الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسات تاريخية
أتاتورك..
حقيقته.. والدور الذي أداه
(1
من 2)
بقلم: ياسر قارئ
يمتد عمر الدولة العثمانية عبر ستة قرون ونصف من الزمان (699 /1340 هـ)، وبالتالي: فهي تشغل جزءا كبيراً من تاريخ الإسلام منذ أن بزغ فجر الدعوة المحمدية وعمّ نورها أركان الأرض، ولقد كان للأتراك الحظ الأوفر من رعاية المسلمين والحفاظ على مجتمعهم، ومن الطبيعي جدّاً أن تتعرض دولة كهذه للمؤامرات الخارجية والحروب الضارية، خاصة إذا علمنا حجم الرقعة التي شملتها، والمقدار الذي اقتطعته للإسلام من أوروبا النصرانية، فقد تسابق الملوك والرؤساء في أوروبا على حربها، وتولى الفاتيكان كبر هذه العمليات، واتحدت أوروبا الممزقة على هدف واحد، هو: تصفية الوجود العثماني في أوروبا على أقل تقدير، واستعادة بيزنطة منها، إذا لم تنجح محاولاتها في إنهاء حياتها بالكلية، إلا أن حكمة الله أبت أن يكتب لتلك المحاولات النجاح، فعمدت أوروبا إلى أسلوب آخر هو أمضى وأنجع على الرغم من كونه خفيّاً وغير ملموس، إذ سرّبت إلى الجسد المسلم خلايا فاسدة تظاهرت بالإسلام وأبطنت الكفر، مستغلة بذلك سذاجة بعض المسلمين وغفلتهم، وتأويلات بعض المرجفين، أو انهزامية بعض المؤمنين، فسعت في الأرض وعاثت فيها فساداً، حتى نجح الثالوث اليهودي النصراني الوثني في تحقيق الحلم الأوروبي الكبير، وانمحت من الوجود دولة الخلافة وسلطان المسلمين، وغدت ديار الإسلام نهباً للأمم والشعوب الأوروبية (المتحضرة) ، التي ارتقت بها إلى الخراب الاقتصادي والفساد الأخلاقي.
هل كانت هذه المؤامرة امتداداً لفتنة عبد الله بن سبأ؟ .. الأسلوب والنتائج
يشيران إلى تشابه كبير، فهل تواصوا به؟ ! .
كما يقول المنصرون في أدبياتهم: «إنه لا يهدم البيت إلا أحد أركانه» ، لذا فقد فطن أعداء الإسلام إلى غرس فئة من اليهود في جسد الدولة العثمانية
يتظاهرون بالإسلام، فيما يقومون وبالتنسيق مع أعدائها بدك عرشها، وإزالة
…
سلطانها، تلك الطائفة التي عرفت بيهود (الدونمة) ، وهذه اللفظة التركية تعني الردة عن الإسلام [1] ، وقد تركزت في منطقة (سلانيك) في الأراضي اليونانية حالياً، حيث نسجت خيوط اللعبة التي أدت بالدولة العثمانية إلى مصيرها المحتوم، وهنا: لا بد من الإشارة إلى أن الدولة هي التي تسببت في ذلك ابتداءً؛ إذ إنها لم تسع جاهدة إلى نشر الإسلام بين صفوف رعاياها، واكتفت بترك الطوائف وشأنها، بل تهاونت معهم كثيراً، الأمر الذي انعكس سلباً عليها وفتح ثغرة فيها نفذ منها الأعداء، فكانت الكارثة، ولقد شكل اليهود الخطر الأكبر على الدولة؛ بسبب مديونيتها لهم من جهة، وطبيعة هذا الشعب الماكر وحقده على السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين من جهة أخرى، فما برحوا يحيكون الدسائس ويستغلون الأحداث لإنهاء هيمنة دولة المسلمين على (الأرض المقدسة) ، وقد برز من يهود الدونمة رجل ساهم بشكل كبير في تغيير مجرى التاريخ المعاصر، حيث ألغى كيان الخلافة التي استمرت لمدة أربعة عشر قرناً في لمح البصر! !
سؤال خطير وجوابه:
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تمكن فرد من تحقيق ما عجزت عنه
أوروبا بقضها وقضيضها، ولمدة سبعة قرون تقريباً؟ .. هذه الدراسة تحاول تسليط
الأضواء على هذه الشخصية ودورها وميراثها، وقد قسمتها إلى مقدمة عن
الأوضاع قبيل ظهور هذا الرجل، ثم مولده ونشأته، والتساؤلات حول أصله ونسبه، ثم تطرقت إلى تدرجه في السلك العسكري، وبروزه على الساحة، ثم صناعة
الإنجليز له وعلاقته بهم، بعد ذلك تعرضت إلى أعماله إبان فترة حكمه، وختمت
البحث بالحديث عن الإرث الذي تركه، ومدى استمرار الدولة في السير على نهجه.
تمهيد عن الأوضاع في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني:
اعتلى عرش السلطة في وقت حرج جدّاً شاب طموح وعبقري، قد بزّ أهل
زمانه، وفاق أقرانه من الحكام، ذلكم هو السلطان عبد الحميد خان الثاني، الذي
حكم البلاد منذ سنة 1293هـ (1876م) إلى سنة 1327هـ (1909م)، أي:
قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً، وقد كانت الحياة الاقتصادية في عهده رخيصة، وأوشك
مؤشر التضخم الاقتصادي على الهبوط إلى الصفر، على الرغم من الحروب
الروسية المتتالية، ومضايقة الإنجليز المستمرة في مجال التجارة الدولية، لكن فئة
الضباط الذين عاشوا في أوروبا وجلهم من غير المسلمين لم تعجبهم تلك السياسة
الحميدة في الوقت الذي مات فيه ألوف البشر بسبب المجاعة في أيرلندا والهند
الخاضعتين للحكم الإنجليزي، ثم إن بريطانيا كانت تكره السلطان بسبب وقفه
لطموحاتها وتغلغلها في أراضي الدولة العثمانية من جهة، وسلطانه الروحي على
رعاياها في المستعمرات وكذلك النصارى الواقعين تحت حكمه من جهة أخرى [2] .
في تلك الحقبة: فُتحت المجالس النيابية في روسيا وإيران، وقد سرت هذه
الظاهرة إلى الدولة العثمانية، فتطلع الشعب الذي شعر بالملل من طول فترة حكم
السلطان إلى النظام البرلماني الشائع في أوروبا، وقد استجاب السلطان لتلك
المطالب، فشكل لجنة للنظر في الدساتير الغربية والاستفادة منها، لكن أوروبا
المتربصة والمعارضين المفتونين بها أصروا على وضع دستور عام يضمن استقلال
المناطق والشعوب، مما يعني عمليّاً إلغاء سلطة الدولة على رعاياها، الأمر الذي
فطن إليه السلطان، وقد نصحه بذلك أيضاً المستشار النمساوي «بسمارك» ، لذلك: شكلت المعارضة جمعية في فرنسا تدعى (الاتحاد والترقي)، القصد المزعوم منها: تطوير نظام الحكم [3] ، وقد طالب أعضاؤها بمنح جميع الأقطار استقلالاً ذاتيّاً
وتقسيم البلاد على أسس قومية [4] .
رضخ السلطان لمطالب المعارضة باستئناف أعمال مجلس المبعوثان (النواب) لكن الاتحاديين وكما يبدو من قرارات مؤتمر باريس قد أصروا على تنفيذ خطتهم
بتقسيم البلاد، بل وخلع السلطان بقوة السلاح، فأغاروا على العاصمة في سنة
1909م، ولم يشأ السلطان مواجهتهم، بل استسلم لقضاء الله وقدره على الرغم من
سيطرته على الجيش! إلا أنه لم يشأ إراقة الدماء بسببه هو! ، فآثر مواجهة
الموقف وحيداً بعد أن أخلى القصر من الحرس، وتلك من حسناته التي يتعالى عنها
الحاقدون والمرجفون [5] .
لقد استغل اليهود (جمعية الاتحاد والترقي) للعمل ضد السلطان عبد الحميد
المتربص بمخططاتهم.. والمتتبع لطبيعة القادة البارزين فيها: يتأكد أنها ليست
تركية أو إسلامية، فأنور باشا: بولندي، وجاويد باشا: من الدونمة اليهود،
وقارصوه يهودي إسباني، وأما طلعت باشا وأحمد رضا فهما من أصل غجري
تظاهرا بالإسلام [6]، وكما يذكر أحد المؤرخين: فإن السلطان قد أمر بجمع
المعلومات عن الصهاينة من سفاراته وإرسال مخبرين متنكرين إلى اجتماعاتهم
ليوافوه بالتقارير عنها، وكذلك إرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوروبية
المتعلقة بنشاطهم [7]، لذلك: لا نفاجأ عندما يصرح طلعت باشا في مذاكرته بأن
الوفد الذي أخبر السلطان بعزله لم يكن فيه مسلم أو تركي واحد! ، وإنما كانوا:
يهودي، وأرمني، ويوناني، ويوغسلافي [8] ، وهذا ما دعى أحد المؤرخين
الأتراك إلى القول بأن الثورة سنة 1908م تقريباً من عمل مؤامرة يهودية ماسونية،
وشاركه الرأي رفيق بك أحد شخصيات الجمعية البارزة [9] ، ومما يؤكد هذه
الحقيقة: أن جيش الجمعية الذي احتل (إستانبول) كان مكوناً من أرباب السوابق
وعصابات الروم والبلغار والأرناؤوط (الألبان) ويهود الدونمة من (سلانيك)
…
وغيرها [10] ، فيما يحاول مستشرق فرنسي موتور تلميع صورة أولئك الأوباش، فيزعم أنهم ينحدرون من صفوف البورجوازية الصغيرة كالمحامين والصحفيين وصغار الضباط [11]، وللمزيد من الأدلة على دور اليهود في توجيه الجمعية والثورة لتحقيق أهدافهم: هذه شهادة من طلعت باشا (العضو في الجمعية) يعترف فيها بأن (الاتحاد والترقي) كان أمل اليهود المنشود، بينما يتنبأ شخصيّاً بإقامة دولة يهودية في فلسطين [12] ، ويزيد الصورة إيضاحاً كلام الدكتور رضا نور، إذ يعترف بأن الآمر الناهي في الاتحاد والترقي هم: جاويد، وقارصوه، وهما من يهود الدونمة، وطلعت باشا، وهو ماسوني [13] .
مصطفى كمال.. مولده ونشأته:
كما يقال بأن الشائعة إذا راجت في زمانها كان لها أثر كبير من الصحة،
ومصطفى كمال، المولود في مدينة (سلانيك) باليونان حالياً سنة 1296 هـ
…
(1880 م) ، تحوم حول نسبه شكوك أثيرت في أيام طفولته حول هوية والده من ناحية، وحول أصله العرقي من ناحية أخرى، فوالده مجهول الهوية؛ إذ عندما قدمت له صورة والده الرسمي أنكرها [14]، بينما يُقال: إن والده هو علي رضا، الموظف الحكومي المتواضع، وقد توفي ومصطفى ابن سبع سنين، فتولت أمه (زبيدة) رعايته، فكان يدرس اللغة الفرنسية سرّاً في العطلات المدرسية على يد رئيس دير فرنسي، وكان يعتني به شخصيّاً بصفة خاصة [15] ، فيما يدّعي بعض المطلعين بأن أباه قد مات بسبب عدم سيطرته على فسق زوجته وفجورها، وأن الأب الحقيقي لمصطفى هو إما صربي أو بلغاري أو روماني، وقد تبرأ علي رضا أفندي من مصطفى رسميّاً، إلا أنّ السجلات أزيلت من المحكمة [16] من جهة أخرى: فإن الأدلة الأنثروبولوجية لمصطفى كمال بشُقْرَته وعينيه الزرقاوين، وجمجمته: تؤكد أنه أكثر ما يكون بعداً عن الملامح التركية [17] .
التحق مصطفى كمال بالجيش بعد إنهائه للثانوية العسكرية، وهناك أضيف له
اسم «مصطفى» بسبب تشابهه مع أحد المدرسين، وكان من المعجبين بنابليون
والثورة الفرنسية، وكان له اهتمام بعلاقة الجنسين والحرية التامة لهما [18] بعد
تخرجه من الكلية الحربية بإستانبول خاطب زملاءه قائلاً: «إن الباشاوات
العثمانيين كلهم في غفلة وانخداع بفكرة العالم الإسلامي، وعلينا أن نجمع كل منابع
قوتنا في الأناضول التركي» [19] ، عُيِّن قائداً في الشام، وكان يتردد على مقهى
للعمال الإيطاليين ليشاركهم في الرقص وشرب الخمر، وهناك كوّن (جمعية الوطن
والحرية) في سنة 1906م، كما أسس مع رفاقه فروعاً لها في يافا والقدس وبيروت، وكان قد التحق بالمحفل الماسوني (فداتا)[20] ، ثم رجع إلى سلانيك سنة 1907 م، حيث قضى أوقاته في الملاهي، لكنه تمكن عن طريق المحافل الماسونية هناك
من الترويج لحركته التي سميت (تركيا الفتاة) ، والتي اندمجت لاحقاً مع الاتحاد
والترقي [21] ، ولكن الاتحاديين لم يرتاحوا له، فنفوه إلى طرابلس الغرب في
مهمة عسكرية، ثم رجع إلى سلانيك، وعين قائداً للواء الثامن والثلاثين، وكان
هو أول من يتخلى عن التحية الإسلامية في الجيش [22] ، وقد أكد السلطان عبد
الحميد توجس الاتحاديين من مصطفى كمال، إذا تجاوزوه وعينوا أنور باشا وزيراً
للدفاع؛ لأن به سكوناً خطيراً جعل طلعت باشا يتجاهله ويؤيد أنور باشا الذي كان
يتفاداه [23]، وفي حقه يقول أنور باشا: إنه «إذا ترقى إلى رتبة باشا فإنه يرغب
أن يكون سلطاناً، وإذا أصبح سلطاناً فإنه يرغب أن يكون إلهاً!» [24] ، هذا
الطموح الشخصي والغرور الذي لا حد له سينعكس على كل قراراته وسياساته
المستقبلية، كما سيمر معنا.
بروزه على مسرح الأحداث وعلاقته بالإنجليز:
ملكت الثقافة الألمانية على زعماء الاتحاد والترقي الذين شكلوا الحكومة التي
أعقبت خلع السلطان عبد الحميد عقولهم وقلوبهم، فاندفعوا خلف ألمانيا في الحرب
العالمية الأولى ظنّاً منهم أن ذلك سوف يحميهم من التوسع البريطاني في أراضي
الدولة العثمانية، تلك الحرب التي كان ينتظرها السلطان المخلوع (عبد الحميد) ؛
لكي تدمر أوروبا نفسها، ويخرج هو سالماً بعدم مشاركته فيها [25] ، وبعد أن
ورطوا البلاد في حرب خاسرة: رحل كبراء الجمعية (طلعت، وأنور، وجمال)
إلى ألمانيا، وبذلك خلت الساحة أمام مصطفى كمال، وبدأت أسهمه في الصعود،
لكننا لا بد أن نذكّر بأنه كان سبباً في هزيمة الدولة في حرب البلقان سنة 1912م؛
لانسحابه من المعركة حتى لا يحصل أنور باشا على شرف الانتصار، ثم انتُدب
لتخليص الحجاز من الإنجليز إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكانت خطته
العسكرية توصي بالتضحية بالحجاز مقابل المحافظة على القدس [26] ، ثم ما لبث
أن انسحب أمام الجيش الإنجليزي في سورية، وبالاتفاق مع القائد (اللنبي) ؛
فتسبب في هزيمة الأتراك، لكنه لايكتفي بذلك، بل ينعى على الاتحاديين سياستهم
الموافقة لألمانيا والتي دمّرت الدولة [27]، ولا نزيد على أن نقول: «إذا لم تستح
فاصنع ما شئت» .
انتهت الحرب واحتل الحلفاء إستانبول، ودخل الجنرال الفرنسي «دسبري» المدينة، ممتطياً جواداً أبيض أهداه له سكان المدينة من اليونانيين؛ أسوة بما
فعله السلطان محمد الفاتح قبل 466 عاماً [28] ، لكن السلطان محمد وحيد الدين
السادس لم يصبر على الضيم ونظراً لعجزه شخصيّاً عن إثارة القلاقل في وجه
الحلفاء: فإنه عدل إلى مصطفى كمال باشا الذي أمده بالأموال اللازمة [29] ، كما
أطلق يده، إذ عينه مفتشاً عامّاً لجيش الأناضول، ليقوم بالثورة على قوات
الاحتلال، فيتسنى بذلك للسلطان هامش للمناورة والمساومة السياسية مع المحتلين،
وقد أمده بمئة وعشرين ألف ليرة ذهبية [30] ، ويبدو أن السلطان قد تجاهل
خيانات مصطفى كمال السابقة للدولة وتواطؤه مع الإنجليز، بينما اعتقدت بريطانيا
أن المشاكل المثارة في الأناضول تجري بناءً على عرض سابق تقدمت به إليه (أي: إلى مصطفى) سنة 1917م عندما كان قائداً في فلسطين، تطلب فيه الثورة على
السلطنة والخلافة مقابل مساعدته في ذلك [31] ، وربما كان هذا الرأي هو الأقرب
إلى التصديق؛ إذ لم تمانع إنجلترا في خروج مصطفى كمال من إستانبول بحراً إلى
مدينة سامسون، وهو الذي دحر الحلفاء في جناق قلعة [32] ، وقد استغرب (ثريا
إيدمير) مؤلف كتاب (الرجل الأوحد) ، عن أتاتورك تصرف الإنجليز هذا،
وتزول الغرابة تماماً عندما نعلم بأن الجنرال اللنبي رشح مصطفى كمال لقيادة
الجيش السادس المرابط بالقرب من الموصل، حيث النفط والنفوذ الإنجليزي في
المنطقة الذي يتطلب شخصاً يستطيع الإنجليز التعامل معه [33] .
وبالفعل: أجج مصطفى كمال الشعب على الاحتلال العسكري للبلاد، لدرجة
اضطر معها الإنجليز إلى الطلب إلى السلطان بتنحيته عن قيادة المنطقة، وفي هذا
الصدد: يضيف شيخ الإسلام (مصطفى صبري) بأن السلطان قد ماطل في
فصل مصطفى كمال لمدة شهرين على الرغم من تذمر قوات الاحتلال، واستمر في
دعوته للعودة إلى إستانبول، لكنه أبى، وقد ظل السلطان يحسن الظن به حتى قال
فيه: «ليخدم الوطن وليغتصب عرشي» ! [34] ، علماً بأن أنور باشا بعث
ببرقية إلى السلطان يحذره فيها من «أن إرسال مصطفى كمال إلى الأناضول
سيكون بداية لمصائبنا» [35] .. وبعد أن أُعفي من منصبه العسكري سارع إلى
عقد المؤتمرات (أرضروم سنة 1918م، وسيواس سنة 1919م) لتعزيز سلطته في
المنطقة، وقد خرج المجتمعون بتوصيات، منها: المحافظة على أراضي الدولة،
واستقلال الشعب، ومقاومة الاحتلال.. وتم تغيير اسم الجمعية إلى جمعية (الدفاع
عن حقوق شرق الأناضول والرومللي) ، أي: إسقاط باقي مناطق الدولة،
والمحافظة على المناطق التركية فقط [36] ، كما تم انتخاب مصطفى كمال رئيساً
للجمعية.
وتستمر فصول المسرحية الهزلية، فيهاجم مصطفى كمال وجيشه مستودعات
الأسلحة والذخائر التابعة للحلفاء، وأرسلوا ما حصلوا عليه إلى الأناضول بوصفه
غنائم حرب [37]، فكان رد الفعل الإنجليزي هو: إرسال قواتها لاحتلال إستانبول، والزّج بنوّاب مصطفى كمال بالبرلمان في السجن، وحلّ البرلمان، ونفي بعض
أعضائه، وفرض الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة، وتم تشكيل
وزارة جديدة.. وكل ذلك بموافقة السلطان الذي لا يملك من أمره شيئاً، ثم أجليت
القوات الإنجليزية عن (إسكى شهر) و (قونية) دون الاشتباك مع قوات مصطفى
كمال المحاصرة، فظهر للناس وجود معسكرين، أحدهما يضم السلطان والمحتلين
الإنجليز، بينما يتكون الآخر من المناضل! مصطفى كمال ومؤيديه [38] ، أما
المناضل الوطني! فقد أوعز إلى مفتي مدينة أنقرة بإصدار فتوى تندد بفتوى مفتي
إستانبول القاضية بمحاربة الكماليين؛ بحجة أنها والسلطان والحكومة محتلين من
قبل الإنجليز [39]، وهذه هي حيلة المنافقين دائماً: الإذعان إلى الدين متى ما
احتاجوا إليه في دعم باطلهم، كما أعلن عن تكوين برلمان في مدينة أنقرة ومقر
للحكومة لمكافحة الأجنبي، وكان مما صرح به هو: «أن كل التدابير التي ستتخذ
لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطة، وتحرير السلطان والبلاد من الرق
الأجنبي» [40] ثم إن الإنجليز قاموا في تلك الأثناء بنشر بنود معاهدة (سيفر) ،
التي تتنازل الدولة العثمانية بموجبها عن أراضٍ كثيرة؛ ليوغروا صدور العامة
على السلطان ويرفعوا من أسهم مصطفى كمال، كما قاموا بغض الطرف عن
تمويل وتسليح ذلك المناضل الوطني! [41] ، لكن هذا الرجل المتقلب عدل من
رأيه حول السلطة والخلافة (وبصورة غير ديمقراطية تماماً!) ؛ إذ صرخ في
أعضاء المجلس الجديد في أنقرة منادياً بحتمية الفصل بينهما، ولكن من المحتمل أن
بعض الرؤوس كانت ستقطع إذا لم توافق على ذلك الرأي [42] ، ولقد اعترف فيما
بعد في كتاب الخطابة بأن الفصل بين السلطتين كان نقطة أساسية ولازمة وكانت
بمثابة الخطوة الأولى [43] ، ترى ما هي الخطوة الثانية إذن؟ .
عقب التطورات الخطيرة، دعت بريطانيا إلى عقد مؤتمر لندن لحل المشكلة
(المسألة) الشرقية وقد وجهت إلى كل من إستانبول وأنقرة دعوتين منفصلتين، وقد
كانت الهيمنة لوفد أنقرة لحكمة يعلمها الحلفاء جيداً، من ثمارها: تنازل مصطفى
كمال عن سورية للفرنسيين، وعن باطوم للروس [44] ، وتمخض عن هذه
التنازلات: قيام الحلفاء بتحريض اليونان على غزو إستانبول، ثم التخلي عنها،
بينما توقف الهجوم اليوناني وبدأ في الانسحاب، وكان مصطفى كمال قد أمر بوقف
القتال قبل تراجع اليونانيين، وقد ضخمت الدعاية الغربية الحادثة لتظهر الغازي
مصطفى كمنقذ للبلاد من عدوها التقليدي، والتساؤل الذي نطرحه هو: كيف يأمر
قائد بوقف القتال أمام عدو لم يعلن عن استسلامه أو انسحابه بعد؟ فإذا لم يكن هناك
تنسيق مسبق بين القوات فهذا يعني وضع الجيش تحت رحمة الأسلحة اليونانية، أم
إنها إحدى لعبات الإنجليز في صنع الأبطال القوميين؟ ! . وبعد تلك اللعبة تظاهر
الحلفاء بمقاومة الغازي في هجومه على (تراقيا) ، لكن الإنجليز توسطوا لإنهاء
القتال وانسحاب اليونان [45]، والأعجب من ذلك هو: قيام السفن الإنجليزية
الراسية في البحر بنقل الفاريين اليونانيين من سكان الأناضول وشارك معها سفن
الحلفاء [46] ، ثم إن إنجلترا، وهي المنتصرة في الحرب العالمية، الأولى تنازلت
بمحض إراداتها عن مدينة أزمير لتظهر مصطفى كمال أمام العالم الإسلامي بأنه
الغازي والمنتصر، ثم تفرض شروطها عليه، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام
مصطفى صبري [47] .
ثم إن الغازي! مصطفى كمال هدد أعضاء المجلس الوطني الكبير بالقتل،
إذا لم ينزلوا على رأيه بإلغاء السلطة العثمانية [48] ، هذا هو أسلوب معاملة الرجل
الذي راهنت عليه إنجلترا، وتلكم هي طريقة تعامله مع البرلمان الموقر ونوابه
المحترمين، الذين يتمتعون بحصانة يكفلها الدستور الذي خلعوا السلطان عبد الحميد
الثاني من أجله! فكيف ستكون سياسته عندما يصبح الآمر الناهي في البلاد
والعباد؟
بعد هذه السلسلة من الحروب الكرتونية المفتعلة: قرر الحلفاء عقد مؤتمر
لإنهاء وضع الدولة العثمانية، وذلك لكسب الرأي العام التركي لصف الغازي
مصطفى كمال الذي صُنع على أعين الإنجليز، فكان مؤتمر (لوزان) بسويسرا سنة
1340هـ (1924م)، ويقال: إن اللورد (كرزون) رئيس وفد إنجلترا قد طرح
أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا، وهي: إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة،
ومصادرة أمواله، وإعلان فصل الدين الإسلامي عن الدولة والحياة
…
(العلمانية)[49] .
بينما يؤكد شيخ الإسلام مصطفى صبري وبناءً على تصريح مستشار وزير خارجية بريطانيا بأن مصطفى كمال قد اقترح على المؤتمر: إلغاء الخلافة، وقطع
علاقة الدولة بالإسلام، وتجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية،
واستبدال الدستور القائم بآخر مدني.. وقد وكل إلى عصمت إينونو القيام بتلك
المهمة [50] ، وكان قد همس في أذن إينونو قبيل سفره بألا يعارض الإنجليز،
حتى ولو طلبوا التنازل عن مدينة إستانبول وتراقيا! [51] ، لكن الإنجليز اكتفوا
فيما يبدو بما قدمه الغازي من تنازلات، اللهم إلا اشتراط بقاء بطركية الروم في
إستانبول بناءً على ضغوط مجلس الكنائس البريطانية [52] .. وإذا كان هذا لا
يكفي المسلمين جراحاً فإن الآلام تزداد عندما يخرج علينا مؤرخ مسلم حاول الدفاع
عن الدولة العثمانية في موسوعته، فيزعم بأن قرار مصطفى كمال بإلغاء السلطنة
كان الهدف منه هو: حسم ازدواجية الحكومة، وإلغاء معاهدة سيفر الظالمة، وسد
الباب على الإنجليز؛ لكيلا يضربوا بعضها ببعض [53] .
ولكي يحقق الغازي! آماله: اضطر إلى حل المجلس الوطني الكبير،
وتشكيل مجلس مؤيد له يوافق على ما جاء في معاهدة لوزان، والمضحك في الأمر: أن 40 (فقط من النواب هم الذين حضروا الاجتماع الذي أعلن فيه عن قيام
الجمهورية التركية وإلغاء مؤسسة الخلافة بعد أربعة عشر قرناً من الزمان [54] ،
وقد أصدر المجلس القوانين: 429، 430، 431 التي تنص على إلغاء الخلافة،
وطرد الخليفة وأسرته، وإلغاء وزارة الأوقاف والشرعية والمدارس الدينية [55] ،
ويقول عن تلك النكبة الكبرى ذلك المؤرخ: إنها كانت انتصاراً للقومية التركية،
واستطاع بذلك الغازي! تحدي بريطانيا وحلفائها، أما عن نقله للعاصمة إلى مدينة
أنقرة: فيبرر ذلك بحجة تجريد المدينة (إستانبول) من السلاح والتخلص من
الماضي [56] ، فعلاً لقد نجح مصطفى كمال في خداع قطاع كبير من الناس بنفاقه
البغيض، لدرجة أن السلطان عبد الحميد الثاني على الرغم من ثاقب نظره صدّق
انتصار مصطفى كمال على الحلفاء في معركة جناق قلعة، أو ربما رغبته في
حماية البلد هي التي دفعته لتصديق تلك المهزلة، حتى دعا الله أن يتقبل منه عمله
ذاك! [57] ، ولم يقف الحد عند ذلك، إذ تسابق الشعراء في الثناء على انتصارات
الغازي وتمجيدها، كما حصل مع أمير الشعراء أحمد شوقي، إذا أنشد [58] :
الله أكبر كم في الفتح من عجب
…
يا خالد الترك جدد خالد العرب
حذوت حذو صلاح الدين في زمن
…
فيه القتال بلا شرع ولا أدب
ثم انصدم بعد ذلك كغيره من المسلمين بأعمال الغازي! المناهضة لدين الله،
وتأسف على ما فات. ويعلق المؤرخ إحسان حقّي على تلك الأحداث قائلاً: (لقد
عاصرت الثورة الكمالية وتأثرت بها؛ لغربة المسلمين ووقوعهم تحت الاحتلال،
وانخدعت بها كغيري، بينما استغل هو مشاعر المسلمين وأموالهم، وكان يتظاهر
بالإسلام، إذ كان يأمر بقراءة صحيح البخاري قبل المعارك بفترة) ! [59] بينما
يأسف مستشرق ألماني حاقد على قصر همة مصطفى كمال الذي آثر التخلي عن
المنافع التي كانت دولته جديرة بجنيها لو رغب في إبقائها مركزاً روحيّاً
…
للإسلام [60] ، لكن مصطفى كمال كان صريحاً في موقفه من الإسلام، إذ خاطب المجلس الوطني أثناء مناقشة شروط معاهدة لوزان قائلاً:(إن الآوان قد آن لتنظر تركيا إلى مصالحها، وتتجاهل الهنود والعرب، وتنقذ نفسها من تَزَعّم الدول الإسلامية)[61] ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحد النواب الإنجليز كان قد اعترض على استقلال تركيا، فأجابه اللورد كرزون قائلاً:«إن القضية هي أنّ تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة؛ لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها، وهي الخلافة الإسلامية» [62] .
بعد أن حقق مصطفى كمال آمال أوروبا التي سعت إليها طوال سبعة قرون
تقريباً: هل توقف عند ذلك؟ أم تمادى في محاربته لله ولرسوله؟ .
هذا ما سنراه في الحلقة التالية.
(1) أحمد النعمي: تركيا وحلف شمال الأطلسي، ص 31.
(2)
يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، ج2، ص 148 152، بتصرف.
(3)
انظر: محمد صلاح الدين، جمعية الاتحاد والترقي ودورها في إسقاط الخلافة الإسلامية.
(4)
أوزتونا، مصدر سابق، ص 171.
(5)
راجع: مذكرات السلطان عبد الحميد، ترجمة د محمد حرب.
(6)
أحمد الشوابكة: حركة الجامعة الإسلامية، ص 308 309.
(7)
د محمد حرب: العثمانيون في التاريخ والحضارة، ص 38.
(8)
نجيب قيصه كورك: السلطان عبد الحميد خان الثاني واليهود، ص 67.
(9)
حركة الجامعة الإسلامية، ص 310.
(10)
جمعية الاتحاد والترقي ودورها في إسقاط الخلافة، ص 40.
(11)
روبير مانتران، تاريخ الدولة العثمانية، ج2، ص 245.
(12)
مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 143.
(13)
المصدر السابق، ص 186.
(14)
الرجل الصنم، لمؤلف مجهول/ ضابط تركي سابق، ج1، ص 37.
(15)
علي حسّون، تاريخ الدولة العثمانية، ص 307.
(16)
الرجل الصنم، ص 44 46، بتصرف.
(17)
المصدر نفسه، ص 50.
(18)
حسّون، مصدر سابق، ص 308.
(19)
الرجل الصنم، ص 60.
(20)
أحمد مصطفى: في أصول العثمانيين، ص 301.
(21)
مانتران، مصدر سابق، ص 237.
(22)
الرجل الصنم، ص 73.
(23)
مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 261.
(24)
الرجل الصنم، ص 90.
(25)
مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 136.
(26)
الرجل الصنم، ص 86.
(27)
عبد العزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، ج 1، ص 253.
(28)
المصدر نفسه، ص 245.
(29)
الرجل الصنم، ص 129، ص 135.
(30)
محمد فريد، تاريخ الدولة العليّة العثمانية، ص 747.
(31)
المصدر نفسه، ص 751.
(32)
الرجل الصنم، ص 125.
(33)
المصدر نفسه، ص 105.
(34)
محمد فريد، مصدر سابق، ص 749.
(35)
الرجل الصنم، ص 181.
(36)
الشناوي، مصدر سابق، ص 259.
(37)
المصدر السابق، ص 261.
(38)
حسّون، مصدر سابق، ص 319.
(39)
الشناوي، مصدر سابق، ص 263.
(40)
حسّون، مصدر سابق، ص 320.
(41)
المصدر نفسه، ص 321.
(42)
الرجل الصنم، ج2، ص 259.
(43)
المصدر السابق، ص 257.
(44)
حسّون، مصدر سابق، ص 322.
(45)
المصدر السابق، ص 324.
(46)
الشناوي، مصدر سابق، ص 275.
(47)
مصطفى حلمي، الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة الإسلامية، ص 33.
(48)
حسون، مصدر سابق، ص 325.
(49)
المصدر السابق، ص 326.
(50)
الأسرار الخفية، ص265.
(51)
الرجل الصنم، ج2، ص 270.
(52)
المصدر السابق، ص 276.
(53)
الشناوي، مصدر سابق، ص 278.
(54)
حسّون، مصدر سابق، ص 327.
(55)
الرجل الصنم، ص 298.
(56)
الشناوي، مصدر سابق، ص 304 307، بتصرف.
(57)
مذكرات السلطان عبد الحميد، ص260.
(58)
حسّون، مصدر سابق، ص 323.
(59)
محمد فريد، مصدر سابق، ص 754.
(60)
كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 696.
(61)
تركيا وحلف شمال الأطلسي، ص 37.
(62)
حسّون، مصدر سابق، ص 327.
المسلمون والعالم
مصر في القرن الواحد والعشرين
(قراءة أصولي)
(2 من 3)
بقلم: عبد الرحمن الكناني
بعد تمهيد ببيان أهمية طَرْق مثل هذه الموضوعات من قِبَل الإسلاميين؛
لإبداء وجهة نظرهم فيما يطرحه العلمانيون، وتنويه بأن ذلك ينبغي ألا يكون من
موقع الهزيمة النفسية: عرض الكاتب في الحلقة السابقة تلخيصاً للدراسة المستقبلية
التي طرحها الدكتور أسامة الباز، ثم أبدى بعض الملحوظات العامة على الدراسة،
وبدأ في توضيح بعض الملحوظات التفصيلية، التي كان منها: مكانة الإنسان،
وتحريره أم الوصاية عليه، وحقيقة الطفرات السياسية.. ويواصل الكاتب ما بدأه
من هذه الملحوظات.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... - البيان -
الملحوظة الرابعة: الموقف من الصحوة الإسلامية:
يفسر الأستاذ السيد ياسين أسباب ظهور الصحوة الإسلامية بفشل الفلسفات
والأيديولوجيات الوضعية (المنافسة للدين) مثل الليبرالية والاشتراكية في الإجابة
عن الأسئلة الكبرى لمعنى الحياة وجوهرها، ثم تنافس هذه الفلسفات
والأيديولوجيات فيما بينها، وليس بينها وبين الدين، (مما جعل الشباب يعود
للدين في صورة موجات من التدين الشعبي، ثم في صورة حركات إسلامية منظمة، انقلب بعضها ليصبح حركات إرهابية صريحة لا تخفي مخططاتها) ، بينما
يرصد الدكتور حسن حنفي أسباب بروز (الإحياء الديني) ، فيرى أن (هزيمة
1967م كانت أول وأهم هذه الأسباب، ثم تأتي سياسات الانفتاح وما أعقبها من
غلاء وبطالة، وزيادة التفاوت بين من يملكون ومن لا يملكون، فضلاً عن ازدياد
الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وأخيراً يتحدث الباحث عن التوجه إلى الصلح مع
إسرائيل والتعاون مع الغرب والولايات المتحدة) .
ونلاحظ أن التفسيرات في مجملها تلمح إلى عدم أجدرية الدين برجوع الشباب
إليه، ولكننا نلفت نظر المتأمل إلى أن تنافس الأيديولوجيات والفلسفات الوضعية
والصراع بينها وحده.. ليس كفيلاً وحتميّاً برجوع الشباب إلى الدين، كما أن هذا
الصراع لم يتجاوز دائرة (النخبة الثقافية) ، ولم يكن للجماهير التي (أصابتها
موجات التدين الشعبي) احتكاك بهذا الصراع، أما هزيمة 1967م: فليست سبباً
منطقيّاً لبروز هذه الصحوة؛ فقد كانت الصحوة ممتدة من قبل هذا التاريخ، وإن
أخذت بعداً آخر في عمقها واتساعها بعد 1967م ليس بسبب الهزيمة نفسها في
رأيي ولكن بسبب ظهور فرصة التحرك الدعوي التي أُتيحت نتيجة ضعف النظام
وانكساره بعد الهزيمة.. وأما التفسير (الاشتراكي) بالعوامل الاقتصادية والتقارب
مع الغرب، فرغم تناقضه مع ما يدعيه آخرون من إنجازات اقتصادية واجتماعية
وسياسية حققت بعد (ثورة 1952م) ، إلا أنه أيضاً لا يفسر لنا امتداد الصحوة شرقاً
وغرباً، في أقطار لا تعاني من ضائقة اقتصادية، بل تعيش في رغد ورخاء، وفي
أقطار ما زالت تعلن العداء (للإمبريالية الغربية) ، وتصر على أن فلسطين (من
البحر إلى النهر، ومن الجنوب إلى الجنوب) .
وحسب الرؤية الأصولية التي نظنها إسلامية صحيحة فإن انتشار الصحوة
راجع إلى أن الإسلام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، والتي هي ملاذ الأفراد
الطبيعي عندما يعودون إلى أنفسهم وتتاح لهم فرصة التذكير والتعريف بهذا الدين،
وأن الإسلام هو قَدَر هذه الأمة وهويتها التي لا تستطيع بدونه أن يكون لها تميز
أممي بين البشر، وُجِدت الصحوة رغم محاولات الصد والمنع والكيد التي تبذل
للحيلولة دونها، وهذا ما يحيِّر العلمانيين.
وعن الصراع بين التيارات الإسلامية والعلمانيين:
يرى الأستاذ/ السيد ياسين أن (الصراع الثقافي: بين العلمانيين وهم
أنصار فصل الدين عن الدولة وبين من يزعمون أهليتهم للحديث باسم الإسلام،
ويرفعون شعار (الإسلام هو الحل) .
وهؤلاء لن يتاح لهم أن يحصلوا على أغلبية مقاعد مجلس الشعب في أي
انتخابات حرة ونزيهة؛ لأنهم وهذه حقيقة أساسية لا يمتلكون أي مشروع محدد
سوى شعارهم العام الذي يفتقر إلى التحديد، ويعاني فقراً شديداً في المضمون
الفكري) .
ونلاحظ أن المعاني التي تحتويها هذه الفقرة هي محتوى أنشودة علمانية لا
يمل المناوئون للتيار الإسلامي في أكثر من قطر من ترديدها، وتدور حول (فقد
البرنامج) ، ولكننا نلفت الانتباه إلى:
أولاً: التنافس على مقاعد مجلس الشعب ليس صراعاً ثقافيّاً، والفوز بهذه
المقاعد لا يمثل انتصاراً لثقافة على أخرى، بل يمثل مهارة في الإدراة باستخدام
الأساليب المشروعة وغير المشروعة، التي أشرنا إلى جانب منها سابقاً: كاستغلال
النفوذ، والابتزاز السياسي، والتمويل السخي، إضافة إلى الاعتبارات المناطقية
والعائلية، هذا إذا ضربنا صفحاً عن اتهامات التزوير على نطاق كبير.
ثانياً: إذا كان هؤلاء الذين يزعمون أهليتهم للحديث باسم الإسلام غير
مؤثرين، ولا يملكون برنامجاً، ولن تتاح لهم فرصة نجاح.. فلماذا الخوف منهم،
ومطاردتهم، وملاحقتهم، ومنعهم من ممارسة أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو
سياسي؟ ، ثم: أليس العلمانيون يزعمون أيضاً أهليتهم للحديث باسم الإسلام، فما
الفرق المؤثر بينهم وبين الإسلاميين عند (المفكرين) وعند الجماهير، إلا الإحساس
بصدق التوجه؟ .
ثالثاً: الدندنة حول (البرنامج) على طريقة (الرؤية الإسلامية لحل أزمة
المواصلات) و (الطرح الإسلامي لمعالجة مشكلة الصرف الصحي! !)
…
ليست
طريقة صحية في الحوار الفكري والمناوشة السياسية:
- فالصحوة الإسلامية تملك بديلاً حضاريّاً متكاملاً ومتميزاً عن غيره لا ينكره
من خصومها إلا مكابر.
- وهذا البديل الحضاري ليس تصوراً نظريّاً فقط، بل دامت تحت ظله
مجتمعات متنوعة الأعراق واللغات ودول عتيدة لقرون عدة، وإن اختلفت درجة
قربها أو بعدها منه.
- والتيار الإسلامي لم تتح له فرصة العمل الحر حتى يقدم ما عنده، وعندما
أتيحت هذه الفرصة تقدم على منافسيه رغم الحضور العلماني المكثف كما حدث في
الجزائر، وتركيا أخيراً.
- وراية (البرنامج) لا يلوح بها إلا في وجه الإسلاميين، فرغم عدم تمكين
الحركة الإسلامية من العمل السياسي المنظم والمعلن، والحجر عليها بدعوى عدم
وضوح منهجها وفراغ شعاراتها من محتوى فكري محدد، نجد غض الطرف عن
الأحزاب العلمانية وإفساح المجال لها، وذلك رغم (غياب التمايز الواضح بين
برامج الأحزاب السياسية، مما يجعلها لا تمثل بدائل حقيقية في نظر الناخبين،
وغياب الديمقراطية الداخلية في أغلب الأحزاب القائمة.. وعجز الكثير من أحزاب
المعارضة عن القيام بوظيفة التعبير عن المصالح وبلورتها في شكل سياسات
وبرامج حزبية) ، وهذه شهادة الدكتور علي الدين هلال في بحث آخر من الدراسة
التي نحن بصددها، فلماذا الكيل بمكيالين لشيئين متماثلين؟ ! .
- وأخيراً: فينبغي تجاوز الصور والأشكال إلى الحقائق والنتائج، فما هو
نصيب (البرامج) العلمانية التي طقطقت بها الأحزاب أو الدولة من التطبيق الفعلي؟ وماذا جلبت هذه البرامج على الفرد والمجتمع طوال الفترة الماضية، حتى نعي
حجم الخطر الداهم والفوائد الضائعة على التيار الإسلامي والشعب إذا تخلف عنه
(البرنامج) ؟ .
وأما الموقف من التعامل مع التيارات الإسلامية:
فنرى الدكتور علي الدين هلال الذي ينعى على ضعف أداء الأحزاب السياسية
جميعها يفاجئنا بتحديد مشكلة التمثيل السياسي في مصر (في الجماعات التي لجأت
لاستخدام العنف والإرهاب كأداة للعمل السياسي؛ فاستخدام العنف يمثل أداة لقهر
الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة دون غيرها برغم أنفهم) ..
ولكننا نرى في هذا الكلام خلطاً لبعض الأوراق؛ فالجماعات التي تلجأ (لاستخدام
العنف) ترفض المشاركة في العملية السياسية برمتها، وبالتالي: فهي ليست
بحاجة (لقهر الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة) ، إضافة إلى
أن أعمالها في الغالب كانت موجهة إلى ما اعتبروه رموزاً للنظام السياسي العلماني، وليست موجهة إلى المواطنين لتوجيههم في مسارات معينة رغم أنفهم كما ذكر
الدكتور هلال.
كما أن قهر الآراء المخالفة وتوجيه المواطنين في مسارات معينة هو بالضبط
ما يتم من قِبَل الدولة؛ كما رأيناها في قرارات منع الحجاب في المدارس، وفي
الممارسات الانتخابية المشار إليها، وفي السيطرة والتوجيه الإعلامي المكثف، وفي
سن قوانين (بالمقاس) لمواجهة الآراء المخالفة (كقانون الصحافة وتعديله، وقانون
النقابات، وقانون المنظمات الأهلية) .
وواضح أن الرأي مستقر في المشروع المستقبلي على استبعاد التيارات
الإسلامية من المشاركة في الحياة العامة:
فبينما يعيب د. علي الدين هلال على الأحزاب السياسية (ضعف) بنيتها،
فإنه يشكو من (وجود) التيارات الإسلامية التي يسميها التيارات الأيديولوجية
الشمولية هكذا قال: (وتواجه عملية التحول الديمقراطي عقبات عدة، منها:..
ضعف بنية الأحزاب السياسية، ووجود التيارات الأيديولوجية الشمولية) .
ويحدد الدكتور هلال دائرة عريضة من الاتفاق بين الأحزاب، تسمح بالعمل
المشترك، وتضمن استمرار عملية التحول الديمقراطي في مواجهة التيارات
المعادية للديمقراطية.
والدكتور الباز نفسه يلمح إلى حق الحكومة في عدم التعامل الديمقراطي مع
بعض الأفراد الذين لا يؤمنون إيماناً كاملاً بالديمقراطية، والمفهوم: أن الكلام موجه
بصورة أساسية إلى الحركة الإسلامية التي تُتهم بعض فصائلها باستغلال الإطارات
الديمقراطية مع عدم الإيمان بها، يقول الدكتور الباز: (ويتصل بعملية الإصلاح
السياسي: تعميق الممارسة الديمقراطية وترسيخ قواعدها في الحياة اليومية، بحيث
لا تقتصر على خلق التوازن بين الفرد والجماعة وعلى حماية المواطنين وتجمعاتهم
من عسف السلطة، وإنما تكون منهجاً ومسلكاً يتبعه المحكومون بقدر ما يلزم به
الحكام، ويتطرق إلى مختلف جوانب الحياة والمعاملات التي لا يعيش المجتمع
بدونها، فإذا لم يبدأ الفرد بنفسه ويلتزم بالقيم الديمقراطية في كل تعاملاته مع الغير
ومع السلطة وإذا لم يستوعب حقيقة أن الديمقراطية هي قيم وأصول قبل أن تكون
نظاماً وأشكالاً وقوالب دستورية وقانونية صماء: فإنه يكون قد أهدر حقه في مطالبة
الآخرين والمجتمع ككل بالالتزام بالمفهوم الديمقراطي) .
وهذا الكلام فيه انتقائية في التطبيق الديمقراطي غير مبررة وغير منتهية؛ فقد
كنا نفهم أن الديمقراطية حسب اعتقاد أصحابها توجه فكري قبل أن يكون سياسي،
قائم على الاقتناع به قبل أن يكون محققاً لمصلحة ومنتظِراً لمبادلة ومقابلة، وكاشِفاً
عما في نفوس الناس، وهي طريقة أقرب ما تكون إلى (التكفير الديمقراطي!) ،
إضافة إلى أن هذا المنطق يعطي مبرراً للأفراد لعدم (الالتزام الديمقراطي) ما لم
تظهر الحكومة أولاً هذا الالتزام وتتخلص من هذه الانتقائية. هذا أولاً..
وثانياً: أن في هذا الكلام دعوة للاستمرار في مبدأ إعطاء (الديمقراطية على
جرعات) وهو ما يؤكده الدكتور الباز بقوله: (فتح المجال للدخول في إصلاح
سياسي، بعد توافر القدر اللازم من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية) والحجر
على الاتجاهات الحضارية المخالفة للوجهة الرسمية، ووصاية على الشعب.. فمن
الذي أعطى لهم حق الحجر على اتجاه دون آخر إلى درجة أن يتساءل الأستاذ/السيد
ياسين قائلاً: (ما هو دور الإسلام السياسي في المجتمع المصري، هل يستبعد
هذا التيار أم أننا لا نستطيع استبعاده؟) [1] ، فما هي الصلاحية التي تخول لمن
يتحدث بهذا الأسلوب أن يحدد من يسمح له بالبقاء ممن يُحكَم عليه بالفناء؟ .
إنها قوة السلطة وليست دافعية الحق.. ليس إلا.
والعجيب: أن هذا الأسلوب في التعامل هو ما يحذرون لأجله من التيارات
الإسلامية، وهو: أنه لو وصلت فصائل من الحركة الإسلامية إلى السلطة: فإنها
ستنقلب على (العملية الديمقراطية) وتحجر على أي اتجاه غيرها، وتمنع تداول
السلطة، أي إن العلمانيين يمارسون بالفعل ما يُحذِّرون منه بالقول، مع اتهامهم
للآخرين بما لم يفعلوه.
والأعجب من ذلك في أمر الانتقائية تلك: أن الدولة تعترف وتتعامل بدرجات
متفاوتة ببراجماتية وميكيافيلية سياسية مع مسؤولين خارجين من عباءة الحركة
الإسلامية ابتعدوا عنها في الحقيقة أو قربوا، كما في حالة التعامل مع مسؤولين من
أفغانستان والسودان وتركيا، وهذا يدلنا على أن الصحوة أصبحت واقعاً لا يُنكر في
الداخل أو الخارج، مهما حاول بعض العلمانيين تجاهلها أو التعامي عن وجودها.
ولكن: هب أن بعض فصائل الحركة الإسلامية استقر رأيها على العمل من
خلال الإطارات الديمقراطية مع عدم إيمانها بها.. أليس ذلك هو ما يفعله العلمانيون
أنفسهم عندما يُضَمِّنون مضطرين برامجهم الحزبية بند تطبيق الشريعة الإسلامية مع
عدم إيمانهم بها لأن في الدستور المصري مادة تنص على أن دين الدولة الرسمي
هو الإسلام والشريعة الإسلامية هي المصدر (الرئيسي) للتشريع؟ ! .. وما الذي
يضير العلمانيين في هذا المسلك من هذه الفصائل الإسلامية؟ ، أليس الأجدر بهم
أن يعاملوهم كما نعامل نحن (الأصوليين!) من ظهرت عليه علامات النفاق (من
غير أن تصل إلى البينة الشرعية) ، حيث لا نخرجه من دائرة الانتساب إلى
الإسلام إذا لم يتلبس بشرك أو كفر ظاهر؟ ! .
إن هذا الأمر يجرنا إلى مسألة مهمة أغفل العلمانيون طرحها رغم منطقيتها،
وهي: إذا وصل إنسان ما بناءً على حريته في التفكير والاعتقاد إلى قناعة بعدم
الإيمان بالعلمانية التي تروج لها الدولة، وأراد أن يكون مواطناً صالحاً يخدم بلده
بما يعتقد أنه صالح بلده وأهله، فما السبيل له لكي يفعل ذلك إذا سدت أمامه الدولة
طرق التعبير والدعوة، وحجرت عليه أن يمارس حياته بناءً على اعتقاده؟ .. إنه
ليس أمامه إذا لم يكن لديه طاقة على الدعوة إلى الحق والصبر على الأذى إلا:
الانزواء والانسحاب من المجتمع الذي صادر عليه حقه في أن يعيش كما يعتقد
ويدعو إليه، أو ممارسة العنف لفرض آرائه بالقوة على المجتمع الذي قهر إرادته،
أو الدخول في النفاق السياسي والاجتماعي ليوهم نفسه بالاحتفاظ بقناعته ويساير
المجتمع مضطراً ليقيم حياته، أو تغيير قناعته والذوبان والانصهار في ذلك
المجتمع الذي مارس عليه ضغوطه و (إرهابه) لكي يتخلى عن قناعته، ويسير في
ركابه، ويعمل ضمن آليته.
ويبدو أن الفرض الأخير هو ما استقر عليه المشروع المستقبلي، وهذا ما
يشير إليه الأستاذ/ السيد ياسين بقوله: سوف نجد أن أكبر تحدٍّ سيواجه الدولة
والمجتمع معاً هو: كيفية استيعاب حركات الشباب المصري بكافة توجهاته.. وفي
ضوء عجز مؤسسات المجتمع بكافة أنواعها بما فيها الأحزاب السياسية عن أن تقدم
للشباب ما يجعلهم يحققون مكانتهم الاجتماعية، وبالتالي: فإنه يجب علينا أن نبحث
عن وسائل استيعاب الحركة النشيطة والخلاقة للشباب بإدخالهم في وقت مبكر في
دوائر صنع القرار
…
فإذا تذكرنا موقف الأستاذ ياسين من (الصراع) بين
العلمانيين ومن (يزعمون) أهليتهم للحديث باسم الإسلام لأدركنا أن (الاستيعاب)
المقصود إذا خوطب شباب الصحوة بهذا الكلام أصلاً ليس المقصود به (الاحتواء)
العملي، بل هو (انصهار) الشباب في الرؤية الفكرية العلمانية ومؤسساتها القائمة،
وهو ما يعبر عنه أيضاً الدكتور الباز بعبارة قد لا يُختلف عليها إلا بتحديد التوجه:
في وقت نحن أشد ما نكون فيه حاجة إلى لم الشمل وتعبئة قوى المجتمع وقدراته
لخدمة الأهداف القومية الكبرى.
وهذا الانصهار والذوبان ليس فقط على مستوى الانخراط العملي للشباب، بل
أيضاً على مستوى القيم التي يحملونها؛ حيث يرى الدكتور حسن حنفي في بحثه
عن (الإحياء الديني) أن (الإسلام المستنير (!) ينبغي أن يلتقي مع الواقع
والتيارات الأخرى، حيث تعيد التيارات السياسية والفكرية صياغة أسسها
ومصادرها، وتبدأ من تراث الناس أنفسهم وبحيث تبدأ الليبرالية من التراث
الإسلامي، ويقوم التيار القومي بتجديد نفسه عن طريق ربط القومية بالإسلام؛ لأنه
أكبر دعامة لهذا التيار، وتقوم الاشتراكية بالارتباط بمفهوم العدالة الاجتماعية في
الإسلام والملكية العامة، وتتخلص من خطابها الماركسي المادي الإلحادي، كما
يتخلص الإسلام المستنير من الإسلام الشكلي الشعائري الذي لا يقدم القضايا
السياسية والاجتماعية وقضايا التحرر في خطابه، ويهتم فقط بالشكل!) .
ويرى الدكتور حنفي أن مفهوم (الإسلام السياسي الحقيقي) (عليه أن يواجه
تحديين:
أولهما: يتمثل في ضرورة انفتاح الإسلام على التعددية وحق الاختلاف،
وعدم جواز تكفير الآخر.
ثانيهما: التخلي عن الشعائرية والشكلية، وخوض ساحة المعارك الوطنية،
مثل قضايا التخلف والتنمية.. إلخ، أما التحدي الخارجي فيتمثل في كيفية تعامل
الإسلام مع نظام عالمي ذي قطب واحد!) .
ويتساءل الأصولي الساذج مثلي: وماذا بقي من الإسلام إذن؟ ! أليست هذه
صورة صارخة لاستخدام الدين خادماً! للتنمية والأيديولوجيات العلمانية؟ ! .
وهل بعد ذلك ذوبان وانصهار؟ نعم.. هناك ذوبان هذا المشروع برمته في
الكونية والعالمية؛ حيث يرى الدكتور الباز أن استراتيجية مصر في التعامل مع
تطورات مفاهيم المجتمع السياسي التي تبشر بتغير كبير في ثقافتنا (تقوم على
مبدأين أساسين:)
…
ثانيهما: هو التفاعل المنفتح على التجارب، والثقافات
المرتكزة على فكرة تعايش الحضارات والثقافات والأديان، كما يرى الأستاذ
ياسين أن المجتمع المصري يحتاج لتجديد شامل للثقافة السياسية؛ لأن السلفية
السياسية السائدة سواء كانت إسلامية أو ناصرية أو ماركسية أو حكومية (! !)
ليس لها بالقطع أي مستقبل في القرن القادم، وأخيراً يرى الأستاذ ياسين: (أننا
نحتاج لرؤية استراتيجية للمجتمع المصري، تحقق الانتقال، بطريقة سلمية
وديمقراطية ومتحضرة، إلى عصر الكونية السياسية والاقتصادية والثقافية) .
فالمطلوب ليس انصهاراً داخليّاً (للمتدينين) فقط، بل انصهار وذوبان في
الكونية والعالمية، على حساب القومية والوطنية التي طالما جعلوها بديلاً للهوية
الإسلامية.
فمن الذي يسيطر على هذه الكونية والعالمية ويوجهها؟ وأين هوية الأمة
…
و (مشروعها) الذي يقوم على رؤية حضارية خاصة؟ ! .
هل هناك علاقة بين تعايش الحضارات والثقافات والأديان، والانتقال إلى
عصر الكونية، ومواجهة الصحوة الإسلامية؟ ! .. دعوة للتفكّر! ! .
(1) ندوة مصر والقرن الواحد والعشرين، مجلة عالم الكتب ع/47.