الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
افتتاحية العدد
الإسلام قادم..
رغم السدود والقيود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد،،
فإن المتابع لواقع أمتنا وما ابتلاها الله به بكثير من الأحزاب العلمانية الحاكمة
ووسائل إعلامها التي تواصل عملها الدؤوب للصد عن دين الله والتخويف منه؛
لعداوتهم لهذا الدين والرعب من أن يعود، وخوفاً من فضح تلك التوجهات الظالمة
وكشف مكرها المستمر يعجب المتابع لهذه الحال، وإن كان الشيء من معدنه لا
يستغرب.
والمتابع بصفة خاصة للحالة التركية يجد هذا العداء جلياً، وسبق أن بينا
حقيقة تلك (المافيا العسكرية) الممسكة بأزمّة الأمور هناك في حربها للمد الإسلامي
في تركيا ومواقفها التسلطية حيال (حزب الرفاه) الذي يعلم الجميع مدى تساهله
وتسامحه فضلاً عمّا أعلنه من قبولٍ للعبة الديمقراطية، وما ذاقه الرفاه من الضغوط
المتوالية لقرارات ما يسمى بـ (مجلس الأمن القومي) وبخاصة تحركاته المشبوهة
لإحراج الرفاه مثل تدخله العسكري في العراق بدعوى مطاردة حزب العمال الكردي، وكذلك العلاقات العسكرية المكشوفة مع الصهاينة وإجراء المناورات معهم في هذه
الآونة بالذات، وإصرارهم على إقفال مدارس تحفيظ القرآن ومعاهد الأئمة
والخطباء مما اضطر (أربكان) إزاء تلك الضغوط للاستقالة قبل نهاية فترته
الرئاسية. ويستمر ضغط المؤسسة العسكرية على بعض النواب في الحزب الحليف
(الطريق القويم) للانسحاب ترغيباً وترهيباً حتى فقدوا الأغلبية تمهيداً لقيام الحكومة
الجديدة برئاسة العلماني المتطرف (يلماظ) الذي يحاول إنجاح وزارته بالتأكيد على
النهج الأتاتوركي ومجاملة العسكر مع أن وزارته على كف عفريت كما يقال ولو
نجحت في الثقة بها برلمانياً لما نجحت في أداء رسالتها المفترضة لفساد عناصرها
وعدم تجانسهم؛ بل وتناقضهم؛ مما سينعكس سلباً على أدائها ويجعلها للسقوط
أقرب؛ كل ذلك بمباركة الرئيس (ديميريل) الذي ما زال هلعاً لطرده لمرتين
سابقتين من قِبَل العسكر. مما يؤكد حقيقة أن تلك العصابات الحاكمة لا تعير
الديمقراطية أدنى اهتمام، زيادةً على أنها ترفض الإسلام، وهي أقرب ما تكون
لأتباع زعيم الدونمة المعروف (سبتاي بن زفي) فهؤلاء العسكر والعلمانيون من
كُتّاب وحزبيين وإعلاميين من واقع عدائهم الصريح للإسلام ورفضه جملة وتفصيلاً
لا يماري أحد منهم من أنه من فلول تلك الطائفة التي تظاهرت بالإسلام وما زالوا
ينفذون تعاليم زعيمهم الهالك [*] . والغريب أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا
ترى تدخل الجيش في شؤون الحكومة المنتخبة ديمقراطياً بشكل سافر ولم تحرك
ساكناً كعادتها، ولم يهمها سوى الاعتراض على حكم محكمة النقض الإداري
المصري المتعلق بختان البنات! ! ، بل إن من رموزها من كتب وحذر من حزب
الرفاه واختراقه للجيش بشكل يهدد مستقبل قواعدهم العسكرية هناك؛ فالمسألة
ضمان مصالحهم فحسب؛ وعلى الديمقراطية السلام! !
أما الأحزاب العلمانية الأخرى في بلدان عالمنا الإسلامي فإن مواقفها وإن
كانت ظاهراً أقل عداءً للإسلام من النموذج التركي فإنهم بمنطلقاتهم الفكرية
وإيديولوجياتهم العقائدية لا يقلون حرباً للإسلام عن تلك الطغمة الفاجرة؛ ويظهر
ذلك فيما يلي:
* رفضهم الإسلام شريعة ومنهج حياة ومطالبتهم بتحجيمه حتى لا يتجاوز
دُور العبادة.
* وقوفهم ضد أي توجه إسلامي مهما كان ورفضه واتهامه بالإرهاب
والتطرف والظلامية.
* الإسلاميون سواء أكانوا دعاة عقيدة، أم رواد فكر، أم عاملون في مجالات
التنمية والأعمال الخيرية غيرُ مرضي عنهم؛ بدعوى أن لهم أهدافاً مبيتة
ومخططات بعيدة المدى وأنهم بهذه الأعمال يستحوزون محبة الناس لهم!
* ديمقراطية هؤلاء العلمانيين التي يتشدقون بها ليس فيها أي فسحة للرأي
الآخر المخالف لهم؛ في الوقت الذي تحكم فيه الأحزاب المسيحية دولاً في أوربا
الغربية، ويحكم تكتل الليكود المتطرف دولة الصهاينة، بل وتقوم في الفاتيكان دولة
لها سفراؤها حتى في بعض تلك الدول ولها تدخلها المكشوف في الشؤون السياسية
في بعض البلدان كما حصل أثناء زيارة بابا الفاتيكان إلى لبنان وما أصدره مما سمي
بـ (الإرشاد الرسولي) وهو في حقيقته مخطط مرسوم لتوحيد القوى النصرانية في
لبنان في إطار ما دعي بـ (سياسة التوازن العادل) لتبقى للنصارى الأغلبية والنفوذ
القائمان الآن.
فلماذا يقف هؤلاء الأعداء في بلداننا ضد الإسلام وضد الداعين إليه بدعاوى
ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون همّهم مصادرة أي اتجاه إسلامي وإن رُشّح
من الشعب نفسه؟ فديمقراطيتهم فُصّلت على مقاساتهم، لذا نجد ظاهرة الإطاحة
بالإسلاميين باتهامات معدة سلفاً منها: انتماؤهم لتيارات محظورة، أو أنهم يشكلون
خطراً على الوحدة الوطنية! التي هي أصلاً على جرف هار لضعف الأسس التي
قامت عليها فذلك معروف للجميع.
إن تلك الضغوط التي تصبّ ظلماً وعدواناً ضد الإسلاميين والداعين إلى
ضرورة التحاكم إلى شريعة الله لا تزيد هؤلاء العاملين والداعين سوى اليقين بأن
ذلك امتحان وابتلاء من الله، ثم إن الشعوب المسلمة تعرف حقاً المصلح من المفسد.
حقاً إن دين الله باقٍ مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام
ودعاته وهذه حقيقة علّمنا إياها الله جل وعلا بقوله: [هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [التوبة: 33] يقول
صاحب الظلال رحمه الله موضحاً انتشار هذا الدين في صدر الإسلام ثم كيف تخلى
عنه أهله (خطوة فخطوة
…
بفعل عوامل داخلة في تركيبة المجتمعات الإسلامية من
ناحية، وبفعل الحرب الطويلة المدى المنوعة الأساليب التي أعلنها عليهم أعداؤهم؛
لكن هذا ليس نهاية المطاف
…
إن وعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل
الراية وتمضي مبتدئة من نقطة البدء التي بدأت بها خطوات الرسول وهو يحمل
دين الحق ويتحرك بنور الله) (1644/ج3) .
ولعل من مبشرات انتصار هذا الدين ما نشرته وكالة الأنباء الإسلامية مؤخراً
عن (الكتاب الدولي للكنائس) الذي ذكر فيه أن النصارى يمثلون ربع سكان العالم
وعددهم 6، 1 بليون نسمة، والمسلمون يمثلون خمس سكان العالم وعددهم بليون
نسمة وأكثر، ولكن عدد المسلمين يتزايد بمعدل 82 ألف نسمة يومياً نتيجة دخول
كثيرين للإسلام ونتيجة للإنجاب المستمر لدى المسلمات وإذا استمر هذا المعدل فإن
الإسلام سيصبح الدين الأول في العالم عام 2058م؛ فضلاً عما نشرته الوكالة
نفسها من أن غالبية شباب أوربا يقولون: إن الدين النصراني ليس له أهمية في
حياتهم؛ مما دفع المنصّرين إلى إعلان الطوارئ لتوجيه أعمالهم لإعادة أولئك إلى
دياناتهم.
إن ديننا الحنيف دين واقعية ووضوح وإنسانية وأخلاقية، ويرفض الظلم
والعدوان، ويقدم الحلول الجذرية لمشكلات العالم بكل موضوعية بعيداً عن الإفراط
والتفريط، وهذا ليس ادعاءً بل له رصيده من التجربة في عصور الإسلام السابقة
واللاحقة، وقد قدم بعض علماء الإسلام أكثر من نموذج لدساتير الدولة الإسلامية
وهي جاهزة للتطبيق ونتساءل: حتى متى تعطل ولمصلحة من يحال دون تنفيذها،
ومن المتواطئون ضدها؟ وهذا لا يخفى على اللبيب معرفة من وراءه؟ وكل ذلك
يجب ألا يوهن همم المسلمين أو يثبط عزائمهم.
إن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر؛ لكنهم سيبوؤون إن شاء الله
بالخسار والدمار، فالإسلام قادم رغم كل السدود والقيود وصدق الله العظيم: [وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]
[الأنبياء: 105] .
(*) لمزيد من الإيضاح لحقيقة الدونمة ودورهم في سقوط الخلافة العثمانية
واستمرارهم في الكيد للإسلام انظر (يهود الدونمة) د / محمد عمر.
دراسات شرعية
جهود الأئمة في حفظ السنّة
بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى عن المعالم التي قادت المسلمين إلى حفظ
السنة في صدر الإسلام، ثم جهود الخلفاء (الأئمة) وكذلك الصحابة الأعلام (رضي
الله عنهم) . ويواصل الأخ الكاتب في هذه الحلقة بيان جهود الأئمة من السلف ومن
بعدهم.
ثانياً: جهود السلف في حفظ السنة وضبطها:
بذل أئمة الإسلام جهوداً عظيمة في حفظ السنة وتنقيحها، وحمايتها من
تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وقد تمثلت جهودهم في
مسائل عديدة، أذكر منها:
1-
حفظ السنّة:
اهتم السلف الصالح بحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإتقانه،
وجعلوا ذلك شرطاً من شروط الرواية، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي: (يحرم
على الرجل أن يروي حديثاً في أمر الدين حتى يتقنه ويحفظه كالآية من القرآن،
وكاسم الرجل) [1] .
وقد سطر أئمة الحديث أروع الأمثلة في هذا الباب، وأتوا بما يبهر الإنسان
ويعجزه، ومن علامات ذلك:
(أ) غزارة الحفظ:
تميّز بعض الأئمة بكثرة محفوظاتهم وتنوعها، وهناك أمثلة كثيرة جداً على
ذلك، وقد جمع الذهبي تراجم هؤلاء الحفاظ في كتابيه:(سير أعلام النبلاء)
و (تذكرة الحفاظ) وذكر عجائب من علومهم وأحوالهم، ومن أمثلة هذا الباب:
المثال الأول: حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد واسع الحفظ، جمع حديثاً كثيراً، حتى قال أبو زرعة: (كان
أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذتُ
عليه الأبواب) [2] .
المثال الثاني: حفظ الإمام إسحاق بن راهويه:
قال أبو داود الخفّاف: (سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لكأني أنظر إلى مئة
ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفاً أسردها) . قال: (وأملى علينا إسحاق أحد عشر
ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفاً، ولا نقص حرفاً) [3] .
وقال علي بن خشرم: (كان إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث
حفظاً) [4] .
المثال الثالث: حفظ الإمام عبد الرحمن بن مهدي:
قال القواريري: (أملى عليّ عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث
حفظاً) [5] .
المثال الرابع: حفظ الإمام الحميدي:
قال الإمام الشافعي: (ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ
لسفيان بن عيينة عشرة آلاف حديث) [6] .
ب- قوة الحفظ ودقته:
على الرغم من كثرة محفوظات الأئمة وتنوعها، إلا أنهم تميزوا بقوة الحافظة، والرعاية الشديدة لمحفوظاتهم، حتى قال الأعمش: (كان هذا العلم عند أقوام كان
أحدهم لأن يخرّ من السماء أحب إليه من أن يزيد فيه واواً أو ألفاً أو دالاً) [7] .
ولهذا كان الإمام مالك يتحفظ من الباء والتاء والثاء، في حديث رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-[8] .
ومن الأمثلة على قوّة الحفظ ودقته:
المثال الأول: قوة حفظ الإمام الزهري:
جمع الإمام الزهري علماً عظيماً، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره، مع قوة
وإتقان، فقد قال عن نفسه: (ما استعدت حديثاً قط، وما شككت في حديث إلا حديثاً
واحداً فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت) [9] .
وقد أراد هشام بن عبد الملك أن يمتحنه، فسأله أن يملي على بعض ولده
أربعمائة حديث، وخرج الزهري، فقال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم
بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشاماً بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إن ذلك الكتاب
ضاع، فدعا بكاتب فأملاها عليه، ثم قابل بالكتاب الأول فما غادر حرفاً
واحداً) [10] .
المثال الثاني: قوة حفظ قتادة بن دعامة:
قال الإمام أحمد: (كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئاً إلا حفظه،
قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها) [11] .
وقال معمر: (رأيت قتادة قال لابن أبي عروبة: أمسك عليّ المصحف، فقرأ
البقرة، فلم يخطئ حرفاً، فقال: يا أبا النضر، لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني
لسورة البقرة) [12] .
ولهذا قال قتادة عن نفسه: (ما قلتُ لمحدث قط أَعِدْ عليّ، وما سمعت أذناي
شيئاً إلا وعاه قلبي) [13] .
المثال الثالث: قوة حفظ الإمام أحمد:
كان الإمام أحمد آية في الحفظ والإتقان، على الرغم من كثرة محفوظاته،
حتى قال ابن المديني: (ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن
حنبل) [14] .
ومن شدة إتقانه أنه كان يقول لابنه عبد الله: (خذ أي كتاب شئت من كتب
وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد
حتى أخبرك عن الكلام) [15] .
المثال الرابع: قوة حفظ ابن أبي شيبة:
قال عمرو الفلاس: (ما رأيت أحداً أحفظ للحديث من ابن أبي شيبة، قدم
علينا مع ابن المديني، فسرد للشيباني أربعمائة حديث حفظاً وقام) [16] .
ولهذا قال الخطيب البغدادي: (كان متقنا حافظاً مكثراً)[17] .
وقال الذهبي: (كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة
الحفظ) [18] .
المثال الخامس: قوة حفظ الإمام البخاري:
قال محمد بن حاتم: (قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك في طلب
الحديث؟ قال: ألهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟
قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكُتّاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى
الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن
إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني،
فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج وقال لي:
كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم
كتابه، فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة) [19] .
وقصة البخاري لمّا قلبت عليه عشرة أحاديث بأسانيدها ومتونها لامتحانه،
فأعادها عليهم، ثم ساقها على وجهها الصحيح، قصة عجيبة تدل على إمامته في
هذا العلم، وقدرته العظيمة على الحفظ والاستيعاب) [20] .
2-
جمع السنّة وتدوينها:
حرص العلماء على سماع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقيه عن
أئمته من الصحابة والتابعين، ثم حرصوا على جمعه وتدوينه وكتابته، وقد مرّ ذلك
بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: جمع السنة في أواخر القرن الأول:
لعل من أوائل المحاولات لجمع السنة: ما قام به عبد العزيز بن مروان،
حيث كتب إلى كثير بن مرة وكان قد أدرك بحمص سبعين بدرياً من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة، فإنّه عندنا) [21] .
ولما جاء بعده ابنه عمر بن عبد العزيز حرص على جمع السنة، وسلك في
ذلك طريقين:
الأول: كتب إلى أبي بكر ابن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله -
صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا
حديث النبي) [22] .
الثاني: أمر الزهري بجمع السنة، حيث قال الزهري: (أمرنا عمر بن
عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً) [23] .
ولهذا قال الترمذي: (هو واضع علم الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز،
مخافة ضياعه بضياع أهله) [24] .
المرحلة الثانية: تدوين السنة في منتصف القرن الثاني:
قال الذهبي: (لم ينتصف القرن الثاني حتى نشطت حركة تدوين الحديث،
وكان من سبق إليها من رجال هذا القرن: ابن جريج المكي، وابن إسحاق،
ومعمر ابن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وربيع بن صبيح، وسفيان الثوري،
ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن المبارك، ثم تتابع الناس) [25] .
وقال ابن حجر: (ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب
الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض
ومنكري الأقدار) [26] .
المرحلة الثالثة: تصنيف السنّة في القرن الثالث:
في بدايات القرن الثالث أخذ التصنيف دوراً جديداً، فظهرت المصنفات:
كمصنف عبد الرزاق [ت211هـ] وابن أبي شيبة [235هـ]، والمسانيد: كمسانيد الحميدي [ت219هـ] ، وأحمد [ت241هـ] ، والدارمي [ت هـ]، والجوامع: كجامع البخاري [ت 256هـ] ، وجامع مسلم [ت261هـ] ، وجامع الترمذي [ت279هـ]، والسنن: كسنن أبي داود [ت 275هـ] ، وابن ماجه [ت 273هـ] ، والنسائي [ت303 هـ] .
وبهذا نتبين أن أئمة السنة بذلوا جهداً عظيماً في جمع السنة وتبويبها، وتركوا
لنا تراثاً غزيراً في عشرات المصنفات والدواوين، حتى أصبحت هذه الأمة تمتلك
بحق أغنى تراث عرفته البشرية، فاللهم لك الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة.
3-
علم الإسناد:
لمّا ظهرت الفتن في أواخر الخلافة الراشدة، بدأ الأئمة في البحث عن
الأسانيد، والنظر في مصادر الروايات، حتى لا يدخل في هذا العلم من ليس من
أهله، قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:
(سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا
يؤخذ حديثهم) [27] .
والإسناد خصّيصة من خصائص هذه الأمة، تروى به الأحاديث، وتعرف به
الطرق، ولهذا تتابع اهتمام الأئمة بالأسانيد، وأصبح الحديث بلا إسناد لا قيمة له،
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما
شاء) [28] .
وقال ابن حبان: (ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له، لظهر في هذه
الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم؛ وذاك أنه لم تكن أمة لنبي -صلى الله
عليه وسلم- قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ
أن يزاد في سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ولا واو، كما لا
يتهيأ زيادة مثله في القرآن. فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت
عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء) [29] .
4-
التفتيش في الأسانيد ومنازل الرواة:
كان من ثمرات علم الإسناد: اهتمام العلماء في وقت مبكر جداً بدراسة أحوال
الرواة ومراتبهم، من حيث العدالة والضبط، ومن حيث صحة طرق التحمل
والأداء، من حيث تواريخهم وأشياخهم وتلاميذهم.... ونحو ذلك، وسمي هذا العلم
فيما بعد بـ: (علم الجرح والتعديل) .
وعلم الجرح والتعديل من العلوم الجليلة التي كانت سبباً رئيساً من أسباب
حفظ الدين، والذبّ عن سنة سيد المرسلين، ولهذا قال ابن خلاد ليحيى القطان:
(أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ !
قال يحيى: لأن يكونوا خصماء لي أحب إليّ من أن خصمي المصطفى إذ لم أذبّ
عن حديثه وشريعته) .
وقد اعتنى أئمة الحديث بعلم الرجال عناية فائقة، حتى عده ابن المديني:
(نصف علم الحديث)[30] . ولهذا صنفت مصنفات خاصة في هذا العلم، ورتب
فيه الرواة من حيث القوة والضعف، وبين فيه الذي تقبل روايته من الذي ترد،
ولهذا اشترط الأئمة في الناقد المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً أن يكون بصيراً
بأحوال الرجال، واسع الاطلاع على الأخبار، خبيراً بالحديث وعلله، ويجب أن
يتحلى بالأمانة والورع، وبالفطنة والنباهة، عنده ملكة نقدية راسخة تعينه على
تفهم دقائق العلل وخفايا المسائل.
5-
إرساء قواعد الرواية وأصولها:
لَمّا توسعت الرواية، وكثر النّقَلَة، اهتم علماء الحديث بتقعيد قواعد الرواية،
وبيّنوا أصولها وضوابطها بياناً تفصيلياً، وسمي هذا العلم فيما بعد ب: (علم
مصطلح الحديث) ، وكان من أوائل من كتب فيه: الإمام الشافعي في أجزاء متفرقة
من كتبه، وخاصة كتابه الرسالة، ثم تلميذه عبد الله الحميدي، ثم كتب الإمام مسلم
شيئاً من قوانين الرواية في مقدمة صحيحه، وكتابه التمييز، وكذلك الترمذي في
العلل الصغير. وفي منتصف القرن الرابع ألف الرامهرمزي كتابه الجليل:
(المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) . ثم تتابعت المؤلفات، وكثرت المصنفات
من المطولات والمختصرات.
ومن أشهر قواعد الرواية التي سأشير إليها في هذه المقالة: أنّ أئمة الحديث
وضعوا شروطاً خمسة للرواية الصحيحة التي يعتمد عليها، وهي على سبيل
الاختصار:
الشرط الأول: اتصال الإسناد، وسلامته من الانقطاع.
فكلّ راوٍ لا بد أن يكون قد سمعه ممّن هو فوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويعرف الاتصال عادة بمعرفة تواريخ الرواة، ومواليدهم، ووفياتهم،
ورحلاتهم، وأسماء شيوخهم وتلاميذهم، ومتى وأين وكيف تم تتلمذهم على بعضهم. وهكذا، ولهذا قال سفيان الثوري: (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم
التاريخ) [31] .
ومراجعة كتب الجرح والتعديل وتواريخ الرجال والبلدان، تبين الجهد العظيم
الذي بذله الأئمة في تسجيل كل شاردة وواردة في وتواريخ الرجال وسيرهم.
الشرط الثاني: عدالة الرواة في جميع طبقات السند.
ويعرف المحدثون العدالة بأنها: (ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى
والمروءة) [32] . والعدل هو: كل مسلم مميّز سليم من أسباب الفسق وخوارم
المروءة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (العدل من كان فيه خمس خصال: يشهد
الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب (أي: النبيذ) ، ولا تكون في دينه خربة، ولا
يكذب، ولا يكون في عقله شيء) [33] .
الشرط الثالث: ضبط الرواة في جميع الطبقات:
والراوي الضابط: هو الذي يكون متيقظاً غير مغفّل، حافظاً إن حدّث من
حفظه، ضابطاً لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث من كتابه، عالماً بمداخل
المعنى إن روى بالمعنى [34] .
ويعرف الراوي بدراسة مروياته، وعرضها على مرويات الآخرين. ولهذا
اهتم الأئمة بتتبع الطرق وجمعها، ودراسة أحوال الرواة في أزمان مختلفة من
أعمارهم، لمعرفة التغيرات التي قد تطرأ على محفوظاتهم، وبذلوا في ذلك جهداً
عظيماً، حتى إنهم لذمتهم وشديد عنايتهم يميزون الخطأ اليسير النادر في أحاديث
الثقات، ويعرفون الصحيح النادر في أحاديث الضعفاء.
وكان بعض النقاد يمتحن الرواة ويتأكد من محفوظاتهم، فها هو ذا حماد بن
سلمة يقول: (كنت أقلب على ثابت البناني حديثه وكانوا يقولون: القُصّاص لا
يحفظون، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى) ولهذا كان حماد يقول: (قلبت
أحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبت على أبان بن أبي عياش
فانقلبت) [35] .
الشرط الرابع: سلامة الرواية من العلة:
والعلة: هي سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث مع ظهور السلامة
منه. ومعرفة الحديث المعل من أدق علوم الحديث وأغمضها، ولهذا لا يستطيع
تمييز العلل إلا الأئمة الجهابذة، وذلك بجمع الطرق، وتتبع مخارجها، وعرضها
على بعضها، واستقراء أحوال الرواة، وسبر متون الحديث، ثم تطبيق المعايير
النقدية التي وضعها المحدثون.
الشرط الخامس: سلامة الرواية من الشذوذ:
والشذوذ هو: التفرّد، والحديث الشاذ هو: ما رواه المقبول مخالفاً من هو
أوْلى منه، لكثرة عدد أو زيادة حفظ.
ومعرفة الحديث الشاذ من العلوم الدقيقة جداً، حتى قال ابن حجر: (وهو أدق
من المعلل بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان
في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة، ورزقه الله نهاية
الملكة) [36] .
وتحت كل شرط من هذه الشروط الخمسة توجد تفاصيل وتفريعات كثيرة
تراجع في مظانها، وإنما المقصود الإشارة إلى دقة المحدثين في تمييز المرويات،
وحرصهم على بيان منازل الرواة. وكانت نتيجة ذلك أنهم أصبحوا حصوناً واقية،
ودروعاً حامية، لا يستطيع عابث أو جاهل أو مفرط أن يُدخِل في سنة النبي -
صلى الله عليه وسلم ما ليس منها، ولهذا قال الإمام الثوري: (لو همّ رجل أن
يكذب في الحديث، وهو في بيت في جوف بيت لأظهر الله عليه) [37] وها هو ذا
إسحاق بن راهويه يقول: (أحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. فقيل له: ما معنى
حفظ المزوّرة؟ ! قال: إذا مرّ بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليتُهُ منها
فَلْياً) [38] .
(1) الكفاية: للخطيب البغدادي.
(2)
تاريخ بغداد: (4/419) وطبقات الحنابلة: (1/6) .
(3)
سير أعلام النبلاء: (11/373) .
(4)
تهذيب تاريخ ابن عساكر: (2/216) وتدريب الرواي: (1/51) .
(5)
شرح علل الترمذي: (ص 175) .
(6)
سير أعلام النبلاء: (10/618) وطبقات الشافعية الكبرى: (2/140) .
(7)
الكفاية: (ص212) .
(8)
المرجع السابق: (ص 213) .
(9)
تذكرة الحفاظ: (1/111) .
(10)
المرجع السابق: (1/111) والإلماع للقاضي عياض: (ص243) .
(11)
سير أعلام النبلاء: (5/276 277) .
(12)
الطبقات الكبرى: (7/229) والتاريخ الكبير: (7/182) .
(13)
تذكرة الحفاظ: (1/123) .
(14)
تقدمة الجرح والتعديل: (ص: 295) .
(15)
شرح علل الترمذي: (ص182) .
(16)
سير أعلام النبلاء: (11/123) وتهذيب: (6/3) .
(17)
تاريخ بغداد: (10/66) .
(18)
سير أعلام النبلاء: (11/123) .
(19)
تاريخ بغداد: (2/7) وطبقات الشافعية: (2/216) .
(20)
انظر القصة في تاريخ بغداد: (2/15 16) ووفيات الأعيان: (4/ 190) وغيرها.
(21)
الطبقات الكبرى: (7/448) .
(22)
أخرجه البخاري تعليقاً مجزوماً به: (1/194) .
(23)
جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر.
(24)
مختصر الشمائل المحمدية: (ص125) .
(25)
تذكرة الحفاظ: (1/229) .
(26)
هدي الساري مقدمة فتح الباري: (6) .
(27)
مسلم في مقدمة صحيحه: (1/15) .
(28)
المرجع السابق.
(29)
كتاب المجروحين: (1/25) .
(30)
تهذيب الكمال: (1/165) .
(31)
مقدمة ابن الصلاح: (ص 282) .
(32)
نزهة النظر: (ص29) .
(33)
الكفاية: (ص 79) والخَرَبَة هي: العيب، كما في النهاية في غريب الحديث:(2/78) .
(34)
مقدمة ابن الصلاح: (ص94) .
(35)
الجامع لأخلاق الراوي: (1/135 136) ، وانظر قصة امتحان يحيى بن معين للفضل بن
دكين للتأكد من حفظه، حيث أثقل عليه يحيى، حتى رفسه فرمى به، فقال يحيى:(والله لرفسته أحب إلّيّ من سفرتي) سير أعلام النبلاء: (10/ 148 149) .
(36)
توضيح الأفكار: (1/379) .
(37)
سير أعلام النبلاء (7 /248) .
(38)
تاريخ بغداد: (6/352) .