الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 107
فهرس المحتويات
1-
مقدمة العدد
2-
الإلحاد والظلم في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ
…
تابع لإلحاد والظلم في المسجد الحرام بين الإرادة والتنفيذ
الدكتور: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود
3-
تأمُّلات: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
4-
موجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة
…
تابع لموجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة
د. محمود عبد الرحمن قدح
5-
من ذخائر ابن مالك في اللغة مسألة من كلام الإمام ابن مالك في الاشتقاق: الدكتور: محمد المهدي عبد الحي عمار
6-
موت الألفاظ في العربية
…
تابع لموت الألفاظ في العربية (1)
…
تابع لموت الألفاظ في العربية (2)
…
تابع لموت الألفاظ في العربية (3)
للدكتور عبد الرزاق بن فراج الصاعدي
7-
المنصوب على التقريب: د/ إبراهيم بن سليمان البعيمي
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
مقدمة العدد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الصادق الأمين، أرسله الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، عبد لا يُعْبَدُ، ورسول لا يُكَذَّبُ، بل يُطاع ويُتَّبعُ، ولا يعبد الله إلا بما شرع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فيسرني أن أقدم لهذا الإصدار الجديد من مجلة الجامعة الإسلامية، وقد حوى العديد من المواد العلمية القيمة، لنخبة من أعضاء هيئة التدريس، جاءت فنونها متنوعة، في التفسير بالمأثور، والإلحاد والظلم في المسجد الحرام، بين الإرادة والتنفيذ، وتأملات في مماثلة المؤمن للنخلة، وتاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة، وفي اللغة العربية، كلها علوم نافعة، ولله الحمد، تتمشى مع سمة المجلة وهي مجلة علمية محكمة، تتفق مع منطلقها، حين وضعت في المنطلق الصحيح، من المجلس العلمي، الذي يشرف على الشؤون العلمية لأعضاء هيئة التدريس، وشؤون البحث العلمي والدراسات والنشر، تحقيقا لهوية الجامعة الإسلامية، التي هي مؤسسة علمية وثقافية، تعمل على هدي من الشريعة الإسلامية، وتقوم بتوفير التعليم الجامعي، والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي، والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها، بالإضافة إلى ما تتميز به الجامعة الإسلامية، في مقرها الرئيسي، في المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة، وأزكى التحية، وما تتميز به من عالميتها، وما تحتويه من المنح الدراسية، لأبناء ما يزيد على مائة وأربعين جنسية، من أبناء العالم الإسلامي، التي توفرها حكومة خادم الحرمين الشريفين، من منطلق اهتمامه حفظه الله، واهتمام حكومته، بشؤون المسلمين، وقضاياهم، وهو اهتمام يمليه دين الإسلام، فإن الإسلام هو الدين عند الله، كما قال تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19] . ولا يقبل الله من أحد دينا غيره، كما قال تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] . وهو الهدى، ودين الحق، الذي أرسل الله به رسوله، خاتم الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، وهو: محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله ابن عبد المطلب، من
العرب، من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، مكة مولده، والمدينة مهاجره. ختم الله به الأنبياء والرسل، كما قال تعالى:{وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . فليس بعده صلى الله عليه وسلم نبي ولا رسول إلى قيام الساعة. أرسله الله رحمة للعالمين، كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] . والحاجة إلى رسالته فوق كل حاجة، والضرورة إليها فوق كل ضرورة، إذ لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا سعادة، ولا أمن ولا طمأنينة، إلا باتباعها، قال الله تعالى:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123-124] . قال ابن عباس: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية"[1] . وإلى ذلك كانت دعوته صلى الله عليه وسلم، ودعوة من اتبعه إلى يوم القيامة، كما أمره الله عز وجل، بقوله:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] . فأتباعه صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى الله تعالى، وهم أهل البصيرة، ومن لم يكن من أتباعه فليس من أهل البصيرة، ولا من الدعاة إلى الله وإن زعم ذلك، وحيث تكفل الله بحفظ دينه إلى قيام الساعة، كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] . أقام الله لهذه الأمة من يحفظ بهم أصول الدين، كلما مضى جيل خلفه جيل بعده، كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس، حتى
يقاتل آخرهم المسيح الدجال"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم [2] .
وممن وفقه الله للقيام بهذا الأمر، ولله الحمد والمنة، الإمام محمد بن سعود رحمه الله حين نصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى التوحيد، وكذلك من ورثهم ممن بعدهم، قاموا بهذا الأمر خير قيام.
ولقد كان الأمر جليا لدى الملك عبد العزيز رحمه الله، حيث يقول:"يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا بالوهابي، باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش، نشأ عن الدعايات الكاذبة، التي كان يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد، وعقيدة جديدة، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، كلهم محترمون في نظرنا، هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعوا إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شائبة، منزهة عن كل بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها، وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب". إلى أن قال رحمه الله: "إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق، بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم سبب هذه التفرقة وهذه المصائب،.. إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من الأجانب، يأتي أجنبي إلى بلد ما، فيه مئات الألوف بل الملايين من المسلمين، فيعمل عمله بمفرده، فهل يعقل أن فردا في مقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس، إذا لم يكن له من هذه الملايين أعوان، يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم؟.. كلا ثم كلا.. فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا.. أجل إن هؤلاء الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم، إذا فاللوم واقع على المسلمين وحدهم لا على الأجانب.. إن البناء المتين لا يؤثر فيه شيء، مهما حاول الهدامون هدمه، إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول، وكذلك المسلمون، لو
كانوا متحدين متفقين لما كان في مقدور أحد خرق صفوفهم وتمزيق كلمتهم.." [3] .
ولقد صدق عبد العزيز رحمه الله، واستخدم سلطانه في التمكين للإسلام، ورفع رايته، وتطبيق شريعته، في بلاده، فمكن الله له، وفتح عليه، وأبقى ملكه فيه، وفي أبنائه من بعده، بل أعاد لكل سعودي اعتباره، وحفظ به في سلطانه على المسلمين معالم دينهم، وأقام به مناسكهم، وبمملكته نواة وحدتهم، وجمع به فئة جماعتهم، ولازال أبناؤه من بعده على نهجه وسننه، ولا يزالون على ذلك إن شاء الله تعالى، قال الله تعالى:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] .
ونذكر خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله تعالى، فنذكر مفخرة المسلمين في عمارة الحرمين الشريفين، والمشاعر المقدسة، والعناية بالمساجد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والاهتمام بأمر المسلمين، وخدمة قضاياهم. وما الجامعة الاسلامية، في المدينة المنورة، إلا إحدى المآثر الخالدة، في نشر الاسلام والتمكين له، من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم المنورة، توفر حكومة خادم الحرمين الشريفين من خلالها آلاف المنح الدراسية، لأبناء المسلمين، من مختلف الدول والجنسيات، وتضم كليات: للشريعة، واللغة، والقرآن، والحديث، والدعوة وأصول الدين، وداري الحديث بمكة والمدينة، ومعاهد متوسطة وثانوية، وشعبة لتعليم اللغة لغير الناطقين بها، وعمادات: خدمة المجتمع، وشؤون الطلاب، وشؤون القبول والتسجيل، وشؤون المكتبات، والدراسات العليا، والبحث العلمي، وتعنى في مطابعها، بطبع البحوث والرسائل العلمية، وكتب التراث الإسلامي، وغيرها من مطبوعات نافعة، وها هي تصدر هذا العدد (107) من مجلتها العلمية المحكمة، التي أشارك فيها بهذا التقديم، سائلا الله العلي القدير، أن تحقق جامعتنا الأهداف النبيلة، التي أنشئت من أجلها، في العلم النافع، والعمل الصالح، هذا واستغفر الله وأتوب إليه وأصلي وأسلم على رسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مدير الجامعة الإسلامية
د. صالح بن عبد الله العبود
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/381، وصححه، ووافقه الذهبي.
[2]
انظر: صحيح البخاري 3640، وصحيح مسلم 1920، وغيرهما من دواوين السنة.
[3]
انظر: الملك الراشد، ص 369-371، المصحف والسيف، ط4، ص55،56.
تابع لموت الألفاظ في العربية
الباب الرابع
إحياء الممات
الفصل الأول: الحاجة إلى إحياء الممات.
الفصل الثاني: موقف العلماء من إحياء الممات.
الفصل الثالث: دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات.
الفصل الأول
الحاجة إلى إحياء الممات
اللغة ألفاظ معدودة يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، والأغراض تتجدد والمعاني تتولّد، والحضارة تقذف كلّ يوم بمخترع، والعلوم تطالب كل حين بمصطلح جديد، والألفاظ محدودة، والمعاني لا تنتهي واللغة التي لا تستوعب حاجات أهلها ولا تساير ركب الحياة تضمحل ثم تموت.
وللغات الحية وسائل تنمو بها، وطرائق تجدد بها شبابها، وللعربية وسائلها وطرائقها التي تنمو بها وتتجدد، ومن أبرز هذه الوسائل [1] :
1-
القياس.
2-
الاشتقاق.
3-
الوضع والارتجال.
4-
النحت.
5-
القلب والإبدال.
6-
نقل الدلالة.
7-
التعريب.
8-
إحياء الممات.
وهذا الأخير لم أجد من ذكره في وسائل تنمية اللغة، وهو في رأيي المتواضع أحدها، وإن لم يكن أهمها، ويمكن اللجوء إليه والاستفادة منه عند الحاجة، وبخاصة إذا أردنا أن نحافظ على نقاء اللغة ونحد من ظاهرة الاقتراض في العربية بشقيها المعرب والدخيل.
ويطيب لي أن أقول من خلال هذا البحث أن للمات دوراً في تنمية اللغة العربية يتمثل في إمدادها بألفاظ من مخزونه الثري، فلربما ماتت الكلمة واختفت زمناً طويلاً ثم بعثت من جديد لتستخدم في معناها القديم، أو في معنى جديد، كإحياء الكلمات الميتة للتعبير عن المصطلحات العلمية الجديدة، ولهذا يقول علماء اللغة المعاصرون: إنه من الخطأ أن نقول: (إن كلمة ما قد ماتت؛ إذ إنّ هناك دائماً احتمال عودتها للحياة، ولو كان ذلك بعد قرون عديدة من الهجوع والاختفاء من الاستعمال [2] .
وممّا أعيد استعماله من الممات "الإتاوة"بمعنى الجزية والخراج، فقد دَبَّتْ في هذه الكلمة الحياة من جديد، فذكرتها المعاجم المعاصرة الّتي تعنى بالمفردات الحية [3] ، وقد نصّ علماء اللّغة القدامى على إماتتها، وأنّها من ألفاظ الجاهلية [4] .
وذكر ابن دريد أنّ (الغوث) من غاث غوثاً أميت مع فعله، واستعمل منه أغاثه يُغيثه إغاثة [5] . وقد أحيا المعاصرون هذا الفعل الثلاثيّ الممات، واستعملوا منه قولهم:"غوث اللاجئين"وهو من تعبيراتهم المشهورة.
وأحيت العامّة في جزيرة العرب فعلاً مماتاً، وهو (قَلَطَ) فقالوا في ترحيبهم بالضّيف: اقْلُطْ؛ أي: تفضلْ بالدّخول، وصرَفوه في كافَة أزمنة الفعل واشتقّوا منه اسم الفاعل. وقد ذكر ابن دريد أنّ الفعل (قَلَط) ممّا أميت من الأفعال [6] ، ولهذا لم يرد له ذكر في معاجم اللّغة؛ كـ (العين) ، و (الأفعال) للسّرقسطيّ، و (الأفعال) لابن القوطيّة، و (الأفعال) لابن القطّاع، و (اللّسان) و (القاموس) و (التّاج) .
وإذا أمكن إحياء لفظ مهجور لمعنى مستجد مع وجود لفظ مولّد يمكن أن يؤدّي الغرض فإنّ إحياء القديم خير من استعمال المولّد، بشرط أن يكون ممّا يستساغ لفظه ويقبل تركيبه.
وذهب بعض المعاصرين إلى خلاف ذلك فرأى أنّ استعمال اللّفظ المولّد خير من إحياء اللّفظ الميّت واستبقاء المولود الجديد أولى من إحياء الميّت القديم [7] .
وإحياء الممات خير من استعمال المهمل؛ لأنّ المهمل لم تأتلف حروفه من أصل الوضع اللّغوي لعلل صوتيّة في الكثير الغالب، كما يظهر ذلك من تأمّل المهمل في معاجم التقليبات، وأمّا الممات فإنّه ممّا ائتلفت حروفه وساء حينا ثمّ باد لعلل دلاليّة في الكثير الغالب، والدّلالة دائمة التّغير والدّوران.
ويتّصل بإحياء الممات واستعماله الاشتقاق منه دون إحيائه، وهذا عنصر فعال في تنمية اللّغة، وقد أكثر العرب قديماً من الاشتقاق من ألفاظ مماته نصّ عليها بعض المعجميّن، فمن ذلك اشتقاقهم (العَدَوليَة) وهو ضرب من السّفن منسوب إلى لفظ ممات، وهو (عَدَوْلاه)[8] .
واشتقّت العرب من (كَهَفَ) وهو فعل ممات قولهم: كَنْهَفَ عنَا، إذا تنحّى [9] .
واشتقوا من (هَرَلَ) هَرْوَلَ هرولة [10] .
وقال اللغويّيون: إنّ اسم هذيل مشتقّ من فعل ممات، وهو (هَذَلَ)[11] .
واشتقّت العرب (العذيوط) من فعل ممات، وهو (عَذَطَ)[12] .
ومثل هذا كثير، أوردنا منه قدراً صالحاً من الأمثلة في الباب الثاني من هذا البحث وهو يدل دلالة لا لبس فيها على أنه يجوز الاشتقاق من الممات.
ويمكن - من جانب آخر - أن يعد الممات عند موته عاملاً من عوامل نمو اللغة "فكل تجديد أو نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، واللغة في هذا تشبه الكائن الحيّ"[13] الذي تتجدد خلاياه مع مرور الزمن، فليس في اللغة كسب دائم من النمو يوفر لها ثراء لا يتناهى، وليس فيها جمود وثبات مطلق، فهي تحاول دائماً أن تصل إلى نوع من التوازن الدقيق، فكما "تقترض ألفاظاً من اللغات الأخرى لتسعف حاجات المتكلمين بها نراها تستغني عن ألفاظ أخرى تختفي من الاستعمال"[14] .
والممات بهذا المعنى يؤدي دورة في نمو اللغة، ويسهم مع سائر العوامل الأخرى في بقاء اللغة قوية قادرة على مواجهة مستجدات الحياة الفكرية والمادية، فشأنه في هذا شأن الخلية الميتة في جسم الإنسان التي تفسح بموتها المجال للخلية الجديدة الشابة ليبقى الجسم قوياً قادراً علىالحياة.
وبالجملة فإنّ الممات عامل مهمّ من عوامل نموّ اللّغة، في إماتته وفي إحيائه، ففي إماتته إفساح المجال لتنمية اللّغة وتجديدها، وفي إحيائه حقن للّغة بألفاظ أصيلة مألوفة للّغة ومقاييسها.
الفصل الثاني
موقف العلماء من إحياء الممات
لعلماء العربيّة موقفان متضادّان في إحياء الممات وهم في ذلك فريقان: فريق لا يجيز إحياء الممات، وفريق يجيزه.
وممّن لا يجيزون إحياء الممات (ثعلب) فهو يَعُدُّ ماضي وَذَرَ ووَدَعَ من غير الفصيح، ولا يجوز الكلام بهما [15] .
ومنهم الفارابيّ إذ نقل عنه الفيّوميّ أنّه قال: "والعرب قد تميت الشيء حتّى يكون، مهملاً فلا يجوز أن ينطق به"[16] وهذا نصّ صريح الدّلالة.
ولا يجيز أبو عليّ الفارسيّ استعمال ما أميت من (يَدَعُ) و (يَذَرُ) لأنّ العرب رفضت ذلك واستغنت عنه [17]، وعلى هذا يمكن أن يقال: إنّه يمنع إحياء الممات، قياساً على منعه إحياء ماضي يَدَعُ ويَذَرُ.
ويوافقه في ذلك تلميذه ابن جنّي في كلامه في باب القول على الاطّراد والشّذوذ، يقول: "فإن كان الشّيء شاذّاً في السّماع مطّرداً في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
من ذلك امتناعك من: وَذَرَ ووَدَعَ؛ لأنّهم لم يقولوهما ولا غرو عليك أن تستعمل نظيرهما نحو وَزَنَ ووَعَدَ، لو لم تسمعهما، فأمّا قول أبي الأسود:
لَيتَ شِعْرِي عَن خَلِيلِي مَا الَّذِي
غَالَهُ في الحُبِّ حَتَّى وَدَعَه
فشاذّ، وكذلك قراءة بعضهم:"ما وَدَعَك رَبُّكَ وما قَلَى"[18] .
وأشار إلى ذلك السّيوطيّ في "المزهر"[19] .
وأمّا الفريق الثّاني فإنّه يجيز إحياء الممات واستعماله لدوره المهم في تنمية اللغة وإثرائها، ومن أقدم من قال ابن درستويه في رده على ثعلب الّذي يمنع استعمال الماضي والمصدر من وَذَرَ ووَدَعَ، قال ابن درستويه: "واستعمال ما أهملوا [20] جائز صواب وهو الأصل وقد جاء في الشّعر منه قول أبي الأسود
…
وقَرَأتَ القرّاء
…
واستعمال ما لم يستعمله العرب م ن ذلك [21] غ ير خطأ، بل هو في القياس الوجه، وهو في الشّعر أحسن منه في الكلام، لقلّة اعتياده؛ لأنّ الشّعر - أيضاً- أقلّ استعمالاً من الكلام" [22] .
ويدلّ هذا الرّأي الجريء من ابن درستويه على فهم دقيق مبكّر لدور الممات، وأهميّته في اللّغة ونموّها.
ويبدو لي أنّ كثيراً من علماء العربيّة المتقدّمين يوافقون على هذا الرّأي وإن لم يصرّحوا به، وإنّما يفهم من موقفهم من ماضي (يَدَعُ) فهم يحكمون بأنّه من الممات، مع أنّهم ذكروا بعض الشّواهد على استعماله، من دون أن يخطّئوا صاحبه، أو يضعّفوا قوله، وذكروا بعض القراءات وهم يرون الاحتجاج بالقراءات الشّاذّة في اللغة، وليس لذلك تفسير عندي سوى الإقرار منهم بأنّ الفعل المَيّت قد يظهر في الاستعمال على قلة إذا دعت الحاجة إليه في شعر أو غيره، فيكون من باب إحياء الممات.
وقد حمل الأستاذ سعيد الأفغاني على علماء العربيّة القدامي وسفّه قولهم بإماتة هذا الفعل، وقال: "والطّريف أنّ بعض المحقّقين ممّن تأخر زمانه عن أولئك صحّح خطّأهم فأثبت صاحب المصابح هذه اللّغة الفصيحة في معجمة واستنكر ادّعاءهم الإماتة
…
وبذلك ترى تسرّب الوهن إلى بعض أحكامهم إذ كانت خطّتهم ينقصها الإحكام في المنهج والكفاية في الاستقراء معاً، وكان عليهم قبل إرسالها استيعاب قراءات القرآن على الأقلّ والاحتجاج بها" [23] .
ولو تدبّر الأستاذ الأفغاني رحمه الله في ذلك وتأمّل طريقة علمائنا في تناول هذا الفعل المتمثلة في الجمع بين قولهم بإماتته وروايتهم قدراً من الشّواهد على استعماله لربّما توصّل إلى مثل ما توصّلت إليه، وتجنب اتهامهم رحمهم الله بالخلل في المنهج وعدم الكفاية في الاستقراء.
ويبدو أنّ في صنيع أصحاب المعاجم دلالة قويّة على أهميّة الممات، وأعنى بذلك احتفاظهم بالممات في بطون المعاجم الكبيرة المتأخّرة، كـ (التكملة) و (العباب) و (اللسان) و (القاموس) و (التاج) ولعلّ ذلك إرهاص لإحيائه عند الحاجة، وفي هذا كانت المزية للعربيّة، إذ لا تحتفظ سائر اللّغات إلا بالمستعمل، وهو مهدّد بالموت، ومعرّض لقوانين التّطور اللّغويّ والتّعبير الصّوتيّ، فإذا أميت بالترك لم يكن في طبائعها ما تعوض به المتروك الجديد بمتروك قديم، فتضطرّ إلى الاستجداء من لغات أخرى [24] ، فقد تصاب بالتّخمة والتّسمم لكثرة ما في أحشائها من الدّخيل.
ولقد ظهرت دعوات في الأوساط اللّغويّة العربيّة المعاصرة للاستفادة من الممات وإحيائه بطريقة منظّمة، تتمشّى مع خطّة معيّنة، تمليها السّياسة اللّغويّة، وتهدف إلى التخلّص من الكلمات الأجنبية أو إلى سدّ النقص الملحوظ في الاستعمال، الّذي لا يمكن معالجته بالطّرق المألوفة، وقد شاع هذا الاتجاه في لغات أجنبيّة في القرن الثامن عشر، كاللغة الألمانية، عند ما جاهد دعاة المحافظة على اللغة وقواعدها في سبيل التّخلّص من الكلمات الفرنسيّة الدّخلية [25] .
أمّا في العربيّة فقد أحيا الأدباء والعلماء في العصور الحديثة كثيراً من الألفاظ القديمة للحاجة إلى معانيها، وتبعاً للمخترعات الصناعيّة الّتي تستلزم بعض المصطلحات، ومن هنا وجدناهم يعيدون إلى اللّغة شيئاً من الألفاظ المهجورة "فكثيراً ما يلجؤون إلى ذلك للتّعبير عن معان لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبّر عنها تعبيراً دقيقاً، أو لمجرد الرّغبة في استخدام كلمات غريبة، أو في التّرفع عن المفردات الّتي لاكتها الألسنة كثيراً، وبكثرة الاستعمال تبعث هذه المفردات خلقاً جديداً، ويزول ما فيها من غرابة، وتندمج في المتداول المألوف، ولا يخفى ما لذلك من أثر في نهضة لغة الكتابة واتّساع متنها وزيادة قدرتها على التّعبير"[26] .
وعلى الرغم من ذلك فثمة فريق من علماء العربية المعاصرين يميل إلى تجديد اللغة وتنميتها عن طريق الوسائل المشهورة كالاشتقاق والارتجال والمجاز والنحت والتعريب، ويدعو إلى ترك الغريب والحوشي والمهجور والممات وتفريغ المعاجم اللغوية مما تحويه من ذلك [27] .
ومن أظهر من يمثل هذا الرأي المعلم الخوري بطرس البستاني الذي عدّ اشتمال المعاجم العربية على الغريب والحوشي والمهجور والممات عيباً من عيوبها وشائبة ينبغي تخليص المعاجم منها لمكان ذلك من الغرابة أو لتوغله في الحوشية والوحشية أو لهجره، وهو يرى أن دفنه خير من بقائه ويشبه بقاءه بالدُّمَّل في جسم اللغة البهي [28] .
ويتألم هذا الباحث ويتحسر لاتجاه اللغويين والمعجمين إلى الإبقاء على هذا النوع من الألفاظ في معاجم العربية، ويقول:"ومما هو جدير بالأسف أنه بات من الراسخ في وهمنا أن تلك الألفاظ المستكرهة لا بد من إثباتها في معاجمنا، وإلا اجترحنا أفظع جريرة في حق لغتنا، وأفقدناها كنزاً ثميناً لا يعوض ولا نعلم متى تسقط هذه الكلمات المنبوذة من معاجمنا"[29] .
وهذه نظرة غير موفقة لهذا النوع من الألفاظ التي يمكن الاستفادة منها بإحيائها في معناها أو بإلباسها معنى جديداً كما استفادت بعض اللغات الحية من ممات اللاتينية القديم.
الفصل الثالث
دور مجامع اللغة العربية في إحياء الممات
تنطلق مجامع اللغة العربية في عنايتها باللغة وحرصها على نقائها وإثرائها بما يضمن لها النماء والحيوية ومسايرة مستجدات العصر من نظرتين متوازيتين:
إحداهما: الحفاظ على التراث اللغوي للعربية، وتقريب بعيدة، وتيسير غريبة، وإحياء مماتة.
ثانيهما: الاقتراض والترجمة.
ولهذه المجامع نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجدّ من المعاني والمصطلحات، وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحدّ من تسرّب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون الممات أحد الوسائل النافعة التي تمدّ العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر.
ولكن المجامع اللغوية التي تكاثر فيها الأعضاء المجددون اتجهت بتأثير منهم نحو اعتماد آراء أكثر جرأة في التجديد والانفتاح على اللغات الحية عن طريق التعريب والترجمة، فانعكس ذلك سلباً على نشاط المجامع في إحياء الممات أو العودة إلى الغريب والحوشي والمهجور.
ومن هذا المنطلق تعالت الأصوات الداعية إلى ترك الممات وإهمال المهجور والألفاظ الحوشية الجافية بحجة عدم الحاجة إليها أو قلة الفائدة منها.
ومن هؤلاء علي الجارم الذي ذكر أنه وجد بمجلة المجمع القاهرة ألفاظاً قديمة غير مستعلمة، وقد اعتمدت للتعبير عن أشياء جديدة تختلف معانيها عن معانيها القديمة، وهو لا يستسيغ هذه الطريقة [30] .
وقدم الأستاذ أحمد أمين اقتراحاً يقضي بالتخفف من كثير من مفردات اللغة، وهو يرى "أن أولى الكلمات بالإعدام هي تلك الكلمات الحوشية فلا بد من استبعادها وعدم إدخالها في المعاجم الجديدة"[31] .
وعلق عليه الدكتور إبراهيم أنيس مؤيداً تخليص اللغة من الألفاظ الحوشية والمهجورة [32] وأدى هذا الاقتراح للأستاذ أحمد أمين إلى صدور قرار لمجمع اللغة بالقاهرة في الدورة الثلاثين سنة 1964م وفيما يلي نص القرار:
"من الواجب أن يكون من المعاجم ما يتضمن كل كلمات اللغة، أما وصف بعض الألفاظ بأنها حوشية فذلك اعتبار بلاغي لا لغوي، ولا يستبعد اللفظ من المعاجم بأنه حوشي"[33] .
وبهذا رد المجمع الاعتبار للألفاظ القديمة وفتح الباب للإفادة منها في المصطلحات العلمية الجديدة، فأصبحت القاعدة تنص على تفضيل المصطلحات العربية القديمة على المصطلحات المستحدثة شريطة ألا تكون المصطلحات المستحدثة شائعة في الاستعمال، وأن تكون المصطلحات القديمة معبرة عن المقصود تعبيراً دقيقاً [34] .
وكان لتدخل الشيخين حسين والي وأحمد الإسكندري [35] أثر ظاهر في ترجيح كفة المحافظين الداعين إلى الاستعانة بالتراث اللغوي القديم بجميع أوجهه، ومنها الغريب والحوشي والمهجور والممات.
وكان الاتجاه اللغوي في باقي مجامع اللغة العربية مشابهاً لما يدور في أروقة مجمع القاهرة فثمة تياران يتنازعان في مجمع دمشق أحدهما محافظ والآخر مجدد، يدعو أولهما إلى إحياء التراث اللغوي، والتحفظ على ظاهرة الاقتراض اللغوي، فثمة باحثون في ذلك المجمع سعوا إلى استثمار رصيد العربية اللغوي استثماراً إيجابياً [36] .
ومهما يكن من أمر فإن مجامع اللغة - في الجملة - تنظر إلى تراث العربية القديم بما فيه من حوشي ومهجور وممات نظرة احترام وتقدير، وتدعو إلى استثمار ذلك الرصيد الوافر لتنمية اللغة والاستعانة به في المصطلحات شريطة أن يعالج من قبل لغويين متخصصين، لا يتقيدون بالمعنى القديم لتلك الألفاظ، فقد يعمدون إلى نزع دلالي كامل يطبق على بعض تلك الألفاظ المماتة مثلما فعل العلماء الأوربيون الذين هجموا على الممات في اللاتينية واشتقوا منه كثيراً من مصطلحاتهم [37] بعد تحوير المعنى اللغوي القديم، وتضمينها المعنى العلمي الجديد.
ويبدو هذا الرجوع إلى القديم واضحاً عند محمود تيمور الذي استعلمه كثيراً في (معجم الحضارة) الذي تتميز مصطلحاته بقدمها ومحافظتها [38] .
ومن المصطلحات القديمة أو المهجورة أو المماتة التي أحياها بعض المعاصرين ووضعها لما يقابلها من المصطلحات الأجنبية: "زُلَّخة"[39] للتعبير عن (LUMBAGO) أحياها عبد الفتاح الصعيدي في بحثه (مصطلحات العلوم)[40] .
ومما أحياه بعض العلماء: (الوشيعة)[41] لـ: (LE GRILLAGE)
و (المَثْعَب)[42] لـ: (LE SIPHON)
و (السَّحْسَاح)[43] لـ: (LA DOUCHE)
و (الشِّمْراخ)[44] لـ: PETITE LISTE) (
و (الصَّفْنة)[45] لـ: (LA TROUSSE)
و (المَثْبَنَة)[46] لـ: (LE SACA)
وفي غير المصطلحات تدعو مجامع اللغة الأدباء والكتاب والعلماء للعناية بالمفردات المهجورة وإحيائها في كتاباتهم، لأن الكلمة التي تنقرض من لغة المحادثة تأوي إلى ركن شديد في ميادين الشعر أو الأمثال أو الآداب أو الفنون، فتتوطد لها فيه أسباب المنعة والبقاء [47] ، وتعود إلى الاستعمال عند الحاجة، وفي هذا يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: (أما نشأة كلمات في اللغة فتدعو إليها - في الغالب - مقتضيات الحاجة إلى تسمية مستحدث جديد مادّي أو معنوي
…
ويتم ذلك بإحدى الوسائل الآتية:
1 -
إنشاء الكلمة إنشاء
…
2 -
انتقال الكلمة من اللغة أو اللهجة إلى لغة أو لهجة أخرى
…
3 -
إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات المهجورة في اللغة.. ." [48] .
وبالجملة، فإن لمجامع اللغة نشاطاً ملحوظاً مشكوراً في إحياء الممات والمهجور والحوشي يتلخص في التشجيع على الاستفادة منه فيما يستجد من المعاني والمصطلحات بما يلائم روح العصر، للحد من تسرب الدخيل المعاصر إلى اللغة العربية.
الخاتمة
والآن؛ وقد انتهى بي المطاف إلى هذا الحد الذي اقتضاه المنهج وارتضاه البحث، وفق الخطة التي ذكرتها في المقدمة، وإذ انتهيت فيه إلى الصورة التي رجوت، يجدر بي أن أعرض لأبرز ما ورد فيه من أفكار أو حقائق أو نتائج، وهي على النحو التالي:
(أ) من ألفاظ العربية ما يملك مقومات الحياة والبقاء فيبقى، ومنها ما يفقد تلك المقومات فيموت ويفني، فاللغة كائن حي نام خاضع لناموس التطور والارتقاء، وليس فيها كسب دائم من النمو والتجدد، فكل نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر.
(ب) من الألفاظ في العربية ما يُعمر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية، كقوة المعنى، ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفّل الله عز وجل بحفظها.
(ج) لا يكون الموت في الألفاظ أبدياً، فكل لفظ مات واندثر قابل للبعث لتدب فيه الحياة من جديد، وتجري به الألسن بمعناه القديم، أو بإلباسه معنى جديداً.
(د) للمات في اللغة وجهان رئيسان:
الأول: موت الألفاظ، وهو موضوع هذا البحث.
الثاني: موت المعاني؛ أي أن يموت المعنى ويبقى اللفظ لتطور دلالته وانتقالها إلى معنى آخر، كالألفاظ الإسلامية التي تركت معانيها القديمة.
(هـ) الحكم القاطع بموت الألفاظ يقتضي الإطلاع على اللغة كاملة، وهذا من المحال، ولذا يجب الحذر وعدم القطع بالأحكام في الممات، ويحسن الاستئناس بأقوال علماء العربية المتقدمين وإشاراتهم في هذا الموضوع؛ لأنهم أقرب عهداً بمنابع اللغة وأصولها، وأكثر إحاطة بكلام العرب.
ويمكن - أيضاً - الاستعانة بمقاييس اللغة، فيقال مثلاً: إن للفعل الملازم للبناء للمجهول فعلاً مبنياً للمعلوم مماتاً، وإن للاسم الملازم للتصغير مكبراً مماتاً، وإن للجمع الذي لا واحد له مفرداً مماتاً؛ لأن المبني للمجهول والمصغر والجمع فروع، والمبني للمعلوم والمكبرّ والمفرد أصول؛ ووجود الفرع في الاستعمال يدلّ على استعمال قديم للأصل.
أما المفرد الذي لا جمع له من لفظه فإنه لا يتعيّن القول بأنّ له جمعاً مماتاً؛ لأن وجود الأصل دون الفرع لا يقتضي ذلك؛ أي: لا يقتضي ظهور الفرع، فيجوز أن يكون الفرع مما لم يستعمل أصلاً، أي أن يكون مهملاً، والمهمل غير الممات.
ومن أظهر الأدلة على هذا المقياس الفعلُ المضارع، فإن ظهوره في الاستعمال دون الماضي يقتضي القول بأن الماضي ممات، ومن هنا حكم علماء اللغة بإماتة الفعلين (وَذَرَ) و (وَدَعَ) استدلالاً بمضارعيهما:(يَذَرُ) و (يَدَعُ) .
وإن ظهر الماضي في الاستعمال دون المضارع والأمر تعيّن التوقّف في الحكم؛ لأنه لا يستدلّ بالأصل على إماتة الفرع.
(و) جاء الممات في العربية في الأسماء، وجاء في الأفعال - أيضاً. ولم أجد شيئاً منه في الحروف.
ففي الأسماء جاء في: أسماء الأيام، وأسماء الشهور، ومفرد بعض المثنيات أو الجموع، ومكبّر بعض الأسماء المصغرة، وأسماء متفرقة زالت بزوال معانيها.
وفي الأفعال جاء في أفعال أميتت صيغها وتصريفاتها بالكامل، وأفعال أميت المجرد منها دون المزيد، وأفعال أميتت بعض تصريفاتها، وأفعال مبنية للمجهول أميت المبني للمعلوم منها.
(ز) تموت الألفاظ لأسباب عديدة، وهي ترجع - في الجملة - إلى سببين أوعاملين رئيسين:
أحدهما: العامل الصوتي.
والآخر: العامل الدلالي.
وهذا الأخير هو العامل الفعال فيما يتصل بإماتة الألفاظ، وإليه يعود موت كثير من الألفاظ المشهورة في العربية، وللإماتة في هذا العامل عدة أسباب، من أبرزها:
1-
زوال المعنى.
2-
الاستغناء.
3-
العامل الديني.
4-
العامل الاجتماعي.
(ح) يمكن أن يعد إحياء الممات وسيلة فعالة من وسائل تنمية اللغة العربية من داخلها، إذا أُريد المحافظة على نقاء اللغة والحدّ من ظاهرة الاقتراض فيها بشقيها المعرب والدخيل.
(ط) لعلماء العربية القدامى والمحدثون موقفان متضادّان في إحياء الممات، وهم في ذلك فريقان:
فريق لا يجيز إحياء الممات.
وفريق يجيزه، ويرى أن يستعان به في تنمية اللغة.
(ي) لمجامع اللغة العربية نشاط ملحوظ في إحياء الممات يتلخص في التشجيع على الاستفادة من ممات العربية فيما استجد من المعاني والمصطلحات وإحياء ما يلائم روح العصر منه، والحد من تسرب الدخيل المعاصر إلى اللغة، ليكون أحد الوسائل النافعة التي يمكن أن تمد العربية بكلمات جديدة تدعو إليها الحاجة ومقتضيات العصر.
(ك) لظاهرة موت الألفاظ في اللغة العربية مصطلحات متعددة عند اللغويين القدامى، مثل:(الممات) و (المتروك) و (المهجور) و (العُقميّ) و (الاستغناء) و (المنقرض) و (البقايا الأثرية) و (الكلمات التاريخية) وهي مترادفة في معناها إلى حد كبير.
وقريب منها: (الحوشي) و (النادر) و (الشارد) و (الغريب) و (المذموم) و (المرغوب عنه) و (المنكر) و (الرديء) و (القبيح) .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ينظر: من أسرار اللغة 6، وعوامل تنمية اللغة العربية 59 وما بعدها، وعوامل التطور اللغوي 13 وما بعدها، والاشتقاق والتعريب 8 وما بعدها.
[2]
دور الكلمة في اللغة 214.
[3]
ينظر: المعجم الوسيط 1/4.
[4]
ينظر: الصاحبي 103.
[5]
ينظر: الجمهرة 1/429.
[6]
المصدر السابق 2/923.
[7]
ينظر: اللغة العربية كائن حي 93.
[8]
ينظر: العين 2/40.
[9]
ينظر: الجمهرة 2/970.
[10]
نفسه 2/802.
[11]
نفسه 2/702.
[12]
نفسه 2/1149.
[13]
المولد في العربية 141.
[14]
ينظر: المرجع السابق 151.
[15]
ينظر: الفصيح 289.
[16]
المصباح 702.
[17]
ينظر: المسائل العسكرية 135، 136.
[18]
الخصائص 1/99.
[19]
1/229.
[20]
يعني هنا ما تركوه؛ أي: الممات.
[21]
أي من الممات.
[22]
تصحيح الفصيح 127 أ، 127 ب.
[23]
في أصول النحو 35، 36.
[24]
ينظر: دراسات في فقه اللغة 293.
[25]
ينظر: دور الكلمة في اللغة 213.
[26]
علم اللغة لعلي عبد الواحد وافي 255، 256.
[27]
ينظر: في أصول اللغة 109، وأعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 196، والعيد الذهبي لمجمع اللغة العربية 192، والمعجم العربي: بحوث في المادة والمنهج والتطبيق 268.
[28]
ينظر: مجلة المشرق، سنة 1931م، مجلد 29 ص 683، 684.
[29]
مجلة المشرق سنة 1931م، مجلد 29 ص 683.
[30]
ينظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 166، ومحاضر الجلسات 2/77.
[31]
في أصول الفقة 71.
[32]
في أصول اللغة 109.
[33]
في أصول اللغة 71.
[34]
محاضر الجلسات 1/432.
[35]
ينظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 405.
[36]
ينظر: أعمال مجمع اللغة العربية بالقاهرة 414، والمصطلحات العلمية في اللغة العربية 65،66،75.
[37]
ينظر: اللغة والعلوم 24.
[38]
ينظر: أعمال مجمع اللغة 415.
[39]
الزُّلّخة: الزّحلوقة يتزلخ منها الصبيان، أي يتزحلقون. ينظر: القاموس المحيط (زلخ)322.
[40]
ينظر: مجلة مجمع القاهرة ج 13 ص 215.
[41]
الوشيعة: خشبة أو قصبة يلف عليها الغَزْل. ينظر: اللسان (وشع) 8/394.
[42]
المثعب: مسيل السطح والحوض ينظر: أقرب الموارد (ثعب) 1/88.
[43]
السَّحْسَح والسحساح: عرصة الدار، عرصة المحلّة. ينظر: اللسان (سحح) 2/477.
[44]
الشمراخ: الغرة التي دقّت وسالت في الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الجحفلة. ينظر: اللسان (شمرخ) 3/31.
[45]
الصَّفْنة: شيء يشبه العيبة يضع فيه الرجل متاعه ينظر: اللسان (صفن) 13/274.
[46]
المثبنة: كيس تضع فيه المرأة مِرآتها وأداتها. ينظر: اللسان (ثبن) 13/76.
[47]
ينظر: علم اللغة لوافي 300.
[48]
علم اللغة لوافي 298.
المنصوب على التقريب
إعداد
د/ إبراهيم بن سليمان البعيمي
الأستاذ المساعد في كلّيّة اللغة العربيّة
مقدمة
الحمد لله منزل الكتاب بلسان عربي مبين لم يجعل له عوجاً، أنزله على خير خلقه أفصح من نطق بالضاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك نبي الهدى والرحمة نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم البعث.
أمّا بعد: ففي ليلة من الليالي كنت أُهاتف زميلاً لي في القسم وتطرَّقَ الحديث بيننا إلى المنصوب على التقريب عند الكوفيين، وأنه من المصطلحات الطريفة الجديرة بإفرادها بالبحث فأشار عليَّ أن أنتدب لهذه المَهَمَّةِ قلمي وأكتب فيه ما يوضح ذلك المصطلح ويجليه للقُرّاء ولاسيمّا أنَّ كثيراً من طلبة العلم يخفى عليهم المراد منه فقلت: له عليك به، فاعتذر بما لديه من أعمال تشغله عن الكتابة فيه، فاستعنت بالله تعالى وأخذت أنقِّب عن ما دوِّن حوله فإذا أطول ما كُتب عنه لا يزيد عن وريقات معدودات في تعريفه أو عرض موجز لأحكامه دون بسط وتوضيح شاف لها، ثم رجعت إلى المصادر الأصيلة أستقرئها، وأستنبط منها ما أُهمل، أو أوجز في أحكامه؛ فإذا به بادئ الأمر يستحق أن يفرد ببحث، وبعد أن استوى الموضوع على سوقه من خلال القراءة والموازنة بين الآراء اتضح لي أنه كما قال جريرٌ عن شعر ذي الرُّمة: نقط عروس وأبعار ظباء، وأكبرت عندها البصريين وعلمت أنَّ سرَّ انتشار مذهبهم واستمراره؛ إنما هو من قوّة قواعدهم التي بنوا مذهبهم عليها، وأن العلماء المتأخرين وازنوا بين المذهبين فتبيَّن لهم رجحان المذهب البصري فأخذوا به.
من خلال هذا البحث أوضحت قواعد النصب على التقريب عند الكوفيين من مؤلفاتهم: تعريفه، وشروط إعماله عندهم، وموانعه، وأحكامه، والفرق بينه وبين الحال في مذهبهم، ثم الفرق بين الحال والقطع عندهم، وما يعمل وما لا يعمل من أسماء الإشارة، وتتبَّعت القرآن أستنبط منه الشواهد فتحقق لي منه والحمد لله ما لم أسبق إليه، وكذلك من كلام العرب المبثوث في المصادر الموثوق بها، ثم عرّجت على كتب البصريين أستقرئها، وأُوازن بينها وبين ما عند الكوفيين فأبرزت السبب المانع الذي جعل البصريين لا يقرّون بالتقريب ولا يقولون به رغم جعجعة ثعلب واتهامه سيبويه بأنه لا يعرف التقريب عندما يقول:"قال سيبويه: هذا زيد منطلقاً فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيداً ليُعْلَمَ لمن الفعل. قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريباً وهو لا يعرف التقريب"[1] .
وذاك السبب هو الذي جعل القول بإعمال التقريب يموت وليداً؛ حتى إنَّ ابن شقير البغدادي تلميذ ثعلب لا يذكر التقريب في كتابه "المُحلَّى وجوه النصب"، بل يعده حالاً كما يقول البصريون، لا خبراً لاسم الإشارة كما يقول الكوفيون، وإن كان يستعمل مصطلح "قطع" بدل حال والقطع مصطلح كوفي يقابله عند البصريين الحال.
وقد جعلت البحث في فصلين:
الفصل الأول: التقريب عند الكوفيين
وتحته مباحث:
المبحث الأول: تعريفه.
المبحث الثاني: شروط إعماله.
المبحث الثالث: التقريب وضمير الفصل.
المبحث الرابع: توسيط الخبر.
المبحث الخامس: تقديم معمول الخبر عليه.
المبحث السادس: مجيء الخبر معرفة.
المبحث السابع: مجيء الخبر جملة.
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على عامل التقريب.
المبحث التاسع: حكم التقريب.
المبحث العاشر: القياس في إعمال اسم الإشارة.
المبحث الحادي عشر: العامل من أسماء الإشارة.
المبحث الثاني عشر: التقريب والحال عند الكوفيين.
المبحث الثالث عشر: الحال والقطع عند الفراء.
الفصل الثاني: البصريون والتقريب.
وتحته مباحث:
المبحث الأول: التقريب عند سيبويه.
المبحث الثاني: الحال والتقريب عند البصريين:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أقسام الحال من حيث التبيين والتأكيد.
المطلب الثاني: التقريب عند البصريين.
المبحث الثالث: رأي البصريين في القريب.
المبحث الرابع: عامل الحال المضمَّن عند البصريين.
المنصوب على التقريب
الفصل الأول: التقريب عند الكوفيين
وتحته مباحث:
المبحث الأول: تعريفه
المنصوب على التقريب مصطلح كوفي يراد به: إعمال أسماء الإشارة في الجمل الاسمية عمل كان فيرتفع ما كان مبتدأً على أنه اسم للتقريب ويُنْصَبُ الخبر على أنه خبر له [2] نحو: هذه الشمسُ طالعةً، وهذا الأسدُ مقبلاً وجعلوا منه قوله تعالى:{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [3] حسب قراءة الجمهور بنصب {شَيْخاً} على الخبرية لاسم الإشارة وقوله تعالى: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} [4] وقوله تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَة} [5] وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما} [6] وقوله تعالى: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [7] بفتح الراء من أطهرَ وجَعْل الضمير (هنّ) ضميرَ فصل [8]، وقول جرير:
هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيْفَةً
لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمُ إلَىَّ قَطِيْنا [9]
وقول رؤبة:
مَنْ يَكُ ذا بَتٍّ فَهَذا بَتِّي
مُقَيظٌ مُصَِّفٌ مُشتِّي [10]
يجوز عند النحاة النصب والرفع في: (مقيظ مصيِّف مشتِّي) فمن رفع فعلى تعدد الخبر، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف عند من لا يجيز تعدد الخبر، وتوجيه النصب إمّا على التقريب [11] على رأي الكوفيين أو حال كما يقول البصريون وهو ما سنناقشه إن شاء الله تعالى لاحقاً.
وقال السيوطي في الهمع: "وذهب الكوفيون إلى أن هذا وهذه إذا أريد بهما التقريب كانا من أخوات كان في احتياجهما إلى اسم مرفوع، وخبر منصوب، نحو: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفةُ قادماً وكيف أخاف البرد وهذه الشمسُ طالعةً وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود نحو هذا ابن صيّاد أشقى الناس فيعربون هذا تقريباً، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الإخبار عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأُتي باسم الإشارة تقريباً للقدوم والطلوع، ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضاً فالخليفة والشمس معلومان فلا يحتاجان إلى تبيينهما بالإشارة إليهما، وتبيّن أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختلَّ المعنى كما لو أسقطت كان من كان زيد قائماً"[12] .
من هذا النص يتضح لنا مراد الكوفيين بالتقريب وشروط الإعمال عندهم، إذ مراد الكوفيين من التقريب هو إعمال اسم الإشارة عمل كان، واحتياجها إلى اسم مرفوع وخبر منصوب.
المبحث الثاني: شروط إعماله
هم يشترطون لإعمال اسم الإشارة شروطاً:
الأول: هو أن يكون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة لا ثاني له في الوجود كالشمس والقمر والخليفة وما أشبه ذلك، أو أن يكون الاسم الواقع بعدها معبّراً به عن جنسه لا عن واحد بعينه كالمحلى بـ (أل) مثلاً كقولك ماكان من الأُسْدِ غير مخوف فهذا الأَسَدُ مخوفاً، ولكن الذي يظهر أنَّ الكوفيين لم يلتزموا بهذا الشرط؛ لأن ثعلباً يقول في أماليه:"وقال سيبويه: هذا زيدٌ منطلقاً فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق، ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيداً ليُعْلَمَ لمن الفعل قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريباً، وهو لا يعرف التقريب، والتقريب مثل كان"[13] .
فكما ترى اعتدَّ ثعلب بالتقريب هنا، وغمز سيبويه بأنه لا يعرف التقريب، والمثال المذكور لم تتحقق فيه شروطهم من كونه اسماً معبّراً به عن جنسه أوكونه لا ثاني له في الوجود، إذ زيد علم على ذات تتكرر التسمية به، وللبصريين أن يقولوا أنت لم تلتزم بما اشترطته على نفسك؛ إذ كيف تغمز سيبويه هنا بأنه لا يعرف التقريب بمثال لم تتحقق فيه الشروط.
وهذا يدل على أنهم لم يلتزموا بذاك القيد التزاماً دقيقاً.
الثاني: أن يكون اسم الإشارة دخوله كخروجه؛ في أن الجملة الاسمية تامّة بالمرفوع بعده والمنصوب، قال ثعلب في أماليه:"وكلما رأيت إدخال هذا وإخراجه واحداً فهو تقريب، مثل: من كان من الناس سعيداً فهذا الصيّاد شقيَّاً، وهو قولك فالصياد شقيٌّ فتسقط هذا وهو بمعناه"[14] .
الثالث: ألا يتقدّم اسم التقريب على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال: الشمس هذه طالعةً بنصب طالعة على التقريب قال ثعلب: "والتقريب مثل كان إلا أنه لا يقدّم في كان لأنه ردّ كلام فلا يكون قبله شيء"[15]، إلا إذا كان اسم التقريب ضميراً فيقدم على اسم الإشارة قال الفراء: "العرب إذا جاءت إلى اسم مكني قد وصف بهذا وهذان وهؤلاء فرَّقوا بين (ها) وبين (ذا) وجعلوا المكني بينهما، وذلك من جهة التقريب لا في غيرها
…
فإذا كان الكلام على غير تقريب أو مع اسم ظاهر جعلوا (ها) موصولة بـ (ذا) فيقولون: هذا هو، وهذان هما إذا كان على خبر يكتفي كلُّ واحد بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بدَّ فيه من فعل لنقصانه، وأحبُّوا أن يفرِّقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح" [16] .
وقال ثعلب أيضاً: "وإذا صاروا إلى المكني جعلوه بين (ها) و (ذا) فقالوا: ها أنا ذا قائماً وجاء في القرآن بإعادتها [17] ، ويقولون هانحن ألاء وها نحن هؤلاء أعادوها وحذفوها، وهذا كله مع التقريب"[18] .
ولعل الذي حملهم على القول بعدم تقدم اسم التقريب على اسم الإشارة إذا كان اسماً ظاهراً هو أن إعمال اسم الإشارة محمول على كان وكان لا يصح أن يتقدّم اسمها عليها، فكذلك ما حمل عليها، أما جواز تقدم اسم التقريب إذا كان ضميراً على اسم الإشارة فبسبب توسطه بين حرف التنبيه واسم الإشارة مما يجعله تقدم في اللفظ لا في المحل؛ لأن الضمير فَصَلَ بين حرف التنبيه واسم الإشارة، وهما في حكم المتلازمين فهو وإن تقدم لفظاً إلا أنه مؤخر محلَاّ؛ لأنه فَصل بين متلازمين [19] .
وللبصريين الذين يجيزون أن يكون العامل في الحال في قولك ها أنا ذا قائماً إنما هو فعل محذوف وهو أُنَبِّهُ دل عليه حرف التنبيه (ها) أن يقولوا اسم التقريب في هذا المثال لم يتقدّم على عامله.
الرابع: ألاّ يتقدم الخبر على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال شقيّاً هذا الصياد لما في عموم قول ثعلب السابق "فلا يكون قبله شيء"؛ ولأن من قواعد الكوفيين عدم جواز تقدم الحال على عاملها، إن كان صاحبها اسماً ظاهراً؛ لأنه يؤدّي إلى تقدم المضمر على المظهر بسبب العائد، ويجيزون تقدمها إن كان صاحبها ضميراً، وهذه من مسائل الخلاف التي ناقشها ابن الأنباري [20] .
والعلة التي فرّوا منها هناك متحققة هنا وهي تقدم المضمر على المظهر.
المبحث الثالث: التقريب وضمير الفصل
الكوفيون يمنعون الجمع بين التقريب وضمير الفصل فلا يصحّ عندهم أن يقال: هذا هو زيدٌ قائماً بنصب قائماً وإنما يقال هذا هو زيدٌ قائمٌ بالرفع، قال ثعلب:"إلا أنه لا يدخل العماد مع التقريب من قبل أن العماد جواب والتقريب جواب فلا يجتمعان"[21] وقال أيضاً: "وقال أبو العباس قال سيبويه احتبى ابن جويّة في اللحن في قوله: {هُنَّ أطْهَرَ لَكُمْ} لأنه يذهب إلى أنه حالٌ قال والحال لا يدخل عليه العماد، وذهب أهل الكوفة الكسائي والفراء إلى أنّ العماد لايدخل مع هذا لأنه تقريب، وهم يسمُّون هذا زيد القائم تقريباً أي قرب الفعل به"[22] .
ويشكل على المذهبين معاً قوله تعالى: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أطْهَرَ لَكُمْ} [23] بنصب أطهرَ فالكوفيون لا يقولون بالتقريب مع وجود ضمير الفصل، أما البصريون فقد حكموا على قراءة النصب باللحن [24] قال سيبويه:"وكان الخليل يقول: والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلاً في المعرفة وتصييرهم إيّاها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغواً؛ لأن هو بمنزلة أبوه ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما"[25] .
المبحث الرابع: توسيط الخبر
أما توسيط الخبر فقد اختلفوا فيه فأجازه الكسائي ومنعه الفراء قال أبو حيان: "واختلفوا في توسيط خبر التقريب فأجازه الكسائي ومنعه الفراء"[26] وللمجيز أن يستدل بقول حسَّان رضي الله عنه:
أَتَرْضَى بِأنَّا لَمْ تَجِفَّ دِمَاؤُنا
وَهَذا عَرُوْساً بِاليَمَامَةِ خَالِدُ [27]
إذ نصب عروساً خبراً للتقريب ورفع خالداً اسماً للتقريب.
المبحث الخامس: تقديم معمول الخبر عليه
يجوز في المنصوب على التقريب أن يتقدم عليه معموله كما رأينا في قوله تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيةً} [28] فـ (لكم) متعلق بـ (آية) وقد تقدّم عليه وكذلك بيت جرير السابق.
هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيْفَةً
فـ (في دمشق) متعلق بـ (خليفة) وقد تقدّم عليه.
المبحث السادس: مجيء الخبر معرفة
لا يشترط الكوفيون في الخبر التنكير بل يجوز عندهم أن يكون الخبر معرفة قال أبو حيّان: "وأجازوا التعريف في الخبر فيقولون: وهذا الخليفة القادم"[29] وألمح إلى ذلك ثعلبٌ دون تصريح عندما قال: "وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا زيد إياه بعينه فجعله مثل كان"[30] فزيد اسم التقريب، وإيّاه خبر التقريب وهو ضمير أعرف المعارف وقال الفراء:"والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما"[31]، وقال ثعلب أيضاً:"وهم يسمُّون هذا زيدٌ القائمَ تقريباً، أي قرب الفعل به"[32] فاسم التقريب وخبره هنا معرفتان.
المبحث السابع: مجيء الخبر جملة
هل يصح في التقريب أن يكون خبره جمل؟
لم يتعرض الكوفيون لهذه المسألة لا بإثبات ولا بنفي، وإن كنت أرى الجواز إذ ما المانع من ذلك ويجعل منه قوله تعالى:{هَذا كِتابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ} [33] بجعل جملة (ينطق) هي خبر التقريب، والمعربون للقرآن أجازوا فيها أن تكون حالاً، وأن تكون خبراً لاسم الإشارة و (كتابنا) بدل أو عطف بيان، أوجملة (ينطق) خبر ثانٍ، والجار والمجرور (بالحق) حال، وجعلوا العامل في الحال اسم الإشارة قال المنتجب:"وقوله: {هَذا كِتَابُنَا يَنْطِقُ} هذا مبتدأ، وكتابنا خبره، وينطق يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون هو الخبر، وكتابنا بدل من هذا أو عطف بيان له، وأن يكون في موضع الحال من الكتاب والعامل في (هذا) معنى الفعل"[34] .
فبما أنه جاز في جملة (ينطق) أن تكون حالاً على مذهب البصريين، والعامل في الحال حينئذٍ اسم الإشارة، فما المانع أن تكون على مذهب الكوفيين خبراً للتقريب ولاسيما أن شروط التقريب عندهم منطبقة هنا إذ الكتاب لا ثاني له في الوجود، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، والمراد هنا - والله أعلم - إعلام الأمم بأن كتاب الله شاهد عليها وليس المراد إعلامهم بأن هذا هو كتاب الله لأنهم كانوا يجهلون ذلك، فشروط التقريب هنا متحققة، فما المانع من جعله خبراً للتقريب، ومن ثَمّ القول بصحة أن يكون خبر التقريب جملة.
وكذلك قوله تعالى: {وَتلْكَ حُدُوْدُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُوْنَ} [35] وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} [36] وقوله تعالى: {تِلْكَ الرّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [37] وقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [38] وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاها إبْرَاهِيْمَ عَلَى قَوْمِهِ} [39] وقوله تعالى: {تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَائِهَا} [40]، وقوله تعالى:{هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُوْنِهِ آلِهَةً} [41] وقوله تعالى: {وَتِلْكَ القُرَى أهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [42] .
في هذه الآيات أعرب المفسرون للقرآن اسم الإشارة مبتدأ، والمعرفة بعده أجازوا فيها أن تكون خبراً أو بياناً أو بدلاً والجملة الفعلية أجازوا فيها أن تكون هي الخبر عند من قال بالبدلية أو البيان وأن تكون حالاً أو خبراً بعد خبر عند من يعرب الاسم المعرفة بعد الإشارة خبراً [43] .
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على العامل في التقريب
العامل في التقريب عند الكوفيين اسم الإشارة، فهل تجري عليه أحكام الأسماء من دخول العوامل اللفظية عليه؟
قبل الإجابة على هذا السؤال نتأمَّل قوله تعالى: {وَأنَّ هَذا صراطِي مُسْتَقِيْماً فَاتَّبِعُوهُ} [44]، وقوله تعالى:{إنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً واحِدَةً وَأنا ربُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [45] وقوله تعالى: {وإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقُوْنِ} [46] فاسم الإشارة في هذه المواضع اسم إنّ و {صِراطِي} و {أمَّتُكُمْ} خبران لـ (إن) وبهما تتم الجملة الإسنادية، والباقي فضلة، وهو ما جعله البصريون حالاً، والكوفيون جعلوا خبر إن اسماً للتقريب والمنصوب بعده خبر التقريب، ولا يصح أن يكون {مُسْتقِيْماً} و {أمَّةً} خبران لـ (إن) لكون الكلمتين منصوبتين، ولأنه سيجعل اسم الإشارة لغواً.
ولهذا أقول لا يمنع دخول العوامل اللفظية عند الكوفيين على العامل في التقريب من إعماله ما دامت شروط الإعمال متحققةً، وهم يحملون الإعمال هنا على إعمال الأفعال الناقصة التي دخلت عليها العوامل اللفظية المختصة بالأفعال ولم يمنع ذلك من إعمالها ـوهو قياس مع الفارق- كقولك لم يكن زيدٌ حاضراً وكقولك تعالى:{وَلَمْ أكُ بَغِيّاً} [47] فتحمل عوامل الأسماء على عوامل الأفعال وتصبح عاملة في ما بعدها معمولة لما قبلها.
المبحث التاسع: حكم التقريب:
وخبر التقريب بعد استيفاء تلك الشروط وانتفاء تيك الموانع حكمه جواز النصب، إذ يجوز فيه أيضاً الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هو قائم، أو على تعدد الخبر عند من يجيز ذلك، أو على جعل اسم التقريب عطف بيان من اسم الإشارة أو بدل منه وما كان خبراً للتقريب هو خبر المبتدأ.
قال سيبويه: "هذا باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة وذلك قولك هذا عبد الله منطلقٌ حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمّن يوثق به من العرب وزعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين فوجه أنك حين قلت هذا عبد الله أضمرت هذا أو هو كأنك قلت هذا منطلق، أو هو منطلق، والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعاً خبراً لهذا"[48] وزاد السيرافي الوجهين الآخرين أعني القول بالبدلية أو عطف البيان [49] .
وقال ابن يعيش: "ويجوز الرفع في قولك منطلقاً من قولك هذا عبد الله منطلقاً قال سيبويه هو عربي جيّد حكاه يونس وأبو الخطاب عمّن يوثق به من العرب"[50] .
وقال ابن شقير: معلقاً على بيت جرير السابق: "نصب خليفة على القطع من المعرفة بالألف واللام، ولو رفع على معنى: هذا ابن عمي هذا خليفةٌ لجاز، وعلى هذا يَقْرَأُ مَنْ قَرَأَ {وَإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةٌ وَّاحِدَةٌ} فإن جُعل (هذا) اسماً، و (ابن عمي) صفته جاز الرفع ومثل هذا قول الراجز:
مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذا بَتِّي
مُقَيّظٌ مَصَيِّفٌ مَشَتِّي
معناه هذا بتِّي هذا مقيِّظٌ، هذا مصيّفٌ، وأما قول النابغة.
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا
لِسِتَّةِ أَعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
رفع (العام) بالابتداء، و (سابع) خبره
…
وأما قول الله تبارك وتعالى: {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيْدٌ} رفع (عتيد) لأنه خبر نكرةٍ كما تقول هذا شيء عتيد عندي" [51] .
من خلال هذا النص نلمح أن الإعمال بعد استيفاء الشروط جائز لا واجب، كما نلمح التزام تعريف اسم التقريب؛ لأنه علل عدم نصب عتيد في الآية الكريمة بسبب كون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة نكرة تامة وهي (ما) التي فسّرها بـ (شيء) ، وعليه فلا تصح أن تكون اسماً للتقريب.
المبحث العاشر: القياس في إعمال اسم الإشارة