المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 105-106 فهرس المحتويات 1- موسوعة التفسير الصحيح: الصحيح المسبور من التفسير - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٣٨

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 105-106 فهرس المحتويات 1- موسوعة التفسير الصحيح: الصحيح المسبور من التفسير

‌العدد 105-106

فهرس المحتويات

1-

موسوعة التفسير الصحيح: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (القسم الثاني)

تابع لتفسير الصحيح سورة البقرة 20 قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}

تابع سورة البقرة 41 قوله تعالى {وَآمنوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدقاً لِمَا مَعَكُم}

الأستاذ الدكتور/ حكمت بشير ياسين

2-

فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال

تابع لفتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال [باب نصر] :

حمد بن محمد الرائقي الصعيدي المالكي

3-

أصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَة الفصل الثاني

(1)

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ الفصل الثّالث

(2)

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ الفصل الرّابع

(3)

د./ عبد الرَّزّاق بن فرّاج الصَّاعدي

4-

معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه: د./ عبد الرحمن بن محمد عبد المحسن الأنصاري

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 113

موسوعة التفسير الصحيح

الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور

القسم الثاني

الأستاذ الدكتور/ حكمت بشير ياسين

كلية القرآن الكريم

الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؟ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فهذا القسم الثاني من التفسير الصحيح (موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور) من بداية سورة البقرة إلى نهاية النصف الأول من الجزء الأول عند الآية رقم (74) من سورة البقرة.

سورة البقرة

فضائلها

أخرج مسلم بسنده عن معاوية (يعني: ابن سلام) عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، إقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أوكأنهما غيابتان، أو كأنهما فرقان من طير صواب، تحاجان عن أصحابهما، إقرأوا سورة البقرة. فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، وقال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة

وأخرج أيضا بإسناده عن أبي هريرة، أن رسول الله عليه وسلم الله عليه وسلم قال:"لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة "(1)

ص: 114

وأخرج الشيخان بسنديهما عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلما اجتَّره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي الله عليه وسلم الله فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم (1) واللفظ للبخاري.

وقال الإمام أحمد: ثنا سليمان بن داؤد، قال: أخبرنا حسين قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني عمرو بن حبيب بن هند الأسلمي عن عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أخذ السبع الأول فهو حبر"(2) . ذكره الهيثمي ثم قال: رواه أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح غير حبيب بن هند الأسلمي وهو ثقة

وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن جعفر به، وصححه ووافقه الذهبي وقد خرّج هذا الحديث الشيخ محمد رزق طرهوني تخريجا وافيا وتوصل إلى تصحيحه أيضا

سورة البقرة 1

قوله تعالى {الم}

قال الدارمي: حدثنا أبو عامر قبيصة أنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: تعلموا هذا القرآن، فإنكم تؤجرون بتلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول بـ {الم} ، ولكن بألف، ولام، وميم بكل حرف عشرحسنات (3)

ص: 115

وقد توقف في تفسير هذه الآية وغيرها من الحروف المقطعة جمع من العلماء كالخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بين مرادها فيستحسن أن نقول الله أعلم بمرادها، ولكن ثبت عن بعض المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم أنهم بينوا مرادها واختلفوا فيها وأسوق هنا ما ثبت عنهم من الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أنها قسم أقسم الله به وهو من أسمائه:

قال الطبري: حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله (1) وإسناده حسن. وأخرج الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية قال حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال {الم} قسم وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن ابن علية به

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

الوجه الثاني: أنها فواتح يفتح الله بها القرآن.

قال الطبري: حدثنا أحمد بن حازم الغماري قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن مجاهد قال: {الم} فواتح

ورجاله ثقات إلا أحمد بن حازم الغماري وهو أبو عمرو الكوفي صاحب المسند ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا. ت 276 هـ هذا وقد رواه الطبري من طرق أخرى إلى مجاهد (2) وأبو نعيم هو الفضل بن دكين. فالإِسناد صحيح.

الوجه الثالث: أنها اسم من أسماء القرآن.

قال عبد الرزاق الصنعاني: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {الم} قال: اسم من أسماء القرآن رجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به.

الوجه الرابع: أنها اسم من أسماء الله.

ص: 116

قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا دعلج بن أحمد، ثنا محمد بن سليمان، حدثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن السدي قال: فواتح السور من أسماء الله عز وجل وإسناده صحيح إلى السدي- وهو الكبير- فرجاله ثقات إلى السدي إلا محمد بن سليمان وهو ابن الحارث الباغندي اختلف فيه (1) ولكن قد روي من طرق أخرى إلى السدي (2)

سورة البقرة 2

قوله تعالى {ذلِكَ اْلْكِتَابُ}

قال الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية قال: أخبرنا خالد الحذاء عن عكرمة قال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} هذا الكتاب وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن ابن علية به.

وإسناده صحيح تقدم، وقد روي عن مجاهد والسدي وابن جريج نحوه واستنادا على هذه الرواية يكون معنى الكتاب: القرآن لأن الإِشارة إليه، واختصاص ذلك بالإشارة للبعيد حكم عرفي لا وضعي، فإن العرب تعارض بين اسمي الإشارة، فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم، وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة. ومن جرى على أن ذلك إشارة للبعيد يقول: إنها صحت الإشارة بذلك، هنا إلى ما ليس ببعيد، لتعظيم المشار إليه، ذهابا إلى بعد درجته وعلو مرتبته ومنزلته في الهداية والشرف

قوله تعالى {لا رَيْبَ فِيهِ}

قال عبد الرزاق الصنعاني: أخبرنا معمر عن قتادة {لا رَيْبَ فِيهِ} يقول: لاشك فيه.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق به

قال ابن أبى حاتم الرازي: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافا بين الَمفسرين، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن أبي خالد.

قوله تعالى {هُدَىً}

ص: 117

قال الطبري: حدثني أحمد بن حازم الغماري قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي:{هُدَىً} قال: هدى من الضلالة وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبيه عن أبي نعيم وعيسى بن جعفر عن سفيان، ومن طريق عبد الرزاق عن الثوري به وسفيان هو الثوري وبيان هو ابن بشر الأحمسي، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين. وإسناده صحيح.

قوله تعالى {لِلْمُتَّقِينَ}

قال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا زيد بن واقد، ثنا مغيث بن سمي عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد (1)

قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رواه البيهقي في سننه من هذا الوجه (2) . وصححه أيضاً الشيخ الألباني.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أنبأ أبوغسان محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يقول الله سبحانه وبحمده {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه.

وإسناده حسن تقدم.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع حدثني سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} من هم؟ نعتهم الله فأثبت نعتهم ووصفهم

وإسناده صحيح تقدم.

ص: 118

وقد عدد الله تعالى أصنافا من المتقين في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .

سورة البقرة 3

قوله تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}

وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بيّناً لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ:{الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} - إلى قوله - {الْمُفْلِحُونَ} (1)

قال الدارمي: أخبرنا أبو المغيرة قال: ثنا الأوزاعي ثنا أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قالت: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، أحدثك حديثا جيدا، تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال "نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني "(2)

وأخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردوية (3) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4) وأخرجه الواحدي (5) ، كلهم من طريق الأعمش به.

ص: 119

قال الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرِّ قال:{بِالْغَيْب} : القرآن وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي سعيد الأشج عن أبي أحمد الزبيري به. وإسناده حسن وعاصم هو ابن بهدلة بن أبي النجود معروف بالرواية عن زر بن حبيش وبرواية الثوري وابن عيينة عنه

وقال الطبري: حدثنا بشر بن معاد العقدي، قال: حدثنا لزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} ، قال: آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القَيامة، وكل هذا غيب وإسناده حسن.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا عثمان بن الأسود، عن عطاء بن أبي وباح في قول الله عز وجل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} فقال: من آمن بالله فقد آمن بالغيب

وصفوان هو ابن صالح معروف بالروايه عن الوليد بن مسلم وبرواية أبي زرعة الرازي عنه ورجاله نّقات وإسناده صحيح.

وقال أيضا: حدثنا أبي، ثنا شهاب بن عباد، ثنا إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب} قال: بغيب الإسلام

وإسناده صحيح.

وذكر ابن كثير هذه الأقوال ثم قال: فكل هذه متقاربة في معنى واحد لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به

ص: 120

قال مسلم في صحيحه: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، وهذا حديثه: حدثنا أبي. حدثنا كهمس عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر. وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شد يد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت، فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإِيمان، قال:"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإِحسان، قال:"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: فأخبرني عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل "قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: "أن تلد الأمة ربتها.

ص: 121

وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان قال ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي:"يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم "(1)

وأخرجه البغوي من طريق يزيد بن هارون عن كهمس به ثم نقل عن الفراء أنه قال: فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإِيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإِسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين ولذلك قال:"ذلك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ". ثم ساق حديثا صحيحاً ليدلل على أن الأعمال من الإيمان

قال الطبري: حدثني محمد بن عمرو بن العباس، الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين ورجاله ثقات وإسناده صحيح تقدم وأخرجه الثوري بلفظه وأخرجه آدم في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح به. وأخرجه الواحدي من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به

قوله تعالى {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ}

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبيرعن ابن عباس: يقول الله سبحانه وبحمده {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} يقيمون الصلاة بفرضها وإسناده حسن تقدم.

قوله تعالى {وَممَّا رَزَقنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}

وبالإسناد الحسن المتقدم الذي رواه ابن أبي حاتم إلى ابن عباس {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يؤتون الزكاة احتسابا بها

ص: 122

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أنبأ العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

وقال الطبري: حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قال: زكاة أموا لهم

وسنده حسن.

سورة البقرة 4

قوله تعالى {وآلَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِمَاَ أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ من قَبْلِكَ} روى الطبري وابن أبي حاتم بالإِسناد المتقدم عن ابن إسحاق

عن ابن عباس {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي يصدقونك بما جئت من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاؤهم به من ربهم.

وروى ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم عن قتادة قوله {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور والإِنجيل

قوله تعالى {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}

قال عبد الرحمن بن يزيد بن رستة الحافظ في كتاب (الإيمان) : ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان ح ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن علقمة عن عبد الله قال: الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله.

رواه الحافظ ابن حجر بإسناده إلى ابن رستة به، ثم قال: وهذا موقوف صحيح وصححه العيني

وأخرجه ابن أبي خيثمة في التاريخ والحاكم كلاهما من، طريق الأعمش به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي

ص: 123

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي: بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك ويكفرون بما جاءك من ربك

سورة البقرة 5

قوله تعالى {أُولَئِكَ عَلى هُدىً مِن رَّبِهمْ}

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس قال: {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم

قوله تعالى {وأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

روى الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن المتقدم إلى ابن عباس: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا

قال ابن أبي حاتم: أخبرنا موسى بن هارون الطوسي فيما كتب إلي ثنا الحسن بن محمد المروذي، ثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة {أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإيمان

ورجاله ثقات وإسناده.

سورة البقرة 6

قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}

أخرج الطبر ي بسنده عن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول.

وإسناده حسن.

ص: 124

وروى الطبري وابن أبي حاتم بالإِسناد الحسن المتقدم عن محمد ابن إسحاق.... عن ابن عباس {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي بما أنزل إليك وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا من قبلك، {إ ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} أي أنهم قدكَفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك.

سورة البقرة 7

قوله تعالى {خَتَم الله عَلَى قُلُوبِهِمْ}

أخرج مسلم بسنده عن حذيفة، قال "كنا عند عمر. فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. ولكن أيكم سمع النبي-صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت، لله أبوك! قال حذيفة:

سمعت رسوله الله صلى الله عليه وسلم يقول "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا؟ فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكته بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا (1) ، كالكوز مُجَخِّيا (2) لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه "قال حذيفة: وحدثته، أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسراً، لا أبالك! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا. بل يكسر. وحدثته، أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط. قال أبو خالد: فقلت لسعد: يا أبا مالك! ما أسود مرباد ا؟ قال: شدة البياض في سواد. قال، قلت: فما الكوز مجخيا؟ قال: منكوسا (3) .

وذكره ابن كثير في التفسير مختصرا

ص: 125

قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت، حتى يعلو قلبه ذلك الرين الذي ذكر الله عز وجل في القرآن:{كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (1)

أخرجه الترمذي وابن ماجة من طريق محمد بن عجلان به، وقال الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الطبري والحاكم من طريق صفوان بن عيسى به، وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني وأحمد شاكر.

وقال الطبري: فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع. والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِم} ، نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بإسناديهما عن محمد بن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} أي عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك.

وأخرج ابن أبي حاتم بالإسناد الصحيح من طريق شيبان عن قتادة قال: استحوذ عليهم الشيطان إذا أطاعوه فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.

قوله تعالى {وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أبْصَارِهِمْ}

ص: 126

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: لا يخفى أن الواو في قوله: {وَعَلَى سَمْعِهِم ْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} معطوف على قوله {عَلَى قُلُوبِهِمْ} وأن قوله {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ} استئناف والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو {غِشَاوَةٌ} وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادهما على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ.... فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار وذلك في قوله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} (1) . فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضا. كما في قوله تعالى في سورة النحل {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} الآية. فالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى.

سورة البقرة 8

قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِالله وَبِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ}

وهذا الصنف من الناس هم المنافقون كما سماهم الله تعالى في مطلعٍ سورة المنافقون {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} وقال أيضا {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (2) .

قال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يذكر هنا بيانا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} .

ص: 127

ونهى تعالى رسوله عن الصلاة عليهم والدعاء لهم فحينما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله ابن أبي بن سلول أنزل الله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه} .

كما بين سبحانه وتعالى بعض صفاتهم في قوله تعالى {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ} (1)

وقد عرفنا النبي صلى الله عليه وسلم على بعض صفاتهم حتىِ نحذرهم ولكي لانتصف بها، فأخرج الشيخان بسنديهما عن أبىِ هريرة مرفوعاَ "أربع من كن فيه كان مناففا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" واللفظ للبخاري.

وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

وأخرج مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة".

وقد أخبر سبحانه وتعالى عن مصيرهم الرهيب فقال {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار} .

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ، يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.

وإسناده حسن.

سورة البقرة 9

قوله تعالى {يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَءَامَنُوا}

ص: 128

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أنبأ العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} ، نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، ويصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبت معها. وإسناده صحيح.

قوله تعالى {وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهمْ وما يشعرون}

قال الطبري: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} قال: ما يشعرون أنهم ضروا أنفسهم، بما أسروا من الكفر والنفاق، وقرأ قول الله تعالى ذكره {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً}

قال: هم المنافقون حتى بلغ {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} (1) ، قد كان الإِيمان ينفعهم عندكم.

وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن ولهذا أوردته هنا، وابن وهب هو عبد الله وابن زيد هو عبد الرحمن، والإسناد إليه صحيح.

قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ، حتى بلغ {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} ، قال: هذه في المنافقين.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

سورة البقرة 10

قوله تعالى {في قلوبِهِم مَرَضٌ}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن من طريق محمد ابن إسحاق عن ابن عباس {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} أي شك، ثّم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى عن مجاهد والحسن وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وقتادة.

ص: 129

وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مالك بن دينار، عن عكرمة {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} قال: الزنا (1) .

ورجاله ثقات إلا مالك بن دينار صدوق فالإسناد حسن.

وقال أيضا: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض} قال: ذلك في بعض أمور النساء (2) . ورجاله ثقات على شرط الشيخين إلا أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة، فالإسناد صحيح.

قوله تعالى {فَزَادَهُم الله مَرَضاً}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن من طريق ابن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس: {فَزَادَهُم الله مَرَضاً} أي: شكا.

قال الطبري: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} ، قال زادهم رجسا، وقرأ قول الله عز وجل {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} قال: شرا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.

وإسناده صحيح إلى ابن زيد وهو عبد الرحمن. وهذا التفسير من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وذكره ابن كثير ثم قال: وهذا الذي قاله عبد الرحمن رحمه الله حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضا {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ْْ} (3) .

قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}

قال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد العسقلاني ثنا آدم، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} قال: الأليم: الموجع في القرآن كله.

ثم قال: وكذلك فسره سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وقتادة وأبو مالك وأبو عمران الجوني ومقاتل بن حيان.

ص: 130

وإسناد ابن أبي حاتم إلى أبي العالية جيد تقدم.

سورة البقرة 11-12

قوله تعالى: {وَإذا قِيلَ لَهُم لا تفسدوا في الأرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصلِحُون ألاْ إنَّهُمْ هُمُ اْلمُفْسِدُونَ ولَكِن لايَشْعُرُون}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: في قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله لأنه من عصى الله في الأرض، أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض لأن إصلاح الأرض والسماء بالطاعة (1) .

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بإسناديهما الحسن من طريق ابن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} قال: هم المنافقون.

سورة البقرة 13

قوله تعالى {وإذا قِيلَ لَهُم آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء ألا إنَّهُم هُمُ السُفَهَاءُ ولَكن لا يعلمون}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية {قَالُوا أنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء} يعنون: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

سورة البقرة 14

قوله تعالى: {وإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الحسن عن ابن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{وإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} أن صاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة.

قوله تعالى: {وإذا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ}

ص: 131

وبه عن ابن عباس {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأخرجه أيضاً الطبري.

وأخرج الطبري عن بشر بن معاد العقدي قال: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة: قوله {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} أي: رؤسائهم في الشر وإسناده حسن.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله عز وجل {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفار. وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الحسن من طريق ابن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:{قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أي: إنا على مثل ما أنتم عليه.

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونسخر بهم.

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشياطين من الإنس والجن كما تقدم في الاستعاذة.

سورة البقرة 15

قوله تعالى {الله يستهزئ بِهِمْ ويَمُدُّهُم فِي طُغْيانِهِم يَعْمَهُون}

أخرج الطبري من طريق ابن المبارك، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الحجاج بن محمد كلَاهما عن ابن جريج قراءة عن مجاهد يمدهم قال: يزيدهم (1) . واللفط للطبري.

وإسناده صحيح.

وأخرج ابن أبى حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية قوله {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يعني يترددون. يقول زادهم ضلالة إلى ضلالتهم وعمى إلى عماهم.

وبه في قوله {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} يعني: في ضلالتهم.

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي في ضلالتهم يعمهون.

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس {يَعْمَهُونَ} قال يتمادون.

سورة البقرة 16

قوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِين اشْترَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى}

ص: 132

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة قوله {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} قال: استحبوا الضلالة على الهدى.

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الحسن من طريق محمد ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} أي الكفر بالإيمان.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} آمنوا ثم كفروا.

قوله تعالى {فَمَا رَبِحت تِجَارَتُهُم وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الحسن عن قتادة في قوله {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} قال: هذه في المنافقين.

وأخرج أيضا عن محمد بن يحيى: أنبأ العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبىِ عروبة عن قتادة في قوله {فَمَا رَبِحت تِجَارَتُهُم وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} قد والله رأيتموهم فخرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة، يقول {فَمَا رَبِحت تِجَارَتُهُم وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} .

وإسناده صحيح. وأخرجه الطبري من طريق بشر بن معاذ عن يزيد به

سورة البقرة 17

قوله تعالى: {مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوقَدَ نَاراً فَلَمَّا أضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَب الله بِنُورهِم وَتَركَهُم فِي ظُلمَات لا يُبْصِرُونَ}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإِسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات} يقول: في عذاب.

وإسناده حسن.

ص: 133

وأخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبيرعن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مثلا فقال {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق.

وأخرج ابن أبي حاتم جزءا منه من طريق ابن إسحاق به.

سورة البقرة 18

قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه.

وإسناده حسن.

وأخرج الطبري من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} عن الخير.

وبه {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أي فلا يرجعون إلى الهدى ولا إلى خير فلا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه.

وإسناده حسن.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أي: لا يتوبون ولا يذكرون.

ص: 134

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} الآية ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم والبكم، والعمى. ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جل وعلا {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} (1)(2) .

سورة البقرة 19

قوله تعالى {أوْكَصَيِّبِ مِنَ السَّمَاء}

قال البخاري: حدثنا محمد- هو ابن مقاتل أبو الحسن المروزي- قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن القاسم بن محمد عن عائشة"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: صيباَ نافعاً " (3) .

أخرج الطبري عن محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس في قوله {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} قال: القطر.

ورجاله ثقات إلا هارون لا بأس به فالإِسناد حسن: ومحمد بن عبيد هو الطنافسي معروف بالرواية عن هارون بن عنترة.

وأخرجه إبراهيم الحربي في (غريب الحديث) من طريق الثوري عن هارون بلفظ: المطر، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أحمد بن بشير عن هارون به ثم قال: وكذلك فسره أبو العالية والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعطية العوفي وقتادة وعطاء الخراساني والسدي والربيع ابن أنس. ورواه البخاري معلقا عن ابن عباس بصيغة الجزم بلفظ: المطر. ووصله الطبري بسنده من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال الصيب: المطر. وإ سناده حسن.

ص: 135

قوله تعالى: {فِيه ظُلمَاتٌ وَرعدٌ وبرقٌ يَجعلونَ أصَابعَهُم فِي آذانهم مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذرَ المَوت والله مُحِيط بِالكَافِرين}

أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبى طلحة عن ابن عباس {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} . يقول: ابتلاء.

وإسناده حسن.

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما من طريق محمد بن إسحاق قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبيرعن ابن عباس {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} أي هم في ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل على الذي هم عليه من الخلا ف والتخوف لكم على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب.

وإسناده حسن.

أخرج الإمام أحمد والترمذي (1) والنسائي وابن أبي حاتم من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده أو في يده مخاريق من نار يزجر به السحاب ويسوقه حيث أمره الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. واللفظ لابن أبي حاتم وقد ساقه مقتصرا على موضع تفسير الرعد والحديث طويل، وقال الترمذي: حسن غريب وفي تحفة الأحوذي: حسن صحيح غريب. وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والطبراني:وقال: رجالهما ثقات. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد، والألباني في صحيح سنن الترمذي

وأخرج ابن أبى حاتم بسنده الحسن عن ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} والله منزل ذلك بهم من النقمة أي محيط بالكافرين.

وأخرج عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} قال: الله جامعهم.

وإسناده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن صباح عن شبابة به وزاد قوله: يعني يوم القيامة. وهذه الزيادة من ابن أبي حاتم أو من الحسن.

---

ص: 136

(1)

الصحيح - صلاة المسافرين - باب قراءة القرآن وسورة البقرة رقم 804

(2)

الصحيح - صلاة المسافرين - باب استحباب صلاة النافلة رقم 780.

(3)

صحيح البخاري - فضائل القرآن - باب نزول السكينة والملائكة9/93، 5018 وصحيح مسلم - صلاة المسافرين - باب نزول السكينة لقراءة القرآن رقم 796.

(4)

مسند 6/73.

(5)

مجمع الزوائد 7/ 162.

(6)

المستدرك 1/ 564.

(7)

موسوعة فضائل سور وآيات القرآن 1/ 124، 125.

(8)

سنن الدارمي: كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، 2/ 429.وأخرجه أبو القاسم ابن منده في الرد على من يقول الم حرف (ص 44) من طريق عبد الرزاق عن سفيان به. وقد صححه الألباني في عدة مواضع (انظر السلسلة الصحيحة رقم 660، وصحيح الجامع رقم 6345) .

(9)

التفسير رقم 236.

(10)

التفسير رقم 237.

(11)

التفسير سورة البقرة رقم 52.

(12)

التفسير رقم 229.

(13)

نظر تذكرة الحفاظ ص 594.

(14)

لتفسير رقم 228.230، 231.

(15)

التفسير رقم 31.

(16)

التفسير رقم 225.

(17)

التفسير سورة آل عمران رقم 10.

(18)

الأسماء والصفات ص 120.

(19)

نظر لسان الميزان 5/186 وسير أعلام النبلاء13/386

(20)

نظر تفسير الطبري رقم 233- 2335

(21)

التفسير رقم 248.

(22)

تفسير سورة البقرة رقم 3 5.

(23)

انظر تفسير الطبري رقم 247، 249، 250 وتفسير ابن أبي حاتم بعد الموضع السابق.

(24)

انظر تفسير القاسمي 32/1-33.

(25)

تفسير عبد الرزاق ص 31.

(26)

التفسير رقم 257.

(27)

التفسير سورة البقرة بعد رقم 55.

(28)

التفسير رقم 259.

(29)

التفسير سورة البقرة رقم 56، 57.

(30)

السنن - الزهد - باب الورع والتقوى رقم 4216.

(31)

مصباح الزجاجة 3/ 299 رقم 04 15.

(32)

صحيح سنن ابن ماجة رقم 3397.

(33)

تفسير سورة البقرة رقم 62.

(34)

تفسير سورة البقرة رقم 64.

(35)

البقرة 177.

ص: 137

(1)

انظر تفسير ابن كثير 1/81.

(2)

سنن الدارمي: كتاب الرقاق، باب في فضل آخر هذه االأمة، 2/308.وأخرجه أحمد في مسنده (4/106) عن أبي المغيرة به، والطبراني في الكبير (4/27، رقم 3538) من طريق أبي المغيرة ويحيى بن عبد الله البابلتي كلاهما عن الأوزاعي به. ورجاله ثقات إلا أنه قد اختلف في إسناده. فأخرجه أحمد في مسنده (4/106) عن أبي المغيرة أيضا به ولكنه قال:

حدثني صالح بن محمد قال حدثني أبو جمعة

فذكر صالح بن محمد بدل عبد الله بن محيريز. وكذا رواه الحاكم في المستدرك (4/ 85) من طريق أبي المغيرة بهذا الإسناد فقال: صالح بن محمد. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وقد ذكر الحافظ في الفتح (7/ 6) لفظ رواية أبي المغيرة عن االأوزاعي، ثم قال: وإسناده حسن وقد صححه الحاكم.

(3)

تفسير سورة البقرة رقم 66.

(4)

انظر تفسير ابن كثير 1/ 81 ق.

(5)

المستدرك 2/ 260.

الوسيط بين المقبوض والبسيط 1/ 19.

التفسير رقم 274.

تفسير سورة البقرة رقم 69.

انظر تهذيب الكمال ل 634.

التفسير رقم 275.

تفسير سورة البقرة رقم 70.

(6)

انظر تهذيب الكمال ل609.

(7)

تفسير ابن أبي حاتم رقم 71.

(8)

لتفسير 1/81.

(9)

الإيمان ـ باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان رقم 1.

(10)

معالم التنزيل 1/46.

(11)

التفسير رقم 278.

(12)

تفسير سفيان الثوري صلى الله عليه وسلم 41.

ص69.

(13)

أسباب النزول ص19..

(14)

تفسير سورة البقرة رقم 74..

(15)

تفسير سورة البقرة لابن أبي حاتم رقم 77.

(16)

تفسير سورة البقرة رقم 79.

(17)

التفسير رقم 286.

(18)

التفسير رقم 289.

(19)

تفسير سورة البقرة رقم 80.

(20)

تفسير سورة البقرة رقم 81.

(21)

تغليق التعليق2/22.

(22)

عمدة القاري1/130.

(23)

انظر تغليق التعليق2/21.

(24)

المستدرك2/446.

ص: 138

(1)

التفسير رقم 291 وتفسير سورة البقرة لابن أبي حاتم رقم 82.

(2)

التفسير رقم 293 وتفسير سورة البقرة لابن أبي حاتم رقم 84.

(3)

التفسير رقم 294 وتفسير سورة البقرة لابن أبي حاتم رقم 88.

(4)

التفسير رقم 90.

(5)

التفسير رقم 297.

(6)

التفسير رقم 295، 299.

(7)

تفسير سورة البقرة رقم 92.

(8)

قوله مربادا: والمربد المولّع بسواد وبياض (ترتيب القاموس المحيط 2/ 286)

(9)

مجخيا: مائلا (ترتيب القاموس المحيط 453/1.)

(10)

الصحيح - الإيمان - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا رقم 231.

(11)

1/ 89.

(12)

المسند رقم 7941.

(13)

السنن - التفسير - سورة المطففين رقم 3334.

(14)

السنن - الزهد - باب ذكر الذنوب رقم 4244.

(15)

التفسير رقم 304 وما بعده.

(16)

المستدرك 2/ 517.

(17)

صحيح ابن ماجه 2/417.

(18)

تفسير الطبري رقم 304.

(19)

التفسير 1/261.

(20)

التفسير رقم 307.

(21)

تفسير سورة البقرة رقم 94.

(22)

تفسير سورة البقرة رقم 98.

(23)

الجاثية 23.

(24)

لنحل108.

(25)

أضواء البيان 1/109،110.

(26)

النساء142.

(27)

أضواء البيان 1/ 110- 111 والآية في سورة التوبة 101.

(28)

التوبة 84 وانظر صحيح مسلم- صفات المنافقين رقم 2774..

(29)

سورة النساء143.

(30)

فتح الباري- الإيمان- باب علامة المنافق رقم 34 وصحيح مسلم- الإيمان- باب بيان خصال المنافق رقم 106.

(31)

نفس المصدرين السابقين رقم 33، 107.

(32)

الصحيح- صفات المنافقين وأحكامهم رقم 2784.

(33)

النساء145 وسيأتي تفسيرها. .

(34)

فسير سورة البقرة رقم 104. .

(35)

التفسير رقم 312.

(36)

تفسير سورة البقرة رقم 108.

(37)

المجادلة18.

(38)

التفسير رقم 321.

(39)

التفسير ص21.

(40)

التفسير رقم 322.

(41)

تفسير سورة البقرة رقم 112،؟ وانظر ما بعد 113.

ص: 139

(1)

سورة البقرة رقم 109.

(2)

تفسير سورة البقرة رقم 110.

(3)

التفسير رقم 329.

(4)

تفسير سورة البقرة رقم 114.

(5)

التفسير رقم 332.

(6)

التفسير1/94.

(7)

تفسير سورة البقرة رقم 119.

(8)

التفسير رقم 121.

(9)

التفسير رقم 341.

(10)

التفسير رقم 124.

(11)

التفسير رقم 125.

(12)

التفسير رقم 130

(13)

التفسير رقم 134.

(14)

التفسير رقم 137.

(15)

التفسير رقم 350.

(16)

التفسير رقم 352.

(17)

التفسير رقم 354.

(18)

التفسير رقم 141.

(19)

التفسير رقم 361.

(20)

التفسير رقم 365.

(21)

التفسير رقم 145.

(22)

التفسير رقم146،147.

(23)

التفسير رقم368.

(24)

التفسير رقم372.

(25)

التفسير رقم 149.

(26)

التفسير رقم152.

(27)

التفسير رقم 380.

(28)

التفسير رقم 153.

(29)

التفسير رقم383.

(30)

التفسير رقم156،157.

(31)

التفسير رقم385.

(32)

التفسير رقم387.

(33)

التفسير رقم158،167.

(34)

التفسير رقم 386.

(35)

التفسير رقم 168.

(36)

التفسير رقم 399

(37)

التفسير رقم 173.

(38)

التفسير رقم 398.

(39)

التفسير رقم 404.

(40)

التفسير رقم180.

(41)

الأحقاف26.

(42)

أضواء البيان1/1.

(43)

فتح الباري2/518.

(44)

التفسير رقم405.

(45)

تهذيب الكمال ل1430.

(46)

انظر تغليق التعليق2/394.

(47)

التفسير رقم181.

(48)

فتح الباري2/518.

(49)

التفسير رقم407.

(50)

التفسير رقم183.

(51)

التفسير رقم451.

(52)

التفسير رقم184.

(53)

المسند رقم2483.

(54)

السنن _ التفسير سورة الرعد رقم 3117.

(55)

في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف4/394.

(56)

التفسير رقم186.

(57)

تحفة الأحوذي8/542_544.

(58)

مجمع الزوائد8/242

(59)

المسند رقم2483.

(60)

رقم2492.

(61)

التفسير رقم200.

ص: 140

(1)

انظر تغليق التعليق4/171،172.

(2)

التفسير رقم 202.

ص: 141

تابع لتفسير الصحيح

سورة البقرة 20

قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.

وإسناده حسن.

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أي: لشدة ضوء الحق.

وإسناده حسن.

قوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}

وأخرجا أيضا بالإسناد الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} يقول: كلما أصاب المنافقون من الإسلام عزا اطمأنوا وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر. يقول: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} كقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (1) . واللفظ للطبري.

وأخرجا من طريق ابن إسحاق بالإسناد الحسن عن ابن عباس. {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين.

ص: 142

وأخرج ابن أبي حاتم قال: حدثنا عصام بن رواد العسقلاني بها، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:{كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} فمثله كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة لها مطر ورعد وبرق على جادة كلما أبرقت أبصروا الجادة فمضوا فيها، فإذا ذهب البرق تحيروا فكذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، وكلما شك تحير ووقع في الظلمة.

وإسناده جيد، وأخرجه الطبري من طريق عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه به.

وقال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.

قوله تعالى {وَلَو شَاءَ الله لذَهَبَ بِسمْعِهِم وأبْصَارِهِم}

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن من طريق ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس {وَلَو شَاءَ الله لذَهَبَ بِسمْعِهِم وأبْصَارِهِم} أي لما تركوا من الحق بعد معرفته.

وإسناده حسن.

سورة البقرة 21

قوله تعالى: {يَا أيُّهَا النِّاس اعْبُدُوا رَبَّكُم}

أخرج الطبري (1) وابن أبي حاتم (2) بسنديهما عن ابن إسحاق بسنده الحسن إلى ابن عباس قال: قال الله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.

ص: 143

قال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبو خلف موسى بن خلف كان يعد من البدلاء قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فكاد يبطئ فقال له عيسى: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فإما أن تبلغهن وإما أبلغهن فقال له: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وأمركم أن تعملوا بهن أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي عمله إلى غير سيده فأيكم يسُره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله عز وجل خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأمركم بالصلاة فإن الله عز وجل ينصب رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقربوا ليضربوا عنقه فقال هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وأمركم بذكر الله كثيرا وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل (1) .

قال ابن كثير بعد أن ساق الحديث: هذا حديث حسن والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا"، وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له. ا. هـ

قوله تعالى {الَّذِي خَلَقَكُم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُم}

ص: 144

بين الله تعالى أطوار خلق الإنسان في سورة المؤمنون فقال {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (1) .

قوله تعالى {لَعَلَّكُم تَتَّقُون}

أخرج ابن أبي حاتم عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {لَعَلَّكُم تَتَّقُون} لعلكم تطيعونه.

ورجاله ثقات وسفيان هو الثوري وأبو داود الحفري اسمه: عمر بن سعد ابن عبيد الكوفي، وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق ابن وكيع عن أبيه عن سفيان به (2) . .

سوره البقرة 22

قوله تعالى {الَّذِي جَعَلَ لكُم الأرْضَ فِرَاشاً}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} قال: مهادا. .

وأخرجه محمد بن يوسف الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظه (3) . .

وإسناده حسن.

قوله تعالى: {والسَّمَاء بنِاءً}

أخرج الطبري عن بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قول الله {والسَّمَاء بنِاءً} قال: جعل السماء سقفا لك (4) . ويزيد هو ابن زريع، وسعيد هو ابن أبي عروبة، والإِسناد حسن.

قوله تعالى {وأَنزَلَ مِن السَّمَاء مَاءً}

روى ابن أبي حاتم عن أبيه، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عباد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب فيمر به السحاب فتدر كما تدر الناقة، وثجاج مثل العزالي غير أنه متفرق. .

ص: 145

ورجاله ثقات والحكم هو ابن عتيبة الكندي معروف برواية سفيان ابن حسين عنه وهو مدلس لكن تدليِسه لا يضر لأنه من مدلسي الطبقة الثانية كما قرر الحافظ ابن حجر. ورواية سفيان بن حسين عن الزهري فيها مقال لكنه لم يرو هنا عن الزهري. والإسناد صحيح.

قوله تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لله أندَاداً}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة {فَلَا تَجْعَلُوا لله أندَاداً} أي عدلاء. .

وأخرج ابن أبي حاتم بإ سناده الجيد عن أبي العالية في قوله {أَنْدَاداً} أي عدلا شركا، ثم قال: وروي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبي مالك وإسماعيل ابن أبي خالد نحو ذلك (1) . .

أخرج الشيخان في صحيحهما بسنديهما عن ابن مسعود أنه قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك (2) . .

قال الإِمام أحمد: حدثنا هشيم، أنا أجلح، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أجعلتني والله عدلا؟ بل ما شاء الله وحده "(3) . .

ورجاله ثقات إلا الأجلح فصدوق وإسناده حسن، وصححه أحمد شاكر والألباني.

وأخرجه النسائي وابن ماجة (4) من طريق الأجلح به، وروى هذا الحديث جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة فأخرجه أحمد (5) والنسائي (6) بإسناد صحيح من حديث حذيفة بن اليمان، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة من حديث عبد الله بن يسار وصححه محققه (7) . .

وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن رجل صحابي (8) . وأخرجه أحمد (9) وابن ماجة (10) من حديث طفيل بن سخبرة، وهو حديث طويل والشاهد فيه آخره: "لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد.

قال البوصيري مشيرا إلى رواية ابن ماجة: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم. وبهذا يكون الإسناد صحيحاً لغيره وصححه الألباني. وذكره ابن كثير والسيوطي عند تفسير هذه الآية.

ص: 146

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبى عاصم الضحاك ابن مخلد، حدثني أبو عمر حدثني أبو عاصم، أنبأ شبيب بن بشر، ثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} قال الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاء سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي، ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك.

وإسناده حسن وقال مؤلف تيسير العزيز الحميد: وسنده جيد.

قوله تعالى {وأَنْتُم تَعْلَمُون} وأخرج الطبري (1) وابن أبي حاتم (2) بسنديهما إلى ابن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا العباس ابن الوليد، ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد، عن قتادة {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إن الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم أنتم تجعلون له أندادا.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

سورة البقرة 23

قوله تعالى: {وإن كُنْتُم فِي ريبٍ مِما نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأتوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلهِ}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبيرعن ابن عباس {وإن كُنْتُم فِي ريبٍ مِما نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} أي في شك مما جاءكم به.

وإسناده حسن، وأخرجه أيضا بإسناده الجيد عن أبي العاليه بلفط: في شك، ثم قال: وكذلك فسره الحسن وقتادة والربيع بن أنس (3) .

ص: 147

أخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} مثل القرآن (1) .

وأخرج الطبري (2) وابن أبي حاتم (3) من طريق يزيد عن سعيد عن قتادة {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} يعني: من مثل هذا القرآن حقا وصدقا لا باطل فيه ولا كذب.

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {وادْعُوا شُهدَاءَكُم مِن دونِ الله إن كُنتُم صَادِقِين} أخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين.

واللفظ للطبري.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} ناس يشهدون (4)

سورة البقرة 24

قوله تعالى {فإن لَّمْ تَفْعَلوا ولَن تَفْعَلوا}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة: {فإن لَّمْ تَفْعَلوا ولَن تَفْعَلوا} أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه (5) .

وأخرج الشيخان في صحيحيهما بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطى من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".

واللفظ لمسلم.

وذكره ابن كثير ثم قال: وإنما كان الذي أوتيته وحيا أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزة عند كثيرمن العلماء والله أعلم (6) .

قوله تعالى {فاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقودُها النَّاس والحِجَارَةُ}

قال الطبري: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله {وَقودُها النَّاس والحِجَارَةُ} قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يعدها للكافرين.

ص: 148

ورجاله ثقات والإِسناد صحيح، وأبو كريب هو محمد بن العلاء، وأبو معاوية: محمد بن حازم وكلاهما ثقة، وأخرجه الحاكم من طريق مسعر به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي (1) . وتعقبه الشيخ مقبل الوادعي بقوله: والأثر على شرط مسلم فإن عبد الرحمن بن سابط ليس من رجال البخاري كما في تهذيب التهذيب والكاشف والخلاصة (2) .

وقد بين الله سبحانه في سورة الأنبياء أن الكفار وأصنامهم من هؤلاء الناس والحجارة فقال {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} (3) .

قوله تعالى {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}

أخرج الطبري (4) وابن أبي حاتم بإسناديهما عن محمد ابن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أي لمن كان على مثل ما أنتم عَليه من الكفر.

ووردت عدة أحاديث تدل وتؤكد على أن النار موجودة الآن ومنها ما يلي: أخرج الشيخان في صحيحيهما بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها". وذكره السيوطي فى الدر المنثور (5) .

وأخرج الشيخان في صحيحيهما بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"تاجت الجنة والنار، فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال الله تبارك وتعالى للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي،وقال للنار إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتليء حتى يضع رجله فتقول قط قط قط، فهناك تمتليء ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا".

وذكره ابن كثير مختصرا.

ص: 149

وأخرج الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة مرفوعا: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم (1) . واللفظ للبخاري وقد أخرجه أيضا من حديث ابن عمر وذكره ابن كثير مختصرا (2)

وأخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ سمع وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "تدرون ما هذا؟ " قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال "هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى إلى قعرها"(3) . وذكره ابن كثير.

سورة البقرة 25

قوله تعالى: {وبَشر الَّذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تجري مِن تحتها الأنْهَار}

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، ثنا وكيع، عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

وقال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا أنواع هذه الأنهار ولكنه بين ذلك في قوله {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّى} (4)(5)

فقد عقد البخاري في صحيحه بابا في صفة الجنة والنار، فساق أحاديث كثيرة في صفة الجنة وكذا مسلم في صحيحه أورد أيضا كتاباً بعنوان الجنة ونعيمها فمن أراد الاستزادة فليرجع إليهما.

أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سيحان وجيحان، والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة"(6) .

وذكره السيوطي في الدر المنثور.

ص: 150

وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الرؤيا الحسنة وربما قال رأى أحد منكم رؤيا فإذا رأى الرؤية الرجل الذي لا يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عنه فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه إليه، فجاءت إليه امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني دخلت الجنة فسمعت وجبة ارتجت لها الجنة فلان بن فلان وفلان بن فلان حتى عدت اثني عشر رجلا فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم دما، فقيل اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيدح فغمسوا فيه فخرجوا منه وجوههم مثل القمر ليلة البدر، تم أتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها وأتوا بصحفة فأكلوا منها فما يقلبونها لشق إلا أكلوا فاكهة ما أرادوا، وجاء البشير من تلك السرية فقال كان من أمرنا كذا وكَذا وأصيب فلَان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا الذين عدت المرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليّ بالمرأة قصّي عليّ هذا رؤياك، فقصت فقال هو كما قالت (1) .

وأخرجه النسائي في السنن الكبرى من طريق أبي هشام المخزومي عن سليمان بن المغيرة به. .ورجاله ثقات وثابت هو البناني وقد تكلم فيه من جهة الاختلاط، إلا أن أبا بكر البرديجي قال: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة والحمادين وسليمان بن المغيرة فهم ثقات. فالإِسناد صحيح، وذكره السيوطي ونسبه إليهما وإلى عبد بن حميد في مسنده وأبي يعلى والبيهقي في الدلائل والمقدسي في صفة الجنة وصححه أي: المقدسي صححه.

قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}

أخرج ابن أبى حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية يعني {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ} قال: كلما أوتوا منه بشيء ثم أوتوا بآخر قالوا هذا الذي أوتينا من قبل.

ص: 151

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح المتقدم عن مجاهد {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} يقولون: ما أشبهه به (1) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} أي في الدنيا (2) .

قوله تعالى {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً}

أخرج ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان الواسطي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء (3) .

ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وأخرجه سفيان الثوري عن الأعمش به، وقال الشيخ مقبل سنده صحيح على شرط الشيخين إشارة إلى طريق الثوري (4) وأخرجه الطبري من طريق محمد عبيد عن الأعمش به، ومن طريق مؤمل وابن بشار عن سفيان به (5) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} يشبه بعضه بعضا ويختلف في الطعم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي نحو ما حكينا عن أبي العالية (6) .

قوله تعالى {وَلَهُم فِيهَا أزْوَاجٌ مُطهَّرةٌ}

وقد بين سبحانه وتعالى أنموذجاً من طهارة الأزواج في سورة الرحمن عند قوله {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} (7) .

وقال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا صفات تلك الأزواج ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ} (8) ،. وقوله {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (9) . وقوله {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (10) . وقوله {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} (11) إلى غير ذلك من الآيات المبينة لجميل صفاتهن (12) .

أخرج الطبري وابن أبي حاتم (13) بالإِسناد الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} يقول: مطهر ة من القذر والأذى.

ص: 152

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} قال: مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد (1)

وأخرج الشيخان (2) بسنديهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلا ف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا."

واللفظ للبخاري.

وذكره السيوطي في الدر المنثور.

قوله تعالى: {وَهُم فِيهَا خَالِدُون}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي خالدا أبدا يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له (3) .

سورة القرة 26

قوله تعالى: {إنَّ الله لا يَسْتَحِيي أن يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {إنَّ الله لا يَسْتَحِيي أن يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} فإذا جاءت آجالهم، وانقطعت مدتهم صاروا كالبعوضة، تحيا ما جاعت وتموت إذا رويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب لهم هذا المثل إذا امتلئوا من الدنيا ريا أخذهم الله فأهلكهم.

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة قال: لما ذكر الله تبارك وتعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكَبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ، ثم قال ابن أبي حاتم: وروى عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة (4) .

ص: 153

والإسناد إلى قتادة حسن وكون هذا السبب روي من طرق أخرى فإن هذه الطرق المرسلة يقوي بعضها بعضا.

قوله تعالى {فَأمَّا الَّذِين آمَنُوا فَيَعْلَمُون أنَّهُ الحَقَّ مِن رَّبهِم وأمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذا أرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً يُضلُّ بِهِ كَثيرَاً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قوله {مَثَلاً مَا بَعُوضَةً} يعني الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ويهديهم الله بها ويضل بها الفاسقين يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (1) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} يعني: هذا المثل (2) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة: قوله {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} أي يعلمون أنه كلام الرحمن وأنه الحق من الله (3) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا} فهم أهل النفاق.

قوله تعالى {ومَا يُضِلُّ بِهِ إلا الفَاسِقِينَ}

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الصحيح عن قتادة قوله {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ} فسقوا فأضلهم الله على فسقهم (4) .

سورة البقرة 27

قوله تعالى {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِه}

ص: 154

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِه} إلى قوله {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قال هي ست خصال في المنافقين إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا (1) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة: قوله {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} ، فإياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه وأوعد فيه، وقدم فيه في آي القرآن حجة وموعظة ونصيحة وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليف به لله (2) .

أخرج ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان الواسطي، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي فقلت قوله {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} إلى آخر الآية، فقال هم الحرورية (3) .

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

قال ابن كثير وهذا الإسناد وإن صح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو تفسير على المعنى لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على علي بالنهروان فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل لأنهم سموا بالخوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام (4) .

قوله تعالى {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}

ص: 155

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل وقد أشار إلى أن منه الأرحام بقوله {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (1)(2) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (3) .

قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن الصباح ثنا يزيد بن هارون ويحيى بن عباد، وشبابة بن سوار، قالوا: ثنا شعبة عن عمرو بن قرة عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: الحرورية الذين قال الله {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} ، والسياق: ليزيد (4) .

وإسناده صحيح وانظر قول الحافظ ابن كثير آنفاً.

سورة البقرة 28

قوله تعالى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

أخرج سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} قال: هي مثل الآية التي في أول المؤمن {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (5) .

ورجاله ثقات وإسناده صحيح وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وأبو إسحاق هو: السبيعي وأبو الأحوص هو: عوف بن مالك.

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة قوله {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} الآية قال: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله وخلقهم تم أماتهم الموتة التي لابد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما حياتان وموتتان.

قوله تعالى {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

ص: 156

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قال: ترجعون إليه بعد الحياة (1) .

سورة البقرة29

قوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات}

وتفصيل هذه الآية في قوله تعالى: {أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (2) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة قوله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} نعم والله سخر لكم ما في الأرض (3) .

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (4) عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} قال: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذ لك حين يقول {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات} قال: بعضهن فوق بعض وسبع أرضين، بعضهن تحت بعض.

ورجاله ثقات إلا الحسن بن يحيى صدوق فالإسناد حسن.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يقول: ارتفع.

ص: 157

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات} ثم دحا الأرض بعد ذلك فذلك قوله {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} (1)

وأخرج الطبري (2) وابن أبي حاتم (3) بالإسناد الحسن عن قتادة في قوله

{فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}

قال: بعضهن فوق بعض بين كل سماء مسيرة خمسمائة يوم.

قوله تعالى {وَهُو َبِكُلّ شيَءٍ عَلِيمٌ}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: العالم الذي قد كمل في علمه (4) .

سورة البقرة 30

قوله تعالى {وإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْملائكَةِ إنّي جَاعِلٌ فِي الأرضِ خَلِيفَةً}

أخرج مسلم بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"

(5)

.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا الحسن قال: قال الله للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} قال لهم إني فاعل (6) .

ورجاله ثقات إلا الحسن ومبارك فصدوقان ومبارك مدلس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالسماع وقد صرح فالإِسناد حسن، وأخرجه الطبري من طريق جرير بن حازم ومبارك وأبي بكر الهذلي كلهم عن الحسن وقتادة بلفظه (7) .

قال محمد بن سعد: أخبرنا هوذة بن خليفة، أخبرنا عوف، عن قسامة بن زهير، قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك "(8) .

ص: 158

أخرجه أحمد. والترمذي (1) عن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر عن عوف به، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود من طريق يزيد بن زريع ويحيى بن سعيد (2) ، وأخرجه الحاكم من طريق معمر كلهم عن عوف به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (3) .

وذكره السيوطي ونسبه إليهم وإلى غيرهم (4) .

أخرج البخاري (5) ومسلم (6) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاستمع ما يحيونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " واللفظ للبخاري.

وذكره السيوطي ونسبه إليهما وإلى غيرهما.

قال مسلم: حدثنا حسن بن علي الحلواني، حدثنا أبوتوبة الربيع ابن نافع، حدثنا معاوية (يعني ابن سلام) عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن فروخ، أنه سمع عائشة تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامي، فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" قال أبو توبة: وربما قال (يمسي)(7) .

قوله تعالى {قَالوا أتَجْعلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا ويَسْفِكُ الدِّمَاء}

ص: 159

قال الحاكم: أخبرني عبد الله بن موسى الصيدلاني، ثنا إسماعيل ابن قتيبة، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها أحد قال الله تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء فلما قال الله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يعنون الجن بني الجان، فلما أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنودا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، قال فقال الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها كما فعل أولئك الجن بنو الجان قال فقال الله إني أعلم ما لا تعلمون.

وصححه ووافقه الذهبي (1) . وقد يكون هذا الخبر من أهل الكتاب ولكنه من الأخبار التي لا تخالف نصا من الكتاب والسنة.

وأخرج الطبري (2) وابن أبي حاتم (3) بالإسناد الحسن عن قتادة في قوله {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} قال كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء فذلك حين قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها.

قوله تعالى {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}

أخرج مسلم بإسناده عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده، سبحان الله وبحمده (4) .

وأخرجه البغوي في تفسيره من طريق مسلم به.

وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (5) بالإسناد الحسن عن قتادة في قوله {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} قال: التسبيح، التسبيح.

وأخرج الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: نعظمك.

وإسناده حسن.

ص: 160

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله {وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: نعظمك ونكبرك (1) .

وأخرج الطبري (2) وابن أبي حاتم (3) بالإِسناد الحسن عن قتادة في قوله {وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: التقديس: الصلاة.

قوله تعالى {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}

قال الطبري: وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل- قالا جميعا: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها (4) .

وإسناده صحيح، وأخرجه اللالكائي من طريق علي بن بذيمة عن مجاهد بلفظه (5) .

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} قال: علم من إبليس المعصية (6) .

وأخرجه الطبري أيضا من طرق أخرى عن مجاهد بنحوه.

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن سعيد عن قتادة قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة (7) .

أخرج البخاري (8) ومسلم (9) بإسناديهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلا ة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم- وهو أعلم بكَم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون ".

واللفظ للبخاري.

وذكره ابن كثير ثم قال: فقولهم أتيناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} (10) .

قوله تعالى {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا}

قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وخلاد بن يحيى قالا: أخبرنا مسعر بن أبي حصين قال: قال لي سعيد بن جبير أتدري لم سمي آدم؟ لأنه خلق من أديم الأرض (11) .

ص: 161

ورجاله ثقات إلا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي صدوق وقد تابعه محمد بن عبد الله الأسدي، وأبو حصين هو: عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي، والإسناد صحيح.

وأخرجه الطبري عن أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد، قال حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: خلق آدم من أديم الأرض، فسمي آدم (1) .

ورجاله ثقات إلا أحمد بن إسحاق وهو الأهوازي: صدوق. وأبو حصين: هو عثمان بن عاصم المتقدم في رواية ابن سعد فالإسناد حسن. وانظر إلى قوله تعالى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وقد ورد في الحديث المتفق عليه أن الله تعالى علمه أسماء كل شيء فأخرج البخاري (2) ومسلم (3) بسنديهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا

" الحديث.

واللفظ للبخاري.

قال ابن حبان: أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، قالَ: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم مكلَّّّم. قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون (4) .

وذكره ابن كثير بسنده ومتنه ثم قال: وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. اهـ

وأخرجه الطبراني من طريق أبي توبة الربيع بن نافع به.

وذكره الهيثمي وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة. وأخرجه الحاكم من طريق أبي توبة وأطول وصححه ووافقه الذهبي. وصححه أيضا محقق الإحسان.

قوله تعالى {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ}

ص: 162

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن معمر عن قتادة في قوله {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قال: علمه اسم كل شيء، هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.

وأخرج الطبري (1) وابن أبي حاتم (2) بالإسناد الحسن عن قتادة {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} قال: علمه اسم كل شيء ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة.

قوله تعالى {فقَالَ أنبِئوني بِأسمَاءِ هَؤلاء}

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قوله {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ} قال: بأسماء هذه التي حدثت بها آدم (3) .

سورة البقرة 32

قوله تعالى {سُبْحَانَكَ}

تقدم حديث مسلم ورواية الطبري وابن أبي حاتم عند قوله تعالى {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}

قوله تعالى {الْحَكِيمُ}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية قوله {الْحَكِيمُ} قال: حكيم في أمره (4)

سورة البقرة 33

قوله تعالى {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن سعيد عن قتادة قوله: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه وألجأه إلى جنسه (5) .

قوله تعالى {وأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ومَا كُنتُمْ تَكْتُمُون}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن معمر عن قتادة في قوله {وأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ومَا كُنتُمْ تَكْتُمُون} قال: أسروا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاء أن يخلق، فلن يخلق خلقا إلا ونحن أكرم عليه منه.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فكان الذي كتموا قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم.

سورة البقرة 34

ص: 163

قوله تعالى {وإذْ قلْنا لِلْملائكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ}

قال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم. فقال في الحجر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} وقال في سورة ص {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (1) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قول الله {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} قال للملائكة الذين كانوا في الأرض (2) .

قوله تعالى {فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ}

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن معمر عن قتادة قوله {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} (3) كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن (4) .

وأخرج الطبري عن محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس (5) .

وذكره ابن كثير وصحح إسناده.

قال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (6) وقوله {قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} (7)(8) .

ص: 164

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن سعيد عن قتادة قوله {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته (1) .

ومعنى استكبر: أي تكبر والسين للمبالغة (2) .

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكبر وخطره، فأخرج مسلم بإسناده عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر

الكبر بطر الحق وغمط الناس " (3) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الصحيح عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم (4) .

قوله تعالى {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}

أخرج ابن أبى حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} يعني: من العاصين (5) .

وأخرج البغوي عند آخر هذه الآية بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول ياويله أمر ابن آدم السجود فأطاع فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار "(6) .

وإسناده صحيح، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة (7) .

سورة البقرة 34

قوله تعالى: {وقلْنا يَا آدَمُ أسْكُنْ أنْتَ وزوجك الجَنَّة}

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض (8) .

ص: 165

ورجاله ثقات على شرط الشيخين وإسناده صحيح، وأبو الضحى هو مسلم ابن صبيح الهمذاني، وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية قال: قال الله تبارك وتعالى {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} قال: خلق الله آدم يوم الجمعة وأدخله الجنة يوم الجمعة فجعله في جنات الفردوس (1) .

وله شاهد من الصحيح كما سيأتي عند قوله تعالى {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} ، وقوله تعالى {أَنْتَ وَزَوْجُكَ} يوحي أن حواء قد خلقت؟ وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خلقها فأخرج الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة مرفوعا "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وتركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء "(2) .

واللفظ للبخاري.

قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: قيل فيه إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر وقيل من ضلعه القصير، أخرجه ابن إسحاق وزاد اليسرى من قبل أن يدخل الجنة وجعل مكانه لحم (3) .

قوله تعالى: {وَكلا منهَا رَغَدا حَيْث شِئْتُمَا}

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قوله {رَغَداً} قال: لا حساب عليهم (4) .

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن سعيد عن قتادة قوله {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق، كتب على آدم كما ابتلي الخلق قبله، أن الله جل ثناؤه أحل له ما في الجنة أن يأكل منها رغدا حيث شاء، غير شجرة واحدة نهي عنها، وقدم إليه فيها، فما زال البلاء حتى وقع بالذي نهي عنه (5) .

قوله تعالى {فَأَزَلَّهُمَا الشيْطَانُ عَنهَا}

أخرج ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ثنا خالد بن خداش المهلبي، ثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن خريت، عن عكرمة قال: إنه سمي الشيطان لأنه تشيطن.

ورجاله ثقات إلا خالد بن خداش صدوق فالإسناد حسن.

ص: 166

قوله تعالى {فَأَخرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}

أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها"(1) ، وذكره ابن كثير في التفسير.

سورة البقرة 36

قوله تعالى {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ}

أخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ} قال: آدم وإبليس والحية (2) .

سورة البقرة 36- 37

قوله تعالى {وَلَكُم فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ}

أخرج الطبري (3) وابن أبي حاتم (4) بالإسناد الجيد عن أبي العالية في قوله {وَلَكُم فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ} هو قوله {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} (5) .

سورة البقرة 37

قوله تعالى {فَتلقَّى آدَمُ مِن رَبِّه كَلِماتٍ}

أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله {فَتلقَّى آدَمُ مِن رَبِّه كَلِماتٍ} هو قوله {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (6) .

وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري بإسناده عن سعيد عن قتادة عن الحسن بلفظه (7) ، وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.

قوله تعالى {فَتَابَ عَلَيْهِ إنه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ}

وقال المروزي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن سعيدبن عبيدة، عن المستورد بن أحنف، عن صلة ابن زفر، عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذ مر بآية عذاب تعوذ، وإذا مر بآية فيها تنزيه لله سبح (8) .

ورجاله ثقات على شرط مسلم وإسناده صحيح.

ص: 167

وقد روى أبو داود وأحمد والترمذي في الشمائل والطبراني في المعجم الكبير ومسند الشاميين والبيهقي في السنن الكبرى وشعب الإِيمان من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ. وحسنه محقق شعب الإيمان.

سورة البقرة 38

قوله تعالى {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَميعاً}

أخرج الطبري عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم عن أبي صالح في قوله {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} قال: آدم وحواء والحية وإبليس. .

ورجاله ثقات إلا أبا صالح وهو باذام مولى أم هانئ وهو ضعيف ويرسل ولم يرو هنا عن أحد فالإسناد صحيح إليه.

قال عبد الرزاق قال نا معمر، وأخبرني عوف أيضا عن قسامة عن أبي موسى أن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح، وقسامة: هو ابن زهير المازني معروف بالرواية عن أبي موسى الأشعري وبرواية عوف بن أبي جميلة الأعرابي عنه.

قوله تعالى {فإمًّا يَأتِيَنَّكم مِني هدى}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {فإمًّا يَأتِيَنَّكم مِني هدى} قال: الهدى: الأنبياء والرسل والبيان (1) .

قوله تعالى {فَمَن تَبِعَ هُدَاي}

وبه عن أبي العالية في قوله {فَمَن تَبِعَ هُدَاي} يعني: البيان (2) . .

سورة البقرة 39

قوله تعالى {والَّذِينَ كفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُم فيهَا خَالِدونَ}

ص: 168

أخرج مسلم بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم- أو قال بخطاياهم - فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية (1) .

وذكره ابن كثير.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الصحيح عن سعيد عن قتادة قوله {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} قال: المشركون من قريش (2) .

وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا مر بآية عذاب تعوذ (3) .

سورة البقرة40

قوله تعالى {يَابَني إسرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتي التي أنْعَمْتُ عليكم}

وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، َ قال عبد بن حميد في التفسير: حدثنا أبو نعيم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل (4) .

وحسنه الحافظ ابن حجر.

وأخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها..

وهذا جزء من حديث تقدم تخريجه عند الآية (19) من هذه السورة عند تفسير: الرعد.

وروى الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس عن ابن عباس أن إسرائيل كقولك: عبد الله (5) .

ورجاله ثقات وعنعنة الأعمش لا تضر لأن المعنى معروف باللغة السريانية (6) .

ص: 169

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن محمد بن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس قال: يا أهل الكتاب للأحبار من اليهود {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه (1) . .

وقد بين الله تعالى بعض النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل ومنها: قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} (2) وقوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَاب

} (3)، وقوله:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (4)(5)، وقوله:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (6) وقد فضلهم على أهل زمانهم كما سيأتي عند تفسير هذه الآية. وقوله {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} (7) . وقوله: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} (8) .

قوله تعالى {وَأَوْفوا بَعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم}

ص: 170

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله:{وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} (1) . فعهدهم هو المذكور في قوله: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} وعهده هو المذكور في قوله {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الآية، وأشار إلى عهدهم أيضا بقوله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} (2) إلى غير ذلك من الآيات.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن محمد بن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه فوضع عنكم ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم. .

قوله تعالى {وَإيَّاي فَارهَبُون}

وبه عن ابن عباس {فَارْهَبُونِ} أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره (3) . .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} فاخشون. ثم قال: وكذا روي عن السدي والربيع بن أنس، وقتادة (4) . .

---

التفسير رقم454

التفسير رقم204.

التفسير رقم451.

التفسير رقم207.

تفسير الطبريرقم454 وتفسير ابن أبي حاتم رقم209.

سورة الحج11.

تفسير الطبري رقم 451 وتفسير ابن أبي حاتم رقم210.

(5)

التفسير رقم211.

(6)

التفسير رقم460.

ص: 171

(1)

التفسير رقم211.

(2)

التفسير رقم470.

(3)

لتفسير رقم214.

(4)

التفسير رقم472.

(5)

التفسير رقم 216، 217.

(6)

المسند رقم4/202.

(7)

التفسير 1/110،111.

(8)

آية12-14.

(9)

التفسير رقم221.

(10)

التفسير رقم474.

(11)

التفسير رقم222.

(12)

تغليق التعليق3/491.

(13)

التفسير رقم479.

(14)

قوله: العزالي: جمع عزلاء: والمراد بها هنا مصب الماء من الراوية. (ترتيب القاموس المحيط3/218) .

(15)

التفسير رقم227.

(16)

تهذيب الكمال7/114-116.

(17)

طبقات المدلسين ص20.

(18)

التفسير رقم480.

(19)

التفسير رقم231.

(20)

صحيح البخاري - التفسير - سورة البقرة باب قوله تعالى {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} رقم 4477 وصحيح مسلم االإيمان باب كون الشرك أقبح الذنوب رقم 141، 142

(21)

المسند رقم 1839.

(22)

المصدر السابق.

(23)

صحيح سنن ابن ماجة1/362 رقم1720.

(24)

عمل اليوم والليلة ص545.

(25)

السنن الكفارات باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت رقم 211.

(26)

المسند5/393.

(27)

عمل اليوم والليلة ص554.

(28)

ص545.

(29)

المصنف11/28رقم19813.

(30)

المسند5/73.

(31)

السنن الكفارات باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت. بعد رقم 2118.

(32)

مصباح الزجاجة2/152.

(33)

صحيح سنن ابن ماجة1/362 رقم 1721.

(34)

التفسير1/109 110.

(35)

الدر المنثور1/88.

(36)

التفسير رقم 230.

(37)

ص587.

(38)

التفسير رقم486.

(39)

التفسير رقم232.

(40)

التفسير رقم234.

(41)

التفسير رقم235.

(42)

التفسير رقم236.

(43)

التفسير رقم493.

(44)

التفسير رقم491.

(45)

التفسير رقم239.

(46)

التفسير رقم496.

(47)

التفسير رقم241.

(48)

التفسير رقم497.

(49)

التفسير رقم501.

ص: 172

(1)

فتح الباري فضائل القرآن باب كيف نزول الوحي رقم 4981، وصحيح مسلم الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم رقم 239.

(2)

التفسير 1/114.

(3)

التفسير رقم503.

(4)

المستدرك 2/261.

(5)

انظر هامش تفسير ابن كثير1/115.

(6)

آية 98.

(7)

التفسير رقم508.

(8)

التفسير رقم249

(9)

صحيح البخاري بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة رقم 3265 وصحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها باب في شدة حر نار جهنم رقم 2843.

(10)

1/90، 91.

(11)

صحيح البخاري التفسير سورة ق باب وتقول هل من مزيد رقم 4850، وصحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها باب النار يدخلها الجبارون رقم 284

(12)

التفسير 1/116.

(13)

صحيح البخاري المواقيت باب الإبراد بالظهر في شدة الحر2/15 رقم 533 وصحيح مسلم المساجد باب استحباب الإبراد بالظهر رقم 615.

(14)

التفسير1/116.

(15)

الصحيح الجنة وصفة نعيمها باب في شدة حر نار جهنم رقم 2844.

(16)

التفسير1/116.

(17)

التفسير رقم 255.

(18)

سورة محمد15.

(19)

أضواء البيان1/117.

(20)

الصحيح كتاب الجنة ونعيمها باب ما في الدنيا من أنهار الجنة رقم 2839.

(21)

1/94.

(22)

المسند3/257.

(23)

انظر تحفة الأشراف1/138.

(24)

انظر تهذيب التهذيب2/4.

(25)

1/94،95.

(26)

التفسير رقم256.

(27)

التفسير رقم 514.

(28)

التفسير رقم513.

(29)

التفسير رقم261.

(30)

انظر تفسير ابن كثير1/119 مع الهامش.

(31)

التفسير رقم534،535.

(32)

التفسير رقم263.

(33)

آية رقم56.

(34)

الصافات48.

(35)

الرحمن58.

(36)

الواقعة22.

(37)

النبأ33.

(38)

أضواء البيان1/117.

(39)

التفسير رقم539.

(40)

التفسير رقم265.

(41)

التفسير رقم542.

ص: 173

(1)

صحيح البخاري بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة رقم 3245 وصحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها باب أول زمرة تدخل الجنة رقم 2834 وما بعده. .

(2)

1/98.

(3)

التفسير رقم269.

(4)

التفسير رقم271.

(5)

التفسير رقم558.

(6)

التفسير رقم274.

(7)

التفسير رقم274.

(8)

التفسير رقم559.

(9)

التفسير رقم276

(10)

التفسير رقم565.

(11)

التفسير رقم283.

(12)

التفسير رقم 286.

(13)

التفسير رقم289.

(14)

التفسير رقم572.

(15)

التفسير رقم288.

(16)

التفسير1/124.

(17)

سورة محمد22.

(18)

أضواء البيان1/118.

(19)

التفسير رقم574.

(20)

التفسير رقم293.

(21)

التفسيرص43.

(22)

التفسير رقم577.

(23)

التفسير رقم301

(24)

التفسير رقم585.

(25)

التفسير رقم304.

(26)

فصلت9-12 وانظر تفسير ابن كثير.

(27)

التفسير رقم587.

(28)

التفسير رقم592

(29)

التفسير رقم306.

(30)

التفسير رقم309.

(31)

التفسير رقم594.

(32)

التفسير رقم593.

(33)

التفسير رقم310.

(34)

التفسير رقم596.

(35)

الصحيح الزهد باب في أحاديث متفرقة رقم 2996.

(36)

التفسير رقم316.

(37)

التفسير رقم597.

(38)

الطبقات الكبرى1/26.

(39)

المسند4/400.

(40)

السنن التفسير سورة البقرة رقم 2955.

(41)

السنن السنة باب في القدر رقم 4693.

(42)

المستدرك2/261، 262.

(43)

الدر المنثور1/118.

(44)

صحيح البخاري الأنبياء باب خلق آدم رقم 3326.

(45)

صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير رقم 2840.

(46)

الدر المنثور1/118.

(47)

الصحيح الزكاة باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف رقم 1007.

(48)

المستدرك2/261.

(49)

التفسير رقم610.

(50)

التفسير رقم326.

ص: 174

(1)

الصحيح الذكر والدعاء باب فضل سبحان الله وبحمده رقم 2731.

(2)

التفسير رقم620.

(3)

التفسير رقم330.

(4)

التفسير رقم623.

(5)

التفسير رقم621.

(6)

التفسير رقم336.

(7)

التفسير رقم628.

(8)

شرح أصول اعتقاد اهل السنة والجماعة ص546.

(9)

التفسير رقم633.

(10)

التفسير رقم629-637.

(11)

التفسير رقم639.

(12)

صحيح البخاري مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر رقم 555.

(13)

صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاتي الصبح والعصر رقم 210.

(14)

التفسير 1/130.

(15)

الطبقات الكبرى1/26.

(16)

التفسير رقم642.

(17)

الصحيح التفسير سورة البقرة باب قول الله {وعلم آدم الأسماء كلها} رقم 4476.

(18)

الصحيح الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها رقم 322.

(19)

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 14/69ح6190.

(20)

قصص الأنبياء1/60.

(21)

المعجم الكبير ح7545.

(22)

معجم الزوائد8/210.

(23)

المستدرك2/262.

(24)

التفسير رقم656.

(25)

التفسير رقم 664

(26)

التفسير رقم344.

(27)

التفسير رقم669.

(28)

التفسير رقم3521.

(29)

التفسير رقم655.

(30)

التفسير رقم683.

(31)

التفسير رقم360.

(32)

أضواء البيان1/134.

(33)

التفسير رقم362.

(34)

الكهف50.

(35)

التفسير رقم694.

(36)

التفسير رقم696.

(37)

التفسير1/140.

(38)

الأعراف12.

(39)

الحجر33.

(40)

أضواء البيان1/134.

(41)

التفسير رقم707.

(42)

انظر تفسير القاسمي2/101.

(43)

الصحيح الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه رقم174.

(44)

التفسير رقم368.

(45)

التفسير رقم371.

(46)

التفسير 1/63.

(47)

كتاب الإيمان باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة رقم 133.

(48)

التفسير رقم374.

(49)

التفسير رقم375.

ص: 175

(1)

فتح الباري أحاديث الأنبياء باب خلق آدم وذريته رقم 3331،/ وصحيح مسلم الرضاع باب الوصية بالنساء رقم 60.

(2)

فتح الباري6/368.

(3)

التفسير رقم713.

(4)

التفسير رقم717.

(5)

التفسير رقم391.

(6)

الصحيح الجمعة باب فضل يوم الجمعة854.

(7)

1/148.

(8)

التفسير رقم756.

(9)

التفسير رقم765.

(10)

التفسير رقم405.

(11)

البقرة22.

(12)

التفسير ص35.

(13)

التفسير رقم778.

(14)

تعظيم قدر الصلاة1/327 رقم 315.

(15)

انظر شعب الإيمان 5/57مع الحاشية، وانظر مسند أحمد 2/24 وسنن النسائي الدعاء في السجود2/223 والسنن الكبرى2/310 والمعجم الكبير18/61 رقم 113 وتحفة الأشراف8/213 رقم 10912.

(16)

التفسير رقم793.

(17)

التفسير ص35.

(18)

انظر تهذيب الكمال ل1129.

(19)

التفسير رقم423.

(20)

التفسير رقم426.

(21)

قوله: ضبائر ضبائر: أي جماعات في تفرقة (شرح مسلم للنووي) 3/38.

(22)

الصحيح الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار رقم 185.

(23)

التفسير رقم1/150

(24)

التفسير رقم431.

(25)

انظر آخر تفسير آية 37 من هذه السورة.

(26)

انظر تغليق التعليق4/9.

(27)

فتح الباري6/373.

(28)

انظر تفسير ابن كثير1/151.

(29)

انظر تفسير القرطبي1/331.

(30)

التفسير رقم438.

(31)

البقرة57.

(32)

البقرة49.

(33)

القصضص5.

(34)

انظر أضواء البيان1/136.

(35)

البقرة47.

(36)

البقرة50.

(37)

البقرة 60.

(38)

المائدة12.

(39)

آل عمران187.

(40)

أضواء البيان1/136.

(41)

التفسير رقم442،445.

(42)

التفسير رقم446.

(43)

التفسير رقم447.

ص: 176

تابع لتفسير الصحيح

سورة البقرة 41

قوله تعالى {وَآمنوا بِمَا أَنْزَلْت مُصَدقاً لِمَا مَعَكُم}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية: فِي قوله {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ} يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقا لما معكم يقول: لأنهم يجدون محمدا مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل. .

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ} يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقا لما معكم التوراة وا لإنجيل (1)

قوله تعالى {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق بإسناده الحسن عن ابن عباس {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} وعندكم فيه من العلم ما ليس، عند غيركم (2) .

وأخرج بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يقول: لا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم (3) . .

قوله تعالى {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}

قال الإمام أحمد: ثنا يونس وسريج بن النعمان قالا: ثنا فليح، عن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة. بوم القيامة" قال سريج في حديثه: يعني ريحها (4) . وأخرجه ابن ماجة من طريق يونس وسريج به، وصححه الألباني.

قوله تعالى {وَإياي فَاتَّقُون}

راجع الآثار الواردة في ذكر المتقين عند قوله تعالى: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} .

سورة البقرة 42

قوله تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}

ص: 177

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل وأدوا النصيحة لعباد الله في أمر محمد (1) صلى الله عليه وسلم.

وقال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} الحق الذي لبسوه بالباطل: هو إيمانهم ببعض ما في التوراة، والباطل الذي لبسوا به الحق: كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له، كصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه وهذا يبينه قوله تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} الآية. والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم. .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الصحيح عن قتادة في قول الله: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل} قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام إن دين الله الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحو ما ذكرنا عن أبي العالية وروي عن الحسن نحو قول قتادة (2) .

قوله تعالى: {ِوَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس {ِوَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. .

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله: {ِوَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: يكتم أهل الكتاب محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه عندهم في التوراة والإِنجيل (3) . .

سورة البقرة 43

قوله تعالى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}

قال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن: رواد، ثنا آدم ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة (4) .

ص: 178

ورجال الإسناد ثقات إلا عصاما ومباركا فصدوقان ومبارك كثير التدليس ولكن روايته عن الحسن يحتج بها فالإسناد حسن.

وقال أيضا: حدثنا على بن الحسين، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ثنا الوليد، ثنا عبد الرحمن بن نمر قال: سألت الزهري عن قول الله {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} قال الزهري: إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها.

قال المحقق حسن الإسناد

وأصله في الصحيحين مرفوعا: أي الأعمال أحب إلى الله قال صلى الله عليه وسلم "الصلاة على وقتها

" الحديث (1) .

سورة البقرة 44

قوله تعالى {أتَأمُرونَ النَّاس بِالبِر وَتَنْسَونَ أنفُسَكُمْ}

أخرج الشيخان (2) بسنديهما عَن أسامة رضي الله عنه مرفوعا: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكَر وآتيه "،واللفظ للبخاري وقد. اقتصرت على ذكر الشاهد، وأخرجه البغوي في التفسير بإسناده عن البخاري به.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أي تتركون أنفسكم (3) .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون فعيرهم الله.

وإسناده صحيح.

ص: 179

قال الحافظ الذهبي: حديث أبي صالح كاتب الليث حدثني معاوية ابن صالح، عن سليم بن عامر أن أبا أمامةَ حدثه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلَاة الصبح فقال "إني رأيت رؤيا هي حق فاعقلوها، أتاني رجل فأخذ بيدي فاستتبعني حتى أتى جبلا وعرا فقال لي أرقه. قلت لا أستطيع.،فقال إني سأسهله لك، فجعلت كلما رفعت قدمي وضعتها على درجة حتى استوينا على سواء الجبل، فانطلقنا فإذا نحن برجال ونساء مشققة أشداقهم، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء يقولون ما لا يفعلون ـ فذكر خبرا طويلا يقول فيه- ثم رفعت رأسي فإذا ثلاثة نفر تحت العرش. قلت ما هؤلاء؟ قال: أبوك إبراهيم وموسى وعيسى وهم ينتظرونك" إسناده جيد، رواه أبو إسماعيل الترمذي عن كاتب الليث، وهو ملي بمعرفته إن شاء الله.

قوله تعالى {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي فتنقضون ميثاقي وتجحدون بما تعلمون من كتابي.

سورة البقرة 45

قوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاة}

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاة} ، الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها. وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة. فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها: النهي عما لا يليق وذلك في قوله {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}

ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة (1) .

ص: 180

قال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل بن عمر وخلف بن الوليد قالا: ثنا يحيى بن زكريا بن زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدولي قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة قال حذيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى

وأخرجه أبو داود والطبري من طريق يحيى بن زكريا به.

وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري، وحسنه الألباني.

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله، حدثنا كهمس بن الحسن، عن الحجاج بن الفرافصة، قال أبو عبد الرحمن ـ هو عبد الإله بن يزيد ـ: وأنا قد رأيته في طريق فسلم علي وأنا صبي، رفعه إلى ابن عباس، أو أسنده إلى ابن عباس، قال: وحدثنا همام بن يحيى أبو عبد الله صاحب البصري، أسنده إلى ابن عباس، وحدثني عبد الله بن لهيعة ونافع المصريان عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس، ولا أحفظ حديث بعضهم من أنه قال: كنت رديف النبي الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فقال:"يا غلام، أو يا غليم، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بها؟ فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا "(1)

أخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن لهيعه والليث بن سعد عن قيس به نحوه مختصرا ثم قال: هذا حديث حسن صحيح (2) . وصححه الشيخ الألباني (3) وحسنه الحافظ ابن رجب الحنبلي في رسالة بشرح هذا الحديث اسمها: نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما (4) . وفي كتابه جامع العلوم والحكم (5) .

ص: 181

وقال الطبري: حدثنا محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، تم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (1) .

ورجاله ثقات وإسناده صحيح وأبو عيينة هو عبد الرحمن بن جوشن، وأخرجه المروزي (2) والحاكم (3) من طريق هشيم عن خالد بن صفوان عن زيد بن علي بن الحسن عن أبيه به، وصححه الحاكم وأقره الذهبي.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله

ووردت أحاديث كثيرة في فضل الاستعانة بالصبر.

وأخرج المروزي (4) والحاكم (5) من طريق إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق أنا معمرة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وكانت من المهاجرات الأول، في قوله {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} قال غشي على عبد الرحمن بن عوف غشية حتى ظنوا أنه فاضت نفسه فيها فخرجت امرأته: أم كلثوم إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد الرزاق في التفسير بنحوه (6) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا سفيان بن عيينة قال: حدثونا يعني: ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} قال: الصبر: الصيام.

ورجاله ثقات إسناده صحيح.

قوله تعالي {وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله {وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} قال: الصلاة (7) . ورجاله ثقات إلا ورقاء صدوق والإسناد حسن.

ص: 182

وانظر الروايات الواردة عند قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (1) .

قوله تعالى {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ}

أخرج الطبري (2) وابن أبي حاتم (3) بالإِسناد الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} يعني: المصدقين بما أنزل الله تعالى.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبى العالية في قوله {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} قال: يعني: الخائفين (4) .

وأخرج عبد بن حميد عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} على المؤمنين حقا (5) .

وإسناده حسن.

سورة البقرة 46

قوله تعالى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُم مُلاقُو رَبِّهِم}

قال الطبري: حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو علم.

وذكره ابن كثير ثم قال: وهذا سند صحيح (6) .

ولو لم يقل مجاهد كل ظن لكان أحسن لأن بعض الآيات تخالف ما ذهب إليه مثل قوله تعالى {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} (7) وقوله {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ} (8) وقوله {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} (9) وقوله {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} (10) ، وغيرها من الآيات في باب ظن فلو جعلها على سبيل التغليب لكان أحسن والله أعلم.

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} قال: الظن هاهنا اليقين (11) .

قال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية.: المراد بالظن هنا: اليقين كما يدل عليه قوله تعالى {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (12) .

قوله تعالى {وَأنَّهُم إِلَيْهِ رَاجِعُون}

ص: 183

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَأنَّهُم إِلَيْهِ رَاجِعُون} قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة (1) .

سورة البقرة 47

قوله تعالى {يَا بَني إسْرَائِيلَ اذكُرُوا نِعْمَتيَ الَّتي أنْعَمتُ عَلَيْكُم وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ععَلَى الْعَالَمِينَ عَلَى العَاَلمِينَ}

عَلَى الْعَالَمِينَ} أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: فضلوا على عالم ذلك الزمان (2) .

وإسناده صحيح.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد قال عند هذه الآية: على من هم بين ظهرانيه (3) .

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما (4) .

وذكره ابن كثير ثم قال: وروى عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة وإسماعيل ابن أبي خالد نحو ذلك ويجب الحمل على هذا لأن هذه الأمة أفضل منهم لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} (5)

والدليل من السنة ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن بهز بن حكيم ابن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أنتم تتمون سبعون أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله "(6) .

أخرجه أحمد (7) ، والترمذي وحسنه (8) ، وابن ماجه (9) ، والطبري (10) ، وابن أبي حاتم (11) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (12) وكلهم من طريق بهز به، وقال ابن كثير: وهو حديث مشهور.

ص: 184

وأخرج الشيخان بسنديهما عن عبد الله بن مسعود مرفوعا خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته (1) .

سورة البقرة 48

قوله تعالى {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً}

فسر الطبري هذه الآية بقوله: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى (2)، ثم استدل بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأزدي قالا، حدثنا المحاربي، عن أبي خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن، عن زْيد ابن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله عبدا كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض- قال أبو كريب في حديثه: أو مال، أو جاء- فاستحله قبل أن يؤخذ منه، وليس ثم دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم"(3) .

وأخرجه أيضا من طريق مالك عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه (4) . ومن طريق مالك أخرجه البخاري (5) .

وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً} (6) . قال ابن كثير بعد أن ذكر هذه الآية: فهذا أبلغ المقامات أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا (7) .

وقال الطبري أيضا: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم ابن حماد قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يموتن أحدكم وعليه دين، فإنه ليس هناك دينار ولا درهم، إنما يقتسمون الحسنات والسيئات". وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يمينا وشمالا.

ص: 185

وصحح إسناده الأستاذ أحمد شاكر لكن إسناده حسن لأن الدراوردي صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ. قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، ونعيم بن حماد صدوق يخطيء كثيرا وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: باقي حديثه مستقيم، ولم يذكر ابن عدي هذا الحديث من أخطائه (1) . وباقي رجاله ثقات والحديث السابق شاهد له وعلى هذا فالإسناد حسن.

قوله تعالى {وَلا يُقْبَلُ مِنهَا شَفَاعةٌ وَلَا يُؤْخذُ مِنْها عَدْلٌ}

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها (2) .

وإسناده صحيح.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل}

يعني فداء، ثم قال: وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (3) .

ص: 186

وقال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة، ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإِجماع، فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى} (1)، وقد قال {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر} َ (2) وقال تعالى عنهم مقررا له:{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} (3) وقال: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (4) إلى غير ذلك من الآيات، وقال في الشفاعة بدون إذنه {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} (5) وقال {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} (6) وقال {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} (7) إلى غير ذلك من الآيات وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه، من أنواع الكفر به جل وعلا، كما صرح بذلك قوله {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (8)(9) .

وقال الألوسي عند قوله تعالى {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إن النفي مخصص بما قبل الإذن لقوله تعالى {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (10)(11) .

سورة البقرة 49

قوله تعالى {وَإذْ نَجَّينَاكم مِن آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُم سُوءَ العَذَابِ}

ص: 187

أخرج الشيخان (1) بسنديهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.

واللفظ للبخاري، وذكره ابن كثير في التفسير.

قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى {يَسُومُونَكُم سُوءَ العَذَابِ} بينه بقوله بعده {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ..} الآية (2) .

وقال الطبري: حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم المنتصر الواسطي قالا: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد (الجهني) قال: حدثنا القاسم ابن أبي أيوب قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله- أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، وائتمروا وأجمعوا أمرا على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن يذبحون، قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فتقل أبناؤهم، ودعوا عاما، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان القابل حملت بموسي (3) .

ورجاله ثقات إلا الأصبغ صدوق يغرب والخبر ليس من غرائبه لأنه روي من طرق أخرى (4) وغالبا ما يكون من أخبار أهل الكتاب (5) ولكن لا ضير لأن هذا الخبر من قبيل المسكوت عنه فلا نصدقه ولا نكذبه ونسوقه لا اعتقادا بسلامته من التحريف وإنما للتوسع في باب الأخبار والاستشهاد والاعتبار، والإسناد صحيح إلى ابن عباس.

قوله تعالى {وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِن رَّبكُم عَظِيم}

ص: 188

أخرج الطبري (1) وابن أبي حاتم (2) بالإسناد الحسن من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} قال: نعمة، ثم قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي نحو ذلك.

سورة البقرة 50

قوله تعالى: {وَإذْ فَرَقْنَا بِكُم البَحْرَ فَأنْجَيْنَاكُم وَأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأنْتُم تَنْظُرُون}

قال الطبري: حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون، قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا، فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ستمائة ألف، فلما عاينهم فرعون قال {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} (3) فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ماجئتنا! هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه! قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك، قال: فبات البحر له أفكل- يعني: له رعدة- لا يدري من أي جوانبه يضربه قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر، قال: فاضربه. قال: فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا، كل طريق كالطود العظيم، فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: مالنا لا نرى أصحابنا قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم. قال سفيان، قال عمار الدهني: قال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، قال: فأوحى الله

ص: 189

إليه أن قل بعصاك هكذا، وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر، قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض. قال سفيان: قال أبو سعيد عن عكرمة، عن ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر، فلما جاز آخر قوم موسى، هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان، فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها، وقيل لموسى اترك البحر رهوا- قال طرقا على حاله- قال: ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقوا (1) .

ورجاله ثقات والإسناد صحيح، وأبو سعيد هو عبد الكريم بن مالك الجزري، والخبر غالبا ما يكون من أخبار أهل الكتاب وهو شبيه بما تقدم في الآية السابقة ولكن له شواهد من القرآن ذكر بعضها الشيخ الشنقيطي عند تفسيره لهذه الآية فقال: لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (2) ، وقوله {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً} الآية (3) .

قوله تعالى {وَأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}

ص: 190

لم يبين هنا كيفية إغراقهم ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} (1) وقوله {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} (2) وقوله {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} (3) وقوله {رَهْواً} أي ساكنا على حال انفلاقه حتى يدخلوا فيه إلى غير ذلك من الآيات (4) .

سورة البقرة 51

قوله تعالى {وَإذْ وَاعَدْنا مُوسَى أرْبَعِينَ لَيْلَة}

بين الله تعالى مكان المواعدة في سورة طه فقال {يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ

} (5) والطور سيأتي ذكره عند قوله تعالى {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} .

وقال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة؟ ولكنه بين في سورة الأعراف أنها متفرقة، وأنه واعده أولا ثلاثين، ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَة} (6) .

صفة موسى

ص: 191

أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجل ضَرْب (1) رجل كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، وأنا أشبه ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم بأبيه، ثم أتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقال: “اشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته، فقيل: أخذت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك "(2) .

قوله تعالى {ثُمَّ اتَّخَذْتُم العِجْل مِن بَعْدِه}

بين الله تعالى من أي شيء هذا العجل وصفته وص عجلا جسدا له خوار} (3) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحجاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أب رح بذكر السامري الذي صنع العجل في قوله {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ} (4) وقوله {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً} ، عن مجاهد قوله {الْعِجْلَ} حسيل البقرة- ولد البقرة- (5) .

وإسناده حسن.

قوله تعالى {وَأنْتُم ظَاِلمُون}

وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده الحسن عن مجاهد قوله: الظالمين، قال: أصحاب العجل (6) .

سورة البقرة 52

قوله تعالى {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك} يعني: من بعد ما اتخذوا العجل (7) .

قوله تعالى {لَعَلَّكُم تَشْكُرُون}

أخرج ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ثنا ابن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، عن مسعر، عن عون بن عبد الله في قوله {لَعَلَّكُمْ} قال: إن لعل من الله واجب. رجاله ثقات وإسناده صحيح.

سورة البقرة 53

قوله تعالى {وَإذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقَان}

ص: 192

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَإذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقَان} قال: فرق فيه بين الحق والباطل (1) .

وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد قوله {وَإذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتابَ والفُرْقَان} قال: الكتاب هو الفرقان فرق بين الحق والباطل.

سورة البقرة 54

قوله تعالى: {وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه يَقَوم إنَّكُم ظَلَمْتُم أنْفُسَكُم باتَّخَاذِكُم العِجْلَ فَتُوبُوا إلَى بَارئِكُم فَاقْتُلوا أنْفُسَكُم} الآية

أخرج الطبري عن عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قال: أمر موسى قومه- عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة (2) .

أبو سعيد هو عبد الكريم بن مالك الجزري، ورجاله ثقات وإسناده صحيح، والخبر عن أهل الكتاب وهو من قبيل المسكوت عنه.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد قول الله تعالى {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده فتاب الله عليه (3) .

قوله تعالى {فَتُوبُوا إلَى بَارئِكُم}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية {فَتُوبُوا إلَى بَارئِكُم} أي إلى خالقكم (4) .

قوله تعالى {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}

ص: 193

قال الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة في قوله {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قال: قاموا صفين يقتل بعضهم بعضا، حتى قيل لهم: كفوا! قال قتادة: كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي.

وإسناده حسن.

سورة البقرة 55

قوله تعالى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}

قال ابن أبي حاتم: حدثني أبي قال كتب إلى أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قول الله {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي علانية، أي حتى نرى الله.

وفي إسناده أبو الحويرث وهو عبد الرحمن بن معاوية الزرقي صدوق سيء الحفظ، ولكن المتن لا يحتمل الخطأ لأن له شواهد من اللغة وأهل التفسير كما سيأتي، وباقي رجاله ما بين ثقة وصدوق فالإسناد حسن.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة في قول الله تعالى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي عيانا، ثم قال: وكذا فسره الربيع بن أنس: عيانا.

قوله تعالى: {فَأخَذَتْكُم الصَّاعِقَةُ وَأنْتُم تَنْظرون ثمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعدِ مَوتِكُم}

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {فَأخَذَتْكُم الصَّاعِقَةُ وَأنْتُم تَنْظرون ثمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعدِ مَوتِكُم} قال: أخذتهم الصاعقة أي ماتوا ثم بعثهم الله تعالى (1) - ليكملوا بقية آجالهم- (2) .

وإسناده صحيح.

سورة البقرة 56

قوله تعالى {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُم الغمامَ}

أخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} قال: هو بمنزلة السحاب.

قوله تعالى {وَأنْزَلنَا عَلَيْكم ألمَنًّ}

ص: 194

أخرج الشيخان بسنديهما عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين "(1) .

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان المن ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا.

وأخرج الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {الْمَن} قال: صمغة.

وإسناده حسن.

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} قال: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج والسلوى طير كانت تحشرها عليهم ريح الجنوب.

وإسناده صحيح.

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد قال: السلوى: طائر.

سورة البقرة 58

قوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}

ومعنى ادخلوا هنا أي اسكنوا كما جاء في قوله تعالى {قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم

} الآية.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة} قال: بيت المقدس.

وإسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به ثم قال: وروي عن الربيع بن أنس والسدي نحو ذلك.

قوله تعالى {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}

أخرج ابن أبي حاتم عن حجاج بن حمزة ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {رَغَداً} قال: لا حساب عليهم.

وإسناده حسن.

قوله تعالى {وَادْخُلُوا البابَ سُجَّدَا وَقُولُوا حِطِّة}

أخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} قال: باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس (2) .

وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "قيل لبني إسرائيل {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ} فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا، وقالوا حطة حبة في شعرة "(3) .

ص: 195

وأخرجه أيضا من حديث أبي هريرة من طريق آخر بلفظ: وقالوا: حبة في شعرة (1) .

وقال الطبري عن محمد بن بشار قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} قال: ركعا من باب صغير.

وأخرجه الحاكم من طريق أبي حذيفة عن سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (2) .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا، فدخلوا إلى غير الجهة التي أمروا بها، دخلوا متزحفين على أوراكهم وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم فقالوا: حبة في شعيرة.

وإسناده صحيح.

وأخرج الطبري عن أبي كريب قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله {حِطَّةٌ} مغفرة.

وأخرجه الحاكم من طريق أبي حذيفة عن سفيان به وصححه ووافقه الذهبي.

قوله تعالى {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا مر بآية رحمة سأل.

سورة البقرة 59

قوله تعالى {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم}

أخرج الحاكم عن أبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي، ثنا إسحاق بن الحسن، ثنا أبو حذيفة، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ادخلوا الباب سجدا قال بابا ضيقا قال ركعا، وقوله حطة قال: مغفرة فقالوا: حنطة، ودخلوا على أستاههم فذلك قوله تعالى {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم} . وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى

ابن آدم عن سفيان به ثم قال: وروى عن عطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك.

قوله تعالى {فَأنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزا مِن السَّمَاء}

ص: 196

أخرج الشيخان بسنديهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل- أو على من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها لا تخرجوا فرارا منه". قال أبو النضر: لا يخرجكم إلا فرارا منه (1) .

واللفظ للبخاري وذكرته مختصرا.

سورة البقرة 60

قوله تعالى {وَإذ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَومِه فَقُلْنَا اضْرِب بعَصَاكَ الحَجَر فَانْفَجَرَتْ مِنْه اثْنَتَا عَشَرَة عَيْنَا}

قال الطبري:. حدثني عبد الكريم قال، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء. لكل سبط منهم عين يشربون منها (2) .

وأبو سعيد: هو عبد الكريم بن مالك الجزري، ورجاله ثقات والإِسناد صحيح، وأخرج الطبري (3) بأسانيد صحيحة عن قتادة ومجاهد نحوه.

قوله تعالى {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أنَاسٍ مَشْرَبَهُم}

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}

قال: كانوا اثني عشر سبطا لكل سبط عين (4) .

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا.

وأخرج أيضا بإسناده الصحيح عن شيبان عن قتادة {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} قال: لا تسيروا في الأرض مفسدين.

سورة البقرة 61

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}

ص: 197

قال عبد الرزاق نا معمر عن قتادة في قوله {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِد} قال: ملوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه مثل ذلك، فقالوا:{فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} (1) .

وإسناده صحيح.

وأخرج الطبري بإسناده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {وَفُومِهَا} يقول: الحنطة والخبز.

وأخرج نافع بن أبي نعيم القارئ في تفسيره قال: سمعت الأعرج يقول: سمعت عبد الله بن عباس يقول في قول الله عز وجل {وَفُومِهَا} قال: الحنطة ثم

قال ابن عباس أما سمعت قول أحيحة ابن الجلاح (2) حيث يقول:

قد كنت أغنى الناس شخصا

واحدا ورد المدينة عن زراعة فوم (3) .

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {وَفُومِهَا} قال الخبز.

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن: الفوم: الخبز.

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {قَالَ أتَسْتبدِلُونَ الَّذِي هَو أدْنَى بِالَّذِي هُو خَيْر}

أخرج ابن أبى حاتم بإسناده الصحيح عن قتادة: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} - الذي هو شر- {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} (4) .

قوله تعالى {اهْبِطُوا مِصْراً فَإنَّ لَكُم مَا سَألْتُم}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن قتادة {اهْبِطُوا مِصْراً} أي مصراً من الأمصار فإن لكم ما سألتم (5) .

قوله تعالى {وضُرِبَت عَلْيهِمُ الذِّلَّةُ}

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله {وضُرِبَت عَلْيهِمُ الذِّلَّةُ} قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (6) .

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {وَالْمَسْكَنَةُ}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية: {َضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} قال: المسكنة: الفاقة، ثم قال: وروي عن السدي والربيع نحو ذلك.

قوله تعالى {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه}

ص: 198

أخرج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله {وَبَاءُوا} قال: فانقلبوا.

وإسناده صحيح، وهذا التفسير يعود لقوله تعالى {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} (1) .

قوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ}

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين "(2) .

صححه أحمد شاكر، وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والبزار ونص أن رجالهما ثقات. ولكن عاصما هذا هو ابن بهدلة صدوق له أوهام فالإسناد حسن، وحسنه أيضا الشيخ مقبل الوادعي.

قوله تعالى {ذَلِكَ بِما عَصَوا وَكَانُوا يَعتَدُون}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الصحيح عن قتادة {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بهما هلك من هلك قبلكم من الناس (3) .

سورة البقرة 62

قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصابِئِين}

أخرج الطبري (4) وابن أبي حاتم (5) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} إلى قوله {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فأنزل الله تعالى بعد هذا {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (6) . ثم قال الطبري: هذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كَان قد وعد من عمل صالحا- من اليهود والنصارى والصابئين- على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .

ص: 199

وأخرج الطبري بسنده الحسن عن سعيد عن قتادة قال: إنما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به (1) .

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن مجاهد قوله {وَالصَّابِئِينَ} قال بين المجوس واليهود لا دين لهم (2) . .

وقال الطبري: حدثنا محمد بن عبد الأعلى. قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: حدثني زياد: أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس، قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية، قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

قوله تعالى {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} يعني من وحد الله، {وَالْيَوْمِ الآخِر} من آمن باليوم الآخر يقول آمن بما أنزل الله.

قوله تعالى {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}

أخرج بن أبي حاتم عن أبيه، ثنا هشام بن خالد، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: أجر كبير لحسناتهم وهي الجنة.

ورجاله ثقات إلا هشام بن خالد وهو ابن الأزرق الدمشقي صدوق.

فالإسناد حسن.

قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم}

أخرج بن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية قوله {مِيثَاقَكُمْ} يقول: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره.

قوله تعالى {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}

قال الشيخ الشنقيطي قوله تعالى {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} أوضحه بقوله {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} (3) . .

قوله تعالى {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}

ص: 200

لم يبين هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بين في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل وذلك في قوله {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (1) .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ} قال: الطور: الجبل، اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال:{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} ، والقوة: الجد، وإلا قذفته عليكم، قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة (2) .

وإسناده صحيح.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} أي بطاعة (3) .

وقال عبد بن حميد: ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله {بِقُوَّةٍ} يعمل بما فيه (4) .

وإسناده حسن.

قوله تعالى {وَاذْكُرُوا مَا فِيه}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} يقول: أقروا ما في التوراة واعملوا به.

قوله تعالى {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}

أخرج بن أبي حاتم بسنده الحسن عن قتادة في قوله {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال: من بعد ما أتاهم.

قوله تعالى {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَرَحْمَتُهُ} قال: القرآن، ثم قال وروي عن قتادة والربيع بن أنس ومجاهد والحسن والضحاك وهلال بن يساف نحو ذلك.

وكأنهم استنبطوا هذا التفسير من قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (5) .

قوله تعالى {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قوله: {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} قال: خسروا الدنيا والآخرة (6) ..

سورة البقرة 65

ص: 201

قوله تعالى: {وَلقَدْ عَلِمْتُم الذين اعْتَدَوا مِنْكُم في السبتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةخَاسِئِين}

قال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة الأعراف في قوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (1)(2) . .

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} قال: نهوا عن صيد الحيتان في يوم السبت، فكانت تشرع.إليهم يوم السبت بلوا بذلك فاصطادوها فجعلهم الله قردة خاسئين. .

وإسناده صحيح.

وأخرج مسلم بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: "إن الله لم يجعل لمسخ نسلا، ولا عقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك "(3) . وهذا الشاهد من الحديث حيث ورد أطول من هذا اللفظ.

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {خَاسِئِينَ} ، قال: صاغرين. .

وإسناده صحيح، وأخرجه الطبري بلفظه عن محمد بن بشار قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.

وإسناده صحيح.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية بلفظ: أدلة صاغرين (4) .

سورة البقرة 66

ص: 202

قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بين يَدَيْها}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بين يَدَيْها} أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم (1) .

وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله تعالى {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به (2) .

قوله تعالى: {وَمَا خَلْفَهَا}

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن مجاهد قوله {وَمَا خَلْفَهَا} التي قد أهلكوا بها يعني: خطاياهم.

وأخرج بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله {وَمَا خَلْفَهَا} أي عبرة لمن بقي بعدهم من الناس (3) .

قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِلمُتَّقِين}

قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن سلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"(4) . .

ذكره ابن كثير ثم قال: وهذا إسناد جيد، وأحمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح (5) .

وأخرج عبد الرزاق عند تفسير هذه الآية عن معمر عن قتادة في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً} قال: لما بين يديها من ذنوبهم،، وما خلفها من الحيتان، وموعظة للمتقين من بعدهم (6) . .

وإسناده صحيح.

سورة البقرة 67

قوله تعالى: {وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمه إنِّ الله يَأمركُم أن تذبحوا بَقَرَة قالُوا أتَتَّخِذُنَا هُزوا قَالَ أعُوذُ بِالله أنْ أكُون مِن الجَاهِلِين}

ص: 203

قال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ثنا يزيد بن هارون، أنبا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: كان رجل في بني إسرائيل عقيم لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه فقتله، ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض فقال ذو الرأي والنهى على ما يقتل بعضكم بعضا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم؟ فأتوا موسى فذكروا له: فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} . قال: فلو لم يعترضوا البقرة، لأجزت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها وجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبا فذبحوها فضربوه ببعضها فقام فقالوا: من قتلك؟ فقال هذا، لابن أخيه، ثم مال ميتا فلم يُعطَ من ماله شيء ولم يورث قاتل بعد (1) .

وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن يزيد بن هارون به، وأخرجه آدم ابن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر الرازي عن هشام بن حسان به. وأخرجه عبد الرزاق (2) والطبري من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة بنحوه. والإِسناد صحيح إلى عبيدة، وقد صححه الحافظ ابن حجر عند ذكر قصة البقرة (3) ، وما رواه من الإسرائيليات، إلا أن لبعضه شاهد من القرآن الكريم في قوله تعالى {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (4) .

سورة البقرة 68

قوله تعالى {لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}

ص: 204

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: الفارض: الهرمة، يقول ليست بالهرمة ولا البكر {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} (1) .

وإسناده صحيح.

سورة البقرة 69

قوله تعالى {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا}

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هي الصافي لونها.

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {تَسرُّ النَّاظِرِينَ}

أخرج الطبري بإسناده الحسن عن سعيد عن قتادة {تَسرُّ النَّاظِرِينَ} أي: تعجب الناظرين.

سورة البقرة 70

قوله تعالى: {وَإنَّا إن شاءَ الله لَمُهْتَدُون}

أخرج الطبري عن الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: لو أخذ بنو إسرائيل بقرة لأجزأت عنهم ولولا قولهم: {وَإنَّا إن شاءَ الله لَمُهْتَدُون} لما وجدوها (2) .

ورجاله ثقات إلا الحسن فصدوق فالإسناد حسن.

قال الطبري: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم (3) .

وذكره ابن كثير ثم قال: إسناده صحيح وقد رواه غير واحد عن ابن عباس وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد (4) .

سورة البقرة 71

قوله تعالى {قَال إنه يَقُولُ إنَّهَا بَقرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسقِي الحَرث}

أخرج ابن أبي حاتم بإسناده الحسن عن شيبان النحوي عن قتادة قوله {لا ذَلُولٌ} قال: يعني: صعبة يقول لم يذلها العمل.

وأخرج بإسناده الجيد عنْ أبي العالية: {تُثِيرُ الأَرْض} قال: يعني ليست بذلول تثير الأرض.

وأخرج بإسناده الجيد أيضا عن أبي العالية: {وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ} يقول لا تعمل في الحرث (5) .

قوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ لا شِيَة فِيهَا}

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {مُسَلَّمَةٌ} لا عيب فيها (6) .

وإسناده صحيح.

ص: 205

وأخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد {مُسَلَّمَةٌ} يقول: مسلمة من الشية و {لا شِيَةَ فِيهَا} لا بياض فيها ولا سواد (1) . .

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {لا شِيَةَ فِيهَا} : لا بياض فيها (2) . .

وإسناده صحيح.

قوله تعالى {قَالُوا الآن جِئتَ بِالحَق}

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن شيبان عن قتادة {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ} قال: قالوا: الآن بينت لنا (3) . .

سورة البقرة 72

قوله تعالى {وَإذْ قَتَلْتُم نَفْساً فَادَّارَءتُم فِيهَا}

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قال: اختلفتم فيها. .

قوله تعالى {والله مُخْرِجٌ مَا كُنْتُم تَكْتُمُون}

وبه عن مجاهد في قول الله {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: تغيبون (4) . .

سورة البقرة 73

قوله تعالى {فَقُلْنَا اضْرِبُوه بِبَعْضِهَا كَذَلِك يُحيى الله المَوْتَى}

تقدم تفسيره في رواية عبيدة عند قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً

} الآية (5) .

وقال الشيخ الشنقيطي عند تفسير هذه الآية: وأشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت، لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس. وقد صرح بهذا في قوله {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} (6) .

سورة البقرة 74

قوله تعالى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم من بَعْدِ ذَلِك}

ص: 206

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال: قست قلوبهم من بعد ما أراهم الله الآية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ثم عذر الحجارة، فقال {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (1) .

وإسناده صحيح.

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك} يعني به: بني إسرائيل.

وقال الشيخ الشنقيطي عند هذه الآية: لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة}

سورة البقرة 74

وقوله {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية (2) .

قوله تعالى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كَالحِجَارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفجَّرُ مِنْه الأنْهَارُ وَإن مَنهَا لَمَا يَشَّقَّق فَيَخْرُج مِنْهُ المَاء وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}

أخرج الطبري بإسناده الصحيح عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كَالحِجَارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفجَّرُ مِنْه الأنْهَارُ وَإن مَنهَا لَمَا يَشَّقَّق فَيَخْرُج مِنْهُ المَاء وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ الله} قال: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله عز وجل، نزل بذلك القرآن (3) .

ص: 207

وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق بسنده الحسن عن ابن عباس {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (1) .

وإسناد الخشوع إلى الحجارة من باب الحقيقة لا من باب المجاز- كما قيل-.

وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على ذلك، فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "هذا جبل يحبنا ونحبه". أخرجه الشيخان. .

وقال أيضا: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علىَّ قبل أن أبعث إني أعرفه الآن". أخرجه مسلم (2) . .

تم القسم الثاني وإلى القسم الثالث إن شاء الله.

---

التفسير رقم448.

(3)

التفسير رقم 814

(4)

التفسير رقم450.

(5)

التفسير رقم451.

(6)

المسند2/338.

(7)

السنن - المقدمة - باب الانتفاع بالعلم والعمل به رقم 252.

(8)

صحيح الجامع الصغير5/272.

(9)

التفسير رقم 458.

(10)

البقرة 85.

(11)

أضواء البيان1/136.

(12)

التفسير رقم459.

(13)

التفسير رقم461.

(14)

التفسير رقم 834.

(15)

التفسير رقم 465.

(16)

انظر تهذيب التهذيب10/29.

(17)

التفسير رقم 466.

(18)

صحيح البخاري - بدء الخلق - باب صفة النار رقم 3267، وصحيح مسلم -الزهد - باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله رقم 2989

(19)

التفسير1/68

(20)

التفسير رقم 477،480

(21)

التفسير ص 35

(22)

العلو ص82.

(23)

التفسير رقم 481.

(24)

أضواء البيان1/137.

(25)

المسند5/388.

(26)

السنن - الصلاة - باب وقت قيام النبي الله عليه وسلم بالليل رقم1319.

(27)

التفسير رقم 850.

(28)

صحيح الجامع الصغير4/215.

(29)

المسند رقم2804.

ص: 208

(1)

السنن - صفة القيامة - باب 59حديث2516.

(2)

صحيح سنن الترمذي2/309رقم2043.

(3)

ص23،24.

(4)

ص174.

(5)

التفسير رقم 852.

(6)

التفسير رقم485.

(7)

اتعظيم قدر الصلاة1/222 رقم 201

(8)

لمستدرك2/269 - 270. .

(9)

انظر مثلا جامع الأصول6/429-441.

(10)

تعظيم قدر الصلاة1/223،224رقم205.

(11)

المستدرك2/269.

(12)

التفسير ص50،51.

(13)

التفسير رقم484.

(14)

التفسير 490.

(15)

آية153 من هذه السورة.

(16)

التفسير رقم856.

(17)

التفسير رقم493.

(18)

التفسير رقم495.

(19)

انظر تغليق التعليق4/171،172.

(20)

التفسير رقم863.

(21)

التفسير1/162.

(22)

الجاثية24.

(23)

البقرة78.

(24)

النساء157.

(25)

الأنعام116.

(26)

التفسير رقم497.

(27)

أضواء البيان1/137.

(28)

التفسير رقم499.

(29)

التفسير ص35.

(30)

التفسير رقم871.

(31)

التفسير رقم501.

(32)

التفسير1/163.

(33)

التفسير ص36.

(34)

المسند5/3.

(35)

السنن - التفسير - سورة آل عمران رقم 3001.

(36)

السنن - الزهد - باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم رقم4287.

(37)

التفسير رقم873.

(38)

التفسير رقم1156سورة آل عمران.

(39)

المستدرك4/84.

(40)

التفسير2/78ط الشعب.

(41)

فتح الباري - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم3649، وصحيح مسلم - فضائل الصحابة – باب فضل الصحابة ثم االذين يلونهم ثم الذين يلونهم رقم212.

(42)

التفسير 2/28

(43)

التفسير رقم875.

(44)

التفسير رقم876.

(45)

فتح الباري - الرقاق - باب القصاص يوم القيامة6534.

(46)

لقمان33.

(47)

1 /163

(48)

التفسير رقم878.

(49)

الكامل ص2482-2485.

(50)

التفسير رقم ص36. c

(51)

التفسير رقم505.

(52)

الأنبياء رقم 505.

(53)

الزمر7.

(54)

الشعراء100.

(55)

المدثر48.

ص: 209

(1)

البقرة255.

(2)

النجم26.

(3)

طه109.

(4)

يونس 18.

(5)

أضواء البيان1/137،138.

(6)

طه109.

(7)

روح المعاني1/252.

(8)

صحيح البخاري - الصيام - باب صيام يوم عاشوراء رقم2004، وصحيح مسلم - الصيام - باب أي يوم يصام عاشوراء رقم128. .

(9)

1 / 167

(10)

أضواء البيان1/138.

(11)

التفسير رقم891.

(12)

انظر مثلا تفسير الطبري رقم892.

(13)

انظر تفسير القاسمي1/122.

(14)

التفسير رقم899.

(15)

التفسير رقم511.

(16)

الشعراء54-56.

(17)

التفسير رقم909.

(18)

الشعراء63.

(19)

طه77.

(20)

الشعراء60-61.

(21)

طه78.

(22)

الدخان24.

(23)

انظر أضواء البيان1/138، 139.

(24)

آية80.

(25)

أضواء البيان1/139.

(26)

ضَرْب: بفتح الضاد وسكون الراء: نحيف.

(27)

شنوء ة: حي من اليمن ينسبون إلى شنوء ة وهو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن مالك بر نصر بن الأزد، لقب شنوءة لشنآن كان بينه وبين أهله. قح الباري 6/ 429) .

(28)

الديماس: الحمّام، وقيل الكن، وفي حديث المسيح: كأنه خرج من ديماس يعني في نضرته وكثرة ماء وجهه. انظر لسان العرب 6/88) .

(29)

الصحيح- الأنبياء- باب قول الله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى

} رقم 3394.

(30)

طه 88،87 وانظر أضواء البيان1/140.

(31)

الأعراف148.

(32)

التفسير رقم 517.

(33)

التفسير رقم518.

(34)

التفسير رقم519.

(35)

التفسير رقم520.

(36)

التفسير رقم525.

(37)

التفسير رقم929.

(38)

التفسير رقم936.

(39)

التفسير رقم938.

(40)

التفسير رقم530.

(41)

التفسير رقم942.

(42)

التفسير رقم538.

(43)

التفسير رقم539.

(44)

التفسير ص37.

(45)

التتمة من رواية الطبري ر قم960 وابن أبي حاتم رقم547.

(46)

التفسير رقم964.

ص: 210

(1)

صحيح البخاري - التفسير - سورة البقرة - باب قوله تعالى {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} رقم 4478، وصحيح مسلم - الأشربة - باب فضل الكمأة ومداواة العين رقم 157 - 162.

(2)

التفسير رقم556.

(3)

انظر تغليق التعليق4/173.

(4)

التفسير ص37.

(5)

التفسير رقم982.

(6)

الأعراف161.

(7)

التفسير ص27.

(8)

التفسير رقم573.

(9)

التفسير رقم1003.

(10)

الصحيح - التفسير - سورة البقرة - باب {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً

} رقم4479.

(11)

الصحيح - التفسير - سورة الأعراف - باب (وقولوا حطة) رقم 4641.

(12)

التفسير رقم1007.

(13)

المستدرك2/262.

(14)

التفسير ص37.

(15)

التفسير رقم1012.

(16)

المستدرك2/262.

(17)

انظر آخر تفسير آية37 من هذه السورة.

(18)

المستدرك2/262.

(19)

التفسير رقم594.

(20)

صحيح البخاري - الأنبياء - رقم 3473 وصحيح مسلم - السلام - باب الطاعون والطيرة رقم 2218 وما بعده. .

(21)

التفسير رقم1045.

(22)

التفسير رقم1043،1046.

(23)

التفسير ص37.

(24)

التفسير رقم610.

(25)

التفسير رقم611.

(26)

التفسير ص37.

(27)

التفسير ص37.

(28)

هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أخذ القراءة عرضا عن أبي هريرة وابن عباس وتلا عليه نافع بن أبي نعيم وصفه الذهبي بالإمام الحافظ الحجة المقري ت117هـ- (سير أعلام النبلاء5/69، 70.

(29)

أحيحة بن الجلاح: بن الحريشي الأوسي شاعر جاهلي من دهاة العرب وشجعانهم (خزانة الأدب2/23

(30)

تفسير القرآن ليحيى بن يمان وتفسير لنافع بن أبي نعيم رقم37.

(31)

التفسير رقم1064.

(32)

التفسير ص37.

(33)

التفسير رقم621.

(34)

التفسير رقم1081.

(35)

التفسير ص38.

(36)

التفسير رقم631.

ص: 211

(1)

انظر تغليق التعليق4/172.

(2)

البقرة90.

(3)

المسند رقم3868

(4)

مجمع. الزوائد5/236

(5)

انظر حاشية تفسير ابن كثير1/186.

(6)

التفسير رقم637.

(7)

التفسير رقم1114.

(8)

التفسير رقم639.

(9)

آل عمران85.

(10)

التفسير رقم1097.

(11)

التفسير رقم646.

(12)

زياد: هو زياد بن أبيه واسم أبيه عبيد ادعاه معاوية أنه أخوه والتحق به فعرف بزياد بن أبي سفيان ونسبه ابن الأثير إلى أمه سمية أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ولاه معاوية العراق. ت53هـ. انظر تاريخ خليفةص219، الاستيعاب1/567، أسد الغابة2/119، تهذيب تاريخ ابن عساكر5/409، الوافي بالوفيات15/10.

(13)

التفسير رقم1108.

(14)

التفسير رقم650،651.

(15)

التفسير رقم652.

(16)

التفسير رقم653.

(17)

الأعراف171.

(18)

أضواء البيان1/140.

(19)

التفسير ص38.

(20)

التفسير رقم660.

(21)

انظر تغليق التعليق4/173.

(22)

التفسير رقم663.

(23)

التفسير رقم664.

(24)

التفسير رقم66.

(25)

الاسراء82.

(26)

التفسير رقم671.

(27)

الأعراف163-165.

(28)

أضواء البيان 1/140.

(29)

التفسير ص38.

(30)

الصحيح - القدر - باب بيان الآجال والأرزاق وغيرها .... رقم2663.

(31)

التفسير ص38.

(32)

التفسير رقم1145.

(33)

التفسير رقم679.

(34)

التفسير رقم680.

(35)

التفسير رقم1159.

(36)

التفسير رقم687.

(37)

التفسير رقم686.

(38)

إبطال الحيل ص46،47.

(39)

التفسير1/193.

(40)

التفسير ص38.

(41)

التفسير رقم695.

(42)

انظر تفسير ابن كثير1/194

(43)

التفسير ص38.

(44)

التفسير رقم1172.

(45)

فتح الباري6/440.

(46)

البقرة72،73.

(47)

التفسير ص39.

(48)

التفسير ص39.

(49)

التفسير رقم1231.

(50)

التفسير رقم1239.

(51)

التفسير رقم1235.

(52)

التفسير1/198.

ص: 212

(1)

التفسير رقم732.

(2)

التفسير رقم734،735.

(3)

التفسير ص39.

(4)

التفسير رقم1255.

(5)

التفسير ص39.

(6)

التفسير رقم744.

(7)

التفسير رقم1292.

(8)

التفسير رقم1303.

(9)

رقم67.

(10)

أضواء البيان1/141.

(11)

التفسير ص40.

(12)

التفسير رقم760.

(13)

أضواء البيان1/141.

(14)

التفسير رقم1317.

(15)

التفسير رقم770.

(16)

صحيح مسلم- الحج- باب فضل المدينة رقم 1365.

(17)

الصحيح- الفضائل- باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة رقم 2277. .

ص: 213

فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال

تأليف

حمد بن محمد الرائقي الصعيدي المالكي

دراسة وتحقيق الدكتور إبراهيم بن سليمان البعيمي

المؤلف

اسمه ونسبه:

هو حمد بن محمد الرائقي الصعيدي المالكي.

هذا ما استطعت الوصول إليه في نسبه، إذ لم أجد من ترجم له وكل ما استطعت الوصول إليه حيال نسبه مأخوذ من النسخ التي اعتمدت عليها، وعبثاً حاولت التنقيب في بطون المراجع المختصة بعلم الرجال خلال الحقبة التي عاش فيها الرجل، ولكني لم أجد ذكراً له، فأخذت أقدم في اسمه وأؤخر عسى أن أقف على ترجمة له من مثل أحمد بن محمد، ومحمد بن محمد، ومحمود بن محمد، والسعيدي مكان الصعيدي والصعدي نسبة لصعدة مدينة في اليمن، ولكن كان يردني أنه مالكي وأهل اليمن إما زيود وإما شافعية وليس فيهم مالكية، والمالكية في صعيد مصر كثر مما يقوي نسبته لصعيد مصر ويوهن نسبته لصعدة اليمن فقلت لعله آفاقي فيهم فعسى أن أظفر بشيء ولكن ذهب جهدي أدراج الرياح، وكلمّا أعياني التنقيب أوقفت البحث يأساً من العثور على شيء، ثم إذا عاودني النشاط عدت للبحث من جديد وهكذا دواليك عامين كاملين.

والصعيدي نسبة لصعيد مصر إقليم واسع جداً في جنوب القاهرة خرج منه طائفة كبيرة من العلماء الأفاضل في مختلف العلوم والفنون.

والرائقي قبيلة في صعيد مصر لا تزال تحمل هذا المسمّى حسب ما أخبرني به أحد الفضلاء من أبناء ذلك الإِقليم.

والذي يبدو لي – والله أعلم – أن صاحبنا عاش في الصعيد بعيداً عن مراكز الحضارة في مصر وهذا ما جعل المعنيين بالتراجم من أمثال الجبرتي في تاريخه، ومبارك في خططه، والشوكاني في البدر الطالع، والبيطار في حلية البشر، وابن زبارة في النور السافر وغيرهم يغفلون ذكره.

كما أنه لم يحظ بتلامذة نجباء يحملون علمه واسمه من بعده فيشتهر بهم؛ ولهذا عاش الرجل مجهولاً، وكم من عالم نحرير خفي على العالمين ببعده عن مراكز الحضارة.

مولده ووفاته:

ص: 214

بما أننا لم نقف على ترجمة للرجل فمن العبث الجزم بتاريخ قاطع لميلاده أو وفاته، وكل ما نستطيع القول به في هذا الشأن هو تقريبي فقط بناء على إشارات من كتابه مقربة للزمن لا جازمة به، فنقول: إن الرجل عاش ما بين العام 1170، و1250هتقريباً، لأنه نقل من الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد السجاعي في موضعين من كتابه فتح الجليل على شرح ابن عقيل، والسجاعي توفي عام 1197هـ، ونقل من محمد بن محمد الأمير الكبير دون أن يذكر اسمه صراحة في موضع واحد، والأمير توفي عام 1233هـ، وإحدى النسختين اللتين عملت عليهما مؤرخة عام 1248هـ، وهي ليست نسخة المؤلف بل منقولة عنها؛ وبناء على هذا نستنتج أنّ الرجل كان حياً خلال تلك الحقب الزمنية، وأنه كان أصغر من السجاعي لأنه كان يصفه بالعلامة ولعل السجاعي من شيوخه، وأنه كان قريناً للأمير الكبير لأنه وصفه ببعض المحققين وقد يكون زميلاً له.

دراسة الكتاب

عنوانه:

الكتاب عنوانه "فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال"هذا هو المدوّن على النسختين، وكما صرّح به المؤلف:"وسمّيته بفتح المتعال على القصيدة المسماة بلامية الأفعال".

نسبة الكتاب للمؤلف:

لا شك في نسبة الكتاب للمؤلف إذ صرح المؤلف باسمه في أول الكتاب فقال: "الحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وبعد فيقول أحوج العباد، وأخفض العبيد حمد بن محمد الصعيدي المالكي غفر الله له ولوالديه ولإخوانه والمسلمين آمين هذا تعليق لطيف على منظومة الإمام أبي عبد الله جمال الدين محمد بن مالك

".

ومما يؤكد نسبة الكتاب للمؤلف ما ذكره بروكلمان في تاريخ الأدب العربي في النسخة العربية في حديثه عن لامية الأفعال وشروحها: 5/292 قال "شرح لحمد بن محمد السعيدي ميونخ 719"ولكنه جعله السعيدي بالسين بدل الصعيدي بالصاد.

مصادر الكتاب:

ص: 215

اعتمد المؤلف كثيراً على الشرح الكبير لبحرق اليمني في شرحه لامية الأفعال، وهو قد صرّح بذلك فقال:"اقتطفته من ثمار شرح الإِمام الفاضل بحرق اليمني وهو المراد بالشارح عند الإِطلاق، وبعض كلمات من غيره".

كما أنه اعتمد على ابن الناظم في شرحه اللامية، وعلى التسهيل وشرحه لابن مالك، وعلى الخلاصة للموازنة بين آراء ابن مالك من خلال كتبه المتنوعة ومن كتاب سيبويه، واعتمد كذلك على كتب المعاجم التي كثيراً ما كان يصرّح بها ومن أهمها الصحاح والقاموس إذ تجاوز النقل عنهما ثمانين موضعاً، ونقل من ابن سيده، وضياء الحلوم لابن نشوان الحميري مرّة واحدة، ومن كتب النحاة المعاصرين له كفتح الجليل للسجاعي، وحاشية الأمير على شذور الذهب مرة واحدة، ومن المستطرف مرة واحدة وحياة الحيوان الكبرى، وشرح الشاطبية للألفية والدر النضير في الصلاة على الحبيب البشير للتنبكتي، ومن كتب الحديث وغيرها.

ولكن جل مصادره منقولة بالواسطة عن بحرق اليمني.

ولعل بعده عن أجواء القاهرة هو الذي جعله لا يستفيد من تاج العروس الذي كان في أمسّ الحاجة إليه لتفسير غوامض القاموس، والاستدراكات عليه، ولو اطلع عليه لغير رأيه في كثير مما اختاره من مثل قوله في مضارع نعى ينعي بكسر عينه، والراجح فتحها كما هو عند الزبيدي في التاج.

موقفه من ابن مالك:

لم يكن موقفه من ابن مالك موقف المسلّم المستسلم بما قال بل كان يناقش ويرجح خلاف اختيار ابن مالك، إذا بدا له أن الصواب خلافه من مثل حديثه عن كسر عين مضارع فَعَلَ يَفْعِلُ إذا كان يائي اللام من مثل أتى يأتي قال:"ولم يشذّ من هذا النوع إلا أبى الشيء يأباه إباء بموحدة، ولم يستثنه الناظم".

ص: 216

ومن مثل حديثه عن المثال الواوي من فَعَلَ المفتوح العين قال 13/ب: "قال الشارح: صرح في التسهيل بأن سائر العرب غير بني عامر تلزم كسر مضارع هذا النوع، ولم يستثن منه شيء ولا شرط له شرطاً وهو مقتضى النظم، وذلك عجيب منه فإنه جاءت منه أفعال بالفتح، بل إنّاَ نقول باشتراط كون لامه غير حرف حلق، فإنني تتبعت مواده فوجدت حلقي اللام منه مفتوحاً كوجا الأنثيين يجأ رضّهما، ودعه يدعه تركه، ووزعه يزعه كفه ووضع يضعه"الخ.

وقال في مضارع فَعَلَ يَفْعُلُ مفتوح العين في الماضي مضمومها في المضارع قال 21/أ: "قال الشارح: شرط في التسهيل للزوم الضم فيما لامه واو أن لا يكون عينه حرف حلق، وهو مقتضى كلام الناظم فيما سيأتي في الحلقي، وكأنه لم يمعن النظر في ذلك".

وهكذا كان ديدنه، ولكنَّ أغلب ما اعترض به على ابن مالك هو من كلام بحرق اليمني وللمصنف الاختيار، والاختيار دليل الموافقة، إذ قد اعترض على الشارح في إعرابه قول ابن مالك في اللامية:

عين المضارع من فعلت حيث خلا

من جالب الفتح كالمبني من عتلا

فاكسر أو اضمم إذ تعيين بعضهما

لفقد شهرةٍ أو داع قد اعتزلا

عين منصوب على التنازع فقال الصعيدي 24/ب: "عين المضارع مفعول به مقدّم لقوله اكسر، ولا يضرّه وقوعه بعد الفاء؛ لأنها زائدة، ومفعول اضمم محذوف يدل عليه المذكور، وليس من باب التنازع خلافاً للشارح؛ لأن الناظم لا يراه في المتقدم".

وكذلك كان موقفه من ابن الناظم يخطئه أحياناً كما قال في شرح هذا البيت:

فَعالة لخصال والفِعالة دع

لحرفة أو ولاية ولا تهلا

ص: 217

فقال: "قال بدر الدين رحمه الله تعالى: الخصال إنما تبنى من فعُل المضموم نحو نظف نظافة قال وقد تقدّم أن مصدره يجيء على فَعالة وفُعولة كالشجاعة والسهولة فقوله هنا فَعالة لخصال إعادة محضة قال الشارح: وعندي أنه ليس بإعادة محضة بل هو بيان أعم من الأول فإنه ذكر فيما مضى أن فعُل بالضم يجيء مصدره المقيس على فَعالة وفُعُولة، وأراد هنا أن يبيّن أن أفعال الخصال من أي فعل كان يقاس مصدره على فعالة".

طريقته في الشرح:

يبدو أن الأسلوب الذي سلكه الشيخ خالد الأزهري في التصريح، والأشموني في منهج السالك من دمج المتون التي يشرحونها بكلامهم حتى يكونا كلاماً واحداً يصعب التفريق بينهما قد راق لصاحبنا فسلكه؛ إذ نثر لامية الأفعال في كلامه نثراً وخلطهما معاً فصارا شيئاً واحداً، ولم يصنع كما صنع من قبله من شرّاح المنظومات بإيراد بيت كامل ثم يعقبه الشرح، بل كان صاحبنا يجزِّئ البيت أجزاء، ويشرح كلّ جزء على حدة بحسب مراده تسبقه أحياناً عبارة "أشار له بقوله".

وهذا الأسلوب الذي سلكه جعله يلجأ إلى الفصل بين المتلازمين كالعاطف والمعطوف، والجار ومجروره، والمضاف والمضاف إليه من مثل شرحه لهذا البيت:

من أفْعَلَ الأمرُ أفْعِلْ واعزه لسوا

هـ كالمضارع ذي الجزم الذي اختزلا

إذ جزّأه ستة أجزاء فقال "من أَفْعَلَ الأمرُ أَفْعِلْ"الأمرُ مبتدأ وأفعلْ بقطع الهمزة المفتوحة وكسر العين خبره، ومن أفعل متعلق بمحذوف صفة الأمر

ثم قال "واعزه"أي الأمر "لسواه"أي لسوى أفعل "كـ"صيغة "المضارع ذي"أي صاحب "الجزم الذي اختزلا". كما ترى قد فصل بين الجار والمجرور في "كالمضارع"، والمضاف والمضاف إليه في "ذي الجزم"

ولو شاء امرؤ أن يستلّ لامية الأفعال من هذا الكتاب لكان بمقدوره ذلك دون أن يفقد منها شيء ولكن بعد عناء وجهد جهيد.

ص: 218

وهذا الأسلوب الذي سلكه المصنف جعلني أورد في الحاشية أبيات اللامية عند ذكر المؤلف أول كلمة من البيت المراد شرحه ليكون القارئ على بصيرة مما يراد شرحه له، وإذا كانت الفكرة التي يراد شرحها تتكون من أبيات متعددة فإنني أوردها مجتمعة.

كما أنني جعلت اللامية في المتن بين قوسين كبيرين وبخط مختلف بحسب تجزئة المؤلف لها؛ لكي يفرق القارئ بين المتن والشرح هكذا (وانقل لفاء الثلاثي)(شكل عين إذا)(اعتلت)(وكان)(بتا الإضمار)(متصلا)

ولو شئنا جمع شتات هذا البيت لكان بهذه الصورة:

وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إذا اعـ

تلت وكان بتا الإضمار متصلا

فما وضع بين ذينك القوسين وكتب بذلك الخط فهو من اللامية.

شرحه الغريب:

تمتلئ المصنفات الصرفية بالغريب والحوشيّ من الكلام، والأوزان المهجورة الآن من مثل: اِفْعَيَّلَ كاهْبَيَّخَ، اِفْعَنْلأ كاحْبَنْطَأَ، ومن مثل فَهْعَلَ ك"رَهْمَسَ "وهَفْعَلَ ك"هَلْقَمَ"وهلمَّ جرَّا من هذه الأوزان التي لا يعرف المتخصصون في اللغة العربية معناها ولا يضبطون مبناها إلا بالرجوع للمعاجم، وكأن صاحبنا قد أحسَّ بهذا؛ فتولّى شرح الغريب، وضبط البناء كقوله "ومنها اِفْعَنْلَلَ كاحْرَنْجَمَ بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام الأولى، وهو لمطاوعة فَعْلَلَ كحَرْجَمْتُ الإبلَ فَتَحَرْجَمَتْ: أي جمعتها فاجتمعت"وقال في الأفعال الثلاثية مكسورة العين في الماضي وفي مضارعها الفتح والكسر معاً قال "الثاني وَغِرَ بغين معجمة يقال وَغِرَ صدرُه يَغِرُ وَيوْغَرُ إذا توقَّدَ غيظاً"وقال في الأفعال الثلاثية المضعّفة اللازمة التي سمع في مضارعها الكسر قياساً والضم شذوذاً "السابع عشر: نَسَّ الشيءُ بالنون والسين المهملة يقال نَسَّ اللحمُ ينِسُّ وينُسُّ أي جفَّ وذهبت رطوبته".

شواهده:

ص: 219

شواهد الصرف في الجملة قليلة لا ترقى إلى مستوى شواهد النحو؛ ولهذا نجد أغلب كتب التصريف شحيحة في شواهدها، وصاحبنا تنوّعت شواهده إذ استشهد بالقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وأشعار العرب، وأمثالهم، ولكنها كما قلت قليلة يأتي في صدارتها شواهده من القرآن التي ناهزت ثمانين شاهداً، وكان المؤلف يورد في بعض الأحايين الشاهد من القرآن دون إشعار بأنه آية، بل كان يجتزئ من الآية بموطن الشاهد كاستشهاده على مجيء فِعْلِ الأمر من أَفْعَلَ على أَفْعِلْ قال:"فِعْلُ الأمر الكائن من أَفْعَلَ كأَكْرَمَ بزنة أَفْعِلْ كأَكْرِمْ زيداً و {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} و {وَأَدْخِلْ يَدَكَ} و {أَلْقِ عَصَاكَ} وقال في معنى فعّل المضعّف العين "ويكون أيضاً لإِفادة معنى التكثير نحو {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} {وَقَطَّعْنَاهُمُ} {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَاب} وهكذا يورد الآيات دون إشعار بأنها آية، بل ربّما اجتزأ بكلمة واحدة منها من مثل استشهاده على وجوب كسر همزة الوصل وعدم الاعتداد بالحركة العارضة في عين أمر الثلاثي إذا كانت مكسورة في الأصل وطرأ عليها الضم فقال "واحترز بقوله لزوم الضم مما لم يكن الضم فيه لازماً نحو {امْشُوا} فاجتزأ بهذه الكلمة من الآية السادسة من سورة ص.

وكان يستشهد بالقراءات الشاذة ولكنه كان ينبِّه على ذلك بقوله وقرئ شذوذاً.

أما عليه شواهده من حديث رسول الله صلى الله وسلم فكانت في المرتبة الثانية، ولكنها لا تبلغ في الكثرة شواهده من القرآن كاستشهاده بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا خلابة" و "الولد مبخلة مجبنة" و "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".

أما شواهده من أشعار العرب فهي تعدّ على أصابع اليد الواحدة، ومع قلتها فلم يعلّق عليها، وعزا واحداً منها فقط مع أنه محل نزاع.

واستشهد بمثل واحد من أمثال العرب وهو قولهم "برق خلّب"وفي الجملة شواهد الصرف قليلة في هذا الكتاب وغيره.

لامية الأفعال

ص: 220

لامية الأفعال لابن مالك منظومة صرفية من البحر البسيط بلغ عدد أبياتها مائة وأربعة عشر بيتاً، وسمّيت بهذا الاسم؛ لأنها بنيت على رويّ اللام، وأضيفت إلى الأفعال تغليباً لها لا اختصاصاً بها.

مباحثها:

اشتملت اللامية على بعضٍ من تصريف الأفعال، واشتملت على ما كان الحدث بعضاً من دلالته في تصريف الأسماء، وأخلت ببعض، فقد بدأها الناظم بالحديث عن تصريف الفعل المجرّد رباعيّاً كان أو ثلاثياً، مع بيان مضارعه، وحركة عين المضارع من الثلاثي، والمواطن التي ينقاس فيهما ضمّ عين المضارع، وكسرها وفتحها، ثم تحدث عن اتصال ضمائر الرفع المتحركة بالأفعال الجوفاء، وما يطرأ على فاء الفعل بسبب هذا الاتصال، ثم ذكر أبنية المزيد فيه سواء كانت الزيادة للمعنى أم للمبنى، وذكر في هذا أبنية نادرة جداً من كل رهمس وهلقم وترمس وجلمط واعثوجج واعلنكس واجفأظّ وترهشف وزهزق، ثم تحدث عن بناء الفعل المضارع فذكر فيه حروف المضارعة "أنيت"وحركة حرف المضارعة فتحها وضمها وكسرها، وحركة ما قبل آخره، ثم عرّج على الفعل المبني للمفعول وأَوضح كيفية بنائه وما يطرأ عليه من تغيير ثم أنهى المطاف في تصريف الأفعال بالحديث عن فعل الأمر.

وفي تصريف الأسماء تحدث عن أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين، ثم ذكر أبنية المصادر من الثلاثي وغيره قياسية كانت أم سماعية، وتحدث عن ما صيغ منها للدلالة على المرّة والهيئة، وعقد باباً للحديث عن ما صيغ على وزن مفعَلٍ أو مفعِلٍ سواء أريد به المصدر أم الظرف، وأشار قبل نهاية المنظومة إلى ما صاغته العرب على وزن مَفْعَلَةٍ للدلالة على كثرة الشيء في المكان، واختتم منظومته بالحديث عن اسم الآلة.

من خلال هذا العرض السريع لما حوته لامية الأفعال يتبيَّن لنا أنها قد أخلّت ببعض مباحث عامة كالميزان الصرفي، والإلحاق، والاشتقاق.

ص: 221

ومباحث تخصُّ تصريف الأفعال من مثل أحكام توكيد الفعل، ومعاني صيغ الزيادة وهو مبحث مهمٌّ جدا، والتعدي واللزوم وعلاماتها، والفعل اللفيف وأحكامه، والجامد والمشتق.

ومباحث تخصُّ تصريف الأسماء وهي كثيرة جدّاً مثل أبنية الأسماء المجرّدة الثلاثية والرباعية والخماسية، والتذكير والتأنيث، وجمع التكسير، والمقصور والمنقوص والممدود، والتصغير، ولعل ابن مالك لا حظ أن الحدث ليس من دلالة هذه الأبواب فأعرض عنها.

شروح اللامية:

تصدّى للامية الأفعال علماء كثيرون شرحوها أعرف من شروحها:

1-

شرح: ابن الناظم وسأتحدث عن شرحه في الفصل الذي بعد هذا.

2-

شرح: محمد بن دهقان النسفي المتوفى عام 818هـ، ويسمّى شرحه "شرح تصريف المفتاح"ويوجد منه نسخة في الآصفية برقم 2/892/8.

3 -

شرح: محمد بن عبد الدائم البرماوي المتوفى سنة 831 هـ، وتوجد نسخةمن شرحه في المكتبة الأزهرية برقم 203، وأخرى في ليدن برقم 197، وثالثة في الأسكوريال برقم 2/ 144.

4 -

شرح: محمد بن عباس التلمساني، وسمّى شرحه تحقيق المقال وتسهيل المنال في شرح لامية الأفعال، انتهى منه عام 751هـ، ويوجد من شرحه نسخة في الأسكوريال ثاني 16 برقم 3/ 79، 270.

5 -

شرح: بحرق اليمني وله عليها شرحان. كبير وصغير وسأتحدث عنهما فيما بعد.

6 -

شرح: عبد الكريم بن محمد الفكوت القسمطيني وشرحه هذا مطوَّل ومنه نسخة في المَكتبة الوطبية بتونس ذكرها محقق شرح ابن الناظم دون أن يحدد رقمها.

7 -

شرح يعقوب بن سعيد المكلاتي، ومنه نسخة في تونس في القرويين برقم 42/أ. ب.هـ، ونسخة في الأسكوريال ثان 16/رقم4، وثالثة في المتحف البريطاني برقم 548/2.

8 – شرح: محمد بن محمد بن سعيد الطنجي ومنها نسخة في الجزائر أشار لها بروكلمان.

9 – شرح: أبي العباس أمد بن محمد الدلاني المغربي المتوفى سنة 1128هأشار إليه بروكلمان

10 – شرح: أبي العباس الوهراني ومنها نسخة في الأسكوريال أشار إليها بروكلمان.

ص: 222

11 – شرح: بدر الدين الحسني المتوفى عام 1354هـ.

12 – شرح: ابن يحيى هكذا ومن شرحه نسخة في المكتبة الأزهرية برقم 996 أشار إليها محقق التسهيل.

13 – شرح: لمجهول ومن هذا الشرح عدة نسخ في الأسكوريال ثان 16/6، 1،143، وأخرى في الأمبروزيانا أشار إليها بروكلمنان، وثالثة في المكتبة الأزهرية صرف برقم 997.

14 – شرح: حمد بن محمد الصعيدي المالكي وهو كتابنا هذا.

موازنة بين هذا الكتاب

وشرح ابن الناظم وفتح الأقفال

الموازنة بين كتابين تقتضي من الموازِن أن يقابل بين الدقائق التي يوازن بينها، ويتتبع المسائل مسألة مسألة، وكيف عالج المؤلفة نصوصه واستشهاده على مسائله، وغزارة مادته العلمية، وتوثيقه للمسائل، وينظر فيمن أجاد في هذه وأخلّ بتلك وهذا العمل يتطلب بحثاً طويلا يخرج بنا عن المسار المرسوم لنا لو سلكناه، ولكننا هنا نحاول أن نوازن موازنة عامة تضئ لنا الدرب لنعلم من خلالها كيف أفاد المتأخر من المتقدم في إحسانه، وكيف عالج ما وقع فيه من قبله من مزالق.

أولا: التعريف بالكتب:

أشرح ابن الناظم

على الرغم من صغر حجم شرح ابن الناظم فإنه يعدّ أصلا مهماً في شروح اللامية؛ لأنه أولها ظهوراً، والشارح ابنٌ للناظم أدرى الناس بمراد أبيه، ومن تصدّى لشرح اللامية فلابدَّ أن يكون هذا الشرح بين يديه.

طبعات الكتاب:

طبع الكتاب أكثر من مرة أذكر منها:

1-

طبع الكتاب دونما تحقيق في مطابع مصطفى البابي الحلبي عام 1367هـ، وهو يقع في ستين صحيفة من القطع الصغير، وعندي منه نسخة أحضرتها من السنغال.

2-

طبع الكتاب عام 141 1هفي دار قتيبة ببيروت بتحقيق محمد أديب عبد الواحد جمران وعنوانه: شرح لامية الأفعال، وهو يقع في مائتين وثمانٍ وخمسين صحيفة من القطع الصغير، والكتاب مضبوط بالشكل، وتحقيقه لا بأس به، وعندي منه نسخة.

ص: 223

3-

طبع الكتاب عام 1412هفي المطبعة التعاونية بدمشق بتحقيق الدكتور ناصر حسين علي وعنوانه: زبدة الأقوال في شرح لامية الأفعال، وهو يقع في مائة واثنتين وعشرين صحيفة من القطع المتوسط، وقد ضبط المحقق الكتاب ضبطاً يشكر عليه، ويسبق أبيات اللامية حرف (ص) ، كما يسبق الشرح حرف (ش) إشارة أصل وشرح، وأسرف المحقق بوضع عنوانات فرعية؛ إذ كان يجزّئ الفكرة الواحدة أجزاء بهذه العنوانات وخدمته للكتاب أجود من خدمة صاحبه. إلا في الفهارس فإن محمد أديب أفضل من ناصر حسين، وعندي منه نسخة.

ب- فتح الأقفال:

فتح الأقفال بشرح لامية الأفعال المشهور بالشرح الكبير لجمال الدين محمد بن عمر الحمير الحضرمي المعروف ببحرق هذا هو عنوان الكتاب الذي نحن بصدد الموازنة بينه وبين شرح ابن الناظم وشرح الصعيدي.

وهو أحد شرحين لبحرق على لامية الأفعال، والآخر يسمى الشرح الصغير، وهو مختصر من الشرح الكبير جرده من كثير من الأمثلة المبسوطة في الشرح الكبير.

ومما لا شك فيه أن بحرق قد اطلع على أكثر من شرح للاّمية منها شرح ابن الناظم، وأفاد من تلك الشروح.

طبعات الكتاب:

طبع فتح الأقفال ثلاث مرّات:

الأولى: عام 1950م، في القاهرة، وهي طبعة مصححة بمعرفة لجنة من العلماء برئاسة الشيخ أحمد أسعد علي، ولم أقف عليها.

الثانية: عام 1954م بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، وهي تقع في ثلاث وسبعين صحيفة من القطع المتوسط، وأسطرها مضغوطة في صفحاتها، وهي خالية من التحقيق العلمي، وقد حاول صاحب المطبعة إخراجها بمخرج مقبول فأوكل تصحيحها إلى سيّد أحمد شيخ موسى الصومالي فاجتهد ولم يحالفه التوفيق في كثير من المواضع.

الثالثة: عام 1414هطبعتها كلية الآداب بجامعة الكويت، وحققها الدكتور: مصطفى النحاس، وهي تقع في مائتين وخمس وخمسين صحيفة من القطع المتوسط، وجلُّ عمل المحقق مقارنة النسخ، وضبط الكتاب بالشكل.

ج- فتح المتعال:

ص: 224

هذا هو عنوان كتابنا المحقق وقد سبقت دراسته والتعريف به.

ثانياً: عرض المسائل عندهم:

عندما يريد ابن الناظم أن يشرح فكرة فإنه يصدِّرها ببيت من اللامية ثم يتولّى شرح ذلك البيت شرحاً موجزاً مفسّراً بالأمثلة دون إسهاب فيها بل يجتزئ بالمثال الواحد الدال على القاعدة، وإن كان الأمر يلزم الحصر فإنه يحصر كأن يقول: ولم يرد منه سوى تسعة أفعال هي.. ثم يوردها، ويذكر اختلاف اللغات إذا كان ينبني عليها حكم صرفي كقوله في مضارع وَرِعَ يَرِعُ "وحكى سيبويه يورع".

أما بحرق فإنه يذكر أبيات اللامية ولكنه جعل كتابه معجماً للأمثلة؛ إذ يسوق على القاعدة الواحدة الكثير من الأمثلة، وقد بلغ بعضها ثلاثمائة وسبعين مثالاً على قاعدة واحدة وهو قد صرّح بذلك في مقدمة شرحه فقال:"فلهذا شرحت أنا هذه المنظومة شرحاً مطابقاً لغرض الناظم رحمه الله فبسطت القول في الباب الأول بكثرة الأمثلة التي يُحتاج إليها فذكرت للفعل الرباعي نحو مائة مثال، ولفعُل المضموم مائة أيضاً، ولفعِل المكسور ثلاثمائة وسبعين منها أربعين لوناً"وكان يرتب أمثلته حسب ترتيب القاموس فيبدأ بما آخره همزة، ثم ما آخره باء، وهكذا مع مراعاة الترتيب الداخلي حتى يصل إلى آخر الأمثلة.

وتوسط الصعيدي بينهما في هذا المضمار فلم يسرف إسراف بحرق ولم يوجز إيجاز ابن الناظم، بل كان يمثل لقواعده بأمثلة يضمن معها إيضاح القاعدة للقارئ.

ثالثاً: شواهدهم:

استشهد ابن الناظم بإحدى عشرة آية فقط، ولم يستشهد بالأحاديث، وبقول واحد لعمر رضي الله تعالى عنه، وبأربعة عشر بيتاً من الشعر منها ثمانية من الرجز والباقي من القصيد.

أما بحرق فقد فاقت شواهده من القرآن مائتين وثلاثين شاهداً، واستشهد من الحديث بأربعة عشر حديثاً، وبثلاثة أقوال للعرب، وبثلاثة عشر بيتاً من الشعر منها تسعة من الرجز والباقي من القصيد.

ص: 225

أما الصعيدي فكان أيضاً وسطاً إذ استشهد بما يقارب الثمانين آية وعشرة أحاديث، أما الشواهد الشعرية فإنه أقل القوم إذ لم تبلغ شواهده خمسة أبيات.

وكلهم كان يعلق على الشاهد بما يضمن معه فهم وجه الاستشهاد به.

رابعاً: موقفهم من الناظم:

في هذا الجانب تطغى كفة بحرق إذ كان يكثر من التنبيهات التي يستدرك فيها على الناظم، أو يردّ عليه أو يقيد ما أطلقه.

أما ابن الناظم فليس عنده من هذا شيء يذكر.

وأما الصعيدي فهو موافق لبحرق في هذا الجانب إذ جلّ تنبيهاته مستلة من بحرق، وكان أميناً في نقله فهو يصدّر كل تنبيه بقوله قال الشارح والمراد به بحرق كما صرّح به في مقدمة كتابه.

خامساً: التعرض للمسائل الخلافية:

المسائل الخلافية في الصرف قليلة لا تصل حدّ الخلاف في النحو، ومع ذلك نجد خلافاً بين الصرفيين في بعض المسائل كالرباعي المضعف مثل وسوس أهو على وزن فَعْلَلَ أم فَعْفَعَ، ووزن فُعْلَلٍ كجُؤْذَرٍ أهو بناء أصلي أم هو متفرع عن فُعْلُلٍ كبُرْثُنٍ، وهل المحذوف من اسم مفعول الثلاثي الأجوف العين أم واو مفعول.

مثل هذه المسائل ابن الناظم لم يقف عندها ولم يذكرها، أما بحرق فإنه يذكر مثل هذه الخلافات ويختار ما يراه راجحاً قال متحدثاً عن وزن طَقْطَقَ:"هذه الأمثلة رباعية أصلية عند البصريين؛ لأن وزنها فَعْلَلَ لا فَعْفَعَ، وعند الكوفيين أن نحو كَبْكَبَهُ مما يصح المعنى بإسقاط ثالثه من مزيد الثلاثي" وقال في باب الأمر: "الأمر بالصيغة مبني على الراجح، وهو مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنه معرب بالجزم".

والصعيدي قد نقل هذه الخلافات من بحرق وسكت عن التعليق عليها مما يدل على الموافقة.

وصف النسخ الخطية

اعتمدت في تحقيق الكتاب على نسختين خطيتين:

الأولى: في مكتبة الحرم النبوي الشريف برقم 35/415، ورمزت لها بالرمز (ح) أول كلمة حرم، وقد جعلتها أصلا.

ص: 226

وهي تقع في سبعين لوحة، في كل لوحة صحيفتان، رمزت لليسرى منهما وهي التي فيها الترقيم الأصلي للمخطوطة بالرموز (أ) ، ورمزت للتي في ظهرها بالرمز (ب) .

وكل صحيفة منها تضم واحداً وعشرين سطراً، في كل سطر إحدى عشرة كلمة تقريباً.

وهذه النسخة قد قوبلت على نسخة المؤلف، ويشيع في صفحاتها عبارة: بلغ مقابلة على نسخة المؤلف.

وكتبت بخط النسخ الجميل، ونص اللامية فيها بالمداد الأحمر مما جعلها تبدو في التصوير باهتة.

ويظهر أنه قد سقط منها ورقة العنوان فألحق بها بخط مختلف عن خط الأم، ولم يسقط منها شيء ما عداها.

وتاريخ نسخها دُوّن باليوم والشهر، وتركت السنة، وناسخها عبد القادر المازني الجوهري في سابع يوم خلا من رجب الفرد على التمام والكمال، ويبدو أن الناسخ ليس من طلبة العلم إذ فاته شيء كثير من الأخطاء الإِملائية والنحوية.

أما النسخة الثانية:

فهي نسخة خطية توجد في مركز الملك فيصل، وهي فيه برقم 1559، ورمزت لها بالرمز (ف) .

وتقع في 82 لوحة في كل لوحة صحيفتان، وفي كل صحيفة تسعة عشر سطراً، وفي كل سطر ثماني كلمات تقريباً، وخطها مشرقي غير جيد، وهي كاملة سالمة من الخروم والنقص والرطوبة وغيرها من آفات المخطوطات، وقد كتبت عام 1248هـ، ولم تسلم كسابقتها من الأخطاء الإملائية والنحوية.

عملي في التحقيق:

1 – قارنتُ بين النسخ وأثبتُ الخلاف في الهامش.

2 – ضبطتُ النص بالشكل.

3 – خرجتُ الشواهد، وضبطتها بالشكل.

4 – ميزتُ بين اللامية والشرح بجعل اللامية بين قوسين كبيرين وبخط مختلف كما سبقت الإشارة له في دراسة الكتاب.

5 – ذكرتُ في الهامش أبيات اللامية كاملة عند أول ذكر لها.

6 – وثقتُ إحالات المصنف ونقوله من المتقدمين من كتبهم، وكان كثيراً ما يعول على كتب ابن مالك وشرح ابن الناظم وشرح بحرق وسيبويه والصحاح والقاموس، وبعض الحواشي المتأخرة.

7 – أشرتُ في الهامش إلى الخلافات والآراء المتعلقة بالمسائل إثراء للنص.

ص: 227

8 – راعيتُ في كتابة المخطوطة قواعد الإِملاء الحديثة، مع الاعتناء بعلامات الترقيم.

9 -

ترجمتُ للأعلام الذين ورد لهم ذكر في المتن، وأعرضت عن المشهور منهم جداً.

10-

وضعتُ بين معقوفين عناوين لبعض المسائل المحتاجة لذلك.

11-

فسرتُ ما أغفل المصنف تفسيره من الكلمات الغريبة، أما ما فسره المصنف فإنني أعرضتُ عن تفسيره حتى وإن كان تفسيره مختصرا لئلا يكون عملي تفسير التفسير.

12 -

ذكرتُ في الهامش أهم المراجع للقضايا الصرفية عند أول ورود لها لراغبي المزيد.

13-

ألحقتُ بالكتاب مجموعة من الفهارس الفنية.

صورة الغلاف من نسخة ح

الصحيفة الأولى من نسخة ح

صورة من نسخة ح يظهر عليها عبارة: بلغ مقابلة على نسخة المؤلف رحمه الله

اللوحة الأخيرة من نسخة ف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على إفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله.

وبعد: فيقول أحوج العباد، وأخفض العبيد: حمد بن محمد الصعيدي المالكي غفر الله له ولوالديه: هذا تعليق لطيف على منظومة الإمام أبي عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الأندلسي الجيَّاني النحوي اللغوي الصرفي اقتصرت فيه على حلّ ألفاظها، وبيان مرادها، والتنبيه على بعض ما فاتها، اقتطفته من ثمار شرح الإِمام الفاضل بحرق اليمني - وهو المراد بالشارح عند الإِطلاق- وبعض كلمات من غيره.

وسميته ب (فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال) .

وبالله أعتصم وأسأله العصمة [//2/ا] مما يصم، لا رب سواه، ولا مأمول إلا خيره، وهو حسبي ونعم الوكيل.

قال الناظم: بسم الله الرحمن الرحيم:

ص: 228

ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع"(1) ،وفي رواية فهو "أبتر"(2) ، وفي رواية فهو "أجذم (3) "(4) رواه أبو داود وغيره، وحسنه ابن الصلاح وغيره، أي نقل ابن الصلاح تحسينه عن غيره من المتقدمين؛ لأن ابن الصلاح يقول:"لا يمكن التحسين والتصحيح في زماننا"قال العراقي في التذكرة: "وعنده التصحيح ليس يمكن في عصرنا، وقال يحيى يمكن "والضمير عنده لابن الصلاح، والمراد بـ (يحيى) الإِمام النووي رحمه الله.

والمعنى ناقص وقليل البركة فهو وإن تم حسّاً لا يتمّ معنى.

ثم إنه ينبغي لكل شارع في فن أن يتكلم على البسملة بما يناسبها من الفن المشروع فيه، ثم إن محلّ التكلُّم عليها إذا كانت من موضوعه، فإن لم تكن منه فلا ينبغي أن يتكلم عليها، وحينئذٍ فلابدّ من تقديم مقدّمة مشتملة على المبادئ التي من جملتها الموضوع ليُعلم هل البسملة منه فَيُتَكَلَّمُ عليها أولا، ومبادئ كل فنّ عشرة جمعها بعضهم بقوله [//2/ ب] :

إنّ مبادي كل فنِّ عشرة

الحدّ والموضوع ثم الثمرة

وفضله ونسبة والواضع

والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى

ومن درى الجميع حاز الشرفا

فالتصريف لغة: مطلق التغيير، ومنه تصريف الرياح، أي تغييرها، وتقلبها.

واصطلاحاً: علم بأصول يبحث فيه عن أحوال أبنية الكلمة صحة واعتلالا، وزيادة ونقصاناً.

وموضوعه: الكلمات العربية من حيث البحث عن صحتها واعتلالها.

وواضعه معاذ بن مسلم الهرّاء، بفتح الهاء وتشديد الراء، نسبة إلى بيع الثياب الهروية، قاله في التصريح، وحكى الاتفاق عليه.

وثمرته: تأديته إلى فهم اللغة الموصلة إلى فهم كتاب الله تعالى.

وفضله: شرفه من هذه الحيثية.

ونسبته لبقية العلوم: التباين.

واسمه: الصرف والتصريف.

واستمداده: من الكتاب، والسنة، وكلام العرب.

وحكمه: الوجوب الكفائي.

ص: 229

ومسائله: قضاياه التي يطلب فيها نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها، كقولنا: ضَرَبَ فِعْلٌ مجرّد، وأكْرَمَ فِعْلٌ مزيد، وفَعل مضموم العين مضارعه بالضم، إلى غير ذلك.

وإِذا علمت أنّ البسملة من الموضوع فنقول: الاسم مشتق من السمة عند الكوفيين فأصله (وسم) واوي الفاء حذفت فاؤه [//1/3/أ] وعوِّض عنها همزة الوصل، وعند البصريين من السموِّ، فأصله (سمو) واوي اللام حذفت، وعوِّض عنها همزة الوصل بعد تسكين فائه، واستدلّوا على ذلك بجمعه على أسماء، وتصغيره على سميٍّ، وأصله:(سُمَيْوٌ) اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء؛ إذ لو كان أصله (وسم) كما يقول الكوفيون لم يجمع على أسماء؛ لأن فعْلاً صحيح العين لا يجمع على أفعال كما يعلم من الخلاصة، ولم يصغّر على سميّ بل على وسيم قال في الكافية:

واشتق الاسم من سم البصريُّ

واشتقه من وسم الكوفيُّ

والأول المقدم الجلي

دليله الأسماء والسميّ

والله: علم على الذات الأقدس، وأصله (إله) ثم دخل حرف التعريف فنقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفت، وقيل حذفت متحركة فصار "الله"أدغمت اللام في اللام وفخِّم للتعظيم، فعلى الأوّل يكون الحذف قياساً؛ لأن المحذوف ساكن، والإدغام غير قياسيٍّ، لوجود الفاصل بين اللامين تقديراً؛ لأن المحذوف قياسياً كالثابت، وعلى الثاني يكون الحذف غير قياسيٍّ؛ لأن المتحرك متعاصٍ بالحركة، والإدغام قياسياً؛ لعدم وجود الفاصل تقديراً.

والرحمن: المنعم بجلائل النعم.

والرحيم: المنعم بدقائقها.

(الحمد لله)(1)

وابتدأ [//3/ ب] ثانياً بالحمد لما مرَّ من الاقتداء بالكتاب العزيز، والعمل بالأحاديث الواردة في طلب الابتداء بالحمد، وللإِشارة إلى أنه لا تعارض بين الروايتين؛ لأن الابتداء قسمان: حقيقي وهو ما تقدّم أمام المقصود، ولم يسبقه شيء.

وإضافيّ: وهو ما تقدّم أمام المقصود مطلقاً.

ص: 230

والحمد لغة: الثناء باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.

واصطلاحاً فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد أو غيره.

والشكر لغة: هو الحمد عرفاً بإبدال الحامد بالشاكر.

واصطلاحاً: صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه إلى ما خلق لأجله، فبين الحمدين العموم والخصوص الوجهي، يجتمعان في ثناء بلسان في مقابلة نعمة، وينفرد اللغوي في ثناء به لا في مقابلة نعمة، والاصطلاحي في ثناء بغيره في مقابلة نعمة، وكذا بين الحمد والشكر اللغوي فيقال ما تقدّم، وبين الشكر اللغوي والحمد عرفاً الترادف، وبين الشكر الاصطلاحي وكلٍّ من الثلاثة العموم والخصوص المطلق فهو أخصها فهذه ست نسب

قال سيدي علىّ الأُجْهُوري:

إذا نَسَبَا لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ دُمْتَهَا

بِوَجْهٍ لَهُ عَقْلُ اللبِيْبِ يُوالِفُ

فَشُكْرٌ لِذِيْ عُرْفٍ أَخَصُّ جَمِيْعُها

وَفِي لُغَةٍ لِلْحَمْدِ عُرْفاً يُرادِفُ

عُمُوْمٌ لِوَجْهٍ في سِوَاهُنَّ نِسْبَةٌ

فَذِي نِسَب سِتٌّ لِمنْ هُوَ عَارِفُ

(لا أبغي به بدلا)

أي [//4/أ] لا أطلب به عوضاً بل لما تستحقه ذاته تعالى يقال بغيت الشيء أبغيه بُغية بالضم وبغِية بالكسر وبُغَىً وبُغاءً بالمد مع الضم فيهما أي: طلبته ومنه {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} (1) وقد يقال بغيته الشيء أي: طلبته له ومنه {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} (2) .

وبدل الشيء عوضه.

وجملة قوله (لا أبغي به بدلاً) في موضع نصب إما على أنه وصف لمصدر محذوف أي حمداً لا أبغي به بدلاً، والضمير للحمد، وإما على الحال من فاعل الحمد إذ هو في معنى أحمد أي أحمد الله حالة كوني لا أبغي به بدلاً، والضمير على هذا إما للحمد، وإما لله سبحانه وتعالى أي لا أطلب بالله إلهاً آخر.

(حمداً)

ص: 231

منصوب بفعل مقدّر أي أحمده حمداً، لا بالحمد المذكور لفصله عنه بالخبر وهو أجنبي من الحمد أي غير معمول له كذا قيل، والمراد أنه أجنبي من جهة المصدرية لا من جهة كونه مبتدأ يعني أنّ عمل الحمد في حمداً من جهة أنه مصدر بحسب الأصل، وعمله في (لله) من جهة أنه مبتدأ فيكون أجنبياً من الحمد من جهة المصدرية التي يعمل بها في حمداً، والفصل بالأجنبي ولو باعتبارٍ يمنع عمل المصدر.

(يبلّغ)

أي يوصل يقال بلّغت الشيء بالتشديد، وأبلغته أوصلته وبهما قرئ قوله تعالى:{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي} (1) وهذه الجملة في محل نصب نعت [// 4/ ب] لـ (حمداً) .

(من رضوانه)

بكسر الراء وضمّها، وبهما قرئ في السبع حيثما وقع غير ثاني العقود بمعنى الرضى ضد السخط يقال رضي الله عنه وعليه رضىً ورضواناً: أبعده الله عن السخط.

و (الأملا)

بألف الإطلاق أي الرجاء يقال أملت الشيء مخففا آمله بمدّ الهمزة كأكلته آكله، وأمّلته بالتشديد أؤمله أي رجوته.

ثم لما كان شكر الوسائط في إيصال الخيرات مأموراً به شرعا وإن كان المنعم الحقيقي هو الله تعالى ثلّث الناظم بالصلاة على أكبر الوسائط بين العباد ومعبودهم في إيصال كل خير، ودفع كل ضير وهو الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه الذين آووا الدين ونصروه وحملوه إلى الأمة ونقلوه فقال عاطفاً على الحمد.

(ثم الصلاة)

وعطف ذلك بـ (ثم) ليفيد الترتيب صريحاً لأن حمد الله تعالى أهم وأحق بالتقديم.

والصلاة: النعمة المقرونة بالتعظيم، وأفرد المصنف الصلاة عن السلام مع كراهة إفراد أحدهما عن الآخر إما لأنه سلم لفظاً وهو كافٍ، أو جرياً على مذهب من لا يرى كراهة الإفراد.

(على خير الورى)

أي أفضلهم بتفضيل من الله لا بمزية وجدت فيه؛ لأن المزية لا تقتضي الأفضلية، والورى بالقصر: الخلق، وهذه الصفة مختصة به عليه الصلاة والسلام؛ ولذا استغنى بها عن التصريح [//5// أ] باسمه.

(وعلى ساداتنا)

ص: 232

جمع سادة، وسادة جمع سيّد وهو من ساد قومه وفاقهم في الشرف، وعلى هذا فسادات جمعُ الجمع ثم أبدل منه قوله:

(آله وصحبه الفضلا)

والآل: أصله (أَهْلٌ) بدليل قولهم في تصغيره (أُهَيْلٍ) فأبدلت الهمزة من الهاء لقرب المخرج ثم أبدلت الهمزة الثانية ألفاً، ولم تبدل الهاء من أول وهلة؛، لأنه لم يعهد ذلك في موضع فيقاس هذا عليه. وقيل أصله (أَوَلٌ) ك (جَمَلٍ) بدليل تصغيره على (أُوَيْلٍ) قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، والأول مذهب سيبويه، والثاني مذهب الكسائي، وآلُ الرجل عشيرته وأتباعه وتخصيص آله صلى الله عليه وسلم ببني هاشم والمطلب شرعي لا لغوي، والصَّحْب اسم جمع لصاحب كرَكْبٍ ورَاكِبٍ وسَفْرٍ وسافرٍ وتَجْرٍ وتَاجِر، وأما أصحاب فجمع.

والفضلاء جمع فاضل على غير قياس كشاعر وشعراء؛ لأن فاعلاً يجمع على (فَعَلَةٍ) ككَاملٍ وكَمُلَةٍ أو على (فُعَّلٍ) أو (فُعَّالٍ) بضم الفاء تشديد العين ك (عُذَّلٍ) و (عُذَّالٍ) .

وأصل الفضل الزيادة فمن زاد على أحد بشيء فقد فضله به، وهم رضي الله عنهم قد فضلوا سائل الأمة بما خصهم الله به من صحبته ورؤيته والانتساب إليه واتباعه صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ [//5/ب] وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَداً أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَباً ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيْفَهُ" رواه البخاري ومسلم أي إنفاق أحدهم مدّاً أو نصف مدٍّ أفضل من إنفاق غيرهم مثل أُحُدٍ ذَهَباً.

ص: 233

ثم إنه رحمه الله تعالى بيّن الغرض الداعي له إلى هذا النظم وهو الحثّ على علم التصريف الذي يتوصل به إلى علم اللغة التي يتوصل بها إلى فهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:

(وبعد)(1) :

هو ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونيّة معناه، وهذه الكلمة يطلب الإِتيان بها عند الانتقال من غرض إلى آخر لكن الوارد في السنة (أمّا بعد) فالواو نائبة عن (أمّا) ، وهي نائبة عن (مهما) ؛ ولذا لزمت الفاء بعدها، ولا أحسن قول بعضهم:

وما واو لها شرط يليه

جواب قرنه بالفاء حتما

هي الواو التي قرنت ببعد

وأمّا أصلها والأصل مهما

(فالفعل من يحكم تصرفه

يحز من اللغة الأبواب والسبلا)

ص: 234

والمراد بالفعل هنا الفعل الصناعي من مضارع وماضٍ وأمر مع ما يشتمل على حروف الفعل ومعناه من مصدر واسمي فاعل ومفعول واسمي زمان ومكان [//6/أ] وما يلتحق بها؛ وذلك لأن علم التصريف يبحث فيه عن أحوال بنية الكلم، والكَلِمُ اسم وفعل وحرف، ولا حظ للحرف في علم التصريف، وكذا الأسماء المبنية والأفعال الجامدة؛ لقوّة شبهها بالحروف، لأنها لا تقبل التغيير فصار علم التصريف مختصّاً بالأصالة بالأفعال المتصّرفة والأسماء المتمكنة، وهو في الفعل أصل لكثرة تغيّره بظهور الاشتقاق فيه، والناظم رحمه الله تعالى خص هذه المنظومة بالفعل لما ذكره من أن إحكامه مفتاح علم العربية أي اللغة، والفعل مجرّداً كان أو مزيداً فيه ثلاثة أقسام: ماضٍ ومضارع وأمر، ولابدّ لكل فعل من مصدر ومن فاعل، فإن كان متعدّياً فلابدّ له من مفعول به وقد يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه فيحتاج إلى تغيير صيغة الفعل له’ ولابدّ أيضاً لوقوع الفعل من زمان ومكان، وقد تكون للفعل آلة يفعل بها، فانحصرت أبواب هذه المنظومة فيما ذكر من باب الفعل المجرّد وتصاريفه وباب أبنية الفعل المزيد فيه كذلك وباب المضارع والأمر وما لم يسمّ فاعله وباب أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين من المجرّد والمزيد فيه وباب أبنية المصادر مجرّدة ومزيداً فيها وباب أسماء الزمان [//6/ب] والمكان وما يلحق بهما من الآلة وغيرها وإحكام الشيء إتقانه وضبطه، والتصرف التقلب وتصرف الشيء تقلبه من حال إلى حال.

وعلم التصريف في الاصطلاح ما سبق.

وقوله (يحز) بالحاء المهملة أي يضم ويجمع يقال: حاز الشيء يحوزه ضمه، والجملة جواب الشرط، وقوله (من اللغة) متعلق بـ (يحز) .

ومعنى (اللغة) في اللغة: اللهج والإسراع.

وفي الاصطلاح: ألفاظ مخصوصة موضوعة لمعان مخصوصة. هذا ما اشتهر، وقال بعض المحققين اللغة في الاصطلاح استعمال الألفاظ لا نفس الألفاظ؛ ويدل له قولنا لغة تميم إهمال (ما) أي استعمالهم.

ص: 235

وقوله (الأبواب) : مفعول (يحز) جمع باب، وباب الشيء ما يدخل منه، والسبل جمع سبيل بمعنى الطريق يذكّر كلّ منهما ويؤنّث، والمراد بالأبواب والسبل قواعد اللغة؛ لأنه يتوصل بما ذكر إلى معرفة الجزئيات كما سيقول الناظم، والمعنى أن من أتقن علم التصريف حاز الطرق الموصلة إلى فهم اللغة.

واعلم أن الناس في ذلك ثلاثةُ أصناف: صنف عرف الأبنية والأوزان كأن يعلم مثلاً أن مضارع فَعُلَ المضموم مضموم ككَرُمَ يكْرمُ، وأَن قياس اسم الفاعل منه على فَعلٍ وفَعِيلٍ كسهْلِ وظَرِيْفٍ [//7/أ] وقياس مصدره الفَعَالَةُ والفُعُوْلَةُ كالشَّجَاعَةِ والسُّهُوْلَةِ فهذا تصريفي فقط إلا أنه مفتقر إلى علم اللغة الفارق له بالنقل عنهم بين فَعُلَ بالضم وفَعِلَ بالكسر وفَعَلَ بالفتح، وصنف ثانٍ أَشرف على مواد اللغة بالنقل والمطالعة، ولا يعرف الموازين والأقيسة التي يُردّ بها كل نوع إلى نوعه فهذا لغوي فقط لم يذق حلاوة علم اللغة، وصنف ثالث عرف الموازين والأقيسة أوّلاً، ثم تتبَّع موادَّ اللغة نقلاً فهذا هو المتقن الذي أحكم علم التصريف وحاز سبل اللغة وهو مراد الناظم رحمه الله.

ثم لمّا قويت داعية السامع وتوفرت رغبته قال من لي بذاك فقال:

(فَهَاكَ)(1)

(ها) : اسم فعل أمر بمعنى خذ، والكاف حرف خطاب تتصرف تصرّف الكاف الاسمية فيقال هاكَ بالفتح للمذكر وبكسرها للمؤنث، وهاكما للمثنى، وهاكم وهاكنَّ، وقد تبدل همزة فتتصرف تصرفها فيقال هاء بالفتح للمذكر وبالكسر للمؤنث وهاؤما وهاؤم وهاؤنّ، وعلى هذه اللغة جاء قوله تعالى:{هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ} (2) أي هاكم.

(نظماً محيطاً بالمهم)

ص: 236

نظْم الشيءِ تأليفه وجمعه على وجه مخصوص ومنه نظم الشعر يقال نَظَمَهُ يَنْظِمُهُ كضَرَبَهُ يَضْرِبُهُ نَظْماً ونِظاماً أي جمعه [//7/ب] وألَّفه، والإِحاطة بالشيء إدراكه من جميع جهاته ومنه الحائط. والمُهِمُّ: الأمر الذي يُهمُّك شأنُه، والمراد بالمُهِمِّ هنا القواعد الكلية.

ثم استشعر المصنف سؤالاً من السامع تقديره: قد وصفت نظمك بأنه محيط بالمهم فقط ولا يتم الغرض إلا بفهم الجزئيات فأجابه بقوله:

(وقد يحوي التفاصيل من يستحضر الجُمَلا)

التفاصيل: الأمور الجزئية كمعرفة أفراد اللغة مثلاً، والجُمل: الأمور الكلية كمعرفة الأبنية والأقيسة، والمعنى أن هذه المنظومة قد احتوت على المهم من علم اللغة وهو الأبنية والأقيسة التي يتوصل بها إلى حفظ أفرادها وردّ كل نوع منها إلى أصله وذلك مما يدعو الطالب إلى حصر المواد واستقرائها.

باب أبنية الفعل المجرّد وتصاريفه (1)

والمراد بالأبنية كونه رباعياً أو ثلاثياً، وبالمجرّد ما حروفه أصول كلّها، وسيأتي باب المزيد فيه إن شاء الله تعالى، وبالتصاريف اختلاف أحواله من ضم عين مضارعه وكسرها وفتحها، أما الأبنية فأشار إليها بقوله:

(بِفَعْلَلَ الفِعْلُ ذو التجريد أو فعَلا

يأتي ومكسور عين أو على فعُلا)

أي الفعل المجرّد: يأتي رباعيّاً على وزن (فَعْلَلَ) وثلاثيّاً على وزن (فَعُل)[//8/أ] بضم العين أو (فَعِلَ) بكسرها أو (فَعَلَ) بفتحها، فالفعل مبتدأ، وذو التجريد نعته ويأتي خبره، و (بفعلل) في موضع الحال المقدمة من فاعل يأتي المستتر، وكذا قوله ومكسور عين أو على فعل حالان منه.

[الرباعي المجرد]

فمثال الرباعي لازماً حَشْرَجَ عند الموت أيَ غَرْغَرَ، وفَرْشَحَ أي قعد مسترخياً، ودَرْبَخَ أي طَأْطَأَ رأسه ومدّ ظهره، وعَرْبَدَ أي ساء خلقه على نديمه، وجَرْبَزَ الرجلُ وجَرْمَزَ أي انقبض واجتمع وقس على ذلك.

ص: 237

ومثاله ومتعدّياً قَرْطَبَهُ: صرعه، وقَرْضَبَهُ: قطعه ومنه سُمِّي السيف القُرضاب، وخَرْفَجَ عَيْشَهُ: وسّعه، ودَحْرَجْتُهُ فَتَدحْرَجَ في حدرود، وفَرْطَحَهُ، وفَلْطَحَهُ: عرَّضه فهو مُفَلْطَحُ.

ومثال (فَعُلَ) ولا يكون إلا لازماً دَنُأَ الرجلُ دَنَاءَةً فهو دنيءٌ، وأَدُب الرجلُ أَدَباً فهو أَدِيْبُ، وأَرُبَ أَرَباً فهو أَرِيْبٌ أي عاقل، وجَنُبٌ جَنَابةً، وصَلُبَ صَلابَةً، وعَذُبَ الشيءُ: أي حَلِيَ وقَرُبَ قُرْباً، وقَشُبَ الثوبُ قَشَابَةً صار قشيباً أي جديداً أبيضَ، ولَزُبَ الطين لُزُوباً صار لازباً أي لَزِيْجاً، وأما لَزِجَ أي لصق فبالكسر.

ومثال (فَعِلَ) المكسور لازماً: فَرِحَ فهو فَرِحٌ، وشَبِعَ فهو شَبْعَانُ، وسَلِمَ فهو سَلِيْمٌ.

ومتعدّياً: فَهِمَ وسَمِعَ وشَرِبَ.

ومثال (فَعَلَ) المفتوح لازماً جَلَسَ وقَعَدَ وجَاءَ وقَامَ.

ومتعدّيا [//8/ ب] ضَرَبَ وأكَلَ.

تنبيه:

قد يشترك فعل المضموم والمفتوح والمكسور فيصير الفعل الواحد مثلث الماضي نحو: نَقُب عليهم فهو نقيب، ورفََُثَ في كلامه أفحش، وعَنُدَ عن الطريق قال، وأَمَر عليهم أي أميراً، وخَثُرَ اللبن ثَخِنَ، وعَثُرَ الماشي انكَبَّ، وغَمُرَ الماء صار غامراً وقَذُرَ صار قَذِراً، وكَدُر صار كَدِراً، ومَضَرَ اللبن حَمُضَ، ونَضَر وجهه نُضْرَةً نَعِمَ، وأَنُسَ به، وخَمِصَ بطنه ضَمُرَ، وقَنِطَ أيس، ورَفقَ به، وسَفِلَ ضدّ علا، وكَملَ صار كاملاً، وعَقمَتِ المرأةُ لم تحبل وسيأتي في الحلقي شيء من هذا.

تتمة:

ص: 238

إنما كان للفعل الرباعي بناء واحد وهو فَعْلَلَ كما تقدّم لأنهم التزموا فيه الفتحات طلباً للخفة، لكن لما لم يكن في كلامهم أربع متحركات متوالية في كلمة واحدة سكّنوا حرفاً منه؛ وخصوا ثانيه لأن الأول لا يكون إلا متحركاً، وآخر الفعل مبنيّ على الفتح، وصار الثاني أولى من الثالث، لأن الرابع قد يسكن عند اتصال الفعل بتاء الفاعل أو نونه كدَحْرَجْتُ فيلزم التقاء الساكنين لو سكن الثالث، فتعيّن سكون الثاني، وإنما كان للفعل الثلاثي ثلاثة أبنية لوجوب فتح أوله وآخره كما سبق، وبقيت عينه لا يجوز أن تكون ساكنة لئلا [//9/أ] يلتقي ساكنان عند اتصال تاء الفاعل أو نونه كضَرَبْتُ وضَرَبْناَ فصارت محركة بالحركات الثلاث.

وإنما لم ينقص بناء الفعل عن ثلاثة أحرف لأن الأصل في كل كلمة أن تكون كذلك حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يكون واسطة بينهما؛ إذ يجب أن يكون المبتدأ به محرّكاً، والموقوف عليه ساكناً.

وإنما لم يأت الفعل المجرّد سداسياً لئلا يتوهم أنه كلمتان، ولا خماسياً؛ لأنه قد يتصل به تاء الفاعل أو نونه فيصير كالجزء منه؛ ولهذا يجب أن يسكن له آخر الفعل.

وجاء بناء الاسم المجرّد ثلاثياً، ورباعياً وخماسياً أيضاً؛ لعدم اتصال الضمير المذكور به، ولم يأت سداسياً لما مرّ.

ثم لما كان الفعل الرباعي ثقيلاً بالنسبة إلى الثلاثي كانت مواده أقلّ، والثلاثي المضموم أثقل من المكسور فمواده أقل منه، والمكسور أثقل من المفتوح فمواده أقل منه أيضاً.

[المضارع من الثلاثي]

ولمّا أنهى الكلام على حكم أبنية الفعل المجرّد، شرع في تصاريفه وهي اختلاف حال مضارعه بضم أو كسر أو فتح؛ وبدأ بمضارع المضموم ثم المكسور لقلة الكلام عليهما فقال:

[باب كَرُمَ]

(والضم من فعُل الزم في المضارع)(1)

ص: 239

الضم مفعول مقدّم بـ (الزم) ، و (في المضارع) متعلق به أي الزم ضمة العين التي في فَعُلَ المضموم في مضارعه [//9،ب] أيضاَ تقول في كَرُمَ يَكْرُمُ، وفي ظَرُفَ يَظْرُفُ، وفي شَرُفَ يَشْرُفُ وهكذا لم يشذّ من ذلك شيء إلا ما جاء على تداخل اللغتين ك (كُدْتُ أَكَادُ) فقد أوقعوا مضارع المكسور بعد المضموم ثم قال:

[باب فَرِحَ]

(وافتح موضع الكسر – وهي العين – في المبني من فعلا)

المكسور أي في المضارع المبني منه فتقول في فٌرِحَ يَفْرَحُ، وفي سَمِعَ يَسْمَعُ وهكذا هذا هو الأصل، وقد شذّ منه أفعال محصورة جاء في مضارعها الكسر وهي ضربان: ضرب جاء مع الكسر فيه الفتح أيضاً الذي هو الأصل، وضرب انفرد فيه الكسر على الشذوذ فأشار إلى الأول بقوله:

[باب حَسِبَ]

(وجهان فيه من احْسِبْ معْ وَغِرْتَ وَحِرْ

تَ انْعِمْ بَئِسْتَ يَئِسْتَ اوْلهْ يَبِسْ وَهِلا)

أي وفي عين المضارع من الأفعال المذكورة وجهان: الفتح على القياس، والكسر على الشذوذ وهي تسعة أفعال:

الأول: حَسِبَ: بمعنى ظنّ يقال حَسِبَهُ يَحْسَِبَهُ بالفتح على القياس وبالكسر على الشذوذ مع أنه أفصح لأنه لغة الحجازيين، وبهما قرئ في السبع.

الثاني: وَغِرَ بغين معجمة يقال: وَغِرَ صدرُه يَغِرُ وَيَوْغَرُ إذا توقّد غيظاً.

الثالث: وَحِرَ بحاء مهملة يقال: وَحِرَ صدْرُه يَحِرُ وَيوْحَرُ إذا امتلأ من الحقد.

[//10/ أ] الرابع: نَعِمَ يقال: نَعِمَ يَنْعِمُ بالفتح والكسر نَعْمَةً بفتح النون وهي التنعّم.

الخامس: بَئِسَ بالباء الموحّدة ثم همزة مكسورة يقال: بَئسَ يَبْأَسُ ويَبْئِسُ بؤساً بالتنوين وبؤسى إذا ساءت حاله ضدّ التنعم.

ص: 240

السادس: يَئِسَ بالمثناة تحت ثم همزة مكسورة يقال: يَئِسَ منه يَيْأَسُ وَييْئِسُ إذا انقطع رجاؤه، والفتح أفصح وعليه أجمع القرّاء نحو {وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (1){أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} (2) .

السابع: وَلِهَ يقال: وَلِهَ يَلِهُ وَيوْلَهُ وَلَهاً بالتحريك فهو وَالِهٌ ووَلْهَانُ إذا كاد أن يذهب عقله لفقد محبوب من أهل ومال.

الثامن: يَبِسَ بالمثناة تحت ثم الموحّدة يقال: يَبِسَ الشجرُ ونحوه يَيْبِسُ ويَيْبَسُ يُبْساً بالضم فهو يَابِسٌ ويَبَسٌ بالفتح ويَبِسٌ ككتف ذهبت نداوته.

التاسع: وَهِلَ يقال: وَهِل الرجل يَهِلُ ويَوْهَلُ وَهَلاً محرّكاً إذا فَزِعَ وجَبُنَ، ووَهِلَ عن الشيء نَسِيَهُ.

وإلى الضرب الثاني أشار بقوله:

(وأفرد الكسر فيما من وَرَِثْ ووَلِي

ورِمْ ورِعْتَ ومِقْتَ معْ وَفِقْتَ حُلا)

وَثِقْتُ مع وَرِي المخُّ احوها) (3)

أي وأفرد الكسر على الشذوذ في المضارع المبني من الأفعال المذكورة وهي ثمانية:

الأول: وَرِثَ المالَ من الميت، ووَرِثَ الميتَ [// 10/ ب] أيضاً يَرِثهُ إرْثاً، ووِرَاثَةً بكسرها.

الثاني: وَلِيَ يقال: وَلِيَ الأمْرَ يَلِيْهِ وِلايَةً بالفتح والكسر وبهما قرئ {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} (4) و {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ} (5) وقيل الولاية بالفتح النصر، وبالكسر الإِمارة ويقال وَلِيَ منه ووَلِيَهُ وَلْياً: أي قرب.

الثالث: وَرِمَ يقال: وَرِمَ الجُرْحُ ونحوه يَرِمُ ورَماً بالتحريك إذا انتفخ ووَرِمَ أنفُه إذا انكسر أو غضب.

الرابع: (وَرِعَ)(6) يقال: وَرِعَ الرجل عن الشبهات يَرِعُ وَرَعاً محرّكاً، ورِعَة إذا عفَّ عنها.

الخامس: وَمِقَ يقال: وَمِقَهُ يَمِقُه مِقَةً وومْقاً إذا أحبَّه فهو وامق.

ص: 241

السادس: وَفِقَ يقال: وَفِقَ الفرسُ يَفِقُ إذا حَسُنَ كذا قاله بدر الدين بن مالك تابعاً لوالده في شرح التسهيل رحمهما الله قال الشارح ولم يذكر ذلك في الصحاح ولا في القاموس، وإنما قال وَفِقْتَ أَمْرَكَ تَفِقُهُ بالكسر فيهما إذا صادفته موافقاً.

السابع: وَثِقَ يقال: وَثِقَ به يَثِقُ ثِقَةً إذا ائتمنه واعتمد عليه.

الثامن: وَرِيَ المُخُّ يَرِيَ إذا كثر شحمه، ويقال أيضاً وَرِيَتِ الإِبلُ تَرِي إذا سمنت، وإنما قيّد بالمخِّ ليحترز به عن وَرِيَ الزَّنْدُ؛ لأن الأصل فيه أن يقال وَرِيَ يَوْرَى كرَضِيَ يَرْضَى على القياس وفيه لغة ثانية وَرَى الزَّنْدُ يَرِي بالكسر كرَمَى يَرْمِي [// 11/أ] وذلك أيضاَ جارٍ على القياس لكنه من أمثلة المفتوح، وربما ركّبوا من اللغتين لغة ثالثة فقالوا وَرِي الزَّنْدُ يَرِي بالكسر فيهما كورِيَ المخُّ فيقال هذه ليست بلغة مستقلّة، وإنما وردت على تداخل اللغتين؛ ولهذا لم يحتج الناظم رحمه الله إلى استثنائه.

تنبيهان:

الأول: قوله: من (اِحْسِبْ) و (اِنْعَمْ) و (اِوْلَهْ) صيغ أمر وهي تدل على وزن المضارع؛ لأن الأمر مقتضب منه، فيجوز فيها الفتح والكسر تبعاً لمضارعها لكن (اِوْلَهْ) جاء على لغة الفتح، ويقال على لغة الكسر (لِهْ) و (عِدْ) وأصله (اِوْلِه) حذفت منه الواو حملا على مضارعه لوقوعها فيه أي المضارع بين عدوّتيها ثم حذفت همزة الوصل للاستغناء عنها؛ لأنه أُتِيَ بها توصّلا للنطق بالساكن وقد زال.

وقوله (مع وَغِرْتَ وَحِرْتَ الخ) بتعدادها من غير حرف العطف، وهو على تقديره، وذلك جائز لضرورة الشعر اتفاقاً، وكذلك في السَّعة إذا دلّ عليها دليل، على ما اختاره في التسهيل تبعاً لأبي عليّ وابن عصفور،

ص: 242

وجعلوا منه قوله صلى الله عليه وسلم "تَصَدَّعَ رَجُلٌ مِنْ دِيْنَارٍ مِنْ دِرْهَمٍ" الحديث "يُكْتَبُ لَهُ نِصْفُهَا ثُلُثُهَا رُبْعُهَا"(1) يعني الصلاة، فالأول حذفت فيه الواو، والثاني حذفت فيه أو.

وقوله: (وَرِثْ ووَلِيْ ووَرِمْ) أفعال ماضية؛ وإنما سكن أواخرها للضرورة فيقال [//11/ب] على ذلك ما يجيء في النظم من أمثاله.

ومعنى قوله (احوها) احفظها ولا تقس عليها.

و (حُلاً) قال الشارح: حفظناه بضم الحاء المهملة، فيجوز أن يكون مصدراً منصوباً بـ (وَفِقْتَ) إن كان (وَفِقَ) بمعنى حَسُنَ فيكون عامله من معناه ك (قَعَدْتُ جُلُوساً) و (قُمْتُ وُقُوفاً) ، ويجوز أن يكون جمع (حُلْيَةٍ) وهي الصفة فيكون حالاً من الأفعال المذكورة، والتقدير حال كونها نعوتاً لمن قامت به، فإن جعلنا (وَفِقَ) بمعنى وَجَدَ كما تقدّم عن الصحاح والقاموس فـ (حُلاً) مفعولٌ به أي صادف حُلَا، وإِذا كان بالجيم بمعنى ظهر فهو صلة "ما"في قوله (فيما من) .

الثاني: كلامه يوهم حصر المستثنى فيما ذكر من النوعين، ولم يزد على ذلك أيضاً في التسهيل وشرحه، قال الشارح وقد ظفرت بثلاثة أفعال من النوع الأول نقل الوجهين فيها صاحب القاموس، وخمسة من النوع الثاني نقل فيها إفراد الكسر على الشذوذ.

أما الثلاثة فهي: (وَلِغَ) الكلبُ (يَلغُ) ك (وَرِثَ يَرِثُ) و (يَوْلَغُ) ك (وَجِلَ يَوْجَلُ) ، وفيه لغة أخرى ك (وَهَبَ يَهَبُ) فيصير من أمثلة فعَل المفتوح لا من فعِل المكسور.

الثاني (وَبِقَ) بالموحّدة (يَبِقُ) و (يَوْبَق) أي هَلَكَ.

الثالث: (وَحِمَتِ) الحبلى بالحاء المهملة (تَحِمُ) و (تَوْحَمُ) وحماً إذا اشتهت مأكولاً.

وأما الخمسة فهي (وَجِدَ) به (يَجدُ) وَجْداً ووِجْداناً إذا أحبّه، وعليه حَزِنَ حُزْناً شديداً.

الثاني: (وَعِقَ) بالمهملة [//12/أ](يَعِقُ) أي عَجِلَ.

الثالث: (وَرِكَ يَرِكُ) وَرَكاً اضطجع كأنه وضع وَرِكَه على الأرض.

ص: 243

الرابع: (وَكِمَ يَكِم وَكْماً) اغتمّ واكترب.

الخامس: (وَقِهَ) له بالقاف سَمِعَ وأطاع.

وعلى هذا فيصير المستثنى من الضرب الأولى اثني عشر، ومن الضرب الثاني ثلاثة عشر، وقد نظمت ذلك فقلت:

فَمِثْلُ يَحْسِبُ ذُو الوَجْهَيْنِ مِنْ فَعِلا

يَلِغْ يُبِقْ تَحِمُ الحُبْلَى اشْتَهَتْ أُكُلا

وخَمْسَةٌ كَيَرِثْ بِالكَسْرِ وَهْيَ وَجِدْ

وَقِهْ لَهُ وَوَكِمْ وَرِكْ وَعِقْ عَجِلا

[مضارع فَعَلَ المفتوح]

ثم لما أنهى الناظم رحمه الله تعالى الكلام على أحكام عين المضارع من (فَعُلَ) المضموم و (فَعِلَ) المكسور شرع في الكلام على أحكام المضارع من (فَعَلَ) مفتوح العين، وهي أربعة أنواع على ما ذكره نوع يطّرد فيه الكسر، ونوع يطّرد فيه الضم، ونوع يطّرد فيه الفتح، ونوع يطّرد فيه جواز الكسر، والضم.

[باب ضَرَبَ]

والنوع الأولى أربعة أقسام: ما فاؤه واو، أو عينه أو لامه ياءٌ، أو مضاعف لازم، وإليه أشار بقوله:

.............. (وأدِمْ

كسراً لعين مضارع يلي فَعَلا)

(ذا الواو فاءً أو اليا عيناً أو كـ"أَتَى"

كذا المضاعف لازماً كـ"حَنَّ"طَلا)

ص: 244

أي: وأدِمْ كسر عين المضارع الذي يلي فَعَلَ المفتوح في تصريفه إذا قلت (فَعَلَ يَفْعِلُ) الذي فاؤه واو أو عينه أو لامه ياء وهو الممثَّل له بـ (أَتَى) بالمثنّاة فوق، وكذا المضاعف اللازم، فقوله (يلي) فِعْلٌ مضارعٌ في محل النعت لمضارع، و (فَعَلَ) مفعول به، واستغني [//12/ب] بلفظه عن قيد فتح عينه لتعيُّنه بعد ذكر فَعُلَ المضموم وفَعِلَ المكسور، وللدلالة عليه بالأمثلة ك (أَتَى) و (حَنَّ) ، وذا الواو نعت لـ (فَعَلَ) ، و (ذا) بالنصب على التمييز، أو حال من الواو، وقوله (أو الياء) عطفاً على الواقع مضافاً إليه، و (عيناً) بالنصب على التمييز أو حال من الياء، وقوله ك (أَتَى) مثال لمحذوف معطوف على (عيناً) أي أو لاماً كأَتَى، وقوله (كذا المضاعف) مبتدأ وخبر، و (لازماً) حال من المضاعف، و (الطَّلا) ولد الظبية والشاة وغيرهما من ذوات الظلف، وقوله (أو اليا عيناً) وهو بقصر الياء ونقل حركة همزة (أو) إلى تنوين (عيناً) .

[المثال الواوي]

فمثال النوع الأول: وهو ما فاؤه واو (وَثَبَ يَثِبُ) و (وَجَبَ يَجِبُ) و (وَقَبَ الظلام يَقِبُ) أي دخل، والقمر دخل في الكسوف وبهما فُسّر {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (1) ، و (وَلَجَ يَلِجُ) و (وَهَجَ الحرُّ يَهِجُ) و (وَأَدَ المَوْؤُدَةَ يَئدُها) دفنها حيَّة و (وَتَدَ الوَتدَ يَتدُه) أثبته وكذا (وَطَدَه يَطدُه) ، و (وَجَدَه يَجِدُه) أدركه، و (وَخَدَ البعير يَخِدُ) أسرع، و (وَرَدَ الماء يَردُه) ، و (وَصَدَ الباب يَصِدُه) أغلقه ومنه {نَارٌ مُوصَدَةٌ} (2) بغير همزة، و (وَعَدَه يَعِدُه) و (وَفَدَ إليه يَفِدُ) و (وَقدَتِ النَّارُ تَقِدُ) و (وَكَدَ بالمكان يَكِدُ) ثبت، و (وَلَدَتِ المرأةُ تَلِدُ) وقس.

تنبيه:

ص: 245

قال الشارح: صرح في التسهيل بأن سائر [//13/أ] العرب غير بني عامر تلزم كسر مضارع هذا النوع، ولم يستثن منه شيئاً، ولا شرط له شرطاً وهو مقتضى النظم، وذلك عجيب منه فإنه جاءت منه أفعال بالفتح بل إنّا نقول باشتراط كون لامه غير حرف حلق، فإني تتبّعت مواده فوجدت حلقي اللام منه مفتوحاً ك (وَجَأَ الأنثيين يَجَأُ) رضهما و (وَدَعه يَدَعُه) تركه، و (وَزَعَه يَزَعُه) كفه، و (وَضَعَه يَضَعُه) ، و (وَقَعَ يَقَعُ) ، و (وَثَغَ رأسَه يثَغُه) شدخه و (وَلَغَ الكلب يَلَغُ) ، و (وَبَهَ له يبهُ) إذا فَطِنَ ومنه الحديث "لا يُوْبَهُ به"(1) أي لا يفطن. فهذه ثمانية، ولم أعثر على ما شذّ من ذلك غير:(وَضَحَ الأمر يَضِحُ) أي ظهر.

وأما حلقي العين منه فمكسور على إطلاق النظم والتسهيل، كما مثلنا به في:(وَأذَ المَوْؤُدَةَ) و (وَخَدَ البعير) و (وَعَدَ) و (وَخَزَ)، وشذّ:(وَهَبَ يَهَبُ) .

النوع الثاني:

[الأجوف اليائي]

وهو ما عينه ياء من فعَل المفتوح (جَاءَ يَجِيءُ) و (فَاءَ يَفِيءُ) رجع، و (خَابَ يَخِيْبُ) و (رَابَهُ الأمر يَريْبُهُ) و (شَابَ يَشِيْبُ) .

تنبيه:

ذكر في التسهيل أن العرب جميعاً التزمت كسر مضارع هذا النوع، ولم يشذّ منه شيء، فيحمل نحو:(بَاتَ يَبَاتُ) لغة في (يَبِيْتُ) على أن ماضي (يَباَتُ)(فَعِلَ) المكسور ك (خَافَ يَخَافُ) لا (فَعَلَ) المفتوح.

ومثال النوع الثالث:

[الناقص اليائي]

وهو ما لامه ياء من فَعَلَ المفتوح [//13/ب] .

ص: 246

(أَتَى يَأْتِي) وهو مثال الناظم و (أَوَى إليه يَأْوِي) انضم و (أَنَى يَأْنِي) حان ومنه {أَلَمْ يَأْنِ} (1) و (أَنَى الماء) أيضاً إذا انتهى جريه ومنه {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} (2) و (بَرَى السَّهم يَبْرِيْه) و (بَكَى يَبْكي) و (بَنَى البيت يَبْنِيْه) و (ثَنَى الحبل يَثْنِيْه) عطفه، و (ثَوَى بالمكان يَثْوِي) أقام، و (جَرَى الماء يَجْرِي) و (جَزَاه على عمله يَجْزِيْه) وعنه (قَضَى) والشيء كَفَى و (جَنَى الذنب يَجْنِيْه) وكذا الثمرة، و (حَكَى القول يَحْكِيْ) ، و (حَمَاه يَحْمِيْه) و (حَوَاه يَحْوِيْه) أحرزه.

تنبيه:

لم يشذّ من هذا النوع إلا قولهم: (أَبَى الشيءَ يَأْبَاه إباءً) بموحّدة، ولم يستثنه الناظم، ونقل في القاموس فيه (أَبى يَأبِيْه) أيضاً بالكسر على الأصل، وقيّد في التسهيل لزوم كسر هذا النوع بأن لا تكون عينه حلقية، وقد يرشد إليه تمثيله في النظم بـ (أَتَى) دون (سَعَى) ، وكذلك تمثيله فيما بعد لما اشتهر من الحلقي بكسره بـ (يَبْغِي) يدلّ على أن مراده بـ (كأَتَى) ما لم تكن عينه حرف حلق وذلك نحو (رَأَى يَرَى) و (سَعَى يَسْعَى) و (رَعَى يرْعَى) و (نَأَى عنه ينأى) و (نَهَى عنه يَنْهَى) وشذّ (بَغَاه يَبْغيْه) أي طلبه، و (نَعَى الميّت يَنْعِيْه) أي ندبه، وهذا فيما لم يكن فاؤه واو، وإلا كسر على الأصل ك (وَجَى يجي) و (وَخَاه يَخيْه) و (وَعَاه يَعيْه) و (وَهَى يَهي) و (وَقَاه يَقيْه)[//14/أ] ، وذكر في التسهيل أيضاً أن التزام كسر هذا النوع لغة غير طيّء من سائر العرب، ومفهومه أن طيّئاً يفتحونه قياسًا، ولم ينقله غيره عنهم إلا في (قَلاه يَقْلاه قلاً) أبغضه.

ومثال النوع الرابع:

[المضاعف اللازم]

ص: 247

وهو المضاعف اللازم من فَعَلَ المفتوح وهو آخر ما يطرد فيه الكسر (حَنَّ يَحِنُّ) وهو مثال الناظم و (تَبَّت يدُه تَتِبُّ) خسرت و (دَبَّ يَدِبُّ) و (غَبَّ اللحمُ يَغِبُّ) بات و (غَبَّ) في ورده ورد يوماً وترك يوما و (رَثَّ الحبل يَرِثُّ) بَلِيَ، و (ضَجَّ يَضِجُّ ضجيجاً) صرخ ك (عَجَّ يَعِجُّ) و (صَحَّ جسمه يَصِحُّ) ، و (كَدَّ في عمله يَكِدُّ) باشره بشدّة، و (نَدَّ البعير يَنِدُّ) شرد، و (قَرَّ يَقِرُّ) وهكذا، و (صَرَّ يَصِرُّ) صرخ ومنه {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} (1) .

ولما أنهى الكلام على النوع الأول بأقسامه الأربعة: وهو ما يطّرد فيه الكسر في مضارع فَعَلَ المفتوح، شرع يتكلّم على النوع الثاني وهو أربعة أنواع أيضاً:

المضاعف المعدّى، وما عينه، أو لامه واو، وما يدلّ على غلبه المفاخرة.

وقد أشار إلى النوع الأول بقوله:

[المضاعف المعدّى]

(وضمّ عين معدّاه)(2)

أي وضم عين المعدّى المضاعف من فَعَلَ المفتوح ومثاله (جَبَّه يجُبُّه) قطعه، و (سَبَّه يَسُبُّه) قطعه و (سَبَّه يَسُبُّه) أيضاً شتمه، و (صَبَّ الماء يَصُبُّه) ، و (عَبَّه يَعُبُّه) شربه من غير مصّ و (حَتَّ المنيّ يَحُتُّه) و (فَتَّه يَفُتُّه) كسره، و (قَتَّ [//14/ ب] الحديث يَقُتُّه) نمّه فهو قَتَّاتٌ، و (لَتَّ السويق يَلُتُّه) عجنه، و (بَثَّ الخبر يَبُثُّه) نثره، وكذا (نَثَّه) بالنون، و (حَثَّه على الأمر يَحُثًّه) و (بَجَّه يَبُجُّه) وسّعه فهو بَاجٌّ، و (حَجَّ البيت يَحُجُّه) و (فَجّ ما بين رجليه يَفُجُّه) فتحه، ومنه الفجُّ بين جبلين، و (مَجَّ الشراب يَمُجُّه) وهكذا.

وقد شذّ منه ستة أفعال تأتي.

هذا هو القياس في المضاعف من (فَعَلَ) المفتوح من كون اللازم منه مكسوراً والمعدّى مضموماً، وقد شذّ من كل منهما أفعالٌ فنبّه على ذلك بقوله:

(

ويندر ذا

كسرٍ، كما لازمٌ ذا ضمٍّ احتملا)

ص: 248

وفاعل (يندر) ضمير يعود إلى المعدّي، و (ذا) حال منه و (كسر) مضاف إليه، أي ويندر مجيء المعدّى المضاعف مكسوراً، و"ما "في قوله (كما) زائدة كافّة عن العمل، التقدير كما احتمل أي نُقِلَ ضم اللازم ندوراً، ثم إن النادر من كلّ من النوعين على ضربين:

ضرب التزم فيه خلاف قياسه.

وضرب جاء فيه وجهان: القياس، وخلاف القياس.

فأما ما التزم فيه خلاف القياس من المعدّى فهو فِعْلٌ واحد أشار إليه بقوله:

(فذو التعدّي بكسر "حّبَّه")

أي فندر مجيء المعدّى بالكسر فقط في فعل واحد وهو (حَبَّه) بالمهملة (يَحِبُّه) بفتح الياء وكسر الحاء لغةً في (أَحَبَّه يُحِبُّه) ومنه صيغ المحبوب، وبه قرئ شاذاً [//15/أ] {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (1) قال في الصحاح:"لا يأتي في المضاعف يَفْعِلُ بالكسر إلا ويشركه يَفْعُلُ بالضم إذا كان متعدّياً ما خلا هذا الحرف" يعني حَبَّه يَحِبُّه.

وأمّا ما فيه وجهان من المعدّى فهو خمسة أفعال على ما ذكره المصنّف، وقد أشار إليها بقوله:

(

وع ذا

وجهين هرَّ وشدَّ علَّه عللا)

(وبتَّ قطعاً ونمَّ

)

أي واحفظ صاحب الوجهين من المعدّى، وهو خمسة أفعال كما تقدّم.

الأول: (هَرَّ) يقال (هَرَّ فلانٌ الشيءَ يَهِرُّه ويَهُرُّه) كرهه، وهَرَّتِ القومُ الحربَ كذلك، وأصله (هَرَّ الكلبُ يَهِرُّ) بالكسر لا غير هريراً صوت من غير نُباح.

الثاني: (شَدَّه يَشِدُّه ويَشُدُّه) أوثقه، وأصله شَدَّ الشيءُ في نفسه يَشِدُّ أي اشتدّ وصار شديداً.

الثالث: (عَلِّ) يقال: (عَلَّه الشرابَ يَعِلًّه ويَعُلّه) سقاه عَلَلاً بعد نَهَلٍ، والنَّهَل الشًّرْبُ الأول، والعَلَلُ الشُّرْبُ الثاني.

الرابع: (بَتَّ) يقال: (بَتَّه يَبِتُّه ويَبُتُّه) قطعه، وأصله من بَتَّ يَبتُّ أي انقطع ك (انبتّ)، قال الشارح:"ولم يظَهر لي وجه تقييد الناظم له بقوله قطَعاً" إلا أن يكون تفسيراً فقط.

ص: 249

الخامس: (نَمَّ) يقال: (نَمَّ الحديثَ يَنِمُّه ويَنُمًّه) حمله وأفشاه وأصله من نمَّ الحديثُ نفسُه يَنِمُّ فشا.

تنبيه:

قال الشارح: أشار في الصحاح إلى أن الذي سهّل مجيء الوجهين في هذه الأفعال لزومها مرّة، وتعدّيها أخرى، وذكر أنها أربعة فلم يذكر مجيء الوجهين [//15/ب] في (هرَّة) ، وحكاهما في القاموس، وكلام الناظم يوهم الحصر في هذه الخمسة، وعبّر في التسهيل بقوله: والتزم الضم في المضاعف المعدّى غير المحفوظ كسره لكنّه لم يزد في شرحه على الخمسة، وقد ظفرت في القاموس بأربعة أفعال بعضها في الصحاح أيضاً مع ما سبق من حصره لها في الأربعة السابقة وهي:

(نَثَّ الخبَرَ) بالنون (يَنِثُّه ويَنُثُّه) أفشاه، و (شَجَّ رأسَه يَشِجُّه ويَشُجُّه) و (أَضَّه) بالمعجمة إلى كذا (يَؤُضُّه ويَئِضُّه) ألجأه، وهذه الثلاثة في القاموس و (رَمَّه) بالراء (يَرِمُّ ويَرُمُّه) أصلحه ذكره بالوجهين أيضاً في الصحاح مع حصره السابق قد نظمتها فقلت:

ومثل هرَّ ينثُّ شجَّه وكذا

كـ أضَّه رمَّه أي أصلح العلملا

انتهى.

وأما ما ندر من المضاعف اللازم فهو كما سبق على ضربين.

ضرب التزموا فيه الضم على خلاف قياسه.

وضرب جاء فيه الوجهان.

والضرب الأول: ثمانية وعشرون فعلاً وقد أشار إليه بقوله:

(....واضممنَّ مع الـ

ـلزوم في امر ربه وجَلَّ مثل جَلا)

أي واضمم عين المضارع من المضاعف مع لزومه على خلاف قياسه في هذه الأفعال المذكورة:

أوّلها: (مَرَّ به يَمُرُّ) .

والثاني: (جَلَّ الرجلُ عن منزله يَجُلُّ) ارتحل عنه مثل جَلا عنه جلاء، ومن هذا {وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ} (1) ، وأما جَلَّ قدرُه يَجِلُّ فبالكسر لا غير، واحترز عنه بقوله مثل جلا بجر مثل على البدل أو نصبه على الحال.

الثالث: (هَبَّتْ)(2)[//16/ أ](يقاله هَبَّتِ الرِّيْحُ تَهُبُّ) بضم عين المضارع.

ص: 250

الرابع: (ذَرَّتْ) يقال: (فَرَّتِ الشمسُ تَذُرّ) أي فاض شعاعها على الأرض.

والخامس: (أجَّ) يقال: (أجَّتِ النارُ تؤجُّ) .

والسادس: (كرَّ) يقال: (كَرَّ على قِرْنه يَكُرُّ) رجع.

السابع: (هَمَّ به) يقال: (هَمَّ بالأمر يَهُمُّ به) .

الثامن: (عَمَّ) يقال: (عَمَّ النبتُ يَعُمُّ) .

التاسع: (زَمَّ) يقال: (زَمَّ بأنفه يَزُمُّ) تكبّر.

العاشر: (سَحَّ) يقال: (سَحَّ المطرُ يَسُحُّ) نزل بكثرة.

الحادي عشر: (مَلَّ) في سيره يَمُلُّ مَلاًّ أسرع (أي) ك (ذملا) في سيره ذميلاً، وقيده بذلك ليحترز عن (مَلَّ الخبزَ) أي أدخله الملّة وهي الرماد الحار فإنه معدّى، وأمّا (مَلَّه) بمعنى ضجر منه فمضارعه (يمَلُّه) بالفتح؛ لأنه من باب (فَعِلَ) المكسور.

والثاني عشر: (ألَّ) السيفُ (يَؤُلُّ) بمعنى لمع، وألَّ العليلُ أيضاً يَؤُلُّ ألاًّ أي صرخ، ولذا قال (لمعاً وصرخاً) كذا قيده في التسهيل بذلك، قال في القاموس:(أَلَّ المريضُ والحزين يَئلُّ) و (أَلَّ يَؤُلُّ) بالضم والكسر برق فجعل الصرخ بالكسر لا غير على القياس، واللمع بوجهين فهو من الضرب الثاني ففيه مخالفة للناظم من وجهين.

الثالث عشر: (شَكَّ)(يَشُكُّ) أي تردد.

الرابع عشر: (أَبَّ) بالموحدة الرجل يَؤُبُّ إذا تهيّأ للذهاب كذا ذكره الناظم تبعاً للجوهري والضياء، وقال في القاموس:(أَبَّ يَؤُبُّ) بالضم والكسر، فجعله من الضرب الثاني [//16/ب] .

والخامس عشر: (شَدَّ) الرجلُ (يَشُدُّ)(أي عدا) ، وقيده بذلك القيد ليحترز من شَدَّ المتاعَ به يَشُدُّه، وقد سبق أنه معدّى، وأن فيه وجهين.

السادس عشر: (شَقَّ) عليه الأمر يَشُقًّ شَقّاً ومشقّة إذا أضرّ به.

السابع عشر: (خشَّ) في الشيء يَخُشُّ أي دخل.

الثامن عشر: (غَلَّ) فيه يَغُلًّ هو بمعنى ما قبله ولذا قال: (أي دخلا) وقيّده به ليحترز عن (غَلَّ) المتاعَ أي سرقه فإنه متعدٍّ.

ص: 251

التاسع عشر: (قَشَّ قومٌ) يَقُشُّون بالقاف والشين المعجمة حَسُنَ حالهم بعد بؤس.

العشرون: (جَنَّ) وقدم أشار له بقوله: (عليه الليل جَنَّ) يَجُنُّ.

والحادي والعشرون: (رَشَّ المزنُ) يَرُشُّ أي أمطر، والمزن السحاب.

الثاني والعشرون: (طَشَّ) أي أمطر مطراً خفيفاً دون الرش كذا ذكره المؤلف، ومفهوم الصحاح أنه بالكسر على القياس؛ لأنه قال "طشَّ المزنُ يَطشُّ"ولم ينبّه على شذوذه كعادته فيما شذّ، وقال في القاموس:"طَشَّتِ السَّماءُ تَطُِشُّ"بالضم والكسر، وعليه فهو من الضرب الثاني.

والثالث والعشرون: (ثَلَّ) الفرسُ والحمارُ بالمثلّثة يَثُلُّ، ونبّه المصنّف على أن أصله بالفتح بقوله:(أصله ثَلَلا) أُدغمت اللام في اللام، وبيّن معناه بقوله:(أي راث) ، وقيّده به ليحترز عن ثَلَّ الترابَ يَثُلُّه إذا صبّه.

[//17/أ] الرابع والعشرون: (طَلَّ دَمُه) يَطُلُّ أي ضاع وهدر.

الخامس والعشرون: (خَبَّ الحصانُ) يُخُبُّ أسرع (و) يقال خب (نبت) يخب طال بسرعة فقوله (نبت) معطوف على الحصان.

السادس والعشرون: (كَمَّ نخلٌ) يَكُمُّ إذا طلَّع أكمامَه.

السابع والعشرون: (عَسَّت ناقةٌ) تَعُسُّ رعت وحدها ولذا قال: (بِـ..خَلاً) أي بموضع خالٍ، وأصله المدّ، وقصره للضرورة ويجوز أن يراد به المقصورة غير المهموز وهو الحشيش الرطب، والباء بمعنى من.

والثامن والعشرون: (قَسَّت) الناقة بالقاف والسين المهملة تَقُسُّ ك (عَسَّت تَعُسُّ) ولذا قال (كذا) .

فهذه ثمانية وعشرون فعلاً، وسبق الانتقاد عليه في ثلاثة أفعال منها وهي:(ألَّ وأَبَّ وطَشَّ) .

تنبيهان:

الأول: قوله خبَّ الحصان فعل وفاعل، ونبت معطوف عليه، وكذا قوله كمَّ نخلٌ وعسَّت ناقةٌ فعل وفاعل، وقوله قسّت كذا مبتدأ وخبر.

ص: 252

الثاني: قال الشارح: كلامه يوهم الحصر فيما ذكر، وعبَّر في التسهيل بقوله: والتزم الكسر في المضاعف اللازم غير المحفوظ ضمُّه لكن لم يزد في شرحه على ما ذكر في النظم وقد ظفرت في الصحاح والقاموس بأفعال من هذا الضرب نقلا فيها التزام الضم وهي ثمانية عشر فعلاً:

مَتَّ إليه بقرابة ونحوها يَمُتُّ أي توسّل.

وثَجَّ الماء يَثُجُّ أي سال [// 17/ ب] .

وسَجَّ بطنه يَسُجُّ بالجيم (رقّ) الخارج منه.

وأَحَّ الرجل بالحاء المهملة يؤُحُّ سعل.

وسَخَّتِ الجرادةُ بالخاء المعجمة تَسُخُّ أثبتت ذنبها لتبيض.

وأدَّ البعير يؤُدُّ رَجَّعَ الحنينَ في جوفه.

وحَدَّ عليه يَحُدُّ حِدَّةً غضب.

وعَرَّ الظليم بالمهملتين يَعُرُّ صاح.

وحَصَّ الحمار بالمهملتين يَحُصّ حُصاصاً إذا ضرط.

ولَطَّتِ الناقةُ بذنبها تَلُطُّ ألصقته بين فخذيها.

وكَفَّ بصره يَكُفُّ عمي، وكذا كَفَّتِ الناقةُ إذا تآكلت أسنانها من الكبر.

وبَقَّ في كلامه يَبُقُّ بالموحدة بَقاقاً بالفتح أكثر.

وشَقَّ بصرُ الميّتِ يَشُقُّ تبع روحه ولا يقال شَقَّ الميّتُ بصرَه؛ لأنه لازم.

وعَكَّ يومُنا يَعُكُّ اشتدّ حرّه مع سكون ريحه.

وفَكَّ الرجلُ يَفُكُّ فَكاكاً أي هرم.

وأَمَّتِ المرأةُ تؤمُّ أُمُوْمَةً صارت أمّاً.

وغَمَّ يومنا يَغُمُّ بالمعجمة اشتدّ حرّه.

وحَنَّ عنه بالمهملة يَحُنُّ اعرض وصدّ.

فهذه الثمانية عشر تلحق بالثمانية والعشرين ليصير المستثنى من هذا الضرب ستة وأربعين وقد نظمتها فقلت:

ومعْ ثمانيةٍ عَشْرٍ كَمَتَّ به

يمُتُّ ثَجَّ وسَجَّ أَحَّ أي سعلا

سَخَّت وأَدَّ وحَدَّ عَرَّ حَصَّ ولَطْ

طَتْ ناقة كَفَّ شَبَّ طرفه فعلا

وبَقَّ فَكَّ وعَكَّ اليومُ غُمَّ وأَمْ

مَتْ أمُّنا حَنَّ عنه معرضاً كملا

اه.

وأما الضرب الثاني:

وهو ما جاز فيه وجهان [//18/أ] من مضارع المضاعف اللازم فأضار إليه بقوله:

ص: 253

(وعِ وجهي)(1) أي واحفظ الوجهين الجائزين في مضارع هذه الأفعال وهي ثمانية عشر فعلاً:

الأول: (صَدّ) عن الشيء يَصِدُّ ويَصُدًّ أي أعرض، وكذا صَدَّ منه أي ضَجِرَ، فالكسر على القياس، والضم على الشذوذ، وبهما قرئ {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} (2) ، وأصله صدّه عن كذا أي منعه يَصُدُّه بالضم لا غير معدّى، ثم طرأ له اللزوم، وقد أشار في الصحاح إلى أن الضم في المضاعف اللازم لا يأتي إلا لمخالطة التعدّي كما أشار إلى ذلك الشارح.

الثاني: (أَثَّ) بالمثلثة يقال: أَثَّ الشَّعَرُ والنبات يؤُتُّ وَيئِتُّ أي كثر والتفّ فهو أثيث.

الثالث: (خَرَّ) الحجرُ الصَّلْدُ يَخِرُّ ويَخُرُّ أي سقط من علْوٍ إلى سُفْلٍ، وكذا خَرَّ الإِنسان لوجهه، والكسر أفصح، وعليه أجمع القراء في قوله تعالى:{يَخِرًّونَ للأذْقانِ يَبْكونَ} (3){يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} (4) فلا مفهوم لتقييده بالصَّلْدِ؛ وإنما هو فرضُ مثالٍ.

الرابع: (حَدَّتْ) المرأةُ بالحاء المهملة على زوجها تَحِدُّ وتَحُدُّ تركت الزينة، وأصله حَدَّه أي منعه بالضم لا غير وكأنها منعت نفسها من الزينة وامتنعت فالكسر باعتبار لزومه، والضم باعتبار تعدّيه.

الخامس: (ثَرَّتِ) العينُ بالمثلّثة تَثِرُّ وتَثُرُّ أي غزر دمعها، وكذا [//18/ ب] ، السحابة فهي ثَرَّةٌ، وأصله من ثَرَّ الثوبَ يَثُرُّه مثل ذَرَّه يَذُرُّه وثَلَّه أيضاً يَثُلُّه بالضم لا غير.

السادس: (جَدَّ) بالجيم في عمله يَجِدُّ ويَجُدّ جِدّاً بالكسر أي قصده بعزم وهمّة، ولذا قال (من عملا) ، وأصله من جَدَّ الحبلَ وغيره أي قطعه يَجُدُّه بالضم لا غير، وكأنه قطع كلّ شاغل عنه.

السابع: (تَرَّتْ) يده تَتِرًّ وتَتُرُّ إذا بانت عند القطع.

والثامن: (طَرَّتْ) تَطرُّ وتَطُرُّ بمعنى ما قبله.

والتاسع: (دَرَّتِ) الناقةُ باللبن تَدِرُّ وتَدُرُّ من قولهم (دَرَّها) والأكثر (درَّرها تدريراً) استحلب لبنها.

ص: 254

العاشر: (جَمَّ) الماء يَجِمُّ ويَجُمُّ كثر واجتمع من جَمّه يُجُمُّه بالضم لا غير إذا جمعه فهو جَمٌّ أي كثير.

الحادي عشر: (شَبَّ) حصانٌ يَشِبُّ ويَشُبُّ شِباباً بالكسر إذا مَرِحَ ونِشِطَ فرفع يديه جميعاً من شَبَّ النار يَشُبُّها إذا أوقدها بالضم لا غير، وأما (شَبَّ) الغلامُ يشِبُّ شَباباً بالفتح فبالكسر لا غير؛ ولذا قيّده بإسناده للحصان؛ ليحترز عن هذا.

الثاني عشر: (عَنَّ) له الشيء يَعنُّ ويُعُنُّ أي عرض.

الثالث عشر: (فَحَّتِ) الأفاعي بالحاء المهملة والمعجمة أيضاً تَفحُّ وتَفُحُّ إذا نفخت بفمها وصوّتت.

الرابع عشر: (شَذَّ) بالمعجمتين يَشِذُّ ويَشُذُّ أي انفرد عن الجماعة.

الخامس عشر: (شَحَّ) بماله يَشِحُّ ويَشُحُّ أي بخل [//19/أ] .

السادس عشر: (شَطّتِ) الدارُ تَشِطُّ وتَشُطُّ أي بعدت.

السابع عشر: (نَسَّ) الشيءُ بالنون والسين المهملة يقال: نَسَّ اللحمُ وغيرُه يَنِسُّ ويَنُسُّ أي جَفَّ وذهبت رطوبته.

الثامن عشر: (حَرَّ) نهارٌ يَحِرُّ ويَحُرُّ أي حميت شمسه، وفيه لغة أخرى يَحَرُّ بالفتح فيكون من باب فَعِلَ بالكسر.

تنبيهان:

الأول: قال الشارح: كلامه أيضاً يوهم الحصر فيما استثناه، ولم يزد أيضاً في شرح التسهيل على ما ذكره في النظم، وقد ظفرت بأفعال نقل فيها الوجهين صاحبُ القاموس، وبعضها أيضاً في الصحاح وهي ثمانية:

شَتَّ الأمر يَشِتُّ وَيشُتًّ أي تفرّق والأكثر شتّته أي فرّقه.

وعَرَّتِ الإِبل بمهملتين تَعِرُّ وتَعُرُّ أي سلمت.

وقَرَّ يومنا يَقِرُّ ويَقُرُّ قُرّاً بالضم أي بَرَدَ، وفيه لغة أخرى (قَرَّ يَقَرُّ) بالفتح ك (حَرَّ النهار يَحَرُّ) على ما تقدّم.

وأزَّتِ القدرُ تؤزُّ وتَئِزًّ أزيزاً سمع لغليانها صوت.

ورَزَّتِ الجرادةُ تَرِزُّ وتَرُزُّ بتقديم الراء غرزت ذنبها لتبيض من رَزَّه يَرُزُّه أثبته في الأرض.

وأصَّتِ الناقةُ تَئِصُّ وتؤصُّ اشتدّ لحمها وسمنت.

ص: 255

وكَعَّ عن الشيء يَكِعُّ ويَكُعُّ جبُن وضعُف من كَعَّه إذا كرهه.

وخَلَّ لحمُه بالمعجمة يَخِلُّ ويَخُلُّ هزُل فهو خَلٌّ بالفتح.

وقد نظمتها فقلت:

ومثل صدّ بوجهين ثمانيةٌ [//19/ب]

عرّت وشتّ وأزّ القدر حين علا

فرّ النهار وأصّت ناقة كذا

رزّ الجراد وكعّ خلّ أي هزلا

فهذه الثمانية تلحق بالثمانية عشر فيصير المستثنى من هذا الضرب ستة وعشرين انتهى.

التنبيه الثاني:

قال الشارح أيضاً: "اعلم أن العلة في التزامهم ضم عين المضارع المضاعف المعدّى أنه كثيراً ما يتّصل به ضمير المفعول ك (مدّه يمُدُه) فلو كسروا عينه لزم الانتقال من كسرة إلى ضمة وهو ثقيل؛ ولهذا لم يشذّ منه إلا (حبّه يحبُِّه) منفرداً، والخمسة المشتركة التي ذكرها الناظم مع الأربعة التي زدناها فانحصر المستثنى منه في عشرة، وأما المضاعف اللازم فإنما كسروا عينه فرقاً بينه وبين المعدّى، فلهذا سهل ضمه على ألسنتهم فكثر المضموم منه منفرداً ومشتركاً كما سبق حتى بلغ المجموع اثنين وسبعين، لكن مهما أمكن تأويل الضمّ أنه باعتبار تعدية الفعل كما فعلتُ ذلك في كثير من الأمثلة ظهر وجهه للطالب"انتهى.

---

(1)

في اعتراضه على ابن مالك في باب أبنية الفاعلين والمفعولين إذ جمع فاعلاً ومفعولاً على فاعلين ومفعولين مع أن المراد بهما هنا الأبنية لا الذوات، وجمع السلامة خاص بالعقلاء وصفاتهم قال في اللوحة: 41/ب: "باب أبنية: جمع بناء والمراد به الصيغ أي صيغة أسماء الفاعلين جمع فاعل والمفعولين جمع مفعول، واعترض هذا الجمع بأن فاعلاً ومفعولاً اسمان للفظ وهو غير عاقل، ولا يكون هذا الجمع إلا للعقلاء، وأجيب بأن ما ذكر اسم للمعنى والذوات الفاعلة أو المفعولة لا للفظ وغلّب العاقل على غيره فساغ الجمع أفاده العلاّمة السجاعي عن ابن أم قاسم"وهو في فتح الجليل.

ص: 256

والموضع الثاني الذي نقل فيه عن السجاعي في اللوحة 42/ب في الخلاف في أبنية الصفة المشبهة حول الجزم بمدى قياس فعيل دون فعْل من فعُل المضموم العين قال: "قالو وإنما لم يصرّح بالقياس لأنه لم يطّرد فيهما السماع اطراداً يقطع فيه بالقياس، وغيره يرى أن فعيلاً يقاس مطّرداً دون فعْل أفاده العلامة السجاعي"وهو موجود في فتح الجليل.

(1)

في تعريف اللغة في اللوحة 6/ ب من النسخة ف قال: "وقال بعض المحققين اللغة في الاصطلاح استعمال الألفاظ لا نفس الألفاظ"وكتب بالهامش المراد من ببعض المحققين الشيخ محمد الأمير في حاشيته على الشذور. أه. من تقرير المؤلف.

(2)

تاريخ الأدب العربي: 5/292.

(3)

تاريخ الأدب العربي: 5/292.

(4)

المرجع السابع: 5/292.

(5)

شرح ابن الناظم:29.

(6)

تاريخ الأدب العربي: 5/292.

(7)

المرجع السابق: 5/292.

(8)

المرجع السابق: 5/293.

(9)

تسهيل الفوائد: 31.

(10)

تاريخ الأدب العربي: 5/293.

(11)

مقدمة التسهيل: 31.

(12)

فتح الأقفال: 40.

(13)

فتح الأقفال: 165.

(14)

هو جمال الدين محمد بن عمر بن مبارك الحميري الحضرمي الشافعي عالم مشارك في الحديث والنحو والصرف وغيرها ولد في حضرموت عام 869 هـ، وتوفى عام 930هـ بالهند.

تنظر ترجمته في كشف الظنون: 1346، 1548، 1843. والنور السافر: 142-152.

القطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلاً، والأقطع. المقطوع اليد. لسان العرب قطع 8/276.

البتر: استئصال الشيء قطعاً، والأبتر: من الدواب المقطوع الذنب من أي موضع كان. الصحاح (بتر) : 2/584، واللسان 4/37.

الجذم: هو القطع، والمجذوم المقطوع اليد، وقيل الذي ذهبت أنامله. الصحاح (جذم) : 5/884.

ص: 257

(1)

الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده:2/359 بلفظ "كل كلام، أو أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله عز وجل فهو أبتر، أو قال أقطع"، وفي شرح السنة للبغوي 9/51 "كُلُّ كَلامٍ لا يُبْدَأَ بِالْحَمْدِ لله فَهُوَ أَجْذَمُ"، ولأحمد بن محمد الصديق الغماري رسالة سمّاها: الاستعاذة والحسبلة ممن صحّح حديث البسملة، هو يرى أنّ الحديث بلفظ لا يبدأ ببسم موضوع، وأن الصحيح بلفظ لا يبدأ بالحمد لله. كما هو عند البغوي.

(2)

أخرجه أبو داود في كتاب الهدي في الكلام: 5/172 من طريق أبي هريرة بلفظ "كُلُّ كَلامٍ لا يُبْدَأُ بِالحَمْدِ لله فَهُوَ أَجْذَمُ". وأخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، وباب خطبة النكاح برقم 1894 من طريق محمد بن خالد مسنداً ومرسلاً.

ابن الصلاح هو: تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهرزوري ولد عام 577، وتوفى عام 643 محدّث.

تنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 23/140، وفيه ثبت طويل بمصادر ترجمته لراغبي المزيد.

والنووي في كتاب الأذكار: كتاب حمد الله تعالى برقم 288 قال وهو حديث حسن، وفي كتاب أذكار النكاح برقم 701 قال هذا حديث حسن، وابن حجر في نتائج الأفكار.

في ح القرافي، والعراقي هو أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي زين الدين من كبار أهل الحديث ولد عام 725 وتوفى عام 806 يعدّ من شيوخ ابن حجر العسقلاني.

تنظر ترجمته في إنياء الغمر لابن حجر: 5/170، والضوء اللامع: 4/171، وحسن المحاضرة: 1/204 وغيرها.

أما القرافي فالمشهور منهم رجلان أحدهما: أحمد بن إدريس القرافي المالكي أصولي فقيه توفي عام 684هـ، ترجمته في الديباج المذهب 62، وأما الآخر فهو محمد بن يحيى القرافي فقيه لغوي مالكي المذهب توفى عام 1008، تنظر ترجمته في خلاصة الأثر: 4/258 ونيل الابتهاج: 603.

(3)

التذكرة كتاب للعراقي مطبوع.

الضمير يعود للعراقي، والمعنى أن ابن الصلاح لا يرى التصحيح في زمانه هو والأزمنة التي تليه.

ص: 258

(1)

وبناء على رأي النووي يجوز التصحيح والتضعيف في زمن العراقي والأزمنة التي تليه.

(2)

الإمام النووي هو: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي محدث فقيه له شرح على صحيح مسلم ولد عام 631، وتوفى عام 676.

تنظر ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي: 8/395، البداية والنهاية: 13/278، ولم يترجم له الذهبي في السير وإنما ترجم له في تذكرة الحفاظ.

وهناك معانٍ لغوية أخرى لكلمة الصرف منها: التحويل، والتصيير، ورد الشيء عن وجهه وهي معانٍ قريبة من بعضها. ينظر اللسان (صرف) 9/ 189.

ينظر شرح الشافية للرضي: 1/7.

هو شيخ الكسائي، والقول بأن الهراء هو واضع علم الصرف ليس على إطلاقه فكتاب سيبويه مليء بالمسائل الصرفية، ولكن قد يقال بأن الهراء هو أول من أفرد علم الصرف بالبحث، والإكثار من مسائل التمارين التي كان النحاة يسمّونها تصريفاً فنسب إليه وضع هذا العلم من هذا الباب.

التصريح بمضمون التوضيح 1/4: "واتفقوا على أن أول من وضع التصريف معاذ بن مسلم الهراء".

الراجح عند علماء العربية أن مصطلح الصرف والتصريف يطلق على مسمّى واحد دون تفريق، وبعضهم حاول التفريق بين المصطلحين إذ يرى أن الصرف يطلق على العلم المتعارف عليه الآن، أما التصريف فهو يطلع على ما يعرف بمسائل التمرين عند الصرفيين كأن تأخذ من كلمة ما بناء لم تبنه العرب منها على وزن ما بنته العرب من غيرها ثم تعمل في البناء الذي أخذته ما يقتضيه قياس كلامهم من أحكام تصريفية. ينظر دروس التصريف لمحمد محيي الدين عبد الحميد:4.

مصطلح منطقي، وهو أحد أجزاء القضية الحملية، وهي ثلاثة أجزاء المحمول، والموضوع، والنسبة، فالمحمول هو المسند، أو المحكوم به سواء تقدّم أم تأخر نحو زيد كاتب فالمحمول في هذا المثال هو كلمة كاتب، والموضوع هو كلمة زيد. ينظر تسهيل المنطق:37.

مصطلح منطقي يراد به: المسند إليه أو المحكوم عليه سواء تقدم أم تأخر: المرجع السابق: 37.

ص: 259

ينظر في هذه المسألة: اشتقاق أسماء الله للزجاجي:255، والإِنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري المسألة الأولى، وأسرار العربية له: 4، والتبيين للعكبري: 132، وشرح ابن يعيش: 1/23، وائتلاف النصرة:27.

في قول ابن مالك: لفَعْلٍ اسماً صحّ عيناً أفعُل

(1)

البيتان لابن معطٍ في ألفيته شرح عبد العزيز القواس: 1/217 وهما عنده هكذا:

وَاشْتَقَّهُ مِنْ وسَمَ الكُوفِيُّونْ

وَاشْتَقَّ الاسْمَ مِنْ سِما البَصْرِيُّونْ

دَلِيْلُهُ الأَسْمَاءُ وَالسَّمِيُّ

وَالمَذْهَبُ المُقّدَّمُ الجَليُّ

ولم أجد هذين البيتين في الكافية الشافية، وقد رجعت إلى متن الكافية الشافية المطبوع في مطبعة الهلال عام 1332هورجعت أيضا إلى شرح الكافية الشافية المطبوع بتحقيق عبد المنعم هريدي فلم أظفر بطائل.

(2)

في لفظ الجلالة رأيان أحدهما يقول بأن لفظ الجلالة علم مرتجل، والآخر يقول باشتقاقه، والقائلون بالاشتقاق مختلفون مم اشتقّ على أربعة أقوال أنظرها مفصلة في: الاشتقاق لابن دريد 11، واشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي، وشرح التصريف الملوكي للثمانيني بتحقيقنا 374 ففيه ثبت طويل بالمراجع التي تناولت هذه القضية.

(3)

أول قوله:

حمداً يبلّغ من رضوانه الأملا

الحمد لله لا أبغي به بدلاً

(4)

تقدم الإِشارة إليهما في ص 167.

(5)

علي بن محمد بن عبد الرحمن الأحْهُوْرِيُّ ولد عام 967، وتوفى عام 1066هـ.

تنظر ترجمته في خلاصة الأثر: 157:3، وهدية العارفين: 1/758، ومعجم المؤلفين:7/207، والأعلام: 5/13.

آل عمران: 83.

التوبة: 47.

(6)

من قوله في البيت السابق: الحمد لله لا أبغي به بدلا.

الأعراف: 62.

ص: 260

كلمة رضوان وردت في القرآن ثلاث عشرة مرّة، وقرأ عاصم برواية أبي بكر بضم الراء في القرآن كلّه إلا في آية المائدة {يبْتغُوْن فَضْلاً من رً بِّهمْ وَرِضْوَاناً} فإنه قرأها بالكسرة وقرأ الباقون بكسر الراء في القرآن كله. ينظر السبعة: 202، والمبسوط لابن مهران الأصبهاني:141.

المراد بثاني العقود ثاني المائدة في قوله تعالى {يبْتغُون فضْلا مِّن رَّ بِّهِمْ وَرضْواناً} فإن عاصماً قرأ هذه الآية فقط بكسر الراء برواية أبي بكر بن عياش. ينظر إتحاف فضلاء البشر: 172.

وسورة المائدة تسمّى بالعقود وبالمنقذة قال الزركشي في البرهان في تعدد أسماء السور: 1/269 "وقد يكون لها ثلاثة أسماء كسورة المائدة والعقود والمنقذة"وسمّيت بالعقود نظراً لقوله تعالى في أولها {يَأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُوْدِ} .

(1)

المراد بالوسائط هنا وسائل تبليغ الرسالات ولا شكَّ أن الرسل صلى الله عليهم وسلم هم أعظم وسائل تبليغ الرسالات السماوية، وليس المراد بالوسائط ما يعتقده الصوفية من التقرب بالأضرحة والأولياء ثم إن الرسل عليهم السلام ينهون عن كل ضير لا أنهم يدفعون الضير إذ دفع الضير لله سبحانه وتعالى.

(2)

من قوله:

ساداتنا آله وصحبه الفضلا

ثم الصلاة على خير الورى وعلى

(3)

المتأخرون من النحاة يعزون هذا الرأي لسيبويه، والمتقدمون يعزونه للأخفش وهو المتفق مع كتابه معاني القرآن 1/93 قال: (باب أهل وآل

وإنما هي همزة أبدلت مكان الهاء) وقال ابن جني في سر الصناعة 1/103 في معرض حديثه عن آل وأصلها وأن همزتها منقلبة عن هاء (والذي عليه العمل كما قدّمناه وهو رأي أبي الحسن فاعرفه) .

ومن الذين عزوه لسيبويه أبو الحسن علي بن محمد الأشموني: 1/13.

هو رأي يونس بن حبيب ووافقه الكسائي ينظر قي ذلك الاقتضاب: 1/ 39، وشرح التصريف الملوكي للثمانيني بتحقيقنا:314.

ص: 261

وينظر في إضافة آل المرجع التالية: لحن العامة لأبي بكر الزبيدي: 41، وسر صناعة الإعراب: 100، والاقتضاب: 1/35، والروض الأنف للسهيلي: 1/167، والممتع لابن عصفور: 348، والمساعد لابن عقيل: 2/ 347، والأشموني: 1/13، وهمع الهوامع: 4/285، والأشباه والنظائر: 2/207. والمعاجم الكبيرة (أهل+أول) .

(1)

قال في اللسان سفر "والسَّفْرُ جمع سَافِرٍ، والمسافرون جمع مسافر، والسفر والمسافرون بمعنى".

لأن فُعَلاء جمعُ لفعيل ككريم وكرماء، وكثر في فاعل إن دلّ على غريزة كعاقل وعُقلاء وفاضل فُضلاء وشاعر وشُعراء.

ينظر شرح الشافية: 2/157، والأشموني: 4/139، وتصريف الأسماء للطنطاوي:222.

الحديد: 10.

رواية البخاري ومسلم: "أحدكم".

(2)

رواه البخاري بسنده عن أبي ذر الغفاري في كتاب فضائل الصحابة حديث رقم 3470، ورواه مسلم بسنده عن أبي هريرة في كتاب فضائل الصحابة حديث رقم 2540.

من قوله:

يحُزمن اللغة الأبواب والسبلا

وبعد فالفعل من يحكم تصرّفه

هذا اللغز وحلّه في حاشية السجاعي على قطر الندى: 5

(3)

هو محمد الأمير الكبير كما هو مدوَّن على هامش النسخة ف بتقرير المؤلف.

(4)

هكذا في ف، وفي ح ويدل لنا.

(5)

من قوله:

يحوي التفاصيل من يستحضر الجُملا

فهاك نظماً محيطاً بالمهمّ وقد

(6)

القول بإبدال الكاف همزة منسوب إلى ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 484، وهو إبدال لغوي لا صناعي.

(7)

الحاقة: 19.

(8)

في ف الجملة.

(9)

ينظر في هذا الباب: سيبويه: 4/ 5، 9، 38، ونزهة الطرف: 98، والممتع: 1/166، شرح الشافية: 1/67، وشرح تصريف العزي: 28، همع الهوامع: 6/15، والمزهر: 2/37، ودروس التصريف 54

ص: 262

في ح وف فرشخ بالشين والخاء المعجمتين، وهي مادّة أهملها صاحب اللسان وكثير من المعجميين، وقال عنها صاحب التاج:"الفرشخة بالشين المعجمة السعة هذه المادة ساقطة من اللسان وغيره من كتب الغريب وإنما ذكروا معانيها في المهملة قال أبو زياد ما مطر الناس من مطرٍ بين نوأين إلا كان بينهما فرسخ قال والفرسخ إنكسار البرد وإذا احتبس المطر اشتدّ البرد وإذا وفي نسخة فإذا مطر الناس كان للبرد بعد ذلك فرشخ هكذا بالشين المعجمة: والصواب أنه فرسخ بالسين المهملة.". اهتاج العروس (فرشخ) .

وقالوا عن فرشح: "فرشح إذا قعد مسترخياً فألصق فخذيه بالأرض كالفرشطة سواء أو فرشح إذا قعد وفتح ما بين رجليه قاله اللحياني وقال أبو عبيد الفرشحة أن يفرش بين رجليه ويباعد إحداهما من الأخرى، وقال الكسائي: فرشح الرجل في صلاته وهو أن يفحّج بين رجليه جداً وهو قائم. اه. تاج العروس (فرشح) .

وينظر: العين: 3/330، والتهذيب: 5/319، والصحاح (فرشح) : 1/390، والمحكم لابن سيده: 4/44، والمحيط لابن عباد: 3/265، واللسان (فرشح) : 2/542.

(1)

وردت الكلمتان في ف وح (حربذ وحرمز) الأولى بالحاء المهملة والذال المعجمة (حربذ) وهي ليست معجمية بهذه الصورة، والثانية بالحاء المهملة والزاي (حرمز) وتفسيرها عند المعجميّين (صار ذكيّاً) ، والمصنّف فسّر معناها بـ (انقبض واجتمع) وهذا المعنى تورده كتب المعاجم في جرمز بالجيم، لا في حرمز بالحاء المهملة.

ينظر الجمهرة: 1141، واللسان (حرمز) : 5/334، والتاج (حرمز) :8/47.

جاء من باب نصر وكرم، ينظر اللسان لزب: 1/738.

(2)

يرى النحاة أن هذه الأفعال من تداخل اللغات، قال ابن خالويه في كتابه ليس في كلام العرب 106:"ليس في كلام العرب فعْلٌ يستوعب الأبنية الثلاثة فعَل وفعُل وفعِل إلا كمل وكدر وخثر وسخو وسرو". ويراجع دروس في التصريف: 64.

ص: 263

وهناك تعليل آخر يذكره النحاة وهو أن الفعل ثقيل بلوازمه وهي الحدث والزمان والفاعل وربما لحقه مفعول وظرف وغيرها فطلب له التخفيف بعكس الاسم فهو خفيف أصالة؛ ولهذا جاز أن تأتي أصول الاسم خماسية، وأن يصل بالزيادة إلى سبعة أحرف ولم يجز أن تزيد أصول الفعل عن أربعة أحرف كما لم يجز أن يزيد على ستة أحرف.

من قوله:

والضمّ من فعُل الزم في المضارع وافْـ ـتح موضع الكسر في المبنيّ من فَعِلا

انقلاب عين المضارع ألفاً دليل على أن الحركة المنقولة فتحة إذ لو كانت ضمة لسلمت العين من القلب وقيل يكود والضمة في فاء الماضي المسند إلى ضمير المتكلّم دليل على أن العين واو وليست ياءُ، وعلى هذا فهناك فرق بين (كاد يكيد من المكيده) و (كاد يكاد من قرب الشيء) ، ومما جاء من باب فعُل مضموم العين معتلها وفيه تداخل لغات قولهم (دُمت تدام، وجُدت تجاد، ومُتَّ تمات) وسمع في هذه الأفعال الأربعة: تكود وتموت وتدوم وتجود على القياس.

ينظر: السيرافي النحوي: 124، والمنصف: 1/ 256، والأفعال لابن القطاع: 3/ 107، وشرح المفصل لابن يعيش: 7/157، وبغية الآمال للبلي:80.

(1)

زاد بعضهم: وَلِغَ الكلب يَوْلَغُ ويَلِغُ، ووَبِقَ الرجلُ يَوْبَقُ يَبِقُ، وَحِمَتِ المرأةُ تَوْحَمُ وتحِمُ. وزاد بعضهم وَزِعَ الرجلُ بفلان يَزَعُ ويَزِعُ المفتوح العين حذفت واوه، وقد أشار المصنف إلى بعض هذه الأفعال في التنيبه الثاني من تنبيهات هذه القضية.

ينظر: بغية الآمال: 85، وفتح الأقفال: 61، ودروس التصريف:94.

(2)

كلمة بالفتح سقطت من ح.

ص: 264

(1)

جاء الفعل حسب في القرآن بصيغة المضارع في آيات عديدة كقوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} و {أَيَحْسَبُوْنَ أَنَّمَا نَمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّال وبَنِيْنَ} و {تَرَى الجِباَل تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} و {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ يَفْرَحُوْنَ بِمَا أَتُوا وَيُحِبُّونَ أَن يُّحْمَدُوا بَمَا لمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} .

وفي هذه الآيات قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين حيث وقعت، وقرأ الباقون بكسرها.

ينظر: السبعة لابن مجاهد: 191، والمبسوط: 136، والتذكرة لابن غلبون: 342، والإقناع لابن الباذش:615.

(2)

يوسف: 87. وفي ح جاءت الآية بياء المضارعة ييأسوا وأثبت ما في ب لأنه موافق لرسم المصاحف.

الرعد:31.

وسُمع الفتح في فاء المصدر قال في اللسان: "اليُبْس بالضم نقيض الرطوبة وهو مصدر قولك يبِس الشيء ييبس وييبَس الأول بالكسر نادر يِبساً ويُبساً وهو يابس"اللسان (يبس) : 6/261.

(3)

سمع اليَبْس بفتح فسكون وهو فعل بمعنى فاعل يقال حطب يبس بمعنى يابس. قال علقمة:

تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيْهِمُ كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحصَاد جَنُوبُ

واليبس بالتحريك المكان يكون رطباً ثم ييبس قال تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيْقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساَ} ويقال لكل شيء كانت النُدُوَّة والرطوبة فيه خلقة فهو ييبس فيه يُبساً، وما كان عرضاً قلت جفَّ وطريق يَبَسُ: لا ندوّة فيه ولا بلل.

لسان العرب (يبس) : ب6/261.

(4)

كتف هذه من فائت اللسان وذكرها الفيروز أبادي: ينظر: القاموس المحيط: 751.

(5)

هذه الكلمة سقطت من ح.

(6)

هـ:

كسراً لعين مضارع يلي فعُلا

وثقت مع وري المخّ احوها وأدم

ص: 265

ينظر في هذه الأفعال: المفتاح في الصرف لعبد القاهر الجرجاني: 37، ونزهة الطرف: 105، وشرح الشافية للرضي: 1/135، وبغية الآمال: 77، والمصباح المنير:263.

(1)

الأنفال: 72. فراها حمزة وحده بكسر الواو وِلايتهم، وقرأها الباقون بالفتح. ينظر: السبعة: 309، والمبسوط 192، والإقناع:656.

الكهف: 44. قرأها حمزة ووافقه الكسائي هنا، وقرأها الباقون بالفتح. ينظر السبعة: 3090، المبسوط: 235، والإقناع:689.

الفعل ورع سمع فيه أيضاً مع الكسر الفتح، قال سيبويه 4/54:"وقالوا ورم يرم وورع يرع ورعاً وورماً ويورع لغة"وقال في اللسان (ورع) 8/388: "وقد ورع من ذلك يرع ويورع الأخيرة عن اللحياني رعة وورعاً ووراعة وتورعاً"، ولكن لما كان الكسر هو المشهور اعتمده ابن مالك وتبعه شراح التسهيل واللامية قال في تاج العروس (ورع) 11/505:"وقد ورع الرجل كورث هذه هي اللغة المشهورة التي اقتصر عليها الشيخ ابن مالك وغيره وأقرّه شرّاحه في التسهيل، ومشى عليه ابنه في شرح اللامية".

في ح وف وورعةً بواوين الأولى عاطفة، والثانية فاء الكلمة.

(2)

هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك ولد عام 640هوتوفي شابا عام 686هله شرح على الخلاصة، وعلى لامية الأفعال، وأراد أن يتم شرح التسهيل لوالده فلم يمكنه الأجل بعد أن شرح منه أربعة أبواب، وله في البلاغة كتاب المصباح وكلها قد طبعت.

تنظر ترجمته في: الوافي بالوفيات 1/204، وبغية الوعاة: 1/225. ينظر شرح ابن الناظم على لامية الأفعال: 47 "ووفق الفرس يفق حسن".

شرح التسهيل: 3/438 قال "ووفق الشيء إذا حسن"لم يقيد بالفرس، وإنما التقييد بالفرس من ابنه.

فتح الأقفال: 62.

في ح يحترز.

في ف يَرَى وهي مخالفة لقواعد التصريف؛ لأن الواو لم تقع بين ياء وكسر فتحذف بل هي بعد فتح مثل وجل يوجل، وبالتالي فـ (وري يوري) هو الأصوب وهو المرافق لما في اللسان والتاج.

ص: 266

(1)

وهما الياء المفتوحة والكسرة وتوضيح هذه المسألة هي: أن مضارع (ولِهَ) الثلاثي (يَوْلِهُ) حرف المضارعة فيه باء مفتوحة، وعينه مكسورة كسرة ظاهرة - ويسري هذا الحكم مع كسرة العين المقدرة ك (وَقَعَ يَقعُ) - فالكسرة بعض الياء وهي ترغب في الاتصال بها ولاسيّما أن ما بينهما حرف علّة ساكن والساكن كالميّت المعدوم فحذفت الواو استثقالاً لوقوعها بين الياء المفتوحة والكسرة فقيل (يَلهُ) ثم حملت بقيّة أحرف المضارعة على الياء طرداً للباب على وتيرة واحدة وإنما الأصل في الحذف للياء، وحمل الأمر على المضارع لأنه مقطوع منه.

ينظر شرح الشافية للرضي: 3/88.

(2)

ثمّ اتصلت بها هاء السكت لبقاء الفعل على حرف واحد.

(3)

في هذه المسألة رأيان للنحاة: الأول يجيز حذف حرف العطف في السعة إذا دلّ عليه دليل وبه قال أبو علي الفارسي وابن عصفور وابن مالك، والرأي الثاني يقصره على الضرورة وبه قال ابن جني والسهيلي.

ينظر ارتشاف الضرب: 2/661، وهمع الهوامع: 5/ 274.

ينظر تسهيل الفوائد: 178، وشرحه لابن مالك: 3/380، وارتشاف الضرب: 2/661، والمساعد لابن عقيل: 2/472.

ينظر رأيه في ارتشاف الضرب: 2/ 661، والمساعد: 2/474.

(4)

ينظر شرح الجمل لابن عصفور: 1/253.

وابن عصفور: هو علي بن مؤمن بن محمد بن عصفور الأشبيلي الحضرمي إمام في العربية نشأ في الأندلس وبها توفي عام 667هله من المصنفات شرح جمل الزجاجي، والمقرب، والضرائر وغيرها.

تنظر ترجمته في: فوات الوفيات: 3/109، والوافي بالوفيات: 22/ 265، وبغية الوعاة: 2/210.

(5)

أخرجه مسلم في كتاب الزكاة برقم 69 من طريق جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، والنسائي في كتاب الزكاة برقم 64 من طريق جرير بن عبد الله رضي الله عنه أيضاً، وأخرجه أحمد في مسند جرير رضي الله عنه 4/359.

وجعلوا منه أيضاً قول العرب فيما حكاه أبو زيد "أكلت لحماً سمكاً تمراً"ومنه قول الشاعر:

ص: 267

يَغْرِسُ الوِدَّ فيْ فُؤادِ الكَرِيْمِ

كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ ممَّا

رواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب ما جاء في نقصان الصلاة من طريق عمار بن ياسر: 1/503، ورواه أحمد في مسندهِ: 4/319، 321.

(1)

هكذا في الأصول، ولعل الصواب فيقاس.

(2)

فتح الأقفال: 63.

(3)

فتح الأقفال: 64.

أي بحرق اليمني شارح لامية الأفعال.

هذه الكلمة وردت في ف وح وورك بواوين، وهي بهذه الصورة تكسر الوزن، وما أثبته هو الموافق لما في فتح الأقفال لبحرق:65.

(4)

أي من بيته السابق:

كسراً لعين مضارع يلي فعلا

وثقت مع وري المخّ احوها وأدم

قال الثعالبي في فقه اللغة 90: "ولد كل بشرٍ ابن وابنة، ولد كل سبع جرو، ولد كل وحشية طلاً، ولد. كل طائر فرخ". وقال أيضاً 98: "أول ما يولد الظبي فهو طَلاً، ثم خِشْفٌ ورشأ، ثم غزالٌ وشادنٌ، ثم شصرٌ ثم جَذَعٌ، ثم ثَنيٌّ إلى أن يموت".

(5)

في ح والياء.

في ح وف (أو) ولا معنى لها.

سقطت من ح.

(6)

أي القمر والظلام، ويكون الغاسق أحدهما، وتبقى وقب على بابها بمعنى دخل.

ويجوز أن يعود الضمير على تفسير معنى وقب إذ فُسّرب (أظلم الشيء) ، و (دخل في الشيء) .

ينظر جامع البيان للطبري: 30/ 351، والدر المصون: 11/158.

الفلق:3.

البلد: 20، وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي وأبي جعفر.

ينظر في هذه القراءة: السبعة: 686، والحجة لابن زنجلة: 766، والنشر: 1/390، وغيث النفع:384.

فتح الأقفال:68.

ص: 268

(1)

تسهيل الفواتئد: 197، وفيه:"ولا تفتح عين مضارع فَعَلَ دون شذوذ إن لم تكن هي أو اللام حلقية بل تكسر أو تضم تخييراً إن لم يشهر أحد الأمرين أو يلتزم كالتزام الكسر عند غير بني عامر"، وقال في شرح التسهيل 3/446:"ويلتزم الكسر في مضارع فَعَلَ إن كانت فاؤه واواً كوجد، أو كانت عينه أو لامه ياء كسار يسير ومشى يمشي وروي عن بني عامر يجد بضم الجيم"لم يقل ابن مالك إن بني عامر لا تلتزم كسر عين مضارع هذا النوع بل قال إن جميع العرب هي التي تلتزم، وبنو عامر قد يلتزمون في غير وجد، وعبارة المصنف تلزم بني عامر عدم كسر عين مضارع هذا النوع.

قلت: ومن عجب أن النحاة ينسبون ضم عين مضارع وجد لبني عامر ويستشهدون عليها ببيت هو:

تدع الصوادي لا يجُدون غليلاً

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

ويزعمون أن هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، والصواب أنه لجرير بن عطية الخطفي وهو تميمي يربوعي، وأول من تنبه لهذا الخلط هو ابن بري في كتابه التنبيه والإيضاح: 2/60 قال: "وذكر في فصل وجد بيتاً زعم أنه للبيد شاهداً على قولهم وجد يجُد بضم الجيم في المضارع – ثم أورد البيت – قال الشيخ – يعني نفسه – البيت لجرير وليس للبيد كما زعم

".

هذه المادة ترجمها المعجميون في (أبه) و (وبه) وهي عندهم بمعنىً واحد سواء أكانت فاؤها همزة أم كانت واواً.

(2)

أخرجه الترمذي من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه في كتاب المناقب حديث رقم 55، وأخرجه ابن ماجة من طريق معاذ بن جبل رضي الله عنه في كتاب الزهد الباب الرابع وهو فيهما مهموز الفاء يؤبه له وليس يوبه كما مثل المصنف ولعل هناك رواية أخرى اطلع عليها المصنف بالواو وليست بالهمزة وكما علمنا المعجميون العرب يترجمون ل (أبه) و (وبه) على أنهما مادتان وليست إحداهما مسهلة من الأخرى.

التسهيل: 197.

التسهيل: 197

(3)

الحديد: 16.

الرحمن: 44.

ص: 269

(1)

للنحاة تعليلات طويلة في سر فتح عين مضارع أبى إذ قال إسماعيل بن إسحاق الأزدي وهو من نظراء المبرد وثعلب: إنه فتح لأن فاءه حرف حلق حكاه عنه السيرافي في كتاب السيرافي النحوي: 277، والزجاج في معاني القرآن: 1/362، وهو رأي غير مقبول، وقال فريق إنه فتح لأن لامه ألف، والألف من حروف الحلق وهذا الرأي أيضاً غير جيد، وحكى هذا القول السيرافي: 277، وقال قوم إنه فتح حملاً على منع يمنع لأن الإباء منع، وقال سيبويه 4/105: إنه فتح تشبيهاً له بيقرأ وقال أيضاً وفي يأبى وجه آخر أن يكون فيه مثل حسِب يحسب.

(2)

التسهيل: 197.

(3)

في ح يرأى والتصويب من ف.

المشهور في لغة العرب ينعاه على القياس، وسيأتي التعليق عليها في موضعها موثقة.

(4)

وجى يجي حَفيَ وقيل شدّة الحفاء، لسان العرب (وجى) : 15/378.

(5)

وخى معناه قَصَدَ، لسان العرب (وخى) : 15/383.

(6)

التسهيل: 97.

(7)

في ح: بعضه والتصويب من ف.

الواو سقطت من ح.

الفعل عَجَّ جاء من باب ضرب ومن باب فرح، ومعنى عجَّ رفع صوته وصاح وخصّه بالتهذيب بالدعاء والاستغاثة. ينظر لسان العرب (عجج) : 2/318.

صرَّ يصِرُّ يفسرها المعجميون بصوَّت لا بصرخ، ولعل التقارب الصوتي بين التصويت والصراخ هو الذي جعل المصنف يفسر صرّ بصرخ

(8)

الذاريات: 29.

وهو ما يطّرد فيه ضم عين المضارع.

أوله قوله:

كسر كما لازم ذا ضمٍّ احتملا

وضمّ عين معذاه ويندر ذا

في ح: يفته بصيغة المضارع فقط، ولم تذكر واو العطف وصيغة الماضي.

في خ: قتاة.

أول قوله:

وجهين هرّ وشدّ علّه عللا

فذو التعدّي بكسرٍ حبّه وع ذا

(9)

في ح: قرأ بالبناء للمعلوم، والقارئ هو أبو رجاء العطاردي عمران بن تميم كما في شواذ ابن خالويه 26، والكشاف: 1/424، والبحر المحيط: 3/103.

آل عمران: 31.

الصحاح (حبب) :1/105.

(10)

من قوله:

لزوم في امرر به وجلّ مثل جلا

وبتّ قطعاً ونمّ واضممن مع الـ

كلمة الشيء سقطت من ح.

ص: 270

أنَّث الفعل لأن الفاعل اسم جمع على حدّ قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نوْحٍ} و {قالَتِ الأَعْرَابُ آمنَّا} .

الشراب مفعول ثانٍ لعل، ويأتي علّ لازماً قال في اللسان (علل) 11/467:"علّه يَعلُّه ويعِلُّه إذا سقاه السقية الثانية، وعلَّ بنفسه يتعدّى ولا يتعدَّى".

فتح الأقفال: 79.

في ح (نمي يقال نمي الحيث) ، وفي ف كتب الكلمة ثم شطب عليها ثم صححت بقلم مختلف عن قلم الأصل.

في ح وف: فشاه، وفشى لازم لا يصل للمفعول بنفسه، وأثبت ما في لامية الأفعال.

(1)

فتح الأقفال: 79.

(2)

الصحاح (بتت) : 1/242.

تسهيل الفوائد: 198: "وفي المضاعف المعدِّي غير المحفوظ كسره".

شرح تسهيل الفوائد: 3/445.

أي بحرق، ينظر فتح الأقفال:79.

الحشر:3.

(3)

من قوله:

وعمّ زمّ وسحّ وملّ أي ذملا

هبّت وذرّت وأجّ كرّ همّ به

د أي عدا شقّ خشّ غلّ أي دخلا

وأبّ لمعاً وصرخاً وشكّ أبّ وشد

ش المزن طشّ وثلّ أصله ثللا

وقشّ قوم عليه الليل جنّ ورش

تٌ كمّ نخلُ وعسّت ناقة بخلا

أي راث طلّ دمٌ خبّ الحصان ونبـ

رَ الصلد حدّت وثرّت جدّ من عملا

قسّت كذا وعِ وجهي صدّ أثّ وخرْ

والفعل هبَّ فقط، والتاء للتأنيث، ولعله قيّده بتاء التأنيث تمشياً مع النظم.

في الأصول: هم به الأمر بهم.

(4)

لم أجده في التسهيل ولا في شرحه.

عبارة "وأَلّ يؤلّ بالضم والكسر برق فجعل الصرخ"ليست موجودة في ح.

الوجهان هما أنه جعل ألّ بمعنى صرخ من مضموم العين وهو من مكسورها، والوجه الثاني أنه جعل ألّ بمعنى لمع من مضموم العين فقط وهو مما سمع فيه الضم شذوذاً والكسر قياساً.

هو ضياء الحلوم في مختصر شمس العلوم لعلي بن نشوان بن سعيد الحميرى المتوفى سنة 620 وهو من معاجم الأبنية، توجد منه نسخة خطيّة في عارف حكمت، والنص المشار إليه في اللوحة 12/ب.

(5)

كلمة به سقطت من ح.

(6)

فتح الأقفال: 83.

تسهيل الفوائد: 197.

(7)

شرح التسهيل: 3/445.

ص: 271

في ح وف: رجع الحسنُ في وجهه. ينظر: الصحاح (أدد) : 2/440، والقاموس المحيط (أدد) : 338، وفتح الأقفال:84.

(1)

في فتح الأقفال بقّاً فقط، وفي التاج (بقق) 13/43:"وقال الزجاج: بقّ الرجل على القوم بقّاً وبَقاقاً مثال فك الرهن يفكُّه فكّاً وفَكاكاً إذا كثر كلامه"اه. وعلى هذا فالفعل بقّ له مصدران مسموعان عن العرب الأوّل منهما ما ذكره بحرق، والثاني ما ذكره الصعيدي.

في ح: وأربعون.

من قوله:

رَ الصلدُ حدَت وثرّت جدّ من عملا

قسّت كذا وع وجهي صدّ أث وخرْ

نٌ عنَ فحّت وشذّ وشحّ أي بخلا

ترّت وطرّت ودرّت جمّ شبّ حصا

رٌ والمضارع من فعلت إن جعلا

وشطّت الدار نسّ الشيْ حرّ نها

مضموم عين وهذا الحكم قد بذلا

عيناً له الواو أو لاماً يجاء به

الزخرف: 57، والذين قرأوا بالضم هم: نافع وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية عنه، وقرأ الباقون بالكسر.

ينظر: السبعة: 587، والمبسوط: 336، والنشر: 2/369.

(2)

فتح الأقفال: 84.

الإِسراء: 109.

(3)

الإِسراء: 107.

(4)

أي بكسر المصدر.

(5)

في ح من جمعه يجمعه.

أي في المصدر.

(6)

أي بفتح المصدر.

أي بكسر عين المضارع يشِبُّ.

أي فخّت بالخاء المعجمة من فوق، والفحيح أعلى لغة من الفخيخ. ينظر اللسان (فخخ) : 3/42.

ف تح الأقفال: 88.

شرح التسهيل: 3/446.

العرُّ بفتح العين وضمها هو الجرب داء يصيب الإِبل فتعدى به الصحاح، وفسّره المصنف بسلمت من باب التفاءل كالسليم للديغ والمفازة للمهلكة، أو من باب الفرار من النطق باسمه كالبصير للأعمى.

(7)

في ح: أورد مضارعاً واحداً فقط لهذا الفعل.

فتح الأقفال: 89.

ص: 272

قد لا يسلم له هذا التعليل وذلك لأن بين الكسرة اللازمة في عين الكلمة والضمة اللازمة في ضمير المفعول فاصل هو حركة لام الفعل وهو حاجز حصين، ولابن مالك تعليل أقوى من تعليل الشارح إذ يقول في التسهيل: 196 "لفعل تعدٍّ ولزوم، ومن معانية غلبة المقابل، والنيابة عن فعُل في المضاعف واليائي العين"فابن مالك يرى أن المضاعف اللازم نائب عن فعُل بضم العين في الماضي.

ص: 273

تابع لفتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال

[باب نصر]

ولمّا أنهى الناظم رحمه الله تعالى حكم عين المضارع من فَعَلَ المفتوح لازماً ومتعدّياً عاد إلى ذكر باقي القسم الثاني منه [//20/ أ] أعني ما يلزم ضم عين مضارعه، وقد ذكرنا أنه أربعة أنواع:

المضاعف المعدّى وقد سبق، وما يدّل على غلبة المفاخرة وسيأتي، وما عينه أو لامه واو وإليهما أشار بقوله:

[الأجوف والناقص الواوي]

.................................

(والمضارع من فعلت إن جعلا)

(عينا له الواو أو لاماً يجاء به

مضموم عين

)

أي والمضارع من فَعَلَ المفتوح يجاء به مضموم العين إن جُعِلَ الواوُ عيناً له أو لاماً فقوله: والمضارع مبتدأ، ويجاء به خبره، وجواب الشرط محذوف، أو جملة يجاء به هي الجواب وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ، ولا يضرّ رفع الجزاء؛ لأن الشرط ماضٍ قال في الخلاصة:

وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسنْ

والواو نائب فاعل جعل، وعيناً مفعول ثانٍ له مقدّم، ولاماً معطوف عليه، ومضموم عين حال من الضمير المستتر في يجاء به مثال ما عينه واو (بَاءَ) بكذا يَبُوءُ رجع، و (سَاءَ) يَسُوءُ، و (نَاءَ) بحمله يَنُوءُ نهض بجهد ومشقّة، و (آبَ) يؤوبُ، و (تَابَ) يَتُوبُ، و (ثَابَ) يَثُوبُ كلها بمعنى رجع فالإِياب الرجوع، ومنه {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} (1) أي رجّعي بصوت التسبيح معه، و (عَادَه) يَعُودُه زاره، و (جَابَه) يَجُوبُه خرقه وقطعه، و (حَابَ) يَحُوبُ حَوْباً بالضم والفتح أَثِمَ، ومنه {إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (2) و (ذَابَ) السمن ونحوه يَذُوبُ و (رَابَ) اللبن يَرُوبُ، و (شَابَه) يَشُوبُه خلطه، و (صَابَ)[// 20/ ب] المطر يَصُوبُ نزل بكثرة، و (قَالَ) يَقُولُ.

تنبيه:

ص: 274

لا أثر لكون لام هذا النوع حرف حلق، وإن اقتضته عبارة التسهيل، وإطلاقه في النظم يؤيد ما قلناه، وقد ذكرنا في الأمثلة الثلاثة الأُوَلِ ما لامه حرف حلق، ونحو (بَاحَ) يَبُوحُ، و (فَاحَ) المسك يَفُوحُ، و (صَاغَ) الحَلْيَ يَصُوغُه.

ومثال ما لامه واو: (بَدَا) يَبْدُو: ظهر وسكن البادية، و (بَذَا) عليهم يَبْذُو: فَحُشَ في كلامه فهو بَذِيٌّ، و (دَعَا) يَدْعُو، و (بَلاه) يَبْلُوه: اختبره ومنه {لَتُبْلَوُنّ} (1)، و (تلاه) يَتْلُوه: تبعه، و (القرآن قَرَاه)، و (جَفَاه) يَجْفُوه: هجره، و (جَلا) السيف يَجْلُو: صقله، والعروس أراها الناس، و (حَبَا) الصبيّ يَحْبُو: مشى على بطنه، و (حَبَاه) أيضاً أعطاه، و (حَسَا) الماء يَحْسُوه: شربه جَرْعاً، و (حَشَا) الوسادة يَحْشُوها، و (حَنَا) علية يَحْنُو: عطف، و (خَطَا) يَخْطُو مشى، و (خَلا) المكان يَخْلُو، و (دَجَا) الليل يَدْجُو: أظلم، و (دَنَا) يَدْنُو: قَرُبَ فهو دانٍ، و (زَكَتِ) النَّارُ تَزْكُو: اشتعلت، و (رَبَا) يَرْبُو: زادت ك (نَمَا يَنْمو) ، و (رَجَاه) يَرْجُوه.

تنبيه:

قال الشارح شرط في التسهيل للزوم الضم فيما لامه واو أن لا يكون عينه حرف حلق، وهو أيضاً مقتضى كلام الناظم فيما سيأتي في الحلقي، وكأنه رحمه الله لم يمعن النظر في ذلك فإني تتبعت مواده فلم أظفر بما انفرد [//21/أ] بالفتح سوى (طَحَا) الأرض يَطْحَاها بسطها، و (طَغَا) يَطْغَى بالغين جاوز الحدّ، وفيه لغة أخرى ك (رَضِيَ يَرْضَى) ، و (فَحَا) الترابَ يَفْحَاه جرفه فهذه ثلاثة، وجاز في أفعالٍ الفتحُ والضمُّ انتهى فانظره.

ثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى النوع الرابع من القسم الثاني وهو ما يلزم ضم عين مضارعه من (فعل) المفتوح بقوله:

[المغالبة]

.................................

(

وهذا الحكم قد بذلا)

(لما لبذّ مفاخر وليس له

داعي لزوم انكسار العين نحو قلا)

ص: 275

أي وهذا الحكم وهو ضم عين المضارع المفتوح قد بذل لما بذَّ المفاخر بالموحدة، والذال المعجمة، وفي نسخة لما يدلّ على الفخر، والأولى أدلُّ على المقصود مثال ما لغلبة المفاخرة سَابَقَنِي فَسَبَقْتُه فأنا أَسْبُقُه بالضم أي فخرته بالسباق مع أن أصله سَبَقَه يَسْبِقُه بالكسر، وهكذا في كل مكسورٍ المضارعُ بنيّة المغالبة، فكأنك تردّ مضارعه إلى يفعُل بالضم، ما لم يكن فيه داعي لزوم انكسار العين من كون فائه واواً ك (وَعَدَ)، أو عينه أو لامه ياء ك (باع ورمي) فإنه مانع من الضم فتقول: وَاعَدَنِي فأنا أعِدُه، وبَايَعَنِي فأنا أبِيْعُه ورَامَانِي فأنا ارْمِيْه بالكسر، ومثله قَالانِي فأنا أقْلِيْه، والقِلَى بالكسر البغضُ، وقد مثل به الناظم لما فيه داعي [//21/ ب] الكسر، لا لما لغلبة المفاخرة.

ثم أشار بقوله:

(وفتح ما حرف حلق غير أوّله

عن الكسائي في ذا النوع قد حصلا)

إلى أنه إذا بني الفعل لغلبة المفاخرة مما ليس فيه داعي الكسر فلا فرق عند الجمهور في لزوم ضمه بين أن يكون غير أوله وهو عينه أو لامه حرف حلق أم لا - وسيأتي ذكر حروف الحلق المقتضية لفتح المضارع - فتقول صَارَعَنِي فأنا اصْرُعُه بالضم، وشَاعَرَنِي فأنا أَشْعُرُه، ومذهب الكسائي أن حرف الحلق مانع من الضم في ذا النوع أي المبني لغلبة المفاخرة؛ لأن الفتح قد سمع في أفعال، وحمل الجمهور ذلك على الشذوذ كما سمع الكسر في أفعال ولا أثر عندهم لحرف الحلق.

وقوله: (وفتح ما حرف حلق غير أوله) : فتح مبتدأ، وقد حصل خبره، وما موصولة مضاف إليه، وحرف حلق خبر مقدم، وغير أوّله مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، والعائد الضمير المضاف إليه، وفي ذا النوع متعلق بحصل، وعن الكسائي متعلق بفتح أو بحصل أي وفتح الذي غير أوله حرف حلق قد حصل في هذا النوع عن الكسائي.

تنبيه:

قال الشارح: ومقتضى الصحاح موافقة الكسائي في أن حرف الحلق مانع من الضم.

ص: 276

وقد تقدّم أن مضارع فعل المفتوح أربعة أنواع: نوع يطّرد [//22/أ] فيه الكسر وهو: ما فاؤه واوٌ، أو عينه، أو لامه ياء، أو مضاعف لازم.

ونوع يطرد فيه الضم وهو: المضاعف المتعدّي، وما عينه، أو لامه واوٌ، وما يدل على غلبة المفاخرة، وقد انقضى الكلام على هذين النوعين. ونوع يجوز فيه الكسر والضم وسيأتي قريباً.

[باب فتح]

(في غير هذا لذي الحلقيّ فتحا أشع

بالاتفاق ك (آت) صيغ من سألا)

أي وأشع الفتح قياساً في غير الدال على المفاخرة من مضارع فَعَلَ المفتوح الحلقي العين أو اللام باتفاق من الكسائي وغيره، وحروف الحلق ستة:(الهمزة، والهاء، والحاء، والخاء، والعين، والغين) ويجوز أن يكون قوله (لذي الحلقي) بذال معجمة مكسورة. وبمهملة مفتوحة أي وأشع الفتح في مضارع فعل المفتوح ذي الحرف الحلقي، أو عند وجود الحرف الحلقي، ومثال ذلك سَألَ يَسْألُ وهو ما مثّل به الناظم، وبَأى عليه يَبْأَى افتخر، وبَدَأ الله الخلق يَبْدَأُه أي ابتدأه، وبَرَأَه يَبْرَأُه خلقه، والبرية الخليقة، وكذا بَرَأ المريض يَبْرَأُ، وجَزَأ بالشيء يَجْزَأُ اكتفى، وجَشَأ الصوت يَجْشَأُ خرج من الحلق، وخَبَأ الشيء يَخْبَأُه ستره، وخَسَأ الكلب يَخْسَأ بَعُدَ، وخسأته طردته [//22/ ب] لازماً ومتعدياً، وخَلأتِ الناقةُ تَخْلأ بركت في حال السير، ودَرَأَه يَدْرَأُه دفعه، وذَرَأه يَذْرَأُه خلقه، ومنه الذريئة {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّم} (1) ، ورَفَأ الثوبَ أصلح فساده، ورَقَأ الدمع سكن، ورَقَأ الجبل صعد، وطَرَأ عليهم يَطْرَأُ جاءهم فُجَاءة، وفَقَأ العينَ يَفْقَأُها قلعها، وكَلأه الله يَكْلأُه حرسه ومنه {قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ} (2) ، ومَلأَه يَمْلأه، ونَسَأُه يَنْسَأُه أخّره، والمِنْسَأهُ العصا، وهَدَأَ يَهْدَأَ سكن، ودَعَبَ بالمهملتين يَدْعَبُ دُعابَةً بالضم مزح، وذَهَبَ يَذْهَبُ، ورَعَبَه يَرْعَبُه أفزعه، وسَحَبَه يَسْحَبُه جره على وجه الأرض،

ص: 277

وشَعَبَ يَشْعَبُه صدعه، وأصلح شعبه من الأضداد، وبَغَتَه يَبْغَتُه دخل عليه بَغْتَةً أي فُجَاءة، وبَهَتَه يَبْهَتُه افترى عليه، وبَحَثَ عنه يَبْحَثُ طلبه، ونَصَحَه يَنْصَحُه.

فهذه الأمثلة ونحوها مما عينه أو لامه حرف حلق مفتوحة العين في المضارع؛ وذلك مشروط بشروط أشار إليها بقوله:

(إن لم يضاعف ولم يشهر بكسرةٍ أو

ضم كيبغي وما صرّفت من دخلا)

أي إنما يفتح قياساً عين المضارع من فعل المفتوح الحلقي بثلاثة شروط:

الأول: ألاّ يكون مضاعفاً، فإن كان مضاعفاً فهو على قياسه السابق [//23/ أ] من كسر لازمه، وضم معدّاه فاللازم نحو صحَّ جسمه يصِحُّ، والمعدّى نحو دَعَّه يَدُعُّه.

الثاني: ألاّ يشتهر فيه الكسر نحو (بغَى يَبْغِي) ، و (نَعَى يَنْعِي) ، و (نَضَحَه بالماء يَنْضحُه) رشّه، و (شَخَرَ بالمعجمة يَشْخرُ) شخيراً صوّت من حلقه وأنفه، و (رَجَعَ يَرْجِعُ) و (رَضَعَ يَرْضِع) وفيه لغة أخرى ك (فَرَحَ يَفْرحُ) ، ومثله (نَهَقَ الحمار يَنْهِقُ) ، و (سَغبَ) أي جاع ومنه {ذِي مَسْغَبَةٍ} (1) أي مجاعة، و (نَزَعَه ينْزِعُهُ) كانتزعه.

الثالث: ألا يشتهر فيه الضم ك (يَدْخُلُ) المتصرف من دخل، و (صرَخَ يصْرُخُ) و (نَفَخ يَنْفُخُ) ، و (قَعَدَ يَقْعُدُ) ، و (أخَذَه يَأخُذُه) ، و (طَلَعَتِ الشَّمس تَطْلُعُ) ، و (بَزَغَت تَبْزُغ) أي طلعت، و (بَلَغَ يَبْلُغُ) ، و (سَبَغَ الثوب يَسْبُغ) فاض، وطال، و (سَعَلَ يَسْعُلُ سُعالاً) ، و (نَحَلَه ينْحُلُه) أي أعطاه، و (نَخَلَ الدقيق ينْخُلُه) ، و (زَعَمَ يَزْعُمُ زعماً) مثلّث الزاي، وأكثر ما يقال فيما يشكّ فيه، وقد يراد به مجرّد النقل عن الغير نحو: زعم سيبويه كذا.

تنبيه:

ص: 278

قال الشارح: اقتصاره على استثناء هذه الثلاثة يقتضي أن سائر الحلقي ولو كان فيه داعي لزوم الكسر ك (وَعَدَ يَعِدُ) و (بَاع يَبْيِعُ) و (بَغَى يَبْغِي) أو داعي الضم ك (دَعا يدْعُو) و (فَاحَ المسك يَفوحُ) قياسه الفتح ما لم يشتهر بكسرة أو ضم، وتمثيله أيضاً بـ (يَبْغِي) يدل على ذلك، وقد سبق فيما فاؤه واو أن حلقي العين منه مكسور على [//23/ ب] إطلاق التسهيل والنظم هناك ك (وَعَدَ يَعِدُ) ، وشذّ (وَهَبَ له يَهَبُ) وإن خالف إطلاق النظم هنا، وحلقي اللام منه مفتوح ك (وَضَع يَضَعُ) و (وَقَعَ يَقَعٌ) موافقة لإِطلاق النظم هنا، وإن خالف إطلاق التسهيل، وكذا فيما عينه ياء أن حلقي اللام منه مكسور وإن خالف النظم هنا نحو (جَاءَ يَجِيءُ) ، و (صَاحَ يَصِيحُ) ، و (بَاعَ يَبِيعُ) ، و (زَاعَ عنه يَزِيغُ) و (تَاهَ يَتِيهُ) ، ولم يشذّ منه شيء، وفيما لامه يائي ك (رَمَى يَرْمِي) شرطه ألا يكون عينه حرف حلق كما شرطه في التسهيل، وكما يرشد إليه تمثيل الناظم فيما سبق بـ (يأتي) وهو موافق لإِطلاقه هناك ك (سَعَى يَسْعَى) و (نَهَى عنه يَنْهَى) وشذّ (بَغَى يَبْغِي) و (نَعَى الميّتَ يَنْعِيه) ، وفيما عينه واو أنه لا أثر لكون لامه حرف حلق وإن شرط ذلك في التسهيل واقتضاه إطلاقه هناك ك (سَاءَه يَسُوءُه) و (فَاحَ المسكُ يَفُوحُ) وكذا فيما لامه واو أن غالب مواده مضمومه ك (دَعَا يَدْعُو) و (لَهَا يَلْهُو) ، و (سَهَا يَسْهُو) .

وحاصله أن لحرف الحلق تأثيراً إذا كان لاماً لما فاؤه واوٌ ك (وَضَعَ يَضَعَ) ، وكذا إن كان عيناً لما لامه ياءي ك (سَعَى يَسْعَى) فيدخلان في إطلاق النظم هنا.

ولا أثر له إذا كان عيناً للأول ك (وَعَدَ يَعِدُ) ، أو لاماً للثاني ك (بَاعَ يَبِيعُ) ، وكذا إن كان عيناً لما لامه واوا ك (دَعَا يَدْعُو) ، أو لاماً لما عينه واوا ك (فَاحَ [//24/أ] المسك يَفُوحُ) فتردّ الأربعة على إطلاقه هنا والله أعلم.

ص: 279

ولما لم يكن في نحو (نَصَرَ وضَرَبَ) مرجَّح لكسر، ولا ضم، وكان القياس فيه جواز الوجهين لاستوائهما لولا تخصيص اشتهار الاستعمال بأحدهما دون الآخر صار المرجع فيه إلى النقل؛ ولهذا لما أنهى الناظم رحمه الله الكلام على الأقسام الثلاثة من أقسام فَعَلَ المفتوح وهو: مكسور المضارع قياساً، ومضمومه قياساً، ومفتوحه قياساً أشار إلى القسم الرابع وهو ما يجوز فيه الضم والكسر بقوله:

(عينَ المضارع من فعَلت حيث خلا

من جالب الفتح كالمبني من عتلا)

(فاكسر أو اضمم إذا تعيين بعضهما

لفقد شهرةٍ أو داعٍ قد اعتزلا)

(عين المضارع) بالنصب مفعول به مقدّم لقوله: (اكسر) ، ولا يضرّه وقوعه بعد الفاء؛ لأنها زائدة، ومفعول (اضمم) محذوف يدلّ عليه المذكور، وليس من باب التنازع خلافاً للشارح؛ لأن الناظم لا يراه في المتقدّم، و (حيث) ظرف مكان عند الجمهور، لا شرط لعدم اتصالها بـ (ما) ، وجملة (خلا) في محل خفض بإضافة حيث إليها، ومن جالب متعلق بـ (خلا) أي خلا عين مضارع فَعَلَ المفتوح من جالب الفتح وهو حرف الحلق في لامه أو عينه كمضارع (عَتَلَه بالمثناة يَعْتُلُه ويَعْتِلُه) إذا دفعه، فاكسر عينه إذا شئت أو اضممها، وفي جعله [//24/ب] الحرف الحلقي جالباً للفتح تسامح؛ لأنه شرط لا سبب كما سبق، وقد شرط لجواز الوجهين بعد خلوّه من حرف الحلق ألَاّ يتعيّنَ فيه الضم لشهرة أو داعٍ، ولا الكسر لشهرة أو داعٍ، فإن تعيّن أحدهما لشهرة أو داع قياسي منع من الآخر فيصير هذا القسم ثلاثة أنواع:

متعيّن الضم، ومتعيّن الكسر، وجائز فيه الوجهان.

أما ما يتعيّن ضمّه لداع فقد سبق له أربعة أنواع: المضاعف المعدّى ك (مَدَّه يَمُدُّه) ، وما عينه أو لامه واوا ك (قَالَ يَقُولُ) و (غَزَا يَغْزُو) ، وما لغلبة المفاخرة ك (سَابَقَنِي فَسَبَقْتُه فأنا أَسْبُقه) .

ص: 280

وأما ما يتعيّن كسره لداع فقد سبق أيضاً أنه أربعة أنواع: ما فاؤه واو ك (وَعَدَ يَعِدُ) أو عينه أو لامه يائي (بَاعَ يَبِيعُ) و (رَمَى يَرْمِي) ، والمضاعف اللازم ك (حَنَّ يَحِنًّ) .

وأما ما اشتهر استعمال الضم فيه فنحو (ثَقَبَه يَثْقُبُه) بالمثلّثة خرقه، و (نَقَبَه) بالنون، و (حَجَبَه يَحْجُبُه) و (سَلَبَه) ، و (خَطَبَ) ، و (رَسَبَ في الماء) ثبت، و (نَكَبَ عن الطريق) عدل، وفيه لغة كفَرحَ، و (خَفَتَ) سكن، و (سَكَتَ) ،و (حَدَثَ) ، و (نَصَرَ) ،و (كَتَبَ) .

وإذا أردت تكثير الأمثلة فعليك بالشارح فإن فيه ما لا مزيد عليه.

وأما ما اشتهر بالكسر فنحو (جَلَسَ يَجْلِسُ) ، ونحو (جَذَبَه) ، و (خَصبَ المكان) كثر عشبه، وفيه لغة كفَرِحَ، و (ضَرَبَه) ، و (عَضَبَه) قطعه، و (غَصَبه) أخذه ظلماً، و (غَلَبَه) قهره، و (قَضبَه)[//25/أ] قطعه، و (كَذَبَ) ، و (كَسَبَ) ، و (نَصَبَه) رفعه، و (ألَتَه حقَّه) نقصه ومنه {لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} (1){وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء} (2) ،و (كَبَتَه) رده بغيظه، و (كَفَتَه) ضمه إليه، و (شَمَس اليومُ) اشتدت شمسه كأشمس، وفيه لغة كفَرِحَ وحَسِبَ، وتَمَّم الشارح الأمثلة فراجعه.

وأما ما يجوز فيه الوجهان: الكسر والضم فنحو: (جَلَبَه يَجْلُبُه ويَجْلِبُه) ، وكذا (حَلَبَ ما في الضرع) ، و (خَلَبَه السبع يَخْلُبُه ويَخْلِبُه) خدعه، و (عَتَبَ عليه) لامه، و (نَسَبَه) ذكر نسبه، و (سَلَتَ أنفه) ، و (سَمَتَ) حسن سمته أي سيرته، و (نَفَثَ) فيه نفخ، و (نَكَثَ العهد والحبل) نقضه، و (حَلَجَ القطن) ، و (خَدَجَتِ الناقةُ) ألقت ولدها قبل التمام. راجع الشارح.

فصل [في اتصال تاء الفاعل أو نونه بالفعل]

ص: 281

أي في حكم اتصال تاء الضمير أو نونه بالفعل الماضي الثلاثي المعتل العين وذلك أنه يجب حينئذٍ تسكين آخر الفعل له مطلقاً ثلاثياً كان أو غيره، مجرّداً أو مزيداً فيه صحيحاً أو معتلاًّ، لكنه إذا كان غير ثلاثي أو ثلاثياً صحيح العين لم يتغيّر وزنه ك (دَحْرَجْتُ) و (انْطَلَقْتُ) و (ضَرَبْتُ) و (وَعَدْت) و (رَمَيْتُ) و (دَعَوْتُ) ؛ وإنما لم ينبّه الناظم رحمه الله تعالى على ذلك لوضوحه، وإن كان ثلاثياً معتلَّ العين بواوٍ أو ياء من باب (فَعُلَ) أو (فَعَلَ) أو (فَعِلَ) مضموماً ومفتوحاً ومكسوراً ك (قَالَ) ، و (بَاعَ) و (خَافَ) و (هَابَ) و (طَالَ) تغيِّر وزنه عند اتصال [//25/ ب] تاء الضمير أو نونه به؛ لسقوط عينه عند التقاء الساكنين، وهما آخر الفعل المسكّن لأجل الضمير والألف المنقلبة من عين الكلمة مع الاحتياج إلى التنبيه على وزنه في الأصل هل هو من باب فَعُلَ بالضم أو فَعِلَ بالكسر، أو فَعَلَ بالفتح، فصار الفصل مختصّاً بالثلاثيّ المعتلّ العين؛ ولهذا قال:(وانقل لفاء الثلاثي) بتخفيف الياء (شكل عينٍ إذا) بنقل حركة الهمزة إلى تنوين عين لأجل الوزن (اعتلّت) أي تغيّرت العين وكان الثلاثي (بتا الإِضمار) أي الضمير (متّصلا أو نونه) أي الضمير، عطف على (تاء) ، وخرج بقوله الثلاثي غير الثلاثي، وبمعتل العين صحيحها من الثلاثي كما سبق فإنه لا يتغيّر وزنه ولا يحذف منه شيء ك (دَحْرَجْتُ) ، وكذا سائر الأمثلة السابقة، وأما الثلاثي معتل العين فإنه إذا سُكِّنَ آخره عند اتصال تاء الضمير أو نونه التقى ساكنان إذ عينه ألف ولا تكون إلا ساكنة فيجب حينئذٍ حذف حرف العلة وهو الألف المنقلبة عن عين الكلمة فيبقى أوله مفتوحاً على أصله إذ أوّل الماضي لا يكون إلا مفتوحاً فينظر ما حركة عينه قبل انقلابها هل هي ضمة أو كسرة أو فتحة، فإن كان أصلها ضمّة أو كسرة روعي فيه التنبيه على وزنه فتنقل شكل العين إلى الفاء بعد حذف العين تنبيهاً على أن [//26/أ]

ص: 282

أصله من باب فَعُلَ بالضم أو فَعِلَ بالكسر فتقول في (طَالَ يَطُولُ) : (طُلْتُ) و (طُلْنَا) و (طُلْنَ) بضم الطاء؛ لأن أصله (طَوُلَ) بضم الواو ك (كَرُمَ) لكن لمّا تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً، فلمّا اتصل به ضمير الفاعل وسكن آخره سقطت الألف فبقي (طَلْتُ) بفتح الطاء فأعطى الطاء ضمة الواو قبل انقلابها ألفاً فصار (طُلْتُ)، وكذا تقول في (خَافَ يَخَافُ) :(خِفْتُ وخِفْنَا وخِفنَ) بكسر الخاء؛ لأن أصله (خوِفَ) بكسر الواو، فلما تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً، فلما سقطت عند اتصال الضمير بقي (خَفْتَ) بفتح الخاء فأعطي الخاء كسرة الواو في (خَوِفَ) قبل انقلابها ألفاً فصار:(خِفْتُ) ويقاس عليها نظائرها مما شكل عينه في الأصل ضمة أو كسرة والتقييد بهما مفهوم من قوله: (وإذا فتحاً يكون) الشكل للعين (فمنه) أي من الفتح الكائن على العين (اعتض) أي عوّض (مجانس تلك العين) من الحركات وهو الضمة إن كانت العين واواً، والكسرة إن كانت ياء حالة كونك (منتقلا) في الأمثلة من الأفعال المعتلة العين فتردّ كل فعل إلى ما ذكرنا أي إنما ينتقل إلى الفاء شكل العين إذا كان الشكل غير فتحة، وإذا كان الشكل فتحة فلا ينقل إلى فائه إذ لا فائدة في النقل؛ لأن شكل الفاء أيضاً فتحة فيتعذّر حينئذٍ فيه [//26/ ب] التنبيه على الوزن، ويراعى فيه التنبيه على أن عينه المحذوفة هل هي قبل انقلابها ألفاً واوٌ أو ياءٌ فيعطى الفاء الشكل المجانس للتعين وهو ضمة إن كان أصلها واو، أو كسرة إن كان أصلها ياء تنبيهاً على الفرق بين ذوات الياء، وذوات الواو فتقول في قَالَ يَقُولُ:(قُلْتُ) و (قُلْنَا) و (قُلْنَ) بضم القاف؛ لأن أصله (قَوَلَ) بفتح الواو لِمَا سبق أنه من أمثلة فَعَلَ المفتوح فانقلبت ألفاً وسقطت عند اتصال الضمير فبقي (قَلْتُ) بفتح القاف، ولمّا لم يكن لنقل شكل عينه إلى فائه فائدة، وتعذّرت الدلالة على وزنه رُوعي فيه الدلالة على أصل عينه ما

ص: 283

هي فأعطى الفاء حركة تجانس الواو وهي الضمة فصار (قُلْتُ) ، وكذا تقول في بَاعَ يَبِيْعُ (بِعْتُ) و (بعْنَا) و (بِعْنَ) بكسر الباء أصله (بَيَعَ) بفتح الياء كما سبق أيضا فقلبت الياء أَلفاً وسقطت عند اتصال الضمير فبقي (بَعْتُ) بفتح الباء فأعطي حركة تجانس الياء وهي الكسرة، ويقاس عليهما نظائرهما.

تنبيه:

إنما حكمنا على (طَالَ) بأن أصله (طَوُلَ) بالضم ك (كَرُمَ) لا فَعَلَ بالفتح ك (قالَ) لأنه ضِدُّ (قَصرَ) ؛ ولأن اسم الفاعل منه على فَعِيْلٍ، وحكمنا على (قالَ) بأن أصله (قَوَلَ) بالفتح ك (نَصرَ) لا بالضم ك (ظَرُفَ) لأن المضموم، لازمٌ، والقولُ وما يتصرّف منه ينصب [//27/أ] الجُمَلَ وما في معناها، والمفردَ الذي أريد لفظه، ولا بالكسرة (خَافَ) وإلا لكان مضارعه على (يَقَالَ) ك (يَخَافُ) ، ولا بالسكون لأنه ليس من أوزان الفعل فتعيّن الفتح، وأن عينه واو لمجيء مضارعه بالضم، وحكمنا على (بَاعَ) أن أصله أيضاً (بَيَعَ) بالفتح وأن عينه ياء لمجيء مضارعه على (يَفْعِلُ) بالكسر وهو (يَبِيْعُ) .

باب أبنية الفعل المزيد فيه

ومراده لا يشمل مزيد الثلاثي ومزيد الرباعي لذكره النوعين في هذا الباب كما ستراه، وقد سبق أن الفعل المجرّد ثلاثي ورباعيّ فقط، وأن الثلاثي ثلاثةُ أبنية، وليس للرباعي إلا بناءٌ واحدٌ، ولم يأت أيضاً مزيد الرباعي إلا ثلاثة أبنية وهي:(تَفَعْلَلَ) ك (تَدَحْرَجَ) و (افْعَنْلَلَ) ك (احْرَنْجَمَ) ، و (افْعَلَلَّ) ك (اسْبَطَرَّ) ، وسائر الأمثلة التي ذكرها غير هذه الثلاثة من مزيد الثلاثي، وأكثر ما ينتهي بناء الفعل المزيد فيه إلى ستة أحرف ك (استخرج) ، والزيادة حينئذٍ ثلاثة أنواع، لأنها إما بحرف واحد فيصير بها الفعل رباعياً ك (أَكْرَمَ) ، والرباعي خماسياً ك (تَدَحْرَجَ) ، أو بحرفين ك (انْطَلَقَ) و (احْرَنْجَمَ) ، أو بثلاثة ك (اسَتَقَامَ) .

فوائد:

ص: 284

الأولى: اعلم أن الزائد نوعان: أحدهما تكرير الأصل، وهذا لا يختصّ بأحرف بعينها، وذلك ك (جَلْبَبَه) بالجلباب.

وثانيهما: ما لا يكون بتكريرٍ وهذا لا يكون [//27/ ب] إلا بأحد حروف الزيادة العشرة يجمعها قولك (سألتمونيها) ، ومعنى تسميتها بحروف الزيادة أنه لا يزاد في الكلمة لغير تَكْرار إلا بحرف منها، لا أنها تكون أبداً زائدة، لأنها قد تكون أصولاً، وذلك ظاهر.

الثانية: اعلم أنه لا يعرف الأصل من الزوائد إلا بمعرفة الميزان وهو أن يعبّر عن أوّل أصول الكلمة بفائها، وعن ثانيها بعينها، وعن ثالثها وكذلك رابعها بلامها فيقال في وزن ضَرَبَ:(فَعَلَ)، ودَحْرَجَ:(فَعْلَلَ)، وأمّا الزائد فإن كان بتَكْرير الأصل عبّر عنه بلفظ ذلك الأصل فيقال في وزن عَلَّمَ:(فَعَّلَ) قال في الخلاصة:

فإن يك الزائد ضعف أصل

فاجعل له في الوزن ما للأصل

وأما الزائد لغير تَكْرار فيعبّر عنه بلفظه فيقال في وزن أَعْلَمَ: (أَفْعَلَ) ، وضارَبَ (فَاعَلَ) ، وانْطَلَقَ (انْفَعَلَ) ، واسْتَخْرَجَ (اسْتَفْعَلَ) .

الثالثة: اعلم أنه لا يحكم بزيادة حرف إلا بدليل، وأقوى الأدلة سقوطه في بعض التصاريف كسقوط همزة أعْلَمَ، وألف وَالَى في عَلِمَ، ووَلِيَ لكن شرط الاستدلال بسقوط الحرف على زيادته ألا يكون سقوطه لعلة تصريفية فإن كان سقوطه لعلة تصريفية كسقوط ألف طَالَ وخَافَ وقَالَ وبَاعَ فيه طُلْتُ وخِفْتُ وقلْتُ وبِعْتُ، وسقوط واو [//28/أ] وعد في المضارع والأمر والمصدر لم يكن دليلا على الزيادة، ومما تعرف به زيادة الألف ما ذكره في الخلاصة أن مصاحبتها أكثر من أصلين ك (ضارب) وسبق الهمزة والميم ثلاثة أحرف أصول وغير ذلك مما ذكره.

ص: 285

الرابعة: اعلم أن العرب لا تزيد غالباً حرفاً إلا للدلالة على معنى زائد لا يدلّ عليه الأصل كدلالة الهمزة في أَكْرَمْتُه وأعْلَمْته على التعدية، والألف في ضَارَبْتُه وقَاتَلْتُه على الاشتراك في الفاعلية والمفعولية، والسين في اسْتَغْفَرَ ربّه على الطلب، ومعرفة هذه المعاني أصل مهمّ جداً وأهمل الناظم رحمه الله تعالى التعرّض لها لضيق هذا النظم فذكر أمثلة المزيد فيه مسرودة فقال:

(كأعلم الفعل يأتي بالزيادة)

أي الفعل يأتي بالزيادة على أصله إما بزيادة همزة قطع من أوله كأَعْلَمَ أو بزيادة غيرها على ما سيأتي.

فقوله الفعل مبتدأ، ويأتي خبره، وكأعلم في محل الحال من فاعل يأتي المستتر، وبالزيادة حال من المبتدأ على رأي سيبويه أي الفعل حال ملابسته للزيادة يأتي موازناً للأوزان المذكورة فمنها:

أَفْعَلَ: بزيادة همزة قطع على الثلاثي سواء كان فَعُلَ بالضم أو فَعِلَ بالكسر أو فَعَلَ بالفتح صحيحاً ككَرُمَ وفَرِحَ وذَهَبَ ونَزَلَ ودَخَلَ أو معتل الفاء كوَلجَ أو العين بالياء كفَاءَ [//28/ ب] أي رجع أو بالواو كقَامَ، أو معتل اللام كأَوَى إليه، وخَلا بالمكان فتقول في الجميع لتعديتها بالهمزة: أَكْرَمْتُه وأَشْرَحْتُه، وأَذهَبْتُه، وأَنزَلْتُه، وأدْخَلْتُه، وأَوْلَجْتُة، وأَفَأْتُه، وأَقَمْتُه، وآويتُه بمد الهمزة وأَخلَيتُه. وقس على ذلك سائر أمثلة الفعل المجرد بأنواعه السابقة، والتعدية أشهر معاني أفْعَلَ ومنه {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} (1) بزيادة الهمزة على جاء أي أوصلها، ومما ندر مجيء أَفعَلَ لازماً وفَعَلَ متعديّاً بعكس ما تقدم ومنه قولهم: كَبَّه لوجهه فأَكبَّ أي هو قال في الصحاح: "وهذا مما ندر مجيء فَعَلَ فيه معدّى وأَفْعَلَ لازماً"، وزاد في القاموس في حرف العين قَشَعْتُ القوم فأَقشَعُوا أي فرّقتهم فتفرّقوا أفاده الشارح.

ص: 286

وتأتي لمعانٍ كثيرة غير التعدية، ومعنى التعدية أن يضمّن الفعل معنى التصيير فيصير الفاعل لأصل الفعل مفعولاً، فإن كان الفعل لازماً تعدّى لواحدٍ كالأمثلة السابقة، أو إلى واحدٍ تعدّى إلى اثنين كألْبَسْتُ زيداً ثوباً، أو إلى اثنين تعدّى إلى ثلاثة كأَعْلَمْتُ زيداً عمراً قائماً وهو مثال الناظم.

ومن معانيها: السلب والإِزالة كأقْذَيْتُه وأشْكَيْتُه أي أزلت القذى عن عينه وأزلت شكايته، انظر الشارح.

ومنها [//29/ أ] فَاعَلَ:

بزيادة ألف بين الفاء والعين وهو الاشتراك في الفاعلية والمفعولية نحو: ضَارَبَ زيدٌ عمراً فزيدٌ وعمروٌ يشتركان في الفاعلية والمفعولية من جهة المعنى، وفي اللغة أحدهما فاعِلٌ والآخر مفعولٌ، ومنه {وَهُوَ يُحَاوِرُه} (1) أي يناجيه، وقد يكون لموافقة فَعَلَ ك (جَاوَزْتُه) بمعنى جُزْتُه و (هَاجَرْتُه) أي هَجَرْته، وبمعنى أَفْعَلَ ك (بَاعَدْتُه) أي أَبْعَدْتُه و (تَابَعْتُ الصومَ) أَتْبَعْتُ بعضه ببعضٍ، وإلى هذا الوزن أشار بقوله (مع والى) وهو يحتمل أنه من الموالاة بمعنى المناصرة فيكون من الاشتراك، أو من الموالاة بمعنى المتابعة للصوم ونحوه فيكون بمعنى أَفْعَلَ.

ومنها فَعَّلَ:

ص: 287

ك (وَلَّى) بتضعيف العين وهو للتعدية كهمزة أَفْعَلَ نحو كَرَّمْتُه وفَرَّحْتُه وعَلَّمْتُه، ويكون أيضاً لإِفادة التكثير نحو {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} (1){وَقَطَّعْنَاهُم} (2){وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} (3) ، ويكون للسلب والإِزالة ك (قَذَّيْتُ عَيْنَهُ) و (قَذَّيْتُ البعيَر) أي أزلت عنه القذى والقراد، ويكون للتصيير ك (أَمَّرْتُه) و (وَلَّيْتُه) و (عَدَّلْتُه) و (فَسَّقْتُه) أي جعلته أميراً ووالياً وعدلا وفاسقاً، ولاختصار حكاية المعنى الذي صيغ منه نحو:(كبَّرْتُ الله) و (سَبَّحْتُه) و (حَمَّدْتُه) و (هَلَّلْتُه) أي قلت الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولموافقة تَفَعْلَلَ: ك (فَكَّرَ) وتَفَكَّرَ [//29// ب] و (وَلَّى) وتَوَلَّى أي أدبر، ومثال الناظم يحتمله، ويحتمل التولية بمعنى التصيير.

ومنها اِسْتَفْعَلَ:

ك (اسْتَقَامَ) بزيادة همزة الوصل والسين والتاء، وهو للطلب ك (اسْتَغْفَرَ ربَّه) و (اسْتَعَانَه) أي سأله المغفرة والإعانة، وقد يكون للتحويل ك (اسْتحْجَرَ الطينُ) صار حجراً، أو لمطاوعة أفعل نحو أحكمته ف (اسْتَحْكَمَ) ، وأقمته ف (اسْتَقَامَ) وهو مثال الناظم، والمطاوعة: قَبُولُ فاعل فعلٍ أثر فاعل فعل آخر.

ومنها اِفْعَنْلَلَ:

ك (احْرَنْجَم) بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام الأولى، وهو لمطاوع فعْلَلَ الرباعي ك (حَرْجَمْتُ الإِبل) ف (احْرَنْجَمَتْ) أي جمعتها فاجتمعت.

ومنها اِنْفَعَلَ:

ص: 288

نحو (انْفَصَلا) بزيادة همزة الوصل والنون، وهو لمطاوعة فَعَلَ نحو فَصَلْتُهُ ف (انْفَصَلَ) وكَسَرْتُهُ ف (انْكَسَرَ) ومنه {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} (1){وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} (2) ، وقد يطاع أَفْعَلَ كأَغْلَقْتُ البابَ ف (انْغَلَقَ) ، وأَؤْعَجْتُهُ ف (انزَعَجَ) ، ولموافقة فَعِلَ ك (انْطَفَأَ) أي (طَفِىءَ)، وللإِغناء عنه ك (انْطَلَقَ) أي ذهب إذ لم يستعملوا المجرّد منه ثم قال:

(واِفْعَلَّ ذا ألف في الحشو رابعةً

وعارياً

)

أي ومنها اِفْعَالَّ:

بزيادة همزة الوصل، وألف رابعة بين العين واللام المضعّفة.

وكَذا افعلَّ:

عارياً عن الألف وهما للألوان ك (احْمَارَّ) و (اصْفَارَّ)[// 30/ أ] وكذا (احْمَرَّ) و (اصْفَرَّ لونه)، والفرق بينهما أن (افْعَالَّ) صاحبة الألف يكون للون غير ثابتٍ يقال: جَعَلَ يَحْمَارُّ مرّةً، ويَصْفَارُّ أخرىَ، و (افعَلَّ) للّون الثابت، ولا يكون كل منهما إلا لازماً.

(و) منها (كذلك) اِفعَيَّلَ:

بزيادة همزة الوصل والياء المثناة تحت المشددة بين العين واللام نحو (اِهْبَيَّخَ) الرجلُ بالمعجمة إذا انتفخ وتكبر وتبختر في مشيه، واهْبَيَّخَ أيضاً الصبيُّ إذا سَمِنَ وامتلأ شحماً فهو هَبَيَّخٌ.

ومنها افْتَعَلَ:

نحو (اعْتَدَلا) بزيادة همزة الوصل وتاء الافتعال وتكون للاتخاذ بالمعجمتين نحو اشْتَوَيْتُ بالواو أي اتخذت منه مشويّاً.

ولمطاوعة فَعَّلَ المضاعف ك (عَدَّلْت الرمح فاعْتَدلَ) ، وهو مثال الناظم، وللاختيار (انْتَقَاهُ) و (اصْطَفَاهُ) ، ولموافقة الثلاثي نحو (كَسَبَ) و (اكْتَسَبَ) وك (حَمَلَ) و (احْتَمَلَ) و (رِقيَ) و (ارْتَقَى) ، وبمعنى تَفَاعَلَ ك (اخْتَصَمُوا) أي تَخَاصمُوا.

ومنها تَفَعْلَلَ:

نحو (تَدَحْرَجَت) وتاء التأنيث لا دخل لها بزيادة التاء في فعلل الرباعي لمطاوعته ك (دَحْرَجْتُهُ فَتَدَحْرَجَ) .

ومنها فَعْيَلَ:.

ص: 289

ك (عَذْيَطَ) الرجلُ فهو (عُذْيُوطٌ) كعصفور، وعِذْيَوط كفِرْعَوْن إذا كان يُحْدِثُ عند الجماع.

ومنها اِفْعَوْعَلَ:

بزيادة همزة الوصل مع تَكرار العين المفصولة بالواو، وتكون للمبالغة نحو [//30/ب] اعْشَوْشَبَ المكان كَثُرَ عشبه، واخشَوْشَنَ زادت خُشونته، وللصيرورة نحو:(احْلَوْلى) الشراب صار حُلْواً، واحْقَوْقَبَ الرجلُ والهلالُ صار أعوج والحِقْب بالكسر المعوجّ من الرمل وجمعه أحقاب كحِمْلٍ وأحمال.

ومنها افْعَلَلَّ:

بزيادة همزة الوصل وتضعيف اللام الثانية وهو مزيد الرباعي نحو (اسْبَطَرَّ)

الرجل بمعنى اضطجع وتمدّد، واسْبَطَرَّتِ الإِبلُ مدّت أعناقها لتسرع في سيرها، واسبَطَرَّ الشعر طال، ومثله اطْمَأَنَّ قلبه، واقْشَعَرَّ جلده، واشْمَأزِّتْ نفسه نفرت.

ومنها تَفَاعَلَ:

بزيادة التاء والألف نحو (تَوَالَى) وهو للاشتراك في الفاعلية لفظاً والمفعولية معنى نحو: تَضَارَبَ زيدٌ وعمروٌ، وقد يكون لمطاوعة فَاعَلَ الذي بمعنى أَفْعَلَ نحو: وَالَيْتُ الصومَ فَتَوَالَى أي تابعته فتتابع بمعنى أتبعت بعضه بعضاً وهو مثال الناظم، ومثله بَاعَدْتُه فَتَبَاعَدَ أي أَبْعَدْتهُ، وضَاعَفْتُهُ فَتَضَاعَفَ أي أَضْعَفْتُهُ، ويكون أيضاً لإظهار الفاعل خلاف ما هو عليه نحو: تَجَاهَلَ زيدٌ وتَغَافَلَ أي أظْهَرَ الجهلَ والغفلةَ من نفسه وليس كذلك.

ومنها تَفَعَّلَ:

ص: 290

بزيادة التاء وتضعيف العين وقد أشار له بقوله مع (تَوَلَّى) وهو لمطاوعة فَعَّلَ المضعّف كعَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ، وأَدَّبْتُهُ فَتَأدَّب، ووَلَّيْتُهُ [//31/ أ] فَتَوَلَّى، ولموافقة فَعَّلَ المضعّف أيضاً نحو: تَوَلَّى عنهم بمعنى وَلَّى، ومثال الناظم يحتمل المعنيين، ويكون أيضاً لتعاطي الشيء تكلّفاً نحو تَشَجَّعَ أي تكلّف ذلك، وهو كتَغَافَلَ وتَجَاهَلَ في كون كلّ منهما غير ثابت للفاعل، ويكون أيضاً لمجانبة الشيء كَتَهَجَّدَ أي جانب الهجود أي النوم، وتَحَرَّجَ، وتَأثَّمَ أي جانب الحرج والإِثم، وللاتخاذ كَتَوَسَّدَ ذراعه أي اتخذها وسادة، وللدلالة على التكرير كَتَجَرَّعَهُ أي شَرِبَهُ جَرْعَةً بعد جَرْعَةٍ، وللطلب كاسْتَفْعَلَ نحو تَكَبَّرَ أي طلب أن يكون كبيراً.

ومنها فَعْلَسَ:

بزيادة السين في آخره للإِلحاق بفَعْلَلَ الرباعي نحو (خَلْبَسَ) قلبه بالخاء المعجمعة والباء الموحّدة أي خدعه وأضلّه، ومنه قولهم:"بَرْقٌ خُلَّبٌ" إذا لم يعقبه مطر، و"لا خِلابَةَ" أي لا خداعة، لكن قال الشارح: مقتضى الصحاح والقاموس أن سينه أصلية؛ لأنهما أورداه في السين لا الباء.

ومنها سَفْعَلَ:

بزيادة السين في أوّله للإِلحاق بفعلل الرباعي أيضاً نحو: سَنْبَسَ في سيره بمعنى أسرع، وأصله نَبَس أي تحرّك ونطق.

والتاء في قوله (تَدَحرَجَتْ) تاء التأنيث الساكنة كما تقدّم، وتسكين آخر خَلْبَسْ للضرورة وأما قوله:(اتَّصَلا) فليس بمثال بل كمّل به القافية، لأن وزنه افْتَعَلَ كاعْتَدَلَ [//31/ ب] وقد تقدّم، وتقديره واتّصَلَ توَالَى مع تَولَّى وما بعدهما بما قبلهما.

ومنها اِفْعَنْلأَ:

ص: 291

مهموزاً بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام، والهمزة أيضاً في آخره للإلحاق باحْرَنْجَمَ مزيد الرباعي نحو:(احْبَنْطَأَ) إذا عظمت بطنه من وجع يسمّى الحَبَطَ محرّكاَ، ويسمّى أيضاً الحُبَاطَ بضم الحاء، وهذا الوزن وهو احْبَنْطَأَ بالهمز قال الشارح ذُكِرَ في القاموس، ولم يذكر في الصحاح إلا احبنطَى بغير همز وهو المشهور في كتب التصريف.

ومنها افْوَنْعَلَ:

بزيادة همزة الوصل والواو والنون بين الفاء والعين نحو (احْوَنْصَلَ) الطائر بالمهملتين إذا ثنى عنقه وأخرج حوصلته، وهي مستقر الطعام منه كالكرش من غيره، وقيل هي مجرى الطعام كالحلقوم من الإِنسان.

ومنها افْعَنْلَى:

بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام، وألف التأنيث؛ للإِلحاق باحْرَنْجَمَ نحو:(اسلنقى) على قفاه بمعنى استلقى.

ومنها تَمَفْعَلَ:

بزيادة التاء والميم نحو: (تَمَسْكَنَ) الرجل إذا أظهر المسكنة والخضوع والذلة، وتَمَنْدَلَ بالمنديل، وتَمَدْرَعَ بالمِدْرَعَهِ، لبسها.

ومنها فَعْلَى:

بزيادة الألف للإِلحاق بفعلل نحو: (سَلْقَى) إذا ألقاه على قفاه.

ومنها فَعْنَلَ:

بزيادة النون بين العين واللام [//32/أ] نحو: (قَلْنَسَتْ) يقال قَلْنَسَهُ ألبسه القَلَنْسُوة.

ومنها فَوْعَلَ:

بزيادة الواو بين الفاء والعين نحو (جَوْرَبَتْ) يقال جَوْرَبَهُ ألبسه الجَوْرَبَ بالجيم، وهو لُفَافَةٌ تلفّ على القدمين جلدٌ، ظاهرهما وهو ما يلي السماء وباطنهما وهو ما يلي الأرض. وحَوْقَلَ الرجل بالحاء المهملة والقاف إذا أسنّ وضَعُفَ عن الجماع.

ومنها فَعْوَلَ:

بزيادة الواو بين العين واللام ك (هَرْوَلْتُ) في المشي أسْرَعْتُ فيه، وجَهْوَرَ كلامه جهر به، والتاء من قوله هرولت تاء الفاعل، وفي قلنست وجوربت تاء التأنيث الساكنة، وقوله: مرتحلا كمّل به القافية وهو بالحاء المهملة حال من تاء الفاعل في هرولت.

ومنها عَفْعَلَ:

ص: 292

بتكرير العين نحو (زَهْزَقْتُ) يقال زَهْزَقَ الرجلُ بتكرير الزاي إذا أكثر الضحك.

ومنها هَفْعَلَ:

بزيادة الهاء في أوله نحو (هَلْقَمْتُ) الطعام لقمته وابتلعته.

ومنها فَهْعَلَ:

بزيادة الهاء بين الفاء والعين نحو (رَهْمَسْتُ) الشيءَ بمعنى رَمَسْتُه أي سَتَرْتُهُ، والرَّمْس القبر.

ومنها افْوَعَلَّ:

بزيادة همزة الوصل والواو بين الفاء والعين مع تضعيف اللام نحو (اكْوَأَلَّ) الرجلُ بمعنى قَصُرَ، واجْتَمَعَ خَلْقهُ، واكْوَأَدَّ، واكْوَهَدَّ أيضاً ارْتَعَشَ.

ومنها تَفَهْعَلَ:

بزيادة التاء في أوّله والهاء بين الفاء والعين نحو (تَرَهْشَفَ)[//32/ب] الشراب بالشين المعجمة أي رَشَفَه بمعنى امْتَصَّه.

ومنها افْعَألَّ:

بزيادة همزة الوصل، والهمزة أيضاً بين العين واللام مع تضعيف اللام نحو (اجْفَأظَّ) بالجيم والظاء المعجمتين إذا أشرف على الموت، واجْفَأظَّتِ الجيفةُ أيضاً إذا انْتَفَخَتْ، وقد يقال بمدّ الهمزة.

ومنها افْلَعَلَّ:

بزيادة همزة الوصل واللام بين الفاء والعين مع تضعيف اللام نحو (اسْلَهمَّ) الرجلُ بالسين المهملة إذا تغيّر وجهه من آثار شمس أو سفر بمعمْى سَهَمَ.

منها فَعْلَنَ:

بزيادة نون في آخره نحو (قَطْرَنَ الجملا) إذا طلاه بالقَطِران، والتاء في الصيغ الثلاثة الأول تاء الفاعل.

ومنها تَفْعَلَ:

بزيادة التاء في أوّله مخففاً نحو (تَرْمَسْتُ) يقال تَرْمَسَ الرجل إذا أسْتَتَرَ وتَغَيَّبَ عن حرب وأمر مهم، من رَمَسَ الشيءَ دفنه ورَمَسَ الكلام كتمه وأخفاه.

ومنها فَعْتَلَ:

بزيادة التاء المثناة فوق بين العين واللام نحو (كَلْتَبَ) الرجلُ إذا داهن في الأمر، وكَلْتَبَ ك (جَعْفَرٍ) ، ويجوز قراءته في النظم بإسناده إلى تاء الفاعل.

ومنا فَعْمَلَ:

بزيادة الميم بين العين واللام نحو (جلْمَطْتُ) يقال جَلْمَطَ الوجلُ رأسَه بالجيم والطاء المهملة بمعنى حلقه، وأصله جَلَطَهُ، وجَلطَ الجلد عن الشاة سَلَخَهُ.

ص: 293

ومنها فَعْلَمَ:

بزيادة الميم في آخره نحو: (غَلْصَمَـ) ـهُ إذا قطع غَلْصَمَتَهُ وهي أصل [//33/أ] الحُلْقُوم، وأصله غَلَصَه كذا قال الناظم رحمه الله تعالى، ومقتضى الصحاح والقاموس أن ميم الغَلْصَمَةِ أصليّة أفاده الشارح.

ثم منها افْعمَّلَ:

بزيادة همزة الوصل والميم المشدّدة بين العين واللام نحو: (ادْلَمَّس) الليل إذْا اخْتَلَطَتْ ظُلْمَتُه، أصله دَلَّسَ، ومنه التَّدْلِيسُ في الكلام، ومثله (اهْرمَّعَتْ) يقال اهْرَمَّعَ الدمعُ أي لسال بسرعة، واهْرَمَّعَ في سيره أسرع، أصله هَرَعَ قال، الشارح:"ولم يظهر لي ذ كر الناظم له مع ادْلَمًّسَ فإنهما مثالان لوزن، واحد فهو تكرار محض".

ومنها افْعَنْلَسَ:

بزيادة همزة الوصل والنون بين العين واللام والسين في آخره نحو: (اعْلَنْكَسَ) الشَّعَرُ أي تراكم لكثرته، وقد يقال: اعْلَنْكَكَ بتكرير الكاف، وأمَّا قوله (انْتُحِلا) بالحاء المهملة والمعجمة أيضاً بمعنى اختِيْرَ فقد كمّل به البيت لأن وزنه افْتَعَل كاعْتَدَلَ وقد سبق، والتاء في تَرْمَسْتُ وجَلْمَطْتُ تاء الفاعلَ، وفي اهْرَمَّعَت تاء التأنيث الساكنة.

ومنها افْعَوَّلَ:

بزيادة همزة الوصل وواوٍ مشدَّدة بين العين واللام نحو: (اعْلَوَّظ) فرسَه بالمهملتين إذا تعلّق بعنقه وركبه، واعْلَوَّطَنِي غريمي لزمني.

ومنها افْعَوْلَلَ:

ص: 294

بزيادة همزة الوصل والواو بين العين واللام الأولى نحو: (اعْثَوْجَجَتْ) يقال اعْثَوْجَجَ البعيرُ [//33/ ب] بالعين والثاء المثلّثة بمعنى ضخُم وغلُظ، وبمعنى أسرع كذا أورده الناظم رحمة الله تعالى بجيمين، قد اعترضه الشارح بأنّ "المشهور في كتب التصريف اعْثَوْثَجَ بإبدال الجيم الأولى بالثاء المثلّثة، لكن نقل صاحب القاموس ما يؤيّد المصنّف، ويوجد في بعض النسخ اعْثَوْثَجَ كما اشتهر في كتب التصريف وهو تصحيف؛ لأنه حينئذٍ تَكرار مع افْعَوْعَلَ نحو اعْشَوْشَبَ المكانُ، واحْلَوْلَى الشرابُ وقد سبق".

ومنها فَيْعَلَ:

بزيادة المثناة تحت بين الفاء والعين نحو (بَيْطَرْتُ) يقال بَيْطَرَ الرجلُ بالباء الموحدة والطاء المهملة إذا عمل البَيْطَرَةَ ومعالجة الدواب.

ومنها فَنْعَلَ:

بزيادة النون بين الفاء والعين نحو (سَنْبَلَ) الزرع إذا أخرج سنابله، والأكثر على أن نونه أصليّة فوزنه فَعْلَلَ أفاده الشارح.

ومنها فَمعَلَ:

بزيادة الميم بين الفاء والعين نحو (زَمْلَقَ) الفحلُ بالزاي إذا ألقى ماءه عند الضِّرَاب قبل الإِيلاج من زَلَقَ.

ثم قال (اضممن) ما تقدّم لك من الأوزان

لتَفَعْلَى:

بزيادة التاء في أوله وألف التأنيث في آخره للإِلحاق بتدحرج مزيد الرباعي نحو (تَسَلْقى) مطاوع سَلْقَاه على قفاه فَتَسَلْقَى.

والتاء في بيطرت تاء الفاعل، وفي اعثوججت تاء التأنيث (واجتنب) إذا علمت ما أوردناه عليك من الأوزان (خللا) يحصل فيما يرد عليك من الحرف [//34/أ] الأصلي والزائد.

تنبيه:

جملة ما ذكره المصنف في هذا الباب من أبنية الفعل المزيد سبعة وأربعون بناءً، وقد سبق أن مقتضى الصحاح والقاموس أن ميم غلصم أصليّة، والأكثر على أن نون سنبل كذلك، وأن ادلَمّس واهرمّع وزنهما واحد قال الشارح: "والعجب من المصنّف رحمه الله تعالى أنه ذكر أوزاناً غريبة قلّ من تعرّض لها من التصريفيين، وأهمل أربعة أوزان مشهورة وهي:

تَفَعْلَلَ:

ص: 295

بتكرير اللام كَتَجَلْبَبَ لَبِسَ الجلبابَ مطاوع جَلْبَبَهُ الملحق بِتَدَحْرَجَ.

وتَفَوْعَلَ:

كَتَجَوْرَبَ مطاوع جَوْرَبَهُ.

وتَفَعْوَلَ:

كَتَهْرَوَل في مشيه إذا تَمَوَّج فيه متبختراً.

وتَفَيْعَلَ:

كَتَشَيْطَنَ أي أشبه الشيطان، وهذه الأربعة من مزيد الثلاثي للإِلحاق بمزيد الرباعي انتهى فليتأمّل) والله أعلم.

فصل في المضارع

أي في أحكامه التي يتمّ بها بناؤه على أي وزن كان ماضيه، وهي ثلاثة: ما يفتتح به، وحركة أوّله المفتتح به، وحركة ما قبل آخره وأمّا حركة نفس الآخر من رفع ونصب وجزم فمحلّها علم النحو.

[حروف المضارعة]

أمّا ما يفتتح به فأشار له بقوله:

(ببعض نأتي المضارع افتتح)

أي افتتح المضارع ببعض حروف نأتي فكل فعل مضارع ثلاثياً كان أو رباعياً، أو خماسيّاً أو سداسيّاً فلابدّ [//34/ ب] أن يفتتح بزيادة على ماضيه ببعض حروف نأتي، ومنهم من عبّر عنها ب (نأيت) أو (أنيت) وتسمّى حروف المضارعة وهي أربعة: الهمزة والنون والتاء والياء، فالهمزة تكون للمتكلم المنفرد كقولك: أنا أَدْخُلُ وأُكْرِمُك وأَنْطَلِقُ وأَسْتَخْرِجُ.

فإن كان في أوّل الفعل همزة، ولم تدلّ على متكلّم فهو ماضٍ كأَكْرَمَك زيدٌ.

والنون للمتكلّم المشارك كقولك: نحن نَدْخُلُ ونُكْرِمُ ونَنْطَلِقُ ونَسْتَخْرِجُ.

فلو كان في أوّل الفعل نون، ولم تدلَّ على هذا المعنى كنَصَرَ ونَرْجَسَ الدواءَ أي جعل فيه النَّرْجِس فهو ماضٍ.

والتاء المثناة فوق تكون للمخاطب مطلقاً أي مفرداً أو مثنى أو مجموعاً، مذكراً أو مؤنّثاً كقولك: أنت تَدْخُلُ وتُكْرِمُنِي، وأنتما تَنْطَلِقَانِ، وأنتم تَسْتَخْرِجُونَ، وأنتِ تَقُومِيْنَ، وأنتنَّ تَقُمْنَ.

فلو كان في أوّل الفعل تاء ولم تدلَّ على خطاب نحو: تَعَلَّمْتُ العلمَ فهو ماضٍ.

وتكون هذه التاء للمؤنث الغائب مفرداً أو مثنّى فقط نحو: هي تَقُوْمُ والهندان تَقُوْمَانِ، دون جمعه نحو: هنَّ يَقُمْنَ فإنه بالياء.

ص: 296

والياء المثناة تحت تكون للغائب المذكّر مطلقاً أي مفرداً أو مثنّى أو مجموعاً، وللغائبات نحو: هنَّ يَقُمْنَ.

فلو كان في أول الفعل ياء ولم تدلَّ على غيبة نحو: يَئِسَ منه، وَيرْنأ الشيبَ أي خضبه [//35/أ] باليُرَنَّاءِ وهو الحِنَّاءُ فهو ماض.

تنبيه:

إنما زادوا هذه الأحرف في المضارع ليحصل الفرق بينه وبين الماضي، واختصّت الزيادة بالمضارع دون الماضي لأنه فرعه فهو مؤخر عنه، والأصل عدم الزيادة، فاختصّ الأصل بالأصل، والفرع بالفرع طلباً للمناسبة.

وسمِّي مضارعاً لمضارعته الاسم في الحركات والسكنات نحو ضَارِبٍ ويَضْرِبُ؛ ولذا أعرب، والمُضارَعَة المشابهة مأخوذة من ارتضاع اثنين من ضرع امرأة فهما أخوان.

وأما حركة أوّله وهو الحكم الثاني فأشار إليها بقوله:

[حركة حروف المضارعة]

(....وله

ضمٌّ إذا بالرباعي مطلقاً وصلا

(وافتحه متّصلاً بغيره

)

أي حق الحرف المفتتح به أول المضارع الضمُّ إذا اتصل بفعل ماضيه رباعيٌّ مطلقاً أي مجرّداً ك (تُدَحْرِجُ يُدَحْرِجُ) بضم حرف المضارعة، أو مزيد الثلاثي كأَكْرَمَ يُكْرِمُ بالضم.

[كسر حروف المضارعة]

وإذا اتصل حرف المضارعة بغير الرباعي فحقه الفتح ثلاثياً كان كَضَرَبَ يَضْرِبُ، أو خماسياً كانْطَلَقَ يَنْطَلِقُ أو سداسياً كاسْتَعْظَمَ يَسْتَعْظِمُ بفتح حرف المضارعة في الجميع، وهذا على لغة أهل الحجاز ومنهم قريش وكنانة وبلغتهم نزل القرآن، وأما غيرهم من بني تميم وقيس وربيعة فإنهم يوافقون أهل الحجاز في لزوم ضم أول الرباعي كفتْحِ غيره [//35/ ب] إن كان ماضيه فَعُلَ بالضم كَكَرُمَ، أو فَعلَ بالفتح بجميع أنواعه معتلاًّ، أو صحيحاً، أو مضاعفاً، لازماً، أو متعدّياً، حلقيّ العين واللام أم لا، ويستثنى منه كلمة (أبَى) لما سيأتي.

ص: 297

فإن كان الماضي فَعِلَ بكسر العين أو خماسيّاً أو سداسيّاً مصدّراً بهمزة الوصل، أو خماسيّاً مصدّراً بالتاء الزائدة فلَا يلتزمون في ذلك فتح حرف المضارعة، ولهم فيه حالتان:

حالة: يجيزون فيها كسر الهمزة والنون والتاء الفوقيّة دون الياء التحتية.

وحالة ة يجيزون فيها كسر الجميع الياء وغيرها، وإلى الحالة الأولى أشار بقوله:

(

ولغيـ

ر الياء كسراً أجز في الآت من فَعِلا)

(أو ما تصدّر همز الوصل فيه أو التـ

تا زائداً كتزكّى

)

أي وأجز الكسر لغير الياء المثناة تحت من همزة أو نون أو تاء فوقيه في المضارع الآتي من فَعِلَ المكسور العين كفَرِحَ أو من الفعل الخماسي أو السداسي وهو المراد بقوله أو ما تصدّر همز الوصل فيه إذ لا يكون الزائد على أربعة إلا مصدّراً بهمزة الوصل ويكون خماسيّاً كانطلق وسداسياً كاستخرج، أو بالتاء الزائدة ولا يكون إلا خماسياً كتزكّى فتقول فيها: أنا إعْلَمُ وإنْطَلِق وإسْتَخْرِجُ وإتَزَكًّى، ونحن نِعْلَمُ ونِنْطَلِق ونِسْتَخْرِجُ ونِتَزَكّى، وأنت تِعْلَمُ وتِنْطَلِقُ وتِسْتَخْرِجُ وتِتَزَكّى بفتح حرف المضارعة [//36/أ] وكسره في الجميع، وقد قرئ شاذاً {وَإِيَّاكَ نِسْتَعِينُ} (1) و {يَوْمَ تِبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتِسْوَدُّ وُجُوهٌ} (2)، و {وَلا تِرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (3) {أَلَمْ إِعْهَدْ إِلَيْكُمْ} (4) بكسر حرف المضارعة فيها على هذه اللغة لأن ماضي هذه الأفعال: اسْتَعَانَ وابْيَضّ واسْوَدّ مما تصدّر فيه همزة الوصل، ورَكِنَ وعَهِدَ من باب عَلِمَ، وتقول: هو يَعْلَمُ ويَنْطَلِق ويَسْتَخْرِجُ بالفتح لا غير، ومثلها يَتَزَكّى.

وإلى الحالة الثانية وهي ما يجوز فيها كسر حرف المضارعة الياء وغيرها أشار بقوله:

(وهو قد نقلا)

ص: 298

أي وجواز الكسر قد نقل عنه (في اليا) التحتية (وفي غيرها) من باقي حروف المضارعة، وهي الهمزة، والنون، والتاء الفوقيه، (إن ألحقا) أي الياء وغيرها (بـ) كلمة (أبى) بالموحدة أو بكل فعل ثلاثي فاؤه واو كما أشار له بقوله (أو مما له الواو فاءٌ) إذا كان من باب فَعِلَ المكسور (نحو قد وَجِلا) ووَجِعَ دون وَعَدَ ونحوه فتقول أَبَى يِأْبَى، وأبَيْتُ إيبى، وأنت تِأْبَى ونحن نِئْبَى بالفتح والكسر، وكذا تقول وَجِلَ زيدٌ يَوْجَلُ ويِيْجَلُ ووَجِلْتَ أنت تَوْجَلُ وتِيْجَلُ، ووَجِلْتُ أنا أوْجَلُ وإِيْجَلُ، ووَجِلْنَا نحن نَوْجَلُ ونِيْجَلُ بالفتح والكسر.

تنبيه:

قال الشارح: اعلم أن الناظم رحمه الله تعالى أطلق في القسم الأول جواز كسر غير الياء من فَعِلَ المكسور [//36/ ب] وفي القسم الثاني جوازه في الياء وفي غيرها مما فاؤه واو، وليس كذلك بل شرطه في القسم الأول أن يأتي مضارعه على يَفْعَلُ بالفتح على ما هو القياس، فإن خالف القياس كما في حَسِبَ يَحْسِبُ وأخواته وجب فتح حرف المضارعة اتفاقاً، وكذا شرطه فيما فاؤه واو أن يكون ماضيه على فَعِلَ بالكسر كما قيّدناه بذلك، وقد يرشد إليه تمثيله بـ (وَجِلَ) دون غيرها.

[حركة ما قبل آخر المضارع]

وأما حركة ما قبل آخره وهو الحكم الثالث فأشار إليه بقوله:

(وكسر ما قبل آخر المضارع من

ذا الباب

)

ص: 299

أي باب أبنية المزيد فيه؛ لأن هذا الباب معقود له، والفصل معقود لمضارعه؛ لأن أبنية الفعل المجرّد من ماض ومضارع قد سبق حكمها في بابها، وإنما استطرد حكم ضم المضارع وفتحه المشترك فيه المجرّد والمزيد لعدم ذكر ذلك فيما مضى (يلزم) أي الكسر (إن ماضيه قد حُظِلا) بالحاء المهملة أي مُنعَ (زيادة التاء أوَّلاًّ) أي في أوّله نحو أكْرَمَ يُكْرِمُ، وانْطَلَقَ يَنْطَلِقُ، واسْتَخْرَجَ يَسْتَخْرِجُ، ووَلَّى يُوَلّى (وإنْ حصلتْ له) أي الماضي زيادة التاء في أوله (فما قبل الاخر افتحن بِوَلا) بكسر الواو نحو تَدَحْرَجَ يَتَدَحْرَجُ، وتَعَلَّمَ يَتَعَلَّمُ، وتَغَافَلَ يَتَغَافَلُ.

تنبيه:

المراد بكسر [// 37/أ] ما قبل الآخر ولو تقديراً كما في انْقَادَ يَنْقَادُ واخْتَارَ يَخْتَارُ ونحو ذلك والله أعلم.

فصل في فعل ما لم يسم فاعله

أي في أحكامه التي تميّز صيغة الفعل المبني للمفعول؛ وذلك عند حذف الفاعل، وإسناد الفعل إلى المفعول به، أو ما يقوم مقامه. وتلك أحكام ستّة: ضمّ أوله إن كان صحيح العين كضُرِبَ زيدٌ، وكسره إن كان معقلّها كقِيْلَ وبِيْعَ، وكسر ما قبل آخر ماضيه، وفتح ما قبل آخر مضارعه مطلقاً، وضم ثالثه إن كان مبدوءاً بهمزة الوصل صحيح العين خماسياً أو سداسياً كاُنْطُلِقَ بزيدٍ، واُسْتُخْرِجَ المتاعُ، وكسر ثالثه إن كان مبدوءاً بهمزة الوصل معتلها اُخْتِيرَ زيدٌ واُنْقِيدَ له وضم ثانيه إن كان مبدوءاً بتاء المطاوعة ولا يكون إلا خماسياً نحو: تُعُلِّمَ العلمُ، وقد ذكر الناظم رحمه الله تعالى ذلك فأشار إلى الحكم الأول وهو ضم أوّله بقوله:

ص: 300

(إن أسند الفعل للمفعول) به أو ما يقوم مقامه من ظرف أو مصدر أو جار ومجرور (فأت به،) أي بالفعل (مضموم الأول) مطلقاً ثلاثياً أو رباعيّاً أو خماسياً أو سداسياً نحو: ضُرِبَ زيدٌ، وأُكْرِمَ عمروٌ، واُنْطُلِقَ به واُسْتُخْرِجَ المتاعُ وتُعُلِّمَ العلمُ، وهذا إن كان صحيح العين كما مثّلنا به، ولفظ الناظم [//37/ب] فإن كان مطلقاً فذكره المعتل فيما بعد يقيّده.

وإلى الحكم الثاني وهو كسر أوله أشار بقوله (واكسره) أي أول الفعل (إذا اتّصلا) بألف الإِطلاق، والضمير فيه إلى أول الفعل (بعينٍ اعتّل) نحو قِيْلَ وبِيْعَ، وأصلهما قُوِلَ وبُيِعَ، بضم أولهما وكسر الواو والياء على وزن ضُرِبَ، إلا أنهم استثقلوا الكسرة على حرف العلة فحذفوا ضمّة الفاء، ونقلوا كسرة العين إلى مكانها فسلمت الياء من (بِيْعَ) ، وقلبت الواو من (قِيْلَ) ياء لسكونها بعد كسرة.

وإلى الحكم الثالث وهو: كسر ما قبل الآخر للماضي منه، وفتح ما قبل آخر مضارعه أشار بقوله:(واجعل قبل الآخر في المضي كسراً) نحو ضُرِبَ واُكْرِمَ واُنْطُلِقَ واُسْتُخْرِجَ، واجعل (فتحاً في سواه) وهو المضارع نحو يُضْرَبُ وُيكْرَمُ وُينْطَلَقُ به وُيسْتَخْرَجُ المتاعُ وقوله:(تلا) بألف الإِطلاق صفة ل (سوى) ؛ لأنه لا يتعرّف بالإِضافة يعني أن المضارع يتلو الماضي في التصريف، وذكر هذه على سبيل الاستطراد؛ لأن أكثر الأحكام متعلقة بالماضي.

وإلى الحكم الرابع وهو: ضم ثالثه أيضاً إذا كان مبدوءاً بهمزة الوصل أشار بقوله: (ثالث ذي همز وصل ضمّ معْه) أي: وضم مع ضم همزة الوصل المبدوء به الفعل ثالثَه [//38/أ] أيضاً كاُنْطُلِقَ بزيدٍ، واُقْتُدرَ عليه، واُسْتُخْرِجَ متاعُه، وهذا مقيّد بصحيح العين، وسيأتي معتلّها.

وإلى الحكم الخامس أشار بقوله:

ص: 301

(ومعْ تاء المطاوعة اضمم تلوها بوَلا) أي واضمم مع تاء المطاوعة المبدوء بها الفعل تلوها أيضاً كتُعُلِّمَ العلمُ وتُدُحْرِجَ في الدار وتُغُوْفِلَ عن زيد، ومعنى قوله:(بوَلا) أي من غير فاصل بينهما، ولو عبّر المصنف بالتاء المزيدة بدل تاء المطاوعة لكان أشمل، لأن التاء في مثل تَغَافَلَ زيدٌ وتَكَبَّرَ ليست للمطاوعة لما سبق أن المطاوعة: قبول فاعل فعل أثر فاعل فعل آخر كعَلَّمْتُهَ فَتَعَلَّمَ مع أن الحكم عام في كل مبدوء بتاء مزيدة، وعبارة الخلاصة كعبارته هنا حيث قال:

والثاني التالَي تا المطاوعة

كالأول اجعله بلا منازعه

وعبارته في التسهيل مفصحة بالمراد حيث قال: "يُضَمُّ مطلقاً أول فعل النائب، ومع ثانية إن كان أوله تاء مزيدة".

تنبيه:

إنما خصوا الثاني مما أوله تاء مزيدة لأنه لو بقي مفتوحاً مع ضم الأول وكسر ما قبل الآخر لالتبس بالمضارع المسند إلى الفاعل المبدوء بالتاء نحو أنت تُعَلِّمُ زيداً العلمَ، مضارع عَلَّمَه العلم المضاعف.

وإلى الحكم السادس وهو: كسر ثالثه إن كان مبدوءاً بهمزة الوصل وهو معتل العين أشار بقوله [//38/ب](وما لفا نحو باع)(1) من الكسر (اجعل لثالث) الفعل الخماسي المبدوء بهمزة الوصل المعتل العين (نحو اخْتَارَ وانْقَادَ) وهو التاء في الأول والقاف في الثاني (كاُخْتِيْرَ الذي فضلا) ، واُنْقِيْدَ له، وأصلهما اُخْتُيِرَ بضم الفوقية، وكسر التحتية، واُنْقُوِدَ بضم القاف، وكسر الواو، على وزن أُقْتُدِرِ عليه، استثقلت الكسرة على حرف العلة بعد ضمةٍ فحذفت الضمة ثم نقلوا الكسرة مكانها فسلمت الياء من اُخْتِيْرَ كما سلمت في بِيْعَ، وقلبت الواو ياء من اُنقِيْدَ لسكونها بعد كسركما قلبت في قيل فصار اُخْتِيْرَ واُنْقِيْدَ.

تنبيه:

كما يجوز الكسر في الفاء يجوز الإِشمام وهو الإِتيان ببعض الكسرة والضمة، وبهما قرئ في السبع، ومن العرب من يأتي بضمة خالصة فيقول بُوْعَ، ومنه قول الشاعر:

ص: 302

حُوْكَتْ على نَوْلَيْنِ إذْ تُحَاكُ

تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ ولا تُشَاكُ

وقال الآخر:

لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتُ

لَيْتَ شَبَاباً بُوْعَ فَاشْتَرَيْتُ

ويجري مثل ذلك في ثالث نحو اخْتَارَ وانْقَادَ، وتُحَرَّكُ الهمزةُ بحركة الثالث.

انظر الخلاصة وشراحها والله أعلم.

فصل في فعل الأمر

أي في صيغة بنائه من أي فعل كان، وذلك على قسمين: مقيس وشاذّ.

[//39/أ] فالمقيس على ثلاثة أضرب: إمّا أن يكون من فعل رباعي مبدوء بهمزة قطع كأَكْرَمَ أو لا، والثاني إما أن يكون مضارعه متحرّك الثاني كيقُوْمُ، وُيدَحْرِجُ، ويَتَعَلَّمُ، أو ساكن كيَضْرِبُ ويَنْطَلِقُ.

أمّا الضرب الأول: وهو ما كان ماضيه رباعياً مبدوءاً بزيادة همزة القطع فأشار إليه بقوله: (من أفْعَلَ الأمرُ أفْعِلْ) ، الأمر مبتدأ، وأفْعِلْ بقطع الهمزة المفتوحة أَدْخِلْ يَدَكَ وكسر العين خبره، ومن أَفْعَلَ متعلق بمحذوف صفة الأمر، أي صيغة فعل الأمر الكائن من أفْعَلَ كأكْرَم بزنة أفْعِلْ كأكْرِمْ زيداً {أَرْسِلْهُ مَعَنَا} (1) و {أَدْخِلْ يَدَكَ} (2) و {أَلْقِ عَصَاكَ} (3) .

وأما الضرب الثاني: وهو ما ليس على وزن أَفْعَلَ، والحرف الذي يلي حرف المضارعة متحرّك فأشار إليه بقوله:

(واعزه) أي الأمر (لسواه) أي لسوى أَفْعَلَ (ك) صيغة (المضارع ذي) أي صاحب (الجزم الذي اختزلا) بالخاء المعجمة أي اقتطع وحذف (أوَّله) وهو حرف المضارعة.

والمعنى انسب الأمر لسوى أَفعَلَ كصيغة المضارع المجزوم الذي حذف أوله فتقول في يَقُوْمُ، وَيبِيْعُ، ويَخَافُ، ويُدَحْرِجُ، ويَتَعَلّمُ: قُمْ وبِعْ، وخَفْ، ودَحْرِجْ، وتَعَلَّمْ، كما تقول في مضارعها المجزوم: لم يَقُمْ، ولم يَبِعْ، ولم يَتَعَلَّمْ، ولم يَخَفْ، ولم يُدَحْرِجُ.

وشملت عبارته في قوله اعزه لسواه: ما الحرف الذي [//39/ب] يلي حرف المضارعة منه ساكن وهو الضرب الثالث لكنه أخرجه بقوله:

(وبهمز الوصل منكسراً

ص: 303

صل ساكنا كان بالمحذوف متصلا)

أي صل الساكن المتصل بحرف المضارعة بعد حذفه بهمز الوصل حال كون همز الوصل منكسراً إذا ابتدأت به كقولك في يَضْرِبُ ويَنْطَلِقُ وَيَسْتَخْرِجُ ويَذْهَبُ: اِضْرِبْ، واِنْطَلِقْ، واِسْتَخْرِجْ، واِذْهَبْ، وإنما جعلوا له همزة ليتوصّلوا بها إلى النطق بالساكن؛ لأنها سُلَّمُ اللسان إذ لا يمكن ابتداء النطق بساكن، ولذلك تسقط في الدرج، وشمل قوله: وبهمز الوصل إلى آخره ما عينه مفتوحة كاذْهَبْ أو مكسورة كاضْرَبْ أو مضمومة كاخْرُجْ وهو مسلّم في الأولين دون الثالث؛ لأن الهمزة فيه تضم إذا ابتدىء بها؛ ولذلك أشار له بقوله:

(والهمز قبل لزوم الضم ضُمَّ)

أي ضم همزة الوصل إن وقع في فعل تضم عينه لزوماً كاُخْرُجْ واُدْعُ، واُنْقُصْ، واُعْبُدْ، واحترز بقوله لزوم الضم مما إذا لم يكن الضم فيه لازماً نحو {امْشُوا} (1) إذ أصله:"إِمْشِيُوا"بكسر الشين وضم الياء، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولك أن تقول حذفت الضمة للاستثقال ثم الياء لالتقاء الساكنين، وضُمَّتِ الشين لمناسبة الواو. فلو كان مضموماً في الأصل [//40/أ] لكن زالت الضمة لعلّة وصار مكسوراً بكسرة لازمة كما اِغْزِى واِدْعِي يا هند جاز لك في همزته وجهان: الكسر نظراً للحال، والإِشمام نظراً للأصل، وإلى ذلك أشار بقوله:

(

ونحـ

واغزى بكسرٍ مشمّ الضم قد قبلا)

أي وقد قُبِلَ إشمام الكسر الضم في نحو اِعْزِي يا هند وهو أمر المؤنثة مما ثالثة مضموم وهو معتل اللام، وفهم من قوله قد قُبِلَ أن الكسر أفصح من الإِشمام، نظراً إلى الكسرة اللازمة وهو كذلك.

وأصل: (اِغْزِي: اُغْزُوِي) على وزن أدْخُلِي فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت فسكنت وحذقت الواو تخلّصاً من الساكنين ثم كسرت الزاي كسرة لازمة.

تنبيه:

ص: 304

وجه المناسبة في كسرة همزة الوصل مما ثالثه مكسور، وضمه مما ثالثه مضموم ظاهر؛ وإنما لم يفتحوا همزة الوصل مما ثالثه مفتوح نحو اِذْهَبْ خشية الالتباس بهمزة المضارع المبدوء بهمز المتكلم، فلو قلت:(اَذْهَبْ يا زيد بفتح الهمزة لالتبس بقولك: أنا أَذْهَبُ) .

وأنا القسم الثالث وهو الشاذ فهو ثلاثة أفعال فقط: (خُذْ وكُلْ ومُرْ) وقد أشار إليه بقوله:

(وشذ بالحذف مُرْ وخُذْ وكُلْ)

أي شذت عن قياس نظائرها من حيث أن ثاني مضارعها ساكن، ولم يتوصّلوا إليها بهمزة [//40/ ب] وصل، بل حذفوا ثانيها الساكن أيضاً فقالوا في الأمر من يَأْخُذُ ويَأْ مُرُ ويَأْكُلُ التي هي بوزن يَدْخُلُ ويَخْرُجُ:(خُذْ) و (مُرْ) و (كُل) لكثرة استعمالهم لهذه الكلمات، وكان القياس أن يقال أُؤخُذْ، اُؤْمُرْ، أُؤْكلْ، بهمزة وصل مضمومة، ثم همزة ساكنة وهي فاء الكلمة؛ لأنها على وزن يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، وصيغ الأمر منهما: اُدْخُلْ واُخْرُجْ، وهذا إذا لم يستعمل (مُرْ) مع حرف العطف، فإن استعمل معه جاز فيه وجهان الحذف نحو: مُرْ زيداً ومُرْ عمراً، والتتميم على الأصل نحو {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} (1) و {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} (2) ، وإلى ذلك أشار بقوله (وفشا وَأْمُرْ) أي وفشا تتميم كلمة (مُرْ) مع حرف العطف، ومع كونه فاشياً فالحذف أكثر منه، وأما (خُذْ) و (كُلْ) فلم يستعملوهما مع حرف العطف ودونه تامّين إلا ندوراً وهو معنى قوله (ومستندر تتميم خذ وكلا) أي تتميمهما بهمزة وصل مضمومة على قياس نظائرهما نادر، وألف و (كلا) بدل من نون التوكيد الخفيفة.

تنبيهات:

ص: 305

الأول: قال الشارح: اعلم أن كون الكلمة وردت عن العرب شاذة عن القياس لا ينافي فصاحتها كما في حَسِبَ يَحْسِبَ بالكسر في السين، وأَكرَمَ [//41/أ] يُكْرِمُ بحذف الهمزة التي بعد حرف المضارعة، ومُرْ وخُذْ وكُلْ؛ لأن المراد بالشاذ ما جاء على خلاف القياس، وبالفصيح ما كثر استعماله، وأما النادر فهو ما يقلّ وجوده في كلامهم سواء خالف القياس أم وافقه، والضعيف ما في ثبوته عندهم نزل بين علماء العربية، وقد يرشد إلى ما ذُكر مغايرة الناظم رحمه الله في العبارة بقوله: و (شذّ) و (فشا) و (مستندر) فإن الحذف لمّا كان في هذه الثلاثة مخالفاً للقياس كان شاذاً لكنه مع شذوذه أفصح من التتميم؛ فلهذا قال: وشذّ بالحذف مُرْ وخذْ وكُلْ، ولما كان تتميم (مُرْ) مع حرف العطف كثيراً مستعملاً لكن الحذف أكثر منه قال وفشا وَأْمُرْ، ولما كان تتميم خُذْ وكُلْ قليل الوجود في استعمالهم قال: ومستندر تتميم خذ وكل.

الثاني: ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل هو الأمر بالصيغة وهو يختص بالمخاطب، فإن أريد أمر الغائب وغيره أدخل على الفعل المضارع لام الأمر مع بقاء حرف المضارعة، وهو حينئذ معرب بالجزم، ولم يأت فيه شيء مما ذكره المصنّف في هذا الفصل من حذف حرف المضارعة، ولا زيادة همزة الوصل ولا شذوذ في مر وخذ وكل؛ وذلك نحو: لِيَضْرِبْ لِيُكْرِمْ لِيَأْخُذْ [//41/ ب] لِيَأْمُرْ لِيَأكُلْ.

ص: 306

الثالث: الأمر بالصيغة مبنيٌّ على الراجح وهو مذهب البصريين، إلا أنه جرى في بنائه مجرى المضارع المجزوم، ومذهب الكوفيين أنه معرب بالجزم، واستدلوا بإعطائه حكم المضارع المجزوم من حذف الحركة في الصحيح، وحذف الآخر في المعتل، وحذف النون التي هي علامة الرفع في الأمثلة الخمسة كافْعَلا وافْعَلُوا وافْعَلِى، وعندهم أن الجازم له لام الأمر مقدرة، ورد البصريون بأن إضمار الجازم ضعيف كإضمار الجار، وبأن الأصل في الفعل البناء، والأمر لم يشبه الاسم كما أشبهه المضارع فيعرب، وإنما حذفت منه الحركة والحرف لأنهما من علامات الإِعراب وهو غير معرب والله أعلم.

---

(1)

من قوله:

رٌ والمضارع من فعلت إن جعلا

و (شطت) الدار (نسَ) الشيء (حرّ) نها

مضموم عين وهذا الحكم قد بذلا

عيناً له الواو أو لاماً يجاء به

(2)

وتمامه: ورفعه بعد مضارع وهن.

سبأ:10.

النساء: 2.

(3)

وهي ياء يبح وساء يسوء وناء ينؤ.

آل عمران: 186.

(4)

هذا الفعل من (قَروَ) وليس من قرأ المهموز قال في اللسان: 15/175 "قروت البلاد قرواً وقريتها قرياً

وقرا الأرض يقروها

إذا تتبعها أرضاً أرضاً"، وعلى هذا فمراد المصنّف تتبعت القرآن حرفاً حرفاً..

فتح الأقفال: 97.

التسهيل: 197.

(5)

هذا الفعل ورد في النسختين الخطيتين هذا (فح) والصواب ما أثبته.

(6)

من قوله:

مضموم عين وهذا الحكم قد بذلا

عيناً له الواو أو لاماً يجاء به

(7)

أي فإنه يضُّم.

(8)

في خ وعدني.

(9)

ينظر رأي الكسائي في الممتع لابن عصفور: 173، وشرح الشافية للرضي: 1/71، وارتشاف الضرب: 1/78.

وينظر رأي الجمهور في: الكتاب: 4/68، والسيرافي النحوي: 189، والمخصص: 14/177.

في ف المفاخر.

فتح الأقفال: 99.

(10)

كلمة نوع ساقطة من ح.

(11)

] في خ: الحرفي.

كلمة ذلك سقطت من ح.

ص: 307

البرية أصلها الهمز (البريئة) ثم سهلت الهمزة ياء، وأدغمت الياء بالياء، ومن العلماء من يرى أن البريّة أصلها من (برو)(البريوة) فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء ساكنة وهو أحد قولي الفراء.

ينظر تاج العروس (بري) : 19/198.

(1)

الفعل برأ جاء مفتوح العين في الماضي من باب قرأ، وهي لغة أهل الحجاز وحكم عليها اللغويون بالفصاحة وسمع في مضارع هذا أعني المفتوح العين في الماضي الضم أيضاً من باب نصر، ولم يسمع الضم فيما لامه همزة في غير هذا الحرف وجاء الماضي مكسور العين من باب فرح وهي لغة بني تميم وحكم عليها العلماء بالفصاحة أيضاً، وجاء الماضي مضموم العين من باب كرم (برؤ) وهذه الأخيرة استضعفها العلماء.

ينظر تاج العروس (برأ) : 1/112.

الأعراف: 179.

في ب ذرأ

(2)

هكذا في الأصول، والفعل رقأ بمعنى صعد لازم غير متعدٍّ وحكم عليه المعجميون بالندور قال في اللسان رقأ: 1/88 "ورَقَأ في الدرجة رَقْأً صعد عن كراع، نادر والمعروف رَقِيَ"، وقال في التاج: 1/164 "ورقأ في الدرجة كمنع صرّح به الجواهري وابن سيده وابن القوطية".

لأنبياء: 42.

أورد المصنف هذا الفعل على أنه مما اشتهر بكسر عين مضارعه، والمعجميون يخالفون ذلك فقد أوردوه على أنه من باب سعى قال في المحكم: 2/184 "النعي الدعاء بموت الميّت والإِشعار به نعاه ينعاه نعياً ونُعياناً"، وقال في تاج العروس: 20/254 "نعاه له نعياً ونعيّاً على فعيل ونُعياناً بالضم ظاهر هذا السياق كما للجوهري أنه من حدّ نصر على ما يقتضيه اصطلاحه عند عدم ذكر المضارع، والصواب أنه من حدّ سعى ففي المحكم نعاه ينعاه نعياً ونُعياناً أخبره بموته"، ولم يذكر هذا الفعل اللبلي في بغية الآمال، وأورد ابن القطاع والسرقسطي الماضي منه دون المضارع، ومن الشواهد على أنه من باب سعى قول جرير:

يا خير منْ حَجَّ بيتِ الله وَاعْتمَرا

يَنْعَى النُّعَاةُ أَميْر المُؤْمِنِين لَنَا

ص: 308

الفعل نضح نصّ، المعجميون على أنه من، باب ضرب ومنع قال في المصباح المنير: 233 "نضحت الثوب نضحاً من باب ضرب ونفع وهو البلّ بالماء والرشّ"وقال في القاموس نضح: 313 "نضح البيت ينضحه رشّه

والقربه تنضّح رشحت"فكأنه قرّق بين الفعلين النضح بمعنى الرش جعله مكسوراً في المضارع، وبمعنى الرشح جعله مفتوحاً في المضارع، وتعقّب الزبيدي الفيروز أبادي فقال: 4/233 "قال شيخنا: قضية كلام المصنف كالجوهري أن نضح ينضح رشّ كضرب، والأمر منه كاضرب، وفيه لغة أخرى مشهورة كمنع، والأمر انضح كامنع حكاه أرباب الأفعال والشهاب الفيومي في المصباح وغير واحد

حكى عن صاحب الجامع أن الكسر لغة وأن الفتح أفصح ونقله الزركشي وسلمه) اه.

(1)

البلد:14.

(2)

في ح أعطى له

فتح الأقفال: 107.

نما قال بكسرة بتاء الوحدة لموافقة النظم.

التسهيل: 197.

في ح وف جاءت عبارة (والنظم ثم) والذي أراه أن عبارة (والنظم ثم) مقحمة في الأصل، لأنها تتعارض مع النص.

بق التعليق على هذا الفعل وأن الراجح فيه نَعَى يَنْعَى بالفتح على القياس.

(3)

أي وعينه حرف حلق.

في الأصول فصار، والصواب ما أثبته.

فتح الأقفال: 113.

(4)

أي التنازع وهو يشير إِلى قول الناظم في الخلاصة:

قبل فللواحد مفهما العمل

إن عاملان اقتضيا في اسم عمل

فقوله (قبل) معناه أن شرط العاملين أن يكونا متقدّمين على المعمول المتنازع فيه، ومقتضاه أنه لو تأخر العاملان عن المعمول لم تكن المسألة من باب التنازع.

(5)

في ح وف (الوجهين) بالنصب ولا أرى له وجهاً.

في ح: سنبه بالنون.

فتح الأقفال: 114.

هذا الفعل والذي قبله وردا في ح بصيغة واحدة هي (عضبه) .

(6)

الحجرات: 14.

واختلف علماء اللغة في أصل الفعل يلتكم على ثلاثة أقوال:

أ- قال قوم هو من لات يليت كباع يبيع وهي لغة أهل الحجاز.

ب- وقال آخرون هو من ولت يلت كوصف يصف وهي لغة غطفان وأسد.

ص: 309

ج- وقال فريق ثالث هو من ألت يألُت ويألِت فيكون من باب نصر وضرب وهو من الضرب الثالث.

ينظر الدر المصون: 10/13.

الطور: 21.

فتح الأقفال: 119.

في ح خدجدت

(1)

فتح الأقفال: 123.

(2)

في هدا الفصل مذهبان للنحاة:

الأول: مذهب سيبويه ومتقدّمي النحاة إذ يرون أن الأجوف الثلاثي إذا أسند إلى ضمير رفع متحرك ينقل من باب نصر إلى باب كرم إذا كان واوي العين، وينقل من باب ضرب إلى باب علم إن كان يائي العين، وقد انتقد الرضي هذا الرأي في شرح الشافية: 1/78 فقال: "الغرض يحصل بدون النقل من باب إلى باب

ولا ضرورة ملجئة إلى هذا النقل لا لفظية ولا معنوية".

والمذهب الثاني: وهو مذهب المتأخرين ومنهم ابن مالك يرون أنَّ الأجوف إذا كان:

أ - من باب علم كسرت فاؤه سواء أكان يائي العين ك (هبت) أم كان واوي العين ك (خفت) لأننا نقلنا إلى الفاء حركة العين في الماضي.

ب - إذا كان من باب نصر ولا يكون حينئذٍ إلا واوي العين ضمت فاؤه للدلالة على أن عينه واو لمّا تعذّرت الدلالة على حركة العين.

ج - إذا كان من باب ضرب ولا يكون حينئذٍ إلا يائي العين كسرت فاؤه للدلالة على أن عينه ياء لمّا تعذّرت الدلة على حركة عينه.

د - إذا كان من باب كرم ضمّت فاؤه للدلالة على حركة عينه وسمع منه طلت والوصف منه طويل.

ينظر في هذا: شرح التصريف الملوكي للثمانين بتحقيقنا: 506، وشرح الشافية للرضي: 1/79،وتصريف الأفعال لعنتر: 183، والمغني في تصريف الأفعال:185.

إنما أورد المصنف خمسة أمثلة ليشمل أبواب الثلاثي فـ (قال) واوي العين من باب نصر وباع يائي العين من باب ضرب وخاف واو العين من فرح، وهاب يائي العين من باب فرح، وطال واوي العين من باب كرم

(3)

أول قوله:

تلت وكان بتا الإضمار متصلا

وانقل لفاء الثلاثي شكل عين إذا اعـ

ـه اعتض مجانس تلك العين منتقلا)

(أو نونه وإذا فتحاً يكون فمنـ

(4)

كلمة إذا سقطت من ح.

ص: 310

في ح الواو وككرم بواو عطف. والدليل على أنه من باب كرُمَ مجيء الوصف منه على فعيل طويل، ولأنه ضد قصُرَ.

(1)

في ح بضم الطاء.

(2)

أي الصفة المشبهة باسم الفاعل، وكون الوصف منه على فعيل مرجّح لا لازم إذ سمع فاعل من فعُل اسم العين كفارةٍ من فرُه، وسمع فعيل من فعل المفتوح العين كعفيف من عفّ، وقد يأتي فاعل من طول قال الشاعر:

بَغِيْضُ إلى كُلِّ امْرِئٍ غَيْرِ طائلِ

لَقَدْ زاد ني حُبّاً لِنَفْسِيَ أنّنِي

وقال الآخر:

جَوْلَةً وَأَنْتَ على بِرْذْونةٍ غَيْرِ طائِلِ

أَرَيْتَ إذا جَالَتْ بِكَ الخَيْلُ

وقال أبو ذؤيب:

وَلَوْ عَلِمُوا لَمْ يَأْشِبُوني بِطائلِ

وِيَأْشِبُنِي فِيْها الَّذِيْنَ يَلُوْنَهَا

فالوصف في هذه الأمثلة جاء على وزن فاعل لا على وزن فعيل؛ لأن المراد به حينئِذٍ الدلالة على التجدد والحدوث، وكل فعل ثلاثي من أي وزن كان إن أريد به الدلالة على الحدوث والتجدد فاسم الفاعل منه يأتي على فاعل سواء أكان ماضيه على فَعَلَ أم على فَعِلَ أم فَعُلَ.

ينظر: شرح الشافية للرضي: 2/198، وتصريف الأسماء للطنطاوي:108.

بفتح حرف المضارعة مبنيّ للمعلوم، أما المبني للمجهول فهو يقال بضم حرف المضارعة

(3)

أبيات هذا الباب هي:

وَالى ووَلَّى استقَاَمَ احْرَنْجَمَ انْفَصَلا

كأعْلمَ الفعل يأتي بالزيادة معْ

وعارياً وكذاك اهْبّيّخَ اعتدلا

وافْعَلَّ ذا ألف في الحشو رابعة

لى مَعْ تَوَلَّى وخَلْبِسْ سَنْبسَ اتَّصَلا

تَدَحْرَجَتْ عَذْيَط احْلَوْلَى اسْبَطَرَّ تّوَا

قَى قَلْنَسَتْ جوْرَبَتْ هَرْوَلْتُ مُرْتَحِلا

واحْبَنْطَأَ أحْوَنْصَلَ اسْلَنْقى تمسْكَنَ سَلْ

شَفْتُ اجْفَأَظَّ اسلَهَمَّ قطْرَنَ الجملا

زَهْزَقْتُ هَلْقَمْتُ رَهْمَسْتُ اكْوَألَّ تَرَهْـ

م ادْلمَّس اهْرَمَّعَتْ واعْلَنْكَسَ انْتَخَلا

تَرْمَسْتُ كَلْتَبْتُ جَلْمَطَتْ وغَلْصَمَ ثم

لَقَ اضْمُمَنّ تَسَلْقَى واجْتَنِبْ خَلَلا

ص: 311

واعْلَوَّطَ اعْثَوْجَجَتْ بَيْطَرْتُ سَنْبَلَ زَم

الزيادة كما قال قسمان: زيادة للمبنى وزيادة للمعنى فالزيادة التي تكون للإِلحاق فائدتها عائدة لبناء الكلمة لكي تلتحق الكلمة التي فيها الزيادة بكلمة أخرى أكثر منها حروفاً مثل اقعنسس السين الثانية فيها ملحقة بميم احرنجم ولولا الإِلحاق لوجب الإِدغام في السينين وقيل اقعنَسَّ ولهذا تسمى الزيادة هنا زيادة للمبنى، وقسم تكون الزيادة فيه دالة على معنى زائد لم يكن في الكلمة قبل الزيادة وتسمى الزيادة هنا زيادة للمعنى مثل خرج وأخرج خرج بنفسه وأَخرجه غيره الهمزة هنا للتعدية فالزيادة هنا أفادت معنى جديداً.

(1)

مثال ذلك قولك سلم فالسين، واللام، والميم من حروف الزيادة ولكنها هنا كلها أصول، ومثله كلمة نوى فالنون والواو والياء هنا أصول وهي من أحرف سألتمونيها.

في ح بشرط.

(2)

كلمة كان سقطت من ح.

أي المعوض عن فائه بالتاء كعدة.

(3)

في ح ولم.

الألف لا تكون أصلاً إلا في الحروف والأسماء المبنية كألف على وإلاّ وحتّى وما فهذه ألفاتها أصول، أمّا الأسماء المتمكنة والأفعال، فألفاتها زائدة أو منقلبة عن أصل واو أو ياء.

وهو قوله:

صاحب زائد بغير مين

فألف أكثر من أصلين

(4)

ولا يخرم هذه القاعدة النزاع في همزة أفعى والميم في موسى.

(5)

جعل الصرفيون أدلة يستدل بها على الزيادة منها:

الاشتقاق، والتصريف، والكثرة، واللزوم، وعدم النظبر، والدخول في أوسع البابين، والمعنى المطّرد.

ينظر شرح التصريف الملوكي للثمانيني: 198، الممتع لابن عصفور: 1/ 39.

(6)

كما قال المصنف هذا الحكم غالب لا لازم ومن غير الغالب مجيء فعل وأفعل بمعنى واحد بل هناك كتب مصنّفة لما جاء على وزن فعل وأفعل بمعنى واحد، وكذا الحكم في بقيّة أوزان المزيد فيه.

الكتاب: 2/ 58، 88.

(7)

في ح للمكان.

مريم: 23.

ص: 312

الصحاح كبب: 207 قال "كبه الله لوجهه أي صرعه فأكبّ على وجهه، وهذا من النوادر أن يقال أفعلت أنا وفعلت غيري "اه.

فتح الأقفال: 126.

فتح الأقفال: 135.

الكهف: 34.

ن قوله:

والى وولّى استقام احرنجم انفصلا

كأعلم الفعل يأتي بالزيادة مع

(1)

سبأ:19.

الأعراف:160

يوسف: 23.

(2)

في ح كقذيته عنه، وفي ف كقذّيت عنه، والتصويب من بحرق.

(3)

في ح وقذذت البعير.

التكوير: 2.

لانفطار: 2.

(4)

في ح انطغى بالغين، وفي ف كنطفأ.

(5)

ويسمّي أيضاً التيتاء ومنه قول امرأة أعرابية:

يكاد يقتل من ناجاه إن سعلا

إني بليت بعذيوط به بخر

في ف كتابعته.

في ف التكرار.

[ (6) بارة بعد جرعة سقطت من ح.

(7)

الحرف الزائد للإِلحاق على ضربين: إما أن يكون بتكرير حرف أصلي، وإما ألا يكون بتكرير حرف أصلي، فالأول وهو ما كان بتكرير حرف أصلي يوزن بما يوزن به الأصلي نحو جلبب ملحق بدحرج أي ألبسه جلباباً فالباء الثانية توزن باللام؛ لأنها مكررة ولا يصحّ أن يقال فعلب، والثاني وهو ما لم يكن بتكرار حرف أصلي فإنه يجعل في الميزان بذاته فيقال في وزن جوهر فوعل لأن الواو زائدة للإلحاق بجعفر، ولا يصحّ أن يقال وزن جوهر فعلل: لأن الواو ليست مكررة؛ ولهذا السبب قال المصنف وزن خلبس فعلس ولم يقل فعلل لأن السين ليست مكررة فجعلها في الميزان بذاتها.

ينظر شرح الشافية: 1/13. والمغني في تصريف الأفعال:

(8)

جمهرة الأمثال: 1/211 وهو فيه: برق الخلّب وفصل المقال لأبي عبيد البكري: 112، ومجمع الأمثال للميداني:1/46 وهو فيهما: إنما هو كبرق الخلب.

(9)

جزء من حديث نبوي شريف أخرجه أبو داود من طريق ابن عمر في سننه في كتاب البيوع باب يقول الرجل في البيع لا خلابة 3/765، وأخرجه أحمد في مسنده 2/72 عن ابن عمر قال:"ذكر رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يخدع في البيع فقال له: "من بايعت فقل لا خلابة" الحديث.

(10)

في ح مستفعل.

ص: 313

ي ح وف (وأصله من سنبس) ، فيكون الأصل والمزيد بلفظ واحد.

يستقيم الوزن دون ضرورة بجعل خلبس فعل أمرٍ بدل اعتباره فعلا ماضياً.

أي في أوّله.

بل ذكرت في الصحاح في باب الهمزة فصل الطاء (حطأ)، ولعل المصنف والشارح لم يلحظا أن المادة ذكرت في غير موضعها الأصلي فحكما على أن الجوهري لم يذكرها في باب الهمز وقد تتبع ابن بري الجوهري في هذه المسألة. ينظر التنبيه والإِيضاح: 1/11.

(1)

معنى اسلنقى واستلقى واحد وهو النوم على القفا، ولكن الوزن والمادة مختلفان فاسلنقى وزنها افعنلى من سلق، واستلقى وزنها استفعل من لقي.

المدرعة: ضرب من الثياب الصوف خاصة، لسان العرب درع: 7/82.

القلنسوة هي غطاء الرأس وفيها لغات: قَلَنْسُوة، وقلَنْسِيَة، وقَلْساة، وقَلَنْساة، وقَلْنِيْسَة بتقديم الياء على السين، ويرى ابن منظور أن الواو فيها زائدة لغير الإِلحاق كما أنها لغير معنى قال في قلس: 6/181 "والواو في قلنسوة للزيادة غير الإِلحاق وغير معنى، أما الإلحاق فليس في الأسماء مثل فَعَلّلَة، وأما المعنى فليس في قلنسوة أكثر مما في قلساة".

جلد: عطف بيان من لفافة.

أي الجوربين لكل رجل جورب.

(2)

في فعوعل.

(3)

في ح ستترته بتاءين.

(4)

في ح كوهد.

أجاز النحاة في العدد إذا تأخر عن المعدود الموافقة بين العدد والمعدود كما هنا مراعاة لأحكام النعت والمخالفة مراعاة لأحكام العدد.

ينظر حاشية الصبان: 4/61.

على أن التفعيلة مخبونة في رواية المصنّف أو تامّة على الرواية الأخرى.

(5)

شرح التسهيل: 3/462 "وغلصمه بمعنى غلصه".

فتح الأقفال: 147.

(6)

فتح الأقفال: 147.

(7)

شرح التسهيل: 3/461 "ومثال اِفْعَوْلَلَ واِفْعيَّلَ: اِعْثَوْجَجَ واِهْبَيَّخَ".

(8)

فتح الأقفال: 248.

(9)

فتح الأقفال: 148.

ص: 314

أقول: من نظر إلى أنّ النون الثانية الساكنة لا يحكم بزيادتها إلا بثبت قال إن نون سنبل أصلية، ومن نظر إلى الاشتقاق وأن السبل والسنبل بمعنى واحد حكم على نون سنبل بالزيادة؛ ولهذا لم يقطع الشارح بأحد القولين.

أي أنَّ تجلبب ملحقٌ بتدرج، لا أنَّ جلبب ملحق بتدحرج كما قد يفهم لأن تجلبب خماسي يلتحق بالخماسي وجلبب رباعي يلتحق بالرباعي، أما جلبب فهو ملحق بدحرج المجرّد، والتاء في تدحرج للمطاوعة يقال: دحرجته فتدحرج، والتاء في تجلبب للإِلحاق.

(1)

فتح الأقفال: 149.

يرى بعض علماء اللغة أن الأسلوب الرفيع في مثل هذه العبارة أن يقال وأن حركة الآخر نفسه؛ لأنه المتمشي مع أحكام التوكيد.

(2)

من قوله:

ضمٌّ إذا بالرباعي مطلقاً وصلا

ببعض نأتي المضارع أفتتح وله

(3)

في ح الدواة.

(4)

يرْنأ فعل رباعي ماض مهموز اللام مشتق من اليُرَنَّاء وهو مثل الحنَّاء، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 5/295:"في حديث فاطمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن اليرنَّاء، فقال: "ممن سمعت هذه الكلمة؟ " فقالت من خنساء. قال القتيبي اليرنَّاء الحنَّاء، ولا أعرف لهذه الكلمة في الأبنية مثلاً"اه.

(5)

من قوله:

ر الياء كسراً أجز في الآت من فَعِلا

وافتحه متّصلاً لغيره ولغيـ

(6)

في ح المنفتح.

(7)

هكذا في ح وف، ولعلّ الصواب كدحرج بصيغة الماضي ليوافق نظائره من الأمثلة التي ساقها في هذه المسألة.

(8)

سمع من بعض العرب شذوذاً ضم حرف المضارعة في الخماسي والسداسي قال الثمانيني: 170 "وحكى قوم الضم في الخماسي والسداسي كأنهم حملوه على ذوات الأربعة وهذا شاذ لا يؤخذ بمثله:، وقال ابن الأنباري في أسرار العربية وهو يتحدث عن الفعل الخماسي والسداسي: 405 "على أن بعض العرب يضم حروف المضارعة منهما فيقول ينطلق ويستخرج بضم حرف المضارعة حملا على الرباعي".

(9)

في ح سقط المضارع من السداسي.

ص: 315

وهي اللغة الفصيحة؛ لأن العرب عابت تَلْتَلَةَ بَهْرَاءَ في مجلس معاوية وتَلْتَلَةُ بَهْرَاءَ كَسْرُ حروف المضارعة. ينظر مجالس ثعلب: 173، والكامل للمبرد: 765، وينظر مجلس معاوية في البيان والتبيين: 3/212، ودرة العواص: 83 1، والفائق للزمخشري: 3/312، والخزانة: 11/416.

(1)

سمع الكسر في إحبُّ ونِحِبُّ ويِحِبُّ وهو من باب ضرب.

ينظر الكتاب: 4/109.

كسر حروف المضارعة فيه بحث طويل ألخصه في الآتي:

أولاً: كسر جميع حروف المضارعة بما فيه الياء: فيه لغات للعرب كالآني:

أ - بعض بني كلب بن وبرة يكسرون جميع حروف المضارعة بما فيها الياء في الأفعال التي ماضيها على وزن فَعِلَ كفرح سواء أكان الفعل صحيحاً أم مثالا واوياً. ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط: 7/343.

ب - كسرت الياء في الفعل المثال الواوي دون الصحيح وهي لغة بني أسد، ذكر ذلك الجوهري في الصحاح (وجل) : 11/1840، واللسان (وجل) : 11/722.

ج – كسرت الياء في مضارع أبي وهو خاص بهذا الحرف من المهموز الذي على وزن فَعَلَ بفتح العين في الماضي، ذكر ذلك سيويه 4/110.

د - كسرت الياء في مضارع حبَّ المضعّف وهو خاص بهذا الحرف لأنه من باب ضَرَبَ، ذكر ذلك سيبويه: 4/109.

ثانياً: كسر حروف المضارعة وفتح الياء منها وهي لغة بني أسد وقيس وكلب وعامر بن صعصعة وغيرهم، وبينهم خلاف في المثال الواوي كوَجِلَ يَوْجَلُ يَيْجَلُ بفتح الياء وقلب الواو ياء، يِيْجُلُ بكسر الياء وقلب الواو ياء ويَاجَلُ بقلب الواو ألفاً مع فتح الياء.

ينظر في هذه اللهجات: الكتاب: 4/111، وتأويل مشكل القرآن: 39، الأصول لابن السراج: 3/265، والصاحبي: 34، والمنصف: 1/202، ودقائق التصريف: 255، والمخصص: 14/217 والأمالي الشجرية: 1/170، وشرح الشافية للرضي: 1/141، وشرح بانت سعاد لابن هشام: 159، ودراسات لأسلوب القرآن قسم الصرف: 1/682، واللهجات العربية في التراث:388.

(2)

في ح ورد هذا البيت هكذا:

ص: 316

تا زائدا كتزكّى

وما تصدّر فيه همز الوصل أو التـ

وهو يخالف اللامية ولا يستقيم به الوزن، والبيت هو:

تا زائداً كتزكّى وهو قد نقلا

أو ما تصدّر همز الوصل فيه أو التـ

أو ما له الواو فاء نحو قد وجلا

في اليا وفي غيرها إن ألحقا بأبى

(1)

الذين قرأوا بكسر همزة المضارعة هم الأعمش، والنخعي يحيى بن وثّاب وزرّ بن حبيش.

ينظر: إعراب القرآن للنحاس: 1/173، وتفسير القرطبي: 1/102، والبحر المحيط: 1/23، إتحاف فضلاء البشر:122.

آل عمران: 106، والذين قرأوا بكسر حرف المضارعة هم: يحيى بن وثّاب وأبو رزين العقيلي وأبو نهيك. ينظر البحر المحيط: 3/293.

(2)

هود: 113. ونسب الزمخشري في الكشاف: 2/296، وتبعه أبو حيّان في البحر المحيط: 6/220 هذه القراءة لأبي عمرو وهو أحد السبعة؛ ولم أقف عليها فيما اطلعت عليه من كتب القراءات منسوبة له، وعزاها ابن خالويه في الشواذ: 66 لابن وثّاب.

يس: 60، والذي قرأ بكسر حرف المضارعة هو يحي بن وثّاب كما في شواذّ القراءات لابن خالويه:126.

(3)

في ح وإلى الحالة الثانية ويجوز ما يجوز فيها كسر حرف المضارعة الياء وغيرها.

أن وعد من باب ضرب، وليس من باب فرح.

(4)

أصل هذا الفعل إئبى بهمزتين الأولى همزة المضارعة، والثانية فاء الكلمة فقلبت الثانية منهما ياء لاجتماع همزتين في كلمة واحدة الأولى منهما مكسورة والثانية ساكنة فقلبت الثانية منهما ياء وجوباً مثل إيمان أصلها إئمان من الأمن.

(5)

في ح يوجل مكرر مرتين.

ي ح توجل ويوجل.

ي ح كلمة ليست واضحة كأنها أراجل.

ي ح ناجل.

تح الأقفال: 153.

(6)

من قوله:

ذا الباب يلزم إن ماضيه قد حظلا

وكسر ما قبل آخر المضارع من

له فها قبل الآخر افتحنْ بولا

زيادة التاء أولا وإن حصلت

ص: 317

يجدر بنا أن نشير هنا إلى مسألة مهمّة وهي أن البصريين ما عدا المبرد يرون أن الفعل المبني للمجهول فرع عن الفعل المبني للفاعل؛ ولهذا فإن أوزان الفعل الثلاثي الماضي المجرّد عندهم ثلاثة فقط فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ، والكوفيون والمبرد وابن الطراوة يرون أن الفعل المبني للمجهول رأس بنفسه، وعندهم أوزان الفعل الثلاثي المجرّد أربعة بزيادة صيغة المبني للمجهول.

ينظر: كتاب سيبويه: 4 /67، وهمع الهوامع: 6/36.

(1)

يحذف الفاعل لأغراض عدّة، وهي في مجملها راجعة لأمرين إما أن يحذف لغرض لفظي، وإما أن يحذف لغرض معنوي، ويتفرّع كلّ منهما إلى مسائل منها: الجهل به، أو الخوف منه، أو للتناسب في الألفاظ، أو الإِبهام على السامع، أو لشهرة الفاعل لدى السامع وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب النحو والبلاغة.

(2)

من قوله:

مضموم الأول واكسره إذا اتصلا

إن أسند الفعل للمفعول فأت به

مضيّ كسراً وفتحاً في سواه تلا

بعين اعتل واجعل قبل الآخر في ال

يجب تسهيل همزة الأول للوزن.

كلمة أشار سقطت من ح.

أي العرب.

(3)

الألف هنا ليست للإِطلاق بل هي هنا الروي لأنها أصلية لام الفعل تلا يتلو بمعنى تبع، أما ألف الإِطلاق فهي ألف زائدة نتيجة إشباع حركة الروي الفتحة حتى يتوّلد منها ألف تسمى الوصل قال في العقد الفريد:"أما الوصل فهو إعراب القافية وإطلاقها، ولا تكون القافية مطلقة إلا بأربعة أحرف: ألف ساكنة مفتوح ما قبلها من الروي، وياء ساكنة مكسور ما قبلها من الروي، وواو ساكنة مضموم ما قبلها من الروي، وهاء متحركة أو ساكنة مكنية، ولا يكون شيء من حروف المعجم وصلاً غير هذه الأحرف الأربعة: الألف والواو والياء والهاء المكنية؛ وإنما جاز لهذه أن تكون وصلاً ولم يجز لغيرها من حروف المعجم؛ لأن الألف والواو والياء حروف إعراب ليست أصليات، وإنما تتولد مع الإِعراب"اه.

ومثال ألف الإِطلاق قول جرير:

وقولي إن أصبت لقد أصابا

أقلي اللوم عاذلَ والعتابا

ص: 318

فالألف في العتابا وأصابا هي ألف الإِطلاق؛ لأن الأصل العتابَ وأصاب.

ينظر في ذلك: العقد الفريد: 5/497، القوافي للتنوخي: 119، والوافي في العروض والقوافي:202.

من قوله:

تاء المطاوعة اضمم تلوها بولا

ثالث ذي همز وصل ضمْ معه ومع

في ح تغوفل بالبناء للمجهول.

التسهيل: 77.

من قوله:

ـو اختار وانقاد كاختير الذي فضلا

وما لفا نحو باع اجعل لثالث نحـ

أي التاء الفوقية، والياء التحتية.

(1)

كقوله تعالى {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} بالإشمام في قيل وغيض في قراءة الكسائي وهشام، والقراء يسمّون الإشمام النحوي روماً.

ينظر: التيسير للداني: 72، والنشر: 2/208، إتحاف فضلاء البشر:2560.

(2)

وهم بنو فقعس ودبير قبيلتان من فصحاء بني أسد.

ينظر: شرح ابن عقيل: 1/358.

البيت من الرجز، وقد عزا الشيخ محمد عبد العزيز النجار في التوضيح والتكميل لبعضهم نسبته لرؤبه وقال: وقيل لراجز غير معيّن.

ويروي مكان نولين: نيرين، والنير بكسر النون علم الثوب أو لحمته؟ والنون اسم للخشبة التي يلف عليها الحائك الشقة المراد نسجها.

والبيت في المنصف: 1/250، وتخليص الشواهد: 495، والدرر اللوامع: 6/261، وتستشهد به جل شروح ألفية ابن مالك عند قول الناظم:

عيناً وضمٌّ جا ك (بوع) فاحتمل

واكسر أو اشمم فاثلاثي أعل

(3)

عند قول ابن مالك:

في اختار وانقاد وشبهٍ ينجلي

وما لفا باع لما العين تلي

(4)

من قوله:

هـ كالمضارع ذي الجزم الذي اختزلا

من افعل الأمر أفعل واعزه لسوا

(5)

يوسف:12.

النمل:12.

(6)

النمل: 10.

ي ح فهو.

من قوله:

صل ساكناً كان بالمحذوف متصلاً

أوله، وبهمز الوصل منكسراً

في ح سواهما، وما هنا نكرة ناقصة ويكون المعنى: وشملت عبارته فعلاً الحرفُ الذي يلي حرف المضارعة منه ساكن، وأصل العبارة هنا لبحرق.

أي حرف المضارعة

من قوله:

ـو اغزي بكسر مشم الضم قد قبلا

والهمز قبل لزوم الضم ضمّ ونحـ

ص: 319

ص 6.

(1)

في ح إشمام الكسر والضم.

(2)

قال بحرق شارحاً هذه المسألة مبيناً حركة الزاي في الفعل اغزي: "كسرة الزاي الذي هو ثالث الفعل عارضة؛ لأن أصلها الضم، لكن صارت لازمة لضرورة كسر ما قبل ياء المؤنثة". فتح الأقفال: 162.

(3)

من قوله:

وأمر ومستندر تتميم خذ وكلا

وشذّ بالحذف مر وخذ وكل وفشا

(4)

طه: 132.

(5)

الأعراف: 199.

(6)

في ح جملة: "وأما خذ وكل فلم يستعملوهما مع حرف العطف ومع كونه فاشياً فالحذف أكثر منه"تكررت مرتين.

(7)

من تتميم خذ قول طريح بن إسماعيل الثقفي:

فقد نزلت بمنزلة الضياع

تحمّل حاجتي وأخذ قواها

ينظر هذا الشاهد في شرح التصريف الملوكي للثمانيني بتحقيقنا وقد تم تخريجه والتعليق عليه هناك.

(8)

كلمة علماء سقطت من ح.

(9)

في ف ما ذكرناه.

(10)

عبارة لما كان سقطت من ح.

في ح سقطت عبارة (كُلْ قليل) .

(11)

من تتميم كل قول بعض العرب اؤكل كما في اللسان: أكل 11/19 "وقد أخرج على الأصل فقيل اؤكل"

أما تتميم خذ فكقول الشاعر:

فقد نَزَلَت بمنزلة الضَّيَاع

تَحَمَّلْ حاجتي واأخذ قُوَاها

(12)

في ح كما مر.

(13)

في ح مع فاء المضارعة.

(14)

حركة لام الأمر الكسر، وفتحها لغة سليم، فإن سبقت بالواو أو الفاء أو ثم جاز فيها وجهان: التحريك على الأصل، والإِسكان نحو {فَلْيَسْتَجِيْبُوا لي وَلْيُؤْمِنُوا بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} و {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}

ولكنّ إسكان اللام بعد الواو والفاء أكثر من تَحريكها، وتحريكها بعد ثم أكثر من إسكانها.

ينظر: ابن يعيش: 9/ 139، ورصف المباني: 303، والجنى الداني: 111، ومغني اللبيب:294.

ينظر في هذه المسألة: المقتضب: 2/3، 4، 131، ومشكل إعراب القرآن لمكي: 1/11، والأمالي الشجرية: 2/355، والتبيين للعكبري: 176، وأسرار العربية: 317، والإِنصاف: المسألة 72.

ص: 320

أصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ

تأليف

د./ عبد الرَّزّاق بن فرّاج الصَّاعدي

الأستاذ المساعد في قسم اللغويات

بكلية اللغة العربية الجامعة الإسلامية

المقدّمة

الحمد لله الذي خلق الإنسان، واختصه بنطق اللسان، وفضيلة البيان، وجعل له من العقل الصَّحيح والكلام الفصيح منبئًا عن نفسه، ومختبرًا عَمّا وراء شخصه، وصلى الله على خاتم أنبيائه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد؛ فقد صُنِّف في نشأة علوم العربيَّة الشَّيء الكثير، وأفردت الكتب لرجالاتِها، وجمعت أخبارهُم، وصُنِّفوا بحسب طبقاتهم، أو بيئاتهم، أو أسمائهم، فمنهم البصريون ومنهم الكوفيون ومنهم البغداديون.

ولم يشر أصحاب التَّراجم والطّبقات إلى بيئة المدينة اللغوية أو النّحويَّة، أو إلى نشأة النّحو فيها، وانطلاقه منها إلى سائر الأمصار كالبصرة ثم الكوفة ثم بغداد.

ولم يكتفوا بإهمالهم دور المدينة في هذا الشأن، بل نفى بعضهم عن المدينة أيَّ صلة بالنّحو أو اللّغة، ووصفها بالخلوّ من علماء ذلك العلم الَّذي يطلق عليه عند القدماء: العربيَّة.

يقول صاحب "المراتب"بعد حديثه عن البصرة والكوفة: "ولا علم للعرب إلا في هاتين المدينتين، فأمَّا مدينة الرَّسول صلى الله عليه وسلم فلا نعلم بها إماماً في العربية".

ونقل عنه ذلك جماعة من علماء التَّراجم المشهورين، كياقوت والسُّيوطي.

ويقول ابن يعيش: "لا أدري لأهل المدينة مقالة في النَّحو".

ويقول الجاحظ من قبلهم: إنَّ اللَّحن في أهل المدينة فاشٍ وفي عوامّهم غالب.

وُيروى عنِ الأصمعي أنَه كان ينفي عن أهل المدينة وعلمائها العلم بالشِّعر- أيضا- ويصف حالهم في زمانه في القرن الثاني ويقول: "أقمت بالمدينة زماناً ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحّفة أو مصنوعة".

ص: 321

ثم نجد من المعاصرين من أصحاب المناهج العلميَّة من يقول: "وفي غير العراق كان الاشتغال بالعربية حقا جدّ ضئيل، فبينما كانت في البصرة والكوفة مدرستان خاصتان بالنَّحو، وحذت حذوهما بعد ذلك بغداد بمدرستها الَّتي نزعت إلى الجمع والتّوفيق بين المدرستين لم تقم بالمدينة- مثلاً- علوم اللُّغة على أساس وطيد".

ويقول: "ويجوز لنا بما تقدم أن نفترض أنّ اللغة العربية في المدينة لم تحظ بعناية خاصة".

ويقول: "إنَّ النَّحو وعلم اللَّغة لم يجدا بالمدينة تربة خصيبة".

ويقوله آخر: "فالبصرة أوّل مدينة عنيت بالنَّحو واللُّغة".

وبعد هذه الأحكام التي تصفى أهل المدينة بالضعف في العربية والبعد عن الاشتغال بفنونها، كاللًّغة والنَّحو ورواية الشِّعر نجد من يخالف هذه الآراء من القدماء، وهو ابن برهان النَّحوي (456 هـ) إذ يقول:"النَّحويون جنس تحته ثلاثة أنواع: مدنيّون وكوفيّون وبصريّون".

ويقول أحد المعاصرين: "لو أنَّ منصفاً تتبع أصول النّحو الأولى لوجد أنّها نبتت في المدينة وظلت تنمو شيئا فشيئاً".

فيتبيّن بعد هذا أنّ نشأة العربية لغة ونحواً لم تزل يكتنفها شيء من الغموض، وأنّ ثمة حاجة للكشف عن رجالات هذا العلم في المدينة.

ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث الَّذي رجوت أن أكشف من خلاله عن نشأة الدراسات اللُّغويَّة في المدينة، وأتعرف على أعلامه في هذه المدينة المباركة في القرنين الأول والثاني، وجعلته بعنوان "أصول علم العربية في المدينة"فجاء في أربعة فصول:

الأول: عوامل نشأة الدَّرس اللًّغوي.

والثاني: منشئ علم العربيَّة.

والثالث: من أعلام الدَّرس اللغوي في المدينة في القرنين الأول والثاني.

والرابع: من مظاهر الدّرس اللُّغوي في المدينة.

ولم أشَأ التَّفريق بين النَّحو واللُّغة، أو بين النَّحويين واللُغويين، فذاك متعذّر، لأنّ علوم العربيَّة متداخلة في القرنين الأول والثاني، قبل أن تنفصل فيما بعد.

ص: 322

وقد شغلني هذا البحث زمنا ليس بالقصير، وأنفقت فيه جهدا في البحث في المصادر، واستقصاء الأقوال، والتَّنقيب في تراجم الرِّجال من اللُّغويين والنّحاة والقرَّاء والمحدِّثين والأدباء، وكنت كمن يجمع اللآلئ من أعماق المحيط في صبر وأناة، حتَّى منَّ الله عليه بما تقرُّ به العين، ولذلك كانت سعادتي بإنجازه كبيرة، مع أني لا أدَّعي الإحاطة والاستيعاب.

فأرجو من الله أن ينفع به وألا يحرمني ثوابه، وآمل من زملائي الباحثين والمحققين أن يرقعوا ثقوبه ويستروا عيوبه، بإصلاح ما طغى به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصّر عنه الفهم، فالإِنسان محل النِّسيان، وعلى الله التكلان، ومنه العون والتَّوفيق.

وكتب

عبد الرَّزّاق بن فرّاج الصَّاعديّ

المدينة النَّبويَّة في: 20/12/ 1416هـ

الفصل الأول

عوامل نشأة الدَّرس اللُّغويّ

كانت العربية في العصر الجاهلي نقية صافية بفضل الطّبيعة الجغرافية لأرض العرب؛ فالبحر يحيط بجزيرتهم من ثلاث جهات فيحجزهم عن الأمم المجاورة، وتحدّ حياتهم القبليَّة وطبائعهم الاجتماعية من انسياحهم في الأرض باتِّجاه الشَّمال.

لقد هيَّأهم الله عز وجل بذلك لأمر عظيم، وهيَّأ لغتهم لأن تكون أداة لذلك الأمر، فكانت لغتهم نقية من الشَّوائب صافية حين نزل القرآن الكريم على نبي الرَّحمة والهدى محمد صلى الله عليه وسلم.

كانت العربية في ذلك الوقت نقية تنساب على ألسنة أبنائها بيسر وسهولة في أصواتها وأبنيتها وتراكيبها دون حاجة إلى إعمال فكر أو تكلُّف، وهم يفهمون دلالتها بالفطرة الَّتي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ولم تكن ثمة حاجة لما يعضد السَّليقة وُيقوِّيها كاللُّجوء إلى ضوابط أو قواعد تأتي من خارج الفطرة، فقد كانت السَّليقة اللُّغويَّة هي المهيمنة، وهي الحامية من الخطأ.

ص: 323

ثم جدَّت أمور، وتبدلت أحوال، فتكدَّر صفو اللُّغة، وضعفت السَّلائق واختلَّت، فنشأت الحاجة إلى ضوابط للغة من خارج السليقة يلجأ إليها المتكلِّم، وتساعد السَّامع على فهم اللُّغة على الوجه الأكمل.

وكان ظهور ذلك على وجه التَّحديد في الصدر الأول للإسلام إبَّان الخلافة الرَّاشدة في المدينة، ثم تفاقم الأمر وازدادت الحاجة - فيما بعد - فتهيأت العوامل لنشأة الدَّرس اللّغوي ابتداءً في المدينة، كظهور اللحن، وتهديده لغة الدِّين الإِسلامي، وزحفه إلى النَّص القرآني الكريم.

ويمكن أن نوجز هذه العوامل الّتي أدَّت إلى نشأة الدَّرس اللُّغوي والنَّحوي على وجه الخصوص في ثلاثة عوامل، وهي:

1-

ظهور اللحن وانتشاره.

2-

حماية القرآن من اللحن.

3-

فهم القرآن ودرسه.

وفيما يلي تفصيل لهذه العوامل الثلاثة:

أولاً: ظهور اللحن وانتشاره

للحن معان، منها ما اصطلح عليه النُّحاة، وهو مخالفة العرب في سنن كلامهم، أو كما يقول ابن فارس:"إمالة الكلام عن جهته الصَّحيحة في العربية". وهو الذي يعنينا من معانيه في هذا البحث.

ويميل كثير من الباحثين إلى أنَّ اللحن بهذا المعنى لم يكن معروفاً في العصر الجاهلي، وإنّما شاع في العصر الإسلامي في المدينة ابتداءً، بسبب اختلاط العرب بغيرهم، ودخول الأعاجم في دين الله أفواجاً، واتّصال العرب بالأمم المجاورة.

ص: 324

يقول أبو بكر الزُبيديّ: "ولم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها، حتَّى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل النَّاس فيه أفواجاً، وأقبلوا إليه أرسالاً، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، والُّلغات المختلفة، ففشا الفساد في اللُّغة العربيَّة، واستبان منه الإعراب الَّذي هو حليها، والموضح لمعانيها، فتفطّن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام النّاطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب، فعظم الإشفاق من فشوّ ذلك وغلبته حتَّى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم إلى أن سبَّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه، وتثقيفها لمن زاغت عنه".

ومن المؤكّد أن البوادر الأولى للحنِ ظهرت في المدينة على مسمع من النَّبي- صلى الله عليه وسلم فقد روت المصادر أنَّ رجلا لحن بحضرته فقال عليه الصلاة والسلام: "أرشدوا أخاكم فقد ظل"(1) . أو"أرشدوا أخاكم فإنَّه قد ظلَّ"(2) .

وتكاد تنطق عبارة الحديث بأنّ هذا اللحن هو أوَّل لحن سمعه الرًّسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم دعا إلى ضرورة التّصدِّي له، ولو كان اللحن معروفا عند العرب قبل ذلك العهد لجاءت عبارة الحديث على غير هذا الوجه.

ويبدو أن اللحن أخذ في التفشِّي والانتشار فأصبح أمره معروفاً، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بحين:"أنا من قريش، ونشأت في بني سعد فأنَّى لي اللحن؟ "(3) .

وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنّه كان يقول: "لأن أقرأ فأسقط أحبّ إليّ من أن أقرأ فألحن".

وفي هذا النص - أيضاً - دلالة على أنَّ اللحن كان معروفاً زمن أبي بكر الصِّديق، متفشِّيا بين عامة النّاس، ومنه ما يقع في القرآن، وهو أشنع ما يكون من اللحن.

ص: 325

وازدادت المرويات من اللَّحن في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمن ذلك أنّه مرَّ بقوم يرمون ويسيئون الرمي، فغضب منهم وقال لهم:"بئس ما رميتم، فقالوا: إنّا قوم متعلمين [أو نحن قوم رامين] فقال: والله لخطؤكم في كلامكم أشد من خطئكم في رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه" (1) .

وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر: "من أبو موسى"فكتب عمر إلى عامله: "سلام عليك، أما بعد، فاضرب كاتبك سوطاً واحدا، وأخّر عطاءه سنة" أو "إذا أتاك كتابي هذا، فاجلده سوطاً واعزله عن عمله".

وُيروى أنَّ أعرابيَّاً دخل السُّوق فوجدهم يلحنون فقال: "العجب، يلحنون ويربحون".

وقد فشا اللَّحن زمن الأمويين، وانتشر بين العامة والخاصة، ولم يسلم منه الأمراء والوزراء وأهل الرِّياسة، فقد قيل: إنّ الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كان لُحَنَةً. رووا أنّه خطب النَّاس يوم عيد، فقرأ في خطبته:"ياليتُها كانت القاضية"بضم التَّاء، فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحنا منك.

وروى الجاحظ أنّ كُتُب الوليد كانت تخرج ملحونة، فسأل إسحاقُ بن قبيصة أحد موالي الوليد:"ما بال كتبكم تأتينا ملحونة، وأنتم أهل الخلافة؟ ".

وخطب الوليد في أهل المدينة، وقال:"يا أهلُ المدينة"بضم اللام.

وأحصوا اللّحّانين من البلغاء، فعدّوا منهم خالد بن عبد الله القسري، وخالد بن صفوان، وعيسى بن المدور، وكان الحجَّاج بن يوسف يلحن أحياناً.

وهكذا انتشرت جرثومة اللحن مع مرور الأيام، فأعدت العامةُ الخاصةَ، وقد أثر عن إمام دار الهجرة أنّه كان يقول:"أي مطراً"بدل "أي مطرٌ"وكان شيخه ربيعة بن عبد الرَّحمن فقيه أهل المدينة المشهور بربيعة الرَّأي يلحن في الإِعراب - أيضاً - ويقول: بخيراً.

ص: 326

وبلغ من أمر اللحن - فيما بعد - أن تسرب إلى ألسنة أكثر العلماء، فتساهلوا في أمره، قال ابن فارس:"فأما الآن فقد تجوَّزوا، حتَّى إنَّ المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب، وإنَّما نحن محدّثون وفقهاء".

وصار من لا يلحن في زمن الأصمعي خارجاً عن المألوف، قالت الأصمعي:"أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية، والحجاج أفصحهم".

وقد كان النَّاس في صدر الإِسلام يجتنبون اللحن فيما يقولونه أو يقرأونه أو يكتبونه اجتنابهم بعض الذنوب، وكان دافعهم لاجتناب اللحن شعورهم بوراثتهم لغتهم معربة، وهي لغة القرآن والدين.

وكان بعض السَّلف يقول: "ربما دعوت فلحنت فأخاف ألا يستجاب لي ".

وقد يحدث بعضهم بحديث فيلحن فيه، فيقول:"استغفر الله"يعني أنَّه عدَّ اللحن ذنباً، فيقال له فيه فيقول:"من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءاً".

وروي عن عمر بن الخطاب أنَّه جعل اللحن من الافتراء.

وكان عمر بن الخطاب يضرب أولاده على اللحن ولا يضربهم على الخطأ في غير اللغة.

وأثر مثل هذا عن ابنه عبد الله رضي الله عنهما.

وبعد هذا الفيض من الرِّوايات فإنَّه لا سبيل إلى إنكار ظهور اللحن في المدينة منذ الصدر الأول، واستفحال أمره فيما بعد في سائر الأمصار، لاختلاط العرب بغيرهم.

ومن الطبيعي أن يصحب ذلك إحساس بالحاجة إلى ضبط قواعد اللّغة الفصحى، ومن المؤكد أنَّ ذلك الإحساس نشأ منذ الصَّدر الأول في المدينة في عهد الخلفاء الراشدين، وربما كان ذلك منذ عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 327

وتدلًّ الرِّوايات الَّتي أوردنا شيئاً منها على إلمام النّبي صلى الله عليه وسلم -وصحابته في المدينة إلماما فطرياً بالتَّراكيب النَّحويَّة، والإعراب بخاصة، وقد كانوا على قدر من الإدراك بأصول الكلمات واشتقاق الألفاظ، هدتهم إليه سلائقهم اللُّغويَّة النَّقيَّة، وسماعُهم ما يخالفها من لحن.

روى ابن جني ما حُكي عن النّبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءه قومٌ من العرب،. فسألهم عليه السلام، فقال: من أنتم؟ فقالوا: بنو غيَّان، فقال: بل أنتم بنو رشدان، قال ابن جني معقّباً: "أولا تراه صلى الله عليه وسلم كيف تلقّى (غيان) بأنّه من الغيّ، فحكم بزيادة ألفه ونونه، وترك عليه السلام أن يتلقَّاه من باب (الغين) وهو إلباس الغيم من قوله:

كَأنّي بَيْنَ خَافِيتَي عُقَابٍ

تُرِيدُ حَمَامَةً فِي يَوْمِ غَيْنِ

يدلُّك على أنَّه صلى الله عليه وسلم تلقَّاه بما ذكرنا أنّه قابله بضده، فقال: بل أنتم بنو رشدان، فقابل الغي بالرُّشد، فصار هذا عياراً على كل ما ورد في معناه.

وتدلُّ الرِّوايات على إلمام عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بأساليب اللًّغة ودقائقها التّعبيريَّة، وكان من أشد النَّاس حرصاً على نقائها، وسلامة أساليبها، وكان يحثُّ على تعلُّمها، فقد روي عنه قوله:"تعلموا العربية، فإنَّها تثبت العقل، وتزيد في المروءة".

وروي عنه - أيضاً - أنّه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن مُرْ من قِبَلَكَ بتعلم العربية، فإنَّها تدلُّ على صواب الكلام".

والعربية هذه هي عربية المصطلح القديم الَّتي تقابل في مدلولها كلمة النَّحو، لأنَّها تدلُّ - كما يفهم من قول عمر - على صواب الكلام، أي يهتدي بها إلى صواب الكلام.

ص: 328

ومهما يكن من أمر فإنَّ ثمة ما يشبه الإِجماع على أنَّ ظهور اللحن وتفشيه في الكلام وزحفه إلى القرآن والحديث هو الباعث الأول على تدوين اللُّغة. واستنباط النَّحو، لأنَّ علم العربيَّة ككل العلوم في نشأتها تتطلبه الحوادث وتقتضيه الحاجات.

ولهذا قال الدُّكتور محمد خير الحلواني: "والحقّ أنَّ نشأة النَّحو ترتبط بجذور الحياة الإسلاميَّة في ذلك الزَّمن".

وقال الدُّكتور أحمد إبراهيم سيد أحمد: "لو أنَّ منصفاً تتبع أصول النّحو الأولى لوجد أنّها نبتت في المدينة وظلت تنمو شيئا فشيئاً".

وتلك نتيجة حتمية؛لأنَّ ضوابط اللُّغة وقوانين الإعراب هي العاصمة من الزَّلل، والمُعَوِّضة عن السَّليقة بعد أن شاع اللحن واضطربت الألسن، وتأثر العرب بالعجم في المدينة أولا، ثم في باقي الأمصار الإسلاميَّة ثانياً.

ثانياً: حماية القرآن من اللَّحن

أخذ اللَّحن يتهدَّد النَّص القرآني ويزحف إليه منذ أن ذرَّ بقرنه في المدينة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الَّذي كان يختار أن يسقط في قراءته القرآن على أن يقع في اللحن كما تقدَّم.

والخطأ في القرآن عند عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه خير من اللَّحن، يقول:"لأنِّي إذا أخطأت رجعت، وإذا لحنت افتريت".

وهذا دليل واضح على وقوع اللحن في القرآن من بعض المسلمين، وبخاصة العوامّ.

ص: 329

وتذكر بعض المصادر في حديثها عن أسباب وضع النَّحو لحنة مشهورة وقعت في القرآن أيام عمر بن الخطاب، فأمر عمر ألا يقرأ القرآن إلا عالم باللُّغة، فقد روى القرطبي عن ابن أبي مليكة ما نصه:"قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فقال: من يقرئني ممَّا أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقرأه رجل (براءة) فقال: {إنَّ الله بَرِيءٌ منَ الْمُشْركِينَ وَرَسُولِهِ} وهو بالجرّ، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ فإن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه، فقال: يا أعرابي؛ أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: {إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ} فقلت: أوقد برئ الله من رسوله، إن يكنَ الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: {إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ألا يُقرئ النَّاس إلا عالم باللُّغة، وأمر أبا الأسود فوضع النّحو".

ومثل هذه الرِّواية في "نزهة الألباء" لأبي البركات الأنباري، وفي غيره.

وقيل: إنَّ هذه الحادثة كانت زمن الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإنَّه هو الَّذي أمر أبا الأسود بوضع النَّحو.

وروي أنَّ أبا الأسود هو الَّذي سمع اللحن في تلك الآية، فقال:"ما ظننت أمر النَّاس آل إلى هذا " أو قال: "لا أظن يسعني إلا أن أضع شيئاً أصلح به نحو هذا، أو كلاماً هذا معناه، فوضع النَّحو".

وروي أنَّ عليَّا سمع أعرابيَّاً يقرأ: {لا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئِينَ} فوضع النَّحو.

ص: 330

وربما لحن في القرآن من هم في المقام الرَّفيع من اللُّغة، كالحجَّاج؛فقد روي أنّه قال ليحي بن يعمر:"أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال: الأمير أفصح من ذلك. فألحَّ عليه، فقال: حرفاً، قال: أيّا؟ قال: في القرآن. قال الحجَّاج: ذلك أشنع له، فما هو؟ قال: تقول: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكْمْ} إلى قوله عز وجل: {أَحَبَّ} فتقرؤها {أَحَبُّ} بالرَّفع، والوجه أن تقرأ بالنَّصب، قال: لا جرم، لا تسمع لي لحنا أبداً، فألحقه بخراسان ".

وبهذا يمكن القول: إنَّ الخطوة الأولى في وضع النَّحو العربي كانت بمثابة ردّ فعل مباشر لتسرُّب اللحن إلى العربيَّة بعامة وإلى القرآن بخاصة، وقد كان الوسط العام في المدينة مفعماً بمقاومة اللحن في القرآن، وكانت صدور خاصة مهيئة لظهور علم جديد يتصدى لزحف اللحن إلى النَّص القرآني، ولابدَّ أن يكون قد صاحب ذلك جهود تمثلت في تأمل اللّغة، والنّظر في مفرداتها وتراكيبها، فكانت تلك التأمُّلات وما نتج عنها من ملحوظات لغوية في الصَّدر الأول من الإسلام هي النواة الأولى للنَّحو العربي، وممَّا يؤكد ذلك أنُّ جُلَّ النُّحاة القدماء كانوا من القراء أو ممَّن اشتغل بالدِّراسات القرآنيَّة.

ثالثاً: فْهم القرآن ودرسه

استأثر القرآن الكريم منذ نزوله بانتباه المسلمين وعنايتهم، فنشأ إلى جانب الرغبة في تلاوته، وفهم نصوصه الحرص على إدراك أسراره، والوقوف على أغراضه ومراميه، وفجّر بذلك الطَّاقات الكامنة في عقولهم، وأزال عنها الكثير من الغبش؛ الذي كان يحجبها عن الرؤية الصَّحيحة للكون والحياة والُّلغة - أيضا.

وقد شيَّد المسلمون بنيانهم العلمي الأصيل على القرآن، فنشأت في كنفه علوم شتَّى، كالتَّفسير والقراءات والرِّواية والفقه، وظهر العلماء في هذه العلوم، وبرز كثير منهم في المدينة، فاختص علي بن أبي طالب بالقضاء والتّفسير، وزيد بالفرائض ومعاذ بالفقه وأُبيّ بالقراءة.

ص: 331

ومن العلوم الَّتي نشأت في كنف القرآن العربيَّةُ ومن فروعها الأصوات والنَّحو والدّلالة والمعجم، وكان النَّحو العربي في نشأته من أشد العلوم التصاقا بالقرآن.

وقد أدرك الباحثون المعاصرون الارتباط الوثيق بين القرآن الكريم والعلوم في نشأتها بعامة، والنّحو بخاصة، وفي هذا يقول الدكتور مهدي المخزومي: "وراحت كل طائفة منهم تتَّجه اتِّجاهاً خاصاً في دراسته، فنشأت:

طائفة اتَجه نشاطُها إلى تصحيح متن القرآن عن طريق الرِّواية، وهي طائفة القُرَّاء.

وطائفة راحت تدرس القرآن لتفهم الأحكام الّتي تتضمنها، ممَّا هو لازم لبناء المجتمع، وهي طائفة الفقهاء.

وطائفة اتَّجهت اتّجاهاً لغويًّا، فأخذت تعني بإعراب نصوص القرآن مستعينة برواية اللُّغة، ثم توسَّعت في ذلك، فتناولت بالدِّراسة علل التأليف، أو علل الإعراب، وهي طائفة النُّحاة.

فالنَحو - إذن - وليد التَّفكير في قراءة القرآن".

ويقول الدُّكتور محمد خير الحلواني: "والحق أنَّ نشأة النّحو ترتبط بجذور الحياة الإسلاميَّة في ذلك الزَّمن، وترتدّ إلى ما ترتدّ إليه نشأة العلوم الأخرى من لغوية ودينية وفلسفية، وكان القرآن الكريم محور هذه الجذور، وهو الركيزة الأساسية فيها.

إذن فإن نشأة العربية - بمعناها الاصطلاحي - انطلقت من قراءة القرآن؛ لأنّ القراءة القرآنية هي التي دعت إلى ظهور علم الأصوات الذي نضج عند العرب، فالمقرئ كان مضطراً إلى إخراج الحروف مخرجاً فصيحا وكان مضطراً - أيضاً - إلى معرفة المدّ وقوانينه؛وإلى أحكام الهمز ومعرفة لهجات العرب فيه، كما كان عليه أن يعرف ضوابط الإدغام والإظهار والإقلاب والغنّة.

وإلى جانب هذا كلّه كان القرآن الكريم سبب ظهور علم الغريب، وما جرّ إليه من جمع الشعر والنوادر والرحلات العلمية إلى البوادي

لأن في كلمات القرآن ما في كلمات الشعر من غرابة أحياناً، تحتاج إلى شرح وتوضيح باعتماد العرف اللغوي السائد يومئذٍ".

ص: 332

ثم يقول: "ومن الطبيعي أن يكون القرآن - أيضاً - سبب ظهور علم النحو، لأن النحو دراسة للتركيب اللغوي، ورصد للظواهر الإعرابية الناجمة عن القرائن اللفظية، التي سميت فيما بعد بالعوامل النحوية، وقراءة القرآن تعتمد اعتمادا بارزاً على تغير أواخر الكلمات؛ أي: الإعراب".

وإلى مثل هذا يذهب كثير من الباحثين المعاصرين.

نعم؛ لقد بدأت العلاقة بين العربية بمفهومها العام والقرآن مبكرة في المدينة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسيره بعض الآيات المشكلة، والألفاظ الغريبة، وفي حثه على تدبر ألفاظ القرآن ومعانيه والتماس غرائبه.

روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه "(1) .

والمراد بالإعراب - هنا - معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإِعراب المصطلح عليه عند النحاة، وهو ما يقابل اللحن.

وقد تزايدت الحاجة إلى تفسير غريبي القرآن والحديث مع مرور الأيام، وأكثر الصَّحابة ثم التَّابعون من الاحتجاج لغريب القرآن ومشكله بالشِّعر كابن عباس، الَّذي يُعد صنيعه نواة للمعجم العربي، كما سيأتي بيانه.

واقتضى ذلك من الصَّحابة التَّزوُّد باللّغة، وتأمل دقائقها، والإلمام بلغات القبائل، ليتمكَّنوا من تفسير غريب القرآن، وكان بعضهم يتحرَّج من الخوض في تفسير غرائب القرآن وَرَعاً، أو لعدم التَمكُّن في اللُّغة، وكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يأمر بألا يقرئ القرآن إلا عالم باللُّغة - كما تقدم.

وإذا كان أمر القراءة يقتضي العلم باللُّغة فإنَّ أمر تفسير الغريب وكشف المشكل أدعى إلى ذلك، ولهذا أثر عن مجاهد قوله:"لا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب".

ص: 333

وهكذا أصبحت العربية من الدِّين، وغدا تعلمها لفهم مقاصد الكتاب والسنة قربة من أجلّ القربات إلى الله، ونظر بعض العلماء إلى تعلمها على أنَّه فرض واجب.

وفي هذه البيئة العلمية نمت المعارف في المدينة واهتدى القراء إلى ملحوظات متناثرة في الأصوات والغريب والنَّحو، وكانت ملحوظاتهم في النَّحو نواة العمل النَّحوي فيما بعد.

وعلى هذا يمكن القول: إنَّ النَّحو العربي الَّذي اكتمل بنيانه في البصرة والكوفة فيما بعد هو ثمرة من ثمار الدِّراسة القرآنية الَّتي نبتت وترعرعت في المدينة.

وثمة أسباب ودوافع أخرى أسرعت بعلم النَّحو إلى الظُّهور، ثم النَّضج؛ذكرها بعض الباحثين المعاصرين، وهي لا تكاد تخرج عمَّا ذكرناه في هذا البحث، فيطيب لبعضهم أن يذكروا إلى جانب الدَّافع الديني دوافع بعضها قوميّ عربي، وبعضها الآخر اجتماعي.

فأمَّا الدَّافع القومي فيرجع إلى اعتزاز العرب بلغتهم وخشيتهم عليها من الفساد أو الفناء أو الذوبان في اللّغات الأعجمية.

ويتمثل الدَّافع الاجتماعي في بعد العرب عن البادية، مهد لغتهم الأوَّل، وفساد سلائقهم، بعد اختلاطهم بالأعاجم، في الأمصار، والبيوت، والأسواق، والجيوش، وسائر المرافق العامة والخاصة، إضافة إلى انتشار التَّسرِّي بالأعجميات أو التَّزوُّج بهنَّ، فنتج عن ذلك أمور منها نشوء أجيال من العرب من أمهات غير عربيات، وتأثرهم بهنَّ ففشا اللحن على ألسنتهم وانتشر نتيجة لذلك.

وهذا الَّذي ذكروه يعود في جملته إلى ما ذكرناه - فيما تقدَّم - كاللحن في اللُّغة، وزحفه إلى القرآن، والرَّغبة في درس نصه المقدس، والكشف عن أسراره.

---

(1)

مراتب النّحويين 55.

(2)

ينظر: معجم الأدباء5/2150.

(3)

ينظر: المزهر 2/414.

(4)

إنباه الرُواة 2/172.

(5)

ينظر: البيان والتّبيين 1/146.

(6)

مراتب النّحويين 156.

(7)

العربية ليوهان فك75، 76.

(8)

نفسه 77.

(9)

نفسه 78.

ص: 334

(1)

ضحى الإسلام 2/284.

(2)

شرح اللمع 1/1، وينظر: إنباه الرواة 2/172.

(3)

مجلة المنهل، العدد 499 ص 126.

(4)

مقاييس اللّغة (لحن) 5/239.

(5)

ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/15، وتاريخ آداب العرب 1/234، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة النحوية 124.

(6)

طبقات النحويين واللغويين 11.

(7)

مراتب النحويين 23.

(8)

ينظر: الجامع الصغير 1/363، وكنز العمال 1/151، والخصائص 2/8.

(9)

ينظر: أثر القرآن في أصول مدرسة البصرة 135.

(10)

ينظر: تاريخ آداب العرب ا /237.

(11)

مراتب النحويين 23.

(12)

ينظر: مراتب النحويين 23، والإيضاح في علل النحو 96، والمزهر 2/397.

(13)

الإيضاح في علل النحو 96، وينظر: معجم الأدباء1/16، 17

(14)

مراتب النحويين 23.

(15)

كنز العمال 5/224.

(16)

معجم الأدباء1/23.

(17)

ينظر: البيان والتبيين 2/205.

(18)

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/24.

(19)

البيان والتبيين 2/ 205.

(20)

ينظر: تاريخ آداب العرب 1 /240.

(21)

ينظر: اللغة والنحو 188.

(22)

الصاحبي 56.

(23)

المفصل في تاريخ العرب قبل الإِسلام 9/24.

(24)

ينظر: الصاحبي 56.

(25)

الإيضاح في علل النحو 96.

(26)

معجم الأدباء1/17.

(27)

ينظر: الإيضاح في علل النحو 96.

(28)

ينظر: معجم الأدباء ا/23.

(29)

ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 24، وجامع بيان العلم وفضله 465.

(30)

المبهج الأدباء1/22، وينظر: الإِيضاح في علل النحو، ونور القبس 2.

(31)

معجم الأدباء 1/22، وينظر: الإيضاح في علل النحو 96، ونور القبس 2.

(32)

إيضاح الوقف والابتداء1/30.

ص: 335

(1)

ينظر: طبقات النحويين واللغويين 11، ونزهة الألباء21، وتاريخ آداب العرب 1/239، واللغة والنحو 209، ونشأة النحو 12، وفىِ أصول النحو 6، 7، والمفصل في تاريخ النحو العربي 11ء والدراسات اللغوية عند العرب 57، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة 117.

(2)

المفصل في تاريخ النحو العربي 17.

(3)

مجلة المنهل، العدد 499، ص126.

(4)

الإيضاح في علل النحو 96.

(5)

الجامع لأحكام القرآن 1/ 24.

(6)

20،19.

(7)

إنباه الرواة 1/40.

(8)

مراتب النحويين 26.

(9)

ينظر: نزهة الألباء 19.

(10)

طبقات النحويين واللغويين 28.

(11)

ينظر: البرهان في علوم القرآن 1/8، والإتقان 1/3.

(12)

ينظر: البرهان في علوم القرآن 1/8.

(13)

مدرسة الكوفة 20.

(14)

المفصل في تاريخ النحو العربي 17.

(15)

نفسه 18.

(16)

ينظر: اللغة والنحو 201، وفي أصول النحو 101، وأثر القرآن في أصول مدرسة البصرة 43، ونحو القراء الكوفيين 67،66، وفي التفكير النحوي عند العرب 13.

(17)

إيضاح الوقف والابتداء1/15، والإتقان 1/149.

(18)

ينظر: الإتقان 1/149.

(19)

ينظر: الإتقان 1/149.

(20)

البرهان في علوم القرآن 1/292.

(21)

اقتضاء الصراط المستقيم 207.

(22)

ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي 18 وما بعدها، وتجديد النحو العربي 59-69، وفي التفكير النحوي عند العرب 37.

(23)

ينظر: تجديد النحو 58، والمدارس النحوية 12.

(24)

ينطر: المفصل في تاريخ النحو العربي 27، وتجديد النحو 59.

ص: 336

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ

الفصل الثّاني

مُنشئ علم العربيّة

تبيَّن ممَّا سبق أنَّ العقليَّة العربيَّة في المدينة في القرن الأول الهجري كانت مهيَّأة تماماً لظهور علم العربية بعامة والنَّحو على وجه الخصوص، وأنَّ هذا العلم ككل قانون تتطلبه الحوادث وتقتضيه الحاجات، ولم يكن قبل الإسلام ما يحمل العقول على التَّفكير فيه.

فمن أنشأ هذا العلم؟

لقد اختلف علماء العربيَّة قديماً وحديثاً في أمر واضع النَّحو العربي، وتضاربت آراؤهم، وتباينت توجيهاتهم، وردّ بعضهم على بعض، فبعضهم يقول: إنّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ويقول بعضهم: إنَّه أبو الأسود الدؤلي، ويراه بعضهم الآخر نصر بن عاصم، في حين يرى فريق منهم أنّه عبد الرَّحمن بن هرمز المدني.

وأنكر بعض الباحثين المعاصرين ذلك كلّه، وذهب إلى أنَّ معرفة واضع النَّحو في العربية يكاد يكون معضلة، وأنَّه غامض في منشئه كل الغموض؛فلا سبيل إلى تحقيقه البتة.

وفي هذا الشَّأن يقول بروكلمان: "يبدو أنَّ أوائل علم اللغة العربية ستبقى دائما محوطة بالغموض والظلام". ويقول: "أمَّا تعيين أوّل من وجه العرب إلى الاشتغال بالبحوث اللُغوية فهذا أمر لا يزال غامضا بعد.

وسبب الغموض عند بعض هؤلاء أنَّه ليس ثمة ما يقطع بالحقيقة في هذا الشأن، لضياع كثير ممَّا أُلّف في المراحل الأولى لنشأة هذا العلم، أو لاضطراب بعض المصادر التَّاريخيَّة الَّتي تعرَّضت لنشأة النَحو العربي، إضافة إلى هيمنة روح التَّشكيك عند بعض المستشرقين في قدرة العرب على ابتداع علم لم يكن لهم سابقة فيه، فانساق أكثر هؤلاء وراء عواطفهم، وزعموا أنّ علوم العربيَّة في نحوها ومعجمها ما هي إلا تقليد ومحاكاة أو ترجمة أجنبية يونانيَّة أو سريانيَّة أو هنديَّة أو فارسيَّة.

ص: 337

والحق أن نشأة علوم العربيَّة وعلى رأسها النّحو ليست بهذه الدَّرجة من الغموض، ومن الممكن أن يصل الباحث إلى نقطة البداية، أو ما يقرب منها مستعيناً بالقرائن العلميّة والرِّوايات التَّاريخيَّة الكثيرة بعد تخليصها من بعض الشوائب.

ومن خلال ذلك يمكن التّعرُّف على الشَّخصيَّة أو الشٌخصيَّات الّتي كان لها دور بارز في المراحل الأولى لنشأة العربية، والنّحو خاصة.

على أنّي أرى أنَّ الخطأ الّذي وقع فيه المؤرخون لهذا العلم من القدامى والمعاصرين هو سعيهم الحثيث وانشغالهم بالبحث عن ذلك الشَّخص الفريد الَّذي أنشأ هذا العلم العظيم، وأخرجه من العدم إلى الوجود، وهذا - في زعمي - جهد ضائع؛ لأنه ليس لتلك الشخصيَّة الوهمية وجودا أصلا! .

فالعربيَّة بعامة والنَّحو بخاصة ثمرة لحشد من التَّراكمات والأنظار والإشارات والملحوظات اللُّغوَّية الَّتي أثارها عدد من النَّابهين من أصحاب الذّائقة اللُّغويَّة الرَّفيعة من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم، الذين اشتركوا بدرجات متفاوتة في العناية باللغة، وأسهموا في إرساء الأسس النَّحويَّة الأولى، وتطوير العديد من المفاهيم اللُّغويَّة، ونقلها إلى مرحلة علمية جديدة.

وبرز من هؤلاء جماعة كان لهم النَّصيب الأوفر في نشأة علم النَّحو قياساً بمعاصريهم، وعلى تفاوت بينهم، وهم: عليّ بن أبي طالب وأبو الأسود الدُّؤلي في النصف الأول من القرن الأول، ونصر ابن عاصم وعبد الرَّحمن بن هرمز في النَّصف الثاني من القرن الأول.

ولبروز هؤلاء في هذا العلم وتفوقهم على غيرهم من معاصريهم نسب ابتداع علم النّحو في العربيَّة إليهم، واثنان من هؤلاء الأربعة كانوا في المدينة وهما: علي رضي الله عنه وعبد الرَّحمن بن هرمز الأعرج.

ص: 338

ويلحق بهؤلاء الأربعة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الّذي برع في اللُّغة وتفسير الغريب، وأسهم في ظهور علم الدِّلالة والمعجم، وقيل: إنّه أمر بوضع النحو كما سيأتي.

ولا بأس في أن أذكر فيما يلي شيئاً ممَّا أثر عن هؤلاء من غير بسط ولا استقصاء لشهرته وكثرة ما كتب فيه؛ولأن بعضه يحقق ما ذهبتُ إليه، وهو أنَّ نشأة الدَّرس اللُّغوي، بعامة والنَّحوي بخاصّة كانت في المدينة.

أولا: عليّ بن أبي طالب (ت 40هـ)

تذكر كثير من الرِّوايات القديمة أنَّ أوَّل من وضع علم العربيَّة وأسَّس قواعده، وحدَّ حدوده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأخذ عنه أبو الأسود الدُّؤلي، وأخذ عن أبي الأسود نصر بن عاصم وعبد الرَّحمن بن هرمز، فقد ذكر أبو بكر الأنباريّ أنَّ أبا الأسود أخذ النَّحو عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ".

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى وغيره: "أخذ أبو الأسود الدُّؤلي النَّحو عن علي بن أبي طالب ".

وروى أبو الطَّيب اللُغوي بسنده أنَّ "أول من رسم النَّحو أبو الأسود الدؤلي

وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لأنَّه سمع لحناً، فقال لأبي الأسود: اجعل للنَّاس حروفاً - وأشار إلى الرَّفع والنصب والجرّ - فكان أبو الأسود ضنيناً بما أخذه من ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام".

وروى أبو بكر الزُّبيدي عن المبرّد قوله: "سُئل أبو الأسود عمَّن فتح له الطريق إلى الوضع في النَّحو، وأرشده إليه، فقال: تلقيته من علي بن أبي طالب".

وقال في رواية أخرى عن المبرد: "ألقى إليّ عليّ أصولا احتذيت عليها".

وذكر أبو حيان التوحيدي أنَّ "علىّ بن أبي طالب - رضوان الله عليه - سمع قارئاً يقرأ على غير وجه الصواب فساءه ذلك، فتقدَّم إلى أبي الأسود الدّؤلي حتّى وضع للنَّاس أصلا ومثالا وباباً وقياساً، بعد أن فتق له حاشيته، ومهّد له مهاده، وضرب له قواعده".

ص: 339

ومن الرِّوايات الّتي تعزو نشأة النَّحو إلى الإِمام عليّ بن أبي طالب ما نقله القفطي في قوله: "وروي – أيضاً - عن أبي الأسود قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخرج لي رقعة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى".

ثم يقول القفطي: "وأهل مصر قاطبة يرون بعد النَّقل والتَّصحيح أنَّ أوَّل من وضع النَّحو عليّ بن أبى طالب - كرَّم الله وجهه - وأخذ عنه أبو الأسود الدُؤلي".

وساق الأنباري جملة من الرِّوايات، وفيها ما يعزو النَّحو إلى أبي الأسود أو عبد الرًّحمنِ بن هرمز أو نصر بن عاصم، ثم ختمها برأيه الخاص، فقال:"والصَّحيح أنَ أوّل من وضع النَّحو عليّ بن أبى طالب رضي الله عنه لأنَّ الرِّوايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسنده إلى عليّ".

وتفصّل بعض الروايات في طبيعة النحو الذي وضعه الإمام عليّ، وتذكر الأبواب التي وضعها، ولا يخفى ما في ذلك من أثر التزيد والمبالغات، وإن كان له دلالته - أيضا - وهو شبه الإجماع على أن لعليّ رضي الله عنه نصيباً في ظهور النَّحو.

يقول السيوطي فيما رواه عن أبي الأسود أنّه قال: "دخلت على أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه رأيته مطرقاً متفكراً، فقلت: فبم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحناً، فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربيَّة. فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا وبقَّيت فينا هذه الُّلغة، ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كله: اسم وفعل وحرف. فالاسم: ما أنبأ عن المسمَّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمَّى، والحرف: ما أنبأ عن معنىً ليس باسم ولا فعل، ثم قال لي: تتبعه، وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما تتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر.

ص: 340

قال أبو الأسود: "فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النَّصب فذكرت منها: إنَّ، وأنَّ، وليت، ولعلّ، وكأنَّ، ولم أذكر لكنَّ، فقال لي: لِمَ تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها. فقال: بل هي منها، فزدها فيها".

ولا يخفى ما في هذه الرِّواية من آثار التَّزيُّد والمبالغات، ممّا يجعل النَّفس ترتاب منها لورود مثل تلك المصطلحات والتَّفصيلات التي يبعد أن تكون عرفت في زمن عليّ رضي الله عنه.

وعلى الرَّغم من كثرة الرِّوايات الّتي تسند هذا العلم إلى الإمام عليّ، وتلميذه أبي الأسود من بعده، وتسليم أكثر القدماء بمضمونها ردّها بعض المعاصرين، وجعلوها من الأساطير، أو الخرافات، أو عبث الرّواة الوضَّاعين.

وأنكر بِعضهم أن يكون للخليفة عليّ بن أبي طالب أي دور في نشأة علم النَّحو، لأنَّ "وضع النَّحو أمر خطير يتقاضى من القائم به عناية مبذولة إليه خاصة، وصدوفاً عن مشاغل الحياة عامة، ووقتاً طويلا، يُستنزف في التَّقصي للكلام العربي، وإعمال الفكر واستخراج القواعد في حياة كلها هدوء واستقرار، يرفرف عليها جناح الأمن والسَّلام، وحياة الإِمام عليّ - كرم الله وجهه - تقضَّت في النّضال العنيف والشجار المستحرّ، ملأتها الحوادث المروعة، واكتنفتها أمواج الاضطرابات الشاملة، فبعيد أنَّ الإمام عليّ يواتيه الوقت الكافي للنهوض بأعباء هذا العمل الجلل".

ونحن نقول لهؤلاء المنكرين: إنَّنا لا نتصوَّر أن يتواطأ جمع من علمائنا القدامى على الكذب، ولا نستكثر على الإِمام عليّ رضي الله عنه أن يكون له دور بارز في نشأة هذا العلم، كإرشاد أبي الأسود وتلقينه بعض المبادئ الُّلغوية.

وأية غرابة في أنَّ تدور بين عليّ وصديقه أبي الأسود أحاديث تتّصل باللغة، وهما بها عالمان، وعلى سلامتها حريصان، في زمن استشرت فيه العجمة، وشاع فيه اللحن، وأخذ يتهدد القرآن؟.

ص: 341

وليس ما صنعاه نحواً بالمعنى الَّذي نعرفه اليوم، إنما هي إشارات، وتنبيهات، وملحوظات؛ كانت تدور تحت سماء المدينة وغيرها، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطَّاب، فأضاف علي وصاحبه إضافات مهمة، جعلت النَّاس ينسون ما كان قبلهما، ويعزون هذا العلم لهما، أو لأحدهما.

ولو أخذنا بحجَّة انشغال الخليفة علي بتصريف أمور الدَّولة، لأنكرنا كثيراً ممَّا أثر عنه من فنون القول والحكمة، ممّا فاضت به كتب التَّراجم والطَّبقات، وجُمع بعضه في كتاب نهج البلاغة، وذلك أو أكثره يحتاج في صياغته إلى التَّأمُّل والوقت.

وكيف نستكثر على عليّ أن يضيع شيئاً من مبادئ النَّحو أو يرشد إليها، وهو من أكثر الصَّحابة علماً وأشدّهم ذكاء، فقد روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قوله:"أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه ".

فعليّ رجل القضاء والفقه والرِّواية والخطابة، وما روي عن ريادته في النَّحو ليس تأليفا مكتملا يستغرق الوقت، ولكنَّه لفتة من بداهة السليقة.

ثانياً: أبو الأسود الدُّؤليّ (ت 69هـ)

ذهب بعض الرُّواة إلى أنَّ أبا الأسود هو أوَّل من استنبط النَّحو، وأخرجه من العدم إلى الوجود.

قال ابن سلام: "وكان أول من أسَّس العربيَّة، وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها: أبو الأسود الدُّؤلي

فوضع باب الفاعل والمفعول به، والمضاف، وحروف الرَّفع والنَّصب والجرّ والجزم".

وقال ابن قتيبة: "إنَّ أبا الأسود هو: "أول من عمل في النَّحو كتاباً".

ص: 342

وُيقوي ما ذهب إليه ابن قتيبة في أنَّ لأبي الأسود كتاباً في النَّحو ما حكاه ابن النَّديم في قصَّة الأوراق العتيقة الَّتي وقف عليها، فهي تدلّ على أنَّ واضع النَّحو هو أبو الأسود الدؤلي، قال ابن النَّديم: "كان بمدينة الحديثة رجل يقال له محمد بن الحسين، ويعرف بابن أبي بَعْرَة، جمَّاعة للكتب، له خزانة لم أر لأحد مثلها كثرة، تحتوي على قطعة من الكتب الغريبة في النَّحو واللغة والأدب والكتب القديمة، فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي، وكان نفوراً ضنيناً بما عنده وخائفاً من بني حمدان، فأخرج إليّ قِمطراً فيه ثلاث مئة رطل جلود فلجان، وصِكاك، وقرطاس مصر، وورق صيني، وورق تهامي، جلود آدم، وورق خرساني، فيها تعليقات لغة عن العرب، وقصائد مفردات من أشعارهم، وشيء من النَّحو والحكايات والأخبار والأسمار والأنساب، وغير ذلك من علوم العرب، وغيرهم. وذكَر أنَّ رجلاً من أهل الكوفة - ذهب عني اسمه - كان مستهتَراً بجمع الخطوط القديمة، وأنّه لما حضرته الوفاة خصَّه بذلك لصداقة كانت بينهما، وأفضال من محمد بن الحسين عليه، ومجانسة بالمذهب، فإنَّه كان شيعيَّاً، فرأيتها وقلَّبتها فرأيت عجباً، إلا أنَّ الزَّمان قد أخلقها، وعمل فيها عملاً أدرسها وأحرفها، وكان على كل جزء أو ورقة أو مدرج توقيع بخطوط العلماء واحداً إثر واحد، يذكر فيه خط من هو، وتحت كلِّ توقيع آخر وخمسة أو ستة من شهادات العلماء على خطوط بعضِ لبعض، ورأيت في جملتها مصحفاً بخط خالد بن أبي الهياج صاحب عليّ عليه السلام، ثم وصل هذا المصحف إلى أبي عبد الله بن حاني رحمه الله ورأيت فيها بخطوط الأئمَّة من الحسن وإلى الحسين عليهم السلام، ورأيت عدَّة أمانات وعهود بخط أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وبخط غيره من كتاب النّبي عليه السلام، ومن خطوط العلماء في النَّحو والّلغة، مثل أبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشَّيبانيّ، والأصمعيِّ، وابن الأعرابيّ، وسيبويه،

ص: 343

والفراء، والكسائي، ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عُيينة، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ وغيرهم، ورأيت ما يدلُّ على أنَّ النَّحو عن أبي الأسود ما هذه حكَايته، وهي أَربع أوراق أحسبها من ورق الصيني، ترجمتها: هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود - رحمة الله عليه - بخط يحي بن يعمر. وتحت هذا الخط بخط عتيق: هذا خط علاّن النَّحويّ، وتحته: هذا خط النَّضر بن شميل".

وتؤكد رواية ابن النَّديم هذه اشتغال أبي الأسود بالنَّحو، ووضعه شيئاً من حدوده، مع أنَّها لا تنفي أن يكون قد تلقى ذلك أو بعضه عن عليّ بن أبي طالب.

ومن الصَّعب الشك في صحَّة هذه الرِّواية لأنَّ ما أورده ابن النَّديم من مقوّيات الخبر يؤكد صدقه؛ ولأنَّ الرجل ثقة عرف بدقته في النَّقل والرِّواية، فهو إذا رأى بنفسه قال: رأيت، وإذا سمع قال سمعت، وإذا لم يطمئنّ إلى شيء، قال: لم أر، أو ذكر ما يدل على شكّه. على أنَّ اختفاء هذه الأوراق ثلاثة قرون

وظهورها في القرن الرابع على يد ابن النَّديم المتوفى سنة 380هـ وسكوت العلماء عنها قد يثير الشَّكّ والارتياب في أمرها، وإن كان ذلك لا يكفي لردها؛ لأنَّ كثيرا من مؤلفات القدامى من القرن الثاني والثالث قد ضاعت، ثم وجد بعضها بعد عدة قرون.

والذي عليه أكثر العلماء أنَّ النَحو أخذ عن أبي الأسود وأنَّ أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - كما تقدَّم -، وأنَّه كان مدفوعاً برغبته الجامحة لصدّ ما سمعه من الَّلحن، قال المبرد: إنّ "ابنة أبي الأسود قالت: ما أشدُّ الحرِّ، فقال لها: الحصباء بالرمضاء، قالت: إنَّما تعجّبت من شدّته، قال: أو قد لحن النّاس؟ فأخبر بذلك علياً - رحمة الله عليه - فأعطاه أصولا بنى منها، وعمل بعده عليها.

أو أنَّه سمع لحناً في القرآن فقال: "لا أظن يسعني إلا أن أضع شيئاً أصلح به نحو هذا، أو كلام هذا معناه، فوضع النَّحو".

ص: 344

قال أبو الطيب الُّلغويّ: "وكان أول من رسمه، فوضع منه شيئاً جليلاً، حتَّى تعمق النَّظر بعد ذلك، وطوَّلوا الأبواب".

وقيل بل كان وضعه ليتعلمه بنو زياد؛ لأنَّهم كانوا يلحنون، فكلَّمه زياد في ذلك، وكان أعلم الناس بكلام العرب.

وذهب بعض الرواة إلى أنَّ أبا الأسود وضع النَّحو بأمر من عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

ذكر أبو البركات الأنباري أنَّ عمر بن الخطَّاب سمع لحناً في القرآن الكريم فأمر "أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللّغة، وأمر أبا الأسود الدًّؤليّ أن يضع النّحو".

وأخرجه الحافظ بن عساكر والسُّيوطيّ (1) .

وحدَّث أبو الحسن المدائنيّ عن عبّاد بن مسلم عن الشَّعبي، قال:"كتب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقَّهوا في الدِّين؛ وتعلَّموا السُّنّة، وتفهَّموا العربيَّة، وتعلَّموا طعن الدَّرية، وأحسنوا عبارة الرُّؤيا، وليعلّم أبو الأسود أهل البصرة الإِعراب".

وأنكر بعض الباحثين المعاصرين أن يكون عمر بن الخطَّاب هو الَّذي أمر أبا الأسود بوضع النَّحو، لتقدم عصر عمر وانشغاله بأمر الدَّولة وبعده عن أبي الأسود الذي كان يسكن البصرة، ولتعارض ذلك مع ما روي، وهو أنَّ الآمر بذلك هو عليّ بن أبي طالب.

ويمكن الجمع بين الرِّوايات الَّتي عزت ذلك إلى عمر بن الخطَّاب، والَّتي عزته إلى عليّ، بأنّ عمر أشار إلى شيء من ذلك، ولكنَّ أبا الأسود تأخَّر في الاستجابة، وتردّد، ثم جدّد الخليفة عليّ الطَّلب، فأمر أبا الأسود فاستجاب بعد أن رأى شيوع اللحن في زمن عليّ.

ومن الثَّابت اهتمام عمر بن الخطاب بسلامة اللغة، ودعوته إلى مرعاة الصَّواب في النُّطق بالمفردات والتَّراكيب.

وتذكر بعض الرِّوايات أنَّ أبا الأسود تلقى الأمر بوضع النَّحو من زياد بن أبيه، لحوادث من الَّلحن ذكروها.

ص: 345

ومن الثَّابت أن أبا الأسود صنع النَّقط الإعرابيّ في المصحف ضمّاً ورفعاً وكسراً وغُنَّة؛ لرعاية النَّصّ القرآني من اللَّحن، وقد روت المصادر أنَّ زياداً بعث إلى أبي الأسود، فقال له: "يا أبا الأسود؛ إنَّ هذه الحمراء قد كثرت، وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئاً يَصْلُحُ به النَّاس، ويعْرب به كتاب الله

فقال: يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليَّ ثلاثين رجلا.

فأحضره زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم مازال يختارهم، حتَّى اختار منهم رجلاً من عبد القيس، فقال له: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتها فاجعل النُّقطة في أسفله، فإن اتبعت شيئاً من الحركات غنَّة فانقط نقطتين.

فابتدأ بالمصحف حتَّى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك".

ويُعدُّ النَّقط الإعرابي الَّذي وضعه أبو الأسود، ثم طُوِّر فيما بعد واستقرَّ على صورة الحركات الَّتي نعرفها اليوم من أعظم الخطوات في علم العربية بعامة والنَّحو بخاصة.

ولا جدال في أنَّ ما قام به أبو الأسود في هذا الشَّأن يُعدُّ عملاً منطقيَّاً، تتطلبه الحوادث، وتقتضيه الحاجات في ظروف ومناسبات خاصة، ولا يقدم عليه أحد من دون موافقة ولاة الأمر في عصره، ورعايتهم؛ لأنَّ الأعمال الفردية في أمر عظيم يتصل برسم المصحف لا يقدم عليها فردٌ بغير إجماع من علماء المسلمين، وتعضيد من وليّ الأمر.

ص: 346

ويبدو أنَّ فكرة ضبط القرآن ضبطاً إعرابياً قد راودت الخلفاء الرَّاشدين منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان، بعد أن جمع المصحف، ولا نستبعد أن تكون أصولها في زمن الخليفة عمر بن الخطاب الّذي كان حريصا على لغة العرب، ولاشكَّ في أنَّ حرصه على النَّص القرآني أكبر، ولكن حداثة الإِسلام، وانشغال الأئمَّة بالفتوحات في زمنه، وانشغالهم بجمع القرآن في زمن عثمان أدَّى إلى تأخير هذا الصنيع الَّذي قام به أبو الأسود فيما بعد، حين تهيَّأت له الأسباب.

ثالثاً: ابن عبّاس (ت 68 هـ)

كان ابن عبّاس رضي الله عنهما يسمّى البحر، لسعة علمه، وكان أعلم النّاس في زمانه بعلم العربية والشعر وتفاسير القرآن.

وحسبك في علم ابن عباس في مجال العربية قول ابن جني: "ينبغي أن يحسن الظن بابن عباس، فيقال: إنه أعلم بلغة القوم من كثير من علمائهم " أي: علمائهم الذين تخصصوا في علم العربية بعد أن نضجت.

ونستطيع القول: إن لابن عباس الحظ الوافر في تأسيس علوم العربية لغة ونحوا: ودفع عجلتها بقوة، لما أثر عنه من نشاط مشهور في هذا الشأن.

وصلة ابن عباس برجالات الُّلغة والمعنيين بأمرها ثابتة، ومن هؤلاء عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو الأسود الدؤلي.

وصلة ابن عباس بأبي الأسود بخاصة، وعلمه بالعربية تجعلاننا نقبل بعض الروايات المأثورة عن تعاون الرجلين في مجال اللغة؛ فقد روي فيما يتصل بالنحو أن ابن عباس كان يعرف شيئاً منه، وكان يأمر أبا الأسود بالمضيّ في إظهاره.

قال القفطي: "أتى أبو الأسود عبد الله بن عباس، فقال: إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئاً لهم يقومون به ألسنتهم قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق، واستعن بسورة يوسف".

ص: 347

ولا ندري مراد ابن عباس بحضّه أبا الأسود على الاستعانة بسورة يوسف، ولعله أراد أن يتخذ أبو الأسود من بعض آياتها الكريمة رائداً له، مثل:{وَلِنُعلِّمهُ مِن تَأوِيل الأحَاديث} (1) أو {وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ} (2) أو {وَعَليْهِ فَلْيَتَوَكَّل المُتَوَكِّلُون} (3) أو {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (4) أو أنه أراد أنّ في هذه السورة وحدها ما يكفيه لوضع الأسس للنحو.

ولابن عباس معرفة مؤكدة بالنحو، فقد كان ينبه الناس على اللحن، فمن ذلك أنه لقي ابن أخي عبيد بن عمير فقال: إنّ ابن عمّك لعربي، فماله يلحن في قوله:{إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصدُّوْن} إنما هي يَصِدون "

وهذا خلل في حركة عين الفعل المضارع، وهو خلل صرفي، وقد عدّه لحنا، ولاشك في أن الخلل النحوي في حركات الإعراب عنده أوضح وأكبر.

وروى ابن جرير الطبري أن ابن عباس قرأ الآية: {يَأيُّها الَّذينءَامَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلوةِ فَاغسِلُوا وُجوهَكُم وأيدِيَكُم إِلَى الَمرَافِقِ وامْسَحوا بِرُءُوسِكُم وَأرْجُلَكُم} بنصب أرجلكم، فقال:"عاد الأمر إلى الغسل ".

وفي هذا دلالة قوية على معرفة ابن عباس بالإعراب؛ لأنه ربط بين معنى الآية وحركات الإعراب، إذ عطف (أرجلكم) على (وجوهَكم) وهي في موضع نصب، ولم يعطفها على (برؤسكم) رغم قربها؛ لأنها مجرورة بالحرف.

ومهما يكن من أمر، فقد برع ابن عباس في اللغة، وتفسير الغريب في المفردات، وشرح بعض الأساليب العربية في التراكيب، وشق الطريق أمام اللغويين في مقام الاستفادة من الشعر في بناء مناهج العربية فيما عرف عنه في إجاباته عن سؤالات نافع بن الأزرق، وملحوظاته في التفسير، فكان ذلك نواة علم الدلالة والصنعة المعجمية عند العرب.

رابعاً: نصر بن عاصم الليثيّ (ت 89 هـ)

كان نصر بن عاصم فقيها فصيحاً عالماً بالعربية، من تلامذة أبي الأسود.

ص: 348

قال عمر بن دينار: "اجتمعت أنا والزهري ونصر بن عاصم، فتكلم نصر، فقال الزهري: إنه ليفلّق بالعربية تفليقاً".

ويعدّ نصر بن عاصم من علماء النحو المبرزين في زمانه، وقال بعض الرواة: إن نصر ابن عاصم "أول من وضع النحو وسببه".

وقال السيرافيّ: إنه "أوّل من وضع العربية".

وقال ابن النديم: "وقال آخرون: رسم النحو نصر بن عاصم".

وقال أبو البركات الأنباري: "وزعم قوم أن أول من وضع النحو نصر بن عاصم".

والحق أنه ليس أول من وضع النحو، كما زعم بعض الرواة، فقد برز قبله جماعة - كما تقدم - منهم عليّ بن أبي طالب وأبو الأسود، والصواب أنه من أول من أخذ النحو عن أبي الأسود، وفتق فيه القياس، وكان أنبل الجماعة الذين أخذوه عن أبي الأسود فنسب إليه - كما يقول القفطي.

ولعل من نسب إليه أوليّة النحو قصد نقط المصاحف الإِعجاميّ، وهو إكمال لصنيع شيخه أبي الأسود، أو أنه وضع شيئاً من النحو في كتاب، فقد روى ياقوت أنّ له كتاباً في النحو.

ولنصر بن عاصم تلامذة مشهورون في النحو كعبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ وأبي عمرو بن العلاء.

وقد يكون لتلمذة هؤلاء الأعلام عليه وأخذهم النحو عنه دور مباشر أو غير مباشر في نسبة وضع النحو إليه، فالمعتاد أن يعلي التلميذ من قدر شيخه.

خامساً: عبد الرّحمن بن هرمز (ت 117 هـ)

يعد عبد الرحمن بن هرمز الملقّب بالأعرج من أشهر علماء الُّلغة والنحو في زمانه، وكان رأساً في هذا العلم، أخذ النحو عن أبي الأسود، واتصل بأكثر الصحابة علماً بالقرآن والحديث.

وإليه نسبت بعض الروايات وضع النحو في المدينة، قال أبو سعيد السيرافيّ: "اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون: أبو الأسود الدؤلي، وقال آخرون: نصر بن عاصم الدؤليّ

وقال آخرون: عبد الرّحمن بن هرمز" (1) .

وروى السيرافيّ (2) وأبو بكر الزبيديّ عن ابن لهيعة عن أبي النضر أنه قال: "كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية (3) ".

ص: 349

ورواه ابن النديم من طريق آخر، قال:"قرأت بخط عبد الله بن مقلة عن ثعلب أنه قال: روى ابن لهيعة عن أبي النضر قال: كان عبد الرحمن بن هرمز من أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش وأخبارها".

وقال القفطي في أثناء ترجمته لابن هرمز: "قال أهل العلم: إنه أول من وضع علم العربية".

والحقّ أن ابن هرمز مسبوق في هذا الشأن كنصر بن عاصم، ولهذا قال أبو البركات الأنباري:"فأما زعم من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج ونصر بن عاصم فليس بصحيح؛لأن عبد الرحمن أخذ عن أبي الأسود، وكذلك – أيضاً - نصر بن عاصم".

وسيأتي الحديث موسعاً عن ابن هرمز في الفصل الثالث.

ويتبين لنا في ختام هذا الفصل أن أولية وضع النحو محصورة - على رأي علمائنا - بين أربعة، وهم: عليّ بن أبي طالب، وأبو الأسود الدؤليّ، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز.

وأما ابن عباس فله الفضل في وضع حجر الأساس لبعض العلوم في العربية كعلم الدلالة.

والذي أراه أن النحو لا يعزي في وضعه لعالم بعينه، إنما هو جملة من الأنظار والملحوظات والإشارات اللغوية التي أثارها طائفة من النابهين وأصحاب الذائقة اللغوية الرفيعة من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم، فأسهموا جميعاً - بدرجات متفاوتة - في إرساء الأسس النحوية الأولى في المدينة، ثم انتشرت هذه الملحوظات والأنظار، وتداولها المهتمون بالعربية، في الأمصار، كالبصرة في بادئ الأمر، ثم الكوفة، فكانت النواة للنحو العربي، الذي نضج في أواخر القرن الثاني، وكانت النواة لعلم العربية بعامة.

وكان لهؤلاء الأربعة قدم راسخة في إرساء الأسس لهذا البنيان الشامخ، وكان اشتهارهم في هذا الفن مع تقدم زمانهم مدعاة لأن يرفع الرواة والمؤرخون من شأنهم، وينسبوا إليهم وضع النحو.

---

(1)

ينظر: نشأة النحو 12.

(2)

ينظر: اللغة والنحو 54ا.

(3)

ينظر: ضحى الإسلام 2/285.

ص: 350

(1)

ينظر: اللُغة والنحو 154، وهمزة (البتة) همزة وصل، وبعضهم يجعلها همزة قطع، وكلاهما صحيح.

(2)

تاريخ الأدب العربي 2/123.

(3)

نفسه 1/128.

(4)

الفهرست 45، ونزهة الألباء17.

(5)

إيضاح الوقف والابتداء1/43.

(6)

نزهة الألباء20.

(7)

مراتب النحويين 24.

(8)

طبقات النحويين واللغويين 21.

(9)

نفسه 21.

(10)

البصائر والذخائر 1/83.

(11)

إنباه الرواة 1/40.

(12)

إنباه الرواة 1/41.

(13)

يريد الروايات التي يُطمأن إليها.

(14)

نزهة الألباء22،21.

(15)

الأخبار المروية 35،34.

(16)

ينظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 2/123.

(17)

ينظر: ضحى الإسلام 2/285.

(18)

ينظر: المدارس النحوية 14.

(19)

نشأة النحو 19، وينظر: المدارس النحوية 14.

(20)

الاستيعاب 2/11.

(21)

ينظر: ملاعبة الصيد 157.

(22)

بقات فحول الشعراء 1/12.

(23)

الشعر والشعراء 2/729.

(24)

الفهرست 46.

(25)

ينظر: الفهرست 45،ونزهة الألباء1/17، وإنباه الرواة 1/39، والأخبار المروية 31.

(26)

ينظر: مراتب النحويين 24.

(27)

الفاضل 95.

(28)

مراتب النحويين 26.

(29)

نفسه 26.

(30)

نفسه 27.

(31)

نزهة الألباء1/20.

(32)

ينظر: مختصر تاريخ دمشق 7/113.

(33)

ينظر: الأخبار المروية 30، 31.

(34)

الدّريّة: ما يُتعلم عليه الطعن. ينظر: القاموس (درى)1655.

(35)

إنباه الرواة 1/51.

(36)

ينظر: تجديد النحو العربي 101.

(37)

ينظر: إنباه الرواة 1/50، 51.

(38)

نزهة الألباء20، وينظر: الفهرست 45، ومجالس ثعلب 1/66، وأمالي القالي 1/5، وإيضاح الوقف والابتداء 1/41.

(39)

ينظر: أثر القرآن في أصول مدرسة البصرة 39.

(40)

ينظر: أسد الغابة 3/187، وتحفة الأحوذي 10/327.

(41)

ينظر: أسد الغابة 3/187، 188.

(42)

المحتسب 2/342.

(43)

إنباه الرواة 1/51.

(44)

ينظر: تجديد النحو العربي 100.

ص: 351

(1)

سورة يوسف: الآية 21.

(2)

سورة يوسف: الآية 56.

(3)

سورة يوسف: الآية 67.

(4)

سورة يوسف: الآية 76.

(5)

معاني القرآن للفراء 3/36،37.

(6)

ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي 78.

(7)

سورة المائدة: الآية 6.

(8)

جامع البيان للطبري 4/ 468.

(9)

نزهة الألباء، 23.

(10)

إنباه الرواة 3/343.

(11)

أخبار النحويين البصريين 38، والأخبار المروية 55.

(12)

الفهرست 45.

(13)

نزهة الألباء21.

(14)

ينظر: إنباه الرواة 3/ 343.

(15)

ينظر: معجم الأدباء6/2749.

(16)

أخبار النحويين البصريين 33.

(17)

نفسه 40.

(18)

طبقات النحويين واللغويين 26.

(19)

الفهرست 45.

(20)

إنباه الرواة 2/172.

(21)

نزهة الألباء21.

ص: 352

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ

الفصل الثّالث

من أعلام الدّرس الّلغويّ في المدينة

(في القرنين الأوّل والثاني)

قسّم علماء الطبقات والتراجم البيئات التي نشأ فيها النحو واشتهرت فيها مقالته إلى ثلاثٍ، وهي: البصرة والكوفة وبغداد، فقالوا تبعاً لذلك: إن النحويين ثلاث فئات: بصريون، وكوفيون، وبغداديون؛وهم من خلطوا المذهبين البصريّ والكوفيّ.

ولم يشيروا إلى بيئة المدينة النحوية، أو نشأة النحو فيها، وانطلاقه منها إلى سائر الأمصار كالبصرة ثم الكوفة ثم بغداد.

ولم يكتفوا بإهمالهم دور المدينة في هذا الشأن فنفى بعضهم عن المدينة أي صلة بالنحو، أو وصفوها بالخلو من علماء ذلك العلم.

يقول أبو الطيب اللغوي بعد حديثه عن البصرة والكوفة: "ولا علم للعرب إلا في هاتين المدينتين، فأما مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نعلم بها إماماً في العربية".

ونقل ذلك عنه جماعة من العلماء، كياقوت الحمويّ والسيوطي ّ.

ويقول ابن يعيش: "لا أدري لأهل المدينة مقالة في النحو".

ونفى الأصمعيّ عن أهل المدينة وعلمائها العلم بالشعر - أيضا، وهو يصف حالهم في زمانه في القرن الثاني بقوله:"أقمت بالمدينة زماناً ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحّفة أو مصنوعة".

ويذكر الجاحظ أن اللحن في أهل المدينة فاشٍ، وفي عوامهم غالب.

وتدلّ هذه التهم والأحكام - إن صحّت - على ضعف أهل المدينة في العربية، وبعدهم عن الاشتغال بفنونها كالنحو والإعراب والغريب رواية الشعر.

ص: 353

وظاهرٌ ما في هذه النصوص من مبالغات، وهي لا تخلو من الظلم والحيف لهذه المدينة المباركة، وفيها غمط لما قدمه أبناؤها لعلوم العربية نحوا ومعجماً ورواية، وقد تبيّن لنا من خلال هذا البحث أنّ نواة العربية بذرت في المدينة منذ زمن الخلفاء الراشدين، وأن النحو العربي، كان ثمرة لجهود طائفة من المعنيين باللغة في تلك المدينة تمثلت في تأملهم اللُّغة والنظر في مفرداتها وفي تراكيبها ودقائقها، فلعلي بن أبي طالب ومن قبله عمر بن الخطاب إسهامات لا تنكر في تنقية اللغة ودفع آفة اللحن عنها وتوجيه عناية النابهين لضبطها، واستخلاص مسائلها، ووضع اللبنات الأولى لتقعيدها، ولابن عباس الفضل في وضع الأساس المتين لعلم الدلالة والمعجم العربيّ، وما يتصل بذلك من العناية بالغريب في القرآن بخاصة.

ويأتي من بعد هؤلاء الأعلام طائفة من اللغويين والنحاة المتميزين من أهل المدينة في القرنين، الأول والثاني، كعبد الرحمن بن هرمز الذي عزت إليه بعض الروايات نشأة النحو العربيّ، ومحمد بن كعب القرظيّ، ومسلم بن جندب الهذليّ، وأبان بن تغلب الجُريريّ، وعبد العزيز القارئ الملقب ببَشْكُسْت، وعلى الجمل، وعيسى بن يزيد بن دأب اللّيثيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ، ومروان بن سعيد المهلبيّ، وغيرهم.

ويبدو أن ابن برهان النحوي (456 هـ) بلغه خبر لغوي المدينة ونحوييها، أو خبر بعضهم، وعرف قدرهم، فكان أكثر إنصافاً؛إذ قال:"النحويون جنس تحته ثلاثة أنواع: مدنيون، كوفيون، بصريون ".

فانظر كيف بدأ بالمدنيين لسبقهم الزمنيّ.

ونقل القفطيّ كلام ابن برهان وعلق عليه ووجهه بقوله: "أراد أن أصل النحو نتج من أول علماء هذه المدن".

ص: 354

وقد يطلق على نحاة المدينة ومكة معاً في بعض المصادر مسمّى: نحويوا الحجاز، لاشتراكهم في بعض الآراء أو المصطلحات النحوية، ومن الثابت أن لهم نظرات خاصة تفردوا بها بعد طول تأمل، ومن ذلك ما أورده الفراء بعد أن عرض مسألة نحوية:"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية ".

وتبرز - هنا - عدة أسئلة، وهي:

لماذا أهمل أمر النحاة واللغويين في المدينة؟

هل كانت بضاعتهم مزجاة، لا تستحق الذكر؟

أو كان نحوهم يختلف عما بين أيدينا من النحو، فسقط؟

أو أن هناك أسباباَّ أخرى نجهلها؟

يبدو أن السبب المباشر للإهمال أو التجاهل - إن صح التعبير - يكمن في انشغال المسلمين في صدر الإسلام بأخبار الحرب وأنباء الفتوح، التي كانت تتوالى على المدينة صباح مساء، ثمّ أدّى انتقال مركز الخلافة إلى دمشق أيام الأمويين، ثم إلى بغداد أيام العباسيين إلى صرف الأنظار عن المدينة وتركزها على مراكز الخلافة الجديدة، فأهمل المؤرخون وأصحاب الطبقات كثيراً من نواحي الحياة في المدينة، ومنها أخبار العلم والعلماء.

ولم تزل المدينة تبتعد شيئاً فشيئاً عن دوائر الضوء وتنزوي بين جبال الحجاز ورمال الصحراء في جزيرة العرب، حتى خرجت ومعها جزيرة العرب بكاملها من اهتمامات المؤرخين والكتّاب وأصحاب الطبقات، فليس ثمة ما يغري المؤرخين أو يجبرهم على الخوض في شؤون تلك البقاع سوى ما يتصل بالحج، وأخبار بعض الخوارج والقرامطة.

وأصبحت أخبار تلك البلاد في القرنين الثالث والرابع مما يعزّ وجوده في كتب التُّراث العربيّ، يدلّ على ذلك أننا لا نكاد نعلم شيئا عن بعض العلماء المشهورين؛ كأبي عليّ الهجَريّ، وهو من علماء الأدب واللغة والتاريخ في المدينة في القرنين الثالث والرابع، فلم تصلنا أخباره إلا عن طريق علماء الأندلس الذين نقلوا كثيراً من أخباره في أثناء رحلاتهم للحج.

ص: 355

وفي هذا الشأن يقول الشيخ حمد الجاسر: "أليس من الغريب حقا أن يقال: إننا لولا الأندلس لجهلنا كثيرا من أحوال البلاد التي نعيش فيها، وخاصة ما يتعلق بجزيرة العرب، هذه الجزيرة التي [كانت] صلتها بعواصم الخلافة الإسلامية في دمشق والقاهرة وبغداد أقوى وأوثق، وهي إليها أقرب، وبشؤونها لم تكن يوماً مرتبطة إلا بهذه العواصم، ولم يكن للأندلس ولا للدولة الإسلامية فيه

أية نفوذ على هذه الجزيرة، ولكن العلم وحده والرابطة الروحية الإسلامية هي أقوى من كل الصلات وأوثق من جميع الروابط.

لقد كان علماء الأندلس يغدون إلى مكة المكرمة لا للحج وحده ولكن لينشروا علماً وليستزيدوا منه، وليكونوا صلة بين شرق البلاد وغربها بالعلم والثقافة".

ويضيف الشيخ الجاسر قائلا: "ونشير إلى ما هو أغرب من هذا، وهو أن علامة العرب الهمداني صاحب (الإكليل) و (صفة جزيرة العرب) وغيرهما من المؤلفات القيمة، والذي كان يعيش في أقصى جنوب جزيرة العرب دخلت كتبه الأندلس واستفاد منها علماؤه قبل أن يعرف علماء الشرق عنها شيئاً، بل إن هذا العالم وصلت إلينا كثير من أخباره عن طريق علماء الأندلس مثل صاعد الأندلسي في كتابه (طبقات الأمم) وغيره، ولم يعرف علماء المشارقة عن كتب الهمدانيّ إلا اليسير بعد الأندلسيين بمئات السنين.

أما الهَجَريّ فإن أمره بقي مجهولا بين علماء الشرق إلى هذا العهد إلا ما عرفوه بواسطة الأندلسيين، وهو قليل بل أقل من القليل، بينما انتشرت كتبه في الأندلس واستفاد منها علماؤنا في وقت مبكر جداً يرقى إلى عصر الهجريّ نفسه.

ولما رأى المشارقة الاستفادة من تلك الكتب لم يجدوا أمامهم سوى ما في مؤلفات علماء الأندلس منها.

ويمكن القول إن الكلمات اللغوية المعزوة لأبي عليّ الهجريّ في معجم "لسان العرب"لابن منظور وصلت إليه عن طريق "المحكم"لابن سيدة الأندلسيّ (458 هـ) .

ص: 356

وعرف المشارقة باقي تراث الهجريّ اللغويّ مما يتصل بغريب الحديث عن طريق كتاب "الدلائل في شرح غريب الحديث"لثابت بن حزم السرقسطيّ (313 هـ) .

وعرفوا تراثه في المواضع والبلدان عن طريق "معجم ما استعجم"لأبي عبيد البكريّ (487 هـ) .

نعم؛ وإن كنا نعرف جماعة كبيرة من الأعراب ممن أُخذتْ عنهم اللًّغة في البصرة والكوفة، فإننا نجهل نظراءهم من الأعراب المجاورين للمدينة ممن أسهموا في رواية اللغة، وأخذ عنهم بعض النوادر واللهجات في القرنين الأول والثاني.

ولولا أبو عليّ الهجريّ لجهلنا أمثال هؤلاء في القرنين الثالث والرابع ممن روى عنهم الهجري اللُّغة وبعض النوادر واللغات في كتابه القيم "التعليقات والنوادر".

فمن منا يعرف أبا الغَطَمَّش المَعْرضيّ من بني عُقيل، ومُكْرَمة بنت الكُحيل الفراسية من قُشَير، وابن علكم المأربيّ، وأبا بُرَيهٍ العُذَمِيّ الأسديّ، والجبهيّ، وأبا عَنْدَل الأوسيّ، وجَميل بن دغيم المِنقَريّ، وحِرْمزة التميميّ، وأبا البَسَّام الثُماليّ، والرُّدَينيّ الحارثيّ، والمُسلَّم بن أحمد بن يزيد الحربيّ، وأبا المعضاد الحرشي؟ .

ويضاف إلى كل ما تقدم ذكره أن التاريخ لنشأة علوم العربية وبخاصة النحو لم يتم إلا بعد أن نضج هذا العلم، وتكوّنت أطره العامة، واستوت مصطلحاته الفنية على سوقها، تلك المصطلحات التي لم يكن النحاة في القرن الأول ومنتصف الثاني على شيء من الدراية بمدلولات أكثرها، فانشغل علماء الطبقات بمرحلة النضج والكمال قي القرنين الثالث والرابع، وما خلفه علماؤها من نتاج علمي.

وهكذا نستطيع القول: إن اللُّغة والنحو وأربابها في المدينة مما طوي عنا أمره أو أكثره فلا نعرف اليوم من أعلام هذا الفن أو عنهم إلا القليل، مما يمكن أن يجمع في قبضة يد واحدة من تراث لغويّ مفقود.

ص: 357

وقد وقفت - بعد طول بحث في المظان المختلفة - على جملة من أولئك الأعلام في المدينة، وتعرفت على شيء من تراثهم اللغوي الضائع، ولسان حالي يقول: ما لا يدرك كله لا يترك جله.

فمن أعلام اللُّغة والنحو في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرنين الأول والثاني، أو ممن كان لهم أثر محمود في وضع بذرة النحو بتوجيهاتهم وملحوظاتهم:

1-

عمر بن الخطّاب (23 هـ)

لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من اللغويين أو النحاة بمفهوم المصطلح العلمي، وإنما هو ممن لهم أثر محمود في وضع بذرة النحو وعلوم اللُّغة في المدينة فاستحق بذلك أن نفتتح به؛ فقد كان حريصاً على نقاء اللغة، يأمر ألا يقرأ القرآن إلا عالم بها.

وقد أثر عنه فيما يتصل بالعربية والنحو الشيء الكثير، وتدل بعض الروايات على إلمامه بأساليب اللّغة ودقائقها التعبيرية، وحرصه على سلامتها وحثه على تعلّمها، فقد روي عنه قوله:"تعلموا العربية: فإنها تَثبت العقل، وتزيد في المروءة".

وقال: "تفقهوا في العربية".

وقال في كتاب له موجه لبعض الولاة: "أما بعد؛ فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهّم في العربية".

وروى عنه قوله: "تعلموا إعراب القرآن كما تعلّمون حفظه".

وقوله:"تعلموا النحو كما تعلّمون السنن والفرائض".

وروي عنه - أيضاً - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن مُرْ من قِبَلَكَ بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام ".

والعربية في هذا النص هي عربية المصطلح العلمي القديم التي تقابل في مدلولها كلمة النحو، لأنها تدلّ - كما يفهم من قول عمر - على صواب الكلَام، أي يهتدي بها إلى صواب الكلام.

وقد وردت بعض المصادر - كما تقدم - أن عمر هو الذي أمر أبا الأسود بأن يضع النحو إذ قال: "وليُعَلِّم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب".

ص: 358

ولم يكن ذلك - فيما نرى - عن بصر حقيقي بالنحو ودقائقه، وإنما هو إحساس فطري متميّز باللغة والإعراب، ربما دفعه إلى تدبّر اللُّغة وتراكيبها، فلم يجد من الوقت ما يكفي للغوص في لجتها، فاكتفى بالتوجيه والإرشاد ودفع اللحن عن لغة القرآن.

وليس ذلك بمستغرب من شخصية فذّة كعمر بن الخطاب، فأثره جليّ في كثير من مستجدات الأمور عند المسلمين، كالعلوم والإدارة والسياسة، فقد وضع رضي الله عنه تقويماً ثابتاً، وهو التاريخ الهجري، فأصبح عنصراً حيويا في نشأة الفكرة التاريخية، ومنذ ذلك الوقت أصبح توقيت الحوادث أو تاريخها العمود الفقري للدراسات التاريخية.

وقام رضي الله عنه بتأسيس الديوان أو سجل المحاربين وأهليهم حسب قبائلهم، فأعطى هذا الأنساب أهمية جديدة، وكان حافزاً إضافيا للاهتمام بدراسة الأنساب.

وعلى نحو ذلك كان شأن عمر مع العربية، فلا أظننا نبالغ إن جعلناه أحد الشخصيات المؤثرة تأثيراً طيباً في ظهور علم النحو العربي فيما بعد، لإسهامه في وضع بذرة النحو في المدينة، فمن الثابت اهتمامه بسلامة اللغة، ودعوته إلى مراعاة الصواب في النطق بالمفردات والتراكيب والإعراب.

2-

علي بن أبي طالب (40 هـ)

تقدم في الفصل الثاني أن عليًّا رضي الله عنه كان أحد الشخصيات الرئيسة التي عزي إليها وضع النحو، وأنه يكوّن مع أبي الأسود قطب الرحى في جملة تراثنا المروي في مسألة نشأة النحو العربي، وأن أكثر الروايات وأوثقها وأقدمها تصبّ فيهما، وقد كانت صلته بأبي الأسود صلة الأستاذ بالتلميذ النجيب.

ومن الثابت أن علياً أسهم إسهاماً فاعلا مع غيره في وضع شيءٍ من أسس النحو بتوجيهاته وملحوظاته وأفكاره النيّرة، وهو ممن حاول تأصيل النحو وتقعيد مسائله في المدينة والكوفة فيما بعد.

ص: 359

وقد ذكرت بعض الروايات أن عليا أرشد أبا الأسود بعد طول تأمل في كلام العرب إلى أصول النحو وحدوده، وأمره بأن يحذو حذوها، ومن ذلك أنه دفع إليه بصحيفة جاء فيها:"الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمّى والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى".

ثم قال لأبي الأسود: "انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر"

ومن تلك الروايات إشارة الإمام علي إلى الرفع والنصب والجر.

وأن أبا الأسود كان كلما وضع بابا من أبواب النحو عرضه عليه إلى أن حصل ما فيه الكفاية، فقال له علي: ما أحسن هذا النحو الذي قد نحوت، فلذلك سمّي النحو.

وعلى الرغم من أن الشك يحوم حول هذه الروايات إلا أن دلالتها مع غيرها قوية، فهي تدل على أن لعلي مشاركة طيبة في نشأة النحو، ونصيباً نقدره بميزان الظن والتخمين؛ لأن ما وصل إلينا من أخبار نشأة العربية ومنها النحو لا يكفي الرسم الصورة الحقيقية لذلك العلم.

3-

ابن عباس (68 هـ)

قضى ابن عباس جزءاً مهما من حياته في المدينة قبل أن يستقر في آخر أيامه في الطائف، وهو من علماء اللُّغة المرموقين، يعد عند بعض المحققين القدامى أعلم بلغة العرب من كثير من علمائهم.

وقد أشارت بعض المصادر إلى صلته بأبي الأسود، وأنه كان يحثه على وضع علم النحو.

ولا غرابة في ذلك فقد أحيط ابن عباس منذ حداثته بجو علمي غني مؤثر، إذ لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وقرأ القرآن على زيد ابن ثابت، وأبيّ بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وأكبّ على لغة العرب شعرا ونثراً حتى غدا بحرا في العلوم.

ص: 360

ومن الثابت أنّ لابن عباس اليد الطولى في تأسيس علم الدلالة والمعجم العربي، وكان رضي الله عنه حجة في اللغة، يؤمه طلبة العلم في المدينة ثم في مكة والطائف بعد انتقاله إليهما في أواخر حياته، وتعد جهوده في شرح الغريب من القرآن أو الحديث أساساً قوياً لبعض علوم العربية.

وقد شقّ ابن عباس الطريق أمام اللغويين في مقام الاستفادة من الشعر في بناء مناهج العربية بصورة عامة وفي مجال الشرح المعجمي بصورة خاصة - كما يقول الدكتور عبد الكريم بكّار.

على أن جهود ابن عباس الُّلغوية توفرت على التفسير "ويغلب على الظنّ أنّ علم العربية بفروعه المختلفة كان يعرض في مجال تفسير غريب القرآن، كما يغلب على الظن أن ما ألفه أبو عمرو ويونس والكسائي وأمثالهم من كتب في معاني القرآن إنما هو تطوير لمجالس ابن عباس وحلقاته، مع الاستفادة مما استنبط من قوانين اللغة، وما فسر به الحالات الإِعرابية في قراءته".

وبهذا يمكن أن يقال: إن علوم الدلالة والشعر واكبت النحو في نشأتها في المدينة.

وسنعرض - في الفصل الرابع - لشيء من تراث ابن عباس في العربية.

4-

مسلم بن جندب الهذليّ (106 هـ)

وهو قارئ مُجيد وقاص مشهور من أهل المدينة.

قال الجزيريّ: "وكان من فصحاء أهل زمانه، وقال عمر بن عبد العزيز: من سرّه أن يقرأ القرآن غضاً فليقرأه على قراءة مسلم بن جندب".

ولمسلم عناية باللغة والنحو جعلت بعض علماء الطبقات يصفه بأنه نحويّ، ومن هؤلاء القفطيّ الذي ذكر أن مسلم بن جندب يعدّ من النحويين.

وكان علماء المدينة يرجعون إليه في مشكلات اللُّغة وتفسير الغريب، ولاسيما القرآن، قال الجزيريّ:"وقال ابن وهب: حدثني نافع، قال: سألت مسلم بن جندب عن قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} (1) قال: إلى غاية، فسألته عن {رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} (2) فقال: الردء: "الزيادة".

ص: 361

وكان لمسلم بن جندب أثر بالغ في قراء المدينة بعامة، فهو قدوتهم في اللغة، فقد روى الإمام الذهبي ما نصه: "قال الحلواني عن قالون، قال: كان أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا {مُسْتَهْزِءون} (1) و {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (2) .

وهذا يدل على ما بلغه ابن جندب من مكانة رفيعة في اللُّغة والقراءة.

5-

عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (117هـ)

يعدّ ابن هرمز من قراء المدينة المشهورين، أخذ القراءة عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم وأخذ عنه نافع بن أبي نعيم القراءة في جماعة من أهل المدينة.

وهو من علماء اللُّغة المتقدمين، وقد عزت بعض الروايات وضع النحو إليه كما تقدم.

قال القفطي في أثناء كلامه عنه: "قال أهل العلم: إنه أول من وضع علم العربية، والسبب في هذا القول أنه أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأظهر هذا العلم بالمدينة، وهو أول من أظهره وتكلم فيه بالمدينة، وكان من أعلم الناس بالنحو، وأنساب قريش، وما أخذ أهل المدينة النحو إلا منه، ولا نقلوه إلا عنه".

ويبدو أن ابن هرمز كان متعمقاً في مسائل النحو وأصوله، فقد اجتمع حوله نفر من طلبة العلم في المدينة، وأخذوا يدرسون عليه النحو، ومن أشهر تلامذته مالك بن أنس، ونافع بن أبي نعيم.

قال القفطي: "إن مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله عنه اختلف إلى عبد الرحمن ابن هرمز عدة سنين في علم لم يبثه في الناس، فمنهم من قال: تردد إليه لطلب النحو واللغة قبل إظهارهما، وقيل: كان ذلك من علم أصول الدين، وما يرد به مقالة أهل الزيغ والضلالة".

ص: 362

ومما يدل على علم ابن هرمز بالعربية وإلمامه بالنحو أن الإِمام ابن مجاهد شيخ القراء كان يستدل بقوله في مجال النحو والعربية، كما نص ابن جني في قوله:"ومن ذلك قراءة يحي وإبراهيم السُّلميَّ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (1) بالياء ورفع الميم؛ قال مجاهد: وهو خطأ قال: وقال الأعرج: لا أعرف في العربية: أفحكم، وقرأ {أَفَحُكْمَ} نصباً".

ويظهر من قول ابن هرمز أنه كان ذا استقراء واسع في مثل هذه المسألة مكنه من القول: إنه لا يعرف في العربية كذا.

وعلى ضوء هذا يمكن أن يقال: إن لابن هرمز نصيباً وافراً من الملحوظات النحوية الأولى في العربية التي كانت تلقى مشافهة، وأنه على قدر من العلم بالمفردات والتراكيب والقرائن اللفظية وما يصاحبها من ظواهر الإِعراب التي سميت فيما بعد بالعوامل، ولهذا نسبت إليه بعض الروايات وضع النحو العربي.

6-

عبد الله بن ذكوان (130هـ)

وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني المعروف بأبي الزناد، تابعي مدني ثقة، قال ابن المديني، لم يكن بعد كبار التابعين أعلم منه.

نعتوه بالنحوي، وذكروا أنه كان فصيحاً بصيراً بالعربية يرجع إليه الناس في فهم الشعر وبعض العلوم.

قال الحافظ المزّي: "قال الليث بن سعد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان، فمن سائل عن فريضة، ومن

سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة".

وروى يحيى بن بكير عن الليث بن سعد قوله: "رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وعلم وشعر وصنوف".

ويبدو أنه كان ذا شهرة في علوم العربية يرجع إليه طلبة العلم في مسائلها، فقد روى أبو بكر الأنباري أن ابن أبي إسحاق قال:"لقيت أبا الزناد، فسألته عن الهمز، فكأنما يقرؤه من كتاب".

ص: 363

ويدل هذا الخبر على بصر أبي الزناد في علوم العربية ولهجاتها "ذلك أن ابن أبي إسحاق كان متفوقاً في الهمز، حتى ذكروا أن ما جمع عنه فيه يؤلف كتاباً، كما ذكروا أنه غلب أبا عمرو بن العلاء فيه، ومع هذا كله نراه معجباً بإحاطة أبي الزناد به، حتى كأنه كان يقرأ من كتاب، فإذا كان على هذه الغزارة في علم الهمز أفلا يرجح أن يكون أوفر علماً في ظواهر العربية الأخرى، كالإعراب وأبنية الكلام؟ ".

ومن هذا - أيضاً - أنّ الكسائي إمام اللُّغة في زمانه كان يسأل ابن ذكوان عن مسائل لغوية وحروف في قراءات أهل المدينة ويستحسن ما يسمعه من إجاباته ويعجب بها، كما روى السمين الحلبي.

7-

عبد العزيز القارىء الملقب ببَشْكُسْت (130هـ)

يعد بَشْكُسْت من علماء المدينة، ومن نحاتها الشعراء، وكان ذا مكانة مرموقة في النحو جعلت أهل المدينة - حينئذ - يقبلون عليه لتلقي هذا العلم على يديه.

ترجم له القفطي وجعله من نحاة المدينة، وقال:"أخذ عنه أهل المدينة النحو".

وقال ابن عساكر: "وكان نحوياً أخذ عنه أهل المدينة، وكان يذهب مذهب الشراة، ويكتم ذلك، فلما ظهر أبو حمزة الشاري بالمدينة سنة 130 هـ خرج معه، فقتل فيمن قتل بخلافة مروان بن محمد".

فقيل في مقتله:

لَقَدْ كَانَ بَشْكُسْتُ عبد العَزيز

مِنَ أهل القِرَاءَةِ والمَسْجِدِ

فَبُعْداً لبَشْكُسْت عبد ِالعزيز

وأمّا القران فلايَبْعد

وكان بَشْكُسْت نحويا بارعاً يكره اللحن في الكلام ويأنف منه، وقد عرف عنه ذلك، وله فيه حكايات منها ما رواه ابن عساكر في قوله:"وفد بشكست النحوي على هشام بن عبد الملك، فلما حضر الغداء دعاه هشام، وقال لفتيان بني أمية: تلاحنوا عليه، فجعل بعضهم يقول يا أمير المؤمنين: رأيت أبي فلان، ويقول آخر: مربي أبي فلان، ونحو هذا، فلما ضجّوا أدخل [بَشْكْست] يده في صحفة فغمسها ثم طلى لحيته، وقال لنفسه: ذوقي، هذا جزاؤك في مجالسة الأنذال".

ص: 364

ولا نعلم من تراث هذا النحوي شيئاً، فقد ذهب نحوه فيما ذهب من تراث المدنيين.

8-

زيد بن أسلم العدويّ المدنيّ (136 هـ)

من علماء المدينة في زمانه، وكان عالماً بتفسير القرآن، ولم تمدّنا كتب التراجم عنه بشيء ذي بال في شأن علوم اللغة، ولكن من يتأمل النقول الكثيرة عنه في مطولات التفسير، كـ"جامع البيان"للطبري، و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي، و"البحر المحيط"لأبي حيان الأندلسي، و"الدر المصون"للسمين الحلبي يدرك أن ابن أسلم هذا كان ذا عناية باللغة وإلمام بغريبها، لا سيما ما يتصل بالقرآن الكريم.

ومن تفسيراته اللغوية:

قوله: العالمون: هم المرتزقون

وقوله: الشقاق: المنازعة (1)

وقوله: لغو اليمين: دعاء الرجل على نفسه.

وقوله: العافِين عن الناس: عن ظلمهم وإساءتهم.

9-

عليّ الجمل (؟)

من علماء المدينة، وهو شخصية يكتنفها الغموض، إذ لا نعرف عن حياته شيئاً غير ما ذكره أبو حاتم السجستانيّ في كتابه في القراءات، ونقله عنه أبو الطيب اللغويّ والزبيديّ والقفطيّ.

قال أبو الطيب اللغويّ: "وممن كان بالمدينة - أيضاً - على الملقّب بالجمل، وكان وضع في النحو كتاباً لم يكن شيئا.

ونقله الزبيديّ وزاد بعد عبارة "لم يكن شيئا": "فذهب".

أما القفطي فيخالف أبا الطيب في حكمه على هذا الكتاب الذي يعد من أوائل الكتب المصنفة في النحو، إذ يصفه بالشمول في قوله:"وكان وضع كتابا في النحو لم يخلّ شيئاً".

والفرق شاسع بين عبارتي "لم يكن شيئاً"في نص أبي الطيب والزبيديّ، و"لم يخلّ شيئاً"في نص القفطيّ، ويبدو أن مصدر النصين واحد، وغير بعيد أن يكون أحدهما محرفاً.

ص: 365

وقد امتدّ أثر هذا الكتاب المتقدم إلى علم من أعلام النحو في البصرة، وهو الأخفش (215 هـ) يقوك تلميذه أبو حاتم السجستانيّ (255 هـ) في كتابه في القراءات حيث ذكر القراء والعلماء:"وأظن الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النحو من كتاب الجمل، ولذلك قال: الزيت رطلان بدرهم. والزيت لا يذكر عندنا؛ لأنه ليس بإدام لأهل البصرة".

وما قاله السجستانيّ يدل على أن الكتاب كان ذا مكانة رفيعة، وأنه أثار انتباه العلماء وأن أثره امتدّ إلى خارج المدينة؛ لما كان يحويه من أصول النحو ومسائله، وإحسانه الظن به شهادة عالية القيمة من عالم مشهور لعالم مغمور، لعلمه بخاصة ولعلماء المدينة بعامة.

10-

الأصبغ بن عبد العزيز الليثيّ (160 هـ تقريبًا)

وهو الإصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن إياس بن مالك، ترجم له الجزيري في طبقات القراء، ونعته بأنه "نحويّ"وقال:"معدود في شيوخ نافع، لا أعرف على من قرأ، ذكر ذلك سبط الخياط".

وأورد له ابن حجر في "لسان الميزان" ترجمة مقتضبة ذكر فيها أن الإِصبغ هذا مجهول، أخذ عن أبيه عبد العزيز بن مروان.

ولما كان من شيوخ نافع فإننا نقدر أنه من أهل المدينة، وأن وفاته كانت في حدود 160هـ.

11-

نافع المدنيّ (169 هـ)

وهو قارئ المدينة المشهور نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثيّ، أخذ القراءة والعربية عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبي جعفر القارىء، ومسلم بن جندب، والإِصبغ بن عبد العزيز النحويّ وغيرهم.

وقد أقرأ الناس سبعين سنة ونيفاً، وانتهت إليه رئاسة القراءة في المدينة، وتمسك أهلها بقراءته، وهي أحب القراءات إلى الإمام أحمد بن حنبل.

وكان نافع عالماً بوجوه القراءات والعربية، وكان الأصمعي يسأله عن همز الذيب والبير.

ولصلته الوثيقة بعلم النحو أورده أبو المحاسن التنوخيّ في كتابه "تاريخ العلماء النحويين".

13-

عيسى بن يزيد بن دأب الليثيّ (171 هـ)

ص: 366

من أدباء المدينة، ويعد من رواة الشعر واللغة والأخبار. قال ياقوت:"كان من رواة الأخبار والأشعار والحفاظ، وكان معلماً من علماء الحجاز".

وروى السخاويّ عن الخطيب البغداديّْ أن ابن دأب "كان راوية عن العرب وافر الأدب عالماً بالنسب، عارفاً بأيام الناس، حافظاً للسير".

وروى السخاويِّ - أيضاً - عن إبراهيم بن عرفة أنه "كان أكثر أهل الحجاز أدباً، وأعذبهم ألفاظاً.

لقي الأصمعيّ في أثناء رحلته إلى المدينة ابن دأب، فحمل عليه وعلى أهلها بعامة، يقول أبو الطيب اللغويّ:"قال الأصمعيّ: أقمت بالمدينة زمانا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة".

ويضيف أبو الطيب: "وكان ابن دأب يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلاماً ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفيت روايته

قال الأصمعيّ: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:

مَن دَعَا لي غزيِّلي

أَربحَ اللهْ تجَارَتُهْ

وخِضابٌ بِكَفّهِ

أَسْود الّلونِ قارتُهْ

ثم قال الأصمعيّ: يا سبحان الله، يحذف الألف التي قبل الهاء في (الله) ويسكن الهاء ويرفع (تجارته) وهو منصوب، وُيجَوَّز هذا عنه، ويروي الناس عن مثله".

وأنا أخشى أن يكون الأصمعيّ قد بالغ فيما رواه، لأن ابن دأب من منافسيه في رواية الشعر واللغة والأخبار، وهو من أقرانه تقريباً، وطعن الأقران لا يعتد به كما هو معلوم، ولأن ابن دأب من ناحية أخرى كان يحظى عند الخليفة الهادي بالمكانة الرفيعة لما اتصل به، وكان الخليفة يدعو له بتكاء، ولم يكن أحد من الخلق يطمع في هذا في مجلسه، وكان الهادي لا يستطيل به يوما ولا ليلة، لكثرة نوادره وجيد شعره

وحسن: الانتزاع له، ولا يخفى بعد هذا أن داعي الحسد بينه وبين أقرانه وارد.

ويحسب لابن دأب إثراؤه المجالس العلمية في المدينة برواياته من الشعر واللغة، ونقدر تقديرًا استفادة معاصريه من علماء العربية من تلك الروايات وما يدور فيها من نقد أو توجيه أو اقتناص شاهد.

ص: 367

13-

مالك بن أنس (179 هـ)

إمام أهل المدينة في الفقه، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة.

لم يقتصر علمه على الفقه الذي ذاع صيته فيه وعرف به، بل امتدّ إلى علم العربية لغة ونحواً؛ فترجم له أبو المحاسن التنوخيّ المعري في كتابه "تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم"واقتصر على ذكر سنة وفاته.

وذكره القفطيّ في "إنباه الرواة"في ترجمة ابن هرمز، وقال:"يروى أن مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله عنه اختلف إلى عبد الرحمن بن هرمز عدة سنين في علم لم يبثه في الناس، فمنهم من قال: تردّد إليه لطلب النحو واللغة قبل إظهارهما، وقيل كان ذلك من علم أصول الدين وما يُرَد به مقالة أهل الزيغ والضلالة".

والراجح عندي أنه تردد عليه لطلب اللُّغة والنحو كما قيل، لأسباب منها:

أولا: أن شهرة ابن هرمز كانت في العربية.

ثانياً: أنّ حذق العربية لغة ونحواً يحتاج إلى سنوات، كما ورد في الخبر.

ثالثاً: أن إماماً في الفقه كمالك يحتاج إلى إجادة العربية لغة ونحواً؛ لأن العربية هي مفتاح نصوص التشريع من قرآن وسنة، ولذلك اشترطوا في المجتهد في الفقه أن يكون عالماً باللغة والنحو.

رابعاً: أنه لو كان علماً جديداً غير العربية تُرد به مقالة أهل الزيغ والضلالة – كما قيل - لظهر وعرفناه، لحاجة المسلمين إليه.

خامساً: أننا لا نقدّر أن يكتم أحد علمائنا علماً نافعاً كهذا الذي يرد به على أهل الضلال.

ولهذا اختار التنوخيّ القول الأول، أي أنه اختلف إلى ابن هرمز لطلب العربية، وأهمل غيره، قال:"يقال: إن مالك بن أنس كان يختلف إليه يتعلّم منه العربية".

ويبدو أنَّ مالكاً قد أجاد اللًّغة وبرع فيها حتّى تفرد عن غيره بأشياء منها ما رواه السيوطيّ عن ابن خالويه، قال:"لم يسمع جمع الدَّجال من واحد إلا من مالك بن أنس فقيه المدينة، فإنَّه قال: هؤلاء الدجاجلة".

ص: 368

وهذا يذكرنا بالإمام الشافعي وما انفرد به من ألفاظ وتراكيب لغوية رويت عنه أو ذكرها في كتابيه "الأم "و"الرسالة".

14-

عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ (182 هـ) .

من علماء المدينة ولغوييها، تتلمذ على جماعة، وأخذ اللغة عن والده. له كتاب في التفسير، ذكره الداوديّ في "الطبقات المفسرين" وذكر أن له - أيضاً - كتابا آخر، وهو "الناسخ والمنسوخ".

ويعد كتابه في التفسير من مصادر الطبري الرئيسة في تفسيره؛ إذ نقل عنه بكثرة.

ويبدو من النقول التي وصلتنا عن طريق الطبري أن معظم تفسير ابن زيد يشتمل على شرح الغريب، وحل التراكيب المشكلة أو غير المألوفة، وهو ينحو فيه منحى ابن عباس وابن مجاهد في تفسيرهما.

ويمكن القول إن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كان واحداً من أعلام اللُّغة في المدينة، وأنه خلّف تفسيراً يشبه إلى حدٍّ ما تفسير ابن عباس وتفسير ابن مجاهد غير أن عنايته بالشعر كانت ضعيفة.

ويقول عنه باحث معاصر وهو فؤاد سزكين: "أما تفسيره فأكثره شروح لغوية، ويبدو أن هذا التفسير كان أحد المصادر الهامة لتفسير الطبريّ".

وذكر سزكين أن الطبري أفاد من تفسيرِ ابن أسلم هذا في نحو ثمانمائة وألف موضع، وذكر أن الثعلبي أفاد منه - أيضا - في تفسيره "الكشف والبيان".

ومن نماذج تفسير ابن أسلم اللغوية:

قوله: طغيانهم: كفرهم وضلالهم.

والأنداد: الآلهة التي جعلوها معه.

والمطهّرة: التي لا تحيض.

ومن نماذج تفسيره اللغويّ في الأساليب:

قوله في قول الله عز وجل: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} : أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم.

وفي {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} : قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء وفي {إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} : إلا من أخطأ حظه.

15-

مروان بن سعيد المهلبيّ (195 هـ تقريبا)

ص: 369

من أحفاد المهلب بن أبي صفرة، واسمه: مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة المهلبيّ، أخذ عن الخليل بن أحمد، وكانت له صلات وثيقة بالبصرة والكوفة في العراق.

وفي "طبقات النحويين" للزبيديّ، و"إنباه الرواة" للقفطيّ ما يفيد أن المهلبيّ من أهل المدينة، أو أقام بها زمنا، وتصدَّر للتدريس.

وذكر ياقوت أن المهلبيّ هذا من "المتقدمين في النحو المبرزين فيه".

وذكر القفطيّ حكاية في أثناء ترجمة الوليد بن محمد التميميّ المصريّ المعروف بـ "ولاّد"تدل على أن مروان بن سعيد المهلبي كان من رجال النحو في المدينة، غير أنه لم يكن من حذاقه، قال القفطيّ في كلامه عن ولاّد:"وقيل: إنه خرج في أول أمره إلى مكة، فحجّ، وجاء إلى المدينة، فزار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى بالمدينة نحوياً متصدراً لإفادة النحو، وهو المهلبي تلميذ الخليل، وهو الذي كان يهاجي عبد الله بن أبي عُيينة، ولم يكن من الحذاق بالعربية، فأخذ عنه ولاّد ما عنده، وكان يسمعه يذكر الخليل شيخه، فراح ولاد إلى البصرة، وأدرك الخليل بن أحمد، ولقيه وأخذ عنه وأكثر بالبصرة، وسمع منه الكثير، ولازمه، ثم انصرف إلى الحجاز، ودخل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقيه معلمه المهلبي فناظره، فلما رأى منه المدني تدقيق ولاد للمعاني وتعليله في النحو، قال: لقد ثقبت يا هذا بعدنا الخردل".

وأورد الزبيديّ القصة ملخّصة، وعقّب عليها بقوله:"وقد بلغني أن صاحب هذه القصة هو المهلبيّ تلميذ الخليل، وهو الذي كان يهاجي عبد الله بن أبي عيينة".

وأورد المرزبانيّ طرفاً من أشعاره في هجاء صاحبه هذا.

وتدل هذه الرواية على إقبال طلبة العلم - حينئذ - على تلقي النحو، وأخذه عن أساتذته الذين يتصدّرون لإفادة الناس، كما يتصدر غيرهم لإِفادة باقي العلوم كالتفسير والحديث والفقه، وهذا دليل على عراقة علوم العربية في المدينة.

ص: 370

وللمهلبيّ مناظرات عديدة في النحو مع بعض معاصريه كالكسائيّ والأخفش، سيأتي ذكرها، في الحديث عن نحو أهل المدينة، وهي تدل دلالة قوية على مكانته المرموقة في النحو، وبراعته فيه، مما دفع بعض العلماء إلى إظهار إعجابهم به، وعلى رأسهم الحريري الذي وصفه في إحدى مناظراته مع الأخفش بالبراعة والإبداع.

ومن هنا يتبين لنا أن من قال في حقّ هذا الرجل إنه لم يكن من حذاق النحو فقد ظلمه، ويظهر لنا في مقابل ذلك إنصاف ياقوت ودقّته في أحكامه على العلماء حين وصف المهلبي هذا بأنه من المبرزين في النحو، ووافقه على ذلك السيوطيّ.

16-

محمد بن مروان المدنيّ (195هـ تقريبًا)

ابن مروان من علماء القراءات والعربية في المدينة، ذكره الجزريّ في طبقات القراء، فقال في ترجمته: "محمد بن مروان المدنيّ القاريء، ذكره الداني، وقال: وردت عنه الروايات في حروف القرآن، وذكر عن أبي حاتم السجستانيّ أنه قال: ابن مروان قارئ أهل المدينة

وقد روى الداني عن الأصمعيّ أنه قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء: إن عيسى بن عمر حدثنا قال: قرأ ابن مروان {هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ} (1) قال: احتبى في لحنه ".

ورويت هذه القراءة في بعض المصادر معزوة لمحمد بن مروان السِّديّ الكوفيّ.

ولم يبق من تراث محمد بن مروان المدنيّ في اللُّغة سوى مسائل قليلة، عرفنا منها اثنتين، إحداهما نحوية ورد ذكرها في "الكتاب"لسيبويه في قوله:"أما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفتين، ويجعلونها فصلاً في هذا الموضع، فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحناً وقال: احتبى ابن مروان في ذِه في اللحن؛ يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول: اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ} فنصب" أي نصب (أطهر) .

ص: 371

والمسألة الأخرى لغوية في دلالة كلمةْ "السامد"ذكرها أبو الطيب اللغوي في كتابه "الأضداد"واستهلها بقوله: "ويحكي عن ابن مروان نحويّ أهل المدينة من خزاعة الغبشان أنه قال

".

وفي هذا النص إشارة صريحة وهي أنه ينحدر من قبيلة خزاعة وهي قبيلة قحطانية نزلت مكة وحالفت قريشاً، وكانت مواطنها بين مكة والمدينة، ومنهم بطن يقال له: الغَبشان.

17-

عيسى بن مينا بن وردان (205 أو 220 هـ)

ويلقب بـ "قالون"وهو قارئ المدينة ونحويُّها، كما يقول الجزري، يقال إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيراً، وهو الذي سماه "قالون"لجودة قراءته.

قال الجزريّ: "قال ابن أبي حاتم: كان أصم يقرئ القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة، وقال: وسمعت علي بن الحسن يقول: كان عيسى بن مينا قالون أصم شديد الصمم، وكان يُقرأ عليه القرآن، وكان ينظر إلى شفتي القارئ ويرد عليه اللحن والخطأ".

ولما برع قالون في العربية تصدر لتعليمها، يقول ابن الباذش الأنصاريّ: إنه "كان يعلِّم العربية" وقال الذهبيّ: "تبتل لإقراء القرآن والعربية".

وهكذا يمكن القول: إن عيسى بن مينا لم يُعلّم طلابه قراءات القرآن فحسب "بل كان يعلمهم النحو - أيضاً -، وهم يجدون في دراستهم إشباعاً لميولهم واستجابة لما تعجّ به نفوسهم من حبٍّ للقرآن وقراءاته، وحرصٍ على بقاء اللُّغة بعيدة عن اللحن".

هؤلاء من توصلت إلى معرفتهم من أعلام العربية في المدينة في ذلك العصر المتقدم، ممن نص علماؤنا على اشتغالهم بالعربية أو فرع من فروعها، أو وُجد ما يدل على ذلك.

وقد برز بعضهم في النحو دون سواه مثل عليّ الجمل ومروان بن سعيد المهلبيّ.

وبرز بعضهم في القراءات والنحو مثل ابن هرمز ونافع وعيسى بن مينا.

وبرز بعضهم في التفسير واللغة مثل ابن عباس وعبد الرحمن بن أسلم.

وبرز بعضهم في الأدب ورواية اللُّغة مثل ابن دأب الليثيّ.

ص: 372

ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء جماعة أخرى من قراء المدينة المشهورين كأبي جعفر يزيد بن القعقاع المخزوميّ المدنيّ (130 هـ) وابن جماز المدنيّ (170 هـ) وإسماعيل بن جعفر الأنصاريّ المدنيّ (180 هـ) .

ولا شك في أن هناك كثيراً من علماء العربية في المدينة لم يصلنا خبرهم، واندثر علمهم مع ما اندثر من التراث العربيّ، للأسباب التي صدّرت بها هذا الفصل.

وأختتم هذا الفصل برواية غريبة رواها السيوطيّ عن شيخه الكافيجيّ تفيد أن أول من وضع علم التصريف العربي أو بذرته الصحابيّ الجليل معاذ بن جبل الأنصاريّ (18 هـ) .

قال السيوطيّ: "وأما التصريف فقد ذكر شيخنا العلامة محي [الدين] الكافيجيّ رحمه الله في أول كتابه شرح القواعد أنّ أوّل من وضعه معاذ ابن جبل رضي الله عنه".

وليس لهذه الرواية ما يعضدها فيما جاء في كتب التراث، ولم يؤثر عن معاذ بن جبل شيء في العربية، ليحمل على هذا أو يحمل هذا عليه، ولم يكن علم التصريف قد نشأ في ذلك الزمن المبكر، وإنما هو سهو محض من الكافيجيّ، ولعله أراد معاذ بن مسلم الهراء فذهل عنه، ولهذا قال السِيوطيّ في حديثه:"ولم تطمئن النفس إلى ذلك، وسألته عنه لما قرأته عليه، وما مستنده في ذلك، فلم يجبني بشيءٍ ولم أقف على سند لشيخنا في ذلك".

ثم رجّح السيوطيّ أن معاذاً هو معاذ بن مسلم الهراء (187هـ) وأشار إلى ما يفيد أن شيخه الكافيجيّ خلط بين المعاذين، وهو الراجح عندي.

---

(1)

مراتب النحويين 55.

(2)

ينظر: معجم الأدباء5/2150.

(3)

ينظر: المزهر 2/414.

(4)

إنباه الرواة 2/172.

(5)

مراتب النحويين 156.

(6)

ينظر: البيان والتبيين 1/146.

(7)

شرح اللمع لابن برهان 1/1، ينظر: إنباه الرواة 2/172.

(8)

إنباه الرواة 2/172.

(9)

معاني القرآن 1/358.

(10)

أبو علي الهجري 11.

(11)

نفسه 12.

(12)

ينظر: التعليقات والنوادر 1/181.

(13)

ينظر: إنباه الرواة 4/120- 123.

ص: 373

(1)

ينظر: التعليقات والنوادر 1/58- 71.

(2)

ينظر: نزهة الألباء20، وإنباه الرواة 1/51، والجامع لأحكام القرآن 1/24.

(3)

معجم الأدباء1/22، وينظر: الإيضاح في علل النحو 96، ونور القبس 2.

(4)

كنز العمال 5/228.

(5)

ينظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/9.

(6)

إيضاح الوقف والابتداء1/19، 20.

(7)

البيان والتبيين 2/219.

(8)

إيضاح الوقف والابتداء1/30.

(9)

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/18.

(10)

ينظر: نشأة علم التاريخ عند العرب 19.

(11)

نزهة الألباء 18، وينظر: الأخبار المروية 34.

(12)

نزهة الألباء 18.

(13)

ينظر: مراتب النحويين 24.

(14)

نزهة الألباء 19.

(15)

ينظر: المحتسب 2/342.

(16)

ينظر: إنباه الرواة 1/51.

(17)

ينظر: غاية النهاية 1/426.

(18)

ينظر: النهاية في غريب الحديث 1/99.

(19)

ينظر: ابن عباس مؤسس علوم العربية 127.

(20)

المفصل في تاريخ النحو العربي 78.

(21)

غاية النهاية 2/297.

(22)

ينظر: إنباه الرواة 3/261.

(23)

سورة المعارج: الآية 43.

(24)

سورة القصص: الآية 34.

(25)

غاية النهاية 2/297، وينظر: معرفة القراء الكبار 66.

(26)

سورة البقرة: الآية 14.

(27)

معرفة القراء الكبار 66، والآية في سورة البقرة: الآية 15.

(28)

إنباه الرواة 1/39.

(29)

إنباه الرواة 2 /172، وينظر: طبقات النحويين واللغويين 26.

(30)

سورة المائدة: الآية 50.

(31)

المحتسب 1/210، 211.

(32)

ينظر: المفصل في تاريخ النحو العربي 125.

(33)

ينظر: تهذيب التهذيب 5/204.

(34)

تهذيب الكمال 14/480.

(35)

نفسه 14/480.

(36)

إيضاح الوقف والابتداء1/49-50.

(37)

المفصل في تاريخ النحو العربي 86.

(38)

ينظر: الدر المصون 5/ 168.

(39)

إنباه الرواة 2/183.

(40)

الشراة هم الخوارج، سمو بذلك لقولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله.

(41)

تاريخ دمشق 10/ 142.

ص: 374

(1)

وصل الهمزة ضرورة.

(2)

خفف الهمزة ضرورة.

(3)

ينظر: الأغاني 23/146.

(4)

تاريخ دمشق ج5 الورقة 454/1.

(5)

ينظر:التهذيب التهذيب 3/396.

(6)

ينظر: الجامع لأحكام القرآن 1/138.

(7)

نفسه 2/143.

(8)

نفسه 3/100.

(9)

نفسه 4/207.

(10)

مراتب النحويين 158.

(11)

طبقات النحويين واللغويين 73.

(12)

إنباه الرواة 2/38.

(13)

طبقات النحويين واللغويين 73، ومراتب النحويين 158، وإنباه الرواة2/38، 172.

(14)

ينظر: غاية النهابة 1/171.

(15)

نفسه 1/171.

(16)

1/460.

(17)

ينظر: غاية النهاية 2/330.

(18)

نفسه 2/332.

(19)

ينظر: معرفة القراء الكبار 91.

(20)

ص: 230.

(21)

معجم الأدباء3/2144.

(22)

التحفة اللطيفة 3/390.

(23)

نفسه 3/390.

(24)

مراتب النحويين 156.

(25)

نفسه 156، 157، وينظر: الأغاني 6/56.

(26)

ينظر: معجم الأدباء 5/2146.

(27)

ينظر: تاريخ العلماء النحويين 230.

(28)

إنباه الرواة 2/172، 173.

(29)

تاريخ العلماء النحويين 163.

(30)

المزهر 1/303.

(31)

ينظر: تهذيب التهذيب 6/ 177.

(32)

1/271.

(33)

تاريخ التراث العربي ا/88.

(34)

ينظر: جامع البيان 1/169.

(35)

نفسيه 1/199.

(36)

نفسه 1/212.

(37)

نفسه 1/289.

(38)

نفسه 1/452.

(39)

نفسه 1/609.

(40)

ص 213.

(41)

3/354.

(42)

معجم الأدباء6/2698، وينظر: بغية الوعاة 2/284.

(43)

إنباه الرواة 3/354.

(44)

طبقات النحويين واللغويين 213.

(45)

ينظر: معجم الشعراء398.

(46)

ينظر: درة الغواص 37.

(47)

ينظر: طبقات النحويين واللغويين 213، وإنباه الرواة 3/354.

(48)

ينظر: معجم الأدباء 6/2698.

(49)

ينظر: بغية الوعاة 2/284.

(50)

سورة هود: الآية 78.

ص: 375

(1)

غاية النهاية 2/261، وفيه: قال: "احسى من الجنة"وهو تصحيف وتحريف وكلمة "احسى"هكذا غير منقوطة: والتصويب من الكتاب 2/396، 397، والفريد في إعراب القرآن 2/654.

(2)

ينظر: البحر المحيط 5/247، والدر المصون 6/362.

(3)

أي: هذه.

(4)

الكتاب 2/396،397.

(5)

الأضداد 1/371.

(6)

ينظر: جمهرة أنساب العرب 1/242.

(7)

ينظر: غاية النهاية 1/615.

(8)

نفسه 1/616.

(9)

الإقناع 1/ 59.

(10)

معرفة القراء الكبار 129.

(11)

مجلة المنهل، العدد 499 المجلد 54، الربيعان 1413 هـ ص:125.

(12)

هو محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي الحنفي، محي الدين، أبو عبد الله الكافيجي، لكثرة اشتغاله بالكافية في النحو، توفي سنة (879 هـ) من مصادر ترجمته، الضوء اللامع 7/259 والشقائق النعمانية 0 4، 41، وشذرات الذهب 7/326.

(13)

الأخبار المروية 58، 59.

(14)

نفسه 59.

ص: 376

تابع لأصُول عِلْمِ العرَبِيَّةِ فِي المَدِينَةِ

الفصل الرّابع

من مظاهر الدّرس اللّغويّ في المدينة

وضعت البذرة الأولى للدرس اللغويّ بعامة والنحويّ بخاصة في المدينة - كما تقدم - أيام الصحابة - رضوان الله عليهم - وظهرت بوادر هذا الدرس في الإشارات والتنبيهات والأنظار اللغوية المتفرقة المعزوة لبعض المهتمين بأمر اللغة، فأصبحت المدينة فيما بعد أحد المراكز اللغوية المهمة، فشارك لغويوها ونحاتها في القرنين الأول والثاني في تحديد مفاهيم النحو ووضع أسسه.

وقد وقفنا في الفصل الثالث على جملة من أعلام الدرس اللغويّ في المدينة، ونحاول في هذا الفصل أن نقف على ما يتاح لنا من مظاهر ذلك الدرس في تلك البيئة.

ومع إيماننا بأنه يتعذر الوقوف على حقيقة الحركة اللغوية في المدينة لضياع كثير مما أثر عن علمائها بالإضافة إلى ضياع كل ما ألفوه في تلك الحقبة المتقدمة، للأسباب السالف ذكرها، ولأن النحاة المشهورين الذين عرفناهم في القرنين الثاني والثالث "لا يحفلون بنسبة الآراء النحوية إلى أصحابها في كل موضع، وهذا يجعلك تجزم بأن كثيراً من الآراء النحوية التي يمكن أن تظنها للفراء وسيبويه والكسائي ليست لهم بل نقلوها عن غيرهم، ولكنها في كتبهم مغفلة أو معزوة إلى شيوخهم الأدنين، ولعل في هذا شيئا غير قليل من تراث تلامذة أبي الأسود نقله إليهم الحضرميّ وعيسى وأبو عمرو" ومن تراث نحاة المدينة، وهم أصحاب فضل لا ينكر في وضع نواة النحو، وتأسيس بعض قواعده، والمشاركة في بعض مسائله.

وعلى الرغم من ذلك فإنه من الممكن جمع بعض الشذرات اللغوية المتفرقة مما تجود به بعض المصادر، أو مما يستنبط من قراءات بعضهم وتوجيهاتها.

وقد تبين لنا بعد البحث والتنقيب أن لنحاة المدينة مؤلفات في اللغة والنحو، وأن لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأن لهم مجالسهم اللغوية الخاصة.

من مؤلفات المدنيين في علوم اللغة

ص: 377

كانت الملحوظات النحوية والإِرشادات والتنبيهات والأنظار تصدر مدّة من الزمن عن جماعة من المهتمين بالعربية في المدينة مشافهة، وتنتقل عن طريق الرواية والسماع، ولم تكن فكرة تأليف الكتب قد تبلورت في أذهانهم.

ولما تطورت العلوم في نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، وأخذت تتكوّن معالمها كالتفسير والحديث والعربية بدأت فكرة تدوين ملحوظاتهم أو معارفهم في أوراق لحفظها، ولم تلبث أن تحولت هذه الفكرة إلى نوع من التأليف عند بعض العلماء.

وكان نحاة المدينة ولغويوها من السابقين إلى تأليف الكتب النحوية، وهي إن ضاعت من يد الزمن فليس ذلك لها وحدها، بل ضاعت كتب عيسى بن عمر ويونس بن حبيب والرؤاسيّ وغيرهم.

ولا نكاد نعرف عن مؤلفاتهم في اللغة والنحو إلا الشيء القليل، ومن هذا القليل ما وصل إلينا، ومنه ما فُقِد ولا نكاد نعرف عنه شيء، ومما وصل إلينا رسالة صغيرة في لغات القرآن، برواية ابن حسنون بإسناده إلى ابن عباس، وقد نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد.

والرسالة طريقة في بابها مرتبة على سور القرآن، يورد فيها مؤلفها ما في كل سورة من لغات عربية أو ألفاظ معربة لأمم مجاورة كالفرس والروم والأنباط السريان والعبرانيين.

وهو من هذه الناحية - كما يقول المحقق - يبين لنا مصادر القرآن اللغوية، ويلقي الضوء على لغات القبائل قبيل الإسلام، ويحدد نسبة ما أخذ القرآن من ألفاظ كل قبيلة من تلك القبائل، ثم من كل أمة إن صح أن بعض الألفاظ فيه أعجمية.

وقد شك بعض الباحثين في نسبة هذا الكتاب إلى ابن عباس، وبسط القول فيه.

ولابن عباس صحيفة في تفسير القرآن الكريم رواها عنه علي بن أبي طلحة، فيها من اللغة الشيء الكثير يتمثل في تفسير الغريب.

وقد كانت هذه الصحيفة موضع تقدير العلماء وعنايتهم، إذ قال عنها أحمد ابن حنبل:"بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً".

ص: 378

وذكر السيوطي أن هذه الصحيفة ثابتة عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه مرتباً على السور.

ومن الواضح أنّ ابن عباس لم يكتب هذه الصحيفة في كتاب، وإنما نقلت عنه مشافهة، ثم دُوّنت فيما بعد، ومنها نسخة كانت بحوزة أبي طلحة كاتب الليث رواها عن معاوية بن أبي طلحة، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي عند الإمام البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها كثيراً في صحيحه كما أسلفت، وهي عند الطبري وابن أبى حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح.

واهتم بأمر هذه الصحيفة بعض المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل، والشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، فكتب عنها الأول كلمة ضافية، وأخرجها الثاني في كتاب سماه:"معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاريّ"وأكثر ما فيه من هذه الصحيفة.

ويلحق بذلك ما روي عن ابن عباس مما دوّن بعده في مسائل عرفت بمسائل نافع بن الأزرقّ، وهي مسائل في تفسيرِ غريب القرآن بشواهد من شعر العرب، وهي أسئلة مشهورة أخرج الأئمة أفرادا منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس، وأخرج أبو بكر الأنباري قطعة منها في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء".

وأخرج الطبراني في معجمه الكبير جزءاً منها من طريق جويبر عن الضحّاك بن مزاحم، ورواها السيوطي كاملة في كتابه "الإتقان".

أما ما فقد من تلك المؤلفات فلا نكاد نعرف عنه شيئاً، إلا ما ورد في إشارتين أحدهما في النحو لعليّ الجمل، الذي ذكره أبو الطيب اللغوي ووصفه بأنه "لم يكن شيئاً" ووصفه القفطي بأنه "لم يخلّ شيئا" وقد ذكرت فيما مضى أن التحريف في هذين النصين وارد.

ومهما يكن من أمر هذا الكتاب فقد امتد أثره إلى الأخفش وهو من أعلام النحو في البصرة، إذ قال تلميذه أبو حاتم السجستاني في كتابه القراءات حيث ذكر القراء والعلماء:"وأظن الأخفش سعيد بن مسعدة وضع كتابه في النحو من كتاب الجمل".

ص: 379

وما قاله السجستاني يدل على أن الكتاب له مكانة رفيعة، وأنه أثار انتباه العلماء، وأن أثره امتدّ إلى خارج المدينة، لما كان يحويه من أصول النحو ومسائله، وإحسان أبي حاتم الظن بهذا الكتاب شهادة عالية القيمة من عالم مشهور لعالم مغمور.

والكتاب الآخر في اللغة، أشار إليه أبو الطّيّب اللغويِّ - أيضاً - في ترجمته لأبي عبيد القاسم بن سلام (224 هـ) قال:"وأما كتَابه المترجم بالغريب المصنف فإنه اعتمد فيه على كتاب عمله رجل من بني هاشم جمعه بنفسه".

والراجح أن هذا الرجل كان من أهل المدينة أو مكة مقر سكنى بني هاشم كما يقول الدكتور هادي عطية.

وإن ثبت هذا فإنه يدل على اهتمام أهل الحجاز بالتأليف في غريب اللغة، ذلك العلم الذي فتح بابه لهم ابن عباس.

من المسائل النِّحويّة

ضاع الكثير من نحو المدنيين، ولم يصل إلينا منه إلا الشيء اليسير جداً، ومنه ما أشارت إليه بعض المصادر النحوية ك "الكتاب" لسيبويه، و"معاني القرآن"للفراء، و"الارتشاف"لأبي حيان، فمما يسّر الله جمعه:

1-

تابع المنادى:

يُعطى تابع المنادي ما يستحق من الإعراب إذا كان منادى مستقلا، أي البناء أو النصب، وذلك في التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق المجرد من أل، لأن البدل في نية تكرار العامل، والعطف كالنائب عن العامل، تقول في التوكيد: يا بكر نفسَه، ويا تميمُ كلَّهم، ويا خالدُ أبا الوليد، بنصب التابع؛ لأنه مضاف.

وتقول: يا زيد بشرُ، بالضم للبناء، ويا صالحُ وعليُّ بالضم أيضا.

ص: 380

وإذا وصف المضاف المنادى بمضاف مثله أو بمفرد فالوجه النصب، قال ابن السراج:"اعلم أن المضاف إذا وصفته بمفرد ومضاف مثله لم يكن نعته إلا نصباً؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب، فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره، وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ، ويا غلامنا الطويلَ، والبدل يقوم مقام المبدل منه، تقول: يا أخانا زيد أقبل، فإن لم ترد البدل وأردت البيان، قلت: يا أخانا زيداً أقبل، لأن البيان يجري مجرى النعت".

والرفع في قولك: يا أخانا زيدٌ هو قول أهل المدينة فيما حكاه سيبويه عن الخليل في قوله: "قلتَ: أرأيت قول العرب: يا أخانا زيدا أقبل، قال: عطفوه على هذا المنصوب فصار نصباً مثله، وهو الأصل؛ لأنه منصوب في موضع نصب، وقال قوم: يا أخانا زيدٌ.

وقد زعم يونس أن أبا عمرو كان يقوله، وهو قول أهل المدينة، قال: هذا بمنزلة قولنا يا زيد، كما كان قوله يا زيد أخانا بمنزلة يا أخانا، فيحمل وصف المضاف إذا كان مفرداً بمنزلته إذا كان منادى".

وما عزاه سيبويه للمدنيين مثال نحوي، وليس قراءة قرآنية حتى يظن أن سيبويه كان يشير إلى قراءةٍ لنافع أو غيره من قراء المدينة.

2-

الفصل بين المضاف والمضاف إليه:

لا يجوز الفصل بين المتضايفين عند كثير من النحويين إلا في الشعر، وأجاز بعضهم الفصل بينهما في مواضع منها أن يكون المضاف مصدراً والمضاف إليه فاعله والفاصل مفعول به أو ظرف.

فالأول كقراءة ابن عامر: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} (1) .

والثاني كقولك: تَرْكُ يوماً نفسِك وهواها، سعي لها في رداها.

وللمدنيين رأي في هذه المسألة أورده شيخ نحاة الكوفة الفراء في قوله: "وليس قول من قال {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} (2) ولا {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} بشيءٍ، وقد فُسّر ذلك.

ص: 381

ونحويوا أهل المدينة ينشدون قوله:

فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا

زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة

قال الفراء: باطل، والصواب:

زَجَّ القَلُوصِ أَبُو مَزادَة "

وقال الفراء في موضع آخر في توجيه قراءة ابن عامر: "وليس قول من قال: إنما أرادوا مثل قول الشاعر:

فَزَجَجْتُهَا مُتَمَكِّنا

زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزادَة

بشيء، وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز، ولم نجد مثله في العربية".

وتدل عبارة الفرّاء "وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز"على أمور، منها: قِدَم هؤلاء النحاة، وأنهم جماعة، وأنهم يتفقون في المذهب النحويّ.

وذكر ابن يعيش أن الأخفش أنشد هذا الشاهد، وقيل: إنه زاده في حواشي الكتاب لسيبويه فأدخله الناسخ في بعض النسخ حتى شرحه الأعلم، فهل أخذه الأخفش من كتاب أحد هؤلاء المدنيين، وهو عليّ الجمل، كما أخذ عنه: الزيت رطلان بدرهم؟ إن صح ذلك.

وذكر ابن يعيش - أيضاً - أن "ابن كيسان قد نقل عن بعض النحويين أنه يجوز أن نفرق بين المضاف والمضاف إليه إذا جاز أن يسكت عن الأول منهما" فمن هؤلاء النحاة، هل هم المدنيون أم الكوفيون؟ ليس في المصادر التي بين أيدينا ما يعين على الإِجابة عن هذا السؤال.

وقد احتج بعض الكوفيين - فيما بعد - بهذا البيت وجعلوه من شواهدهم في جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، فيما أورده أبو البركات الأنباريّ في مسائل الخلاف على الرغم من اعتراض الفراء على هذا الشاهد.

ويبدو أن البغدادي أراد أن ينتصر للبصريين بالطعن في قائل هذا البيت فعزاه "لبعض المدنيين المولدين، فلا يكون فيه حجة".

ص: 382

وبالعودة إلى عبارتي الفراء التي قال فيها: "ونحويوا أهل المدينة ينشدون

"، و"وهذا مما كان يقوله نحويوا أهل الحجاز"يتبين - كما أسلفنا - قدم هؤلاء النحاة، وإجماعهم على هذا الشاهد، وشهرته عندهم، ويمكن أن يستنبط من عبارة الفراء "وهذا مما كان يقوله.." التي قالها في أواخر القرن الثاني - كما نعلم - أن هؤلاء النحاة كانوا يقولون ذلك منذ زمن مضى نقدره بنحو خمسين سنة أو يزيد، وهو ما يوافق زمن الفصاحة الذي حدد بمنتصف القرن الثاني في الحواضر ونهاية القرن الرابع في البوادي، فهل يجوز للبغدادي أن يطعن في حُجِّيّة البيت؟.

ويقوي مذهب المدنيين قراءة ابن عامر في آية المائدة المتقدمة، وهي قراءة سبعية متواترة، لا يجوز الطعن فيها، وقد قرأ بعض السلف {مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِه} (1) ، بالإِضافة إلى جملة من الشواهد الشعرية.

ولورود ذلك في القرآن اقترح الدكتور مكي الأنصاريّ أن تعدل القاعدة التي ذكرها البصريون، فقال: يجوز الفصل بين المتضايفين في النثر بالمفعول به.

وهذا دليل على سلامة ما ذهب إليه نحاة المدينة في هذه المسألة.

3-

ضمير الفصل:

قد يقع الضمير المنفصل المرفوع بين المبتدأ والخبر أو ما في حكمهما من النواسخ إذا كانا معرفتين أو مقاربين للمعرفة، وذلك في نحو {إنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ} (2) و {كُنّا نَحْنُ الوَارِثِين} (3) .

ويسمى هذا الضمير عند البصريين ضمير الفصل، ويسميه الكوفيون عمادا.

وللمدنيين مذهب فيه وفي تسميته، قال أبو حيان: "والفصل هو صيغة ضمير منفصل، ويسميه الفراء وأكثر الكوفيين عماداً، وبعض الكوفيين يسميه دعامة، ويسميه المدنيون صفة.

ص: 383

وأكثر النحاة يذهب إلى أنه حرف، وصححه ابن عصفور. وذهب الخليل إلى أنه ضمير باق على اسميته، ومحل هذا الفصل المبتدأ والخبر ونواسخه، واختلفوا في وقوعه بين الحال وصاحبها، فمنعه الجمهور، وحكى الأخفش في الأوسط مجيء ذلك عن العرب، ومن قرأ {هَؤلاءِ بَنَاتي هُن أَطْهَرَ لَكُمْ} (1) بنصب أطهر لاحِنٌ عند أبي عمرو.

وقال الخليل: والله إنه لعظيم جعل أهل المدينة هذا فصلاً، وشرط الفصل أن يتقدمه معرفة.

وبهذا ندرك انفراد نحاة المدينة في هذه المسألة بأمرين:

أحدهما: تسميتهم هذا الضمير: صفة.

والآخر: أنهم أجازوا وقوعه بين الحال وصاحبها كما في القراءة السابقة، وندرك - أيضاً - أن الأخفش أجاز ذلك، فهل هو متأثر بما وقع له من مصنفات أهل المدينة في النحو، ككتاب عليّ الجمل؟.

لا يستبعد ذلك.

وأجاز المدنيون وقوع ضمير الفصل بين النكرة والمعرفة، قال سيبويه في باب "هذا باب لا تكون هو وأخواتها فيه فصلا"بعد أن مثل له بقوله: ما أظن أحداً هو خير منك، قال:"وأما أهل المدينة فينزلون هو هاهنا بمنزلته بين المعرفة، ويجعلونها فصلاً في هذا الموضع".

وأضاف سيبويه قائلا: "فزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا وقال احتبى ابن مروان في ذِه في اللحن. يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة، كما تقول اشتمل بالخطأ، وذلك أنه قرأ:{هَؤلاءِ بَنَاتي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ} فنصب.

وكان الخليل يقول: "والله إنه لعظيم جعلهم [أي المدنيين] هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إياها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبُوهُ، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما".

ص: 384

واعترض السيرافيّ على سيبويه في بعض ما جاء في هذه المسألة، ووجه مذهب المدنيين، فقال:"لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة، لأن الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو، وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكون فصلا للنكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنكرة، فإن هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأن أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي يحكى عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، لأنه من باب هو خيراً منكم، والذي أنكره سيبويه أن يجعل ما أظن أحدا هو خيراً منك بمنزلة ما أظن زيداً هو خيراً منك، فليس هذا مما حُكِيَ عن أهلِ المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أن أبا عمرو رآه لحنا".

وفي كتاب سيبويه إشارات أخرى متفرقة إلى نحويين يفهم من سياق كلامه أنهم قدماء، فهل هم أو بعضهم من نحاة المدينة؟.

4-

إعراب حتّى وما بعدها:

ثمة شاهد نحويّ مشهور يتناقله النحاة منذ عهد سيبويه، ويروونه عن بعض نحاة المدينة، وهو مروان بن سعيد المهلبيّ، وهو قوله:

أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ

والزَّاد َحَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا

وفيه روايات، وهي "حتى نعلِه"و"حتى نعلَه"و"حتى نعلُه" ولا ندري كيف أنشده مروان بن سعيد المهلبيّ، ولا نعرف رأيه في توجيهه، كما لا نعرف رأي معاصريه من نحاة المدينة في توجيه هذا البيت، الذي نقدّر أنه استأثر بعنايتهم، فهو من شواهدهم، كما استأثر بعناية النحاة في البصرة والكوفة وغيرها من الأمصار.

والشاهد فيه "حتى نعله"إذ يجوز في حتى وما بعدها ثلاثة أوجه، وقد أنشده سيبويه على أن حتى فيه حرف جر بمعنى إلى، وأن مجرورها غاية لما قبلها، كأنه قال ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع حتى انتهى الإِلقاء إلى النعل، ويكون "ألقاها"توكيد، وهي بمنزلة قوله عز وجل {سَلامٌ هِي حَتى مَطْلَع الفَجْر} (1) .

أما النصب فمن وجهين:

ص: 385

أحدهما: نصبه بإضمار فعل يفسره (ألقاها) كأنه قال: حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف.

ثانيها: أن يكون نصبه بالعطف على الصحيفة، وحتى بمعنى الواو، كأنه قال: ألقى الصحيفة حتى نعله، يريد: ونعله، كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسَها، بنصب رأسها، فعلى هذا الهاءُ عائدة على النعل أو الصحيفة، وألقاها تكرير وتوكيد" وقد جاز عطف نعله مع أنه ليس واحداً مما ذكر؛ لأن الصحيفة والزاد في معنى ألقى ما يثقله؛ فالنعل بعض ما يُثقل.

وأما الرفع "فعلى الابتداء، وجملة ألقاها هي الخبر؛ فحتى - على هذا وعلى الوجه الأول من وجهي النصب - حرف ابتداء، والجملة بعدها مستأنفه".

هذا ما وقفت عليه مما عزي للمدنيين من آراء في النحو وهو من القلة بحيث لا يمكّن الباحث من استخلاص خصائص معينة، وإن كنت أرى - من خلال ما سمحت به المصادر - أن نحوهم يأخذ طابع النحو الكوفيّ الذي يعتدّ بالسماع ولا يحفل كثيراً بالقياس.

النّحو في قراءاتهم وتعليقاتهم التفسيرية

أسهمت قراءات المدنيين وتعليقاتهم التفسيرية في خصوبة النحو العربيّ على مدى القرون، ويمكن لنا أن نستعرض بعض الملاحظات والآراء أو الأصول النحوية المستنبطة من قراءات بعضهم أو تعليقاتهم، كابن عباس وابن هرمز، من غير استقراء، فإن ما أثر عنهما في هذا الشأن شيء غير قليل، يحتاج إلى مؤلف خاص يلم شتاته، ويكفي في هذا البحوث ذكر بعض الأمثلة مما يمثل بدايات النحو عند المدنيين.

أولا: ابن عباس

أثر عن ابن عباس كثير من الملاحظات اللغوية التي كان يفسر بها القرآن، تدل على حسه اللغويّ العام السليم، وإلمامه بالنحو.

1-

قدر ابن عباس التقديم والتأخير في قوله عز وجل: {أم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنا لا يَسْتطيعُونَ نَصْرَ أنفسهم ولاهُم مِنّا يُصْحَبون} (1) .

قال أبو حيان: "قال ابن عباس: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم ".

ص: 386

2-

وروي عن ابن عباس في قوله عزّوجل: {وَجَعَلنَا مِنْهُم أئِمَّةً يَهْدُون بأمْرنا لَمَّا صَبَرُوا} (1) أنه يرى أن الباء في {بأمرنا} بمعنى (إلى) أي يهدون الخَلق إلى أمرنا.

وقد ذكر النحاة - فيما بعد - أن الباء تأتي بمعنى الغاية، ومنه قوله تعالى:{وَقَدْ أحْسَنَ بِي} (2) أي: إلي.

3-

وروي عنه في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَان للرحمن وَلَدٌ فَأنَا أوَّلُ العَبدِين} (3) أنه يرى أن (إنْ) هنا نافية بمعنى ما، وكان يقول: لم يكن للرحمن ولد.

4-

وروي عنه في قوله تعالى: {هَلْ أتَى عَلَى الإنْسَان حِينٌ مِنَ الدَّهْر لم يَكُن شَيْئاً مَذكُورا} (4) أنه ذهب إلى أن (هل) هنا بمعنى (قد) .

5-

واختلف المفسرون في تفسير قوله عز وجل: {إلَيهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يَرْفعُهُ} (5) .

قال أبو حيان: "وعن ابن عباس: "والعمل الصالح يرفعه، عامله ويشرّفه، فجعله على حذف مضاف" أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطّيب.

6-

واختلفوا في تفسير قوله تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ} (6) .

وروي عن ابن عباس - في هذه الآية - أنه قدر حذف الحال، إذ قال:"في الكلام محذوف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت وقد استشهدتموهما على الإيصاء" والحال هي جملة: "وقد استشهدتموهما"التي قدرها ابن عباس محذوفة.

7 -

وروي عن ابن عباس في تفسيره في قول الله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الّتي كُنْتَ عَلَيها إلَاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقْبَيْهِ} (7) أنه قال: "القبلة في الآية الكعبة، وكنت أنت، كقوله تعالى {كُنْتُم خَيْرَ أمةٍ} بمعنى: أنتم".

ص: 387

قال أبو حيان: "وهذا من ابن عباس - إن صح - تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد، وإنما تفسير الإِعراب على هذا التقدير ما نقله النحويون أنّ كان تكون بمعنى صار".

ومقتضى تفسير ابن عباس أنّ كان هنا زائدة "والذي صار بأبي حيان إلى هذا هو البناء النحوي العام القائم على العامل والمعمول، وهذا ما لم يكن يعرفه ابن عباس، ولا أهل زمانه".

ونلاحظ في هذه الأمثلة التي أوردناها بروز الحس اللغوي والنحوي عند ابن عباس في تعليقاته وتفسيره على نحو فطريّ بعيد عن تصنع النحاة وتعليقاتهم، وهو ما يناسب تلك المرحلة التي نشأ فيها النحو في المدينة والحجاز.

ثانيا: ابن هرمز

رأينا في الفصل الثالث أن بعض المؤرخين ذكر أنّ ابن هرمز أول من وضع علم النحو وأظهره في المدينة، وأنه كان أعلم الناس بالنحو وأن أهل المدينة أخذوا النحو عنه.

وجعله بعضهم أحد مؤسسي النحو الذين وضعوا "للنحو أبوابا، وأصلوا له أصولا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف".

فأين هذه الأصول والأبواب؟ لقد ضاعت فيما ضاع من تراث العربية المتقدم، ولم يبق لنا من نحو ابن هرمز سوى قراءاته واختياراته الكثيرة التي أسهمت في خصوبة النحو العربي، ودلّت على إلمامه به، ومشاركته فيه، وإدراكه لبعض أصوله، فمن قراءاته واختياراته تلك:

1-

قرأ يحيى بن يعمر: {أفَحكمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (1) برفع (أفحكم) على الابتداء، وبإضمار مفعول في الفعل يبغون، والجملة خبر المبتدأ.

وقرأ ابن هرمز الآية بنصب (أفحكمَ) وهي قراءة الجمهور، وقال:"لا أعرف في العربية: أفحكمُ" فدل هذا على سعة إطلاعه، وعلمه بتراكيب اللغة وقرائنها اللفظية، وما يصاحبها من ظواهر الإعراب.

2-

قرأ ابن كثير وغيره: {فَتَلَقّى آدَمَ مِن رَبِّه كَلِمَاتٌ} (2) بنصب (آدم) ورفع (كلمات) .

ص: 388

وقرأها ابن هرمز الأعرج وغيره برفع آدم ونصب (كلمات) وعللها مكيّ بقوله: "وعلة من قرأ برفع (آدم) ونصب (كلمات) أنه جعل (آدم) هو الذي تلقى الكلمات؛ لأنه هو الذي قَبِلها ودعا بها، وعمل بها فتاب الله عليه. فهو الفاعل لقبوله الكلمات فالمعنى عَلى ذلك، وهو الخطاب، وفي تقديم (آدم) على الكلمات تقويه أنه الفاعل.

وقد قال أبو عبيد في معنى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} معناه قَبلها، فإذا كان آدم قابلا فالكلام مقبول، فهو المفعول وآدم الفاعل ".

وقرأ الأعرج وآخرون: {وَيَتُوبَ الله عَلَى مَن يَّشَاءُ} (1) وقرأ الجماعة {وَيَتُوبُ الله} بالرفع، وعلى قراءة الأعرج فإنّ التوبة داخلة في جواب الشرط معنى، وعلى قراءة الرفع تكون استئنافاً، وذلك أن قوله:{قَاتِلُوهُم يُعَذّبْهُمُ الله بأَيْدِيكُم ويُخْزِهِم ويَنصُركُمْ عَلَيهِم ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين ويُذْهِبْ غَيْظ قُلُوبِهِم وَيَتُوبُ الله عَلَى من يشَاءُ} (2) فهو كقولك: إن تزرني أحسن إليك وأعطي زيداً درهما، فتنصبه على إضمار (أنْ) أي: إن تزرني أجمع بين الإحسان إليك والإعطاء لزيد.

وإن كان ابن هرمز في كثير من قراءاته يتوخى بحسه النحويّ ما وافق العربية وفق الأقيسة النحوية المشهورة، إلا أنه قد يغرب في بعض قراءاته وينحط في بعض اختياراته، فيوافق أوجه ضعيفة في اللغة أو شاذة لا يقبلها أكثر النحاة، فمن ذلك:

1-

قرأ ابن هرمز وغيره: {ولا تَتبعُوا خُطُؤات الشَّيْطَانِ} (3) بضمتين وهمزة، وهي شاذة، أنكرها بعض العلمَاء، قال ابن جني:"وهي مرفوضة وغلط ".

وتحتمل هذه القراءة تأويلين في العربية:

أحدهما: أن خُطُؤات جمع خُطأة، بمعنى الخطأ، فالهمزة أصلية، وهي لام الكلمة.

والآخر: أنه قلب الواو في خُطُوات همزة؛ لمجاورتها الضمة قبلها، فكأنها عليها؛ لأن حركة الحرف بين يديه على الأرجح لا عليه.

ص: 389

2-

قرأ ابن هرمز: {وإِذ أَخَذَ الله مِيْثَاقَ النَّبيّينَ لَمَّا آتَيْنَاكم مِن كِتَاب وحِكْمَة} (1) بفتح اللام وتشديد الميم في (لمّا) وقَد أنكرها بعض العلماء، وهي تحتمل أوجه:

قال أبو الفتح: "في هذه القراءة إعراب، وليست (لما) هاهنا بمعروفة في اللغة، وذلك أنها على أوجه:

تكون حرفاً جازما

وتكون ظرفاً

وتكون بمعنى إلا

وأقرب ما فيه أن يكون أراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمِن ما آتيناكم، وهو يريد القراءة العامة: لما آتيناكم فزاد من

فصارت (لَمِما) فلما التقت ثلاث ميمات فثقلت حذفت الأولى منهن، فبقي لَمَّا مشدداً كما ترى، ولو فكت لصارت: لنما، غير أن النون أدغمت في الميم كما يجب في ذلك، فصارت: لَمّا".

3-

وقرأ ابن هرمز وغيره {قلْ هَلْ أنبئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثْوبَةٍ عِند اللهِ} (2) بسكون الثّاء في (مَثْوبة) وفتح الواو على زنة مفعلة، هذا مما خرج عن أصله، وهو شاذ في بابه، وحال نظائره كما يقول ابن جني، وقياسها (مثوبة) كما قرأها الجمهور.

المصطلح النّحويّ

مرت مصطلحات اللغة والنحو بمراحل زمنية متباينة واشترك في تطويرها مجموعة من النحاة على مختلف العصور.

وقد ظهرت بعض المصطلحات النحوية في ظهور النشأة لهذا العلم في المدينة، ثم أشاد البصريون بناء المصطلح اللغوي بعامة والنحويّ بخاصّة، وجاء بعدهم الكوفيون، وتبعهم البغداديون والأندلسيون والمصريون، فدرس من مصطلحات المدنيين ما درس، وبقي منها ما بقي وهو قليل، ولا نعلم مقدار ما ضاع منها.

ونقدر أن بعضاً من مصطلحات المدنيين النحوية شاع على ألسنة الدارسين وتبنته المدارس النحوية المشهورة، فنسب إليها، ونسي مورده الأصلي.

ص: 390

ومن مصطلحات المدنيين النحوية التي أنشؤوها أو كان لهم إسهام مع غيرهم في نشأتها ورسوخها: العربية، والإعراب، والنحو، واللحن، والرفع، والنصب، والجر، والاسم، والفعل، والحرف، والنداء، والترخيم، والتقديم، والتأخير، والصفة، وهي على النحو التالي:

1-

العربية:

لعل "العربية"من أقدم مصطلحات العلم اللغوي والنحوي عند العرب، وهو عام المدلول، لا يحمل - في أول أمره - سمة المصطلح العلمي الدقيق، وكان ظهوره - فيما نعلم - في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد جرى على لسانه كثيراً، واستخدمه بعض الصحابة، وكان معناه في بادئ الأمر:لغة العرب النقية من الشوائب، لاسيما لغة البوادي، قال عمر:"تعلموا العربية، فإنها تشبب العقل وتزيد في المروءة".

وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "أنْ مُرْ من قِبَلَك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام".

ثم ارتقى مصطلح العربية قليلاً وأصبح يعني اللغة وأسرارها، فقد روي عن كعب الأحبار أنه حكم بين ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهم حين اختلفا في قوله تعالى {عَيْنٍ حَمِئةٍ} فقال:"أما العربية فأنتم أَعلم بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين".

ولم يزل هذا المصطلح يرتقي حتى أصبح يطلق على دراسة اللغة وما تحويه من ظواهر صوتية، كالهمز والإِمالة والإِبدال والإدغام، أو ظواهر إعرابية كالرفع والنصب والجر، وازداد رسوخاً وانتشاراً في القرن الأول، فظهر أول مصطلح لهذا العلم اللغوي.

وقد ورد هذا المصطلح في استخدامات بعض القدماء، كابن سلام، في قوله:"وكان أبو الأسود أول من استنّ العربية، وفتح بابها، وأنهج سبيلها ووضع القياس".

والسيرافي في كلامه عن نصر بن عاصم، إذ قال: إنه "أول من وضع العربية".

والزهري في قوله: "إن نصر بن عاصم ليفلق بالعربية تفليقا".

ص: 391

والحسن البصري الذي قال له البتّي: ما تقول في رجل رُعِفَ في الصلاة؟ فقال: إنّ هذا يعرّب الناس "أي يعلم العربية"وهو يقول رُعِف، إنما هو رَعُفَ.

2-

الإعراب:

وهو - أيضاً - من المصطلحات العربية القديمة، تمتد جذوره إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال:"أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه"(1) .

وروي عن أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما: "تعلم إعراب القرآن أحبّ إلينا من تعلم حروفه "

ولم يكن مصطلح "الإعراب"في بداية نشأته كما يتضح من هذين النصين يتجاوز معنى الإبانة في الكلام والتجويد في القرآن ونحو ذلك، فمدلوله أقرب إلى معناه اللغوي المجرد.

ثم تطور مصطلح "الإعراب"وأصبح يدل على الصواب في الكلام، قال ابن شُبرمة (144هـ) :"إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن فكأن عليه أخلاقاً، ويعرب وعليه أخلاق فكأن عليه الخز الأدكن".

ثم لم يلبث هذا المصطلح أن أخذ مفهوماً مقارباً لما نعرفه اليوم، وهو تحريك أواخر الكلم بما يقتضيه التركيب، وقد روي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة قوله:"الإعراب حلي اللسان؛ فلا تمنعوا ألسنتكم حليها".

3-

النحو:

ليس من اليسير الاهتداء إلى الزمن الذي ظهر فيه هذا المصطلح، الذي عرف ناضجاً في أواخر القرن الثاني، إلا أن الروايات المنقولة تشير إلى مرحلة مبكرة ترجع إلى زمن علي بن أبي طالب إذ رُويَ أنه رضي الله عنه ألقى إلى أبي الأسود رقعة فيها كلام في أصول النحو فقال له:"انح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع لك" ثم عرض عليه أبو الأسود ما وقع له فاستحسنه علي وقال: "ما أحسن هذا النحو الذي نحوته" قال ياقوت معلقاً على قول علي: "فلذلك سمي نحوا".

وقال الخليل بن أحمد: "وبلغنا أن أبا الأسود وضع وجوه العربية، فقال للناس انحوا نحو هذا فسمّى نحوا".

ص: 392

وروى القفطي أن أبا الأسود أتى عبد الله بن عباس فقال: "إني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئا لهم يقوِّمون به ألسنتهم قال: لعلك تريد النحو، أما إنه حق".

فإن صحّ ما ورد في هذه الروايات فإنّ مصطلح النحو قديم تعود جذوره الأولى إلى علماء المدينة، تم تطور مع الأيام، ولكن ثمة من يشك فيما جاء في هذه الروايات، ويرى أن ذلك من تفسير الرواة وتزيدهم "لأن المصطلح اللغوي لا يسلك سبيله إلى الأذهان بهذه الطريقة، بل يكون له أساس من الاستخدام، ثم يتطور معناه ويطلق على شيء ما".

4-

اللحن:

للحن معان عدة في اللغة ذكرها أصحاب المعاجم، وهو من المصطلحات التي أطلقت قديماً على علم النحو، ولكنه لم يشع في الاستعمال، فمن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث له في النافع من العلوم، قال:"تعلموا الفرائض والسنة واللحن، كما تتعلمون القرآن".

وحدّث يزيد بن هارون بهذا الأثر فقيل له: ما اللحن؟ فقال: النحو.

ثم شاع على ألسنة الناس في الصدر الأول من الإسلام في المدينة وغيرها استخدام اللحن بمعنى الخطأ، وهو من معانيه اللغوية، "وأغلب الظن أنه استعمل لأول مرة بهذا المعنى عندما تنبه العرب بعد اختلاطهم بالأعاجم إلى فرق ما بين التعبير الصحيح والتعبير الملحون".

ومن أقدم النصوص التي ورد فيها اللحن بمعنى الخطأ في الكلام ما نسب إلى عبد الملك بن مروان (86 هـ) وهو قوله: "الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف".

وقيل له يوماً: "أسرع إليك الشيب قال: شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن".

وقد ورد هذا المعنى في بيت للحكم بن عبدل الأسدى يهجو به حاجب عبد الملك بن بشير بن مروان والي البصرة (103 هـ) ليحمل الأمير على إقالته:

لَيْتَ الأميرَ أَطَاعَنِي فَشَفَيْتُهُ

مِن كُلِّ من يُكْفِي القَصِيد ويَلْحَن

ص: 393

وكان بعض السلف يقول: "ربما دعوت فلحنت فأخاف ألا يستجاب لي" وهكذا استقرّ اللّحن في اصطلاح اللّغويين والنّحاة على هذا المعنَى.

5-

الرفع والنصب والجر:

جاء في بعض الروايات أن علياً رضي الله عنه قال لأبي الأسود: "اجعل للناس حروفا - وأشار له إلى الرفع والنصب والجر - فكان أبو الأسود ضنينا بما أخذه".

تم انشر هذا المصطلح عند النحويين واللغويين في القرن الثاني، ولا يبعد أن يكون المدنيون قد عرفوه منذ القرن الأول، وأن يكون لهم دور بارز في نشأته.

6-

الاسم والفعل والحرف:

روى عن أبي الأسود أنه قال: "دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرج لي رقعة فيها: الكلام كله اسم وفعل وحرف جاء لمعنى".

وروى الزجاجي أن أبا الأسود كان أول من سطر في كتاب: "الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فسئل عن ذلك فقال: أخذته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب".

7-

النداء والترخيم:

روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ: {ونَادَوا يا مَالِ لِيَقْض عَلَيْنا رَبُّكَ} (1) أنكر عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال علي: "هذا من الترخيم في النداء. فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء فقال علي: صدقت".

قال ياقوت في تعليقه على هذه الرواية: "فهذا يدل على تحقّق الصحابة بالنحو وعلمهم به".

ومع أن الشك يتطرق لهذا الرواية لورود مصطلح "الترخيم في النداء"فيها، إذ يظن أنه مصطلح متأخر نوعاً ما، إلا إننا لا نستطيع إنكارها لورودها عن ياقوت، ومعروف عنه تحريه فيما يرويه من الأخبار، ولأن الواقع اللغوي الجديد في عصر علي بن أبي طالب كان مهيئاً لنشأة مثل تلك المصطلحات، ويقوي ذلك مكَانة الرجلين علي وابن عباس في اللغة، وما أثر عنهما في هذا الشأن، وهو شيء كثير.

8-

التقديم والتأخير:

ص: 394

فسر ابن عباس قوله عز وجل {أَم لَهُمءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِن دونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِم وَلاهُم مِنّا يُصحَبُون} (1) فقال: "في الكلام تقديم وتأخير".

9 -

الصفة:

تقدم في كلامنا عن الضمير الذي يقع بين المبتدأ والخبر وما في حكمها أنه يسمى عند البصريين ضمير الفصل.

ويسمى عند الكوفيين: العماد.

ويسميه نحاة المدينة - كما ذكر أبو حيان - صفة، وقد انفردوا بهذه التسمية فيما نعلم.

المجالس اللغوية

من مظاهر النشاط اللغوي في المدينة أن العلماء كانوا يعقدون المجالس اللغوية كما عقدوها للتفسير والحديث والفقه، ومن المجالس التي كانت تعقد للغة مجالس ابن عباس، وأبي الزناد، وابن هرمز، ومروان بن سعيد المهلبي وغيرهم.

وكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، قال عمرو بن دينار:"ما رأيت مجلساً قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس للحلال، والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام".

ونقدر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها ومسائل النحو كان يعرض في تلك المجالس.

ولما ارتقت علوم اللغة وقاربت النضج وبخاصة النحو ظهرت بعض المناظرات اللغوية والنحوية في تلك المجالس، أو في مجالس علية القوم كالخلفاء والأمراء والوزراء وغيرهم، كان ذلك في حواضر الدولة الإِسلامية الفتية كالمدينة والبصرة والكوفة وبغداد.

وقد ضاع كثير من تلك المناظرات، ولم يبلغنا من أمرها إلا القليل، وأكثر ما بلغنا مما كان يدور في مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء في حواضر العراق، وقد جاءت لنا بعض المصادر بنتف يسيرة جدا من مناظرات نحوية وقعت في بعض مجالس العلم كان أحد علماء المدينة طرفا فيها، وهو مروان بن سعيد المهلبي، وكان الطرف الآخر سعيد بن مسعدة الأخفش.

وفيما يلي مجالس المهلبي مما ذكره أبو القاسم الزجاجي وغيره، وهي ثلاثة مجالس، نوردها كما رواها الرواة، تم نقفوها بشيء ٍمن التعليق:

ص: 395

1-

فإن كانتا اثنتين:

قال أبو القاسم الزجاجي. "قال أبو يعلى زكريا بن يحي بن خلاد: حدثني أبو عثمان قال: سأل مروان الأخفش عن قول الله جلّ وعزّ: {فَإِنْ كاَنَتَا اثنَْتَيْن} (1) أليس خبر كان يفيد معنى ليس في اسمها؟ قال نعم. قال: فأخبرني عن {كاَنَتَا اثنَْتَيْن} أليس قد أفاد بقوله (كانتا) معنى ما أراد فلم يحتج إلى الخبر؟ فقال: إنما أراد: فإن كان من ترك اثنتين، ثم أضمر (من) على معناها. قال: فبإضماره (من) على معناها أفاد معنى ما أراد".

وأراد مروان بن سعيد المهلبي بسؤاله أن الألف في (كانتا) تفيد التثنية فلأي معنى فسر ضمير المثنى بالاثنتين ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يقال: فإن كانتا ثلاثا، ولا أن يقال فإن كانتا خمساً، فأراد الأخفش أن الخبر أفاد العدد المجرد من الصفة، أي: قد كان يجوز أن يقال: فإن كانتا صغيرتين أو صالحتين فلهما كذا، وإن كانتا كبيرتين فلهما كذا، فلما قال: فإن كانتا اثنتين على أية صفة كانتا عليها من كبر أو صغر أو صلاح أو طلاح أو غنى أو فْقر، فقد تحصل من الخبر فائدة لم تحصل من ضمير المثنى.

وبهذا ظهر ذكاء السائل وبراعة المسؤول.

2-

أزيد عندك أم عمرو؟

قال الزجاجي: "سأل مروان [بن سعيد المهلبي] مرة الأخفش، فقال: إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت أن ثمَّ كونا ثابتا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلى. قال: فإذا قلت: قد علمت أزيد عندك أم عمرو، أفليس قد علمت ما جهلت؟ قال: بلى. قال: فلم جئت بالاستفهام؟ قال: جئت به لألبس على المخبر مَن علمت. فقال له مروان: إذا قلت علمتُ من أنت، أردت أن تلبس عليه لأنه لا يعلم نفسه؟ قال: فسكت.

قال أبو عثمان: عندي أنه إذا قلت قد علمت من أنت فهو لا يريد أن يُلبس عليه؛ لأنه لا يعرف نفسه، ولكنه أراد قد علمت من أنت أخير أمرك أم شر، كما تقول: قد علمت أمرك، وكقولك: ما أعرفني بك، أي قد علمت ما تذكر به، أو ما تثلب به".

ص: 396

3-

أزيد ضربته أم عمرًا:

قال الزجاجي: "أخبر أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري، قال: سأل مروان سعيد بن مسعدة الأخفش: أزيداً ضربته أم عمرا؟ فقال: أي شيء تختاره فيه؟ فقال: أختار النصب لمجيء ألف الاستفهام. فقال: ألست إنما تختار في الاسم النصب إذا كان المستفهم عنه الفعل كقولك: أزيداً ضربته، أعبد الله مررت به؟ فقال: بلى. فقال له: فأنت إذا قلت: أزيدا ضربته أم عمراً، فالفعل قد استقرّ عندك أنه قد كان، وإنما تستفهم عن غيره، وهو من وقع به الفعل، فالاختيار الرفع؛ لأن المسؤول عنه اسم وليس بفعل. فقال له الأخفش: هذا هو القياس.

قال أبو عثمان: وهو أيضا ًالقياس عندي، ولكنّ النحويين اجتمعوا على اختيار النصب في هذا لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل".

نعم؛ ويمكن أن نخرج من هذه المناظرات الثلاث بما يلي:

أولا: دقة المهلبي فيما أثاره من قضايا نحوية، وظهوره ندًّا قوياً لعَلَمٍ مشهور من أعلام النحو العربي، وهو الأخفش.

ثانياً: اقتصار المهلبي في مناظراته على الأخفش.

ثالثاً: جهلنا بمكان تلك المناظرات، فقد تكون وقعت في العراق، وقد تكون في المدينة، وشهرة المجالس اللغوية في العراق ترجح أن تكون هذه المناظرات الثلاث مما كان يدور هناك في حواضر العراق، وصلة الأخفش ببعض علماء المدينة كعلي الجمل على النحو الذي وضحناه فيما سبق تجعلنا نميل إلى أنها كانت في المدينة، والذي يرجح هذا الاحتمال أنها لو كانت في العراق لما اقتصر مروان بن سعيد المهلبي على مناظرة الأخفش دون غيره من علماء العراق، وهم كثر.

ومن هنا يمكن القول: إن صلة الأخفش بالمدنيين قد تكون مما يفسر به خروج الأخفش عن منهج جماعته البصريين في كثير من مسائل النحو.

من مسائل اللغة

أشرنا فيما مضى إلى أن علوم العربية نشأت مختلطة في القرنين الأول والثاني بين فروعها قبل أن يعرف المتأخرون من علومها النحو والصرف والدلالة والمعجم وفقه اللغة.

ص: 397

إن علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم نشأ مبكراً في المدينة في ظلال علوم القرآن كالتفسير على يد ابن عباس الذي يعد صنيعه بحق نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن الكريم في مفرداته وتراكيبه، كما ظهر ذلك فيما روي عنه في كتب التفسير وفيما جاء في سؤالات نافع بن الأزرق، وكذلك في صحيفة علي بن أبي طلحة، وبرع - أيضاً - في تمييز ما وقع في القرآن من لغات القبائل ولغات الأمم المجاورة، وهو ما يسمى بالمعرب.

وقد ورد عن ابن عباس في مجالات شرح المفردات، وتمييز لغات القبائل، والإحاطة بالمعرب الشيء الكثير.

أولاً: شرح المفردات:

يتناول ابن عباس - في الغالب - كلمة غريبة من آية فيشرحها بما لا يزيد على كلمة أو كلمتين، ولو جمع ما أثر عن ابن عباس في هذا الشأن لكوّن معجماً صالحاً؛ وفيما يلي نماذج من الشرح اللغوي للمفردات عنده:

1-

الرَّغَد:

قال ابن عباس في تفسير قوله عز وجل: {وَكُلا منْهَا رَغَدَاً} (1) الرغد: الهنيء.

2-

الإِصر:

قال في تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا و َلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً} (2) : إصراً: عهداً لا نفي به، ونقلها عنه أصحاب المعاجم.

3-

الدِّهاق:

قال ابن عباس في تفسير قوله عز وجل: {كأسا دِهَاقاً} (3) دهاقاً: ملأى. وروى عنه الطبري أنه قال لغلامه: اسقني دهاقاً، فجاء بها الغلام ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق.

ويبدو أن ابن عباس أراد أن يؤكد هذا المعنى للرّدّ على من كان يخالفه، إذ ذهب بعضهم إلى أن الدهاق في الآية ليس من الامتلاء، وإنما من التتابع، من الدّهق الذي هو متابعة الشدّ، والمعنى الأولى أعرف كما قال ابن منظور.

وأكثر اللغويين على ما ذهب إليه ابن عباس.

4-

الحُزْن والغَضَب:

سئل ابن عباس عن الحزن والغضب فقال: غرضهما واحد واللفظ مختلف فمن نازعَ من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حُزْناً وجزعا.

5-

المثبور:

ص: 398

روي عن ابن عباس في تفسير كلمة "مثبور"في قوله تعالى: {إِنّي لأظُنًّكَ يا فِرعَون مَثْبُوراً} (1) ثلاثة أقوال:

أحدها: أن مثبوراً بمعنى ملعون.

والثاني: أنه بمعنى مغلوب.

والثالث: أنه بمعنى ناقص العقل، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ.

6-

المترف:

روي عن ابن عباس أنه فسر "المترفين "في قوله عز وجل: {إِنهُم كَانوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} (2) بأن المراد منه هو التوسع في نعيم الدنيا.

وذهب أبو عبيدة وجماعة إلى أنه بمعنى: متكبرين.

ووافق أكثرُ العلماء ابن عباس.

ولما كان الشعر ديوان العرب، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون؛ فقد جعل ابن عباس الشعر دليلا على كثير من شروحه اللغوية، وكان يحثّ على الاستفادة من الشعر في مقام شرح الغريب، فقد روي عنه قوله:"الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرفْ من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديواننا فالتمسنا معرفة ذلك منه" وروي عنه قوله- أيضاً: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب".

وقد ظهرت عناية ابن عباس بالشعر واستفادته منه في سؤالات نافع بن الأزرق التي أوردها السيوطي كاملة في كتابه (الإتقان) .

ثانيًا: لغات القبائل:

روي عن ابن عباس فيما يتصل بلغات القبائل شيء غير قليل، وأقواله منثورة في كتب التراث وعلى رأسها كتب التفسير والمعاجم. وثمة رسالة برواية ابن حسنون ينتهي سندها إلى ابن عباس وصلت إلينا بعنوان "اللغات في القرآن "تشتمل على بعض لغات القبائل وشيء من المعرب.

وقد شك بعض العلماء في نسبتها إليه - كما تقدم في الحديث عن مؤلفات "العربية"عند علماء المدينة، إلا أن الراجح عند كثير من العلماء أنها له، لورود كثير مما فيها من نصوص في كتب التراث، ولنقل السيوطي جل ما فيها معزواً في كتابيه:"المهذب"و"الإتقان".

فمما روي عن ابن عباس في لغات القبائل:

ص: 399

1-

قال ابن عباس في قوله عز وجل: {واضْممْ إِليكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهبِ} (1) الجناح اليد، والرهب الكم بلغة بني حنيفة.

قال مقاتل: "خرجت ألتمس تفسير الرهب، فلقيت أعرابية وأنا آكل، فقالت: يا عبد الله؛ تصدق عليّ، فملأت كفي لأدفعَ إليها، فقالت: ههنا في رهبي، أي: كمّي".

ورُوي عن الأصمعي أنه سمع أعرابياً يقول لآخر: أعطني رهبك، فسأله عن الرهب فقال: الكمّ فهذان النصان يؤيدان ما ذهب إليه ابن عباس.

وذهب أكثر العلماء في تفسير "الرهب"في هذه الآية إلى أنه بمعنى الرهبة.

2-

روى السيوطي عن أبي بكر الأنباري أن ابن عباس كان يذهب إلى أن الوَزَر: ولد الولد بلغة هذيل. ولم أجد لهذا المعنى أي أثر فيما اطلعت عليه من المعاجم وكتب التراث.

والمشهور عن ابن عباس أنه فسر "الوراء"بولد الولد في قوله عز وجل: {فَبَشَّرناها بإسْحَاقَ ومن وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوب} (2) وأنه استفاد ذلك من رجل من هذيل سمعه يقول: مات فلان وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء.

3-

روى الفراء عن ابن عباس أنه قال في قول الله تعالى: {وكُنْتُم قوماً بُوراً} (3) البور في لغة أزد عمان: الفاسد. والذي في كتاب "اللغات في القرآن"المنسوب لابن عباس هو أنّ "قوماً بوراً يعني هلكى بلغة عمان " والمعنيان متقاربان، لأن الفساد قد يؤدي إلى الهلاك في بعض الأمور.

4-

سئل ابن عباس عن معنى "يفتنكَم"في قوله عز وجل: {وإذَا ضَرَبْتُم في الأرْض فَلَيس عَلَيْكُم جُنَاحٌ أن تَقْصرُوا مِن الصَّلوة إن خفتمْ أًن يَفْتِنَكُم الَّذينَ كَفَرُوا} (4) فقال: يضلكم بالعذاب والجهد بلغة هوازن، أما سمعت قول الشاعر:

كل امرِئ مِن عِباد الله مُضْطهَدٍ

ببَطْن مَكَّة مقهورٌ ومفتون

والذي في "اللغات في القرآن "أن معنى {فتنُوا الْمؤْمِنينَ والمُؤْمِنَات} (5) أخرجوهم بلغة القريش.

ثالثا: المعرب:

ص: 400

يعد ابن عباس من أقدم القائلين بوقوع المعرب في القرآن الكريم ونقل عنه أئمة اللغة والتفسير الشيء الكثير في ذلك وفي رسالة "اللغات في القرآن"المنسوبة إليه قدر صالح من المعرب يشير إِليه بـ "التوافْق"كقوله: وافقت لغة العرب لغة الفرس أو الحبشة ونحو ذلك.

وفيما يلي نماذج مختصرة مما أثر عن ابن عباس في المعرب:

1-

روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: {فرَّت مِن قسْوَرَة} (1) فقال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة.

2-

قال في: {يَكنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها} (2) الكفل: النصيب، وهي بلغة وافقت النبطية، مثل قوله عز وجل:{يُؤْتِكُم كِفْلَينِ مِن رَحْمَتِهِ} (3) يعني نصيبين بلغة وافقت النبطية.

3 -

روي عنه أنه قال: إن {هَيْتَ لَكَ} (4) بمعنى هلمّ لك بالقبطية.

4-

أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} (5) أنه قال: هي بالنبطية: فشققهن.

وأخرج ابن جرير - أيضاً - عن الضحاك أن "صرهن" بالنبطية "صرّى"وهو التشقيق. وقيل هي عربية من "الصور" وهو الميل.

5-

قال إن "الإِستبرق "هو الديباج الغليظ، بلغة توافق لغة الفرس وقد ذكر كثير من العلماء أنه معرب "إستفره"أو "إستبره " أو "إستروه ".

مسائل لغوية متفرقة

ثمة مسال متفرقة في اللُّغة كنشأة اللغة، والاشتقاق، والأضداد، والسكت؛ معزوة لبعض علماء المدينة كابن عباس ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهما، فمن ذلك:

1-

نشأة اللغة الإنسانية:

للعلماء أربع نظريات مشهورة في نشأة اللُّغة ومنها نظرية التوقيف أو الإلهام، وهي تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى، لما خلق الأشياء، ألهم آدم عليه السلام، أن يضع لها أسماء فوضعها.

ص: 401

ويستدل أصحاب هذا المذهب من علماء العرب بقوله تعالى: {وعَلَّم آدمَ الأسْمَاءَ كُلَّها، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِْ} (1) فكان ابن عباس يقول فيما رواه عنه ابن جرير الطبري: "علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها".

وقد اختار جماعة من علماء العربية هذا المذهب، واستدلوا بما استدلّ به ابن عباس، ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسي وابن فارس.

2-

الاشتقاق:

يعد الاشتقاق في العربية من أبرز سماتها، وقد مكنها من التوليد والتوسع في الألفاظ حتى غدت العربية من أغنى اللغات في الألفاظ.

ولابن عباس رأي في اشتقاق بعض الكلمات، لقد أورد السيوطي عن ابن عباس: "أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فقال عمرو: إن قريشاً تزعم أنك أعلمها؛ فلم سميت قريش قريشا؟ قال: [ابن عباس] : بأمر بيّن، فسره لنا. ففسره، قال: هل قال أحد فيه شعراً؟ قال: نعم سمّيت قريش بدابة في البحر. وقد قال المشمرج بن عمرو الحميري:

وقريش هي التي تسكن البحر

بها سميت قريش قريشا

تأكل الغثّ والسمين ولا

تترك فيه لذي الجناحين ريشا

هكذا في البلاد حي قريش

يأكلون البلاد أكلا كميشا

ولهم آخر الزمان نبيّ

يكثر القتل فيهم والخموشا

تملأ الأرضَ خيلهُ ورجالٌ

يحشرون المَطيّ حشراً كشيشا

وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ريحانة العامري قال: قال معاوية لابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟ قال: بدابة تكون في البحر من أعظم دوابه، يقال لها القرِش، لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، قال: فأنشدني في ذلك شيئاَ، فأنشده شعر الحميري، فذكر الأبيات".

وقيل: سميت بذلك لتقرّشها، أي: تجمّعها إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصيّ بن كلاب، وقيل سميت بذلك لتَجْرها وتكسبها وضربها في البلاد ابتغاء الرزق.

ص: 402

واختلف العلماء في اشتقاق كلمة "الناس"أو "الإنسان"فذهب بعضهم إلى أنها من "الإنس"وأصله "أناس"فحذفت فاؤه تخفيفاً، وجعلت ألف (فُعال) عوضاً عن الهمزة. فمادته (أن س) .

وذهب بعضهم إلى أنه من "النَّوس"وهي الحركة، وأن المحذوف العين، وأصله، "نَوَس"فقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبله (1) فمادته (ن وس) .

وقال قوم: أصل الإنسان إنسيان على (إفعلان) ، فحذفت الياء استخفافاً، لكثرة ما يجري على ألسنتهم، فإذا صغروه ردّوا الياء؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها. قال الجوهري:"واستدلوا عليه بقول ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إنما سمّي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي".

وعلى قول ابن عباس فإن الناس - أيضاً - من نسي، ثم حدث فيه قلب بتقديم اللام إلى موضع العين، وتأخير العين إلى موضع اللام؛ فصار "نيساً"فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.

3-

الأضداد:

يقصد بالأضداد في اصطلاح اللغويين الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة "الجون"تطلق على الأبيض والأسود.

ومن الأضداد كلمة "السامد"فهي تدل على اللاهي، الحزين، ولأحد نحاة المدينة رأي فيها، وهو محمد بن مروان المدني (195 هـ تقريباً) .

قال أبو حاتم السجستاني: "وحكوا عن ابن مروان، قال: السامد الحزين في كلام طيء واللاهي في كلام اليمن، وأما الذي في القرآن فلا علم لي به".

وقال أبو الطيب اللغوي: "ويحكي عن ابن مروان نحويّ أهل المدينة من خزاعة الغبشان أنه قال: السامد: الحزين من كَلام طيىء، واللاهي من كلام سائر أهل اليمن ".

4-

هاء السكت:

من خصائص الوقف في العربية اجتلاب هاء السكت، ولها ثلاثة مواضع معروفة، منها كلًّ مبني على حركة بناء دائماً، ولم يُشبه المعرب كياء المتكلم، نحو"كتابي"ومنه في القرآن:{مَالِيَه} (2) و {سُلْطَانِيَه} (3) .

ص: 403

وقد احتج بعض علماء المدينة المغمورين بما ورد من هذا في القرآن الكريم حين خطأه أبو عمرو بن العلاء. قال الزجاجي: "حدثنا أبو هِفّان قال: قال مصعب الزبيري: أنشد رجل من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:

إنّ الحَوَادثَ بالمَدِينَةِ قَدْ

أَوْجَعْنَنِي وقَرَعْنَ مَرْوَتِيَهْ

فانتهره أبو عمرو، وقال: مالنا ولهذا الشعر الرّخو، إنّ هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرخته.

فقال المدني: قاتلك الله، ما أجهلك بكلام العرب، قال الله جل وعز في كتابه:{مَا أغنَى عَنّي مَالِيَه هَلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَه} و {يَا لَيْتَنِي لَم أوْتَ كِتَابِيَه ولم أدرِ مَا حِسَابِيَه} ، وتعيبه؟ فانكسر أبو عمرو انكساراً شديدا".

ويدل ردّ هذا المدني المغمور على أبي عمرو بن العلاء، واحتجاجه بما جاء في القرآن في تلك المسألة اللغوية، وقوله بثقة لأبي عمرو:"ما أجهلك بكلام العرب"يدل ذلك كلّه على أن ذلك الرجل كان على قدر من العلم باللغة في المدينة إن لم يكن من علماء اللُّغة فيها، وإن كنا لا نعرف اسمه، وقد تبين لنا من خلال هذا البحث أن ما نجهله من أمر علماء اللُّغة والنحو في المدينة هو أكثر مما نعرفه عنهم.

الخاتمة

تبيّن من خلال هذا البحث أن بذرة الدراسات اللغوية العربية لغة ونحواً كانت في المدينة، منذ وقت مبكر في عهد الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من أمراء بني أمية، لعوامل ساعدت على نشأة هذه العلوم، ومن أبرزها:

1-

ظهور اللحن وانتشاره.

2-

حماية القرآن من اللحن.

3-

محاولة فهم القرآن ودرسه.

ص: 404

وأرى أن الدرس اللغوي والنحوي بخاصة لا يعزى في وضعه لعالم بعينه، إنما هو جملة من الأنظار والملحوظات والإرشادات اللغوية التي أثارها جماعة من التابعين وأصحاب الذائقة اللغوية الرفيعة من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فأسهموا جميعاً - بدرجات متفاوتة - في إرساء الأسس النحوية الأولى في المدينة، تم انتشرت هذه الملحوظات والأنظار، وتداولها المهتمون بالعربية في الأمصار، كالبصرة في بادئ الأمر ثم الكوفة، فكانت هذه الملحوظات النواة للنحو العربي الذي نضج في أواخر القرن الثاني.

وكان لبعض الشخصيات قدم راسخة في إرساء الأساس لبنيان العربية الشامخ، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبي الأسود الدؤلي، وابن عباس رضي الله عنهما ونصر بن عاصم الليثي وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وكان اشتهارهم في هذا الفن مع تقدم زمانهم مدعاة لأن يرفع الرواة والمؤرخون من شأنهم وينسبوا إليهم وضع العربية والنحو بخاصة.

وقد أهمل أمر اللغويين والنحاة في المدينة، وضاع كثير من نتاجهم وآرائهم وملحوظاتهم لأسباب بَيّنتها، تتلخص في انشغال المسلمين في صدر الإسلام بأخبار الحرب وأنباء الفتوح التي كانت تتوالى على المدينة صباح مساء، ثم أدّى انتقال مركز الخلافة إلى دمشق أيام الأمويين، ثم بغداد أيام العباسيين - إلى صرف الأنظار عن المدينة وتركّزِها على مراكز الخلافة الجديدة، فأهمل المؤرخون وأصحاب الطبقات كثيرا من نواحي الحياة في المدينة ومنها أخبار العلم والعلماء.

ولم تزل المدينة تبتعد شيئاً فشيئاً عن دوائر الضوء وتنزوي بين جبال الحجاز ورمال الصحراء في جزيرة العرب، حتى خرجت ومعها جزيرة العرب بكاملها من اهتمامات المؤرخين وأصحاب الطبقات، فليس ثمة ما يغري المؤرخين، أو يجبرهم على الخوض في شؤون تلك البقاع سوى ما يتصل بالحج، وأخبار بعض الخوارج والقرامطة.

ص: 405

وهكذا يمكن القول: إن اللغة والنحو وأربابهما في المدينة مما طُويَ عنا أمره، فلا نعرف اليوم من أعلام العربية أو عنهم إلا القليل؛ مما يمكن أن يجمع في قبضة يد واحدة من تراث لغوي مفقود.

وقد وفقت - بعد طول بحث في المظان المختلفة - على جملة من أولئك الأعلام في المدينة، وتعرفت على شيء يسير من تراثهم اللغوي الضائع، ومن هؤلاء: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومسلم بن جندب الهزلي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد الله بن ذكوان المعروف بأبي الزناد، وعبد العزيز القارئ الملقب بـ"بشكُسْت" وزيد بن أسلم العدوي، وعلي الجمل، والأصبغ بن عبد العزيز الليثي، ونافع بن أبي نعيم، وعيسى بن يزيد بن دأب، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، ومروان بن سعيد المهلبي، ومحمد بن مروان المدني، وعيسى بن مينا بن وردان.

ويبدو أنّ لنحاة المدينة ولغوييها مؤلفات مفقودة في اللغة والنحو وأنّ لهم آراءهم النحوية الخاصة، ومصطلحاتهم التي كانت تدور في بيئتهم، وأنّ لهم مجالسهم اللغوية الخاصّة.

وأمكن لهذا البحث أن يقف على بعض الشذرات النحوية المتفرقة، كتابع المنادى، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، وضمير الفصل، وإعراب حتى وما بعدها، والنداء والترخيم، والتقديم والتأخير، والصفة.

أما علم اللغة في جوانب الدلالة والمعجم فيمكن القول إنه نشأ مبكراً في المدينة في ظلال علوم القرآن، كالتفسير على يد ابن عباس، الذي يعد صنيعه فيه نواة المعجم العربي وطليعته، فقد برع في شرح غريب القرآن، مع العناية الواضحة بلغات القبائل، ومحاولة الإِحاطة بما في القرآن من المعرب.

وكان للمدنيين نشاطهم اللغوي من خلال المجالس العلمية التي كانت تعقد لشتّى العلوم كالتفسير والحديث والفقه واللغة.

ص: 406

وكانت العلوم الشرعية واللغوية تتداخل في تلك المجالس، ونقدّر أن علم العربية بفروعه المختلفة كغريب اللغة ولهجاتها، وأوّليات النحو كالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر - مما كان يعرض في تلك المجالس.

وكان للغة مجالسها الخاصة كمجالس ابن عباس وأبي الزناد وابن هرمز ومروان بن سعيد المهلبي، وغيرهم.

وأرجو - في الختام - أن يكون لهذا البحث نصيب من الإِسهام في الكشف عن بدايات مجهولة لعلم العربية في عاصمة الإسلام الأولى، المدينة النبوية الشريفة.

---

(1)

المفصل في تاريخ النحو العربي 124.

(2)

ينظر: اللغات في القرآن 5، 6 (مقدمة المحقق) .

(3)

ينظر: ابن عباس مؤسس علوم العربية 90- 92.

(4)

الإتقان 2/223.

(5)

نفسه 1/150.

(6)

ينظر: فتح الباري 8/332.

(7)

ينظر: معجم غريب القرآن مستخرجاً من صحيح البخاري (المقدمة) .

(8)

مراتب النحويين 158.

(9)

إنباه الرواة 2/38.

(10)

طبقات النحويين واللغويين 73، ومراتب النحويين 58 ا، وإنباه الرواة 2/38، 172.

(11)

مراتب النحويين 148.

(12)

نشأة الدراسات النحوية واللغوية في اليمن 26.

(13)

ينظر: الكتاب 3/184، 185، 205، والأصول 1/ 342، 343.

(14)

الأصول 1/343.

(15)

الكتاب 2/ 185.

(16)

سورة الأنعام: الآية 137.

(17)

سورة إبراهيم: الآية 47.

(18)

معاني القرآن 2/81.

(19)

البيت من مجزوء الكامل، وهو بلا نسبة في مجالس ثعلب 125، والخصائص 2/406، والإنصاف 2/427، وشرح المفصل لابن يعيش 3/189، والمقرب 1/54، والخزانة 4/415.

(20)

معاني القرآن 1/358.

(21)

ينظر: شرح المفصل 3/22.

(22)

ينظر: تحصيل عين الذهب 145، والخزانة 4/416.

(23)

شرح المفصل 3/23.

(24)

ينظر: الإِنصاف 2/427.

(25)

الخزانة 4/415.

(26)

سورة إبراهيم: الآية 47، وينظر: الكشاف 2/384، والمحرر الوجيز 8/266، والبحر المحيط 5/244، والدر المصون 7/129.

ص: 407

(1)

ينظر: الإنصاف 2/ 427- 431.

(2)

ينظر: نظرية النحو القرآني 78.

(3)

ينظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 2/65.

(4)

سورة الأنفال: الآية 32.

(5)

سورة المائدة: الآية 120.

(6)

سورة هود: الآية 78.

(7)

الارتشاف 1/489.

(8)

الكتاب 2/395، 396.

(9)

هو محمد بن مروان المدني المقرئ، كما تقدم في ترجمته في الفصل الثالث.

(10)

الكتاب 2/396، 397.

(11)

شرح كتاب سيبويه للسيرافي، الجزء الثاني، اللوحة 166 ب (عارف حكمت) .

(12)

ينظر: الكتاب 1/334، 2/185.

(13)

ينظر: الكتاب 1/97، وأسرار العربية 269، وشرح المفصل لابن يعيش 8/19، ورصف المباني 258، وشرح الأشموني 2/214، والهمع 2/24، والخزانة 3/21.

(14)

ينظر: أسرار العربية 269.

(15)

ينظر: الكتاب 1/97.

(16)

ينظر: التصريح 2/141.

(17)

سورة القدر: الآية 5.

(18)

الخزانة 3/21.

(19)

نفسه 3/22.

(20)

سورة الأنبياء: الآية 43.

(21)

البحر المحيط 6/314.

(22)

سورة السجدة: الآية 24.

(23)

ينظر: تنوير المقياس 258.

(24)

سورة يوسف: الآية 100.

(25)

ينظر: الجنى الداني 45، ومغني اللبيب 143.

(26)

سورة الزخرف: الآية 81.

(27)

ينظر: إعراب القرآن للنحاس 4/122.

(28)

سورة الإنسان: الآية1.

(29)

.ينظر: البحر المحيط 8/393.

(30)

سورة الفاطر: الآية 10.

(31)

ينظر: البحر المحيط 7/304.

(32)

سورة المائدة: الآية 106.

(33)

البحر المحيط 4/43.

(34)

سورة البقرة: الآية 143.

(35)

البحر المحيط 1/423، 424.

(36)

نفسه 1/423، 424.

(37)

ابن عباس مؤسس علم العربية 56.

(38)

ينظر: إنباه الرواة 1/39.

(39)

طبقات النحويين واللغويين 11، 12.

(40)

سورة المائدة: الآية 50.

(41)

البحر المحيط 3/505.

(42)

المحتسب 1/211.

(43)

ينظر: المفصل في تاريخ النحو 125.

(44)

سورة البقرة: الآية 37.

(45)

الكشف 1/237.

ص: 408

(1)

سورة التوبة: الآية 15.

(2)

سورة التوبة: الآية 14،15.

(3)

ينظر: المحتسب 1/285.

(4)

سورة البقرة: الآية 68ا.

(5)

المحتسب 1/117.

(6)

نفسه 1/233.

(7)

ينظر: الدر المصون 2/224.

(8)

ينظر: المحتسب 1/164.

(9)

سورة آل عمران: الآية 81.

(10)

أي في لَمَا خاصة كما لا يخفى.

(11)

المحتسب 1/164.

(12)

ينظر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع 33

(13)

سورة المائدة: الآية 60.

(14)

ينظر: المحتسب 1/213.

(15)

طبقات النحويين واللغويين 13،وينظر:1/22.

(16)

إيضاح الوقف والابتداء 1/30.

(17)

غاية النهاية 2/303.

(18)

ابن عباس مؤسس علم العربية 44.

(19)

طبقات فحول الشعراء1/12.

(20)

أخبار النحويين البصريين 38.

(21)

نزهة الألباء23.

(22)

ينظر: اللسان (عرب) 1/589.

(23)

إيضاح الوقف والابتداء1/30.

(24)

الإيضاح في علل النحو 96.

(25)

طبقات النحويين واللغويين 13.

(26)

نفسه 13.

(27)

معجم الأدباء 4/1467.

(28)

نفسه 4/1467.

(29)

نفسه 4/1467.

(30)

العين 3/302.

(31)

إنباه الرواة 1/51.

(32)

المفصل في تاريخ النحو العربي 15.

(33)

طبقات النحويين واللغويين13، والإيضاح الوقف والابتداء ا/15، 16.

(34)

الأضداد للأنباري 240.

(35)

العربية 254.

(36)

العقد الفريد 2/479.

(37)

الفخري في الآداب السلطانية 5/112.

(38)

الحيوان1/249.

(39)

الإيضاح في علل النحو 96.

(40)

مراتب النحويين 24.

(41)

إنباه الرواة 1/40.

(42)

الإِيضاح في علل النحو 89.

(43)

سورة الزخرف: الآية77.

(44)

معجم الأدباء1/17.

(45)

نفسه 1/17.

(46)

سورة الأنبياء: الآية 43.

(47)

البحر المحيط 6/ 314.

(48)

غاية النهاية 1/426.

ص: 409

(1)

من مجالس الأمراء في المدينة ما كان يقع في القرن الرابع في مجلس أميرها أبي أحمد العلوي العقيقي، ومن ذلك مسألة لغوية دار الحوار فيها في مجلسه سنة 364 هـ وهي مسألة مدّ المقصور في كلمة "الغني"فقال بعضهم يجوز المدّ فيها فيقال. "الغناء" واستدل بقول الشاعر:

سيغنيني الّذي أغناك عني

فلا فقر يدوم ولا غناء

فرد أبو الليل العلوي هذا الشاهد بأن روايته خلاف هذا، وأن الصّواب هو:

سيغنيني الّذي أغناك عنّي

فلا فقري يدوم ولا غناك

تجنبت الذنوب لتصرميني دعى

العلات واتّبعي هواك

ينظر: شذرات الذهب للغزّاوي 143.

(2)

سورة النساء: الآية 176.

(3)

مجالس العلماء61.

(4)

ينظر: نزهة الألباء109، ودرة الغواص 37.

(5)

مجالس العلماء67.

(6)

القائل هو: مروان.

(7)

مجالس العلماء248، وينظر: الأشباه والنظائر 3/ 92، 93.

(8)

سورة البقرة: الآية 35.

(9)

ينظر. جامع البيان 1/268.

(10)

سورة البقرة: الآية 286.

(11)

ينظر: جامع البيان 3/157.

(12)

ينظر: اللسان (أصر) 4/22.

(13)

سورة النبأ: الآية 34.

(14)

جامع البيان 12/411.

(15)

نفسه 12/411.

(16)

ينظر: عمدة الحفاظ (دهق)180.

(17)

ينظر: اللسان (دهق) 10/106.

(18)

ينظر: مجاز القرآن 2/283، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/275.

(19)

ينظر المفردات (أسف) 75، وعمدة الحفاظ (أسف)16.

(20)

سورة الإسراء: الآية 102.

(21)

ينظر: جامع البيان 8/159.

(22)

نفسه8/159.

(23)

المفردات (ثبر)172.

(24)

سورة الواقعة: الآية 45.

(25)

ينظر: مجاز القرآن 2/251، والجامع لأحكام القرآن 17/213.

(26)

ينظر: معاني القرآن للفراء3/127، وإعراب القرآن للنحاس 3/331، واللسان (ترف) 9/17.

(27)

الإتقان 1/157.

(28)

نفسه ا/157.

(29)

1/158-175.

(30)

سورة القصص: الآية 32.

(31)

اللغات في القرآن 38.

(32)

المفردات (رهب)366.

ص: 410

(1)

ينظر: الجامع لأحكام القرآن 13/285.

(2)

ينظر: جامع البيان 10/70، وتهذيب اللُّغة (رهب) 6/292، وعمدة الحفاظ (رهب)211.

(3)

ينظر: الإتقان 1/175، ولغة هذيل 423.

(4)

سورة هود. الآية 71.

(5)

ينظر: إيضاح الوقف والابتداء1/73، وفتح القدير 2/512.

(6)

سورة الفتح الآية 12.

(7)

ينظر: معاني القرآن للفراء 2/200.

(8)

اللغات في القرآن 37.

(9)

سورة النساء: الآية 10.

(10)

ينظرْ الإتقان 1/169.

(11)

سورة البروج: الآية 10.

(12)

ينظر: اللغات في القرآن 53

(13)

ينظر: المهذب 192.

(14)

ينظر: جامع البيان 1/31.

(15)

سورة المدثر: الآية 51.

(16)

ينظر: جامع البيان 1/31، وقصد السبيل 1/105.

(17)

سورة النساء: الآية 85.

(18)

سورة الحديد: الآية 28.

(19)

ينظر: اللغات في القرآن 22.

(20)

سورة يوسف: الآية 23.

(21)

ينظر: الإتقان 1/183.

(22)

سورة البقرة: الآية:260.

(23)

ينظر جامع البيان 3/55.

(24)

نفسه 3/56.

(25)

نفسه 3/57.

(26)

ينظر: اللغات في القرآن 33.

(27)

ينظر: المعرب 10، والمهذب 199، والمعجم الذهبي 66.

(28)

ينظر: قصد السبيل 1/177.

(29)

سورة البقرة: الآية 31.

(30)

جامع البيان 1/252.

(31)

ينظر الخصائص 1/40.

(32)

ينظر: الصاجي 6.

(33)

المزهر 1/344- 345.

(34)

ينظر: اللسان (قرش) 6/335.

(35)

ينظر: الكتاب 2/196، 3/457، والتاج (أنس) 4/99.

(36)

ينظر: أمالي ابن الشجري 2/12، والدر المصون 1/119.

(37)

الصحاح (أنس) 3/905.

(38)

إشارة إلى قوله عز وجل {وَأَنْتُم سَمِدُون} سورة النجم: الآية 61.

(39)

الأضداد 144 (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) .

(40)

الأضداد 1/371.

(41)

سورة الحاقة: الآية 28.

(42)

سورة الحاقة: الآية 29.

(43)

ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات 98.

(44)

مجالس العلماء 144.

ص: 411

معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان لابنه

إعداد

د./ عبد الرحمن بن محمد عبد المحسن الأنصاري

أستاذ مساعد بقسم التربية بكلية الدعوة وأصول الدين

الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة

فصل تمهيدي

- مقدمة الدراسة.

- موضوع الدراسة.

- هدف الدراسة.

- أهمية الدراسة.

- منهج الدراسة.

مقدمة الدراسة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

تظهر على الساحة التربوية بين آونة وأخرى العديد من الأفكار والنظريات التربوية التي تدعي اهتمامها بتربية الإنسان وتهذيبه مثل النظريات المثالية والوجودية والواقعية والبرجماتية وغيرها، وبالرغم من ملاءمة تلك النظريات لظروف واقعها إلى حد ما إلا أنه يمكن القول أن تلك النظريات تقف عاجزة أمام تحديات تربية الإنسان في كل عصر هذا من جهة ومن جهة أخرى أنها ليست عامة وشاملة لكل زمان ومكان.

من هنا كانت حاجة الإنسان إلى تربية تهذب العناصر المطلوبة لشخصيته وهي عناصر طيبة تلتقي جميعها في نقطة واحدة هي الفضيلة والتي يمكن توضيحها بأنها كل فعل فعلته فأرضيت فيه ربك واطمأن إليه قلبك واستراح له ضميرك ونلت به حب الناس. بهذه المواصفات يمكن إعداد الشخصية الإنسانية الخيرة الصالحة.

يتقرر مما سبق أن الحاجة إلى التربية الإسلامية شديدة، لأن العقول البشرية لا تستطيع وحدها إدراك مصالحها الحقيقة التي تكفل لها سعادة الدارين الدنيا والآخرة، كما أنها لا تهدي وحدها إلى التمييز بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة فالإنسان ليس كامل الحواس والعقل ومن ثم فإن مداركه ومعارفه مهما وصلت إلى درجة عالية فإنها تبقى قاصرة ومحدودة.

لذا ينبغي أن يكون الإسلام هو المصدر الأساسي الذي يستمد منه المجتمع فكره التربوي، وأهدافه التربوية، وأسس مناهجه وأساليب تدريسه وسائر عناصر العلمية التعليمية.

ص: 412

قال تعالى: {و َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1) .

يتضح من الآية الكريمة أنه لا سبيل إلى تلافي هذا النقص وذلك القصور إلا بتفهم أصول التربية الإسلامية من مصادرها الأصلية والرجوع إلى سير السلف الصالح رضوان الله تعالى عنهم للإقتداء بهم.

ولما كانت التربية الإسلامية تقوم على الإيمان بالله ومراقبته والخضوع له وحده، والعمل الصالح والتواصي بالحق، وتحري العلم والمعرفة الصحيحة ونشرها بين الناس والتواصي بالصبر.

أصبحت التربية الإسلامية فريضة على جميع الآباء والأمهات والمربين والمعلمين، وهذه المسؤولية أمانة دينية يتوارثها الأجيال، جيل بعد جيل ليربوا الناشئة على أصولها وتحت ظلالها فلا سعادة ولا راحة ولا طمأنينة لهم إلا بتربية هذه النفوس وتلك الأجيال وفق ما شرعه الله لهم.

إن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الذي نزل به الروح الأمين بلسان عربي مبين على أشرف خلق الله وخاتم أنبياءه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم، بعد ما اشتبه عليهم الضلال والجهل بالعرفان وذلك رحمة من الله بعباده ورأفة منه عزوجل بخلقه.

ص: 413

وقد استطاع القرآن الكريم بفضل الله ورحمته ثم بسر فصاحته وبلاغته أن يكوَّن من عرب الجزيرة أمة تحمل رسالة الإسلام وتنشيء حضارة وتصنع تاريخا فتغيرت حياتهم فأصبحت من بعد ضعف قوة، ومن جهل إلى علم، ومن بعد فرقة وتناحر إلى ألفة وتآزر، ومن الذل والهوان إلى العزة والكرامة، ومن الضلالة إلى الرشاد، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (1)

ويتفرد القرآن الكريم بأسلوبه الرائع في بناء العقيدة الإسلامية في النفس الإِنسانية، لا يستخدم العقل وحده ولا العاطفة وحدها، بل يربي العقل والعاطفة معاً. يعمد إلى التدرج في مخاطبة العقل البشري من المحسوس إلى المجرد، ومن الحاضر إلى الغائب، تم ينتقل بعد ذلك إلى بيان حقيقة الموجد للمخلوقات وأنه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه يقول الحق تبارك وتعالى:{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (2)

وبالجملة فإن القرآن الكريم شامل لجميع متطلبات النفس الإِنسانية فيما تحتاجه من الأوامر والنواهي، وما يصلحها وما يصلح لها، وما يسعدها وما يشقيها، وما يهديها وما يظلها. وعليه يتقرر أن القرآن الكريم هو المنهج الكفيل بتربية الفرد تربية شاملة كاملة، كما أنه يربي الأسرة الفاضلة والمجتمع الفاضل.

لذلك كله كان – ومازال - القرآن وسيظل حتى يرث الله الأرض ومن عليها المصدر الأول للتشريع الإسلامي يستمد منه المسلمون عقيدتهم التي يؤمنون بها، ويجدون فيه معالجة لجميع جوانب حياتهم دنيا وآخره.

ص: 414

ومما تجدر الإشارة إليه – هنا - أن منهاج التربية في القرآن جاء بناء على فهم حكيم لمتطلبات الطبيعية البشرية، ونظرة كلية في إطار المجتمع الذي يعيش فيه، وفي إطار مقدر الإنسان على اتباع الخير. قال تعالى:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} (1) .

وفي هذه الدراسة يستخلص الباحث بعون الله تعالى وتوفيقه أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم من خلال وصايا لقمان كما وردت في سورة لقمان.

موضوع الدراسة:

تعد وصايا لقمان الحكيم الواردة في سورة لقمان أنموذجا تربويا لأصول التربية المستقيمة، فقائلها رجل عرف بالحكمة، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ

} (2) .

لذا فإن وصاياه من الأهمية بمكان في التربية والتنشئة الحسنة، فهي نابعة من القلب، ومبناها والقناعة الصدق، والتجربة والمعرفة.

من هنا كانت الحاجة ماسة للقيام بمثل هذه الدراسة ليتبين للقارئ من خلالها أصول التربية الإسلامية للإنسان كما جاءت في وصايا لقمان والمذكورة في سورة لقمان ويمكن تحديد المشكلة في السؤال الرئيسي التالي:

ما معالم أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم في القرآن الكريم كما تظهر من خلال وصايا لقمان؟

ويتفرع من السؤال السابق الأسئلة الفرعية التالية:

س 1: من هو لقمان الحكيم؟

س 2: ما الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه؟

س 3: ما جوانب التربية الإسلامية للإنسان التي يمكن الخروج بها من خلال تلك الوصايا؟

هدف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة الوقوف على المعالم الصحيحة لأصول التربية القويمة والتي تساعد الآباء والأمهات والمعلمين وكل من له عناية بشؤون التربية والتعليم على تربية الأجيال الناشئة تربية إسلامية صحيحة.

أهمية الدراسة:

ص: 415

تكمن أهمية الدراسة في استخلاص جوانب التربية الإِسلامية للإنسان من خلال وصايا لقمان الحكيم، وأن القيام بمثل هذا العمل يعد بمثابة أنموذجا مرجعياً لكل أب ومربّ مسلم يريد أن ينشئ أبناءه وتلاميذه التنشئة التي يريدها منهاج الإسلام التربوي.

منهج الدراسة:

يستخدم الباحث في دراسته المنهج التحليلي الاستنباطي لاستخراج جوانب التربية الإسلامية من وصايا لقمان وذلك بإتباع ما يلي:

1-

قراءة الآيات الكريمة من كتاب الله عزوجل والمتضمن لتلك الوصايا الواردة في سورة لقمان من آية 13-19.

2-

استخدام كتب التفسير بهدف التعرف على تفسير الآيات المشار إليها سابقا.

3-

استنباط الجوانب التربية المتضمنة لتلك الوصايا.

4-

التوصل إلى تحديد معالم أصول التربية الإسلامية للإنسان المسلم كما تظهر من خلال الوصايا.

الفصل الأول

التعريف بلقمان الحكيم

- اسمه ونسبه.

- أوصافه.

- صفاته.

- مهنته.

- هل كان نبياً أم حكيماً؟

اسمه ونسبه:

لقمان اسم أعجمي لا عربي

وقد اختلف في نسبه:

فقيل هو لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم الخليل عليه السلام هكذا ذكره ابن إسحاق، وقيل هو لقمان بن عنقاء بن سرون وكان نوبيا من أهل من أهل إيلة ذكره السهيلي قال وهب:"كان ابن أخت أيوب عليه الصلاة والسلام"، وقال مقاتل ابن خالته، وقيل كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعثه، فلما بعث قطع الفتوى (1) وقيل أنه كان قاضيا في زمن داود عليه السلام (2)

أوصافه:

قال ابن عباس: كان عبداً حبشياً

وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيراً أفطس من النوبة

وقال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين، مشفق القدمين ،وفى رواية مصفح القدمين.

صفاته:

ص: 416

كان لقمان من أخير الناس حكيما وفطينا، رقيق القلب، صادق الحديث، صاحب أمانة وعفة، وعقل وإصابة في القول، وكان رجلا سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق ولا يتنحنح، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها أي واحد.

وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي.

مهنته:

قيلَ: أنه كان خياطاً، قاله سعيد بن المسيب. قال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر.

وقيل: كان يحتطب كل يوم لمولاه حزمة حطب، وقال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض، وقيل: كان راعياً قاله عبد الرحمن بن زيد ابن جابر.

وقال خالد الربعي: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده: أذبح لي شاة، وأتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق بأخبث مضغتين فيها فألقى اللسان والقلب، فقال له أمرتك بأن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب؟ فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا أخبثا.

هل كان لقمان نبيا أم حكيما؟

اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين:

فقال جمهور أقل التأويل: أنه كان وليا ولم يكن نبيا.

وقال عكرمة والشعبي بنبوته.

ص: 417

والصواب أنه كان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى - وهي الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين والعقل - قاضيا في بني إسرائيل قاله ابن عباس وغيره.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه فمن الله عليه بالحكمة، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاد، وإن عزمت علي فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمني" ذكره ابن عطية وزاداه الثعلبي: فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يعن فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة نفته الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه! فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها، ثم نودي داود بعده فقبلها - يعني الخلافة - ولم يشترط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره بحكمته؛ فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! أعطيت الحكمة وصرف عنك البلاء، وأعطى داود الخلافة وابتلي بالبلاء والفتنة

ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود، فرزقه الله العتق ورضي قوله ووصيته فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة} أي الفقه في الإسلام، قال قتادة: ولم يكن نبياً ولم يوح إليه وعن مجاهد أنه قال: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبيا

ص: 418

وروى ابن كثير عن قتادة أنه قال: "خيّر الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذرَّ عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق بها". قال سعيد: سمعت قتادة يقول: "قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربك؟ فقال: أنه لو أرسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيّرنيى فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي وهذا فيه نظر لأن سعيد بن بشير يروي عن قتادة وقد تكلموا فيه".

وكما ذكرت سابقا أن المشهور عن الجمهور أنه كان رجلا حكيما ولم يكن نبيا وهو قول الأكثرين.

وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى والله أعلم.

الفصل الثاني

وفيه المباحث التالية:

المبحث الأولى: وصايا لقمان لابنه.

المبحث الثاني: الجوانب التربوية لوصايا لقمان.

المبحث الثالث: معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان.

المبحث الأول

وصايا لقمان لابنه

ص: 419

يتناول هذا المبحث بيان الوصايا القيمة التي أوصى بها لقمان ابنه كي يتضح لنا أهميتها في تربية الأبناء على أسسها القويمة كما حددها – لقمان - لابنه، ذلك الأب الرحيم الذي أتاه الله الحكمة فهو ينظر إلى ابنه نظرة شفقة وعطف، حتى لا يقع في مهاوي الزيغ والضلال، ولهذا كانت وصاياه من الأهمية بمكان، وقد بينها لنا القرآن الكريم بأسلوبه ومعانيه المعجزة الخالدة، فكانت وصاياه أنموذجا يتوافر فيه الإخلاص والصواب، وعلى الأباء أن يسلكوا مسلكه في تنشئة أبنائهم تنشئة إسلامية صحيحة وفق ما تعرضه الآيات الكريمة من كتاب الله عزوجل والتي ذكرت بها وصايا لقمان. قال تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (1) .

من خلال العرض السابق للآيات الكريمة يمكن توضيح الوصايا في النقاط التالية:

الوصية الأولى:

ص: 420

توحيد الله وإفراده بالعبادة لله وحده لا شريك له في ذلك فهو المستحق للعبادة وحده سبحانه وتعالى {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .

الوصية الثانية:

برَّ الأبناء لآبائهم {وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْه

} الآية.

الوصية الثالثة:

أن يراقب العبد الله سبحانه وتعالى في حركاته وسكناته وجميع أعماله، فالله عزوجل لا تخفى عليه خافية لا في الأرض ولا في السماء {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ

} الآية.

الوصية الرابعة:

الأمر بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على تحمل المشاق في سبيل ذلك {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ

} الآية.

الوصية الخامسة:

التواضع لعباد الله والإقبال عليهم بوجه طليق والابتعاد عن مظاهر الكبر والغرور، وخفض الصوت أثناء الحديث معهم وعدم رفعه {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ....} الآية {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك......} الآية

تلك هي وصايا لقمان الحكيم لابنه ذكرها لنا القرآن الكريم للتفكر والاعتبار فهل من مدَّكر، قال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (1)

المبحث الثاني

الجوانب التربوية لوصايا لقمان

في هذا البحث نتناول جوانب التربية الإسلامية المتضمنة لوصايا لقمان لابنه وفيما يلي بيان ذلك:

أولا: الدعوة إلى غرس عقيدة التوحيد:

ص: 421

إن المتدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى والمتأمل في آياته البينات يتضح له تميز المنهاج الرباني بمفاهيم تربوية لا يجد لها مثيلا في المناهج والنظم والنظريات التربوية البشرية تستهدف تلك المفاهيم الربانية خير الإنسان في الدنيا والآخرة جميعاً، وينطلق المنهاج الرباني نحو بناء القيم الإسلامية التي تتظافر للوصول بالإنسان إلى الصلاح والإصلاح وشجب كل صور الفساد في النفس والمجتمع لتحقق له بذلك كماله الإنساني.

إن المنهاج الرباني واضح في أهدافه وغاياته ليتمكن المسلم من اتباع هديه، وهو مؤمن بمقاصده العظيمة، وموقن بالخير الذي يعود عليه نتيجة التمسك به والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، ومن هنا فإن منهاج التربية الإسلامية يركز على غرس الحق والعدل والإحسان والإخاء والمساواة والعفو والرحمة والمعروف والاستقامة والصبر

وغير ذلك من أفعال الخير وصالح الأعمال.

والأسرة المسلمة هي المدرسة الأولى التي تقوم بتوجيه وتربية الأبناء تربية صالحة.

فالأبناء أمانة في أعناقهم يسألون عنهم أمام الله تعالى، قال الله عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (1)

وبناء على ما سبق وجب على الآباء أن يوضحوا لأبنائهم معالم التربية الصحيحة، ويبينوا لهم الصالح من الضار، والحق من الباطل، فإن غفلوا أو قصروا في أداء ذلك نشأ أبناؤهم نشأة لا تحمد عقباها ولا يرجى خيرها وكان الإثم على الآباء أولا.

ص: 422

فالأبوان هما المسؤولان في الدرجة الأولى عن انحراف أبنائهم خلقياً واجتماعياً وعقدياً، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"(1) وفي هذا دلالة واضحة على أن المولود يولد على فطرة الإِسلام، لكن تأثير الأبوين وأسلوب تربيتهما هما اللذان يوجهان عقيدة هذا الطفل نحو اليهودية أو النصرانية أو غيرهما. ومن هنا كانت مهمة الأبوين في التربية من الأهمية بمكان فالطفل يحاكي أبويه في جميع سلوكهما ومعتقداتهما وأخلاقهما.

فأول واجب يجب على الأبوين القيام به والاهتمام بأمره دون كلل، هو غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل وتوجيه عواطفه نحو حب الله ورسوله وإخباره بأن الله يجب أن يكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه، والإِيمان بالله الذي لا إله غيره وبملائكته ورسله، وتوحيد الله في الألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية لأن الإيمان بالله هو الموجه لسلوك الإنسان والدافع له إلى اتجاه الخير، والنصير له من حيث العناية والرعاية والتوفيق، كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر ويجعله متحلياً بالفضائل وحسن الخلق والمقصود بالإيمان أي الإِيمان بما أوجب الله تعالى في قوله:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه} (2) . وكذلك قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (3) .

ص: 423

وأما السنة فقد ذكرت أركان الإيمان مجتمعة في حديث جبريل عليه السلام، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإِسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" الحديث.

إن الإيمان بالله هو الموجه للسلوك والضابط له والمتصل اتصالا وثيقاً بالأعمال الصادرة من الإِنسان فإن التربية الإِسلامية تربط دائما بين العمل والسلوك ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} (1) .

ويقول تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (2) .

وهناك آيات كثيرة تقرن الإيمان بالعمل، فالإيمان الحق هو الإيمان الذي يصدر عنه السلوك وينبع منه العمل الصالح ويخرج منه الخلق الكريم، فحسن الخلق والإخاء والمودة واجتناب الكبائر والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر عن هذه العقيدة

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له "(3) .

ويقول صلى الله عليه وسلم في سلوك المؤمن نحو جاره ونحو نفسه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره "(4) .

ص: 424

كما يتحدث عن أثر الإيمان في تجنب الرذائل وارتباط الإيمان بالسلوك ساعة فعل العمل كما جاء في الحديث الشريف: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" الحديث.

وكما ورد في الحديث الآخر "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه"(1) .

فالعقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه فإذا آمن إيمانا يقينياً بالله سبحانه وبعلمه ومراقبته الدائمة لعبده كان هذا الإيمان محدداً لسلوك المسلم كفرد وسلوك الجماعة كأمة مسلمة. فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله يطلع على سره ونجواه وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها من كل ما سبق يتقرر أنه لا سعادة لهذه النفس الإِنسانية ولا استقامة لها إلا إذا ارتبطت كافة جوانبها بعقيدة التوحيد، ومن هنا يجب على المربي المسلم أن يربط كل جوانب التربية بهذا الأصل الاعتقادي لما له من أهمية كبرى في حياة الإنسان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه وتجعل كل عواطفه، وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده والشعور بألوهيته وحاكميته ورحمته وعلمه لما في النفوس وقدرته وسائر صفاته.

ثانيا: بر الوالدين:

إن عطف الآباء على الأبناء من أبرز صور الرحمة، وهو يفرض على الأبناء أن يقابلوا رحمة والديهم لهم بأن يرعوهم-كباراً فيخفضوا لهم جناح الذل من الرحمة، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة بهم.

ص: 425

إن عطف الوالدين على أولادهم عطاء لا يقدر بثمن ولا ينتظر منه العوض، إنه فطرة فطر الله الوالدين عليها، ولذلك كان برهما من أعظم الواجبات وفي مقدمة الصلات الاجتماعية، كما كان عقوقهما من الكبائر المقاربة للشرك بالله، ولهذا ورد الأمر بالإحسان إليهما في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل عقب الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن الإشراك به.

فمن ذلك قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناًً..} الآية

ففي الآية الكريمة يأمر الله تعالى بعبادته وينهى عن الشرك به ثم يتبعه الأمر بالإحسان للوالدين وبرهما لما لهما من الفضل على الابن منذ أن كان نطفة في رحم أمه حتى صار كبيراً يعتمد على نفسه.

ويعرض لقمان الحكيم في وصيته لابنه العلاقة بين الوالدين والأولاد في أسلوب رقيق، وفي صورة موحية بالعطف والرقة، ومع هذا فإن رابطة العقيدة مقدمة على تلك العلاقة الوثيقة.

ولهذا كان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل لأنه المنعم الأول.

ووصية الإنسان بوالديه تتمثل في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى. وبمعنى آخر أن طاعة الوالدين لا تكون في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات.

ص: 426

مما سبق يمكن القول أن علاقة الأبناء بالوالدين يجب أن تكون علاقة قوية مبنية على التقدير والاحترام ذلك أن فضلهم على أبنائهم لا يدرك مداه ولا يستطيع أحد أن يقدره، ومن هنا كان توصية الأبناء بآبائهم تتكرر في القرآن الكريم، والسنة المطهرة لما في ذلك من حاجة لتذكيرهم بواجب الجيل الذي نفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف، ولهذا يجيء الأمر بالإِحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله، قال تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} (1) .

وفي قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} ما يفيد أن أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يَنِدَّ من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يمشي بالإِهانة وسوء الأدب

{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما بالإكرام والاحترام.

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان فهي الرحمة ترق وتلطف حتى وكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ولا يرفض أمراً وكأنما للذل جناح يخفضه إيذاناً بالسلام والاستسلام.

{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} فهي الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان.

ص: 427

ومما لاشك فيه أن الإنسان لا يفي والديه حقهما عليه مهما أحسن إليهما، لأنهما كانا يحسنان إليه حينما كان صغيراً وهما يتمنيان له كل خير ويخشيان عليه من كل سوء ويسألان الله له السلامة وطول العمر، ويهون عليهما من أجله كل بذل مهما عظم ويسهران على راحته دون أن يشعر بأي تضجر من مطالبه، ويحزنان عليه إذا آلمه أي شيء، أما الولد فإذا قام بما يجب عليه من الإحسان لوالديه فإن مشاعره النفسية نحوهما لا تصل إلى مثل مشاعر أنفسهما التي كانت نحوه ولا تصل إلى مثل مشاعره هو نحو أولاده إلا في حالات نادرة جداً.

ويتحقق حق الوالدين على الأولاد بطاعتهما ماداما يأمران بالخير، فإن أمرا بمعصية الله فلا تجوز طاعتهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن لا يسقط حقهما في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة.

فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: "قدمت أمي وهي مشركة - في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت النبي فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، قال: "نعم، صلي أمك" (1) .

وفي حديث آخر: أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، آصلها؟ قال: نعم

(2) الحديث.

من الحديثين السابقين يتبين أن حق الأبوين قائم ولو كانا الكافرين، وعلى الابن يحسن صحبتهما دون أن يطيعهما في معصية الله عز وجل، فطاعة الله لا تقدم عليها طاعة لأحد مهما كان ذا حق.

من البيان السابق للوصية الثانية والتي تتعلق ببر الوالدين يتقرر أن من أول الواجبات التي يجب على الطفل المسلم أن يتعلمها الشكر للوالدين ويكون هذا بعد الإِيمان بالله سبحانه وتعالى وحده والشكر له، ولهذا جعل لقمان شكر الوالدين بعد شكر الله عز وجل والإيمان به اعترافاً بحقوقهما ووفاء بمعروفهما.

ثالثًا: التربية على الإِيمان بقدرة الله عز وجل:

ص: 428

قال تعالى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (1) .

في الآية الكريمة يعلم لقمان ابنه مدى قدرة الله تعالى، حيث قيل: إن الحس لا يدرك للخردلة ثقلا، إذ لا ترجح ميزاناً. أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن إتباع سبيل من أناب إليّ.

والآية الكريمة السابقة توجه الإنسان إلى قدرة الله الواسعة وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، فسبحانه وتعالى لا شريك له. وهناك آيات بينات من كتاب الله عز وجل تدل على سعة علم الله وقدرته العظيمة فمن ذلك قوله تعالى:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (2) .

وقوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (3) .

وكان توجيه لقمان لابنه بقدرة الله سبحانه وتعالى وإطلاعه على سعة علمه عزوجل عندما قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ

} فمازال ابن لقمان يضطرب حتى مات.

ص: 429

وفي قوله تعالى: {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل} (1) ، إشارة إلى دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغه هذا التعبير المصور حبة من خردل، صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة {فَتَكُنْ فِي صَخْرَة} أي صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها {أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ

} في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة {أَو ْفِي الأَرْض} ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} فعلمه يلاحقها وقدرته لا تفلتها. ويراد من ذلك الأعمال، المعاصي والطاعات، أي إنْ تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة يأت بها الله، أي لا تفوت الإنسان المقدر وقوعها منه، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة الترجية والتخويف.

ويدرك الإنسان من معرفته لقدرة الله عز وجل مراقبة الله الدائمة له في كل تصرف، مراقبة الله له في الصغيرة والكبيرة، وفي الجهر والخفاء.

ولذا فهو يراقب الله وهم يعمل

فلا يعمل شيئاً بغير إخلاص، لا يعمل شيئاً يقصد الشر

لا يعمل مستهتراً ولا مستهينا بالعواقب، ولا يعمل شيئا لغير الله، فالله سبحانه وتعالى يحاسبه على النية بعد العمل وعلى الإخلاص فيه.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى

" (2) .

هذا والله لا يقبل أن يكون شيء من العمل لغير وجهه.

فعن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا شيء له". فأعادها ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاشيء له. ثم قال: إن الله لا يقبل من العبد إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه"(3) .

ص: 430

وكذلك يراقبه وهو يفكر ويحس

فالله يعلم السر وما أخفى من السر الهاجسة في باطن النفس لم يطلع عليها أحد لأنها مطمورة في الأعماق يراقبه فلا يحس بإحساس غير نظيف، يراقبه فينظف مشاعره أولا بأول لا يحسد ولا يحقد، ولا يكره للناس الخير، ولا يتمنى أن يحرمهما منه ويستحوذ هو عليه، ولا يشتهى الشهوات الباطلة والمتاع الدنس، وحين توجد في القلب هذه الحساسية المرهفة تجاه الله، لتستقيم النفس ويستقيم المجتمع وتستقيم جميع الأمور، ويعيش المجتمع نظيفاً من الجريمة، نظيفاً من الدنس، نظيفاً من الأحقاد لأنه لا يتعامل في الحقيقة بعضه مع بعض وإنما يتعامل أولا مع الله. وبناء على ما سبق ذكره ينبغي على الآباء والأمهات وكذلك العاملين في مجال التربية والتعليم أن يغرسوا في قلوب أبنائهم وتلاميذهم مراقبة الله تعالى في أعمالهم وسائر أحوالهم، لتصبح هذه المراقبة الإلهية سلوكا لازماً لهم في كل تصرفاتهم ويتم ذلك بترويض الولد على مراقبة الله وهو يعمل فيتعلم الإخلاص لله عز وجل في كل أقواله وأعماله وسائر تصرفاته ويكون ممن شملهم القرآن بقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ

} (1) .

وكذلك ترويضه على مراقبة الله وهو يفكر ليتعلم الأفكار التي تقربه من خالقه العظيم والتي بها ينفع نفسه ومجتمعه والناس أجمعين.

وأيضاً ترويضه على مراقبة الله وهو يحس. فيتعلم كل إحساس نظيف وليتربى على كل شعور طاهر.. وهذا النمط من التربية والمراقبة قد وجه إليه المربي الأول عليه الصلاة والسلام في إجابته السائل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "(2) .

وهذه الظاهرة من الترويض والتعليم كانت ديدن السلف الصالح في ترويضهم لأولادهم وتأديبهم عليها.

ص: 431

وحينما ينهج المربون في تربية الأولاد هذا النهج ويسير الآباء والأمهات في تأديب الأبناء على هذه القواعد يستطيعون بإذن الله تعالى في فترة يسيرة من الزمن أن يكوّنوا جيلاً مسلماً مؤمناً بالله معتزاً بدينه، مفتخراً بتاريخه وأمجاده، ويستطيعون كذلك أن يكوّنوا مجتمعاً نظيفاً من الإلحاد والميوعة والحقد، ونظيفاً من الجريمة.

رابعًا: التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إليه تعالى والصبر في سبيل الدعوة ومتاعبها:

أ- الأمر بإقامة الصلاة:

يقول لقمان لابنه كما ورد في قول الحق تبارك وتعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} (1) .

فرض الله سبحانه وتعالى على عباده عبادات لها أثرها في تهذيب سلوك الإنسان، وإصلاح القلوب ومن هذه العبادات الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وعموده الذي لا يقوم إلا به فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"الحديث.

والصلاة هي أول ما أوجبه الله تعالى على عباده من العبادات، وفد فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء، يقول أنس رضي الله عنه:"فرضت الصلاة على النبي ليلة أسرى به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدىّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين".

وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وقد ثبت عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر

" الحديث.

ص: 432

وقد بلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر، والأمن والخوف قال تعالى:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (1) .

إن المتمعن بالعبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على الناس - عموماً، والصلاة خصوصاً يدرك أثرها التربوي في إشراقة النفوس، وطمأنينة القلوب، وإصلاح الفرد والجماعة، ومن هذه الآثار التربوية ما يلي:

1-

إقامة الصلاة دليل على صدق الإيمان، وعلى تقوى الله، وعلى ما يتمتع به صاحبها من بره بعهده وقيامه على الحق وإخلاصه لله، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (2)(3) .

2-

الصلاة منهج متناسق لتربية الرفد والمجتمع يصل بهما إلى قمة السمو الأخلاقي، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ

} الآية (4) .

3-

الصلاة تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (5) .

4-

الصلاة غذاء روحي للمؤمن يعينه على مقاومة الجزع والهلع عند مسه الضر، والمنع عند الخير والتغلب على جوانب الضعف الإنساني، قال تعالى:{إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} (6) .

ص: 433

5-

إن الصلاة سبب لمحو الخطايا وغفران الذنوب فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أرأيتم لو أن نهراً على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقى من دَرَنِه؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنِه شيئاً، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا" (1) .

6-

إن في الصلاة غذاء للروح لا يغني عنه علم ولا أدب فالصلوات الخمس هي وجبات الغذاء اليومي للروح كما أن للمعدة وجباتها اليومية يناجي المصلي فيها ربَّه فتكاد تشف روحه وتصفوا نفسه فتسمع كلام الله الذي يقود: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل: فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين. قال تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: أثنى علىّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي وقال مرة: فوض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"(2) .

7-

في الصلاة تدريب للمسلم على النظام وتعويد له على الطاعة ويظهر هذا واضحا في صلاة الجماعة إذ يقف المسلمون في صفوف مستقيمة متلاصقة فلا عوج ولا فرج، المنكب إلى المنكب، والقدم إلى القدم، فإذا كبّر الإمام كبّروا، وإذا قرأ أنصتوا، وإذا ركع اركعوا، وإذا سجد اسجدوا، وإذا سلم سلموا.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أما ما يخشى أحدكم أو لا يخشى أحدكم إذا وقع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمارٍ"(3) .

ص: 434

8-

في صلاة الجماعة دعم لعاطفة الأخوة وتقوية لروابط المحبة وإظهار للقوة فبالاجتماع تذهب الضغائن وتزول الأحقاد وتتآلف القلوب وتتحد الكلمة، قال تعالى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} الآية.

ب- بعد ما أمر لقمان ابنه بالإِيمان بالله وعدم الإشراك به، والقيام ببر الوالدين والثقة بعدالة الجزاء والتوجه إلى الله بالصلاة، أمره بالقيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لما في ذلك من آثار حب الفضيلة وأساس من أسس صلاح المجتمع الإنساني بالإضافة إلى أن ممارسته يوقظ الشعور وينبه الضمير ويخيف المقدم على المنكر، وإذا تضامن الناس في ذلك - كما هو الواجب شرعاً - ووجد تضامن الناس على الفضيلة فلا تضيع بينهم، ووجد تضامنهم على استنكار الرذيلة فلا توجد بينهم.

لا شك أن الله عز وجل جعل هذه الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، كما جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مناط هذه الخيرية مع الإِيمان بالله عز وجل، قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (1) .

وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(2) .

وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"

ص: 435

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاولة تغيير المنكر بالنصيحة وبالطرق العملية المثمرة مساهمة جليلة في صيانة المجتمع وتقويمه وإصلاحه، وكل مساهمة في إصلاح المجتمعات الإنسانية وتقويمها وصيانتها أعمال أخلاقية فاضلة.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنكاره ومحاولة تغييره من مكارم الأخلاق الإيمانية لما فيها من خدمة اجتماعية، وصيانة للمجتمعات عن الانزلاق في مزالق الانحراف، ولذلك حرص الإسلام حرصا شديداً على جعل كل المسلمين والمسلمات حرّاساً لأسوار الفضائل وتعاليم الدين الحنيف فمن جاهد منهم المنحرفين بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.

فوظيفة حراسة المجتمع لحمايته من الانحراف وظيفة اجتماعية لا يجوز التخلي عنها في أي حال من الأحوال فإذا حدث ذلك تعرضت الأمة كلها للعقوبة العامة.

ويؤيد هذا ما رواه الترمذي عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"(1) .

جـ- تتطلب الدعوة إلى الله تعالى الصبر من الداعي في سبيل ما يلقاه من أعداء دعوته، ذلك لأن الناس أعداء لما جهلوا، وتحويلهم من عقيدة اعتنقوها فترة من الزمن، ولو كانت باطلة إلى عقيدة أخرى لم يألفوها وإن كانت هي الحق، أمر صعب على النفوس، ولهذا أوصى لقمان ابنه بالصبر يقول الحق تبارك وتعالى على لسان لقمان {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (2) ، لأن الإنسان عندما يتعرض لدعوة الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابد أن يتصدى له أهل الشر، ويناله منهم أذى ولو كان قليلا، فأمر لقمان ابنه بالصبر عليه.

ص: 436

يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: "وهذا هو طريق العقيدة المرسوم. توحيد الله، وشعور برقابته، وتطلع إلى ما عنده، وثقة في عدله، وخشية من عقابه. ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر، بالزاد الأصيل زاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله، من التواء النفوس وعنادها، وانحراف القلوب وإعراضها. ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي. ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء"إن ذلك من عزم الأمور"وعزم الأمور قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم"،

والصبر في اللغة: يعني الحبس والكف.

أما في الاصطلاح: فهو قوة خلقية من قوى الإرادة تمكن الإنسان من ضبط نفسه لتحمل المتاعب والمشقات والآلام وضبطها عن الاندفاع بعوامل الضجر والجزع والسأم والملل والعجلة والرعونة والغضب والطيش والخوف والطمع والأهواء والشهوات والغرائز.

وبالصبر يتمكن الإنسان بطمأنينة وثبات أن يضع الأشياء في مواضعها، ويتصرف في الأمور بعقل واتزان وينفذ ما يريد من تصرف في الزمن المناسب، بالطريقة المناسبة الحكيمة، وعلى الوجه المناسب الحكيم، بخلاف عدم الصبر الذي يدفع إلى التسرع والعجلة فيضع الإِنسان الأشياء في غير مواضعها، ويتصرف برعونة فيخطئ في تحديد الزمان، ويسيء في طريقة التنفيذ، وربما يكون صاحب حق أو يريد الخير فيغدو جانياً أو مفسداً ولو أنه اعتصم بالصبر لَسلِم من كل ذلك.

لهذا أوصى لقمان ابنه بالصبر، لأن الصبر على المصائب يبقى للفعل نوره، ويبقى للشخص وقاره، ولذا كان الصبر من الآداب الرفيعة والأخلاق القويمة، وصفة من صفات المؤمن، وسمة من سمات المبشرين بالأجر العظيم من الله عز وجل قال تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1) .

ص: 437

نخلص مما سبق أن لقمان وصيته هذه رتب الأمور بحسب أهميتها للداعية حيث بدأها بتربية النفس على طاعة الله {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة} ثم ثنى بدعوة الآخرين {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ثم أمر بالصبر على ما يصيبه وتحمل ما يتعرض له من الأذى {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك} .

وهكذا يربَّي لقمان ابنه على منهج العبادة، حيث أن العبادة في الإسلامِ تربي الإنسان المسلم على الوعي الفكري الدائم، وهذا ما يجعله إنسانا منطقياً واعياً في كل أمور حياته، ومنهجياً لا يقوم بعمل إلا ضمن خطة ووعي وتفكير، إلى جانب ذلك فهو في يقظة دائمة يراقب الله في كل أعماله.

وإضافة إلى ما سبق فإن العبادة تربي في الإِنسان المسلم الشعور بالعزة والكرامة، قال تعالى: {

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} الآية (1) .

فضلاً عن تربيته على قدر من الفضائل الثابتة المطلقة، لا تقف عند حدود الأرض أو القوم والمصلحة القومية، إنها أخلاق الإسلام التي تصلح لكل زمان ومكان، وبهذا المنهج الرباني المرسل للعبادة يرتبط الإنسان المسلم بإخوانه المسلمين ارتباطاً واعياً منظماً قوياً مبنياً على عاطفة صادقة، وثقة بالنفس عظيمة (2) .

خامسًا: الآداب الاجتماعية:

يستطرد لقمان في وصيته التي يحكيها القرآن هنا إلى آداب الداعية إلى الله، فالدعوة إلى الخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم إِلى الخير، ومن باب أولى يكون التعالي والتطاول بغير دعوة إلى الخير أقبح وأرذل.

ولهذا لما أمر لقمان ابنه بأن يكون كاملا في نفسه، مكملا لغيره، كان يخشى بعدها من أمرين، أحدهما: التكبر على الغير بسبب كونه مكملا به. والثاني: التبختر في النفس بسبب كونه كاملا في نفسه.

ص: 438

يقول تعالى حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (1) .

{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (2) .

فمن الآيتين الكريمتين السابقتين يتضح أن الآداب المتضمنة في تلك الموعظة هي كالتالي:

1) {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس} ينهى لقمان ابنه عن الكبر، والمعنى أن لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم، أو كلموك احتقاراً منك لهم واستكباراً عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم. والصعر داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها والأسلوب القرآني يختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصعر حركة الكبر والازورار وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار.

يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: "هو أن تلوي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، فالمعنى: أقبل عليهم متواضعاً مؤنسا مستأنسا، وإذا حدثك أصغرهم فأصغ إليه حتى يكمل حديثه، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.

وبناء على ما تقدم يمكن القول بأن التكبر ليس من أخلاق المؤمن، فلو عرف المتكبر حقيقة نفسه أي أن أوله نطفة قذر، وآخره جيفة منتنة يخجل من نفسه، ووقف عند حده، وأخلص العبادة لربه وتواضع لخالقه، لأن الإِنسان كلما تواضع لله رفعه الله، وكلما تكبر عليه وضعه وقصمه، وفد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله:"ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"(3) .

وقال أيضاً: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر"(4) .

كما يظهر من العرض السابق أن أولى الأخلاق التي يرغب لقمان في غرسها في ابنه عدم التكبر على الناس، والتواضع لهم.

ص: 439

2) {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً

} المرح يأتي في اللغة بمعنى شدة الفرح والنشاط. حتى يجاوز قدره، ويأتي أيضا بمعنى التبختر والإختيال فقوله:{وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً} هو بمعنى ولا تمش في الأرض مشية تبختر واختيال ولذلك ختم الله الآية بما يناسب هذا المعنى فقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي لا يحب كل مختالٍ على الناس مستكبر عليهم بمشيته بينهم أو بإعراضه عنهم، ولا يحب كل فخور على الناس بنفسه أو بما أتاه الله من قوة أو مالٍ أو نسبٍ أو جاهٍ أو ذكاء قلب أو جمال وجه وحسن طلعة.

ولو عقل المستكبرون الذين يختالون ويمشون في الأرض مرحاً لعرفوا إن هذا العمل يصغرهم، ويقلل من شأنهم عند الله وعند الناس فالله لا يحب الذين يستكبرون على عباده ولا يحب الذين يريدون علواً في الأرض والناس أيضا يكرهون من يستكبر عليهم ويكرهون كل ظاهرة تدل على الكبر في الأنفس إذا رأوها من غيرهم.

3) {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ

} بعدما نهى لقمان ابنه عن مشيه المرح وصعر الخد أمره بالمشية المعتدلة القاصدة، فقال تعالى على لسان لقمان:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} والقصد هنا من الاقتصاد وعدم الإِسراف وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال ومن القصد كذلك لأن المشية القاصدة إلى هدف لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق.

ولقد نهى الله تعالى المسلم أن يسير مسرع الخطى وهو يلهث، كما نهاه أن يبطئ في مشيه وهو خامل كسول، إنما عليه أن يتوسط في مشيه فخير الأمور أوسطها.

ص: 440

فإذا وضعت أسس التربية على أساس من التوازن والاعتدال كما أوضحتها النظرة الإسلامية لعتدل الأمر وما تحولت الوسائل إلى غايات، وما انحرفت بنا الطريق بين غلو وتقصير وإفراط وتفريط. والتربية الإِسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بين إشباعات النفس ومطالبها وبين عفتها وقناعتها، وهذا وارد في قوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ

} الآية.

وسياسة الاعتدال في العملية التربوية إنما تتركز على علم النفس من الأهواء والشهوات، فإذا مالت إلى الاغترار عولجت بالتواضع حتى يتم الاعتدال أو يتم التوازن، وإذا مالت إلى الهوى كان عالجها الاستقامة، فأي من العيوب والآفات النفسية إنما هي تمرة فجة للتربية الخاطئة والنقص في الأدب والأخلاق، وكل شيء في هذا الوجود يسير على هدي من الاعتدال والتوازن والاتساق والتناسب والتناسق ماعدا الإنسان. فالإنسان وإن كان في الأصل في خلقه على الفطرة السليمة إلا أنه يبتعد عن هذه الفطرة إذا افتقد إلى التربية الإسلامية الصحيحة، وهنا يخلط بين اشباعاته ومطالبه فيطالب بحقوقه ويتغافل عن واجباته وبذلك ينحرف عن طريق القوامة والاستقامة التي جعلها الله تعالى أساساً لشريعة الإسلام ومنهاجه:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية.

فالوسط الإسلامي هو التوازن في الفكر والسلوك والتطبيق.

من أجل ذلك طلب لقمان ابنه أن يتوسط في مشيته، والمراد من ذلك أن تكون مشيته ما بين الإسراع والبطء أي لا تدب دبيب المتماوتين ولاتثب وثب الشطار.

4) {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} ، أغضض من صوتك أي أنقص منه، أي لا تتكلف رفع صوتك وخذ منه ما تحتاج إليه، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي، والمراد بذلك التواضع.

ص: 441

وغض الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيئ الأدب أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق.

والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} .

فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية، مع النفور والبشاعة ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع، ثم يحاول شيئاً من صوت هذا الحمير.

يقول القرطبي: في هذه الآية دليل على تعريف قبح ردع الصوت في المخاطبة، والملاحاة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطاناً"(1) .

وقد روي: إنه ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطاناً.

وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمير.

وقال عطاء: نهيق الحمير دعاء على الظلمة.

وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاوناً بهم أو بترك الصياح جملة.

وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك، فمن كان منهم أشد صوتاً كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل حتى قال شاعرهم:

جهير الكلام جهير العطاس

جهير الرواء جهير النعم

ويعدو على الأين عدوى الظليم

ويعلو الرجال بخلق عمم

فنهى الله سبحانه وتعالى عن تلك الخلق الجاهلية بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} أي لو أن شيئاً يهاب صوته لكان الحمار، فجعلهم في المثل سواء.

ص: 442

يتضح من الوصايا التي وصى بها لقمان ابنه أنها تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمراً وإلى مرتكبها إن كانت نهياً. فأمره بأصل الدين وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك وبين له الموجبة لتركه. وأمره ببر الوالدين وبين له السبب الموجب لبرهما وأمره بشكره وشكرهما ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما مالم يأمرا بمعصية ومع ذلك فلا يعقهما بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمر بمراقبة الله وخوّفه القدوم عليه وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر إلا أتى بها. وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر كما قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} .

ونهاه عن التكبر وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر والمرح وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك

فحقيق من أوصى بهذه الوصايا أن يكون مخصوصاً بالحكمة، مشهورا بها، ولهذا من منّة الله تعالى على عباده أن قصر عليهم من حكمته ما يكون لهم به أسوة حسنة.

فالوصايا السابقة هي منهج الآداب السامية التي يؤدب الله عباده ذلك لأن في امتثالها سعادتهم وفلاحهم دنيا وآخرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم يرون آثارها التربوية في توجيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زيادة الألفة والمحبة بينهم كما يؤدي هذا إلى تماسك مجتمعهم.

المبحث الثالث

معالم أصول التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان

ص: 443

يتضمن هذا المبحث تحديد معالم أصوله التربية الإسلامية المستخلصة من وصايا لقمان لابنه حيث تعد وصاياه دستوراً كاملاً في أصول التربية الإسلامية، فقائلها أب ومعلم صالح آتاه الله الحكمة، هذا بالإضافة إلى أنها نابعة عن قناعة وصدق، ومبنية على التجربة والمعرفة وهي تهدف أولا وأخيراً أن يحقق الإنسان المسلم العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى وحده في حياته الفردية والاجتماعية وهذه هي غاية التربية الإسلامية كما هي غاية خلق الله للإنسان في هذه الدنيا قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (1) .

وفيما يلي بيان لتلك الأصول التربوية:

الأصل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التوحيد:

إن عقيدة التوحيد وإفراد الله وحده بالعبادة هي أجل المسائل وأعظمها على الإطلاق فمن أجلها خلق الله الخلق وأنزل الكتب وبعث الرسل وجعل الجنة والنار.

والمتأمل لآيات القرآن الكريم يجدها تبدى وتعيد في شأن العقيدة، تبينها وتوضحها داعية إليها، محذرة من ضدها في آيات كثيرة وبطرق متنوعة وأساليب مختلفة.

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (2) .

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (3) .

ومن هنا كان أول واجب على المكلف أن يرتبط منذ تعقله بأركان الإيمان المذكورة في حديث جبريل عليه السلام فغرس العقيدة الإسلامية في النفوس هو أمثل طريقة لإيجاد عناصر صالحة تستطيع تقوم بدورها كاملا في الحياة، وتسهم فيه بنصيب كبير في تزويدها بما هو أنفع وأرشد، وانعكست آثارها على سلوكهم.

ص: 444

وبناء على ما سبق يمكن القول بأن التربية الحقة إنما تكون في تدريب الطفل على أعمال الخير وإرشاده إلى الصراط المستقيم، وتعليمه الأخلاق الطيبة، وذلك كله لا يتحقق إلا بالإيمان بالله وحده وعدم الشرك به تعالى. ولهذا نصح لقمان ابنه قال تعالى:{يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} (1) . فمن الآية الكريمة يتبين أن الأصل الأول لهذه التربية الإيمان بالله وعدم الشرك به تعالى، ولهذا يجب أن تكون عظة لقمان لابنه نبراساً يستضيء به الآباء في توجيه أبنائهم وسراجاً يقودهم من الظلمات إلى النور، وأعظم ما تقدمه العظة الصريحة قول لقمان لابنه كما ورد في القرآن الكريم {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (2) .

لو وعى الأبناء لهذه النصيحة ما وقعوا في الإثم وما تراكمت عليهم البلايا والأخطاء ولعاشوا في أمن نفسي وطمأنينة قلبية وقد ابتعدوا عن القلق والكآبة. وظلم النفس واليأس والقنوط.

والنفس الإنسانية تحتاج إلى التربية المستمرة والتذكرة المستديمة والوعظ الصادق حتى لا يعتريها الصدأ ولتأمن من رياح الشرك العابثة وتبتعد عن الأمواج العاتية حيث شط الأمن والأمان. والإسلام يربي الإنسان على إخلاص العبودية لله وحده، فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو أو يتوسل غيره من الإنس أو الجن ولا يبث حزنه أو شكواه إلا لله تعالى ومن هنا كان الإنسان المؤمن ذا شخصية قوية منذ نعومة أظفاره، فالطفل الصغير ربما يقول كلمات حكيمة يعجز الكبير غير المؤمن عن فهمها أو الاهتداء إلى مثلها.

ص: 445

مرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على صبية يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير فهربوا منه إلا عبد الله، فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك؟ لِمَ لا تهرب مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أكن على ريبة فأخافك، ولم يكن الطريق ضيقاً فأوسع لك. فمن أين جاءت هذه الفطنة وتلك الكياسة في السلوك؟ لاشك أن جواب ذلك الطفل إنما هو ثمرة يانعة من ثمار التربية النفسية الإسلامية التي لا تعرف الخضوع ولا الذل ولا الخوف والفزع

سياسة تقوم على تقوية الثقة بالله والاسترسال معه على الدوام.

وتبدأ التربية النفسية من قول الله عزوجل على لسان عبده لقمان في وعظه لابنه:

{يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .

تبدأ التربية الإسلامية من نزع الشرك الظاهر والخفي من النفوس فتتخلى بذلك من الظلم والرياء والفسوق والعصيان، ثم تستعد النفس بعد سلب كل شرك عن النفس بملء القلب بدين التوحيد الخالص، والتوحيد سلب وإيجاب، سلب كل ماعدا الله، وإيجاب للألوهية المنزهة عن كل شرك. وللإيمان الكامل بأركانه الستة آثار تربوية عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، فالإِيمان هو الذي يهيأ النفس الإِنسانية دائماً للرضا والأمن وللعمل الجاد المثمر، كما يضفي على النفس المؤمنة رضا يغمرها فلا يستطيع شيء مهما عظم أن يسخطها، فيحصل لها بذلك الطمأنينة والراحة النفسية.

ص: 446

مما سبق ينبغي أن يكون الأصل الأول الذي يجب على الآباء أن يربوا أبناءهم عليه ترسيخ عقيدة التوحيد في نفوسهم من المراحل الأولى من أعمارهم واستخدام كافة الوسائل المتاحة في سبيل ذلك مع مراعاة خصائص النمو العقلي والإدراكي لهم تأسياً بالمعلم الأول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمن الأمثلة على ذلك عن عطاء بن يزيد الليثي: أن أبا هريرة أخبره أن أناساً قالوا لرسول الله: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة

"وفي جهنم كلابيب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، قال:"فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله "(1) .

ففي الحديث السابق درس وتطبيق عملي من النبي صلى الله عليه وسلم في طرح قضايا الإيمان مستخدماً في ذلك أسلوب ضرب الأمثال لمناسبته لحال المخاطبين لما يلي:

1-

تأكد الرسول من معرفة الصحابة لشوك السعدان حيث قام بنفسه من سؤالهم "هل تعرفون شوك السعدان؟ فلما تبين له ذلك أعاد عليهم المثل مرة أخرى.

2-

التنبيه على الفارق بين الأمرين حيث أخبرهم"أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله".

وبهذا المنهج يصل النشئ إلى شاطئ الأمن والأمان والسلامة والإسلام، فلا سعادة لهم بغير الإيمان ولا طمأنينة لهم إلا في ظل عقيدة التوحيد بالله سبحانه وتعالى.

الأصل الثاني: مراقبة الله عز وجل:

هذا هو الأصل الثاني من أصول التربية الإسلامية الصحيحة وقد بين لقمان هذا الأصل لابنه، قال تعالى حكاية عن لقمان:{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (2) .

ص: 447

وبهذا يربي لقمان في ابنه قاعدة أساسية من قواعد العقيدة الإسلامية الصحيحة بأن الله عزوجل صاحب السلطان والقدرة ومالك الأمر كله فعندما تترسخ العقيدة السابقة في النفس، فإن الطمأنينة تشيع فيها كما أن حياة الناس تتسم بالرضا والتسليم.

فالقلق والاضطراب وسائر الأمراض النفسية المعاصرة التي يشكوا منها الناس اليوم مردها إلى عدم رضا النفس بما يحصل لها هذا من جهة، ومن جهة أخرى ناشئ هذا من عدم الإيمان بالقدر.

إن القاعدة السابقة التي أصلها لقمان في ابنه أن الأهمية بمكان إذا ما تربت النفوس عليها، ولهذا يجب على الآباء والمربين أن يغرسوا في أبنائها وتلاميذهم مراقبة الله عز وجل في قلوبهم، لما في ذلك من ثمرات تربوية لا تخفى على العاقل، فمراقبة الله عز وجل هي التي تعمل على قامع الشهوات، وتحث على الطاعات، ويذل القلب ويستكين، ويفارقه الكبر والحقد والحسد، فمتى استشعر النشئ روح هذه المراقبة انكف وانزجر عن المعاصي والنواهي، فجعل تقوى الله عزوجل سترا ومانعاً له من الوقوع في المهلكات، وهي أيضاً تعمل على تحريره من الخوف من أحد غير الله عزوجل، وتحرره أيضا من القلق والضجر والاضطراب، فالكون كله لله والأعمار والأرزاق بيد الله عز وجل وقد بين لنا الرسول هذه الحقيقة بأسلوب تطبيقي عملي عندما وجه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله عليه الصلاة والسلام "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"(1) .

يترتب على ما ذكر ما يلي.

1-

إيجاد جيل قوي يخلص العبودية الكاملة لله عز وجل وحده.

2-

العمل الجاد المثمر، والإخلاص لله عز وجل في أعمالهم، كل بحسب عمله، ومجال تخصصه.

ص: 448

3-

مراقبة الله عز وجل في سلوكهم وفي معاملاتهم مع الآخرين.

من كل ما تقدم يتقرر أنه على الآباء والمربين. ألا يغفلوا عن تذكير أبنائهم وتلاميذهم بمدى قدرة الله عز وجل عن طريق التأمل والتفكير فقد خلق السماوات والأرض، وذلك في سن الإدراك والتمييز.

فيكون تركيزهم على الأصل الثاني لمعالم التربية الإسلامية الأساسية منصباً على تعريف النشئ بقدرة الخالق عزوجل متدرجين معهم من المحسوس إلى المعقول، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المركب حتى يصلوا معهم في نهاية الشوط إلى قضية الإيمان عن اقتناع وحجة وبرهان.

الأصل الثالث: العبادات:

للعبادة في الإِسلام شأن كبير بين الفرائض والواجبات الأخرى، لأنها تؤكد إقرار المرء إقراراً كاملا بقلبه ولسانه وجوارحه، وخضوعه خضوعاً مطلقاً، لله الخالق الواحد القهار، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي له كل صفات الكمال، لا يشبهه أحد من خلقه، لا يفنى ولا يزول، فهو المتفرد بذلك كله. قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} (1) . ويحدد لنا القرآن الكريم غاية الخلق للعبادة، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (2) .

وقد كانت دعوة أنبياء الله عزوجل من لدن نوح عليه السلام وآخرهم نبينا محمد إلى عبادة الله وحده، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (3) .

وإذا كانت العبادة غاية الوجود الإِنساني فإن مفهومها لا يقتصر على المعنى الخاص الذي يرد إلى الذهن والذي يضيق نطاقها، فيجعلها محصورة في الشعائر الخاصة التي يؤديها المؤمن.

ولهذا فإن حقيقة العبادة تبرز في المعنى الشامل الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه فقال يرحمه الله: "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".

ص: 449

وبناء على ذلك فإن العبودية الحقة لله عز وجل تكون شاملة بما افترضه الله سبحانه على عباده من الفرائض والطاعات والواجبات: كالصلاة والصيام، والزكاة، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والدعاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا كل عمل مشروع قصد به رضاء الله تعالى مهما عظم شأنه أو قل، ويترتب على ذلك أن للعبادات تأثير في سلوك المسلم وفي كل حركاته وسكناته، وقوله وعمله، وسره وعلنه، كل ذلك يعد عبادة لله عزوجل مادام فاعله يقصد الخير، وليس السمعة والثناء، وإنما ابتغي بذلك وجه الله تعالى.

وفي ضوء ما سبق يتبين أن اقتصار العبادة على مجرد الشعائر التي تؤدى في أوقات محددة، وأماكن معينة يعد مفهوماً ضيقا للعبادة، وهذا له تأثير في تكوين الشخصية المسلمة، فالعبادة في الإِسلام شاملة لكل جوانب الحياة، لأن الدين كله داخل في العبادة، إذ يتضمن معناه الخضوع والذل لله عزوجل وعلى هذا تصبح تلك الشعائر التعبدية جزء من مفهوم العبادة الشامل أو محطات يقف عندها السائرون في الطريق فيتزودون بالزاد وكل ما يقع، ولكن الطريق كله عبادة، وكل ما يقع فيه من نسك أو عمل

فهو كذلك عبادة

مادامت وجهته إلى الله، ومادام قد شهد حقا – لا باللسان - أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام حياته كلها وواقعه كله على هذا الأساس.

وللعبادة آثارها التربوية نذكر منها:

1-

أنها تزود الإنسان دائما بشحنات متتالية من القوة المستمدة من قوة الله، والثقة بالنفس المستمدة من الثقة بالله.

2-

أنها تجدد للمسلم نفسه باستمرار وذلك عن طريق التوبة التي تزيل عن قلبه وتصوراته ما قد يعلق بهما من أدناس، وتمحو من جوارحه أثر ما قد يكسب من آثام أو أخطاء.

ص: 450

3-

تقوي وتعزز العقيدة الإسلامية في نفس المسلم فالعقيدة الإسلامية في حياة الإنسان المسلم إذا لم تترجم إلى سلوك وعمل وطاعة وتعبد لا تكتمل دائرتها في نفسه. فالعبادة تعني التطبيق والالتزام بما شرعه الله عز وجل، ودعا إليه رسله أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما. وهذا يمثل من المسلم الطاعة والخضوع لله تعالى والإِقرار الكامل بوحدانية الخالق عزوجل.

ويظهر منهج العبادة في وصية لقمان لابنه في الأمور التالية:

1) أمره بإقامة الصلاة:

فالصلاة هي أعظم فرائض الإسلام وعون على احتمال تكاليف الحياة ونوائب الدهر، قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (1) .

وقد ذكر لقمان لابنه من أركان الإسلام الصلاة، وذلك لمكانتها العالية بين العبادات، فهي الركن الثاني بعد الشهادتين، وعماد الدين الذي لا يقوم الدين بغيرها، ولذا فمن تركها فقدكفر. (2)

فعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ".

وهي كذلك مناجاة من قِبَل العبد لربه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه - أو ربه بينه وبين قبلته - فلا يبزقن في قبلته ولكن

"الحديث (3)

ومن هنا جاء كونها عماد الدين وأنه لا مكانة للاستقامة أو التخلق بخلق الإسلام إذا لم تكن الصلاة متحققة بالطريقة التي وضحها الشرع وعلى النحو الذي أراده الله للناس بأن تؤدى في المسجد وفي جماعة، وهي بهذا تكون سبباً فعَّالاً في إيجاد الألفة بين المسلمين في أرواحهم وسلوكهم، وتعطي صورة حيهّ للمسلمين أفرادا وجماعات، وهم يتوجهون بقلوبهم ومشاعرهم إلى الواحد القهار.

ص: 451

وبالإضافة إلى ما ذكر فإن الصلاة تقوي الروابط الروحيه وتشد المجتمع بعضه إلى بعض، وتطهر المجتمع من الرذائل والفواحش، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ

} الآية.

وبذلك يصبح أفراد المجتمع متوادين ومتراحمين، وعبادا لله صالحين.

2) أمره أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلطة اجتماعية أو رقابة اجتماعية، وأن القيام بهذا الواجب هو الدرع الواقي للمجتمع، يصونه ويحفظه من التفكك والانهيار وإلا دبت فيه الفوضى واعتراه العبث والاضمحلال.

وقد نبه الإسلام إلى الخطر الذي يحل بالأمة عندما تقصر أو تهمل في أداء هذا الواجب فالأحاديث في ذلك كثيرة ولا يمكن سردها في هذا البحث وأكتفي بقوله عليه الصلاة والسلام: "يا أيها الناس إن الله عز وجل يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم"(1) .

وبناء على ذلك يكون منابذة أهل الفساد ومحاصرتهم مطلب ضروري لحفظ المجتمع المسلم وسلامته من الآفات والأمراض والمعاصي التي تفتك بالأمة، وتقضي على وحدتها، وتصل بها في النهاية إلى الدمار والهلاك.

3) أمره بالصبر على مشاق الدعوة إلى الله:

ويعد هذا من أشرف وأرقى أنواع الصبر، لما يتعرض له الداعي من متاعب وآلام، فما على الداعية إلى الله إلا أن يعتصم بالصبر ويتسلح باليقين لأنه من عزائم الأمور، كما أوضح ذلك لقمان لابنه قال تعالى حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه:{إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (2) .

ومما يحث الدعاة على الصبر وتحمل مشاق الدعوة، ما ينتظره الصابرون من حسن الجزاء، واليقين بأن نصر الله قريب، قال تعالى:{وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3) .

ص: 452

وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (1) .

من كل ما تقدم ينبغي أن يكون الأصل الثالث الذي ينبغي على الآباء والمربين أن يربوا أبناءهم وتلاميذهم عليه "منهج العبادات"فيتعودوا على ممارستها على النحو الذي وضحه الشارع الكريم وأن يكون منذ نعومة أظفارهم وبذلك يتربى النشئ على طاعة الله، والقيام بحقه والشكر له، والالتجاء إليه، والثقة به، والاعتماد عليه، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع

، وحتى يجد الطهر لروحه، والصحة لجسمه، والتهذيب لخلقه، والإِصلاح لأقواله وأفعاله.

الأصل الرابع: الآداب الاجتماعية:

أدب الله عباده بآداب كثيرة، وهذه الآداب حلية المسلم تزين نفسه الباطنة، وأفعاله الظاهرة.

و"الأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا، وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق

والأدب مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعي إليه".

وترتبط الآداب بالعقيدة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً، ذلك أن العقيدة هي التي تحفز الإِنسان نحو السلوك الطيب، وأن انتفاء العقيدة عنده سيقود إلى كل الاحتمالات السلبية والتفكك والانحراف، وبناء على ذلك فإن الآداب الإسلامية هي وليدة العقيدة التي تستقر في قلب الإنسان، وهي العامل المحرك المؤثر وبدون ذلك لا مكانة للآداب بغير عقيدة. ولهذا تنقلب الآداب إلى نتائج عكسية تتمثل في السلوك الذميم كالرذائل والفواحش مثلا، ذلك إذا لم يكن هناك عقيدة ثابتة صحيحة تتهذب معها النفس ويتقوم بها الاعوجاج.

ومن هنا كانت الآداب التي أوصى بها لقمان ابنه بعد تأكيده على العقيدة وغرس التوحيد، ومراقبة الله سبحانه وتعالى والتأكيد على العبادة أيضا.

وفيما يلي بيان للآداب المذكورة في وصية لقمان لابنه والتي ينبغي أن يتضمنها منهاج التربية الإسلامية.

أ) برّ الوالدين:

ص: 453

فقد أمرنا الله عز وجل بر الوالدين وجعل حقهما في مرتبة تالية لحقه، فالوالدان هما السبب الذي شاء الله أن يوجد الأبناء من خلاله وقد عانيا في سبيل ذلك عناءً كبيرا ولاقيا صعاباً جمة، وخاصة الأم التي حملت وليدها كرها، ووضعته كرها، ومع هذا فقد أمرنا الخالق تعالى بإكرامها، وخفض الجناح لهما، والدعاء لهما.

وبناء على ذلك ينبغي على الآباء والمربين أن يغرسوا في أبنائها وتلاميذهم حب الوالدين وأن يعملوا على تكوين الاتجاه الإيجابي نحو بر الوالدين والشكر لهم وطاعتهم واحترامهم على أن يكون ذلك منذ الصغر ليسهل عليهم تطبيقه في الكبر.

ب) التواضع والبعد عن التكبر:

يظهر هذا في قول الحق تبارك وتعالى حكاية عن لقمان {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس

} الآية.

فالمسلم يتواضع لأخيه المسلم في غير مذلة ولا مهانة والتواضع من أخلاق الإسلام المثالية وصفاته العالية، والكبر على عكس من ذلك، ففعله مذموم وصاحبه كذلك ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي"(1) .

والكبر أيضاً يمنع صاحبه من الاستفادة من اتباع الحق والهدى فيخسر كثيراً قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} (2) . ولهذا كانت العزة والكرامة للمتواضعين ففي الحديث "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"

وبناء على ما سبق ذكره يجب على الآباء والمربين أن يعودوا أبناءهم ويدربوا تلاميذهم على ممارسة الأخلاق الإسلامية ومن بينها خلق التواضع تأسياً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوصى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد"(3) .

ص: 454

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بتواضعه المثل الأعلى في ذلك، فلم يعرف عنه أن رفض دعوة أقل الناس شأناً، ولم يتعال على أحد من قومه بل كان يقول:"إنما أنا عبد الله ورسوله"(1) ، ولم يرد طلباً لأحد فإن الأمة تأخذ بيده وبه فتنطلق به في حاجتها فعلى الأبناء والتلاميذ أن يسموا سلوكهم بالتواضع في كل شيء، في بيوتهم ومع ذويهم، وفي مدارسهم ومع معلميهم، وفي مجتمعهم ومع علمائهم، ومع الناس جميعاً. وفي المقابل أيضاً عليهم أن يحذروا من الوقوع في الكبر وعجب النفس فإن ذلك يؤدي بصاحبه إلى غمط الحق، وطمس معالمه، وفي النهاية يقوده إلى الدمار والهلاك وغضب الله عليه.

جـ) آداب المشي:

للمشي في الطريق آداب وواجبات قلَّ من يهتم بها مع أهميتها، وخلاصة هذه الآداب والواجبات أن المشي يطلب في أثنائه كل ما يطلب من الجالس على الطريق ويزاد عليه التواضع في أثناء المشي والتسامح مع من يقابلهم. ولهذا وصف الله عزوجل عباده أنهم يمشون على الأرض هونا أي: مشياً متصفا بالسكينة والوقار، غير مختالين ولا مستكبرين. قال تعالى:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} (2) .

ولهذا أمر لقمان ابنه بالاعتدال في المشية والحركة. قال تعالى حكاية عن لقمان: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ..} الآية. أي توسّط فيه، والقصد ما بين الإِسراع والبطء.

المعنى: أي امش مقتصدا معتدلاً لا بطئ الخطو ولا مسرعا مفرطا في السرعة، مشية لا ذل فيها ولا كبر، متواضعاً. وليكن لك قصد وهدف تمشي إليه، وليظهر ذلك في سيرك بحيث تمشي مشية الهادف الذي ينطلق لقصده في بساطة وانطلاق.

ص: 455

فعلى الآباء والمربين أن يستفيدوا من هذه التوجيهات الربانية في إرشاد أبنائهم وتلاميذهم إلى كيفية المشي الصحيح على الطريق وكذلك تعليمهم آداب الطريق كما حددها النبي في أحاديث كثيرة ومنها قوله: "إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر"(1) .

وهكذا يتأدب النشئ منذ نعومة أظفارهم بأخلاق الإسلام، فتطهر نفوسهم وتسموا أخلاقهم، وتتكامل شخصياتهم.

د) آداب الحديث:

الحديث مع الآخرين في الإسلام له أصوله وآدابه، على المسلم التقيد بها إرضاءً لله عزوجل وتجنبا لسخطه وعقابه، ومن أجل هذا يبين لنا الرسول في أحاديث عدة خطورة اللسان وما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الهلاك.

فمن ذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"(2)(3) .

وكذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق"(4) .

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوى بها في جهنم"(5) .

ولكي لا يقع المسلم في مزالق اللسان وعثراته فهناك شروط في الإسلام للكلام يمكن إيضاحها في النقاط التالية:

الشرط الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضر.

الشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.

الشرط الثالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته.

الشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.

ص: 456

وبناء على الشروط السابقة والمذكورة أعلاه يكون أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى الكلام بل يكتفي فيه بالفعل من القول وألا يرفع بالكلام صوتاً مستكرهاً، ولا ينزعج له انزعاجاً مستهجنا.

ولهذا أدَّب لقمان ابنه في هذا الخصوص بقوله قال تعالى حكاية عن لقمان: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (1) . فخفض الصوت عند محادثة الناس فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث، ورفعه أي رفع الصوت دليل على فقدان ذلك.

ومن هنا جاء استخدام لقمان لابنه وسيله منفرة تجعله يكره رفع الصوت، فقد شبه له من يفعل ذلك بنهيق الحمار. وليس هناك أغلظ من أصوات الحمير إذا ما قورنت أصواتها بالنسبة لسائر الحيوانات الأخرى، وقد أرشدت السنة النبوية الإنسان المسلم بالتعوذ عند سماع صوت الحمار. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانا"(2) .

وبناء على ما ذكر ينبغي على الآباء والمربين أن يعودوا أبناءهم وتلاميذهم على الالتزام بآداب الإسلام في الحديث مع الآخرين، وأن يكون الحديث بقدر ما تدعو إليه الضرورة وبشرط عدم رفع الصوت في وجه المخاطب حتى لا يكون ذلك مصدر أذى من الحديث بغير داع أو من جراء رفع الصوت. وبهذا يكتمل منهج الآداب الاجتماعية التي أوصى بها لقمان ابنه، فقد بدأها ببر الوالدين وطاعتهما ثم عدم التكبر على الناس وكذلك الالتزام بآداب المشي على الأرض والحديث مع الآخرين.

ص: 457

ونلحظ من العرض السابق أن تلك الآداب الاجتماعية لها أهميتها في تنشئة النفوس المؤمنة على الخلق القويم الذي يقتضيه التمسك بشريعة الإسلام فالإسلام يبغي للنفس المؤمنة أن تكون مهذبة مصونة من كل أسباب الأمراض، بعيدة عن كل ألوان العيوب النفسية، من أجل أن يكون المسلم ذا خلق كريم، وأن تكون نفسه خيّرة طيبة مطمئنة. وعليه يبغي أن تكون الآداب الاجتماعية أصلاً من أصول التربية الإسلامية، لما لها من تأثير كبير في تشكيل شخصية الإنسان المسلم، شخصية سماتها الوقار والهيبة، والاعتدال وقوة الشخصية فالخلق في الإسلام هو سبيل الارتقاء بالمسلم إلى مدارج الكمال، كما جاء في الحديث النبوي الشريف "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً"(1) .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال:"تقوى الله وحسن الخلق"(2) .

كما أن صاحب الخلق الحسن يسعه الناس كما جاء في الحديث "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"(3) .

خاتمة

تلك الأصول الأربعة السابقة هي معالم أصول التربية الإسلامية التي أمكن استنباطها من وصايا لقمان الحكيم لابنه كما وردت في سورة لقمان من الآية (13-19) .

وفيما يلي تلخيص لنقاطها:

الأصل الأول: العقيدة الإسلامية وجوهرها التوحيد.

الأصل الثاني: مراقبة الله عز وجل.

الأصل الثالث: العبادات.

الأصل الرابع: الآداب الاجتماعية.

والأصول التربوية المذكورة أعلاه هي وصايا نافعة، ونصائح غالية، وحكم نبيلة، وتوجيهات سديدة، يقدمها لقمان لابنه، ليكون ابناً باراً، يتعامل مع الناس بحسن الخلق وطيب المعاملة، يعرف للناس حقوقهم، ولا ينسى حق الله عليه.

ص: 458

فحري بالآباء والمربين أن يستفيدوا من تلك الوصايا في تربية أبنائهم، وتوجيه تلاميذهم، فهي بلا شك المنهاج الصحيح لأصول التربية الحسنة الناجحة، والطريقة المثلى لإِعداد جيل صالح على أساس قوي من عقيدة التوحيد، يعرف حقوق ربه، وحقوق والديه، وحقوق مجتمعه.

فهل يستطيع الآباء والمربون اتباع معالم هذه التربية في تربية أبنائهم وتلاميذهم.

لا سبيل لفلاحهم ونجاحهم في هذه الحياة إلا أن ينهلوا من سنن الإسلام ومنهاجه القويم في تربية أبنائهم، وتقويم سلوك تلاميذهم، وفي إصلاح نفوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتعليمهم مبادئ الخير والفضيلة، وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة، وبذلك يضمنوا بإذن الله تعالى إيجاد الجيل المؤمن، والشباب الصالح، الممتثل لأوامر ربه، والقدوة الطيبة لغيره في كل مكرمة وفضيلة، والخلق والعمل الصالح.

وأخيراً أحمد الله عز وجل على ما وفقني في إنجاز هذه الدراسة حتى ظهرت بهذه الصورة، فإن وفقت لما أصبو إليه فبتوفيق من الله جل ثناؤه، وإن عجزت عن الوفاء بما تبلغه الغاية بي، فحسبي أن أضع لزملائي العاملين في مجال التربية والتعليم هذه الدراسة لتكون لهم معلما ومرشداً في أداء رسالتهم التربوية والتعليمية.

أسأل الله عز وجل أن يوفقني للعمل بما علمت وأن يعلمني ما جهلت إنه خير مأمول، وأكرم مسؤول، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

وصلى الله وسلم على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

---

(1)

محمد عبد الله السمان: التربية في القرآن ص 14.

(2)

سورة الأنعام: آية 153.

(3)

أنور الجندي: التربية وبناء الأجيال في ضوء الإسلام ص 212-213.

(4)

محمد شديد: منهج القرآن في التربية ص 6.

(5)

سورة الجمعة: آية 2، وانظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/363.

(6)

سورة النمل: آية 60.

(7)

أمينة أحمد حسن: نظرية التربية في القرآن ص 165.

(8)

سورة البقرة آية (286) .

(9)

سورة لقمان: آية 12.

ص: 459

(1)

أحمد الخطيب: إرشاد الساري في شرح أحاديث البخاري 7/288.

(2)

الزمخشري: الكشاف 3/211، وكذلك القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/59.

(3)

ابن كثير: البداية والنهاية 2/123.

(4)

المر جع السابق: 2/123.

(5)

النوبة: تطلق على الجزء الجنوبي من بلاد مصر ، وهى جبل من السودان واحدها نوبي وبلاد النوبة من ذلك الجبل المعجم الوسيط ص 961.

(6)

ابن كثير: المرجع السابق 2/124.

(7)

المرجع السابق 2/124.

(8)

ابن كثير: البداية والنهاية 2/ 124.

(9)

المرجع السابق: 2/124.

(10)

الزمخشري: الكشاف 3/211، وكذلك القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/60، وابن كثير: البداية والنهاية 2/124.

(11)

القرطبي: الجامع أحكام القرآن 14/16-60، وكذلك أحمد بن حنبل: كتاب الزهد ص 49.

(12)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/59.

(13)

القرطبي: المرجع السابق 14/60.

(14)

الزمخشري: الكشاف 3/211.

(15)

الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القران 67/11.

(16)

المرجع السابق.

(17)

ابن كثير: البداية والنهاية 2/129.

(18)

ابن كثير تفسير القرآن العظيم 3/443، وكذلك الزمخشري: الكشاف 3/211.

(19)

سورة لقمان: الآيات 12- 19.

(20)

سورة ق الآية 37.

(21)

سورة التحريم: آية 6.

(22)

البخاري: صحيح البخاري مع فتح الباري 3/219 كتاب الجنائز 23 باب إذا أسلم الصبي رقم الحديث 1358- 1359، ومسلم: صحيح مسلم 4/2047 كتاب القدر 46 باب كل 6 رقم الحديث 2658 واللفظ للبخاري.

(23)

عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 89 - 92.

(24)

سورة البقرة: آية (285) .

(25)

سورة البقرة: آية (177) .

(26)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 1/259 كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإِسلام والإحسان (1) رقم الحديث (1) .

(27)

سورة الكهف: آية (107) .

(28)

سورة العصر: آية (1-3) .

(29)

انظر عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 89ـ 99.

ص: 460

(1)

أحمد بن حنبل: مسند أحمد 3/135.

(2)

البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 9/252 كتاب النكاح (67) باب الوصاة بالنساء (80) رقم الحديث 5185.

(3)

البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 12/58 كتاب الحدود (86) باب الزنا وشرب الخمر، وقال ابن عباس: ينزع منه نور الإيمان (1) رقم الحديث 6772.

(4)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/375-376 كتاب الإيمان (1) باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يجب لأخيه المسلم (17) رقم الحديث 71

(5)

عباس محجوب: أصول الفكر التربوي في الإسلام ص 91-92.

(6)

النحلاوي: أصول التربة الإسلامية وأساليبها ص 80.

(7)

سورة النساء: آية 36.

(8)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2788.

(9)

المرجع السابق.

(10)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/63.

(11)

المرجع السابق 14/64.

(12)

سورة الإسراء: الآيتان (23- 24) .

(13)

سيد قطب: في ظلال القرآن 4/ 221-222.

(14)

عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/22.

(15)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2788.

(16)

صحيح البخاري على الفتح 10/413 كتاب الأدب (78) باب صلة المرأة أمها ولها زوج (8) رقم الحديث 5979.

(17)

صحيح البخاري على الفتح 10/413 كتاب الأدب (78) باب صلة الوالد المشرك (7) رقم الحديث 5978.

(18)

عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/29.

(19)

سورة لقمان: آية (16) .

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/66.

(20)

سورة الأنعام: آية (59) .

(21)

سورة فاطر: آية (11) .

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/67.

(22)

سورة لقمان: آية (16) .

(23)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2789.

(24)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/67.

(25)

البخاري: صحيح البخاري مع الفتح 1/9 كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (1) الحديث رقم (1) .

(26)

سنن النسائي 6/25 كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، رقم الحديث3140.

ص: 461

(1)

محمد قطب: منهج التربية الإسلامية ا/68-69.

(2)

سورة البينة: آية (5) .

(3)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/272 كتاب الإيمان (1) ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (1) ، رقم الحديث (1) .

(4)

عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 2/159-160.

(5)

المرجع السابق 2/161.

(6)

سورة لقمان: آية (18) .

(7)

الترمذي: الجامع الصحيح 5/12 كتاب الإيمان (41) باب ما جاء في حرمة الصلاة (8) رقم الحديث (2616) .

(8)

المرجع السابق: 1/417 أبواب الصلاة، باب ما جاءكم فرض الله على عباده من الصلوات رقم الحديث (213) .

وانظر كذلك أحمد ابن حنبل: مسند الإمام أحمد 3/161.

(9)

الترمذي: الجامع الصحيح 2/270 أبواب الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة (305) ، رقم الحديث (413) .

(10)

سورة البقرة: الآيتان (238-239) .

(11)

سورة المؤمنون: الآيتان (1-2) .

(12)

عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع ص 193.

(13)

سورة العنكبوت: آية (45) .

(14)

عبد الفتاح عاشور: منهج القرآن في تربية المجتمع ص 194.

(15)

سورة البقرة: آية (153) .

(16)

سورة المعارج: الآيات (19-20-21-22-23) .

(17)

البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 2/11، كتاب مواقيت الصلاة (9) ، باب الصلوات الخمس كفارة (6) ، رقم الحديث (528) .

(18)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 4/345،-كتاب الصلاة (4) باب وجوب قراءة الفاتحة

(11) ، الحديث 38/395.

(19)

البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 2/182، كتاب الأذان (10) ، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام 31 رقم الحديث (691) .

(20)

سورة التوبة: آية (11) .

(21)

علي حسن العريض: فتح الرحمن في تفسير سورتي الفاتحة ولقمان ص 92.

(22)

سورة آل عمران: آية (110) .

ص: 462

(1)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/380، كتاب الإيمان (1) ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (20) ، رقم الحديث 78/49.

(2)

المرجع السابق: 2/384، رقم الحديث. 80/50.

(3)

عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/630-632.

(4)

الترمذي: الجامع الصحيح 4/468، كتاب الفتن (34) ، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (9) ، رقم الحديث (2169) .

(5)

سورة لقمان: آية 171.

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

الفيروز آبادي: القاموس المحيط 541.

(6)

عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية 2/293.

المرجع السابق.

(7)

سورة الزمر: آية (10) .

(8)

عبد الرحمن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 54-55.

(9)

سورة المنافقون: آية (8) .

(10)

عبد الرحمن النحلاوي: المرجع السابق ص 55-57.

(11)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

(12)

الفخر الرازي: التفسير الكبير 25/149.

(13)

سورة لقمان: آية (18) .

(14)

سورة لقمان: آية (19) .

(15)

ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 3/446.

(16)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/70.

(17)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 16/378، كتاب البر والصلة والآداب (45) ، باب استحباب العفو والتواضع (19) ، رقم الحديث 69/2588.

(18)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 2/647، كتاب الإيمان (1) ، باب بيان غلظ تحريم

(46) ، رقم الحديث 172/107.

الفيروز آبادي: القاموس المحيط 308.

(19)

عبد الرحمن الميداني: الأخلاق الإسلامية وأسسها 1/676.

(20)

المرجع السابق 1/678.

(21)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

(22)

سورة الإسراء: آية (29) .

(23)

سورة البقرة: آية (143) .

حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 130- 131.

(24)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.

سورة لقمان: آية (19) .

(25)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.

(26)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

ص: 463

(1)

المرجع السابق.

(2)

الملاحاة: الملاومة والمباغضة. البخاري: صحيح البخاري بشرح فتح الباري 6/350، كتاب الخلق (59) ، باب خير مال المسلم (15) ، رقم الحديث (3303) .

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/72.

(3)

عبد الرحمن السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 6/79.

المرجع السابق 6/ 79-80.

سورة الذاريات: آية (56) .

(4)

عبد الرزاق العباد: الشيخ بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة ص 64.

سورة الذاريات: آية (56) .

سورة الأنبياء: آية (25) .

(5)

انظر حديث جبريل عليه السلام ص 18.

(6)

سورة لقمان: آية (13) .

(7)

سورة لقمان: آية (13) .

(8)

حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 87-88.

(9)

المرجع السابق.

(10)

الماوردي: أدب الدنيا والدين ص 9.

(11)

حسن الشرقاوي: نحو تربية إسلامية ص 92.

(12)

المرجع السابق: ص 93.

(13)

لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع انظر النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 77-104.

(14)

كلابيب: جمع كلوب وهي حديدة معطوفة الرأس يعلق فيها اللحم وترسل في التنور.

(15)

السعدان: من أفضل مراعي الإبل وشوكه مستدير يشبه حلمة الثدي. انظر الجوهري: 1/485 مادة (سعد) .

(16)

مسلم: صحيح مسلم 1/165، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (81) ، رقم الحديث (182) .

(17)

سورة لقمان: آية (16) .

(18)

الترمذي: 4/677، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم الحديث (51) وقال: هذا حديث حسن صحيح واللفظ له. وأحمد: مسند الإمام أحمد 1/293-303-307.

سعيد إسماعيل علي: أهداف المدارس الإسلامية ص 99.

(19)

عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 1/155.

سورة الرحمن: الآيتان (26-27) .

(20)

سورة الذاريات: آية (56) .

(21)

سورة النحل: آية (36) .

(22)

ابن تيمية: العبودية ص 23، وانظر سليمان بن عبد الوهاب: تيسير العزيز الحميد ص 45-46.

(23)

محمد قطب: منهج التربية الإسلامية 1/38.

ص: 464

(1)

عبد الرحمن النحلاوي: أصول التربية الإسلامية ص 57.

المرجع السابق: ص 59.

(2)

سورة البقرة: آية (45) .

(3)

النسائي: سنن النسائي بشرح الحافظ السيوطي وحاشية السندي 1/231-232، كتاب الصلاة (5) ، باب الحكم في تارك الصلاة (8) ، رقم الحديث (463) .

(4)

البخاري: صحيح البخاري على فتح الباري 1/513، كتاب الصلاة (8) ، باب إذا بدره البزاق. (39) ، رقم الحديث (417) .

(5)

العنكبوت: (45) .

(6)

أحمد بن حنبل: مسند الإمام أحمد 6/159.

(7)

سورة لقمان: آية (17) .

(8)

سورة النحل: آية (96) .

(9)

سورة الزمر: آية (10) .

عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام 1/149.

(10)

ابن حجر: فتح الباري 10/400.

انظر ذلك بالتفصيل ص 20-24 من هذه الدراسة.

(11)

سورة لقمان آية (18) .

(12)

ابن ماجه: سنن ابن ماجه 2/1397، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر، رقم الحديث (4174) .

(13)

سورة الأعراف: آية (146) .

(14)

انظر تخريج الحديث ص 38.

(15)

مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي 17/205، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم الحديث 64/2865.

(16)

البخاري: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق 40/142.

(17)

ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/490.

(18)

حسن أيوب: السلوك الاجتماعي في الإسلام ص 432.

(19)

الجزائري: أيسر التفاسير 3/289.

(20)

سورة لقمان: آية (63) .

(21)

سورة لقمان: آية (19)

(22)

القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 14/71.

(23)

سيد قطب: في ظلال القرآن 5/2790.

(24)

إياكم: أحذركم.

(25)

بد: غنى عنه.

(26)

المجالس: الجلوس في تلك المجالس.

(27)

حقها: ما يليق بها من آداب.

(28)

غض البصر: خفض النظر عمن يمر في الطريق من النساء وغيرهن مما يثير الفتنة.

(29)

كف الأذى: عدم التعرض لأحد بقول أو فعل يتأذى منه.

ص: 465

(1)

البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 2/870، باب أفنية الدور والجلوس فيها والجلوس على الصّعدات، رقم الحديث (2333) .

ثكلتك أمك أي فقدتك. ويريد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءا. ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 1/ 217.

(2)

يكب: كب لوجهه، وعلى وجهه كَبا أي قلبه وألقاه. المعجم الوسيط ص771. ويكون المعنى هنا يقلبهم.

(3)

حصائد ألسنتهم: أي ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه. ابن الأثير: مرجع سابق 1/394.

(4)

الترمذي: سنن الترمذي 5/12، كتاب الإيمان، باب ما جاء في مرحة الصلاة، رقم الحديث (2616)

(5)

ما يتبين فيها: لا يتدبرها ولا يتفكر في قبحها وما يترتب عليها.

(6)

يزل بها في النار: ينزلق بسببها ويقرب من دخول النار.

(7)

أبعد مما

: كناية عن عظمها ووسعها.

(8)

البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 5/3377، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث (6112) .

(9)

من رضوان الله: مما يرضى الله تعالى.

(10)

لا يلقى لها بالا: لا يبالي بها ولا يلتفت إلى معناها خاطره ولا يعتد بها ولا يعيها بقلبه.

(11)

سخط الله: مما يغضبه ولا يرضاه.

(12)

يهوى بها: يسقط بسببها.

(13)

البخاري: صحيح البخاري، ترتيب مصطفى البغا 5/2377، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث (6113) .

الماوردي. أدب الدنيا والدين ص 237.

(14)

المرجع السابق: ص 245.

(15)

سورة لقمان. آية (19) .

(16)

البخاري: صحيح البخاري 4/98، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال.

(17)

ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري.1/458.

(18)

البخاري: الأدب المفرد، رقم الحديث (297) .

(19)

ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/459.

ص: 466