في كلا الجانبين المتناقضين بكونهما حقا في غير الاجتهاديات قول باجتماع النقيضين، وهو بديهي الاستحالة.
الثاني:
بطريق الحل، بأن التمكن في زاوية من زوايا السفينة إنما ينجي عن الغرق لو لم يخرق في زاوية أخرى منها، وإلا فيحصل الغرق قطعا.
وما من فرقة من فرق الشيعة متمكنين في زاوية من هذه السفينة إلا وهم يخرقون في زاوية أخرى منها.
نعم؛ أهل السنة وإن كانوا يدورون في كل الزوايا المختلفة، ويسيرون فيها لكنهم لم يخرقوها في زاوية منها ليدخلها من ذلك الطرف موج البحر فيغرقها. والحمد لله على ذلك.
* وقوله: (ومن تولى بعلي.. إلخ) يفهم جوابه مما سبق، حيث ذكرنا أن الروافض غير مهتدين بهدي أهل البيت.
بل الذي أسس أساس مذهبهم عبد الله بن سبأ اليهودي، وهو أبوهم في التعليم؛ ولذا شابهوا اليهود في أفعالهم وأقوالهم من عدة وجوه ذكرناها في مختصر التحفة الاثني عشرية.
وأما قوله: (في شأنه التنزيل
…
إلخ) فهو على الرأس والعين وأي فضل لم يحزه أبو الحسنين؟.
وما في سورة {هَلْ أَتَى} في قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} .
وقد ألف أئمة أهل السنة في مناقب الأمير كرم الله وجهه
كتبا كثيرة. ومع ذلك لم تحط بشمائله ومزاياه رضي الله تعالى عنه، وأنت تعلم أن ما أورده الناظم من الكلام لا دخل له في باب المناظرة وساحة الخصام، بل مقصوده أن يسلي نفسه بنظم الرجز، لما نكص على عقبية وعجز، وما درى أن ذلك كان سبب حتفه، فهو كالجادع مارن أنفه بكفه ( «وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم» ) .
* قال الناظم [الرافضي] :
19 -
وقد كفى فيه حديث المنزلة
…
بنصبه الدين النبي أكمله
أقول: يريد الحديث الذي استدلوا به على كون الأمير كرم الله وجهه الأمير بلا فصل.
وهو ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن
تقرير الاستدلال أن المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا استثنى مرتبة النبوة ثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها: صحة الإمامة وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى؛ لأن هارون كانت له هذه المرتبة في عهد موسى.
فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل؛ وعزل النبي ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه، فثبتت هذه المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة.
والجواب: أن في هذا الاستدلال اختلالا من وجوه:
أما أولا: فلأن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، بل هم صرحوا بأنه في نحو (غلام زيد) للعهد، وكيف يمكن العموم في (ركبت فرس زيد) و (لبست ثوبه) غاية الأمر الإطلاق، وللعهد هنا قرينة (أتخلفني
…
إلخ) فالاستخلاف كالاستخلاف، فينقطع بانقطاعه، ولا إهانة، وهو واضح.
والاستثناء لا يكون دليل العموم إلا إذا كان متصلا، وهنا منقطع لفظا للجملية، ومعنى للعدم وهو ليس من المنازل.
وأيضا بالعموم والاتصال يلزم كذب المعصوم؛ إذ من المنازل ما لا شك في انتفائه، كالأسنية والأفصحية والشراكة في النبوة والأخوة النسبية، وأين هذا من الأمير كرم الله وجهه؟ .
وأما ثانيا: فلأنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هارون؛ لأنه كان نبيا مستقلا، ولو عاش لبقي كذلك، وأين النبوة من الخلافة؟ وهل هذا الاستدلال إلا من السخافة؟! .
وأما ثالثا: فلأن ما قالوا من أنه لو زالت هذه المرتبة من هارون لزم العزل، باطل؛ إذ لا يقال لانقطاع العمل عزل؛ لا لغة ولا عرفا ولا يفهم أحد من مثله إهانة، كما لا يخفى على المنصف.
وأيضا: تشبيه الأمير بهارون المستخلف في الغيبة الثابت خلافة ما سواه كيوشع بن نون وكالب بن يوقنا، بعد الوفاة، يقتضي بموجب التشبيه الكامل عدم خلافة الأمير بعد الوفاة أيضا، فتدبر.
ولو تنزلنا من هذا كله قلنا: أين الدلالة على نفي إمامة الثلاثة ليثبت المدعى؟ غاية ما يثبته الحديث الاستحقاق ولو في وقت من الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب غير تام، والله تعالى أعلم.
* [قال الناظم الرافضي] :
20 -
وآية الأنفس في التنزيل
…
مما بها قد اشتفى غليلي
أقول: يريد بآية الأنفس قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .
وهذه الآية أيضا مما استدلوا بها على إمامة الأمير بلا فصل، حيث قالوا: إنها لما نزلت خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من منزله آخذا بيده الشريفة أهل العبا وهو يقول: ( «إذا دعوت فأمنوا» ) فعلم أن المراد بالأبناء
الحسن والحسين، وبالنساء فاطمة، وبالأنفس الأمير، وظاهر استحالة الحقيقة، فالمراد المساواة، فمن كان مساويا للأفضل فهو أولى بالتصرف بالضرورة، فهو الإمام لا غيره.
وهذا أحسن تقريرهم في الآية، كما لا يخفى على المتتبع. وفي هذا الدليل نظر من وجوه:.
أما أولا: فلا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير؛ بل نفسه الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم والإمام داخل في الأبناء حكما كالحسنين، والعرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، والمنع مكابرة، والاعتراض بأن الشخص لا يدعو نفسه، في غاية الضعف، فقد شاع وذاع قديما وحديث (دعته نفسه) و (دعوت نفسي){فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} وشاورت نفسي، إلى غير ذلك.
وأيضا: لو قررنا الأمير من قبل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمصداق (أنفسنا) ، فمن نقرره من جهة الكفار لمصداق (أنفسكم) مع الاشتراك في (ندعو) ، إذ لا معنى لدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم
وأبناءهم بعد قوله: (تعالوا) .
وأيضا: قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في الدين.
قال تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي أهل دينهم {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} .
فللقرب والألفة عبر بالنفس، فلا يلزم المساواة كما في الآيات.
وأما ثانيا: فزوم المساواة في جميع الصفات بديهي البطلان لأن التابع دون المتبوع. وفي البعض لا تفيد لأن المساواة في بعض صفات الأفضل والأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة فليتدبر. والله أعلم.
* قال [الناظم الرافضي]
21 -
كآية الإيتاء للزكاة
…
لسائل الصلات في الصلاة
أقول: يريد بآية الإيتاء للزكاة
…
إلخ، قوله تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} .
ويزعم الرافضة أنها أيضا دليل على كون الأمير كرم الله تعالى وجهه الإمام بلا فصل، حيث قالوا: إن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير كرم الله تعالى وجهه، إذ أعطى المسائل خاتمه في حالة الركوع، وكلمة " إنما " للحصر، والولي: المتصرف في الأمور، والمراد به هنا: التصرف العام المرادف للإمامة بقرينة العطف، فثبتت إمامته، وانتفت إمامة غيره؛ للحصر، وهو المطلوب.
والجواب: أن الحصر ينفي أيضا خلافة باقي الأئمة، ولا يمكن أن يكون
إضافيا بالنسبة إلى من تقدمه؛ لأنا نقول: إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا حقيقيا، بل لا يصح لعدم استجماع من تأخر.
وإن أجابوا بأن المراد: الحصر للولاية في جنابه في بعض الأوقات، وهو وقت إمامته لا وقت إمامة الباقي، فمرحبا بالوفاق، فإنا كذلك نقول: هي محصورة فيه وقت إمامته لا قبله أيضا.
وبقي في استدلالهم هذا مفاسد أخرى يطول ذكرها، والكلام على هذه الآية مستوفي في كتابي " مختصر التحفة الاثني عشرية " و " السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة ".
* قال [الناظم الرافضي] :
22 -
وآية التبليغ أجلى آية
…
دلالة لصاحب الدراية
23 -
فأي أمر يقتضي التأكيدا
…
فيه بما يشابه التهديدا
24 -
غير الذي نحن به نقول
…
فهو الذي بلغه الرسول
25 -
يوم الغدير قائلا بين الملا
…
ألست أولى بكم قالوا بلى
26 -
فقال تبلغيا عن الله العلي
…
من كنت مولاه فمولاه علي
27 -
فيا إلهي وال من والاه
…
من أمتي وعاد من عاداه
28 -
ولم يكن مبلغا إن أهملا
…
نصب ولي عنه يتلو ما تلا
29 -
يقوم في مقامه مبينا
…
ما هو عند الله قد تعينا
30 -
لا يصدر الخطأ عنه أصلا
…
يحكم عدلا ويقوم فصلا
أقول: يريد بآية التبليغ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}
ويزعم الروافض أنها نزلت في إمامة علي كرم الله تعالى وجهه.
وقد أورد الخبيث يوسف الأوالي الرافضي العنيد عند الكلام على مثل هذا المقام من الأخبار الموضوعة والحكايات المصنوعة ما لا يشك عاقل في كذبها وزورها.
وقد أبطل كلامه العلامة الشيخ محمد أمين السويدي عليه الرحمة ورده أحسن رد، في كتابه " الصارم الحديد في عنق صاحب السلاسل العنيد " وهو من أجلة الكتب في هذا الباب، حيث لم يدع للروافض مسألة إلا جعلها كسراب.
وإني أذكر في هذا المقام ملخص ما أثبته في" مختصر التحفة الاثني عشرية " لينكشف لك حقيقة الدلائل الرفضية. فأقول: إن هذا الحديث فيه زيادات منكرة، والصحيح ما رواه الترمذي عن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من كنت مولاه فعلي مولاه» ) بهذا اللفظ فقط.
وروى الزهري وغيره ذلك مع زيادة: ( «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ) ورواه أيضا الإمام أحمد وغيره كذلك.
وأما مسلم فلم يخرجه في صحيحه، وافتراء الأوالي لا يصغى إليه ولم يذكر أحد من المحدثين نزول هذه الآية في هذا الحديث، وما ذكره الواحدي لا يعتد به؛ لمخالفته ثقات المحدثين، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أن في كتب الواحدي كثيرا من الموضوعات.
وعلى كل حال: إن الروافض قالوا في الاستدلال على مدعاهم: إن المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وهذا عين الإمامة.
فنقول أولا: لم يثبت كون المولى بمعنى الأولى، بل لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل أبدا، إلا أن أبا زيد اللغوي جوزه متمسكا بقول أبي عبيدة في تفسير {هِيَ مَوْلَاكُمْ} : أي أولى بكم.
وقد خطأه قائلين: لو صح هذا لصح أن يقال مكان " فلان أولى منك "" مولى منك " وهذا باطل منكر إجماعا، والتفسير بيان حاصل
المعنى، وهو: النار مقركم ومصيركم.
وثانيا: لو كان المولى كما ذكروا؛ فمن أي لغة ينقل أن صلته بالتصرف؟!! فلا يحتمل بالمحبة والتعظيم، وأية ضرورة في كل ما نسمعه نحمله على ذلك؟ .
قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} . وظاهر أن اتباع إبراهيم لم يكن أولى بالتصرف.
وثالثا: القرينة البعدية تدل على أن المراد الأولى بالمحبة، وهي " «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» " وإلا لقال: " اللهم وال من كان في تصرفه، وعاد من لم يكن كذلك " ولما ذكر المحبة والعداوة، والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أعلم الناس وأفصحهم، وقد بين لهم الواجبات أتم تبيين.
وهذه المسألة عمدة الدين، فلم لم يفصح بالمراد وإرشاد العباد، ويقول: يا أيها الناس علي ولي أمري، والقائم عليكم من بعدي، اسمعوا وأطيعوا.
قلت: ومثل هذا نقل عن السبط الأكبر.
وأما تخصيص الإمام بالذكر فلما علمه صلى الله تعالى عليه وسلم لوقوع الفساد والبغي في خلافته، وإنكار بعض الناس إمامته.
وقد تمسك بعض علماء الشيعة على إثبات أن المراد بالمولى الأولى بالتصرف باللفظ الواقع في صدر الحديث؛ وهو قوله: ( «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» ) وهذا هو الكلام القديم وعين الدعوى، فأي حاجة إلى هذا الحمل؟ بل ههنا أيضا بمعنى الأولى بالمحبة.
وحاصل المعنى: يا معشر المسلمين إنكم تحبوني أزيد من أنفسكم كذلك أحبوا عليا اللهم أحب من يحبه وعاد من يعاديه.
وهذا الكلام بمقام من الانتظام.
وهذا اللفظ قد وقع في غير موضع بحيث لا يناسب معنى الأولى بالتصرف، كقوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .
والسوق شاهد كما لايخفى.
ولو فرضنا كون " أولى " في صدر الحديث بمعنى " الأولى بالتصرف " أيضا لا يكون حمل المولى على ذلك مناسبا، إذ يحتمل أن يراد تنبيه المخاطبين بهذه العبارة ليستمعوا بأذن واعية وقلوب غير لاهية، وليعلموا أنه أمر إرشادي واجب الإطاعة، كما أن الأب يقول لأبنائه في مقام الوعظ والنصيحة: ألست أباكم؟ فافعلوا كذا؛ فمعنى ألست أولى بالمؤمنين؟ ألست رسول الله إليكم؟ أوألست بنبيكم؟ .
والربط حاصل بهذه العبارة كما هو ظاهر.
ومن العجب أن بعض المدققين منهم أورد دليلا على نفي معنى المحبة، وهو أن محبة الأمير كرم الله وجهه أمر مفاد، حيث كان ثابتا في ضمن آية {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} .
فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا.
ولا يخفى فساده؛ إذ فرق بين " بين بيان وجوب محبة أحد في ضمن عموم، وبين إيجاب محبته بخصوصه ".
مثلا لو آمن أحد بجميع الأنبياء والرسل ولم يتعرض لاسم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في الذكر، لم يكن إسلامه معتبرا.
على أن وظيفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تأكيد مضامين القرآن، قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وعلى ما قيل يلزم أن تكون التأكيدات من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في باب الصلاة والزكاة مثلا لغوا، والعياذ بالله تعالى.
ويلغو أيضا التأكيد في التنصيص على إمامة الأمير، وقد قالوا به، وسبب الخطبة على ما ذكره المؤرخون يدل صراحة على أن المراد المحبة.
وذلك أن جماعة كانوا مع الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، فلما رجعوا شكوا عليا ولم يحمدوا سيرته ولم يحسنوا سريرته، فلما أحس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك
خطب هذه الخطبة العامة دفعا للكلام، ودرءا لسائر الأوهام.
وممن أورد القصة مفصلة محمد بن إسحاق وقد ذكرها غيره أيضا فليتأمل.
وقوله: (ولم يكن مبلغا
…
إلخ) مردود بما سمعت.
وقد قيض الله تعالى لأمر الدين أناسا اقتدى بهم علي كرم الله تعالى وجهه، وغيره من الصحابة الأجلة رضوان الله عليهم أجمعين.
وقوله: (لا يصدر الخطأ عنه أصلا.... إلخ) سيأتي في بحث العصمة الكلام عليه مفصلا. إن شاء الله تعالى.
* [قال الناظم الرافضي] :
31 -
فمن تولى بعلي سعدا
…
فهو إمام ناطق ومقتدى
أقول: قد سلف لك ما ورد عن أهل السنة من الثناء على أهل البيت ما فيه كفاية لمن كان له بصيرة، وحلت في قلبه الهداية.
وقد ذكرنا أن الروافض لا حظ لهم من ذلك، ولا نصيب لهم مما هنالك، ولو أحبوهم لاقتدوا بهم، واهتدوا بهديهم.
وأنى لهم أن ينالوا هذه الدرجة الرفيعة وقد جعلوا مقت خير أمة أخرجت للناس وسيلة للنجاة وذريعة.
فالحمد لله الذي جعل كلا من أهل السنة هاديا مهديا، وأنالهم بولائهم لعلي وسائر أهل البيت مكانا عليا.
أنا عبد لعبد علي
…
غير أني أحب كل الصحابة
* [قال الناظم الرافضي] :
32 -
نحبه وحبه إيمان
…
وبغضه كفر وذا الميزان
أقول: هذا هو الذي تعلقوا به وتمسكوا في إنكار تعذيب الله من يشاء وإثابة من يشاء.
فقد قالت الإمامية من الروافض: إن أحدنا لا يعذب بصغير ولا كبير، لا في يوم القيامة ولا في القبر، وحب علي كرم الله وجهه كاف في الخلاص، إذ لات حين مناص.
تبا لهم، أولا يفقهون أن حب الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بلا إيمان ولا عمل غير كاف، كما هو غير خاف.
وهذا في الأصل مأخوذ من قول اليهود؛ حيث قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
وعمدة ما يتمسكون به مفتريات وضعها الضالون، وتلقتها الحمقاء الجاهلون.
منها: ما روى ابن بابويه القمي في علل الشرائع عن المفضل ابن عمرو، قال: قلت لأبي عبد الله: لم صار علي قسيم الجنة والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر، لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا يدخل النار إلا باغضوه.
ويدل على الوضع المخالفة للكتاب.
وأيضا: إن حب الأمير ليس الإيمان كله، وإلا لبطلت التكاليف، ولا تمام المشترك؛ لأن التوحيد والنبوة أصل قوي وأهم.
فهو جزء من أجزاء الإيمان، فلا يكفي وحده لدخول الجنة. وأيضا لا يدخل النار إلا مبغضوه يدل على أن لا يدخل أحد من الكافرين الغير الباغضين كفرعون وهامان، لأنهم لم يعرفوا فلم يبغضوا.
سبحانك هذا بهتان!! .
سلمنا ما يريدون، لكن لا يثبت المطلوب أيضا؛ لأن حاصل " لا يدخل الجنة إلا محبوه " أن لا يدخل الجنة من لا يحب عليا لا أن كل من يحبه يدخلها، والمدعى هذا لا ذاك، والفرق واضح.
فلهذا روى ابن بابويه القمي رواية أخرى عن ابن عياش أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: « (جاءني جبريل وهو مستبشر فقال: يا محمد إن الله الأعلى يقرئك السلام، وقال: محمد نبيي وعلي " حجتي "، لا أعذب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني) » .
ويدل على وضعهما لزوم التفضيل، كيف ولا خوف على العاصي -ولو منكرا للرسول- بحب علي، ولا منفعة للمطيع -ولو مؤمنا- ببغضه، وهي مخالفة أيضا لنصوص قاطعة، كقوله تعالى:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} إلى غير ذلك.
على أن التكليفات تكون عبثا، ولم يبق إلا الحب والبغض، وفيه الإغراء للنفوس وإمداد الشيطان، ومفاسد شتى، على أنه لم يذكر ذلك في القرآن.
وانظر إلى مرويات لهم أخر تناقض ما سبق وتعارضه.
لكن الكذاب -كما قيل- لا حافظة له، منها ما روى سيدهم وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال:«نظر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى علي فقال: هذا خير الأولين والآخرين من أهل السماوات وأهل الأرض، هذا سيد الصديقين، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، إذا كان يوم القيامة كان على ناقة من نوق الجنة، قد أضاءت»
ولا يخفى أن هذه ناصة على أن بعض العصاة ممن يحب الأمير يدخلون النار ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة، فإن كانوا محبيه فلم دخلوا، وإن لم يكونوا فلم خرجوا؟ .
وأيضا: تدل على كذب الحصر السابق في قوله: لا يدخل الجنة إلا محبوه، ولا يدخل النار إلا باغضوه. فالرواية باطلة.
* [قال الناظم الرافضي] :
33 -
وكم تواترت من الأخبار
…
في فضل أهل بيته الأطهار
34 -
وآية التطهير والمباهلة
…
فيهم ولا مجال للمجادلة
أقول: لم يزل يكرر هذا الرافضي معنى هذين البيتين ظنا منه أنه يروج ذلك على أحد العوام، فضلا عن العلماء الأعلام.
فقد ثبت بما قررناه سابقا أن الروافض نسبوا لأهل البيت ما لا ينسبه العدو إلى عدوه، حاشاهم الله من ذلك. وقد نبهناك سابقا أن الإمامية من الروافض قد حكموا بكفر بعض أهل البيت الذين سبق ذكر أسماء بعضهم.
وفضل أهل البيت أشهر من أن ينبه عليه، وأظهر من أن يشار إليه، وقد امتلأت كتب أهل السنة من ذلك، وفاح نشر عبيرها فيما هنالك.
وأراد بآية التطهير قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} .
وبآية المباهلة قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} .
وهما دالتان على الفضيلة لاغير، كسائر الآيات والأحاديث التي أشار إليها الناظم الزائغ عن منهج الحق في أبياته السابقة.
والكلام مستوفى عليها في: " مختصر التحفة " و " السيوف المشرقة ".
* [قال الناظم الرافضي] :
35 -
ولا يكون في تواتر الخبر
…
عدالة الرواة قطعا تعتبر
36 -
فكفر من بعد النبي الناصح
…
إلا القليل لم يكن بقادح
37 -
ألا وإنا لم نقل بالكفر
…
وقولنا أمر وراء الستر
أقول: كأن الناظم قصد بهذه الأبيات الرد على قول المؤلف العلامة المحقق -رحمه الله تعالى- في عدم إمكان إثبات الرافضة مطلبا ما من المطالب الدينية على القول بارتداد الصحابة -والعياذ بالله- إلا القليل، حيث قال: (وأما الخبر فحاله عندهم أشهر من نار على علم، وهو أيضا لا بد له من
ناقل، فهو إما من الشيعة أو من غيرهم، ولا اعتبار لغيرهم عندهم أصلا، لأن منتهى وسائطهم في رواياتهم المرتدون
المحرفون لكتاب الله تعالى المعادون المعاندون للأمير كرم الله تعالى وجهه وسائر أهل بيته.
وأما الشيعة: فيقال لهم: كون الخبر حجة؛ إما لأنه قول المعصوم أو وصل بواسطة المعصوم الآخر، وعصمة أحد بعينه لا تثبت إلا بخبر لأن الكتاب ساكت عن ذلك، ومع هذا لا يصح التمسك به والعقل عاجز.
والمعجزة على تقدير الصدور أيضا موقوفة على الخبر؛ لأن مشاهدة التحدي ورؤية المعجزة لم تيتسر للكل.
والإجماع إنما يكون حجة بدخول المعصوم مع أن في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر، وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره أو بخبر
المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح.
وأيضا: كون الخبر حجة متوقف على نبوة نبي أو إمامة إمام، وإذا لم يثبت بعد أصله كيف يثبت هو؟ والتواتر ساقط عن حيز الاعتبار عندهم؛ لأن كتمان الحق والزور في الدين قد وقع من نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وخبر الآحاد غير معتبر في هذه المطالب بالإجماع) . انتهى.
ولا يخفى على المنصف الخبير أن ما ذكره الناظم -الذي هو أحد الحمير- هو عين مدعاهم الباطل من غير استدلال عليه وتقرير، ولم يكن فيه إحدى الوظائف المقررة في علم المناظرة، بل وربما كان ما ذكره محض مكابرة.
على أنا قد أسلفنا لك أن جماعة من علمائهم [قالوا:] إنه لم يتحقق إلى الآن خبر بلغ التواتر إلا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» ) . نص عليه المقتول في البداية.
وأن القدر المشترك بين أخبارهم لم يتواتر مدلولها أيضا؛ إذ ليس في كتبهم خبر رواه جمع بلفظ واحد أو ألفاظ متقاربة يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، وذلك ظاهر لمن تصفح كتبهم.
وقد بينا حال أخبارهم على وجه لا يرتاب عاقل في فسادها في " السيوف المشرقة " فراجعة لتعلم حال مذهب أهل الزنذقة.
وقوله: (ألا وإنا لم نقل بالكفر.... إلخ) مردود بما نقل في الأصل عن سليم بن قيس الهلالي من الشيعة في كتاب " وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "، عن ابن عباس عن أمير المؤمنين، وعن غير واحد عن الصادق أن الصحابة ارتدوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
إلا أربعة.
وفي رواية عن الصادق: إلا ستة.
وسبب ارتدادهم بزعمهم تقديمهم أبا بكر رضي الله تعالى عنه على علي كرم الله وجهه في الخلافة، وعدم علمهم بحديث الغدير الذي هو نص عندهم في خلافة الأمير كرم الله وجهه بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلا فصل.
وثبوته -بزعمهم- ضروري عند جميع الصحابة، من حضر الغدير منهم
ومن لم يحضر. والخلافة أخت النبوة.
ولا فرق بين نافي النبوة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونافي الخلافة عن علي كرم الله وجهه في أن كلا منهما كافر.
وكذا لا فرق بين الإخلال بشأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والإخلال بشأن الأمير كرم الله وجهه، في أن كلا منهما كفر.
وقد جحد الجميع وأخلوا إلا الأربعة أو الستة بشأنه رضي الله تعالى عنه فكفروا والعياذ بالله تعالى) انتهى.
وتبين أيضا قوله: (وقولنا أمر وراء الستر) بما لا محيص لهم عنه. وهذه كتبهم طافحة بما تبرأ منه هذا الناظم الخبيث، ككتب ابن المطهر الحلي،
ويوسف الأوالي والطوسي وغيرهم من رؤساء
هذه الفرقة الضالة ودجاليهم.
هذا كتاب إحقاق الحق بين الأيدي، ولم يدع مؤلفه الخنزير من المثالب والمطاعن إلا ونسبها إلى من شيدوا الدين ونصروا شريعة سيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، بل ما كفاه ذلك حتى جعلهم أسوأ حالا من اليهود والنصارى والضالين الحيارى، سود الله وجهه
في الدنيا والآخرة وحشره وإخوانه مع فرعون وهامان وسائر الملل الكافرة.
نعم؛ إن أراد بقول: (وراء الستر) أنهم كتموه نفاقا وأخفوه خوفا من أهل الحق كسائر ما يتعبدون به، كان له وجه، فإنهم أظهروا غير ما أبطنوا وكتموا خلاف ما أعلنوا.
كتموا نفاقا دينهم ومخافة
…
فلو استطيع ظهوره لاستظهروا
لا خير في دين يتاقون الورى
…
عنه من الإسلام أو يتستروا
ليس التقى هذي التقية إنما
…
هذا النفاق وما سواه المنكر
هم حرفوا كلم النبي وخالفوا
…
هم بدلوا الأحكام منه وغيروا
لو لم يكن سب الصحابة دينهم
…
لتهودوا من دينهم وتنصروا
* [قال الناظم الرافضي] :
38 -
ولا يجوز سب غير من ظلم
…
آل النبي الغر شافع الأمم
39 -
وظلم من شاع لدى العوام
…
لم يك ثابتا بلا كلام
أقول: قد عرف السب في أصل الكتاب بما لا يحتاج إلى بيان وتبين فيه حكم الساب واللاعن بأتم دليل وبرهان.
وذكر فيه أن الشيعة جوزوا السب واللعن على أكثر الصحابة، ومنهم من كتم النص وهو بزعمهم حديث الغدير. وكذا من حارب الأمير كرم الله تعالى وجهه، كعائشة
وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو
ابن العاص وأضرابهم، بل اعتقدوا أن لعن هؤلاء وسبهم من أعظم العبادات وأقراب القربات
…
إلخ.
وهذا مما لا يحتاج إلى دليل، ولا قال ولا قيل. وقد صرح هذا الناظم بكثير من أبيات أرجوزته هذه بذلك:
* كقوله: (إذ العموم ظاهر.... إلخ) .
* وقوله: (وسب عمرو.... إلخ) .
* وقوله: (وكل باغ.... إلخ) وغير ذلك مما سلف ومما سيجيء.
* وقوله هنا: (ولا يجوز.... إلخ) قاصر، بل كل ظالم له هذا الحكم
بيقين، قال تعالى:{أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} .
ولم يكن أحد من الصحابة ظالما لأهل البيت، كما سيجيء بيان ذلك بأتم وجه، إن شاء الله تعالى.
* [قال الناظم الرافضي] :.
40 -
ولا نسب عمر كلا ولا
…
عثمان والذي تولى أولا
41 -
ومن تولى سبهم ففاسق
…
حكم به قضى الإمام الصادق
أقول: هذا كذب صريح، وبهتان فضيح، كيف؟ وقد زعم الروافض أن جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا من استثني قد ظلموا -وحاشاهم- أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
أيظن الناظم الضال أن دسائسهم تروج على أحد من أهل السنة، أو تخفى خبائثهم وقبائحهم على ذوي العقول، فيتخذ ذلك جنة.
ولعمري إن كفرهم أشهر من كفر إبليس، وبغضهم للصحابة رضي الله عنهم لا يخفيه تدليس ولا تلبيس.
* وقوله: (ومن تولى سبهم
…
إلخ) وكذا سب سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم مما لا ينتطح فيه كبشان ولا ينبغي أن ينازع فيه اثنان. وفي الأصل: وأطلق غير واحد القول بكفر مرتكب
ذلك لما فيه من إنكار ما قام الإجماع عليه -قبل ظهور المخالف- من فضلهم وشرفهم ومصادمة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفى من ربهم، ومن هنا كفر الرافضة من كفر. انتهى.
والكلام مستوفى في الأصل فراجعه.
* [قال الناظم الراقضي] :
42 -
وقد نفى الكفر أبو حنيفة
…
عمن يرى مسبة الخليفة
43 -
وفي البخاري سباب المسلم
…
فسق فوجه الكفر لما يعلم
44 -
وسب من صاحبه فلا تجز
…
ما دام مؤمنا وإلا فأجز
أقول: ما نسبه إلى الإمام أبي حنفية -رحمه الله تعالى- كذب لا أصل له، بل الثابت عنه وعن سائر أئمة أهل السنة عدم تكفير أهل القبلة ما لم يثبت عنهم إنكار ما علم ضرورة أنه من الدين، وإلا فيحكم عليهم بالكفر، كغلاة الشيعة والمجسمة القائلين: إن الله جسم كالأجسام، فإنهم كفار على ما صرح به الإمام الرافعي وهو الأصح.
وكذا القائلون: إنه سبحانه جسم لا كالأجسام في قول.
وكالقرامطة الجاحدين فرضية الصلوات الخمس، إلى شنائع أخرى من هذا القبيل.
وكالاثني عشرية، فقد كفرهم معظم علماء ما وراء النهر، وحكموا
بإباحة دمائهم وأموالهم وفروج نسائهم؛ حيث أنهم يسبون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لا سيما الشيخين رضي الله تعالى عنهما، وهما السمع والبصر منه عليه الصلاة والسلام.
وينكرون خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه.
ويفضلوا بأسرهم عليا كرم الله تعالى وجهه على الملائكة عليهم السلام وعلى غير أولي العزم من المرسلين، ومنهم من يفضله عليهم أيضا ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم.
ويحتجون على التفضيل بحجج أوهن من بيت العنكبوت قد ذكرناها في مختصر التحفة. ويجحدون سلامة القرآن العظيم من الزيادة والنقص، إلى غير ذلك من الفضائح.
وفي الشفا للقاضي عياض وشروحه كشرح الخفاجي وغيره في
هذا المقام كلام نفيس ينبغي الاعتناء به والاهتمام، فارجع إليه متأملا.
والله الموفق للصواب آخرا وأولا.
* وقوله: (وفي البخاري سباب المسلم
…
إلخ) إشارة إلى ما رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه.
قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن منصور قال:
سمعت أبا وائل يحدث عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( «سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر» ) .
والسباب: بكسر المهملة وتخفيف الموحدة، وهو من السب، بالتشديد، وأصله القطع. وقيل: مأخوذ من السبة، وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد.
فعلى الأول: المراد قطع المسبوب. وعلى الثاني: المراد كشف عورته؛ لأن من شأن الساب إبداء عورة المسبوب.
وقد علمت أن سب الصحابي -لاستلزامه إنكار ما قام عليه الإجماع- كفر على ما سبق. فما رواه البخاري عليه الرحمة محمول على ما إذا لم يكن للمسلم صحبة لأكرم الرسل عليه أفضل الصلاة وإكمال السلام.
وبه يندفع قوله: (فوجه الكفر لما يعلم) وفي هذا الحديث أن قتال
المسلم كفر.
وسيجيء من الناظم الاعتراف بذلك بقوله: (وفي البخاري قتال المسلم
…
إلخ) .
وقد صرح البخاري في كتاب الأدب أيضا بعيد ذلك الحديث بما رواه مرفوعا: ( «لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله» ) .
ولا يخفاك أن الروافض قد لهجوا بسب ولعن من ثبت بنصوص الكتاب والسنة والعترة الطاهرة إيمانه وإسلامه.
فوجه كفرهم حينئذ قد علم بالضرورة، ولا محيص لهم عن ذلك بوجه من الوجوه.
* [قال الناظم الرافضي] :
45 -
ويحك كيف تدعي العدالة
…
في كل صحب خاتم الرسالة
46 -
وما من الآيات في مدحهم
…
أتت فما زعمته لا يفهم
47 -
إذ مقتضى المدح هو الإيمان
…
ما لم يكن يمنعه العصيان
48 -
ومقتضى إيمان من قد استقر
…
إيمانه نفي الخلود في سقر
أقول: لا يخفى أن من راجع أصل الكتاب، وفهم ما فيه من الخطاب، لا يبقى له في عدالة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتياب، فإن فيه من الدلائل ما لا يبقي قولا لقائل.
غير أن البليد لا يفيده التطويل، ولو تليت عليه التوراة والإنجيل، ولا سيما الرافضة الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأعمى أبصارهم
حتى خفي عليهم الجلي، وأشكل عليهم البديهي الأولي، ولكن مع ذلك أذكر في هذا المقام ما عسى أن يصادف قلبا خاليا من وساوس الشيطان وخيالات الأوهام.
علي نحت القوافي من معادنها
…
وما علي إذا لم تفهم البقر
فأقول: يفهم من مجموع ما ذكر في الكتاب من الآيات والأحاديث الصحيحة والآثار وسائر المرويات مزيد علاهم عند مولاهم ووفور رغبتهم في تزكية سرهم وعلانيتهم، لم يألوا جهدا في وصل حبل الدين، وقطع دابر المشركين، ففتحوا أكثر البلاد بالسيوف، وسقوا أهل العناد سم الحتوف.
فيبعد كل البعد أن يذهب من ابتلي منهم بذنب إلى ربه قبل أن يغسل بصافي التوبة وسخ ذنبه، لا سيما وقد فازوا ولو لحظة بصحبة الحبيب الأكرم، وهي لعمري الإكسير الأعظم.
فلا يكاد يدعوهم ما أشرق عليهم من نور طلعته في ظلمة الذنب ودجنته.
بل يكاد يقطع بدخول من ابتلي منهم بشيء من ذلك حسب
قضاء الله تعالى وقدره حيث لا عصمة لهم دخولا أوليا في عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
ونحن لا ندعي اليوم عدالة أولئك القوم إلا بمعنى أنهم لم يذهبوا إلى رب العالمين إلا وهم ببركة صحبة الحبيب الأعظم طاهرين مطهرين.
وإذا تتبعت الأخبار تجد فيها ما هو كالنص في أنهم كلهم أخيار
فقد روى البزار في مسنده بسند رجاله موثقون من حديث سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
( «إن الله تعالى اختار أصحابي على الثقلين، سوى النبيين والمرسلين» ) .
وقال عبد الله بن هاشم الطوسي حدثنا
وكيع، قال: سمعت سفيان يقول في قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} هم أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه
وسلم. ولا يظن بمثل سفيان أن يقول ذلك من غير تثبت.
فالله الله في انتقاص أحد منهم بنسبته إلى الفسق ونفي العدالة عنه.
فقد روى الخطيب في الكفاية بسنده إلى أبي زرعة
الرازي أنه قال: إذا رأيت الرجل ينتقص [أحدا] من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم فاعلم أنه زنديق) ، ولتكن ممن يقول:{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .
واستدل الحافظ ابن حجر العسقلانى على ذلك بآيات كثيرة، منها قوله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} .
ومنها: ما يدل على دخولهم كلهم الجنة قطعا، ونقل هذا عن ابن حزم، وهو قوله تعالى:
{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} ورأيت في كتاب مفتاح دار السعادة لشيخ الإسلام وعلم الأعلام
الحافظ الشهير بابن قيم الجوزية -قدست أسراره الزكية- عند الكلام على قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) ما حاصله:
(أن من اشتهر عند الأئمة جرحه والقدح فيه كأئمة البدع ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين، ليسوا من حملة الدين والعلم، فما حمل علم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا عدل، ولكن قد يغلط في مسمى العدالة، فيظن أن المراد بالعدل من لا ذنب له، وليس كذلك، بل هو المؤتمن على الدين وإن كان له ما يتوب إلى الله تعالى منه، فإن هذا لا ينافي العدالة، كما لا ينافي الإيمان والولاية) انتهى.
وهو قول سديد وكلام مفيد يزول به الإشكال من غير قيل ولا قال
ولنعم ما قال العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد
ما نصه: (ويجب تعظيم الصحابة والكف عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهره الطعن فيهم على محامل وتأويلات، سيما المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، ومن شهد بدرا وأحدا والحديبية، فقد انعقد على علو شأنهم الإجماع، وشهدت بذلك الآيات الصراح والأخبار الصحاح، وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب. وكف اللسان عن الطعن فيهم، حيث قال عليه الصلاة والسلام: ( «أكرموا أصحابي فإنهم خياركم» ) وقال: ( «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل»
وقال: ( «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» ) .
وللروافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض من الصحابة رضي الله تعالى عنهم والطعن فيهم؛ بناء على حكايات وافتراآت لم تكن في القرن الثاني والثالث، فإياك والإصغاء إليها، فإنها تضل الأحداث وتحير الأوساط، وإن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصراط.
وكفاك شاهدا على ما ذكرنا أنها لم تكن في القرون السالفة، ولا فيما بين العترة الطاهرة، بل ثناؤهم على عظماء الصحابة وعلماء السنة والجماعة والمهتدين من خلفاء الدين مشهور، وفي خطبهم ورسائلهم وأشعارهم ومدائحهم مذكور، والله تعالى الهادي. انتهى.
وما ذكره عن الروافض قد تضاعف اليوم، فقد كان قدماؤهم يزعمون فسق الصحابة وحاشاهم إلا عليا كرم الله تعالى وجهه وشيعته كسلمان الفارسي، ثم فحش الأمر فادعوا ردتهم -وحاشاهم ألف ألف مرة-
واستثنوا عليا ومن معه ممن لم يبلغ عدة أصابع الكفين.
ومنهم: من خص ذلك بمن وقف على النص الذي يزعمونه في الخلافة ووافق على إلغائه.
ومنهم: من زعم -قاتله الله تعالى- النفاق في كبار الصحابة وشيخي المسلمين، وقد افتروا مطاعن للخلفاء الثلاثة وغيرهم، كعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين تقشعر من سماعها
جلود المؤمنين.
وقد ردها عليهم علماء أهل السنة وأذاقوهم ما هو أشد عليهم من وقع الأسنة.
وقد أوردت شيئا من ذلك في كتابي " رجوم الشياطين " و " السيوف المشرقة "، فعليك بهما، فإنك ترى الحق الحقيق بالقبول مسطورا، وتجد جبال خيالاتهم هباء منثورا.
والله ولي التوفيق.
* [قال الناظم الرافضي] :
49 -
وليس في اللعن على من قد خرج
…
على ولي الأمر مطلقا حرج
50 -
لا سيما حرب علي المرتضى
…
فالمصطفى بكفر حربه قضى
51 -
لقوله حرب علي حربي
…
فحربه كفر مبيح السب
52 -
وحمله على وجوب حربه
…
لا كفره حمل قضى بنصبه
53 -
إذ العموم ظاهر والأظهر
…
الكفر فالحمل عليه أجدر
أقول: إن الخروج والبغي على ولي الأمر إذا كان لدليل واجتهاد كما كان من الصحابة رضي الله عنهم، لا محذور فيه، بل يترتب عليه ثواب الاجتهاد على ما سيجيء إن شاء الله، ولا يلحقه ذم أصلا، فضلا عن اللعن الذي هو أدهى من السب وأمر، وإن لم يكن لدليل واجتهاد كان مرتكبه صاحب كبيرة، وهو ليس بخارج عن الإسلام بشهادة الآيات والأحاديث ونصوص الأئمة على ما سيجيء قربيا إن شاء الله تعالى،
وسباب المسلم ولعنه قد تبين لك حكمه قريبا.
فعلى كلا الوجهين قول الناظم الزائغ الذي هو عين قول إخوانه ناشئ من الجهل وعمى البصيرة، والعياذ بالله تعالى.
وإلا فلا يتصور ذلك من عاقل فضلا عن ذوي المعرفة من الأفاضل.
* وكذلك قوله: (لا سيما حرب علي
…
إلخ) فإنه أول دليل على جهلهم وضلالهم؛ إذ قد تبين في الأصل أن خبر " حربك حربي " ليس بمقبول لذى أهل السنة؛ كما نبه عليه الحفاظ.
ومن شرط الدليل أن يكون مسلما عند الخصم، كما هو مقتضى قانون المناظرة.
نعم ذكره الطوسي المنجم وغيره من
الشيعة، وهم بيت الكذب على ما
مضى ويأتي، وأكثر رواتهم زنادقة بشهادة الأئمة رضي الله تعالى عنهم، كما يشهد بذلك الكافي وغيره.
وعلى تقدير صحة الرواية، لا حجة فيه لأنه خارج مخرج التهديد والتغليظ، بدليل ما حكم به الأمير كرم الله تعالى وجهه من بقاء إيمان أهل الشام وأخوتهم في الإسلام. ومثل ذلك كثير في الكتاب والسنة.
أو يخص الحرب بما كان -كحرب الخوارج- صادرا عن بغض وعداوة وإنكار لياقة الأمير كرم الله تعالى وجهه للخلافة، باعتبار الدين، وذلك كفر عند كل مؤمن وأدلة التخصيص أكثر من أن تحصر.
وقال بعض: لا شك أن المقصود التشبيه بحذف الأداة كـ " زيد أسد " وكأنه قيل: حربك كحربي، فإن كان الحرب فيه المصدر المبني للفاعل صح أن يكون وجه الشبه الوجوب، أي أن حربك لمن حاربك وبغى عليك من المؤمنين واجب عليك كحربي لمن حاربني من الكافرين، واشتراك الحربين
في الوجوب لا يستدعي اشتراك المحاربين -بصيغة اسم المفعول- في الكفر، وهو ظاهر، وإن كان الحرب فيه المصدر المبني للمفعول صح أن يكون
وجه الشبه كونه حراما وضلالا مثلا، ولا يتعين كونه كفرا، ومن أصحابنا من منع كون حرب الرسول عليه الصلاة والسلام كفرا.
فقد قال سبحانه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} فإنها نزلت في آكلي الربا، وهم ليسوا بكفار.
وقال جل وعلا في قطاع الطريق: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ولم تحكم الشيعة بكفرهم أيضا، وفيه تأمل لا يخفى وجهه. انتهى.
فقد علمت بما تقرر أن قول الناظم: (وحمله.. إلخ) نشأ من مزيد ضلاله وغيه وغلوه في الدين؛ إذ الناصبي كيف يحمل الخبر -إن صح- على وجوب الحرب، بل لا بد أن يحمله كالروافض على ماتهواه أنفسهم من غير قرينة ولا دليل. وأما الوجوب فقرينته ظاهرة على ما قررناه سابقا.
* وقوله: (إذ العموم
…
إلخ) مردود بما ورد للتخصيص من الدلائل، منها قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلتين مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهما.
وفي نهج البلاغة: (أن عليا -كرم الله تعالى وجهه- خطب يوما فقال: أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاع والشبهة) .
وصلح الحسن رضي الله تعالى عنه أول دليل على ذلك عند من له قلب. وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم في سبطه الحسن رضي الله عنه: ( «إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) فسمى كلا الفئتين مسلمين. وفيه أيضا من حديث: ( «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول
في النار» ) فسمى كلا المتقاتلين مسلما. وهذا الحديث محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ.
وبطل أيضا قوله: (والأظهر الكفر.... إلخ) بما قررنا، فما هذى به ناشئ من سوء الفهم وقلة الدراية، ومستلزم للضلالة والغواية. نسأله تعالى التوفيق والهداية.
* [قال الناظم الرافضي] :
54 -
فما ادعوا في ابن البغي هند
…
من أنه تاب فغير مجد
أقول: اخسأ يا عدو الله ورسوله، أنت وإخوانك الشياطين، فقد بؤتم بغضب الله ومقته وخرجتم من طريقة المسلمين:
ماذا تقول من الخنا وتردد
…
والمرء يولع بالذي يتعود
أتظن يا لعين، ياحطب سجين، أن كل الناس كالروافض أولاد متعة
وزنى ومنشؤهم من الفواحش والخنا، كلا ما شارككم في ذلك أحد ولا ضاهاكم فيما هنالك إلا من كفر وجحد.
أعميت يابن الكلبة!! عن قرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فغدوت تصف من طهره الله تعالى بقبيح صفاتك، وتتكلم بما تتكلم.
ألم تعلم أن هندا -رضي الله تعالى عنها - على ما في " فتح الباري " شرح صحيح البخاري هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد
شمس، أحد أعمام النبي عليه الصلاة والسلام.
وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر، ثم أسلمت هند يوم الفتح وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة
المخزومي، ثم طلقها فتزوجها أبو سفيان فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي صلى الله عليه وسلم لما شرط على النساء المبابعة:{وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} : وهل تزني الحرة؟ .
وماتت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. انتهى.
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض»
«أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك. قال: (وأيضا والذي نفسي بيده) » .
قال ابن التين: (فيه تصديق لها فيما ذكرته) .
وقال غيره (المعنى بقوله: وأيضا، ستزيدين في المحبة كلما تمكن الإيمان من قلبك، وترجعين عن البغض المذكور حتى لا يبقى له أثر، فـ "أيضا"
خاص بما يتعلق بها، وكانت ابنتها من أمهات المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم.
فقد استحق هذا الناظم الخبيث أن ينشد فيه قول الإمام الأوحد الشيخ عثمان بن سند، وهو هذا:
على الناظم الملعون لعن مجدد
…
يدوم عليه دون من هو نائل
فاقصر عليك اللعن إنك قاصر
…
وهل وتد بالقاع للبدر طائل
وهل لبغاث الطير نسر صقورها
…
وهل يستوي زج فخارا وعامل
ومن نطق الذكر الجميل بفضله
…
فكل هجاء في مزايا باطل
وحقق لي فضل الصحابة أنهم
…
رمتهم بأنواع الهجاء الأراذل
فما زالت الأشراف يعنى بذمها ال
…
خساس ويعنى في ثناها الأفاضل
إلى أن قال:
ألا بغلاة الرفض تمكن فرصة
…
فأعلمهم والله كيف أقاتل
بكل همام من أولي الحق ضيغم
…
إذا انجر من حرب عوان كلاكل
فناجينه هام الكماة وخمره
…
نجيع المواضي واللباس القساطل
لأنصر صحب المصطفى بعد موتهم
…
فنصرهم فرض به الله قائل
إليكم ذوي الأقدار من صحب أحمد
…
خريدة فكر بالثنا تترافل
نضوت ظباها من مغامد فكرتي
…
فجزت بها للباغضين المقاول
فهذا فؤادي صاقل لحدودها
…
وهذا لساني ينتضي ويقاتل
عليكم من الرحمن ما ذر شارق
…
سلام به وصف المودة كامل
وقوله: (من أنه تاب فغير مجد) مردود بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ( «كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة»
«الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه [أن تقربي وأوحى الله إلى هذه] أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له» ) فمن حال بين الله وبين توبة من صاحب أشرف الخلق صلى الله تعالى عليه وسلم وكتب وحي ربه، وبذل نفسه في
سبيل الله على فرض صدور المعصية منه، وقد أسلفنا أن ما سبق من عناية الله تعالى في جميع صحابة حبيبه الأعظم -صلى الله تعالى عليه وسلم- يقتضي دخولهم بطريق الأولى في عموم قوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
نعم ذكر بعض المحققين من أهل السنة: أن توبة المبتدع لا تقبل بناء
على عدم تحقق رجوعه عما وسوس إليه الشيطان، وتمكن الضلال في قلبه، بخلاف الفاسق، فإنه يعترف بمعصيته، ويقر بخطيئته، ولا يعتقد أن ذلك من صالح الأعمال، وسبب للأمن من العذاب والنكال، فإذا ندم على ما فرط ورجع إلى الله، عفا الله عنه بمحض كرمه وجوده بلا اشتباه.
* [قال الناظم الرافضي] :
55 -
كيف وكان حربه دراية
…
وتوبة تنمى له رواية
أقول: سيجيء الكلام على أن حربه لم يكن معصية حيث لم يكن لعدواة دينيه.
* وقوله: " وتوبة
…
إلخ " لا يضر شيئا؛ لأن الرواية الصحيحة ولا سيما إذا عضدها الآيات والأحاديث وأقوال العترة -على ما سبق غير مرة- أفادت العلم بمدلولها.
وقد ذكر الأصوليون أن خبر الواحد قد يفيد العلم بقرينة، ويجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا، وكذا غيرهما قياسا.
فما ذكره من السند لا يفيده شيئا.
* [قال الناظم] :
56 -
ومن يقل عن اجتهاد كان
…
لم لا يقل في قاتلي عثمانا
أقول: لا شبهة في كون حرب الصحابة رضي الله عنهم بعضهم مع بعض ناشئا عن محض اجتهاد؛ لا من زيغ وعناد.
وقد ذكر العلامة ابن حجر المكي في كتابه " تطهير الجنان في الذب عن معاوية بن أبي سفيان " الدلائل التي تمسك بها معاوية في حربه مع الأمير كرم الله وجهه، ولو كان عن محض هوى لما تمسك بشيء من ذلك، على أن تخصيص معاوية بهذا الحكم غير مرضي؛ لأنه لم ينفرد به بل وافقه عليه جماعات من أجلاء الصحابة والتابعين كما يعلم من السير والتواريخ، وسبقه إلى مقاتلة علي من هو أجل من معاوية، كعائشة والزبير وطلحة ومن كان معهم من الصحابة الكثيرين جدا، فقاتلوا عليا يوم الجمل حتى قتل طلحة وولى الزبير ثم قتل.
وتأويلهم من كون علي منع ورثة عثمان من قتل قاتليه هو تأويل معاوية بعينه، فكما أن أولئك الصحابة الأجلاء استباحوا قتال علي بهذا التأويل فكذلك معاوية وأصحابه استباحوا قتاله بعين هذا التأويل.
ومع استباحتهم لقتال علي اعتذر علي عنهم نظرا لتأويلهم الغير القطعي البطلان، فقال:" إخواننا بغوا علينا ".
وأخرج ابن أبي شيبة بسنده أن عليا كرم الله تعالى وجهه سئل يوم الجمل عن المقاتلين له أمشركون هم؟ فقال: " من الشرك فروا " قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما هم؟ قال: هم إخواننا بغوا علينا.
فسماهم إخوانه، فدل على بقاء إسلامهم، بل كمالهم، أنهم معذورون في قتالهم له.
وروى عبد الرزاق عن الزهري أنه قال: (وقعت الفتنة فاجتمعت
الصحابة -وهم متوافرون وفيهم كثيرون ممن شهد بدرا- على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر، وكل ما أتلف بتأويل القرآن، فلا ضمان فيه.
وكل فرج استحل بتأويل القرآن فلا حد فيه، وما كان موجودا بعينه يرد على صاحبه.
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي أن عليا رضي الله تعالى عنه قال لأصحابه يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى سلاحه فهو آمن) .
وفي أخرى: (لا يقتل مقبل) أي إلا إن صال ولم يمكنه دفعه إلا بقتله (ولا مدبر، ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج ولا مال) .
قال ابن حجر في كتابه تطهير الجنان: (وأما تكفير طائفة من الرافضة لكل من قاتل عليا، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا، فلا يتأهلون لخطاب، ولا يوجه إليهم جواب؛ لأنهم معاندون وعن الحق ناكبون، بل أشبهوا كفار قريش في العناد والبهتان حتى لم ينفع فيهم معجزة ولا قرآن، وإنما النافع فيهم القتل والجلاء عن الأوطان، كيف وهم لا يرجعون لدليل وشفاء العليل منهم كالمستحيل.
* وقوله: (لم لا يقل في قاتلي عثمان) نشأ من جهله وغباوته وضلاله؛ لأن قاتليه رضي الله تعالى عنه لم يكونوا من الصحابة، بل من أوباش مصر كما حقق ذلك في الكتب المعتمدة عليها.
قال العلامة ابن حجر في تطهير الجنان: (إن عثمان رضي الله تعالى عنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلا قائلا له: ( «اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة» ) فلما أصبح أعتق عشرين عبدا وتسرول، ولم يلبس السراويل جاهلية ولا إسلاما إلا يومئذ؛ لأنه أبلغ في الستر من غيره.
وفي رواية: (أنه لما رأى ذلك المنام فتح بابه، ووضع المصحف بين يديه، فدخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما
فأخذ بلحيته، فقال: لقد أخذت مني مأخذا وقعدت مني مقعدا ما كان أبوك ليأخذه أو يقعده، فتركه وخرج، فدخل عليه رجل يقال له: الموت الأسود، فخنقه ثم خنقه، ثم خرج واعتذر بأنه لم ير شيئا قط ألين من حلقه، ثم دخل عليه آخر فقال له: بيني وبينك كتاب الله، فخرج، ثم دخل آخر فضربه بسيف فتلقاه بيده فقطعها والمصحف بين يديه) .
وفي رواية: أن الدم وقع على قوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . قال راويه: فهي في المصحف كذلك ما حكت بعد. انتهى. وتمام القصة في ذلك الكتاب فعليك به.
وقد ذكرت مبسوطة في كتب السير والتواريخ وفيها أشياء لم
تصح، فلا تغتر بها، ولو كان لأحد من الصحابة دخل في هذه الحادثة العظيمة حملنا ذلك أيضا على الاجتهاد، ولم يقل أهل السنة: إن قاتلي عثمان كفار بل هم عصاة مرتكبو كبيرة.
* قال الناظم:
57 -
وفي البخاري قتال المسلم
…
كفر ويحكى عن صحيح مسلم
58 -
ففي قتال المرتضى دلالة
…
بكفر أهل البغي والضلالة
أقول: قد تكلمنا سابقا على ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم: ( «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ) بلا مزيد عليه، وذكرنا أن القتال إنما يكون كفرا إذا لم يكن لتأويل سائغ؛ لأن الله تعالى قد سمى الطائفة الباغية مؤمنة.
وفي كتاب الإيمان من صحيح البخاري ( «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»
…
) إلخ فسماهما مسلمين، وكون القاتل والمقتول في النار إذا لم يكن لتأويل سائغ أيضا كما ذكره الحافظ ابن
حجر العسقلاني في شرحه على البخاري. وقال الأمير كرم الله وجهه على ما في نهج البلاغة: (أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة) .
فقد تبين لك أن الناظم وإخوانه من الرافضة قد خالفوا الله ورسوله والأئمة في حكمهم بكفر المقاتل من البغاة.
وسيجيء في صلح الحسن رضي الله تعالى عنه ما يكب الروافض على وجوههم ومناخرهم.
* [قال الناظم] :
59 -
وكيف لا نسب من يسب من
…
واخى النبي المصطفى أبا الحسن
60 -
محللا لسبه بين الملا
…
ويل لمن في كفره تأملا
أقول -وإن كان القول لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل -:
كفرت بلا شك لدى كل مسلم
…
بسبك أصحاب النبي محمد
كذبت عدو الله لست بصادق
…
وأني يرجى الصدق من قول مارد
كذبت فما كانوا سوى خير معشر
…
وخير نجار من فخار وسؤدد
ولنعم ما ذكر في الأصل، وما يذكره المؤرخون من أن معاوية رضي الله تعالى عنه كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه، ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي أن يعول
عليه أو يلتفت إليه؛ لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل، لا يدري ما يجمع.
فالاعتماد على مثل ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمه الذي تضل فيه القطا ويقصر دونه الخطا، مما لا يليق بشأن عاقل، فضلا عن فاضل.
وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة، فينبغي أيضا التوقف عن قبوله والعمل بموجبه، لأن له معارضات مثله في الصحة والثبوت. على أن من سلم من داء التعصب وبرئ من وصمة الوقوع في أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حمل ذلك على أحسن المحامل وأوله بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الأماثل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. انتهى.
ولعمري إن من لم يؤثر فيه مثل هذا الكلام، فلا شك أنه من جملة الأنعام.
* وقوله: (ويل لمن في كفره تأملا) ناص على كفره وكفر من يقول بذلك من إخوانه، كيف وقد حكم بإسلامه الأمير كرم الله وجهه
في خطبته السابقة ونهى عن سب أهل الشام ونزل الإمام الحسن رضي الله عنه عن الخلافة له كما سيأتي!! .
إلى غير ذلك من الدلائل والبراهين الدالة على إيمانه وإسلامه، وقد أسلفناها لك غير مرة.
فتبا لهذه الفرقة الضالة والفئة الزائغة، المستحقة لما أنشده فيهم الشيخ عثمان بن سند:
لا ساعدتني على أعدائي الذبل
…
ولا سما بي إلى مجد سما عمل
ولا شربت كئوس الفضل مترعة
…
علما ينادمني في شربها خول
ولا هززت من الآداب فن ثنى
…
يميس من لطفه طورا ويعتدل
إن لم أجرد حسام الهجو في نفر
…
تجردوا من لباس الدين وانعزلوا
وقطعوا ربقة الإسلام وانقطعوا
…
عن الجماعة أهل الحق وانخزلوا
وأصبحوا مثل أتن لا رعاة لها
…
بلى لها من هوى شيطانها طيل
إذ جردوا في لسان الصحب ألسنة
…
قد شانها الإفك والبهتان والخطل
حتى ادعوا أنهم عن عهد حيدرة
…
وعهد أحمد خير الناس قد عدلوا
وأنهم جحدوا يوم الغدير وما
…
حكاه فيه رسول الله وانتقلوا
والله ما جحدوا منه مناقبه ال
…
لاتي كشمس الضحى كلا وما جهلوا
وهل لهم جحد أوصاف له ظهرت
…
ظهور نار ذكاها اليل والجبل
أم كيف يجهلها قوم ضمائرهم
…
مثل المصابيح بالأسرار تشتعل
وأن يميلوا إليها مسرعين فما
…
عليهم حرج فالفضل يعتجل
وهذه القصيدة طويلة جدا قد اقتصرنا منها على ما يسر الودود ويسوء الحسود.
* [قال الناظم] :
61 -
وما روي فيه فكذب مفترى
…
وفعله الشنيع ينفي الخبرا
62 -
وهل يكون هاديا مهديا
…
من سن سب المرتضى عليا
63 -
وليته أبدله بالوارد
…
عن النبي في حديث القائد
أقول: إنكار ما روي في معاوية رضي الله تعالى عنه مكابرة، ونعوذ بالله تعالى منها. وقد ألف العلامة ابن حجر المكي كتابا جليلا في مناقبه (تطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان مع المدح الجلي وإثبات الحق العلي لمولانا أمير المؤمنين علي) . وهو ما يقارب مائتي صفحة، طالعته -ولله الحمد- من أوله وآخره فوجدته كتابا يصدح بالحق، وينطق بالصدق، وفي فتح الباري شرح
صحيح البخاري، في كتاب المناقب أن ابن أبي عاصم قد صنف جزءا
في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب، وأبو بكر النقاش. انتهى.
ولو لم تكن له منقبة سوى الصحبة لكفت في فضله.
كيف [لا] وأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يطاولون في فضلهم، ولا يساجلون في كمالهم، لو أنفق غيرهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولا يضرهم إنكار الروافض مناقبهم الجليلة، ومزاياهم الشريفة [قال تعالى] :{فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} .
وقوله: (وهل يكون هاديا
…
إلخ) ناشئ من تعصبه وضلاله، فإن لهذا الحديث شواهد كثيرة تؤكد صحته.
منها: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ) .
وقد خرج طرقه العلامة ابن حجر في تطهير الجنان، بحيث لا يشك في صحته إنسان.
* وقوله: (وسن السب) قد تبين كذبه بما لا مزيد عليه.
* وقوله: (وليته أبدله بالوارد
…
إلخ) باطل؛ إذ حديث القائد مما لا وجود له في الكتب المعتمد عليها لدى أهل السنة. وقد أورده ابن أبي الحديد في ضمن كتاب كتبه المعتضد
بالله
سنة (284) ناقلا له على سبيل الاختصار من تاريخ أبي جعفر محمد ابن جرير الطبري، وابن أبي الحديد لا يعتد بنقله، فإنه من الغلاة كما يدل على ذلك قوله في الأمير:
يجل عن الأعراض والأين والمتى
…
ويكبر عن تشبيهه بالعناصر
على أن ابن الأثير الجزري ذكر في حوادث سنة أربع وثمانين ومائتين: وفيها: أمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، وهو كتاب طويل، قد أحسن كتابته إلا أنه قد استدل فيه على وجوب اللعن بأحاديث كثيرة لا تصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولو سلم صحته فمحمول على ما قبل الإسلام، لعموم نصوص المدح من غير مخصص على الأصحاب بعده.
ولو سلم أن ذلك بعد الإسلام فاللعن الصادر عن النبي عليه الصلاة والسلام في حق بعض أمته محمول على الرحمة كما ورد ذلك في عدة أحاديث صحيحة.
استوفاها العلامة السويدي في كتابه الصارم الحديد.
فقد تبين بما قررناه أن قول الناظم وإخوانه مما لا ينبغي أن يصغى إليه فإنه محض هذيان لا يحتاج إلى التنبيه عليه.
* قال الناظم:
64 -
فحب من على الفراش اضطجعا
…
وحبه ضدان لن يجتمعا
65 -
فلا نحبه ورب الكعبة
…
كلا ولا نحب من أحبه
أقول: يريد بقوله: (من على الفراش اضطجعا) الأمير كرم الله تعالى وجهه، وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما عزم على الهجرة
أمر فاستصحب أبا بكر رضي الله تعالى عنه.
وأخبر عليا كرم الله وجهه بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس.
وأمر أن ينام عوضه في مضجعه ليبهم الأمر على كفار قريش وقال: إنه لن يصل إليك أمر تكرهه.
فبات على فراشه عليه الصلاة والسلام، وهم يرجمونه فلم يضطرب، ولم يكترث إلى أن كان نصف الليل، هجموا عليه شاهرين السيوف، فثار في وجوههم فعرفوه فولوا خاسئين، ورد الله كيدهم في نحورهم وسألوه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: لا
أدري. ومما ينسب إليه في ذلك قوله كرم الله وجهه:
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا
…
وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر
وبت أراعي منهم ما يسوءني
…
وقد صبرت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الغار آمنا
…
ولا زال في حفظ الإله وفي الستر
والقصة شهيرة في كتب السير.
وهذه شذرة من فضائله رضي الله تعالى عنه. وقوله: (وحبه
…
إلخ) الضمير لابن هند وهو معاوية رضي الله تعالى عنه. والضدان الأمران الوجوديان المتواردان على محل واحد، بينهما غاية الخلاف، كالسواد والبياض.
ولا يخفاك أن هذا حكم باطل، وكلام عاطل؛ بل هو ضرب من الهذيان أشبه شيء بكلام المجانين والصبيان، فإن من أحب معاوية رضي الله تعالى عنه إنما حبه لكونه صحب النبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه وكتب له وحي ربه وغزا معه وجاهد في سبيل الله، ولهذه المناقب الجليلة حملت محاربته على الاجتهاد، وإنها لم تكن لأمر دنيوي ولا فساد، والذي جرأ الناظم وإخوانه من الأرفاض على هذا القول الفاسد والزعم
الكاسد اعتقاد أن معاوية وأضرابه من الصحابة أعداء الأمير، وأن محاربتهم له نشأت عن محبة في متاع الحياة الدنيا ولمال كثير، وينشدون في ذلك قول من قال:
إذا صافى صديقك من تعادي
…
فقد عاداك وانقطع الكلام
وقوله:
صديق صديقي داخل في صداقتي
…
عدو صديقي ليس لي بصديق
وقد قدمنا لك ما يبطل ما اعتقدوه، ويهدم أساس ما شيدوه.
ويشهد لذلك ما ذكر في الأصل من خبر ضرار وكذا غيره من الأخبار
التي ملئت منها بطون الأسفار.
ثم إن كون حب شخص وحب آخر عدو له ضدان مما يشهد بفساده العيان من غير حاجة إلى دليل ولا برهان.
والكلام على فساد هذه القضية مستوفى في كتابي التحفة الاثني عشرية.
وقوله: (فلا نحبه ورب الكعبة
…
إلخ) مما لا يحتاج إلى قسم
فإن كل أحد يعلم بغض الروافض لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم، معاوية وغيره؛ إلا ما استثني منهم من العدد القليل.
فهذا القسم ليس للتأكيد ورد الإنكار؛ بل لإظهار كمال الرغبة في هذه العقيدة الفاسدة.
فهذا كقول إخوانهم الذي حكاه الله تعالى عنهم بقوله سبحانه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .
فقد ذكر علماء البلاغة أن تأكيد كلامهم مع شياطينهم ليس لرد إنكار فإنه لا إنكار، بل لإظهار كمال الرغبة فيه.
وبغضهم لمن أحب معاوية وسائر الصحابة من أهل الحق أيضا مما لا شبهة فيه، ولا ريب يعتريه.
[قال تعالى:]{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} ، وكفر إبليس اللعين أشهر من أن يذكر.
فلم يقصد الناظم بذلك الإخبار، بل قصد لازما من لوازم الخبر وهو أنه من أهل النار.
ورأس مال الروافض إنما هو البغض واللطم والسب واللعن والزور.
[قال تعالى] : {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وما أحسن قول الزومي:
لقد زادني حبا لنفسي أنني
…
بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وكل امرئ ألفى أباه مقصرا
…
عدو لأهل المكرمات الأفاضل
وإني شقي باللئام ولا أرى
…
شقيا لهم إلا كريم الشمائل
* [قال الناظم] :
66 -
وليس في صلح الإمام الحسن
…
باس فإنه لسر مكمن
67 -
كصلح جده نبي الرحمة
…
صلحا رأى فيه صلاح الأمة
68 -
وقد رأى بالأمس خير ناصح
…
صلح بني الأصفر للمصالح
69 -
لما تراءى مرض القلوب
…
من رؤساء الجند في الحروب
أقول: إن قصة صلح الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه مذكورة في
كتب الحديث
والسير بأتم وجه.
وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري مفصلة، وهي شهيرة لا حاجة لنا إلى ذكرها.
وهي أول دليل على إسلام معاوية رضي الله تعالى عنه.
وقد روى المرتضى وصاحب الفصول المهمة من الإمامية: أنه لما انبرم
الصلح بينه رضي الله تعالى عنه وبين معاوية خطب فقال: إن معاوية نازعني حقا لي دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم. انتهى.
وفي هذا دلالة واضحة على إسلام الفريق المصالح، وأن المصالحة لم تقع
إلا اختيارا، ولو كان المصالح كافرا لما جاز ذلك، ولما صح أن يقال: فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة
…
إلخ، فقد قال سبحانه وتعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .
* فقول الناظم: (وليس في صلح
…
إلخ) كلمة حق أريد بها باطل. وقوله: (لسر ممكن
…
إلخ) ليس له وجه، بل سر ذلك ظاهر لا يخفى إلا على من أعمى الله تعالى عين بصيرته؛ إذ قد صرح به الإمام في نفس خطبته، حيث قال: فنظرت الصلاح للأمة
…
إلخ) ويدل على ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم:
( «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» ) وفيه أيضا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق المصالح.
* وقوله: (كصلح جده
…
إلخ) قياس مع الفارق؛ فإن جده صلى الله تعالى عليه وسلم لم يول الكافرين على أمور المسلمين، بل هادنهم وتاركهم مدة، ثم قاتلهم حتى جاء نصر الله.
والإمام -بزعم الروافض- ولى ذلك من يعتقده الروافض كافرا
والعياذ بالله تعالى.
وفي فتح الباري شرح صحيح البخاري عند الكلام على قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} :
(ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة؛ أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا) .
* وقوله: (وقد رأى
…
إلخ) كذلك قياس مع الفارق؛ إذ لم يكن في هذا الصلح تولية الكفار على المسلمين، بل كان فيه إجراء بعض الشروط التي طلبوها.
* وقوله: (لما تراءى
…
إلخ) ليس كما زعم، فإن الجنود ورؤساءهم لم يألوا جهدا في جهادهم ولا قصروا في حروبهم؛ بل كان أمر الله قدرا
مقدورا. ولا يخفى ما في هذا الكلام من سوء الأدب في شأن رؤساء الجنود الإسلامية، والتجاسر على العساكر المحروسين بعين العناية الربانية.
ولا بدع في ذلك؛ فإنهم كم أجروا من الروافض الدماء، وقتلوا منهم الألوف، ويتموا الأولاد وأيموا النساء وسقوهم سم الحتوف، والوقائع معهم كثيرة، وقصص رزاياهم شهيرة:
ومن أشهرها: وقعة كربلاء في أيام نجيب باشا عليه الرحمة، وقد أرخها الشاعر الشهير السيد عبد الغفار الأخرس -رحمه الله تعالى- بقوله:
لقد خفقت في النحر ألوية النصر
…
وكان انمحاق الرفض في ذلك النحر
وفتح عظيم يعلم الله أنه
…
ليستصغر الأخطار من نوب الدهر
[علت كلمات الله وهي علية
…
بحد العوالي والمهندة البتر]
تبلج دين الله بعد تقطب
…
ولاحت أسارير العناية والبشر
محى الرفض صمصام الوزير كما محى
…
دجى الليل في أضوائه مطلع الفجر
وكر البلا في كربلاء فأصبحت
…
مواقف للبلوى ووقفا على الضر
غداة أبيدت مفسدي أهل كربلا
…
وكرت مواضيه بها أيما كر
فدانت وما دانت لمن كان قبله
…
من الوزراء السابقين إلى الفخر
وما أدركوا منها مراما ولا منى
…
ولا ظفروا منها بلب ولا قشر
وحذرهم من قبل ذلك بطشه
…
وأمهلهم شهرا وزاد على الشهر
وعاملهم هذا الوزير بعدله
…
وحاشاه من ظلم وحاشاه من جور
وأنذرهم بطشا شديدا وسطوة
…
وبالغ بالرسل الكرام وبالنذر
ولو يصبر القرم الوزير عليهم
…
لقيل به عجز وما قيل عن صبر
وصال عليهم عند ذلك صولة
…
ولا صولة الضرغام بالبيض والسمر
وصار بجيش والخميس عرمرم
…
فكالليل إذ يسري وكالسيل إذ يجري
وقد فسدوا شر الفساد بملكه
…
إلى أن أتاهم منه بالفتكة البكر
ومنهم بشهب الموت منه مدافع
…
لها شرر في دجى الليل كالقصر
رأوا هول يوم الحشر في موقف الردى
…
وهل تنكر الأهوال في موقف الحشر
فدمرهم تدمير عاد لكفرهم
…
بصاعقة لم يبق للقوم من أثر
* إلى أن قال:
تجول المنال بينهم بجنودها
…
بحيث مجال الحرب أضيق من شبر
تلاطم فيها الموج والموج من دم
…
تلاطم موج البحر في لجة البحر
فلاذوا بقبر ابن النبي محمد
…
وقد سر في تدميرهم صاحب القبر
فإن تركوا لا يترك السيف قتلهم
…
وإن ظهروا باءوا بقاصمة الظهر
ولا برحت أيامه الغر غرة
…
تضيء ضياء الشمس في طلعة الظهر
ولازال في عيد جديد مؤرخا
…
فقد جاء يوم العيد بالفتح والنصر
ومتى رأى الروافض تشاغل المسلمين بالحروب مع أعداء الله انتهزوا الفرص، فأثاروا من عثير الفساد ما يغبر منه وجه البسيطة بلا اشتباه.
نسأل الله تعالى أن يطهر الأرض منهم.
* [قال الناظم] :
70 كل باغ فاسق أو كافر
…
ومن نفاه عنهما مكابر
أقول: البغي إن لم يكن عن دليل واجتهاد كبيرة كما سبق.
ومرتكب الكبيرة ليس بكافر كما هو مذهب أهل الحق الحقيق بالقبول؛ للآيات والأحاديث والآثار التي سبق بعض منها.
وكون مرتكب الكبيرة كافرا إنما هو مذهب الخوارج
والروافض ونحوهما، وقد فصلت هذه المسألة في كتب الكلام أتم تفصيل.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* [قال الناظم] :
71 -
وسب عمرو ويزيد عندنا
…
ندب به نقول قولا معلنا
72 -
وإن من أنكره لمنكر
…
وجدانه والأمر فيه أظهر
73 -
من ذا الذي يمنع سب من سبا
…
آل النبي المصطفى واعجبا
74 -
سباهم سبي العبيد والإما
…
لكفره كما به ترنما
75 -
وأمر عمرو طفحت به السير
…
فشاع ما قد شاع فيه واشتهر
76 -
وكفره عند أولي الأبصار
…
كالشمس في رابعة النهار
77 -
وفي ركونه إلى معاوية
…
كفاية عن القضايا الباقية
أقول: الندب وما يرادفه كالمندوب، والأولى، والسنة، والمستحب، ونحو ذلك " ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه "؛ لأنه الاقتضاء للفعل غير كف لا على سبيل الجزم، وهو أحد أقسام الحكم الذي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث هو مكلف، اقتضاء جازما أو تخييرا. ولم يرد في شريعة من الشرئع التكليف بسب أحد والإثابة على ذلك فضلا عن شريعة الإسلام التي جاء بها خير الخلق عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.
* فقول الناظم: (ندب
…
إلخ) ظاهر البطلان، لا يحتاج في كذبه إلى بيان.
كيف لا؟ ! وفيه أيضا مخالفة لما ثبت عن الأمير كرم الله وحهه، في نهج البلاغة حيث قال، وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا وبينهم
…
إلخ) .
وطنين ابن أبي الحديد بالتفرقة بين السب واللعن مما لا يصغى إليه؛ فإن اللعن أدهى من السب وأمر.
وسب عمرو رضي الله تعالى عنه على الوجه الذي لهج به الروافض كفر بلا شبهة؛ كسب باقي الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وما ورد في فضلهم من الآيات والأحاديث الصحيحة تثبت أنه كان من
أجلة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف لا وقد ثبت أنه لما أسلم كان صلى الله عليه وسلم يقربه ويدنيه، وولاه غزاة ذات السلاسل. وأمده بأبي بكر وعمر وأبي
عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنهم.
ثم استعمله على عمان فمات
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أميرها.
ثم كان من أمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر رضي الله تعالى عنه.
وهو الذي افتتح قنسرين ومصر.
وصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكيا وولاه عمر فلسطين.
وقال إذ رآه يمشي: (ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا) .
وأخرج الإمام أحمد من حديث طلحة -أحد العشرة المبشرين- رفعه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ( «عمرو بن العاص من صالحي قريش» ) .
وكان شديد الحياء من رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم إلى غير
ذلك من فضائله التي يضيق عنها مثل هذا المقام.
وذكر الناظم لأخيه يزيد في هذا المقام، مما لا وجه له؛ لأنه قد اتفق الأجلة على جواز
لعنه لأفعاله القبيحة.
وتطاوله على أهل العترة الطاهرة.
ولعمري إن ما يفعله الروافض اليوم من التشبيه بأهل البيت والبهتان
عليهم ما يستقل لديه قبح فعل يزيد اللعين الطريد، وفضحوهم في كل سنة بمرأى من سائر الملل ومسمع.
هتكوا الحسين بكل عام مرة
…
وتمثلوا بعداوة وتصوروا
ويلاه من تلك الفضيحة إنها
…
تطوى وفي أيدي الروافض تنشر
وقد اعترف العقلاء منهم بقبح صنيعهم هذا، فأعلن بالإنكار عليهم فلم يلتفتوا إليه، كيف وقد صارت اليوم هذه القبائح مدار معاشهم، ومنتهى آمالهم، فلذا أظهروا للناس أنها من أحسن العبادات وأعظم الطاعات،
ورووا في فضلها أكاذيب زخرفوها ومفتريات صنفوها، ولولا ضيق المقام لبسطنا في إبطالها الكلام.
قوله: (من ذا الذي.... إلخ) في حق أخيه يزيد، ولا كلام لنا في ذلك الضال العنيد.
قوله: (وأمر عمرو
…
إلخ) صحيح، ولكن طفحت بمناقبه وفضائله التي أشرنا إلى شذرة منها، وما ثبت في التواريخ لا يعول عليه أهل الحق.
قوله: (وكفره
…
إلخ) مردود بما أسلفناه لك غير مرة، وتبين أن
القائل بذلك كافر كالشمس في رابعة النهار.
قوله: (وفي ركونه
…
إلخ) لا يوجب تكفيره، بل ولا تفسيقه فإن حكمه حكم سائر من بغى على الأمير كرم الله تعالى وجهه، وهم مسلمون بشهادة علي كرم الله تعالى وجهه.
إذ صح عنه أنه قال فيهم: (إخواننا بغوا علينا) كما سبق وهو الذي يقتضيه معاملته رضي الله تعالى عنه لهم أحياء وأمواتا، كما لا يخفى على من راجع تواريخ الفريقين.
ثم إن قلنا: إن ما صدر من هاتيك الحروب، الجالية للكروب، كان صادرا عن اجتهاد لا عن حظ نفس وعناد، كما يدعو إليه الحث على حمل حال المسلم على الصلاح، لا سيما أمثال أولئك الأكابر، الذين سلف لهم ما سلف من المآثر، فهو مسلم صحابي عدل مجتهد مثاب، لكنه مخطئ فيما فعل من غير شك ولا ارتياب، إذ الحق مع علي يدور حيث ما دار.
وإن قلنا: إن ذلك كان عن حظ دني ومرام دنيوي، كما قد قيل ذلك -
إن حقا وإن كذبا- فهو رضي الله عنه قد ندم على فعله أشد الندم، ولم يتوف إلا عن توبة محت بفضل الله تعالى كل حوبة، والله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
وقد صح أنه قال في آخر أمره ومنتهى عمره: (اللهم إنك أمرتنا فعصينا ونهينتنا فارتكبنا فلا أنا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت) ثم فاضت روحه رضي الله تعالى عنه. ( «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» )
وقصة وفاته ذكرها غير واحد.
وأطال الكلام عليها ابن عبد الحكم في فتوح مصر.
وماذا علينا إذا قلنا: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقد سبق لك ما فيه كفاية.
* قال الناظم:
78 -
عائش ما نقول في قتالك
…
سلكت في مسالك المهالك
79 -
أعرضت عن نبح كلاب الحوأب
…
وفيه خالفت النبي العربي
80 -
وليس يأتي عذر الاجتهاد
…
قبال تنصيص النبي الهادي
81 -
رضيت في عثمان بالقتل وقد
…
طالبت بالثأر بغير مستند
82 -
لكنك زوجة خير البشر
…
ونحن يا أم على تحير
83 -
قد قيل تبت وعلي غمضا
…
عن أمرك والأمر تابع الرضا
84 -
فسبك في رأينا محرم
…
لأجل عين ألف عين تكرم
أقول: غرض الناظم بهذه الأبيات الطعن على أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بما وقع في القصة الشهيرة، ولو كان له ولإخوانه فطنة وأدنى
بصيرة لما تفوهوا بمثل هذا الكلام، بعد أن وقفوا على ما ذكر في الأصل، مما يزيل الشبه والأوهام، ولكن قد استحوذ الشيطان على قلوبهم، فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكرنا لك أصلا يندفع [به] ما أصروا عليه من الضلال، ويرفع
من البين القيل والقال.
فإن من وقع منه القتال يوم الجمل كطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، كانوا محبين للأمير كرم الله تعالى وجهه، عارفين له فضله، كما أنه رضي الله عنه في حقهم كذلك، وليس بين ذلك وبين القتال الواقع في البين تناف؛ لأن القتال لم يكن مقصودا؛ بل وقع عن غير قصد، لمكر من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه الذين كانوا بعشائرهم في عسكر الأمير، إذ غلب على ظنهم من خلوته بطلحة والزبير أنه سيسلمهم إلى أولياء عثمان.
فأطاروا من نيران غدرهم شرارا، ومكروا مكرا كبارا، فأوقعوا القتال بين الفريقين، فوقع ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين. فكل من الفريقين كان معذورا {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا
مَقْدُورًا} . على أن القتال لو فرض كان قصدا، فهو لشبهة قوية عند المقاتل أوجبت عليه أن يقاتل، فهو بزعمه من الدين، ونصرة المسلمين وليس من الغي والاستهانة بالأمير في شيء.
ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة، ولا يدنس رداء الصحبة. وقد صرح بعض العلماء أن شكوى الولد على أبيه لدين له عليه قادر على أدائه ومماطل فيه ليس من العقوق، ولا مخل بما للوالد من واجب الحقوق.
وإن أبى تعصبك هذا قلنا: إن القوم رضي الله تعالى عنهم كانوا من قبل ما وقع من المخلصين الأبرار، لكن لعدم العصمة وقع منهم ما غسلوه ببرد التوبة وثلج الاستغفار. ويأبى الله تعالى أن يذهب صحابي إلى ربه قبل أن يغسل بالتوبة والاستغفار درن ذنبه.
وبنحو هذا سبق لك الجواب عن أصحاب صفين من رؤساء الفرقة
الباغية على علي أمير المؤمنين والمتلوثة سيوفهم في تلك الفتنة أقل قليل.
ولولا عريض الصحبة وعميق المحبة لدلع القلم لسانه الطويل، فقف عند مقدارك، فما أنت وإن بلغت الثريا إلا دون فعال أولئك.
وقوله: (أعرضت
…
إلخ) أشبه شيء بنبح الكلاب، بعد ما ذكر في الأصل من الجواب، وهو أن الثابت أنها لما علمت ذلك وتحققته من محمد بن طلحة همت بالرجوع، إلا أنها لم توافق عليه، ومع هذا شهد مروان بن الحكم مع ثمانين رجلاً من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان
مكان آخر وليس بحوأب.
على أن: (إياك أن تكوني يا حميراء) ليس موجودا في الكتب المعول
عليها فيما بين أهل السنة.
فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد.
وبه يتبين أيضا فساد قوله: (وليس يأتي
…
إلخ) على أنه لو كان لا يرد محذورا أيضا، لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا المكان، وحيث علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه، إلى آخر ما ذكر في الأصل مما يجب مراجعته.
قوله: (رضيت في عثمان
…
إلخ) من المفتريات، كيف وقد كانت
تعترف بأن عثمان إمام مفترض الطاعة؟ !
وروى الترمذي عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان: ( «يا عثمان [إنه] لعل الله أن يقمصك قميصا فإن أرادوك على
خلعه فلا تخلعه لهم» ) . وفي رواية: ( «لا تخلعه. ثلاثا» ) .
وما ذكره ابن قتيبة لا يعتد به كما فصلته في
كتاب " السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة " وقوله: (ونحن يا أم
…
إلخ) كذب، بل هي رضي الله عنها أم
المؤمنين، وكونهم متحيرين فيها دليل على ما قلنا، وليسوا متحيرين في هذا المسألة فقط، بل في كل مسائلهم أصولية أو فروعية، وهم في ريبهم يترددون.
قوله: (قد قيل تبت
…
إلخ) قد ذكرنا لك قريبا ما يحقق التوبة، وكذا عند الكلام على عدالة الصحابة.
وقوله: (فسبك.... إلخ) كذب والعيان شاهد على ذلك.
وفي هذه الأبيات من السب ما لا مزيد عليه، إذ السب في اللغة: الشتم، ويكون بكل ما فيه تنقيص.
وأي نقص أعظم مما افترى به من مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وأبى الله إلا أن يفضح الروافض من حيث لا يشعرون.
نسأل الله تعالى الأمن والأمان من الخذلان والخسران.
* [قال الناظم] :
85 -
فقل لمن كفرنا يا غمر
…
من أي أمر لك بان الكفر
86 -
وهل يحل مالنا إلا لدى
…
من ستر الحق وأبدى ما بدا
87 -
وكيف من يسب ذا النورين
…
والمرتضى الطهر أبا السبطين
88 -
لم يك محكوما بكفره ولا
…
ترون ما يملكه محللا
أقول: ما ثبت عن الروافض اليوم من التصريح بكفر الصحابة الذين كتموا النص بزعمهم، ولم يبايعوا عليا كرم الله تعالى وجهه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه كذلك، وكذا
التصريح ببغضهم واستحلال إيذائهم، وإنكار خلافة الخلفاء الراشدين منهم
والتهافت على سبهم ولعنهم تهافت الفراش على النار دليل على كفرهم.
وقد أجمع أهل المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على القول بكفر المتصف بذلك.
وما روي عن بعضهم من أن الساب يضرب أو ينكل نكالا شديدا، محمول على ما إذا لم يكن السب بما يوجب تكفيرهم -رضى الله تعالى عنهم- وكان خاليا عن دعوى بغض وارتداد واستحلال إيذاء، وليس مراده أن حكم الساب مطلقا ذلك، كما لا يخفى على المتتبع.
وتمام الكلام في الأصل.
ورحم الله السيد عبد الغفار حيث يقول:
ألم تكفر الأرفاض والكفر دينهم
…
وقد نسبوا صحب النبي إلى الكفر
صحابة هادينا وأعلام ديننا
…
تسب بلا ذنب جنته ولا وزر
أكان جزاء المصطفى سب جنده
…
وأزواجه ظلما وأصحابه الطهر
وأما قوله: (وهل يحل
…
إلخ) فليس من المتفق عليه بين الفقهاء، ومن أحله استند إلى كون الروافض من الحربيين مع ما انضم إليه من كفرهم بتكفير الصحابة رضي الله عنهم.
والتفصيل في فتاوى الحامدية، وكذا في أكثر كتب الحنفية، وأما قوله: (وكيف
…
إلخ) فليس بصحيح، بل الصواب ما قدمناه من أن من سب أحدا من الصحابة وكفره فهو كافر، سيما إذا كان من أجلتهم رضي الله تعالى عنهم.
ومن صرح بخلاف ما ذكرنا فهو مردود لا يلتفت إليه، ولا يعول عليه، والحق أحق بالقبول، والله شاهد على ما نقول.
* [قال الناظم] :
89 -
وشيعة الغر الهداة البررة
…
عندك يا غمر عتاة كفرة
90 -
لقد سلكت مسلكا من سلكا
…
فيه فعن بينة قد هلكا
91 فالدين عند ربنا الإسلام
…
وديننا الإسلام والسلام
أقول: كل أحد يدعي أنه على الحق وغيره على الباطل، وذلك مصداق قوله تعالى:{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .
وقد تفضل الله تعالى على نوع نبي آم بالعقل والإدراك ليتميز به الحق من الباطل والرائج من العاطل، وشرع سبحانه لعباده من الدين ما وصى به الأنبياء والمرسلين وأنعم علينا جل شأنه ببعثة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فأنقذنا من الضلالات، ونجانا من مهالك الجهالات بشريعته الغراء الواضحة البيضاء، وقد حملها في كل قرن عدوله،
وحفظها في كل عصر أساطينه وفحوله، ونفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فمن جرد نظره عن وساوس النفس وشبهات الأوهام، وانفرد بعقله عما كان يمنعه عن قبول الحق من الإلف والعادة وتقليد آراء الأفهام، تبين له بالضرورة فساد ما عليه الروافض اليوم من العقائد والعوائد المنكرة، وظهر له أن ما ادعوه محض وساوس لا معاني مبتكرة؛ وذلك لأن ما ألفوه من الهوى والزيغ صدهم عن اتباع الحق ومنع العقل السليم أن يسلك في منهج الصدق، لأن العوائد طبائع ثوان، وهي قاهرة لذوي الفضل والعرفان.
فليصن المرء من العوائد التي استأنس بها، وتربي عليها فإنها سم قاتل قل من سلم من آفاتها وظهر له الحق معها، ألا يرى أن قريشا لأجل العوائد التي ألفتها نفوسهم أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به من الهدى والبيان، وكان ذلك سببا لكفرهم وطغيانهم، وقد خالف المبتدعون ما جاءت به الرسل وناقضوه، ومع ذلك يزعمون أنهم الهداة البررة، إن هذا لشيء عجاب.
انظر إلى حال المشركين مع ما كانوا به من غزارة العقل وفرط الذكاء وكمال الدراية، كيف منعتهم العوائد وما كانوا يألفونه مما تلقوه عن أسلافهم نتائج الدلائل البرهانية، وغايات المعجزات النبوية، حتى ترددوا واستفهموا، فقالوا: أي الفريقين أهدى سبيلا؟ بل ربما قطعوا بأن ما هم عليه هو الحق الذي لا معدل عنه، كما قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} هذا مع ظهور فساد ما هم عليه، وبداهة قبائح ما ذهبوا إليه. وهكذا حال الروافض اليوم، وإلا فكيف يتصور عاقل سلم عقله من داء الغفلة، وتجرد عن شواغل الإلف والعادة أن جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين توفي عنهم وهم على ما يقال مائة وأربعة وعشرون ألف صحابي
قد ارتدوا عن الدين وزاغوا عن شريعة سيد المرسلين إلا نحو أربعة أو ستة بسبب تقديمهم أبا بكر على علي في الخلافة، مع ما جاهدوا لله حق جهاده، حتى فتحوا البلاد، ودوخوا أهل الكفر والعناد. وقد أثنى الله عليهم في كتابه بما لا مزيد عليه، وكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الأمير كرم الله تعالى وجهه كان يقول في وصفهم على ما في نهج البلاغة: (كانوا إذا ذكروا الله تعالى همت أعينهم حتى تبل ثيابهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب ورجاء للثواب) .
كيف يكون مذهب الروافض حقا وجميع معتقداتهم أمور موهومة وأشياء غير معلومة.
فإن منهم من يعتقد أن المعبود رجل واحد أو اثنان أو خمسة.
وكل منهم يأكل ويشرب وينكح ويلد ويولد، أو يغلب عليه عباده.
ومنهم من يقول: إنه جسد له طول وعرض وعمق، وغير ذلك من صفات الأجسام.
ومنهم من يعتقده أنه لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها.
ومنهم من يعتقده أنه لا يحصل أكثر مراداته سبحانه في الدنيا، وكثيرا ما يقع مراد من يعاديه كإبليس وجنوده وسائر الكفرة.
ومنهم من يعتقد أنه يرضى لعباده الكفر، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وأما الرسول الذي آمنوا به فهو بزعمهم رجل من العرب لم يبلغ رسالات ربه، وليس هو أفضل الخلق، بل إن من ليس بنبي يساويه بزعمهم، وأنه رد الوحي مرتين، وأنه لم يبلغ رسالات ربه في آخر حياته خوفا من ضرر أصحابه، وأنه أمر خيار أهل بيته بأن يكذبوا على الله ورسوله ماداموا أحياء،
وأن يفتوا في الدين بخلاف ما أنزل الله، وأن يحللوا فروج فتياتهم لشيعتهم، وأن يكرهوهن على البغاء إن أردن تحصنا، وأن يأمروا شيعتهم بإخراج أمهات أولادهم وسائر جواريهم لأهل مذهبهم.
وأن يقرءوا في الصلاة بعض كلمات ليست من القرآن وأن لا يقرءوا فيها بعض ما هو من القرآن، وأن يأمروا شيعتهم أن يرضوا من خالفهم بما لا يرضى الله تعالى لهم من الضلال إلى غير ذلك أن النبي الموصوف
بهذه الصفات ليس هو محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب، بل لم يرسل الله تعالى قط نبيا بهذه الصفة.
وأما إمامهم في كل عصر فهو رجل كثير الخوف، يخشى من صفير الصافر، وبزعمهم أن جميع الأئمة كانوا أذلاء مغلوبين، يفترون على الله الكذب، ولا يمكنهم إظهار الحق، ويخشون من محبيهم الذين يصلون عليهم في صلواتهم، وأن خاتمتهم -كما زعموا- أشدهم جبنا وأكثرهم خوفا.
وقد اختفى لما خوفه في صباه بعض الناس، وأنه لا يظهر على أحبائه ولا على أعدائه لمزيد خوفه. وقد طالت مدة غيبته فتعطل بسببه الجهاد الذي هو ذروة الإسلام، وكذا
سائر الحدود وغالب الأحكام.
ومن الروافض من يزعم أن إمامه لا يجب عليه شيء وله أن يفعل ما يشاء، وله أيضا إسقاط التكاليف الشرعية.
ومنهم من يزعم أن إمامه يعلم الغيب، وأن موته باختياره، وأنه يناجي ربه. ولا شك أن مثل هؤلاء الأئمة لم يوجد في زمان قط، بل إنه موهوم
محض.
وهذا حديث إجمالي، تفصيله في " السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة " وكل ما ذكرناه منقول من كتبهم الصحيحة.
فقوله: (وشيعة الغر
…
إلخ) تبين لك بطلانه.
وقوله: (لقد سلكت
…
إلخ) مردود بما مر غير مرة، وقد تبين لك من الهالك، ومن السالك في أوعر المسالك!!
وما أشبه حال الناظم وإخوانه الروافض بما عناه الشاعر:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
…
سفها وظلما إنه لذميم
وقوله: (فالدين
…
إلخ) حق لا شبهة فيه ولا ريب يعتريه.
وقوله: (وديننا الإسلام) كذب بما حررناه لك غير مرة مما لا مرية فيه ولا شبهة.
إلام التعامي وارتكاب المحارم
…
ورميك أعلام الهدى بالجرائم
وتطمع أن ترقى السماء بسلم
…
لترمي أقمار الدجى بالعظائم
نجوم سماء كلما انقض كوكب
…
بدا كوكب يهدى به كل عالم
* قال الناظم:
فصل
92 -
ما قلت في الإجماع يا غمر فلا
…
معنى له حدا ولا محصلا
93 -
إذ بعد ما تعين الإمام
…
لم يك في انعقاده كلام
94 -
والخبر المنقول بالتواتر
…
ولو بنقل فاسق أو كافر
95 -
معتبر كظاهر الكتاب
…
وإن نقل ما قيل في الأصحاب
96 -
إذ لا يكون ذاك بالتواتر
…
مما يضر باتفاق ظاهر
97 -
وخبر النقصان إن تم فلا
…
يقدح فيه عند من تأملا
98 -
إذ هو محمول على التفسير
…
ولا ترى فيه من التغيير
99 -
هذا وليس مطلق النقصان
…
يقدح في حجية القرآن
100 -
لا سيما ما كان في فضل علي
…
وأنه الولي والأمر الجلي
101 -
فعندنا الكتاب قطعي السند
…
وفي الفروع فهو أولى مستند
102 -
والنقص إن قيل به للنقل
…
والشك فيه فهو مجرى الأصل
103 -
والعلم بالإجمال في المجموع
…
لا يقدح الإجزاء في الفروع
104 -
إذا ليس غيرها محل الابتدا
…
فلا ينافي العلم أصلا أصلا
105 -
ورد مما مر إشكال يجر
…
وانكشف الغطا وبان ما ستر
106 -
فما تواترات عن الرسول
…
يؤخذ في عقائد الأصول
107 -
كمثل ما تواترت عن آله
…
فإنه جار على منواله
108 -
وفي الفروع الخبر الواحد مع
…
ما ذكروا أمر الشروط متبع
109 -
والدس في أخبار أهل العصمة
…
كالدس في حامي نبي الرحمة
110 -
والدس غير قادح لا سيما
…
بعد تصدي العلماء القدما
111 -
ثم النبي قد أتى بما ظهر
…
من معجزات عجزت عنها البشر
112 -
قد رويت لنا مع التواتر
…
من مؤمن وفاسق وكافر
113 -
وأعظم الآيات بالعيان
…
معجزة فصاحة القرآن
114 -
قد عجز الناس عن المقابلة
…
فانجر أمرهم إلى المقاتلة
115 -
وقوله فأتوا بسورة ولا
…
مجيب كاف عند من تأملا
أقول: لم يزل هذا الناظم يردد الهذيان، ويتكلم بكلام الصبيان ويركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء.
فقد قصد بهذه الأبيات العاطلة، والكلمات الباطلة، الرد بها على ما في الأصل من إبطال دلائلهم، وعدم إمكان استدلالهم.
وما درى أنه صرير باب أو طنين ذباب.
راحت مشرقة ورحت مغربا
…
شتان بين مشرق ومغرب
وفسادها بعد مراجعة الأصل غني عن البيان، لا يحتاج إلى شاهد ولا إلى برهان، ومع ذلك لا بد من التنبيه عليه والإشارة إليه.
فنقول: أما قوله: (ما قلت في الإجماع
…
إلخ) فهو دليل على جهل الناظم وإخوانه، ولو كان له قلب لم يتكلم بمثله.
وذلك مصداق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
وقوله: (إذ بعدما تعين الإمام
…
إلخ) مردود، بل هو أول المسألة، وأي دليل أثبته فضلا عن تعينه؛ فإن دلائل الروافض كما لا يخفى على من راجع الأصل - صارت هباء منثورا.
وقوله: (والخبر المنقول بالتواتر
…
إلخ) مردود بأنه لم يرد عن أحد
من الصحابة خبر بما عليه الرافضة، فضلا عن أن يتواتر، على أن التواتر ساقط عن حيز الاعتبار عندهم؛ لأن كتمان الحق والزور في الدين قد وقع عن نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا بزعمهم الفاسد، ولأنهم لم يعتبروا التواتر في خبر الأمر بالصلاة.
وقوله: (وخبر النقصان إن تم
…
إلخ) مما لا وجه لإيراد كلمة الشك فيه بعد أن طفحت كتبهم الصحيحة عندهم بالنقصان. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في كل من: " كتاب السيوف المشرقة " و " مختصر التحفة ".
وما في الأصل من رواية الكليني دليل على ما ذكرناه.
على أن في بعض كتبهم المعتمد عليها تصريح بأنه لم يصح من القرآن الموجود بين أيدي الناس اليوم سوى سورة الفاتحة والإخلاص.
وفي كتاب الكافي للكليني وغيره أمثال هذه الرواية.
ولا دليل لهم على أن الساقط محمول على التفسير، والقول الذي لا دليل عليه مردود.
وقوله: (هذا وليس مطلق النقصان
…
إلخ) باطل؛ فإن مطلق النقصان مبطل للحجية، واحتماله كاف في ذلك، لأن من يجترئ على إسقاط بعض يجترئ على إسقاط ما تهواه نفسه.
" والدليل إن طرقه الاحتمال، بطل به الاستدلال ".
على أن ما سمعت من قصر ما ثبت من القرآن على سورتي الفاتحة والإخلاص يدفع هذا القول.
وأيضا: ما كان في فضل علي يحتمل أن لا يخلو من ناسخ ومخصص ونحو ذلك، فالمحذور باق فتدبر.
وقوله: (فعندنا الكتاب
…
إلخ) لا يفيدهم ذلك بعد أن تبين أنه لا ينبغي على مقتضى قواعدهم أن يستدلوا به، وقد أسلفنا لك غير مرة أنهم خالفوا الكتاب والسنة والعترة.
وقوله: (والنقص إن قيل
…
إلخ) معناه أن النقص ثبت بطريق
النقل من غير يقين، والأصل عدمه، والعمل بالأصل، ولا يخفى أن هذا أيضا لا يفيدهم شيئا؛ لما سبق أن الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل الاستدلال به كما برهن عليه أهل الأصول.
وأيضا: إن النقصان ثابت لديهم بخبر التواتر بزعمهم عن الأئمة فلا يعتريه شك.
وقوله: (والعلم بالإجماع في المجموع
…
إلخ) يريد به الاعتراض
على ما ذكر في الأصل من أن ثبوت الإجماع فرع ثبوت الشرع، وإذا لم يثبت الأصل لا يثبت الفرع.
وأنت تعلم أن:
والعلم بالإجمال في المجموع
…
لا يقدح الإجزاء في الفروع
ودعوى بلا دليل فلا يلتفت إليها.
وقوله: (ورد مما مر
…
إلخ) باطل؛ فقد ذكرنا أن جميع ما هذى به لا
يقابل ما ذكر في الأصل، بل تبين لك فساده، فلا محيص لهم عن هذه الورطة.
وقوله: (فما تواترت
…
إلخ) صحيح، ولكن قد تبين حال المتواتر عندهم، وأنه ساقط عن حيز الاعتبار؛ لأن كتمان الحق والزور قد وقع من عدد التواتر، وأنه لا متواتر عندهم إلا حديث واحد كما نص عليه محققوهم.
وقوله: (والدس غير قادح
…
إلخ) لا يفيد شيئا؛ لأنه على مقتضى
ما يزعمه الروافض في حق أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمكن أن يصل لعلمائهم خبر صحيح، حتى يميزوا بينه وبين المدسوس، والتمييز بين الطيب من الخبيث، ومعرفة الغث من السمين إنما هو وظيفة أهل الحق، فقد جاء منهم أئمة هداة، وحفاظ ثقات، ميزوا القشر من اللب، وصانوا الشريعة من تطرق الخلل والنقصان والزيادة، حتى أدركوا زيادة حرف ونقصانه، ولا ينكر ذلك إلا من أنكر ربه عز اسمه.
وكيف يميز بين الخطإ والصواب من مدار مذهبه على الرقاع المزورة ونحوها مما سبق بيانه!!! .
وقوله: (ثم النبي
…
إلخ) حق لا شبهة فيه، ولا ريب يعتريه.
فإن معجزات سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مما يضيق عنها نطاق الحصر، وهي أظهر من نار على علم، غير أن عيون بصائر أهل الرفض لا تدركها، لما طرأ عليها من عمى الضلال والعياذ بالله تعالى. ولا يمكنهم إثباتها على طريقهم بعد أن حكموا بارتداد حملة الدين، وحاشاهم.
فقد تبين لك أيها العارف المنصف أن ما ذكر في الأصل من عدم إمكان إثبات مطلب من المطالب الدينية.. إلى آخر ما قرره في ذلك حق لا غبار
عليه، وأن ما عوى به الناظم ومن شاكله مما لا يصغى إليه، وليس فيه ما يمس بالمقصود ولا ما يتقون به عما رموا به من الجلمود.
* قال الناظم:
116 -
ونحن بالعصمة في الأحكام
…
وغيرها نقول بالإمام
117 -
والعقل حاكم وهذي المسألة
…
مبسوطة في الكتب المفصلة
118 -
فما عنى من دوره وما قصد
…
في خبطه وهل ترى له سند
119 -
وليته أبدل عن دور بلى
…
بدور تصويب وحل المشكلا
أقول: ذهب الرافضة إلى وجوب عصمة الأئمة كالأنبياء، وبذلك
توصلوا إلى نفي الخلافة عن الخلفاء الثلاثة.
تقرير ذلك على طريقة الاختصار: " أن الإمام يجب أن يكون معصوما وغير الأمير من الصحابة لم يكن معصوما فكان هو إماما لا غيره ".
وفي هذا الترتيب نظر، يظهر لكل ذي نظر.
وفيه بعد منع، أما الصغرى: فلأن الأمير نص بقوله: (إنما الشورى للمهاجرين والأنصار) على أن الشورى لهم فقط. وبديهي عدم العصمة
فيهم.
ولما سمع ما قال الخوارج: (لا إمرة) قال: (لا بد للناس من أمير بر أو فاجر) كذا في نهج البلاغة.
وأيضا: طريق العلم بالعصمة لغير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مسدود؛ إذ أسباب العلم ثلاثة: الحواس السليمة، والعقل، والخبر الصادق ولا سبيل لأحد منها إلى تحصيله.
أما الأقوال فظاهر؛ لأن العصمة ملكة نفسانية تمنع من صدور القبائح وهي غير محسوسة.
وأما الثاني: فلأن العقل لا يدرك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالآثار والأفعال، وأين الاستقراء التام في هذا المقام سيما مكنونات الضمائر من
العقائد الفاسدة، والحسد والبغض والعجب والرياء ونحوها. ولو فرضنا الاطلاع على عدم الصدور، فأين الاطلاع على عدم إمكانه؟ وهو المقصود.
وأما الثالث: فلأن الخبر الصادق إما المتواتر، أو خبر الله ورسوله، وظاهر أن المتواتر لا دخل له هاهنا؛ إذ يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم، ولا انتهاء، إذ لا محسوس. وخبر الله والرسول لا يكون موجبا
للعلم هنا على أصول الشيعة، لإمكان البداء عندهم، وأيضا وصول الخبر
إلى المكلفين إما بواسطة معصوم، أو بواسطة تواتر.
ففي الأول يلزم الدور وفي الثاني يلزم خلاف الواقع؛ لأن كل متواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، كتواتر المسح على الخف، وغسل
الرجين في الوضوء
و {أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} وصيغة التحيات ونحو ذلك.
فلا بد من التعيين، وذلك غير مفيد؛ إذ حصول العلم القطعي من المتواتر يكون
بناء على كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ، ولما كذب الناقلون في مادة أو مادتين ارتفع الاعتماد عن أقسامه ولا يرد هذا في الأنبياء للمعجزة وبتميزهم على غيرهم، وفرق بين التابع والمتبوعبن فافهم.
واما الكبرى: فلأن الأمير قال لأ صحابه: (لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست بفوق أن أخطئ ولا آمن من ذلك في فعلي) ، كذا في النهج.
وهذا لا يصدر عن معصوم، لا سيما وبعده:(إلا أن يلقي الله في نفسي ما هو أملك به مني) . والمعصوم يملكه الله تعالى نفسه.
وأيضا: روى في دعاء الأمير: (اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي) كذا في النهج أيضا، فليتدبر حق التدبير.
والكلام على هذه المسألة مبسوط في "مختصر التحفة " و "السيوف المشرقة في أعناق أهل الزندقة ".
وقوله: (والعقل حاكم
…
إلخ) مردود بما ذكره الأصوليون؛ (أنه لا حكم قبل الشرع) ؛ إذا لا يستقل العقل بإدراك حسن ولا قبح من حيث ترتب ثواب أو عقاب، بل من حيث صفة الكمال أو النقص وملاءمة الطبع ومنافرته.
وهذه المسألة مفروغ عنها في كتب الأصول.
وقد بسطناها في كتاب " رجوم الشياطين ".
وما ذهب إليه الرافضة هو مذهب المعتزلة كما لا يخفى.
وقوله: (فما عنى بدوره
…
إلخ) تبين لك مما قررناه أن الدور لازم لا محالة، وهو من البداهة بمكان لا يخفى إلا على من حجب عين بصيرته غشاوة الضلال والخسران؛ فإن صدق الخبر موقوف على كون المخبر معصوما، وكونه معصوما موقوف على صدق الخبر، فقد جاء الدور الصريح بلا شبهة. وقد زعم هذا الناظم أنه رد على ما ذكر في الأصل: أن في نقل إجماع الغائبين لا بد من الخبر، وفي إثبات عصمة رجل بعينه بخبره أو بخبر المعصوم الآخر الذي وصل الخبر بواسطته دور صريح. وقد علمت أن هذا كلام لا غبار عليه.
وقوله: (في خبطه
…
إلخ) فيه خروج عن حده، وتجاسر على من لا يبلغ هو ولا من يحذوه من الروافض دون شراك نعله. وهكذا دأب هؤلاء الأشرار مع سادة الأمة الأخيار.
يا أمة صرف الضلال قلوبها
…
من ذا على نهج الشقا دلاك
أعماك عن سبل الهدى أعماك
…
حتى ضللت وما علمت خطاك
أم رأى أهواك المضلة في الردى
…
أهواك حتى زل منه خطاك
فلقد هجوت المسلمين جميعهم
…
وهم الخيار كما حكى مولاك
ورميت أقمار الهدى بنقائص
…
لما بها رب السماء رماك
وقوله: (وليته
…
إلخ) لا يتلافى به ما فات، وهيهات أن يلتئم صدع قلوبهم من أسئلة أهل الحق وهيهات.
.... وهل ينفع شيئا ليت......
كما لا ينجو من أعلن ببغض الصحابة بحب أهل البيت، نسأله تعالى أن يسعدنا يوم القيامة، ويباعدنا عن موجبات الندامة.
* قال الناظم:
120 -
والعقل في معرفة الله وفي
…
معرفة الرسول حجة تفي
121 -
بلا انضمام إذ لو احتاج إلى
…
قولهما لدار أو تسلسلا
122 -
فالعقل حجة بما به استقل
…
وما عليه بطريق الإن دل
أقول: إن الروافض قد وافقوا في هذه المسألة المعتزلة.
وإن أردت التفصيل: فاعلم أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا عند الأشاعرة لقوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ} و {قُلِ
انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( «تفكروا في آلاء الله» ..) .
والأمر هاهنا للوجوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله تعالى: إِنَّ {فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : ( «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر
فيها» ) .
فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أوعد بترك الفكر في دلائل معرفة الله تعالى، ولا وعيد على ترك غير الواجب.
وأيضا: إن معرفة الله واجبة إجماعا، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب كوجوبه.
وعند المعتزلة واجب عقلا؛ لأن شكر المنعم واجب عقلا عندهم، وهو موقوف على معرفة الله تعالى المنعم، ومقدمة المطلق واجبة أيضا، هذا
بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفا.
واحتجت المعتزلة على كونه واجبا عقلا بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع يلزم إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة
إذ يجوز للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزته وغيرها مما يتوقف عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه: لا أنظر ما لم يجب النظر علي، ولا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به، ولا يثبت الشرع عندي ما لم أنظر؛ لأن ثبوته نظري، فيتوقف كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر، وهو دور محال، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على دفعه؛ وهو معنى إفحامه.
وأجيب عنه أولا بالنقض بأن ما ذكرتم مشترك بين الوجوب الشرعي والعقلي معا، فما هو جوابكم فهو جوابنا. وبيان الاشتراك أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة، بل بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى
أنظار دقيقة، من أن المعرفة واجبة، وأنها لا تتم إلا بالنظر، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصح للمكلف أن يقول حينئذ: لا أنظر أصلا ما لم يجب علي النظر، ولا يجب ما لم أنظر، فيلزم الدور المحذور.
لا يقال: قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن يضع النبي
للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلف، وتفيده العلم بذلك ضرورة؛ لأنا نقول: كونه فطري القياس -مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار- باطل قطعا.
ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر، ولكن يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه، ولا يستمع به، ولا يأثم بترك النظر والاستماع؛ إذ لم يثبت بعد وجوب شيء أصلا، فلا يمكن الدعوة وإثبات النبوة، وهو المراد بالإفحام.
وثانيا بالحل، بأن قوله: لا يجب النظر علي ما لم يثبت الشرع عندي،
إنما يصح إذا كان الوجوب عليه بحسب نفس الأمر متوقفا على العلم بالوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع، ولكن لا يتوقف. كذلك العلم بالوجوب موقوف على نفس الوجوب؛ لأن العلم بثبوت شيء فرع لثبوته في نفسه؛ فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلا مركبا لا علما.
فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور وأن لا يجب شيء
على الكافر أيضا. فليس الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب. بل نقول: الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الأمر، والشرع ثابت في نفس الأمر، علم المكلف ثبوته ونظر فيه أم لا، وكذلك الوجوب.
ولا يلزم من هذا تكليف الغافل؛ لأن الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به.
فإن قال المكلف: لا أعرف الوجوب في نفس الأمر، وما لم أعرفه لم أنظر، قلنا: ماذا تريد بالوجوب؟ فإن قال: أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثما، وفعله ثوابا.
قلنا له: فقد أثبت الشرع حيث قلت بالثواب والإثم، فبطل قولك لا أعرف الوجوب، بقولك!! فاندفع الإفحام.
وإن قال: أردت به ما يكون ترك ما اتصف به قبيحا لا تستحسنه العقلاء
وتترتب عليه المفسدة. قلنا: فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت فيه به، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته، فبطل قولك: لم أنظر ما لم أعرف الوجوب، واندفع الإفحام. وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح العقليين، لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه، بل بالمعنى المتفق عليه
كما لا يخفى.
وإذا عرفت ما حققناه، عرفت أن ما قاله الأشاعرة هو الحق الحقيق بالقبول.
ثم اعلم أن الماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الاعتزال في هاتين
المسألتين، وكذلك الروافض، فهم على آثارهم مقتفون. ولكن الفرق بين الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن الماتريدية لا يستلزم عندهم كون الحسن والقبح عقليا حكما من الله تعالى في العبد، بل يصير موجبا
لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو الله فقط والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليس هناك حكم أصلا، فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف المعتزلة والإمامية من الروافض خذلهم الله تعالى، فإن كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم عندهم من الله تعالى.
فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت الأحكام كما فصلت في الشريعة.
وقوله: (فالعقل حجة
…
إلخ) هو كالنتيجة للبيتين اللذين قبله؛ أي العقل حجة فيما استقل به ودل عليه بطريق " الإن " أي " الدليل الإني " وذلك كمعرفة الباري عز اسمه والرسول عليه
الصلاة والسلام. وقد عرفت ما في المقدمات السابقة من الفساد، وإذا فسدت فسدت النتيجة أيضا.
والدليل الإني ما يستدل فيه بالمعلول على العلة، كالعالم بالنظر إلى
الصانع جل شأنه، وكالمعجزة بالنظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وكالحمى بالنظر إلى تعفن الأخلاط.
و" اللمي " بالعكس. والإني المنسوب إلى (إن) ، ومعناها التحقيق، لأنه يفيد تحقق النسبة بين الأكبر والأصغر في
الخارج، ولا يفيد سبب تحققها. واللمي منسوب إلى (لم؟) ومعناه بيان السبب؛ لأنه يفيد تحقق النسبة
مع بيان السبب. والكلام عليهما مستوفى في كتب الميزان. والله ولي التوفيق والإحسان.
* قال الناظم:
123 -
وليس من مذهبنا القياس
…
وإن يكن به استدل الناس
أقول: زعم الروافض أنه لا قياس في الشرع، واعترضوا على أهل السنة القائلين به، والعجب من هؤلاء المعترضين؛ لأن روايات القياس في كتبهم المعتبرة موجودة بطرق صحيحة.
ومن ذلك: ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء.
وقال المهاجرون: إذا التقي الختانان وجب الغسل، فقال عمر لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أتوجبون عليه الحد ولا توجبون عليه صاعا
من ماء
…
إلخ، فقاس رضي الله تعالى عنه هاهنا الغسل على الحد بالصراحة.
وأجاب علماء الشيعة عن هذا القياس: بأن ما قال الأمير ليس بقياس بل هو استدلال بالأولوية، يقال له في عرف الحنفية:" دلالة النص " كدلالة {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} على حرمة الضرب والشتم وسواء في فهمه المجتهد وغيره.
وفيه خبط ظاهر لأن المساحقة موجبة للتعزير عند أهل السنة وموجبة
للحد عند الإمامية، ولا موجبة للغسل بالإجماع، وكذا اللواطة إذا لم ينزل موجبة للحد عند بعض أهل السنة والإمامية، والتعزير عند غيرهم، ولا غسل بالاتفاق. (
…
) وكذا المباشرة الفاحشة
مع الأجنبية موجبة للتعزير لا للغسل بالاتفاق.
فلم يثبت تأثير هذه الأمور في الغسل بدلالة النص أصلا، فضلا عن الطريق الأولى كما ترى.
وابن المطهر الحلي -مع شهرة حاله بمزيد العناد والتعصب- صرح في مبادئ الأصول بأن القياس كان جاريا في زمن الصحابة.
وأما دلائل تجويز القياس، وإبطال قول
منكريه فمذكورة في كتب الأصول.
والله تعالى أعلم.
* قال الناظم:
124 -
يا من عدوت الحق ما تقول
…
فخصمك الإله والرسول
125 -
أنحن بيت الكذب يا من كذب
…
على النبي وبنيه النجبا
126 -
قد قيل في حدك عالم فقط
…
ومن أضاف صفة فقد غلط
أقول: إن الرافضة قد خلعوا لباس الحياء، ولبسوا ثياب اللؤم والدناءة والبغضاء، حتى اجترءوا على سلف الأمة الأخيار، وصحابة الهادي المختار ورموا الناس بعيوبهم وشانوهم بما ران على قلوبهم، وفعلوا ما شاءوا
وباءوا بما باءوا. وذلك مصداق قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ( «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ) .
ولعمري إن الكلام معهم لا يفيد، ومن يضلل الله فما على ضلاله من مزيد، والكلب يزداد أنسا، إذا قلت له اخسا.
ومع ذلك قابلت كلام هذا الناظم الخبيث وسائر إخوانه ذوي الضلال؛ ليعلم أن ليس في رشانا تقاصر في كل مجال.
تعرضت فاستهدف لوقع نبالنا
…
وأسيافنا المحدودة الشفرات
[فما في رشانا عن رشاك قاصر
…
ولكن ذم الكلب كالتحيات]
فلو لم يكن حسان ذم شبيهكم
…
ذوي الشرك والأصنام والخبثات
لنزهت نطقي عن وخيم هجائكم
…
بلى قد يزاح الظلم بالحسنات
ومن أنتم حتى تذموا وإنما
…
أجرب في أعراضكم نبلاتي
لنا بلد الله الحرام وما لكم
…
سوى بيع بالشرك متسمات
فقوله: (يا من عدوت الحق
…
إلخ) من صفة الرافضة، وقد أسلفنا لك غير مرة أنهم ليسوا من الدين في شيء، وأنهم قد خالفوا الله والرسول
والأئمة.
وقوله: (فخصمك
…
إلخ) مردود؛ فإن من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام لا يكون خصما بل محبا، قال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} .
نعم: الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم خصم من خالفهما وشاقهما من الروافض وأمثالهم من أهل الأهواء، نعوذ بالله من ذلك.
وقوله: (أنحن
…
إلخ) مما لا يفيد شئيا؛ فإن كونهم بيت الكذب مما
ليس يخفى على أحد، وكيف يسوغ لهم إنكار ذلك، وهم يقولون: ديننا التقية، وهذا هو النفاق!! ثم يزعمون أنهم أصدق من أهل السنة، وهذا هو الجدال والشقاق.
ثم يزعمون أنهم المؤمنون، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار زائغون!! وقد شهد أهل البيت في كل واحد من الذين يروي عنه الرافضة أنه كان
كاذبا؛ بل زنديقا منافقا، ومع ذلك يروون عنهم مع نقلهم في كتبهم ذلك عن أئمتهم!!. ولهذا قال علماء أهل السنة:" الرافضة من أكذب الناس في النقليات، وأجهل الناس في العقليات ".
وقد دخل منهم على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد.
فالنصيرية والإسماعيلية من بابهم دخلوا، والكفار المرتدون
بطريقهم وصلوا، وليسوا أهل خبرة بطريق من طرق الحق ولا معرفة لهم بالأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة.
وقد اعتمدوا على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع الزنادقة وذوي الإلحاد، ولذا لما سئل الإمام مالك عنهم قال: (لا
تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون) . وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: (لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة) .
قوله: (يا من كذبا
…
إلخ) تبين لك من الكاذب على الله ورسوله والأئمة، وفي المثل (رمتني بدائها وانسلت) !! .
فأف للروافض ما أجهلهم! وما أعماهم عن الحق وأصمهم!! .
قوله: (قد قيل في حدك عالم فقط
…
إلخ) العلم صفة من صفات الله، والعالم اسم من أسمائه، فأي وصف أعظم منه. قال تعالى:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} .
نعم إن الجهل الذي هو سبب الضلال وطريق العذاب والنكال مما يعاب به ويشان بصاحبه، وأهل البدع والعصيان هم أعظم الناس جهلا، كما هو مشاهد بالعيان. ولله تعالى در من قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
…
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور
…
ونور الله لا يعطى لعاصي
وأما أن من أضاف أوصاف صفة فقد غلط، فمن محض عناد الروافض وحسدهم والعياذ بالله تعالى، وإلا فمن ينكر ضوء الشمس، أو يمتري في البدر ليلة تمه إلا من أعمى الله تعالى عين بصيرته، تاه في ظلمات ضلالته.
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته
…
والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
ثم إن الناظم الخبيث ختم أرجوزته السخيفة ببيت أظهر فيه صفته
وكشف فيه سوءته، وتكلم بما تكلم به إخوانه أعداء الله تعالى ورسوله سيد البشر، فقد جعل آخر كلامه:" فخذه تاريخا " فكذاب أشر " {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} فقد حكى الله عن مشركي ثمود في حق رسوله صالح عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}
فرد الله عليهم بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} وهكذا نكايات الله مع أعدائه وأعداء رسله عليهم الصلاة والسلام، فقد أجرى ذميم وصفهم على ألسنتهم، ولم يدركوا ما أصابهم من سهام الكلام.
ويكفيه قوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ}
يا معهد الرفض لا حياك مبتكر
…
من السحاب ضحوك البرق منهمل
ولا انبنى فيك فسطاط السعود ولا
…
أقيم فيك لأبكار الرضى كلل
ولا عداك البلى في كل آونة
…
حتى تزول الجبال الشم والقلل
إذ أنت دمنة خبث طالما رتعت
…
فيها من الحمر الأهلية الهمل
من كل من خبثت منه ضمائره
…
إذا انقضى دخل منها أتى دخل
رأى خيار الورى طرا فجانبهم
…
كذا يجانب أرباب العلى السفل
وصار يرميهم منه بكل هجا
…
وما على البدر لو أزرى به طفل
وما على العنبر الفواح من حرج
…
إن مات من شمه الزبال والجعل
أو هل على الأسد الكرار من ضرر
…
أن ينهق العير مربوطا أو البغل
أو هل على أنجم الخضراء منقصة
…
إن عابها من حصى الغبراء منجدل
فلا وربك لا يزري بشمس ضحى
…
أعابها الجدي أم قد عابها الحمل
وقد يعيب الفتى ما ليس يدركه
…
إذ كل ضد بذم الضد مشتغل
كما يعيب فتاة راق منظرها
…
قبيحة ويعيب الصائب الخطل
والزج يحسد لؤما خرص سمهره
…
كذاك يهجو الشجاع الباسل الفشل
فلا يضر أولي الفضل الأولى سبقوا
…
من صحب خير الورى إن ذمهم سفل
مثل الأسنة والأسياف ما برحت
…
بطعن أعدائهم والضرب تنصقل
هذا آخر ما يسر الله تحريره على سبيل الاستعجال، من إبطال شبه المارقين من ذوي الزيغ والضلال، ولولا الأدب والنسب والمذهب - وهي
الثلاثة التي يجب أن يدافع عنها ويذب- لما حركت بنانا، ولما أطلقت للقلم لسانا؛ فإن هؤلاء الأوغاد ومنشأ الفتن والفساد أقل من أن تسود وجوههم بمداد الأقلام، وأذل من أن يقابلوا بأسنة الألسنة وسهام الأرقام؛
فإنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، قد كوروا العمائم، واتخذوا ذلك شبكة لصيد طير الولائم، كل منهم قد شمخ بأنف من الجهل طويل واشمخر بخرطوم كخرطوم الفيل واحتشى من قبح الخبث وقبح الأباطيل، على أن " من يسمع يخل " وغالب الرعاع اليوم كالأنعام بل هم أضل، يتبعون كل ناعق ويألفون كل ناهق.
ثم إن ما حررته في إبطال كلام الزائغين وأوهام الناكبين عن سبيل المؤمنين كان في أقل مدة، من غير كلفة ولا عدة، فإن فسادهم باد في أول النظر.
الدرر، كم أقعدوا المخالفين على
عجز الإفحام، وألجموا المعاندين بلجام الإلزام. ومن أين لفئة الضلالة مثل هؤلاء الرجال، فإن كلا منهم أحمق من ربيعة البكاء ومن ناطح الصخرة ولاعق الماء، وأخنث من هيت ودلال وأخبث ممن سارت بخبثه الأمثال، قد زادوا بجهلهم على الحمير، وهذه آثارهم، والبعرة تدل على البعير.
والحمد لله الذي صدقنا وعده، ونصر حزبه وجنده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى الآل والأصحاب ومن أخلص لهم وده. وذلك سنة 1304 جمادى الأولى.
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين.
وبعد: فمن خلال الدارسة والتحقيق توصلت إلى نتائج هامة، أجملها فيما يلي:
1 -
إبراز شخصية الإمام الألوسي، أبي المعالي، وجهوده في محاربة البدع والشركيات.
2 -
أن هذا الإمام لم يعط حقه من البحث والدارسة، وأن جهوده الضخمة في الدعوة إلى الله لم يعرف بها كما عرف بجهود غيره من المصلحين.
3 -
أن كتبه في الرد على الطوائف الضالة من شيعة ومتصوفة ومبتدعة ومشركين لازالت في حاجة إلى خدمة لاستخراج ما فيها من فوائد لينتفع بها.
4 -
أن الإمام الألوسي مر بأطوار ثلاثة من حيث معتقده.
5 -
أن كتاب صب العذاب نموذج قوي على قدرة أهل السنة على الرد على الباطل، وأن مؤلفه يتمتع بعارضة قوية وباع طويل في المناظرة وعلم الجدل.
6 -
أن مصادر التشريع عند الرافضة ليست هي التي عند أهل السنة، وأما القرآن فإن النصوص المتواترة عندهم في كتبهم صريحة في أنه ناقص ومحرف، ومن قال منهم تقية إنه كامل أوله بما يوافق هواه، ولذلك تجد
في تفاسيرهم العجب العجاب.
وأما الأحاديث فإنهم لا يعترفون بأصحها عند أهل السنة، وكذلك أهل
السنة لا يعترفون ولا بواحد من مصادرهم في الحديث.
وأما الإجماع فإنه لا عبرة به عندهم، إلا إن وجد فيه معصوم، فمدار الحجية عندهم على المعصوم -بزعمهم- لا على الإجماع، وأما القياس فغير قائلين به.
وعلى هذا فإن كل من حاول التقريب بين أهل السنة والشيعة فهو كالراقم على الماء.
7 -
أن ما يسمونه تقية عندهم ويقولون: من لا تقية له لا دين له، هو في الحقيقة الكذب والنفاق، ومن كان هذا دينه فإنه لا يجوز أن يصدق في قوله ولا أن يتعاون معه في مصالح المسلمين.
8 -
أن الإمامة عند الرافضة أخت النبوة، والمكذب بالإمامة كالمكذب بالنبوة، ولازم هذا القول أن أهل السنة كلهم كفار في عقيدة الرافضة، لأنهم لا يؤمنون بالإمامة التي يؤمن بها الرافضة.
9 -
بما أن الرافضة أسسوا مذهبهم وبنوه في كثير من مسائله على الكذب؛ فإن السبئية الأوائل وضعوا بعض القواعد من أجل أن لا يظهر كذبهم، فوضعوا عقيدة التقية من أجل الخروج من التناقض الذي يحصل بسبب الكذب.
10 -
وضعوا كذلك عقيدة البداء حتى إذا ما أخبر أئمتهم المعصومون بغيب ثم ظهر خلاف ذلك قالوا: بدا لله فيه.
11 -
الرافضة الإمامية الاثنا عشرية يعتقدون - حسب ما في مصادرهم
المعتمدة - أن الصحابة رضي الله عنهم كلهم كفار ما عدا أربعة أو ستة، ولا فرق في هذا المعتقد بين القدماء منهم والمعاصرين، وانتشار سب
الصحابة في بعض البلاد التي لم يكن فيها أثر للتشيع والرفض يدل على أن المعاصرين يملأون قلوب أتباعهم بالحقد على الصحابة الأخيار، وذلك بنشر الحكايات المختلقة ضدهم.
12 -
أن من يعتقد أن الصحابة كلهم ارتدوا ما عدا أربعة أو ستة، أو يعتقد كفر الشيخين أو يقذف عائشة رضي الله عنها؛ فإنه كافر باتفاق العلماء لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة.
13 -
أن من سب الصحابة ولم يعتقد كفرهم ليس بكافر عند بعض العلماء، لكنه ارتكب جرما عظيما وإثما كبيرا، يخاف عليه من سوء الخاتمة بسبب هذا الإثم الكبير، وقد يتحول السب إلى شيء آخر يصل بصاحبه إلى الكفر.
وصلى الله على أشرف الخلق أجمعين وعلى آله الطاهرين وأصحابه ذوي الفضل المبين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.