الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 75-76
فهرس المحتويات
1-
الأحلاف والتكتلات الدولية المعاصرة وأثرها على العالم الإسلامي: للدكتور جميل عبد الله محمد المصري
2-
كتاب تصحيح العمدة للإمام الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله المنهاجي الزركشي (745- 794 هـ) دراسة وتحقيق الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
3-
محاولات التحالف بين المغول والصليبيين ضد المسلمين في القرنين السابع والثامن الهجريين وآثارها: الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
الأحلاف والتكتلات الدولية المعاصرة وأثرها على العالم الإسلامي
للدكتور: جميل عبد الله محمد المصري
أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية
كلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرسل رسله بالبينّات والهدى، ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويهدوهم إلى صراطه المستقيم، وصلَّى الله على سيدنا محمد، أفضل رسل الله، وأشرف دعاته، أرسله الله بالهدى، ودين الحق، ليظهره على الدّين كله، ورضي الله عن من والاه إلى يوم الدين.
وبعد: فإنّ أبرز أهداف الجامعة الإسلامية أن تخّرج دعاة إلى الله، والدعاة يقومون بدور قيادي في المجتمع، فهم مصدر قوة الأمة، وبدونهم لا تتّم نهضتها، ويتوقع أفراد المجتمع دائما أن يجدوا عند الدّعاة ثقافة واسعة، ومعارف متنوّعة على المستوى المحلي والعالمي.
ويحيا الناس اليوم في عالم مقسم بين مراكز النفوذ الدولي، وهذا يؤثر على العالم الإسلامي، وعلى الدعوة الإسلامية سلباً، وإيجاباً. فلا بدّ من معرفة كيف يدور الصرّاع، وكيف يقسّم النفوذ بين الدول وبمعنى آخر كيف تمارس الدول الكبيرة لعبة التكتلات والأحلاف في هذا العصر لجلب المنافع والمصالح لها.
وكان طلابي في الجامعة الإسلامية كثيراً ما وجّهوا إلي أسئلة حول التكتلات والأحلاف الدولية أثناء قيامي بإلقاء محاضرات مادة حاضر العلم الإسلامي على مدى سبع سنين، ولمست جهلا عند الكثير منهم بشأن هذه الأحلاف والتكتلات والتجمعات الدولية، الأمر الذي دفعني لكتابة هذا البحث، بشكل ثقافي دعويّ، يخدم الداعية المسلم، والدارس المسلم، والطالب المسلم، راجياً الله سبحانه وتعالى أن أكون قد أسهمت فيما ينفع أبناءنا، وفي تنوير أذهانهم، وتبصيرهم فيما يدور حولهم، دارسين ودعاة، ومربين، وعلماء. والله من وراء القصد، إنه نعم المولى، ونعم النصير.
الظروف التي تشكلت فيها الأحلاف والتكتلات الدولية المعاصرة:
إن المفهوم الشائع للتكتلات والأحلاف الدولية المعاصرة هو المفهوم الأوربي، حيث كانت الدول الأوربية تتحالف وتتكتل في مواجهة ضغط المدّ الإسلامي، ثم في مهاجمة المسلمين، والوقوف في وجه الدولة العثمانية بصورة خاصّة عندما طرقت أبواب أوربا وتوّغلت فيها، ثم تحوّلت وجهة الأحلاف والتكتلات إلى التنافس لاقتسام العالم الإسلامي، بعد أن بان ضعف المسلمين وعجزهم، وقد قادت الأحلاف والتكتلات الأوربية إلى التنافس الاستعماري وإلى السباق في التسلح، ثم إلى حروب مريرة مدمرة، وهكذا واصلت أوربا التفكير في مفهوم الأحلاف والتكتلات إلى أن وصلت إلى المفهوم المعاصر، وشاع عالمياً في ظل سيطرة وجهة النظر الأوربية على العالم، وإلاّ فالأحلاف والتكتلات قديمة، قدم التاريخ نفسه، ونجد من الضروري إيضاح هذا المفهوم المعاصر:
إن كلاًّ من التكتل والحلف هو تجمع، يضمّ دولتين أو أكثر ويفترض مصلحة متماثلة وخطاً استراتيجيا معينا. وقد يكون التكتل بداية للتحالف، لكن الفرق بينهما أن الحلف عادة هو تجمع ذو أغراض عسكرية سياسية بالدرجة الأولى، وأما التكتل كقاعدة يستهدف التعاون في الشئون السياسية أو الاقتصادية بالدرجة الأولى.
فكل حلف هو تكتل، وكل تكتّل هو تجمُّع، ولكن العكس ليس صحيحاً. والتحالف لابدّ أن يستند إلى معاهدة دولية بالمعنى الدقيق للتعبير، ولابدّ أن يكون له هيئات تسهر على حسن تنفيذ بنود هذه المعاهدة، بعكس التكتل الذي لا يشرط فيه بالضرورة مثل ذلك [1] .
فالحلف في القانون الدولي والعلاقات الدولية إذاًَ هو علاقة تعاقدية بين دولتن أو أكثر، يتعهد بموجبها الفرقاء المعنيون بالمساعدة المتبادلة في حالة الحرب [2] . وقد يكون التحالف متوازناًَ بمعنى أن يكون توازن المنافع ضمن التحالف متبادلاً تماماً - أي أن الخدمات التي يقدمها الأطراف لبعضهم فيه متعادلة مع المنافع المتوخاة- وهذا لا يكون إلاّ بين دول متساوية في القوة، وتعمل لمصالح متطابقة. أما الشكل المعاكس لتوازن المنافع فهو الانتفاع الوحيد الطرف- بمعنى أن طرفا واحداً يتلقى المنافع في حين يتحمل الآخرون الأعباء- وهذا لا يختلف كثيراً عن معاهدات الحماية التي ابتكَرتها السياسة الاستعمارية الأوربية في إطار عصبة الأمم، ثم في إطار هيئة الأمم.
والواقع أن معظم الأحلاف العسكرية تُبرم بين دولة كبيرة وبعض الدول الصغيرة، بعد أن يدخل في روعها بأنها مهدّدة بخطر خارجي يُلجئها إلى هذه الدولة الكبيرة. فتتمكن الدولة الكبيرة بالتالي من فرض سيطرتها في وقت السلم والحرب، إذ تتضمّن هذه المعاهدات إنشاء تحالف عسكري ونظام للدفاع المشترك، والاحتفاظ بقواعد عسكرية في أراضي الدولة الصغيرة، مع السماح للدولة الكبيرة بحرية استخدام الموانئ والمطارات والمواقع الاستراتيجية [3] ، وبالطبع فإن هذا لا ينطبق بالضرورة على كلّ الأحلاف القائمة، ولكنه هو الأعمّ الأغلب. فقد تتمكن دولة صغيرة من استغلال علاقتها بحليف قوي لدعم مصالحها [4] .
والإسلام كلّف المسلمين بتبعات إنسانية تجاه البشرية، فهو دعوة إلى السلام، يحقّق سلام الفرد في نفسه، وسلام البيت، وسلام المجتمع، وسلام العالم في تناسق واطّراد بسبب نظرته الكلية عن الحياة [5] . وقد جعل الله سبحانه وتعالى المسلمين أوصياء على البشرية. قال الله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [6] . فكلّفهم سبحانه بتحقيق السلام عن طريق إفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والحاكمية، وإقامة العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، وضمانات الحياة القانونية والمعيشية، ومنع البغي وإزالة الظلم، وتحقيق التوازن الاجتماعي والتكافل والتعاون، وإزالة الفرقة والخصام، والنزاع بين الأفراد وبين الجماعات، وسدّ الذرائع التي تدعو إلى قيام الطبقات وتميّزها وصراعها. كما جعل الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام، أمة الوسط، أمة العدل والخيرية في كل شيء بين طرفي التفريط والإفراط، والتقصير والغلو في كل اتجاهات الحياة. قال الله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [7] .
ومن هذا نرى أن التكتلات والأحلاف في الإسلام لا تقوم على أساس من المصلحة الاقتصادية أو السياسية
…
وإنما تقوم على الأسس التي وضعها الله سبحانه وتعالى، تلك التي ذكرناها، وعلى الوفاء بالعهد (ومنه المعاهدات الدولية) وعدم الغدر، خدمة للبشرية، وتنفيذا لما يأمر به الإسلام لتتحقّق الخيرية، قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [8] ، فالمسلمون مطالبون بأن تكون تكتلاتهم وأحلافهم على هذه الأسس التي بيّنها لهم الإسلام، وشرعها الله سبحانه وتعالى لهم، وليس على المصالح الدنيوية الآنية الزائلة.
وقد تميّز الزمن المعاصر بتقارب المسافات بين دول العالم، وشعوبه، وباتصال المجتمعات، وتشابك المصالح، وتعقّدها، وذلك يعود إلى: سهولة المواصلات البرية، والبحرية، والجوية، وتوافر وسائل الإعلام وتقدمها من صحافة، ومذياع، وتلفاز، وخيّالة، وفيديو، واتصالات سلكية ولا سلكية، وأقمار صناعية، وما حصل من تقدم علمي في مجال الفضاء، وسهولة تبادل النقد عن طريق البنوك، والمصارف، والحوالات، والشيكات، كما تميّز بالحرب الباردة بين ما يسمى (بالمعسكر الاشتراكي الذي تتزعمه روسيا) ، وما يسمى (بالمعسكر الديمقراطي الغربي الذي تتزعمه أمريكا) ، وبأساليب الجاسوسية المبتكرة، والتسابق في التسلح، والتنافس في إنتاج الأسلحة الفتاكة المدمرة وتكديسها، والتفنن في إدخال التعديلات عليها وتطويرها، وبالقلق الناتج عن البحث وراء الماديات، والتسابق في اقتناء الكماليات التي تغرق الأسواق، مع بريق الإعلانات والدعايات، وتسهيل الحصول عليها بالتقسيط!! وبخفوت الفكر الديني، والفراغ العقدي.
كل ذلك وغيره قاد العالم (دولا وشعوبا) إلى البحث عن التكتلات السياسية والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية وإلى التنسيق بين مجموعات الدول التي تلتقي في مصالحها، لتحافظ على نفسها، ونمّي مرافقها، أو لتحافظ على هيمنتها على غيرها، فظهرت بذلك تكتلات وأحلاف مختلفة توصف بالعالمية، والإقليمية، والوطنية، والقومية، والقارية، أسهم في صنع معظمها، وخطط لها القوى المتنفذة في العالم، ملبيّة الرغبة الملحة لدى بعض الدول، ومن أجل المحافظة على نفوذها وهيمنتها على تلك الدول وحتى لا ينفلت حبل النفوذ من يدها، ولما كانت تلك الدول المتنفّذة ذات حضارة غربية اعتمدت معظم التكتلات والأحلاف المصلحة أساسا دون العقيدة، وتوزعت البلاد الإسلامية على هذه الأحلاف والتكتلات، وتشتت بينها، الأمر الذي أضعف جهودها، وربطها بعهود ومواثيق مختلفة، تتناقض في أكثرها مع عقيدتها الإسلامية وشريعتها، حيث ضعف صوت الإسلام، وخفت دوره في مواثيق هذه التكتلات، فسارت الأمور لصالح الدول المتنفّذة، صاحبة القوة والسلطان، وصاحبة التخطيط لمعظم هذه الأحلاف "اللعبة"[9] وأصبح ما يسمى بالعالم الثالث [والذي يعدّ الإسلام مرشحاً لزعامته] نهباً مقسّماً، موزعا على تلك الأحلاف والتكتلات الدولية.
وفيما يلي نبذة عن أهم هذه التكتلات والأحلاف الدولية، ومن خلال عرضها يظهر جلياًّ أثرها على العالم الإسلامي ومسيرته.
أولاً: هيئة الأمم المتحدة: (U. N)
مع بداية القرن الرابع عشر الهجري، ظهر ضعف الدولة العثمانية، والعالم الإسلامي للعيان، وفقدت وزنها أمام الدول الأوروبية القومية المتغطرسة، وخاصة روسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والنمسا، وإيطاليا. فاتجهت تلك الدول لاقتسام أملاك الدولة العثمانية فيما أسموه: حل المسألة الشرقية [10] ، وقد ازداد الإنتاج الصناعي في تلك الدول، وسيطرت عليها الرأسمالية، واشتدت حركة القوميات [11] ، ورغبة السيطرة، وشهوة التسلّط، فأخذت تتسابق على المستعمرات للحصول على المواد الأوّلية الرخيصة الثمن، السوق الأعظم لاستهلاك المواد المصنّعة، فأدى ذلك إلى اشتداد المنافسة بينهما، فتكونت نتيجة ذلك الأحلاف، إذ تقاربت بريطانيا وفرنسا وروسيا رغم ما بينها من عداء. فانقسمت أوربا إلى كتلتين متنافستين، واشتد سباق التسلّح، ومع وجود الأزمات - وخاصة أزمة البلقان - اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م) التي انتهت بانتصار الحلفاء وهم: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا (التي انضمت للحلفاء أثناء الحرب) والولايات المتحدة (التي عادت لعزلتها بعد انتهاء الحرب) .
وقامت الدول المنتصرة بإنشاء عصبة الأمم، وقد هيمنت عليها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، واتخذتها ستاراً لاقتسام العالم. واعتبرتها هيئة دائمة، تشدّ أزرها الحكومات القومية.
وتألفت عصبة الأمم من جمعية عمومية مؤلفة من مندوبين يمثلون الدول الأعضاء في العصبة، تنعقد مرة كلّ عام لمدة شهرين في جنيف مقرها الدائم، ومن مجلس كان يتكون أولا من تسعة مندوبين، خمسة منهم ينوبون عن الدول الكبرى التي لها كراسي دائمة في مجلس العصبة وينعقد هذا المجلس أكثر من مرة في العام. وتعدّ سكرتارية العصبة (وهي هيئة دولية من الموظفين المدنيين) أعمال الجمعية والمجلس [12] كما أنها تشرف على تنفيذ أعمالها [13] .
وقد بلغ أكبر عدد لأعضاء العصبة (ستين دولة) ، وانضمت لها روسيا عام 1934م، في حين انسحبت منها اليابان عام 1933م، ورفضت الولايات المتحدة الانضمام إليها مؤثرة العزلة عن مشكلات أوربا، وكان للصهيونية نشاط كبير في تكوينها من أجل تحقيق أهدافها تحت ستار الشرعية الدولية.
وميثاق العصبة حمل بذور فشلها، فقد كانت رابطة دول ذات سيادة، ولم تكن اتحاد دول، وكانت القرارات يلزمها الإجماع، وهذا أضعف مواقفها ولم تكن تملك القوة الضرورية لغرض احترام مقرراتها،، وانصبّ نشاطها على المحافظة على "الحالة الراهنة"، وبذلك عملت لصالح بعض الدول وخاصة بريطانيا وفرنسا [14] ولم تتفق على شيء كاتفاقها ضد مصالح المسلمين: فقد أقرّت مبدأ الانتداب والوصاية، كما اعترفت بوعد بلفور، وأصدرت صك الانتداب على فلسطين يتضمّن تكليف بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور بمشاركة الوكالة اليهودية.
وعن وضعها العام عبّر المؤرخ الأمريكي (كاتانو سلفيميني (GAETANO SALVEMINI الأستاذ في جامعة " هارفرد"عن رأيه فيها وقال: "إن تاريخ عصبة الأمم بين الحربين الأولى والثانية هو تاريخ الغدر، والحيل، والخيانة"[15] فمن الطّبيعي أن تفشل العصبة في محاولاتها منع استخدام القوة في فضّ المنازعات الدولية، وفي الحدّ من التسلُح بين الدول، فعادت حدّة سباق التسلّح، وعادت التكتلات والأحلاف، وانقسمت أوربا ثانية إلى:
أ) الحلفاء من الإنجليز والفرنسيين.
ب) دول المحور: ألمانيا، وإيطاليا. وانضمت إليهما اليابان. وتمثلت فيها الدكتاتوريات.
فعاد التنافس بشكل أشدّ عمّا كان عليه قبل الحرب العالمية الأولى، وأدّى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) .
وفي أثناء هذه الحرب الثانية ظهرت فكرة تطوير عصبة الأمم على اسم جديد هو: هيئة الأمم [16] حيث ظهرت أفكار إنشائها عام 1941م بميثاق الأطلسي بين روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وتشرشل رئيس وزراء بريطانيا.
وتلا ذلك مشاورات كثيرة أثناء الحرب بين دول الحلفاء وبشكل خاص: الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وعقدت مؤتمرات بشأن إنشاء هيئة الأمم أهمّها:
أ- اجتماع البيت الأبيض عام 1942م الذي أسفر على تصريح الأمم المتحدة من قبل ممثلي (26) دولة. ذكر فيه ميثاق الأطلسي مع إضافة الحرية الدينية [17] .
ب- مؤتمر موسكو عام 1643م الذي ضم: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وبريطانيا، ومثل هذه الدول: روزفلت، وستالين، وتشرشل. وقد اعترفوا بضرورة وضع تنظيم دولي في أول ساعة ممكنة يقوم على: مبدأ المساواة في حقوق السيادة بين جميع الدول المحبة للسلام، وتعهدوا بفتح باب العضوية لجميع هذه الأمم صغيرها وكبيرها، كي تعمل على كفالة السلام، والأمن الدوليين [18] .
ج- مؤتمر طهران عام 1944م وضم روزفلت، وستالين، وتشرشل [19] وأكدوا فيه ما سبق.
د- مؤتمر "دمبرتن أوكس": حيث اجتمع ممثلو بريطانيا، وروسيا، والولايات المتحدة، والصين في فندق "دمبرتن أوكس"بواشنطن عام 1944م، وعملوا على وضع مشروعات تمهيدية لمنظمة دولية. ووضعوا خطوطها العريضة [20] .
هـ- مؤتمر يالطا عام 1945م بين روزفلت وتشرشل، وقد بحث فيه أمر المنظمة [21] .
و مؤتمر سان فرانسيسكو في مارس عام 1945م، وقام بالدعوة إلى هذا المؤتمر كلّ من: روسيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، والصين. وقد اشتركت فيه فرنسا دون أن تكون داعية إليه باعتبار أنها لم تساهم في مؤتمر "دمبرتن أوكس"ولا في يالطا. وحضره مندوبون عن إحدى وخمسين دولة. حيث تم في 26 يونيو من العام نفسه الموافقة على ميثاق الأمم المتحدة في اليوم نفسه. واتخذت مقرها الدائم في نيويورك (امبراير ستايت) .
وقد تضمنت شرعة الأمم (19) فصلا في (111) مادة، عرّفت أولاً مبادئ المنظمة وأهدافها، (الديباجة والفصل الأول) ، ثم وصفت مختلف الهيئات، وكيفية سير أعمالها. وقد حدّدت أهدافها في:
1-
حفظ السلام والأمن في العالم، وذلك بمقاومة الأخطار التي تهدد السلام العالمي، ومنع الحروب واستعمال القوة في حل المشكلات.
2-
تنظيم وتوثيق التعاون الدولي، ومدّ يد المساعدة للدّول المختلفة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والفنية.
3-
حل المشكلات الدولية والخلافات الإقليمية بالطرق السلمية عن طريق المفاوضة والتوفيق، أو الوساطة، أو التحكيم.
وتكوّنت الهيئة من الأجهزة الرئيسية التالية:
1-
الجمعية العمومية:
وتكونت من جميع الدول الأعضاء: التي بلغ عددها عام 1987م (151دولة) . ويمثل كل عضو فيها مندوبون لا يزيد عددهم على خمسة لهم جميعاً صوت واحد. وتقوم الجمعية: بتوثيق العلاقات والتعاون الدولي، وبحث المشكلات التي تؤثر في السلم، والأمن العالمي. وتسوية الخلافات بين الدول، والمحافظة على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وزيادة التضامن الدولي في ميادين الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والتربية، والصحة. وإقرار ميزانية الأمم المتحدة، وانتخاب أعضاء وموظفي الأجهزة الأخرى التابعة لهيئة الأمم.
وتصدر الجمعية قراراتها في المسائل الهامة بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين. وتكتفي في المسائل العادية بالأغلبية العادية.
ومما يجدر ذكره أن سلطات الجمعية استشارية محضة، فهي تدرس وتناقش، وتوصي، وتفحص التقارير، ولا تقرر أبداً [22] فيما عدا الموافقة على عضوية دولة من الدول.
2-
مجلس الأمن:
ويتكون من خمسة أعضاء دائمين هم ممثلو: الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، والصين (الوطنية سابقا، والشعبية حالياً) . ومن ستة أعضاء غير دائمين يكون انتخابهم لمدة سنتين. وقد زيد عدد الأعضاء غير الدائمين إلى خمسة عشر عضواً.
وتصدر القرارات في المسائل الهامة بالأغلبية العددية على أن يكون منها الأعضاء الدائمين الخمسة. كما يحق للأعضاء الدائمين استعمال حق الفيتو (النقض) لأي قرار يعرض على المجلس. وهذا أدّى إلى تسلّط الدول الكبرى على هذا المجلس. وضياع أي حق ما لم يوافق هواهم جميعاً.
ويقوم مجلس الأمن: بالمحافظة على الأمن والسلام في العالم بالتعاون مع الجمعية العامة (طبعاً بمفهوم الدول المهيمنة) ، واتّخاذ قرارات بتوقيع عقوبات اقتصادية، أو إجراءات لمنع وقوع العدوان، أو لوقفه، واتّخاذ إجراء حربي ضد المعتدي في ظروف خاصة. وقد وافقت جميع الدول الأعضاء على أن تضع تخت تصرف المجلس أية قوات مسلحة، وتقدم كل تسهيلات عسكرية يطُلب منها أو يتفق عليها [23] .
3-
الأمانة العامة: (السكرتاريا) :
وتتألف من أمين عام تعينه الجمعية العمومية للهيئة، ومن عدد من الموظفين.
ويمثل الأمن العام حلقة الوصل بين الجمعية العمومية ومجلس الأمن، وبين الدول الأعضاء ذات المصلحة، وبين مجلس الأمن والجمعية العمومية. كما تنظم الأمانة أمور اللجان الأخرى.
4-
المجلس الاقتصادي والاجتماعي:
ويتألّف من ثمانية عشر عضواً، تنتخبهم الجمعية العمومية، ومهمته تقديم خدمات اقتصادية، واجتماعية، وصحية، وثقافية للدول الأعضاء، عن طريق وكالات متخصّصة في هذه الميادين، يتعاون بعضها مع الآخر عن طريق المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي يقوم بدور جهاز التنسيق. ومن أهم هذه الوكالات:
منظمة الأغذية والزراعة: F. A. O، ومنظمة اليونسكو للثقافة والتعليم U. N. E. S. C. O ومقرها باريس. ومنظمة العمل الدولية L. L. O، ومنظمة الصحة العالمية W. H. O والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة اللاجئين الدولية.U. N. R. W. A
5-
محكمة العدل الدولية:
وتتألف من قضاة من كبار رجال القانون من مختلف الدول. ومركزها مدينة لاهاي في هولندة. ويعود تأسيسها إلى عام 1921م للنظر في الخلافات بين الدول، والمطالب التي تتقدّم بها على ضوء المعاهدات والاتفاقيات الدولية القائمة [24] .
6-
مجلس الوصاية:
وحل محل لجنة الانتدابات الدائمة القديمة. ويشرف على شئون المستعمرات السابقة لدول المحور (ألمانيا، وإيطاليا، واليابان) . ويتألف من أعضاء الدول التي تتولى إدارة تلك البلدان.
وقد انضمت الدول الإسلامية المستقلة إلى منظمة هيئة الأمم منذ تأسيسها وتوقيع ميثاقها، فضمت المملكة العربية السعودية، وتركيا. وقبلت فيها أفغانستان عام 1946م ثم انضمت إليها اليمن والأردن وألبانيا عام 1947م، وإندونيسيا عام 1948م. كما ضمّت هذه المنظمة الكيان الصهيوني في فلسطين باسم "دولة إسرائيل"التي اعترفت بها أمريكا والاتحاد السوفيتي من أول إعلانها عام 1948م [25] . كما انضمت إليها الدول العربية والإسلامية تباعاًَ بعد استقلالها.
وقد عرضت القضية الفلسطينية على الهيئة مراراً ولا تزال، كما عرضت عليها القضايا الإسلامية المختلفة، والمتتبع للأحداث يجد أن هذه القضايا لا تحل في اجتماعات هيئة الأمم وقاعاتها ومناقشاتها. فهي لا تعدو أن تكون منبراً دولياً تعرض عليه مشكلات الأمم، ومجلس الأمن مجمّد بنظام الفيتو فهو غير قادر على اتخاذ قرارات في الحالات الخطيرة، والجمعية العامة لا تستطيع أن تصدر إلاّ توصيات، كما أنه من الممكن أن يطرح كل بلد مهما كان صغيراً توصيات الجمعية، وأعمال اليهود في فلسطين، وأعمال الحكومة العنصرية في جنوب أفريقيا ماثلة للعيان [26] .
ثانياً. مجموعة الدول الـ 77:
ظهرت هذه المجموعة في إطار هيئة الأمم، فقد دعت الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر للتجارة والتنمية من أجل بحث إمكانية توسيع التبادل التجاري بين الدول النامية والدول المتقدمة صناعياً. والتعاون من أجل بناء مجتمع دولي متعاون. وفي نطاق هذا المؤتمر الذي أصبح يعقد بصورة دورية تجمعت سبع وسبعون دولة من الدول النامية في قارات: آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وعقدت أول مؤتمراتها عام 1964م في نيودلهي عاصمة الهند، وعقدت مؤتمرها الثاني في مدينته الجزائر عام 1967م، وانضم عدد من الدول النامية الأخرى إلى هذه المجموعة حتى بلغ مجموع أعضائها عام 1974م خمسا وتسعين دولة. وأما أثرها فضئيل. ومعظم دول العالم الإسلامي أعضاء في هذه المجموعة.
ثالثاً: دول حلف الأطلسي: n. a. t. o
وهذا الاسم نسبة إلى شمال المحيط الأطلسي.
تعرّض الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية عام 1941م إلى هجوم ألماني صاعق، فدفع ذلك روسيا إلى الانخراط في المعسكر الديمقراطي الغربي ضد ألمانيا النازية، وهذا أدّى إلى إعادة النظر في الوضع السياسي بين لندن وواشنطن. فقابل الرئيس الأمريكي (روزفلت) رئيس وزراء بريطانيا "تشرتشل"في 14 آب (أغسطس) عام 1941م على ظهر الدارعة الإنجليزية (أمير ويلز) الراسية في جون الأرض الجديدة ووضعا صكاً يُعتبر أول مَعْلم وُضع لتشكيل تضامن شعوب الأطلسي. إذ اتفقت الدولتان على [27] :
ألاّ تُحدثا أي تغيير أرضي مضاد لأماني الشعوب، ويحقّ لكل شعب اختيار شكل الحكم بحرية، ولجميع الشعوب الحق في الوصول إلى المواد الأولية، وترجوان التعاون الاقتصادي بين جميع الدول. وأنّه بعد تقويض النازية يجب أن يشمل السلام الأمن الدولي وحرية البحار، وأعلنا عن تخفيض عَام للتسلح!
وأسفرت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) عن ظهور قوتين غربيّتين: روسيا، وأمريكا. تحاول كل منهما فرض أيدلوجيتها على العالم، والحلول محلّ أوربا الغربية في السيطرة على العالم، والهيمنة عليه. وتسابقتا في التسلح، وتزعمتا العالم في الأبحاث الخاصة بالذّرة [28] واستعرت بينهما الحرب الباردة.
وقد ظهرت روسيا السوفيتية بمظهر الزعيم المدافع عن النظام الاشتراكي (الأيدلوجية الشيوعية) ، وظهرت أمريكا بمظهر الزعيم الممثل للنظام الديمقراطي الغربي (الأيدلوجية الرأسمالية الليبرالية) . واشتدت الحرب الباردة بين الطرفين، وتمت القطيعة بين النظامين عام 1947م لتسير كل منهما في تكوين حلف تتزعمه لاقتسام العالم تحت اسم: المعسكر الشرقي، والمعسكر الغربي. وأحست الدول الأوروبية بالخوف فبحثت عن أحلاف وتكتلات فكان ميثاق بروكسل (عاصمة بلجيكا) عام 1948 م الذي ضمّ دول البينولوكس الثلاثة وهي: هولندة، وبلجيكا، ولكمسبورج، باقتراح من بريطانيا وفرنسا. وقد وافقت الحكومات الثلاث على معاهدة لمدة خمسين سنة، نصّت على معونة عسكرية آلية في حالة عدوان ضد أحد موقعيها في أوربا، وعلى تبادل المشورة في حالة عدوان في قارة أخرى غير أوربا، أو في حالة تهديد ألمانيا لأيّ منها. كما أكدت على منع وقوع الأقطار الأوروبية تحت النفوذ السوفييتي، ونصت على إنشاء مجلس استشاري ينعقد بناء على طلب أحد الأعضاء. وتضمّنت تقوية الروابط الثقافية والتبادل التجاري بين هذه الأقطار [29]، كما ظهرت الرغبة عندهم في التعاون مع الولايات المتحدة التي وضعت شرطاً هو: التنظيم المسبق في أوربا لسياسة الدفاع ضد كل عدوان من حيث أتى [30] . فبدأ الكلام عن ميثاق أطلسي مُحتمل، يضّم اتحاد بروكسل والولايات المتحدة وكندا.
وفي الوقت نفسه كانت الدول الاسكندنافية وهي: النرويج، والسويد، تفكّر في تحقيق ميثاق خاص. وفي جنوب أوربا اقترح "تسالداريس"وزير خارجية اليونان على "بيفن"- رئيس وزراء بريطانيا اشتراك إنكلترا وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، واليونان للدفاع عن البحر المتوسط [31] .
فتهيأ الأمر لميثاق الأطلسي بزعامة أمريكا، ونقّح النصّ الكامل للميثاق في 8 آذار (مارس) عام 1948م ووصل إلى باريس، ثم إلى لندن، ونوقش من قبل مجلس الخمسة الاستشاري [32] دون إدخال تعديلات. وفي 15 آذار دعا الخمسة والولايات المتحدة وكندا إلى اشتراك النرويج، والدانمارك، وأيسلندا، والبرتغال في الميثاق [33] وفي نيسان (أبريل) عام 1949م تم توقيع الحلف في واشنطن من قبل اثنتي عشرة دولة وهي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولكسمبورج، والنرويج، والدانمارك، والبرتغال، وكندا، وأيسلندا. ثم انضمت تركيا واليونان عام 1952م إلى هذا الحلف. وكذلك ألمانيا الغربية عام 1955م [34] .
وادّعى منشئو هذا الحلف أن طابعه دفاعي، وأنه موجّه ضد خطر العدوان الشيوعي على أوربا الغربية [35] وأعربت دول الحلف عن الثقة بأهداف هيئة الأمم المتحدة ومبادئها، ونصّت مقدمته على رغبة المتعاقدين في السلام، والتصميم على حماية النظام الديمقراطي- النموذج الغربي- بالقوة.
وتعتبر البنود العسكرية هي الأساسية من بين بنوده. ففي المادة الرابعة ميّزوا بين التهديد والعدوان. ففي حالة التهديد تتشاور الأطراف ويكفي لتعريف التهديد أن يصرّح أحدهم أنه موجود. وأما البند الثامن في المعاهدة فإنه يخضع جميع الاتفاقيات الأخرى الدولية، وبالتالي كل سياسة المشتركين في حلف الناتو في حكام هذه المعاهدة [36] .
ودخل الميثاق حيز التنفيذ في 24 آب (أغسطس) عام 1949م وأنشئ مجلس عسكري لتحقيق أغراضه، وقيادة عامة للحلف. كما أنشئت "الوحدة الاستراتيجية الدائمة"لتأمين إدارة العمليات العسكرية وهي تتألف من ممثلين من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. وتحت أمرها خمس وحدات إقليمية للعمليات: كندا في أمريكا. وشمال الأطلسي، والشمال الأوروبي، والغرب الأوروبي، والجنوب الأوروبي للمتوسط الغربي. وقد عُينّ الجنرال (دوايت ايزنهاور) قائداً أعلى في أوربا عام 1950م. كما خوّلت السلطة التنفيذية إلى مكتب دائم دعوه:"مكتب الثلاثة عقلاء"عام 1951م [37] .
وقد تحوّل الحلف إلى أداة كبّلت بواسطتها الدول الداخلة فيه بقيود التبعية العسكرية للولايات المتحدة. كما حوّلت إلى رؤوس جسور خطيرة لمرابطة القوات الأميركية، وإقامة القواعد النووية، وغيرها من القواعد العسكرية الأميركية بأشكالها المتعدّدة، وإلى مصادر للموارد البشرية، والأسلحة الإضافية المطلوبة للاستراتيجية الأمريكية [38] . فقد تحدث الجنرال الأمريكي (جرونتر) بعد إنشاء الحلف فقال:"يحلو لنا ذلك، أم لا، ولكن رداء قيادة العالم يقع على أكتافنا، ونجاح هذا الحلف وسيتوقف على مقدار ما نستطيع تحقيق هذه القيادة "[39] .
وقد قام الاتحاد السوفيتي بحملات عنيفة على هذا الحلف وهاجمه بشدة بالصحافة والإذاعة [40] . وذلك بهدف ضمّ الدول الأخرى إلى جانبه. الأمر الذي يدعونا إلى القول مطمئنين: أن اتفاقاً سرياً حصل بين ما يسمى بالعملاقين لاقتسام العالم، وكبت القوى التي يمكنها الوقوف أمام كل منها وخاصة الإسلام. وقد تحولت أمريكا بموجب هذا الحلف إلى شرطي يفرض هيمنته على العالم، ويتدخل في كل قضاياه صغيرة أو كبيرة. وأمام ذلك انسحبت فرنسا عام 1966م رسمياً من الجهاز العسكري تبعاً لسياسة ديغول في أن يكون لأوربا وجود مستقل عن أمريكا، والاتحاد السوفيتي، فانتقل مركز الحلف من باريس إلى بروكسل. وألغيت "الإدارة التنفيذية للجنة العسكرية"وأوجدت جهازاً جديداً أطلق عليه اسم:"الهيئة العسكرية الدولية"[41] .
ومن حلف الأطلسي انبثق: "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" e. c. d. o. بقصد ربط دول أوربا الغربية بعجلة الاقتصاد الأمريكي. ومنافسة للسوق الأوروبية المشتركة. وضمت إلى جانب دول الحلف بعض الدول المحايدة مثل: النمسا، والسويد، وسويسرا، وفنلندا، ويوغسلافيا.
رابعاً: دول حلف وارسو: warso pact
نسبة إلى وارسو عاصمة بولندة (بولونيا) .
كان الاتحاد السوفييتي قد سيطر أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة على أوربا الشرقية سيطرة كاملة. حيث شملت عام 1948 م: ألمانيا الشرقية، وبولندة، وتشيكوسلوفاكيا، وهونغاريا، ويوغسلافيا، وألبانيا، وبلغاريا، ورومانيا. وربطت روسيا هذه البلدان بها بمعاهدات ذات طابع سياسي وضعت أولياتها زمن الحرب [42]، أطلقت عليها اسم:(علاقات الصداقة والمساعدة المتبادلة بين الاتحاد السوفييتي ودول الديمقراطية الشعبية)[43] . واعتمدت على قيام أنظمة شيوعية مخلصة لموسكو، ترتكز على دكتاتورية البرولوتاريا (الطبقة العاملة)[44] ، واعتمدت في الحكم على القهر، والتضييق، وكبت الحريات على مختلف أشكالها وألوانها.
وبعد القطيعة بين روسيا وأمريكا عام 1947 م أشرفت روسيا على عقد معاهدات بين الدول التي تسير في فلكها، بعضها مع بعض [45] . كما عقدت مع الصين الشيوعية معاهدة للصداقة والتحالف والمساعدة المتبادلة عام 1950م [46] ، وأنشأت جمهورية ألمانيا الشرقية عام1949 م [47] . وأخذت تصدر الشعارات الاشتراكية إلى بلاد الإسلام، باسم التقدمية، ومحاربة الرجعية والاستعمار والرأسمالية، فاستهوت كثيراً من الناس، وخفت صوت الإسلام، وضُرب المسلمون ضربات موجعة تحت اسم هذه الشعارات في بلاد الإسلام التي في الاتحاد السوفييتي، وفي يوغسلافيا، وأوربا الشرقية، والصين، ومصر، وإندونيسيا، والهند الصينية. ثم في أقطار إسلامية أخرى.
ولما وقع ميثاق حلف الأطلسي حمل الاتحاد السوفييتي مع منظومته الاشتراكية عليه بشدة ونظم مؤتمراً في موسكو عام 1954م يبحث الأمن الأوروبي ودعا إليه البلاد الغربية: بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، فرفضت. وعليه فقد اشتركت منظومة الاتحاد السوفييتي في هذا المؤتمر وحدها. وأعلن التصريح الختامي هذا المؤتمر:"بأن الموقعين في حال تصديق المعاهدات التي تستأنف فيها ألمانيا الحياة العسكرية على استعداد لاتخاذ إجراءات مشتركة تتعلق بتنظيم قواها المسلحة وقيادتها"[48] .
ثم أخذ الاتحاد السوفييتي بفسخ معاهدات تحالفه مع بريطانيا وفرنسا.
وفي عام 1956 م قام بعقد مؤتمر وارسو للكتلة التي دعاها "الشرقية"بزعامته. وأسفر هذا المؤتمر عن توقيع معاهدة حلف وارسو بين ثمانية بلاد من تلك التي تسير في فلكه، وتأتمر بأمره. وهي بالإضافة إلى الاتحاد السوفييتي: بولندة (بولونيا) ، وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا الشرقية، ورومانيا، وبلغاريا، وألبانيا، وهونغاريا.
وبنود الميثاق نسخة عن ميثاق الأطلسي وتنصّ مادته الخامسة على: "تنظيم قيادة عسكرية موحدة، يُعهد بها إلى الماريشال السوفييتي كومنيف"[49] .
وحلف وارسو لم يغيرّ واقع الكتلة العسكرية الشرقية، ولكنه أعطاها معنى مؤثراً، وكرّس انقسام العالم إلى كتلتين، وألقى الرعب في قلب من كان يحاول أن يقف في وجه الكتلتين. وقد هاجمته أمريكا بالدرجة نفسها التي هاجم بها الاتحاد السوفييتي حلف الناتو، وذلك للعمل على جرّ الدول الأخرى إلى السير في مخططاتها، والارتماء في أحضان إحدى الكتلتين.
خامساً: السوق الأوروبية المشتركة:
) المجموعة الاقتصادية الأوروبية (E. E. C.
كانت فرنسا قد فقدت دورها الاستعماري، ونفوذها بعد الحرب العالمية الثانية أمام الكتلتين الشرقية، والغربية، فقامت بمشاريع للعمل على تكتل أوربا لإعادة دورها. فتكوّنت بجهودها "مجموعة الأسرة الأوروبية للفولاذ والفحم"عام 1951 م، من دول: فرنسا، وألما نيا الغربية، وإيطاليا، وبلجيكا، ولكسمبورغ، وهولندة [50] . واتخذت لكسمبورغ مركزاً لها.
وانبثقت من هذه الأسرة فكرة "الدمج الأوروبي"حيث تكوّنت "جمعية مختصّة"، تألفت من جمعية أسرة الفولاذ والفحم، ومن تسعة أعضاء. وكلّفت عام 1952م بتحضير- دستور سياسي أوروبي. وتبنت هذه الجمعية مشروع معاهدة يتضمّن نظام الأسرة الأوروبية ذات الطابع "فوق القومي"يكون لها نظام: برلمان من مجلسين نواب وشيوخ، ومجلس تنفيذي مسئول أمام البرلمان، ومجلس وزراء وطنيين، ومحكمة عدل، ومجلس اقتصادي واجتماعي. ولكن المشروع اصطدم بتحفظات كثيرة فتراجعت عنه فرنسا عام 1954م [51] بعد أن رفضها البرلمان الفرنسي [52] وعادت إلى أسلوب التكتل الاقتصادي. فاجتمع مؤتمر الوزراء الستة في مسينا عام 1955م، وأعقب هذا الاجتماع ثمانية اجتماعات أخرى أسفرت في النهاية عن وضع مشروع "السوق الأوروبية المشتركة"في الاجتماع الثامن بروما عام 1957 م. ووقّعت المعاهدة. ووافقت اللجنة على نقطة ركزّت عليها فرنسا وهي:"إدخال ما وراء البحار في السوق المشتركة". وقد تولىّ أمرها سلطة عليا هي: مجلس الوزراء، ويساعده لجنة أوروبية تتألف من خبراء تكلّف بتحضير عمل الوزراء. وأصبحت السوق الأوروبية المشتركة، والأسرة الأوروبية للفولاذ والفحم مؤلفة من (14) ، برلمانياً، تعطي آراءها بأكثرية الثلثين في مراقبة اللجنة الأوروبية وتساعدها: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، واللجنة النقدية، وتوجد محكمة عدل، وبنك أوروبي للتوظيف برأسمال قدره مليار دولار [53] . وأعلنت المجموعة أهدافها في [54] :
أ- إزالة التعرفة الجمركية بين الدول الأعضاء تدريجياً وعلى مراحل وضّحتها وبيّنتها، وسارت في تطبيقها.
ب- إقامة تجارة فيما بين دول السوق، وفتح الحدود تدريجياً لحركات العمال، ورؤوس الأموال، عبر الحدود الوطنية.
ج- وتخضع بلاد ما وراء البحار التي تُقبل في هذه المجموعة للتجربة لمدة خمس سنوات.
ووقّعت سبع دول أوروبية على ميثاقها هي: فرنسا، وألمانيا الغربية، وإيطاليا، وهولندة، وبلجيكا، ولوكسمبورغ، والدانمارك. وانضمت لها ايرلندا عام 1963 م، وبريطانيا عام 1967 م.
وكانت بريطانيا قد تزعمت منافسة هذا السوق في بداية الأمر وكَوّنت: "الرابطة الأوروبية للمبادلة الحرّة"بزعامتها عام 59 19 م، ووصفت السوق الأوروبية:"بالحصار القاري". وتكونت الرابطة من: بريطانيا، والدانمارك، والنرويج، والسويد، والبرتغال، والنمسا، وسو يسرة. ولكن الرابطة فشلت لعدم تجانسها، وتبعثرها الجغرافي [55] ، ثم لاتجاه زعيمتها "بريطانيا"للسوق الأوروبية المشتركة.
هذا وقد حقّقت السوق الأوروبية النجاح على أكثر من صعيد، وأصبحت واضحة الأثر في الحياة الأوروبية اليومية، رغم ما كان بين دولها من تاريخ دموي حافل بالحروب، والضغائن، والإثارة منذ ما قبل حروب نابليون إلى الحرب العالمية الأولى ثم الثانية [56] . فقد نجحت هذه الدول في تأمين أرضية مشتركة لتنسيق الأهداف والبرامج، ودمج المصالح، ومنع التعارض والتضارب والتنافس فيما بينها. فأدى ذلك إلى تحقيق نوع من التكامل الاقتصادي الأوروبي، الذي أدّى بدوره إلى نوع من التطور السياسي والعسكري بحيث أصبحت السياسات الدفاعية الخارجية، والداخلية لمختلف دول السوق شبه موحدة [57] .
ونرى في الآونة الأخيرة (ويا للأسف) تهافت أكثر من دولة من دول بلاد الإسلام على طلب الانضمام إلى السوق الأوروبية بهدف الإفادة من عضويتها الآنية، دون النظر إلى أبعاد ذلك على التأثيرات على عالم الإسلام، واستغلاله لمصالح تلك الدول الصناعية. التي نجحت في التحكم في أسعار المواد الأولية التي في معظمها في بلاد الإسلام، كما نجحت في، رفع أسعار المواد المصنّعة المصدّرة إلى بلاد الإسلام. فأثر ذلك كثيراً على أوضاع بلاد المسلمين، وعلى نقدها.
سادساً: حول الكومنولث:common wealth
ابتكرت بريطانيا نظام الكومنولث (رابطة الشعوب التي تتكلّم الإنجليزية) لتحافظ على نوع من السلطة على البلاد التي كانت تسيطر عليها، وبدأت تكوينه مع كندا عام 1867م، بعد أن نجحت في صدّ الولايات المتحدة عنها [58] .
وبعد الحرب العالمية الأولى رسمت سياسة أسمتها: "التفضيل الإمبراطوري"لتحقيق لون من ألوان الاكتفاء الذاتي الاقتصادي والسياسي، بالتضامن مع مستعمرات الدومنيون، ومستعمرات التاج. وقد قبل المؤتمر الإمبراطوري عام 1930م تقرير بلفور الذي أعلن فيه أن بريطانيا وممتلكاتها المستقلة متساوية في حقوقها في الحكم الذاتي داخل نطاق الإمبراطورية البريطانية، ولكنها جميعاً ترتبط بالتاج برباط الولاء المشترك، وقد عبّر عن هذه المبادئ دستور وستمنستر عام 1931م الذي نصّ على قيام الكومنولث البريطاني، المكوّن من أقطار مستقلة مرتبطة ببعضها برباط المواطنة إلى رابطة الشعوب البريطانية [59] . وبيّنت هذه السياسة في مؤتمر رؤساء وزارة الإمبراطورية الذي عقد في أوتاوا (كندا) عام 1932م. وكانت الأراضي الخاضعة للتاج البريطاني تنتمي إلى ثلاثة أقسام وزارية كبيرة حتى عام 1944م وهي:
أ- وزارة الدومنيون، وتشرف على كندا، واستراليا، وزيلندة الجديدة، واتحاد جنوب أفريقيا، ودولة ايرلندا الحرّة. وكان لجنوب أفريقيا وضع خاص، على أساس النظام الذي وضع عام 1926م، على أساس المساواة، والاستقلال الذاتي، والولاء للتاج البريطاني. ولما تحررت الدول تلك من الرقابة البريطانية بقيت تقيم مع بريطانيا علاقات خاصة فتحولت وزارة الدومنيون إلى: وزارة الشئون الخارجية المكلفة بعلاقات مع الأسرة.
ب- وزارة الشئون الهندية (مع وزارة برمانيا الملحقة بها) وكانت تدير سياسة الهند، ومسئولة أمام برلمان وستمنستر عن حكومة الهند، وتتّخذ القرارات مباشرة دون الرجوع إلى زعماء البلاد، مع أن بريطانيا كانت قد وعدت الهند بنظام الدومنيون منذ عام 1917م.
ج- وزارة المستعمرات: وكانت تشرف على مستعمرات بريطانيا في أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، وجزر الهند الغربية، والمحيط الهادي، والبحر الأبيض المتوسط. ولم يعرض على بساط البحث تحويل هذه المستعمرات إلى دومنيون.
فالكومنولث ضم البلاد التي تشرف عليها وزارة الدومنيون، والتي أصبحت عام 1944م ذات سيادة كاملة.
وقد مرّ الكومنولث بعصره الذهبي بين عامي 1927-1954م، وأطلق عام 1947م على وزارة الدومنيون اسم:"وزارة العلاقات مع الكومنولث". وهي التي ورثت عام 1966م جميع علاقات المملكة المتحدة مع بلاد إمبراطوريتها القديمة، قبل أن تنصهر عام 1968م مع وزارة الخارجية [60] . فأصبح الكومنولث يدل على رابطة دول حرّة مستقلة ومتساوية ضمت عام 1968م: المملكة المتحدة، وكندا، واستراليا، وزيلندة الجديدة، والهند، وباكستان، وسيلان، وغانا، وماليزيا، ونيجيريا، وسيراليون، وقبرص، ومالطة، وتانزانيا، وجامايكا، وترينداد، وتوغو، وأوغندة، وكينيا، ومالاوي، وزامبيا، وغامبيا، وسنغافورة، وغوايانا، وليسوتو، وبوتشوانا، وبارباد، والمالديف، وناورد، وساموا الغربية، وجزيرة موريشيوش، وسوازيلاند. كما يدل على توابع المملكة المتحدة، وبعض المستعمرات أو المحميات.
هذا وقد أضيف إلى حق الاشتراك في الكومنولث حق الخروج منه، كما فعلت بورما (برمانيا) عام 1948 م، وأيرلندة عام 1949 م. وانضمت الهند وسيلان عام 1949 م، وباكستان عام 1948 م [61] .
ولم يكن للكومنولث سلطة تنفيذية اتحادية، ولا سلطة تشريعية فكانت بريطانيا هي المهيمنة عليه. وشهد ضعفاً شديداً بعد عام 1968م لأسباب نوجزها فيما يلي:
1-
التنظيمات الجديدة التي شهدتها أوربا ومواثيقها العسكرية.
2-
نفوذ الولايات المتحدة وروسيا ودورهما في محاولات الحلول محال النفوذ البريطاني والفرنسي. والتكتلات الجديدة التي تزعمتها روسيا والولايات المتحدة.
3-
ظهور كتل أخرى بمساندة الولايات المتحدة وغيرها مثل: ميثاق دفاع بين: استراليا، وزيلندة الجديدة، والولايات المتحدة، ومنظمة معاهدة جنوب شرق آسيا التي ضمت: إندونيسيا، وتايلاند، والفليبين، وماليزيا، وبروني.
4-
سياسة التمييز العنصري في أفريقية الجنوبية، وموقف بريطانيا الحرج في ذلك أمام دول الكومنولث.
5-
الاعتداء الثلاثي على مصر عملية السويس- عام 1956م، حيث اشتركت بريطانيا مع فرنسا ودولة اليهود في مهاجمة مصر. فسبّب ذلك تصادمات عنيفة بين بريطانيا وأعضاء دول الكومنولث.
6-
وأخيراً اتجاه بريطانيا للقارة الأوروبية [62] ، وتشابك مصالحها وتناقضها مع كثير من مصالح دول الكومنولث. وضعفها الاقتصادي الذي جعلها بحاجة ماسة إلى أمريكا. ففقدت زعامتها وقيادتها، وبالتالي ضعفت أهمية الكومنولث وفقد فعاليته. وخاصة بعد أن أثبتت بريطانيا عجزها عن مسابقة أمريكا والاتحاد السوفييتي في مجال السباق الذري والفضائي [63] .
سابعاً: جامعة الدول العربية
وهي منظمة إقليمية أنشئت عام 1945م من أجل مزيد من التعاون السياسي، والاقتصادي، والثقافي بين الدول العربية المستقلة. وأعضاؤها اليوم اثنتان وعشرون دولة هي: المملكة العربية السعودية، والكويت، والبحرين، وقطر، وعُمان، واليمن الشمالية، واليمن الجنوبية، والإمارات العربية، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ومصر، والسودان، والصومال، وجيبوتي، وليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا. بالإضافة إلى فلسطين. وكان مقرها القاهرة، وانتقل إلى تونس عام 1979م بعد اعتراف مصر بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
كان عقد المسلمين قد انحلّ، وتبعثر بعد الحرب العالمية الأولى [1914- 1918م] ، وإلغاء الخلافة العثمانية رمز الوحدة الإسلامية، وقسمت بلاد الإسلام ومنها العربية إلى مستعمرات حكمها الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون، ولم يبق من يتمتع باستقلاله إلاّ: المملكة العربية السعودية، واليمن الشمالية، وأفغانستان وأخذت الاتجاهات الوطنية والإقليمية تجد لها صدى بين شعوب العالم الإسلامي تحت شعارات: الاستقلال، والحرية، ومكافحة الاستعمار، إلى جانب الاتجاهات الإسلامية التي لا يمكن إغفالها.
وبدأ تقارب البلاد العربية على الصعيد الدبلوماسي بمعاهدة الإِخاء والتحالف بين المملكة العربية السعودية والعراق عام 6 193 م، وتنص المادة السابعة منها: "يتعاون الفريقان المتعاقدان الساميان على توحيد الثقافة الإسلامية والعربية، والأساليب العسكرية في بلادها، بتبادل بعثات علمية وعسكرية للاطلاع على الأساليب المتبعة في المملكتين، وتوحيد ما يمكن منها، والاستفادة من المعاهد السلمية والعسكرية والتدريب بها
…
" [64] وتركت المعاهدة الباب مفتوحاً أمام الدول العربية الأخرى، فاشتركت فيها اليمن عام 1937م. كما عقدت معاهدة صداقة بين المملكة العربية السعودية ومصر في عام 1936م في القاهرة وأقامت هذه المعاهدة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لأول مرة، كمّا ألفت خطوة نحو تقارب البلاد العربية.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م) برزت مشاريع تدعو لوحدة بعض الأقطار العربية قبل مشروع الجامعة العربية ومنها:
أ- مشروع سوريا الكبرى الذي نادى به الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن.
ب- مشروع الهلال الخصيب: (وحدة بلاد الشام والعراق) الذي نادى به نوري السعيد رئيس وزراء العراق عام 1942م.
وكانت بريطانيا قد واجهت أحلك الظروف في الحرب العالمية الثانية، ووقفت وحدها أمام دول المحور بعد استسلام فرنسا لهتلر، وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانبها. كما كانت ألمانيا تحاول استشارة العرب ضدها بإطلاق الوعود. فخشيت بريطانيا انفلات الأمر من يدها، كما خشيت أن يتجه العرب إلى الاتجاهات الإسلامية، وهم بحكم وضعهم ولغتهم من الممكن أن يسلّم لهم العالم الإسلامي بالزعامة. هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت ترغب في إقامة منطقة نفوذ اقتصادية في الشرق الأوسط كله، فرغبت بالتالي في تمهيد الطريق أمام تقارب العرب فيما يشبه الحلف أو التضامن يسهل عليها التعامل معهم، من مركز واحد، كما كانت ترغب في انتزاع لبنان وسوريا من فرنسا ليخلوا لها الجوّ [65] . علاوة على أنّها بتبنيها أماني العرب في الوحدة تحقّق هدفاً غالياً عند العرب طالما تمنوه وعملوا من أجله، ويزيل ما علق بنفوسهم من حقد على بريطانيا لموقفها من فلسطين وتهويدها، وتبنيها للصهيونية. من أجل ذلك كلّه كان تصريح "إيدن"رئيس وزراء بريطانيا عام 1941م في مجلس العموم البريطاني، وجاء فيه:
(لهذه البلاد- بريطانيا [66] تقاليد طويلة من الصداقة مع العرب، وهي صداقة قد أثبتتها الأعمال، وليست الأقوال وحدها، ولنا بين العرب عَدد لا يُحصى ممَّن يرجون لنا الخير، كما أن لهم هنا أصدقاء كثيرون، وقد قلت منذ أيام في مجلس العموم أن حكومة جلالته تعطف كثيراً على أماني سوريا في الاستقلَال، وأود أن أكرر ذلك الآن، ولكني سأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمتّ عقب الحرب الماضية. ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من الوحدة أكثر من الدرجة التي يتمتعون بها في الحاضر، وهم إذ يحاولون بلوغ هذه الوحدة، يعتمدون على مساعدتنا. وهذا النداء الصادر عن أصدقائنا يجب ألا يبقى دون جواب ويبدو لي أن من الطبيعي والعادل معاً أن تقوى الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية، وكذا الروابط السياسية. وإن حكومة صاحب الجلالة من جانبها ستبذل مساعدتها التامة لكل خطة يمليها اتفاق عام)[67] .
وقد أعقب هذا التصريح جهود عربية لم تتعدّ نطاق الاستشارة أو المكاشفة والمداولة التي لم تتّخذ أية صفة رسمية عملية [68] .
وجدّد "إيدن"تصريحه عام 1943م "بعطف بريطانيا على أماني العرب في الاتحاد على أن تكون المبادرة من العرب أنفسهم". وكانت ظروف التصريح الجديد تختلف عن ظروف سابقه: فدول المحور ابتدأت بالتراجع، والحلفاء يتقلّبون من نصر إلى نصر، والصهيونية تكيد لفلسطين وتكشّر عن أنيابها، والفرنسيون يتشبّثون بسوريا ولبنان والجوّ العربي لا يخلو من سوء التفاهم [69] . فبادر النحاس باشا رئيس الوزراء المصري إلى الاتصال بزعماء العرب عام 1944م، وتمت عدة لقاءات ومشاورات أسفرت عن مشروع وحدوي واسع في بروتوكول الإسكندرية (مؤتمر الإسكندرية) الذي جمع في 7 تشرين الأول عام 1944م الدول العربية: مصر، والمملكة العربية السعودية، وسورية، ولبنان، والأردن، واليمن، والعراق.
ولكن المشروع "شبه الاتحادي"الذي أقره بروتوكول الإسكندرية اصطدام بالتحفظات فأسفر عن ميثاق من نوع المنتدى الدبلوماسي بروابط مرنة، ورخوة، وهو ميثاق جامعة الدول العربية [70] . وقعت عليه الدول العربية في 22 من آذار عام 1945 م. والواقع أن بعض التحفظات كان لا بدّ منها عند بعض الدول، وكمثال على ذلك:
من بين أهداف الجامعة العربية: "السعي لتوحيد الثقافة وتوحيد التشريع بين الدول العربية". ولما كان أكثر البلاد العربية قد تمسك بالعلمانية فإن المملكَة العربية السعودية بيّنت أن ظروفها، ووجود البلاد المقدسة فيها يجعل لها وضعاً خاصاً، فهي ستمتنع عن تنفيذ أي مبدأ في التعليم، أو التشريع يخالف قواعد الدين يمت الإسلامي وأصوله [71] . ولو أخلصت النيات لتبنّت جميع الدول هذه النقطة واتجهوا إلى تحكيم الإسلام الذي هو القاسم المشترك بينهم.
وقد عبّر عبد الخالق حسونة الأمين العام للجامعة لمدة طويلة عن الميثاق بقوله: "يعتبر ميثاق الجامعة هو الحدّ الأدنى لما كان يمكن التوصل إليه آنذاك"[72] .
والبتّ في أمورها معقّد، شاقّ طويل الأمد، إذ يتم عرض المشروع ثم يُناقش، ويتخذ القرار، تم يُصدّق عليه من الدول الأعضاء كل على حدة، والقرارات غير ملزمة، للأعضاء ولو كانت بالأغلبية. فالمادة السابعة:"ما يقرره المجلس بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله"[73] .
وأما أهداف الجامعة كما بيّنها الميثاق فهي:
1-
توثيق الصلات بين الدول العربية، وتنسيق خططها، تحقيقاً للتعاون بينها، وصيانة لاستقلالها وسيادتها.
2-
توثيق التعاون بين البلاد العربية، في الشئون الاقتصادية، والمالية، والثقافية، والاجتماعية، والصحية، والعسكرية.
3-
تحقيق التعاون مع الهيئات الدولية التي تعمل لنشر السلام في العالم، خاصة هيئة الأمم المتحدة وفروعها.
وأجهزة الجامعة هي:
1-
مجلس الجامعة: ويتألف من ممثلي الدول العربية المشتركة، وينعقد مرتين في العام بشكل عادي، وينعقد بصفة استثنائية إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ولكل دولة عضو صوت واحد، وعدد من الممثلين.
2-
الأمانة العامة: وتتألف من أمين عام، وأمناء مساعدين، وعدد كبير من الموظفين. ويعين الأمين العام من قبل مجلس الجامعة بأكثرية ثلثي الأعضاء. ومهمته: دعوة مجلس الجامعة حين الحاجة، والإشراف على إعداد مشروع الميزانية، وتحديد نصيب كل دولة من نفقات الجامعة بعد موافقة مجلس الجامعة على ذلك.
3-
اللجان الخاصة: ومنها.
اللجنة السياسية، واللجنة الاقتصادية والمالية، واللجنة الاجتماعية، واللجنة الثقافية، واللجنة الصحية، ولجنة التنسيق والجوازات.
هذا وقد قامت الجامعة بأنشطة رغم ضعف ميثاقها مثل:
1-
لعبت دوراً في معارك التخلص من الاستعمار في المغرب، وتونس، وليبيا، والجزائر، والجنوب العربي، وذلك على مختلف الجبهات والمستويات سواء أكان بالعمل المنظم في الأمم المتحدة. أم بالطرق الدبلوماسية بواسطة الأعضاء، أو بالوسائل المادية، أو عن طريق الدعاية.
2-
حصلت على شرعيتها العالمية، فمنها وفد في الأمم المتحدة، وهو عضو في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) حيث أدخلت اللغة العربية لغة عالمية عام 1974م. وهي عضو بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. وعضو بمنظمة الصحة العالمية. ومنظمات أخرى مماثلة.
3 -
كلّفتها الأمم المتحدة بالوساطة وفض النزاع في بعض القضايا مثل: الصراع بين العراق والكويت.
4-
لها تمثيل دبلوماسي لدى بعض الدول منها الهند، وأسبانيا [74] .
5-
قامت بمشاريع توحيد نظم التعليم، وبرامجه، والتقريب بين القوانين، وإجراءات تنفيذها. والتخطيط المشترك في شئون المواصلات وشبكة الطرق وبتوحيد الغرف التجارية والصناعية والزراعية. وبتنسيق سياسة البترول، والمواصلات الجوية والبحرية ووسائل الإِعلام، وبتوجيهات بشأن السوق العربية المشتركة، وإنجازاتها في هذه المجالات ضعيفة.
وأبرز مساهمتها في الأمم المتحدة، وفي الكتلة الآسيوية الأفريقية وفي مجموعة الـ "77". كما قامت بتنظيم عقد مؤتمرات القمة العربية حيث عُقد حتى عام 1988م خمسة عشر مؤتمراً. الأول في القاهرة عام 1964 م، والرابع عشر في عمان عام 1987 م، والأخير في الجزائر (وكان طارئاً) عام 1988م/ 1408هـ. ولا تزال تؤدي دورها رغم أنها تعاني من الإِفلاس.
ثامناً: دول عدم الانحياز: THE NON - ALIGNAENT GROUP
وعدم الانحياز يقصد به عدم الانحياز إلى إحدى الكتلتين اللتين تتزعمهما روسيا والولايات المتحدة، والوقوف إلى جانب الحق والعدل. وأطلق عليه اسم:"الحياد الإيجابي"، بمعنى أنه: موقف سياسي تتخذه الدول منها ابتعاداً عن المشاركة في صراع المعسكرين، ورفضاً للاستسلام لأي منهما في الميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
وقد بدأت فكرة عدم الانحياز في كولومبو (عاصمة سيلان) عندما عقد مؤتمر عام 1954م ضم: الهند، وباكستان، وإندونيسيا، وبرمانيا، وسيلان. حيث بحث المؤتمر تقرير موقف مشترك أمام الدول الكبرى الاستعمارية، ودراسة قضية الهند الصينية، ومحاولة إنشاء جبهة آسيوية محايدة.
وأعقب مؤتمر كولمبو توقيع المعاهدة التي أقامت منظمة حلف جنوب شرق آسيا عام 1954م، التي ضمت الدول: تايلاند، وماليزيا، وسنغافورة، وإندونيسيا، سلطنة بروني، والفلبين. وبعد توقيع هذه المعاهدة اجتمع أعضاء مؤتمر كولولمبو الخمس في "بوغور"بالقرب من جاكارتا بإندونيسيا في العام نفسه وقرروا دعوة الدول الأفريقية والآسيوية للاجتماع معهم في باندونغ عام 1955م. ووجهوا الدعوة إلى (24) بلداً، بالإضافة إلى دول مؤتمر كولومبو الخمس وهذه البلاد هي:
أ- البلاد العربية المستقلة: مصر، وليبيا، والعراق، ولبنان، والأردن، وسوريا، والمملكة العربية السعودية، واليمن، والسودان.
ب- البلاد الإسلامية المستقلة الأخرى في آسيا وهي: تركيا، وإيران، وأفغانستان.
ج- من البلاد الأفريقية المستقلة: الحبشة، وساحل الذهب (غانا) ، وليبيريا، واتحاد أفريقيا الوسطى (وهي البلد الوحيد الذي لم يحضر المؤتمر من الدول المدعوة إليه) .
د- من البلاد الآسيوية المستقلة: كامبوتشيا (كمبوديا) ، ولاوس، والفيتنام، وتايلاند، والفلبين، ونيبال، والصين الشعبية، واليابان.
وانعقد مؤتمر باندونغ بالفعل عام 1955 م، وسط مظاهر الدعاية والشعارات، حيث ضم ممثلين عن 65% من سكان الأرض. وبرز فيه أسماء كبار قادة ما سمّي بالحياد الإيجابي: نهرو رئيس الهند، وأحمد سوكارنو الرئيس الإندونيسي، وبروز تيتو الرئيس اليوغسلافي، وشوان لاي الزعيم الصيني، وجمال عبد الناصر الرئيس المصري.
وكان جدول أعمال المؤتمر غامضاً للغاية، كما كانت القضية معرفة ما ستكون عليه المناقشات. وبعد جوّ من الخطابة صوّت على ميثاق من عشر نقاط ذات طابع عام جداً، ومرن للغاية [75] هي:
1-
احترام حقوق الإنسان.
2-
احترام أهداف ومبادئ شرعة الأمم المتحدة.
3-
احترام سيادة الدول وسلامتها القومية.
4-
مساواة الشعوب والأمم.
5-
عدم التدخل في شئون الدول الداخلية.
6-
تسوية الخلافات بالطرق السلمية.
7-
إعلاء شأن المصالح المشتركة والتعاون.
8-
شجب الاستعمار بجميع مظاهره.
9-
شجب التمييز العنصري.
10-
دعم حقوق الشعب العربي في فلسطين.
وعندما طالبت سيلان وتركيا والعراق شجب الاستعمار الروسي في أوربا الشرقية، قام نهرو بهجوم، وطالب باشتراك البلاد الأفرو - آسيوية بقوة دولية ثالثة تشجع التعايش بين الشرق والغرب. واكتفي أخيراً بالاقتراح الغامض: شجب الاستعمار بجميع مظاهره، وأما الحياد فلم يؤخذ به لأن أحد المبادئ صيغ على الشكل التالي:
"احترام حق كل أمة بالدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً، طبقاً لشرعة الأمم المتحدة"[76] .
ومن خلال هذه الدول تأسست عام 1958 "منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي" واتخذت القاهرة مقراً لها.
وعقدت دول عدم الانحياز عدداً من المؤتمرات بعد مؤتمر باندونغ كان عاشرها بزيمبابوي عام 1986م. وضمت دولاً أخرى فبلغ عدد المنتمين إليها (106) دول، ولكن الدول الغير المنحازة فعلاً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولهذا ظلت أهداف هذه المنظمة ومبادئها وشعاراتها نوعاً من أضغاث الأحلام، أو السّراب بحيث أصبح لسان حال أقطابها اليوم:
"نحن نجتمع، إذاً نحن موجودون"[77] . ولم تؤثر على الأحلاف التي أقامتها الولايات المتحدة وروسيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في آسيا أو في أفريقيا [78] .
تاسعاً: منظمة الوحدة الأفريقية:
أخذت الدول الأفريقية التي استقلت تتنبه إلى أهمية المسائل الاقتصادية، وإلى ضرورة معالجتها، فظهرت محاولات في هذا الميدان [79] . وبدأ التفكير بتكوين منظمة في مؤتمر باندونغ عام 1955م، ثم في اجتماعات القاهرة عام 1957م ت وكونكري عام 1960م. فتكونت مجموعة دول كازابلانكا، (الدار البيضاء) عام 1961م من دول: المغرب، وجبهة التحرير الجزائرية، وغانا، ومالي. ومجموعة دول برازافيل من اثنتي عشرة دولة ناطقة بالفرنسية في أفريقيا، حيث وقعت اتفاقاً في"تناناريف"(عاصمة مالاجاش) عام 1961م، ودعي بميثاق:"اتحاد أفريقية - مالاجاش". وكذلك تم اجتماع مونروفيا حضرته دول أفريقية السوداء، وأعقبه مؤتمر لاجوس (عاصمة نيجيريا) عام 1962م بهدف إقامة تعاون بين الشعوب الأفريقية السوداء [80] .
كل هذه الاتفاقيات والمؤتمرات كانت خطوات نحو انعقاد مؤتمر كبير في أديس أبابا (عاصمة أثيوبيا) عام 1963م بحضور ثلاثين وزير خارجية أفريقي من الدول المستقلة.
حيث أنهى هذا المؤتمر ميثاق كازابلانكا، وميثاق مونروفيا، واقترح إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية.
وفي العام نفسه عقدت بأديس أبابا أول قمة أفريقية: وتم إعلان إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، متعهدة بالتمسك بأهداب ومبادئ الأمم المتحدة، والاتجاهات الدولية السلمية. واتخذت أديس أبابا مركزاً لها.
وتبع ذلك عدة مؤتمرات منها: المؤتمر الثاني في القاهرة عام 1964 م، والثالث في أكرا عام 1965م. وهكذا أخذت أديس أبابا تلعب دوراً في السياسة الأفريقية لصالح أثيوبيا التي ظهرت من خلال هذه المنظمة بطلة الوحدة الأفريقية، مما أثر كثير اً على قضايا المسلمين في قارة أفريقيا، وخاصة في إريتريا وأوجادين والحبشة هذا وقد اهتمت قمة أديس أبابا عام 1980م بالمشكلَات الاقتصادية الأفريقية، دون أن تتوصل إلى نتائج عملية.
وتتلخص أغراض هذه المنظمة في:
- العمل على تعاون الشعوب الأفريقية في شتى الميادين السياسية، والاقتصادية، والفنية، والاجتماعية.
- والسعي إلى تحرير بقية الأجزاء من الاستعمار، ومجابهة الاستعمار الجديد.
- وتسوية مشكلات القارة الأفريقية كمنازعات الحدود.
- ومكافحة التمييز العنصري في القارة الأفريقية.
وهي أغراض كما تلاحظ عامة وغير محددة. كقرارات مؤتمراتها.
وأما أجهزة المنظمة فهي:
1-
الجمعية العمومية: وهي مجلس رؤساء الدول الذي يعقد اجتماعاً سنوياً.
2-
مجلس وزراء الخارجية. ويجتمع مرتين في العام.
3-
الأمانة العامة: ومقرها أديس أبابا.
4-
لجان متنوعة منها: لجنة الوساطة والتحكيم، واللجان المتخصّصة العليا الاقتصادية [81] .
عاشراً منظمة أوبك- الدول المصدرة للنفط: O. P. E. C.
وهي تنظيم رسمي لمجموعة من الدول المنتجة والمصدرة للبترول، بهدف تنسيق، وتوحيد، وتطوير السياسات النفطية لهذه الدول بالصورة التي تكفل المحافظة على مصالحها بالتفاوض مع شركات البترول العالمية.
فقد رأت الدول المنتجة للنفط والمصدرة له أن الشركات الغربية التي تستخرج النفط من أراضيها تستغلّها، وتتحكم بأسعاره كما تشاء. فقامت بإنشاء هذه المنظمة للحدّ من استغلال الشركات، وتحديد أسعار النفط لخدمة هذه الدول الاقتصادية والتنموية.
وقد تأسست هذه المنظمة في بغداد عام 1960م من الدول الخمس التالية: الكويت، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وفنزويلا. وتركت المجال مفتوحاً لانضمام أي دولة منتجه ومصدرة للبترول بشرط أن يوافق على انضمامها ثلاثة أرباع الدول كاملة العضوية من بينها الخمسة المؤسسة للمنظمة. فتوالى انضمام الدول الأعضاء، فأصبح عددها ثلاث عشرة دولة. وهي بالإضافة إلى الخمسة:
الجزائر، والإكوادور، والغابون، وإندونيسيا، وليبيا، ونيجيريا، وقطر، والإمارات العربية.
وأنشأت المنظمة الصندوق الخاص بها. وكان مقرها في جنيف، ثم نقل إلى فينا [82] .
ويمكن تلخيص أهدافها كما أعلنتها في:
1-
تنسيق وتوحيد وتطوير السياسات البترولية للدول الأعضاء، وتحديد السبل لحماية مصالحهم منفردين أو مجتمعين.
2-
المشاركة الفعالة في وضع السياسات التسعيرية التي تضمن تحقيق استقرار الأسعار في الأسواق العالمية وتجنب التقلّبات الضارة في إيرادات البترول.
3-
المشاركة الفعالة في وضع السياسات الإنتاجية التي تضمن مصالح الدولة المنتجة والمستهلكة.
4-
تحقيق عائد عادل على الاستثمار في الموارد الناضبة.
كما عملت على امتلاك الدولة المنتجة للبترول لأسهم شركات البترول عن طريق مبدأ المشاركة الذي طرحته المملكة العربية السعودية بديلا لمبدأ التأميم. وهذا المبدأ يقوم على مساهمة الدولة المنتجة للبترول بجزء من رأسمال الشركة الحائزة على الامتياز البترولي بحيث تصبح الدولة مالكة لجزء من الشركة البترولية، وتمتد المشاركة لتشمل جميع مراحل الإنتاج البترولي. فأصبحت المملكة العربية السعودية تملك جميع الأسهم عام 1980م عن طريق هذا المبدأ [83] .
هذا وقد نجحت منظمة أوبك، وأفادت الدول المشتركة، وكانت بمثابة القذى في أعين الأوروبيين والروس والأمريكان، فاستُهدفت منذ تأسيسها، واشتد الكيد لها. وكانت أعمالها، وقراراتها، ومشاريعها عرضة للمؤامرات والمناورات والدسائس. واستخدم الغرب والشرق مع أعضائها شتى صنوف المغريات، وأقسى أنواع التهديدات، بقصد فصْم عرى وحدتها [84] . وبذلت المملكة العربية السعودية وبعض الدول المشتركَة الأخرى جهودا جبارة للإبقاء عليها، رغم الظروف المرّة التي مرّت بها هذه المنظمة، والتي اشتدت منذ عام 1975م إلى اليوم، ورغم عمق تناقضات أعضائها.
وقد أنشأت بعض الأقطار العربية منظمة: "أوابك"أي منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول. بهدف تنسيق السياسة البترولية العربية. ووقّع على اتفاقيتها كل من: المملكة العربية السعودية، والكويت، وليبيا عام 1968 م. واتخذت الكويت مقراً لها. ثم ضمت بعد ذلك: الإِمارات العربية، والبحرين، والجزائر، والعراق، وقطر، ومصر، وسورية [85] .
ومن هذا العرض السريع للتكتلات الدولية يتضح تبعثر جهد المسلمين، وخفوت صوت الإسلام ومناهجه فيها، ولما كَان الإسلام يفرض وجوده، ويجمع أفراده، فقد تحركت الغيرة في بعض بلدانه ودوله وقادته فقامت بجهود مشكورة في سبيل تجميع المسلمين وطاقاتهم فظهر للوجود: منظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وسنتكلم عنهما باختصار:
أولاً: مجلس التعاون لدول الخليج العربية: [86]
وجدت دول الخليج العربية أن التحديات التي تواجه هذه المنظمة تتعاظم بتعاظم حاجة العالم الصناعي للنفط، فأدركت أن اندماجها هو العامل الحاسم نحو توجه جديد لصياغة سياسة اقتصادية واجتماعية تبعد المنطقة عن التنافس الدولي، ويكسبها قوة تفاوضية كبيرة، ومقدرة على اتخاذ القرار لصالحها، وتمكينها من حمايته. فقررت إقامة تنظيم باسم (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) . وقّعت على قيامه كل من: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية، ودولة البحرين، وسلطنة عُمان، ودولة قطر، ودولة الكويت، وأهدافه:
1-
تحقيق التنسيق، والتكامل، والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها.
2-
تعمق وتوثيق الروابط والصَّلات، وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.
3-
وضع أنظمة مماثلة في مختلف الميادين: الاقتصادية، والمالية، والتجارية، والجمارك، والمواصلات، وفي الشئون التعليمية والثقافية، والتشريعية والإِدارية.
4-
دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين، والزراعة، والثروات المائية، والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية، وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص.
وأما أجهزة مجلس التعاون فهي:
1-
المجلس الأعلى- يتكون من رؤساء الدول الأعضاء وتكون رئاسته دورية حسب الترتيب الهجائي لأسماء الدول المشتركة.
2-
المجلس الوزاري- ويتكون من وزراء الخارجية للدول الأعضاء، أو من ينوب عنهم من الوزراء، ويعقد اجتماعاته مرة كل ثلاثة أشهر، ويجوز له عقد دورات استثنائية بناء على دعوة أي عضو من الأعضاء وتأييد عضو آخر.
3-
اللجان والاجتماعات الوزارية والمتخصصة، للعمل على تنفيذ سياسات المجلس ووضع الإِجراءات التفصيلية لذلك.
4-
الأمانة العامة- تتكون من أمين عام يعاونه أمناء مساعدون وما تستدعيه الحاجة من موظفين. وتعتبر الأمانة العامة الأداة الأساسية لتقديم مقترحات الجهات المسئولة للسياسات والخطط والبرامج المؤدية إلى تحقيق أهداف المجلس.
ومن أهم منجزات المجلس "الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون"التي وُقعت في الرياض عام 1402هـ/1981م وذلك لتنمية وتوسيع وتدعيم الروابط الاقتصادية فيما بين دول مجلس التعاون على أسس متينة لما فيه خير شعوبها، ومن أجل العمل على تنسيق وتوحيد سياستها الاقتصادية والمالية والنقدية، وكذلك التشريعات التجارية والصناعية، والنظم الجمركية المطبقة فيها.
وقد شجعت هذه التجربة الناجحة لمجلس التعاون الخليجي أقطار المغرب العربي على التفكير الجدي في إنشاء مجلس تعاون مغربي مشابه، فعقد رؤساء "المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا"اجتماع قمة يوم 10/ 6/ 1988م لهذا الغرض. وكونوا لجاناً فنية تجتمع دورياً لصياغة الترتيبات المؤسسة لهذا المجلس المرتقب.
ثانياً: منظمة المؤتمر الإسلامي [87]
وتعود فكرة إنشائها إلى عام 1350هـ/1931م حيث عقد مؤتمر إسلامي في بيت المقدس ورفع صوته احتجاجاً على اضطهاد المسلمين في الاتحاد السوفييتي، وأصدر نداء للرأي العام ناشده المساعدة. وأخذت الأحداث تشغل أقطار المسلمين بأنفسهم. إلى أن تقرر إنشاء هذه المنظمة في القمة الإسلامية بالرباط عام 1389هـ/ 1969م بوصفها ردّ فعل على الجريمة اليهودية في إحراق المسجد الأقصى.
وقد تم إقرار ميثاق المنظمة في المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة عام 1392هـ/ 1972م ووقعته ثلاثون دولة مسلمة. وفتح باب العضوية لكل دولة مسلمة ترغب في الانضمام. ويمثَّل النشاط الرئيسي لهذه المنظَّمة على مستوى وزراء خارجية الدول المسلمة، أو ملوكها، ورؤسائها.
وكان الملك فيصل بن عبد العزيز قد تبنّى الدعوة إلى التضامن الإسلامي للوقوف في وجه المخططات الاستعمارية ولم شعث المسلمين، ومجابهة الغزو الفكري بجميع أشكاله، فقام من أجل ذلك بعدة جولات في البلاد الإسلامية كالمغرب وغينية، ومالي، وتونس، والجزائر، والسنغال، وأوغندا، وتشاد، والنيجر، كما أرسلت المملكة عدة بعثات لأفريقية واستقبلت مئات الطلاب في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والجامعات الأخرى. وكانت نتائج ذلك:
1-
تنبهت الدول الأفريقية للخطر الصهيوني الذي تسلل إليها منذ عام 1376هـ بعد احتلال اليهود لمضائق تيران وخليج العقبة.
2-
أنشئ البنك الإسلامي للتنمية ليسدّ الفراغ في مساعدة الدول الأفريقية النامية، وليقوم بمشاريع التنمية على أسس خالية من المعاملات الربوية.
3-
أنشئت الأمانة العامة للدول الإسلامية بجدة، بعد انعقاد عدة دورات لملوك ورؤساء الدول الإسلامية (منظمة الدول الإسلامية) وقد أسفر مؤتمر القمة الإسلامي الثالث عن تأسيس مجمع الفقه الإسلامي في مكة المكرمة.
4-
مدّ يد العون إلى الشعوب والأقليات المسلمة، تلك التي تعاني الظلم والاضطهاد، أو الفقر والمجاعة. ففي مؤتمر القمة الإسلامي الثالث عام 1401 هـ أضيف موضوع الأقليات المسلمة إلى جدول أعمال المؤتمر بناء على موافقة مؤتمر وزراء خارجية العالم الإسلامي الثاني عشر الذي عُقد بمدينة الطائف. وهكذا تبنت منظمة الدول الإسلامية القضايا الإسلامية.
هذا وبناء على قرار صدر عن المؤتمر الإسلامي العام الأول الذي عقد بمكة المكرّمة عام 1382 هـ/1962م أُنشئت رابطة العالم الإسلامي [88] . وهي منظمة إسلامية عالميه، تمثّل فيها جميع الشعوب المسلمة، ومقرّها مكة المكّرمة، ولها مجلس تأسيسي مؤلف من كبار العلماء، ورجال الفكر في العالم الإسلامي. وقد لقيت التشجيع والمؤازرة والدعم من الحكومة السعودية. وقامت بنشاط في مجال تبليغ الدعوة، والتصدي للتيارات والأفكار الهدّامة، والدفاع عن القضايا الإسلامية.
كما قرّرت منظمة المؤتمر الإِسلامي عام 1982 م تنفيذاً لتوجيهات قادة الدول الإسلامية إنشاء المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) بأجهزتها الخاصة.
والمسلمون مطالبون إلى أن تتجه تكتلاتهم وأحلافهم إلى وجهة إسلامية. تخدم قضاياهم، وتخدم البشرية المتعبة كلها في أرجاء المعمورة.
المراجع
1-
أحمد عطية- قاموس السياسي- دار النهضة العربية 1968 م.
2-
إسماعيل صبري مقلد - العلاقات السياسية الدولية - مطبوعات جامعة الكويت 1971 م.
3-
بيير رونوفن - تاريخ القرن العشرين- تعريب د. نور الدين حاطوم - مطبعة الجامعة السورية دمشق 1378 هـ / 1959 م.
4-
تاريخ السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي- مجموعة من المؤلفين - جزءان إصدار موسكو.
5-
جميل المصري - حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة - جزءان- ط1/ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1406هـ /1986م.
6-
Joseph dunner dictionary of political scince vision press ltd London 1965
7-
حاطوم - د. نور الدين - تاريخ عصرنا: دار الفكر 1970/ 1971م.
8-
دروزيل- ج. ب- التاريخ الدبلوماسي- تعريب نور الدين حاطوم مطبعة جامعة دمشق 1381 هـ/1962م.
9-
الدّسوقي- د. محمد كمال- الدولة العثمانية والمسألة الشرقية- دار الثقافة/ القاهرة 1976م.
10-
سيّد فتحي أحمد الخولي- اقتصاديات البترول- جدّة.
11-
سيّد قطب- السلام العالمي والإسلام- هـ مكتبة وهبة ط 5/ القاهرة 1386هـ/1966م.
12-
طربين- أحمد- الوحدة العربية- دار الهلال ط 2/1963 م.
13-
العمري- أحمد سويلم- الإفريقيون والعرب- مكتبة الإِنجلو المصرية/ القاهرة 1967م.
14-
فشر- هـ. أ. ل- تاريخ أوربا في العصر الحديث/ تعريب أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع ط 4/ دار المعارف بمصر 1964 م.
15-
لويس. ل. سنايدر العالم في القرن العشرين- ترجمة سعيد عبود السامرائي- مراجعة وتقديم عطا بكري مكتبة الحياة- بيروت - مغفل السنة.
16-
ليختهم- جورج- أوربا الجديدة، حاضرها ومستقبلها- ترجمة محمود محمد حسن، 1966م. المكتبة المركزية بالجامعة رقم 940 ل. ي. أ.
17-
محمد عزيز شكري- الأحلاف والتكتلات السياسية العالمية عالم المعرفة (7) الكويت رجب 1398 هـ/ تموز (يوليو) 1978م.
18-
مصطفى ماهر- ألمانيا والعالم العربي- (ترجمة) دار صادر- بيروت- 1974 م.
19-
موفّق المرجة- موسوعة إسلامية.
20-
بعض الصحف والمجلات والنشرات.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
انظر: محمد عزيز شكري الأحلاف والتكتلات الدولية في السياسة العالمية ص 7 - 8.
JOSEPH DUNNER DICTIONAY OF POEITICAL SCIENCE VISSION PRESS LTD، LONDON 1965 P/6
[2]
[3]
أحمد عطية - قاموس السياسي ص 27- 28.
[4]
إسماعيل صبري مقلد - العلاقات السياسية الدولية- ص 227.
[5]
انظر: سيد قطب - السلام العالمي والإسلام ص 167- 168.
[6]
سورة المائدة الآية: 48.
[7]
سورة البقرة الآية: 143.
[8]
سورة آل عمران الآية 110.
[9]
انظر: مايلزكوبلاند - لعبة الأمم.
[10]
انظر: محمد كمال الدسوقي - الدولة العثمانية والمسألة الشرقية.
[11]
انظر: سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 35 وما بعد.
[12]
فشر - تاريخ أوربا في العصر الحديث ص 571.
[13]
انظر: التفاصيل عن العصبة - سنايدر - العلم في القرن العشرين ص 63- 68.
[14]
تاريخ القرن العشرين ص 367 وما بعد.
[15]
سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 135.
[16]
فشر - ص 732، سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 151 وص 163.
[17]
دروزيل -التاريخ الدبلوماسي - ص 34/ وسنايدر ص 163.
[18]
فشر: ص 732 / سنايدر ص 163.
[19]
التاريخ الدبلوماسي ص 45 / سنايدر ص 163.
[20]
فشر: ص 732.
[21]
التاريخ الدبلوماسي ص 80/ وانظر: سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 235.
[22]
التاريخ الدبلوماسي ص 113.
[23]
فشر: ص 733 وانظر: مادة حق الرفض من ميثاق الأمم المتحدة - وهي المادة 27/ سنايدر ص 239/ عن ميثا الأمم المتحدة ص 16- 17.
[24]
سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 67.
[25]
التاريخ الدبلوماسي ص 117.
[26]
نفسه ص 418.
[27]
التاريخ الدبلوماسي ص 33.
[28]
سنايدر - العالم في القرن العشرين ص 162 وانظر: عن الحرب الباردة ص 164.
[29]
النعيمي ص 17، التاريخ الدبلوماسي ص 215.
[30]
التاريخ الدبلوماسي ص 216.
[31]
التاريخ الدبلوماسي ص 218.
[32]
وهي دول: هولندة، وبلجيكا، ولكسمبورج، وبريطانيا، وفرنسا.
[33]
جورج ليختهم - أوربا الجديدة ص 22. التاريخ الدبلوماسي ص 218.
[34]
موفق المرجه - الموسوعة - ص 66. سنايدر ص 185.
[35]
انظر: سنايدر ص 165.
[36]
تاريخ السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي ج2 ص 202.
[37]
وكانوا عام 1951م: هاريمان عن الولايات المتحدة، وغيستكل عن بريطانيا، وجان موليه عن فرنسا.
[38]
تاريخ السياسة الخارجية ج2 ص 202.
[39]
نفسه ص 204.
[40]
نفسه ص 205.
[41]
النعيمي ص 26.
[42]
التاريخ الدبلوماسي ص235.
[43]
تاريخ السياسة الخارجية ص70.
[44]
نفسه ص 76.
[45]
نفسه ص 72.
[46]
تاريخ السياسة الخارجية ص74.
[47]
نفسه ص 76.
[48]
التاريخ الدبلوماسي ص 339.
[49]
نفسه ص 340.
[50]
التاريخ الدبلوماسي ص 211.
[51]
نفسه ص 362.
[52]
جورج ليختهم- أوربا الجديدة ص 44.
[53]
التاريخ الدبلوماسي ص 365 وانظر: جورج ليختهم- أوربا، الجديدة ص 46-51.
[54]
أوربا الجديدة ص 66.
[55]
تاريخ عصرنا ص 214.
[56]
موسوعة إسلامية ص 44.
[57]
نفسه ص 48. وانظر: جورج ليختهم- أوربا الجديدة ص 59 وص 64.
[58]
تاريخ عصرنا ص 94.
[59]
سنايدر- العالم في القرن العشرين ص 84.
[60]
تاريخ عصرنا ص 95.
[61]
نفسه ص 95.
[62]
جورج ليختهم - أوربا الجديدة ص24.
[63]
نفسه ص 33 وص 18.
[64]
الوثائق والمعاهدات في بلاد العرب - إصدار جريدة الأيام الدمشقية.
[65]
طريين - الوحدة العربية ص 200.
[66]
اتصفت السياسة الإنجليزية بعمق التخطيط والبطء في التنفيذ، والمرونة، فهي سياسة ذكية تعرف كيف تستغل الأحداث لتحقق ما تريده، وتحسن المراقبة، والاستكشاف، ثم تحسن الاستغلال والتوجيه، فهي كما وصفها السياسي الفرنسي المشهور جول فري:"تعرف من أين تؤكل الكتف". وسياستها هذه تركت أخاديد غائرة خطيرة في عالم الإسلام، وقضاياه الصعبة الحل في: فلسطين، وفطاني، وأركان، وماليزيا، والهند، والخليج العربي، والجنوب العربي، وإريتريا، والصومال، والسودان، ونيجيريا. فما من قضية إسلامية إلا تجد بصمات السياسة الإنجليزية عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
[67]
التاريخ الدبلوماسي ص 151/ 152، الوحدة العربية ص 198 عن: THE TIMES 30 MAY 1941
[68]
الوحدة العربية ص 226.
[69]
نفسه ص 227.
[70]
تاريخ عصرنا ص 475.
[71]
نصّ الكتاب الذي قدمه الشيخ يوسف ياسين إلى دولة أحمد ماهر باشا رئيس اللجنة التحضيرية بتاريخ 3/ 1/1945م في مرفق رقم 6 من محاضر اللجنة التوعية السياسية ص 17 - 18.
[72]
ألمانيا والعالم العربي - ترجمة د. مصطفى ماهر ص 362.
[73]
نفسه ص 368.
[74]
انظر: ألمانيا والعالم العربي ص 394 - 395.
[75]
التاريخ الدبلوماسي ص 409.
[76]
التاريخ الدبلوماسي ص 410.
[77]
الموسوعة ص 59.
[78]
التاريخ الدبلوماسي ص 410.
[79]
العمري - الأفريقيون والعرب ص 211.
[80]
العمري - الأفريقيون والعرب ص 210.
[81]
الموسوعة ص 68 - 69.
[82]
الموسوعة ص63.
[83]
د. سيد فتحي أحمد الخولي- اقتصاديات البترول.
[84]
الموسوعة ص 59 وانظر: جميل المصري /حاضر العالم الإسلامي ج1 ص 34- 35.
[85]
الموسوعة ص 63.
[86]
انظر: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ج 2 ص 640-644 عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية- واعي قيام المجلس وطموحاته - الأمانة العامة - المملكة العربية السعودية - الرياض.
[87]
انظر: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ج2 ص 630- 638.
[88]
انظر: تفصيل ذلك: رابطة العالم الإسلامي - عشرون عاماً على طريق الدعوة والجهاد، مكة المكرمة 1401هـ / جميل المصري - حاضر العالم الإسلامي ص 633.
كتاب تصحيح العمدة للإمام الزركشي
أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله المنهاجي الزركشي
(745- 794 هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
أستاذ مساعد بقسم الدراسات العليا
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن كتاب تصحيح العمدة للإمام بدر الدين الزركشي ألفيته كتاباً نافعاً ومفيداً فهو أحد الجهود العظيمة التي بذلها المصنف في خدمة هذا الدين ففيه نكت جيدة تنبئ عن همة عظيمة وعزم لا ينثني لدى علماء الأمة المحمدية بتِوخي الدقة في النقل، وسلامة الرواية وتحرير الألفاظ، حتى تكون السنة المطهرة أقرب ما تكون للفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن تخرج عن المعنى الذي أراد، ولا غرابة في مطاردة العلماء كل شاردة من كنوز السنة واستقبالهم كل واردة منها، فهي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية لذا وجبت العناية بدقائقها وتوخي الدقة والأمانة في تلقيها ونقلها هذا ما حفز الإمام الزركشي رحمه الله أن يعني بكتاب عمدة الأحكام للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، ويأخذ شرطه ميزاناً يطبقه على كل حديث أورده في العمدة وقد استطاع الزركشي رحمه الله أن يستدرك ستة وسبعين موضعاً من مجموع أربعمائة وسبعة أحاديث. وتلك المواضع التي سجل فيها الزركشي اعتراضاً أوافقه فيها سوى ستة مواضع فقد سجلت الرأي مدعماً بما يؤيده ولقد كانت جولة ممتعة مع الحوار الهادف المفيد وكانت محاور الحوار [5] تارة تدفعنا إلى صحيح الإمام البخاري، وأخرى إلى مسلم، وثالثة إلى العمدة وإلى عشرات المصنفات والشروح كل ذلك بحثاً عن الدقة والسلامة في اللفظ والمعنى وسيجد القارئ الكريم ما تسعد به نفسه في الجانب الحديثي، والجانب اللغوي من هذا الكتاب النفيس، وقد رأيت تقسيم العمل في هذا الكتاب إلى تمهيد وثلاثة أقسام وخاتمة.
التمهيد وفيه كلمة موجزة عن الصحيحين وعناية الأمة بهما، ثم عمدة الأحكام.
القسم الأول وفيه فصلان:
الفصل الأول ترجمة الإمام الزركشي في مباحث.
الفصل الثاني ترجمة موجزة للمقدسي.
القسم الثاني وفيه فصلان:
الفصل الأول بيان عملي في الكتاب.
الفصل الثاني تسمية الكتاب ووصف النسخ الخطية.
القسم الثالث تحقيق نصوص الكتاب.
ولعلم القارئ الكريم فإني استخدمت الرموز التالية:
أ- النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق.
ب- النسخة الخطية الثانية.
برهان الدين هو ابن خضر تلميذ الحافظ ابن حجر صاحب التعليقات على النسخة الأصل (أ) .
عبد الكريم هو عبد الكريم بن عبد الله الشريف المكي، مالك النسخة الأصل.
قال شيخنا: الحافظ ابن حجر والقائل قال شيخنا برهان الدين بن خضر.
م - مسلم في صحيحه.
صف - صحيح البخاري مع الفتح.
خ - البخاري في صحيحه.
وليعلم القارئ الكريم أن كل ترجمة لم أذكر مصدرها فهي من التقريب مع تصرف أحيانا.
تمهيد
الحمد لله أجل الحمد وأوفاه، وصلاة الله وسلامه على خليله ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره وترسم خطاه.
أما بعد:
فلا أعتقد أن طالب عِلم اليوم مهما قلت بضاعته، ونأت به الديار، لا يعرف عن الصحيحين شيئا، أو على الأقل مَا المراد بالصحيحين؟ ومن ألف كلاً منهما؟ فإن أخطأت في هذا التصور قلت: إن الصحيحين كتابان لشيخ وتلميذه، انفرد كل منهما بمؤلف خاص.
الأول: صحيح البخاري وسماه الإمام البخاري (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه)[6] .
والثاني: صحيح مسلم وسماه الإمام مسلم (المسند الصحيح)[7] .
هذا هو المراد بالصحيحين وهما كتابان عظيمان، تميزا بصحة النقل، ودقة الرواية، وشدة التحري، ففاقت قيمتهما العلمية كل تصور، وطارت شهرتهما في ذلك العصر، وطبقت الآفاق حتى لا يعذر اليوم طالب علم بجهل هذين الكتابين في عصر الثقافة والعلوم التي سخرت لها وسائل سمعية وبصرية، وسرعة إيصال المعلومات بصور مختلفة وأسباب مذهلة حتى لم تعد المعلومة تأخذ أكثر من بضع دقائق فليست عسيرة المنال، لكنها افتقدت الرجال ولاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الصوارف الدنيوية.
أما هذان الكتابان فيحسن إعطاء نبذة موجزة عن كل كتاب ومؤلفه لتكون صورة مشرقة بين يدي القارئ الكريم.
1-
صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل بذل فيه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أقصى درجات الحيطة والتثبت منها.
أ- الانتقاء فقد روي عنه أنه قال: خرَّجتُ الصحيح من ستمائة ألف حديث [8] . وهذا في حد ذاته مهمة صعبة وشاقة. وقال: لم أخرَّج في هذا الكتاب إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر [9] .
ب- التروي والتثبت ودعم ذلك بالصلاة والاستخارة قال البخاري: ما كتبت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين [10] . فما أعظمها من حيطة في دين أدته يغتسل بعدد الأحاديث ويصلى ضعف عددها كل ذلك لئلا، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جـ- اشتراط أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلا ف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد وصح الطريق إليه كفي [11] . ولم يكتف البخاري بمعاصرة الراوي لشيخه بل اشترط اجتماعهما [12] واللقاء بينهما وهذه زيادة في الحرص والتثبت.
والإِمام البخاري بهذه الدقة قدم للأمة الإسلامية ما لم يسبقه مثيل، ولن يلحقه مغير، فكان كتابه بحق أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل [13] لذا أجمع علماء هذه الأمة على قبوله، وصحة ما فيه [14] .
أما الإِمام البخاري فباختصار هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، البخاري إمام المحدثين بغير منازع، وسيد الحفاظ والمتقنين لم نسمع بأحفظ منه ولا أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاصده، وما صنع في كتابه الصحيح خير دليل على ما نقول فله الرواية والدراية، ولد في مدينة بخارى من بلاد خراسان، في سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، تحدث عنه الأئمة بما يذهل من بداية طلبه هذا الشأن إلى وفاته، وكانت بقرية من قرى سمرقند، سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة [15] رحمه الله.
2-
صحيح مسلم.
اقتدى الإمام مسلم بأستاذه الكبير الإِمام البخاري في العناية بالصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن مسلماً خالف أستاذه في الطريقة والمنهج ومن هنا قال بعض الأئمة: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج [16]، وقد كانت عناية الإمام مسلم بمؤلفه هذا شبيهة إلى حد كبير بعناية شيخه بمؤلفه. منها:
أ- تحقيق جانب العلم بهذا الشأن رواية ودراية قال الإمام مسلم رحمه الله: إن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها، من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع [17] . وهذا مبدأ التثبت في النقل.
ب- الانتقاء قال الإمام مسلم رحمه الله: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة [18] .
جـ- التروي وعدم العجلة قال الإمام مسلم: ما وضعت في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئاً إلا بحجة [19] .
د- وزيادة في الدقة والتثبت يستخدم الإمام مسلم أسلوب العرض على العلماء والاستشارة العلمية وهذا هو الإنصاف في طلب الحق وعدم الاغترار بالثقة بالنفس، وهي صفة نبل وتواضع. قال الإمام مسلم رحمه الله: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار: أن له علة تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس له علة خرجته [20] .
هـ- شرط الإمام مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإِسناد، بنقل الثقة، عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالماً من الشذوذ والعلة [21] . واكتفى بمطلق المعاصرة بين الشيخ والتلميذ ومن هنا حاز الكتاب الرتبة الثانية بعد كتاب الإمام البخاري وهذا ما عليه المحققون من أهل العلم، قال النووي رحمه الله: وكتاب البخاري أصحهما وأكثر فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري، هو المذهب المختار قاله الجماهير، وأهل الإتقان، والحذق والغوص على أسرار الحديث [22] . قلت: ولم يرو مسلم عن شيخه البخاري في الصحيح شيئاً ولا غرابة في ذلك فعذر الإمام مسلم واضح في ذلك.
1-
أنه شارك الإِمام البخاري في كثير من شيوخه فهو من أقرانه وإن كان معترفاً بتقدمه وفضله لكنه رغب في طلب العلو في الإِسناد. وهذا أبرز في بيان السبب في عدم الرواية عن البخاري.
2-
اختط الإمام البخاري لنفسه منهجاً في إخراج الصحيح فأراد الإمام مسلم إدراك الغاية نفسها فسلك نهجاً آخر في الموضوع. والله أعلم.
أما الإمام مسلم فهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ولد سنة أربع ومائتين من الهجرة، ونشأ في بيت علم، ترجم له العلماء منذ ولادته حتى وفاته وذكروا من علمه وفضله ما يجعله جديراً بلقب الإمام مقدماً على غيره من أئمة هذا الشأن، وتلقت الأمة كتابه بالقبول والثناء الحسن، فاحتل صحيحه الرتبة الثانية بعد صحيح البخاري رحمهما الله وكانت وفاته في سنة إحدى وستين ومائتين عن عمر ناهز سبعاً وخمسين سنة كانت حافلة بالفضل والعلم والذكر الحسن وأورث الأمة الإِسلامية أعظم الكنوز التي تعتز بها وتعتمد على قوة نصوصها وصحتها [23] .
هذان هما الصحيحان، وهذان هما المؤلفان أنْعِم وأكْرم بالمؤلِّف والمؤلَّف قال ابن الصلاح رحمه الله: وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز [24] . وقال النووي رحمه الله: اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان، البخاري ومسلم [25] .
وبهذه النبذة الموجزة يعلم القارئ الكريم اندفاع كل شبهة حول هذين الإمامين وكتابيهما، ويتأكد له أن تلك المحاولات الفاشلة إنما هي افتراءات يقصد منها النيل من الإسلام وأهله، جزا الله عنا الإمامين كل خير ورحم الله أئمة الإِسلام وعلماء الأمة المخلصين الصادقين وغفر لنا ولهم أجمعين.
كتاب عمدة الأحكام
تقدمت الإشارة إلى أن الصحيحين وقعا من قلوب المسلمين موقعاً عظيماً وذكرت أن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول نتج عن هذه المكانة العظيمة للكتابين أن العلماء شمروا عن سواعد الجد والاجتهاد في البحث العلمي الهادف إلى خدمة الكتابين ببيان ما فيهما من كنوز وإيضاح ما يشكل على طلاب العلم فكان من هؤلاء من اعتنى بالشرح والتفصيل في الجوانب الحديثية والفقهية واللغة كالحافظ ابن حجر في شرحه صحيح البخاري (فتح الباري) والنووي في شرحه صحيح مسلم ومنهم المخرج عليهما، والمستدرك، والموازن بينهما، وَكان من بين المشتغلين بالصحيحين الإمام المقدسي الذي طلب منه أن يجرد ما اتفق عليه الشيخان في كتاب مستقل، فبادر رحمه الله إلى إجابة طالبه وشمر للجد سواعده فدون جملة من الأحاديث شرط على نفسه أنها مما اتفق عليه الشيخان، أودعها كتابه الموسوم (بعمدة الأحكام من كلام خير الأنام) فشاع ذكره عند الخاص والعام، واعتنى الأئمة بخدمته ولا غرابة فالرابط بينه وبين الصحيحين كبير جدا، والمقدسي إمام يشار إليه بالبنان، فكان لكتابه هذا حظ وافر من عناية الأئمة فمنهم الشارح له كابن العطار [26] ، وابن دقيق العيد [27] ، وابن الملقن [28] ، وممن أدلى بدلوله في هذا المجال الإمام الزركشي إذ عَنّ له أن يتتبع عمل المقدسي ويطبق عليه شرطه ليخرج بتصحيحات مفيدة، ونكت علمية نافعة أحسن الله مثوبتهم أجمعين ووفقنا لخدمة كتابه وسنة نبيه الكريم.
القسم الأول
الفصل الأول: ترجمة الإمام الزركشي
نسبه: هو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله [29] بن بهادر، المنهاجي [30] ، الزركشي [31] .
مولده: ولد الزركشي في سنة خمس وأربعين وسبعمائة من الهجرة في مصر، من أصل تركي.
نشأته:
نشأ الإِمام الزركشي في ظل أسرته وهي أسرة لم تكن ذات شهرة في الأوساط الاجتماعية ولم تذكر بعلم، ولا وجاهة، أسرة مسلمة تعيش في بلاد إسلامية وذكر أن أباه كان مملوكا [32] ، وفي نظري أن لهذه الحالة الاجتماعية بعد توفيق الله عز وجل دوراً بارزاً في بعث هذا الفتى النابغ، إذ بدأ حياته بتعلم حرفة تعينه على شئون حياته، فبرع في حرفة الزركش، لكن طموحه وهمته العالية أبت عليه الوقوف عند هذا الحد فبادر بفضل الله وتوفيقه إلى طلب العلم، وهذا ما سنعرفه فيما يلي من الدراسة.
سعيه في طلب العلم:
ما من شك في أن الله عز وجل إذا أراد بعبد الخير يسَّر له سبله، وبعث في نفسه همة عالية لإدراك المراد، والزركشي رحمه الله أجاد حِرفة تُدِرّ عليه معاشاً في حياته، لكن الله عز وجل أراد له أفضل من ذلك، فأثار في نفسه الرغبة الشديدة في العلم، فأحبه، وصبر على تحصيله، وبادر إلى منابع العلم فلازم الشيوخ، وعايش الكتب، ونوّع مصادر المعرفة، حتى ضرب في ذلك مثلاً للجد والمثابرة، والصبر والمصابرة، فاستوعبت ذاكرته العديد من العلوم، واعتمد على ذاكرته بعد توفيق الله، وما يدون من الكتب إذ لم يشتر كتاباً، بل كان يقضي نهاره فيِ حوانيت الكتب [33] ، يقرأ ويفهم، ويدون ما يروق له، وهكذا كان جمَّاعاً للعلم حريصاً عليه، مقتحماً كل عقبة كؤود في سبيله، إنها بداية الجد والاجتهاد والصبر والمثابرة.
رحلاته:
لم تتسع الرحلة عند الإمام الزركشي ولم تزد المصادر على أن ذكرت لنا رحلتين قام بهما الزركشي رحمه الله الأولى من مصر إلى دمشق حيث أخذ عن العماد بن كثير [34] علم الحديث والثانية كانت من دمشق إلى حلب حيث أخذ عن الأذرعي [35] . هاتان الرحلتان أكسبته السماع من عالمين كبيرين يشار إليهما بالبنان في عصره وقد نسبه في كشف الظنون فقال: الموصلي (1/448) فلعله رحل إليها. ولعل السبب في عدم سعة الرحلة والله أعلم أن مصر والشام كانتا أكثر البلاد الإسلامية من حيث الشهرة العلمية وكثرة العلماء في ذلك العصر أو أنه آثر الأخذ عن علماء مصر والشام، وبدأ دراسة التصانيف والاشتغال بالتأليف.
شيوخه:
أفاد الزركشي رحمه الله من مشاهير علماء مصر والشام ولازم بعض شيوخه ومن أولئك الأعلام عبد الله بن يوسف بن أحمد المتوفى سنة 761 هـ، ومغلطائي بن فليح الحنفي المتوفى سنة 762 هـ، وإسماعيل بن كثير المتوفى سنة 774 هـ، وأحمد بن محمد بن جمعة المتوفى سنة 774 هـ[36] ، وأحمد بن حمدان الأذرعي المتوفى سنه 783 هـ وسراح الدين البلقيني المتوفى سنة 805 هـ.
ومن أبرز شيوخه الذين تأثر بهم في منهجه العلمي جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة 772 هـ[37] ، والأذرعي، وبرهان الدين بن جماعة المتوفى سنة790 هـ، واستفاد من منهج الزيلعي في بعض مصنفاته.
الآخذون عنه:
تتلمذ عليه وتخرج به محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي المتوفى سنة 831 هـ، وأخذ عنه أيضاً عمر بن حجي السعدي المتوفى سنة 835 هـ، وحسن بن أحمد بن حرمي بن مكي المتوفى سنة 833 هـ، وقد أكمل الدكتور عبد الرحيم القشقري العدد إلى ثمانية وأعطى معلومات موجزة عن كل واحد منهم [38] .
حالته الاجتماعية:
عمل الزركشي رحمه الله بالسنة في تحصين النفس بالزواج، الذي ندب إليه نبي الهدي صلى الله عليه وسلم، فأنجب الزركشي ذكوراً هم محمد وعلي وأحمد، وإناثاً هن عائشة وفاطمة [39] ، وكانت له عناية بتعليمهم وتثقيفهم ذكوراً وإناثا [40] ، وله أقارب يجلونه ويعتمد عليهم في كفالة أبنائه وتدبير شئون معاشهم [41] ، واعتنى بالجانب العلمي، وتفرغ للعبادة، ولم تكن علاقته بالعلماء أقل حظاً من علاقته بأبنائه، كانت علاقة حب ووفاء، وصدق وإخاء، كان معترفاً بالفضل لأهله وفياً لمن أحسن إليه ومن هذا الباب كانت علاقته مع برهان الدين بن جماعة علاقة مودة ووفاء، لا كما وصفه الدكتور السيد بأنه كان متزلفاً [42] له، وفي نظري أن إطلاق مثل هذا اللفظ على عالم جليل اشتغل بالعلم والتصنيف وترك الدنيا وأهلها أمر فيه إجحاف بحقه رحمه الله فضلاً عن كون مثل هذا الخلق وصمة إن تخلق به رجل من عامة الناس فضلاً عن عالم له فضله وجلالته، ولعل الأسلوب لم يسعفه الدكتور فزلَّ قلمه فقد أشاد بالزركشي وأثنى عليه، وقطعاً لم يرد ما تدل عليه اللفظة.
عصر الإمام الزركشي:
إن أي باحث يرغب في الكتابة عن مثل هذا العنصر أول ما يحضره أن عصر الشخص ينقسم إلى قسمين: ما سبقه من فترة والزمن الذي عاشه وألم بأحداثه وتطورات الأمور فيه وليس هذا بالأمر الهين لمن أراد الاستقصاء لغزارة المادة العلمية فيه ومنها كثرة الأحداث في الداخل والخارج وتشعبها غير أنني أرى أن لابد من الكلام عن ناحيتين بإيجاز لأهمية هذين الأمرين في حياة كل عالم يعني بأمور المسلمين.
1-
الناحية السياسية:
كان المسلمون يعانون من التفرق السياسي وشتات الأمر، الشيء الذي أطمع الأعداء في البلاد الإسلامية وكانت حملات المغول والتتر تترى على المسلمين الذين أثخنهم الأعداء جراحاً وأذاقوهم مرارة العداوة والحقد غير أن أحوال المسلمين بدأت تهدأ قليلا وتلتئم جراحاتهم بأمور منها:
أ- دخول قبائل مغولية في الإِسلام وكان ذلك قبيل مولد الزركشي رحمه الله.
ب- نشاط الدولة العثمانية، ومد نفوذها على كثير من البلاد الإسلامية.
جـ- تحرك الفتح الإسلامي، وهزيمة زعماء البلقان، وكسر الجيش الصليبي.
ولم تكن هذه الأحداث سوى ومضة أيقظت الشعور بالأمل عند المسلمين على تخوف وحذر فأحداث التيمورية روعت المسلمين وأعاثت في الأرض الفساد والدمار، والاضطرابات الداخلية تهز كيان المسلمين ليل نهار، ولاسيما تلك الدويلات المتناثرة المتناحرة في اليمن والحجاز، وبلاد الجزيرة، وبلاد فارس تتنازعها دويلات عدة، والشام ومصر تحت حكم المماليك وأقاليم إفريقيا ليست بأحسن حالاً مما سبق، فكانت الحالة السياسية بالنسبة للمسلمين منذرة بخطر، مهددة بكوارث في الأنفس والممتلكات، إلا أن بارقة أمل لاحت للمسلمين في مصر حينما قيَّض الله في مطلع القرن الثامن الهجري الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان رجلاً صالحاً ذا حكمة وبعد نظر باشر الأحداث السياسية في سن التاسعة وحدثت له تطورات في الشطر الأول من القرن الثامن استطاع الملك الناصر أن يرفع ميزان القوى عند المسلمين ويذكي جذوة الإيمان إلا أن الأجل لم يمهله لتوطيد الدولة الإسلامية بالصورة التي توقف الأعداء أو تقطع دابرهم إذ توفي في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بعد أن وضع ركائز جيدة لدولة إسلامية رشيدة استخلف عليها ابنه سيف أبو بكر الذي لم يقدر على لمّ شعت إخوته واحتواء خلافاتهم فانفرط العقد بينهم وبدأ المسلمون المعاناة من جديد، من كثرة نفوذ الأمراء، وتفشي الظلم، وكثرت الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة المماليك البحرية في سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وظهرت دولة المماليك الجراكسة وأول ملوكهم الملك الظاهر برقوق بن أنس الذي أشعل الحرب بينه وبين سابقيه مما أدى إلى تفريق كلمة المسلمين وإضعافهم.
2-
حالة المجتمع في هذا العصر:
خلاصة المقال في هذا الجانب أن المجتمع كان يعاني من أمور كثيرة من أبرزها ضعف الدولة الشيء الذي نتج عنه مشاكل لا حصر لها مثل انتشار الظلم، والتعسف، والتلاعب بأموال المسلمين، والاستيلاء عليها بغير وجه حق، وظهور الفساد الخلقي حتى راجت تجارة الحشيش وأخذ قانوناً تجارياً، يباع ويشترى على مرآى ومسمع من الدولة [43] . وانتشار الفقر، وتفشي الأمراض، والأوبئة، لانصراف الدولة عن خدمة المجتمع إلا في بعض محاولات إصلاحية.
3-
الحالة العلمية:
رغم ما سبق تصويره من مشكلات سياسية، ومتاعب اجتماعية جمة، فإن المجتمع الإسلامي لم يخل من رجال جردوا أنفسهم لله، وخدموا العلم بأمانة وإخلاص، رغم أنوف الكثيرين من الولاة الذين فرطوا في الأمانة وضيعوا حقوق العباد. في هذا العصر ضحى كثيرون من العلماء بالجاه والمال وزهدوا في السلطان، وسخروا أنفسهم لخدمة الدين والعقيدة ولم يبخلوا بنصح ولا توجيه، ولم يكتموا علماً عن طالبه، وممن سبق الزركشي الإمام ابن تيميه، الإمام المصنف المجاهد، الذي أشعل جذوة الجهاد لدى السلطان وجنده وأبلا بلاء حسناً في تلك المعارك، ومن أولئك شيوخ الزركشي الذين أخذ عنهم ومنهم أفاد علماً، ولا ريب أن ثبات أولئك الأفذاذ من العلماء أنقذ البلاد من ويلات الجهل والضلال، ومما كان يهدد الأمة الإسلامية من الفرق الضالة ذات المبادئ الهدامة، وكانوا درعاً واقياً لجسد الأمة من زحف الزندقة والإلحاد، والوثنية كل هذه الصعوبات صمد أمامها أفذاذ العلماء، وحطموا قواها بصبر وثبات على الحق، والله هو المنقذ والحامي.
إفادة الزركشي من هذه الأحداث:
إن المستوفي دراسة عصر الزركشي يتبين له أن تلك الأحداث الجسام التي اكتنفت حياة الزركشي سابقاً ولاحقاً، لم تكن صعوباتها ومخاوفها تثنى عزم هذا الرجل الفذ عن شق طريقه في الحياة مختاراَ- بعد توفيق الله - أسلم السبل وأشقها في نفس الوقت فانقطاعه إلى العلم، وملازمة العلماء دليل قاطع على قوة شخصيته، وعدم تأثرها بالأحداث الجوفاء فتحصيل العلم هو السلاح الواقي من التردي في المهالك، وهو الأساس الذي تبني عليه الأمم دولها وقوتها وحضارتها، هذا جانب من شخصية الزركشي قد يستشفه الباحث بعد إمعان النظر.
الجانب الثاني أن الإِمام الزركشي وإن وصف بالعزلة عنِ الناس والزهد في الدنيا والاشتغال بالتصنيف فإنه لم يكن غافلاً عن مجتمعه فقد كان محاربا للأعداء بقلمه السيال، فقد كتب في جانب العقيدة حول الركن الأول من أركان الإسلام، وفي هذا محاربة للوثنية والإلحاد، وصد للزندقة، وصنف في تحريم الحشيش الذي تفشى في المجتمع بصورة مذهلة. ودرس في خانقاه كريم الدين وأفتى.
ومن هنا يلمس الباحث عناية الزركشي بمجتمعه الطبقة العامة من الناس وطبقة العلماء المصنفين، فطبقة العامة أخذت قدراً من تفكير هذا الإمام لدراسة المشكلة وتحديد الحكم الشرعي فيها وذلك الحكم هو في نظر الزركثي الحل الوحيد، والعلاج الناجع المفيد لأدواء المجتمع لاسيما أنه قد بدأ الاشتغال بهذا المجال في سن مبكر [44] . أما طبقة العلماء فكان ملازماً للشيوخ [45] منهم، متتبعاً مؤلفات السابقين عليه، فأفاد من علم شيوخه، ودَرسَ التصانيف، فاستدرك، وشرح، وعلق، وصوب ما رآه خطأ، فكانت حياته خدمة جلى بين أخذ من منابع العلم، وإفاضة من غزير الفوائد مع تتبع للنكت والفرائد. ولعل من الأسباب الدافعة لهذا المنهج غاية الحرص على الخير والبعد عن مخاطر السلطان، ومهالك المجتمع، وقد بسط القول في دراسة عصره الشيخ علي محي الدين علي أثابه الله [46] .
مكانته العلمية:
إن شاباً يزهد في مهارة بيده تكسبه مالاً ويتجه إلى طريق العلم [47] ، والعيش على الكفاف ويعشق الرحلة في طلب العلم وهو في الثامنة عشرة من عمره [48] ، ويصنف الكتب وهو في الرابعة والعشرين [49] لجدير بالمكانة العلمية العالية، كانت حياته مقصورة على هذا الشأن قيّد وقته بقوة العزيمة فلا يرى إلا مع شيخ يفيد منه علماً، أو معتكفاً في داره على كتاب يدرس فيه ويؤلف، أو في جولة علمية في أسواق الكتب ليمتع فكره بفنون العلم وفوائده [50] . هذا المنهج الفريد، أكسب الزركشي مكانة علمية عالية، شهد له بذلك أعلام كبار، منهم الحافظ ابن حجر يقول عن شرح الزركشي للمنهاج: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها [51] . صنف عشرات الكتب في فنون من العلم شهد بجودتها وحسنها العلماء، وأفادوا منها علماً ومعرفة. فكان بحق فقيهاً، أصولياً، محدثا بارعاً، أديباً ناقداً، ومن يشك في ذلك فليستقرئ مصنفاته تتضح له الحقيقة، ويعرف منْ الزركشي، وكيف استطاع أن يؤلف أكثر من أربعين كتابا.
بعض صفاته:
إن من أبرز ما يجد الباحث من صفات الإمام حرصه الشديد على وقته، ومثابرته على خدمة العلم، كما يجد التواضع الجم صفة ملازمة له رغم تلك الجهود العلمية التي تسمو به إلى درجات عُلى، كان رحمه الله لا يرى لنفسه مزية، يجل من سبقه في هذا الميدان، ويجهل من يدعي العلم، ويترك الإفادة من جهود السابقين يقول رحمه الله: اعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئاً من الكتب، ويظن أنه فخر، ولا يعلم أن ذلك غاية النقص، فإنه لا يعلم مزية ما قاله إلى ما قيل، ولا مزية ما قيل إلى ما قاله، فبماذا يفتخر؟! [52] وقد ذكر الزركشي رحمه الله أنه اجتمع عنده من مصنفات الأقدمين ما يزيد على المائتين [53] . قلت: ولا يعارض ما سلف من أنه لم يشتر كتاباً فقد يحمل عدا الشراء على بداية الطلب. والاقتناء على حالة التصنيف أو على أنه طالع هذا العدد من المصنفات والله أعلم. ويؤيد جانب التواضع عند الزركشى قوله: ومع هذا ما كتبت شيئاً إلاخائفاً من الله مستعيناً به، معتمداً عليه، فما كان حسناً فمن الله وفضله، وما كان ضعيفاً فمن النفس الأمارة بالسوء [54] . قلت: وهذا ورب الكعبة لهو أساسا النجاح في الأعمال وسر السعادة والفلاح في الآخرة.
وكان من صفاته الحذق وتذوق العلوم، فقد كان ناقداً بصيراً، ولم يكن جماعاً دون تمييز بين غث وسمين ومؤلفاته خير دليل على هذا ومنها تصحيح العمدة هذا، والنكت وله في كل علم جولة تشهد له بالحذق والإتقان.
عقيدته:
أثبت فضيلة الدكتور عبد الرحيم في دراسته أن الزركشي رحمه الله كان أشعري العقيدة وذلك من خلال دراسته لمؤلفين من كتب الزركشي هما لقطة العجلان، ومعنى لا إله إلا الله، وقال ما معناه: إنه لم يسلك في تقريراته أمورا في العقيدة مسلك أهل السنة، بل ترسم خطى الأشاعرة في بحثه ومناقشته لتلك الأمور [55] . قلت: قد نسب إلى اعتقاده على الصفحة الأولى من كتابه "الأزهية في أحكام الأدعية"وفي مواطن من الكتاب المذكور عبارات لا تدع مجالاً للشك في أنه في العقيدة أشعريًّ، عفى الله عنا وعنه، والغريب أنه أخذ عن العماد بن كثير ولم يتأثر وكذلك من المعلوم أنه شافعي المذهب فكيف غفل عن ما قال الأئمة في هذا الباب أمثال ابن خزيمة واللالكائي وعلى كل حال فقد زل في هذا الباب أئمة عفى الله عنهم وغفر لهم، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل [56] .
ألقابه العلمية ومناصبه:
وصف الزركشي رحمه الله من بعض من ترجم له بأنه إمام عالم علَاّمة [57] . وقد ذكر لقب الإفتاء الحافظ ابن حجر [58] ، والداودي [59] ، وابن العماد [60]، فقالوا: المفتي وهو لقب علمي رفيع لا يطلق إلا على من تأهل لهذه الرتبة ومارسها ولا غرابة فالزركشي جدير بمثل هذا.
ومن ألقابه العلمية أيضاً المصنف [61] ، فقد اعتنى بهذا الجانب وأبدع وآثاره شاهد عيان على واقعية هذا اللقب.
كما ذكر العلماء لقباً علمياً تخصصياً أعني أن فيه إشارة إلى تخصص دقيق وهو حفظه وعنايته بالمنهاج حتى قيل عنه: المنهاجي فهو أوثق من اعتنى بهذا المؤلف وأبدع في شرحه كما قال الحافظ: هو أنفع شروح المنهاج على كثرتها.
أما المناصب العلمية:
فمعلوم أن الإفتاء منصب علمي رفع وهو رتبة علمية ينالها من تأهل لها وإن لم تتبنى الدولة إشغاله بذلك.
وقد تولى الزركشي رحمه الله مشيخة خانقاه [62] كريم الدين بالقرافة الصغرى [63] بمصر، والمشيخة منصب علمي لا يناله إلا من فاق أقرانه، وبزهم علماً وفطنة.
مصنفاته:
برع الزركشي رحمه الله في علوم كثيرة وأثرت بمصنفاته المكتبة الإسلامية وقدّم حصاد عمره ونفائس ما خزنته ذاكرته، وجاد به فكره، خمسين مؤلفاً في مختلف العلوم الإسلامية منها المؤلف الضخم، والجزء النافع المفيد، كتب عن أكثرها الشيخ سعيد الأفغان [64] ، والدكتور السيد أحمد فرج [65] ، والشيخ علي محيى الدين [66] ، واستوعبها الدكتور عبد الرحيم القشقري [67] وتحدثت عنها كتب التراجم [68] من غير حصر، ومن تلك المصنفات:
1-
ثلاثة في القرآن وعلومه منها:
البرهان في علوم القرآن.
كتاب في التفسير وصل فيه إلى سورة مريم.
2-
أحد عشر كتاباً في الحديث وعلومه منها:
تصحيح العمدة (كتابنا هذا) .
شرح الجامع الصحيح تركه مسودة، ولخص منه كتاب التنقيح.
النكت على ابن الصلاح.
3-
سبعة عشر كتاباً في الفقه منها:
خادم الرافعي، والروضة في عشرين مجلدة، وقيل في أربع عشرة مجلدة. كل منها خمس وعشرون كراسة.
شرح التنبيه للشيرازي في أربعة مجلدات.
4-
سبعة كتب في أصول الفقه منها:
البحر المحيط من أهم الكتب في هذا الفن، وقد جاء نتيجة جهود مضنيه، وبحث متواصل في مائتي مؤلف درس من خلالها آراء الشافعية والأحناف والحنابلة والظاهرية.
تشنيف السامع بجمع الجوامع، تعليق وشرح للغريب على كتاب أبي الحسن السبكي.
5-
أربعة كتب في اللغة والأدب منها:
التذكرة النحوية، إعراب لبعض الأحاديث النبوية والأبيات الشعرية التي استشهد بها علماء اللغة، ربيع الغزلان، كتاب في الأدب.
6-
له جملة مؤلفات في جوانب من هذه العلوم.
وهكذا أمضى الزركسثي رحمه الله حياة حافلة بالطاعة والاجتهاد في خدمة العلوم الإسلامية، والإفتاء، والتعليم، مخلفاً ثروة من الأجر المتواصل والعلم النافع.
وفاته:
لقد تظافرت المصادر [69] على أنه رحمه الله توفي في ثالث رجب من سنة أربع وتسعين وسبعمائة وذكر الداودي أنه دفن بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة الأمير بكتمر الساقي رحمهما الله تعالى.
الفصل الثاني
ترجمة موجزة للمقدسي رحمه الله
كل من ترجم لهذا العلم بعد الإمام اسأذكر مختصر الترجمة مفيداً مما ذكر الحافظ الذهبي في ترجمته لعبد الغني المقدسي [70] . لذهبي فهو عالة عليه، وإنما يحدث نوع من التصرف بالاختصار أو إضافة وصف أو زيادة في ثناء لذا
نسبه:
عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، تقي الدين، أبو محمد، المقدسي [71] ، الجمّاعيلي [72] ، ثم الدمشقي.
مولده:
ولد في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة، بجمّاعيل.
نشأته:
لم يتطرق الذهبي رحمه الله إلى شيء من هذا سوى صحبته لابن خالته موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة وكان يكبر عبد الغني بأربعة أشهر [73] . وذكر ياقوت أنه نشأ في دمشق [74] ولم يزد على ذلك.
سعيه في طلب العلم:
تشير المصادر إلى أنه بدأ حياته العلمية في دمشق فتلقى العلم عن علمائها منهم أبو المكارم بن هلال.
رحلا ته:
اتسعت الرحلة في طلب العلم عند الإمام المقدسي رحمه الله، فبعد أن أفاد من علماء بلده تاقت نفسه إلى المزيد فرحل إلى بغداد وسمع من علمائها منهم هبة الله بن هلال، وابن البطي، ورحل إلى الثغر [75] حيث سمع من أبي طاهر السلفي، وأقام عليه ثلاثة أعوام، وكتب عنه الكثير، ورحل إلى الموصل وفيها سمع أبا الفضل الطوسي، ثم رحل إلى همذان حيث سمع من عبد الرزاق بن إسماعيل القومساني، ورحل إلى أصبهان وفيها سمع من الحافظ أبي موسى المديني، ورحل إلى مصر حيث سمع مِن علي بن هبة الله الكاملي، هكذا قطع الغيافي، وجاب الأمصار، بحثاًَ عن العلم، وجهاداً في سبيله.
بعض ـيوخه:
تقدم ذكر المشاهير منهم في الرحلات ولا أرى مزيد حاجة للإِعادة.
الآخذون عنه:
تتلمذ عليه ولداه أبو الفتح، وأبو موسى، وأخذ عنه عبد القادر الرهاوي، وموفق الدين ابن خالته، والضياء محمد بن عبد الواحد بن أحمد، وابن خليل يوسف، والفقيه اليونيني محمد بن أحمد، وعثمان بن مكي الشارعي، وأحمد بن محمد الأرتاحي، وآخر من أخذ عنه محمد بن مهلهل الجيتي وبقي بعده بالإجازة أحمد بن أبي الخير شيخ الحافظ الذهبي.
عصر المقدسي:
ولد المقدسي رحمه الله في خلافة المقتفي لأمر الله، محمد المستظهر بالله، وهو عبارة عن رمز للخلافة، وليس بيده من أمور الدولة شيء، ويعتبر هذا التاريخ عمق ضعف الدولة العباسية، فقد انفرط عقد الخلافة العباسية، وبدأت الانحدار من أوج قوتها بعد موت المعتصم وإن كان ابنه المتوكل جعفر أصلح ما أفسده جده المأمون، وأخوه الواثق هارون من أمر العقيدة فأمات بدعة القول بخلق القرآن وهذا العمل أبرز حسناته [76] ، ومنذ ذلك الوقت والمسلمون يعانون من الضعف السياسي، وشتات الأمر، وكان ظهور الدويلات، والممالك الإسلامية وبالاً على وحدة المسلمين، وإضعافاً لقوتهم، فسادت الفوضى السياسية، واندلعت الحروب بين المسلمين، فأضرمت نار الهلاك، وكثر النهب والسلب، ووجد الإفرنج فرصة سانحة لضرب المسلمين في عقر دارهم، ونشطت الفرق الهدامة.
كما عاصر المقدسي رحمه الله خلافة المستنجد بالله بن المقتفي، ولم يكن أحسن حالاً من أبيه، فكان من أبرز أعماله في بداية عهده الاشتغال بالصيد، في الوقت الذي كانت الممالك نشطة في الغارات والحروب والاستنجاد بالفرنج [77] .
وقد عايش المقدسي رحمه الله خلافة المستضيئ بأمر الله الحسن بن المستنجد، كان خيرا من أبيه ومن أحداث عهده، إبطال مظالم كثيرة، وانقطاع الدعوة العبيدية والحمد لله [78] .
وعاصر المقدسي رحمه الله أحداث الملك نور الدين صاحب الشام، وكان ملكاً مجاهداً، محاسنه جمة، في دينه وشجاعته، وغزواته وفتوحاته، ومساجده ومدارسه، وبره وعدله، وقد أبطل المكوس، وأبلى بلاء حسناً في دك حصون الفرنج والاستيلاء عليها، وله آفاق قتالية واسعة، جرت أحداثها سجالاًَ بينه وبين الفرنج [79] .
وعاصر المقدسي رحمه الله صلاح الدين الملك الناصر، الذي رفع راية الجهاد، مؤيداً منصوراً بجيوش الإسلام.
وشهد المقدسي عصر خلافة الناصر لدين الله أحمد بن المستضيئ، وقد تميز عهده بقوة صلاح الدين الملك الناصر، يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب، الذي كان سلطان زمانه له السيادة والقيادة، أذاق الفرنج الذل والهوان، وهو بحق السلطان الكبير، والمجاهد في سبيل الله، افتتح بسيفه وبإخوته بلاداً، من اليمن إلى الموصل، ومن طرابلس إلى أسوان [80] ، فارتفعت به هام المسلمين وخدم السنة والدين.
ومن أحداث عصر المقدسي:
1-
موقعه الزلاقة في الأندلس، كان جيش المسلمين فيها يقدر بمائتي ألف، ما بين فارس وراجل، واجه جيش الفرنج المقدر بمائتين وأربعين ألفا، وكانت الدائرة في هذه الموقعة على الأعداء، ونصر الله جيش المسلمين، فقتلوا مائة وأربعين ألفاً من الفرنج وأسروا منهم ثلاثين ألفا، وغنموا ثمانين ألف فرس، ومائة ألف من البغال حتى بخست أثمانها عند بيعها [81] .
2-
ما حل ببلاد مصر من القحط، والوباء المؤلم المفرط، فخربت الديار، وجلى عنها أهلها، كان ذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وفي التي تليها اشتد البلاء، حتى أكلوا لحوم الآدميين، وأكثر قرى الإقليم لم يبق بها آدمي، وكان يخرج من القاهرة في اليوم نحو خمسمائة جنازة حتى سجل في ديوان الهالكين نحو مائة وأحد عشر ألف في نحو سنتين [82] .
3-
وقوع زلزلة بالشام، كان من هولها ما لا يوصف، كادت لها الأرض تسير سيرا، والجبال تمور مورا، وما ظن الناس إلا أنها القيامة، جاءت دفعتين، دامت الواحدة مقدار ساعة أو أزيد، وقيل إن صفد لم يبق بها سوى رجل واحد، ونابلس لم يبق بها حائط، ومات بمصر خلق كثير تحت الردم [83] وسبق أن حدث لدمشق زلزلة عظمى في سنه ثلاث وثلاثين ومائتين، دامت ثلاث ساعات، سقطت الجدران، وهرب الناس إلى المصلى يجأرون إلى الله، ومات خلق تحت الهدم، وامتدت الزلزلة إلى أنطاكية، فقيل هلك بها عشرون ألفا تحت الهدم [84] .
4-
ماجت النجوم في بغداد في أول سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وتطايرت شبه الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وضجّ الخلق بالابتهال إلى الله تعالى [85] .
الحالة الاجتماعية في عصره:
إن سرد ما تقدم من الأحداث السياسية بمختلف صورها، وغيرها من عجائب ذلك العصر، يغِني اللبيب عن القول في هذا الجانب، فإن السياسة تنعكس آثارها على المجتمع سلباً وإيجاباًَ، وسلبيات هذا العصر تكاد تفوق الإيجابيات فيه، ولم يخل من قائم بالخير.
الحالة العلمية:
تكفل الله عز وجل بحفظ دينه، فجند له جهابذة من عباده المخلصين الصالحين، وما من مصر من البلاد الإسلامية إلا وبه من يقيم هذا الجانب الهام في رقي الأمم والشعوب، فتوارث العلم رجال وقفوا أنفسهم لخدمته، والحفاظ عليه، وبذله لطالبيه في بعد عن مجازفة السلطان، وبلبلة العامة، فكان العلماء في الجانب العلمي دعائم خير وهدى، وحماة لثغور الشريعة الغراء، وإن كان المتتبع لأحوالهم، يجد أنهم بعدوا عن السلطان، ولم يشتغلوا بإيقاظ الروح الإسلامية عند الملوك والسلاطين، ولعل العذر في ذلك وصول الجهال وبعض أعداء الإسلام إلى قيادة الناس، وإذا ساس العامة والأعداء العلماء، حلت الكارثة وصعب التفاهم مع هذا النوع من الحكام والولاة، فالعوام والأعداء لا يعرفون إلا لغة الظلم والبطش.
مكانته العلمية:
إن شاباً بدأ حياته بطلب العلم فلازم علماء بلده ثم رحل إلى علماء الأمصار في عنفوان شبابه [86] ليأخذ عنهم ما لم يجده عند علماء بلده، وعايش أحداث عصره الجسام لجدير بتكوين شخصية علمية فذة، وهو ما يعلمه كل باحث في حياة هذا الإمام فألقابه العلمية تنبض بشهادة العلماء له بالمكانة الرفيعة، وتصانيفه العديدة خير شاهد على ما نقول، فهو الإمام الحافظ، محدث الإسلام، لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبينه، ولا يسأل عن رجل- من أهل العلم- إلا قال هو فلان بن فلان [87] ، ذكر أنه يحفظ مائة ألف حديث [88] ، وفضل في حفظه وعلمه على أبي موسى المديني، والدارقطني [89] .
بعض صفاته:
وصف المقدسي بالحفظ والتصنيف [90] وهذا يدل على ذكائه، وألمعيته، كما وصف بمحاربة البدعة وأهلها، حتى تألب عليه المبتدعون وأخذت خطوطهم على إهدار دمه [91] ، فلم يرعه ذلك ولم يتردد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان لا يرى منكراً إلا غيره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم [92] ، وهذا يدل على شجاعته وقوة شخصيته ومع هذا كان سمحاً متواضعاً يجتمع عليه الناس إجلالاً له، وكان كريماً لا يدخر شيئاً، وقيل: كان يخرج في الليل بقفات الدقيق، فإذا فتحوا ترك ما معه ومضى لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع [93] . وهذا يدل على أنه احتسب ماله لله عز وجل كما احتسب علمه وعمله ومع هذه الجولات في ساحات الخير والفضيلة كان عابداً، صواماً فكان يصلي الفجر ويلقن القرآن، وربما لقن الحديث، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ثلاثمائة ركعة، بالفاتحة والمعوذتين، إلى قبيل الظهر فينام نومة فيصلي الظهر، ويشتغل بالتسميع أو النسخ إلى المغرب فيفطر إن كان صائما، ويصلي إلى العشاء ثم ينام إلى نصف الليل ثم يصلي إلى الفجر [94] .
عقيدته:
كان رحمه الله معتمداً على الكتاب والسنة في عقيدته لا يخرج عما دلت عليه النصوص، فقد أمر أن يكتب اعتقاده فقال: أقول كذا لقول الله كذا، وأقول كذا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا، حتى فرغ من المسائل، فلما وقف عليها الكامل قال: أيش أقول في هذا؟! يقول بقول الله ورسوله [95] ، وهذا ورب الكعبة هو الحق المبين فالله أعلم بنفسه من خلقه، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعرف بربه من الفقهاء، وكان المقدسي رحمه الله ورعاً متمسكاً بالسنة على قانون السلف تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه- وادعوا أنه يصرح بالتجسيم [96]- فعقد له مجلس بدار السلطان بدمشق، فأصروا وأباحوا قتله- وأخذت على ذلك خطوطهم [97]- فشفع فيه أمراء الأكراد، على أن يبرح دمشق، فذهب إلى مصر- ولم يخل في مصر عن نكد له في مثل ذلك، تكدرت عليه حياته بذلك [98]- فكان له كثير من المخالفين لكن رائحة السلطان كانت تمنعهم، وجاء العادل وأخذ مصر، فجاءه المخالفون للحافظ يستوغرونه عليه، لكن الله قيض من عرف العادل بقدر الإمام ومكانته العلمية، فتنبه للمكيدة [99] ، فكانت حاله بمصر أحسن منها بالشام إذ وجد حشداً من أهل السنة وأصحاباً [100] .
بعض مؤلفاته:
وصف المقدسي رحمه الله بالتصنيف، وكثرة الكتابة [101]، وهذا ليس بغريب على إمام فذ لا يضيع شيئاً من زمانه [102] . وسأكتفي بما ذكر الذهبي رحمه الله وهي مرقمة على ما يلي:
1-
المصباح. في ثمانية وأربعين جزءاً مشتملاً، على أحاديث الصحيحين.
2-
نهاية المراد. في السنن نحو مائتي جزء ولم يبيضه.
3-
المواقيت. مجلد.
4-
الجهاد. مجلد.
5-
الروضة. أربعة أجزاء.
6-
فضائل خير البرية. مجلد.
7-
الذكر. جزءان.
8-
الإسراء. جزءان.
9-
التهجد. جزءان.
10-
المحنة. ثلاثة أجزاء.
11-
صلاة الأحياء إلى الأموات. جزءان.
12-
الصفات. جزءان.
13-
الفرح. جزءان.
14-
فضل مكة. أربعة أجزاء.
15-
تصانيف كثيرة. جزء جزء.
16-
غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ. مجلدان.
17-
الحكايات. أزيد من مائة جزء.
ومما ألفه بلا إسناد:
18-
العمدة. جزءان.
19-
الأحكام. ستة أجزاء.
20-
ورد الأثر. تسعة أجزاء.
21-
الكمال. عشرة مجلدات. وهو في أسماء رجال الكتب الستة [103] .
وفاته:
مرض رحمه الله أياماً وفي يوم موته قال لابنه عبد الله أبي موسى: صل بنا وخفف، وصلى معهم جالساً، ثم طلب من ابنه أن يقرأ عند رأسه سورة يس [104] فقرأها، وقال: هناء دواء تشربه؟ فقال: ما بقي إلى الموت، فقال له ابنه: ما تشتهي شيئاً؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله الكريم. وكانت وفاته رحمه الله يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة من الهجرة [105] ، عن عمر بلغ ستين سنة، مخلفاً آثاراً مجيدة، وأعمالاً حميدة سوى ما قدم من صالح العمل والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقمع البدعة وإحياء السنة رحمه الله وغفر لنا وله، فقد صبر وصابر، واجتهد وثابر، طلباً لما أعد الله للمتقين الصابرين.
القسم الثاني
الفصل الأول:
بيان عملي في الكتاب
1-
قمت بنسخ نصوص الكتاب من المخطوطة الأصل.
2-
حرصت على مقابلة النسخة الأصل بأخرى وأوضحت مواطن التغاير بالزيادة أو النقص.
3-
قمت بضبط النص وما كان فيه من خطأ أثبت الصواب في المتن، وأذكر الخطأ في الحاشية منبهاً عليه.
4-
رجعت إلى كل مصدر عزا إليه المصنف، وحددت مكان النقل بالجزء والصفحة.
5-
شرحت بعض الألفاظ الغريبة.
6-
ناقشت بعض الاستدراكات، وأوضحت الحق حسبما ظهر لي.
7-
ترجمت للصحابة بإيجاز شديد، والغرض استكمال اسم الصحابي ليسهل حفظه والعلم به.