المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الثبات على الطريق وأثره في حياة الأمة - مجلة البيان - جـ ١٩٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌أكذوبة معاداة السامية

- ‌حاجتنا إلى الوعظ

- ‌التوكل في السياسة الشرعية

- ‌سلبيات فصل العلوم من أصلها القرآنيوأثر ذلك

- ‌الثبات على الطريق وأثره في حياة الأمة

- ‌مسألة التعاون الدعوي بين الجماعات

- ‌نقد نقد الخطاب الدعوي

- ‌المدير التنفيذي لبرنامج ائتلاف الخير.. في حوار مع البيان

- ‌الاعتقاد في حفظ السنة..من لوازم الإيمان بالرسالة المحمدية

- ‌الناقد الإسلامي الدكتور محمد بن علي الصاملفي حوار مع البيان

- ‌حرب القيم

- ‌سيماء المرأة في حرب القيم بين النفس والصورة

- ‌مستقبل التربية على القيمفي ظل التحولات العالمية المعاصرة

- ‌قضية القيمبين الاقتصاد الغربي العلماني والاقتصاد الإسلامي

- ‌الأسرة المسلمة في معركة القيم

- ‌انفجار الأسرة المسلمة في الغرب

- ‌العلمانية الانحلاليةومنظومة القيم الإسلامية

- ‌أمريكا وسوريا.. وتغيير قواعد اللعبة

- ‌إدماج طالبان في البنية السياسية الأفغانيةواحتمالات الإخفاق والنجاح

- ‌ثقافة الاستشهاد في المجتمع الفلسطيني

- ‌إثيوبيا في مفترق طرق

- ‌مرصد الأحداث

- ‌11 سبتمبر بمنظور الكتب الألمانية(2

- ‌التعزيز الإيجابيمفتاح مضمون لتغيير السلوك الإنساني

- ‌إشكالية الفهم في الخطاب الإسلامي

الفصل: ‌الثبات على الطريق وأثره في حياة الأمة

دراسات تربوية

‌الثبات على الطريق وأثره في حياة الأمة

محمد أحمد سيد طه [*]

إن الله تعالى خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويخافوه، ويخشوه، ونصب لهم

الأدلة الدالة على كبريائه وعظمته ليهابوه.

وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن جعل الابتلاء سنة من سنن الله الكونية، وأن

المرء بحاجة إلى تمحيص ومراجعة حتى يتميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من

غيره؛ فالسعيد من اعتصم بالله، وأناب ورجع إلى الله، والمؤمن الصادق ثابت في

السراء والضراء. قال تعالى: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ

لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ]

(العنكبوت: 1-3)، وقال تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ

الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ

آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] (البقرة: 214)، وقال تعالى:

[وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ](الأعراف: 168) .

إن في تعاقب الشدة والرخاء، والعسر واليسر، كشف عن معادن النفوس،

وطبائع القلوب؛ حيث يتمحص المؤمنون، وينكشف الزائفون. ومن علم حكمة الله

في تصريف الأمور، وجريان الأقدار فلن يجد اليأسُ إلى قلبه سبيلاً، ومهما

أظلمت المسالك وتتابعت الخطوب، وتكاثرت النكبات؛ فلن يزداد إلا ثباتاً؛

فالإنسان إلى ربه راجع، والمؤمن بإيمانه مستمسك وبأقدار الله مسلمَّ.

وإن مما حث عليه الإسلام، وعظمة القرآن: الثبات على الدين، والاستقامة

عليه؛ ذلك أن الثبات على دين الله والاعتصام به يدل دلالة قاطعة على سلامة

الإيمان، وحسن الإسلام، وصحة اليقين، وحسن الظن بالله تعالى وما أعده الله عز

وجل من النعيم المقيم في الآخرة لعباده الصالحين، وفي الدنيا من النصر والتمكين.

قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ] (محمد: 7-8) ، وأعظم الثبات،

الثبات على الدين.

إن الثبات على دين الله خلق عظيم، ومعنى جميل، له في نفس الإنسان

الثابت، وفيمن حوله من الناس مؤثرات مهمة تفعل فعلها، وتؤثر أثرها، وفيه

جوانب من الأهمية الفائقة في تربية الفرد والمجتمع.

إن صفة الثبات على الإسلام والاستمرار على منهج الحق نعمة عظيمة حبا

الله بها أولياءه وصفوة خلقه، وامتن عليهم بها، فقال مخاطباً عبده ورسوله محمداً

صلى الله عليه وسلم: [وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً]

(الإسراء: 74) .

وأمر الله سبحانه الملائكة الكرام بتثبيت أهل الإيمان، فقال سبحانه: [إِذْ

يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا

الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] (الأنفال: 12) .

إن الثبات على دين الله دليل على سلامة المنهج، وداعية إلى الثقة به، كما

أن الثبات على الدين ضريبة النصر والتمكين والطريق الموصلة إلى المجد والرفعة.

والثبات طريق لتحقيق الأهداف العظيمة، والغايات النبيلة؛ فالإنسان الراغب

في تعبيد الناس لرب العالمين، والعامل على رفعة دينه وإعلاء رايته لا غنى له

عن الثبات.

إن الثبات يعني الاستقامة على الهدى، والتمسك بالتقى، وقسر النفس على

سلوك طريق الحق والخير، والبعد عن الذنوب والمعاصي وصوارف الهوى

والشيطان. إن مما يعين على الثبات أمام الفتن والابتلاءات صحة الإيمان وصلابة

الدين؛ فكلما كان الإنسان قوياً في إيمانه، صلباً في دينه، صادقاً مع ربه، كلما

ازداد ثباته، وقويت عزيمته وثبتت حجته، قال تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (إبراهيم: 27) ، وقال صلى الله

عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل

خير» [1] .

كما أن الدعاء والافتقار إلى الله عز وجل والاستكانة له من أقوى الأسباب

لدفع المكروه وحصول المطلوب، وهو من أقوى الأسباب على الثبات إذا أخلص

الداعي في دعائه؛ وحسبك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه ويسأله

الثبات، فيقول:«اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» [2] .

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم

كان يدعو فيقول: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر

لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. اللهم

اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً ومنيباً، رب

تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد

لساني، واسلل سخيمة قلبي» [3] .

كما أن اليقين والرضى بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على

الثبات. قال علقمة بن قيس في تفسير قوله تعالى: [وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] (التغابن: 11) قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم

أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم «.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:» بالصبر واليقين تُنال الإمامة

في الدين «، وقال ابن القيم رحمه الله: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من

الجسد» . وقال ابن تيمية رحمه الله: «الصبر نصف الإيمان، واليقين

الإيمان كله» .

إن المسلمين اليوم، وهم يمرون بمرحلة عصيبة من مراحل تاريخنا المعاصر

وتكاد تغلب في هذه المرحلة عوامل اليأس ومشاعر الإحباط بأمس الحاجة إلى

التمسك بالدين، والعض عليه بالنواجذ؛ لأن الاستسلام لليأس يقتل الهمم ويخدر

العزائم، ويدمر الطموحات، وهذه المعاني هي التي تحرك الإرادات وبذل الجهد.

ورغم تتابع الفتن وتنوعها وتكاثرها فإن نصر الله آتٍ لا محالة إن شاء الله

كما وعدنا سبحانه شريطة أن نتمسك بديننا ونعتز بشريعتنا ويكون ولاؤنا لله

ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ

لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: 40)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من

أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله

وهم ظاهرون» [4] . وفي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من

المسلمين حتى تقوم الساعة» [5] .

ومع تكاثر أعداء الإسلام، وتكالبهم على هذا الدين، والكيد له ولأهله قال

تعالى: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ]

(الصف: 8) . إلا أن النصر والتمكين بمشيئة الله لحملة هذا الدين المبشرين بالثناء

والتمكين كما في حديث ثوبان رضي الله عنه: «إن الله زوى لي الأرض

فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها» [6] .

وكما في حديث تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى

الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا

وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به دين الإسلام،

وذلاً يذل به الكفر» [7] .

إن عز هذه الأمة، ورفعة أهل الحق لا تتم ولن تكون إلا بالعض على هذا

الدين بالنواجذ عقيدة وشريعة، صدقاً وعدلاً، ثباتاً في الموقف وصدقاً مع الله، قال

تعالى: [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران:

139) ، وقال سبحانه:[وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ]

(محمد: 38) .

* العوامل المعينة على الثبات على الدين:

إن الثبات على الدين مطلب عظيم ورئيس لكل مسلم صادق يحب الله ورسوله،

ويريد سلوك طريق الحق والاستقامة بعزيمة ورشد، والأمة الإسلامية اليوم أحوج

ما تكون إلى الثبات خاصة وهي تموج بأنواع الفتن والمغريات، وأصناف الشهوات

والشبهات، فضلاً عن تداعي الأمم عليها، وطمع الأعداء فيها.

ومما لا شك فيه أن حاجة المسلم اليوم لعوامل الثبات أعظم من حاجة أخيه

المسلم إلى ذلك في القرون السالفة؛ وذلك لكثرة الفساد وندرة الإخوان، وضعف

المعين، وقلة الناصح والناصر.

أهم عوامل الثبات ما يلي:

1 -

صحة الإيمان وصلابة الدين:

إن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وأن

القوة الإيمانية تترك بصماتها على الفرد والجماعة، وعلى سائر اتجاهات السلوك

الإنساني، ومتى صح الإيمان ورسخت حلاوته في قلب المؤمن رزقه الله الثبات في

الأمر والعزيمة على الرشد، وكلما كان قوياً في إيمانه، صلباً في دينه، صادقاً مع

ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته. قال تعالى: [مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا

مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]

(الأحزاب: 23)، وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى

الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» [8] .

2 -

تدبر القرآن والعمل به:

إن من حق القرآن علينا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده؛ ذلك أن القرآن

هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة،

وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على

رسوله صلى الله عليه وسلم لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً،

ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلماً تزداد البصائر فيه تأملاً فيزيدها هداية

وثباتاً وتبصراً. قال تعالى: [كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] (الفرقان:

32) ، وقال تعالى: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا

الأَلْبَابِ] (ص: 29) .

لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيراً ونذيراً، وهادياً إلى ما ارتضى له من دينه،

وسلطاناً أوضح به وجهة دينه، ودليلاً على وحدانيته، ومرشداً إلى معرفة عزته

وجبروته، ومفصحاً عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه، وحجة لرسوله

محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله به، عَلَماً على صدقه، وبيِّنة على أنه أمينه

على وحيه والصادع بأمره، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه

سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة

تتلوها، والقرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن

العظيم منجَّماً مفصلاً، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي صلى الله عليه

وسلم. قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ

لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] (الفرقان: 32) .

إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله،

كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم

بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من

حوله، تقييماً صحيحاً، كما أن القرآن بما اشتمل عليه من أحكام وأصول وقواعد

وحكم وقصص، يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين

ومن سار على دربهم.

فإن عُلم ذلك كله لزم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم

المقيم، أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه وجليسه على مر الليالي،

وتتابع الأيام، فلا يقتصر على النظر فيه، بل يحمل نفسه على العمل به.

3 -

الصبر والتصبر عند نزول المصائب والمحن:

إن الصبر من أجلِّ صفات النفس وأعلاها قدراً، وأعظمها أثراً قال صلى الله

عليه وسلم: «الصبر ضياء» فالصبر من أعظم الأمور والعوامل المعينة على

الثبات؛ ذلك أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى،

والجوارح عن التشويش؛ فالصبر إذن أعظم مظهر من مظاهر الثبات، ولقد أمرنا

الله تعالى به فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ

مَعَ الصَّابِرِينَ] (البقرة: 153)، وقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا

وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (آل عمران: 200) .

قال ابن تيمية رحمه الله قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين

موضعاً، وقرنه بالصلاة في قوله تعالى: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا

لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الخَاشِعِينَ] (البقرة: 45) ، وجعل الإمامة في الدين موروثة عن

الصبر واليقين بقوله: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا

يُوقِنُونَ] (السجدة: 24) ؛ فإن الدين كله عِلمٌ بالحق وعمل به، والعمل به لا بد

فيه من الصبر، بل وطلب عِلْمِهِ يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل

رضي الله عنه: «عليكم بالعلم؛ فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث

عنه جهاد» فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر؛

ولهذا قال الله تعالى: [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] (وَالعصر: 1-3) .

4 -

اليقين، والرضا بقضاء الله وقدره:

اليقين والرضا بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على الثبات؛ ذلك

أن اليقين هو جوهر الإيمان، وإن مما لا شك فيه أن اليقين، والرضا والتسليم

لقضاء الله وقدره من أقوى الدعائم والعوامل المعينة على الثبات.

5 -

التزام شرع الله والعمل الصالح:

قال تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي

الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] (إبراهيم: 27) .

قال قتادة: «أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة

(في القبر) » وكذلك روي عن غير واحد من السلف. وقال سبحانه: [وَلَوْ أَنَّهُمْ

فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً] (النساء: 66) أي على الحق؛

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل

إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملاً أثبتوه، وكانت عائشة - رضي

الله عنها - إذا عملت العمل لزمته، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من ثابر

على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة» [9] . وفي الحديث القدسي: «ولا يزال

عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» [10] .

6 -

الذكر والدعاء:

سبق أن تحدثت عن الدعاء وفضله وأثره. أما الذكر فهو حياة القلوب،

وشفاء الصدور، وجلاء الأحزان، وأنس المستوحشين، وأمان الخائفين، فضله

عظيم، وأثره عميم، وهو من أعظم أسباب التثبيت في الجهاد وغيره. قال تعالى:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً](الأنفال: 45) ،

وقال سبحانه: [وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً]

(الأحزاب: 35) ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه عند

التضرع إليه وفي سجوده قائلاً: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» [11] .

7 -

الاستعانة بالله وحسن الظن به:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وتحت قوله تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ

الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] (إبراهيم: 27) كنز

عظيم من وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنم، ومن

حُرِمَه فقد حرم؛ وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين؛ فإن لم

يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانها، وقد قال تعالى لأكرم خلفه:

[وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً](الإسراء: 74) ، فأثبت

الناس قلباً أثبتهم قولاً. والقول الثابت هو قول الحق والصدق، وهو ضد القول

الباطل الكاذب. فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبت القول

كلمة التوحيد ولوازمها؛ فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، فما

مُنح عبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج

ما يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم» [12] .

وبهذا يتضح أن الاستعانة بالله وحسن الظن به وإخلاص العبادة له، من أقوى

الأسباب المعينة على تثبيت الله لعبده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة [13] .

8 -

الصحبة الصالحة، والأُخوة الصادقة:

إن الصحبة الصالحة والأُخوة الصادقة من أعظم الأمور المساعدة على الثبات

على الدين والاستقامة عليه؛ إذ المؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهو

مرآة له، كما جاء في الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمصاحبة

الطيبين وتخير الصالحين فقال: «لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا

تقي» [14] . وهذا يدل على أثر الأخوة الصالحة في الثبات [15] .

(*) مدرس بدار الحديث الخيرية، مكة المكرمة.

(1)

رواه مسلم.

(2)

رواه أحمد والنسائي وهو حديث حسن.

(3)

رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

(4)

رواه البخاري ومسلم.

(5)

رواه مسلم.

(6)

رواه مسلم.

(7)

رواه أحمد والطبراني والحاكم، وقال: حديث صحيح.

(8)

رواه مسلم.

(9)

رواه الترمذي، 379، والنسائي، 1771، وابن ماجة، 1130، ولفظ الترمذي (بنى الله له بيتاً في الجنة) .

(10)

رواه الترمذي وقال حديث حسن.

(11)

رواه الترمذي وهو في صحيح الجامع الألباني.

(12)

أعلام الموقعين، 1/76.

(13)

انظر: صفة الاستعانة، حسن الظن.

(14)

الترمذي، 2318، وأبو داود، 4192، وأحمد، 10909.

(15)

انظر: صفة حسن العشرة، حسن المعاملة، النصيحة.

ص: 14

قضايا دعوية

نظرات في منازلة النوازل

د. عبد العزيز كامل

[email protected]

وأعني بمنازلة النوازل، مقاومتها ومقارعتها وعدم الاستسلام لها، أو

الضعف أمامها، فالأقدار تدافع بالأقدار، فما كان شراً منها نمتثل فيه لخطاب

الشرع، فلا نحتج بالقدر في إهمال التكليفات الشرعية المتعلقة به. والمسلمون

عندما تقع بهم نازلة بمعنى مصيبة عامة، أو كائنة كبرى فإن هذه النوازل؛ إما أن

تجيء ابتلاءً وامتحاناً، أو كفارة وتمحيصاً، وإما أن تجيء عقوبة وجزاءً دنيوياً

[وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً](الكهف: 49) ، والنوازل الواقعة، تجب على المسلمين

تجاهها تكاليف وأحكام، منها ما يتعلق بالقدر، ومنها ما يتعلق بالشرع، أما ما

يتعلق بالقدر فواجبنا أن نعلم أن النوازل والنوائب هي من قدر الشر المر الذي بيَّن

الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإيمان به مع الإيمان بأقدار الخير ركن من أركان

الإيمان، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: «وأن

تؤمن بالقدر خيره وشره» [1] .

فبمقتضى هذا الركن السادس من الإيمان، نحمد الله على تقديره الخير،

ونصبر على أقدار الشر، مع التزامنا بمدافعتها شرعاً بحسب الوسع والطاقة، وفي

حدود ما شرع الله، ومن واجبنا كذلك أن نؤمن أن الأقدار خيرها وشرها من تدبير

الله فلا يتجاوز شيء منها ما خُط في اللوح المحفوظ، والله تعالى لا يقدر شيئاً منها

عبثاً، ولا يجعل شيئاً منها شراً محضاً، بل كل مقدر لحكمة يعلمها هو سبحانه

وتعالى.

والذي أريد تأكيده هنا؛ هو ما ذهب إليه أهل السنة من أنه لا يجوز اتخاذ قدر

الله وقضائه حجة بعد الرسل، فالحجة علينا بإنزال الكتب وبعثة الرسل، وهذا

يعني ألا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك ما أوجبه الله علينا تجاه النوازل

التي تنزل بنا، وهذا أمر ينبغي أن نؤكده ونردده ونكرره

ولماذا نكرر هذا..؟

- لأن ظاهرة (القدرية)[2] في التعامل مع نوازلنا المتتابعة أصبحت نازلة

أخرى؛ حيث استفحلت في الآونة الأخيرة ظاهرة «الانتظار»

انتظار الحلول

القدرية الغيبية دون بذل القدر الداخل في الوسع تجاه ما ينزل بالمسلمين من محن،

وما يتجدد لهم من نوائب، تأتي بسبب تكالب الأعداء من جهة، وبسبب التفريط في

الأخذ بأسباب القوة والوحدة من جهة أخرى، وبسبب ما يتضاعف كل يوم من

مظاهر العصيان والرضا بالدنيا عن الآخرة من جهة ثالثة، قال تعالى: [وَمَا

أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: 30) . وقال:

[مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ] (النساء:

79) . وقال: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ

عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: 165) .

- سبب آخر يدعو إلى تكرار الحديث عن ظاهرة القدرية في التعامل مع

النوازل، وهو انتشار الشعور بـ (براءة الذمة) عند أول إخفاق في محاولات حل

الإشكالات، وكأننا لم نؤمر بأن نصبر ونصابر ونرابط وأن نتحمل الآلام

والتضحيات كما يفعل أعداؤنا للأسف بكل جَلَد وجلاد، وصبر وعناد، قال

سبحانه: [وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ

وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُون] (النساء: 104) .

- سبب ثالث يدعو إلى ذلك التكرار عن ظاهرة القدرية وأطروحة الانتظار،

وهو أننا أصبحنا ندمن تطبيع العلاقات مع المصائب؛ بمعنى التعود عليها بعد زمن

يسير، فلا تعود توجع لنا قلباً، أو تُدمع لنا عيناً، أو تدفع الواحد منا وهذا هو

الأخطر إلى بذل شيء أي شيء للإعذار إلى الله في محاولة المساهمة في دفعها

ورفعها، ولكنه الانتظار السلبي القاتل لمجهول يأتي.. أو لحل خارق يجيء! ..

انظر كمثال فقط لحال الأمة مع الانتفاضة الفلسطينية في بدايتها، وحالهم معها بعد

مضي ثلاثة أعوام على انطلاقتها

هل ظل التعاطف معها كما كان؟! هل بقي

الدعم كما بدأ..؟! هل زادت النصرة للمستنصرين على المستويات الرسمية

والشعبية والجماعية والفردية؟! إن كل ذلك في تناقص واضح خطر، يحكي

التناقض الصارخ المرير في أحوال أمة تزيدها النار برودة، ويزيدها الدمار هدوءاً،

وتزيدها الدماء هروباً للأمام، فهل الانتفاضة أو بالأحرى - الجهاد الفلسطيني -

أحوج اليوم إلى الدعم والمعونة أكثر أم هو منذ ثلاثة أعوام؛ عندما كانت أعواد

المنابر تهتز بالتأييد، وأصوات القنوت في المساجد ترفع بالدعاء، وصناديق

التبرع تزيد وتفيض بالأموال؟!

وأما عن التفاعل الإعلامي مع الأحداث فحدّث ولا حرج!! قارن فقط بين ما

صاحب مقتل الطفل (محمد الدرة) في أوائل أيام الانتفاضة من مشاعر ألم وثورة

ورغبة في الثأر، وبين ما يحدث الآن من مظاهر التبلد وقلة الاكتراث الذي أصبح

يصاحب مشاهد القتل للعشرات من الأطفال، مع مشاهد التفجير والهدم والتدمير.

أو قارن - إن وجدت وجهاً للمقارنة - بين حادثة اقتحام المجرم شارون

للمسجد الأقصى في شهر رجب من عام 1421هـ، والتي أثارت غضباً إسلامياً

عالمياً وعربياً وفلسطينياً، كانت الانتفاضة نفسها جزءاً منه، وبين الزيارة

الإجرامية الثانية لوزير الداخلية الإسرائيلي (تساحي هانجبي) قبيل بدء شهر

الصيام بأيام لساحة المسجد الأقصى، تلك الزيارة التي صاحبتها مظاهر الاستفزاز

والتحدي نفسها، ومع ذلك مرت مروراً عابراً دون أي مظهر من مظاهر الغضب

أو الاحتجاج رسمياً أو شعبياً!!

إن كل معايش للأمر يعلم أن إخواننا تزداد نازلتهم مع الأيام حدة وشدة، ولكن

الحاصل أن ما يُقدم لهم يتناقص مع الأيام، مادياً ومعنوياً!! أليس هذا مثالاً واضحاً

على تخبطنا في التعامل مع النوازل؟!

قس على ذلك طريقتنا في التعامل مع بقية القضايا والرزايا التي تداهمنا كل

يوم، وآخرها ما حدث في بغداد، حيث كانت الشوارع في العواصم العربية تموج

بالمظاهرات الحاشدة تنديداً بالحرب وتأييداً للعراق، فلما نزلت النازلة وقامت

الحرب، ووقع الاحتلال؛ تغيرت الأحوال، وارتخت الحبال، وانصرفت

الجماهير الثائرة إلى حال سبيلها.

إن أكثر ما يؤرق في ظاهرة التبلد والانتظار؛ أنها تعطي الأعداء إشارات

فاقعة الأخضرار للاستمرار في إنجاز خطواتهم ومشروعاتهم دون إزعاج أو قلق،

وخطورة هذه الظاهرة تنبع من كونها بدأت تترسخ لتكرس الهزائم وتهوِّن الهوان!

نقول هذا، ونحن نحتفظ في الوقت نفسه للمجاهدين المستضعفين الذائدين عن

حرمات الأمة؛ بحقهم الكامل في التقدير من كل مسلم، ولكن حديثنا هنا عن

مجموع الأمة التي تملك من الإمكانات ما يمكنها بإذن الله من الانتصار من أعدائها،

والانتصاف لمستضعفيها، ولكنها لا تجد من يقود دفتها الجماعية لمواجهة الهجمة

الإرهابية العالمية التي تقودها قوى الاستكبار الصهيونية، نصرانية ويهودية.

* ما أشبه الليالي بالبارحات:

إن النوازل تترادف تترى فوق رؤوس المسلمين منذ أكثر من عشرة عقود،

فلا يجد أكثرها جهة جامعة تُنتدب لها، أو قوة ماضية تنتصب لمواجهتها، ففي

الأعوام المئة الأخيرة فقط من حياة المسلمين؛ تتابعت نوازل، ووقعت كوائن، ما

كان لها أن تخلّف ما خلفت من مصائب مقيمة لو أن الأمة اصطفت وقتها خلف

قيادات علمية وعملية تنزّل من الشريعة على هذه النوازل ما يعاجلها بالعلاج، وما

يناسبها من الأخذ بالأسباب.

لقد اجتمع على الأمة من النوازل خلال المئة الماضية ما لم يجتمع عليها منذ

أن أُخرجت للناس، ومع ذلك فقد عبرت قوافل تلك النوازل غالباً في طرق خالية

خاوية دون عرقلة قوية مضادة، أو مواجهة شرعية جادة، بسبب تفرق خواص

الأمة قبل عوامها، ولهذا سلّمت كل أزمة زمامها للتي بعدها، فتضاعفت خلال

الأجيال حتى جاء جيلنا جيل الأزمات والملمات؛ فوقف عاجزاً أو متعاجزاً بتفرُّقه

وتشرذمه أمام جبل المسؤوليات، منتظراً حدوث الخوارق ووقوع المعجزات، دون

كثير اكتراث بما توجبه الشريعة من فروض وواجبات، وعلى رأسها تجميع الكلمة

خلف المنهج القويم، ومواجهة الأعداء بصف مرصوص.

حقيقة أخرى ينبغي أن نصارح بها أنفسنا، وهي أن من تأمل في معظم

أحوال النوازل الحاضرة؛ سيجد أن لها جذوراً قديمة من التقصير العام، حيث

كانت تجري في كل جيل عملية (ترحيل) للمسؤوليات إلى ما يسمى بـ (الجيل

القادم) .. وعندما يقدُم هذا الجيل؛ فإنه يحيل أيضاً جزءاً كبيراً من واجبات عصره

وفرائض وقته إلى الجيل الذي يليه، حتى تراكمت الواجبات والتكليفات، وأصبحنا

نعيش عصر نوازل عامة، لا يشابهه عصر من العصور الإسلامية السابقة.

صحيح أن محناً كثيرة مرت على المسلمين خلال التاريخ الإسلامي، مثل

سقوط الأندلس ووقوع بيت المقدس في يد الصليبيين، واجتياح التتار لبلدان

المشرق الإسلامي، واستيلائهم على عاصمة الخلافة في بغداد، ولكن تلك الكوارث

لم تصرف الأمة عن شريعتها، ولم تؤثر في هويتها، أو تتركها عاجزة عن

التصدي والوقوف أمام أعدائها. كان هناك دائماً انتصار بعد انكسار، وعزيمة

للخروج من الهزيمة، وكان هناك إباء للضيم، واستعلاء على الاحتواء ضد من

كان المسلمون يرونهم أدنى مدنية وديانة، وأردأ خلقاً وثقافة، وأضعف جنداً

وحضارة. أما في عصرنا الذي نعيشه فقد جدَّ من النازلات في حياة المسلمين ما

حيَّر الألباب، لا من مجرد وقوعه بل من استمرار بقائه، فكم من نازلة نزلت

فأقامت، وكم من كائنة عرضت ثم استقرت، ومصيبة قال الناس ستزول، ولكنها

طالت ودامت، وأخرى لفظوها ورفضوها، ثم استمرؤوها وعايشوها.

هناك حشد من الوقائع الكبيرة الحادثة في هذه المئة الأخيرة، لم يكن للمسلمين

عهد بها من قبل، ولكن «تطبيع العلاقات» مع النوازل والمصائب؛ جعل الناس

يتعايشون معها وكأنها شيء اعتيادي، يمكن أن نظل في ظله خير أمة وأعز أمة

وأقوى أمة، إنها وقائع جسيمة حقاً ولكن هناك من يريد تحقيرها وتصغيرها

والإبقاء على استمرارها.

- فلأول مرة يفرغ منصب الولاية العامة للمسلمين (الخلافة) نحو قرن من

الزمان؛ دون أن يخلف الخليفة أحد غيره كما كان العهد طوال التاريخ الإسلامي.

- ولأول مرة يسقط كيان المسلمين الدولي، وسلطانهم العالمي ممثلاً بنظام

الخلافة الإسلامية الذي سقط بسقوط الدولة العثمانية؛ دون أن يعود هذا النظام ليقود

المسلمين مرة أخرى في زمن التكتلات النصرانية والإلحادية واليهودية والهندوسية.

- ولأول مرة تستبدل الشريعة الإلهية التي حكمت المسلمين ثلاثة عشر قرناً،

لتحل محلها في الحكم بين المسلمين في معظم البلدان قوانين وضعية وضيعة،

وشرائع بشرية جاهلية، يُحكم بها حكماً عاماً في الدماء والأموال والأعراض

والأبضاع والسياسات الداخلية والخارجية.

- ولأول مرة في تاريخ الإسلام تكون للذين كفروا اليد العليا في إدارة العالم

من خلال تحكمهم في المؤسسات الدولية، والتكتلات العالمية؛ بينما يتخبط

المسلمون مع منظماتهم الهزيلة إقليمياً وعالمياً.

- ولأول مرة تقع معظم بلاد المسلمين تحت الحكم المباشر لجيوش المعتدين

الكافرين كما حدث في النصف الأول من القرن المنصرم؛ لتسلم بعد ذلك لفئام

المنافقين، يغرقونها في الإثم والعار، ويحكمونها بالحديد والنار.

- ولأول مرة يقوم فوق حطام الكيان الإسلامي الضخم، كيان مسخ قزم،

يجمع أشتات أسوأ المخلوقات البشرية من اليهود؛ ليكون لأولئك الأرجاس دولتهم

القوية التي يعدونها نواة لعولمة يهودية تريد إخراج الناس من النور إلى الظلمات،

بعد أن أخرجهم الإسلام من الظلمات إلى النور.

- ولأول مرة تسقط الأرض المقدسة في فلسطين في يد ذلك الكيان المرذول،

وتجتمع لنصرتهم فيها وتمكينهم منها طوائف الكفار جميعاً، وبخاصة أنصار إبليس

من نصارى العصر المتهودين (البروتستانت) الذين تناسوا ثاراتهم وعداواتهم مع

من كانوا يعدونهم قتلة المسيح وأعداء الإله؛ ليتوحدوا بهذه العداوات ضد الموحدين.

- ولأول مرة تكون لأصحاب الصليب صولة ودولة متفردة، يتهددون بها كل

المسلمين في عقر ديارهم، وينازعونهم في أرزاقهم، ويفرضون عليهم حقارة

حضارتهم وسخافة ثقافتهم، دون أن يمكنوهم من الأخذ بأسباب القوة العصرية

المودعة في الأسرار التقنية التي يجري على المسلمين فرض حصار حولها، حتى

تظل بلدانهم أبد الدهر سوقاً استهلاكية، تساق للهلاك كلما حاولت واحدة منها

الخروج من ذلك الحصار الحضاري الضاري.

لقد أثمرت تلك الأوضاع متضافرة أزمة عامة، حشوها أزمات، ونازلة

كبرى مركبة من العديد من النوازل والنكبات، وصار تساؤل الكثيرين لا عن

إمكانية الخروج عنها، أو التخفيف منها، بل عن كيفية التعايش معها والتسامح

فيها!!

* عندما يغزوننا ولا نغزوهم..

تحكي حركة التاريخ دائماً أن التحولات في المجتمع البشري تأتي نتيجة

عمليات غزو وغزو مضاد، وكل غزو يحمل فكرة أو عقيدة أو مذهباً يريد العلو

على غيره وفرض إرادته عليه. ولما كانت الأفكار والإرادات والعقائد والثقافات

تتقلب بين كفر وإيمان، وبين فساد وصلاح، كانت الغلبة لفريق غازٍ، هي غلبة

لفكرته وإرادته وعقيدته وثقافته، فعندما يغزو المؤمنون أو يصدون الغزو، تنتصر

وتعلو عقيدتهم وثقافتهم وإرادتهم، والعكس يحدث عندما يغزوهم الكفار، أو

يمنعونهم من الغزو لنشر الإيمان والاستقامة والتوحيد.

وهذه هي سنة التدافع التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: [وَلَوْلا

دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: 251)، وقوله:

[وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ

يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن

مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ

وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: 40-41) ، إن الآية الأولى - آية البقرة -

جاءت تعقيباً على قصة انتصار التوحيد بقيادة طالوت وداود، على الشرك والوثنية

بقيادة جالوت؛ لتبين أنه لولا مثل هذا الدفع لفسدت الأرض بشرك أمثال جالوت،

عندما تعلو كلمتهم على منهج الإيمان والتوحيد الذي جاء به أنبياء كداود - عليه

السلام -. والآية الثانية - آية الحج - وهي أول آية نزلت في القتال؛ جاءت

بالإذن للمسلمين في قتال أهل الشرك من قريش؛ لما بالغوا في إيذاء المسلمين

لفتنتهم عن دينهم وإعادتهم إلى الشرك، وبينت الآية أنه لولا هذا الأذن بمثل ذلك

الدفع في كل زمان لفسدت الأديان كلها، وظهر الشرك وأهله على الإيمان

وأهله، ولهدمت الصوامع في ديانة موسى، والبِيَع والصلوات في ديانة عيسى،

والمساجد في ديانة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى الرسل أجمعين [3] .

فتاريخ البشرية يحكي هذا التدافع الذي ينتج عنه فرض صاحب القوة لفكرته

مهما كانت كاسدة، وفاسدة مفسدة، على المغلوب مهما كانت عقيدة راجحة، صالحة

ومصلحة.

ولم يحدث للمسلمين أن غُزُو غزواً عاماً بهذا المفهوم إلا في أعقاب إسقاط

الخلافة العثمانية، وما تلاها من محاولات إحلال العلمانية الكفرية محل المناهج

الإيمانية في الشريعة والعقيدة، لقد بدأ هذا الإسقاط بغزوات وحروب، قادتها في

البداية روسيا النصرانية القيصرية الأرثوذكسية، ثم تتابع الكاثوليك والبروتستانت

على محاربة هذا الكيان الإسلامي لغزوه، حتى كانت النهاية على يد البروتستانت

الإنجليز في الحرب العالمية الأولى التي احتل الإنجليز فيها إستانبول في نهاية

مطاف طويل من التحالف بينهم وبين فريق متكامل بين المنافقين في داخل الدولة

العثمانية، وبالتعاون مع حركة الصهيونية العالمية حديثة النشأة في ذلك الوقت،

ومن يومها والأمة تتقلب بعد هذا الغزو من حال سيئة إلى حالة أسوأ.

* مسلسل النوازل، من إستانبول إلى بغداد:

هناك أمر لافت في ترتيب العلاقة بين ما مضى بالأمس وبين ما يحدث اليوم

من الأحداث، فإذا استعرضنا من ذاكرة التاريخ القريب أحداث إسقاط الخلافة

العثمانية فقط، ثم ما تفرع عن ذلك من انفراط عقد المسلمين؛ لوجدنا أن جُل

النوازل بعدها قد تولد عنها، بدءًا من سيطرة الكفار العسكرية المباشرة على معظم

بلدان المسلمين ثم توريثها للعلمانيين المنافقين، ومروراً بكارثة ضياع فلسطين،

ووصولاً إلى ما يحدث الآن في العراق وأفغانستان والشيشان والفلبين وكل

البلدان التي يستضعف فيها المسلمون، فالبدء كان بدولة الخلافة العثمانية الجامعة

لشمل المسلمين، والتي مثلت - بالرغم مما قيل فيها من مثالب - فخراً للمسلمين،

فسقوط هذه الدولة لم يكن تحصيل حاصل كما يزعم بعض المؤرخين، ولا كان أملاً

جماهيرياً عند المسلمين كما يهرف جهلة المثقفين. لقد كانت هذه الدولة عالمية بكل

المقاييس، حيث امتدت في الزمان والمكان، فمن حيث الزمان استمر بقاؤها لأكثر

من ستة قرون، ومن حيث المكان امتدت أراضيها من آسيا إلى أوروبا إلى إفريقيا

في بقاع شاسعة، كانت تقوم على حمايتها أكثر جيوش العالم عدداً وعُدة، حتى إنها

عبرت البحر من الأناضول إلى جنوب شرق أوروبا وأواسطها، وتمكنت تلك

الجيوش التي افتتحت أمجادها بفتح القسطنطينية عاصمة الشرك الأوروبي في سنة

857هـ على يد محمد الفاتح، تمكنت من فتح اليونان وبلغاريا ورومانيا

ويوغسلافيا وألبانيا، ورودس، وقبرص، والمجر، وكريت، وسارت جيوشها

حتى بلغت فيينا عاصمة النمسا، ووصلت إلى جنوب إيطاليا، فكانت أول دولة

إسلامية تُدخل النور على ربوع أوروبا المظلمة التي خيمت عليها سحابات الشرك

الداكنة طوال تاريخها المعتم بالجاهليات الوثنية.

ولكن هذا الصرح الإسلامي الكبير، تكالبت عليه الأعداء كما قلنا، وفي

مقدمتهم نصارى أوروبا الذين كسر الجهاد العثماني أنوفهم، فتحالفوا مع اليهود

والمنافقين على تقويض أركان ذلك البنيان الشامخ، وبدأ الهدم من الداخل أولاً عن

طريق الفريق المتكامل من المنافقين الزنادقة المتسمين بأسماء المسلمين، وصاحَبَ

ذلك عمليات الغزو الفكري التي كانت تمهد دائماً لكل أنواع الغزو الذي يليها، ومع

تكثيف إرساليات التنصير، وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية؛ تهيأت الدولة

للسقوط بعد استعصاء طويل استمر كما قال المؤرخ الفرنسي (دين جروسيه)

220 عاماً تضافرت فيها جهود أعداء العثمانيين وكل المسلمين للقضاء على هذه

الدولة المجاهدة.

ولا حاجة الآن لحكاية مراحل ذلك المسلسل الطويل، ولكن ما يعنينا هو

الفصل الأخير المعاصر لعملية الإسقاط، والتي تفرعت عنه فصول أخرى متشابهة

في تفاصيلها وإن كانت مختلفة في مسمياتها.

لم يستطع المسلمون بعد ثمانين عاماً من وقوع هذه النازلة أن يعالجوا آثارها،

ولم يستطيعوا أن يعيدوا بناء كيانها الجامع (دولة الخلافة) ، أو يردوا الاعتبار

لذلك المنصب الشاغر (الخليفة) ذلك المنصب الذي شغرت بشغوره الثغور،

وتجرأت على الأمة بعده الكلاب والذئاب والغربان والنسور! يكاد المرء ألا يصدق

ما حدث عندما يسترجع بالذاكرة تسلسل الأحداث، فالحدث على جلالته وفجاعته

جاءت خاتمته على يد رجل وضيع، لئيم في خبثه، وصلد في عناده وصلفه،

رجل تحدى أمة بأكملها، ولم تخرج له الأمة أحداً من رجالها

إلا قليلاً من

المغلوبين على أمرهم، كيف استطاع هذا الطاغوت اليهودي الأصل (مصطفى

كمال أتاتورك) أن يحمل المعول وحده في المرحلة الأخيرة ويهدم ذلك الصرح

كله؟!

لاحظ معي تسلسل خطوات التآمر السافر، ولاحظ معه كيف مرت هذه

النوازل الجسام على الأمة مرور الكرام، أو على الأقل.. مرت الغزوة بسلام بعد

أن دمرت مستقبل أمة الإسلام لعقود طويلة في بلدان كثيرة.

سأعرض في لقطات سريعة خلاصة الجريمة الكبرى والنازلة العظمى التي لم

تتم منازلتها بما يليق بخطورتها؛ بحيث تعودت الأمة بعد ذلك على أن يتم تكرار

(السيناريو الأتاتوركي) على يد العديد من صغار الفجار الذين عدّوه مثلهم الأعلى،

ونموذجهم المحتذى.

* الزلزال وتوابعه:

- عندما عزم أتاتورك على إلغاء الخلافة بعد أن أعطاه الإنجليز «الاستقلال»

بهذا الشرط؛ عرض على مجلس النواب بالجمهورية التركية الجديدة اقتراحاً

بفصل الدين عن الدولة، فأحال مجلس النواب الاقتراح على لجنة قانونية لدراسته،

وبعد الدراسة رفضت اللجنة القانونية الاقتراح؛ لأنه يخالف الدستور الذي ينص

على أن الإسلام دين الدولة، فغضب أتاتورك وطلب التصويت على القرار فيما

يسمى بـ (الجمعية الوطنية) .

- كان معنى فصل الدين عن الدولة كما أراد أتاتورك في البداية؛ أن يبقى

الخليفة مجرداً من السلطات، وأن ينظر إليه فقط على أنه صاحب وظيفة دينية

روحية فحسب، مع ترك تصريف شؤون الدولة للوزراء في ظل نظام علماني لا

ديني ولا أخلاقي، وكان أول من طُبقت عليه هذه الأفكار الخليفة عبد المجيد،

ولكن الأتراك تعاطفوا معه ضد أتاتورك وزمرته، إلا أن هؤلاء المارقين فرضوا

أفكار الردة بقوة الإرهاب، وأمر أتاتورك بالفعل بقتل عدد من معارضي إلغاء

الخلافة.

- عندما وُوجه أتاتورك باعتراضات المعارضين لمسعاه المشؤوم؛ هاجمهم

بلهجة عنصرية تفوح منها رائحة القومية الجاهلية المنتنة المختلطة بروح

الصهيونية اليهودية العفنة، حيث قال لهم: «أليس من أجل الخلافة والإسلام قاتل

القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن لتركيا أن تنظر إلى مصالحها

لوحدها ولا شأن لها بالمسلمين الهنود أو العرب أو غيرهم؛ لتنقذ تركيا نفسها من

زعامة المسلمين» !

- لم يكتف أتاتورك بنزع الشرعية عن الخليفة ومنصب الخلافة، حتى راح

يتهم الخليفة الأخير بأنه عميل وصنيعة المستعمرين الإنجليز، وفي صبيحة 2/3/

1924م أعلن إلغاء منصب الخلافة كلية، وطلب من الخليفة عبد المجيد وأسرته

مغادرة البلاد في غضون عشرة أيام، وأصدر أمراً بحرمانهم من الإقامة بتركيا، ثم

أتبع ذلك بإلغاء كل المناصب الدينية.

- تحول اللدود بعد ذلك إلى إلغاء كل معالم التمسك بالدين عند الشعب التركي

المتدين بطبعه، فحوَّل أوقاف المسلمين إلى أملاك الدولة لتنفقها في غير ما أوقفت

له، وحوَّل المعاهد الدينية إلى مدارس تدرّس المناهج العلمانية، وألغى المحاكم

الشرعية بعد أن أوقف العمل بأحكام الشريعة، ثم طوَّر مسيرته الإجرامية بمزيد من

الخطوات القسرية التي تهدف إلى طمس الهوية لشعب عريق في تدينه ومحبته

للدين، فألغى حجاب المرأة، وأمر بحظر تعدد الزوجات، ومنع الرجال من لبس

غطاء الرأس الشرقي (العمامة والطربوش) واعتمد لهم (القبعة) الأوروبية،

وحتى الكلام

حظر التحدث فيه بالعربية، بعد أن أرغم الناس على كتابة اللغة

التركية بالحروف اللاتينية، واستمرأ ذلك الطاغوت سكوت الناس، فأمرهم بتغيير

أسمائهم وكناهم إذا كانت عربية، لتحل محلها أسماء وكُنى طورانية!! .. وويل

للمغلوب إذا غزاه الغالب [4] .

- وكان لا بد من خطوات تضمن الإبقاء على إلغاء كل ما يتعلق بالإسلام بقوة

القوانين الجائرة، فعدل الدستور ليرفع منه العبارة التي تنص على أن الإسلام دين

الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وكان ذلك في عام 1928م،

بعد أربعة أعوام من إلغاء منصب الخلافة، ثم خطا خطوة أكبر فألغى تدريس العلوم

الدينية سنة 1929م، ثم أصدر تعليماته بألا تمارس الشعائر في المساجد إلا باللغة

التركية بما فيها الأذان، وحتى القرآن أمر بكتابته باللغة التركية وحروفها اللاتينية،

ولم يأت عام 1932م إلا والأذان يرفع باللغة التركية، وألغى أتاتورك كذلك الأقسام

الشرعية بالجامعات التركية.

- لم يكتف ذلك الذئب الأغبر بإيقاف العمل بأحكام الشريعة، حتى أعطى

لنفسه الحق في تبديلها وتغييرها، فأصدر مرسوماً بمساواة الرجل والمرأة في

الميراث، وأجرى تغييرات كثيرة في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية؛ لتتلائم

مع القوانين الأوروبية التي أحلها محل الأحكام الإسلامية، واستورد للمسلمين

القوانين الكفرية، السويسرية والإيطالية وغيرها، ليثبت سلطان الاحتلال قبل أن

يرفع عقيرته بتحقيق الاستقلال.

- كانت تركيا أثناء ذلك كله خاضعة للاحتلال البريطاني، ولم يشأ الإنجليز

الأعداء أن يغادروا تركيا التي احتلوها في الحرب العالمية الأولى، إلا بعد أن يتم

الكماليون الجريمة تحت إشرافهم، وبعد أن اطمأن الإنجليز إلى أن تركيا أصبحت

في يد (أمينة) سلَّم قائد قوات التحالف (اللورد هارنجتون) حكومة أتاتورك مقاليد

الأمور، وأذن لتركيا بالاستقلال بزعم انتهاء دور الاحتلال، وبالرغم من بقاء

الاحتلال بصور أخرى كتلك التي ثبتها أتاتورك، إلا أن بعض نواب الإنجليز

احتجوا في مجلس العموم البريطاني على (منح) وزارة الخارجية البريطانية تركيا

الاستقلال (مبكراً) ، وقد دافع وزير الخارجية البريطانية آنذاك (اللورد كرزون)

عن هذه «التهمة» بأن قال للنائب المعترض: «لا تخف من تركيا فقد قضينا

عليها، ولن تقوم للأتراك قائمة كما كانت من قبل، فقد قضينا على عنصري القوة

فيها: الخلافة، وأحكام الإسلام» ! .

وفي عام 1336هـ / 1917م أي وقت اشتعال ما سُمي بـ (الثورة العربية

الكبرى) بقيادة المغامر المقامر (حسين بن علي) الذي وقف بثورته في صف

النصارى ضد المسلمين الأتراك كانت وزارة الخارجية البريطانية قد أعدت وثيقة

بالتزامن مع وثيقة (وعد بلفور) تبين الموقف البريطاني الرسمي وهدفه من

استمرار القتال في الحرب العالمية الأولى، جاء فيها: «لا شك في أن تحطيم

الإمبراطورية العثمانية الفعلي هو أحد الأهداف التي نعمل على تحقيقها، وقد يبقى

الأتراك شعباً على شيء من الاستقلال ضمن منطقة آسيا الصغرى، وإذا تم لنا

النصر فمما لا شك فيه أن الأتراك سيحرمون من جميع المنطقة التي نطلق عليها

اسم الجزيرة العربية، كما أنهم سيحرمون من معظم الأجزاء الهامة في وادي

الفرات ودجلة، وستفقد إستنابول وسوريا وأرمينيا، كما أن أجزاء من جنوبي

آسيا الصغرى إذا لم تضم إلى القوات الحليفة؛ فإنها ستكون بصورة ما تحت

سيطرتهم» [5] .

* وهنا تثور تساؤلات عديدة:

- أين كان علماء الأمة وحكماؤها وأهل الحل والعقد فيها، وتلك الأحداث

المتتابعة تفور وتمور بهذا الشكل المدمي للقلوب، ولماذا اعتبرت هذه الأمور

الخطرة على مستقبل الإسلام في العالم مجرد مشكلات (محلية) في الدولة التركية؟!

- ولماذا سكتت الشعوب على هذه المهازل المجموعة في دفعة مركزة من

التغيير الجذري والقسري الذي أصاب جوهر حياة الإنسان المسلم؟!

- عندما زالت الخلافة العثمانية؛ لماذا زالت معها معالم التمسك بالإسلام

عقيدة وشريعة على مستوى الحكومات التي خلفتها في تركيا وغيرها، وهل كانت

مشكلة المنافقين العلمانيين مع نظام الخلافة العثمانية أم مع نظام الحكم الإسلامي

نفسه؟!

- هل كان دور المرتدين والمنافقين أسبق في إتمام المؤامرة أم كان دور

الكفار من النصارى واليهود أسبق، أم أن غياب الوعي وعجز الإرادة في خواص

الأمة هو الذي مهد الطريق لهؤلاء وهؤلاء؟!

- هل كان لهذه الهجمة صداها في عصر ما قبل الجماعات والحركات

الإسلامية، وهل قامت هذه الجماعات بعد نشوئها كرد فعل على النازلة هل قامت

بمحاولات جادة لإيقاف تكرار هذه المؤامرة الكبرى في أماكن أخرى؟ وهل كانت

هذه المحاولات على المستوى المتناسب مع النازلة، أم أنها كانت نازلة عن

مستواها بسبب فرقة الصفوف واختلاف الكلمة؟!

- مع ما تواجهه الحركات الإسلامية خاصة، والشعوب الإسلامية عامة، من

هجمة غربية ربما تكون أشرس من الهجمة السابقة في القرن الماضي.. هل من

المناسب أن تظل برامج تلك الحركات والجماعات كما كانت عليه خلال القرن

الماضي، وهل سيظل (أمل) إقامة النظام الإسلامي العالمي بخطواته المتدرجة

على رأس أولويات العمل الإسلامي الآن كما كان الشأن قبل ذلك؟!

- وأخيراً

ونحن لا نزال نعيش آثار العدوان على كياننا الإسلامي الجامع،

هل هناك أمل باقٍ في إعذار شرعي حقيقي إلى الله، يؤدي فيه هذا الجيل

الواجب المنوط به، دون ترحيل للمسؤولية إلى الأجيال القادمة

أم أننا سنظل

نؤثر الانتظار دون إعذار..؟!

أرجو أن تتيسر الفرصة لمناقشة هذه التساؤلات أو بعضها في أعداد قادمة

بإذن الله.

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، ح (9) .

(2)

لا أعني بذلك فرقة القدرية بنوعيها: المغالي في إثبات القدر، والمغالي في نفيه المعروفة في التاريخ، فهذه لها شأن آخر.

(3)

انظر: تفسير ابن كثير، والرازي، للآية 251 من سورة البقرة، وتفسير الشوكاني، للآية 40 من سورة الحج.

(4)

أُطلق على أتاتورك لقب (الغازي) ؛ ليصنعوا له مجداً زائفاً بدعوى هزيمته للإنجليز يسوِّغ له هدم الأمجاد الحقيقية للأمة.

(5)

انظر: الصراع الدولي في الشرق الأوسط، زين نور الدين، ص 73، وتاريخ الدولة العلية العثمانية، لمحمد فريد وجدي.

ص: 18