الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دراسات شرعية
نظرات في
علم أصول الفقة:
الصعوبة والعلاج
محمد عثمان الأخضر شوشان
أصول الفقه أحد العلوم الإسلامية الأصيلة توالت المؤلفات فيه عبر التاريخ،
إلا أن ظاهرة صعوبة هذا العلم ملموسة، وهذه الرؤية من الكاتب محاولة لعلاج
صعوبة هذا العلم.
- البيان -
تعتري أصول الفقه جملة من المشكلات في جوانب مختلفة منه في مضمونه
أحياناً، وفي منهج دراسة مسائله، ومناقشة بعضها، وفي الأسلوب الذي سطر به
أحياناً، وفي منهج تدريسه أحياناً أخرى، وكلها مشكلات تسببت في قلة الاستفادة
من هذا العلم المهم، لذا فهي بحاجة ماسة للحلول والعلاج من قبل المتخصصين فيه
عسى الله عز وجل أن ينفع بها.
وأحاول في هذا المقال إن شاء الله تسليط الضوء على إحدى هذه المشكلات،
محاولاً طرح بعض الحلول لها حسب ما أراه مناسباً.
تتمثل هذه المشكلة في منهج تدريس أصول الفقه، تلك التي نتج عنها قضيتان
خطيرتان: الأولى عدم فهم أصول الفقه، والثانية عدم معرفة كيفية الاستفادة منه
بعد ذلك.
أما القضية الأولى: فإن طلبة العلم الشرعي في الجامعات والمعاهد
المتخصصة بله من هم دونهم يشكون من صعوبة فهم مادة «أصول الفقه» وتؤكد
نتائج الاختبارات هذه الدعوى في كل فصل دراسي.
أما القضية الثانية: فإن هناك عدداً لا بأس به من طلبة العلم إما لأنهم رزقوا
فهماً قوياً، أو لأنهم بذلوا جهداً مضاعفاً قد أدركوا وفهموا كثيراً من مسائل هذا الفن
ولكنهم للأسف الشديد لا يستفيدون من هذا شيئاً في ممارساتهم العلمية، وذلك لعدم
معرفتهم بكيفية الاستفادة من هذا العلم!
إن حل هاتين المشكلتين موزع في نظري بين أطراف ثلاثة هي:
1-
طالب العلم.
2-
معلم مادة أصول الفقه.
3-
المؤسسات العلمية والتعليمية المهتمة بتدريس هذه المادة والاستفادة منها.
أولاً طالب العلم:
إن أهم مسألة ينبغي أن تتوفر لدى طالب العلم تجاه هذا الفن بعد سلامة القصد
هي إدراكه للغرض من دراسته والفائدة المرجوة منه، ويحصل ذلك بمطالعة ما
سطره العلماء في هذا الخصوص، ويمكن جمع ذلك في ثلاث نقاط:
1-
تحصيل ملكة الاستنباط للأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية
وملكة الاستنباط هي رأس مال الجهد كما قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني.
2-
استنباط تلك الأحكام على وجه الصحة حسب نظر المجتهد لا في واقع
الأمر، وهذا مبتغى ومطلب كل مجتهد صادق مخلص، ورفع الإثم عنه عند الخطأ
منوط بسلوكه المنهج القويم في الاجتهاد أي اعتماده قواعده الشرعية، التي هي
أصول الفقه.
3-
معرفة سبب الاختلاف في جملة من الفروع الفقهية المختلف فيها بين
العلماء إذ إن الاختلاف في القاعدة الأصولية قد يسبب اختلافاً في أحكام الفروع
الفقهية، مما يمهد ويختصر للطالب أسباب الترجيح.
4-
استنباط أحكام النوازل باستخدام دليل القياس أو مقاصد الشريعة.
كما على الطالب أن يستحضر أن أول من ألف في هذا الفن تأليفاً مستقلاً إمام
جليل من أئمة أهل السنة والجماعة هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله
مما يؤكد توجيه مسؤولية هذا العلم إلى من ينتمون إلى هذا المنهج منهج السلف
الصالح تعلماً وتعليماً واستفادة وتجديداً.
إن إدراك طالب العلم لأهمية هذا العلم من خلال الوقوف على أغراضه
وفوائده، ثم مقارنة ذلك بحال كثير ممن تصدروا للفتيا والاجتهاد في أيامنا هذه
سواء أكانوا ممن يدعون الالتزام بالنصوص الشرعية أو ممن يغلبون النظرة العقلية
المصلحية على النصوص الشرعية على حد سواء، وما ترتب على هذا من مفاسد، لمن أهم أسباب تنشيط الهمة والجد والاجتهاد لفهم مسائل هذا العلم مهما كانت
التضحية كبيرة.
ثانياً معلم مادة «أصول الفقه» :
تنتظم الاقتراحات المتعلقة بالمعلم في هذا الموضوع في مقدمتين: المقدمة
الأولى: عُرّف أصول الفقه باعتباره لقباً بأنه (القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط
الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية) [1] ، وقد عُرّفت القاعدة بأنها (حكم
كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه كقولنا: كل حكم دليل على القياس
فهو ثابت) [2] .
المقدمة الثانية: هذه القواعد إنما يتوصل إليها لتكون عند عملية الاستنباط
(مقدمة كبرى في القياس الحملي أو ملازمة في القياس الاستثنائي، بعد أن يقدم لها
بمقدمة صغرى موضوعها جزئي من جزئيات تلك القاعدة ودليل تفصيلي يعرفه
الفقيه بيسر وسهولة كالأمر بالصلاة في قوله تعالى: [أقيمو الصلاة] فيكون بذلك
قياساً منطقياً هذه كيفيته:
المقدمة الصغرى: الصلاة مأمور بها في قوله تعالى: [أقيموا الصلاة]
وهذا دليل تفصيلي.
المقدمة الكبرى: كل مأمور به واجب (وهذه أصولية أو دليل كلي إجمالي) .
النتيجة: الصلاة واجبة (وهذه النتيجة حاصلة بإسقاط الحد الأوسط المكرر) .
فمن هاتين المقدمتين ندرك أن أصول الفقه في الاصطلاح هو القواعد الكلية
نحو (كل أمر للوجوب) التي يتوصل بها المجتهد إلى التعرف على الأحكام الشرعية
الفرعية (كوجوب الصلاة) من الأدلة التفصيلية التي هي في هذا المثال قوله تعالى:
[أقيموا الصلاة] ، وهكذا
…
[3] .
الاقتراحات المترتبة على هاتين المقدمتين:
1-
قيام مدرسي أصول الفقه بتدريسه على أساس ما عرف به سابقاً، أي
على شكل قواعد (أحكام كلية
…
«بحيث تكون القاعدة شكلاً ومضموناً هي
موضوع الدرس يتناولها المدرس بالشرح والتفصيل.
2-
قيامهم كذلك بتدريب الطلاب على كيفية الاستفادة منها عند التطبيق على
الصفة المذكورة آنفاً، مع ذكر الأمثلة الصحيحة الواقعة في مصنفات أهل العلم.
ويطلق على هذا المنهج (تخريج الفروع على الأصول) يستعين المدرس بما
ألف فيه، ومن ذلك:» أصول الشاشي «،» تخريج الفروع على الأصول
للزنجاني «،» مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للتلمساني «،
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للاسنوي» ، «القواعد والفوائد الأصولية
لابن اللحام» ، وكلها كتب مطبوعة وفي متناول الجميع.
ولهذين الاقتراحين فوائد منها:
1-
سهولة حفظ القاعدة واستذكارها عند الحاجة إليها باعتبارها المقصود
الأول من الدرس.
2-
يسر الاستفادة منها عند التطبيق كما هو مبين في ترتيب المقدمات بخلاف
ما لو عرضت على شكل بحث مبسوط.
وبهذا إن شاء الله يجد الطالب نفسه أمام سبيل لا غموض فيه، ولا صعوبة
للتوصل إلى حكم شرعي في مسألة معينة، ولم يبق منه سوى بذل الجهد في تحديد
الأدلة المتعلقة بمسألته.
ثالثاً المؤسسات التعليمية والعلمية:
أرى أن المطلوب من هذه المؤسسات للمساهمة الجادة في حل هذه المشكلة
جملة من الأمور:
1-
عقد ندوات وجلسات يدعى إليها المتخصصون في هذا العلم لتشخيص
المشكلة، ومحاولة تقديم حلول عملية لها.
2-
المسارعة في تنفيذ ما توصل إليه أهل الاختصاص في هذا الشأن ونشره
تعميماً للفائدة.
3-
تكليف الباحثين في الدراسات العليا ممن تتعلق رسائلهم بالأحكام بوضع
فهرس للقواعد الأصولية المذكورة في بحوثهم حتى يتمكن غيرهم من التعرف على
كيفية استفادتهم من تلك القواعد.
4-
على المؤسسات العلمية التي تقوم بإصدار الفتاوى والبحوث وضع فهرس
للقواعد الأصولية المذكورة في مجلاتها الدورية للغرض السابق نفسه.
غير أنه بعد قراءة هذه المقترحات يتبادر إلى الذهن سؤال مهم وهو: هل
القواعد الأصولية كلها قد صيغت على شكل قواعد؟ وهل هذه الصياغة موحدة بين
الأصوليين؟
لا شك أن هاتين المسألتين في غاية من الأهمية بالنسبة لزماننا هذا على الأقل، إذ قد لا تكون بهذه المثابة عند الأوائل لاعتبارات كثيرة، فليس سهلاً أن يقوم أي
طالب أو باحث بصياغة قاعدة من بعد إدراكه للدرس، إذ يتطلب هذا العمل الدقيق
إحاطة بجميع متعلقات القاعدة، وقد لا يتوفر هذا في غير أصحاب التخصص
المتمرسين من أساتذة ومجتهدين.
لذا فإنني أقترح أن تقام ندوات وجلسات علمية يدعى إليها هؤلاء لوضع صيغ
موحدة للقواعد الأصولية، ثم نشرها ليتداولها الجميع، علماً بأن علماءنا الأوائل قد
كفونا مؤونة صياغة جملة منها، وبخاصة القواعد المختلف فيها ومظانها كتب
التخريج والأصول وأسباب الاختلاف وبعض كتب القواعد الفقهية، وكان من
منهجهم في صياغتها أن تذكر القاعدة بصيغة السؤال إن كانت مختلفاً فيها وبصفة
التقرير إن كانت متفقاً عليها.
وفي الختام أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بهذه الاقتراحات، وأن يرزقنا
الإخلاص والتوفيق في العلم والعمل.
(1) شرح مختصر المنتهى 1/18.
(2)
التلويح للتفتازاني 1/20.
(3)
أصول الفقه للباحسين 120.
دراسات اقتصادية
المشكلة الاقتصادية
وعلاجها من المنظور الإسلامي
-2-
د. محمد عبد الله الشباني
في الحلقة السابقة تطرقنا إلى جانب من معالجة الإسلام لجانب من جوانب
المشكلة الاقتصادية، وهو جانب الندرة، وفي هذه الحلقة سوف نتطرق إلى
الجوانب الأخرى لمعالجة مشكلة الندرة، وهذا الجانب يتعلق بدور الدولة في معالجة
الندرة من خلال كيفية استغلال الموارد الطبيعية وتنميتها، أي دور الدولة المسلمة
في التأثير على الإقلال من تأثير قانون الندرة على المشكلة الاقتصادية.
إن من مهمات الدولة أن تعمل على البحث عن المصادر الطبيعية، فقد أشرنا
في الحلقة السابقة إلى الحديث الذي رواه أبو يعلى في مسنده عن عائشة رضي الله
عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: (اطلبوا الرزق في خبايا
الأرض) [1] ، ففي هذا الحديث توجيه نبوي للأفراد وللحاكم المسلم باعتباره
…
مسؤولاً عن الأمة، والقاعدة التي يتبعها التشريع الإسلامي هي مخاطبة الأمة
فصيغت الأوامر كما جاءت في القرآن الكريم موجهة لأفراد الأمة بأجمعهم لكن
مسؤولية التنفيذ تقع على الحاكم نفسه، فمن ذلك قوله تعالى: [ولكم في القصاص
حياة يا أولي الألباب] [البقرة: 179]، وقوله تعالى: [الزانية والزاني فاجلدوا
كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله] [النور: 2] ، كما
يلاحظ ذلك في الأحاديث النبوية الشريفة حيث يتوجه الخطاب إلى الأمة، لكن جهة
التنفيذ هم ولاة الأمر، وعليه فإن التوجيه النبوي في هذا الحديث يقتضي أن تقوم
الدولة بالبحث عن مصادر الرزق المخبوءة في باطن الأرض.
الحديث الشريف يوضح العلاج:
إن من وسائل علاج ندرة الموارد وفق ما يشير إليه ذلك الحديث الأمور التالية:
1-
ضرورة بذل الجهد من قبل الأمة ممثلة في الحاكم المسلم بالعمل على
البحث عن الموارد الطبيعية، وتسخير القوى العاملة من الأمة بالعمل على بذل
الجهد والمشقة، فصيغة «اطلبوا» توحي بأهمية الحصول على موارد طبيعية
جديدة، أو اكتشاف مجالات جديدة في استغلال الموارد الطبيعية المتاحة، مما
يقتضي بذل كل جهد ممكن عضلي أو عقلي وبالتالي فإن مشكلة الندرة لن تحل
بدون بذل الجهد والعمل، فالله قد تكفل برزق جميع مخلوقاته، ويؤكد هذه الحقيقة
قوله تعالى: [وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها] [هود:
6] ، لكن الحصول على هذا الرزق يستدعي بذل الجهد، كما أنه لا يقتضي كثرة
الكمية المتاحة، ولكن اكتشاف مختلف مجالات الاستخدام للموارد المتاحة يؤدي إلى
إشباع حاجات الإنسان.
2-
إن مفهوم الرزق كما أشار إليه الحديث لا يقتصر على شيء دون آخر بل
يشمل كل شيء يحقق إشباع الحاجات سواء أكان الأمر يتعلق بالإنتاج الزراعي، أو
المعدني، أو غير ذلك، وبالتالي ضرورة قيام الأمة ممثلة في ولي الأمر بالتنقيب
عن مصادر الرزق، إذ أن المصادر مخبوءة في باطن الأرض، فإذا تقلصت أو
قلت الموارد المتاحة على وجه الأرض فلا يعني ذلك أن الرزق قد انقطع،
والاكتشافات العلمية المعاصرة أكبر دليل على أن الله يفتح في كل يوم على البشر
مصادر جديدة من الرزق سواء أكان ذلك من خلال العثور على موارد جديدة، أو
اكتشاف كميات إضافية، أو اكتشاف مجالات جديدة لاستخدام الموارد المتاحة، التي
تساعد على إشباع متطلبات الإنسان.
3-
يوجه الحديث الانتباه إلى حقيقة مهمة أغفلها المسلمون ولم يهتموا بها
وهذه الحقيقة هي أن الأرض مملوءة بالخيرات، وأن المشكلة تكمن في الإنسان
نفسه، فالأرض تمتلك في باطنها خيرات كثيرة، وما على الإنسان إلا أن يُعمل
فكره، ويبذل جهده في البحث عن مصادر الرزق في باطن الأرض، ولن يكون
هناك عجز في الموارد لتلبية احتياجات الإنسان إلا إذا كسل الإنسان عن البحث
عنها، أو انحرف فكره وسلوكه في استغلال ما أتاحه الله له من خيرات فصرفها في
مجالات مضرة تعود بالشر عليه، وإن الممارسات المعاصرة من قبل الدول لهي
أكبر دليل على أن العجز ليس في الموارد بقدر ما هو في نوعية استغلال الجهد في
ما يعود بالضرر على الإنسان نفسه.
ضرورة استغلال الموارد المتاحة:
إن من المسببات لإيجاد الندرة في الحاجات القصور في استغلال الموارد
المتاحة، ولهذا فإن من المهام الأساسية التي ينبغي على ولاة الأمر من المسلمين
الاهتمام بها هو استغلال الموارد المتاحة، وعدم تعطيلها، تلك التي يمكن من
خلالها سد حاجات المجتمع، وإن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع
يهود خيبر لإشارةٌ واضحة الدلالة على ضرورة استغلال الموارد المتاحة، فقد روى
البخاري والبيهقي في سننه وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر
لليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها [2] ، وفي رواية
للنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر
وأرضها على أن يعملوها من أموالهم وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر
ما يخرج منها، وفي حديث أخر رواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن أبي بكر قال:
جاء بلال ابن الحارث المزني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه
أرضاً فقطعها له طويلة عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال إنك
استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً طويلة عريضة أقطعها لك وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليمنع شيئاً يسأله، وإنك لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل قال انظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله شيء اقتطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين [3] .
من هذين الحديثين نرى اهتمام الإسلام وحرصه على معالجة ندرة الحاجات
من خلال العمل على استغلال المتاح منها، والعمل على الاستفادة القصوى من
الموارد المتاحة وعدم تعطيلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم عمد إلى علاج
النقص في الأيدي العاملة القادرة على الحرث والزراعة بالاستعانة باليهود على أن
يكون للمسلمين شطراً مما تخرجه الأرض، وصنع عمر وهو ولي أمر المسلمين
مع بلال المزني باستعادته ما لم يستطع بلال عمارته مما تم إقطاعه إياه من رسول
الله صلى الله عليه وسلم، يؤكد حقيقة أن معالجة الندرة في أحد جوانبها هو
العمل على استغلال المتاح من المصادر، وتدخل الدولة حسب سلطتها لتنفيذ ذلك،
ولهذا نجد الواقع السيئ للمجتمعات الإسلامية في عجزها عن استغلال مواردها
وتعطيلها سواء أكان ذلك من خلال التنظيمات والتشريعات المالية والإدارية المعيقة
للمبادرات الشخصية، أو من خلال تبني مناهج في التخطيط الاقتصادي
والاجتماعي تساعد على تعطيل الموارد وجعلها في حالة عجز دائم.
تدخل ولي الأمر للمصلحة العامة:
إن من واجبات الدولة في حالة تعطل مورد من الموارد الطبيعية بسبب عدم
قدرة الشخص على التنفيذ لنقص في قدراته المادية أن تتدخل في تنظيم ذلك، ففي
عمل عمر رضي الله عنه باستعادة ما تم إقطاعه واعادة توزيعه على المسلمين،
تنفيذ لهذا الجانب من حيث عدم ترك الأرض غير مستغلة ولهذا فإن من مسؤولية
الدولة وضع الأنظمة الإجرائية التي تساعد على استغلال المتاح من الموارد
الطبيعية وغيرها ممن يُعجَزُ عن استغلاله بأحد عوامل الإنتاج ففي حالة توقف
المصانع الإنتاجية لعدم قدرة أصحابها على الإنفاق عليها، فإن على ولي الأمر
التدخل وعدم تعطيل هذه الموارد، فقد روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن محمد
بن عبد الرحمن الحميدي أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها
فهي له « [4] ، ففي هذا الحديث إرشاد لولي الأمر أن يتدخل في حالة عجز
المالكين عن استغلال عنصر من عناصر الإنتاج، وذلك باستغلاله وفقاً للقاعدة
الشرعية» لا ضرر ولا ضرار «بحيث يكون لولي الأمر وضع القواعد الإجرائية
التي تساعد على تدخل الدولة في حالة توقف المصانع أو المزارع الكبيرة عن
الإنتاج لعجز المالكين عن استغلالها، مراعاة لمصلحة الاقتصاد العام للدولة، مع
مراعاة حقوق المالكين، بشرط عدم تعطلها عن المساهمة في زيادة الناتج القومي.
أساليب تنمية الموارد:
إن من مسببات الندرة المرتبطة بالموارد الطبيعية سوء الأسلوب في استغلال
الموارد المتاحة، بحيث تؤدي إلى ضعف وعجز الموارد عن القدرة على الإنتاج
وتوفير الاحتياجات؛ ولهذا فإن طرق وأساليب استغلال الموارد الطبيعية يلعب دوراً
في اضمحلال وتقلص القدرة الإنتاجية للمورد الطبيعي، ولقد حرص الإسلام على
هذا الجانب، ووردت أحاديث عدة توجه الانتباه إلى هذا الجانب، وإن على قادة
المجتمع المسلم الاهتمام بهذا الجانب، ومن تلك الأحاديث ما رواه البيهقي في سننه
عن علي بن الحسن عن أبيه عن جده قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة فقال: (يا معشر قريش إنكم تحبون الماشية فأقلوا منها، فإنكم بأقل الأرض
مطراً، واحرثوا فإن الحرث مبارك أكثروا فيه من الجماجم [5] ) ، وفي حديث
آخر رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب أنه قال: نهى عن الحكرة بالبلد، وعن
التلقي وعن السوم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح قني الغنم [6] ، وقد روى أبو
داود عن عبد الله بن حبشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» [7] .
من هذه الأحاديث يمكن فهم السياسة التي يوجه الإسلام أتباعه إليها فيما يتعلق
بأساليب المحافظة على الموارد الطبيعية بالعمل على المحافظة على الغطاء النباتي،
…
وعدم قطع أو إزالة الغطاء الشجري، والتعامل مع الموارد المتاحة حسب
طبيعة البيئة، واستغلال الموارد وفقاً للظروف البيئية، ونلاحظ ذلك من توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين من قريش بتغيير نمط الاستثمار من تربية الماشية التي تعتمد على الرعي إلى الحرث، حيث أن طبيعة البيئة لا تسمح لهذا النوع من الاستغلال بخلاف البيئة في مكة التي تقوم على الرعي وليس على الزراعة، كما أن الزراعة في منطقة المدينة أجدى وأكثر فائدة، ولهذا فإنه من الواجب استخدام البدائل والخيارات عند التعامل مع الموارد الطبيعية، وعدم استنزاف الموارد المنتجة، والإبقاء عليها من أجل زيادتها كما يرشد إلى ذلك الحديث الذي منع من ذبح إناث الغنم لما في ذبحها من استنزاف لمورد من الموارد المتاحة لإشباع حاجات الإنسان، وينطبق هذا على أي مورد من الموارد المتاحة للإنسان بضرورة العناية بتنمية الموارد الطبيعية وزيادتها من خلال حسن الاستغلال.
إن ما توحي به جميع الأحاديث التي أشرنا إليها من توجيهات، لهو مؤشر
قوي على مدى حرص الإسلام على معالجة جانب ما يحدث من عجز في توفير
الاحتياجات الفردية من خلال معالجة مسببات الندرة المرتبطة بالموارد الطبيعية.
(1) ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد أن ابن حبان ضعفه لأن فيه هشام بن عكرمة ولكن المعنى ودلالات النص يمكن أخذها من عموم نصوص أخرى.
(2)
فتح الباري، ج5، ص19، باب المزارعة مع اليهود ح/2331.
(3)
أخرجه مالك في الموطأ، والدارمي.
(4)
رواه أبو داود ح/3456، صحيح سنن أبي داود ح/2950.
(5)
الجماجم نوع من المجسمات تشبه الرؤوس توضع بين الزروع والثمار لمنع الطير من أكلها.
(6)
قني الغنم أي التي تقتنى للدر والولد، واحدتها قنوة.
(7)
صحيح الجامع الصغير وزيادته، ج2، ص792، ح/4299، وصححه الألباني.