الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملف الأدبي
الحداثة بين التعمير والتدمير
د. حسن بن فهد الهويمل
الثابت من خلال المتابعة أن الحداثة ذاهبة لا محالة، وأن أشياعها سيوفضون
إلى نصب جديدة تقيمها الحضارة المهيمنة، ويقيني أن العالم النامي المسكون
بالتبعية وقابلية الاستجابة يتهيأ لاستقبال (ما بعد الحداثة) وهو مذهب نشأ قبل
خمسين عاماً وبطأ به انشغال المسرح بأدوار الحداثة في ظل إذعان كرسَّه الانبهار
وفقد الثقة والشعور بالنقص. حتى ضاعت الهوية وانطمست المعالم وتلاشت
الخصوصية، ولا مراء في أن الأخذ بعصم المتغيرات قبل وعيها سمة الضعف
والدونية والرداءة.
وما لا ننكره أن الغرب تخطى المقاعد الخلفية، وهب من رقاد طال أمده،
ونهض من تخلف استحكمت ظلمته، ونفض عن نفسه وضر الخرافة وانسلخ من
ماضيه واستقبل حياة مجردة متحررة من كل سلطان، وشكل حياة جديدة خلصته من
عصور التخلف التي حاربت العلم وأحرقت الكتب وربطت الناس بطقوس دينية
ثقيلة.
عمل كل ذلك لحياته الدنيا وحين رفض الآخرة رفضته الأولى وذلك سر
اضطرابه وتدهور حياته.
ولن تتأتى لمشرقنا العربي ممارسة التجربة الغربية لأن له عقيدة ورسالة
وموروثا، تشكلت منها حياته التي خاض بها تجربة التفوق والتألق، ولم يعش
فراغاً فكرياً، وتخلفه وضعفه العارضان نتيجة تفريطه بمؤهلاته القيادية. وحين
أدرك الغرب ببقايا صليبية وطوفان استكباره وهاجس تخوفه أن المارد منتفض لا
محالة، أفاض عليه بسقَطِه وحَشَفِه وسوء كيله ليظل مقطورة مسيرة لا مخيرة.
ومن مصائبنا الجسام قيام بعض المفكرين العرب بترسم خطى المصطلح الغربي ظناً
منهم أن التجربة الناجحة في الغرب سيكتب لها النجاح في الشرق. وتحرر الغرب
من عصور التخلف، ونجاحه في عملية الانفلات من قيوده حمله على جرأة التغيير
والتدمير وامتد وباء التغيير إلى الفن حيث استعذب التخلي والمغامرة بحثاً عن
عرض الحياة الدنيا المحصورة بين رحم الأم ورحم الأرض على حد قول الحق
عنهم [إنْ هِيَ إلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ومَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ][الأنعام 29] .
والراصد للتحولات يصاب بالذهول لتتابعها واستشرائها في مجال الفكر
والسياسة والاقتصاد والتربية وعلم النفس والأدب، ففي مجال الفن نهضت
الكلاسيكية ماثلة بالمحافظة على القيم والمعايير القديمة، ولكنها هدمت ليقوم على
أنقاضها مذهب رومانسي تسامى على عقلانية عصر التنوير متجهاً إلى حدس
التوصف رافضاً الموروث في اللغة والشكل والمضمون، ولم يطل مقامهم في
رحابه، لأنهم لا يصبرون على طعام واحد، فألحقوا الرومانسية بالكلاسيكية
ونبذوهما معاً وراء ظهورهم سخرياً ليستقبلوا (البرناسية) وما تلبثوا في مداها إلا
قليلاً، فقد ملوا من لغو الحديث لذاته.. ثم أوجفت عليهم (الواقعية الاشتراكية)
بخيلها ورجلها واستمر ينتابهم طائف منها في مختلف تحولاتهم، وهبت وثنية العلم
تقلب لهم الأمور، فتفتقت أذهانهم عن أدب رمزي سداه الذات والموضوع، ولحمته
العالم العلوي فجسد لهم ضعف الإنسان وقلقه. واتخذ لغة الإشارة والإبهام لغةً بديلةً
عن الوضوح؛ ولما اشتد ساعد الرمزيين أفاضوا إلى (الدادية) واتخذوها احتجاجاً
على القيم والمؤسسات والمنطق فغمرتهم بطوفان القلق والتشاؤم والبَرَم بالحياة
والشك بكل شيء، واستفحل داء العبثية وتشكلت السريالية بتلقائيتها المتحررة من
العقل والقيم والجمال والشعور، وتحقق في ظل سيادتها أحط دركات الفوضى.
ومنها هبت رياح (المستقبلية) متأثرة ببقايا الرمزية وجاء (التصويريون) بصور لا
تتعلق بمعنى ولا عاطفة، وعطلوا التوصيل، وركزوا على الإيحاء والغموض،
ونهض (التعبيريون) بثورتهم ضد الفن السائد، معتمدين على تشويه الملامح
البارزة. وعلى سفوح المذاهب شبت نوابت سوء أدركها الضياع بعد ما أفسدت
الأذواق وعطلت مهمات الكلمة الطيبة وأفقدت الأدب هدفه السامي وغاياته النبيلة.
وتشعبت المذاهب الأدبية، يتجه بعضها إلى الشكل لإيمانه بجمالية الفن وإمتاعه،
ويأخذ بعضها الآخر بعصم الموضوع لإيمانه بنفعية الفن وتوجيهه. وسمع الناس
دوي المصطلحات وصخبها وتداخلت التحولات واختلطت المذاهب، ولم تقم بينهما
حواجز ظرفية تميز بعضها عن بعض، كما لم تقم في الساحة ثوابت وقناعات
يرجع إليها عند الاختلاف. وأقبلت الشيوعية بإلحادها، والرأسمالية بأنانيتها،
وهبت أعاصير الوجودية بعبثها. وقامت صراعات طاحنة بين رؤوس الفتنة،
واختلطت الأمور، واختلت الموازين، وسقط الفن في وحل الصراع، وطاف عليه
وعلى اللغة طائف (البنيوية) يُشرِّح، ويُحوِّل ويفكِّك، وتلقفها الشرق والغرب،
ووجدوا فيها ضالتهم لأنها تًمنِّيهم وتعدهم بالإنقاذ من معضلة النشأة الأولى، وامتدت
إليها يد الملاحدة لينسفوا بها كل منجزات الفكر الإنساني وارتفع مكاؤهم وتصديتهم
بعد ما اكتشفوا الخلية، وضاع رشدهم عندما سئلوا عما قبلها. وبلغ الفن دَرَك
التشتت والضياع بعد طرح مصطلح (الحداثة) ، وفيما بين هذا وذاك نسمع ونرى
مذاهب شتى لها انتفاخ الأسد وضآلة الهر. ويطل عالمنا يستهلكه التلقي الأبله
والتبعية المنضبطة، يركض وراء كل بارق، ويحارب تحت كل راية، ليس له
قضية محددة ولا هدف معين، ولا خصوصية متميزة، يؤمن بمعادلة كاذبة أطلقها
الحاقدون وصدقها المغفلون، فإما الإسلام والتخلف؛ أو العلمانية والتقدم، وأشاعوا
بأن الخطاب الإسلامي برداءته وإسفافه ومرجعيته يقف في وجه المستجدات
ويحارب العقل، ويشل التفكير. والحق أن العقل شرط التكليف، والتفكير فريضة
إسلامية. وجرَّت (الحداثة) وابلاً من إشكالياتها تمثلت في تعددها واختلاف
الحداثيين حول مقتضيات كل حداثة ومداها في التغيير، فالحداثة لم تكن أحادية
اللغة فكل قومية لها لغتها.. وكل لغة لها حداثتها. ولم تكن أحادية الأصل والتراث
فلكل قوم أصولهم وأسلوب التعامل مع هذه الأصول. ولم تكن نتاج مرحلة زمنية
واحدة، فعمرها يمتد مع الزمن الماضي، حتى أن رموز الحداثة العربية التمسوها
في اتجاهات تراثية متباينة. فهي عند أبي تمام لغوية، وعند أبي نواس عبثية،
وعند الرومي عقدية، وعند المتنبي ثورية، ومن ثم فهي مترامية الأطراف مختلفة
الألسن متباينة الأصول، ومتناقضة العقائد، فلكل رمز من رموزها حداثته.. ولكل
عصر حداثته، وهناك حداثة مطلقة وأخرى مشروطة، وحداثة إبداع، وحداثة فكر.
وتبعاً لهذا جاء تركيبها معقداً، واستوعبت كل المتناقضات وأصبح من
المجازفة إطلاق الأحكام العامة في سياق الإدانة أو البراءة.
واتساع نطاق الحداثة وتعاقب المنظرين واختلاف ألسنتهم وألوانهم ومشاربهم
وخلفياتهم الثقافية والعقدية هيأ للخلاف البين حول رسم خارطة لها.. ولو أتيحت
متابعة متأنية لطروحات الدارسين لكنا أمام كم هائل من الحداثات حتى أن بعض
النقاد يشك في قيمة المصطلح كأداة نقدية نظرية، ولكن غبش الرؤية لا يمنع من
تسليط الأضواء على المقترفات. ونحن في عالمنا العربي نتلقى هذا الفيض،
ونتمثل هذا الخلاف فنقول مثل قولهم، ونختلف كاختلافهم، حتى لو دخلوا جحر
ضبٍّ لدخلناه، وعلى المناهضين للحداثة أن يتلبثوا في أحكامهم، لأن الحداثة
العربية خليط من حداثات شتى، تسربت من كل جهة، ونسلت من كل حدب.
وفي إطار هذه التحولات المتلاحقة لن نستطيع إعطاء صورة سوية مقرؤوة
الملامح (للحداثة) ، لأنها تنتمي إلى مفاهيم متغيرة متناقضة. كالمفهوم التاريخي،
واللا تاريخي، ويسمى بالمكونات اللا زمنية، والمفهوم العقدي والفني. وإذ لم تكن
أحادية الظرف واللغة والثقافة والحضارة والدين جاء مصطلحها إشكالاً متنامياً بذاته. فالربط الزمني يحوله إلى صراع القديم والجديد مما عرفه أسلافنا: كأبي عمرو
بن العلاء والأصمعي والمبرد وابن قتيبة، والربط الدلالي يحوله إلى مقابل دلالي
هو (القِدَم) ، والربط التشكيلي يحوله إلى مناحي التجديد في الصورة والوزن
والأسلوب. وكل هذه الروابط لا تحسم جدل الحداثة، لأن جدلها عقدي حضاري
فلسفي قبل أن يكون فنياً. ومقتضيات المصطلح الغربي أخرجها من كل أطرها
الفنية، ليورطها في ممارسة منحازة تدعي الاستجابة للانفجار المَعْرفي، مما
يستتبع تفجير اللغة والبنية والدلالة، ومن ثم يتغير موقف الفن من الله والإنسان
والكون.
وعندما ناشد بعض منظري الحداثة بوضع فلسفة لها، وقدم مشروعاً يقوم
على تشكيلها من الفلسفات (الوضعية)(والمثالية)(والواقعية) ؛ تساءل أحد
الباحثين بسخرية مضحكة: (أيَّة وضعية تعني: أتعني وضعية) أوغست كونت (أو وضعية) مور (أو الوضعية المنطقية
…
وأية مثالية تعني: هل تعني المثالية
…
الذاتية. مثالية) فيخته (أو المثالية الموضوعية مثالية) سللنغ (أو المثالية المطلقة مثالية) هيجل (أو المثالية المتعالية مثالية) كانت (أو المثالية الإشكالية مثالية (ديكارت) . ومع كل الصعوبات ما برح الوسطاء والتوفيقيون يخو ضون جولات مرهقة للقضاء على عنصر الرفض، وردم هوة الخلاف، وتجسير الفجوات القائمة بين الحداثة الغربية ومطالبنا الملحة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولم يفكروا في تشكيل حداثة تحافظ على خصوصيتنا، وتستجيب لمطالبنا، وتنسجم مع قناعاتنا وثوابتنا، بحداثة تحترم ذوق المتلقي، وتملأ فراغ نفسه، وتوقف نزيف الكلمة الطيبة المنحورة على نصب الغموض والنثرية وعبث القول.
وفي سياق التبرير والتوفيق نسمع وصف (الحداثة) والتحديث والتفريق بين
التجديد والتجدد، والاحتذاء والتجريب. ونضيق من الإسراف في ضرب الأمثال
وتناسي جوهر الأشياء وما تفضي إليه، والقول بأن الحداثة مطلق التغيير، وتقدير
حتمية التجديد، وتناسي ذلك عند التطبيق.
والكلمة.. وتفسير الكلمة لا يحل الإشكال. وإذ نؤمن بالتجدد وضرورة
التجريب يجب أن نضع لذلك ضوابطاً وشروطاً فيها اتساع ومرونة. فالتجريب
بدون ضوابط عبث، والتجريب بدون انتماء ضلال، والتجريب دون ثقافة ووعي
تخريب. والعبث والضلال والتخريب مرتكزات الحداثة التدميرية ومنطلقاتها. وإذا
أردنا مواكبة المستجدات والفكاك من العزلة والانكماش، فلا بد من التحرك في
إطار الانتماء والضوابط والثقافة والوعي، ويكون الانتماء باستصحاب مقتضاه
[الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ][آل عمران 191] ، [كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ] ، [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ][آل عمران 139] ، [واعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] [الحجر 99] . ولا تكون الثقافة إلا باستيعاب الموروث
وتمثل الطارىء. ولا يكون الوعي إلا بفهم المرحلة المعاشة ومعرفة متطلباتها.
وبهذا كله نستطيع التفكير في (أَسْلَمةِ الحداثة) وجعلها إشكالية عربية متحاشية
التورط في الإلحاد والرفض والتصدي للإسلام واتهامه بتزييف الوعي وسخافة
الخطاب، في سبيل تحديث الإسلام لأسلمة الحداثة.. وإذ لا ننكر وجود تحولات
في كل أوجه الحياة؛ فإن الأدب شعره ونثره طرأ عليه تجديد واضح وملموس
أدركه علماء القرن الثاني، ورفضه بعضهم وسماه بالمحدث، ومع المقاومة العنيفة
والتصدي القوي غلب الجديد لأنه سنة الحياة التي لا تتبدل ولأن لكل زمان ذوقه
وتطلعاته، فهلا نطلق كلمة حداثة على هذا اللون من الأدب، أو أن من لازم شيئاً
اشتهر به، وملازمة الحداثة للمخالفة المرفوضة حددت مفهومها. مجرد سؤال.
فلربما يقول البعض: إن رفض هذا الإطلاق من باب كف الغيبة ودفع الشبهة
والابتعاد عن الحمى على هدى: [لا تَقُولُوا رَاعِنَا وقُولُوا انظُرْنَا][البقرة 104] ،
فالنهي لا يرتبط بالمدلول الوضعي لهذا الجذر العربي، وإنما ينظر إلى ملابساته
وسياقه وظرفه. وعلى غرار (الكافر) للمزارع (والغائط) للمنخفض من الأرض.
فتحامي الاستعمال لتلبس الدلالة، ولما كانت ملابسات الحداثة بهذا الشكل
رفض البعض إطلاقها تلافياً للتوهيم. وقبل أن نختلف حول قبول المسمى أو
رفضه، لا بد أن نفهم جذور البلاء، ونستبين ملامح الدعاة فكم من دعاة على
أبواب جهنم. ولا يتم ذلك إلا بفهم متكامل لطبيعة الصراع بين الإسلام وسائر
القوى المضادة منذ أن وقف المنافقون واليهود في وجه المهاجرين والأنصار إلى
يومنا هذا. ولا يتم إلا بفهم شامل ودقيق للبعد الثقافي لكل الفترات ولكل
الشخصيات التي تركت بصماتها واضحة في مسار العالم الإسلامي، ابتداء من
الحملة الفرنسية، ومروراً بمحمد علي وأتاتورك، ثم بالعلماء والأدباء والمفكرين
الذين اختلفت فيهم الآراء، ومعرفة فصائل الصراع ودوافعها والممول الفعلي لهذا
الصراع وسبر أغواره وفهم منازعه. ومع كل هذا يجب استبعاد سوء النية
والتخلص من عقدة الغزو الثقافي فليس من صالحنا أن نعيش هذا الهاجس في كل
مواجهاتنا، وأن نعتبر أنفسنا في حالة حرب مستمرة مع الطرف الآخر. إن هناك
غزواً ولكنه دون الشمول الذي نتصوره، وبالتالي فليست كل ممارسات الغرب من
باب المكيدة، وفهمنا الصحيح للغزو يحدد أسلوب تحركنا وتعاملنا، وفهمنا للدعوات
يكشف الهدف من قبل التورط في النتائج.
ولو أننا فهمنا جذور البلاء وميزنا بين الغزو والتبادل لحلنا بين العدو وبين ما
يشتهي، ولتخلصنا من داء العزلة والتبعية. إن إمكانات العصر أدت إلى سرعة
الاتصال وتعدد قنواته وتداخل حاجاته وتلاحق متغيراته. وكل ذلك أسهم في تصعيد
مشكلة التصور، وأفضى إلى خلافات لا تخلو من الوهم والتفاهة والهامشية. (والحداثة) في سياق طروحات الغرب اختلفت حولها الآراء، والثابت أنها تستمد
لحمتها وسداها من واقعها المعاش، ومن ثم فإن لكل زمان، ولكل أمة، ولكل ثقافة
(حداثة متميزة) . هذا ما يجب أن يكون، أو ما هو كائن عند غير المقلدين، فهل
نملك القدرة على بلورة (حداثة عربية) ذات شخصية متميزة تصد وباء الطارىء
وتغني شبابنا عن الركض وراء سراب القيعان، وتطوق مكائد الأعداء ومكرهم
وتفسد عليهم حيلهم.
حداثة ذات ملامح عربية وإسلامية، ثم لنسمها ما شئنا حداثة أو معاصرة أو
تجديداً. ثم أنملك - وذلك أضعف الإيمان - القدرة على تحييد الحداثة القائمة من
عبثية التدمير. أم أنها عالمية الانتماء علمانية العقيدة، ثورية الحركة. ودورنا
يقف عند التلقي.
إننا نسمع بإمكان بلورة حداثة عربية، ونسمع من يؤكد هذه الهيمنة الغربية
على الحداثة العربية، ومن يناقض نفسه فينظر إلى إشكاليتها التراثية من خلال
محورين: أحدهما باركه ابرت قتيبة والمبرد وابن جني وابن رشيق. محور
التجديد الدلالي واللغوي والتجديد في البناء والصورة والأسلوب. ومحور التمرد
على الأعراف، كما هو عند الصعاليك، والتمرد على القيم والأخلاق كما هو عند
الخمريين، والمجان، والعلمانيين، والتمرد على السلفية كما هو عند شعراء الفرق، والتمرد على السلطة كما هو عند شعراء الطوائف، ومحور التمرد على الأعراف
والسلفية والأخلاق والسلطة يمثل الحداثة الحقيقية عند رموز التدمير. ونسمع من
ينادي بضرورة ربطها بحداثة الغرب ومن يراها جزءاً من مشروع حضاري شامل. وتلك المقولات المشبوهة تقف دون مشروع حداثة عربية وفصلها عن سياقها
الاجتماعي والتاريخي والحضاري في الغرب. وحين نتفق على تعريب الحداثة
وأسلمتها - ولا أحسبنا متفقين - فمن المخول بوضع شروطها وتحديد أبعادها
الدلالية والفنية؟ وتلك مشكلة لم تنشأ بعد.
وإذا كانت الحداثة في الغرب متلوثةً بمادية الماركسيين وإلحادية الوجوديين
فإنها في الشرق متلوثة بباطنية الهدامين ومادية المخربين وصليبية الحاقدين
وعلمانية المارقين.
وفي إطار هذا التورط، أنقدر على التوفيق بين وجهات النظر، ونتخلص من
تطاحن الأجيال ونطرح بديلاً يقوم على أصالة قادرة على المقاومة والتماسك في
مواجهة الطارئ؟ أم نتسلل لواذاً ونفضل التخلي عن جذر عربي للأعداء ينتزعونه
كما انتزعوا غيره على مر التاريخ العربي المدان بالتخلي الجغرافي والفكري. إنها
مشكلة يجب أن نفكر فيها جيداً قبل أن نتخذ القرار بالرفض أو القبول، لأننا مللنا
الخلاف والشجب والتناحر الكلامي، وحان الوقت لنلتقي على كلمة سواء ترأب
الصدع، وتفك الاشتباك، وتعيد لنا بعض ما فقدناه.
لقد تفرق الناس على مواجهة الحداثة إلى أصناف ثلاثة تذبذبت الحداثة عندها
بين التصنيم والتجريم والتحتيم. ففئة ترفضها بلا تفصيل، وتتهم أربابها، دون
استثناء، ولا تقبل بالمفهوم العام للتجديد والمعاصرة على سنن من قبلها من أدباء
وعلماء، ولا تفرق بين من يقبلها مفهوماً للتجديد الفني الخالص، ومن يتورط
بمدلولها الدنس وتدنيها المادي، وهذا الصنف تحركه عاطفة جياشة متقدة وتدفعه
نار متأججة، وتتحكم به رؤية غير واضحة؛ ومع عنف المواجهة وصرامتها فإن
العائد ضئيل والأثر وقتي. أما الصنف الاخر فخليط عجيب مريب من المشبوهين
والإمعات والتبعيين وعشاق الشهرة بالمخالفة، وهذا الصنف يحمل جراثيم متنوعة
لا يقضي عليها بوصفة علاجية واحدة لأن فيها مريض القلب، وضعيف الإيمان،
والمتردد، والمستجيب ببلاهة والشاك القلق، ومهزوز التصور والجاهل المستكبر،
والمتردية والنطيحة، والموقوذة وما أكل العدو.. والتصدي لهذا الخليط من
الفصائل - متفرقين أو مجتمعين - يتطلب الفهم والقوة والدراية والدربة في إطار
منهج دقيق وتحرف حاذق وأسلوب متكافىء للمجادلة والمحاجة، فالمخربون لا
يتحركون بهمجية ولا ينطلقون من فراغ، إن فيهم أساطين فكر يعرفون الحق ولكن
الهوى أصمهم وأعمى أبصارهم، وفيهم من يخبط كالعشواء في مجاهل التيه لا
يلوي على شيء من الوعي أو العلم بل سمع الناس يقولون شيئاً فقاله، ومشكلة
الواقع العربي استفاضة هذا النوع الذي يرفع رصيد الإمعية والغثائية وقابلية
الاستجابة لكل ناعق.
وثالث الثلاثة فئة تزودت من الثقافة بمفهومها الواسع، وتضلعت من التراث، وفهمت الحد المقبول من المعاصرة، وألمت بالمرحلة ومقتضياتها، وكشفت من
مكائد المقنعين والمندسين للوقيعة والفتنة وعرفت المدى المتاح للتغير والتجديد، ولم
تعر السمة أهمية بل نفذت إلى الجوهر، وجاء صراعها وتصديها متكافئين مع قوة
الخصم ومكره وخطورة الطرح المضاد، ومشكلتها الصراع الجانبي مع المتصدين
للأحداث عاطفياً، الذين يجهلون بعض الملابسات ويحرصون على تكريس الكيانات
وتنمية الصراع المذهبي. والحرص على التآلف لا يمنع من كلمة الحق، وواجبنا
الديني يقتضي الصدق والصراحة.
فالغاية واحدة والهدف مشترك، واختلاف المناهج يشفع له اتحاد الغايات.
وعلى المتخاذل في مواجهة الباطل والمتردي والمندفع باهتياج أعزل أن يقدروا
جميعاً المواقف غير المتضادة فكل إنسان مسؤول عن القول والصمت، [مَا يَلْفِظُ
مِن قَوْلٍ إلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] [ق 18] ، [وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ
وشَهِيدٌ] [ق 21] .
وما أريد تأكيده في هذا الموقف أننا حين نتحدث يجب أن نفكر بمسئوليتنا
الشاملة، فليست مهمتنا مقتصرة على الأقربين، فالعالم الإسلامي وحدة لا تتجزأ،
ومن لم يحمل هم أمته فوق كل أرض وتحت كل سماء فما أدى مسؤوليته، وعندما
نعرض مشاكلنا ونصنف الناس فإنما ننطلق من تصور شامل للمسلمين وهمومهم في
الداخل والخارج، وخدمة العقيدة ليست وقفاً على فرد أو جماعة وليست خاصة
بموقع دون موقع. فكل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام، ومهمته أن يحفظ هذا
الثغر بكل ما آتاه الله من قوة وفق ما يراه مجدياً في هذا السبيل، وعلى المرء ألا
يكلف نفسه فوق طاقاتها، ودخول المعركة الفكرية بدون سلاح فكري متكافىء
تمكين للخصم وتكليف للنفس، والتصدي للفكر المضاد مناطه القدرة.
وإذا أردنا مصداقيتنا الاستمرار فعلينا أن نتخطى التعميم والتشهير وعشوائية
التصدي وأن نتجه بأناة وروية إلى الجانحين في إبداعاتهم أو في تنظيرهم لتنبيههم
وأخذهم بما اقترفوا، وتلافي إطلاق الأحكام العامة على أي مذهب يختلف حوله
الناس، وتختلف الفئة في إطاره، لأن في ذلك إفلاتاً للمذنب.
وصراع المذاهب معروف وقائم لا يستنكره أحد لأنه قد يحمل على التعصب
والهوى والمنافسة، فلا يكون له وقع ولا أثر، والمصرون على الحنث يجدون في
التراشق المذهبي فرصة ادعاء أن الخلاف من باب التنوع لا من باب التضاد.
والصراع الفكري يكرس المذهبية، ويقيم الكيانات، ويجعل الولاء والبراء للمذهب، فما الداعي لتجاوز نص الإدانة وخصوصيته إلى أفق المذهب وعموميته.
والصراع المذهبي قد يحيد بنا عن العدل في الحكم، ونحن مطالبون بالعدل،
والعدل صنو التفكير العلمي الذي لا يقبل الارتجال ولا التعميم ولا الانطباعية،
ومن مقتضياته تحديد الأحكام، وأخذ الأمور بقوة الفهم ودقة التصور، ومواجهة
الظاهرة بعقلية مستنيرة متفتحة تتيح الفرصة لعرض مفردات الظاهرة. والتبين
مطلب إسلامي ولا يعيب الحق مصدره، والمصطفى بخلقه العظيم أثنى على حلف
الفضول، وهو حلف جاهلي، وإذا بدت ظاهرة أدبية أو فكرية فعلينا محاكمتها
بصرف النظر عن مصدرها، فإن صحت قبلناها؛ وإلا رددناها. ولعلنا على علم
بنغمة حوار الحضارات، وقبل الدخول في دوامته لا بد أن نعرف مهمتنا في الحياة
وهويتنا وخصوصيتنا. فحوار الحضارات لا يعني التخلي عن ثوابتنا، ولا يعني
اللجاجة ومصادرة حق الطرف الآخر. والمحق في كل زمان ومكان حاجته إيصال
صوته، وإذا لم يذعن المبطلون لهذا الصوت فإنهم سيضيقون به ذرعاً، لأنه
صوت الضمير الحي والفطرة السليمة. والاستجابة لهذا الصوت آتية لا محالة،
فعلى صاحب الحق أن ينفي خبث اللجاجة عن صوته، وأن يقف حيث يتم
التوصيل. والمرتجفون من صوت الحق يتواصون فيما بينهم [لا تَسْمَعُوا لِهَذَا
القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت 26] ، لأن صوت الحق إن لم يغلب
أوهن الخصم وخلخل حشوده، وما دمنا أصحاب حق فإن علينا أن نقتصر على
التوصيل. والفكر الإسلامي في مواجهته لكل التيارات بحاجة إلى الهدوء والأناة
والملاطفة [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ][النحل 125] ،
وبحاجة إلى تلافي صراع النجومية الذي يحوله إلى أداة تصارع من أجل الكسب لا
من أجل التصحيح. وبحاجة إلى تلافي صراع المذهبية الذي يحول الولاء والبراء
للكيان ولأعلامه. وبحاجة إلى فهم الطرح، وتمثله سلوكاً ومنهج حياة وفهم الطرح
المضاد، والاعتراف بحقه إن كان ثمة حق في بعض مفرداته، فالاعتراف بحق
الغير دعم للمصداقية. ويحتاج أيضاً إلى عقلية مستوعبة تفهم المرحلة ومتطلباتها،
وتدرك حجم المواجهة والامكانيات المتاحة. وتدرك قبل هذا وبعده ما يحاك داخل
أوكار الماكرين لمعرفة المنحرفين الذين ينسلون من كل حدب ليندسوا في الصف
الإسلامي وراء قناع الغيرة على الإسلام والدفاع عنه. وما الصهيونية والماسونية
والعلمانية والماركسية والرأسمالية والوجودية والباطنية وسائر النحل المنحرفة إلا
تشكل معاصر لجيش الفتن الذي فرق بين كلمة المسلمين وجعل الصحابي يشهر
سيفه في وجه أخيه. وما علينا لو أعدنا قراءة التاريخ لنتزود من مواقفه، فالتاريخ
قد يعيد نفسه، وقد نسمع ونرى ابن السوداء ماثلاً أمامنا يشعل الفتنة ويغرر بالناس. فلنأخذ حذرنا ولنعرف أن زماننا المواتي لن يترك فنحن أصحاب نعمة واستقرار
ورخاء. وهل هناك نعمة تتكافأ مع نعمة الإسلام.
الملف الأدبي
مقدمة في بناء الرواية
د.مصطفى بكري بن محمد السيد
- 1 -
مكتبة علوم القرآن، معجزة أخرى لهذا الكتاب العظيم، تتمثل في نهر
…
المعرفة المتدفقة التي فجرتها آياته وكلماته منذ لحظة نزوله الأولى وحتى النصف
الأول من الألف الثانية من عمره المبارك، هذا ما كان في المضمار الثقافي، أما
في الميدان العملي، فما زال يبعث في الأمة أملاً متجدداً وعزة قعساء [1] ، لا ترى
فيما يجبهها أكثر من كبوة عابرة ومحنة زائلة، لأنها تجد في تاريخ البشرية الممتد
فوق جباه القرون لوحات ناطقة، مواعظ وعبراً، إنشاءً وخبراً، وكم أرخت هموم
الحياة سدولها على واقع المسلمين حتى قال أعداؤهم: هذه مُهلكتهُم، فيُقيِّض الله
لهذه الغمة رجالاً ينكشف بهم الضر ويصححون العلاقة بين الأمة والقرآن، بتقديم
الدراسة الواعية والقراءة العميقة، التي تجعل منه سوراً منيعاً أمام محاولات
الاجتياح الثقافي والانكسار الحضاري.
لقد كان القرآن الكريم مصحوباً بالحديث الشريف أمام كل انتصار ووراء كل
وثبة للأمة الإسلامية؛ وكان العلماء هم الطليعة في كل الزحوف، ولم يكن أعداء
الدين جاهلين مصدر قوة المسلمين وتماسكهم، ففكروا وقدروا ثم فكروا وقدروا
فرأوا ألا مُكْنة [2] لهم في إدخال الزيادة أو النقصان على حروفه وكلماته وسوره
وآياته لأنه محفوظ في حرز حريز إنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول:
[إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ][الحجر15] ، فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى:[والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ][المائدة 44] ، أي بما طلب إليهم حفظه، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد وأن هذا القرآن جيء به مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه [3] ..
(وكم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا
القرآن وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر
أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا
عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] [الأنفال 36] ، ذلك بأن
الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [4] .
إن أكبر مصيبة تحل بالمسلمين هو أن يحال بينهم وبين كتاب ربهم وسنة
نبيهم، وذلك عندما يُقرآن قراءة لا تتأسس على أصول السلف ولا تستصحب معها
رؤى العصر، إن ذلك عندما يحصل يجعل من المسلمين أمة بلا هوية، ويفقدهم
الشهادة على الناس لأن الحياة لا تستأمر غائبين، ولا تستشهد مغيبين.
- 2 -
وإن من أكبر الجهاد إعادة تشكيل العقل المسلم وبناءه على معايير النصين
المباركين في كل شؤون الحياة الحاضرة والتي يعد الأدب المعاصر أحد أهم روافدها، وفي التجهيز المعنوي والأسلوبي للأدب ما يؤهله ليوفر المساندة الفعالة لتصحيم
مسار الحياة الإسلامية، وإيقاف التداعي المؤسسي والخلل البنيوي في جهدها
وجهادها، وإذا كانت أفعالنا أبناءً لأفكارنا فإن دور النص الأدبي في مملكة الفكر
يأتي بعد النص الشرعي مكوناً أساساً للبنية الثقافية للفرد والأمة، وفي الثقافة العامة
والخاصة لأية أمة يكمن التفسير الدقيق لفعلها وانفعالها وتخلفها، ومن هنا فالأدب
الذي يكون اليوم أسطورياً، سيكون غداً شخوصاً ودستوراً، ولكم سمعنا عن نبيل
يخال القرار يباعد الأجل فيتحرك محفوظه الشعري ليرده إلى قلب المعركة كما
حصل لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما[5] والمتنبي.
وكم رأينا قائلاً يتوازى إيقاعه مع توقيع [6] الأمة فيتوحد المرسل بالمتلقي
ليصبح عمله الأدبي صوتاً قومياً كنونية عمرو بن كلثوم أو نشيداً إسلامياً كبائية أبي
تمام (190 هـ - 231 هـ) التي جعلت مباشرة الخيار العسكري دليلاً على وجود الأمة وألقت بمؤسسة الكهانة في مزابل التاريخ.
وليست القصة أقل خطراً من الشعر في أثرها وتأثيرها، بل وفي إيثارها من
القراء أكثرهم على بقية الأجناس الأدبية. ففي صياغتها النثرية ما يحرر المبدع من
بعض القيود، التي قد تحدّ من تدفق أفكاره.
ولئن كان الشعر قد أطرب البشرية وأمتعها، فإن النثر قد بلغ مع هذين
الهدفين أهدافاً كثيرة أخرى كالمعرفة والخبرة وتقطير التجربة. والنثر كما كان
أسلوب الكتب المنزلة من الله عز وجل، هو أيضاً لسان الحياة الحديثة، (لأن
الأديب فيه يكون أكثر حرية تجاه اللغة فهو ليس مقيداً بقيود التشكيل الموسيقي
للشعر، والذي تقف فيه (أنا) الشاعر ولغته ورؤيته في الصدارة) [7] .
وهذا رأي كبار النقاد الذين يؤمنون بأن (لغة النثر حمالة للمضمون والمحتوى، وأن قيمتها فيما تحمله من أفكار للتخاطب، ولغة الشعر قيمتها ذاتية، لأنها تهدف
إلى توصيل معان ومضامين، بقدر ما تشكله هي ذاتها من تعبير فني يقوم على
التوزيع الصوتي والموسيقي، والقدرات التعبيرية الصورية أو المادية، أو
الإيحاءات الكامنة الهائلة التي يمكن أن تفجرها الصور الشعرية في ائتلافها
وتلاحمها أو في تعارضها وتنافرها) [8] .
(فالكلمة في الشعر تستخدم بطاقاتها التصويرية، والتشكيلية والإيقاعية،
وليست مهمتها في الدرجة الأولى أن تحكي الحدث، إنما الشعر طاقة انفعالية
وشعورية مكثفة إزاء موقف ما أو حدث ما) [9] .
أما القاصُّ فالمطلوب منه أن يختفي كلية وراء عمله، وأن يفسح المجال
للشخوص كي تتحرك في علاقات محددة، وأن يدع الأفعال تترابط وتتحرك على
مستوى معين، ثم أن يدع الحركة تنمو والزمن يتحرك من الماضي إلى الحاضر أو
العكس، ومن الحاضر والماضي إلى المستقبل ثم عليه بعد ذلك أن يعزز المغزى
البعيد الذي ينسج من حوله الأحداث وتطور الزمن وحوار الشخوص مع بعضهم
بعضاً.
والكثيرون من المبدعين يؤثرونها أي القصة (لأنها أقدر الأنواع الأدبية على
التأثير على الناس أفراداً وجماعات وطبقات وحقباً معاصرة وتاريخية) [10] .
وبتقدم الأمم ثقافياً وفكرياً وإيثارها التأمل على الصوت والتحليل على الانفعال
فمن المحتمل في ظل ذلك أن تقفز القصة لتكون فن المستقبل، وربما صارت
الجنس الأدبي الذي يحتكر القراءة والقراء، إذ فيها من الشعر لغته، ومن المسرح
قضيته. ومضامينها المختلفة تشكل لقرائها ومشاهديها ومستمعيها - عبر وسائل
الإعلام - منظومة معرفية، ودستورية أخلاقية وذوقية، ومعايير محاكمة للذات
والآخر أفراداً وجماعات أفكاراً وتيارات، ولو رحنا نحلل فكرياً وسلوكياً ثقافة
الكثيرين لوجدناها غالباً تنحدر من مقروءاتهم القصصية، ولعل ذلك يجعلنا نفقه
لماذا يأتي نجيب محفوظ في مقدمة المقروئين في مصر يتلوه الشيخ محمد متولي
الشعراوي [11] فهذه النتيجة تفصح عن مكانة القصة والثقافة الشرعية وإن كنا
نرجو أن تتقدم الثانية على الأولى..
إن القصة تفعِّل الموضوع الماضي الحاضر وتخصبه فنياً ليكون المستقبل،
لأن الفنان حقاً لن يذهب إلى عرض الحياة في صورة فوتوغرافية ولكنه سيذهب
إلى عرض صورة أكثر حقيقة وحيوية وكمالاً من الحقيقة نفسها. (وإذا كانت نقطة
انطلاق الروائي هي عالم الواقع، فإن نقطة الوصول ليست هي العودة إلى عالم
الواقع بل إنها إيجاد عالم مستقل له خصائصه الفنية التي تميزه عن غيره) [12] .
وبرؤيتها المستقبلية تكون مسودة التاريخ ومخطط حياة الغد، يقول أندريه جيد:
(لئن كان التاريخ رواية وقعت فعلاً، فإن الرواية تاريخ يمكن أن يقع [13] ، لأنها
كما يقول الفرنسي الآخر (البير كامو) : القصة هي الواقع مصححاً) [14] .
…
(وخلاصة القول إن لغة القصة إذا ما استخدمت بكفاءة بالغة تجعل الماضي
واقعاً معاشاً، وتمتد بالحاضر إلى رؤية مستقبلية مشحونة بالتوقعات، كما إنها
تحمل الإشعاعات العاطفية والفكرية) [15] . وإذا كانت القصة بهذه الخطورة فإن
إنتاجها إنما يكون عبر التأليف أو من خلال الدارسة النقدية (لأن حكمنا على
التجربة هو نفسه تجربة) [16] ..
هذه الإنتاجية لم تعد مغامرة فنية ومشاركة أدبية فحسب، بل مواجهة أداتها
الكلمة المعبأة بالأسلوب المتشبع المتضلع بالمعمار الفني. وأنا لا أصطنع
لأطروحتي مناخاً خيالياً فتكون مجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار، بل أدعو
القارئ الكريم ليتأمل أولاً كلمة القاصّ الرافضي اليساري العراقي المنشق عن روح
الأمة عبد الرحمن مجيد الربيعي (إنني أكتب القصة لأطرح من خلالها موقفي
السياسي والاجتماعي أي أنني كاتب ذو قضية، وإن وسيلتي الناجحة في التعبير
عنها هي هذا الفن الصاعد، القصة القصيرة) [17] .
ثم ليتأمل ثانياً: استعداء الناقد الماركسي القبطي غالي شكري للقاصّ يوسف
إدريس ت (1991 م) على من يسميهم (الأصوليين) وتهييجه أن يترجم سخطه
عليهم في أحد أعماله القصصية القادمة! !
- 3 -
(وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما)[18] .
لقد كان في هذه الحفاوة المبكرة من الرسول صلى الله عليه وسلم بالقصة
ما يؤهل هذا النوع الأدبي، لتتأوج مكانته، وليحتل المنزلة المناسبة لعطاءاته
التربوية والجمالية، والمعرفية فنسبة القصة في القرآن الكريم إلى غيرها من
الموضوعات ما يعزز هذه المكانة إذ نجد أن المساحة التي شغلتها (من كتاب الله
كانت مساحة واسعة، ما نظن أن موضوعاً آخر كان له ما كان للقصة من نصيب،
فالقصص القرآني لا يقل الحيز الذي شغله من كتاب الله عن الربع إن لم يزد
قليلاً) [19] . وتجد في آيات القرآن الكريم من قواعد القصِّ في الشكل والمضمون والمتبوع بالنموذج التطبيقي ما يرفد هذا الفن ويضع بين يديه صُوى [20] ، ليسترشد بها مبدعو الفن القصصي، فقد وصف الله تعالى القرآن بقوله:[اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ][الزمر 23] ، ووصف قصصه بأنها [أَحْسَنَ القَصَصِ][يوسف 3] ، وقد يكون الحديث عن القصة أكثر تفصيلاً، في قوله عز اسمه:[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]
[يوسف 111] . وقوله عز اسمه: [وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ][هود 120] ، فالتاريخ كما هو مدون ومكون للقص مقصود له [21] ، والقرآن الكريم لا يسرد التاريخ سرداً
آلياً، بل يعرضه بأسلوب يتجاور فيه الحق والجمال، ويتحد معه الشكل بالمضمون فيشبع الذائقة الأدبية بلغته الجمالية، ويترع الواعية المعرفية بحقائقه النهائية، وإخال أن الموسوعات التاريخية الإسلامية - في أسلوب تدوينها التاريخي - لم تكن بمبعدة عن النهج القرآني ولا سيما في كتابي (الرسل
والملوك) لابن حجر [22] و (البداية والنهاية) لابن كثير [23] .
فقد كان علمهما بالتفسير يترك بصمات واضحة على عملهما في التاريخ
والعكس صحيح أيضاً، كتبا كمؤرخين وأديبين ومسؤولين تجاه دينهما وأمتهما،
وتناثرت في سفريهما لوحات موحية ولمحات مورقة، لا تمر بالحدث مروراً محايداً، ولا تباعد يبن العلم والعقيدة بدعوى الموضوعية، وهكذا تكون عطاءات القرآن
الأسلوبية، ثروة معرفية أخرى من كنوز هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه..
وإذا كان قارئ الرواية ينتقل من موضعه إلى عوالم شتى من صنع الروائي
نفسه [24] ، فإن دراسة قصة مثل قصة موسى [25]عليه السلام تفتح عين
القارئ على ملحمة صادقة لهذا الرسول عليه السلام منذ ألقت به الأم في لجة اليم
إلى أن تمكن بسلاح الكلمة أن يثل عرش طاغية كان قد أعلن في لحظة مظلمة من
تاريخ البشرية [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى][النازعات 24] ، وبين لحظة الميلاد ونهاية الحياة تطوف بنا الآيات بين مصر والشام وشمال الجزيرة (مدين) ، وهي تتابع مسيرة هذا الفتى قبل أن ينبأ، والذي كان في نفسه شديد الغضب وتوقفنا على شهامته ونخوته عندما يسقي لبنات شعيب عليه السلام، ولا تأخذه العزة بهذه اليد التي يسديها إلى الفتاتين بل ينجلي شكره على هذه النعمة بهذا الحوار مع النفس
[رَبِّ إنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ][القص 24] .
وتستدعي الآيات إلى أبصارنا مسيرة ابنة شعيب عليه السلام تدعو موسى
عليه السلام بحديث خال من تبرج الكلمات، ليلقى والدها عليه السلام،
فيعرض عليه شعيب [*] (أن يجزيه أجر ما سقى لابنتيه، فيجيبه موسى - عليه
السلام-: (إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولانأخذ على
المعروف ثمناً) ، فيعقد له على إحدى ابنتيه مقابل أن يسترعيه ثمان حجج، وبذلك
يدخل مدرسة الأنبياء: (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. فقال صحابته: وأنت؟ فقال:
نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) [26] ..
هكذا تكون تربية الأنبياء، إنهم ليسوا مثل أولئك الواثبين على السلطة أو
المستقدمين إليها دونما رصيد وتدرج في سلم المسؤوليات، فمن رعاية موسى -
عليه السلام للمواشي، (اكتسب الكثير من حكمة النبوة، فلما حان موعد سيناء
كان مهيئاً للنهوض بالعبء الذي لا يصلح له إلا (أولو العزم)[27] .
ونتابع سيرة هذا النبي عليه السلام في آيات القرآن التي تنقل لنا:
مواجهته للكفر المؤسس بفرعون ودولته وما فيهما من سحر ومكر، وتصديه لليهود
الذين كانوا الخصم الألد [28] لدعوته ولكل داع ودعوة، ولقارون وثروته التي
وظفت للصد عن سبيل الله، وغير ذلك من الموضوعات الرئيسية والقضايا الجانبية، خلال حياته التي امتدت حتى بلغت عشرين ومائة سنة [29] ، هذا الزمن الفلكي
الممتد يختصر إلى أبعد حد في (زمن القص) المذكور في السور القرآنية المباركة،
هذه الشخصية التي تبدأ حياتها بفتوة عارمة تسخرها لطاعة الله عز وجل تنتهي
أيضاً كذلك مع ملك الموت: فقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أرسل ملك الموت إلي موسى عليه السلام فلما جاءه صكه..) ، الحديث [30] .
هذه السيرة العطرة جعلت رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يتنازل
تواضعاً أمام إنجازاتها النبوية الفذة فيقول: بأبي هو وأمي (لا تخيروني على موسى
فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا
أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله) [31] .
(*) الراجح أن والد الفتاتين في سورة القصص ليس النبي شعيباً كما هو شائع عند كثر من المفسرين لأن شعيباً لم يكن معاصراً لموسى عليه السلام.
(1)
قعساء: يقال عزةٌ قعساء: ممتنعة ثابتة المعجم الوسيط 2/749 قام بإخراج هذه الطبعة: د إبراهيم أنيس، د عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمد خلف الله أحمد، دار إحياء التراث الإسلامي بدولة قطر.
(2)
ن م رقم 21/882 ومعنى ن م: نفس المصدر أو المرجع، المكنة (بضم الميم) القدرة والاستطاعة، القوة وبشدة.
(3)
النبأ العظيم، ص 3 1 -4 1، د محمد عبد الله دراز، دار القلم الكويت، ط م 1390 هـ.
(4)
ن م رقم 3، ص 44.
(5)
في كتاب أيام العرب في الإسلام، تأليف: محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد اليحياوي - دار إحياء التراث العربي /بيروت و 3/1388 ص 362، (لم يزل الاشتر في هجمته حتى وصل إلى حرس معاوية، وكان معاوية يقول: أردت في هذا الوقت أن انهزم فذكرت قول ابن الأطنابة:
…
أبت لي عفتي وأبى بلائي
…
وإقدامي على البطل المشيح
…
وإعطائي على المكروه مالي
…
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
…
وقولي كلما جشأت وجاشت: مكانك تحمدي أوتستريحي
فمنعني هذا القول من الفرار وفي (نضرة إلا غريض في نصرة القريض) للمظفر العلوي /357، يقول معاوية رضي الله عنه:(علموا أولادكم الشعر، فإني أدركت الخلافة، ونلت الرئاسة، ووصلت إلى هذه المنزلة بأبيات ابن الأطنابة) .
(6)
التوقيع نوع من السير المعجم الوسيط 2/1050 [**] .
(**) المعجم الوسيط غير موثق وأغلاطه كثيرة ولا سيما في الطبعة الأولى
- البيان -.
(7)
الرواية وفن القص /وهو عنوان عدد لمجلة فصول /المجلد الثاني، العدد الثاني، يناير-فبراير-مارس، 1982 ص 14.
(8)
ن م /7، ص 109، مجلد 5 عدد 4، 1985م.
(9)
نقد الرواية، د نبيلة إبراهيم سالم، النادي الأدبي، الرياض، 1400/ 1980 م ص 11.
(10)
ن م 7، ص 182، عدد 0 3، 1991م.
(11)
حديث الثلاثاء، 2/ 341، أحمد عبد المعطي حجازي، دار المريخ للنشر الرياض.
(12)
سيزا قاسم، بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، دار التنوير بيروت، ط أولى 1985، ص 105.
(13)
من بحث مخطوط لكاتب المقال بعنوان: خواطر عن القصة في القرآن الكريم، ص 9.
(14)
المصدر نفسه.
(15)
ن م 7/44، نقد الرواية.
(16)
قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر ص 20، د عز الدين إسماعيل، الناشر: دار الفكر العربي 1980م.
(17)
مجلة فصول، عنوان العدد، الأدب والايدلوجيا، ص108، مجلد 15 عدد 4، 1985م ويعلق كاتب المقال على إجابات بعض الكتاب عن أسباب كتابتهم القصة فيقول: لست أدري لماذا جاءت هذه الآراء الخجولة (لأنها تتحدث عن غياب المغزى عن مخططهم الأدبي ارتقاء بالفن عن أية غاية) ويعلق على كلام الربيعي بقوله: ألا ما أجمل الوضوح والبساطة بغير معاظلة ولا التواء.
(18)
فتح الباري شرح صحيح البخاري 8/ 410، والكتاب للامام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، وبمناسبة النص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قص على اصحابه قصة موسى والخضر عليهما السلام فلما بلغ قوله تعالى: [هذا فراق بيني وبينك][الكهف]، قال: وددنا أن موسى 00) الحديث.
(19)
القصص القرآني، إيحاؤه ونفحاته، ص 10، د فضل حسن عباس، دار الفرقان، عمان ط1، 1407 ط /1987 م.
(20)
المعجم الوسيط 1/530، الصُّوَى: ما نصب من الحجارة ليستدل به على الطريق، ج: صُوى وأصواء.
(21)
في كتاب قضايا التكرار في القصص القرآني، د محمود زلط، ط أولى، دار الأنصار بالقاهرة 1398هـ رأي غريب وهو: القرآن لا يهدف إلى التاريخ، وينقل هذه الجملة عن فضيلة الإمام الشيخ محمود شلتوت في كتابه تفسير القرآن الكريم ص 573.
(22)
ابن جرير الطبري، ت 310 هـ.
(23)
ابن كثير ت 4 77هـ.
(24)
ص 99 من المرجع رقم 12 بناء الرواية.
(25)
تفسير الكشاف للزمخشري المعتزلي، 3/159 قريء موسى.
(26)
فتح الباري 4 / 441، ورقم الحديث 2262 كتاب الإجارة رقم 37 باب 2، رعى الغنم على قراريط.
(27)
نظرات تحليلية في القصة القرآنية، محمد المجذوب، 120/190.
(28)
الألد: الخصم الجدل المعجم الوسيط 2/ 821.
(29)
فتح الباري 6/442.
(30)
فتح الباري 6/ 440.
(31)
فتح الباري 6/ 441.
الملف الأدبي
إسلامية الأدب كيف ولماذا؟ ؟
عبد الرحمن صالح العشماوي
الشبهة السادسة [*] :
تثار هذه الشبهة منذ زمن بعيد بالصيغة التالية: الأديب العالمي هو الذي
يتخلص من النظرة الأحادية، إلى العالم من حوله، فتكون له رؤاه المتعددة القائمة
على مرونته لا في التجامل مع الأفكار والمبادئ الأخرى، والأدب الإسلامي يقوم
على (النظرة الأحادية) التي لا تتحقق معها الرؤية العامة والعالمية.. أما هذه الأيام، فإن هذه الشبهة تثار بعينها، ولكن بأسلوب آخر فيقال: النظام العالمي الجديد ينادي بثقافة عالمية موحدة لا فواصل بين العقول والأفكار فيها، فالناس جميعاً ينتمون الآن إلى ثقافة واحدة تقوم على فكرة (الإنسانية [**] ) التي لا تعرف الحدود، والأدب الإسلامي بنظرته الأحادية يدعو إلى التميز، وإقامة الفواصل بينه وبين الآداب العالمية المخالفة له في الوجهة الثقافية.
هكذا تثار هذه الشبهة، فما موقفنا منها؟ ؟ !
أولاً: نؤكد أنه لا تعارض بين (أحادية النظرة) وتعدد الثقافة ومصادر الفكر
في حياة الإنسان السوي، ولذلك فإن من الخطأ الكبير ما يقال عن حيلولة النظرة
الأحادية دون تعدد مصادر ثقافة صاحبها، فالثقافة بمعناها العام ليست حكراً على
أحد من البشر، والإطلاع على العلوم والأفكار المختلفة شيء، والمرونة القائمة
على الذوبان في تلك الأفكار شيء آخر، والأدب الإسلامي قائم على تصور إسلامي
واضح لا غبار عليه، ولا يجيز لنفسه أن يتركه بدعوى تعدد الرؤية الثقافية،
ولكنه مع ذلك يؤمن بأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
ثانياً: أحادية النظرة بهذا المعنى - الذي ألمحنا إليه - هي الطريق السليم إلى
التميز عن الآخرين؛ التميز في الفكر، وأصول الثقافة، وقبل ذلك كله (في
الاعتقاد) ، أي في (الدين) . وإذا كان هذا التميز مطلباً فطرياً في الإنسان، وهدفاً تسعى إليه الأمم والشعوب في ظل أفكارها ومبادئها الخاصة بها، فإنه مطلب شرعي أساس في دين الإسلام.
يقول الله تعالى: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ
الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [الروم 30] ، وهذه الآية صريحة كل
الصراحة في رسم إطار التميز للإنسان المسلم وهو تميز فريد ذلك لأن الله قال:
[إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ
بَغْياً بَيْنَهُمْ ومَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ) ] آل عمران 19 [.
إذن فالدين الإسلامي هو الدين الذي دعا إلية الأنبياء جميعاً، وهو قائم على
رؤية متميزة كل التميز عن الرؤى العقدية والفكرية والثقافية التي تقوم عليها
المذاهب البشرية الوضعية، بل والديانات السماوية المحرفة وهذا التميز يقوم في
أساسه على (رؤية واحدة) لا يجوز للمسلم الحق أن يتزحزح عنها قيد أنملة، ولا يصح له أن يستقي أصول ثقافته وفكره وأدبه من سواها، ولهذا قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بعد هذه الآية:] فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [] آل عمران 20 [،. وهذه الآية صريحة كما نرى في تأكيد (الرؤية الواحدة) مهما اختلفت الرؤى، ومهما أصر أصحاب التعددية الفكرية على مواقفهم، ذلك لأن هذه الرؤية الواحدة هي التي تبني (القاعدة الأم) لفكر الإنسان وثقافته وأدبه] فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ [] آل عمران 20 [، أي: أن أولئك الذين يعترضون على هذه القاعدة الصلبة والرؤية الواحدة قد يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام فيها، فإذا حاجوه فإن عليه - بأمر من الله - أن يعلن لهم الثبات عليها دون تردد أبداً، فإذا ما تولى أولئك فأمرهم إلى الله وهو بصير بعباده.
وهذه المعاني التي يغفل عنها كثير من نقاد الأدب المسلمين المعاصرين هي
القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في أدبنا.
ويبرز هنا سؤال هو: هل تتعارض هذه القاعدة، وهذا التصور مع تنويع
مصادر ثقافة الأديب الإسلامي؟ ؟
الجواب الذي لا احتمال لغيره: كلا.. ثم كلا.. فالأديب المسلم مطالب
بالإطلاع على الثقافات المختلفة وأساليب الأدب المتعددة، مع أن له نظرته الموحدة
القائمة على تصوره الإسلامي الثابت. ومن هنا ندرك أن شبهة التميز المثارة هي
خاصية يتميز بها الأديب الإسلامي عن سواه، ويسلم بها فكره وأدبه من
الاضطراب، والذوبان، والسير الأعمى وراء كل ناعق ثقافي أو أدبي يدعو إلى
التعددية الثقافية الشوهاء.
وإذا كان التميز مطلباً إسلامياً بناء على نصوص القرآن والسنة المطهرة فإنه
قاعدة لا بد من الاتكاء عليها في مواجهة انحراف الثقافات والآداب الأخرى، وهو
أيضاً قاعدة يمكن أن ينطلق منها الأديب الإسلامي إلى العالمية. فالعالمية في الأدب
لا تعني انفلات الأديب من قيمه وملاحقة المذاهب والأفكار الأخرى المنتشرة في
العالم ملاحقة التابع المقلد، ولكنها تعني الانطلاق من رؤية خاصة وقاعدة أدبية
مستقلة إلى آفاق إنسانية رحبة..
إن الشاعر الإسلامي محمد إقبال رحمه الله هو الذي أوصاه أبوه أن يقرأ
القرآن، وهو الذي تناول في شعره قضايا عالمية كبرى تحققت له بها العالمية التي
نتحدث عنها. فهل كان التميز عقبة في طريقه؟ ؟] 1 [.
وكذلك (شاعر الإنسانية المؤمنة) عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله لم
ينطق إلى دوره الشعري العالمي من تقليد أعمى لشاعر غربي أو شرقي، وإنما
انطق إليه من ديوانه الأول (مع الله) ، إنه التميز الذي يحققه الأديب الإسلامي
على وعي وبصيرة، وهذا التميز هو الذي يحمي الأديب الإسلامي من الانخداع
بدعاوى النظام العالمي الزائفة، فيقف أمام هذه الدعاوى شامخاً، ويفندها ويبين
للأجيال زيفها وتضليلها، وهو بذلك يسلم من تلك الرؤية الزائفة التي يرى بها -
بعض الأدباء المنحرفين - أحداث العالم المعاصر..
يتناول الأديب الإسلامي القضايا الكبرى تناولاً واعياً فإذا تحدث عن النظام
العالمي الجديد تحدث عنه حديث الواعي الذي يدرك أنه استعمار صليبي وهيمنة
غربية جديدة. بينما نجد من أدباء ونقاد العرب - ممن يتنادون إلى التعددية الثقافية
والفكرية الزائفة - من يرى النظام العالمي الجديد وسيلة من وسائل التقدم لأمتنا..
فها هو لطفي الخولي يقول في كلمة ألقاها في مهرجان أصيلة الأخير: (النظام
العالمي الجديد سيفرز ثقافة جديدة تحاول إنقاذ العالم من أهم أربعة أخطار وهي
القنبلة النووية، ومشكلة تلوث البيئة، وتفجر الصراعات العرقية، ومشكلة
الفقر) ] 2 [.
ويبدو أن هذا الكاتب (المثقف) ] *** [؟ ! .. لم ير ما يجري في البوسنة
…
والهرسك ولم ير الهياكل العظمية التي تعرضها وسائل الإعلام في الصومال
الجريح، ولم يفهم معنى التآمر العالمي على الجهاد الأفغاني، ولذلك كانت صورة النظام العالمي في ذهنه صورة حسنة..
وبمثل هذا الوعي الناقص قال أحد أبناء الجزيرة العربية التي انبثق منها نور
الإسلام المتميز: (إن النظام العالمي الجديد يستوعب تفكيراً جديداً، رائده هو كيف
(نتأقلم) ] 3 [. وكأنه يريد أن نصنع ما تصنع الحرباء ذات التعددية في اللون حيث
أنها تغير لونها على حسب الموقع الذي تكون فيه.
إن الأديب الإسلامي يظل بمنجاة من هذا التخبط لأن التصور عنده إسلامي
قائم على تميز في الفكر والثقافة والأدب، وليس معنى هذا التميز أن يكون الأديب
الإسلامي غائباً عما يجري في هذا العالم - كما قد يخطر ببال البعض - كلا فإن
رؤية هذا الأديب أعم وأشمل، وهنالك قدر مشترك من القضايا والمواقف بين أدباء
العالم على اختلاف أفكارهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، مع وجود الفوارق التي تميز
بعضهم عن بعضهم.. فالحديث عن المظلومين والمشردين، وتصوير آهات اليتامى
والثكالى.. والحديث عن العدل وقيمته، والحرية وأثرها إلى غير ذلك من القضايا، كل ذلك من الأمور المشتركة بين أدباء العالم، أما التميز والنظرة الموحدة إلى
الأمور فمن أهم خصائص الأدب الإسلامي الذي تضرب جذوره في تربة الإسلام
الخصبة النقية..
وختاماً أنادي كل أديب وناقد يتخذ موقفاً سلبياً من الأدب الإسلامي أن يتخلص
من هوى نفسه، وأن يدرس حقيقة هذا الأدب دراسة موضوعية منصفة، فإذا فعل
الأديب ذلك فإنني أبشره بزوال غشاوة الشبه المثارة حول هذا الأدب عن عينيه،
وعندها سيرى أن الأدب الإسلامي هو سفينة النجاة للأجيال المسلمة في هذا الخضم
المائج من المذاهب الأدبية الزائفة المنتشرة في عالم اليوم.
(*) نشرت خمس شبهات في الأعداد السابقة المحرر الأدبي
…
...
…
...
- البيان -.
(**) لقد طرح الشيوعيون من قبل فكرة (الأممية) ونتيجتهم ما شاهدناه لا كما زعموا (المحرر الأدبي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
- البيان -.
(1)
راجع كتاب " إقبال الشاعر الثائر " لنجيب الكيلاني ص 15 وما بعدها.
(2)
انظر جريدة عكاظ، ملحق دنيا عدد 52الثلاثاء 20 صفر 1413 هـ.
(***) الذين يلبسون لكل بلاد لبوسها، وليس من باب التقليد الأعمى " المحرر الأدبي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
... - البيان-.
(3)
انظر جريدة عكاظ، الثلاثاء 20 صفر 1413هـ.