الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لقد سبق أن بينت لك بموجز من العبارة، وأراك تتفق معي فيه: أنَّ هذه الأحرف قرآن منَزَّلٌ، والله سبحان يقول:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ، أفترى أنَّ القول بحذف ستة أحرف قرآنية يتفق مع منطوق هذه الآية؟!
ومن قال بأن الأمة مخيَّرةٌ بين هذه الأحرف فلا دليل عنده، ولا يوافق قولُه منطوق هذه الآية، ولو كان ما يقوله صحيحًا لوُكِلَ إلى المسلمين حفظ القرآن، كما وُكِلَ إلى من قبلَهم حفظُ كتب الله، وأنت على خُبْرٍ بالفرق بين الحِفْظَين، فما تركه الله من كتبه لحفظ الناس غُيِّرَ وبدِّل ونسي، وما تعهَّد الله بحفظه فإنه باقٍ، ولا يمكن أن يُنقص منه حرف بحال من الأحوال.
ولعلك على خبر كذلك بأن من كفر بحرف من القرآن، فقد كفر به كلِّه، فكيف بمن ترك أكثره مما هو منَزَّلٌ واقتصر على واحدٍ. هذا ما لا يمكن أن يقع فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأمَّل ذلك جيِّدًا، يظهر لك جليًا أنَّ القول بأنَّ القراءات التي يُقرأ بها اليوم على حرفٍ واحدٍ لا يصحُّ البتة.
إنَّ القول بأنَّ هذه القراءات على حرفٍ واحدٍ لا دليل عليه البتة، بل هو اجتهاد عالم قال به وتبعه عليه آخرون، والاجتهاد يخطئ ويصيب. ويظهر هنا أنَّ الصواب لم يكن حليف من رأى أنَّ هذه القراءات على حرفٍ واحدٍ.
علاقة الأحرف السبعة بمصحف أبي بكر ومصاحف عثمان:
اعلم أنَّه لا يوجد نصٌّ صريحٌ في ما كتبه أبو بكر ولا عثمان رضي الله عنهما، لذا ظهر القول بأنَّ أبا بكر كتب مصحفه على الأحرف السبعة، وكتبه عثمان على حرف واحدٍ. وهذا القول لا دليل عليه البتةَ، وهو اجتهاد مدخولٌ.
والذي يدل عليه النظر أنه لا فرق بين ما كُتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مفرق في أدوات الكتابة آنذاك من رقاع ولخف وأكتاف وغيرها، وبين ما جمعه أبو بكر في مصحف واحد، ثمَّ بين ما فرَّقه عثمان ونسخه في المصاحف المتعددة في الأمصار، هذا هو الأصل، وهو أن القرآن الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تمَّ أنه هو الذي بين يدي الأمة جيلاً بعد جيل، ولست أرى فرقًا بين هذه الكتبات الثلاث من حيث النص القرآني، وإنما الاختلاف بينها في السبب والطريقة فحسب.
ولو تتبعت المسألة عقليًا، ونظرت في اختيار زيد بن ثابت دون غيره من الصحابة، وبدأت من هذه النقطة = لانكشف لك الأمر، فلأبد معك مفقِّرًا هذه الأفكار كما يأتي:
1 ـ لا يجوز ألبتة ترك شيء من القرآن ثبت أنَّه نازل من عند الله، وأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ به، وأقرأ به الصحابة، وقد مضى الإشارة إلى ذلك.
2 ـ أنَّ القرآن قد كُتِبَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مفرَّقًا في الرقاع واللخف والعسب، ولم يكن مجموعًا في كتاب.
3 ـ أنَّ القرآن كان متفرقًا في صدور الرجال، وهم على درجات في مقدار حفظه، قال زيد بن ثابت:«فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» .
4 ـ أنَّ من أسباب اختيار زيد بن ثابت ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال زيد:«وقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا أتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه» .
فكان في هذا ما يميِّزه على متقدمي قراء الصحابةِ، أمثال أبيِّ بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وسالم مولى حذيفة وغيرهم.
كما كان هذا ما ميَّزه على ابن مسعود خصوصًا، الذي جاء في الآثار أنه حضر العرضة الأخيرة، وقد كان اعترض على عدم إشراكه في جمع القرآن في عهد عثمان.
5 ـ أنَّ زيدًا الذي هو من أعلم الصحابة بالعرضة الأخيرة = سيكتب في المصحف الذي أمره أبو بكر بكتابته ما ثبت في هذه العرضة، ولن يترك حرفًا ثبت فيها من عند نفسه أو بأمر غيره.
ومن هنا يكون مصحف أبي بكر قد حوى ما بقي من الأحرف السبعة التي ثبتت في العرضة الأخيرة.
ولما جاء عثمان، وأراد جمع الناس على المصحف، جعل مصحف أبي بكر أصلاً يعتمده، وقام بتوزيع الأحرفِ التي تختلفُ القراءة بها في هذه المصاحف، فكان عمله نسخَ المصاحفِ، وتوزيع الاختلاف الثابت في القراءةِ عليها، ولم يترك منها شيئًا، أو يحذف حرفًا.
وما لم يُرسم في المصاحف، وقرئ به فإنه مأخوذٌ عن المقرئ الذي أرسله عثمان مع المصحف، وقراءة المقرئ قاضية على الرسم؛ لأنَّ القراءة توقيفية يأخذها الأول عن الآخر لا مجال فيها للزيادة ولا النقص، والرسم عمل اصطلاحيٌّ قد يتخلَّف عن استيعاب وجوه القراءات فلا يصطلح عليه.
ووجه الاعتراض من جهتين:
الأول: أنَّ الاختلاف قائمٌ في القراءات المشهورة التي يقرأ بها الناس إلى اليوم، فما وجه عمل عثمان، وهو إنما كان يخشى اختلاف القراءة؟
فالجواب: إنَّ القراءة قبل هذا الجمع لم تكن صادرة عن إجماع الصحابة وإلزام الناس بما ثبت في العرضة الأخيرة مما كتبه زيد في مصحف أبي بكر، والذي يدل على ذلك أنَّ قراء الصحابة كانوا يقرئون الناس بما صحَّ عندهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وليس كلهم بَلَغَهُ ما نُسِخَ في العرضة الأخيرة.
فلما وزع عثمان المصاحف = أرسل مع كل مصحف قارئًا يُقرئُ الناس، بما في هذا المصحف الذي أثبت فيه وجه مما ورد في العرضة الأخيرة، وكان في ذلك حسمٌ لمادة الخلاف، وذلك أنه لو التقى قارئٌ من البصرة وقارئ من الكوفة، فقرأ كل منهما على اختلاف ما بينهما، فإنهما يعلمان علمًا يقينيًا بأن ذلك عائدٌ إلى وجه صحيح مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يكون الاختلاف قد تحدَّد بهذه المصاحف ومن معها من القراء، وأنَّ ما سواها فهو منسوخ لا يُقرأ به.
وهذا يعني أنَّ عمل عثمان هو تقرير الأوجه التي ثبتت في العرضة الأخيرة التي كُتِبَت في مصحف أبي بكر، وإلزام الناس بها، وترك ما عداها مما قد نُسخ، وليس أنه حذف ستة أحرف.
الثاني: أن يقول المعترض: إنَّ في الرواية السابقة: «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم ففعلوا» أوكد الدليل على أنهم كتبوا المصحف العثماني على حرف واحدٍ، وهو ما يوافق لغة قريش.
والجواب عن ذلك أن يقال: إنَّ هذه المسألة ترتبط بالرسم، وهي مسألة تحتاج إلى توضيح أمور تتعلق بالرسم، وليس هذا محلها، لكن سآتي على ذكر ما يلزم من حلِّ هذا الاعتراض، وبالله التوفيق.
أولاً: إنه قد ثبت أنَّ بعض وجوه القراءات التي يقرأ به في المتواتر الآن بغير لغة قريش، كالهمز وتسهيله، فقريش لا تهمز، والهمز قراءة جمهور القراء، فكيف تخرج هذه القراءات التي ليست على لغة قريش.
ثانيًا: إنه يمكن أن يُحمل الأمر على رسم المصحف لا على قراءته؛ وهذا هو الظاهر من ذلك الأثر، فقوله:«فاكتبوه على لغة قريش» إشارة إلى الرسم لا إلى القراءةِ، أمَّا القراءة فإنه يُقرأ بها بغير لغة قريش وإن كان برسم لغتها ما دام ثابتًا.
ويدلُّ لذلك أنَّه قد وردت بعض الألفاظ التي كُتبت في جميع المصاحف على وجه واحد من الرسم، وقد ثبتت قراءتها بغير هذا الرسم.
ومن ذلك ما حكاه أبو عمرو الداني (ت: 444) من أنَّ مصاحف أهل الأمصار اجتمعت على رسم الصراط وصراط بالصاد، وأنت على خُبرٍ بأنها تُقرأ في المتواتر بالصاد وبالسين وبإشمامها زايًا.
وإنما قرئت هي وغيرها مما رسم على وجه، وقرئت أيضًا على وجه آخر بالأخذ عن القارئ الذي أقرأ بهذه المصاحف، وهذا يعني أنَّه لا يلزم أخذ القراءة من الرسم حتى توافق قراءة القارئ، وأنه يجوز أن يقرأ القارئ بما يخالف المرسوم، لكنه يكون من الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مضبوط معروف، لذا لم يكن في مصحف عثمان مثل قراءة أبي الدرداء وابن مسعود:«والذكر والأنثى» مع صحة سندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويقال: إنما رُدَّت مع صحة سندها لأنه لم يقرأ بها في العرضة الأخيرة، ولم توافق المصحف، وليس ردها لمخالفة رسم المصحف فقط، والله أعلم.
وبعد هذا يكون الفرق بين عمل أبي بكر وعمل عثمان كما يأتي:
1 ـ أنَّ أبا بكر أراد حفظ القرآن مكتوبًا، خشية أن يموت قراء الصحابة، فيذهب بذهابهم.
أما عثمان بن عفان، فكان الاختلاف الذي نشأ بين التابعين سببًا في نسخه للمصاحف.