الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الافتتاحية
قد خلت من قبلكم سنن
رئيس التحرير
أحداث مهمة وخطيرة جرت وتجري على الساحة الإسلامية في السنوات
الأخيرة، أحداث استنفذت الطاقات وذهبت بالجهود سدى، استنزفت الدماء الطاهرة
وأدت إلى زج خيرة الشباب في السجون. هذه الأحداث وغيرها مثل الدخول في
معمعان السياسة من الأمور الكبار التي لا يجوز أن ينفرد بتقريرها أفراد أو تجمعات
صغيرة، لأن أمرها يهمُّ الأمة كلها ونفعها أو ضرها يعمُّ الجميع، وليست من
مجالات الاجتهادات الخاصة ببلد دون آخر.
هذه الأحداث المستمرة لا يجوز أن تبقى خارج دائرة النصح وإبداء آراء
السياسات الشرعية فيها، كما لا يجوز أن تبقى خارج دائرة التحليل والنقد ومعرفة
أسباب الخلل ومواطن الضعف، وهذا يقتضي أن نصارح بعضنا وننقد أنفسنا،
ولئن كان في السكوت مصلحة مقُدَّرة فيما مضى فإن الدعاة والعلماء والمفكرين
مدعوُّوْن اليوم لبيان الرأي الصريح، وقول كلمة الحق في هذه الأمور الكبيرة طلباً
للحق الذي يجب إحقاقه عاجلاً أو آجلاً.
لقد سنَّ الله تعالى النظر في سير الأولين والآخرين لمعرفة أسباب الظفر
والتمكين وأسباب الفشل والتراجع فهل كُتب على المسلمين عدم الاعتبار بحدث
ماضٍ، وعدم التفكير بما وقع لإخوان لهم في زمن قريب؟ هل درُست كل
الحركات التي قامت سابقاً ولاحقاً؟ تلك الحركات التي أكبر أسباب فشلها ناتج عن
العجلة وقلة الاستعداد المطلوب شرعاً وعقلاً، بل إن البعض الآن لا يتعجل قطف
الثمار لأنهم يعلمون - كما يصرحون - أن لا ثمار ولا نتيجة من وراء هذا العمل،
ولكنهم يعملون لمجرد أنه لا يوجد طريق آخر بنظرهم!
هل يجوز شرعاً.. القيام بإعمال لمجرد اجتهادات من هذا النوع؟ وهل -
يصح في العقول - أن يقوم أفراد بعمل يجرون فيه المسلمين إلى الصراع دون أخذ
الأهبة ودون (تخطيط مسبق) تحسب فيه كافة الاحتمالات؟
في مثل هذه الظروف الارتجالية يدخل في العمل من يظنُّ أن النصر قريب
طلباً لجني الثمار، وهو بذلك أقرب إلى المنافقين، ويدخل أشخاص انتهازيون
يريدون السيطرة على هذا العمل، وهذا أمر سهل، يكفيه أن يرفع شعار المرحلة،
بل يزاود على الذين رفعوه - بصدق - من قبَلُ ليتقدم الصفوف الأولى.
حينما تعمُّ الفوضى يعُتقل أكثر القادة وبكل سهولة، ففي أحداث بلد عربي
بلغت الخسائر في مدينة واحدة خلال أشهر أكثر من (600) شهيد، وفي مدينة
أخرى يقود العمل متُصوفٌ يخطط لعملياته بناء على الأحلام التي يراها في
الليل [1] ، وذلك ما أدى إلى كشف وقتل معظم الذين كانوا معه واعتقُل آلاف الشباب بسبب اشتراك أناس لم يتربوا تربية إيمانية، بل اندفعوا عاطفياً وتعرفوا على كل شيء، وعندما اعتقلوا اعترفوا بكل شيء، وكانوا صيداً ثميناً للطغاة، فهل يُضحّى بشباب تربوا تربية طويلة من أجل أهداف بسيطة، وهل أتاك نبأ الذين يتورطون في هذه الأعمال ثم يضطرون للكذب في بياناتهم عندما يتحدثون عن الإعداد والعدَّة، وإذا سألتهم عن مئات الشباب الذين قتلوا أو سجنوا (وهم على نياتهم الخيرّة الصادقة) قالوا: لا بدّ من التضحية! نعم لا بد من التضحية وليذهب الآلاف إذا كان ذلك في صالح أهداف المسلمين وإعزاز دين الله وإذلال الكفر وأهله.
إن من أهداف العمل الإسلامي قمع أهل الكفر والضلال، وأن يكون الدين كله
لله، وأن تعلو راية الإسلام، فإذا كانت النتائج على الضدِّ من هذا، وكانت ضعفاً
للمسلمين وإذلالاً لهم وشفاءً لصدور الكفار والفسقة والعلمانيين، فلماذا لا نراجع
حساباتنا لنعرف ما إذا كنا قد أخطأنا التقدير، والرجوع إلى الحق خير من التمادي
في الباطل.
إننا مأمورون شرعاً بأخذ كافة الاستعدادات المادية على المستوى البشري ثم
نتوكل على الله ولانقلب الآية فنفسر التوكل تفسيراً غير صحيح، ونقوم بأعمال
ضعيفة باسم التوكل على الله، كما أنه لا يجوز أن يجرنا اليأس والإحباط، أو
تخاذل البعض وارتمائهم في أحضان أعداء الإسلام وتأويلاتهم الفاسدة، لا يجوز أن
يجرنا إلى أعمال لسنا مقتنعين بها.
هل يظن المسلمون أن الرعيل الأول من المسلمين لم يكونوا على علم واسع
بعدوهم ومقدرته ومعرفة طبيعته من كل الجوانب، ألم يكن أبو بكر - رضي الله
عنه - عالماً بأنساب العرب تفصيلاً؟ وهذا أمر مهم للدعوة. ألم تكن قريش -
بسبب تجارتها - تعرف أرض فارس والروم، وطرق المواصلات وخصائص تلك
الشعوب؟ ألم يكتب عمر رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص طالباً منه
وصف أرض العراق وأرض المعركة كأنه يراها؟ ألم يُعين القادة الفاتحون أمثال
خالد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم من أولي الخبرة
الشخصية القيادية؟ ولم يؤمَّر من هو أعلم منهم في أمور الدين. فلماذا تترك أمور
خطيرة لأصحاب النوايا الطيبة ممن ليس عندهم الخبرة الكافية.
نحن نعلم أن هذا الكلام لن يعجب الكثيرين من الناس، ولكن لابدّ من قول
كلمة الحق، ولابد من النصح لخاصة المسلمين وعامتهم، ولا نقصد من النصح -
علم الله - تجريحاً لفرد أو جماعة مع علمنا أن الذي حدث ويحدث كان بنية طيبة،
ولكن هل تكفي النوايا الصادقة؟ أم يجب الأخذ بالركن الثاني وهو الصواب في
العمل.
(1) قد وقع هذا ولا داعي لذكر الأسماء.
نقد
أخطار النزعة المادية في العالم الإسلامي
نقد كتابات جودت سعيد
(3)
عادل التل
إن الخطورة في تبني المنهج المادي، لا تنشأ من خلال الانتماء الاعتقادي
لهذا المنهج كشعار فحسب، وإنما تكمن في الآثار والنتائج التي تترتب على هذا
الانتماء، حيث تعتبر هذه الآثار من مستلزماته الأساسية، ويتضح هذا الأمر من
خلال التطبيق العملي لهذا المنهج في واقع الحياة. لأن الالتزام بالمنهج المادي،
يفرض على معتنقيه التزامات أخرى تقوم عليه، وترتبط به ارتباطاً كاملاً لا تنفك
عنه.
وبما أن جودت سعيد من المنتمين لهذا المنهج - كما أثبتنا هذا من قبل - فإنه
يدعو صراحة للتمسك بأسس هذا المنهج، والرجوع إلى هذه الأسس عند التنازع أو
الاختلاف حيث يقول: " إن الوجود الخارجي للمادة أو المجتمع له حقيقة واقعية،
يتفاوت تصاور الناس لها حسب خلفياتهم الفكرية، وعند الاختلاف يتم الرجوع إلى
الوجود الخارجي " [1] . والمقصود بالوجود الخارجي هو الوجود المادي أو المادة
وهذا يمثل لبُّ النظرية الماركسية، وبما أن النظرية الماركسية تقوم على أُسُسٍ
محددة لا تنفك عن بعضها، وهي المادية الجدلية والمادية التاريخية، وشملها قوانين
تطور المجتمع، فإن عزل أي جانب منها للعمل به منفرداً، لا يفيد في قطع الصلة
بأصل النظرية الماركسية وفي هذا يقول ستالين: " إن المادية الديالكتيكية، والمادية
التاريخية تظهران كعِلم واحد وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون
المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية.. " [2] ،
وبناء على ذلك فإن أي أصل من أصول النظرية الماركسية لا يكون صواباً على أي
حال، لأن كل أصل منها يقوم على المادية، يقول لينين: " إن هذه الفلسفة
الماركسية المسبوكة من قطعة فولاذية واحدة، لا يمكن انتزاع أي منطلق منها، ولا
أي جزء جوهري واحد دون الخروج عن الحقيقة الموضوعية " [3] .
ونستطيع هنا أن نميز قاعدتين بارزتين يتسم بهما فكر جودت سعيد بشكل
خاص، والفكر المادي بوجه عام.
1-
قاعدة التغيير الكلية.
2-
قاعدة التطور العامة.
وتمثل هاتان القاعدتان المحور الأساسي الذي تقوم عليه كتب جودت وأفكاره
كلها، وسنتناول في هذا البحث بعض التطبيقات العملية لقاعدة التغيير، ونرجئ
البحث في موضوع التطور إلى حلقات أخرى.
قاعدة التغيير الكلية:
يربط هذه القاعدة بمفهوم المشيئة ويجعل مشيئة الله تابعة لمشيئة البشر حيث
يقول: " كما قلب قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]
[الرعد 11] مفهوم الناس عن التغيير الذي كانوا ينتظرونه من الله، ويرى البشر
أنفسهم مثل الطين بيدي الخزاف، تقيدهم الأقدار، قلبت هذه الآية الفكرة رأساً على
عقب، فردت عملية التغيير إلى البشر واعتبرتهم مسؤولين عنها " [4] . وفي هذا
يقول أيضاً: (قلنا فيما سبق أن الله يخلق الصفات في المادة - ونكمل الموضوع الآن، بأن نبين أن الله يخلق الأفعال من الأفكار.. فمَن تمكَّنَ من معرفة الخواص
التي يخلقها الله تعالى في المواد، يمكنه أن يسيطر عليها، كذلك من تمكَّنَ من
معرفة الأفعال التي يخلقها الله تعالى مما بالأنفس، يمكن أن يسيطر على
المجتمع) [5] . وعن هذه الحالة يصف الشيوعيين الماركسيين أنهم: " لمحوا قدرة الإنسان على صنع التاريخ والقيام بعملية التاريخ "[6] .
إن التعامل مع الإنسان من خلال الأسس المادية - كما يرغب جودت -
وقياس خواصه على خواص المادة؛ وإخضاعه لما تخضع له من قوانين، فيه
إغفال لتكريم الإنسان وتميزه عن سائر المخلوقات، ومن خلال هذه المبادئ تعامل
النظام الماركسي في روسيا مع الناس وأخضعهم لقوانين قسرية كالتي تخضع لها
المادة فكان العذاب والشقاء، وكان التنكيل والقتل لمن يرفض هذه القوانين المادية
الجائرة التي تُفْرَضَ على الناس بالقوة.
ثم يقول مُبَيِّناً حقيقة التغيير المطلوب: " يفيد أنه يمكن أن توضع في النفس
الأفكار ابتداء، كما يمكن أن يرفع ما فيها من مفاهيم، ويوضع فيها أخرى، وهذا
أهم ما في عملية التغيير، من إنشاء الأمر ابتداء، ومع ذلك أسند الله للبشر هذه
القدرة في إزالة المفاهيم واستبدال غيرها بها " [7] . كما يقول في أكثر من موضع
عن البشر: إن مصائرهم بأيديهم، وكما تلتقي هذه الأفكار مع آراء الماديين
الماركسيين، فإنها تلتقي أيضاً مع آراء " فرقة القدرية " المعروفة في تاريخ علم
الكلام، وقد انتصر جودت هنا لأفكار هذه الفرقة، وتعرف هذه الفرقة بمصطلح
آخر هو " مذهب الاختيار " وذلك في مواجهة " مذهب الجبر " الذي بدأ ينتشر في
ذلك العهد، وقد جعل جودت موضوع الصراع يدور حول (الجبر والاختيار) في
حرية الإنسان، وأغفل منهج أهل السنة الذي يقوم على إثبات المشيئتين، وتقديم
مشيئة الله على مشيئة البشر، وفي هذا يقول ابن تيمية: (أثبت الله المشيئتين
مشيئة الله ومشيئة العبد، وبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب) . ثم ذكر ابن
تيمية قوله تعالى: [فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * ومَا تَشَاءُونَ إلَاّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ
إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً] [الإنسان 3][8] . وقال ابن تيمية أيضاً: (الالتفات إلى
الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل،
والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع، فعلى العبد أن يكون قلبه
معتمداً على الله لا على سبب من الأسباب، والله ييسر من الأسباب ما يصلحه في
الدنيا والآخرة) [9] . أي: «أعقلها وتوكل» [10] . ومن الممكن أن نلخص
الرد على هذا الجانب بمثال عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يشهد لما
ذهب إليه أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع، وهو أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - كان حريصاً على هداية عمه أبي طالب وألحَّ في دعواه، حتى نزلت الآية:[إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ][11] . ولو كان تغيير ما في النفس مما يملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
تأخر عن تغيير ما بنفس عمه من الضلال إلى الهدى. فإذا كان النبي - صلى الله
عليه وسلم - لم يستطع أن يهدي عمه أو يغير ما في نفسه فكيف يمكن لجودت
سعيد أن يجعل مهمة تغيير المشيئة بيد البشر؟ لماذا لم يقدر النبي - صلى الله عليه
وسلم - أن يهدي عمه؟ هل هذا عن عجز منه، وعدم معرفته بالأفعال التي يخلقها
الله تعالى مما بالأنفس؟ أم أنه أغفل سنن التغيير التي اكتشفها جودت سعيد
والماركسيون من قبله؟ ؟ ..
لن يملك جودت ولا أصحابه الماديون ولا جميع علماء النفس والاجتماع الذين
يُعْتَدُّ بهم أن يغيروا ما في قلب إنسان من الهدى إلى الضلال، ولا أن يبدلوا ما في
قلب إنسان من الضلال إلى الهدى إلا بمشيئة الله، قال تعالى: [فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا
أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إنْ عَلَيْكَ إلَاّ البَلاغُ] [الشورى 48] ، وبحث هذه المسألة
سيكون بصورة أشمل في الفصل الخاص بموضوع المشيئة، وإن ما ذكرناه في هذه
المقدمة إنما هو توطئة لبحث جوانب أخرى من قاعدة التغيير.
تغيير مصادر المعرفة:
يقصد بتغيير مصادر المعرفة: تغيير مصادر العلم، يقول ابن تيمية " أصول
العلم ثلاثة: الحس والعقل، والخبر المركب منهما؛ كخبر الأنبياء عن طريق
الوحي "، ولكن جودت يجعل مصدر المعرفة في التاريخ وحده، حيث يقول في
ندوة تلفزيونية: " اسمحوا لي أن أقول: إن الإسلام يعتبر التاريخ هو مصدر
المعرفة، مصدر العلم، وأقول إن سبب انقطاع الوحي - ختم النبوة - بأن التاريخ
صار مصدراً للمعرفة، وهذا النظر أعتبره فلسفة جديدة وقديمة في آن واحد، لأن
التاريخ، هو الذي إذا شهد لأحدٍ استحق شهادة صحيحة، وإذا شهد على أحد أيضاً
فهو الذي يَخْرُجُ من التاريخ.. " [12] . ويظهر في هذا الحديث - أنه يعتبر
وظيفة القرآن قد انتهت، وأن التاريخ هو مصدر المعرفة الذي يُعْتَدُّ به، وأن
شهادته ذات اعتبار وتأثير، وبناء على هذا التصور يذكر قاعدة التغيير في مصدر
المعرفة، وأنها ليست من القرآن فيقول: " أي: أن الذي سيعلمنا ليس القرآن،
وإنما نفس حوادث الكون - والتاريخ هي التي ستعلمنا " [13] .
تغيير مصادر الأدلة:
لما تقرر عند جودت استبعاد دلالة النصوص الشرعية كمصدر من مصادر
المعرفة التي تقدم الحقيقة الموضوعية كان طبيعياً أن يحاول تغيير مصدر الأدلة
أيضاً، فعند تفسير قول الله تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ] [الشورى 17]، يقول: " هذه الآية تنقل أدلة موضوع الفكر
الديني الذي تُقَرِّرُهُ آيات الكتاب، تنقل مصدر الأدلة من آيات الكتاب إلى آيات
الآفاق والأنفس، وهذه النقلة البعيدة المدى لم تكن البشرية مهيأة لها إلى الآن.
وانعدام هذه النقلة أو عدم القدرة على التكيف هو الذي جعل مصدر أدلة العلم
والإيمان مختلفة في أذهان العالم المعاصر. فجعلوا الدين غير العلم، وأن مصدر
العلم من الواقع، وأن مصدر الدين من الغيب، فهذه الآية بهذه النقلة التاريخية التي
لم يقدر البشر على تفهمها، تدمج الدين دمجاً كاملاً في العلم الواقعيِّ في المحيط
الإنساني ليكون موضع تأمل الناس " [14] . أليس من حقِّ المسلم أن يتساءل إلى
أيِّ مدى يريد جودت أن يغير مصادر الأدلة في هذا الدين؟ لو كان هذا التبديل
ضرورياً، لَبَيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم لنا ذلك، وقد قال الله تعالى له:
[ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ][النحل 89] .
يبين جودت السبب في جعل الأدلة من خارج القرآن حيث يقول: (هذه الآية؛ آية الآفاق والأنفس قَلَبَتْ مكان الدليل ومصدره، كما قلبت آية التغيير مفاهيم
الناس، فآية الآفاق والأنفس حدَّدَتْ مكان الدليل ومصدره بأنه ليس الكتاب، فلا
نطلب كيف بدأ الخلق من الكتاب، وإنما نطلبه من السير في الأرض والنظر، كما
أمر بذلك الكتاب فالحكم في الكتاب، والدليل في الواقع والأرض وآيات الآفاق
والأنفس " [15] .
من أين جاء بهذا الحكم الذي يُلغي مكان الدليل في القرآن فيجعله في آيات
الآفاق والأنفس، والآية لا تشير إلى هذه الفكرة، وليس لها هذا المنطلق ولا يمكن
فهم ذلك الأمر من نصَّها، وقد جعل القرآن آيات الآفاق والأنفس تأكيداً وتوضيحاً،
ولم يجعلها تغييراً ونقلاً، والله تعالى يقول لنا: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى
اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] [النساء 59] ، ثم يأتي جودت
سعيد فيقول: ردوه إلى الوجود الخارجي المادي، أو إلى آيات الآفاق - العلوم -
وإلى آيات الأنفس - علم النفس - ويجب أن نعلم أن هناك إجماعاً عند المسلمين
على أن المرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله، كما أن منهج السلف
الصالح هو المعتمد في فهم الكتاب والعمل بالسنة.
إن تقرير هذه النقلة بهذا الأسلوب، يقطع الصلة بين المسلمين ومصدر علمهم
ومنهج معرفتهم، كما يفصل بين أحكام الكتاب وبين التطبيق العملي له في واقع
الحياة، وهذا يستدعي أن آيات الله تحتاج للتزكية والشهادة المستمدة من آيات الآفاق
والأنفس كما يصور ذلك جودت.
يقول أصحاب النزعة العقلية: إن العقل هو الذي يشهد بالصدق والقبول
لآيات القرآن والسنة، وبهذا جعلوا العقل حَكَماً على الدين، كما يقول محمد إقبال:
" ومما لا شك فيه أن للفلسفة الحق في الحكم على الدين "[16] . ويقول أصحاب
النزعة المادية: إن آيات الكتاب لا تؤدي دوراً، وإنَّ الواقع أو التاريخ وآيات
الآفاق والأنفس هي التي تشهد لآيات الله بالصحة والثبات والقبول. وفي هذا يقول
جودت: " في القضاء يطلبون البينة والأدلة والشهود، والله يقيم على دينه وكتابه
شاهدي عدل، وهما آيات الآفاق والأنفس، وهما شاهدان معتبران لهما حق
الشهادة " [17] .
وقد يظن البعض أن هذه الشهادة كما نتصورها - نحن - شهادة تأكيد وتأييد
أو من العوامل التي تساعد الناس على فهم آيات الله في القرآن، والاعتبار بها
ولكن نلاحظ أنه يجعلها الحَكَمَ على آيات الله، وكأن آيات الله لا تكفي لوحدها لبيان
الحقِّ وتقديم العلم. وها هو يقول: " وللمجادل أن يصادر آيات الكتاب، ولكنه لا
يمكنه أن يصادر آيات الافاق والأنفس، فمن هذا الجانب صار دليل الدين دليلَا
عالمياً إنسانياً علمياً، وليس دليلاً لطائفة معينة من الناس " [18] . وبهذا يعطي
جودت الحق لأي إنسان في رفض آيات الله ومصادرة معناها باعتبارها ظنية.
ويشير إلى ذلك، عند وصفه للمعارف حين كانت ظنية: " حينما كانت المعارف
ظنية وتابعة للأهواء، ولم تكن تشهد بها آيات الآفاق والنفس وكان النزاع يجري
فيها، ولكن حين قامت أدلتها من الآفاق والأنفس تغير الوضع " [19] .
وها هو يردد ما بثه المستشرقون في ديار الإسلام في بداية الغزو الفكري،
وزعموا أن النصوص الشرعية ظنية الدلالة ولا تصلح لقيام الحجة والبرهان من
خلالها وهذا طَعْنٌ في أصول الدين، ويقول جودت في معرض تحديد مصادر جديدة
للمعرفة، وتعيين أصول جديدة للدين: " يذكر إقبال: إن هذه الآية جعلت آيات
الآفاق والأنفس مصادر لمعرفة الحق، فكأن هذا القول يظهر شيئاً جديداً في أدلة
أصول الدين من الكتاب والسنة والقياس والإجماع، وبمقتضى هذه الآية، فإن آيات
الآفاق والأنفس لها حق معرفة الحق وكشفه، وهذا الحق كشيء مستنبط من الكتاب
لا يؤدي دوراً كبيراً مثل قوله تعالى: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ
الخَلْقَ] [العنكبوت 20] ، ولكن حين يبدأ الناس يتعلمون كيف يتعاملون مع آيات
الآفاق والأنفس فإن دلالة آيات الآفاق والأنفس تطلع ضوءاً مبحراً يحق معه أن
يقال: طلع الصباح فأطفئ القنديل، ولكن الذين ظلوا طويلاً في الظلام يصيبهم
العشي من الضوء الساطع. وقد يرى بعض الناس في هذا الاتجاه خروجاً من الدين
وتضييعاً له ولكننا نرى عكس ذلك.. " [20] . نضع هذا النص الواضح في دلالته
على تغيير مصدر أدلة أصول الدين أمام أهل العلم، ونسألهم: هل يمثل هذا
الطَّرح خروجاً من الدين أم لا؟ ! !
وأما قوله: " طلع الصَّباح فأطفئ القنديل " فإنه يمثل سُخرية واضحة للتفريق
بين أدلة أصول الدين، وأدلة اللا أصول الجديدة التي اختارها واعتمد (آيات الآفاق
والأنفس) بديلاً جديداً عن الأدلة الصحيحة.
وأخيراً فإن الطريقة التي أعرض بها آراء اصحاب النزعة المادية ونقدها
وإبراز مواضع الانحراف فيها لا تعدو أن تكون نموذجاً لنقد مناهجهم، فالهجمة
على أصول الدين كبيرة وقد هيأ الأعداء لها من الأساليب والخطط ما يفوق التصور. يقول محمد أركون في معرض حديث عن مواجهة الذين لا يزالون متمسكين
بالنصوص الشرعية: (نحتاج إلى مائة مؤسسة وثلاثين سنة للتمكن من زحزحة
المسلمين عن التمسك بحرفية النصوص..) .
المراجع:
(1)
كتاب " اقرأ وربك الأكرم "، جودت سعيد، ص 226.
(2)
المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، ص 129، من الترجمة العربية (منشورات دار دمشق) .
(3)
المؤلفات الكاملة، لينين 14/132.
(4)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 218.
(5)
كتاب: " حتى يغيروا ما بأنفسهم "، ص 77.
(6)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 219.
(7)
كتاب: " حتى يغيروا ما بأنفسهم "، ص 59.
(8)
الفتاوى الكبرى لابن تيمية، 8/238.
(9)
المصدر السابق، 8/528.
(10)
أخرجه الترمذي (2649) ، بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(11)
راجع القصة في فتح الباري.
(12)
ذكر هذا الكلام خلال ندوة في التلفزيون السوري بالاشتراك مع الدكتور الكردي محمد سعيد رمضان البوطي، لمواجهة موضوع الصحوة الإسلامية.
(13)
رسالة انظروا، اللغة والواقع، جودت سعيد ص 8.
(14)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 217.
(15)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 221.
(16)
كتاب: " تجديد الفكر الديني "، محمد إقبال، ص 7.
(17)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 221.
(18)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 222.
(19)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 222.
(20)
كتاب: " اقرأ وربك الأكرم "، ص 223.
تيار التجزئة والتفتيت
منصور بن زويد المطيري
حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: (اللهم حبب إلينا
…
المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدّها وصاعها) . وحينما
رفع بلال عقيرته بالمدينة بعد أن نزعه الشوق إلى مكة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
…
بواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردنْ يوماً مياه مجنّة
…
وهل يبدونْ لي شامة وطفيل؟
لم يكن ذلك إلا تعبيراً عن شعور فطري يعتري الإنسان تجاه منبته وموطنه
والدار التي درج فيها، وترعرع في رباها، وهو شعور يجده كل إنسان في شتى
بقاع العالم، ليس فيه ما يُعاب أو يُذَمُّ بل هو من تمام المرؤة وكمال الخلق إلا أن
هناك شروطاً لا بدّ من وجودها حتى لا يخرج هذا الشعور الفطري من المدح إلى
القدح وهو أن يكون في حجم طبيعي بسيط. أما إذا تضخم هذا الشعور ونفخ فيه
حتى يصل إلى حدود الولاء فإنه يتحول عندئذ إلى خصلة ممقوتة وصفة مذمومة من
وجهة النظر الإسلامية.
والحقيقة أن هذا الشعور المتضخم تجاه الوطن أو الإقليم وُجِدَ في بلاد الإسلام
في العصر الحديث بل إنه صنع وصدر إليها بغرض خبيث، بعد أن كان شعور
المسلمين في مختلف أنحاء العالم تجاه بلادهم المختلفة شعور فطري طبيعي مما
يُحْمَدُ ويمدح.
إن الغرب بالذات صنع كثيراً من المبادئ والعقائد في أرضه ثم صدَّرها عامداً
إلى أبناء العالم الإسلامي - والحق أنه لم يكن ليصدرها لو لم تكن عند المسلمين
قابلية للاستيراد - يقول المستشرق اليهودي برنارد لويس معترفاً بالجريمة الغربية:
(كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصّة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة
الأوثان منذ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف انتصر النبي - صلى الله
عليه وسلم - وصحبه وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية
لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى ولكنها ليست ضد (
اللات) و (العزى) وبقية آلهة الجاهلية بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام اسمها: الدولة والعنصر والقومية. وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف.. الأصنام! ! فإدخال هرطقة القومية والعلمانية أو عبادة الذات الجماعية كان
أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط - ولكنها مع كل ذلك كانت
أقل المظالم ذكراً وإعلاناً) [1] . وليس من العجيب أن يحرص الغرب على تفتيت
وحدة المسلمين، فقد كانت العقبة الكأداء في وجهه إبان استِعَارِ الاستعمار، حيث
كانت الجامعة الإسلامية كفيلة بأن تثير حمية الهندي والفارسي والأفغاني والتركي
والعربي وكل مسلم وسيلبون النداء حين يدعو داعيه.
ومن المعلوم أن انتشار الإسلام في بقاع الأرض ضمّ في إطاره الكثير من
الأعراق والشعوب والبلاد، وكتب لهم تاريخاً جديدا وبتَّ الصلة بما كان قبله،
ورتَّب حياتهم على أساس الولاء للإسلام وحده، وكوَّن من كل هذه الأعراق أمة
واحدة تَتَّفق في الاعتقاد وفي التشريع المنظم للحياة الروحية والمادية، وقد كان
الإسلام هو السِّمة الأساسية لهذه الشعوب والأعراق التي تكونت في رحابه، وتحت
حكمه وفي ظله. وعلى ضوئه قام المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية،
وأصبحت اللغة العربية وعلومها وأدابها تاجاً يتزين به كل عالم في هذه الأمة من
العرب أو من غيرهم؟ بل لقد برز غير العرب كعلماء ترجع إليهم الأمة في مختلف
المعارف، وكانت الأعراق تكّون أمه واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعت له سائر
الأعضاء بالسهر والحمى.
ومع مرور التاريخ استلم قيادة هذه الأمة الإسلامية خلفاء بني عثمان، وساروا
بها في جزء كبير من تاريخهم من نصر إلى نصر. وكانت دولتهم في أول أمرها
فتية ثم اشتد عودها ثم شاخت في نهاية أمرها لتعود رجلاً مريضاً يدفن بمرضه،
ويردم الأعداء التراب على قبره، ليتردد بعد ذلك في الأرجاء النواح والعويل
والجزع والذهول يشارك الجميع أحمد شوقي [*] في مرثيته للخلافة:
عادت أغاني العرس رَجْع نُواح
…
ونُعيتِ بين معالم الأفراحِ
كُفِّنْت في ليل الزفافِ بثوبه
…
ودُفِنْت عند تَبَلُّج الإصباحِ
شُيِّعتِ من هَلَعٍ بِعَبْرةِ ضاحكٍ
…
في كل ناحيةٍ وسكرةِ صاحِ
ضَجَّتْ عليكِ مآذنٌ ومنابرٌ
…
وبَكَتْ عليك ممالكٌ ونُواحِ
الهند والهةٌ ومصرُ حزينةٌ
…
تبكي عليك بمدمعٍ سَحَّاحِ
والشامُ تسألُ والعراقُ وفارسُ:
…
أمَحَا مِنَ الأرضِ الخلافةَ ماحِ
لقد تحققت إرادة الأعداء في تفتيت وحدة هذه الأمة، ولكن لم تحققت إرادة
الأعداء؟
وكإجابة على هذا السؤال سنشير فيما يلي وفي عجل إلى عامل واحد أدى إلى
فقدان الأمة الإسلامية لوحدتها وهو ظهور النزعات الإقليمية والقومية. لقد انتقل
كثير من المفاهيم الغربية إلى بلاد الإسلام عن طريق الاحتكاك الثقافي، وعن
طريق الزرع المقصود. ومن هذه المفاهيم، القومية. وهي مفهوم برز في
المجتمعات الغربية بشكل واضح وقوي في القرن التاسع عشر، وهو يهتم بخلقِ
وعي جديد يمجَّد جماعة محدودة من الناس، يضمها إطار جغرافي ثابت، ويجمعها
تراث مشترك وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة (وهذا الوعي القومي على درجات،
ويبدأ من مرحلة العاطفة الوطنية أي حب البلد الذي تتفتح فيه عينا الإنسان للنور،
بلد الآباء والأجداد، بلده الذي يحنُّ إليه إذا نأى عنه، ويحميه إذا اعتُدِيَ عليه..
وينتهي بمرحلة التفكير القومي وليس لهذه المرحلة حدّ، ولكن المراد منها هو جمع
شمل أبناء القوم الواحد، ولمّ شعثهم، والخلاص من الأجنبي الذي يرزحون تحت
نيره إن وجد، وإنشاء دولة مستقلة تضمُّ تحت لوائها مَنْ تجمعهم وحدة الأفكار
والمصالح والعواطف والذكريات والرغبة في العيش المشترك ضمن إطار جغرافي
معين تحدده في الغالب اللغة القومية) [2] .
وروح القومية هي الشعور بالتشابه من ناحية، والشعور بالامتياز عن الغير
من ناحية أخرى. فالشعور بالتشابه به يؤدي إلى عاطفة التضامن والتآلف والتناصر
بين أعضاء الأمة الواحدة، وهو الذي يقرِّب بين طباعهم وأمزجتهم وآرائهم،
ويشكِّل عامل توحيد وجذب بينهم.
والشعور بالامتياز ينمِّي الشعور بالكرامة الوطنية والشرف القومي والحسّ
بالمصير القومي، وينمي الرغبة في تأكيد صفات الخلق القومي وفرضه على مرأى
ومسمع من العناصر الأجنبية الأخرى، فهو الذي يحملهم على منافسة الغير وبذل
أقصى الجهد في سبيل التفوُّق.
هذه الفكرة وُجِدَتْ في بلاد المسلمين أول ما وجدت في دار الخلافة الإسلامية
تركيا فقد تسربت إليها من أواسط وشرق أوربا عبر قنوات عديدة منها أن اللاجئين
البولنديين والمجريين نقلوا معهم هذا المبدأ بعدما لجأوا إلى تركيا بعد فشل ثورتهم
سنة 1848م. فلقد بقي قسم كبير منهم فيها واعتنقوا الإسلام واحتلوا مناصب هامة
في الدولة العثمانية. وكان أحدهم الكونت بورزيسكس الذي سمى نفسه بعد ذلك
مصطفى جلال الدين باشا قد نشر كتاباً بعنوان (أتراك الأمس وأتراك اليوم) وفيه
جزء عن تاريخ الشعب التركي القديم يوضح الدور الإيجابي الخلاّق للأتراك في
التاريخ وقد كرَّس بورزيسكي جهده لإثبات أن الأتراك هم من العرق الأبيض مثل
شعوب أوربا، وينتمون لما أسماه العرق (الطوراني - الآري) . ويقول برنارد
لويس: (ولقد عمل الكونت بورزيسكس على نقل القومية البولندية ووضعها في
قالب تركي وساعده على هذا العمل ما عرضه من أعمال المستشرقين الأوربيين
الباحثين في الشؤون التركية، ولقد وصلت نتائج أبحاث هؤلاء إلى المجتمع التركي
عن عدة طرق، وكان لها تأثير هام على الذهنية التركية خصوصاً في تقدير التركي
القديم، والاعتقاد بالهوية المميزة والمركز اللائق في التاريخ، ولقد كان الأتراك
أكثر من العرب والعجم نسياناً لتاريخهم الماضي فقد كانوا لا يفكرون بأية هوية
أخرى غير الهوية الإسلامية، ولكن المستشرقين.. ساعدوا الأتراك على استعادة
هويتهم القوية الضائعة وعلى الدعوة إلى حركة قومية جديدة) [3] . وبمثل هذه
الأساليب تعزَّز عند جزء من الأتراك هذا الشعور القومي، وأدى بعد ذلك كواحد من
عوامل كثيرة إلى نشوء القومية العربية.
لقد كان لغير المسلمين جهد واضح وأثر فعال في ترسيخ الانتماء القومي الذي
يستند على العلمنة كإطار مبدئي. ولنستمع إلى ما يقوله إبراهيم اليازجي وهو
يستنهض همم العرب ويدعوهم إلى إحياء أمجاد آبائهم ويحثهم على الثورة على
الترك:
دع مجلس الغيد الأوانس
…
وهوى لواحظها النواعس
إلى أن يقول:
ودع التنعم بالمطا
…
يا والمشارب والملابس
أي النعيم لمن يبيت
…
على فراش الذل جالس
ولمن تراه بائساً
…
أبداً لذيل الترك بائس [**]
ولمن أزمته بك
…
ف عداه يُظلم وهو آيس
إلى أن يقول داعياً العرب إلى الثورة على الترك كما فعلت شعوب البلقان:
ماذا نؤمل بعدهم
…
إلا مقارعة الفوارس
فإليكم يا قوم واطَّ
…
رحوا المؤانس والمدالس
وتشبهوا بفعال غي
…
ركم من القوم الأحامس
بعصائبَ اتفقوا فجا
…
دو بالنفوس وبالنفائس
تركوا جموع الترك يق
…
صفُ فوقها الركب الروامس
فالترك قوم لا يفو
…
ز لديهم إلا المشاكس
وفي آخر القصيدة يظهر الشاعر الوجه العلماني للقومية العربية:
ودعوا مقال ذوي الشقا
…
ق من المشايخ والقمايس
ما هم رجال الله في
…
كم بل هُمُ القومُ الأبالس
فالشر كل الشر ما
…
بين العمائم والقلانس
وله قصيدة بائية أخرى لها نفس الغرض ختمها بقوله:
صبراً هيا أمة الترك التي ظلمت
…
دهراً فعما قليل تُرفع الحجبُ
لنطلبنّ بحد السيف مأربنا
…
فلن يخيب لنا في جنبه أربُ
يقول مؤلف كتاب الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (وقد
سبق المسيحيون العرب المسلمين منهم إلى التحسس بالشعور القومي، وإلى
المجاهرة بالحركة القومية. ففي بداية القرن التاسع عشر دخل المذهب البروتستانتي
إلى البلاد العربية وترجم الإنجيل إلى اللغة العربية، وأخذت طوائف الروم
الأرثوذكس في بلاد الشام تطالب بتعريب كنيستها - وكانت الكنائس الكاثوليكية بما
فيها الموارنة قد استقلت عن روما وصار لها بطاركة، وخوارنة من العرب وغدت
لها مدارسها العربية، وتخرج من المعاهد التي أنشأتها الإرساليات التبشيرية
والطوائف المختلفة رواد الحركة القومية العربية) [4] .
ويقول: (وعلى يد العرب المسيحيين تشكلت أول الجمعيات السرية العربية،
التي ندَّدت بالحكم التركي وطالبت باستقلال الولايات العربية عن الدولة
العثمانية) [5] .
وكما هو معروف فقد لعبت القومية العربية بعد ذلك بسنين دوراً أساسياً في
الساحة شَهِدَهُ الجميع. والحقيقة أن هناك ما هو أخطر من القومية على وحدة
المسلمين ويتمثل في تيار الإقليمية الوطنية بمعنى حب الوطن والولاء له. وهو
مفهوم حديث لم يعرفه المسلمون من قبل، وقد ورد إلى العالم الإسلامي قبل المفهوم
القومي. وكان أول من دعا إلى الوطنية بهذا المفهوم رفاعة الطهطاوي، فمثلاً
يقول في أحد كتبه: (فقد أجمع المؤرخون على أن مصر دون غيرها من الممالك
عَظُم تمدُّنها وبلغ أهلها درجة عالية في الفنون والمنافع العمومية، فكيف لا وأن
آثار التمدن وأماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرناً، ويشاهدها
الوارد والمتردد، ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج. مع تنوعها كل التنوع،
فجميع المباني التي تدل على عظم ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة
الملوكية وبراهينها) [6] ، وقد تطورت مثل هذه الفكرة بعد ذلك حتى أصبحت
دعوة شعبية شعارها (مصر للمصريين) .
وكما يقرر المستشرق لويس فإن مصر كانت (البلد المسلم الوحيد الذي تقدمت
فيه فكرة الوطنية المحلية وكان ذلك بسبب عوامل عدة:
1-
مصر بلد واضح المعالم الجغرافية والتاريخية.
2-
كان فيها عائلة حاكمة قوية مصممة على إتمام الاستقلال (يقصد الانفصال
عن تركيا) .
3-
تاريخ قديم رائع اكتشفت آثاره منذ مدة وهو من أهم العوامل التي يستند
إليها الافتخار بالوطنية) [7] .
وفي سبيل ترسيخ الشعور بالوطنية في بلاد المسلمين نشط الاستشراق بشكل
فعال في بعث التاريخ السابق على الإسلام في كل بلد من البلاد الإسلامية وأفلح في
تأسيس هيئات للإشراف على عمليات التنقيب عن الآثار وإنشاء متاحف وطنية،
وكان الإشراف على هذه العمليات في يد الغرب فقد أشرفت فرنسا على بحوث
الآثار في مصر وإيران، وأشرفت بريطانيا على الهند، وأشرفت إيطاليا على آثار
ليبيا. وبعد الاستقلال تغيرت الأوضاع واستلمت الحكومات الإشراف على هذه
الآثار ولكن الذي حدث (هو أن عالم الآثار الغربي في كل دولة من تلك الدول قد
ساعد في إعداد قانون خاص بالآثار للبلد الإسلامي الذي يعمل فيه، وأصبح
مستشاراً لموظف وطني عين من حكومته مديراً لمصلحة الآثار) ، وكان الغرض
من هذا كله أمرين:
الأول: إحياء التاريخ الميت للبلاد الإسلامية ومحاولة بثه في شعور أهل كل
بلد بحيث يحصل اعتزاز وافتخار بالانتساب إلى مثل هذه الحضارات، والشعور
بهوية متميزة، فالمصريون أحفاد الفراعنة والسوريون أحفاد الفينيقيين، والعراقيون
أحفاد الآشوريين والبابليين، والمغاربة أحفاد البربر، وأبناء الجزيرة العربية أحفاد
العرب الأقحاح وهكذا
الثاني: إضعاف دور الإسلام حيث تعطي مثل هذه البحوث التاريخية انطباعاً
عاماً بأن الإسلام مرحلة من مراحل حضارة البلد، سبقته حضارات وستتلوه
حضارات. وما هو إلا حلقة ضمن هذه الحلقات يعتز به كما يعتز بغيره، والولاء
في النهاية للوطن الذي أبدع كل هذا.
وعلى كل حال لم تكن هذه الجهود لتؤتي أُكُلها في تجزئة بلاد المسلمين لولا
القوة الاستعمارية التي فرضت هذه التجزئة، فكما يقطع الجزار ذبيحته قطعة قطعة
فعل الاستعمار بالدولة العثمانية فعل الجزار، فالبلاد الواقعة تحت سيطرة العثمانيين
قُسِّمت إلى عشرات الأجزاء ولم يكن ذلك لتعدد المستعمرين، بل كانت العملية
واعية ومقصودة هدفها التمزيق إلى أقصى درجة فالذي حدث (أن المناطق التي
وقعت تحت سيطرة الاستعمار الواحد جزئت تجزيئاً، فلبنان انفصل عن سوريا،
وكلاهما تحت الانتداب الفرنسي، والأردن فصل عن فلسطين، وفصل العراق
على حدة، وكذلك دول الخليج ومصر والسودان وكلها كانت تحت نفوذ الاستعمار
البريطاني، الأمر نفسه بالنسبة للمغرب العربي الكبير الذي تجزأ وكان أغلبه تحت
السيطرة الفرنسية) [9] . كما عُزِلَتْ البلاد التي لم تدخل تحت الولاية العثمانية
حيث عُزِلَتْ إيران على حدة، وأفغانستان على حِدَةٍ، والمناطق الإسلامية في آسيا
الوسطى كل منطقة على حدة، والهند على حدة.
انتهت خطة التجزئة بالعدد الذي نراه من الدول في العالم الإسلامي،
وبالحواجز التي نشاهدها بين أبناء الأمة الواحدة، وقد تكوّنت في كل بلد مع الأيام
أنظمة وقوانين خاصة، ودساتير متنوعة، ووُجِدَ في كل بلد أصحابُ مصالح في
إبقاء الوضع وإدامته، ونشأت افكار وعقليات وطنية خاصة بكل بلد، ونشأت
محظورات عالمية يُحَزَّمُ المساس بها (سيادة الدولة) و (سلامة أراضي الإقليم) و (حرمة الحدود) و (تخطيط الحدود) وعدم التدخل في (الشؤون الداخلية) وإقامة (الدولة العصرية) أو (الاشتراكية) أو (التقدمية) وغيرها مما يكرِّس واقع التجزئة. ومن ناحية أخرى فعلى كلّ بلد أن يُسَيِّرَ أموره حسب إمكاناته حتى ولو سارت الأمور عكس ما هو معقول بالنسبة للأمة الواحدة، فكم من بلد يملك القدرة البشرية ولكنه لا يملك المال، وكم من بلد يملك المال وتنقصه القدرة البشرية، وكم من بلد يملك الإمكانات الاستراتيجية ولكنه لا يملك المال أو البشر، فمثلاً: (أكثر من ثلثي الأراضي العربية الصالحة للزراعة تقع في خمسة أقطار عربية،
…
ومعظم النفط العربي يكمن في خمسة أقطار عربية، وإن ثلاثة أقطار عربية يتركز فيها أكثر من نصف سكان الوطن العربي، وإن عشرة منها يتركز فيها 90% من السكان) [10] . هذا على نطاق العالم العربي فما بالك بالعالم الإسلامي.
لقد كان الأمر يسيراً في البداية ولم يكن يسيطر واقع التجزئة على العقول بل
كان يُنْظَرُ إليه على أنه حالة طارئة، ولكن في الوقت الحاضر أصبح الواقع يحظى
بالقبول من الكثرة الأكثرية ويشكل الأساس في الفكر وفي الحياة الواقعية.
وفي الختام فإن تنمية الوعي بأهمية وحدة المسلمين كما يأمرهم الإسلام هي
النقطة الأساسية الأولى في سبيل التغلب على الواقع. لقد نقلتهم الإقليمية من القوة
إلى الضعف ومن الغنى إلى الفقر ومن الأخوة إلى العداوة (كم هناك من الخلافات
حول الحدود قابلة للانفجار في أية لحظة) . وستجعل لهم الوحدة مكانة متميزة بين
الأمم، وستوفر لهم مجالات أرحب للتنمية. وعلى كل حال فإن الواقع يفرض أن
يقتصر الحديث في هذه المرحلة على التكامل الاقتصادي، وإنشاء سوق إسلامية
مشتركة، والتقارب عن طريق المنظمات الإسلامية وأن شحَّت فاعليتها إلى أكبر
حد ممكن. كما ينبغي أن تيسر تنقلات المسلمين فيما بين دولهم، ومن الأهمية
بمكان وجود تكامل سياسي يدعم معنوياً ومادياً ويساعد على حل الخلافات بين دول
العالم الإسلامي.
(*) انظر الشوقيات المجلد الأول ص 105-109.
…
...
…
...
…
-البيان-
(**) بائس: مقبل.
(1)
برنارد لويس، الغرب والشرق الأوسط، تعريب: د نبيل صبحي، كتاب المختار ص 93.
(2)
د نور الدين حاطوم، تاريخ الحركات القومية، الجزء الاول دار الفكر ص 15.
(3)
برنارد لويس، المرجع السابق، ص 111.
(4)
علي المحافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت 1987، ص 29.
(5)
المرجع السابق، ص 130.
(6)
المرجع السابق ص 122.
(7)
برنارد لويس، المرجع السابق، ص 106.
(8)
محمد محمد حسين، الإسلام والحضارة الغربية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة ص 140.
(9)
منير شفيق، الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الثانية، 1407 هـ، ص 82.
(10)
منير شفيق، نفس المرجع، ص 86 وانظر في الموضوع: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، محمد محمد حسين.
عودة إلى المعرفة
محمد بن حامد الأحمري
هل من المناسب أن نكتب عن التعلم والقراءة في الوقت الذي يشهد العالم فيه
نهاية دولة مسلمة، وإلغائها من الأرض ودفن كل المعالم التي قد تشير إلى مكانها
في قادم الأزمان؟ تكتب صحف العدو على صدر صفحاتها (وداعاً البوسنة)
ويقولون عن خطة الغدر التي كتبها أوين وفانس: (لقد أصبحت حبراً علتى ورق)
على رغم كونها مأساة، فقد سلبت المسلمين أرضهم، ولكن تدهور الموقف فيما بعد
جعل المسلمين يتمنونها.
نكتب عن هذه القضية لأن الجهل أنشب مخالبه في عقول وقلوب المسلمين؛
في جامعاتهم ومدارسهم وكل مرافق حياتهم، حتى إذا أرادوا أن يهربوا من الجهل
فروا إلى الحصول على الشهادات فزادتهم عماية وضياعاً وغروراً بجهلهم. ولا بد
قبل الاهتمام بالمعرفة من الاعتراف بالجهل؛ وذلك بعرض بعض مظاهره عندنا.
إعادة سبب مصائبنا إلى البعد عن الدين والعلم - وهما في ثقافة المسلم
متلازمان - تفسير صحيح لما حل بنا، تفسير يقوله العدو والصديق، يقوله
الثعالبي عند خروجه من تونس، ويرى الحل في المدارس الشرعية، ويرى
أهميتها قبل القتال، ويرى ذلك محمد علي السنوسي عندما كان عائداً من الحجاز
في طريقه إلى تلمسان بالجزائر، وجد بلاده قد وقعت تحت أيدي الفرنسيين ولا
يستطيع العودة إليها فيبقى في برقة يعلم الناس ويحثهم على التعلم، ويتابع إنشاء
الزوايا السنوسية، ومن أهم أهدافها التعليم. ولمس هذا السبب كل من اتصل بهموم
الأمة وقضاياها من رجالها أو من أعدائها، فكتب الرحالة الغربيون وهم طلائع
الاستعمار؛ كتبوا بكل سخرية واستصغار عن الجهل وترسخه في بلاد المسلمين.
وكتبوا عن الخرافة والكرامات والقبور التي لها مكانة خاصة عند أصحاب المدن،
ويتعجب من إيمان بعض المسلمين بأن بعض القبور والمشاهد تحكم العالم وتهيمن
عليه وهكذا فرق السحرة وجيوش الخرافة.
الإعجاب المتناهي بالغريب والجهتل المتناهي به، جعل بعض المسلمين
يكتب إلى الحاكم الفاشي الإيطالي موسيليني يخاطبه بحامي حمى الإسلام والمسلمين، ولا نستغرب الذين قالوا أبشع من ذلك أو قالوا لن تتحرر فلسطين (حتى يرفرف
فوقها العلم الأحمر) فانضموا إلى حزب راكاح الشيوعي الصهيوني ليحرروا
فلسطين من الرأسماليين اليهود وليحكمها الشيوعيون اليهود بدماء الأعراب. أما في
البوادي فكان الحال أشنع فليس غريباً أن يقف أعراب سيناء مع الإنكليز ضد الثوار
المصريين مقابل الذهب الذي دفع لهم، ثم اكتشفوا وبعد مناصرة بريطانيا أن الذهب
الذي أعطي لهم كان مزيفاً (صفراً) .
وأعراب العراق كانوا يتلقون الأوراق التي تلقيها الطائرات البريطانية والتي
تحتوي تعليمات أو تحذيراً أو أوامر لهم، فيظنون أن الطائرة فيها ثقب ولذلك
يجمعون الأوراق ليعيدوها لهم لأنهم لا يقدرون على القراءة. وكانت الرسالة تصل
القرية فيمر بها صاحبها عدداً من القرى لا يجد من يقرأ له رسالته.
وهكذا آل مآل أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال لهم فيما صح
عنه: (العلم فريضة على كل مسلم)[رواه ابن ماجه] ، وتحولت وسائل التعليم
والمدارس والجامعات في بلدان العالم الإسلامي إلى مواقع ينتشر فيها الجهل والتقليد، والعمل الإداري الروتيني، والسباق الساذج نحو الشهادات، وترك العلم الذي قيل
إنها أنشئت من أجله.
فقد أصبح التعليم وسيلة للعيش فقط، والتعلم طريق الشهادة التي تفتح باباً
للعيش، وأنىّ للمدرس الذي يحيا هذه الظروف حوله أن يخلص من هذه الكوابيس
إلا من رزقه الله إخلاصاً وهمة وحمية لدينه وأمته.
إن الجامعات الغربية التي على مثالها أنشئت ما نسميه جامعات في بلداننا تقوم
بدور آخر، لا أقول كل جامعاتهم ولكن كثيراً منها يقوم بدور حيوي في حياة أمتهم، فتعلم الصناعات الكبرى تبدأ نظرية وتطبق أولاً في الجامعات، حيث يطلب
الجيش الأميركي أو الفرنسي تطويراً لجهاز ما ويتحدثون عن المشكلة الصناعية أو
الجهاز الذي يريدون مع أستاذ في الجامعة وسرعان ما يقوم المدرس وعدد من
تلاميذه وأكثرهم وللأسف من دول العالم الإسلامي بدراسة المشكلة وحلها، وما هو
إلا زمن يسير حتى تنتهي وتتحسن الصناعة وهكذا بقية الشركات وأغلب
المؤسسات العلمية العلم عندهم يعني العمل والتطبيق المباشر.
أما السياسة عندهم فهي علم يدرس في الجامعات، يدرّسه مهرة يعيشون في
موقع القرار في الدولة، أو عايشوا ذلك في الماضي، وهم على صلة قريبة جداً
بكل ما يحدث، وما تسمعه اليوم من خبر في وسيلة إعلام قد يكون موضع نقاش
ودرس وبحث عن السبب والحل في الجامعة والصحافة، لأنهم كما قالوا: سياستهم
علم وسياستنا كهانة.
إن الذي صاغ ورقة الحوار ونقاش السلام المصري -الإسرائيلي في عهد
السادات أستاذ في جامعة هارفارد، صاغه مع تلاميذه وقسمهم إلى فريقين كل منهم
مستوعب لقضيته يطالب بحقه، والمدرس وفريق معه يدرس عملية الصلح حتى إذا
تمت الدراسة ونجحت الفكرة طبقت على المتحاورين الإسرائيليين والمصريين، ولم
يجدوا صعوبة إلا مع الجانب الإسرائيلي؛ لأن (بيغن) لم يكن يقطع برأي حتى
يشاور حزبه والكنيست، أما السادات فيقول عنه (كارتر) إنه كان يعيد الأوراق
موقعة وبسرعة، حتى أن فريق السادات الذي كان معه لم يكن يقرأ أوراق المعاهدة
هكذا قال عنه كارتر في كتاب (دم إبراهيم) .
وهكذا بإمكاننا نقل الأسماء والمصطلحات والاشكال والطقوس الجامعية أو
البرلمانية، ولكن المضمون يبقى غريباً عنا فالجامعة عندنا مكان نحصل منه على
شهادة ولو كاذبة، والمدرس في أي المستويات بعد حصوله على الشهادة يطلّق العلم
طلاقاً بائناً، ويكرهه ويكره ذويه، ذلك أن مقتضى الترك له البعد والكراهة.
والبرلمانات مكانة اجتماعية يتسابق الناس لها وليس لها تبعات ولا اعتراضات بل
أدوات زينة وديكور بلا قرار، يندر فيهم الدارس الجاد لمشكلات أمته الباحث عن
الحلول، ولقد قالت زوجة بوش تصف زوجها يوماً: إنه رجل دراسة لما كان ينفق
من الوقت في قراءة ما يصله، وعندهم للأسف أمثلة من رجال السياسة والمعرفة ما
لا يوجد له قرين عندنا في زمن الانحدار، إذ لا يمكن أن يهدي أمته جاهل أو
ينتصر لها.
ولقد كان العلم دائماً رفيق الغلبة والجهل قرين الهزيمة، لم يكن بعيداً أن
ينتصر صلاح الدين وابن هبيرة يتنقل معه بعلمه وكتبه في الخيام من جبهة لأخرى، وليس غريباً أن ينتصر الشيخ شامل في داغستان على القياصرة ومعه مكتبته
تحمل على الخيول. ويلخص أحد المؤرخين الغربيين انتصارهم على المسلمين في
بداية المرحلة الاستعمارية علينا نحن المسلمين أن عندنا جهل وشجاعة وقصر نَفَس
وفساد نظام، وعندهم علم ومثابرة وجد متدرج فغلبوا. يقول: (يقهر علم الغرب
ومثابرته تدريجياً شجاعة أهل الشرق وفساد نظامهم) [1] . وبعد الإشارة إلى هذه
المظاهر يأتي الحديث - بإذن الله - عن بعض وسائل الخلاص.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
- يتبع -
(1) تمبرلي وجرانت، (أوربا في القرن التاسع عشر العشرين) ، 2/37.
البيان الأدبي
مقدمة في بناء الرواية
(القسم الثاني)[*]
د.مصطفى بكري السيّد
-4-
لا يأتي الباحث بدعاً من الرأي إن قال بأولوية زمانية وفنية للقصة القرآنية
بوصفها الجذر الفني الذي استولدت منه القصة الحديثة سواء في الشرق أو الغرب،
ولا بأس أن نردد مع إحدى الدراسات قولها: (يبدو أنه قد آن الأوان لكي نقول أن
القصة القديمة أشد ظهوراً في القرآن الكريم منها في أي موضع آخر) [1] .
ولئن سبقت قصة التوراة قصص القرآن، فإن التحريف الذي أملته أهواء
أهل الكتاب جعلت العقول المؤمنة تمجّ القصص التوراتية لما (فيها من مخالفة قواعد
العلم، وقوانين التربية، وهي تذكر الله ورسله بما يأباه العقل وتشمئز منه النفس،
وماذا أكثر من أن يوصف الله بالندم والبداء (أي تبدو له الأمور وكأنه يجهلها،
والظهور بصور البشر - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - وأن يوصف الرسل
بالكذب والسكر والزنا) [2] .
كما نجد في القصص التوراتي (هيجاناً جنسياً لا يتورع عن استباحة أخس
الوسائل لتحقيق الاتصال الفاجر حتى بين النبي وابنيته كما يزعم (سفر الخروج)
في شأن لوط، وكالذي يطالعنا في بعض تلك الأسفار عن اتهام داود، باقتراف أحط
الجرائم في سبيل السطو على زوجة أحد رجاله) [3] .
ماذا ترك التحريف في الكتاب المقدس (للأدب اليوناني الذي يعد المنبع الأول
للأدب في شطريه الإباحي والوثني؟
وما هي العلاقة بين القصة الأوربية - بوصفها أصدق امتداد مضموني
للإباحية والوثنية - والكتاب (المقدس)(*) في وضعه الحالي المحرف؟ إن هذا
التساؤل يذكر بقالة قرأتها لبعض علماء المسلمين في تنظير العلاقة بين أوربا ودعوة
المسيح عليه السلام (إن أوربا لم تتنصّر، ولكن المسيحية تأوربت) .
وأياً كان الرأي المضاد لهذه الأولية - أي أولية القصة القرآنية الزمانية
والأسلوبية، إن كان من أهل النصفة - أن ينكر أن القصة القرآنية كانت بمضمونها
وأسلوبها؛ ولا تزال نقطة مضيئة في مسيرة هذا الفن، وأنها في الشكل والأسلوب
لم تكن عبر الحروب الصليبية في المشرق والأندلس غائبة عن التأثير والتأسيس
لهذا الفن في الأدب العربي.
- 5 -
وليس غريباً أن تتقدم قصة موسى عليه السلام سائر القصص القرآني
سواء لجهة المكان الذي شغلته من صفحات المصحف الشريف، أو المكانة التي
تبوأتها عند العلماء، أو لخطورة الفئتين اللتين واجههما موسى حيث كانت إحداهما
فئة ممعنة في التكبر والطغيان (فرعون وملؤه) وأخرى استمرأت الذل والتبعة
والاستضعاف (بنو إسرائيل)[4] .
هذه القصة وإن كانت تتمحور حول حدث من الماضي، فهي قادرة على
تحريك الزمن، ومن ثَمَّ الملتقى في كل اتجاه، بوصفها بنية عقدية تشريعية،
تربوية، تاريخية، زمانية، مكانية، أداتها اللغة، وقراؤها لأداء العبادة في الصلاة
والتلاوة تعلماً وتعليماً، يعدون بمئات الملايين، فمن حق هؤلاء أن تكون بين أيديهم
قراءة واعية وعميقة للقصص القرآني عموماً، وقصة موسى عليه السلام على
وجه الخصوص، بحيث تضاعف هذه القراءة - الدراسة - فهم المسلم وغيره
لمقروئه، لأنها ليست قصة فرد أو قصة أمة (بل قصة البشرية جميعاً)[5] .
فالمسلم يدرك بتأمل القصص القرآني عموماً أنه سليل أمة متميزة بعقيدتها
ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، قادتها الأنبياء، وهويتها العقيدة، [إنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء 92] ، [وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] [المؤمنون 52] ، ويدرك خصوصاً أوجه الشبه بين دعوة
رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وأخيه موسى عليه السلام[6] ، فيعلم
ديمومة المعركة، وأن شرف الجندية لخدمة هذه الدعوة المباركة من أعظم ما
صرفت فيه الأعمار [ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إنَّنِي
مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت 33] .
أين كتاب وأدباء المسلمين من دراسة القصة القرآنية التي يجب أن تتم ابتغاء
تحقيق أكبر محصول عملي من قراءة المسلم القرآن وصولاً إلى الفهم الحقيقي
الشامل لخطاب الله عز وجل، وتأسيساً لمعرفة قرآنية إسلامية تعطي النص
الإسلامي دوره المطلوب في تشكيل القول والفعل والقول في دار الإسلام؟
…
إنني أكتب هذا الكلام (لأذكر بأن رسالة الأدباء والمفكرين في هذه المرحلة في
بلادنا ليست هي دور (المَوالي)(بفتح الميم) لثقافة وآداب وصيغ وشعارات أوربا
شرقاً وغرباً) [7] . وكم يؤلمنا عندما يتشبه قلة من كتابنا (بالمستشرقين والملاحدة)
فيستشهدون بالآيات الكريمة من غير اعتبار خاص ويشيرون إلى الرسول - صلى
الله عليه وسلم - من غير تمييز [8] . إن دورهم الحقيقي يكون في انسجام إبداعهم
الأدبي مع عقيدة الأمة وتجربتها العميقة ورحلتها الطويلة، ولكننا نلاحظ بعض
الغياب بين الدراسات القرآنية والدراسات الأدبية، التي كانت سالكة في الاتجاهين،
وكانت خيراً عميماً للجانبين، أما الآن فإذا تقدمت كمَاً تراجعت كيفاً، وإذا برز
مفكرون متمكنون، نرى آراءهم تعْليباً جديداً لأفكار المعتزلة، وهم مستعدون على
أمتهم بالمناهج الغربية [9] .
إن هذا الغياب عن ساحة الدراسة الجادة للقصة القرآنية آثار تعجباً وتساؤلاً
لدى بعض الكتّاب فقال: (عجبت أن لم يلتفت إليها (القصة القرآنية) أحد من نقادنا
ثم ما لبثتُ أن قمعتُ هذا العجب، فمنذ متى يهتم نقادنا بديننا أو تراثنا؟ إنما كل
همهم أن يلووا ألسنتهم بلغة غير لغة بلادهم، وينسبوا أنفسهم إلى أدب غير أدبهم
وحسبنا الله ونعم الوكيل) [10] .
وإذا كان هذا موقف أكثر المعاصرين فإن مجهودات الأقدمين على جلالتها في
خدمة التفسير عموماً فقد حجب سحاب الإسرائيليات اللجب جماليات القصص
القرآني أحياناً كثيرة، كما تمحور كثير من دراسات السابقين حول المفردات
والتراكيب دون التمكن من تشييد فضاء واسع يتجلى في منظومة متكاملة تكون أكثر
عونا للقارئ لتمضي به نحو فَهْمٍ شامل وكامل للقصص القرآني، وبعضها كان
يجهد في غير عدو ويعمل في غير معمل، عندما (يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس
معهم بالبحث عن النملة، وهل هي ذكر أم أنثى، وعن الموضع الذي كانت فيه
مملكتها، واسم الوادي الذي قامت فيه تلك المملكة.. ثم اسم النملة إي والله اسم
النملة) [11] .
لقد أدان ابن تيمية رحمه الله هذا الاتجاه - عند المفسرين - الذي يأتي
على حساب النص لا لحسابه فيقول: (لا خير فيما لم يذكره القرآن، كالبعض الذي
ضرب به موسى الغلام، والغلام الذي قتله الخضر ما اسمه..) [12]
…
يكفي القصص القرآنية فضلاً ومكانة اختيار الله سبحانه وتعالى لها لتكون
موضوع إحدى سور القرآن الكريم الطويلة [13] ، أو بعض موضوعات تلك السور، ولتكون صورة للوجود المثالي للإنسانية متمثلاً بالأنبياء ونموذجاً للعلاقة بين
…
الإنسان والكون وبارئه سبحانه وتعالى، وبياناً لمنهج العيش مع أفراد الأسرة
البشرية من مؤمنين وكافرين ومنافقين.
ويكفي هذه القصة أن تحمل إلينا صيحة أطلقتها نملة - نعم نملة - فكرة -
وأن هذه الصيحة تبالغ مسامع سليمان عليه السلام، لو أن قاصاً معاصراً -
غربياً على وجه الخصوص - أفسح للنملة في صفحات قصته مكاناً لسدت الأفق
إشادات النقاد بهذه اللفتة الإنسانية لهذا المخلوق الضعيف! ! [الَذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ
عِضِينَ] [الحجر 91] ما كان لهم أن يرتقوا إلى سمو القرآن وأفقه الرحب.
تتساءل إحدى دراسات الرواية العربية (كيف يمكن أن تنتظم العلاقة بين
السماء والأرض أو بين الله والإنسان، بحيث يمكن أن تسير الحياة في إيقاع منسجم
في جميع مراحل الحياة؟) [14] . إن وجودنا في هذا العالم وحياتنا فوق هذا
الكوكب من صنع [رَبُّنَا الَذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى][طه 50] . وإن الله
سبحانه قد هيأ لهذا الإنسان - فضلاً منه ومنّة - كل أسباب العيش الرغيد والوجود
المتوازن، والقصة القرآنية باستعراضها النماذج المختلفة لما كان لينسج على
منوالها ما يكون ولما فات ليبني على منوالها ما هو آت.
لا ندعو إلى استعادة آلية للماضي، ولا إسقاطه على الحاضر دونما مراعاة
خصوصية كل عصر أو مصر، بل ما نريد أن نستحضره في كتابة الأدب وقراءته
ونقده جوهر الحياة التي يريدها القرآن.
ولعل في الأسطر السابقة إجابة على تساؤل الناقدة والدراسة المتعمقة..
(*) نشر القسم الأول هذه الدراسة في العدد 46، ص 56-65.
(**) الكتاب المقدس: مصطلح نصراني شائع يعني العهد القديم والعهد الجديد وتوابعهما
- البيان -.
(1)
كليلة ودمنة في الأدب العربي دراسة مقارنة، د ليلى حسن سعد الدين، دار النشر للتوزيع عمان، ص119.
(2)
القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته، د فضل حسن عباس، دار الفرقان، عمان، ط 1، 1407/ 1987م،ص12.
(3)
نظرات تحليلية في القصة القرآنية، محمد المجذوب 19/120.
(4)
القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته، ص 224.
(5)
السرد القصصي في القرآن الكريم، ثروت أباظة، ص10.
(6)
في كتاب (سيكولوجية القصة في القرآن) ، د تهامي نقرة، الشركة التونسية للتوزيع، ص 124، استظهر أكثر من وجه شبه بين دعوة محمد وموسى عليهما السلام.
(7)
قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح ص 12، أحمد موسى سالم، دار الجيل، بيروت 1987م.
(8)
مجلة المنهل، عدد 493، ص 26 رجب 1412، مقال بعنوان: الاتجاه الإسلامي في الشعر الجزائري، د محمد مرتضى.
(9)
عنوان الدكتور جابر عصفور لمقالة عن كتاب د نصر حامد أبو زيد [***] ، مفهوم النص، (مفهوم النص والاعتزال المعاصر) والأخير عنوان المقال في: مجلة ابداع، العدد 3، مارس 1991، ص 30.
(***) - نصر حامد أبو زيد: الذي رُفضت ترقيته الى درجة أستاذ بجامعة القاهرة بعدما أحيلت قضية ترقيته إلى "لجنة الشؤون الدينية في الحزب الوطني الحاكم، وهي برئاسة الدكتور عبد الصبور شاهين"، وسبب الرفض هو عدم استحقاقه هذه المرتبة، وقد اتسمت كتابته بالهرطقة والانحلال والاستخفاف بالمقدسات الإسلامية حتى تجرأ على القرآن الكريم في كتابه "مفهوم النص - دراسة علوم القرآن، كما روّج لكل ما يعادي الإسلام في بقية كتبه، وناصره كافة أعداء الإسلام في مصر من ملحدين وشيوعيين وإباحيين، ومنحه الرئيس التونسي وساماً رفيعاً، وهكذا كلما استبدت عقدة الشهرة بجاهل بحث عنها في الهجوم على الدين، وأصدرت مجلة "أدب ونقد"، الماركسية الشيوعية ملفاً دفاعياً عنه، وتضامناً معه وذلك في أيار (مايو) 1993 م تفوح منه عفونة الإلحاد - البيان -.
(10)
السرد القصصي في القرآن الكريم، ص 3.
(11)
القصص القرآني من العالم المنظور وغير المنظور، عبد الكريم الخطيب ص 22.
(12)
الفتاوى 13/345، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، مكتبة المعارف الرياض / المغرب.
(13)
كسورة يوسف عليه السلام.
(14)
نقد الرواية، ص 13 انظر أيضاً: نقد الرواية، د نبيلة إبراهيم سالم، النادي الأدبي الرياض، 1980 م.