المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الاستطراد عند ابن تيمية - مجلة البيان - جـ ٥٩

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌الاستطراد عند ابن تيمية

‌الاستطراد عند ابن تيمية

عبد القادر حامد

أكثر من ترجم لابن تيمية أو كتب عنه تعرض للحديث عن مؤلفاته

وخصائص أسلوبه ومنهج تفكيره، لذلك لن أعيد ما قالوه، وإنما أشير إلى قضية

الاستطراد والتشعب التي اتصفت بها كتاباته التي وصلتنا، وإلى نكتة لحظتها من

خلال تكرار النظر فيما ترك لنا من مؤلفات وكتابات.

أما الاستطراد، فنعم، هذه صفة واضحة في مؤلفاته، اشتكى منها محبوه

وشانئوه، وليس الاعتذار لشانئيه عن استطراده برادهم عن هذا الشنآن، وصارفهم

عن هذا التحامل، ومعيدهم من دائرة الفجور في الخصومة إلى دائرة الإنصاف.

وذلك لأن منشأ بغضهم وتحاملهم أمور أخرى غير صعوبة التذوق وعسر الهضم؛

فقد تقدم طعاماً أو دواء لمن لا يتذوقه ولم يعتده، ولكنه مؤمن بفائدته، ومقتنع

بقيمته. وليس هذا حال كارهي ابن تيمية والمتحاملين عليه، فأكثر مواقف هؤلاء

العدوانية مبنية على الوصف والتقليد، أو الهوى. وهذا الهوى الغالب هو الذي

يدفع رؤوسهم إلى تحذير أتباعهم من قراءة آثاره، والاقتراب من حِماه، والتواصي

بمقاطعة من يفعل ذلك ممن يخرج عن عبودية الفكر وأسر الشعوذة.

يستطرد ابن تيمية نعم، ويتعب قارئه نعم، ويأخذ به - بجد وهمة عجيبين -

في شعاب ووهاد بكر لم تطرق من قبل، ويقوده - صاحباً أميناً وحارساً يقظاً -

إلى حيث الدهشة التي يُعَبَّر عنها أحياناً كثيرة بإيقاف النَّفَس برهة، ووضع الكتاب

جانباً، وتسريح الفكر وراء خاطر جانبي: كيف اهتدى الرجل إلى هذه الفكرة،

وكيف سطر قلمه هذه الآبدة؟ ! هذا شأنه في أغلب ما خلف من كتابات، كما كان

شأنه في دروسه التي يصفها شاهدُ عيانٍ من تلاميذه فيقول:

(وأما ذكر دروسه؛ فقد كنت - في حال إقامتي بدمشق - لا أُفَوِّتُها. وكان

لا يهيئ شيئاً من العلم ليُلقِيَهُ ويورِدَه؛ بل يجلسُ - بعد أن يصلي ركعتين - فيحمدُ

الله ويثني عليه، ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم على صفة

مستحسنة مستعذبة، لم أسمعها من غيره - ثم يشرع

فيفتح الله عليه إيرادَ علومٍ، وغوامضَ، ولطائفَ، ودقائقَ، وفنونٍ، ونقولٍ، واستدلالات بآياتٍ، وأحاديثَ، وأقوالِ العلماء، ونصر بعضها وتبيين صحته، أو تزييف بعضها وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب، وربما ذكر اسم ناظمها

وهو - مع ذلك - يجري

كما يجري السيل، ويَفيض كما يَفِيضُ البحر، ويصير - منذ يتكلم؛ إلى أن يفرغ

- كالغائب عن الحاضرين؛ مغمضاً عينيه، وذلك كله مع عدم فكر فيه، أو رويةٍ،

من غير تَعَجْرُفٍ، ولا توقفٍ، ولا لَحْنٍ، بل فيضٌ إلهي، حتى يَبْهَرَ كلَّ سامع

وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يَصْمُتَ. وكنت أراه - حينئذ - كأنه قد صار

بحضرة من يَشْغَلُهُ عن غيره، ويقعُ عليه - إذ ذاك - من المهابةِ ما يُرْعِد القلوبَ،

ويحيّرُ الأبصارَ والعقول.) [1] .

وأمر آخر ينبغي أن لا يُغْفَلَ عنه - عند النظر إلى استطراد ابن تيمية - وهو

أنه - في كل ما كتب - كان صاحب منهج، ومن منهجه انطلاقه من مجتمعه

وظروفه، وتفاعله الكامل مع مشاكل المسلمين في عصره، فقد اصطبغت نفسه

وقلبه بالإسلام عقيدةً وسلوكاً من جهة، واكتوى بما شاهد وعرف من الأمراض التي

حلت بالعالم الإسلامي، ونفذ - ببصيرته الثاقبة - إلى الأسباب الحقيقية التي آلت

بالمسلمين إلى تلك الحال، فمثله كمثل طبيب حَذِق علم الطب، وهو- مع هذا -

صاحب قلب مفعم بالرحمة، وشخصية تفيض غيرة وحرصاً على مرضاه، إذا

عالج مريضاً يصف له أكثر الأدوية فائدة، وأقرب طرق الاستعمال مأخذاً. مع

التحذير الشديد من أسباب المرض، والشرح المفصل لكل الظروف والمداخل التي

يمكن أن تتسرب منها الجراثيم. فيجمع بين الطب والوقائي والطب العلاجي، ولا

يقتصر على كتابة الوصفة ببرود غير المتفاعل وغير المخلص. ولعله - هو نفسه

- خير من يبين لنا طريقته في البحث والكتابة حيث يبين لنا الأدلة وطريقة

عرضها، وإلى أي طريقة يميل فيقول:

(ومما ينبغي أن يعرف أن الأدلة نوعان:

نوع: يدل على مجرد العلم بالمدلول عليه.

ونوع: يحض مع ذلك على الرغبة فيه، أو الرهبة منه.

فالأول: من جنس الخبر المجرد.

والثاني من جنس الحث، والطلب، والأمر، والإرادة، والأمر بالشيء،

والنهي عنه.

وذلك كمن علم أن في المكان الفلاني جمادات وحيوانات، أو نبات ليس له

فيها غرض؛ لا حب، ولا بغض، فليس هو بمنزلة من علم أن في المكان الفلاني

صديقه، وولده، ومحبوبه، وماله، وأهله، وأهل دينه. وفي المكان الفلاني

عدوه، ومبغضه، ومن يقطع عليه الطريق، ويقتله، ويأخذ ماله. فكذلك دلائل

النبوة، هي - كلها - تدل على صدق النبي، ثم يعلم ما يخبر به النبي من الأمر،

والنهي، والوعد، والوعيد، لأنه أخبر عن الله بذلك، وهو صادق فيما يخبر به.

فهذا طريق عام. وأما إثبات نبوة الأنبياء - بما فعله بهم وبأتباعم من النجاة،

والسعادة والنصرة، وحسن العاقبة، وما جعله لهم من لسان الصدق، وما فعله

بمكذبيه ومخالفيه من الهلاك، والعذاب وسوء العاقبة، وإتباعهم اللعنة في الدنيا،

مع عذاب الآخرة - فهذا يدل - مع صدق الأنبياء - على الرغبة في اتباعهم،

والرهبة من مخالفتهم. ففيه:

العلم بصدقهم، والموعظة للخلق.

والوعظ هو أمر ونهي، بترغيب وترهيب، قال تعالى: [ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا

يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وإذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً *

ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً] [النساء 66-68]، أي: لو أنهم فعلوا ما يوعظون به، وما يؤمرون به. وقال:[يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]

[النور 17] ، أي ينهاكم الله أن تعودوا لمثله. وهذه الطريقة أكمل وأبلغ في حصول

المقصود، فإنها تفيد: العلم بصدقهم؛ والرغبة في اتباعهم، والرهبة من خلافهم.

وتفيد: ثبوت صحة الدين الذي دعوا إليه، وسادة أهله، وفساد الدين المخالف

لدينهم، وشقاوة أهله) [2]

وواضح من هذا الاقتباس الطويل أنه يفضل النوع الثاني، وهو طريقة

الأنبياء، وطريقة القرآن الكريم، مع الوضع في الاعتبار الظروف السياسية

والفكرية التي واجهها ابن تيمية، وتنوع الأخطار التي أصبحت تهدد الإسلام كنظام

حياة، والمسلمين كأناس لهم هويتهم وخصوصيتهم الثقافية، فالتتار من الشرق،

والصليبيون من الغرب، والفرق الضالة من القلب، والبدع الاعتقادية والعبادية

تنتشر، والسياسة الدنيوية تخلف آثارها السلبية - التي يصعب اقتلاعها وعلاجها -

وتتسلح بالترغيب والترهيب، فتُطمِع وتفزع، أو تمنح وتمنع [3] .. كل هذا

وأكثر منه كان ماثلاً في عقل ابن تيمية في كل ما كتب تقريباً، فقضاياه التي اهتم

لها، وصب فيها قوة نفسه، وحرارة قلمه كلها تدور حول: ما الذي انتقل

بالمسلمين من حالة المد إلى حالة الجذر، وما الذي يخرجهم من صعوبات اللحظة

الحاضرة إلى أفق أرحب، ومستقبل أفضل؟ يستطرد، لكنه لا ينظر إلى إمتاع

قارئه، وهدهدته والتسرية عنه - كما ينحو بعض الكتاب؛ يحرص على أن يظل

قارئه معه مستجمعاً نفسه، لا يَنِدُّ عنه وعيه لحظة، لأن الأمر جد، لا بد فيه من

التشمير وأخذ العدة. وهو ليس من صنف أولئك الذين يعتبرون العلم ترفاً فكرياً،

أو أمراً تكميلياً يزينون به صورهم عند الناس، ولا من الذين طلبوا العلم لمنصب أو

رتبة أو رجاء تزود من الدنيا وتكثر من الامتيازات وتجمل، وعندهم من الفراغ ما

يجعلهم ينتحون ركناً هادئاً يبعث على التأمل، بعيداً عن الناس وصخب الحياة،

حولهم المراجع والمصادر، يرتبون ويجمِّلون ويصقلون ويعيدون النظر فيما يكتبون

ويؤلفون - شأن أصحاب الحوليات - لا، لم تكن حياة ابن تيمية العاصفة تسمح له

بهذا، ولم يدعه خصومه لمثل هذا الهدوء والاستقرار الذي يتطلع إليه الكثير من

أهل العلم والفكر، يتصدى للمشكلة، فيبدأ بتحليلها، فتنفجر المعلومات بين يديه.

أتخيله كحامل فأساً يريد أن يحفر في الأرض باحثاً عن الماء، يضرب ضربة أو

ضربتين فتنفجر الأرض تحت قدميه بالماء الثر الغزير، فيبدأ بالتقنية [4] له حتى

يوجهه الوجهة التي يستفاد منه فيها، فيزداد الماء ويطغى حتى يغلب أطراف القناة

الأولى، فيتوزع جهد الشيخ بين تقوية ضفاف تلك القناة والبدء في قناة ثانية تخفف

الضغط عن الأولى، فيصيب الثانية ما أصاب الأولى، فيقويها ويفتح ثالثة ورابعة.. ثم يعود ليذكرك بأن عليه - بعد أن قوى الثانية والثالثة - أن لا ينسى أنه بدأ

بالأولى وغلبه انفجار الماء عن إكمالها إلى غايتها، فيمشي معها خطوة خطوة يغالبه

الماء عليها فيكاد يغلبه، فيفتح له مسرباً يخفف من ضغطه وعنفوانه، ثم يهيمن

أخيراً على التيار، ويصل بك إلى الغاية بعد أن كانت النية أن يكشف نبعاً ويُجري

قناة؛ فإذا بالنبع يقذف بالسيل الدُّفَّاع [5] ، لا تكفيه قناة واحدة ما لم تسيِّرْ عن

يمينها وشمالها أقنية تبث الحياة في الأرض التي كانت هامدة منذ قليل! وإذا بها

تستحيل غرْباً، ويَرْوَى الناس، ويضربون بِعَطَن [6] .

أما النكتة التي لحظتها فهي أن كثيراً مما قاله ابن تيمية كتبه تلاميذه، إما في

دروسه العامة، وإما في مناظراته الكثيرة، ولا بد من وجود فرق واضح بين

الأسلوب المرتجل، والآخر الذي يأتي نتيجة الانفراد للتأليف والتهيؤ له. ونستطيع

أن نميز هذين الأسلوبين إذا نحن درسنا مؤلفات ابن تيمية دراسة داخلية، وحللنا

السياق في كلٍ، وألقينا الضوء على الظرف المحيط بكل أثر من آثاره. وسنلحظ

أن درجة الانفعال ترتفع وتشتد في الموضوعات التي كان يرتجلها إجابة على فتوى

أو مسألة، أو اشتراكاً في مناظرة على مسمع من الناس، وقد يصل الانفعال إلى

درجة الحدة التي أخذت عليه واعتبرها أعداؤه مدخلاً يدخلون منها وبها إلى القدح

فيه والتنفير منه.

سيبدو لنا ابن تيمية في حالتين:

الحالة الأولى وكأنه يتكلم قائماً مندفعاً فيما هو فيه من توضيح ورد وحض

وتحذير، أو ماشياً عجلاً حوله تلاميذه، كل يريد لو ظفر منه بإجابة على ما عنده،

فيحاول أن يلبي رغبة الجميع، فيجيب بأجوبة قصيرة لكسب الوقت، ولكنها كافية

ووافية بالمقام.

والحالة الثانية قد فرغ لنفسه، واستغرقته قضية، فبدأ بالكتابة فيها، محدداً

ومحرراً ومستقصياً، ومستبعداً مواطن الاشتباه والاشتباك، ومحللاً ومعقباً على

أسباب ذلك، وهو في كل ذلك لا يخطو خطوة بدون دليل، بل أدلة، وينحدر بعد

ذلك انحدار السيل - بوصفه الذي سقناه عن أحد تلاميذه آنفاً - تصادفه أرض

مستوية فيفيض ويتشعب، ثم يعود فيستجمع قوته حين تعترضه مضايق وحزون،

فمنخفضات وانهدامات، هادراً يرمي بالجلاميد ويقذف بالزبد، حتى يصل إلى

قراره.

(1) الأعلام العلية للبزار 27-28.

(2)

الجواب الصحيح 4/274.

(3)

كما قال سيء الذكر أنور السادات.

(4)

التقنية: حفر القناة.

(5)

الدفَّاع: السيل العظيم الذي يدفع بعضه بعضاً، قال المعري يصف سفينة نهرية:

سارت فزارت بنا الأنبار سالمةً

تُزجي وتُدفَع في موجٍ ودُفَّاع.

(6)

تضمين مأخوذ من الحديث رقم 3682 في صحيح البخاري، فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه راجح شرحه في فتح الباري 7/19.

ص: 8

آية من كتاب الله [*]

[شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلَاّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلَاّ هُوَالعَزِيزُ الحَكِيمُ]

[آل عمران 17 -18]

قال ابن تيمية في تفسير هذه الآية:

- 1 -

أقوال المفسرين في معنى: شهد

قد تنوعت عبارات المفسرين في لفظ (شهد) ، فقالت طائفة منهم مجاهد

والفراء وأبو عبيدة: أي حكم وقضى.

وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي بينّ.

وقالت طائفة: أي أعلم.

وكذلك قالت طائفة: معنى شهادة الله: الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة

الملائكة والمؤمنين: الإقرار.

وعن ابن عباس أنه: شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان، ولم

يكن سماء ولا أرض، ولا بر ولا بحر، فقال:[شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلَاّ هُوَ] .

وكل هذه الأقوال - وما في معناها - صحيحة، وذلك أن الشهادة تتضمن:

كلام الشاهد، وقوله وخبره عما شهد به، وهذا قد يكون، مع أن الشاهد نفسه يتكلم

بذلك ويقوله ويذكره، وإن لم يكن معلماً به لغيره، ولا مخبراً به لسواه [1] . فهذه

أولى مراتب الشهادة.

ثم قد يخبره ويعلمه بذلك، فتكون الشهادة إعلاماً لغيره وإخباراً له، ومن

أخبر غيره بشيء فقد شهد به. سواء كان بلفظ الشهادة أو لم يكن (....) .

فالشهادة تضمنت مرتبتين:

إحداهما: تكلم الشاهد وقوله، وذكره لما شهد في نفسه به.

والثانية: إخباره وإعلامه لغيره بما شهد به، فمن قال من المفسرين: حكم

وقضى؛ فهذا من باب اللازم، فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر.

ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك، وذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا

هو؛ فقد أخبر وبين وأعلم أن ما سواه ليس بإله، فلا يعبد، وأنه وحده الإله الذي

يستحق العبادة، وهذا يتضمن الأمر بعبادته؛ والنهي عن عبادة سواه، فإن النفي

والإثبات في مثل هذا يتضمن الأمر والنهي، كما إذا استقتى شخص شخصاً فقال له

قائل: هذا ليس بمفتٍ؛ هذا هو المفتي، ففيه: نفي عن استفتاء الأول؛ وأمر

وإرشاد إلى استفتاء الثاني. وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم، أو طلب شيئاً من غير

ولي الأمر، فقيل له: ليس هذا حاكماً، ولا هذا سلطاناً، هذا هو الحاكم، وهذا هو

السلطان، فهذا النفي والإثبات يتضمن الأمر والنهي، وذلك أن الطالب إنما يطلب

ممن عنده مراده ومقصوده، فإذا ظنه شخصاً فقيل له: ليس مرادك عنده وإنما

مرادك عند هذا كان أمراً له بطلب مراده عند هذا دون ذاك.

والعابدون مقصودهم أن يعبدوا من هو إله يستحق العبادة، فإذا قيل لهم: كل

ما سوى الله ليس بإله؛ إنما الإله هو الله وحده؛ كان هذا نهياً لهم عن عبادة ما

سواه، وأمراً بعبادته.

وأيضاً؛ فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الإله يقتضي أنه يستحق العبادة،

فإذا أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه كان ذلك أمراً بما يستحقه.

وليس المراد هنا (بالإله) من عبده عابد بلا استحقاق؛ فإن هذه الآلهة كثيرة، ول كن تسميتهم آلهة والخبر عنهم بذلك واتخاذهم معبودين أمر باطل، كما قال تعالى:[إنْ هِيَ إلَاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ][النجم 23]، وقال:[ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ البَاطِلُ][لقمان 30] .

فالآلهة التي جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة، لكن هي لا تستحق العبادة

فليست بآلهة، كمن جعل غيره شاهداً أو حاكماً أو مفتياً أو أميراً وهو لا يحسن شيئاً

من ذلك.

ولا بد لكل إنسان من إله يألهه ويعبده (تعس عبدُ الدينار وعبدُ الدرهم)[2]

فإن بعض الناس قد ألّه ذلك محبة وذلاً وتعظيماً.

فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم وقضى بأن لا يعبد إلا إياه.

وأيضاً فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية، فيقال للجمل الخبرية: قضية، ويقال: قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى وانتفاء هذا المعنى، وكل شاهد

ومخبر هو حاكم بهذا الاعتبار، قد حكم بثبوت ما أثبته، ونفي ما نفاه حكماً خبرياً،

قد يتضمن حكماً طلبياً.

- 2 -

وشهادة الرب وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة، وبفعله تارة.

فالقول هو ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، وأوحاه إلى عباده كما قال:

[يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إلَهَ إلَاّ

أَنَا فَاتَّقُونِ] [النحل 2] إلى غير ذلك من الآيات.

وقد علم بالتواتر والاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد ويشهد

أن لا إله إلا هو بقوله وكلامه؛ وهذا معلوم من جهة كل من بلغ عنه كلامه، ولهذا

قال الله تعالى: [أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وذِكْرُ

مَن قَبْلِي] [الأنبياء 24] .

وأما شهادته بفعله فهو: ما نصبه من الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم

دلالتها بالعقل، وإن لم يكن هناك خبر عن الله، وهذا يستعمل فيه لفظ الشهادة

والدلالة والإرشاد، فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره، فهو بمنزلة المخبر به،

الشاهد به، كما قيل: سل الأرض من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج

ثمارها، وأحيا نباتها، وأغطش ليلها، وأوضح نهارها. فإن لم تجبك حواراً؛

أجابتك اعتباراً.

وهو سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه، فإن دلالتها إنما هي بخلقه لها، فإذا

كانت المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو سبحانه، وبين ذلك، فهو الشاهد المبين

بها أنه لا إله إلا هو وهذه الشهادة الفعلية ذكرها طائفة، قال ابن كيسان: شهد الله

- بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه - أنه لا إله إلا هو.

- 3 -

وقوله: [قائماً بالقسط] هو نصب على الحال، وفيه وجهان:

قيل: هو حال من (شهد) : أي شهد قائماً بالقسط.

وقيل: (حال) من (هو) أي: لا إله إلا هو قائماً بالقسط، كما يقال: لا إله

إلا هو وحده. وكلا المعنيين صحيح.

وقوله: [قَائِماً بِالْقِسْطِ] يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على مذهب

الكوفيين، في أن المعمول الواحد قد يعمل فيه عاملان، كما قالوا في قوله: [هَاؤُمُ

اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ] ، و [آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً] ، و [عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ

قَعِيدٌ] ونحو ذلك.

وسيبويه وأصحابه يجعلون لكل عامل معمولاً، ويقولون حذف أحدهما لدلالة

الآخر عليه. وقول الكوفيين أرجح.

وعلى المذهبين فقوله: [بِالْقِسْطِ] يُخرَّج على هذا، إما كونه يشهد قائماً

بالقسط، فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل، كما في قوله [كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ]

[النساء 135] ، فالقيام بالقسط يكون في القول، وهو القول بالعدل، ويكون في

الفعل، فإذا قيل: شهد (قائماً بالقسط)، أي: متكلماً بالعدل، مخبراً به، آمراً به؛

كان هذا تحقيقاً لكون الشهادة شهادة عدل وقسط، وهي أعدل من كل شهادة، كما أن

الشرك أظلم من كل ظلم، وهذه الشهادة أعظم الشهادات.

ولفظ القيام بالقسط كما يتناول القول يتناول العمل، فيكون التقدير: يشهد

وهو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم، فإن هذه الشهادة تضمنت قولاً وعملاً، فإنها

تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده فيعبد، وأن غيره لا يستحق العبادة، وأن

الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء، وأن المشركين به في النار، فإذا شهد

قائماً بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة، وجزاء المشركين بالنار؛ كان هذا

من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة، وكان قوله: قائماً بالقسط تنبيها على جزاء

المخلصين والمشركين، كما في قوله:[أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ]

[الرعد 33] .

قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية: (شهد الله قائماً بالقسط)

ومعنى قوله: قائماً بالقسط أي بتدبير الخلق، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي

يدبره ويتعاهد أسبابه، وقائم بحق فلان، أي مُجازٍ له، فالله تعالى مدبر رزاق

مجاز بالأعمال.

وإذا اعتبر القسط في الإلهية كان المعنى: (لا إله إلا هو قائماً بالقسط) أي

هو وحده الإله، قائماً بالقسط، فيكون وحده مستحقاً للعبادة، مع كونه قائماً بالقسط، كما يقال: أشهد أن لا إله إلا الله واحداً أحداً صمداً، وهذا الوجه أرجح، فإنه

يتضمن أن الملائكة وأولي العلم يشهدون له، على أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم

بالقسط.

والوجه الأول لا يدل على هذا، ولأن كونه قائماً بالقسط كما شهد به أبلغ من

كونه حال الشاهد، وقيامه بالقسط يتضمن أن يقول الصدق، ويعمل بالعدل، كما

قال: [وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً][الأنعام 115]، وقال هود: [إنَّ رَبِّي

عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [هود 56] ، فأخبر أن الله على صراط مستقيم وهو العدل الذي لا عوج فيه.

والاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن كان قوله وعمله بالقسط كان مستقيماً،

ومن كان قوله وعمله مستقيماً كان قائماً بالقسط، ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نسأله

أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من: النبيين، والصديقين،

والشهداء الصالحين. صراطهم هو العدل والميزان، ليقوم الناس بالقسط،

والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك معاصيه، فالمعاصي كلها ظلم مناقض

للعدل، مخالف للقيام بالقسط والعدل.

ثم قال تعالى:، ذكر عن جعفر بن محمد أنه قال:[لا إلَهَ إلَاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم. أي قوله:[لا إلَهَ إلَاّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] .. معنى الأولى هو ذِكْرُ أن الله شهد بها، فقال:[شهد أَن لَاّ إلَهَ إلَاّ هُوَ] والتالي للقرآن إنما يذكر أن الله شهد بها هو والملائكة وأولو العلم، وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه بها، فذكرها الله مجردة ليقولها التالي. فيكون التالي قد شهد بها أنه لا إله إلا هو. فالأولى خبر عن الله بالتوحيد لنفسه، وهذه [3]

خبر عن الله بالتوحيد.

وختمها بقوله: [الَعَزِيزُ الحَكِيمُ] والعزة تتضمن القدرة والشدة والامتناع

والغلبة. تقول العرب: عزَّ يعَزُّ بفتح العين إذا صلُب. وعزَّ يعِزُّ بكسرها إذا امتنع. وعزَّ يعُزُّ بضمها إذا غلب. فهو سبحانه في نفسه قوي متين، وهو منيع لا ينال. وهو غالب لا يغلب.

والحكيم يتضمن: حكمه وعلمه وحكمته فيما يقوله ويفعله، فإذا أمر بأمر كان

حسناً، وإذا أخبر بخبر كان صادقاً، وإذا أراد خلق شيء كان صواباً، فهو حكيم

في إرادته وأفعاله وأقواله.

-4 -

الأصول التي تضمنتها الآية:

وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أصول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه قائم

بالقسط، وأنه العزيز الحكيم. فتضمنت: وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي

للظلم، وعزته وحكمته المنافية للذل والسفه، وتنزيهه عن الشرك والظلم والسفه،

ففيها إثبات التوحيد، وإثبات العدل، وإثبات الحكمة، وإثبات القدرة.

[استطراد في الرد على: المعتزلة، والجهمية، والجبرية، ودعاة توحيد

الوجود] .

-5 -

وإذا كانت شهادة الله تتضمن بيانه للعباد، ودلالته لهم، وتعريفهم بما شهد

لنفسه؛ فلا بد أن يعرفهم أنه شهد، فإن هذه الشهادة أعظم الشهادات، وإلا فلو شهد

شهادة لم يتمكن من العلم بها لم ينتفع بذلك، ولم تقم عليهم حجة بتلك الشهادة - كما

أن المخلوق إذا كانت عنده شهادة لم يبينها بل كتمها لم ينتفع أحد بها، ولم تقم بها

حجة -.

شروط الشهادة:

والشهادة لا بد فيها من: علم الشاهد، وصدقه، وبيانه. لا يحصل مقصود

الشهادة إلا بهذه الأمور، ولهذا ذم من يكتم ويحرف، فقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ

آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ

غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ

اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] [النساء 135] .

وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(البِّيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذّبا

وكتما محقت بركة بيعهما) [4] .

وإذا كان لا بد من بيان شهادته للعباد، ليعلموا أنه قد شهد فهو قد بينها

بالطريقين: بالسمع والبصر.

أ- فالسميع يسمع آيات الله المتلوة المنزلة، والبصير يعاين آياته المخلوقة

الفعلية، وذلك أن شهادته تتضمن بيانه، ودلالته للعباد وتعريفهم ذلك حاصل بآياته، فإن آياته هي دلالاته وبراهينه التي بها يعرف العباد خبره وشهادته، كما عرفهم

بها أمره ونهيه، وهو عليم حكيم، فخبره يتضمن أمره ونهيه، وفعله بين حكمته.

فالأنبياء إذا أخبروا عنه بكلامه عرف بذلك شهادته وآياته القولية، ولا بد أن

يعرف صدق الأنبياء فيما أخبروا عنه، وذلك قد عُرِفَ بآياته التي أيد بها الأنبياء،

ودلّ بها على صدقهم، فإنه لم يبعث نبياً إلا بآية تبين صدقه، إذ تصديقه بما لا

يدل على صدقه غير جائز، كما قال:[لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ][الحديد 25] ، أي بالآيات البينات.

وقال: [ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلَاّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن

كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ

ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل 44] .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله

عليه وسلم - أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما

آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) [5] .

فالآيات والبراهين التي أرسل بها الرسل دلالات الله على صدقهم دلّ بها

العباد. وهي شهادة الله بصدقهم فيما بلغوا عنه، والذي بلغوه فيه شهادته لنفسه فيما

أخبر به.

وهو سبحانه اسمه المؤمن، وهو - في أحد التفسيرين - المصدِّق، الذي

يصدق أنبياءه فيما أخبروا عنه بالدلائل التي دل بها على صدقه.

ب- وأما الطريق العياني، فهو: أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية

ما يبين لهم أن الوحي - الذي بلغته الرسل عن الله - حق كما قال تعالى:

[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ][فصلت 53] ، أي أو لم يكف بشهادته الخبرة بما علمه، وهو الوحي الذي أخبر به الرسول، فإن الله على كل شيء شهيد وعليم به، فإذا أخبر به وشهد كان ذلك كافياً؛ وإن لم ير المشهود به، وشهادته قد علمت بالآيات التي دلّ بها على صدق الرسول، فالعالم بهذه الطريق لا يحتاج أن ينظر الآيات المشاهدة التي تدلّ على أن القرآن حق، بل قد يعلم ذلك بما عُلِمَ به أن الرسول صادق فيما أخبر به عن شهادة الله تعالى وكلامه.

وكذلك ذكر الكتاب المنزل، فقال: [بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَذِينَ

أُوتُوا العِلْمَ ومَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلَاّ الظَّالِمُونَ] [العنكبوت 49] ، فبين أن القرآن آيات

بينات في صدور الذين أوتوا العلم، فإنه من أعظم الآيات البينة الدالة على صدق

من جاء به، وقد اجتمع فيه من الآيات ما لم يجتمع في غيره، فإنه هو الدعوة

والحجة، وهو الدليل والمدلول عليه، والحكم، وهو الدعوى، وهو البينة على

الدعوى، وهو الشاهد والمشهود به.

وأما كون سبحانه صادقاً؛ فهذا معلوم بالفطرة الضرورية لكل أحد، فإن

الكذب من أبغض الصفات عند بني آدم، فهو سبحانه منزه عن ذلك، وكل إنسان

محمود يتنزه عن ذلك، فإن كل أحد يذم الكذب، فهو وصف ذم على الإطلاق.

وأما عدم علم الإنسان ببعض الأشياء، فهذا من لوازم المخلوق، ولا يحيط

علماً بكل شيء إلا الله، فلم يكن عدم العلم عند الناس نقصاً كالكذب.

فلهذا بين الرب علمه بما يشهد به، وأنه أصدق حديثاً من كل أحد [وَلَهُ

المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [الروم 27] ، وهو يقول الحق، وهو يهدي

السبيل، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته.

ومن عنده علم الكتاب، وهم أهل الكتاب، فهم يشهدون بما جاءت به الأنبياء

قبل محمد، فيشهدون أنهم أتوا بمثل ما أتى به، كالأمر بعبادة الله وحده، والنهي

عن الشرك، والإخبار بيوم القيامة، والشرائع الكلية، ويشهدون أيضاً بما في كتبهم

من ذكر صفاته، ورسالته وكتابه، وهذان الطريقان بهما تثبت نبوة النبي - صلى

الله عليه وسلم -، وهي: الآيات والبراهين الدالة على صدقه، وشهادة نبي آخر -

قد علم صدقه - له بالنبوة.

فذكر هذين النوعين بقوله: [قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ

الكِتَابِ] [الرعد 43] ، فتلك يعلم بها صدقه بالنظر العقلي في آياته وبراهينه،

وهذه يعلم بها صدقه بالخبر السمعي المنقول عن الأنبياء قبله.

وكذلك قوله: [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] [الأنعام

19] ، فقوله: قل الله؛ فيها وجهان:

قيل: هو جواب السائل، وقوله: شهيد؛ خبر مبتدأ، أي: هو شهيد.

وقيل: هو مبتدأ، وقوله: شهيد؛ خبره، فأغنى ذلك عن جواب الاستفهام.

و (الأول) على قراءة من يقف على قوله: قل الله.

و (الثاني) على قراءة من لا يقف، وكلاهما صحيح: لكن الثاني أحسن

وهو أتمّ.

وكل أحد يعلم أن الله أكبر شهادة، فلما قال:[قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً] ؟

عُلِمَ أن الله أكبر شهادة من كل شيء، فقيل له:[قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] ،

ولما قال: [اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] كان في هذا ما يغني عن قوله: إن الله أكبر

شهادة. وذلك أن كون الله أكبر شهادة هو معلوم، ولا يثبت بمجرد قوله [أَكْبَرُ

شَهَادَةً] بخلاف كونه شهيداً بينه وبينهم؛ فإن هذا مما يعلم بالنص والاستدلال،

فينظر: هل شهد الله بصدقه وكذبهم في تكذيبه؟ أم شهد بكذبه وصدقهم في تكذيبه؟

وإذا نظر في ذلك؛ علم أن الله شهد بصدقه وكذبهم بالنوعين من الآيات: بكلامه

الذي أنزله؛ وبما بين أنه رسول صادق.

ولهذا أعقبه بقوله: [وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القرآن لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ] [الأنعام

19] ، فإن هذا القرآن فيه الإنذار، وهو آية شهد بها أنه صادق، وبالآيات التي

يظهرها في الآفاق وفي الأنفس، حتى يتبين لهم أن القرآن حق.

وفي هذه الآية: [قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ] ونظائرها ذكر سبحانه أنه

شهيد بيني وبينهم، ولم يقل: شاهد علينا، ولا شاهد علي، لأنه ضمن الشهادة

الحكم، فهو شهيد يحكم بشهادته بيني وبينكم، والحكم قدر زائد على مجرد الشهادة، فإن الشاهد قد يؤدي الشهادة، وأما الحاكم فإنه يحكم بالحق للمحق على المبطل

ويأخذ حقه منه، ويعامل المحق بما يستحقه، والمبطل بما يستحقه.

وهكذا شهادة الله بين الرسول ومتبعيه، وبين مكذبيه، فإنها تتضمن:

أ- حكم الله للرسول وأتباعه، يحكم بما يظهره من الآيات الدالة على صدق

الرسول على أنها الحق، وتلك الآيات أنواع متعددة.

ب- ويحكم له أيضاً بالنجاة والنصر، والتأييد، وسعادة الدنيا والآخرة،

ولمكذبيه بالهلاك والعذاب، وشقاء الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: [هُوَ الَذِي

أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ] [الفتح 28] ، فيظهره

بالدلائل والآيات العلمية التي تبين أنه حق؛ ويظهره أيضاً بنصره وتأييده على

مخالفيه، ويكون منصوراً، كما قال تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وأَنزَلْنَا

مَعَهُمُ الكِتَابَ والْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ] [الحديد

25] ، فهذه شهادة حكم كما قدمنا ذلك في قوله:[شْهِدُ اللَّهَ] .

قال مجاهد والفراء وأبو عبيدة: شهد الله؛ أي حكم وقضى، لكن الحكم في

قوله: بيني وبينكم؛ أظهر، وقد يقول الإنسان لآخر. فلان شاهد بيني وبينك، أي

يتحمل الشهادة بما بيننا، فالله يشهد بما أنزله ويقوله، وهذا مثل الشهادة على أعمال

العباد، ولكن المكذبين ما كانوا ينكرون التكذيب، ولا كانوا يتهمون الرسول بأنه

ينكر دعوى الرسالة، فيكون الشهيد بتضمن الحكم أثبت وأشبه بالقرآن. والله أعلم.

وكذلك قوله: [لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ

وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً] [النساء 66] ، فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله

أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبراً

عمن دونه، وهذا كقوله:[فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ][هود 14] ، وليس معنى كونه أنزله مجرد أنه هو معلوم له - فإن جميع الأشياء

معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق - لكن المعنى: الذي أنزله فيه

علمه، كما يقال: فلان يتكلم بعلم، ويقول بعلم، فهو سبحانه أنزله بعلمه، كما قال:[قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ][الفرقان 6]، ولم يقل: تكلم

به بعلمه، لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى الأرض. فإذا قال:[أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ]

تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم الله، كما قال: [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ

بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ] [آل عمران 61] ، وذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه، منه

نزل ولم ينزل من عند غيره، لأن غير الله لا يعلم ما في نفس الله من العلم -

ونفسه هي ذاته المقدسة - إلا أن يعلمه الله بذلك، كما قال المسيح عليه السلام:

[تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إنَّكَ أَنتَ عَلَاّمُ الغُيُوبِ][المائدة 116] .

وقال: [فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ] [الجن

26] ، فغيبه الذي اختص به لا يُظْهِرُ على أحداً إلا من ارتضى من رسول،

والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به.

وكذلك قال في [سورة هود] : [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن

دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [الطور 13]، لما تحداهم بالإتيان بمثله في قوله:

[فليأتوا بحديث مثله][الطور 34] ، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله،

فعجزوا عن ذا وذاك، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله، وإذا كان الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من الله، نزله بعلمه، لم ينزل بعلم مخلوق، فما فيه من الخبر فهو خبر عن علم الله.

وقوله: [قُلْ أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ][الفرقان 16] ،

لأن فيه (من) الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله أنزله، فذكره ذلك

يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله، لكن تضمن من الإخبار عن أسرار

السموات والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب مالا يعلمه إلا الله، فمن

هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله.

وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق، وإذا كان

خبراً بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء وأممهم، وتارة عن يوم

القيامة وما فيها، والخبر الذي يستدل به لا بد أن نعلم صحته من غير جهته وذلك

كإخباره بالمستقبلات فوقعت كما أخبر، وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند

أهل الكتاب من غير تعلم منهم، وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها كما قال:[وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً] إلى قوله: [نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ]

فقوله: [أَنزَلَهُ الَذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] استدلال بأخباره، ولهذا ذكره تكذيباً لمن قال: هو [إفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ][التحريم 3]، وقوله:[أَنزَلَهُ] استدلال على أنه حق، وأن الخبر الذي فيه عن الله حق، ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدي، وظهور عجر الخلق عن الإتيان بمثله.

ومن شهادته ما يجعله في القلوب من العلم، وما تنطق به الألسن ن من ذلك،

كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها

خيراً، فقال:(وجبت، وجبت) ومُرَّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً، فقال:(وجبت، وجبت) قالوا: يا رسول الله؟ ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:

(هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض)[6] فأضافهم إلى الله تعالى.

والشهادة تضاف تارة إلى من يشهد له. وإلى من يشهد عنده، فتقبل شهادته،

كما يقال: شهود القاضي، وشهود السلطان، ونحو ذلك من الذين تقبل شهادتهم،

وقد يدخل في ذلك من يشهد عليه بما تحَمَّلَه من الشهادة، ليؤديها عند غيره، كالذين

يشهد الناس عليهم بعقودهم أو أقاريرهم [7] .

فشهداء الله الذين يشهدون له بما جعله وفعله، ويؤدون الشهادة عنه، فإنهم إذا

رأوا من جعله الله براً تقياً يشهدون أن الله جعله كذلك، ويؤدون عنه الشهادة، فهم

شهداء الله في الأرض، وهو سبحانه الذي أشهدهم بأن جعلهم يعلمون ما يشهدون به، وينطقون به، وإعلامه لهم بذلك هو شهادة منه بذلك، فهذا أيضاً من شهادته.

وقد قال تعالى: [لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ][يونس 64] ،

وفسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى بالرؤيا الصالحة، وفسرها بثناء

الناس وحمدهم، والبشرى خبر بما يسر، والخبر شهادة بالبشرى من شهادة الله

تعالى. والله سبحانه أعلم.

(*) اخترنا هذا الموضوع نموذجاً لأسلوب ابن تيمية في التفسير، وقد تصرفنا قليلاً بحذف بعض الجمل المكررة، وبعض الفقرات، حتى يكون الموضوع أقرب إلى طبيعة المقال وقد حرصنا على نشره في حلقة واحدة مع طوله لأنه وحدة معنوية واحدة في معنى الشهادة ومن أراد الرجوع إليه كاملاً فهو في مجموع الفتاوى 14/168.

(1)

مجمل معنى هذه الفقرة أن من معاني الشهادة أن يشهد الشاهد لنفسه دون طلب ذلك منه، ودون إعلان منه لشهادته أمام غيره.

(2)

أورده البخاري في (كتاب الجهاد) 4/41.

(3)

أي الثانية.

(4)

البخاري 3/76 (كتاب البيوع، باب إذا بين الببعان ولم يكتما) ، ومسلم في 1/664 (كتاب البيوع، باب الصدق في البيع) .

(5)

البخاري 6/224 (كتاب فضائل القرآن) ومسلم (كتاب الإيمان) .

(6)

البخاري 2/121 (كتاب الجنائز) ، ومسلم في (كتاب الجنائز) 1/379.

(7)

جمع إقرار.

ص: 15

مصطلحات وتعريفات

(2)

عثمان جمعة ضميرية

2-

السلف:

* قال ابن فارس في (معجم مقاييس اللغة)[1] :

(سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدُّم وسَبْق. من ذلك السلف، الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المتقدمون. والسلاف: السائل من عصير العنب

قبل أن يعصر، والسلفة: المعجّل من الطعام قبل الغداء..)

وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات)[2] :

(السلف: المتقدم، قال تعالى:[فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ومَثَلاً لِّلآخِرِينَ] [الزخرف

56] ، أي: معتبراً متقدماً، وقال تعالى:[فَلَهُ مَا سَلَفَ][البقرة 275] ، أي

يتجافى عما تقدم من ذنبه.. ولفلان سلَفٌ كريم: أي آباء متقدمون، جمعه أسلاف

وسلوف..) .

وقال الدامغاني في (الوجوه والنظائر لألفاظ القرآن) :

(السلف في القرآن على وجهين: فوجه منهما، السلف: العبرة

والعظة، كقوله تعالى [فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً][الزخرف 56] ، يعني عظة لمن يأتي بعدهم.

والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى [وأَن

تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ] [النساء 23]، أي: مضى من الزمن الأول) .

* وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين أحدهما خاص

والآخر عام.

ففي الإطلاق الخاص عرَّفه كل طائفة من العلماء بحسب مذهبهم، فقال علماء

الحنفية: السلف من أبي حنيفة إلى محمد بن الحسن (189هـ)، ويقابله الخلف: من محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني (448 هـ) .

ومن ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول: السلف: الإمام أحمد بن

حنبل، ومَنْ تقدَّمه من الصحابة والتابعين.

وعلماء الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل

الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة [3] .

* وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالمسلف: كل من يُقلَّد مذهبه في الدين

ويُقْتَفى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين [4] .

ثم أصبح مع التطور التاريخي لظهور الفرق الإسلامية منحصراً في المدرسة

السلفية التي حافظت على العقيدة والمنهج الإسلامي طبقاً لفهم الأوائل الذين تلقَّوه

جيلاً بعد جيل، وأبرز سماتهم التمسك بمنهج النقل؛ ولهذا عرفوا في البداية بأنهم (أهل الحديث) للتمييز بينهم وبين من انسلخ عن هذا المنهج من الشيعة

والمعتزلة والخوارج وغيرهم. كما أنهم يعرفون أيضاً بأنهم (أهل الأثر) . وهذ هـ النسبة إلى الأثر، تعني: الحديث وطلبه وأتباعه [5] .

* ومن هذه الإطلاقات لكلمة السلف نخلص إلى أن هذا اللفظ يشمل:

الصحابة والتابعين، وتابعيهم من الأئمة الذين يقتدى بهم، كالأئمة الأربعة: أبي

حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وحماد بن

سلمة، وحماد بن زيد، وابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، وأصحاب السنن

الأربعة.. وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأعلام الذين شُهِد لهم بالإمامة في الدين

والورع والتقوى ظاهراً وباطناً، وتلقى الناس كلامهم بالقبول والعمل به خلفاً عن

سلف [6] دون اعتبار لزمن معين. وعندئذ يتحدد مذهب السلف بما كان عليه

الصحابة الكرام والتابعون وتابعوهم من الأئمة المذكورين [7] .

* ويخرج عن السلف كل من رُمِيَ ببدعة أو اشتهر بلقبٍ غير مرضيّ من

الفرق المخالفة للسنة ولمذهب الصحابة وما كانوا عليه، مثل: الروافض،

والخوارج، والقَدَرية، والمرجئة، والجبرية، والمعتزلة، والمشبهة أو المجسِّمة

وسائر الفرق الضالة، فهؤلاء ليسوا على ما كان عليه النبي - صلى الله عليه

وسلم -، بل هم مخالفون لهم، ومخالفون لأهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة وعلمائها الذين يقتدى بهم في الدين [8] .

وكذلك: ليس من مذهب السلف رحمهم الله حمل الناس على اعتقادٍ لم

يعتقده الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا امتحان الناس بما لم

يمتحنهم الله تعالى به، والعمل على الفتنة وتفريق صفوف الأمة.

وليس من مذهب السلف - وإن ادّعاه قوم - أن يُطلِق إنسانٌ لسانه بالطعن

والشتم على الأئمة المتقدمين، ولا سيما الأئمة الأربعة، ويحط من قدرهم بنسبتهم

إلى الجهل أو الخطأ أو تعمد التغيير في الأحكام، ويستدل على مُدَّعاه بآية يأخذها

على ظاهرها دون أن يفقه معناها، أو يستدل بحديث لا يدري قول الأئمة فيه،

ويدعو الناس والعوام إلى الأخذ من القرآن أو الحديث من غير اتباع لقول أحد من

الأئمة، ويقول: هذا كتاب الله وسنة رسول الله بين أيدينا، فأي حاجة بنا إلى تقليد

فلان أو فلان، وهم رجال ونحن رجال!

هذا القول ليس بحق، أو هو حق أريد به باطل، بل هو محض باطل أراد

به صاحبه تشكيك الناس، أو الوصول إلى الشهرة بينهم، إذ ليس بوسع كل أحد أن

يأخذ أي حكم يريده من القرآن أو السنة إلا بمراجعة ما ورد من الأئمة في ذلك

الحكم، فهم أقرب عهداً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر علماً وإحاطة

بما جاء عنه، وفي الآيات والأحاديث ما هو منسوخ، وما هو مقيد، وما هو

محمول على غيره، كما هو مذكور في علم الأصول.

وليس من مذهب السلف أيضاً: تأويل القرآن الكريم بالرأي الفاسد، دون

النظر إلى ما ورد عن أئمة اللغة وما فسر به الصحابة وما ورد فيه من آيات

وأحاديث، وإلا فإنه يأخذ بعض الآيات والأحاديث، يضرب بعضها ببعض، أو

يأخذ بعض الأدلة ويترك سائرها، أو يترك المحكم من النصوص في القرآن والسنة، فيأخذ ما يتفق وعقله وينبذ ما لا يتفق معه أو لا يعرف وجهه ومعناه، أو يحمل

نصوص الشرع على وفق هواه ومذهبه الذي ينتحله باطلاً [9] .

3-

أهل الحديث:

* الحديث في اللغة: ضد القديم، ويستعمل في كثير من الكلام وقليله، وهو

اسم من التحديث بمعنى الإخبار. ثم سمي كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه

وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلْقي أو خُلُقي.

وبعض العلماء يضيف إلى ذلك: ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي أو ما

صدر عنهما. وعندئذ تصبح كلمة الحديث مرادفة للخبر عند علماء الحديث. وهو

مرادف كذلك لكلمة (الأثر) عند بعض العلماء [10] .

وتقدم - فيما سبق - أن الفرق بين السنة والحديث: أن الحديث كل واقعة

نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان فَعَلَها مرة واحدة في حياته

الشريفة، أو رواها عنه شخص واحد.

* وأما السنة: فهي الطريقة المتواترة للعمل بالحديث بل القرآن أيضاً. فقد

ورد - مثلاً - في القرآن الكريم: الأمر بإقامة الصلاة، وبين فيه بعض تفاصيلها

أيضاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم بموجب ذلك قال: (صلُّوا كما رأيتموني

أصلي) [11] . واستمر على تلك الكيفية وكذلك الصحابة والتابعون وسائر

المسلمين. وهكذا الأمر في الصيام والزكاة والحج وسائر الأوامر القرآنية.

فالصورة العلمية التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم لألفاظ القرآن

هي السنة، وهي في الحقيقة تفسير عملي للقرآن [12] .

* فإذا تعرفنا على معنى الحديث، فإننا نستطيع أن نتعرف على: (أهل

الحديث) ؛ وهم الذين سلكوا طريق الصالحين واتبعوا آثار السلف من

الماضين، وكان لهم عناية خاصة بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: جمعاً وحفظاً ورواية وفهماً وعملاً في الظاهر والباطن، فكانوا بذلك ألزم الناس لسنن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقدِّمون بين يديه، ولا يرفعون صوتهم فوق صوته بتقديم رأي أو هوى أو استحداث بدعة.

ومنهم: كلُّ عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص

بفضيلة، وقارئ متقن وخطيب مُحْسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل

المستقيم، لأنهم أخذوا دينهم وهديهم من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم ذلك

اتفاقاً في الدين وائتلافاً، رغم بعد ديارهم واختلاف أزمانهم [13] .

* وكان المتقدمون يطلقون مصطلح (أهل الحديث) على المدرسة التي تقابل

أهل الكلام، أي مقابل علماء الكلام الذين عابهم السلف لما أدخلوا في الاعتقاد من

مصطلحات وأفكار غريبة عن المنهج الإسلامي، ولذلك اشتد النكير عليهم من

علماء السنة. وهم أنفسهم - أي علماء الكلام - كان يطلق عليهم (أهل

الرأي) [14] . لأنهم يقدمون آراءهم على الكتاب والسنة، ويعطون عقولهم سلطة

الحكم على النصوص الشرعية. وهؤلاء هم من أعداء السنن حقيقة كما جاء وصفهم عن عمر رضي الله عنه.

* ثم أصبحت كلمة (أهل الحديث) تطلق بمعنى أخص على فئة معينة ممن

يعنون بدراسة الحديث النبوي رواية ودراية، أو رواية فحسب، أو ممن ينتسبون

إلى هذا الأمر ويجتمعون عليه نظراً، ولو لم يكن لهم نصيب يذكر من العلم

بالحديث النبوي الشريف.

وينبغي التنبيه إلى تغير المصطلحات بمرور الأزمنة، واختلاف مدلولاتها

بين عصر وآخر عند كثير من الناس.

وإذا كان الأئمة - يرحمهم الله - يطلقون على أهل الحديث - في الماضي

- أنهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فإن اصطلاح أهل الحديث قد ضاقت

دائرته عند الكثيرين حتى صار عَلَماً على فئات تكون من أهل الحديث، ولكنها

ليست أهل الحديث.

ولذلك لا يحسن إطلاق (الفرقة الناجية) على فئات محددة تتسمى بأهل

الحديث، وإن كانت هي - فعلاً - من أهل الحديث، بل ينبغي إعادة هذا الاصطلاح إلى مفهومه الموسع الصحيح [15] .

* وإذا لاحظنا فيما سبق أن مفهوم (أهل السنة والجماعة) يلتقي مع مفهوم

(السلف) ، فإن مفهوم (أهل الحديث) أو (أهل الأثر) بالمعنى الواسع لا يخرج عنهما كذلك، ولذلك لم يكن مذهب السلف أو أهل السنة مذهباً جديداً مبتدعاً، بل هو المنهج الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان، وكذلك سائر الأئمة، وإنما تميزوا - فيما بعد - بهذا اللقب أو التسمية في مقابل أهل البدع والأهواء والفرق المخالفة، ومن هنا جاء الحديث عن عقيدة أهل السنة والجماعة.

فإذا لم يكن ما يدعو للمقابلة والتميز لعدم وجود ما يناهضها، يعود الحديث

عندئذ عن العقيدة الإسلامية، هكذا بعامة، والله الموفق.

(1) 3/95.

(2)

ص 239.

(3)

نموذج من الأعمال الخيرية، لمحمد منير الدمشقي ص (10-11)، وانظر: الكليات لأبي البقاء 3/34.

(4)

انظر: كشاف اصطلاحات الفنون: 4/15، الكليات: 3/34.

(5)

قواعد المنهج السلفي، للدكتور مصطفى حلمي ص (23) .

(6)

انظر: لوامع الأنوار البهِيَّة: 1/20، ونموذج من الأعمال الخيرية، ص (11 - 12) ، الحجة في بيان المحجة 2/473-476.

(7)

المراجع السابقة، وانظر: السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (10-11) ، أهل السنة والجماعة، معالم الإنطلاقة الكبرى ص (51-52) .

(8)

المراجع السابقة، والفرق بين الفِرَق للبغدادي ص (318-322) .

(9)

انظر في هذه المعاني السابقة: نموذج من الأعمال الخيرية ص (12- 17) ، الوصية الكبرى لابن تيمية ص (63-64)، فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: 3/162-163، الاعتصام للشاطبي: 1/220، ما بعدها.

(10)

انظر: الباعث الحثيث لابن كثير ص (17) .

(11)

اخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث، كتاب الأذان: 2/111 وفي الأدب: 10/438.

(12)

تحقيق معنى السنة للسيد سليمان الندوي ص 20-22.

(13)

انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص 2-4، الحجة في بيان المحجة للأصفهاني: 2/220-236، شرف أصحاب الخطيب للبغدادي ص 8-11، فتاوى شيخ الإسلام: 4/91-95، قواعد الحديث للقاسمي ص 60.

(14)

وإن كانت تطلق أيضاً على مدرسة الكوفة الفقهية، التي يمثلها الحنفية فيما بعد ولكن ليس المراد بهم عند المقابلة بأهل الحديث فقهاء الحنفية، وأنما يراد بهم المعتزلة وأهل الكلام ويؤيد هذا أن مدرسة الكوفة والحجاز كلتاهما (الحنفية وأهل الحديث) تعتمدان على القرآن والحديث، وكذلك يقولون بالرأي بدرجة متقاربة وصور متشابهة، ويشهد له أيضاً: أن ابن قتيبة رحمه الله، وهو صاحب الهجوم الشديد على أهل الرأي، عد منهم - في كتابه: المعارف - الأوزاعي، وسفيان الثوري، والإمام مالكاً، وهؤلاء ليسوا من مدرسة الحنفية أو الرأي على ما هو مشهور انظر: الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث للدكتور عبد المجيد محمود ص 21 وما بعدها، المعارف لابن قتيبة ص 494-499.

(15)

صفة الغرباء، للشيخ سليمان العودة ص 118.

ص: 29