المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 111 فهرس المحتويات 1- الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٤٢

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 111 فهرس المحتويات 1- الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في

‌العدد 111

فهرس المحتويات

1-

الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء

تابع (1)

تابع (2)

لفضيلة الشيخ د/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2-

بحث في إجابة الدعوة

تابع (1)

د. إبراهيم بن علي بن عبيد العبيد

3-

إبراهيم بن محمد بن سفيان روايته، وزياداته، وتعليقاته على صحيح مسلم

تابع (1)

تابع (2)

د/ عبد الله بن محمد حسن دمفو

4-

السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم وأثره في التربية والتعليم

تابع (1)

د. أحمد بن عبد الفتاح ضليمي

5-

الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم عرض ونقد

تابع (1)

تابع (2)

د. محمود عبد الرحمن قدح

6-

الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين دراسة تطبيقية على ألفية ابن مالك

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

تابع (4)

د. إبراهيم بن صالح الحندود

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 38

الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء

دراسة تحليلية

بقلم عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله.

{يأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلَاّ وأنتُم مُسْلِمُونَ} .

{يأيّها الناسُ اتّقُوا ربَّكمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً واتَّقُوا اللهََ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيباً} .

{يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكمْ ويَغْفِرْ لَكمْ ذُنوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} .

أما بعد، فلا ريب في عِظم فضل وكبر شرف العلم بأسماء الله وصفاته الواردة في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهمها فهماً صحيحاً سليماً بعيداً عن تحريفات المحرّفين وتأويلات الجاهلين؛ إذ إنَّ شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، وما من ريب أنَّ أجَلَّ معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلاّ هو رب العالمين، وقيّوم السموات والأرضين، الملك الحقّ المبين، الموصوف بالكمال كلّه، المنزَّه عن كلِّ عيب ونقص، وعن كلِّ تمثيل وتشبيه في كماله {ذَالِكُمْ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

ص: 39

ولا ريب أنَّ العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجَلُّ العلوم وأفضلُها وأشرفُها، ونسبة ذلك إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، والعلم به – سبحانه - هو أصل كلِّ علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به، فالعلم به – سبحانه - عنوان سعادة العبد في الدنيا والآخرة، والجهل به أصل شقاوته في الدنيا والآخرة، ومن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربّه فهو لما سواه أجهل، قال الله تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} ، وقد دلّت هذه الآية على معنى شريف عظيم، وهو أنَّ من نسيَ ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار معطَّلاً مهملاً.

ولهذا فإنَّ العناية بفهم هذا العلم وضبطه وعدم الغلط فيه أمر متأكّد على كلِّ مسلم، وقد كان أئمّة المسلمين، الصحابة ومن تبعهم بإحسان على نهجٍ واحدٍ في هذا العلم وعلى طريقة واحدة، ليس بينهم في ذلك نزاع ولا خلاف، "بل كلُّهم [بحمد الله] على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمةً واحدةً من أوّلهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلاً، ولم يحرّفوها عن موضعها تبديلاً، ولم يُبدوا لشيء منها إبطالاً، ولا ضربوا لها أمثالاً، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحدٌ منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلَّها أمراً واحداً، وأجرَوْها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عِضين، وأقرّوا ببعضها وأنكروا بعضَها من غير فُرقان مبين".

ص: 40

بل زاد المعطِّلة على ذلك فجعلوا جحد الصفات وتعطيل الربّ عنها توحيداً، وجعلوا إثباتها لله تشبيهاً وتجسيماً وتركيباً، فسمّوا الباطل باسم الحق ترغيباً فيه، وزخرفاً ينفقونه به، وسمّوا الحقَّ باسم الباطل تنفيراً عنه، والناس أكثرهم مع ظاهر السكّة، ليس لهم نقد النقّاد.

ولا يأمن جانب الغلط في هذا الباب الخطير من لا يتعرّف على نهج السلف ويسلك طريقتهم، فهي طريقة سالمة مأمونة مشتملة على العلم والحكمة، وكلامهم في التوحيد وغيره قليلٌ كثيرُ البركة، فهم لا يتكلّفون، بل يعظِّمون النصوص، ويعرفون لها حرمتها، ويقفون عندها، ولا يتجاوزونها برأي أو عقل أو وَجْدٍ أو غير ذلك.

فهم بحقٍّ الأئمةُ العدول والشهود الأثبات، ولا يزال بحمد الله في كلِّ زمان بقايا منهم "يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن عباد الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عِقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهّال الناس بما يشبّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلّين".

ص: 41

ولهذا فإنَّ دراسة آثار هؤلاء وأقوالهم المنقولة عنهم في نصر السنة وتقرير التوحيد والردّ على أهل الأهواء يُعدّ من أنفع ما يكون لطالب العلم، للتمييز بين الحقّ والباطل، والسنة والبدعة، والهدى والضلال؛ لأنَّ هؤلاء الأئمة قد مضوا في معتقدهم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، فهم بنبيّهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، ولطريقته مقتفون، وعن الأهواء والبدع المضلّة معرضون، وعلى الصراط المستقيم والمحجّة البيضاء سائرون، يوصي بذلك أولُهم آخرَهم، ويقتدي اللاحقُ بالسابق؛ ولهذا "لو طالعتَ جميع كتبهم المصنّفة من أوّلهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم - مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كلّ واحد منهم قطراً من الأقطار - وجدتَهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمطٍ واحد، يجرون فيه على طريقة واحدة، لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً، ولا تفرّقاً في شيء ما وإن قلّ، بل لو جمعتَ جميعَ ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنّه جاء من قلب واحد، وجرى على لسانٍ واحد"، والسبب في ذلك هو لزوم الجميع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبُعدُهم عن الأهواء والبدع، فهم كما قال الأوزاعي رحمه الله:"ندور مع السنة حيث دارت"، فهذا شأنهم وديدنُهم، يدورون مع السنة حيث دارت نفياً أو إثباتاً، فلا يثبتون إلَاّ ما ثبت في الكتاب والسنة، ولا ينفون إلَاّ ما نفي في الكتاب والسنة، لا يتجاوزون القرآن والحديث.

ص: 42

وهؤلاء الأئمة لم يكفّوا عن الخوض فيما خاض فيه من سواهم لعجز منهم عن ذلك أو لضعف وعدم قدرة بل الأمر كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "

فإنَّ السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، وكانوا هم أقوى على البحث ولم يبحثوا". ومن كان على نهج هؤلاء فهو في طريق آمنة وسبيل سالمة، قال محمد بن سيرين رحمه الله: "كانوا يقولون: إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق".

ولما كان الأمر بهذه المثابة وعلى هذا القدر من الأهمية أحببت أن أقدّم دراسة لأحد الآثار المرويّة عن السلف الصالح رحمهم الله في تقرير التوحيد وردّ البدع والأهواء؛ ليكون - إن شاء الله - أنموذجاً للتدليل على عِظم فائدة العناية بآثار السلف وعظم ما يحصله من عُنيَ بذلك من فوائد وثمار ومنافع.

ولهذا نشطت في إعداد هذه الدراسة للأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله عند ما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، فتأثّر مالك – رحمه الله من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء [أي العَرَق]، وقال في إجابته لهذا السائل:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه، وهو أثر عظيمُ النفع جليلُ الفائدة.

ويمكن أن أحدِّد أهمّ الدوافع التي شجّعت لتقديم هذه الدراسة لهذا الأثر خاصة في النقاط التالية:

أوّلاً: أنَّ هذا الأثر قد تلقّاه الناس بالقبول، فليس في أهل السنة والجماعة من ينكره، كما يذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بل إنَّ أهل العلم قد ائتمّو به واستجودوه واستحسنوه.

ثانياً: أنَّه من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشدّه استيعاباً؛ لأَنَّ فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعلوم في اللغة على وجه يليق بالله عز وجل.

ص: 43

ثالثاً: أنَّ قوله هذا ليس خاصّاً بصفة الاستواء، بل هو بمثابة القاعدة التي يمكن أن تُقال في جميع الصفات.

رابعاً: محاولة أهل البدع في القديم والحديث تبديل معناه وتحريف مراده بطرق متكلّفة وسبل مختلفة.

خامساً: محاولة أحد جهّال المعاصرين التشكيك في ثبوته والطعن في أسانيده.

سادساً: التنبيه إلى أنَّ بعض أتباع الأئمة في الفروع لم يوَفَّقوا إلى العناية بمذهب أئمّتهم في الأصول، ولهذا ترى في بعض من يتعصّبون إلى مذهب الإمام مالك رحمه الله في الفروع من يخالفه في أصول الدين، ويفارقه في أساس المعتقد بسبب غلبة الأهواء وانتشار البدع.

إلى غير ذلك من الأسباب، وقد جعلت هذه الدراسة بعنوان:

الأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء

دراسة تحليلية

أما الهدف من هذه الدراسة فهي إعطاء هذا الأثر مكانته اللائقة به واستخراج الدروس والقواعد العلمية المستفادة منه، والردّ على تحريفات المناوئين، وتشكيكات المحرّفين.

وقسمته إلى تمهيد وأربعة فصول وخاتمة على النحو التالي:

التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس رحمه الله.

المبحث الثاني: في ذِكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجاز.

المبحث الثالث: في بيان أهمية القواعد وعِظم نفعها في معرفة صفات الباري.

الفصل الأول: في تخريج هذا الأثر، وبيان ثبوته، وذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: تخريج الأثر، وبيان ثبوته عن الإمام مالك

رحمه الله.

المبحث الثاني: ذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة.

المبحث الثالث: ذكر نظائر هذا الأثر ممّا جاء عن السلف الصالح.

المبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر، وتأكيدهم على أهميّته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات.

ص: 44

الفصل الثاني: في ذكر معنى هذا الأثر، وبيان مدلوله وما يُستفاد منه من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات، وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: في معنى قوله: "الاستواء غير مجهول"والضوابط المستفادة منه.

المبحث الثاني: في معنى قوله: "الكيف غير معقول" والضوابط المستفادة منه.

المبحث الثالث: في معنى قوله: "الإيمان به واجب" والضوابط المستفادة منه.

المبحث الرابع: في معنى قوله: "السؤال عنه بدعة" والضوابط المستفادة منه.

الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر.

الفصل الرابع: في ذكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثر، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: ذكر ما في قولهم: "حتى علاه الرّحضاء"من فائدة.

المبحث الثاني: ذكر ما في قوله: "ما أراك إلَاّ مبتدعاً"من فائدة.

المبحث الثالث: ذكر ما في قوله: "أخرجوه عنِّي"من فائدة.

الخاتمة: وفيها خلاصة البحث وأهمّ نتائجه.

هذا وإني أسأل الله الكريم أن يتقبّل مني هذا العمل بقبول حسن، وأن يجعله لوجهه خالصاً، وللحق موافقاً، وأن يغفر لي ولوالديّ وللإمام مالكٍ ولجميع أئمة المسلمين، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنَّه هو الغفور الرحيم.

تمهيد:

لعل من الحسن قبل الشروع في الموضوع أن أُمهِّد بذكر بعض الأمور المهمّة بين يديه، وذلك من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس رحمه الله.

أولاً: نسبه:

هو شيخ الإسلام، حجّة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عَمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثيل بن عَمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شدّاد بن زرعة، وهو حِمير الأصغر، الحِميري ثم الأصبحي المدني، حليف بني تَيم من قريش، فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحدِ العشرة.

وأمُّه هي عالية بنت شريك الأزدية.

ص: 45

وأعمامه هم: أبو سُهيل نافع، وأُويس، والربيع، والنضر، أولاد أبي عامر.

ثانياً: مولده:

قال الذهبي رحمه الله: "مولد مالك على الأصح في سنة ثلاث وتسعين، عام موتِ أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشأ في صَون ورفاهية وتجمّل".

ثالثاً: نشأته وطلبه للعلم:

طلب مالكٌ العلمَ وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهّل للفتيا، وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدّث عنه جماعة وهو حيٌّ شابٌّ طريٌّ، وقصدَه طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، إلى أن مات.

رابعاً: شيوخه:

طلب الإمام مالك رحمه الله العلمَ وهو حدَثٌ بُعيد موت القاسم وسالم، فأخذ عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق.

وقد أحصى الذهبي رحمه الله شيوخه الذين روى عنهم في الموطأ وذكر إلى جنب كلِّ واحد منهم عدد ما روى عنه الإمام مالك ورتّبهم على حروف المعجم.

خامساً: تلاميذه:

قال الذهبي رحمه الله: "وقد كنت أفردتُ أسماء الرواة عنه في جزء كبير يُقارب عددهم ألفاً وأربع مائة، فلنذكر أعيانهم، حدّث عنه من شيوخه: عمّه أبو سُهيل، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ويحيى بن سعيد، ويزيد بن الهاد، وزيد بن أبي أُنيسة، وعمر بن محمد بن زيد، وغيرهم، ومن أقرانه: معمر، وابن جريج، وأبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، وشعبة، والثوري

"، وذكر آخرين.

سادساً: مؤلفاته:

من مؤلفاته رحمه الله:

1-

الموطأ.

2-

رسالة في القدر كتبها إلى ابن وهب.

3-

مؤلف في النجوم ومنازل القمر.

4-

رسالة في الأقضية.

5-

رسالة إلى أبي غسان بن مطرّف.

6-

جزء في التفسير.

وأما ما نقله عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد فشيءٌ كثيرٌ.

سابعاً: ثناء العلماء عليه:

1-

قال الشافعي: "العِلمُ يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة".

ص: 46

2-

وروي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكر مالكاً يقول:

"عالم العلماء، ومفتي الحرمين".

3-

وعن بقيّة أنَّه قال: "ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنّةٍ ماضية منك يا مالك".

4-

وقال أبو يوسف: "ما رأيت أعلمَ من أبي حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى".

5-

وذكر أحمد بن حنبل مالكاً فقدّمه على الأوزاعي، والثوري، والليث، وحماد، والحَكم، في العلم، وقال:"هو إمام في الحديث، وفي الفقه".

6-

وقال القطّان: "هو إمام يُقتدى به".

7-

وقال ابن معين: "مالكٌ من حُجج الله على خلقه".

8-

وقال أسد بن الفرات: "إذا أردتَ الله والدارَ الآخرة فعليك بمالكٍ".

ثامناً: أقواله في السنة:

1-

قال مطرّف بن عبد الله: سمعتُ مالكاً يقول: "سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووُلاة الأمر بعده سُنناً، الأخذُ بها اتّباع لكتاب الله، واستكمالٌ بطاعة الله، وقوّةٌ على دين الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلُها، ولا النّظرُ في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتّبع غير سبيل المؤمنين، وولاّه الله ما تولّى، وأصلاه جهنّم وساءت مصيراً".

2-

وروى إسحاق بن عيسى عن مالك رحمه الله أنَّه قال:

"أكلّما جاءنا رجلٌ أجدلُ من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدلِه".

3-

وقال أبو ثور: سمعت الشافعيَّ يقول: "كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أمَا إني على بيّنة من ديني، وأمَّا أنت فشاكٌّ، اذهب إلى شاكٍّ مثلكَ فخاصمه".

4-

وقال يحيى بن خلف الطَرسوسي: "كنت عند مالك فدخل عليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول فيمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق، اقتلوه، فقال: يا أبا عبد الله، إنّما أحكي كلاماً سمعته، قال: إنّما سمعته منك، وعظَّم هذا القول".

5-

وروى ابن وهب عن مالك رحمه الله أنّه قال: "الناس ينظرون إلى الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم".

ص: 47

6-

وقال القاضي عياض: قال معنٌ: "انصرف مالكٌ يوماً فلحقَه رجلٌ يُقال له: أبو الجويرية، متّهمٌ بالإرجاء، فقال: اسمع مني، قال: احذر أن أشهد عليك، قال: والله ما أريد إلَاّ الحق، فإن كان صواباً فقُل به، أو فتكلّم، قال: فإن غلبتني، قال: اتبعني، قال: فإن غلبتُك، قال: اتّبعتُك، قال: فإن جاء رجل فكلّمنا، فغلبنا؟ قال: اتّبعناه، فقال مالك: يا هذا، إنَّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تتنقّل".

7-

وعن مالك قال: "الجدالُ في الدِّين ينشئ المراء، ويذهب بنور العلم من القلب ويقسّي، ويورث الضِّغن".

تاسعاً: وفاته:

قال القعنبي: "سمعتهم يقولون: عُمر مالك تسع وثمانون سنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة".

وقال إسماعيل بن أبي أُويس: "مرض مالك، فسألتُ بعض أهلنا عما قال عند الموت، قالوا: تشهّد، ثم قال: {للهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} (1) وتوفي صبيحة أربع عشرة من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، فصلَّى عليه الأمير عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، وَلَد زينب بنت سليمان العباسية، ويُعرف بأمِّه"، رواها محمد بن سعد عنه، ثم قال:"وسألتُ مصعباً، فقال: بل مات في صفر، فأخبرني معن بن عيسى بمثل ذلك".

وقال أبو مصعب الزهري: "مات لعشر مضت من ربيع الأول سنة تسع".

وقال محمد بن سحنون: "مات في حادي عشر ربيع الأول".

وقال ابن وهب: "مات لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول".

قال القاضي عياض: "الصحيح وفاته في ربيع الأول يوم الأحد لتمام اثنين وعشرين يوماً من مرضه".

قال الذهبي: "تواترت وفاتُه في سنة تسع، فلا اعتبار لقول من غلِط وجعلها في سنة ثمان وسبعين، ولا اعتبار بقول حبيب كاتبه، ومطرِّف فيما حكي عنه، فقالا: سنة ثمانين ومائة".

(1) رواه ابن بطة في الإبانة (1/357) .

ص: 48

ونقل عن القاضي عياض أنَّ أسد بن الفرات قال: "رأيتُ مالكاً بعد موته، وعليه طويلة وثياب خضر وهو على ناقة، يطير بين السماء والأرض، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قد متَّ؟ قال: بلى، فقلت: فإلامَ صِرتَ؟، فقال: قدِمتُ على ربي وكلّمني كفاحاً، وقال: سلني أعطِك، وتمنَّ عليَّ أُرضِك".

فرحمه الله، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنّة.

المبحث الثاني: في ذكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجاز

الاستواء صفةٌ من صفات الكمال الثابتة لذي العظمة والجلال – سبحانه -، وقد دلّ النقل على هذه الصفة حيث أثبتها الربٌّ – سبحانه - لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنّته، وأجمع على ثبوتها المسلمون.

وقد وردت هذه الصفة في القرآن الكريم في مواطن عديدة، وكان ورودها فيه على نوعين: تارة معدّاة بـ (على) ، وتارة معدّاة بـ (إلى) .

1-

أمّا النوع الأول: وهو مجيئها معدّاة بـ (على) فقد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، حيث تمدّح بها الرب – سبحانه -، وجعلها من صفات كماله وجلاله، وقرنها بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، مما يدل على ثبوت هذه الصفة العظيمة لله ثبوت غيرها من الصفات.

قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "اعلموا أنَّ هذه الصفة التي هي الاستواء صفةُ كمال وجلال تمدّح بها ربُّ السموات والأرض، والقرينة على أنّها صفة كمال وجلال أنَّ الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلَاّ مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها، وسنضرب مثلاً بذكر الآيات:

ص: 49

فأوّل سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} (1) فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.

الموضع الثاني في سورة يونس قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقاًّ إِنَّهُ يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} (2)

فهل لأحد أن ينفيَ شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الكمال والجلال.

(1) مجموع الفتاوى (13/309) .

(2)

انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/520) .

ص: 50

الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جلّ وعلا: {اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمَّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (1) وفي القراءة الأخرى: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ تُسْقِى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.

الموضع الرابع في سورة طه: {طَهَ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقَى إِلَاّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الحُسْنَى} (2)

(1) انظر: مجموع الفتاوى (5/520) .

(2)

وهي ملخّصة من سير أعلام النبلاء للذهبي (8/48 وما بعدها) ، وللوقوف على مصادر ترجمة الإمام مالك انظر هامش السير، الصفحة المتقدّمة.

ص: 51

فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.

الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّاٍم ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (1)

فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الكمال والجلال.

الموضع السادس في سورة السجدة في قوله تعالى: {أَمْ يَقولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُمْ مِن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِن مَآءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ

وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكْمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} .

فهل لأحد أن ينفي شيئاً من هذه الصفات الدالة على هذا من الجلال والكمال.

(1) سورة الروم، الآية:(4) .

ص: 52

الموضع السابع في سورة الحديد في قوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1)

أما النوع الثاني: وهو مجيئها معدّاة بـ (إلى) فقد ورد في القرآن في موطنين:

الأول في سورة البقرة، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (2)

الثاني: في سورة فُصّلت، قال الله تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} (3)

والاستواء معناه معلوم في لغة العرب، لا يجهله أحد منهم، والله قد خاطب عباده في القرآن الكريم بكلام عربيٍّ مبين، والاستواء معناه في اللغة العلوّ والارتفاع.

ولهذا فإنَّ مذهب السلف في الاستواء هو إثباته لله عز وجل كما أثبته لنفسه، وكما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأنَّ الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله، ولا يشبه استواء أحد من خلقه - تعالى الله عن ذلك -، ومعنى الاستواء عندهم العلوّ والارتفاع، ولا خلاف بينهم في ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وكلام السلف والأئمة ومن نقل مذهبهم في هذا الأصل كثير يوجد في كتب التفسير والأصول.

(1) سورة الأعراف، الآية:(54) .

(3)

سورة يونس، الآيات:(3 6) .

ص: 53

قال إسحاق بن راهويه: حدّثنا بشر بن عمر: سمعت غير واحد من المفسّرين يقولون: " {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : أي ارتفع".

وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: "استوى إلى السماء: ارتفع"، قال: وقال مجاهد: "استوى: علا على العرش".

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: "وقال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء، وكذلك قال الخليل بن أحمد".

وروى البيهقي في كتاب الصفات قال: قال الفرّاء: "ثم استوى، أي صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل: كان قاعداً فاستوى قائماً".

وروى الشافعي في مسنده عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال عن يوم الجمعة: "وهو اليوم الذي استوى فيه ربّكم على العرش".

والتفاسير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدُحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير أبي بكر بن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء من التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم، وبقي بن مخلد وغيرهم، ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد، وتفسير سُنيد، وتفسير عبد الرزاق، ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين ما لا يكاد يُحصى، وكذلك الكتب المصنّفة في السنة التي فيها آثار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين".

وجاء عن الخليل بن أحمد قال: "أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت وكان على سطح فلما رأيناه أشرنا إليه بالسلام، فقال: استووا، فلم ندر ما قال، فقال لنا شيخ عنده: يقول لكم: ارتفعوا، قال الخليل: هذا من قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} "(1) أي: ارتفع وعلا.

(1) سورة السجدة، الآيات:(3 9) .

ص: 54

والاستواء سواء عُدّيَ بـ"إلى"أو بـ"على" فمعناه العلو والارتفاع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله:"ومن قال: استوى بمعنى عَمَدَ، ذكره في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} ؛ لأنَّه عُدي بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا، ولا يقال: عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أنَّ ما ذُكر في تلك الآية لا يُعرف في اللغة أيضاً، ولا هو قول أحد من مفسريّ السلف؛ بل المفسِّرون من السلف قولهم بخلاف ذلك - كما قدّمناه عن بعضهم –"، وقد حكى ابن القيم رحمه الله إجماع السلف على ذلك.

فهذا ملخَّص معتقد أهل السنة والجماعة في هذه الصفة، ومن أراد الاطّلاع على كلام أهل العلم في هذه الصفة موسّعاً فليطالع الكتب التي أُفرِدت في ذلك وهي كثيرة جداًّ، وكما قال السفاريني رحمه الله:"وقد أكثر العلماء من التصنيف، وأجلبوا بخيلهم ورَجِلِهم من التأليف، في ثبوت العلوّ والاستواء ونبّهوا على ذلك بالآيات والحديث وما حوى، فمنهم الراوي الأخبارَ بالأسانيد، ومنهم الحاذفُ لها وأتى بكلِّ لفظٍ مفيدٍ، ومنهم المُطَوِّل المُسهِب، ومنهم المُختصِر والمتوسِّط والمهذِّب، فمن ذلك (مسألة العلوّ) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و (العلوّ) للإمام الموفق صاحب التصانيف السنيّة، و (الجيوش الإسلاميّة) للإمام المحقق ابن قيِّم الجوزية، و (كتاب العرش) للحافظ شمس الدين الذهبي صاحب الأنفاس العليّة، وما لا أُحصي عدّهم إلاّ بكُلْفة، والله تعالى الموفِّق".

المبحث الثالث: في بيان أهميّة القواعد وعظم نفعها في معرفة صفات الباري

ص: 55

لا ريب أنَّ معرفةَ القواعد والأصول والضوابط الكليّة الجامعة يُعدُّ من أعظم العلوم وأجلِّها نفعاً وأكثرها فائدةً، ذلك أنَّ "الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلاّ بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوّى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمي نماءً مطَّرداً، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيراً، كما أنَّها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جَمعُها" إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة التي لا تحصى.

بل إنَّ "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أنَّ أحكامَها الأصوليَّة والفروعية والعبادات والمعاملات وأمورها كلّها لها أصولٌ وقواعدُ تَضبِطُ أحكامَها وتَجمعُ مُتفرِّقَها وتَنشر فروعَها وتَردُّها إلى أصولها".

والقاعدة: هي أمرٌ كلّيٌّ ينطبق على جزئيّاتٍ كثيرةٍ تُفهم أحكامُها منها.

فإذا ضُبطت القاعدةُ وفُهم الأصلُ أمكن الإلمام بكثيرٍ من المسائل التي هي بمثابة الفرع لهذه القاعدة، وأُمن الخلطُ بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيلٌ لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنياًّ على علمٍ متينٍ وعدلٍ وإنصافٍ.

ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا بُدَّ أنْ يكون مع الإنسان أصولٌ كليّةٌ تُردُّ إليها الجزئيّات؛ ليتكلّم بعلمٍ وعدلٍ، ثمّ يعرف الجزئيّات كيف وقعت، وإلاّ فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيّات، وجهلٍ وظُلمٍ في الكليّات فيتولّد فسادٌ عظيمٌ".

لأجل هذا عُني أهل العلم كثيراً بوضع القواعد وجَمعها في الفنون المختلفة، فلا تكاد تجد فناًّ من الفنون إلاّ وله قواعدُ كثيرةٌ وضوابطُ عديدةٌ تَجمع مُتَفرِّقَه، وتُزيل مشتَبهَه، وتُنير معالمَه، وتُيسِّر فهمَه وحِفظَه وضبطَه، "ويحصل بها من النفع والفائدة على اختصارها ما لا يحصل في الكلام الطويل".

ص: 56

ولهذا فإنَّه يترتَّب على العناية بالقواعد المأثورة والأصول الكليّة المنقولة عن السلف الصالح رحمهم الله من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلاّ الله؛ لأنَّ فيها كما يقال وضعُ النقاط على الحروف، وفيها تجليةٌ للأُمور، وتوضيحٌ للمسائل، وإزالةٌ للّبْس، وأَمْنٌ من الخَلْط، إلى غير ذلك من الفوائد.

ص: 57

تابع لسؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم

المبحث الرابع: آداب السؤال لدى المعلمين

(1)

- إدراك قيمة السؤال في التعليم والتعلم.

(2)

- تشجيع المتعلمين على السؤال.

(3)

- التوجيه إلى طرح الأسئلة الهامة.

(4)

- عدم إرهاق المتعلمين بالأسئلة.

(5)

- توجيه المتعلمين بعدم التعجل في طرح الأسئلة.

(6)

- عدم الإجابة على كل سؤال.

(7)

- رد العلم فيما لا يعلم إلى اللَّه.

(8)

- الحرص على التزود الدائم بالعلم.

تمهيد:

تبين لنا في المبحث السابق آداب السؤال وضوابطه في القرآن الكريم وأهمية هذه الآداب للمتعلم. وإذا كان يطلب من المتعلم أن يهتم بالسؤال ويحافظ على آدابه، فإن المعلم مطالب بالأمر ذاته، وذلك لأهمية السؤال وضرورة العناية به لكل من المعلم والمتعلم، بيد أن آداب السؤال التي يتوجب على المعلم التمسك بها والانطلاق منها تختلف عن تلك الآداب المتعلقة بالمتعلم، وذلك نظراً لاختلاف موقف المعلم والمتعلم من السؤال ولاختلاف الدور الذي يقوم به كل من المعلم والمتعلم في الموقف التعليمي. وبغض النظر عن اختلاف آداب السؤال لدى المعلم عنها لدى المتعلم، إلا أنها تعد في غاية الأهمية والضرورة لنجاح المعلم في مهامه التعليمية والتربوية. ولأهمية هذه الآداب وضرورة تمسك المعلم بها فقد أرشد القرآن الكريم المعلمين إلى طائفة من الآداب والأخلاق ودعاهم إلى التحلي بها والتعامل مع المتعلمين في ضوئها، ومن بين هذه الآداب ما يلي:

(1)

- إدراك قيمة السؤال في التعليم والتعلم

ص: 58

فالمعلم الذي لا يدرك أهمية السؤال في التعلم والتعليم قد لا يعمد إلى استخدامه كوسيلة من وسائل تحقيق الأهداف التعليمية والتربوية المنشودة، أو لا يعطيه الاهتمام الذي يتناسب مع أهميته ودوره، وإن أهمية السؤال في التعلم والتعليم ومكانته في المنهج التربوي القرآني واضحتان تمام الوضوح، فالسؤال في القرآن هو وسيلة اكتساب العلم ورفع الجهل عن النفس، ولكن وفق منهج سليم وتوجيه سديد، وذلك بأخذ العلم من مصادره الموثوقة، قال تعالى:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (1) بل إن التربية الإسلامية في لفتها الأنظار إلى مكانة السؤال تجعل ضرورته للمتعلم كالدواء للمريض، قال صلى الله عليه وسلم:"إنما شفاء العي السؤال".

(2)

- تشجيع المتعلمين على السؤال

إن توجيه الأسئلة له فوائده الإيجابية للمتعلم والمعلم على حد سواء وإن وجود الأسئلة الكثيرة في القرآن الكريم والإجابة عليها في ضوء المنهج القرآني الحكيم يدل دلالة واضحة على ضرورة أن يتيح المعلم الفرصة للمتعلمين أن يسألوا وأن يحسن استثمار أسلوب السؤال في تعليمهم وتربيتهم.

وقد سبق أن بينّا موقف القرآن من السؤال وترغيبه فيه وحثه وتشجيعه عليه بما يوضح تمام الإيضاح أن من أوجب واجبات المعلم أن يشجع المتعلمين على طرح أسئلتهم واستفساراتهم، وأن يسمح لهم بمناقشته ومحاورته، وأن يتقبل أسئلتهم بوجه بشوش وروح طيبة.

(3)

- التوجيه إلى طرح الأسئلة الهامة

(1) سورة النحل: آية: 43.

ص: 59

إن من أهم واجبات المعلم تجاه تلاميذه أن يلفت انتباههم إلى توجيه الأسئلة الهامة وذات العلاقة بموضوع الدرس وترك ما عدا ذلك. وقد وجه القرآن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرشد أمته إلى سلوك المنهج السديد في طرح الأسئلة، وذلك بالسؤال عما ينفع وترك السؤال عما لا ينفع أو ما قد يجلب الإساءة للسائل، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (1) وقال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (2) وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} (3) .

وقد استنبط بعض المفسرين توجيه القرآن إلى طرح الأسئلة المهمة وترك ما عداها من قول الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} (4) .

فقال: "هناك تفسير يتجه بهذه الفقرة من الآية {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} وهو أنهم في سؤالهم عن تغير الهلال عكسوا في سؤالهم، فسألوا عما لا يعنيهم ولا يفيدهم، فهم بمثابة من يأتي البيوت من ظهورها، وكان الأولى أن يأتوها من أبوابها فيسألوا عما يعنيهم وينفعهم في أمر دينهم ودنياهم".

(4)

- عدم إرهاق المتعلمين بالأسئلة

(1) سورة المائدة: آية: 101.

(2)

سورة الإسراء: آية: 85.

(3)

سورة الأعراف: آية: 187.

(4)

سورة البقرة: آية: 189.

ص: 60

وذلك بتوجيه صعاب المسائل إليهم، فينبغي للمعلم أن يختار المسائل الميسرة ويتجنب الصعبة منها، وذلك تيسيراً للمتعلمين وتشجيعاً لهم للإقبال على التعلم، وفي قصة موسى مع العبد الصالح توجيه إلى هذا المعنى، قال تعالى:{قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} (1) قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذه مدعاة إلى النفور منه والسآمة بل يأخذ المتيسر له ليتيسر له الأمر". وقال القاضي أبو السعود في معنى عسرا: "أي لا تعسر عليّ متابعتك ويسرها عليّ بالإغضاء وترك المناقشة". وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الأغلوطات"(2) قال الأوزاعي: "الأغلوطات: شداد المسائل وصعابها".

(5)

- توجيه المتعلمين بعدم التعجل في طرح الأسئلة

فمن حق المعلم - كما بيّن القرآن الكريم - أن يوجه تلاميذه إلى عدم التعجل في طرح أسئلتهم وأن يتريثوا ويصبروا حتى يفرغ مما هو بصدده ثم يسألوا بعد ذلك، قال تعالى:{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} (3) قال الشيخ السعدي: "من فوائد هذه الآية أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصراً، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها أو لا يدركها ذهنه، ويسأل سؤالاً لا يتعلق بموضوع البحث".

(6)

- عدم الإجابة على كل سؤال

(1) سورة الكهف: آية: 73.

(2)

المسند: 5/435.

(3)

سورة الكهف: آية: 70.

ص: 61

فلا يلزم المعلم أن يلم بجميع المعلومات والحقائق الخاصة بالمادة أو الدرس، بحيث يجيب على كل سؤال من أسئلة المتعلمين، وإذا كان الله لم يعطِ هذه السعة في العلم لأنبيائه عليهم السلام، فمن باب أولى ألا تعطى لغيرهم. وقد ذكر الإمام الشوكاني في سبب ذكر قصة موسى والخضر في سورة الكهف:"أن اليهود لما سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قصة أصحاب الكهف وقالوا: إن أخبركم فهو نبي وإلا فلا، ذكر الله قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار".

ومن ثم فإنه لا يقدح في مكانة المعلم ولا يقلل من قدره ألا يجيب على بعض أسئلة المتعلمين، ومما يجدر ذكره هنا أن بعض التلاميذ قد يوجه أسئلة بهدف إضاعة الوقت أو إشغال المعلم عن سؤال التلاميذ.

كما أن بعض التلاميذ قد يسأل أسئلة بعيدة كل البعد عن موضوع الدرس.

(7)

- رد العلم فيما لا يعلم إلى الله

ومن آداب المعلم تجاه أسئلة المتعلمين أن يقول لما لا يعلم الله أعلم. وقد ذكر المفسرون أن سبب رحيل موسى إلى الخضر أنه لما سئل أي الناس أعلم؟ لم يرد العلم إلى الله، بل قال أنا أعلم، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، وبين له أن هناك من هو أعلم منه وأمره بالسير إليه. ولذلك ينبغي للمعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يرد العلم إلى الله تمسكاً بهذا الأدب الرفيع الذي وجه إليه الإسلام، عن ابن مسعود قال:"إن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم الله أعلم" وعن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء، فلا يجيب حتى يأتيه الوحي" وعن ابن وهب قال: "لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح" وقال مالك: "كان ابن عباس يقول: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله".

(8)

- الحرص على التزود الدائم بالعلم

ص: 62

إن تزود المعلم الدائم والمستمر بالمعلومات والحقائق العلمية يعينه في دروسه وتعليمه، كما يعينه على الإجابة على أسئلة المتعلمين واستفساراتهم، ولذلك أرشد القرآن إلى ضرورة التزود الدائم بالعلم، وأن الإنسان مهما أوتي من العلم يبقى في حاجة ماسة إلى المزيد منه، قال تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (1) وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} (2) .

وفي رحيل موسى إلى الخضر للتعلم منه مع ما هو عليه من علم ومكانة بين الأنبياء خير دليل على ضرورة الطلب الدائم للعلم والاستزادة المستمرة منه، قال الزجاج في معرض تعليقه على رحيل موسى إلى الخضر:"فيما فعل موسى - وهو من جملة الأنبياء - من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته. وقال الشيخ السعدي: "ينبغي للفقيه المحدث إذا كان قاصراً في علم النحو أو الصرف أو نحوه من العلوم أن يتعلمه ممن مهر فيه وإن لم يكن محدثاً ولا فقيهاً".

المبحث الخامس: خصائص السؤال في القرآن الكريم

(1)

- الشمول والتنوع.

(2)

- الأهمية.

(3)

- تثبيت العقيدة وإثبات الوحدانية لله.

(4)

- بيان أفضال الله على خلقه بهدف هدايتهم إلى الحق.

(5)

- التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة.

(6)

- تنوع مصادر الأسئلة.

تمهيد:

(1) سورة طه: آية: 114.

(2)

سورة الإسراء: آية: 85.

ص: 63

تميز السؤال في ضوء المنهج التربوي القرآني بالعديد من المزايا والخصائص التربوية حيث تميز بالشمول، والتنوع، والتوجيه إلى القضايا والموضوعات الهامة، كما تميز باهتمامه بالجانب الإيماني الذي هو أهم جوانب الشخصية الإنسانية، كما تميز بتوجيه المتعلم إلى أحسن الطرق وأصدقها في تحصيل العلوم واكتساب المعارف، كما تميز السؤال في القرآن الكريم بتنوع مصادره وأسلوبه الفذ في التعامل مع السائلين على اختلاف معتقداتهم ودوافعهم وأغراضهم. وفيما يلي تفصيل لتلك الخصائص والمميزات.

(1)

الشمول والتنوع

حيث عالجت الأسئلة القرآنية جوانب متعددة من حياة مجتمع الصدر الأول، فقد شملت:

أ - أموراً خاصة بجانب الغيب، كالسؤال عن الساعة:{يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} (1) .

ب - وأموراً خاصة بالجانب المالي، كالسؤال عن أوجه الإنفاق، والإنفاق على وجه الصدقة:{يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} (2) .

ج - وأموراً خاصة بالحرب والقتال، كالسؤال عن الظروف الزمنية للقتال:{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} .

د- وأموراً خاصة ببعض ما يراد توجيهاً حاسماً وشافياً بصدده، مثل تعاطي الخمر والميسر:{يسألونك عن الخمر والميسر} .

هـ - وأموراً خاصة ببعض الفئات، كفئة اليتامى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} (3) .

و وأموراً خاصة بالجانب الصحي، كالجماع عند المحيض:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} (4) .

ز - وأموراً خاصة ببعض السابقين، كالسؤال عن ذي القرنين:{وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} (5) .

ح - وأموراً خاصة بموضوعات غامضة وغير مفهومة، كالسؤال عن الروح:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} (6) .

(1) سورة الأعراف: آية 187.

(2)

سورة البقرة: آية 215

(3)

سورة البقرة: آية 220

(4)

سورة البقرة: آية 222

(5)

سورة الكهف: آية 83

(6)

سورة الإسراء: آية 85

ص: 64

ط - وأموراً خاصة ببعض الظواهر الكونية، كالسؤال عن الجبال:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} (1) . والسؤال عن الأهلة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} (2) .

وهكذا ينبغي للمعلم أن يتأسى بالمنهج التربوي القرآني في طريقته في التربية بالسؤال، فيتيح الفرصة للتلاميذ أن يسألوا فيما يعن لهم من أمور تتعلق بما يدرسونه وبما يواجهونه ويعرض لهم من مشكلات في حياتهم. كما ينبغي للمعلم أن يحرص على استخدام طريقة السؤال في مختلف خطوات درسه من تمهيد وعرض وربط وتقويم، كما يجب على المعلم أي يشمل جميع التلاميذ بأسئلته فلا يخص بها بعضهم دون البعض الآخر.

(2)

الأهمية.

وقد امتازت الأسئلة التي جاءت في القرآن الكريم بالأهمية، يدل على هذه الأهمية ما شملته تلك الأسئلة من مجالات الحياة الأساسية وما طرحته من قضايا ملحة وهامة تتعلق بحياة مجتمع الصدر الأول، وقد بينا في الخاصية الأولى المجالات التي شملتها الأسئلة القرآنية، وذكرنا بعض الموضوعات والجوانب التي تناولتها، وإن تأمل خاصية الأهمية في المنهج التربوي القرآني يوضح أن القرآن الكريم قد أرسى قاعدة تربوية عظيمة، وهي أن الأهمية لا تحصر في الدرس أو فيما يتعلق بالجانب التعليمي، بل هي أوسع من ذلك بكثير، فهي تمتد لتشمل جميع ما يهم المتعلم ويتصل بحياته، سواء كان ذلك يتعلق بما يتعلمه داخل حجرة الدراسة أم كان يتعلق بمختلف جوانب حياته ويحتاج إلى فهمه ومعرفته والإجابة عما يثيره من أسئلة واستفسارات.

(3)

تثبيت العقيدة وإثبات الوحدانية لله

(1) سورة طه: آية 105

(2)

سورة البقرة: آية 189

ص: 65

وقد استخدم القرآن السؤال كطريقة للإقناع والوصول إلى الحق الذي هو التوحيد ونبذ الباطل الذي هو الشرك، فقال تعالى منكراً على الكفار شركهم بالله في عبادته في الوقت الذي يقرون فيه بربوبيته:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (1) وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (2) وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} (3) وإن بإمكان المعلم أن يستثمر استخدام القرآن السؤال على هذا النحو في غرس التوحيد الخالص لله في نفوس المتعلمين فيسألهم عن خالق السموات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ويسألهم عمن أحي الأرض بعد موتها، ويسألهم عمن خلقهم وخلق كل شيء ويسألهم عن الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من العبادات التي أمر الله بها، ليصل بعد هذه الأسئلة إلى نفس النتيجة التي أراد القرآن الوصول إليها من توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده وبذلك يعمل المعلم على تثبيت الإيمان الصحيح في نفوس التلاميذ معتمداً في ذلك على أسلوب السؤال وطريقته الناجحة في رعاية الجانب الإيماني لدى المتعلمين.

(4)

بيان أفضال الله على خلقه بهدف هدايتهم إلى الحق.

(1) سورة العنكبوت: آية 61.

(2)

سورة العنكبوت: آية 63.

(3)

سورة الزخرف: آية 87.

ص: 66

وهو أسلوب يقوم على استمالة العاطفة فضلاً عن مخاطبة العقل، وذلك أن النفوس مجبولة على محبة من يحسن إليها والميل إليه، وقد استخدم القرآن هذا الأسلوب في مواضع عديدة، قال تعالى:{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (1) وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (2) وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} (3) وإن المعلم مطالب بأن ينتفع بهذا الأسلوب القرآني وذلك بذكر تلك النعم التي بينها القرآن والتأكيد عليها في كل فرصة وفي كل مناسبة سانحة، وذلك على نحو يؤدي إلى محبة المتعلمين خالقهم وتقوية صلتهم به.

(5)

التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة

وهو أسلوب تربوي علمي يوفر الجهد والوقت، ويبني الجانب العلمي لدى المتعلم وفق أقوى الأسس وأمتنها، وذلك بأخذ العلوم والمعارف من مصادرها الصحيحة والموثوقة قال تعالى:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (4) وقال تعالى: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} (5) وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (6) كما أن التوجيه إلى سؤال أهل العلم والخبرة يرشد إلى أهمية السؤال وأنه طريقة من أهم طرق التعلم والكشف عن الحقائق والمعلومات.

(6)

تنوع مصادر الأسئلة

(1) سورة الأنعام: آية 63.

(2)

سورة يونس: آية 31.

(3)

سورة الأنبياء: اية 42.

(4)

سورة النحل: آية 43.

(5)

سورة يونس: آية 94.

(6)

سورة الفرقان: آية 59.

ص: 67

فقد تنوعت الأسئلة في مصادرها واختلف السائلون وتنوعوا بين مسلمين ومشركين، وأعراب، وأهل كتاب، ومنافقين، وكان لكل فئة من هذه الفئات أهدافها ودوافعها من السؤال، وقد عالج القرآن الكريم كل سؤال بما يتناسب مع أغراضه ودوافعه وأجاب عن كل سؤال في ضوء منهجه الحكيم الخالد. وإن مما يجدر التنبيه إليه هنا أن المعلم المسلم في أمس الحاجة إلى المعرفة بتلك الأسئلة ومعرفة أصحابها ودوافعهم وأغراضهم ومعرفة كيفية تعامل القرآن معها، وذلك من أجل الانتفاع بهذه المعرفة في حياته التعليمية والعامة.

المبحث السادس: خصائص الإجابات القرآنية

(1)

الاتصال بالواقع.

(2)

الإقناع العقلي.

(3)

التوجيه إلى التعامل مع الأمور في ضوء ما يغلب عليها من الخير أو الشر.

(4)

اغتنام الفرصة للتوجيه والإصلاح.

(5)

التوجيه إلى عدم استعظام خطأ في وقت يرتكب فيه خطأ أكبر.

(6)

مراعاة مصلحة الفرد والمجتمع.

(7)

التوجيه إلى أعمال البر والإصلاح.

(8)

التوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية.

(9)

التوسع في الإجابة أو الإنقاص منها وفق مقتضى الحال.

تمهيد:

يوصي المتخصصون في مجال التربية والتعليم بضرورة العناية بالسؤال والاستفادة منه في كافة أنشطة الدرس وخطواته وعناصره، كما يوصون بالعناية بالإجابات وأن تتوفر فيها بعض الشروط والضوابط لتؤدي الغرض المطلوب منها وتحقق الأهداف المعلقة عليها. ومن الشروط والضوابط التي ينبغي أن تتوفر في الإجابات: حسن الصياغة والوضوح، وأن تكون على قدر السؤال، وأن تبتعد عن الإساءة إلى المتعلمين والاستهزاء بهم، وأن يتوخى منها النفع والفائدة. وقد شملت إجابات الأسئلة في القرآن الكريم هذه الخصائص وغيرها كما تميزت بخصائص أخرى تدل على تفوق المنهج التربوي القرآني واحتفاظه بهذا التفوق مهما تقدم الإنسان في علومه ونشاطاته التعليمية والتربوية. ومن الخصائص التي تميزت بها الإجابات القرآنية ما يلي:

(1)

- الاتصال بالواقع.

ص: 68

فقد استمدت الإجابات القرآنية من واقع السائلين ومما يدور ويجري في حياتهم فإذا سأل الناس عن الخمر والميسر تكون الإجابة بالتوجيه إلى الرجوع إلى الواقع، والنظر إلى ما تحدثه الخمر وما يؤدي إليه الميسر في واقع حياتهم، قال تعالى:{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (1) .

وإذا سأل الناس عن المحيض فإن في واقع حياتهم ما يبين لهم خطورة هذا الفعل وإضراره بهم، قال تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (2) وقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن إتيان الحائض يصيب كلاً من الرجل والمرأة بالضرر.

وكذلك الأمر بالنسبة لجميع الخبائث تثبت الدراسات والوقائع والأرقام ضررها وخطرها وبالتالي ضرورة الإقلاع عنها واجتنابها.

والمربي الناجح هو الذي يربط إجاباته على أسئلة تلاميذه بواقع حياتهم فيكون هذا الربط خير معين لهم - بعد الله عزوجل - على تقبل إجاباته والانتفاع بها.

(2)

- الإقناع العقلي

(1) سورة المائدة: آية: 90،91.

(2)

سورة البقرة: آية: 222.

ص: 69

وقد تميزت الإجابات العقلية بالإقناع، فهي مقنعة للعقل في مخاطبتها إياه، ولا تجد العقول السليمة غضاضة في قبولها والتسليم بها. فالعاقل يسلم بضرورة الإقلاع عن تعاطي الخمر لكثرة مضارها وقلة منافعها، وهو كذلك يأبى القيام بما يضر بصحته، كإتيان الحائض، كما أن العقلاء يبتعدون دائماً عن الخبائث التي ترفضها فطرهم السليمة وتأباها عقولهم الرشيدة.

وهكذا ينبغي للمعلم أن يستفيد من هذه الميزة وذلك بأن يبني إجاباته على أسئلة المتعلمين على أساس من الإقناع العقلي، فيجتهد في تقديم إجابات تكون مقنعة للمتعلمين، تحظى بقبولهم إياها وانتفاعهم بها.

(3)

- التوجيه إلى التعامل مع الأمور في ضوء ما يغلب عليها من الخير والشر

فإن كان جانب الخير هو الغالب عليها أخذ بها وإلا طرحت وتركت، لأن الأخذ بها عند غلبة الشر عليها يكون فيه الوبال والخراب والدمار الذي يعم الفرد والمجتمع ويهلك الحرث والنسل. وهكذا كان التوجيه القرآني بصدد ما كان يتعاطاه العرب قبل الإسلام معتقدين النفع فيه، كتعاطي الخمر والميسر، والاحتكام إلى الأزلام (1) ، وعبادة الأصنام، قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (2) .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (3) .

(1) الأزلام: هي السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها.

(2)

سورة البقرة: آية: 219.

(3)

سورة المائدة: آية: 90،91.

ص: 70

قال الحافظ ابن كثير في تفسير آية السؤال عن الخمر والميسر: "أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيد بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها

وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين".

وهكذا ينبغي أن يحرص المربي المسلم على غرس هذا المبدأ وغيره من المبادئ الإسلامية في نفوس المتعلمين وذلك من أجل تكوين منهج صالح يسير النشء والشباب المسلم في ضوئه ويستظلون بظلاله الوارفة.

(4)

- اغتنام الفرصة للتوجيه والإصلاح

فالقرآن الكريم لم يدع فرصة السؤال عن الأهلّة تذهب دون الاستفادة منها بل رأى فيها فرصة مناسبة للتوجيه نحو السلوك الصحيح ومجانبة السلوك غير السوي. فسلامة الفطرة واستقامة الخلق وصحة العقيدة تقضي بأن تؤتى الأمور من مآتيها الصحيحة فذلك أجدر أن يؤدي إلى الخير والنفع، قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1) . قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: "كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره لم يدخل البيت من بابه ولكن يتسوره من قبل ظهره". فالقرآن الكريم قد اغتنم الفرصة ووجه أولئك الأقوام إلى السلوك السوي الذي ينبغي أن يسلك، وهكذا ينبغي للمربي أن يغتنم الفرص المناسبة لتوجيه المتعلمين نحو الفضائل وتنفيرهم من الرذائل، لعل ذلك أن يطبع نفوسهم بالخصال الحميدة ويقيهم الخلال المذمومة.

(1) سورة البقرة: آية: 189.

ص: 71

(5)

- التوجيه إلى عدم استعظام خطأ في وقت يرتكب فيه خطأ أكبر

فعندما سأل المشركون عن الشهر الحرام وحرمة القتال فيه بين لهم القرآن الكريم صحة ما ذهبوا إليه، ولكنه أوضح لهم - في الوقت ذاته - أن هناك أمراً هو أعظم بكثير من الأمر الذي سألوا عنه وهو التعدي على حرمة المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وفتنتهم بالإخراج والرد إلى الكفر هو أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل} (1) .

وهكذا فإنه ينبغي للمتعلم ألا يناقش في مسألة ما في وقت يقع فيه في خطأ هو أعظم من الخطأ الذي يناقش بخصوصه.

(6)

- مراعاة مصلحة الفرد والمجتمع

وقد تميزت الإجابات القرآنية بمراعاة المصلحة الفردية والاجتماعية وهذا واضح في كافة الإجابات القرآنية، وعلى سبيل المثال فإن الانتهاء عن الخمر والميسر فيه مصالح كثيرة للناس بما يقيهم من ويلات وآلام وخراب فردي واجتماعي ينتج عن تعاطي الخمر والميسر، وعدم التعدي على حقوق اليتامى يعود بالخير على اليتامى الذي هم فئة من فئات المجتمع، وعلى المجتمع أيضاً، لأن رفع الظلم وإقامة العدل من أسباب الرخاء والنهوض الاجتماعي، بينما يؤدي الظلم وهضم الحقوق إلى التقهقر والتخلف الاجتماعي.

(7)

- التوجيه إلى أعمال البر والإصلاح

والتوجيه نحو هذه الأمور ملحوظ في الإجابات القرآنية:

(1) سورة البقرة: آية: 217.

ص: 72

(أ) - فعندما كان السؤال عن الكيفية التي تنفق بها الأموال، كان التوجيه القرآني الحكيم بأن تنفق فيما يحفظ الصلات ويدعم الروابط والعلاقات ويقي مئونة الحاجة، فتنفق على الوالدين والأقربين والمساكين ونحوهم من أهل الحاجات، قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (1) .

(ب) - وتتكرر الإجابة بالأمر بالإصلاح عند السؤال عن اليتامى، قال تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (2) .

(8)

- التوجيه إلى عدم تبديد الطاقة العقلية

ومن خصائص الإجابات القرآنية المحافظة على الطاقات العقلية وعدم تبديدها فيما لا طائل وراءه، فالله عز وجل قد وهب الإنسان هذه الطاقة ليستخدمها فيما ينفعه في دينه ودنياه ويبتعد بها عما لا يجديه نفعاً أو يجلب التخريب والدمار.

(أ) - ومما فيه تبديد للطاقة العقلية أن يسأل عن أمور لا يستطيع العقل إدراكها وفهمها، لأنها أكبر من قدراته مهما بلغت، وأعظم من أن يصل إليها بعلومه ومعارفه، قال تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} (3) .

(1) سورة البقرة: آية: 215.

(2)

سورة البقرة: آية: 220.

(3)

سورة الإسراء: آية: 85.

ص: 73

(ب) - كما أن السؤال عن الساعة لا يجدي الإنسان شيئاً وخير من السؤال عنها الاستعداد لها بالعمل الصالح، قال تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} (1) وفي ضوء هذا المنهج الحكيم يتعامل المعلم مع أسئلة التلاميذ فيجيب على ما فيه نفعهم ومصلحتهم ويدع ما عدا ذلك.

(9)

- التوسع في الإجابة أو الإنقاص منها وفق مقتضى الحال

والأصل في الإجابة على الأسئلة - في القرآن الكريم والدراسات التربوية الحديثة - أن يكون الجواب على قدر السؤال. إلا أن المنهج التربوي القرآني قد فاق تلك الدراسات، وذلك بالتوجيه إلى أنه ليس من الضروري التطابق بين السؤال والجواب، وإنما يترك ذلك لمقتضى الحال، وبذلك جاءت بعض الإجابات على قدر السؤال، كما هو حال كثير من الإجابات التي تناولناها في هذا البحث، بينما جاءت بعض الإجابات أعم من أسئلتها، كما في قوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} (2) في جواب: {مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (3) كما جاءت بعض الإجابات أنقص من أسئلتها، كما في قوله تعالى:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} (4) في جواب: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} وذلك لأن التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه فالاختراع أولى.

(1) سورة النازعات: آية: 4245.

(2)

سورة الأنعام: آية: 64.

(3)

سورة الأنعام: آية: 63.

(4)

سورة يونس: آية: 15.

ص: 74

ومما تميزت به الإجابات القرآنية أنه قد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيهاً على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، وهو المسمى بأسلوب الحكيم، ويمثل له بقوله تعالى:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1) فأجيبوا ببيان حكمة ذلك تنبيهاً على أن الأهم السؤال عن ذلك لا عما سألوا عنه.

ولعل هذا التنوع في الإجابة على الأسئلة يكسب المعلم حنكة ومقدرة في التعامل مع أسئلة التلاميذ والإجابة على كل سؤال منها بالطريقة المناسبة.

الخاتمة

اتضح فيما سبق من هذا البحث أهمية السؤال ومكانته التعليمية والتربوية، كما اتضحت عناية الإسلام بالسؤال والمنهج التربوي المتكامل الذي أرشد إليه لاستخدام السؤال والانتفاع به، ولعل أهم النتائج التي توصل إليها الباحث في هذا البحث ما يلي:

1-

إعلاء الإسلام من شأن السؤال، وعناية نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم به وتشجيع أصحابه عليه.

2-

إن السؤال قد احتل مكانة بارزة في القرآن الكريم واتضاح هذه المكانة من تشجيع القرآن على السؤال وترغيب المتعلمين فيه، كما أبرز القرآن الكريم أهمية السؤال ومكانته التعليمية والتربوية من خلال الأحداث التي حفلت بها قصة موسى والخضر عليهما السلام.

3-

إن الأسئلة القرآنية قد تميزت بخصائص ومميزات شملت مختلف جوانب شخصية المتعلم ولا سيما الجانب الإيماني منها، كما عنيت بربط المتعلم بواقعه ومشكلاته.

4-

تميزت الإجابات القرآنية بالشمول واهتمامها بحاجات المتعلم، كما تميزت باتصالها بواقعه، وعملها على تنمية شخصيته وإصلاحها.

5-

عناية العلماء والمربين المسلمين بالسؤال على امتداد التاريخ الإسلامي وتأكيدهم على أهميته ودوره الأساسي في التعليم.

(1) سورة البقرة: آية: 189.

ص: 75

6-

أهمية السؤال ودوره الهام والأساسي في كثير من الأنشطة التعليمية والتربوية وحاجة المتعلم والمعلم الضرورية إليه، وأنه جزء لا يتجزأ من الدرس والطريقة والتقويم.

7-

إن نجاح السؤال في تحقيق الأهداف المنوط به مرتهن بالآداب التي أرشد إليها القرآن الكريم ووجه المتعلمين والمعلمين إلى التحلي بها والمحافظة عليها.

8-

إن نجاح التربية بالسؤال لا يتوقف على المتعلم فحسب إذ المعلم هو كذلك طرف أساسي في تحقيق ذلك النجاح، وذلك باتباع الإرشادات والتوجيهات التي أسداها القرآن للمعلم فيما يتعلق بالأسئلة والإجابات المتعلقة به وبالمتعلمين.

وفي ضوء هذه النتائج، فإن الباحث يوصي بما يلي:

1-

الاهتمام بالسؤال وإعطائه الاهتمام الذي يستحقه، ولا سيما في ضوء ما ثبت في هذا البحث من أهمية السؤال ودوره الكبير والفاعل في التربية والتعليم.

2-

التأكيد على الدور والمكانة البارزة التي أولاها الإسلام السؤال، والتي تتضح من الرجوع إلى الكتاب والسنة وآراء العلماء والمربين المسلمين.

3-

اتخاذ الطرق والأساليب الكفيلة بتمسك المتعلمين والمعلمين بآداب السؤال والجواب والتي يتم في ضوئها تحقيق الأهداف والنتائج التي تنشدها التربية الإسلامية.

4-

إجراء المزيد من الدراسات التربوية الإسلامية فيما يتعلق بالسؤال وبغيره من الجوانب والموضوعات التعليمية والتربوية، والعمل على الانتفاع بنتائج هذه الدراسات في إرساء دعائم المنهج التربوي الإسلامي داخل المؤسسات التعليمية والتربوية الإسلامية.

5-

الرجوع الدائم والمستمر إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتدبر ما فيهما، واستنباط منهجنا التربوي والتعليمي منهما، والبحث من خلالهما عن علاج جميع مشكلاتنا.

وبعد؛ فهذا ما يسر الله لي الوصول إليه في هذا البحث، أسأله سبحانه أن يتقبله مني وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يجعل فيه النفع والفائدة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 76

فهرس المصادر والمراجع

1-

القرآن الكريم.

2-

د. إبراهيم عباس نتو:

أفكار تربوية: جدة: تهامة: الطبعة الأولى: 1401هـ-1981م.

3-

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني:

فتح الباري بشرح صحيح البخاري: تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز: بيروت: دار المعرفة.

4-

أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني:

المسند: بيروت: المكتب الإسلامي: الطبعة الرابعة: 1403هـ- 1983م.

5-

إسماعيل بن عمر بن كثير:

تفسير القرآن العظيم: دار المعرفة: بيروت: الطبعة الأولى: 1406هـ-1986م.

6-

د. جودت الركابي:

طرق تدريس اللغة العربية: دمشق: دار الفكر: الطبعة الثانية: 1406هـ-1986م.

7-

د. حامد بن عبد السلام زهران:

علم نفس النمو: القاهرة: عالم الكتب: الطبعة الرابعة: 1977م.

8-

حسين عبد الله بانبيلة:

ابن خلدون وتراثه التربوي: بيروت: دار الكتاب العربي: الطبعة الأولى: 1404هـ- 1984م.

9-

سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي:

سنن أبي داود: إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس، عادل السيد: بيروت: دار الحديث الطبعة الأولى: 138هـ- 1969م.

10-

د. عبد الحميد الصيد الزنتاني:

أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية: ليبيا - تونس: الدار العربية للكتاب: 1984م.

11-

د. عبد الحميد الهاشمي:

الرسول العربي المربي: دمشق: دار الثقافة للجميع: الطبعة الأولى: 1401هـ- 1981م.

12-

د. عبد الرحمن صالح عبد الله:

التربية العملية أهدافها ومبادئها: عمان: دار العدوي: الطبعة الأولى: 1406هـ- 1986م.

13-

عبد الرحمن بن محمد بن خلدون:

مقدمة ابن خلدون: بيروت: دار القلم: الطبعة السادسة: 1406هـ-1986م.

14-

عبد الرحمن بن ناصر السعدي:

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: مكة المكرمة: مؤسسة مكة للطباعة والإعلام: 1398هـ.

15-

عبد الرحمن النحلاوي:

أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع: دمشق: دار الفكر: الطبعة الأولى: 1399هـ- 1979م.

16-

عبد العليم إبراهيم:

ص: 77

الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية: القاهرة: دار المعارف: الطبعة الثالثة عشرة.

17-

عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي:

سنن الدارمي: استانبول: دار الدعوة: 1401هـ- 1981م.

18-

عبد الله عبد المجيد بغدادي:

الانطلاقة التعليمية في المملكة العربية السعودية: جدة: دار الشروق: الطبعة الأولى: 1402هـ- 1982م.

19-

د. ماجد عرسان الكيلاني:

تطور مفهوم النظرية التربوية الإسلامية: دمشق - بيروت: دار ابن كثير: الطبعة الثالثة.

20-

د. محب الدين أحمد أبو صالح:

أساسيات في طرق التدريس العامة: الرياض: دار الهدى للنشر والتوزيع: الطبعة الثانية: 1412هـ- 1991م.

21-

محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني:

تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: بيروت: دار الكتب العلمية.

22-

محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية:

العلم فضله وشرفه: تحقيق: علي بن حسن الحلبي الأثري: الرياض: مجموعة التحف والنفائس الدولية: الطبعة الأولى: 1416هـ-1996م.

23-

محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي:

الجامع لأحكام القرآن: بيروت: دار الشآم للتراث: الطبعة الثانية.

24-

محمد أحمد عبد الهادي:

المربي والتربية الإسلامية: جدة: دار البيان العربي: الطبعة الأولى: 1404هـ- 1984م.

25-

محمد بن جرير الطبري:

جامع البيان عن تأويل آي القرآن: بيروت: دار الفكر: 1405هـ- 1984م.

26-

محمد صالح سمك:

فن التدريس للتربية اللغوية: القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية: 1979م.

27-

د. محمد عبد العليم مرسي:

المعلم المناهج وطرق التدريس: الرياض: دار الإبداع الثقافي: الطبعة الثانية: 1415هـ- 1995م.

28-

د. محمد علي البار:

هل هناك طب نبوي: جدة: الدار السعودية: الطبعة: الأولى: 1409هـ- 1988م

29-

محمد بن علي الشوكاني:

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: عالم الكتب.

30-

محمد بن عمر الرازي:

تفسير الفخر الرازي: بيروت: دار الفكر: الطبعة الثالثة: 1405هـ- 1985م.

ص: 78

31-

محمد بن محمد العمادي:

تفسير أبي السعود: بيروت: دار إحياء التراث العربي.

32-

مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري:

صحيح مسلم: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: بيروت: دار إحياء التراث العربي.

33-

مناع خليل القطان:

مباحث في علوم القرآن: الرياض: مكتبة المعارف: الطبعة الثامنة: 1401هـ- 1981م.

34-

يحيى بن شرف النووي:

صحيح مسلم بشرح النووي: بيروت: دار الكتب العلمية.

35-

د. يوسف القرضاوي:

العقل والعلم في القرآن الكريم: القاهرة: مكتبة وهبة: الطبعة الأولى: 1416هـ-1996م.

ص: 79

الأسفار المقدسة عند اليهود

وأثرها في انحرافهم

عرض ونقد

تأليف

د. محمود عبد الرحمن قدح

عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية

بالمدينة المنورة

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذه دراسة موجزة عن موضوع (الأسفار المقدسة عند اليهود - عرض ونقد - وأثرها في انحرافهم) سرت فيها على خطى علمائنا المتقدمين- الذين قاموا بهدي من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان مواطن التحريف والتبديل في كتب أهل الكتاب - إقامة للحجة وإلزاماً للبينة ومجادلة بالتي هي أحسن - ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة - وتحذيراً لإخواننا المسلمين من كيد أعدائنا. قال تعالى: {لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ..} (1)، لأن اليهود أعداء الحق والفضيلة والخير منذ ظهورهم قال تعالى:{لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُون كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (2) .

واليهود أعداؤنا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، فحينما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم سارع اليهود إلى تكذيبه وإنكار رسالته مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل قالوا لقريش عبدة الأصنام بأنهم أهدى سبيلاً من محمد صلى الله عليه وسلم، وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم بشتى الوسائل بالشبهات والشكوك والكيد والنفاق، والاغتيال والقتال والسحر والسم.

وهم أعداؤنا حاضراً باحتلالهم أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثالث المساجد التي تشد الرِّحال إليها وقتلهم المسلمين وتشريدهم واحتلالهم ديارنا.

(1) سورة المائدة، آية 82.

(2)

سورة المائدة، آية 78-79.

ص: 80

وأعداؤنا مستقبلاً فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن المسيح الدجال سيتبعه عند خروجه سبعون ألفاً من يهود أصبهان، فهم جند الدجال وأعوانه، كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بأنه:"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر -وراءه يهودي-: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله".

وهم أعداء السلام وأصحاب الفتن والخصام قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مّنْهُم مّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لَا يُحِبّ الْمُفْسِدِين َ} .

وقد بينت في هذه الدراسة بعض الأسس والمرتكزات الدينية التي ينطلق منها اليهود في فسادهم وعداوتهم الفضيلة والناس جميعاً، وبذلك تتضح الرؤية في التعامل معهم والحذر والتحذير منهم.

وقسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث كالآتي:

- المبحث الأول: الإيمان بالكتب الإلهية.

- المبحث الثاني: الأسفار المقدسة عند اليهود عرض ونقد.

- المبحث الثالث: أثر الأسفار المقدسة في انحراف اليهود.

وبالله التوفيق والسداد

وكتبه

د. محمود بن عبد الرحمن قدح

المبحث الأول

الإيمان بالكتب الإلهية

إن من حكمة الله عز وجل ورحمته بعباده أن بعث أنبياء ورسلاً لهدايتهم ودعوتهم إلى الخير، وإقامة حجته على خلقه، وأنزل عليهم كتباً ليبيّنوا للناس ما أنزل إليهم من الهدى والنور، وما تتضمنه من أحكام الله عز وجل العادلة، ووصاياه النافعة، وأوامره ونواهيه الكفيلة بإصلاح البشرية وإسعادها في الدنيا والآخرة.

ص: 81

وتمهيداً لموضوع دراستنا (الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم - عرض ونقد) ، فإنه يجدر بنا أن ندرس بإيجاز ثلاث مسائل مهمة لنتبين موقف الإسلام من الكتب الإلهية، وهي:

1 -

الإيمان بالكتب السماوية.

2 -

وقوع التحريف والتبديل في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم.

3 -

حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرّفة.

المطلب الأول: الإيمان بالكتب الإلهية السماوية

إن من أركان الإيمان الستة الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه ورسله، وبأنها حق وصدق وهدى ونور وبيان وشفاء ورحمة للخلق وهداية لهم ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة.

والإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الكريم الذي نُزّل على محمد صلى الله عليه وسلم والإنجيل الذي نُزّل على عيسى صلى الله عليه وسلم، والزّبور الذي نُزّل على داود صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم، وصحف إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

والإيمان بأن لله كتبا أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله، قال عز وجل:{كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ ليَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيما اختَلَفُوا فِيهِ وَما اخْتَلَفَ فيه إلاّ الّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُم البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُم فَهَدَى الله الَّذِينَءَامَنُوا لمِا اختَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بإذْنِهِ والله يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (1) .

وأما كيفية إيماننا بالكتب السماوية، فإنا نؤمن بالكتب السماوية السابقة إيماناً مجملاً، يكون بالإقرار بها بالقلب واللسان، وأن منها ما فُقد واندثر، ومنها ما حُرِّف وغُيِّر، وأنها منسوخة بالقرآن الكريم.

(1) سورة البقرة، آية 213.

ص: 82

وأم االقرآن الكريم فنؤمن به إيماناً مفصلاً، يكون بالإقرار به بالقلب واللسان، وإتباع ما جاء فيه، وتحكيمه في كل كبيرة وصغيرة، وأن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه ناسخ لما قبله من الكتب السماوية، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ

} (1) ، أي حاكماً عليه، وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السماوية إلَاّ ما أقره منها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

المطلب الثاني: وقوع التحريف في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم.

(1) سورة المائدة، آية 48.

ص: 83

لقد تضافرت الأدلة والبراهين على تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب المتقدمة، والآيات القرآنية كثيرة في ذلك منها: قوله تعالى: {

قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً

} (1)، وقوله تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مّنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنّ اللهَ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الّذِينَ قَالُواْ إِنّا نَصَارَىَ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ} (2) .

وقد أجمع المسلمون على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة، إما عمداً وإما خطأً في ترجمتها أو في تفسيرها أو تأويلها، إلا أن علماء المسلمين قد اختلفوا في مقدار التحريف فيها:

فقال بعضهم: إن كثيراً مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام الله.

ومنهم من قال: بل ذلك قليل.

وقال بعضهم: لم يحرف أحد شيئاً من حروف الكتب وإنما حرفوا معانيها بالتأويل.

وقال بعضهم: كانت توجد نسخ صحيحة للتوراة والإنجيل بقيت إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخ كثيرة محرفة.

وقال الجمهور: بأنه بُدِّل بعض ألفاظها وحُرِّف.

(1) سورة الأنعام، آية 91.

(2)

سورة المائدة، آية 13-15.

ص: 84

والذي أراه - والله أعلم - أن تحريفاً كثيراً قد وقع في كتبهم إلا أنه لا تزال فيها بقايا من الوحي الإلهي وهي كثيرة أيضاً، ولا سبيل لمعرفتها إلا بموافقتها لما في القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

وأما أنواع التحريف في كتبهم فهو: تحريف بالتبديل، وتحريف بالزيادة، وتحريف بالنقصان، وتحريف بتغيير المعنى دون اللفظ، والشواهد على ذلك كثيرة.

وإلى جانب التحريف فإن هناك وسائل أخرى ذكرها القرآن الكريم لا تقل خطورة في تأثيرها عن التحريف والتبديل، ومن هذه الوسائل ما يلي:

1-

الإخفاء: قال تعالى: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً

} (1)، وقال تعالى:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءكُمْ مّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ} (2) .

2-

الكتمان: قال تعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى:{وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيّنُنّهُ لِلنّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (3) .

3-

إلباس الحق بالباطل: قال تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، وقال تعالى:{وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (4) .

(1) سورة الأنعام، آية 91.

(2)

سورة المائدة، آية 15.

(3)

سورة آل عمران، آية 187.

(4)

سورة البقرة، آية 42.

ص: 85

4-

الكذب والتكذيب: قال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} ، وقال تعالى:{وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ..} .

5-

لوي الألسنة بالكتاب: قال تعالى: {وَإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون} (1) .

6-

التعطيل: المقصود به تعطيل أحكام التوراة والإنجيل وعدم إقامتها والعمل بها. قال تعالى: {وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمّةٌ مّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ

} (2) . وقال تعالى: {مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُواْ التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} .

7-

الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر: قال تعالى: {

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

} (3) .

(1) سورة آل عمران، آية 78.

(2)

سورة المائدة، آية 68.

(3)

سورة البقرة، آية 85.

ص: 86

8-

الإهمال: قال تعالى: {وَلَما جَآءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (1) .

وكذلك قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشْتَرَوْا بِهِ ثمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} .

9-

الظن: قال تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمّيّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ} .

10-

النسيان: قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّا مّمّا ذُكِرُواْ بِهِ

} (2) .

11-

التزوير: قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ للذِينَ يَكْتُبُون الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} (3) .

وتوضح هذه الوسائل مجتمعة الطرق التي تحوّلت بها التوراة والإنجيل وغيرها من كتب إلهية سماوية إلى كتب بشرية خطها رجال الدين من اليهود والنصارى بأيديهم.

المطلب الثالث: حكم قراءة المسلم في التوراة والأناجيل المحرفة وما شابهها.

بعد أن علمنا من المطلبين السابقين أن الكتب السماوية السابقة قد حرّفت وبُدّلت ونُسخت بالقرآن الكريم، فإن سؤالاً مهماً يتبادر إلى الذهن هو: ما حكم إطلاع المسلم وقراءته الكتب المقدسة عند أهل الكتاب؟

(1) سورة البقرة، آية 101.

(2)

سورة المائدة، آية 13.

(3)

سورة البقرة، آية 79.

ص: 87

وبالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بهذه المسألة نجد أدلة ظاهرها التعارض، فبعضها يفيد الجواز والآخر يفيد المنع، وسأبدأ بأدلة المنع ثم أدلة الجواز ثم أبين ما يترجح منها مستعيناً بالله عز وجل.

- أما أدلة المنع من قراءة كتب أهل الكتاب فهي:

- عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال:"أمتهوكون (1) فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"(2) .

(1) التَّهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير رويّة، وقيل: التحيّر.

انظر: النهاية في غريب الحديث 5/282 لابن الأثير.

(2)

أخرجه الإمام احمد 3/387 والدارمي 1/115، وابن أبي شيبة ح26421، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 2/42، والبزار وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/334:"رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفاً". وبمثله قاله الهيثمي في المجمع 1/179.

قال الشيخ الألباني: وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف، ولكن الحديث حسن عندي لأنه له طرقاً كثيرة عند اللالكائي والهروي وغيرهما. (انظر: المشكاة ح177، والإرواء 6/34 ح1589)

ص: 88

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} (1) الآية"(2)

- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحْدَثُ الأخبار بالله تقرؤنه لم يُشبْ؟! وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا:{هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} (3) ، أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قطُّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم.

- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لا تسألوا أهل الكتاب، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل".

- وأما أدلة جواز الإطلاع على كتب أهل الكتاب فمنها:

قال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْجَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْترين (4) } (5) .

(1) سورة البقرة: 126.

(2)

أخرجه البخاري (انظر: فتح 5/291، 8/170) ، والبيهقي في السنن الكبرى 10/) 163.

(3)

سورة البقرة، آية 79.

(4)

المراد من قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ} على سبيل الفرض والتقدير، إذ الشك لا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أبداً لعصمته، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا أشك ولا أسأل"، كذا قاله ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن البصري. (انظر: تفسير ابن كثير 2/448) .

(5)

سورة يونس، آية 94.

ص: 89

وقال تعالى: {وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَىَ بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .

قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} .

- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". والتحديث عن بني إسرائيل يقتضي النظر في كتبهم.

- وعن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ

الخ" (1) .

- وورد أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدِّث منهما.

وإزاء هذه النصوص التي ظاهرها التعارض بين النهي والجواز في النظر في كتب أهل الكتاب، فقد ذكر العلماء أقوالاً في الترجيح والجمع بين تلك النصوص:

قال الحافظ ابن حجر في شرحه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "

وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج

" أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.

(1) رواه البخاري (انظر: فتح الباري 4/343) ، وأحمد 2/174.

ص: 90

وقال بعضهم: إن الأمر بالإباحة والجواز ليس على إطلاقه، فإن جاء ما في كتبهم موافقاً لما في شرعنا صدّقناه وجازت روايته، وما جاء مخالفاً لما في شرعنا كذّبناه وحرمت روايته إلا لبيان بطلانه، وما سكت عنه شرعنا توقفنا فيه فلا نحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته، وتذكر للاستشهاد لا للاعتقاد.

والأولى في هذه المسألة الجمع بين النصوص المتعارضة، لأن فيه العمل بالنصوص كلها، أما القول بالنسخ ففيه الأخذ ببعض النصوص وترك لبعضها، وطريقة الجمع بينها تكون بالتفصيل في المسألة على النحو الآتي:

1-

حكم المقروء من كتب أهل الكتاب.

2-

حال القارئ لها.

3-

قصد القارئ ونيته من القراءة فيها.

1-

فأما بالنسبة لحكم المقروء منها فإنه على ثلاثة أنواع:

أ - نوع يجوز تصديقه وروايته، وهو ما جاء في كتبهم موافقاً لما في شرعنا.

ب - ونوع يحرم روايته إلا بشرط تكذيبه وبيان بطلانه، وهو ما جاء في كتبهم مخالفاً لما في شرعنا.

ج - ونوع يتوقف فيه، لا يحكم عليه بصدق ولا بكذب وتجوز روايته وتذكر للاستشهاد لا للإعتقاد، وهوما سكت عنه شرعنا.

2-

وأما حال القارئ لكتبهم فإنه يجوز لأهل العلم من الراسخين في الإيمان والعلم وعلى هذا الصنف من الناس نحمل نصوص الجواز والإباحة في قراءة كتب أهل الكتاب، ولا يجوز لمن لم يكن من الصنف الأول كالعامي الغرِّ والشاب الغمر من الناس ومن في حكمهم فهؤلاء تحمل عليهم نصوص المنع وعدم الجواز.

3-

وأما بالنسبة لقصد القارئ ونيته ممن يجوز لهم القراءة، فإنه لا يجوز للقارئ إذا كان النظر فيها على وجه التعظيم والتفخيم لها، أو إذا كان يتشاغل بذلك دون غيرها مما هو مطلوب من علوم الشرع.

ص: 91

وأما إذا كان قصد القارئ معرفة ما في كتبهم من الشر لتوقيه وتحذير الناس منه، أو الرد على المخالف وإلزام اليهود والنصارى بطلان دينهم وتحريف كتبهم ونسخ شريعتهم والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرج من البشارات في كتبهم، فهذا جائز يدل عليه النصوص الشرعية وفعل الأئمة كابن حزم وابن تيمية وابن القيم وغيرهم في النقل من كتب أهل الكتاب، ولولا اعتقاد الأئمة جواز النظر فيها لما فعلوه وتواردوا عليه.

وذلك القصد داخل ضمن ما أمرنا به الله عز وجل في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بمِنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} (1) . وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} .

والمجادلة المحمودة التي أمرنا بها هي التي تكون عن علم وبصيرة وهدي وذلك يقتضي النظر في كتبهم لإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم والله أعلى وأعلم.

(1) سورة النحل، آية 125.

ص: 92

تابع الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم

المبحث الثاني: الأسفار المقدسة عند اليهود - عرض ونقد

المطلب الأول: التعريف بالأسفار المقدسة عند اليهود.

إن الكتب المقدسة عند اليهود تنقسم على وجه الإجمال إلى قسمين هما:

الأول: التوراة وما يتبعها من أسفار الأنبياء المقدسة عند اليهود، وهذا القسم يسميه اليهود بعدة أسماء منها:

1-

أهمها وأشهرها (التناخ) ويكتبونها بالعبرية (ت، ن،ك) وهي حروف اختصار من الألفاظ (توراة) ، نبوئيم (الأنبياء) ، كتوبيم (الكتب) وهي الأجزاء الثلاثة الكبيرة التي يتألف منها العهد القديم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

2-

(المقرا) ومعناه: النص المقروء، لأنهم مطالبون بقراءته في عباداتهم والرجوع إلى الأحكام الشرعية فيها التي تنظم حياتهم.

3-

(المِسُورَه) أو (المِسُورِتْ) وهو عندهم صفة علمية خاصة، يعنون بذلك النص المقدس المروي عن الأسلاف رواية متواترة - على حد زعمهم - ارتضتها أجيال العلماء ورفضت ما عداها [1] .

الثاني: التلمود: الذي يعتبره اليهود مصدراً من مصادر التشريع اليهودي ومن أسفارهم المقدسة لديهم، ويتكون من جزئين أحدهما يسمى المِشْنا أو المشْنَة، والثاني الجمارا أو الجمارة.

وهناك أسفار أخرى كثيرة عند اليهود لم تدخل ضمن الأسفار القانونية التي يتكوّن منها كتاب اليهود المقدس، وإن كانوا يحيطون تلك الأسفار الغير معترف بها -ويسمونها بـ (الكتب غير القانونية) أو (الأبوكريفا) - بكثير من العناية والاهتمام ويجعلونها استمراراً لتاريخهم.

وسوف نبدأ الحديث - إن شاء الله تعالى - بشيء من التفصيل عن القسم الأول عرضاً ونقداً ثم نتلوه بالقسم الثاني.

فأما القسم الأول: فإنه يندرج تحت ما يسمّى بـ (الكتاب المقدس) The Bible الذي يبذل النصارى جهوداً جبارة وخبيثة في سبيل ترجمته بمختلف اللغات واللهجات ونشره وتوزيعه في جميع أنحاء العالم.

ص: 93

وهذا الكتاب المزعوم بأنه مقدس ينقسم إلى قسمين رئيسين هما:

الأول: يسمى (العهد القديم [2] أو العتيق) Old Testament ويحتوي على الأسفار المنسوبة إلى موسى والأنبياء من بعده الذين كانوا قبل عيسى عليهم الصلاة والسلام.

الثاني: يسمى (العهد الجديد) New Testament ويحتوي على الأناجيل وما يتبعها من الأسفار المنسوبة إلى الحواريين وتلامذتهم.

وهذا التقسيم والتسمية من النصارى الذين يقدسون العهد القديم والجديد، ومجموعهما هو الكتاب المقدس عندهم، ويعتقدونه وحياً كُتب بإلهام من الروح القدس لمؤلفيها.

أما اليهود فإنهم لا يقدسون إلا العهد القديم فقط، وهو الكتاب المقدس عندهم، ولا يعترفون بالعهد الجديد ويكفرون به لكفرهم بالمسيح عليه الصلاة والسلام وقولهم بأنهم قتلوه وصلبوه، لذلك سوف تتركز دراستنا في هذا البحث على العهد القديم أو ما يسميه اليهود بـ (التناخ، أو المقرا، أو المسورت) ويشتمل على ستة وثلاثين سفراً يقسمه اليهود باعتبار محتوياته إلى ثلاثة أقسام رئيسة.

ومما يجدر التنبيه إليه أن اليهود والنصارى قد وضعوا مصطلحات خاصة بكتبهم المقدسة لديهم ليسهل عليهم الوقوف والرجوع إلى نصوصها، ومن تلك المصطلحات:

السفر: ويعني (الكتاب أو الباب) ، وجمعه أسفار، وله عنوان أو مسمى، فيقال مثلاً: سفر التكوين، سفر أرميا ونحوه.

الإصحاح: ويعني (الفَصْل) ، حيث إن السفر يشتمل على عدّة إصحاحات، ولكل إصحاح رقم، فيقال مثلاً: الإصحاح الأول، الإصحاح الثاني، وهكذا. وقد يرمز للإصحاح بالرمز (صح) .

الفقرة: وتعني (العبارة أو النص) ، فالإصحاح الواحد يحتوي على عدة فقرات أو نصوص مرقّمة.

كما تختصر تلك المصطلحات في عدة رموز، مثاله:

(تك 7/21-35) ، ومعناه سفر التكوين، الإصحاح السابع، الفقرات من الفقرة الحادية والعشرين إلى الفقرة الخامسة والثلاثين.

تقسيم اليهود لأسفارهم المقدسة (العهد القديم)[3]

بحسب محتوياته

ص: 94

(1)

التوراة: ويشتمل على خمسة أسفار هي:

1-

سفر التكوين (50 إصحاحاً)

2-

سفر الخروج (40 إصحاحاً)

3-

سفر اللاويين (27 إصحاحاً)

4-

العدد (36 إصحاحاً)

5-

التثنية (34 إصحاحاً)

(2)

أسفار الأنبياء

أسفار الأنبياء الأول (المتقدمين) وهي:

1-

سفر يشوع (يوشع بن نون)(24 إصحاحاً)

2-

سفر القضاة (21 إصحاحاً)

3-

سفر صموئيل الأول (31 إصحاحاً)

سفر صموئيل الثاني (24 إصحاحاً)

4-

سفر الملوك الأول (22 إصحاحاً)

سفر الملوك الثاني (25 إصحاحاً)

أسفار الأنبياء الأُخر (المتأخرون) وهي:

1-

سفر أشعيا (66 إصحاحاً)

2-

سفر ارميا (52 إصحاحاً)

3-

سفر حزقيال (48 إصحاحاً)

4-

أسفار الأنبياء الصغار أو الاثني عشر نبياً وهي:

1/ سفر هوشع (14إصحاحاً)

2/سفر يوئيل (3 إصحاحات)

3/ سفر عاموس (9إصحاحات)

4/ سفر عوبديا (إصحاح واحد)

5/ سفر يونان (4 إصحاحات)

6/ سفر ميخا (7 إصحاحات)

7/ سفر ناحوم (3 إصحاحات)

8/ سفر حبقوق (3 إصحاحات)

9/ سفر صفنيا (3 إصحاحات)

10/ سفر حجاي (إصحاحان)

11/سفر زكريا (14 إصحاحاً)

12/ سفر ملاخي (4 إصحاحات)

(3)

الكتب (كتب الحكمة) : وتشتمل على الأسفار الآتية:

1-

مزامير داود (150 مزموراً)

2-

أمثال سليمان (31 إصحاحاً)

3-

سفر أيوب (42 إصحاحاً)

4-

نشيد الأناشيد (8 إصحاحات)

5-

سفر روث (راعوث)(4 إصحاحات)

6-

مراثي أرميا (5 إصحاحات)

7-

سفر الجامعة (12 إصحاحاً)

8-

سفر إستير (10 إصحاحات)

9-

سفر دانيال (12 إصحاحاً)

10-

سفر عزرا (10 إصحاحات)

11-

سفر نحميا (13 إصحاحاً)

12-

سفر أخبار الأيام، وينقسم إلى قسمين:

أخبار الأيام الأول (29 إصحاحاً) ، أخبار الأيام الثاني (36 إصحاحاً)

المطلب الثاني: عرض موجز لمحتويات الأسفار:

القسم الأول: التوراة: في اللغة: كلمة عبرانية بمعنى الشريعة والتعليم، وتسمى بكتب موسى أو الأسفار الخمسة أو الناموس (ومعناه القانون) أو البنتاتيك Pentateuch (وهي كلمة يونانية تعني الأسفار الخمسة)[4] .

ص: 95

وأما في اصطلاح اليهود والنصارى: فالتوراة هي الأسفار الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية) التي كتبها موسى عليه الصلاة والسلام.

وأما في اصطلاح المسلمين: فالتوراة [5] هي الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على رسوله موسى عليه الصلاة والسلام فيه الهدى والنور للناس، ولكن اليهود حرّفوه وبدلوه، وقد نسخه الله بالقرآن الكريم المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين (ز) .

محتويات الأسفار الخمسة بإيجاز:

1-

سفر التكوين: ويقع في (50) إصحاحاً، وفيه قصة خلق العالم وتكوينه، وقصص آدم عليه الصلاة والسلام وذريته ونوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم عليه الصلاة والسلام وذريته، وينتهي باستقرار بني إسرائيل في مصر ووفاة يوسف عليه الصلاة والسلام.

2-

سفر الخروج: ويقع في (40) إصحاحاً، وفيه قصة موسى عليه الصلاة والسلام وخروجه ببني إسرائيل من مصر، وتاريخ بني إسرائيل في أرض التيه، وفيه الوصايا العشر وطائفة من الأحكام والتشريعات.

3-

سفر اللاّويين: ويقع في (27) إصحاحاً، شغل معظمه بشئون العبادات وخاصة ما تعلق منها بالأضحية والقرابين والطقوس الكهنوتية التي كانت موكولة إلى سبط لاوي بن يعقوب، ومن ثمّ نسب إليهم.

4-

سفر العدد: ويقع في (36) إصحاحاً، وقد شغل معظمه بالعدِّ والإحصاء عن قبائل بني إسرائيل وجيوشهم وكثير مما يمكن إحصاؤه من شئونهم، ويتخلل ذلك بعض الأحكام.

5-

سفر التثنية: ويقع في (34) إصحاحاً، وقد أعيد فيه ذكر الوصايا العشر مرة ثانية، وفيه الأحكام والتشريعات المتنوعة، وينتهي هذا السفر بوفاة موسى عليه الصلاة والسلام ودفنه، وبه تنتهي التوراة.

وأسماء هذه الأسفار الخمسة مأخوذة عن نسخة التوراة باللغة اليونانية، أما في النسخة العبرية للتوراة المعتمدة عند اليهود فإن هذه الأسفار تسمّى بالكلمات التي في بداية كل سفر منها كالآتي:

- سفر التكوين، يسمى (براشيت) أي [في البدء] .

ص: 96

- وسفر الخروج يسمى (اله شموت) أي [وهذه أسماء] .

- وسفر اللاويين يسمى (ويقرا) أي [ودعا] .

- وسفر العدد يسمى (بمدبر) أي [في البرية] .

- وسفر التثنية يسمى (اله هدبريم) أي [هذا هو الكلام][6] .

القسم الثاني: أسفار الأنبياء، وتنقسم إلى قسمين هما:-

(1)

أسفار الأنبياء الأول (المتقدمين) : وتتضمن تاريخ بني إسرائيل وما جرى لهم من الحوادث منذ دخولهم فلسطين بقيادة يشوع (يوشع) فتى موسى عليهما الصلاة والسلام إلى خروجهم منها في السبي البابلي، ومنها حوادث عهد القضاة وعهد الملوك وعهد انقسام مملكة بني إسرائيل وبناء هيكل سليمان عليه السلام وتدميره في الغزو البابلي، ويتخلل ذلك بعض الوصايا والأحكام والتشريعات.

(2)

- أسفار الأنبياء الأُخر (المتأخرين) : وتتضمن تاريخ بني إسرائيل وتراثهم أثناء فترة السبي البابلي ثم عودة بعضهم إلى فلسطين تحت ظل الحكم الفارسي ثم إعادة بناء هيكل سليمان مرة ثانية، وبها بعض الوصايا والنبؤات والأحكام.

القسم الثالث: أسفار الكتب أو كتب الحكمة، وهي مجموعة أسفار يغلب عليها الطابع الأدبي شعراً أو نثراً وبعضها يتضمن تراثاً من القصص والحكم والمواعظ والأدعية، وفيها تمجيد بطولاتهم في الاستقرار بفلسطين.

ومن أسفار الكتب سفرا أخبار الأيام الأول والثاني وفيهما تلخيص للوقائع التاريخية الواردة في الأسفار السابقة منذ بدء الخليقة إلى عودة اليهود من السبي البابلي في أيام قورش ملك الفرس (أي بدءاً من أسفار التوراة إلى آخر أسفار الأنبياء الأُخر) .

ومما تجدر الإشارة إليه أن لليهود أسفاراً مقدسة أخرى تسمى بـ (الأبوكريفا Apocrypha) أي الكتب غير القانونية أو المخفية التي لم تقبل عندما تقرر تسجيل أسفار العهد القديم في وضعها الذي ذكرناه كأجزاء معتمدة من هذا الكتاب المقدس عندهم، ويسميها بعض الباحثين من اليهود (الكتابات الخارجة) ، ولكن بأية سلطة وبناء على أي مقياس أخرجت هذه النصوص؟!؟! [7]

ص: 97

((وبعض هذه الأسفار الخفية غير مقدس ولا معتمد في نظر اليهود، بينما بعضها الآخر مقدس أي معترف بأنه موحى به ومعتمد في نظرهم، ولكن رأى أحبارهم وجوب إخفائه وقرروا أنه لا يجوز أن يقف عليه الجمهور ولا أن يدرج في أسفار العهد القديم، وإلى هذا يشير الله عز وجل في القرآن الكريم فقال تعالى: {وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً

} [8]، وإذ يقول:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كثِيراً مّمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [9]، وإذ يقول:{إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَىَ مِن بَعْدِ مَا بَيّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولََئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ} [10]، وإذ يقول:{إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلَا يُكَلّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [11] .

ومن هذا يظهر أن السفر قد يكون خفياً ومقدساً في آن واحد عند اليهود. وفي هذا يختلف الاصطلاح اليهودي بعض الاختلاف في مدلول كلمة ((الخفي)) عن الاصطلاح المسيحي. فالمسيحيون يطلقون كلمة ((الخفي)) apocryphe على كل سفر يرون أنه غير مقدس أي غير موصى به)) [12] .

وهذه النصوص غير القانونية أو الكتابات الخارجة أو الأسفار المخفية هي كالآتي [13] :

ص: 98

1-

أسفار تاريخية تشمل: سفر أسدراس الأول، سفر المكابيين الأول والثاني، وإضافات إلى سفر دانيال (وهذه الإضافات هي نشيد الثلاثة الفتية المقدسين، وتتمة سفر دانيال، وقصة سوسن العفيفة، وقصة بيل) ، وبقية سفر أستير، ورسالة أرميا، وصلاة منسي.

2-

أسفار قصصية تحوي أساطير وهي: سفر باروخ، وسفر طوبيت، وسفر يهوديت.

3-

أسفار رُوءوِيَّة: أسدراس الثاني.

4-

سفران تعليميان وهما: سفر حكمة سليمان، وسفر حكمة يشوع بن سيراخ.

المطلب الثالث: نقد التوراة المحرفة وما يتبعها من الأسفار

لقد ذكرنا فيما سبق بعض آيات القرآن الكريم الصريحة في أن اليهود قد حرفوا التوراة وغيرها من كتب الله المنزلة على أنبيائه من بني إسرائيل، ولقد انطلق علماؤنا المسلمون من تلك الآيات وغيرها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في نقدهم للتوراة وما يتبعها من الأسفار المقدسة عند اليهود، واستخرجوا منها الأدلة والشواهد على تحقيق ما ذكره الله عز وجل في القرآن الكريم من وقوع التحريف والتبديل والكذب في كتبهم، ونستطيع أن نقرر بكل ثقة أن الأسبقية في نقد التوراة والأناجيل والكتب الأخرى المحرفة كان لعلمائنا المسلمين بهدي من القرآن الكريم الذي وضع أصول ذلك النقد الهادف إلى إظهار الحق وإزهاق الباطل، وقد تأثر أحبار اليهود والنصارى ومفكريهم بالمسلمين في دراساتهم النقدية للتوراة والأناجيل ومن ثم تجرؤا على المشاركة في تلك الدراسات النقدية لكتبهم المقدسة بعد أن تخلصوا من طغيان الكنيسة وسيطرتها واستطاعوا إعلان نتائج دراساتهم التي سبقهم إلى كثير منها علماؤنا المسلمون بقرون عديدة [14] .

ص: 99

وفي هذه الدراسة الموجزة جداً سنحاول أن نبين الخطوط العريضة والعناوين الرئيسة في نقد أسفار العهد القديم وخاصة التوراة، وستتركز على ناحيتين: الأولى: نقد سند كتبهم المقدسة وعدم صحة نسبتها إلى أنبيائهم، الثانية: نقد المتن وبيان ما فيه من مواطن التحريف والتبديل والخطأ.

الناحية الأولى: نقد السند.

لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى طريقة المجادلة والرد على دعاوى اليهود والنصارى وبيان بطلانها وهي مطالبتهم بالحجة والدليل على مزاعمهم قال تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [15] .

وبما أن اليهود وكذلك النصارى يزعمون أن التوراة الحالية كتبها موسى بيده وأن أسفارهم الأخرى كتبها أنبياؤهم أو أشخاص أوحي إليهم بها، فإنا نطالبهم بالأدلة والبراهين التي تثبت صحة نسبة التوراة المحرفة إلى موسى عليه الصلاة والسلام وكذلك سائر أسفارهم المنسوبة إلى أنبيائهم ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)) !

ومن الأدلة التي نطالبهم بها:-

1-

النسخة الأصلية للتوراة التي كتبها موسى عليه الصلاة والسلام أو أملاها على غيره، وكذلك النسخ الأصلية لأسفارهم الأخرى.

2-

السند المتصل المتواتر بنقل الثقات العدول الذي يثبت سلامة النص الحالي لأسفارهم من التحريف والتبديل. وتأتي الإجابة لطلبنا من أحبار اليهود والنصارى وباحثيهم بأنهم لا يملكون النسخ الأصلية للتوراة أو غيرها من الأسفار، وإن أقدم مخطوطة لديهم لأسفارهم تعود إلى القرن الرابع الميلادي، علما بأن موسى عليه الصلاة والسلام قد عاش في القرن الرابع عشر قبل الميلاد على الأرجح، وآخر نبي من أنبيائهم في العهد القديم عاش في القرن الرابع قبل الميلاد [16] .

ص: 100

يقول مؤلفوا قاموس الكتاب المقدس: ولكن لا توجد لدينا الآن هذه المخطوطات الأصلية [للعهد القديم والجديد] التي دوّنها كتبة الأسفار المقدسة [17] .

ويعلل اليهود والنصارى فقدان النسخ والسند لكتبهم المقدسة بكثرة حوادث الاضطهاد والنكبات التي نزلت بهم خلال تاريخهم الطويل. ومن تلك الحوادث: الغزو الآشوري عليهم في سنة 722ق. م [18] ، ثم الغزو البابلي الشهير سنة 586ق. م ونتج عنه تدمير الهيكل وأخذ بني إسرائيل سبياً إلى بابل [19] ، ثم الإضطهاد اليوناني ومن بعده الإضطهاد الروماني الذي استمر لعدة قرون [20] ، وقد نتج عن هذه الإضطهادات إحراق أسفارهم وإتلافها ومنع قراءتها وقتل أحبارهم وعلمائهم.

ونضيف سبباً آخر مهماً لضياع أسفارهم وانقطاع أسانيدهم هو كثرة حوادث الردة والشرك في بني إسرائيل وكفرهم بالله عز وجل وإهمالهم للتوراة وغيرها، وهي مذكورة في أسفارهم المقدسة لديهم ومنها ما ورد في سفر القضاة 2/11-15:"وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الرب، تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروت، فحمي الرب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم، حيثما خرجوا كانت يد الرب عليهم للشر كما تكلم الرب وكما أقسم الرب لهم".

وقد تكررت الردة والشرك بالله من بني إسرائيل مرات عديدة في عهد القضاة [21] .

ثم تكرر ذلك منهم في عهد الملوك، فقد ورد في سفر الملوك (12/28-33) : "أن يربعام استشار الملك وعمل عجلي ذهب وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم، هو ذا آلهتكم يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر، ووضع واحداً في بيت إيل وجعل الآخر في دان، وكان هذا الأمر خطية، وكان الشعب يذهبون إلى أمام أحدهما حتى إلى دان

" [22] .

ص: 101

وما ذكرناه مما يجعل كل عاقل منصف منهم يرتاب ويشك في صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى وسلامتها من التحريف والتبديل!!!

وكانت تلك الأسباب وغيرها قد دفعت بالكثيرين من محققي اليهود والنصارى إلى الاعتراف بأن أسفار العهد القديم مشكوك في أمر مؤلفيها، وإليك مختصر لما يقوله محرروا طبعة سنة 1971م الإنجليزية من كتابهم المقدس لديهم، وهي آخر طبعة معدّلة من كتابهم وآخر طبعة حتى الآن، يقول المحررون [23] :

- سفر التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية: مؤلفه موسى على الأغلب.

- سفر يشوع: معظمه منسوب إلى يشوع.

- سفر القضاة: مؤلفه صموئيل على الاحتمال.

- سفر راعوث: مؤلفه غير محدد ولكن ربما يكون صموئيل.

- سفر صموئيل الأول: المؤلف مجهول.

- سفر صموئيل الثاني: المؤلف مجهول.

- سفر الملوك الأول: المؤلف مجهول.

- سفر الملوك الثاني: المؤلف مجهول

- سفر أخبار الأيام الأول: المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.

- سفر أخبار الأيام الثاني، المؤلف مجهول، ولكن ربما جمعه وحرره عزرا.

- سفر عزرا: من المحتمل أن عزرا كتبه أو حرره.

- سفر أستير: المؤلف مجهول.

- سفر المزامير: المؤلف الرئيسي داود، لكن معه آخرون وبعضهم مجهولون.

- سفر الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد: المؤلف مجهول، ولكنها عادة تنسب إلى سليمان.

- سفر أشعياء: ينسب معظمه إلى أشعيا، ولكن بعضه من المحتمل كتبه آخرون.

- سفر يونان: المؤلف مجهول.

- سفر حبقون: لا يعرف شيء عن مكان أو زمان ولادته.

وبعد هذا الاعتراف منهم فإن الأمر لا يحتاج إلى زيادة تعليق منا.

ص: 102

ومن الأدلة أيضاً على عدم الوثوق بالتوراة الحالية ما ورد في سفر الملوك الثاني 22/8-13 في عهد الملك يوشيا من ملوك مملكة يهوذا، أن التوراة قد فقدت وضاعت من بني إسرائيل سنوات عديدة، ثم ادعاء العثور عليها على يد الكاهن في الهيكل، ولا نسلم لهم بأن التوراة التي عثر عليها هي توراة موسى إذ أن اتهام الكاهن بالتزوير قائم في مسايرته لرغبة الملك في العودة إلى التوحيد بعد ارتداد وكفر من سبقه من آبائه، إضافة إلى أن هذه النسخة من التوراة قد فقدت أيضاً في الغزو البابلي وحوادث الحروب الأخرى.

ومن الأدلة القاطعة على عدم صحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى عليه الصلاة والسلام نصوص التوراة نفسها، وإليك بعض الشواهد:

- خاتمة التوراة في سفر التثنية 34/1-12 وفيه "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب ودفنه في الجواء

ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوماً، فكملت أيام بكاء مناحه موسى، ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى، ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه

) وبذلك ينتهي كتاب التوراة.

ولا أعتقد أن عاقلاً يجرؤ على القول أن كاتب هذا الكلام هو موسى عليه الصلاة والسلام!!!

- إن بعض نصوص التوراة تتحدث عن موسى بضمير الغائب وبصيغة لا يمكن التصديق بأن كاتبها هو موسى، ومن تلك النصوص:(تحدث الله مع موسى)(وكان الله مع موسى وجهاً لوجه)(وكان موسى رجلاً حليماً جداً أكثر من جميع الناس)[24](فسخط موسى على وكلاء الجيش)[25](موسى رجل الله)[26] ونحو ذلك، فلو كان موسى كاتب تلك النصوص لقال مثلاً: كلمني الرب، تحدثت مع الله. ونحوه.

ص: 103

- إن ملاحظة اللغات والأساليب التي كتبت بها التوراة وما تشتمل عليها من موضوعات وتشريعات وبيئات اجتماعية وسياسية وجغرافية تنعكس فيها تظهر أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى، مما يثبت أن هذه الأسفار قد كتبت بأقلام اليهود التي تعكس أفكارهم ونظمهم المتعددة في مختلف أدوار تاريخهم الطويل، مثال ذلك:

ورد في التوراة في سفر التكوين 14/14 أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تتبع أعداءه إلى (دان) . وهي اسم مدينة لم تُسَمَّ بهذا الاسم إلا بعد موت يوشع بعد دخول بني إسرائيل فلسطين واستقرارهم بها، فقد ورد في سفر القضاة 18/29 (وسمُّوا المدينة (دان) باسم أبيهم الذي ولد لإسرائيل وكان اسم المدينة قبل ذلك (لاييش) .

فكيف يذكر موسى - وهو يقص قصة إبراهيم - اسم مدينة لم تسمَّ بهذا الاسم إلا من بعده بزمن طويل جداً؟!!

تلك بعض الملاحظات التي جعلت الفيلسوف اليهودي باروخ سبنوزا (ت1677م) يعلن صراحة قوله: من هذه الملاحظات كلها يظهر واضحاً وضوح النهار أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص آخر عاش بعد موسى بقرون عديدة ا. هـ[27]

أضف إلى ذلك أيضاً اختلاف فرق اليهود في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم، فطائفة السامرة من اليهود لا تعترف إلا بالتوراة الخمسة الأسفار وتنكر ما عداها من الأسفار وتقبل منها سفري يوشع والقضاة باعتبارهما أسفارا تاريخية فقط. ويخالفها جمهور اليهود الذين يقبلون أسفار العهد القديم المذكورة. ويختلف مع اليهود أيضاً طائفة الكاثوليك من النصارى في قبول ورفض بعض أسفار العهد القديم.

الناحية الثانية: نقد المتن.

قال الله عز وجل: {أَفَلَا يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} [28] .

ص: 104

وقال تعالى: {إِنّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ} [29] .

وقال تبارك وتعالى: {إِنّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدّواْ الأمَانَاتِ إِلَىَ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [30] .

في ضوء هذه الآيات الكريمة - التي وضحت بعض خصائص الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - نبين بعض مواطن الاختلاف والتناقض والباطل الذي يدل على وقوع التحريف والتزوير في أسفار اليهود، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم ويمكننا تلخيص أبرز الانتقادات الموجهة إلى متن الأسفار في العناوين الرئيسة الآتية وتندرج تحتها عشرات الأمثلة والشواهد، وسنكتفي بذكر بعضها:

(1)

- الاختلاف بين نسخ التوراة المختلفة:

إن التوراة الحالية ليست نسخة واحدة مجمعاً عليها من اليهود والنصارى، وإنما هي ثلاث نسخ مختلفة: التوراة العبرية، التوراة السامرية، التوراة اليونانية.

فالتوراة السامرية تؤمن بها فرقة السامرة من اليهود، والتوراة العبرية يعترف بها جمهور اليهود وفرقة البروتستانت من النصارى، والتوراة اليونانية تعترف بها فرقة الكاثوليك من النصارى، وكل فرقة لا تعترف بالنسخة الأخرى.

وتوجد اختلافات جوهرية وتناقضات صريحة بين النسخ الثلاث مثال ذلك:

- أن قبلة اليهود ومكان بناء مذبح الرب في التوراة العبرية واليونانية (تثنية 27/4) جبل عيبال بأورشليم (بيت المقدس) ، وفي التوراة السامرية (تثنية 27/4) أن القبلة جبل جريزيم بمدينة نابلس.

ص: 105

- ورد أن مجموع الأعمار (الفترة الزمنية) من عهد آدم إلى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام في التوراة العبرية يبلغ (2023) سنة، وفي التوراة السامرية يبلغ مجموع الأعمار (2324) سنة، وفي التوراة اليونانية يبلغ (2200) سنة!!

وهناك اختلافات أخرى كثيرة من حيث الألفاظ والإملاء والقواعد النحوية وغيرها [31] .

(2)

- الاختلاف بين أسفار التوراة بعضها ببعض وبين الأسفار الأخرى مثال ذلك:-

- ورد في سفر التكوين 6/3 أن الله غضب على البشر لطغيانهم في عصر نوح عليه الصلاة والسلام فقضى بأن عمر الإنسان لا يتجاوز (120) عاماً، وهذا النص يختلف مع ما ورد في التوراة أيضا في سفر التكوين 11/10-32 من أن سام بن نوح عاش 600 سنة، وابنه أرفكشاد عاش 438 سنة، وشالح عاش 433 سنة، وعابر عاش 464 سنة وغيرهم كثير ممن تجاوزت أعمارهم 120 سنة!!

- ورد في سفر التكوين 7/12 أن طوفان نوح عليه الصلاة والسلام استمر مدة أربعين يوماً وليلة، ولكن ينقضه ما ورد في نفس السفر والإصحاح 7/24 أن الطوفان استمر مدة مائة وخمسين يوماً!!

- ورد في سفر التكوين 8/4-5 (واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط، وكانت المياه تنقص نقصاً متوالياً إلى الشهر العاشر، وفي الشهر العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال)

وفي هذا اختلاف واضح، لأنه إذا ظهرت رؤوس الجبال في الشهر العاشر فكيف تكون سفينة نوح قد استقرت على جبال أراراط (أرمينيا) في الشهر السابع، أي قبل شهرين ونصف من ظهور رؤوس الجبال؟!!

- ورد في سفر الخروج 20/5 وسفر التثنية 5/9 أن الأبناء يؤاخذون بذنب الآباء حتى الجيل الثالث والرابع، ولكن ورد في سفر حزقيال 18/20 وفي سفر أرميا 31/30 أن الأبناء لا يعاقبون بذنب الآباء. وفي هذا تناقض لأن اليهود لا يقولون بنسخ أحكام التوراة.

ص: 106

- ورد في سفر التكوين 46/21 أن أبناء بنيامين بن يعقوب عددهم عشرة أبناء، ولكن ورد في سفر أخبار الأيام الأول 7/6 أن أبناء بنيامين ثلاثة، وفي نفس السفر 8/1-2 أن أبناء بنيامين خمسة فقط!!!

- ورد في سفر صموئيل الثاني 24/13 (فأتى جاد داود وأخبره وقال له: أتأتي عليك سبع سنين جوعاً في أرضك أم تهرب أمام أعداءك ثلاثة أشهر وهم في أثرك) ويناقضه ما ورد في سفر أخبار الأيام الأول 21/11 (فأتى جاد داود وقال له: كذا قال الرب تخير إما ثلاث سنين جوعاً، وإما ثلاثة أشهر تهرب فيها أمام أعدائك وسيف أعدائك يدركك) فهل هي سبع سنوات جوعاً أم ثلاث سنوات؟؟!!!

- ورد في سفر صموئيل الثاني 8/4 (فأخذ داود منه ألفاً وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل)

ولكن تكرر الخبر في سفر أخبار الأيام الأول 18/4 كالآتي (فأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس وعشرين ألف راجل) .

- ورد في سفر الملوك الأول 4/26 (وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته واثنا عشر ألف فارس)

ولكن تكرر الخبر في سفر أخبار الأيام الثاني 9/25 كالآتي: (وكان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل ومركبات واثنا عشر ألف فارس) .

- ورد في سفر الملوك الثاني (كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين مَلَكَ ومَلَكَ سنة واحدة في أورشليم)

وتكرر الخبر في سفر أخبار الأيام الثاني 22/2 بصورة مختلفة (كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين مَلَكَ، ومَلَكَ سنة واحدة في أورشليم) !!!

والأعجب من ذلك ما ورد في أخبار الأيام الثاني نفسه 21/5 (أن يهورام -والد أخزيا- كان ابن اثنين وثلاثين سنة حين مَلَكَ، ومَلَكَ ثمان سنين في أورشليم) فكيف يكون الابن أكبر سنا من أبيه؟!!

- ورد في سفر الملوك الثاني 24/8 (كان يهوياكن ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في أورشليم)

وتكرر الخبر باختلاف في سفر الأيام الثاني 36/9 (كان يهوياكن ابن ثماني سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم) .

ص: 107

(3)

- الاختلاف مع الحقائق العلمية والتاريخية، مثال ذلك:-

- ورد في سفر التكوين 1/6-8 (وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصل بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد، ودعا الله الجلد سماء، وكان مساء وكان صباح اليوم الثاني)

يقول موريس بوكاي: أسطورة المياه هنا تستمر بانفصالها إلى طبقتين بواسطة الجلد الذي سيجعل الطبقة العليا عند الطوفان تنفذ من خلاله لتنصب على الأرض، إن صورة انقسام المياه هذه إلى كتلتين غير مقبولة علمياً اهـ[32] .

- ورد في سفر التكوين 15/13 أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر ستكون (400 سنة) ولكن ورد في الخروج 12/40 أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر كانت (430) سنة، وكلا التاريخين يختلفان مع الحقيقة التاريخية التي اعترف بها أحبارهم ومفسرو أسفارهم من أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر لا تزيد عن (215) سنة [33] ، بدليل حساب عمر إسرائيل (يعقوب) عليه الصلاة والسلام عند دخوله مع بنيه أرض مصر، ثم أعمار الأجيال إلى زمن خروج بني إسرائيل من مصر مع موسى عليه الصلاة والسلام.

(4)

- وجود الأقوال القبيحة والتهم الشنيعة والأوامر الباطلة والتعاليم الفاسدة والقصص البذيئة - في أسفارهم - التي تستحيل أن تكون وحياً من عند الله عز وجل، مثال ذلك:-

- ورد في سفر التكوين 2/1-3 أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق في ستة أيام فإنه تعب واستراح في اليوم السابع.

- ورد في سفر التكوين 9/20-27 وصف نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام بأنه شرب الخمر حتى سكر وتعرّى في خبائه وأبصر ابنه الأصغر حام عورته.

- ورد في سفر التكوين 19/30-39 قذف نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام بالزنا، حيث زعموا - لعنهم الله - أن ابنتيه سقتاه خمراً وضاجعتاه حتى أولد منهما نسلاً - والعياذ بالله من هذا الكفر.

ص: 108

- ورد في سفر التكوين 27/1-30 وصف يعقوب عليه الصلاة والسلام بأنه خدع أباه إسحاق عليه السلام واحتال وكذب عليه حتى ينال دعوته وبركته قبل أخيه عيسو.

- ورد في سفر الخروج الإصحاح (32) وصف هارون عليه الصلاة والسلام بأنه صنع العجل لبني إسرائيل وأمرهم بعبادته.

- ورد في سفر يشوع 6/17،21 أن الله أمر يوشع عليه السلام عند إستيلائه على مدينة أريحا أن يقتل في المدينة كل رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف، وقد فعل يشوع ذلك حسب زعمهم، والله عز وجل منزه عن ذلك لأنه تعالى يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي.

- ورد في سفر صموئيل الإصحاح (2) وصف داود عليه الصلاة والسلام بأنه زنا بزوجة قائده واحتال في قتله لكي يتزوج بزوجته من بعده.

- ورد في سفر الملوك الأول 11/1-6 وصف سليمان عليه الصلاة والسلام بأنه تزوج نساءً وثنيات، وبأن نساءه أضللنه حتى أشرك بالله وعبد أصنام نسائه الوثنيات في شيخوخته.

- ورد في سفر حزقيال الإصحاح (33) قصة زنا أهولة وأهوليبة وفجورهما بأسلوب جنسي فاضح قبيح بذيء.

- ورد في سفر نشيد الأناشيد المنسوب إلى سليمان عليه الصلاة والسلام شعر جنسي وغزل فاحش وكلام بذيء يستحى من ذكره وتسطيره.

- ورد في سفر هوشع 1/2-9 أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه هوشع أن يأخذ لنفسه امرأة زانية وينجب منها أولاد زنى. تعالى الله عز وجل عما يقول الكافرون علواً كبيراً، وتَنَزَّه الله عز وجل عن هذا الكفر، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

ونكتفي بهذا القدر اليسير جداً من فضائح كتبهم الكثيرة، فلا عجب أن يكون حال محققيهم ومفكريهم كما وصفهم الله عز وجل بقوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رّبّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنّهُمْ لَفِي شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ} [34] .

ص: 109

المطلب الرابعً: القسم الثاني من الأسفار المقدسة عند اليهود: التلمود

- التلمود في اللغة: Talmud كلمة عبرية مستخرجة من كلمة (لامود Lamud) وتعني تعليم أو تعاليم.

- وفي الاصطلاح: كتاب تعليم ديانة وآداب اليهود، أو كتاب فقه اليهود، أو الكتاب العقائدي الذي يفسر ويبسط كل معارف اليهود وتعاليمهم [35] .

ولم يرد اسم التلمود في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة - فيما أعلم - ولكن أشار القرآن الكريم إليه بقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هََذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ} [36] .

ووردت الإشارة إليه أيضا في السنة النبوية المطهرة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة"[37] .

وتلك هي حقيقة التلمود وأنه ليس وحياً من الله، وإنما هو تفاسير وشروحات واجتهادات واستنباطات أحبار اليهود لنصوص التوراة ولأقوال منسوبة مكذوبة على موسى عليه الصلاة والسلام دُوِّنت وجمعت في القرن الثاني الميلادي [38]- كما سنبينه إن شاء الله تعالى -.

أقسام التلمود:

ينقسم التلمود إلى قسمين رئيسين هما: (المشنا) و (الجمارا) وتعريفهما كالآتي:

(1)

- المشْنا (المشْنة) : ومعناه (التكرار) أو (الشريعة المتكررة) ، وهو بمثابة المتن، وهو عبارة عن مجموعة من الشرائع والتقاليد والروايات اليهودية المختلفة المروية على الألسنة لقرون عديدة إلى أن دوّنها الحاخام (يهوذا هاناسئ) في نهاية القرن الثاني بعد الميلاد (200م) .

ص: 110

ويزعم اليهود بأن تلك الشرائع والروايات قد تلقاها موسى من الله ثم نقلها موسى مشافهة إلى هارون ويوشع واليعازر الذين نقلوها بدورهم إلى الأنبياء الذين نقلوها أيضاً إلى أحبار اليهود علمائهم وتناقله بعد ذلك الأجيال من الأحبار جيلاً بعد جيل عن طريق المشافهة إلى أن جمعها ودوّنها الحاخام (يهوذا هاناسئ) ، ولذلك فإن اليهود يسمون المشنة بـ (التوراة الشفوية) أو (الشريعة الشفاهية) وقد كتبت باللغة العبرية [39] .

وتنقسم المشنا إلى ستة أقسام كالآتي:

1-

كتاب (زراعيم) أي البذور أو الإنتاج الزراعي: ويحتوي على (11) فصلاً يتضمن القوانين الدينية الخاصة بالأرض والزراعة، ويبدأ بتحديد الصلوات المفروضة والبركات أو الأدعية.

2-

كتاب (مُوعد) أي العيد، ويحتوي على (12) فصلاً يتضمن الأحكام الدينية والفرائض الخاصة بالسبت وبقية الأعياد والأيام المقدسة.

3-

كتاب (ناشيمْ) أي النساء، ويحتوي على (7) فصول، فيه النظم والأحكام الخاصة بالنساء كالزواج والطلاق.

4-

كتاب (نزيقين) أي الأضرار أو الجنايات، ويحتوي على (10) فصول، ويشتمل على جزء كبير من الشرائع المدنية والجنائية، بما في ذلك القصاص والعقوبات والتعويضات.

5-

كتاب (قُدَّاشيم) أي المقدسات، ويحتوي على (11) فصلاً، وفيه الشرائع الخاصة بالقرابين وخدمة الهيكل.

6-

كتاب (طهاروت) أي الطهارة، ويحتوي على (12) فصلاً، يتضمن الأحكام الخاصة بما هو طاهر وما هو نجس، وما هو حلال وما هو حرام من المأكولات والمشروبات وغيرها.

وبذلك يكون المشنا مكوّناً من (63) فصلاً، وعندما أكمل الحاخام يهوذا هناسي تقييد المشنا في القرن الثاني الميلادي، فقد تركزت جهود أحبار اليهود على شرحه وتبسيط واستنباط الأحكام منه، ومن تلك الشروحات والحواشي الكثيرة على المشنا تكوّن القسم الثاني من التلمود وهو (الجمارا) .

(2)

- الجمارا (الجمارة) : ومعناه (التكملة) أو (الإكمال) .

ص: 111

وهو عبارة عن مجموعة شروحات وتعليقات واستنباطات ومناقشات الأحبار على (المشنا) وأساطير وخرافات وأقوال مروية عن حاخامات اليهود من طائفة الربانيين في موضوعات شتى وعصور مختلفة منذ القرن الثالث الميلادي إلى نهاية القرن الخامس الميلادي. وقد كتبت باللغة الآرامية.

والجمارا نوعان: جمارا بابل، وجمارا أورشليم، وهذا التقسيم يرجع إلى اختلاف مركز البحث العلمي والديني لليهود ومكان تمركز أحبارهم.

فأما جمارا بابل:- فهو عبارة عن شروحات وحواشي أحبار اليهود على (المشنا) في بابل (العراق) - حيث استمر تجمع اليهود هناك كجالية أجنبية منذ السبي البابلي - من سنة 219 ق م. إلى سنة 500م.

وأما جمارا أورشليم:- فهو عبارة عن شروحات وحواشي أحبار اليهود على (المشنا) في أورشليم (فلسطين) - ممن بقي هناك من فلول اليهود أو ممن جاؤا إليها متسللين - من سنة 219ق. م إلى سنة 759م.

وبناءاً على ذلك فقد ظهر تلمودان هما:-

الأول: تلمود بابل: وهو مكوّن من (المشنا) و (جمارا بابل) ويسمى أيضاً بالتلمود الشرقي، وهو المتداول بين اليهود والمراد عند الإطلاق.

الثاني: تلمود أورشليم: وهو مكوّن من (المشنا) و (جمارا أورشليم) . ويسمى أيضا بالتلمود الغربي.

ويتميز التلمود البابلي عن الأورشليمي أنه يغطي بشرحه كل نص المشنا (الأقسام أو الكتب الستة) ، أما التلمود الأورشليمي فإنه ظل ناقصاً لا يشرح إلا بعض المشنا (الثلاثة كتب الأولى) ، كما أن أحبار اليهود في بابل كانوا يحظون بثقة أرسخ من ناحية التبحر في الفكر اليهودي مما كان يحظى به أحبار اليهود في فلسطين. لذلك فإن التلمود البابلي يتمتع بتقدير أعظم في أعين اليهود من التلمود الأورشليمي، وهو المتداول بين اليهود والمراد عند الإطلاق [40] .

- طبعات التلمود:

ص: 112

طبع التلمود طبعات كثيرة أهمها الطبعة الأولى الكاملة للتلمود البابلي بمدينة البندقية (فبنيسيا بإيطاليا) في اثنى عشر مجلداً من القطع الكبير من سنة 520م إلى سنة 1523م.

وطبع كذلك تلمود أورشليم في مدينة البندقية سنة 1523-1524م في مجلد واحد ضخم [41] .

ولما نشر التلمود في طبعته الأولى واطلع عليه النصارى أفزعهم ما فيه من السباب والشتائم ضد المسيح والنصارى وما فيه من العقائد الأخرى الخطيرة، فثاروا ضد اليهود واضطهدوهم، فقرر أحبار اليهود حينئذ تحريف التلمود بأن تترك مكان الألفاظ المسيئة لمشاعر النصارى على بياض أو تعوض بدائرة بشرط أن هذه التعاليم لا تعلّم إلا في مدارسهم فقط، لذلك جاءت الطبعات التالية للطبعة الأولى ناقصة وفيها تحريفات كثيرة، يقول محررو دائرة المعارف اليهودية العامة: إن أحد أهم الأسباب لعدم بقاء مخطوط كامل (لتلمود بابل) هو التعصب الديني المغالي للمسيحية في العصور الوسطى، الذي دفع الكثيرين إلى إشعال النيران - أحياناً - في العربات المحمّلة بالتلمود المطبوع أو المخطوط. اهـ[42] .

ويجري في إسرائيل إعادة طبع النسخة العبرية الأصلية من تلمود بابل بإشراف الحاخام آدين شتاينز التز، وسيطبع منها - كما أعلن - ستة آلاف نسخة فقط، مما يدل على حرص القائمين على الدين اليهودي على المحافظة على سرية التلمود [43] .

- منزلة التلمود عند اليهود:

ص: 113

يعتقد جمهور اليهود أن التلمود كتاب مقدس، ويعتبرونه من مصادر التشريع اليهودي، وقد ذكرنا فيما سبق أن اليهود يسمون (المشنا) بالتوراة الشفوية وينسبونها إلى موسى عليه السلام. غير أن اليهود قد غلوا في تقديس التلمود أكثر من التوراة نفسها، فقد ورد في التلمود (أولئك الذين يكرسون أنفسهم لقراءة الكتاب المقدس (التوراة) يؤدون فضيلة لا ريب فيها لكنها ليست كبيرة، وأولئك الذين يدرسون المشنا يؤدون فضيلة سوف ينالون المكافأة عليها، لكن أولئك الذين يأخذون على عاتقهم دراسة الجمارة يؤدون فضيلة سامية جداً) [44] .

وورد فيه أيضاً: (من احتقر أقوال الحاخات استحق الموت أكثر ممن احتقر أقوال التوراة، ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط، لأن أقوال علماء التلمود أفضل مما جاء في شريعة موسى)[45] .

لذلك وصف الله عز وجل اليهود بقوله: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلهَاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [46] .

وبقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُم بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [47] .

المطلب الخامس: نقد التلمود.

أما عن نقد التلمود وبيان بطلانه وتزويره وإظهار زيف ادعائهم نسبته إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فإننا سوف نوجز الحديث عنه، لأننا قد بينا فيما سبق أن التوراة نفسها - الحالية - لا تربطها بموسى عليه الصلاة والسلام إلا علاقة ضعيفة جداً [48] .

وتكفينا في بيان حقيقة التلمود شهادة المؤرخ اليهودي شاهين مكاريوس في تعريف التلمود، حيث قال:

ص: 114

"والتلمود مجموعة تفاسير وشروح وأخبار وإضافات وأحكام وضعها حكماؤهم وربانييهم والمجتهدون منهم، وهو كبير الحجم يزيد عن عشرين مجلداً وضعت في عصور مختلفة وأحوال متباينة، وهو يتألف من المشنة والجمرة، وذلك أنه لما كثرت التقاليد وتشعبت أطرافها، وازداد عدد الكتاب والمجتهدين الناظرين في هذه الشريعة وكثرت الأحكام الصادرة من المجامع في الشؤون المختلفة، قام سمعان بن جاملئيل وتلامذته على تنسيق تلك التقاليد والنظر فيها، فجمعوا ما تيسر لهم جمعه منها، وعكفوا على غربلته وتبويبه، وظلّ العمل سائراً كذلك إلى أن أتمه يهوذا اهاناسي (أعني الرئيس) وتلامذته نحو سنة 316 ب. م، فجاء ستة أقسام تحتوي على 63 مبحثاً، فيها 524 فصلاً"[49] .

كما يعترف شاهين مكاريوس اليهودي بوقوع التحريف حتى في التلمود المختلق، فقال:"وأما التلمود البابلي، فكان الفراغ الأول منه نحو أواخر القرن الخامس، ولم يمض زمن طويل حتى اعتور التلمود تحريف وأُدخل فيه تقاليد لم تكن هناك، وأضيف إليه تفاسير وشروح وفتاوى جديدة، وسبب ذلك أن التلمود لم يكن قد قيّد بعد في الكتب والدفاتر، فكان تحريفه سهلاً، ثم إن انتشار اليهود في أنحاء الأرض وكثرة المدارس والجمعيات اليهودية التي نشأت معهم أينما حلّوا، جعلت فرقاً في أحوالهم بحسب تباين تلك الأحوال، فكانت الأحكام الصادرة من هذه الجمعيات في المكان الواحد تباين في بعض الأحايين أحكام جمعيات أخرى في مكان آخر، ولما كثر التحريف والزيادة قام أحد علمائهم المشهورين وعني بتأليف التلمود ثانية بمعونة تلامذته ومريديه وكتبته، وقضى ستين سنة في التحبير والتحرير والتنقيب والتهذيب، وجاء بعده غيره فسعى سعيه واقتفى خطواته، فتمّ بذلك هذا العمل وجاء كتاباً كبيراً كما تقدم الكلام، وهو بمثابة انسكلوبيذيا كبيرة"[50] .

ص: 115

ويؤكد لنا ذلك المهتدي السموآل بن يحيى المغربي (المتوفى سنة 570هـ) - وكان من أحبار اليهود فأسلم - في كتابه (إفحام اليهود) في بيانه لحقيقة التلمود بقوله:

((وكانت اليهود في قديم الزمان تُسمي فقهاءها بالحكماء، وهم الذين يدعون (الحاخاميم) ، وكانت لهم في الشام والمدائن مدارس، وكان لهم ألوف من الفقهاء، وذلك في زمان دولة النبط البابليين، والفرس، ودولة اليونان، ودولة الروم، حتى اجتمع الكتابان اللذان اجتمع فقهاؤهم على تأليفهما، وهما (المِشْنا، والتلمود) .

فأما المِشْنا، فهو الكتاب الأصغر، وحجمه نحو ثمانمائة ورقة.

وأما التلمود، فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نصف حمل بَغْلٍ لكثرته، ولم يكن الفقهاء الذين ألّفوه، في عصر واحد، وإنما ألّفوه في جيل بعد جيل.

فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مرّ عليه جيل زادوا فيه، وأن في هذه الزيادات المتأخرة ما يناقض أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إذا لم يقطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر والمتناقض الفاحش، فقطعوا الزيادة فيه، ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شيء آخر إليه، وحرّموا من يضيف إليه شيئاً آخر، فوقف على ذلك المقدار" [51] .

ثم قال أيضاً: "ثم إن اليهود فرقتان:

إحداها: عرفت أن أولئك السلف الذين ألّفوا (المشنا) و (التلمود) وهم فقهاء اليهود، قوم كذّابون على الله تعالى وعلى موسى النبي عليه السلام ، أصحاب حماقات ورقاعات هائلة!!

من ذلك، أن أكثر مسائل فقههم ومذهبهم يختلفون فيها، ويزعمون أن الفقهاء كانوا إذا اختلفوا في كل واحدة من هذه المسائل، يوحي الله إليه بصوت يسمعه جمهورهم، يقول:(الحق في هذه المسألة مع الفقيه فلان) ، وهم يسمون هذا الصوت (بث قول) " [52] .

أما عن تلمود أورشليم، فيقول محرر دائرة المعارف اليهودية العامة:

ص: 116

"النص الحالي لتلمود فلسطين في حالة فاسدة جداً، والنساخ الذين نقلوه لم يترددوا في تصحيحه كلما وجدوا أن المعنى بعيد عن إدراكهم، وقد تكرّر وقوع ذلك كثيراً بسبب أسلوب التلمود البليغ، وبسبب لغة النص غير المألوفة. ومشكلة النص هذه أدت إلى زيادة هذه الأخطاء، التي يقع فيها النساخ، مثل وقوع التباس بين حروف متشابهة، وحذف حروف، وترك سطور، وإساءة فهم الرموز"[53] .

وتلمود فلسطين مكتوب بالعبرية أو الآرامية الغربية، ويشمل على ما يقرب من 750.000 كلمة، 15 بالمائة منها هاجّادا Haggadah، أي القصص والحكايات اليهودية، وهذه القصص الخرافية هي أساس الإسرائيليات [54] .

ومما يدلنا أيضاً على زيف التلمود وتزويره، اختلاف اليهود فيما بينهم على قداسته، بل إنكار طوائف كثيرة منهم قديماً وحديثاً لكتاب التلمود، ومن تلك الطوائف والفرق اليهودية.

- فرقة القرائين [55]، حيث يقول شاهين مكاريوس عنهم:"وفي القرن الثامن بعد الميلاد قام أحد العلماء في بغداد وتبعه فرقة رفضت التلمود، واكتفت بما في التوراة بغير تفسير، وهذه الفرقة تسمى اليهود القرائين"[56] .

- ومنها فرقة السامريين، ويقول عنهم شاهين مكاريوس:

"والسامرة يتمسكون بالتوراة ويرفضون التقليد (يعني التلمود) ، وقد بقي منهم إلى عصرنا الحاضر نحو ثلاثمائة، وهم في نابلس"[57] .

- ومنها فرقة الصدوقيين، وعنهم يقول شاهين:"هم أشراف اليهود ورجال الكهنوت منهم، واتخذوا لقبهم من اسم زعيمهم صدوق الكاهن الذي عاش في القرن الثالث الميلادي، وقد كان الفريسيون [58] غير راضين عنه لاعتقادهم أن أفكاره مضادة للتوراة، وكان له زميل اسمه (بينوس) قام بفرق أخرى، وعلّم بالاكتفاء بما في التوراة وعدم الالتفات إلى التلمود"[59] .

- ومنها فرقة الأصبهانيين (العيسويين)[60] ، وفرقة البنيامينيين [61] ، وغيرهم [62] .

ص: 117

وأما عن متن التلمود ومحتوياته، فتكفينا الإشارة أيضاً إلى بعض مبادئ التلمود وتعاليمه الباطلة التي يتبين منها أن التلمود ليس وحياً من عند الله عز وجل؛ لأن الله تبارك وتعالى يأمر بالعدل والإحسان، ولا يأمر بالفحشاء والمنكر والبغي.

- بعض مبادئ التلمود وتعاليمه الفاسدة:

1-

الاستهزاء بالله عز وجل ووصفه بالنقائص وصفات العيب والتجسيم والعنصرية.

2-

شتم المسيح عليه الصلاة والسلام وسبّه وأمّه مريم عليها السلام بأقبح السباب وأقذع الشتائم وأشنع الأوصاف.

3-

استعلاء الشعب اليهودي وتفوقه وبأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الدنيا خلقت لهم.

4-

أن من عدا اليهود من البشر حيوانات خلقهم الله في صورة البشر لأجل خدمة اليهود ويسمونهم بـ (الجوييم) أو (الأمميين) .

الحقد والكراهية لجميع الأميين.

5-

إباحة الربا الفاحش مع غير اليهود بل استحبابه والحث عليه.

6-

جواز التعامل بالغش والخداع مع الأمميين (غير اليهود) والحث على إلحاق الأذى بهم والسرقة منهم وغير ذلك من القبائح والمفاسد التي يجوز فعلها مع الأمميين ولا يجوز فعلها مع اليهود.

7-

لا ينبغي لليهودي أن يرد الأشياء التي يفقدها الأجانب (غير اليهود) ، ولا يجوز للطبيب اليهودي أن يعالج الأجانب إلا بقصد الحصول على المال أو للتمرن على المهنة.

8-

من يتجرأ على الاعتداء على اليهودي فإن مصيره القتل، وأي يهودي يشهد ضد يهودي آخر أمام أجنبي ولصالحه فإنه يلعن ويسب فيه علانية أمام اليهود.

9-

ينتظرون مسيحاً مخلصاً في آخر الزمان من نسل داود يقيم مملكة اليهود ويعز دينهم ويذل ويبيد أعداءهم.

10-

لا قيمة للعهود والمواثيق والأيمان عند اليهودي مع الأجنبي (الأممي) ، ولليهودي أن يتحرر منها متى شاء.

11-

لا قيمة لأعراض غير اليهود، فلليهود الحق في اغتصاب النساء غير اليهوديات، وليس للمرأة اليهودية أن تبدي أية شكوى إذا زنا زوجها بأجنبية (غير يهودية) ، كما أن اللواط بالزوجة جائز لليهودي.

ص: 118

12-

أن السلطة في الأرض لليهود، وعليهم أن يبذلوا جهدهم في سبيل ذلك بشتى الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة.

13-

طرق استخدام السحر وتعاليمه [63] .

تلك بعض تعليمات التلمود الخطيرة على الإسلام والناس جميعاً، لذلك قال د. باركلي:"بعض أقوال التلمود مغال، وبعضها كريه، وبعضها الآخر كفر، ولكنها تشكل في صورتها المخلوطة أثراً غير عادي للجهد الإنساني وللعقل الإنساني وللحماقة الإنسانية"[64] .

---

[1]

انظر: الفكر الديني اليهودي ص62،63 د. حسن ظاظا.

[2]

العهد: هو الميثاق، ومعنى ذلك أن هذه الأسفار تعتبر ميثاقاً أخذه الله على الناس ليؤمنوا ويعملوا به، وأخذ هذا المعنى من سفر الخروج في التوراة 24/8 وفيه (وأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال: هو ذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال) .

[3]

انظر: قاموس الكتاب المقدس ص467، الفكر الديني اليهودي ص12،32،45-47. د. حسن ظاظا.

[4]

انظر: قاموس الكتاب المقدس ص235،339،609،801،808، السنن القويم في تفسير العهد القديم 1/1.

[5]

ورد في الصحيحين وغيرهما أن الله عز وجل كتب التوراة بيده. (انظر: صحيح البخاري مع الفتح 11/505، 13/422، وصحيح مسلم 4/2032-2044) .

[6]

انظر: السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم 1/1.

[7]

انظر: الفكر الديني اليهودي ص62 د. حسن ظاظا، بتصرف بسيط.

[8]

سورة الأنعام، آية 90.

[9]

سورة المائدة، آية 15.

[10]

سورة البقرة، آية 159.

[11]

سورة البقرة، آية 174.

[12]

انظر: الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام ص23.

[13]

انظر: قاموس الكتاب المقدس ص19، الفكر الديني اليهودي ص65، الأسفار المقدسة ص23.

ص: 119

[14]

لعل أول من قام بنقد التوراة من اليهود هو الحبر اليهودي إبراهيم بن عزرا الغرناطي (ت562هـ) إلا أنه لم يجرؤ على المجاهرة بذلك في زمنه ولكنه أشار إلى نقده بعبارات غامضة، إلى أن ظهر الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا (ت1073هـ - 1677هـ) الذي فسر عبارات ابن عزرا الغامضة في نقد التوراة وجهر بذلك وأضاف أدلة أخرى في ذلك النقد (انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة - لسبينوزا) ولا يخفى أن ابن عزرا قد تأثر بعلماء المسلمين الذين كان يعيش بينهم وخاصة العلامة ابن حزم (ت456هـ) في كتابه الفصل في الملل والنحل في نقده للتوراة والأناجيل وغيرها. (انظر: في مقارنة الأديان بحوث ودراسات ص71،72 د. محمد الشرقاوي) .

[15]

سورة البقرة، آية 111.

[16]

تحدّى الشيخ رحمة الله الهندي بعض القسيسين في محفل المناظرة أن يأتوا بالسند المتصل لأسفارهم فاضطروا للإعتراف بأنهم لا يملكون سنداً متصلاً لأسفارهم. (انظر: إظهار الحق ص83،84) .

[17]

انظر: ص844 من قاموس الكتاب المقدس.

[18]

انظر: سفر الملوك الثاني، الإصحاح (2) ، قاموس الكتاب المقدس ص78.

[19]

انظر: سفر الملوك الثاني، الإصحاحين (24،25) ، وسفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح (36) ، قاموس الكتاب المقدس ص458.

[20]

انظر: سفر المكابيين الأول والثاني، تاريخ الإسرائيليين ص32-71، شاهين مكاريوس.

[21]

انظر: سفر القضاة، الإصحاحات (3،4،6،10،13،17) .

[22]

وتكرر منهم الشرك والردَّة عن دين الله الحق مرات عديدة في عهد الملوك.

- انظر: سفر الملوك الأول، الإصحاحات (19،22) ، وسفر الملوك الثاني، الإصحاحات (1/13،14،15،16،17،21،22،23،24) .

بل وصل بهم الكفر إلى حد وصف نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام بالكفر وعبادة غير الله - والعياذ بالله -.

- انظر: سفر الملوك الأول، الإصحاح (11) .

ص: 120

[23]

نقلاً من كتاب (التحريف في التوراة، ص3 د. محمد الخولي، ووجدت أيضاً تلك الاعترافات بجهالة مؤلفي أسفارهم في مقدمة الكتاب المقدس (المدخل) طبع المطبعة الكاثوليكية سنة 1988م بلبنان، وفي كتاب (رسالة في اللاهوت والسياسة) - تأليف الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا، وكتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم، وقاموس الكتاب المقدس في التعليق على تلك الأسفار.

[24]

العدد 25/3.

[25]

العدد 31/14.

[26]

التثنية 13/1.

[27]

انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة ص271.

[28]

سورة النساء، آية 82.

[29]

سورة النحل، آية 90.

[30]

سورة النساء، آية 58.

[31]

انظر: للتوسع كتاب (نقد التوراة العبرية والسامرية واليونانية) - د. أحمد السقا، وكتاب (السامريون واليهود) ص93-95 د. سيد فراج راشد.

[32]

انظر: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ص42 وللتوسع في معرفة مواضع الاختلاف مع الحقائق العلمية، راجع الكتاب المذكور من ص39 إلى ص61.

[33]

انظر: السنن القويم في تفسير العهد القديم 1/363، إظهار الحق ص 135، 243 - 244، نقد التوراة ص128.

[34]

سورة فصلت، آية 45.

[35]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص111 شاهين مكاريوس، قاموس الكتاب المقدس ص222، فضح التلمود ص21 للقسيس برانايتس.

[36]

سورة البقرة، آية 79.

[37]

رواه الطبراني في الأوسط والكبير، قال الهيثمي في المجمع 1/150،192: رجاله ثقات.

وقال الشيخ الألباني: حديث حسن (انظر: صحيح الجامع الصغير ح2044) .

[38]

انظر: فضح التلمود ص22، قاموس الكتاب المقدس ص222، الكنز المرصود في قواعد التلمود ص47،48، دروس اللغة العبرية ص41-43.

[39]

يمكن القول بأن (المشنا) عند اليهود بمثابة السنة النبوية عند المسلمين.

- انظر: الفكر الديني اليهودي ص66-69، التلمود تاريخه وتعاليمه ص11-13.

ص: 121

ويقول المؤرخ اليهودي شاهين مكاريوس في تعريف المشنة: المشنة خلاصة الشريعة الشفاهية، أي غير المكتوبة، أو مجموعة قوانين اليهود السياسية والحقوقية والمدنية والدينية، وهي عبارة عن الكلمة للشريعة الموسوية المكتوبة وتفسير لها، وأكثرها مبني على تقاليد قديمة وحديثة، حتى إن بعضهم يقول: إن هذه التقاليد وُجدت منذ خروج بني إسرائيل من مصر وتيههم في البرية، وأكثرها مكتوب بالعبرانية القديمة.

- انظر: تاريخ الإسرائيليين ص111،112 بالحاشية.

[40]

انظر فيما سبق: تاريخ الإسرائيليين ص111-116، الفكر الديني اليهودي ص66-93، فضح التلمود ص22-38، التلمود تاريخه وتعاليمه ص11-49.

[41]

انظر: التلمود تاريخه وتعاليمه ص27.

[42]

نقلاً من (التلمود تاريخه وتعاليمه ص28) .

[43]

انظر: التوراة تاريخها وغاياتها ص82،83 سهيل ديب، بتصريف بسيط.

[44]

انظر: فضح التلمود ص41.

[45]

للمزيد من تلك النصوص الدالة على قداسة التلمود عند اليهود راجع: الكنز المرصود في قواعد التلمود ص50-53 د. روهلينج، فضح التلمود ص41-42 برانايتس.

[46]

سورة التوبة، آية 31.

[47]

سورة التوبة، آية 34.

[48]

انظر: الفكر الديني اليهودي ص66.

[49]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص113.

[50]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص113-114.

[51]

انظر: إفحام اليهود ص161-162.

[52]

انظر: إفحام اليهود ص171.

[53]

انظر: التلمود تاريخه وتعاليمه ص25.

[54]

انظر: المرجع السابق.

[55]

القراؤون (العنانية) : نسبة إلى عِنان بن داود، ويخالفون سائر اليهود في أحكام السبت والأعياد، وكانوا يقيمون في مصر والشام وتركيا وغيرها، ويتركزون حالياً حول الرملة.

- انظر: تاريخ الإسرائيليين ص119، الفكر الديني اليهودي ص247.

[56]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص114.

[57]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص122.

ص: 122

[58]

الفريسيون: الذين امتازوا عن العامة، وهم طائفة علماء الشريعة من الربانيين قديماً والمتشددين منهم والمتمسكين بالتلمود.

- انظر: تاريخ الإسرائيليين ص117، الفكر الديني اليهودي ص210-212.

[59]

انظر: تاريخ الإسرائيليين ص119،120، الفكر الديني اليهودي ص214-216.

[60]

الأصبهانية (العيسوية) : أتباع إسحاق بن عوبديا، المعروف بأبي عيسى الأصفهاني، وكان في زمن المنصور العباسي (750-754م) ، وكان ينكر التلمود، وأدخل تعليمات كثيرة على الأحكام اليهودية.

- انظر: الملل والنحل 1/215، الفكر اليهودي الديني ص115،244.

[61]

البنيامينية: أتباع بنيامين بن موسى النهاوندي الفارسي (830-860م) ، وهي فرقة متشعبة من طائفة القرائين (العنانيين) ويخالفونهم في بعض المسائل والأحكام، وينكرون التلمود.

- انظر: الملل والنحل 1/217، إفحام اليهود ص171.

[62]

انظر: الملل والنحل 1/215، الفكر الديني اليهود ص115،244.

[63]

للتوسع في دراسة التلمود وتعاليمه وفضائحه، راجع ما يأتي:

- الكنز المرصود في قواعد التلمود -الدكتور روهلينج، فضح التلمود -للقسيس أي. بي. برانايتس، التلمود -د. جوزيف باركلي، التلمود تاريخه وتعاليمه -ظفر الإسلام خان، كنوز التلمود - ترجمة محمد خليفة التونسي؛ الفكر الديني اليهودي -د. حسن ظاظا.

وسوف يأتي تفصيل هذه المبادئ والتعاليم الباطلة في التلمود وذكر الشواهد عليها في الفصل الثاني - إن شاء الله تعالى -.

[64]

نقلاً من التلمود تاريخه ص91 ظفر الإسلام.

ص: 123

تابع الأسفار المقدسة عند اليهود وأثرها في انحرافهم

المبحث الثالث

أثر الأسفار المقدسة في انحراف اليهود

إن تحريف الأسفار المقدسة وتزويرها والادعاء بأنها من عند الله عز وجل أمر خطير، ينتج عنه انحراف في العقيدة والشريعة والأخلاق، لأن تلك الأسفار هي المصدر لكل ذلك، وهذا ما حدث لليهود - لعنهم الله - حينما تجرأ بعض أحبارهم وخبثائهم في ارتكاب جريمة تحريف التوراة وأسفار أنبياء بني إسرائيل، وتزوير التلمود والكتب، والادعاء بأنها من وحي الله عز وجل، فقد نتج عنه انحراف أتباع التوراة والديانة اليهودية في عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم، وسوف نستعرض من خلال القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - ومن خلال الأسفار المقدسة عند اليهود بعض انحرافاتهم وضلالاتهم.

المطلب الأول: انحرافهم في الإيمان بالله عز وجل:

1 -

زعموا أن (عزير) ابن الله، وردّ الله عليهم بقوله عز وجل:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنّىَ يُؤْفَكُونَ} (1) .

2 -

تشبيه الله عز وجل بصفات خلقه:

ورد في التوراة المحرفة أن بني إسرائيل رأوا إله إسرائيل وتحت رجليه حجر من العقيق الأزرق.

وفي سفر دانيال 7/9،10 أن إلههم في صورة آدمي وأنه شيخ، أبيض الرأس واللحية - نعوذ بالله من هذا الكفر - وقد قال الله عز وجل عن نفسه تبارك وتعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2) .

3 -

وصف الله عز وجل بصفات العيب والنقائص:

(1) سورة التوبة، آية 30.

(2)

سورة الشورى، آية 11.

ص: 124

ورد في أسفار التوراة المحرفة أن الله تعالى تعب لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام واحتاج إلى الراحة "فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الرب في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل"(1)، فردّ الله عليهم بقوله عز وجل:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ} (2) .

- وزعموا أن يد الله مغلولة فرد عليهم الله عز وجل بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ

} (3) .

- وزعموا أن إلههم يندم ويحزن، وينسى ويتذكر، ويجهل كل ذلك في توراتهم المحرفة والعياذ بالله.

- ورد في تلمودهم أن إلههم يلعب مع الحوت الذي خلقه، ويبكي حتى تسقط دموعه حزناً على ما فعله بأبنائه اليهود، وأنه يكفر عن ذنوبه وأيمانه - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً -.

4-

يصفون إلههم بالعنصرية وأنه إله بني إسرائيل فقط.

المطلب الثاني: انحرافهم في الإيمان بالنبوة والأنبياء

1-

إضطراب مفهوم النبوة في أسفارهم المحرفة وغموضه، فلفظة (النبي) تطلق في أسفارهم على النبي الصادق المرسل من الله، وعلى النبي الكاذب، وعلى كهنة الهيكل، وعلى العالِمْ الحبْر، وعلى الساحر والمنجم، وعلى كهنة الآلهة الوثنية.

2-

اختلاط مفهوم النبوة والوحي عندهم بالكهانة والتنجيم والسحر والرؤيا والخيالات.

3-

يجعلون بعض النساء أنبياء، كمريم أخت موسى وخلدة ورفقة وغيرهن.

4-

يتهمون بعض أنبيائهم بارتكاب الكبائر من الذنوب كالزنا والقتل والشرك بالله وقد تقدمت الشواهد على ذلك.

(1) انظر: سفر التكوين 2/1-3.

(2)

سورة ق، آية 38.

(3)

سورة المائدة، آية 64.

ص: 125

5-

يكفرون ببعض الأنبياء ويقتلون البعض الآخر، قال الله عز وجل:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ الْكِتَابَ وَقَفّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ وَأَيّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (1) .

6-

إنكارهم نبوة ورسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون نبوته وصدقه كما يعرفون أبناءهم. قال تعالى: {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنّ فَرِيقاً مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (2) .

المطلب الثالث: انحرافهم في الإيمان بالتوراة وكتب الله المنزلة على أنبيائه الكرام.

حينما تجرأ اليهود على تحريف التوراة وغيرها من الكتب السماوية فقدت قدسيتها في نفوسهم واستهانوا بها وأصبحوا كما قال عز وجل عنهم: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابَاً مِنْ دُونِ الله المَسِيحَ ابنَ مَرْيَم وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّا يُشْرِكُون} الآية.

وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لم يحَمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يحَمِلُ أَسْفاراً بِئسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ الله والله لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالمِينَ} (3) .

وكانوا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة"(4) .

المطلب الرابع: انحرافهم في الإيمان بالملائكة.

(1) سورة البقرة، آية 87.

(2)

سورة البقرة، آية 146.

(3)

سورة الجمعة، آية 5.

(4)

تقدم تخريجه في ص62.

ص: 126

يحقدون على الملائكة ويزعمون أن جبريل وميكائيل من أعدائهم قال الله عز وجل: {مَن كَانَ عَدُوّاً للهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنّ اللهَ عَدُوّ لّلْكَافِرِينَ} (1) .

قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله: "أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوٌ لهم وأن ميكائيل ولي لهم".

وعن أنس رضي الله عنه "أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني أسألك عن أشياء لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال صلى الله عليه وسلم: "أخبرني به جبريل آنفاً". قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. قال:

الحديث" (2) .

المطلب الخامس: انحرافهم في الإيمان باليوم الآخر.

1-

تنكر بعض فرق اليهود كالصدوقيين قيام الأموات وتعتقد أن العقاب والثواب يحصلان في الدنيا، وبعض فرقهم تعتقد أن اليوم الآخر هو ظهور المسيح المنتظر وإقامة مملكة اليهود العالمية في الدنيا.

2-

من يؤمن من اليهود باليوم الآخر فإن إيمانه لا يخلو من انحراف كما أخبرنا القرآن الكريم فقال عز وجل: {وَقَالُواْ لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مّعْدُودَةً قُلْ أَتّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيَئَتُهُ فَأُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ أُولََئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (3) .

(1) سورة البقرة، آية 98.

(2)

أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري 7/272) .

(3)

سورة البقرة، آية 80-82.

ص: 127

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما فُتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سُم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود"، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني أسألكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه"؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم"؟ قالوا: أبونا فلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبررت، فقال:"هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أهل النار"؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً"، ثم قال لهم:"هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه"؟ قالوا: نعم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمّاً؟ فقالوا: نعم. فقال: "ما حملكم على ذلك"؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اليهود كانوا يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما سبعة أيام فنزلت: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَعْدُودَة

} الآية.

ويرى الحاخامات أن الجحيم له أبواب ثلاثة، باب في البرية، وباب في البحر، وباب في أورشليم.

ومن تعاليم التلمود أيضاً أن نار جهنم لا سلطان لها على مذنبي بني إسرائيل، ولا سلطان لها على تلامذة الحكماء (الحاخامات)(1) .

(1) انظر: التلمود ص30 د. جوزيف باركلي، نقلاً من التلمود تاريخه ومعالمه ص79 ظفر الإسلام خان.

ص: 128

3-

تحريفهم التوراة وغيرها من كتب الله المنزلة على أنبيائه في إخفاء وحذف نصوص إثبات اليوم الآخر فيها، فإن أسفارهم المقدسة لديهم تكاد تكون خالية منها.

وقال تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ تِلْكَ أَمَانِيّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (1) .

4-

أما تلمودهم فتبدو العنصرية واضحة في أن الجنة لليهود فقط دون غيرهم وأن حاخاماتهم يدخلونها.

5 -

أما مسألة الجنة، فقد قال أحد الحاخامات: الجنة ليست مثل هذه الأرض، لأنه لا أكل فيها ولا شرف ولا زوج ولا تناسل ولا تجارة ولا حقد ولا ضغينة ولا حسد بين النفوس، بل الصالح سوف يجلس وعلى رأسه تاج وسيتمتع برونق السكينة.

ويتناقض هذا مع ما ورد في التلمود أيضاً: أن مأكل المؤمنين في النعيم هو لحم زوجة الحوت المملحة التي قتلها إلههم، ويقدم لهم أيضاً على المائدة لحم ثور بري كبير جداً، كان يتغذى بالعشب الذي ينبت في مائة جبل، ويأكلون أيضاً لحم طير كبير لذي الطعم جداً، ولحم إوز سمين للغاية، أما الشراب فهو من النبيذ اللذيذ القديم المعصور ثاني يوم خليقة العالم.

المطلب السادس: انحرافهم في نظرتهم للبشر (الإنسان) .

ينقسم الناس في نظر اليهود إلى قسمين لا ثالث لهما:

1-

القسم الأول: الطبقة الممتازة وهم اليهود الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم خلقوا من روح الله، وقد ردّ الله عليهم ادعاءهم ذلك بقوله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمّنْ خَلَقَ

} (2) .

(1) سورة البقرة، آية 111.

(2)

سورة المائدة، آية 18.

ص: 129

- وقد ورد في التلمود أن أرواح اليهود جزء من الله كما أن الابن جزء من والده، وأن أرواحهم عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح، لأن أرواح غير اليهود هي أرواح شيطانية وشبيهة بأرواح الحيوانات.

2-

القسم الثاني: وهم من عدا اليهود من الناس فهم في نظر اليهود حيوانات خلقهم الله لخدمة اليهود، وصبغهم الله بالصبغة البشرية ليسهل لليهود التعامل معهم وأنه لا قيمة لأرواح غير اليهود أو أعراضهم أو ممتلكاتهم ولا حرمة لها. قال تعالى: {

ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمّيّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1) ، و (الأميين) هم من عدا اليهود.

لذلك يعتقد اليهود أن سرقة الأممي (غير اليهودي) تعتبر واجبة وكذلك غشه وخيانته وهتك عرضه والتعامل معه بالربا الفاحش وقتله إن أمكن وفعل كل سوء له، ولا قيمة للعهود والمواثيق التي يعقدها اليهود مع غيرهم ما لم يكن لليهود مصلحة في ذلك.

- فورد في التلمود أنه "مسموح غش الأمي، وأخذ ماله بواسطة الربا الفاحش لكن إذا بعت أو اشتريت من أخيك اليهودي شيئاً فلا تخدعه ولا تغشه".

- وفي التلمود "إن الله لا يغفر ذنباً ليهودي يرد للأمي ماله المفقود، وغير جائز رد الأشياء المفقودة من الأجانب".

- وفي التلمود "اقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ويحرم على اليهودي أن ينجي أحداً من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين".

- وقال الحاخام ميموند: إن لليهود الحق في اغتصاب النساء الغير مؤمنات، أي الغير يهوديات.

المطلب السابع: انحرافهم في نظرتهم للكون.

(1) سورة آل عمران، آية 75.

ص: 130

يعتقد اليهود - ما داموا أنهم أبناء الله وأحباؤه - أن هذا الكون وما فيه خلق لهم ولأجلهم فعلى اليهود امتلاكه وتسخيره لمصالحهم، وكل ما ليس ملكاً لهم أو تحت أيديهم فهو حق مغتصب منهم عليهم استعادته بشتى الوسائل والطرق. فقد ورد في التلمود أن الحاخام ألبو قال: سلط الله اليهود على أموال باقي الأمم ودمائهم.

وقال الحاخام ممياند مفسراً لما جاء في التوراة (لا تسرق) : إن السرقة غير جائزة من الإنسان أي من اليهود، أما الخارجون عن دين اليهود فسرقتهم جائزة.

المطلب الثامن: انحرافهم في الإيمان بالمسيح المنتظر.

من أركان الاعتقاد اليهودي الإيمان بمجيء المسيح المنتظر من سلالة آل داود الذي سيخلصهم من الذل ويحكم العالم ويقيم مملكة اليهود العالمية، وحقيقة المسيح الذي ينتظره اليهود أنه المسيح الدجال الأعور كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة ". فاليهود لعنهم الله هم جنود الدجال وأعوانه في آخر الزمان وأنه سيخرج فيهم.

المطلب التاسع: انحرافهم في عبادتهم وشعائرهم.

تقدم ذكر بعض انحرافاتهم في تشريعاتهم، في نظرتهم إلى البشر والتعامل معهم بالغش والخداع والكذب، كما أن حاخاماتهم وأحبارهم يحلّون لأتباعهم ما حرّم الله ويحرمون ما أحل الله عز وجل، قال تعالى: {اتّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ اللهِ

} (1) .

يقول د. حسن ظاظا - أستاذ اللغة العبرية -: "وحتى الطقوس والعبادات اليهودية تطورت جنباً إلى جنب مع تطور العقائد، ولسنا نريد أن نقول في هذا الموضوع الحساس برأينا، بل نقتطف اللباب من المقدمة التي كتبها أحد علماء الشريعة اليهودية المصريين، وهو الدكتور هلال يعقوب فارحي لترجمته لمجموع نصوص الصلوات اليهودية الذي سماه (سِدُّور فارحي) - ثم ينقل منه د. حسن ظاظا مقتطفات مطولة نذكر منها:

(1) سورة التوبة، آية 31.

ص: 131

"أما زمن وضع الصلاة المستعملة في وقتنا الحاضر فيختلف حسب أقسامها. إنما القسم الأساسي والأهم فيها وهو الشِمَاع والشِمُونه عِسْرِهِ، ينسب إلى عزرا ومائة وعشرين رجلاً من الشيوخ والعلماء، والأنبياء، ومن ضمنهم النبي دانيال وحجي وزكريا وملاخي. فإن عزرا بعد خراب الهيكل الأول وإبطال الذبائح والتقدمات رأى وجوب وضع صلوات هؤلاء الرجال المعروفين برجال الكنيسة الكبرى ووضعوا القسم الأساسي من الصلاة المذكور آنفاً. وهو المنبع عند كافة الإسرائيليين، ولم يتغير أساساً إلى الآن إلا في بعض تغييرات لفظية، وإضافة بعض فصول وأناشيد منتخبة من التوراة والمشنا والتلمود، وأغاني روحية مثل (أدُونْ عولام) (1) . وما أشبه لسلمون جابيرول ورِبِّي يهوذا الليفي، وإبراهيم وموسى عزرا، لتلائم الأوقات والمواسم، أضيفت مؤخراً لغاية الجيل السادس عشر"(2) .

ثم يعلّق د. حسن ظاظا على ما نقله من المقتطفات السابقة، فيقول: وإذ قد تبين لنا من شرح الدكتور هلال فارحي هذا أن أساس التدين اليهودي نفسه، وهو الصلاة الموسوية الموصوفة في كتب الشريعة اليهودية، لا تمت إلى ما كان من طقوس الصلاة الموسوية، فإننا نريد أن نشير أيضاً إلى أن الأعياد الدينية الإسرائيلية ضعيفة الصلة هي كذلك بموسى وشريعته، بل إن كثيراً منها يرجع إلى مناسبات وذكريات تاريخها متأخر عن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام بكثير.

ومن تلك الأعياد اليهودية المحدثة: عيد البوريم أو عيد النصيب، ويسميه الكتاب العرب (عيد المسخرة أو عيد المساخر) ، والسبب في ذلك ما جرت به بعض التقاليد اليهودية الشعبية في هذا العيد من إسراف في شرب الخمر، ولبس الأقنعة والملابس التنكرية على طريقة المهرجان (الكرنفال) .

(1) معناها (رب العالم) .

(2)

انظر: الفكر الديني اليهودي ص145.

ص: 132

وهذا العيد أيضاً لا يمت بصلة إلى رسول الله موسى عليه الصلاة والسلام، ولا إلى شريعته، بل هو احتفال تذكاري متصل بملابسات ممهدة للعودة من السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد، بناء على وعد صدر من ملك الفرس إلى ممثلي الجالية اليهودية بالعراق، وهو احتفال أشد التصاقاً بالسياسة منه بالدين.

وبالرغم من وضوح مناسبة هذا العيد من الناحية السياسية والتأريخية، فإن التلمود يزعم أنه كان معروفاً محتفلاً به منذ أيام يوشع بن نون لأسباب مماثلة - كما يقول - للأحداث التي وقعت لليهود وفي السبي البابلي.

وبعد أن يذكر د. حسن ظاظا عدداً من الأعياد اليهودية وتأريخها وبعض طقوسها يخلص إلى النتيجة الآتية حيث يقول: مما سبق يتبين أن أعياد اليهود معظمها لا يرجع إلى عهد موسى، بل هو أحدث من ذلك بكثير، وربما كانت أعياد الحج ترجع إلى أشياء تماثلها في الشريعة الموسوية القديمة، وأعياد الحج عندهم هي الفصح والحصاد والظلل.

ومن انحرافاتهم في الشريعة أيضاً مزاولتهم للسحر، حيث يزاول أحبارهم ورؤساؤهم أعمال السحر والدجل مما هو مدون في كتابهم (الكابالا) أحد كتبهم السرية التلمودية، وقد عُرف اليهود بمزاولة السحر والشعوذة قديماً وحديثاً.

ص: 133

قال تعالى: {وَاتّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشّيَاطِينُ عَلَىَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلََكِنّ الشّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ النّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِن أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إنَّما نحن فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر فَيَتَعَلَّمونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقونَ بِهِ بَين المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُم بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ بإِذْنِ الله وَيَتَعَلَّمونَ مَا يَضُرُّهُم ولا يَنْفَعُهُم وَلَقَدْ عَلِمُوا لمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُم لَو كَانُوا يَعْلَمُون} (1) ، وفي السنة النبوية أن لبيد بن الأعصم اليهودي - لعنه الله - قد سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، وشفاه الله عز وجل من السحر بالمعوذتين.

والتلمود يمتلئ بطقوس السحر والشعوذة والعرافة، فيقول الحاخام راوهنا: كل منا يوجد عن شماله ألف (من العفاريت) ، ويوجد عن يمينه عشرة آلاف.

وقال ربَّا: إن الازدحام أثناء الموعظة بالكنيس بسببهم (العفاريت) ، واستهلاك ملابس الحاخام (الإبلاء) بسبب احتكاكهم بها، والأقدام المكسورة بسببهم. ثم يصف الحاخام بعض الطرق السحرية لمن أراد مشاهدة العفاريت.

(1) سورة البقرة، آية 102.

ص: 134

ولا يزال اليهود يمارسون السحر إلى يومنا هذا، بل تتميز ظاهرة الشعوذة لدى الإسرائيليين أن الأشخاص الذين يمارسونها في الأساس هم رجال دين من الحاخامات، أما جمهورهم فهو من مختلف قطاعات الشعب وعلى جميع المستويات، ويشتهر في إسرائيل حالياً عدد كبير من الحاخامات الذين يمارسون السحر، حيث يحتاج المرء لتحديد موعد مع أحد هؤلاء الحاخامات إلى وقت طويل، وتشاهد أحياناً طوابير من الناس أمام مقراتهم بانتظار دور للدخول، ويعتبر الحاخام (إسحاق كادوري) واحداً من أشهر هؤلاء الحاخامات الذي بالإضافة إلى كون قائمة زبائنه طويلة جداً فإنها تتضمن نخبة من ألمع الأسماء في الحياة السياسية والعسكرية والإجتماعية عامة في إسرائيل ومن بينهم رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين، ووزير الداخلية السابق آربيه درعي، ووزير الإسكان بنيامين اليعازر وغيرهم.

ومن تعاليمهم السرية في كتبهم تقديم ذبيحة أو أضحية بشرية في أعيادهم حيث يخلط الدم البشري المستنزف بطريقة بشعة مع عجين الفطير الذي يؤكل في عيد الفصح، وذلك من أشنع وأفظع ما يرتكبه أحبارهم باسم الدين، وقد افتضح اليهود في عدد من حوادث الإختطاف والقتل لذلك الغرض البشع المشين.

تلك إشارات موجزة ولمحات خاطفة عن بعض انحرافات اليهود وأفكارهم الخبيثة وعقائدهم الفاسدة التي نتجت عن التوراة المحرفة وما يتبعها من أسفارهم الأخرى المبدّلة ومن إيمانهم بالتلمود المكذوب ومن إتباعهم لأحبارهم وحاخاماتهم فيما يأمرونهم به من التحليل والتحريم، فاليهودية ديانة كهنوتية بمعنى أن الحاخامات والكهنة هم الذين يضعون لليهود شرائعهم كشأن الديانة النصرانية، ومن هنا جاء تقديس الحاخامات ورجال الدين اليهودي واعتقاد عصمتهم، ومجمع أحبارهم يسمى (السنهدرين) ويسمى الآن (الكهيلا) له دور كبير في حياة اليهود الدينية والاجتماعية والسياسية.

ص: 135

ومن ذلك المجمع الكهنوتي لحاخامات اليهود المتمسكين بتعاليم التوراة المحرفة والتلمود الخبيث انبثقت أخطر وأخبث خطة عرفها العقل البشري للاستيلاء على العالم والتحكم فيه وإفساد الدين والأخلاق وهو ما يعرف بـ (برتوكولات حكماء صهيون) وعنها انبثقت المؤسسات والمنظمات والنوادي اليهودية الصهيونية السرية التي عاثت في الأرض فساداً كالماسونية، والروتاري، واللّيونزكِلَبْ (نوادي الأسود)، وجمعية بنايْ بِرْث (أبناء العهد) وغيرها مما تتنوع فيها الأسماء ولكن يبقى المضمون والهدف واحد وهو خدمة الأهداف الصهيونية اليهودية الرئيسة وهي على ثلاث مراحل:

الأولى: تجميع اليهود وإقامة دولة ووطن لهم في فلسطين، وقد نجحوا في ذلك بتعاون مع القوى الاستعمارية الصليبية الحاقدة.

الثانية: توسيع دولة إسرائيل لتصبح (إسرائيل الكبرى) لتشمل الأراضي الواقعة بين النيل والفرات وتشمل المدينة المنورة وخيبر.

الثالثة: المملكة اليهودية العالمية، حيث يخضع العالم لسيطرة اليهود وتكون أورشليم عاصمة المملكة العالمية التي يحكمها ملك يهودي.

تلك بعض نتائج وآثار الانحرافات العقدية والتشريعية عند اليهود، وتأثيرها في علاقتهم مع الآخرين، بل خطر اليهود على الآخرين، وهذا ما سنبينه - إن شاء الله تعالى - في دراسة قريبة عن هذا الموضوع بعنوان (خطر اليهود على الإسلام والعالم) .

ص: 136

ويتخذ اليهود جميع الوسائل والطرق في إثارة الفتن والحروب ونشر الفساد الأخلاقي والدعوة إلى الإباحية والإجهاض والزنا وإشاعة الربا والفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والديني في سبيل تحقيق أهدافهم وأحلامهم وهم في حقيقتهم أحقر وأجبن وأضعف من أن يحققوا شيئاً من ذلك ولكنهم انتهازيون يستفيدون من الأحداث والاضطرابات والفتن في تحقيق أهدافهم ولا يتناهون عن منكر في سبيل ذلك قال الله عز وجل: {لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} (1) .

فكان عقاب الله عز وجل عليهم بقوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوَاْ إِلاّ بِحَبْلٍ مّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مّنَ النّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مّنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} (2) .

وقد يقول قائل: إنهم الآن أصحاب عز وملك وسلطان بعد أن أصبح لهم كيان دولي بإنشاء (دولة إسرائيل) .

(1) المائدة، آية 78،79.

(2)

سورة آل عمران، آية 112.

ص: 137

والجواب أنهم مع قيام هذه الدولة يعيشون تحت حماية غيرهم من دول الكفر الكبرى، فهي التي تحميهم، وتمدهم بأسباب الحياة والقوة، فينطبق على هذه الحالة - أيضاً - أنها بحبل من الناس. فاليهود لا سلطان لهم، ولا عزة تكمن في نفوسهم، ولكنهم مأمورون مسخرون أن يعيشوا في تلك البقعة من الأرض، لتكون مركزاً لتلك الأمم التي تعهدت بحمايتهم ليقفزوا منه إلى محاربة المسلمين، إذا أتيحت لهم فرصة. ولو أن المسلمين غيروا ما بأنفسهم، وتمسكوا بشريعتهم، واجتمعت قلوبهم، وتوحدت أهدافهم لكانت تلك الدولة ومن يحميها في رعب من المسلمين. والأمل في الله، أن يتنبه المسلمون إلى ما يحيط بهم من أخطار فيدفعوها، ويعتصموا بحبل الله لتعود لهم قوتهم وهيبتهم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

1 -

أبحاث في الفكر الديني اليهودي - د. حسن ظاظا، الطبعة الأولى دار القلم، بيروت، 1407 هـ.

2 -

الإسرائيليات في التفسير والحديث - د. محمد الذهبي.

3 -

الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير - د. رمزي نغاعة.

4 -

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير - د. محمد أبو شهبة

5 -

الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام - د. علي عبد الواحد وافي، دار النهضة مصر، القاهرة.

6 -

إظهار الحق -الشيخ رحمة الله الهندي، تحقيق د. أحمد السقا، دار التراث العربي، القاهرة.

7 -

أضواء على اليهود - مصطفى السعدني.

8 -

إفحام اليهود - السموأل بن يحيى المغربي، تحقيق: د. محمد الشرقاوي، الطبعة الأولى، دار الهداية - مصر، 1406هـ.

9 -

بنو إسرائيل في القرآن والسنة - د. محمد سيد طنطاوي، الطبعة الأولى، الزهراء للإعلام العربي - القاهرة، 1407هـ.

10 -

تاريخ الإسرائيليين - شاهين بك مكاريوس - مطبعة المقتطف، مصر 1904م.

ص: 138

11 -

التحريف في التوراة - د. محمد علي الخولي، الطبعة الأولى، مطبعة النرجس - الرياض، 1411هـ.

12 -

تفسير القرآن العظيم - للإمام ابن كثير- طبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت، 1407هـ.

13 -

التلمود تاريخه وتعاليمه - ظفر الإسلام خان، الطبعة الرابعة، دار النفائس، بيروت، 1401 هـ.

14 -

جامع بيان العلم وفضله، للإمام ابن عبد البر.

15 -

جامع البيان في تأويل آي القرآن، للإمام أبي جعفر الطبري، الطبعة الثالثة، مطبعة الحلبي، مصر، 1388 هـ.

16-

الجامع الصحيح - للإمام مسلم النيسابوري - تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الأولى سنة 1375 هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

17-

الجامع الصحيح - للإمام محمد بن إسماعيل البخاري - مطبوع مع فتح الباري شرح صحيح البخاري.

18 -

الجامع الصحيح - للإمام محمَّد بن عيسى الترمذي - تحقيق أحمد محمَّد شاكر، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1356 هـ / 1937 م.

19-

جريدة الشرق الأوسط - الصادرة من لندن.

20 -

الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح - لشيخ الإسلام ابن تيمية، نشر السيد علي صبح المدني، مطابع المجد التجارية، جده.

21 -

دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة - د. موريس بوكاي، دار المعارف، القاهرة.

22 -

رسالة في اللاهوت والسياسية - باروخ سبنوزا، ترجمة د. حسن ضيفي، الهيئة المصرية للتأليف، القاهرة، 1971م.

23 -

السامريون واليهود - د. سيد فراج راشد، دار المريخ للنشر، الرياض.

24 -

سلسلة الأحاديث الصحيحة - للشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.

25 -

سنن الدارمي - لأبي محمَّد عبد الله الدارمي، دار إحياء السنة النبوية، بيروت.

26 -

السنن الكبرى - للحافظ البيهقي.

27 -

السنن القويم في تفسير العهد القديم - مجموعة من اللاهوتيين - مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، بيروت، 1972م.

ص: 139

28-

شرح العقيدة الطحاوية - للإمام ابن أبي العز الحنفي، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي - بيروت، 1391هـ.

29 -

صحيح الجامع الصغير وزياداته - للشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، 1406هـ.

30 -

علاقة الإسلام باليهودية - د. محمد خليفة حسن، دار الثقافة للنشر - القاهرة، 1988م.

31 -

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني دار المعرفة، بيروت.

32 -

فضح التلمود - الأب آي. بي. برانايتس. ترجمة زهدي الفاتح الطبعة الثانية، دار النفائس، بيروت، 1403هـ.

33 -

في مقارنة الأديان بحوث ودراسات - د. محمد الشرقاوي.

34 -

قاموس الكتاب المقدَّس. مجموعة من اللاهوتيين، القاهرة.

35-

قصة الحضارة - ول ديورانت، الطبعة الثالثة، القاهرة 1973م.

36-

الكتاب المقدَّس - طبعة دار الكتاب المقدَّس، القاهرة.

37-

الكتاب المقدَّس - منشورات دار المشرق، بيروت، 1983م.

38-

الكنز المرصود في قواعد التلمود - د. روهلنج، ترجمة: د. يوسف نصر الله، الطبعة الأولى، دار القلم، بيروت، دمشق 1408هـ /1987م.

39 -

كنوز التلمود، ترجمة محمد خليفة التونسي. الطبعة الأولى، دار البيان، الكويت، 1409هـ.

40 -

مسند الإمام أحمد بن حنبل، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ.

41 -

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مكتبة المعارف - بيروت ن 1406هـ.

42-

مجموع الفتاوى - لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، مطابع الرياض.

43-

مشكاة المصابيح للتبريزي (محمَّد بن عبد الله الخطيب) ، تحقيق الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، 1399هـ.

44-

مصنف ابن أبي شيبة، الطبعة الأولى، دار التاج، بيروت، 1409هـ.

45 -

الملل والنحل - عبد الكريم الشهرستاني - تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة - بيروت، 1402هـ.

ص: 140

46 -

نقد التوراة العبرية والسامرية واليونانية - د. أحمد السقا.

47 -

النهاية في غريب الحديث - لابن الأثير، تحقيق: محمود الطناحي وطاهر الزاوي، نشر أنصار السنة المحمدية - باكستان.

48 -

هداية الحيارى في الرد على اليهود والنصارى للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق د. أحمد السقا، الطبعة الثانية، المكتبة القيمة، القاهرة، 1399هـ.

49 – اليهودية – د. أحمد شلبي، الطبعة السابعة، مكتبة النهضة المصرية، 1984 م.

ص: 141

الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين

دراسة تطبيقية على ألفية ابن مالك

إعداد

د. إبراهيم بن صالح الحندود

رئيس قسم النحو والصرف وفقه اللغة

كلية العلوم العربية والاجتماعية بالقصيم

فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

حمداً لك اللهم لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد أفضل من أرسل إلى البشرية وخير من نطق بالعربية وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإنه لم يبلغ قوم في الحفاظ على لغتهم، والحرص على نقائها، والتفاني في خدمتها ما بلغه المسلمون؛ إذ يسَّر الله عز وجل من هذه الأمة من نذر نفسه لخدمة هذه اللغة في شتى فروعها. وما كثرة المصنفات وتتابع ظهورها حتى اليوم - وما بعده - إن شاء الله تعالى - إلا دليل على ذلك. ولا غرو في هذا فهي لغة القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه إلى يوم الدين {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، {إناَّ نَحْنُ نَزَّلْنا الْذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} .

وممَّا لقي عناية من علماء العربية لغة النثر والشعر من حيث اتفاقُهما أو اختلافهما في بناء الألفاظ وصياغة العبارات، وكذا الخضوع لقواعد اللغة، والنحو حسب طبيعة كلٍّ منهما.

ص: 142

لقد كانت النظرة في بادئ الأمر إلى فنّيَ الشعر والنثر واحدة من حيث الخصائص التعبيرية في صياغة العبارة وبناء الألفاظ؛ بدليل اشتراكهما في شواهد اللغة والنحو، فلم يفرق علماء العربية بين شاهد المنثور وشاهد المنظوم في كتبهم، فترى الشاهد من القرآن الكريم جنباً إلى جنب مع الشاهد من الحديث النبوي، والشعر، والمأثور من أقوال البلغاء على الرغم من التفاوت الملحوظ في طريقة الصياغة أو الإعراب. وغاية ما في الأمر أنَّ هذا التغير عندهم يُعدُّ شذوذاً عن القاعدة قد يرقى إلى درجة الجواز إذا جاء في القرآن أو الحديث أو المقبول إذا جاء على لسان شاعر كبير ممن يستشهد بشعرهم. وما عدا ذلك خطأٌ لا ذكر للضرورة فيه.

وإن المتتبع لسيبويه رحمه الله ليلحظ أنه لم يصرِّح في كتابه بتعريف محدد للضرورة، بل إن لفظ "الضرورة"لم يجر له ذكر عنده على الإطلاق

- على اتساع الكتاب - وإنما كان يكتفي بتعبير يؤدي إلى معناه دون التصريح بلفظه.

ودخلت الضرورة - فيما بعد - في ميادين البحث اللغويّ، والنقديّ على نطاق واسع.

فدخلت ميدان اللغة؛ لأنها تضطر الشاعر إلى تغيير بناء اللفظ؛ زيادةً أو حذفاً أو خروجاً عن القياس، فتناول اللغويون ذلك بالبحث من خلال معاجم اللغة وأشاروا إلى هذه الضرائر.

ودخلت ميدان النحو لكونها تدفع الشاعر إلى مخالفة القياس في بناء الجملة وفي عمل الأدوات وكذا التغيير في تركيب الجملة (من حيث التقديم والتأخير) .

ص: 143

إن قضية الضرورة وما أثارته من اهتمام لدى العلماء تعتبر أحد الموضوعات التي استهوت عدداً غير قليل من الدارسين، وشغلت أذهان الكثير من القدماء، والمحدثين وذلك للعلاقة المتينة بين اللغة والشعر؛ إذ إن الشعر من المصادر الرئيسة التي استمد منها العلماء قواعد اللغة وأصولها. ولكنهم وجدوا فيه بعض الألفاظ والتراكيب التي تشذ عن هذه الأصول التي استنبطوها منه ومن كلام العرب المحتج بكلامهم فدفعهم ذلك إلى التأمل والتماس العلل.

ولأهمية هذا الموضوع واختلاف أقوال العلماء فيه رأيت أن أدلي دلوي فيه من خلال هذا البحث المقرون بتطبيق الضرورة على ألفية ابن مالك لكونها نظماً تسوغ فيه الضرائر من جهة، وما يعتقده صاحبُها من أن الضرورة (ما لا مندوحة للشاعر عنه بأن لم يمكنه الإتيان بعبارة أخرى) .

ولا أزعم أني أوفيت البحث حقَّه، كما لا أدعي خلّوه من الخطأ والثغرات، ولكن حسبي أني اجتهدت وبذلت وسعي ما استطعت. فإن وفقت للصواب فلله الحمد والمنة على توفيقه، وإن أخطأت أو قصَّرت فأسأله هَدْيَه وتوفيقه.

وفي الختام أتوجه بالشكر إلى الله عز وجل على أن وفقني لإتمام هذا البحث، وأسأله تعالى أن يجعل مابُذل فيه خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

د. إبراهيم بن صالح الحندود

التمهيد

أولاً: طبيعة الشعر وعلاقته بالضرورة:

ص: 144

الشعر كلام موزون بأفاعيلَ محصورة في عدد معيّن من الحروف، والحركات، والسكنات، يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيَّدة بالوزن، والقافية أن يلجأ قائله - أحياناً - إلى الخروج عن القواعد الكلّيّة وارتكاب ما ليس منها؛ إمّا بزيادة اللفظ أو نقصانه أو تغيير في تركيب الجملة من تقديم وتأخير أو فصل بين متلازمين، وغير ذلك مما لا يُستجاز في الكلام مثله؛ لأن الشاعر غير مختار في جميع أحواله فيفعل ذلك تلافياً لقصور اللفظ الذي يناسب المعنى الذي يريد مع الحفاظ على الوزن وسلامة القافية.

على أنه لا يخرج عن القواعد المذكورة كيفما اتفق، وإنما يسلك طريقة لها وجه في العربية.

قال سيبويه (180هـ) : "وليس شيءٌ يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهاً""فإن جهلنا ذلك فإنما جهلنا ما علمه غيرنا، أو يكون وصل إلى الأول ما لم يصل إلى الآخر".

كما ألحقوا الكلام المسجوع في ذلك بالشعر لكون السجع يجري في ذلك مجرى الشعر، بدليل قولهم:"شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى" فحذفوا التنوين من "ثرى"، ومن "مرعى"إتباعاً لقولهم:"ترى"؛ لأنه فعل فلم ينوّن لذلك.

وقالوا: "الضِّيح والريح"فأبدلوا الحاءَ ياءً إتباعاً للريح، والأصل: الضِّحّ.

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ارجعن مأزورات غير

مأجورات"؛ بإبدال الواو ألفاً إتباعاً لمأجورات، والأصل: "موزورات"؛ لأنه من الوزر.

وقد جاء مثل ذلك أيضاً في فواصل القرآن لتتفق. قال عز وجل: {فَأَضَلُّونا السَّبِيلا} ، وقال سبحانه:{وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا} (1) فإن زيادة الألف في "السبيلا"و "الظنونا"بمنزلة زيادتها في الشعر على جهة الإطلاق.

(1) من الآية 67، من سورة الأحزاب.

ص: 145

وقد كان النحاة يقفون إزاء الأبيات المخالفة لمذاهبهم وأقيستهم فيعمدون إلى التأويل لإدخالها ضمن هذه الأقيسة، فأصبحت تلك الأبيات الخارجة عن القياس المألوف ميداناً رحباً لتأويلات النحاة وتعليلاتهم، فدخلت بسبب ذلك ضمن الخلاف النحوي؛ إذ كل طرف لا يتردد في إلقاء جملة مما احتج به الطرف الآخر في بحر الضرورة.

ثانياً: التأليف في الضرائر:

لسيبويه رحمه الله جهود في مجال الكتابة عن الضرورة - وإن كانت لفظة "الضرورة"غير مذكورة في كتابه كما سبق - إلاّ أن دراسته لهذه الظاهرة تفتقر إلى المنهجية المحددة القائمة على التقسيم، والتصنيف للمظاهر العامة للضرورة. وهذا لا يلغي سمة التبكير، والريادة في معالجة موضوع متشعب الأطراف. فما كتبه عن الضرورة يعدّ إضاءات موزعة ذات فوائد متفرقة، أفاد منها النحاة في هذا المجال.

ولعل أبا بكر بن السراج (316هـ) قد سبق في بداية القرن الرابع إلى تثبيت مبادئ التصنيف في الضرائر الشعرية بقوله: "ضرورات الشعر أن يضطر الوزن إلى حذف، أو زيادة، أو تقديم أو تأخير في غير موضعه، وإبدال حرف، أو تغيير إعراب عن وجهه على التأويل، أو تأنيث مذكر على التأويل".

هذا النص يمكن عدُّه الأساس التاريخي الأول لحركة التأليف، والكتابة المنهجية عن الضرورة.

أما المبكِّر إلى حصر تلك المظاهر حصراً علمياً فهو أبو سعيد السيرافي (368هـ) حيث يقول: "ضرورة الشعر على تسعة أوجه: الزيادة، والنقصان، والحذف، والتقديم، والتأخير، والإبدال، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجهٍ آخر على طريق التشبيه، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث".

وإنما يُعَدّ هذا النص لشارح "الكتاب" أصلاً لكل ما ورد في فصول النحاة من نصوص، وإشارات إلى أنواع هذه الظاهرة؛ لأن ابن السراج قد اقتصر على سبعة أقسام فقط ولم يشر إلى ما يقع في الشعر من تذكير المؤنث، إلا أن يكون هذا النقص سهواً من ناسخ كتاب "الأصول"أو محققه.

ص: 146

ويمكن اعتبار تذكير المؤنث الذي لم يذكره أبو بكر داخلاً ضمن الحذف الذي أشار إليه.

أمَّا التطور في تصنيف الضرورات فقد سار - بعد أبي سعيد السيرافي - على مرحلتين:

الأولى: الانتقال من التصنيف السباعي إلى التصنيف الخماسي، كما هو الشأن عند ابن عصفور (669هـ) في "ضرائر الشعر"، و "شرح الجمل"، و "المقرب"وأبي الفضل الصفار القاسم بن علي البَطَلْيوسي (بعد 630هـ) في "شرح كتاب سيبويه". وجرى على هذا أبو حيان (745هـ) ، في "ارتشاف الضرب".

ويتمثل هذا التقسيم في: الزيادة، والنقص، والتقديم والتأخير، والبدل.

الثانية: الانتقال من التصنيف الخماسي المذكور إلى تصنيف آخر ثلاثي يتمثل في الزيادة، والحذف، والتغيير. وقد بنى الآثاري (828هـ) سرده للضرورات في منظومته "كفاية الغلام في إعراب الكلام" فقال:

ضرورة الشاعر تمحو ما وجبْ

على الذي يتبع أوزان العربْ

وهي ثلاث فاغنم الإفادة

الحذف والتغيير والزيادة

كما أقام على هذا التقسيم أبو المعالي محمود شكري الآلوسي (1342هـ) ترتيب الضرورات في كتابه "الضرائر"، وجرى على هذا جمعٌ غير قليل من العروضيين المعاصرين وغيرهم مفيدين من التصنيفات المذكورة السابقة مع اختلاف يسير.

فللدكتور عبد الوهاب العدواني كتاب بعنوان "الضرورة الشعرية. دراسة نقدية لغوية"، وللدكتور محمد حماسة عبد اللطيف مصنَّفٌ بعنوان "الضرورة الشعرية في النحو العربي"، كما صنَّف الدكتور خليل بنيان الحسون مصنفاً بعنوان "في الضرورة الشعرية".

على أن أول كتاب يصل إلينا يستقل ببحث الضرورة هو كتاب "ما يجوز للشاعر في الضرورة"لأبي جعفر القزاز (412هـ) .

الفصل الأول

مفهوم الضرورة لدى النحويين

أولاً: رأي سيبويه وابن مالك:

ص: 147

لم يصرّح سيبويه بتعريف محدد للضرورة، وإنما كان يكتفي ببعض العبارات التي فهم منها بعض شرّاح "الكتاب"ودارسيه مفهوم الضرورة عنده من خلال تناوله لبعض المسائل، وبخاصة الباب الذي عقده في أول الكتاب بعنوان "ما يحتمل الشعر".

فمن خلال بعض النصوص حدّد العلماء رأي سيبويه في "الضرورة"وهو أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز له في الكلام بشرط أن يضطر إلى ذلك، ولا يجد منه بداً، وأن يكون في ذلك ردُّ فرع إلى أصل، أو تشبيه غير جائز بجائز.

قال سيبويه - عند قول أبي النجم العجلي -:

قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ تدَّعي

عليَّ ذنباً كلُّه لم أصنعِ

"هذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأن النصب لا يكسر البيت ولا يخل به ترك إظهار الهاء".

ولا يبعد مفهوم ابن مالك (ت 672هـ) للضرورة عن مفهوم سيبويه المتقدم وهو أن الضرورة: ما لا مندوحة للشاعر عنه بحيث لا يمكن الاتيان بعبارة أخرى.

صرَّح بهذا في شرح التسهيل وشرح الكافية الشافية.

فوصل "أل"بالمضارع - على سبيل المثال - جائز عنده اختياراً لكنه قليل، فذكر أن قول الفرزدق:

ما أنتَ بالحكمِ التُرضى حكومته

ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدلِ

وقول ذو الخِرَق الطهوي:

يقول الخنا وأبغض العجم ناطقاً

إلى ربنا صوت الحمار اليجدعُ

غيرُ مخصوص بالضرورة؛ لتمكن قائل الأول من أن يقول:

ما أنت بالحكم المرضي حكومته

ولتمكن الآخر من أن يقول:

إلى ربنا صوت الحمار يُجدعُ

فإذ لم يفعلا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار.

وهذا الاتجاه في فهم الضرورة قد نُسب إلى ابن مالك وشُهر به، حتى إن كثيراً ممن خالف هذا المنهج وجّه نقده إلى ابن مالك وحده ولم يتعرّض لسيبويه، كقول أبي حيان: "لم يفهم ابن مالك معنى قول النحويين في ضرورة الشعر

" إلخ.

ص: 148

وإن المتأمل ليستوقفه النظر حيال قبول الناس لهذا الرأي في فهم الضرورة؛ إذ لم يجد كثرة من الأنصار له على الرغم من أن أشهر الذين قالوا به هما سيبويه وابن مالك، والأول كان يعيش في عصر الاستشهاد ويستقي شواهده من المصادر الحية أو ممن سمعها من المصادر الحية، والآخر يعد أمَّة لا في الاطلاع على كتب النحاة وآرائهم فحسب، بل أيضاً في اللغة وأشعار العرب بله القراءات ورواية الحديث النبوي.

(ومعنى هذا أنّ رأي هذين الإمامين لما امتازا به من سعة رواية ونفاذ رأي ينبغي أن يكون له وزنه في دراسة اللغة؛ لأنه نابع من فهم لخصائصها أصيل وحسّ بها غير مدخول) .

لكن هذا الرأي قد تعرَّض لنقد شديد من المتأخرين كأبي إسحاق الشاطبي (790هـ) ، وأبي حيان، وابن هشام (761هـ) ، والشيخ خالد الأزهري (905هـ) ، وعبد القادر البغدادي (ت1093هـ) .

وملخص رد الشاطبي على ابن مالك يتمثل في الآتي:

أولاً: أن النحاة قد أجمعوا على عدم اعتبار هذا المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبراً لنبهوا عليه.

ثانياً: أن الضرورة لا تعني عند النحويين أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذكر؛ لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره، دليل ذلك الراء في كلام العرب، فإنها من الشياع في الاستعمال بمكان لا يُجهل، ولا يكاد ينطق أحد بجملتين تعريان عنها. وقد هجرها واصل بن عطاء (131هـ) لمكان لثغته فيها، بل كان يناظر الخصوم ويخطب على المنبر فلا يُسمع في نطقه راءٌ، حتى صار مثلاً. وإن الضرورة الشعرية لهي أسهلُ من هذا بكثير، وإذا كان الأمر هكذا أدى إلى انتفاء الضرورة في الشعر وذلك خلاف الإجماع، وإنما معنى الضرورة أن الشاعر قد لا يخطر بباله إلا لفظة ما اقتضت ضرورة النطق بها في ذلك الموضع زيادة أو نقص أو غير ذلك، في الوقت الذي قد يتنبه غيره إلى أن يحتال في شيءٍ يزيل تلك الضرورة.

ص: 149

ثالثاً: أنه قد يكون للمعنى الواحد أكثر من عبارة بحيث يلزم في إحداها ضرورة ولكنها هي المطابقة لمقتضى الحال، وهنا يرجع الشاعر إلى الضرورة؛ لأن اعتناء العرب بالمعاني أشد من اعتنائهم بالألفاظ. وإذا تبيَّن في موضع ما أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمن أية جهة يعلم أنه مطابق لمقتضى الحال؟

رابعاً: أن العرب قد تأبى الكلام القياسي لعارض زحاف فتستطيب المزاحف دون غيره أو بالعكس فتركب الضرورة لذلك.

ومن أقوال ابن هشام في الرد على ابن مالك قوله: "إذا فُتح هذا الباب - يعني زعم القدرة على تغيير بنية الشعر وألفاظه - لم يبق في الوجود ضرورة، وإنما الضرورة عبارة عما أتى في الشعر على خلاف ما عليه النثر".

ومن أقواله أيضاً: إن كثيراً من أشعار العرب يقع عن غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخيّر الوجه الذي لا ضرورة فيه.

كما أن الشعر لمّا كان مظنة للضرورة استُبيح فيه ما لم يُضطرّ إليه، كما أُبيح قصر الصلاة في السفر؛ لأنه مظنة المشقة مع انتفائها أحياناً والرخصة باقية.

هذا الكلام قاله ابن هشام في رده على ابن مالك إذ زعم أن إيراد الضمير المتصل بعد "إلَاّ"في قول الشاعر:

وما نبالي إذا ما كنتِ جارتَنا

ألاّ يجاورنا إلَاّكِ ديارُ

ليس ضرورة، لتمكن قائله من أن يقول:

ألا يكون لنا خلٌّ ولا جارُ

ثم إن الشاعر قد يتاح له في حرارة التجربة الشعرية غير عبارة عن الفكرة الواحدة، لكنه لا يختار من الألفاظ إلا ما يأنس فيه الملاءمة التامة للمعنى الذي ينشده وإن ساوره قلق فني في دقة لغته، وقدرتها على التعبير عنه. فإذا ثبت هذا وأنه هو واقع الشعر اللغوي فإن التفكير بنفي الضرورة، ومحاولة استبدالها بما لا ضرورة فيه أمرٌ من الصعوبة بمكان على الشاعر، ناهيك عن الناقد اللغوي، والنحوي وذلك لتفاوت القدرات على تخيّل الألفاظ، واستحضارها من المعاجم الذهنية المختلفة في سعتها، وتنوعها، وصفائها.

ص: 150

وقد حاول بعض المحدثين الاعتذار لابن مالك بأنه كان يعمل ثقافته، وفكره حين بيّن رأيه في الضرورة الشعرية. فكان يضع في اعتباره لهجات العرب المتباينة، والقراءات القرآنية، والحديث النبوي الشريف بحيث إذا ورد فيها شيء قال النحاة عن نظيره في الشعر إنه ضرورة لم يعدّه هو كذلك، بل يرجع كل ظاهرة إلى أصلها، وأحياناً ينصّ على أنه لهجة قبيلة معينة وضرورة عند غيرهم. فنراه - مثلاً - يقول عن تسكين هاء الغائب واختلاس حركتها:"وقد تسكن أو تختلس الحركة بعد متحرك عند بني عُقَيل، وبني كلاب اختياراً، وعند غيرهم اضطراراً".

وقد ذكر في كتاب "التسهيل"جملة من المسائل يعدّها بعضهم ضرورة ولا يراها هو كذلك كحذف نون الوقاية من "ليس"، و "ليت"، و "عن"، و "قد"، و "قط"، وزيادة "ال"في العلم، والتمييز، والحال، وإسكان عين "مع"، والفصل بينها وبين تمييزها، وتأكيد المضارع المثبت، ومجيء الشرط مضارعاً، والجواب ماضياً، وإجراء الوصل مجرى الوقف.

وفي بعض كتبه الأخرى يشير إلى أن بعض الظواهر تكثر في الشعر دون النثر.

(ولعله في هذا متأثر بسيبويه. وهذا يشعر بأنهما يدركان أن للشعر نظاماً خاصاً به في صرفه، ونحوه ينبغي أن يدرس وحده منفصلاً عن النثر، ولكن النظرة السائدة إلى وحدة اللغة جعلت هذه الملاحظة تقف عند حدّ الإدراك الذي لم يؤيده التنفيذ العملي) .

ثانياً: رأي ابن جني والجمهور:

يرى أبو الفتح عثمان بن جني (392هـ) وكثير من النحويين أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء كان للشاعر عنه مندوحة أم لا؟ ولم يشترطوا في الضرورة أن يضطر الشاعر إلى ذلك في شعره، بل جوّزوا له في الشعر ما لم يجز في الكلام؛ لأنه موضع قد أُلفت فيه الضرائر. دليل ذلك قول الشاعر:

كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا

وكريمٍ بخله قد وضَعَهْ

ص: 151

في رواية من خفض "مقرف"، حيث فصل بين "كم"وما أضيفت إليه بالجار والمجرور، وذلك لا يجوز إلا في الشعر، ولم يضطر إلى ذلك إذ يزول الفصل بينهما برفع "مقرف"أو نصبه.

ومما استدل به صاحب هذا المذهب - أيضاً - قول الآخر:

فلا مزنةٌ ودقت ودقَها

ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها

ألا ترى أنه حذف التاء من أبقلت، وقد كان يمكنه أن يثبت التاء وينقل حركة الهمزة فيقول: أبقلت ابقالها.

قال ابن جني في قول الشاعر:

فزججتها بمزجة

زجَّ القلوصَ أبي مزاده

(فصل بينهما بالمفعول به)، هذا مع قدرته على أن يقول:

زجّ القلوص أبو مزاده

كقولك: سرَّني أكلُ الخبز زيدٌ

فارتكب هاهنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها.

وإلى هذا المذهب ذهب كل من الأعلم الشنتمري (476هـ) ، والرضي (686هـ) ، وأبو حيان، وابن هشام، والبغدادي، والشيخ محمد الأزهري المعروف بـ "الأمير"(1232هـ) .

قال الأعلم: "والشعر موضع ضرورة يحتمل فيه وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة ولا تحصيل معنى وتحصينه، فكيف مع وجود ذلك"؟

وقال أبو حيان - في التذييل والتكميل -: "لا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإلا كان لا توجد ضرورة؛ لأنه ما من لفظ أو ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع ذلك في كلامهم النثريّ، وإنما يستعملون ذلك في الشعر خاصة دون الكلام".

أما البغدادي فيقول عن الضرورة: "والصحيح تفسيرها بما وقع في الشعر دون النثر سواء كان عنه مندوحة أوْ لا".

وخالف الأمير قول ابن مالك بحجة أنه - كما يقول -: "يسد باب الضرورة، فإن الشعراء أمراء الكلام قل أن يعجزهم شيء. على أنه لا يلزم الشاعر وقت الشعر استحضار تراكيب مختلفة".

وما احتج به أصحاب هذا الرأي لم يسلم من المعارضة من قبل أنصار الرأي الأول كاعتراضهم على الاحتجاج بقول الشاعر:

ص: 152

بأنه يحتمل أن يكون الذي اضطره إلى حذف التاء أنه ليس من لغته النقل، فلو قال: أبقلت ابقالها من غير نقل على لغته لم يصل للوزن.

ولعل أهم ثمرة للخلاف بين الجمهور من جهة، وسيبويه وابن مالك من جهة أخرى؛ أن الضرورة واسعة المدلول حسب رأي الجمهور؛ فهي تشتمل كل ما ورد في الشعر، أو كَثُر فيه سواء أكانت له نظائر في النثر أم لا. فكثرت أنواع الضرائر نتيجة لهذا؛ لأنهم لا يريدون تمزيق القاعدة، أو الإكثار من القواعد فاستندوا إلى هذا الحكم (الضرورة في كل بيت يخالف القاعدة. وأما على رأي سيبويه، وابن مالك فإن ما يجد الشاعر عنه بدلاً لا يعدُّ ضرورة، بل نوع من التغيير يجوز في الشعر والنثر على حد سواء) .

ثالثاً: رأي أبي الحسن الأخفش:

يرى أبو الحسن الأخفش (215هـ) أن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغيره في كلامه؛ لأن لسانه قد اعتاد الضرائر، فكثيراً ما يقول: جاء هذا على لغة الشعر، أو يحمل على ذلك قوله تعالى:{قَوارِيراً مِنْ فِضَّةٍ} في قراءة من قرأ بصرف "قوارير".

وقال تعالى: {وتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا} ، و {فَأَضَلُّونا السَّبِيلا} بزيادة الألف لتتفق الفواصل، كزيادة الألف في الشعر للإطلاق.

وهذا الاتجاه في الرأي يقلل من وجود ما يسمى بالضرورة من قبل أنه يبيح للشاعر في كلامه المعتاد ما لا يباح لغيره إلا في الاضطرار لاعتياد لسانه الضرائر على حدِّ تعبيره.

ويعترف أبو الحسن من جانب آخر بتأثير هؤلاء الشعراء في غيرهم بوصفهم طبقة ذات مكانة اجتماعية تقلدها العامة وتقتدي بها وبذلك تشيع الظاهرة في الشعر، والنثر على السواء، وعليه فلا محل إذن للقول بأنها ضرورة.

رابعاً: رأي ابن فارس:

ص: 153

يختلف موقف أحمد بن فارس (395هـ) من ضرائر الشعر عن موقف النحويين جميعهم؛ إذ لا يكاد يعترف بما يسميه النحاة ضرورة، فيتعيّن على الشاعر أن يقول بما له وجه في العربية، ولا ضرورة فيه حينئذٍ. فإن لم يك ثمت وجه منها رُدَّ وسمّي باسمه الحقيقي وهو الغلط أو الخطأ، ولا داعي للتكلف واصطناع الحيل للتخريج.

قال في كتابه الصاحبي: "وما جعل الله الشعراء معصومين يُوَقُّون الخطأ والغلط، فما صحَّ من شعرهم فمقبول، وما أبته العربية، وأصولها فمردود".

وقد ألف ابن فارس مصنفاً لهذا الغرض سمَّاه "ذمُّ الخطأ في الشعر"ولخَّص فيه موقفه من الضرورة الشعرية. ومن جملة ما قاله:

"إنَّ ناساً من قدماء الشعراء ومن بعدهم أصابوا في أكثر ما نظموه من شعرهم وأخطأوا في اليسير من ذلك، فجعل ناس من أهل العربية يوجهون لخطأ الشعراء وجوهاً، ويتمحلون لذلك تأويلات حتى صنعوا فيما ذكرنا أبواباً، وصنفوا في ضرورات الشعر كتباً".

ويرى أنه لا فرق بين الشاعر، والخطيب، والكاتب، فالشعراء يخطئون كما يخطىء سائر الناس، ويغلطون كما يغلطون، ولا يعدو أن يكون ما ذكره النحويون في إجازة ذلك والاحتجاج له ضرباً من التكلف.

ويعرّض ابن فارس بما استشهد به سيبويه من قول الشاعر:

فلست بآتيه ولا استطيعه

ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ

فيتساءل: لم لا يجوز لواحد منا - إذن - أن يقول للآخر: لست أقصدك ولاك اقصدني أنت؟

ولكن الملاحظ أن ابن فارس في كتابه "الصاحبي"على الرغم من إعادته، وتكريره بعض ما قاله في "ذم الخطأ في الشعر"- يبدو أكثر رفقاً وأقل حدة في موقفه من الضرورة فهو قد أكّد عدم عصمة الشعراء من الخطأ. ولكنه لم ينكر الضرورة على الإطلاق، فما عدّه النحاة ضرورة قسّمه ابن فارس في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

ص: 154

الأول: ما يباح للشعراء دون غيرهم كقصر الممدود، والتقديم، والتأخير، والاختلاس، والاستعارة. فأما اللحن في الإعراب أو إزالة كلمة عن نهج الصواب فليس لهم ذلك.

الثاني: ما يُعدُّ من خصائص العربية، ومظهراً من مظاهر الافتنان فيها، ويسميه ابن فارس بأسماء مختلفة كالبسط، والقبض، والإضمار. ولعله في مثل هذا ينظر إلى اللهجات المختلفة. وهذا ما دعاه إلى عدم القول بأنها ضرورة أو من خصائص الشعر. كقول الشاعر:

محمد تفد نفسك كل نفس

إذا ما خفت من أمرٍ تَبالا

وهذا مما يعدّه النحاة ضرورة.

الثالث: ما يُعدَّ خطأ وغلطاً عنده، كقول الشاعر:

ألم يأتيك والأنباء تنمي

بما لاقت لبونُ بني زيادِ

والراجح عندي هو ما ذهب إليه جمهور النحويين من أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا؛ لأن الشعر كلام موزون بأفاعيل محصورة يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيدة بالوزن، والقافية، أن يلجأ قائله أحياناً إلى الضرورة.

صحيح أنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يعوض من لفظها غيره لكن الشاعر غير مختار في أموره كلها، فقد لا يخطر بباله في ذلك الموضع إلا هذه اللفظة المؤدية إلى الضرورة. وكثير من أشعار العرب يقع في غير روية، وهو مما يدعو إلى عدم التمكن من تخير الوجه الذي لا ضرورة فيه، ولا يلزم الشاعر - وقت الإنشاد - استحضار التراكيب المختلفة ليوازن بينها ويختار منها ما خلا من الضرورة ويبتعد عما سواه.

الضرورة لا تنحصر بعدد معيّن:

لعل أقرب تعريف يمكن إطلاقه على الضرورة الشعرية هو: الخروج على القواعد النحوية، والصرفية؛ لإقامة الوزن وتسوية القافية.

والضرورة بابها الشعر، وشعر العرب لم يحط بجميعه كما روي عن أبي عمرو بن العلاء (154هـ) أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلَاّ أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير.

ص: 155

وإذا كان الأمر هكذا فإنه لا يمكن حصر الضرائر بعدد دون آخر، فلا يلتفت إلى من حصر الضرائر في عشرٍ ولا مائة.

والشاعر غير مقيّد بحدود ما يجده لدى الشعراء الآخرين من ضرورات فيزيد في المواضع التي زادوا فيها ويحذف حيث حذفوا، أو يغيّر على نحو ما غيروا، فقد يعترض في بعض نظمه الكثير مما لا يجد له نظيراً عند غير.

ومما ساعد على وجود الضرائر وكثرتها اختلافُ نظرة العلماء إلى مصادر الاستشهاد، ومواقفهم المختلفة منها.

واختلفت نظرتهم كذلك إلى مدلول الضرورة الشعرية ذاتها فسلكوا في فهمهم لها وجهات متباينة فصارت الظاهرة الواحدة ضرورة شعرية على رأي في حين أنها لا تُعدُّ كذلك في رأي مغاير.

الضرورة تنقسم إلى حسنة وقبيحة:

الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة هاهنا ما جاز للشاعر استعماله للضرورة التي تتفاوت حسناً وقبحاً. فالضرورة المستحسنة هي التي لا تستهجن ولا تستوحش منها النفس، كتسكين العين في جمع فَعْلَة بالألف والتاء حيث يجب الإتباع، كقول الشاعر:

علَّ صروفَ الدهرِ أو دُولاتِها

يُدِلْننا اللمة مِنْ لماتِها

فتستريحَ النفسُ من زَفْراتِها

وهذا من أسهل الضرورات.

ومن الضرائر المستحسنة: صرف ما لا ينصرف، وذلك أن أصل الأسماء كلها الصرف. ومنه قول النابغة الذبياني:

فلتأتينك قصائدٌ وليركبن

جيشٌ إليك قوادم الأكوارِ

وقصر الجمع الممدود تشبيهاً بحذف الياء من "فعاليل"ونحوه، كقول الشاعر:

فلو أنَّ الأطبا كانُ حولي

وكان مع الأطباءِ الأُساةُ

ومدّ المقصور كقول الشاعر:

سيُغنيني الذي أغناك عني

فلا فقرٌ يدومُ ولا غِناءُ

وأما الضرورة المستقبحة فمثل عدل الأسماء عن وضعها الأصلي بتغييرٍ ما فيها من زيادة أو نقص يترتب عليه التباس جمع بجمع مثلاً كرد "مطاعم" إلى مطاعيم أو عكسه، فإنه يؤدي إلى التباس "مطعم"بـ "مطعام".

وكالنقص المجحف كما في قول لبيد بن ربيعة:

درس المنا بمُتالعٍ فأبانِ

فتقادمت بالحَبْسِ فالسُّوبانِ

ص: 156

يريد: المنازل. فرخَّمه في غير النداء بحذف حرفين منه هما الزاي واللام.

وكقول العجاج:

واطناً مكةَ من وُرْقِ الحمَي

يريد: الحمام.

فلا يحسن بالشعراء الأخذ بمثال هذه الضرورات لقبحها، حتى وإن ارتكزت على شواهد معتبرة؛ لأن بتر اللفظ على هذا النحو يمسخ صورته المألوفة. كما أن الأخذ بمثل هذه الضرائر يفضي إلى اختلاط الصيغ وعدم وضوح القصد، وابتعاد الذهن عن الوصول إلى اللفظ بحدوده المعروفة.

فالأولى اقتصار الشاعر على الأخذ بالحسن من الضرورات، وهي التي يكون فيها الحذف أو الزيادة، أو التغيير الذي يطرأ ضمن القياس المعروفة نظائره، والذي يهدي فيه التركيب إلى المراد بسهولة لكثرة شواهده وأمثلته.

ثم إنه لا يجوز للشاعر أن يلحن لتسوية قافية ولا لإقامة وزن بأن يرفع منصوباً أو ينصب مخفوضاً، أو يحرك مجزوماً، ويسكن معرباً. وليس له أن يُخرج شيئاً عن لفظه إلا أن يكون يخرجه إلى أصل قد كان له فيرده إليه؛ لأنه كان حقيقته، ومتى وجد هذا في شعر كان خطأً ولحناً ولم يدخل في ضرورة الشعر.

ص: 157

تابع الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين

الفصل الثاني

الضرورات الشعرية في ألفية ابن مالك

ربما ورد في ألفية ابن مالك بعض التجاوزات غير الإعرابية، كأن يقع الناظم في عيب من عيوب الشعر، أو يتجوَّز في بعض الألفاظ، أو يجمع بين متنافيين، وهذه الأشياء لم أُعن بها في هذا البحث، من قبل أنها لا تدخل في نحو ولاصرف، ولكني مضطر لذكر بعض النماذج المثبتة لذلك:

فمن عيوب الشعر قول الناظم - في باب "إنَّ"وأخواتها -:

وتصحبُ الواسطَ معمولَ الخبرْ

والفَصْلَ واسماً حلَّ قبله الخبرْ

حيث تكرَّر لفظ القافية ومعناها واحد، وهو من عيوب القافية، المسمى

بـ"الإيطاء"، كما قال امرؤ القيس في قافية:

سرحةُ مرقبِ

فوق مرقبِ

وذلك قوله:

على الأيْنِ جيَّاشٍ كأنَّ سراتَه

على الضُّمرِ والتعداءِ سرحةُ مَرقَبِ

له أيْطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ

وصَهوةُ عَيْرٍ قائمٍ فوقَ مَرْقَبِ

وإذا اتفقت الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن إيطاءً.

ومنه ما جاء في باب "الضمير"حين كان يتحدث عن نون الوقاية فقال:

وليتني فشا وليتي ندرا

ومع لعلَّ اعكس وكن مخيّرا

في الباقيات واضطراراً خَفَّفا

منيِّ وعنيِّ بعضُ من قد سلفا

فقوله: "في الباقيات"متعلق بـ"مخيرا"، واتصال آخر الكلمة من البيت بأول كلمة من البيت الذي بعده يُسمَّى تضميناً، وهو قبيح في الشعر.

ومثله قوله في باب "الإبدال":

والواوُ لاماً بعد فتح يا انقلبْ

كالمعطيانِ يُرْضَيانِ.ووجبْ

إبدالُ واوٍ بعد ضمٍ من ألفْ

ويا كموقن بذا لها اعتُرفْ (1)

وإنما سُمي هذا بالتضمين، لأنك ضمَّنت البيت الثاني معنى الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، كقول النابغة الذبياني:

وهُمْ وردوا الجفارَ على تميمٍ

وهم أصحابُ يومِ عكاظ إنِّي

شهدتُ لهم مواطنَ صالحاتٍ

وثقت لهم بحسن الظن مني (2)

وكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدةً من القافية كان أسهل عيباً.

(1) الألفية ص68.

(2)

الديوان 123.

ص: 158

ومن التجوّز في الألفاظ ما يلي:

1 -

قال في باب "الابتداء ":

وبعد "لولا "غالباً حذفُ الخبرْ

حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ

فجمع بهذا بين متباينين هما قوله: "حتم" و"غالباً"، فأشكل الجمع بينهما من قبل أن حتمية الحذف تقتضي عدم الانفكاك، وغالبيته تقتضي خلاف ذلك.

2 -

تجوَّز الناظم في تسمية ما بعد "بل ولكن "معطوفاً إذ قال في باب "كان وأخواتها":

ورفعَ معطوفٍ بلكنْ أو ببلْ

من بعد منصوبٍ بما الزم حيثُ حلْ (1)

وفي الواقع أن ما بعدهما غير معطوف، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف. فإذا قيل: ما زيدٌ قائماً بل قاعدٌ، وما عمرو منطلقاً لكن مقيمٌ، فإن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو مقيم. و"بل"، و"لكن"حرفا ابتداء.

3 -

قال في باب "إن وأخواتها":

وإنْ تُخفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ

والخبرَ اجعلْ جملةً من بعد أنْ (2)

فتجوَّز في قوله: "استكن"، لأن الضمير المنصوب لا يستكن، كما أن الحرف لا يُستكن فيه الضمير، وإنما هو محذوف لامستكن. قاله بدر الدين المرادي (749هـ) .

4 -

قال في باب "الاشتغال ":

وبعد عاطفٍ بلا فصل على

معمول فعل مستقر أوّلا

فتجوَّز في قوله: "على معمول فعل"، لأن العطف حقيقة إنما هو على الجملة الفعلية.

يعني أن الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعد عاطف تقدمته جملة فعلية ولم يُفصل بين العاطف والاسم اختير نصبه نحو: قام زيدٌ وعمراً أكرمتُه، وذلك طلباً للمناسبة بين الجملتين، لأن مَنْ نَصَبَ فقد عطف فعلية على فعلية، ومن رفع فقد عطف اسمية على فعلية، وتناسب المتعاطفين أولى من تخالفهما.

5 -

وقال في باب "إعراب الفعل":

وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطفْ

تنصبُهُ "أنْ "ثابتاً أو منحذفْ (3)

فجعل الفعل هو المعطوف، والمعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر، أي المؤول من "أنْ"والفعل، كما في قول الشاعرة:

ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني

أحبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوفِ

(1) الألفية ص18.

(2)

الألفية ص20.

(3)

الألفية ص52.

ص: 159

فالواو في "وتقر"واو العطف، و"تقر"فعل مضارع منصوب بـ"أنْ"مضمرة جوازاً بعد الواو العاطفة على اسم صريح، أي خالص من التأويل بالفعل.

6 -

وقال في باب "جمع التكسير":

في نحو رامٍ ذو اطِّرادٍ فُعَلَهْ

وشاع نحوُ: كاملٍ وكَمَلَهْ

ومقصوده أن من أمثلة جمع الكثرة "فُعَلَة" وهو مطرد في كل وصف على "فاعل"معتل اللام لمذكر عاقل نحو: رامٍ ورُماة وقاضٍ وقُضاة.

ومنها كذلك "فَعَلَة"وهو مطرد في كل وصف على "فاعل" صحيح اللام لمذكر عاقل نحو: كاملٍ وكَمَلَة وكاتبٍ وكتَبَة.

فالاطراد كائن في الوصفين إلا أن الناظم استعمل مع الأول الاطراد واستعمل مع الثاني الشِّياع والشياع لا يلزم منه الاطراد مع أنه مطرد نحو: ساحر وسَحَرة وبارٍّ وبَرَرَة. ولذلك فإنه لو قال:

في نحو رامٍ ذو اطراد فُعَلَهْ

كذاك نحو: كامل وكَمَلَهْ

لكان أنصّ، لأن الشياع لا يقتضي بالضرورة الاطراد مع أنه مطرد كما تبين.

7 -

ولعله يدخل فيما نحن فيه ما يرد في بعض عبارات الألفية من قصور، كقوله في باب "لا النافية للجنس":

وركب المفرد فاتحاً كلا

حولَ ولا قوة

... (1)

قال المرادي: "وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحاً"، بل الصواب: على ما ينصب به

، ولو قال وركب المفرد كالنصب لأجاد".

والقصور الذي أشار إليه المرادي حاصل من عدم شمول عبارة الناظم المثنى وجمع المذكر السالم، لأنهما يُبنيان على الياء، وكذا جمع المؤنث السالم لبنائه على الكسر.

كذلك لم أُعْن بما يحتمل وجهين أحدهما ضرورة، فإذا حُمل على الآخر لم يعد كذلك، كقوله في باب "الابتداء":

وبعد "لولا "غالباً حذفُ الخبرْ

حتمٌ، وفي نصِّ يمينٍ ذا استقرْ

(1) الألفية ص21.

ص: 160

فقوله: "استقر"في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله: "ذا"، وإظهار "استقرَّ"هنا للضرورة (1)، كما في قول الشاعر:

لكَ العِزُّ إنْ مولاك عزَّ وإن يَهُنْ

فأنت لدى بحبوحةِ الهونِ كائنُ (2)

لكونه كوناً مطلقاً.

ويمكن حمل بيت الألفية على وجه آخرَ هو أن يراد بالاستقرار الثبوت، وكذا يحمل الكون في قول الشاعر على الثبوت وعدم التزلزل والانفكاك فيصير كوناً خاصاً ويخرج من بيت الضرورة، لأنه حينئذٍ يجوز ذكره، وحذفه.

ونظير هذا ما قاله أبو البقاء العكبري وغيره في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} (3) : إن الاستقرار في الآية معناه الثبوت، وعدم التحرك، لا مطلق الوجود والحصول، فهو كون خاص.

وقال في باب "لا النافية للجنس":

ومفرداً نعتاً لمبنيٍّ يلي

فافتح أوِ انصبَنْ أو ارفع تَعْدِلِِ (4)

فإن قوله: "ومفرداً نعتاً"مفعول مقدم لقوله: "افتح أو انصب أو ارفع"من باب التنازع مع تأخر العوامل. وقد قدَّم "مفرداً"على "نعتاً"وحقه التأخير، لأنه وصف له لأجل الضرورة.

ويجوز نصبه - أعني "مفرداً"- على الحالية، لأنه وصفٌ لنكرة تقدم عليها. وعليه فلا ضرورة في البيت.

وقال في باب "المفعول معه":

والنصبُ إنْ لم يجزِ العطفُ يجب

(1) الأصل عند الجمهور أن الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً أن يكون كل منهما متعلقاً بكون عام واجب الحذف، فإن كان متعلقهما كوناً خاصاً وجب ذكره إلاّ أن تقوم قرينة تدل عليه إذا حذف، فيجوز ذكره وحذفه. انظر: شرح ابن عقيل 1/250، الهمع 2/40.

(2)

من " الطويل ".بحبوحة كل شيء: وسطه. والهون: الذل والهوان.

والشاهد فيه: التصريح بالخبر "كائن "الذي تعلق به الظرف "لدى "وهو شاذ، والقياس حذفه.

والبيت في: المغني 582، شرح ابن عقيل 1/211، المقاصد النحوية 1/544، الهمع 2/22، 5/135، شرح شواهد المغني 2/847، الدرر 2/18، 5/313.

(3)

من الآية 40 من سورة النمل.

(4)

الألفية ص21.

ص: 161

أو اعتقد إضمارَ عاملٍ تُصِبْ (1)

أعرب المكودي قوله: "اعتقد"معطوفاً على "يجب"، وجاز عطف الفعل "اعتقد"- مع كونه طلباً - على الفعل "يجب"مع كونه خبراً، لأن يجب في معنى أوجب.

وألزمه الأزهري حذف الجواب مع كون الشرط مضارعاً، ووقوع ما هو بمعنى الطلب خبراً، والأول ممتنع إلا في الضرورة، والآخر خلاف الأكثر.

قال: ولو جعل "يجب"جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ لسلم من هذا. وعطفُ الإنشاء على الأخبار أجازه الصفار (63هـ) وجماعة، ومنعه ابن مالك في شرح التسهيل تبعاً للبيانيين.

وقال في باب "جمع التكسير":

وزائدَ العادي الرباعي احذفْهُ ما

لم يكُ ليناً إثرَهُ اللَّذ خَتَما (2)

فقوله: "اللَّذْ"لغة في "الذي" وهو مبتدأ مؤخر، وجملة "ختما"إمّا أن يكون الفعل فيها مبنياً للمفعول فتكون الجملة صلة المصول، والعائد محذوف مجرور بالباء - وإن لم تتوافر شروط الحذف - للضرورة، والتقدير: خُتم به.

وإما أن يكون الفعل مبنياً للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر راجع إلى الحرف الذي ختم الكلمة وعلى هذا لا إشكال ولا ضرورة.

قال المكودي - معرباً على البناء للفاعل -: "ومفعول "ختَم"محذوف، والتقدير: ما لم يكن الزائد ليناً الذي ختم الكلمة بعده".

أما التجاوزات الإعرابية فهي محل التطبيق في هذا البحث. ولست أزعم أني استقصيت جميع الضرائر التي لجأ إليها الناظم في منظومته ولكن حسبي أني اجتهدت في حصرها أو حصر معظمها على أقل تقدير.

وحاولت قدر الإمكان تقديم هذه الضرائر مراعياً باب المسألة النحوية محل الدراسة، دون النظر إلى ترتيب البيت في الألفية، إذ لو راعيتُ ذلك لترتب عليه فصلٌ بين الضرائر المتشابهة، من قبل أن الضرورة الواحدة قد ترد في أكثر من موضع من الألفية.

ثم إن مراعاة ترتيب أبيات الألفية لا ينبني عليه كبير فائدة.

وبعد:

فدونك هذه الضرائر أو التجاوزات التي وقعت للناظم في ألفيته:

(1) الألفية ص28.

(2)

الألفية ص60.

ص: 162

خبر "كان"إذا كان ضميراً بين الاتصال، والانفصال:

إذا كان خبر "كان"ضميراً فإنه يجوز اتصاله، وانفصاله عند عامة النحويين، ولكن اختُلف في المختار منهما، حيث اختار سيبويه الانفصال نحو: كان زيد إياك وكنتُ إياك.

قال عمر بن أبي ربيعة:

لئن كان إياهُ لقد حال بعدنا

عن العهد والإنسانُ قد يتغيَّرُ (1)

كما اختاره - أيضاً - ابنُ يعيش (643هـ) وابن عصفور:

وإنما كان المختار الانفصال، لأنه في الأصل خبر المبتدأ، فكما أن خبر المبتدأ منفصل من المبتدأ فكذلك هو في هذا الباب.

وذهب الرماني (384هـ) وأبو الحسين بن الطراوة (528هـ) إلى أن الاتصال هو الأفصح والمختار. ووافقهما ابن مالك وابنه بدر الدين (686هـ) .

قال ابن مالك:

وصِل أو افصل هاءَ سلنيهِ وما

أشبهه، في كنتُه الخلفُ انتمى

كذاك خلتنيه، واتصالا

أختارُ. غيري اختار الانفصالا (2)

وجاء موجبُ هذا الاختيار عند ابن مالك مُوضَّحاً في شرح الكافية الشافية حيث قال في نحو: "الصديق كنته":

"حقُّ هذا أن يمتنع انفصاله لشبهه بهاء "ضربته" ولكنه نُقل فقُبل، وبقي الاتصال راجحاً لوجهين:

أحدهما: الشبه بما يجب اتصاله، وإذا لم يساوه في الوجوب فلا أقل من الترجيح.

الثاني: أن الانفصال لم يرد إلَاّ في الشعر، والاتصال وارد في أفصح النثر كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في ابن صياد:"إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلَاّ يكنه فلا خير لك في قتله"(3)، وكقول بعض فصحاء العرب:"عليه رجلاً ليسني".

(1) من " الطويل ".

قوله: "حالَ "أي تغيَّر وتحولت حاله عما كنا نعلمه فيه. "العهد ": المعرفة.

والبيت في: الديوان 121، شرح المفصل 3/107، أوضح المسالك 1/102، المقاصد النحوية 1/314، التصريح 1/108، شرح الأشموني 1/119، الخزانة 5/312، 313.

(2)

الألفية ص12.

(3)

انظر: صحيح البخاري (جنائز) 110، (جهاد) 253، صحيح مسلم (فتن)85.

ص: 163

ومع اختيار الناظم للاتصال -كما سبق- فقد عدل عنه لضرورة الشعر إلى الانفصال.

قال في باب "الابتداء"- وهو يتحدث عن الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ إذا كانت هي المبتدأ في المعنى -:

وإنْ تكنْ إياه معنًى اكتفى

بها كنطقي الله حسبي وكفى (1)

الإظهار في موضع الإضمار:

قال ابن مالك في باب "إنَّ"وأخواتها:

وإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسمها استكنْ

والخبرَ اجعل جملةً من بعدِ أنْ (2)

ففي البيت الثاني إظهارٌ في موضع الإضمار للضرورة. والقياس: من بعدها.

فإن بعض النحويين يرى أن الاسم إذا احتيج إلى ذكره ثانيةً في جملة واحدة كان الاختيار أن يذكر ضميره كقولك: "زيدٌ أكرمته"، فلو أعدت لفظه بعينه موضع ضميره فقلت:"زيدٌ أكرمتُ زيداً"كان ضعيفاً ووجه الكلام على خلافه.

وإنما كان اختيار الضمير دون الاسم الظاهر، لأنه أخف، وأبعد عن الشبهة واللبس.

فإذا أعيد ذكر الاسم الظاهر في جملة أخرى جاز وحسن نحو: مررتُ بزيدٍ وزيدٌ رجلٌ فاضلٌ.

قال سيبويه: "وتقول: "ما زيدٌ ذاهباً ولا محسنٌ زيدٌ"الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقاً زيدٌ لم يكن حدَّ الكلام، وكان هاهنا ضعيفاً، ولم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقاً هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره، ألا ترى أنك لو قلت: ما زيدٌ منطلقاً أبو زيد لم يكن كقولك: ما زيد منطلقاً أبوه، لأنك قد استغنيت عن الإظهار. فلما كان كذلك أجرى مجرى الأجنبي، واستؤنف على حاله حيث كان هذا ضعيفاً، وقد يجوز أن تنصب. قال الشاعر، وهو سوادة بن عدي:

لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ

نغَّصَ الموتُ ذا الغنى والفقيرا (3)

فأعاد الإظهار".

(1) الألفية ص16.

(2)

المصدر السابق ص20.

(3)

البيت من "الخفيف ". ومعناه ظاهر.

انظره في: ديوان عدي بن زيد 65، الخصائص 3/53، ما يجوز للشاعر في الضرورة 96، تحصيل عين الذهب 86، الاقتضاب 368، الخزانة 1/379، شرح أبيات المغني 7/77.

ص: 164

وكان الوجه أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء، ولكنه أظهر الضمير.

فسيبويه يختار - عند إعادة الاسم الظاهر – الرفعَ، لأن العرب لا تعيد لفظ الظاهر إلاّ أن تكون الجملة الأولى غير الثانية، فتكون الثانية ابتدائيةً كقولك: زيدٌ أكرمته وزيدٌ أحببته، إذ إنه بالإمكان الوقف على الجملة الأولى ثم الابتداء بالأخرى بعد ذكر رجل غير زيد. فلو قيل: زيد أكرمته وهو أحببته لجاز أن يُتوهم الضميرُ لغير زيد. فإذا أُعيد باسمه الظاهر انتفى التوهم. أما مع إعادته مضمراً في الجملة الواحدة نحو: زيد أكرمته فإنه لا يتوهم عود الضمير لغيره، إذ لا تقول، زيدٌ أكرمت عمراً.

ونصَّ بعضهم كأبي عبد الله القيرواني صاحب ضرائر الشعر، ومكي ابن أبي طالب (437هـ) ، والأعلم على أنه لا يجوز الإظهار في موضع الإضمار إلا في الشعر، كقول الفرزدق:

لعمرك ما معنٌ بتاركِ حقِّهِ

ولا منسىءٌ معنٌ ولا متيسِّرُ

فـ "معن"الثاني هو "معن"الأول. وكان القياس أن يأتي بضميره فيقول: ولا منسىء ولا متيسر.

ويرى قوم أنه يجوز ي الشعر وغيره. قال مكي: وفيه نظر.

ويرىآخرون أنه لا يجوز مطلقاً لا في ضرورة ولا في اختيار. واستثنوا من ذلك ما إذا كان اسماً للجنس، أو أريد به تفخيم الأمر وتعظيمه فإن في ذلك فائدة كقوله عز وجل:{الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ} (1) ، و {القارِعَةُ ما القارِعَةُ} (2)، فلولا ما أُريد به من معنى التعظيم والتفخيم لقيل - والله أعلم-: الحاقةُ ما هي، والقارعةُ ما هي.

وكقوله سبحانه: {إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها وأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَها} (3) فأعاد الظاهر ولم يضمره. ومنه قول الشاعر:

لا أرى الموتَ يسبقَُ الموتَ شيىءٌ

لأن الموت اسم جنس بمنزلة الأرض، فإذا أُعيد مظهراً لم يُتوهم أنه اسم لشيء آخر كما يتوهم في زيد ونحوه من الأسماء المشتركة.

(1) الآيتان 1، 2 من سورة الحاقة.

(2)

الآيتان 1، 2 من سورة القارعة.

(3)

الآيتان 1، 2 من سورة الزلزلة.

ص: 165

والراجح أن الإظهار في موضع الإضمار لا يجوز إذا كان ذلك في جملة واحدة نحو: زيدٌ أكرمت زيداً، إلا في الضرورة، لكون الإضمار أخفَّ وأبعد عن الشبهة واللبس.

فإذا أعيد في جملة أخرى، أو قصد به التفخيم، والتعظيم حَسُن.

حذف العائد المجرور مع اختلاف متعلق الجارين:

من المعلوم أنه يجوز حذف العائد المجرور بحرف جرٍّ إنْ جَرَّ الموصولَ حرف مثله مع اتفاق متعلقي الحرفين لفظاً ومعنى، أو المضاف إلى الموصول، أو الموصوف بالموصول نحو: مررت بالذي مررت به، أو بغلام الذي مررت به، أو بالرجل الذي مررت به، فيجوز حذف "به"هاهنا.

قال ابن مالك:

كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّْ

كمُرَّ بالذي مررتُ فهو بَرّْ (1)

ومن ذلك قوله تعالى: {مَا هَذا إلَاّ بَشَرٌ مِثْلُكُم يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} (2) .

فالموصول وهو "ما"مجرور بـ"مِنْ" التبعيضية، وهي متعلقة بقوله:"يشرب"قبلها، والعائد المحذوف مجرور بـ"مِنْ"التبعيضية وهي متعلقة بقوله "تشربون"، والتقدير: ويشرب من الذي تشربون منه. فاتفق الحرفان لفظاً ومعنى ومتعلقاً.

فالعائد المجرور يجوز حذفه عند الجمهور بشروط ثلاثة:

الأول: أن ينجرّ الموصول بمثل الحرف الجار للعائد لفظاً، فإذا اختلفا لفظاً لم يجز الحذف نحو: حللت في الذي حللت به.

الثاني: أن يتفق الحرفان معنى، فإذا اختلفا لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به، مريداً بإحدى البائين السببية، والأخرى الإلصاق.

الثالث: أن يتفقا متعلقاً، فلو اختلف المتعلق لم يجز الحذف نحو: سررت بالذي مررت به.

(1) الألفية ص15.

(2)

من الآية 33 من سورة المؤمنون.

ص: 166

قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "وإن جُرَّ العائد بحرف وجُرَّ الموصول بمثله لفظاً ومعنىً جاز حذف العائد نحو: مررتُ بالذي مررت. ومنه قوله تعالى: {وَيَشْرَبُ مِمَّا تّشْرَبُونَ} (1) أي: مما تشربون منه

وكذلك يجوز حذف العائد المجرور بحرفٍ جُرَّ بمثله موصوف بالموصول أو عائد عليه بعد الصلة.

فإذا خلا العائد المجرور مما شُرط لم يجز حذفه عند الجمهور إلا ضرورة أو شذوذاً.

كقول الشاعر:

وإنَّ لساني شُهدةٌ يُشتفى بها

وهُوَّ على من صبَّه الله علقمُ

أراد: من صبه الله عليه، فحذف العائد المجرور بـ"على"مع اختلاف المتعلق. والمتعلقان هما:"صَبَّ"و"علقم".

فـ"على"المحذوفة متعلقة بـ"صبَّه"والمذكورة متعلقة بـ"علقم"لتأوله بصعب أو شاق أو شديد، فاختلف متعلقا جارِّ الموصول وجارِّ العائد.

وابن مالك لا يتفق مع الجمهور في عدِّ مثل هذا ضرورةً أو نادراً، بل يعدُّه قليلا.

ولعله لما كان عنده كذلك - أي قليل وليس شاذاً أو ضرورةً كما يقول الجمهور - وقع له شئ من ذلك في الألفية، حيث قال في باب "الندبة":

ويُندبُ الموصولُ بالذي اشتَهَرْ

كـ"بئرَ زمزمٍ"يلي وامَنْ حَفَرْ

فقوله: "اشتهر"صلة "الذي" والعائد ضمير محذوف مجرور بحرف جُرَّ الموصولُ بمثله غير أن متعلقي الجارين مختلفان، والتقدير: ويُندب الموصول بالوصف الذي اشتهر به.

وقال في باب "تثنية المقصور والممدود وجمعهما جمعاً تصحيحاً":

والسالمَ العينِ الثلاثي اسماً أنِلْ

إتباعَ عينٍ فاءه بما شُكلْ

فجملة "شُكل"لا محل لها صلة الموصول المجرور محلاً بالباء، والعائد ضمير محذوف مجرور بباء أخرى.

ومتى اختلف متعلق الجارين: "الذي جَرَّ الموصول والذي جر العائد فالحذف شاذ أو ضرورة عند الجمهور. وجائز بقلة عند ابن مالك كما تقدم.

وما ذهب إليه ابن مالك هو الراجح عندي. فهو قليل لا ممتنع.

(1) من الآية 33 من سورة المؤمنون.

ص: 167

وقد أورد ابن مالك جملة من الشواهد على ذلك غير البيت المستشهد به هاهنا تدل على أن المسألة ليست شاذة أو ضرورة، بل ليست نادرة.

تقديم معمول الصلة على الموصول:

قال ابن مالك في باب "إن"وأخواتها:

ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفيا

ولا من الأفعال ما كرضيا (1)

قال الأزهري: "كرضيا: في موضع صلة "ما"الثانية، والألف للإطلاق، وتقدير البيت: ولا يلي الخبر الذي قد نفي ولا الخبرُ الذي كرضي حال كونه من الأفعال هذه اللامَ. ففيه تقديم معمول الصلة على الموصول وذلك جائز في الشعر".

قلت: اختلف النحاة في تقديم معمول الصلة على الموصول. فجمهور البصريين على منع تقديم شئ من الصلة على الموصول مطلقاً، سواء كان الموصول اسماً أو حرفاً. فإن جاء ما ظاهره كذلك أوَّلوه.

وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك مطلقاً.

وأجاز بعض البصريين تقدم المتعلق بالصلة على الموصول إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً مطلقاً وجعله متعلقاً بالصلة نفسها، لأن العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرها من الفضلات، لكثرة دورانهما في الكلام.

وذهب ابن الحاجب (646هـ) إلى جواز تقديم معمول الصلة على الموصول مع "أل"خاصة، كقوله تعالى:{وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدينَ} (2) ، ومنعه فيما عدا ذلك.

وهو قريبٌ من رأي ابن مالك في شرح التسهيل إلَاّ أنَّ ابن مالك جعل التقدم مع "أل"مطرداً إذا كانت مجرورة بـ"مِنْ"التبعيضية كالآية السابقة، ومَنَعَ التقدم في غير "أل" مطلقاً، ومعها إذا لم تجرَّ بـ"من".

أما في شرح الكافية الشافية فقد قال: "لا تتقدم الصلة ولا شئ يتعلق

بها

فإن كان الموصولُ الألفَ واللام أو حرفاً مصدرياً لم يجز تقديم المعمول، لأن امتزاج الألف واللام والحرف المصدري بالعامل آكد من امتزاج غيرهما به" فلم يستثنِ ما إذا كانت "أل"مجرورة بـ"مِن"أو لا.

وعلى هذا فإن قوله:

ولا من الأفعال ما كرضيا

(1) الألفية ص 20.

(2)

من الآية 20 من سورة يوسف.

ص: 168

جائز عند بعض البصريين لكون المعمول جاراً ومجروراً، وجائز عند الكوفيين دون النظر إلى هيئة المعمول.

أما عند جمهور البصريين وابن الحاجب وابن مالك فلا يجوز إلا في الضرورة.

تقديم معمول خبر "ليس"عليها:

اختلف في خبر "ليس": أيجوز تقدمه عليها أم لا؟ فذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز، لأن "ليس"فعل جامد فلا يجري مجرى المتصرف كما أجريت "كان"مجراه، لأنها متصرفة.

ولأنها في معنى "ما"في نفي الحال، وكما أن "ما"لا تتصرف ولا يتقدم معمولها عليها فكذلك "ليس".

وممن منع تقديم الخبر أبو سعيد السيرافي، والأنباري (577هـ) ، كما نُسب المنع إلى أبي العباس المبرد.

وذهب جمهور البصريين إلى جواز تقدمه. وكذا من المتأخرين أبو علي الفارسي (377هـ) وابن جني، وابن بَرْهان (456هـ) وعبد القاهر الجرجاني (471هـ) والزمحشري، وأبو البقاء العكبري (616هـ) وابن عصفور.

ومما احتج به أصحابُ هذا الرأي قوله تعالى: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْروفاً عَنْهُمْ} (1)، فقالوا: إن "يوم"معمول "مصروفاً"وتقديم المعمول يؤذن بتقدم العامل.

أما ابن مالك فرأيه رأي الفريق الأول القائل بمنع تقديم خبر "ليس"عليها (2)، وقال: لنا في الآية ثلاثة أجوبة:

أحدها: أن "يوم"مرفوع بالابتداء، وإنما بني على الفتح لإضافته إلى الجملة وذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي.

الثاني: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو: أمَّا زيداً فاضرب، فإنه لا يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أمَّا" تقديم الفعل.

الثالث: أن يكون "يوم"منصوباً بفعل مضمر، لأن قبله:{ما يَحْبِسُهُ} ، فـ {يَوْمَ يَأْتيهمْ} جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم و {لَيْسَ مَصْرُوفاً} جملة حالية مؤكدة أوِّ مستأنفة.

(1) من الآية 8 من سورة هود.

(2)

انظر: شرح التسهيل 1/351، شرح عمدة الحافظ 112.

ص: 169

إذاً: فإن ابن مالك يرى أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس"عليها ولا معمول الخبر كما هو ظاهر كلامه وتخريجه للآية.

ومع هذا فقد جاء في ألفيته ما يخالف هذا، حيث قال في باب "الوقف":

والنقلُ إنْ يُعدم نظيرٌ ممتنعْ

وذاك في المهموز ليس يمتنعْ

فإن "ذاك"مبتدأ و"في المهموز" جار ومجرور متعلق بقوله: "يمتنع"،

و"ليس"فعل ماض واسمها ضمير مستتر فيها، وجملة "يمتنع"خبرها. والجملة من "ليس"واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة "ذاك"، والتقدير: وذاك النقل ليس يمتنع في المهموز، فقدم معمول خبر "ليس"عليها وهو ممتنع عند الجمهور. - ومنهم ابن مالك - كما تقدم - وهذا ضرورة.

قال الأزهري (905هـ) :

"إلا أن يقال بجوازه في الظروف على حَدِّ قوله تعالى: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} (1) ".

الفصل بين العامل، والمعمول بالأجنبي:

قال ابن مالك في "فصل: الأحرف المشبهة بـ"ليس":

وسبقَ حرفِ جَرٍّ او ظرفٍ كما

بي أنت معنياً أجاز العلما

تقدير البيت: أجاز العلماء سبق حرف جر ومجروره أو ظرف معمول

"ما"حال كونهما متعلقين بخبر "ما"نحو: ما بي أنت معنياً، والأصل: ما أنت معنياً بي. وقد فصل بين "سبق"وعامله "أجاز" بالمثال وهو أجنبي منه. وهذا مختص بالضرورة الشعرية. قاله الأزهري.

وجمهور النحاة - العالمون بما يتكلم به العرب - لا يجيزون الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي إلَاّ في حال الضرورة كقول الفرزدق:

وإني لأطوي الكشحَ منْ دونِ مَنْ طوى

وأقطع بالخرقَ الهبوعِ المُراجمِ

أراد: وأقطع الخرقَ بالهبوعِ، ففصل بين الجار ومجروره بالمفعول وهو قوله: الخرق.

ومثل ذلك - بل أقبح منه - قول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكاً

أبو أمه حيٌّ أبوه يقاربه

فحق الكلام وما ينبغي أن يكون عليه اللفظ: "وما مثله في الناس حيٌّ يقاربه إلَاّ أبو أمه أبوه".

(1) من الآية 8 من سورة هود.

ص: 170

ففرَّق بين المبتدأ وخبره بما ليس منه، من قبل أن قوله:"أبو أمه أبوه"مبتدأ في موضع نعت المملك، ففرَّق بينهما بقوله:"حيٌّ"و"حيٌّ"خبر "ما".

وعليه فإن بيت ابن مالك السالف الذكر يُحمل على الضرورة التي ألجأته إلى ذلك كما ألجأته في غير هذا الموضع من الألفية.

تقديم معمول الفعل المؤكد بالنون:

قال ابن مالك في باب "المعرب والمبني":

والرفعَ والنصبَ اجعلَنْ إعرابا

لاسمٍ وفعلٍ نحو: لن أهابا

أعرب بعضهم كلمة "الرفع"مفعولاً به مقدماً للفعل "اجعلن".

وهو معترض بأن الفعل المؤكد بالنون لا يتقدم معموله عليه.

وقد مشى الناظم على ذلك في عدة مواضع من الألفية، كقوله في باب "اسم الإشارة":

وبهنا أو ههنا أشر إلى

داني المكانِ وبِهِ الكافَ صلا (1)

وقوله في "باب التمييز":

والفاعلَ المعنى انصبن بأفعلا

مفضِّلاً كأنت أعلى منزلا

وقوله في باب "النائب عن الفاعل":

وثالثَ الذي بهمز الوصلِ

كالأول اجعلنَّه كاستُحلي

وقد حاول بعض المعربين التماس بعض التأويلات والتقديرات لتصحيح هذه المخالفة، كإعرابهم المعمول مفعولاً به لفعل محذوف يفسره الآتي المؤكد بالنون وهو "اجعلنْ"و "صلا"و "انصبن"و "اجعلنَّ"في الأبيات السابقة مع أن الفعل المؤكد بالنون لا يصلح أن يفسر عاملاً محذوفاً قبله، ولما في ذلك من تهافت بلاغي أيضاً.

وقيل: إذا كان المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً جاز تقديمه على عامله المؤكد بالنون دون غيرهما من المعمولات كقول ابن مالك:

كالأول اجعلنَّه كاستُحلي

بناءً على أنه يتوسع في شبه الجملة ما لا يتوسع في غيرها.

وهو غير بعيد لديَّ، غير أني أميل إلى عدم التعسف والتكلف، ويكفي القول بأن ضرورة النظم هي التي ألجأته إلى ارتكاب المخالفة كغيرها من الضرائر التي ارتكبها في الألفية والتي عرضت جزءاً منها، وسيأتي أمثلة لها أيضاً.

تقديم النائب عن الفاعل على الفعل:

قال ابن مالك في باب "أفعل التفضيل":

(1) الألفية ص 14.

ص: 171

وما بِهِ إلى تعجبٍ وُصِلْ

لمانعٍ به إلى التفضيل صِلْ

أعرب المكودي (807هـ)"ما"مبتدأ أو مفعولاً بفعل محذوف يفسره "صل "وهي موصولة، وصلتها: وصل به، و"به"متعلق بـ"وُصل".

فقوله: "و"به"الأول متعلق بـ"وُصل"فيه تقديم النائب عن الفاعل على مذهب الكوفيين. والبصريون يمنعونه.

ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال بأن يكون في "وُصِل"ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، والأصل: وما به وصل به، ثم حذفت الباء واستتر الضمير".

قلت: هذه المسألة مبنيَّةٌ على مسألة الخلاف في تقديم الفاعل على الفعل وهي المثبتة في كتب النحو من قبل أن أحكام نائب الفاعل هي أحكام الفاعل التي منها وجوب تأخره عن المسند على مذهب البصريين.

وذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقديم الفاعل مع بقاء فاعليته في سعة الكلام نحو: زيدٌ قام، تقديره: قام زيدٌ. وكذلك محمد قعد، وما أشبه ذلك.

ومما استدلوا به قول الزبَّاء:

ما للجمالِ مشيُها وئيدا

أجندلاً يحملنَ أم حديدا

قالوا: معناه وئيداً مشيها.

ووجه الاستدلال أن "مشيها"روي مرفوعاً. ولا يجوز أن يكون مبتدأ، إذ لا خبر له في اللفظ إلا "وئيدا"وهو منصوب على الحال، فوجب أن يكون فاعلاً بوئيدا مقدماً عليه.

وهو عند البصريين ضرورة، والضرورة تبيح تقديم الفاعل على الفعل.

كما خرَّجه كثير من النحويين على أن "مشيُها" مبتدأ، والخبر محذوف، كأنه قال: ما للجمال مشيها ظهر وئيداً، أو ثبت وئيداً. ويكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظيرَ قولهم:"حكمك مسمَّطا"" فـ"حكمك"مبتدأ حذف خبره لسدّ الحال مسدَّه، أي: حكمك لك مثبتاً.

كما خُرِّج على أن "مشيُها"بدل من الضمير في "للجمال"لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما".

ص: 172

والصحيح ما ذهب إليه جمهور النحويين - ومنهم ابن مالك - من أنه لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، لأننا إذا قلنا: زيدٌ ذهب فإن في "ذهب" ضميراً يُعرب فاعلاً، والفعل لا يرفع فاعلين في غير العطف نحو: ذهب زيدٌ وعمرو. ونحن إذا ما أظهرنا هذا الضمير بأن جعلنا في موضعه غيره تبيَّن ذلك كما في قولنا: زيدٌ ذهب أخوه.

كما نقول: رأيت زيداً ذهب، فيدخل على الابتداء ما يزيله ويبقى الضمير على حاله.

ولست أميل إلى أن قول الزباء من باب تقديم الفاعل على الفعل ضرورة، وذلك لتمكنها من النصب على المصدرية أو الجر على البدلية، كما يقول الأزهري.

وأقرب تأويل إلى نفسي أن يكون "مشيها" مبتدأ قد حذف خبره على نحو: "حكمك مسمطاً"كما تقدم.

قلبُ المعنى:

قال ابن مالك في باب "الابتداء":

كذا إذا ما الفعلُ كان الخبرا

أو قُصد استعمالُه منحصرا

قال الأزهري: "في هذا التركيب قلب

، لأن المحدث عنه الخبر، فكان حقه أن يقول:

كذا إذا ما الخبرُ كان الفعلا

وهو خاص بالشعر، وأصل التركيب: كذا إذا ما كان الخبر الفعل المسند إلى ضمير المبتدأ المفرد فامنع تقديمه على المبتدأ".

فإنه من المعلوم أن العرب بعامة مجمعون على رفع الفاعل ونصب المفعول إذا ذكر الفاعل، غير أنه قد ورد في الشعر شيء على جهة القلب، فصُيِّر المفعول فاعلاً والفاعل مفعولاً على التأويل.

كقول الأخطل:

مثل القنافذ هَّداجونَ قد بلغت

جرانَ أو بلغت سوءاتِهم هجرُ

أراد: بلغت نجرانَ سوءاتُهم أو هجرَ، وذلك وجه الكلام، لأن السوءات تنتقل من مكان فتبلغ مكاناً آخر، إلَاّ أنه قلب الفاعل فصار مفعولاً فجعل "هجر"كأنها هي البالغة وإنما هي المبلوغة في المعنى، لأن البلدان لا ينتقلن وإنما يُبلغنَ ولا يَبلغن (1) .

وأكثر ما يكون ذلك فيما لا يشكل معناه من الكلام ولم يدخله لبس كالبيت السابق.

(1) انظر: الأصول 3/464، ما يحتمل الشعر من الضرورة 210، شرح الأبيات المشكلة الإعراب 123.

ص: 173

وقد اختلف العلماء في قلب الإعراب، فمنهم من أجازه في الضرورة مطلقاً، على تأويلٍ هو أن يضمَّن العامل معنًى يصح به.

ومنهم من أجازه في الشعر وفي الكلام اتساعاً واتكالاً على فهم المعنى.

وقد حكى أبو زيدِ الأنصاري (215هـ) : إذا طلعت الجوزاء انتصب العودُ في الحِرباء. يريد: انتصب الحرباء في العود.

وحكى أبو الحسن: عرضتُ الناقةَ على الحوضِ، وعرضتها على الماء. يراد: عرضتُ الماءَ والحوض عليها.

ومن كلامهم: إنَّ فلانةَ لتنوءُ بها عجيزتُها. يراد: لتنوءُ هي بعجيزتها وكذلك قوله تعالى: {وَآتَينْاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة} (1) فقد احتمله قوم على مثل هذا، وقالوا: إن المفاتيح لا تنوء بالعصبة، بل العصبة تنوء بها وتحملها في ثقل.

وقيل: ليس الأمر كذلك بل الصواب أن الباء للنقل بمعنى الهمزة، فيكون معنى لتنوء بالعصبة: لتنوء العصبةُ. كما تقول: ذهب بزيدٍ وأذهبه، وكذلك: ناءَ به وأناءه.

ومثله قولهم: لتنوء بها عجيزتها.

وذهب ابن عصفور إلى أن القلب لا يجوز إلَاّ في الشعر، وأن ما جاء منه في الكلام قليلٌ لا يقاس عليه.

وأورد ابن السراج القلبَ فيما جاء كالشاذ الذي لا يقاس عليه.

والراجح لديَّ أنه يجوز في الشعر وفي سعة الكلام. لكنما المسألة تعود إلى القلة والكثرة، فيكثر القلب في الشعر ويقل في الكلام كما تقدم من الأمثلة التي حكاها أبوزيد وغيره، ولكن على شرط أن لا يشكل معناه.

وعليه فالذي يظهر لي أن قول ابن مالك:

كذا إذا ما الفعل كان الخبرا

لا بأس به، لكونه مما لا يلبس، ولوقوعه في الشعر الذي نصَّ العلماء على أن القلب فيه جائز.

تقديم المفعول له على عامله:

(1) من الآية 76 من سورة القصص.

ص: 174

الأصل في المفعول له أنه يجوز تقديمه على عامله نحو: مخافةَ شره جئته، لأن العامل متصرف في نفسه فيتصرف في معموله. هذا إن لم يكن هناك مانع يمنع من ذلك. فإن كان هكذا امتنع تقديم المفعول له إلا على جهة الضرورة الشعرية. وممَّن نصّ على جواز تقديمه أبو حيان، والمرادي، والسيوطي، سواء كان المفعول له منصوباً أو مجروراً.

وذهبت طائفة منها ثعلب إلى منع تقديم المفعول له على عامله. والسماع يرد عليهم، قال الشاعر:

فما جَزَعاً وربِّ الناس أبكي

ولا حرصاً على الدنيا اعتراني (1)

فإن "جزعاً"مفعول له مقدم على عامله وهو "أبكي".

وقد اضطر ابن مالك إلى تقديم المفعول له مع وجود المانع حين قال:

فاجرره باللام وليس يمتنعْ مع الشروطِ كلزُهْدٍ ذا قَنِعْ.

فإن "ذا"اسم إشارة في محل رفع على الابتداء، وجملة "قَنِع"خبره.

قال الأزهري: "وفيه تقديم المفعول له على عامله وما أظن أحداً يجيز مثل ذلك نثراً، لأن الخبر الفعلي لا يجوز تقديمه على المبتدأ فمعموله أولى. وقول بعض الشراح إن فيه إشعاراً بجواز تقديم المعمول له على عامله صحيح لكنه مشروطٌ بعدم المانع....والمانع هنا موجود كما ترى، وإنما يجوز ذلك أن لو قال: ذا لزهدٍ قنع. ولم أرَ أحداً تنبه لما قلناه في هذا المثال، بل حكموا فيه بالجواز مطلقاً، والظاهر وقفه على الضرورة".

قيل: وقد وقف على كلام الأزهري غير واحد وسلَّمه.

خروج "سوى"عن الظرفية:

ذهب سيبويه، وجمهور البصريين إلى أن "سوى" ظرف مكان ملازم للنصب على الظرفية لا يخرج عن ذلك إلَاّ في الشعر.

ومما احتج به هؤلاء الاستقراءُ، فإن العرب لم تستعمل "سوى"في اختيار الكلام إلا ظرفاً، وتُتأول في الموضع الذي وقعت فيه غير ظرف.

(1) البيت من "الوافر ".

قال الشنقيطي: نسبه أبو حيان لجحدر، فإن كان يريد جحدر بن مالك الحنفي فلم نجده في نونيته المشهورة إلا أن يكون سقط من الرواة. الدرر 3/80. وهو في الهمع 3/135 بلا نسبة.

ص: 175

واحتج سيبويه لهذا بعدم تصرفها، وعدم التصرف إنما يوجد في الظرف، وفي المصادر، وفي الأسماء المبهمة.

كما احتج البصريون لملازمة "سوى"النصب على الظرفيةِ بأنها صفة ظرف في الأصل، والأولى في صفات الظروف إذا حذفت موصوفاتها النصب.

وذهب الكوفيون إلى أن "سوى"ترد بالوجهين، فتكون اسماً كـ"غير"وتكون ظرفاً، فليس خروجها عن الظرفية، مقصوراً على الضرورة الشعرية.

وذهب الزجاجي (340هـ) وابن مالك إلى أن "سوى"كـ"غير"تصرفاً ومعنى، فيقال:"جاءني سواك"بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك" بالنصب على المفعولية، و"ما جاءني أحد سواك"بالنصب والرفع.

كما ذهب إلى هذا أيضاً ابن الناظم ورجحه ابن هشام.

وأورد ابن مالك في شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية طائفةً من الشواهد النثرية، والشعرية الدالة على تصرفها.

وذهب الرماني والعكبري إلى أن "سوى"تستعمل ظرفاً غالباً وكـ"غير"قليلاً، وإلى هذا ذهب المرادي وابن هشام، ورجحه الأشموني (1)(900هـ) .

وقد استعملها ابن مالك غير ظرف في باب "العلم"حيث قال:

واسماً أتى وكنيةً ولقبا

وأخرن ذا إن سواه صحبا (2)

فـ"سواه"مفعول به مقدم لـ"صحب".

كما استعملها غير ظرف في باب "اسم الإشارة" إذ قال:

وذانِ تانِ للمثنى المرتفع

وفي سواه ذَيْنِ تَيْنِ اذكر تَطع

حيث جرّ "سوى"، لأنها عنده متصرفة.

(1) انظر: شرح الأشموني 2/160.

(2)

الألفية ص 13.

ص: 176

تابع الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين

مجيء الحال من المبتدأ:

قال ابن مالك في باب "عطف النسق ":

فالعطفُ مطلقاً بواوٍ ثم

حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا

فقوله: "العطف"مبتدأ وخبره "بواو" وما بعده. و"مطلقاً"حال من العطف. قاله المكودي.

فقوله: "ومطلقاً حال من العطف"فيه إتيان الحال من المبتدأ وهو ضعيف.

وقيل: حال من الضمير المستتر في الخبر. وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم. على أن الأخفش، والناظم أجازاه قياساً.

قلت: ستأتي قريباً مسألة تقديم الحال على عاملها الظرفي. وسأناقش - هاهنا - مسألة إتيان الحال من المبتدأ. فأقول:

اختلف النحويون في مجئ الحال من المبتدأ؛ فظاهر كلام سيبويه أن صاحب الحال في نحو: "فيها قائماً رجلٌ"هو المبتدأ. وصححَّه ابن مالك.

وأكثر النحويين على منعه قائلين: إن صاحب الحال هو الضمير المستكن في الخبر بناءً على أنه لا يكون إلَاّ من الفاعل والمفعول.

قال ابن مالك:

"وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأن الحال خبرٌ في المعنى، فَجَعْلُه لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما".

(وزعم أبو الحسن بن خروف أن الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً لا ضمير فيه عند سيبويه، والفراء إلَاّ إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه. واستدل على ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد، وأن يعطف عليه، وأن يبدل منه كما فعل ذلك مع التأخر) .

وإذا قيل: "زيد راكباً صاحبك"لم يجز عند الجمهور إلَاّ على تقدير: إذا كان راكباً.

كما يظهر من كلام أبي القاسم الزجاجي في الجمل أن الابتداء يعمل في الحال؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال.

ومذهب أبي العباس المبرد، وتبعه ابن السراج أنه لا يعمل في الحال إلا فعل مجرد أو شيء في معنى الفعل كاسم الإشارة في قولك: هذا زيد قائماً؛ لأن المبتدأ هاهنا في معنى الفعل وهو التنبيه، كأنك قلت: انتبه له قائماً.

ص: 177

وإذا قلت: ذاك زيد قائماً صار كأنك قلت: أُشير لك إليه قائماً.

أما مذهب سيبويه: فإن الذي يظهر لي - كما ظهر لغيري من قبل - أن الحال تجئ من المبتدأ. فإنه قال في باب "ما ينتصب لأنه خبرٌ للمعروف المبني

":

(فأما المبني على الأسماء المبهمة فقولك: هذا عبد الله منطلقاً

، فـ"هذا"اسمٌ مبتدأ يُبنى عليه ما بعده وهو "عبد الله"، ولم يكن ليكون هذا كلاماً حتى يُبنى عليه أو يُبنى على ما قبله

والمعنى أنك تريد أن تعرِّفه عبد الله؛ لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقاً، فـ "منطلقاً "حال قد صار فيها عبد الله، وحال بين منطلق وهذا.

لكن الذي يبدو لي من هذا النصّ أن المذهب المتقدم عن المبرد وابن السراج موافق لمذهب سيبويه وهو أن الحال تجيء من المبتدأ إذا كان في معنى الفعل كأسماء الإشارة؛ لأن سيبويه قال: "فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا"

ومثَّل سيبويه - في موضع آخر من الكتاب - بـ"فيها عبد الله قائماً، وعبد الله فيها قائماً"ثم قال:

"قولك: "فيها"كقولك: استقرَّ عبد الله، ثم أردت أن تخبر على أية حال استقرَّ فقلت: قائماً، فـ "قائم"حال مُسْتَقَرٌّ فيها.

وإن شئت ألغيت "فيها" فقلت: فيها عبد الله قائمٌ

فإذا نصبت القائم فـ"فيها"قد حالت بين المبتدأ والقائم واستُغني بها، فعمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنياً عليه عَمَلَ: هذا زيد قائماً".

والراجح لديَّ أن المبتدأ يعمل في الحال إذا كان فيه معنى فعل كما قال سيبويه، وأبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج، وصححه ابن مالك.

وفي القرآن الكريم: {وَهَذا بَعْلي شَيْخاً} .

فالجمهور على نصب "شيخاً"وفيه وجهان أشهرهما أنه حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارة، والتنبيه أو أحدهما.

والآخر: أنه منصوب على التقريب عند الكوفيين.

مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ:

حق الحال أن تكون من المعرفة؛ لأنها خبر في المعنى، وصاحبها مخبر عنه، فأصله أن يكون معرفة.

ص: 178

وكما جاز أن يُبتدأ بنكرة بشرط حصول الفائدة وأمن اللبس كذلك يكون صاحب الحال نكرة بشرط وضوح المعنى، وأمن اللبس. ولا يكون ذلك في الأكثر إلا بمسوغ. قاله ابن مالك.

وأشهر ما ذكره النحويون من مسوغات تنكير صاحب الحال تخصيصُه بوصف أو بإضافة.

فمن الأول قول الحق تبارك وتعالى: {فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أمْراً مِنْ عِنْدِنا} .

ومن الثاني قوله: {في أَرْبَعَةِ أيَّامٍ سَواءً للسَّائِلِينَ} .

ومن مسوغات تنكيره كذلك: تقدم الحال عليه نحو: جاءني ضاحكاً رجلٌ.

أو اعتماده على نفي كقوله تعالى: {ومَا أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ} .

أو نهي كـ"لا تعتب على صديقٍ غائباً".

وقد اختلف النحاة في مجيء الحال من النكرة دون مسوغ من المسوغات السابقة؛ فذهب سيبويه إلى أن ذلك مقيسٌ لا يُوقف فيه على ما ورد به السماع، وإن كان الإتباع في إعرابه صفةً أقوى.

ووجه ماذهب إليه سيبويه أن الحال إنما يؤتى بها لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها.

وذهب ابن مالك إلى إن مجيء صاحب الحال نكرة خالية من المسوغات المذكورة جائز بقلة؛ لقوله في الألفية:

ولم يُنكَّرْ – غالباً - ذو الحال إنْ

لم يتأخر أو يُخصَّص أو يَبِنْ

من بعدِ نفيٍ أو مضاهيه كلا

يبغ امرؤٌ على امرىءٍ مستسهلاً

ولمَّا كان هذا مذهبه - في مجيء صاحب الحال نكرة - فقد جاء شيءٌ من ذلك في باب "الإبدال"إذ قال:

أحرفُ الإبدالِ هَدَأْتَ مُوطيا

فأبدلِ الهمزةَ من واوٍ ويا

آخراً اثر ألفٍ زِيد وفي

فاعِلِ ما أُعِلَّ عيناً ذا اقتُفي

قال الصبان (1206هـ) :

"وله: "آخراً"جعله حالاً من المتعاطفين قبله، وإن أحوج إفراده إلى تأويلها بالمذكور، وإلى ارتكاب الحال من النكرة بلا مسوغ، وهو نادر".

وذهب ابن هشام إلى ما ذهب إليه ابن مالك.

أما أبو حيان فقد اختار مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ كثيراً قياساً، وإن كان دون الإتباع في القوة.

ص: 179

ويرى ابن الشجري (542هـ) والإسفراييني (684هـ) أن مجيء الحال من النكرة دون مسوغ ضعيف.

وعدَّه ابن أبي الربيع ضعيفاً قبيحاً. وكذا عدَّه قبيحاً ابن القواس

(696هـ) فقال:

إن خلت النكرة من مسوغ فمجيء الحال منها قبيح؛ لإمكان الحمل على الصفة مع المخالفة في الإعراب.

وقال عنه السيوطي (911هـ) : نادر.

والصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه من صحة مجيء الحال من النكرة بلا مسوغ، وإن كان دون الإتباع في القوة؛ فقد ورد في كلام العرب شيئ من ذلك، كقولهم: فيها رجلٌ قائماً، وعليه مائةٌ عيناً.

وما حكاه يونس (182هـ) فيما سبق أن العرب تقول: مررت بماءٍ قعدةَ رجلٍ. ويُسِّهل ذلك أن الحال إنما يجاء بها لتقييد العامل، فلا ضرورة لاشتراط المسوغ في صاحبها.

تقديم الحال على عاملها غير المتصرف:

قال ابن مالك في باب "إعراب الفعل":

وبعدَ حتىَّ هكذا إضمارُ أنْ

حَتْمٌ كـ "جد حتى تَسُرَّ ذا حَزَنْ

فقوله: "إضمار": مبتدأ، و "حَتْمٌ" بمعنى واجب خبره، و"هكذا"في موضع الحال من "حتم"على أنه في الأصل نعت له قدم عليه فانتصب على الحال. والتقدير: إضمارُ أنْ بعد حتى هكذا فقدم الحال على عاملها، وهو غير متصرف، ولا شبيه به للضرورة.

قلت: مذهب جمهور النحويين أنه إذا كان العامل في الحال فعلاً متصرفاً نحو: أتيت مسرعاً، وزيد دعا مخلصاً فإنه يجوز تقديم الحال عليه. وكذلك إذا كان العامل صفةً تشبه الفعل المتصرف بأن كانت متضمنهً معنى الفعل، وحروفه، وقبول علاماته الفرعية من تأنيث، وتثنية، وجمع، فذا في قوة الفعل. ويستوي في ذلك اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة. نحو: راحل، ومقبول. فيجوز أن يقال: مسرعاً أتيت، وزيد مخلصاً دعا، وهو مسرعاً راحل، وأنت شاهداً مقبول.

قال ابن مالك:

والحالُ إن يُنصب بفعلٍ صُرِّفا

أو صفةٍ أشبهتِ المصرَّفا

فجائزٌ تقديمه كمسرعا

ذا راحلٌ، ومخلصاً زيدٌ دعا

ص: 180

فإذا كان العامل فعلاً غير متصرف كفعل التعجب لم يجز تقديمها عليه.

وكذلك لو كان العاملُ صفةً لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل، فإنه لا يجوز تقديم الحال عليه، نحو: زيد أحسنُ من عمرو ضاحكاً.

وجواز تقديم الحال على العامل المتصرف مشروط بعدم المانع كوقوعه

صلة "ال "نحو: أنت المصلي فذّاً، والجائي مسرعاً زيدٌ. فلا يقال: ال فذَّاً أنت مصلٍّ، ولا: ال مسرعاً جاءني زيدٌ. بخلاف صلة غيرها فيقال: من الذي خائفاً جاء؟

وكذلك لو كان العامل صلةً لحرفٍ مصدري عامل كـ"أن" أو إحدى أخواتها، نحو: يعجبني أن يقوم زيدٌ مسرعاً، فلا يجوز: يعجبني أنْ مسرعاً يقوم زيد.

أو كان مصدراً ينسبك بحرف مصدري، والفعل نحو: سرني ذهابك غداً غازياً، ولأجزينك بودك إياي مخلصاً.

وقد يكون العامل غير ما ذكر وعرض له مانع يمنع ما بعده أن يعمل فيما قبله؛ كأن يكون مقروناً بلام ابتداء نحو: لأصبر محتسباً، أو بلام قسم نحو: لأقومن طائعاً؛ فإن ما في حيِّز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما، إذ لا يقال: محتسباً لأصبر، ولا: طائعاً لأقومنَّ؛ لأن لام الابتداء ولام القسم من الأشياء التي لها الصدارة فلا يجوز أن يعمل ما بعدهما في شيءٍ قبلهما.

هذا هو مجمل قول جمهور النحويين في مسألة تقديم الحال على عاملها، ومنهم ابن مالك كما اتضح.

وعليه فإن تقديم الناظم للحال في النظم السابق يُعدُّ ضرورة؛ لأن العامل فيها وهو قوله "حتم"مصدر وليس بفعل متصرف ولا شبيه بالمتصرف.

تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف:

لايجوز عند أكثر النحويين تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، فلا يجوز عندهم أن يقال في "مررت بهندٍ جالسةً"مررت جالسةً بهند، قياساً على المجرور بالإضافة في امتناع تقدم حاله عليه.

وذهب ابن كيسان (320هـ) ، وأبو علي الفارسي، وابن برهان إلى جواز ذلك.

وتابعهم ابن مالك فقال في الألفية:

وسبقَ حالٍ ما بحرفٍ جُرَّ قد

أَبَوْا، ولا أمنعه فقد وردْ

ص: 181

وحجته في ذلك - بالإضافة إلى السماع - أن المجرور بحرف مفعولٌ به في المعنى، فلا يمتنع تقديم حاله عليه كما لا يُمنع تقديم المفعول به.

ومما جاء مسموعاً من أشعار العرب الموثوق بعربيتهم قول الشاعر:

لئن كانَ بردُ الماءِ هيمانَ صادياً

إليَّ حبيباً إنها لحبيبُ

فـ "هيمان"و "صاديا"حالان من الضمير المجرور بـ "إلى"وهو الياء.

وأشار في التسهيل، وشرحه إلى أن تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف ضعيفٌ على الأصح لا ممتنع.

ولما كان تقديم الحال على صاحبها بهذه الهيئة جائز عنده - وإن كان ممتنعاً عند غيره - استخدمه في باب "أفعل التفضيل"حيث قال:

وأفعلَ التفضيلِ صله أبدا

تقديراً او لفظاً بـ "مِنْ"إنْ جُرِّدا

فقوله: "تقديراً أو لفظاً"مصدران في موضع الحال من المجرور بعدهما. وعند المانعين منصوبان على إسقاط "في".

تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه:

للحال مع عاملها - إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً - ثلاث صور:

الأولى: أن تتأخر عن الجملة نحو: زيد في الدار قائماً وزيد عندك مقيماً. وهذه الصورة لا إشكال في جوازها، بل هي الأصل.

الثانية: أن تتوسط بين المخبر عنه والخبر. نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد مقيماً عندك - وستأتي قريباً -.

الثالثة: أن تتقدم الحال على الجملة نحو: قائماً زيدٌ في الدار، ومقيماً زيدٌ عندك. وهي ما أنا بصدد الحديث عنه الآن؛ حيث قال ابن مالك في آخر باب "أبنية المصادر":

في غيرِ ذي الثلاثِ بالتا المرّهْ

وشذَّ في هيئةٍ كالخِمْرهْ

فإن قوله: "في غير"جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدم على صاحبه وهو الضمير المستكن في خبر المبتدأ المقدم الذي هو قوله: "بالتا"و "المرَّه"مبتدأ مؤخر. والتقدير: والمرة كائنة بالتاء حال كونها كائنة في غير الفعل صاحب الأحرف الثلاثة، فقدم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه.

قال الأزهري: وهو نادر.

ص: 182

فهذه الصورة منعها جمهور النحاة، فلا يقال عندهم: قائماً زيدٌ في الدار، ولا قائماً في الدار زيدٌ؛ نظراً إلى ضعف الظروف في العمل.

على أن أبا بكر بن طاهر (580هـ) قد ذكَر أنه ليس ثمت خلاف في امتناع: قائماً زيدٌ في الدار، وتبعه ابن مالك.

ولكن الصحيح خلاف ذلك؛ فإن أبا الحسن الأخفش قد أجاز في قولهم:

"فداءً لك أبي وأمي"أن يكون "فداءً"حالاً، والعامل فيه "لك". وهو نظير: قائماً في الدار زيدٌ.

أما الصورة التي وعدت قريباً بذكرها فهي أن تتوسط الحال بين المخبر عنه، والخبر، وتلك لا تخلو من أن تكون متوسطة بين الخبر المقدم، والمبتدأ المؤخر نحو: عندك قائماً زيد، وفي الدار مقيماً عمرو. وهذه لا خلاف في جوازها.

أو تكون الحال بين المبتدأ والخبر في ترتيبها الأصلي، نحو: زيد قائماً عندك، وعمرو مقيماً في الدار.

ففي هذه الصورة خلاف بين النحويين على أربعة مذاهب. سأوردها باختصار، ولكني سأذكر قبل ذلك ما جاء في ألفية ابن مالك من هذا القبيل.

ففي باب "عطف النسق "قال:

فالعطف مطلقاً بواوٍ ثم فا

حتى أم أو كفيك صدقٌ ووفا

فقوله: "العطف": مبتدأ، وخبره قوله:"بواو"و "مطلقاً"حال من الضمير المستتر في الخبر، وجاء تقديم الحال على عاملها المضمن معنى الفعل دون حروفه؛ لأن ذلك مغتفر في النظم، على أن الأخفش والناظم أجازاه قياساً.

وفي باب "المقصور والممدود"قال:

والعادمُ النظير ذا قصر وذا

مدٍّ بنقلٍ كالحجا وكالحذا

فقوله: "العادم": مبتدأ، و "بنقل" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبره. و"ذا قصر وذا مد"حالان من الضمير المستكن في الخبر. وهذا من تقديم الحال على عاملها المعنوي.

والآن أُورد المذاهب الأربعة في هذه المسألة:

الأول: مذهب جمهور البصريين المتمثل في المنع مطلقاً. وما ورد من ذلك فمسموع يحفظ ولا يقاس عليه؛ نظراً لضعف العامل بعدم تصرفه.

الثاني: الجواز مطلقاً، وإليه ذهب الفراء، والأخفش، وصحَّحه ابن مالك مع التضعيف.

ص: 183

واستدل المجيزون بجملة من الشواهد، منها قراءة بعضهم:{وَقَالُوا ما فِي بُطُونِ هذِه الأنعامِ خالِصَةً لِذكُورِنا ومُحَرَّمٌ على أَزْواجِنا} (1)

بنصب "خالصةً "على الحال المتوسطة بين المخبر عنه وهو "ما "والمخبر به وهو "لذكورنا".

أما المانعون فقد ردُّوا ذلك وتأولوه.

فمن أقوالهم: إن ما ورد من هذا قليل لا يُحفظ منه إلا هذا، وما لا بال له لقلته لا ينبغي القياس عليه.

ومن تخريجاتهم للآية أن "خالصة "معمولة للجار والمجرور قبلها على أنها حال من الضمير المستتر في صلة "ما " فهو العامل في الحال. وتأنيث "خالصة "باعتبار معنى "ما "؛ لأنها واقعة على الأجنَّة.

المذهب الثالث: الجواز بقوة إن كان الحال ظرفاً أو جاراً ومجروراً وبضعف إن كان اسماً صريحاً، وهو مذهب ابن مالك في التسهيل وشرحه.

المذهب الرابع: الجواز إذا كانت الحال من مضمر مرفوع نحو: أنت قائماً في الدار، والمنع إن كانت من ظاهر، وهو مذهب الكوفيين، فأجازوا أن يُقال في:"أنت في الدار قائماً ": في الدار قائماً أنت، وأنت قائماً في الدار.

والذي أميل إليه: أنه يجوز وقوع الحال بين المبتدأ والخبر في نحو: زيد في الدار قائماً، وزيدٌ عندك مقيماً. فيقال: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد مقيماً عندك، وذلك لأمرين:

الأول: السماع. وله شواهد مبثوثة في كتب النحو وغيرها.

الثاني: أنه يتسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتسع في غيرهما.

تقديم الصفة على الموصوف:

وهو من الأشياء التي نصَّ النحاة على منعها.

وذهب بعضهم إلى أنه إذا تقدمت الصفة على الموصوف أُعربت - حينئذٍ - حسب موقعها وأُبدل منها الموصوف.

(1) هي قراءة ابن عباس بخلاف، والأعرج، وقتادة، وسفيان بن حسين، وابن جبير، والزهري.

(مختصر في شواذ القرآن 41، المحتسب 1/232، البحر المحيط 4/231) .

ص: 184

فإذا قيل - مثلاً -: مررت بالطويل عبد الله فإنه لا يجوز جعل الطويل صفةً لعبد الله، ولكن على إرادة: مررت بالرجل الطويل عبد الله، فحذف الموصوف وأبدل عبد الله من الصفة. قاله ابن الشجري، وحكم عليه بالقبح.

ومثل ابن مالك لتقديم النعت وجعل المنعوت بدلاً بقوله عز وجل:

{إلى صِراطِ العَزيزِ الحَمِيدِ اللهِ} .

أما في الألفية فقد ذكر بعض المعربين بعض المواضع التي اضطر فيها ابن مالك إلى تقديم الصفة على الموصوف لإقامة الوزن. كقوله في باب "جمع المذكر السالم":

وارفع بواوٍ وبيا اجرُرْ وانصبِ

سالمَ جمعِ عامرٍ ومذنبِ

الأصل: جمع عامر ومذنب السالم، فقدم الصفة على الموصوف، وحذف "ال"ليتمكن من الإضافة، ثم أضاف الصفة إلى موصوفها كجرد قطيفةٍ وفاضل رجلٍ للضرورة.

وقال في باب "لا النافية للجنس":

ومفرداً نعتاً لمبنيٍّ يلي

فافتح أو انصبَن أو ارفع تَعْدِلِ

قدَّم "مفرداً"على "نعتاً"مع أن حقه التأخير عنه؛ لأنه وصف له لأجل الضرورة. ويجوز نصبه على الحال؛ لأنه نعت نكرة تقدم عليها.

وقال في باب "النداء":

وابنِ المعرَّف المنادى المفردا

على الذي في رفعه قد عُهِدا

فقوله: "المعرَّف "مفعول بـ "ابْنِ"، وكان حقه أن يقدم المنادى؛ لأن المعرَّف نعت له، والمفرد نعت للمنادى.

فأصل كلام الناظم: وابنِ المنادى المعرف المفرد

الخ، فالمعرّف نعت للمنادى، فقدم النعت وهو "المعرَّف"على المنعوت وهو "المنادى"، فأعرب المعرف مفعولاً والمنادى بدلاً منه، فصار التابع متبوعاً. ولو أراد الناظم السلامة من ذلك لقال:

وابنِ المنادى المفرد المعرَّفا

على الذي في رفعه قد أُلفا

تقديم معمول المصدر على المصدر:

قال ابن مالك في باب "الضمير":

وفي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ وفي

قَدْني وقَطْني الحذفُ أيضاً قد يفي

ص: 185

فإن قوله: "وفي قدني"متعلق بـ "يفي"أو بالحذف؛ فعلى الأول يلزم تقديم معمول الخبر على المبتدأ. ويلزم على الثاني إعمال المصدر المحلى بـ "أل"وتقديم معموله عليه، وكلاهما خاص بالشعر.

وقال في باب "كان وأخواتها":

وبعد أنْ تعويضُ ما عنها ارتُكِبْ

كمثل: أمَّا أنت برّاً فاقتربْ

قال الأزهري: "وبعد: متعلق بـ"ارتكب" أو بـ"تعويض". وأيًّا كان فاللازم أحد الأمرين: إما تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، أو تقديم معمول المصدر عليه، وكلاهما مخصوص بالشعر".

وقال الناظم في أول باب "التنازع":

إنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَلْ

قبلُ فللواحد منهما العملْ

فالمكودي يرى أن قوله: "في اسم"متعلق بـ"اقتضيا"، لكن الذي يظهر للأزهري - كما قال - أنه متعلق بـ"عمل"وقدم عليه للضرورة.

وفي باب "الممنوع من الصرف"قال:

ولسراويلَ بهذا الجمعِ

شبهٌ اقتضى عمومَ المنعِ

نقل الأزهري عن الشاطبي قوله: "أتى بضرورة في هذا البيت؛ حيث قدم "بهذا"على "شبَه"وهو مصدر مقدر بـ "أنْ"والفعل، ولا يتقدم معموله عليه، ولا يمكن أن يقدر "شَبَه" هنا بمشبه كما قدر "عجب"بمعنى معجب في قوله تعالى: {أَكان للنَّاسِ عَجَباً} ) اهـ. بمعناه.

قال الأزهري: "وقد يمنع كونه مقدراً بـ "أنْ"والفعل هنا ويدعي بأنه مصدر صريح، وحينئذٍ لا يمنع تقديم معموله عليه على الأصحّ - سلّمنا ذلك، لكن ذاك في غير المجرور والظرف لكونهما يكتفيان برائحة الفعل عند المحققين".

ومن هذا قوله في باب "إعراب الفعل":

وبعدَ "حتى"هكذا إضمارُ "أنْ"

حتمٌ كـ"جد حتى تسرَّ ذا حَزَنْ

أعرب الأزهري قوله: "حتم"خبر المبتدأ الذي هو "إضمار"والتقدير: إضمارُ أن حتم بعد حتى هكذا. قال: فقدم معمول المصدر عليه، وعلى المبتدأ العامل فيه للضرورة.

قلت: المصدر العامل على ضربين:

ص: 186

أحدهما: مقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلاً من اللفظ بفعله نحو: ضرباً زيداً. وهذا يعمل عند أكثر النحويين مقدماً ومؤخراً؛ لأنه ليس بمنزلة موصول، ولا معموله بمنزلة صلة؛ فيقال: ضرباً زيداً، وزيداً ضرباً.

والآخر: مقدر بالفعل، وحرف مصدري. ولأجل تقديره بهذا جُعل هو ومعموله كموصول وصلة، فلا يتقدم ما يتعلق به عليه، كما لا يتقدم شيءٌ من الصلة على الموصول.

وقد نسب السيوطي إلى ابن السراج القول بجواز تقديم المفعول على المصدر نحو: يعجبني عمراً ضَرْبُ زيدٍ.

والذي في "الأصول"خلاف ذلك؛ إذ صرّح أبو بكر بعدم الجواز فقال: "واعلم أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل ولا المفعول الذي مع المصدر على المصدر؛ لأنه في صلته".

ويرى ابن مالك إضمار عامل فيما أوهم خلاف ذلك، أو عدَّه نادراً.

فقد يجيء ما قبل المصدر متعلقاً به من جهة المعنى تعلق المعمول بالعامل، كقول ابن مُقْبل:

لقد طالَ عن دهماءَ لدِّي وعِذْرتي

وكتمانُها أُكني بأمِّ فُلانِ

وكقول عمر بن أبي ربيعة:

ظنُّها بي ظنُّ سوءٍ كُله

وبها ظنِّي عَفافٌ وكرمْ

قال ابن مالك:

فَلَنا في هذه أن نعلق ما تقدم بمصدر آخر محذوف لدلالة الموجود عليه، فيصير كأنه قال: لدِّي عن دهماء لدِّي. وظنِّي بها ظنِّي. فيُتلطف لذلك كله فيما يُؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب.

ويكون هذا التقدير نظير قولهم في قوله تعالى: {وَكانُوا فِيهِ مِنَ

الزَّاهِدينَ} ، أنَّ تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين.

وزاد في شرح التسهيل تأويلين أحدهما: أن يجعل ما تقدم متعلقاً بنفس المصدر الموجود على نية التقديم والتأخير.

الثاني - وهو الذي تطمئن إليه النفس لبعده عن التكلف -: أن يكون ما تقدم متعلقاً بالمصدر الموجود نفسه، لا على نية التقديم والتأخير ولكن على أن يكون ذلك مُستباحاً في المصدر، وإن لم يُتسبح مثله في الموصول المحض كما استُبيح استغناؤه عن معمول لا دليل عليه، وإن لم يُتسبح مثله في صلة الموصول.

ص: 187

الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله:

قال ابن مالك في باب "الصفة المشبهة باسم الفاعل":

وعملُ اسمِ فاعلِ المُعدَّى

لها على الحدِّ الذي قد حُدَّا

أعرب المكودي "عمل"مبتدأ و"اسم فاعل"مضافاً إلى "المعدَّى". قال: "وهو على حذف الموصوف. والتقدير: فاعل الفعل المعدَّى. و "لها"في موضع خبر "عمل"، و"على الحدّ"متعلق بـ "عمل".

فقوله: "لها"في موضع خبر المبتدأ الذي هو "عمل"و"على الحدّ"متعلق بـ "عمل"فيه الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله.

قد تقدمت الإشارة - قريباً - إلى أن المصدر المقدر بالحرف المصدري والفعل مع معموله كالموصول مع صلته وأنه لا يتقدم عليه ما يتعلق به كما لا يجوز تقديم شيء من الصلة على الموصول، ولا يفصل بينهما بأجنبي كما لا يفصل بين الموصول وصلته.

هذا رأي جمهور النحويين في هذه المسألة.

قال ابن مالك في الكافية الشافية:

وهو مع المعمول كالموصول مع

صلته فيما أُجيز وامتُنع

وبالندور احكم على الذي يرد

بغير ذا، أو حاول العذر تجدْ

وقال في التسهيل:

"ويُضمرُ عاملٌ فيما أوهم خلاف ذلك، أو يُعدُّ نادراً".

أي إن وقع ما يوهم خلاف ما ينبغي تُلطف له فيما يؤمن معه الخطأ ويُثبت به الصواب، من محاولة تخريجه على وجه مناسب ومحاولة إيجاد العذر، كالضرورة الشعرية. فإن لم يتأتَ كلُّ ذلك حُمل على النُّدرة.

فممَّا يوهم الفصل بأجنبي - مثلاً - قول الشاعر:

المنُّ للذمِّ داعٍ بالعطاءِ فلا

تمنن فتُلقى بلا حمد ولا مالِ

فإن من يسمع هذا البيت يسبق إلى ذهنه أن الباء الجارة لـ "العطاء"متعلقة بـ "المن"؛ ليكون التقدير: المنُّ بالعطاء داعٍ للذم، وعليه مدار المعنى. غير أن هذا التقدير ممتنع من جهة الإعراب؛ لأنه يلزم منه ارتكاب محذورين؛ أحدهما: الفصل بين المصدر ومعموله. والآخر: الإخبار عن المصدر قبل تمام عمله، أي فيما تعلق به من مجرور وغيره.

ص: 188

فيُخرج البيت على تعليق الباء بمحذوف؛ كأنه قيل: المنُّ للذمِّ داعٍ المنّ بالعطاء، فـ "المنَّ"الثاني يدل على "المنِّ"الأول، فحُذف وأُبقي ما يتعلق به دليلاً عليه.

تقديم "مِنْ"ومجرورها على أفعل التفضيل:

إذا كان أفعل التفضيل مجرداً جيء بعده بـ "مِنْ"جارةً للمفضَّل عليه نحو: محمدٌ أكرمُ من خالدٍ. و "مِنْ"ومجرورها بمنزلة المضاف والمضاف إليه، لا يجوز تقديمها عليه، كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف.

ويتعيّن تقديم "مِنْ"ومجرورها على أفعل التفضيل إذا كان المجرور اسم استفهام أو مضافاً إلى اسم استفهام.

أما إذا كان المجرور بـ "من"غير استفهام لم يجز تقديمه على أفعل التفضيل إلا في ضرورة الشعر عند كثير من النحويين، كقول الفرزدق:

فقالت لنا: أهلاً وسهلاً، وزوَّدتْ

جنى النحل بل ما زوَّدتْ منه أطيبُ

فقدَّم المجرور بـ "مِنْ"على أفعل التفضيل في غير الاستفهام.

أما ابن مالك فقد عَدَّ التقديم بهذه الصورة نادراً لا ممتنعاً، فقال في الألفية:

وإنْ تكنْ بتلوِ "مِنْ "مستفهِماً

فلهما كن أبداً مقدِّما

كمثل: مِمَّنْ أنت خيرٌ؟ ولدى

إخبارٍ التقديمُ نَزْراً ورَدا

وقال في شرح التسهيل: "إن كان المفضول غير ذلك لم يجز تقديمه إلَاّ في نادر من الكلام.

ومع كون تقديم "مِنْ"ومجرورها ممتنعاً - إذا لم يكن المجرور اسم استفهام أو مضافاً إليه - عند الجمهور، ونادراً عند ابن مالك إلَاّ أنه قد جاء به ابن مالك مقدماً، إذ قال في باب "الأسماء الستة":

وفي أبٍ وتالِيَيْه يندرُ

وقصرها من نقصهن أشهر

فقوله: "من نقصهن"متعلق بـ "أشهر"مقدَّم عليه.

قال الأزهري: "هذا غير جائز عند الجمهور، خلافاً للناظم".

تقديم معمول الصفة على الموصوف:

قال ابن مالك في "باب الكلام وما يتألف منه":

بالجرِّ والتنوينِ والندا وأل

ومسند للاسم تميزٌ حَصَلْ (

ص: 189

فقوله: "للاسم"يُعرب خبراً مقدماً. و "تمييز": مبتدأ مؤخر. وجملة "حصل"في محل رفع صفة لـ "تمييز". ويلزم على هذا تقديم الصفة التي هي قوله: "بالجر"وما عطف عليه على الموصوف وهو قوله: "تمييز"، والصفة لا تتقدم على الموصوف، فمعمولها أولى بالمنع.

قلت: ذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يجوز تقديم معمول الصفة على الموصوف، فلا يجوز أن يقال في: هذا رجلٌ يأكلُ طعامَك: هذا طعامَك رجلٌ يأكلُ.

وتبعهم في هذا ابن مالك فقال في الكافية الشافية:

وعَمَلَ التابعِ قبلَ ما تبع

لا توقِعَنْ ففعلُ ذاك ممتنعْ

وما نعوه علماءُ البصرهْ

وغيرهم أجاز دون كثرهْ

وأجاز ذلك الكوفيون، وتبعهم الزمخشري في قوله تعالى:{وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَليغاً} قال: "فإن قلت: بم تعلق قوله: "في أنفسهم"؟ قلت: بقوله: "بليغاً"؛ أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم

".

واستثنى ابن مالك في التسهيل ما إذا كان النعت صالحاً لمباشرة العامل فإنه يجوز تقديمه، ولكن ليس من باب تقديم الصفة على الموصوف ولكن على جعل المنعوت بدلاً منه. ومثَّل في الشرح بقوله عز وجل:{إلى صِراطِ العَزيزِ الحَميدِ اللَّهِ} ففيه تقديم النعت وهو قوله: "العزيز الحميد"وجعل المنعوت - وهو لفظ الجلالة - بدلاً.

ومنه قول الشاعر:

ولكنِّي بليتُ بوصلِ قومٍ

لهم لحمٌ ومنكرة جسومُ

أي: وجسوم منكرة.

وقال ابن عصفور: "ولا يجوز تقديم الصفة على الموصوف إلَاّ حيث سمع، وذلك قليل".

والراجح هو ما ذهب إليه البصريون ومن تبعهم من عدم جواز تقديم معمول الصفة على الموصوف؛ لأن حق المعمول ألَاّ يحل إلا في موضع يحل فيه العامل، كما قال ابن مالك.

فأنت تقول: هذا رجلٌ مكرمٌ زيداً، ولا تقول: هذا زيداً رجلٌ مكرمٌ؛ لأن النعت لا يتقدم على المنعوت؛ لأنه تابع. ولعله يُتسامح في ذلك إذا كان معمولُ الصفة جاراً ومجروراً كما في آية النساء وبيت الألفية.

الفصل بين الصفة والموصوف بما هو أجنبي:

ص: 190

قال ابن مالك في باب "نعم وبئس"وما جرى مجراهما:

فِعلانِ غير متصرفين

نعم وبئس رافعان اسمينِ

أعرب المكودي قول الناظم: "فعلان"خبراً مقدماً، و"غير متصرفين"نعتاً له، و"نعم وبئس"هو المبتدأ، و"رافعان"نعت لفعلين كذلك. قال: ولا يجوز أن يكون قوله: "غير متصرفين"و"رافعان"أخباراً؛ لأنهما قيدٌ في فعلين، وليس المراد أن يخبر بهما عن "نعم وبئس".

وعقَّب عليه الأزهري بقوله: "يلزم منه الفصل بين الموصوف والصفة بالمبتدأ، وهو أجنبي من الخبر".

فمذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز الفصل بين الموصوف والصفة بما ليس معمولاً لواحدٍ منهما، بل لم أقف على قول لأحد يجيز ذلك إلا في ضرورة الشعر.

نصَّ على ذلك ثُلةٌ من العلماء منهم ابن جني، وابن عصفور، وابن القواس، وأبو حيَّان.

فمن الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي قول عروة بن الورد:

أقولُ لقومٍ في الكنيفِ تروَّحوا

عشية بتنا عند ماوان رُزّحِ

يريد: أقول لقوم رزّحٍ في الكنيف تروَّحوا عشية بتنا عند ماوان

وعليه فإن بيت ابن مالك الآنف الذكر يُعدُّ من هذا القبيل، حيث ألجأته ضرورة الشعر إلى الفصل بين الموصوف "فعلان"وصفته - وهي قوله:"غير متصرفين". وكذا قوله: "رافعان"- بالمبتدأ وهو أجنبي من الخبر، بمعنى أن المبتدأ ليس معمولاً للخبر. وهو الصحيح.

العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجارّ:

هذه المسألة من المسائل المختلف فيها؛ فجمهور البصريين، والفراء يرون أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بعد إعادة حرف الجر، فلا يجوز نحو: مررت بك وزيدٍ.

واحتجوا لمذهبهم بأدلة منها: أن الجار والمجرور بمنزلة شيء واحد، فإذا عطفت على الضمير المجرور فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجارّ، من قِبل أن الضمير إذا كان مجروراً اتصل بالجار ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون إلا متصلاً، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز.

ص: 191

ومنها أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له، فلم يجز العطف عليه كالتنوين.

ومنها أن حق المتعاطفين أن يصلحا لحلول كل منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصلح حلوله محل المعطوف، فامتنع العطف عليه.

ويرى الكوفيون ما عدا الفراء جواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار؛ وذلك لوروده في التنزيل، وكلام العرب، كقوله تعالى:{واتَّقُوا اللَّهَ الَّذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامِ} - بالجر - وقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ في النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وما يُتْلَى عَلَيْكُمْ} وغيرها من الآيات والشواهد الشعرية.

ووافق الكوفيين في ذلك كلٌّ من يونس بن حبيب، والأخفش، وأبو علي الشلوبيني (645هـ) وصحَّحه ابنُ مالك.

قال في الألفية:

وعَوْدُ خافضٍ لدى عطفٍ على

ضميرِ خفضٍ لازماً قد جُعلا

وليس عندي لازماً إذ قد أتى

في النظم والنثر الصحيح مُثبتا

وقال في التسهيل:

"وإن عُطف على ضمير جر اختير إعادة الجار، ولم تلزم وفاقاً ليونس، والأخفش، والكوفيين".

أما الفراء فقد عدَّه قليلاً مرةً فقال: "وما أقل ما تردّ العرب مخفوضاً على مخفوض قد كُني عنه".

وعدَّه مرة أخرى قبيحاً ضعيفاً لا يجوز إلا في الشعر لضعفه.

ولأن الناظم لا يرى لزوم ذلك فقد جاء في الألفية شيء منه حيث قال في باب "أمَّا ولولا ولوما":

وبِهما التحضيضَ مِزْ وهَلَاّ

ألَاّ ألا وأولينها الفعلا

فقوله: "وهلَاّ"معطوف على الضمير المجرور بالباء من غير إعادة حرف الجر.

وقال في باب "النسب":

وأولِ ذا القلب انفتاحاً وفَعِل

وفُعِلٌ عينَهما افتح وفِعِلْ

فقوله: "وفِعِل"- بكسر الفاء والعين - معطوف على الضمير المجرور بالإضافة من غير إعادة الجار.

صرف ما لا ينصرف:

ذكر العلماء أنه يجوز للشاعر أن يصرف في الشعر ما لا ينصرف؛ لأن الأسماء أصلها الصرف.

فإذا اضطر الشاعر ردَّها إلى أصلها ولم يلتفت إلى العلل الداخلة عليها.

ص: 192

ويرى بعض البصريين أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه إلَاّ أن يكون آخره ألف تأنيث نحو: "بشرى"فإنه لا يجوز فيه ذلك.

واستثنى الكسائي والفراء "أفعل"الذي معه "مِنْ"كـ "هذا أفضل منك، ورأيت أكرم منك. فإنه لا يجوز صرفه.

وذكر بعضهم أن صرف ما لا ينصرف لغة عند قوم من النحاة. وقد أجاز ذلك في الكلام أحمد بن يحيى.

وزعم أبو الحسن الأخفش أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف. كما حكى الزجاجي مثل ذلك.

ويرى ابن عصفور أن ذلك لغة الشعراء؛ (لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك. وأما سائر العرب فلا يجوز صرف شيء منه في الكلام فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر) .

وابن مالك مع جمهور النحويين في أنه يجوز للضرورة أو التناسب صرف جميع ما لا ينصرف.

قال في الألفية:

ولاضطرارٍ أو تناسبٍ صُرِفْ

ذو المنعِ، والمصروف قد لا ينصرفْ

وقد وردت بعض الألفاظ في الألفية مصروفة لأجل الضرورة مع أنَّ حقها المنع من الصرف.

من ذلك ما جاء في باب العلم، إذ قال:

من ذاك أمُّ عريطٍ للعقربِ

وهكذا ثعالةٌ للثعلب

فـ "ثعالة"علم لجنس الثعلب، وهو غير منصرف للعلمية وتاء التأنيث، إلَاّ أنه صرفه للضرورة.

ومنه صرف الناظم لكلمة "أحمد"وهو مستحق للمنع لأجل العلمية ووزن الفعل حين قال:

كذاك ذو وزنٍ يخصُّ الفعلا

أو غالبٍ كأحمدٍ ويعلى

وقال في باب: "جمع التكسير":

أفعِلةٌ أَفْعُلُ ثم فِعْلَهْ

ثُمَّت أفعالٌ جُموعُ قِلَّهْ

فـ "أفعلة"مستحق للمنع من الصرف للعلمية والتأنيث إلَاّ أن الناظم قد صرفه للضرورة.

وقال في الباب نفسه:

فَواعِلٌ لفَوْعَلٍ وفاعَلِ

وفاعِلاءَ مَعَ نحوِ كاهِلِ

فصرف كلمة "فواعل"للضرورة مع استحقاقها للمنع للسبب السابق.

وقال في باب "النسب":

وفَعَليٌّ في فَعِيلَةَ التُزم

وفُعَليٌّ في فُعَيْلَةٍ حُتم

فنوَّن "فُعَيْلَةٍ"للضرورة، مع أنها في الأصل ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث كذلك.

ص: 193

وقال في موضع آخر من الباب نفسه:

وبأخٍ أَختاً وبابنٍ بِنْتا

أَلحِقْ ويونسٌ أبى حذف التا

فصرف كلمة "يونس"للضرورة مع أنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل.

أما في باب "الإبدال"فقال:

وصحَّ عينُ فَعَلٍ وفَعِلا

ذا أَفْعَلٍ كأغْيَدٍ وأحْوَلا

فصرف كلمة "أغيد"للضرورة مع كونها في الأصل ممنوعة من الصرف للوصفية ووزن أفعل.

ص: 194

تابع الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين

حذف أداة الشرط:

قال ابن مالك في باب "المعرف بأداة التعريف":

أل: حرفُ تعريفٍ أو اللامُ فقطْ

فَنَمَطٌ عَّرفتَ قُلْ فيه: النَّمَطْ

أعرب الأزهري لفظة "نمط"مبتدأ، وقال: سوَّغ ذلك إعادته بلفظ المعرفة. و"عرَّفت": شرطٌ حذفت أداته ضرورة. ومفعوله محذوف. و"قُلْ"فعل أمر جواب الشرط، حذفت منه الفاء للضرورة، والشرط وجوابه خبر المبتدأ. والتقدير: فنمط إذا عرَّفته فقل فيه النمط، على معنى: إذا أردت تعريفه فقل.

قلت: مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز حذف أدوات الشرط، لا "إنْ"ولا غيرها.

قال أبو حيان: وقد جوَّز ذلك بعضهم في "إنْ". قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه قول ذي الرِّمَّة:

وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ تارةً

فيبدو وتارات يَجُمُّ فيَغْرَقُ

أي: إن يحسر الماءُ. فلما حذفت "إنْ"ارتفع الفعل.

وإنما قدر بعضهم فيه "إنْ"محذوفة، لأن قوله "وإنسانُ عيني"مبتدأ، وجملة "يحسر الماءُ تارةً"خبره، وليس ثَمَّ رابط لهذه الجملة بالمبتدأ. فلما خلت من الرابط ذهب من ذهب إلى أصلها جملة شرطية، إذ إنه لا يشترط في الشرط إذا ما وقع خبراً أن يكون الرابط في جملة الشرط، بل قد يكون في جملة الجزاء نحو: زيد إنْ تقم هند يغضب.

وخرَّج بعض المحققين بيت ذي الرمة على أنه من عطف جملة فيها ضمير المبتدأ وهي قوله: "يبدو"بفاء السببية على الجملة المخبر بها الخالية منه وهي قوله: "يحسر الماءُ"، فيُكتفى بذلك، لانتظام الجملتين من حيث العطف بالفاء في نظم جملة واحدة.

وهو الراجح عندي. وقد عدَّ النحاة هذا من روابط الجملة الواقعة خبراً بالمبتدأ نحو: زيدٌ جاءت هند فضربها.

حذف جواب الشرط:

لأداة الشرط - عند البصريين - صدر الكلام، فلا يسبقها شيء من معمولات فعل الشرط، ولا فعل الجواب غير معمول الجواب المرفوع.

ص: 195

وقال أكثر البصريين: ولا يجوز كذلك تقديم الجواب على الأداة، لأنه ثانٍ أبداً عن الأول متوقف عليه.

فإن تقدم شبه الجواب على الأداة فهو دليل عليه وليس إياه، وإنما الجواب محذوف مدلول عليه بما قبله نحو: أنت ظالم إن فعلت، والتقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم.

ولا يكون هذا الحذف اختياراً إلا إذا كان فعل الشرط ماضياً لفظاً أو معنى بأن كان مضارعاً مقترناً بـ"لم" نحو: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَ رْجُمَنَّكَ} (1) .

قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: "ولا يكون فعل الشرط مضارعاً غير مجزوم بـ"لم"عند حذف الجواب إلا في ضرورة.

أما في التسهيل فقد ذكر مرةً أن حذفه دون تحقق هذا الشرط مخصوص بالشعر، وذكر مرة أخرى أنه قليل.

وقد وقع في الألفية شيء كثير من حذف الجواب مع فوات شرط هذا الحذف، وهو كون الشرط فعلاً ماضياً.

ولا أزعم أني قد حصرت هذه المواضع كلها، ولكني وقفت على اثني عشر منها.

ففي باب "الموصول"قال:

إنْ يُستطل وصلٌ وإنْ لم يُستطل

فالحذفُ نزرٌ وأبَوْا أنْ يُختزلْ

فـ "إنْ يُستطل"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط مجزوم بـ "إنْ"

و"وَصْلٌ"نائب عن الفاعل بـ"يُستطل"، وجواب الشرط محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعاً.

وقال في باب "التنازع":

ولا تجيء مع أوَّلٍ قد أُهملا

بمضمرٍ لغير رفعٍ أُوهِلا

بل حذفَه الزم إنْ يكن غيرَ خبر

وأخِّرَنْه إنْ يكن هو الخبرْ

فقوله: "إن يكن غير خبر"و"إن يكن هو الخبر"حذف في الموضعين جواب "إنْ"التي فعلها مضارع. وهو ضرورة.

وقال في باب "المفعول معه":

والعطف إنْ يمكن بلا ضعفٍ أحقْ

والنصبُ مختارٌ لدى ضعفِ النسقْ

فـ "إنْ"حرف شرط، و "يمكن"فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض.

وقال في باب "عطف النسق":

وبانقطاعٍ وبمعنى بَلْ وَفَتْ

إنْ تكُ مما قُيِّدت به خَلَتْ

(1) من الآية 46 من سورة مريم.

ص: 196

فجملة "خلت"في موضع نصب خبر "تك" وجواب الشرط محذوف مع فوات شرط حذفه وهو مضي الشرط ضرورة.

وقال في "المنادى المضاف إلى ياء المتكلم":

واجعل منادًى صَحَّ إن يُضف لِيا

كعبدِ عبدي عبدَ عبدا عَبْديا

فإن "يُضف"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة لكون الشرط هنا مضارعاً.

وجاء حذف جواب الشرط مع فوات شرط حذفه مرتين في باب "الندبة":

الأولى: قوله:

والشكلَ حتماً أوْلهِ مُجانِسا

إنْ يكنِ الفتحُ بوهمٍ لابسا

والثانية: قوله:

وواقفاً زِدْ هاءَ سكتٍ إنْ تُرِدْ

وإنْ تشأْ فالمدَّ والها لا تَزِدْ

فـ"ترد"فعل الشرط وجواب الشرط محذوف ضرورة.

وقال في باب "إعراب الفعل":

وبعدَ غيرِ النفي جزماً اعتمد

إنْ تُسقطِ الفا والجزاءُ قد قُصدْ

كما قال في باب "عوامل الجزم":

والفعلُ من بعد الجزا إنْ يقترنْ

بالفا أو الواوِ بتثليثٍ قَمِنْ

فقوله: "والفعل"مبتدأ، و"قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب اختياراً مضيُّ الشرط لفظاً أو معنىً.

وقال في باب "الوقف":

فـ"يُعدم"- بالبناء للمفعول - فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكون الشرط مضارعاً.

والنقلُ إنْ يُعدمْ نظيرٌ مُمتنعْ

وذاكَ في المهموز ليس يمتنعْ

وقال في باب "الإمالة":

وهكذا بَدَلُ عَيْنِ الفعل إنْ

يَؤُلْ إلى فِلتُ كماضي خَفْ ودِنْ (1)

وقال في باب "الإبدال":

ومدًّا ابدل ثانيَ الهمزيْن مِنْ

كِلْمةٍ ان يَسْكُن كآثِرْ وائتمِنْ

فإنَّ "يَسْكُن"فعل الشرط، وجوابه محذوف للضرورة، لكونه مضارعاً.

وثمت أبيات أخرى من الألفية ذكر الأزهري أنها مما حُذف فيها جوابُ الشرط للضرورة لكون الشرط مضارعاً غير أني أعرضت عنها صفحاً، لأن الشرط - وإن كان مضارعاً لفظاً - إلاّ أنه ماضٍ من حيث المعنى، وذلك لتقدم "لم"عليه، كقوله في باب "تعدي الفعل ولزومه":

وحذفَ فضلةٍ أجز إن لم يَضِرْ

كحذفِ ما سيق جواباً أو حُصِرْ

وقوله في باب "النسب":

(1) الألفية ص 64.

ص: 197

واجبُرْ بردِّ اللامِ ما منه حُذفْ

جوازاً ان لم يك رَدُّه أُلِفْ

حذف الفاء من جواب الشرط، وحذف جواب الشرط:

قال ابن مالك في باب "الكلام وما يتألف منه":

والأمرُ إنْ لم يكُ للنون مَحَلْ

فيه هو اسمٌ نحو صَهْ وحَيَّهلْ

فقوله "هو اسم"مبتدأ وخبر، والجملة منهما في محل جزم جواب الشرط. وإنما لم يأتِ بالفاء للضرورة. والجملة من الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ أو تُجعل جملة "هو اسم"في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو قوله:"والأمرُ"، وتكون جملة جواب الشرط محذوفة دلَّت عليها جملة المبتدأ وخبره. وهذا أيضاً ضرورة، لأن من شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلاً ماضياً. فالبيت لا يخلو من الضرورة.

ونظير ذا تماماً قول الناظم في باب "النداء":

والضمُّ إنْ لم يلِ الابنُ علما

أو يلِ الابنَ علم قد حُتما

فقوله: "قد حُتما"- بالبناء للمفعول - يحتمل أن يكون خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: والضمُّ قد حُتم إن لم يلِ فهو محتم، وفيه ضرورة، لأن شرط حذف الجواب أن يكون الشرط فعلاً ماضياً، فحيث كان مضارعاً كان حذف الجواب مخصوصاً بالشعر.

ويحتمل أن يكون "قد حُتم"هو جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، وترك الفاء ضرورةً، لأن الجواب ماضٍ مقرونٌ بـ"قد"، ولا تحذف منه الفاء في هذه الحالة إلَاّ في الضرورة. فليست إحدى الضرورتين بأولى من الأخرى إلا بكثرة الاستعمال.

ومثل ترك الفاء للضرورة - أيضاً - قوله في باب "العلم":

وإنْ يكونا مفرديْنِ فأضِفْ

حتماً وإلَاّ أتبعِ الذي رَدِفْ

فإن جملة "أتبع"هي جواب الشرط، وهي طلبية يجب أن تكون مقرونةً بالفاء، ولا تحذف إلَاّ للضرورة.

ومثل الجملة الطلبية الواقعة جواباً للشرط قوله في باب "لا" النافية للجنس:

والعطفُ إن لم تتكرر "لا"احكما

له بما للنعت ذي الفصل انتمى

ص: 198

فإن قوله: "احكما"فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفاً لأجل الوقف، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وقد حذف منها ألفاً ضرورة وهي لازمة لكون الجواب جملةً طلبية.

وكذلك قوله في باب "عوامل الجزم":

والفعلُ من بعد الجزا إن يقترنْ

بالفا أو الواوِ بتثليث قَمِنْ

فإن قوله: "والفعل"مبتدأ، و "قمن" خبره، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لأن شرط حذف الجواب - اختياراً - مضيُّ الشرط لفظاً أو معنى.

ويحتمل جعل "قمن" خبر مبتدأ محذوف، والجملة جواب الشرط، وحذف الفاء للضرورة.

وقال في باب "التصغير ":

وألف التأنيث ذو القصر متى

زاد على أربعةٍ لن يثبتا

فجملة "لن يثبت"في محل جزم جواب الشرط وكان من حقها أن تقترن بالفاء، لكن الناظم حذفها لضرورة إقامة الوزن. وجملة الشرط والجواب في محل رفع خبر المبتدأ، أو تكون الجملة هي خبر المبتدأ، وجواب الشرط محذوف للضرورة، لكون الشرط غير ماض (1) .

فهذه الأبيات من الألفية تنتظم مسألتين:

الأولى: حذف الفاء من جواب الشرط للضرورة.

والأخرى: حذف جواب الشرط دون توافر لشرطه عند الجمهور.

ومن أشهر المواضع التي لا يصلح فيها الجواب أن يكون شرطاً كونه جملة اسمية كقوله تعالى: {وَإنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (2) أو كان فعلاً دالاً على الطلب نحو: {إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعوني} (3) .

والطلب يشمل الأمر، والنهي، والتحضيض، والعرض، والدعاء، والاستفهام.

أو كان ماضياً مقروناً بـ"قد"لفظاً، أو تقديراً، أو مقروناً بحرف تنفيس، أو بحرف نفي غير "لا"و "لم"، أو كان الفعل جامداً.

(1) انظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب 131، منحة الجليل 4 / 145.

(2)

من الآية 19 من سورة الأنفال.

(3)

من الآية 31 من سورة آل عمران.

ص: 199

قال ابن القواس: "وإنما لزمت الفاء لأنه لما امتنع تأثير أداة الشرط في هذه الأمور أُتي بالفاء للربط توصلاً إلى المجازاة بها، وكانت الفاء دون الواو، لأن معناها التعقيب من غير مهلة، والجزاء يجب عقيب الشرط".

وقد اختُلف في حذف هذه الفاء من جواب الشرط إذا كان شيئاً مما تقدم على ثلاثة مذاهب:

الأول: مذهب جمهور النحويين وهو أنه لا يجوز حذفها إلا في الضرورة، ويمتنع في سعة الكلام.

وممن نصَّ على هذا سيبويه، والصيمري، وابن عصفور، وابن مالك، وأبو حيان، وابن هشام.

الثاني: المنع مطلقاً في الضرورة والاختيار. نقله أبوحيان عن بعض النحويين.

ومذهب ابن الناظم - وتبعه الأزهري - أنه يجوز ترك هذه الفاء في الضرورة أو في الندور، ومثَّل للندور بما أخرجه البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأُبيّ بن كعب لما سأله عن اللقطة:"فإن جاء صاحُبها وإلَاّ استمتع بها"، أي فإن جاء صاحبها فردها إليه وإن لم يجيء فاستمتع بها.

والمذهب الأول هو الراجح لدي. أمَّا ما ورد في الحديث فقد أخرجه البخاري مرتين، الأولى بإثبات الفاء:"وإلا فاستمتع بها" وكذا في صحيح مسلم في كتاب "اللقطة"، والترمذي في كتاب "الأحكام".

والأخرى برواية: "وإلا استمتع بها"بإسقاط الفاء.

أما حذف جواب الشرط فيجوز إذا كان ثمَّ قرينة نحو قوله تعالى: {وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ} (1)، تقديره: فافعل. وقوله: {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ} (2) أي تطيرتم.

وهو كثير في لسان العرب عندما يدل دليل على حذفه نحو: "أنت ظالم إن فعلت"تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم.

قال ابن مالك في الألفية:

والشرطُ يغني عن جواب قد عُلم

واشترط البصريون، والفراء لحذف الجواب مع وجود الدليل مضيَّ الشرط لفظاً أو معنى.

(1) من الآية 35 من سورة الأنعام.

(2)

من الآية 19 من سورة يس.

ص: 200

فالأول مثل: أنت ظالم إن فعلت. والثاني: ما كان فعلاً مضارعاً مقروناً بـ"ل"نحو: أنت ظالم إن لم تفعل، فلا يجوز: أنت ظالم إن تفعل.

ومذهب الكوفيين - ما عدا الفراء - جواز كون الشرط مضارعاً غير منفي بـ"لم"قياساً.

واستدلوا بقول الكميت بن معروف الأسدي:

لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم

ليعلم ربي أن بيتي واسعُ

فجاء بجواب القسم المقترن باللام وهو قوله: "ليعلم ربي"، وحَذَف جواب الشرط مع كون فعل الشرط - وهو قوله:"تك"- مضارعاً غير منفي بـ"لم".

كما استدلوا بقول الشاعر:

يُثني عليك وأنت أهلُ ثنائه

ولديك إنْ هو يستزدك مزيدُ

حيث جاء الفعل المضارع "يستزدك"مجرداً من "لم". وهذا وأمثاله عند البصريين والفراء معدود في الضرائر. وعند ابن مالك قليل.

وبذلك يتبيّن أن ما أورده بعض المعربين للألفية على الناظم في حذف جواب الشرط في غير موضعه، من قبل أن الشرط في الأبيات السابقة متوافر فيه ما ذكره المحققون وهو كونه مضارعاً منفياً بـ"لم"في قوله:

والأمرُ إن لم يك للنون محل

وقوله: والعطفُ إن لم تتكرر "لا"احكما

وقوله: والضمُّ إن لم يلِ الابن علما

على أن الناظم يجيز - ولو بقلة - مجيء الشرط مضارعاً غير منفي بـ"لم"كما تقدم، فمن باب الأولى أن يجيز مجيئه مقروناً بها.

تقديم معمول الجزاء على الشرط:

في هذه المسألة خلاف بين البصريين، والكوفيين حيث أجاز الكوفيون تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط نحو: زيداً إن تضربْ أضربْ. ومنعه البصريون.

واحتج المجيزون بأن الأصل في الجزاء أن يكون مقدماً على "إن"، إذ إن قولك - مثلاً -:"إن تضرب أضرب"الأصل فيه - عندهم -: أضربُ إن تضرب. فلما تأخر الجواب انجزم على الجوار، وإن كان من حقه أن يكون مرفوعاً. واستشهدوا لذلك ببعض الشواهد، كقول زهير بن أبي سلمى:

وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ

يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ

ص: 201

التقدير فيه: يقول إن أتاه خليل يومَ مسألة، فلولا أنه في تقدير التقديم لما جاز أن يكون مرفوعاً.

"وإذا ثبت هذا - وأنه في تقدير التقديم - فإنه يجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط، لأن المعمول قد وقع في موقع العامل".

وأما البصريون فلا يجوز عندهم – كما تقدم – أن يقال: "زيداً إنْ تضربْ أضربْ"لا يجوز عندهم نصب "زيد"لا بالشرط، ولا بالجزاء.

وقالوا: إن ما يعمل فيه فعل الشرط كائنٌ من جملته، فلا يجوز تقديمه على حرف الشرط.

ومن احتجاجاتهم أيضاً أن أداة الشرط كأداة الاستفهام و "ما" النافية ونحوهما مما له الصدارة، فكما لا يجوز تقديم ما بعد الاستفهام عليه فكذلك لا يجوز تقديم ما بعد أداة الشرط عليها.

وكذلك فإن الشرط سبب في الجزاء، والجزاء مسبِّبه، ومحال أن يتقدم المسبِّب على السبب.

وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء إنما هي بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معموله كذلك، لأن المعمول تابعٌ للعامل.

وأما قول زهير:

وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ

يقولُ

...

فلا يعني رفعه أنه على نية التقديم وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماض، وفعل الشرط إذا كان ماضياً، نحو: إنْ قمتَ أقوم فإنه يجوز أن يبقى الجواب على رفعه، لأنه لمَّا لم يظهر الجزمُ في فعل الشرط ترك الجواب على أول أحواله وهو الرفع.

وابن مالك مخالفٌ للكوفيين في تجويزهم تقديم معمول الجزاء على الأداة فقال في شرح التسهيل.

"لـ"إنْ"الشرطية صدر الكلام، فلا يتقدم عليها ما بعدها

فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر".

وقد جاء في الألفية بما لم يجزه وهو تقديم معمول الجزاء على الشرط في قوله في باب "المعرَّف بأداة التعريف":

وحذفَ ألْ ذي إنْ تُنادِ أو تُضِفْ

أَوْجِبْ. وفي غيرهما قد تنحذفْ

ص: 202

فإن قوله: "أوْجبْ" جواب الشرط على حذف الفاء للضرورة، والتقدير: إن تنادِ مصحوب "أل" أو تضفه فأوجب حذف "أل". فقدَّمَ معمول الجواب على الشرط ضرورة.

قصر الممدود:

أجاز العلماء للشاعر قصر الممدود في حال الضرورة، وقد لجأ ابن مالك في منظومته إلى هذه الضرورة في مواضع كثيرة حتى أكاد أقول بأنه يصعب حصرها وربما كان في البيت الواحد أكثر من موضع، وهي من الضرائر اليسيرة التي لا يترتب عليها - في الغالب - اختلافُ إعراب أو تغيُّرُ معنى.

وحسبي أن أشير إلى بعض هذه المواضع فقط لأمرين، أحدهما: خشية الإطالة، والثاني: أن إدراك بقية المواضع غير خافٍ على المتأمل.

قال في باب "الكلام وما يتألف منه":

بالجرِّ والتنوين والندا وألْ

ومسندٍ للاسمِ تمييزٌ حَصَلْ

فقصر كلمة "النداء"وهي ممدودة، لضرورة الوزن.

وقال في الباب نفسه:

بِتا فعلتَ وأَتَتْ ويا افعلي

ونونِ أقبلنَّ فعلٌ ينجلي

فقصر الناظم تاء "فعلت"وياء "افعلي" وهما في الأصل ممدودان وذلك لضرورة الوزن أيضاً.

وقال في باب "المعرب والمبني":

وارفع بواوٍ وانصبنَّ بالألفْ

واجرُرْ بياءٍ ما من الأسما أصِفْ

فكلمة "الأسماء"ممدودة لكن ضرورة الوزن قد ألجأت الناظم إلى قصرها.

وقال في باب "الأسماء الستة":

وشرطُ ذا الإعرابِ أنْ يُضَفْنَ لا

لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا

ففي هذا البيت ما ذكرته آنفاً من وجود غير لفظة مقصورة للضرورة، فهو هاهنا قد قصر - مضطراً - ثلاثة ألفاظٍ هي:"لليا"، و"كجا"، و"اعتلا"وأصل الكلام بالمد:

للياء كجاء أخو أبيك ذا اعتلاء

وقال في باب "ما ولا ولات":

إعمالَ ليس أُعملتْ ما دون إنْ

مع بقا النفي وترتيب زُكِنْ

الأصل: مع بقاء النفي، بالمدّ، لكنه قصر لضرورة الوزن.

وقال في باب "ظنَّ وأخواتها":

وجوّزِ الإلغاءَ لا في الابتدا

وانوِ ضميرَ الشأنِ أو لامَ ابتدا

فقوله: "في الابتدا"، و"لام ابتدا" كلاهما بالقصر للضرورة.

ومنه قوله في باب "جمع التكسير":

ص: 203

والسينَ والتا من كمُسْتَدْعٍ أزلْ

إذ ببنا الجمعِ بقاهما مُخِلْ

حيث قصر ثلاث كلمات ممدودات في الأصل وهو قوله: "والتا"، وقوله:"ببنا"وقوله: "بقاهما"، والأصل فيهن:"والتاء"، و "ببناء"، و"بقاؤهما".

ومن ذلك قوله في باب "الإمالة":

دونَ مزيدٍ أو شذوذٍ ولما

تليه ها التأنيثِ ما الها عَدِما

فقوله: "ها"، هي فاعل "تليه"، وقوله:"الها"مفعول مقدم بالفعل "عَدِم"، وكلاهما مقصور لضرورة الوزن.

وأختتم هذه النماذج بما قاله في باب "الحكاية":

وقُل لمن قال: أتت بنْت: مَنَهْ

والنونُ قبل تا المثنى مُسْكَنَهْ

والفتحُ نزرٌ وصِلِ التا والألفْ

بِمَنْ بإثرِ ذا بنسوةٍ كَلِفْ

فقد قصر ابن مالك كلمة "تا"في البيت الأول الواقعة مضافاً إليه بإضافة "قبل"إليها، وكذا كلمة "التا"في البيت الثاني الواقعة مفعولاً به للفعل "صل". كل ذلك إنما كان لضرورة الوزن.

حذف حرف الصلة للاكتفاء بالحركة منه:

ذكر بعض من تكلم في ضرائر الشعر من العلماء أنه يجوز للشاعر حذف الياء وهي لام الفعل اجتزاءً بالكسرة.

كما قال أبو خُراش الهذلي:

ولا أدرِ مَنْ ألقى عليه ثيابَه

ولكنه قد سُلَّ عن ماجدٍ محضِ

يريد: ولا أدري: لأن الفعل غير مجزوم فحذف الياء مجتزئاً بالكسرة التي قبلها، لأنها تدل عليها.

وقد وقع في ألفية ابن مالك شيء من ذلك، إذ قال في باب "الإضافة":

وبعضُ الاسماءِ يُضاف أبدا

وبعضُ ذا قد يأتِ لفظاً مفردا

أراد: قد يأتي. بإثبات الياء، لأنه فعل مضارع مرفوع، إلا أنه قد حذف لامه وهي الياء ضرورة.

قال الزمخشري: "والاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل".

وعدّ ابن الشجري هذا الحذف شاذاً في غير الفواصل والقوافي.

ص: 204

وهذه المسألة قريبة من سابقتها أو هي منها. والراجح فيها لدي ما ترجح هناك من أنه يجوز حذف الياء في غير ما ضرورة، وذلك لمجيئه في القرآن الكريم وهو أفصح كلام بلا ريب، قال المولى عز وجل:{وَسَوْفَ يُؤْتِ} (1)، {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلَاّ بِإذْنِهِ} (2) . قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي:"يأتي"بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً. وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً. وقرأ باقي السبعة بحذفها في الحالين.

وقال تعالى: {يَوْمَ يُنادِ المُنادِ} (3) و {فَمَا تُغْنِ النُّذٌرْ} (4) .

على أنه قد تقدم عن الزمخشري أن هذا كثير في لغة هذيل.

(1) من الآية 146 من سورة النساء.

(2)

من الآية 105 من سورة هود.

(3)

من الآية 41 من سورة ق.

(4)

من الآية 5 من سورة القمر.

ص: 205

تابع الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين

زيادة ألف الإطلاق في آخر الكلمة:

ومما ذكره جمهور العلماء في باب الضرائر الشعرية أنه يجوز للشاعر أن يلحق القافية المطلقة حرفاً، كقول جرير:

أقلي اللوم عاذل والعتابا

وقولي إن أصبت لقد أصابا

فألحق هذه الألف في الروي؛ لأن الشعر وضع للغناء والترنم؛ إذ اعتاد الشعراء أن يترنموا في أواخر الأبيات قبل حرف الروي ليمتد بها الصوت، ويقع فيه تطريب لا يتم إلا بمد الحرف. وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر (1)

قال السيرافي:

"وهذه الزيادة غير جائزة في حشو الكلام، وإنما ذكرناها لاختصاص الشعر بها دون الكلام، وهي جيدة مطردة، وليس تخرجها جودتها من ضرورة الشعر إذ كان جوازها سبب الشعر.

ومن هذا القبيل ما جاء في ألفية ابن مالك في باب "المعرب والمبني"حيث قال:

ومُعربُ الأسماء ما قد سَلمِا

من شَبَه الحرف كأرضٍ وسُما

وفعل أمر ومُضِيٍّ بُنيا

وأعربوا مضارعاً إن عَريا

قضت ضرورة الشعر عليه بزيادة الألف في آخر الفعلين "سَلِم"و "عري"

وقال في الباب نفسه:

فالأوَّل الإعرابُ فيه قُدِّرا

جميعُهُ وهو الذي قد قُصِرا

زاد ألف الإطلاق في الفعلين "قُدِّر"و "قُصِر".

وقال في باب "النكرة والمعرفة":

في الباقيات واضطراراً خفَّفا

منِّي وعنِّي بعضُ من قد سَلَفا

أراد: "خَفَّفَ" و"قد سَلَفَ"فمدَّ من أجل الضرورة.

ومثل ذا قوله في باب "الابتداء":

والأصلُ في الأخبار أنْ تُؤخَّرا

وجَوَّزوا التقديمَ إذْ لا ضَرَرا

الأصل: "تُؤخَّرَ"و"لا ضَرَر".

وقوله في باب "كان وأخواتها":

ككانَ ظلَّ باتَ أضحى أصبحا

أمسى وصارَ ليسَ زالَ بَرحِا

زاد ألف الإطلاق في الفعلين "أصبح" و "برح".

وقوله في باب "إنَّ وأخواتها":

ولا يلي ذي اللامَ ما قد نُفِيا

ولا مِن الأفعال ما كرضيا

الأصل: "نُفي"و "كرضي".

وقوله في باب "ظنَّ وأخواتها":

وَهَبْ تعلَّمْ والتي كصيَّرا

أيضاً بها انصِب مبتداً وخبرا

(1) انظر: الكتاب 2 / 299.

ص: 206

حيث زاد ألف الإطلاق في الفعل "صيَّر".

وقال في باب "أعلَمَ وأرى":

وكأرى السابقِ نبَّا أخبرَا

حدَّثَ أنبأ كذاك خبَّرا

اقتضت ضرورة النظم زيادة الألف في الفعلين "أخبرَ"و "خبَّر".

وثمت نماذج كثيرة في الألفية ليست بخافية على القارئ. من أجل ذا أكتفي بما ذكرت خشية الإطالة.

قطع همزة الوصل:

وهو من الضرائر اليسيرة التي لا تُغير إعراباً ولا تُحيل معنًى كذلك ولكنه لا يسوغ إلا لضرورة الشعر.

قال الزمخشري: "وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروج عن كلام العرب، ولحن فاحش؛ فلا تقل: الإسم والإنطلاق والإستغفار ومن إبنك وعن إسمك. وقوله:

إذا جاوَزَ الإثنين سِرٌّ

من ضرورات الشعر".

فيجوز للشاعر عند الضرورة قطع ألف الوصل في الدرج إجراءً لها مجراها في حال الابتداء بها. وأكثر ما يكون ذلك في أوائل أنصاف الأبيات؛ لأنها إذ ذاك كأنها في ابتداء الكلام.

والقطع بهذه الهيئة أسهل من القطع في حشو البيت؛ لأن المصراع كثيراً ما يقوم بنفسه حتى يكاد يكون بيتاً كاملاً فكأن الهمزة وقعت أولاً.

أما القطع في حشو البيت فهو قليل كما تقدم. ومنه قول قيس بن الخطيم:

إذا جاوز الإثنين سرٌّ فإنه

بِنَثٍّ وتكثير الوشاة قمينُ

فقطع الألف من "الاثنين"وهي ألف وصل.

وقد لجأ إلى ذلك ابن مالك في ألفيته حين قال في باب "ما لا ينصرف":

وألغينَّ عارضَ الوصفيَّهْ

كأربعٍ وعارضَ الإسميّهْ

فقطع الهمزة في قوله: "الاسمية" وهي همزة وصل ليتيسَّر له إقامة الوزن.

وصل همزة القطع:

وهو عكس ما تقدم وأكثر منه استعمالاً كما ذكر ابن جني وغيره. فللشاعر عند الضرورة أن يصل ألف القطع لإقامة الوزن كما قال حاتم الطائي:

أبوهم أبي والامَّهاتُ امهاتُنا

فأنعم ومتِّعني بقيس بن جحدرِ

يريد: والأمهات أمهاتنا

ولا يقتصر الوصل في الأسماء بل يسوغ في الأفعال أيضاً. أنشد أبو علي الفارسي:

إنْ لم أُقاتِلْ فالبسوني بُرقُعا

وفَتَخاتٍ في اليدينِ أَرْبَعا

ص: 207

يريد: فألبسوني ثم حذف الهمزة

وقد ورد في ألفية ابن مالك شيء من ذلك في بعض أبياتها، كقوله في باب:

"الموصول":

موصولُ الاسماء الذي الأنثى التي

واليا إذا ما ثُنِّيا لا تُثبتِ

وَصَل همزة القطع في قوله: "الاسماء"لإقامة الوزن.

وقوله في الباب نفسه:

في عائدٍ متَّصلٍ إن انتصب

بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يَهَبْ

أراد: أو وصفٍ بالقطع.

وقوله في باب "الابتداء":

وأوَّلٌ مبتدأ والثاني

فاعلٌ اغنى في أسارٍ ذانِ

وصل همزة القطع في قوله: "اغنى" للضرورة.

وقوله في باب "لا التي لنفي الجنس":

مرفوعاً او منصوبا او مُركَّبا

وإن رفعتَ أوَّلاً لا تنصبا

وَصَل الهمزة المقطوعة في قوله: "أو مركبا"للضرورة.

وقوله في باب "التمييز":

كشِبْرٍ ارضاً وقفيزٍ بُرّا

ومَنَويْنِ عسلاً وتمرا

وَصَل الهمزة في "أرضاً"وهي همزة قطع.

وقوله في باب "الإضافة":

وابنِ أو اعرِبْ ما كإذ قد أُجريا

واختر بنا متلوِّ فِعلٍ بُنيا

وَصَل الهمزة من قوله: "أعرب"لضرورة الوزن وأصلها همزة قطع.

وفي الألفية كثير من هذا لكني أقتصر على ما أوردت خشية الإطالة.

حذف الياء والاستغناء بالكسرة عنها:

تقدم أن من ضرائر الشعر الحذف، ومن الحذف حذف الياء من "قاضي"و"جاري" وبابهما في حال الإضافة، والتعريف بالألف، واللام تشبيهاً بما ليس فيه ذلك؛ أي تشبيهاً للألف، واللام، والإضافة بما عاقبتاه وهو التنوين، فكما تحذف الياء مع التنوين كذلك تحذف مع الألف، واللام، والإضافة.

قال الأعشى:

وأخو الغوانِ متى يشأ يَصْرِ مْنَهُ

ويَصِرْنَ أعداءً بُعَيْد ودادِ

فقد حذف الياء واجتزأ بالكسرة عنها حين شبّه الألف، واللام بالتنوين؛ لأنهما يتعاقبان، فحكم لهذا بحكم ما عاقبه.

فإذا ما جئنا لنطبق هذا على ألفية ابن مالك وجدنا الناظم يفعله أحياناً فيحذف الياء ويستغني عنها بالحركة المجانسة لها في آخر الكلمة وهي الكسرة، كما قال في باب "أعلم وأرى":

وما لمفعوليْ علمتُ مطلقاً

ص: 208

للثانِ والثالثِ أيضاً حُقِّقا

فقوله: "للثانِ"أصله: للثاني، بإثبات الياء غير أنه قد حذفها للضرورة.

وقال في باب "أبنية المصادر":

فأوَّلٌ لذي امتناع كأبى

والثانِ للذي اقتضى تقلُّبا

فهذا نظير سابقه، ومثلهما - كذلك - قوله في باب "عطف النسق ":

وانقُل بها للثانِ حكمَ الأولِ

في الخبر المثبتِ والأمر الجلي

وقد عدَّ سيبويه هذا وأمثاله من ضرائر الشعر، فقال في باب "ما يحتمل الشعر":

"اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف

وحذف ما لا يحذف".

أما مذهب أبي زكريا الفراء فهو أن كل ياءٍ أو واو تسكنان وما قبل الواو مضموم وما قبل الياء مكسور فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالضمة من الواو وبالكسرة من الياء.

على أن هناك من أنكر على سيبويه وغيره من النحويين جعلهم هذا ونحوه من ضرورة الشعر؛ لأنه قد جاء في القرآن الكريم حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به جمعٌ من القراء، كقوله - جل وعز - {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً} ، وفي آيات غيرها كذلك (1)

وأمَّا ابن عصفور فيرى أن هذا لا يرد على النحويين ولا يلزمهم؛ من قبل أنهم أرادوا أنَّ من كانت لغته إثبات الياء في "الغواني"وأمثاله فإنه قد يحذفها في الضرورة للعلة المذكورة وهي تشبيه المضاف إليه والألف واللام بالتنوين.

(1) من الآية 17 من سورة الكهف.

وقد قرأ نافع وأبو عمرو بإثبات ياء "المهتدي " وصلاً وحذفها وقفاً. وأثبتها في الحالين يعقوب، ورويت عن قنبل من طريق ابن شنبوذ. وحَذَفَها الباقون في الحالين.

انظر: السبعة في القراءات 391، الدر المصون 7/414، النشر 2/309، 316، الإتحاف 288.

ص: 209

والراجح لديَّ أنه لا يدخل ضمن الضرائر الشعرية؛ لوقوعه في أفصح كلام هو القرآن الكريم؛ في رؤوس الآي وغيرها كقوله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ التَّنادِ} ، و {يَوْمَ التَّلاقِ} (1) و {الكَبيرُ المُتَعَالِ} (2) وقوله:{وَجِفَانٍ كالجَوابِ} (3) فهذه الآيات في غير الوقف، ولو قيل: إن هذا يكثر في الشعر دون غيره لكان أولى. والله أعلم.

ويشير أبو العلاء المعري (449هـ) إلى أن حذف الياء من المضاف إلى الظاهر أحسن من المضاف إلى المضمر؛ لأن الظاهر منفصل، والمضمر يجري مجرى ما هو من الاسم. وحذفها من المجرد من الألف واللام أشذُّ مما هي فيهما؛ لأن الألف واللام قد يسوغ معهما حذف الياء حتى قيل إنها لغة للعرب، وقد قرأ بها القراء.

تخفيفُ الحرفِ المُشَدَّد:

أجاز العلماء للشاعر تخفيف كل مثقل؛ فله أن يحذف في الشعر ما لا يجوز حذفه في الكلام لتقويم الشعر، كما أن له أن يزيد لتقويمه أيضاً (4) فإذا حذف بقي ما يدل على أنه قد حذف منه مثله؛ لأن المشدد حرفان، فإذا تمَّ للشاعر الوزن بأحدهما حذف الآخر (5) وسواء في ذلك الصحيح والمعتل (6)

فمن التخفيف في الصحيح قول طرفة بن العبد:

أصحوتَ اليومَ أم شاقتك هِرْ

ومن الحبِّ جنونٌ مُسْتَعِرْ

فهو مضطر إلى حذف أحد الحرفين من "هرّ"لاستواء الوزن ومطابقة البيت، فقابل براءِ "هر"راء "مستعر"وهي خفيفة أصلاً.

ومن التخفيف في المعتل قول الراجز:

حتى إذا ما لم أجد غير السَّري

كنتُ امرءاً من مالك بنِ جعفرِ

فخفف ياء "السَّريّ"مضطراً أيضاً.

(1) من الآية 32 من سورة غافر.

(2)

من الآية 15 من سورة غافر.

(3)

من الآية 9 من سورة الرعد.

(4)

انظر: الكامل 2/1368.

(5)

انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة 89.

(6)

انظر: الأصول 3/448، ما يجوز للشاعر في الضرورة 122.

ص: 210

وهكذا الشأن فيما يتعلق بألفية ابن مالك؛ إذ وقع فيها شيءٌ من ذلك حين اضطر ناظمها إلى التخفيف في بعض المواضع لتقويم الوزن، سواء كان ذلك في الأحرف الصحيحة أو المعتلة.

فمن الأول قوله في باب "إن"وأخواتها:

وأُلحقت بإنَّ لكنَّ وأنْ

من دون ليت ولعلَّ وكأنْ

فخفف النون في "أنَّ"و "كأنَّ"لضرورة الشعر التي جعلت النون ساكنة فيهما.

وقوله في باب "النسب":

والحذفُ في اليا رابعاً أحقُّ من

قلبٍ، وحتمٌ قلبُ ثالثٍ يَعِنْ

أصل النون في "يعن"مشددة؛ لأنها من عنَّ يَعنُّ بمعنى ظهر إلَاّ أن الناظم قد اضطر لتسكينها لأجل الشعر.

ونظيره قوله في باب "الإبدال":

وجمعُ ذي عين أُعِلَّ أو سَكَنْ

فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عَنْ

وقال في الباب نفسه:

واواً وهمزاً أوَّلَ الواوين رُدْ

في بدء غيرِ شبهِ وُوفِي الأشُدْ

فخفف كلاًّ من الدال في الفعل المبني للمجهول وأصله "رُدَّ"بالتضعيف، وكذلك الدال في "الأشد".

ومن الثاني - أعني ما وقع التخفيف فيه من الأحرف المعتلة - قوله في باب "الفاعل":

وقابلٌ من ظرفٍ او من مصدرِ أو حرف جرٍّ بنيابةٍ حري

الأصل فيه: "حريّ"بالتشديد بمعنى خليق، فخفف الياء للضرورة.

وقوله في باب "النسب":

وضاعف الثاني من ثنائي

ثانيه ذو لينٍ كـ "لا"ولائي

يريد: مثل "لا"وتضعيفه: لائيٌّ؛ بياء النسب المشددة، ولكنها خففت هنا لضرورة الشعر.

الخاتمة

لا يسعني بعد هذا التطواف، وفي ختام هذا البحث إلا أن أقدم خلاصة موجزة له مشتملة على أهم النتائج فأقول:

أولاً: لقد كانت النظرة في بادئ الأمر إلى الشعر، والنثر واحدةً من حيثُ الخصائصُ التعبيرية في صياغة العبارة، وبناء الألفاظ. يقوِّي ذلك اشتراك الفنَّيْن في شواهد اللغة، والنحو على الرغم من التفاوت الملحوظ في طريقة الصياغة، والإعراب.

ثم دخلت الضرورة - فيما بعدُ - في ميادين البحث اللغوي، والنقدي على نطاق واسع.

ص: 211

ثانياً: لسيبويه رحمه الله جهود في مجال الكتابة عن الضرورة - وإن كانت لفظة "الضرورة"غير مذكورة في كتابه - إلَاّ أن دراسته لهذه الظاهرة تفتقر إلى المنهجية المحددة القائمة على التقسيم، والتصنيف. فما كتبه عن الضرورة لا يعدو أن يكون إضاءاتٍ موزعة ذات فوائد متفرقة أفاد منها النحاة في هذا المجال.

يمكن اعتبار ما كتبه أبو بكر بن السراج الأساسَ التاريخي الأول لحركة التأليف والكتابة المنهجية عن الضرورة. وأمّا المبكر إلى حصر تلك الظاهرة حصراً علمياً فهو أبو سعيد السيرافي.

ثالثاً: لم يصرّح سيبويه بتعريف محدَّد للضرورة، وإنما كان يكتفي ببعض العبارات التي فهم منها بعض شراح "الكتاب" وغيرهم مفهوم الضرورة عنده، وهو أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز له في الكلام بشرط أن يضطر إلى ذلك ولا يجد منه بدّاً، وأن يكون في ذلك ردُّ فرع إلى أصل أو تشبيه غير جائز بجائز.

وقد نُسب هذا الاتجاه في فهم الضرورة إلى ابن مالك أيضاً وشُهر به حتى إن كثيراً ممَّن خالف هذا المنهج وجَّه نقده إلى ابن مالك وحده ولم يتعرض لسيبويه.

ولم يجد هذا الرأي قبولاً لدى كثير من العلماء، على الرغم من شهرة، ومكانة من قال به؛ حيث لقي نقداً شديداً من المتأخرين كالشاطبي، وأبي حيان، وابن هشام، والأزهري، والبغدادي.

وأمَّا عند أبي الفتح عثمان بن جني، وكثير من النحويين فالضرورة ما وقع في الشعر مطلقاً سواء كان للشاعر عنه مندوحة أو لا؛ إذ لا يشترط في الضرورة أن يضطر الشاعر إلى ذلك في شعره؛ لأن الشعر موضعٌ قد ألفت فيه الضرائر.

ويتعدى أبو الحسن الأخفش ذلك فيقول: إن الشاعر يجوز له في كلامه وشعره ما لا يجوز لغيره في كلامه؛ لأن لسانه قد اعتاد الضرائر.

ص: 212

وأما أحمد بن فارس فيختلف موقفه عن موقف النحويين؛ إذ لا يكاد يقرّ بما يسميه النحاة ضرورة، حيث يتعيّن على الشاعر أن يقول بما له وجه في العربية - ولا ضرورة فيه حينئذٍ - فإن لم يك ثمَّت وجه فيها رُدَّ وسُمِّي باسمه الحقيقي وهو الغلط أو الخطأ، ولا داعي للتكلف واصطناع الحيل للتخريج، ويرى أنه لا فرق بين الشاعر، والخطيب، والكاتب، فالشعراء يخطئون كما يخطئ سائر الناس، ويغلطون كما يغلطون.

رابعاً: إن أقوى هذه الآراء أن الضرورة ما وقع في الشعر سواء كان للشاعر عنه مندوحة أولا؛ لأن الشعر كلام موزون بأفاعيل محصورة يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيَّدة بالوزن، والقافية أن يلجأ قائله أحياناً إلى الضرورة.

خامساً: أنه لا يمكن حصر الضرائر بعدد معيّن من قِبَل أن الشاعر غير مقيّد بحدود ما يجده لدى الشعراء الآخرين من ضرورات، فيزيد في المواضع التي زادوا فيها ويحذف حيث حذفوا، أو يغيّر على نحو ما غيروا، فقد يعترض في بعض نظمه الكثير مما لا يجد له نظيراً عند غيره.

سادساً: مما ساعد على وجود الضرائر وكثرتها اختلاف نظرة العلماء إلى مصادر الاستشهاد ومواقفهم المختلفة منها، واختلاف نظرتهم إلى مدلول الضرورة الشعرية ذاتها، فصارت الظاهرة الواحدة ضرورة على رأي، في حين أنها لا تُعدُّ كذلك في رأي مغاير.

سابعاً: أن الضرورة تنقسم إلى حسنة لا تستهجن النفس منها، ولا تستوحش كصرف ما لا ينصرف، وقصر الجمع الممدود، ومدّ الجمع المقصور، وإلى ضرورة مستقبحة كعدل بعض الأسماء عن وضعها الأصلي بتغيير مَّا فيها من زيادة أو نقص يترتب على أحدهما التباسٌ وعدم وضوح القصد، وابتعاد الذهن عن الوصول إلى اللفظ بحدوده المعروفة.

على أنه لا يجوز للشاعر أن يلحن لتسوية قافية أو إقامة وزن كأن يرفع منصوباً أو ينصب مخفوضاً، ومتى وجد هذا في شعر كان خطأً ولحناً لا يدخل في ضرورة الشعر.

ص: 213

ثامناً: أنه قد وقع لابن مالك في ألفيته كثير من المخالفات التي يمكن إدراجها ضمن الضرورة الشعرية. وإذا ما أريد تطبيق رأيه في الضرورة على هذه المخالفات فإن هذا ليس في صالح ابن مالك نفسه؛ لأن له في هذه المواضع أو معظمها مندوحة.

وكما يقول أبو حيان: ما من كلمة إلا ويمكن استبدالها بأخرى.

وعلى سبيل المثال فإن ابن مالك قد اضطر إلى تقديم الصفة على الموصوف لإقامة الوزن حين قال:

وابْنِ المعرَّفَ المنادى المفردا

على الذي في رفعه قد عُهدا

وأصل الكلام: وابن المنادى المعرَّفَ المفرد.

مع أنه يمكن السلامة من ذلك لو قال:

وابن المنادى المفرد المعرَّفا

هذا. والله أسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

والحمد لله أولاً وآخِراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع

1 -

ائتلاف النصرة في اختلاف نحاة الكوفة والبصرة. عبد اللطيف الزبيدي: ت: د. طارق الجنابي، ط (1) عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، 1407هـ.

2 -

إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر. أحمد الدمياطي: رواه وصحّحه علي بن محمد الضباع، دار الندوة الجديدة، بيروت.

3 -

أدب الكاتب. ابن قتيبة الدينوري: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط (4) ، مطبعة السعادة بمصر، 1382هـ - 1963م.

4 -

ارتشاف الضرب من لسان العرب. أبو حيان: ت: د. مصطفى النماس، ط (1) ، مطبعة المدني، القاهرة، 1408هـ.

5 -

إرشاد السالك (شرح ألفية ابن مالك) . عبد المجيد الشرنوبي الأزهري: المكتبة الشعبية. بيروت.

6 -

الأزمنة والأمكنة. أبو علي المرزوقي الأصفهاني: حيدر آباد، الدكن 1332هـ.

7 – الأزهية في علم الحروف. علي بن محمد الهروي: ت. عبد المعين الملوحي، ط (2) ، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق 1401هـ.

8 -

أسرار العربية. أبو البركات الأنباري: ت. محمد بهجة البيطار، دمشق، 1377هـ - 1957م.

ص: 214

9 -

إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين. عبد الباقي اليماني: ت: د. عبد المجيد دياب، ط (1) ، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، 1406هـ.

10 -

الأشباه والنظائر. جلال الدين السيوطي: ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.

11 -

الإصابة في تمييز الصحابة. ابن حجر العسقلاني: دار الكتاب العربي، بيروت.

12 -

الأصول في النحو. أبو بكر بن السراج: ت: د. عبد الحسين الفتلي، ط (1) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ.

13 -

تمرين الطلاب في صناعة الإعراب. الشيخ خالد الأزهري: ط (1) ، المكتبة الشعبية. بيروت.

14 -

إعراب القرآن. أبو جعفر النحاس: ت: د. زهير غازي زاهد، ط (2) ، عالم الكتب 1405هـ-1985م.

15 -

الأعلام. خير الدين الزركلي: ط (4) ، دار العلم للملايين، بيروت 1979م.

16 -

الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب. أبو نصر الفارقي: ت: سعيد الأفغاني، ط (3) ، مؤسسة الرسالة، بيروت 1400هـ - 1980م.

17 -

الاقتراح في أصول النحو. جلال الدين السيوطي: ت: د. أحمد محمد قاسم، ط (1) 1396هـ.

18 -

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب. ابن السيد البطليوسي: دار الجيل، بيروت 1973م.

19 -

ألفية ابن مالك في النحو والصرف. ابن مالك: ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.

20 -

الأمالي. أبو علي القالي: دار الكتاب العربي، بيروت.

21 -

أمالي الزجاجي. أبو القاسم الزجاجي: ت: عبد السلام هارون، ط (2) ، دار الجيل، بيروت 1407هـ- 1987م.

22 -

أمالي السهيلي. أبو القاسم السهيلي: ت: محمد إبراهيم البنا، ط (1) ، مطبعة السعادة، 1390هـ- 1970م.

23 -

أمالي ابن الشجري. هبة الله بن علي الشجري: ت: د. محمود الطناحي، ط (1) ، مكتبة الخانجي، القاهرة 1413هـ - 1992م.

24 -

أمالي المرتضى. الشريف المرتضى: ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط (2) ، دار الكتاب العربي 1387هـ.

25 -

الأمالي النحوية (أمالي القرآن الكريم) . ابن الحاجب: ت. هادي حسن حمودي، ط (1) ، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية 1405هـ.

ص: 215

26 -

إنباه الرواة على أنباه النحاة. القفطي: ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط (1) ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، دار الفكر العربي، القاهرة 1406هـ.

27 -

الأنساب. أبو سعيد السمعاني: ت. د، مرجليوت. بغداد 1950م.

28 -

الإنصاف في مسائل الخلاف. أبو البركات الأنباري: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل 1982م.

29 -

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك. ابن هشام: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط (6) ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1394هـ.

30 -

الإيضاح العضدي. أبو علي الفارسي: ت: د. حسن شاذلي فرهود، ط (1) ، مطبعة دار التأليف، مصر 1389هـ.

31 -

البحر المحيط. أبو حيان الأندلسي: ط (2) ، دار الفكر، 1403هـ.

32 -

البسيط في شرح جمل الزجاجي. ابن أبي الربيع: ت: د. عياد الثبيتي، ط (1) ، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1407هـ.

33 -

بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. جلال الدين السيوطي: ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت 1384هـ.

34 -

البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة. الفيروزابادي: ت: محمد المصري، ط (1) ، مطبعة الفيصل، الكويت 1407هـ.

35 -

التبصرة والتذكرة. أبو محمد الصيمري: ت: د. فتحي عليّ الدين، ط (1) ، دار الفكر، دمشق 1402هـ.

36 -

التبيان في إعراب القرآن. أبو البقاء العكبري: ت: علي البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي.

37 -

التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين. أبو البقاء العكبري: ت: د. عبد الرحمن العثيمين، ط (1) ، بيروت، 1406هـ-1986م.

38 -

تحصيل عين الذهب. يوسف بن سليمان الشنتمري: مطبوع بهامش كتاب سيبويه، ط (1) ، بولاق 1317هـ.

39 -

تخليص الشواهد وتلخيص الفوائد. ابن هشام: ت: د. عباس مصطفى الصالحي، ط (1) ، بيروت 1406هـ - 1986م.

40 -

تذكرة الحفاظ. الذهبي: دار الكتب العلمية، بيروت 1374هـ.

41 -

تذكرة النحاة. أبو حيان الأندلسي: ت: د. عفيف عبد الرحمن، ط (1) مؤسسة الرسالة، بيروت 1406هـ.

ص: 216

42 -

التذييل والتكميل في شرح التسهيل. أبو حيان الأندلسي: دار الكتب المركزية برقم 62 نحو. مصورة مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة.

43 -

تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد. ابن مالك: ت: د. محمد كامل بركات، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر 1387هـ.

44 -

التصريح بمضمون التوضيح. خالد الأزهري: دار الفكر.

45 -

تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد. الدماميني: ت: د. محمد المفدى، ط (1) ، الأجزاء 1-4، 1403-1409هـ.

46 -

توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك. المرادي (ابن أم قاسم) : ت: د. عبد الرحمن سليمان، ط (2) ، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، 1397هـ.

47 -

التوطئة. أبو علي الشلوبيني: ت: د. يوسف المطوع، مطابع سجل العرب، 1401هـ -1981م.

48 -

الجامع الصحيح (سنن الترمذي) . محمد بن عيسى بن سورة: ت: أحمد محمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

49 -

الجامع لأحكام القرآن. القرطبي: دار إحياء التراث العربي، بيروت.

50 -

الجمل في النحو. أبو القاسم الزجاجي: ت: د. علي توفيق الحمد، ط (2) ، مؤسسة الرسالة، دار الأمل 1405هـ.

51 -

الجنى الداني في حروف المعاني. الحسن بن قاسم المرادي: ت: د. فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل، ط (2) ، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1403هـ-1983م.

52 -

حاشية ابن حمدون بن الحاج على شرح المكودي: دار الفكر، بيروت.

53 -

حاشية الشيخ محمد الأمير على مغني اللبيب: مطبوع بهامش مغني اللبيب لابن هشام، دار إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي.

54 -

حاشية الصبان على شرح الأشموني: دار الفكر، بيروت.

55 -

حاشية الملوي الأزهري على المكودي: مطبوع بهامش شرح المكودي على ألفية ابن مالك.

56 -

الحلل في شرح أبيات الجمل. ابن السيد البطليوسي: ت: د. مصطفى إمام، ط (1) ، القاهرة، 1979م.

57 -

الحماسة. أبو تمام (حبيب بن أوس) : ت: د. عبد الله عسيلان، ط (1) ، دار الهلال، الرياض 1401هـ.

ص: 217

58 -

حياة الحيوان الكبرى. كمال الدين الدميري: دار الفكر، بيروت.

59 -

خزانة الأدب. عبد القادر البغدادي: ت: عبد السلام هارون، ط (2) ، مصر 1979م.

60 -

الخصائص. ابن جني: ت: محمد علي النجار، ط (2) ، دار الهدى للطباعة النشر، بيروت 1952م.

61 -

الدرر اللوامع على همع الهوامع. الشنقيطي: ت: عبد العال سالم مكرم، ط (1) ، الكويت 1401هـ-1981م.

62 -

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي: ت: د. أحمد محمد الخراط، ط (1) ، دار القلم، دمشق، 1406هـ- 1415هـ.

63 -

ديوان أبي النجم العجلي: صنعة علاء الدين أغا، ط (1) ، الرياض 1401هـ - 1981م.

64 -

ديوان الأخطل: ت: مهدي محمد ناصر الدين، ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت 1406هـ - 1986م.

65 -

ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس: شرح وتعليق د. محمد محمد حسين، ط (7) ، مؤسسة الرسالة، بيروت 1403هـ.

66 -

ديوان امرىء القيس: ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط (4) ، دار المعارف، القاهرة.

67 -

ديوان تميم بن أبي مقبل: ت: د. عزة حسن، دمشق 1962م.

68 -

ديوان جرير بن عطية الخطفي: دار صادر، بيروت.

69 -

ديوان حاتم الطائي: ط (2) ، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت 1406هـ.

70 -

ديوان ذي الرمة: ط (2) ، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، دمشق 1384هـ.

71 -

ديوان زهير بن أبي سلمى: دار بيروت للطباعة والنشر، 1402هـ -1982م.

72 -

ديوان طرفة بن العبد: دار صادر، دار بيروت، 1380هـ-1961م.

73 -

ديوان العجاج. رواية الأصمعي: ت: د. عبد الحفيظ السطلي، دمشق 1971م.

74 -

ديوان عدي بن زيد العبادي: جمع وتحقيق محمد جبار المعيبد، بغداد 1965م.

75 -

ديوان عروة بن الورد: دار صادر، بيروت.

76 -

ديوان عمر بن أبي ربيعة: دار صادر، بيروت.

77 -

ديوان الفرزدق: ت: علي فاعور، ط (1) دار الكتب العلمية، بيروت 1407هـ.

78 -

ديوان قيس بن الخطيم: ت: الدكتور ناصر الدين الأسد، مطبعة المدني بالقاهرة 1962م.

ص: 218

79 -

ديوان كعب بن مالك الأنصاري: ت: سامي مكي العاني، ط (1) ، بغداد 1966م.

80 -

ديوان لبيد بن ربيعة العامري: دار صادر، بيروت.

81 -

ديوان النابغة الذبياني. صنعة ابن السكيت: ت: د. شكري فيصل، ط (2) ، دار الفكر، 1410هـ - 1990م.

82 -

ديوان الهذليين. نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1385هـ.

83 -

ذم الخطأ في الشعر. ابن فارس اللغوي: ت: الدكتور رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، بمصر 1400هـ.

84 -

ذيل الأمالي والنوادر. أبو علي القالي: مطبوع مع كتاب الأمالي لأبي علي.

85 -

رسالة الغفران. أبو العلاء المعري: ت: د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) ، ط (6) ، دار المعارف، القاهرة.

86 -

رصف المباني في شرح حروف المعاني. أحمد بن عبد النور المالقي: ت: د. أحمد الخراط، ط (2) ، دار القلم، دمشق 1405هـ.

87 -

رغبة الآمل. سيد بن علي المرصفي: مصر 1346هـ - 1348م.

88 -

السبعة في القراءات. ابن مجاهد: ت: د. شوقي ضيف، ط (2) ، دار المعارف، القاهرة 1400هـ.

89 -

سر صناعة الإعراب. ابن جني: ت: د. حسن هنداوي، ط (1) ، دار القلم، دمشق 1405هـ.

90 -

سمط اللآلي. ويحتوي على اللآلي في شرح أمالي القالي. أبو عبيد البكري: ت: عبد العزيز الميمني، ط (2) ، بيروت 1404هـ-1984م.

91 -

سنن ابن ماجه: ت: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية، بيروت.

92 -

سيبويه والضرورة الشعرية. د. إبراهيم حسن إبراهيم: ط (1) ، مطبعة حسّان، القاهرة 1403هـ-1983م.

93 -

شذرات الذهب في أخبار من ذهب. ابن العماد الحنبلي: ط (2) ، دار المسيرة، بيروت 1399هـ.

94 -

شرح الأبيات المشكلة الإعراب (إيضاح الشعر) . أبو علي الفارسي: ت: د. حسن هنداوي، ط (1) ، دار القلم، دمشق، دار العلوم والثقافة، بيروت 1407هـ - 1987م.

95 -

شرح أبيات مغني اللبيب. عبد القادر البغدادي: ت: عبد العزيز رباح، أحمد يوسف دقاق، ط (1) ، دار المأمون للتراث، دمشق 1393هـ.

ص: 219

96 -

شرح ألفية ابن مالك. أبو زيد المكودي: دار الفكر، بيروت.

97 -

شرح ألفية ابن مالك. لابن عقيل: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط (2) ، دار الفكر 1405هـ - 1985م.

98 -

شرح ألفية ابن مالك. ابن الناظم: ت: د. عبد الحميد السيد عبد الحميد، دار الجيل، بيروت.

99 -

شرح ألفية ابن معطي. ابن القواس الموصلي: ت: د. علي موسى الشوملي، ط (1) ، مكتبة الخريجي، الرياض، 1405هـ.

100 -

شرح التحفة الوردية. ابن الوردي: ت: د. عبد الله علي الشلاّل، مكتبة الرشد، الرياض 1409هـ - 1989م.

101 -

شرح التسهيل. ابن مالك: ت: د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون، ط (1) ، مصر 1410هـ - 1990م.

102 -

شرح الجمل. ابن عصفور: ت: د. صاحب أبو جناح، ط (1) ، بغداد 1400هـ.

103 -

شرح ديوان الحماسة. الخطيب التبريزي: عالم الكتب. بيروت.

104 -

شرح السيرافي: شرح كتاب سيبويه. أبو سعيد السيرافي. مصور عن نسخة دار الكتب برقم 137 نحو.

105 -

شرح شذور الذهب. ابن هشام الأنصاري: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.

106 -

شرح شواهد الشافية. عبد القادر البغدادي: مطبوع مع شرح الشافية للرضي.

107 -

شرح شواهد المغني. جلال الدين السيوطي: ت: أحمد ظافر كوجان، دار مكتبة الحياة.

108 -

شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ. ابن مالك: ت: عدنان عبد الرحمن الدوري، مطبعة العاني، بغداد 1397هـ.

109 -

شرح الكافية. رضي الدين الاستراباذي: ت: يوسف حسن عمر، منشورات جامعة قاريونس 1398هـ - 1978م.

110 -

شرح الكافية الشافية. ابن مالك: ت: د. عبد المنعم أحمد هريدي، ط (1) ، دار المأمون للتراث 1402هـ.

111 -

شرح المفصل. ابن يعيش: طبع عالم الكتب، بيروت، ومكتبة المثنى بالقاهرة.

112 -

شعر عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: جمع وتحقيق: د. سامي مكي العاني، ط (1) ، بغداد 1971م.

113 -

الشعر والشعراء. ابن قتيبة: ت: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، 1966م.

ص: 220

114 -

شفاء العليل في إيضاح التسهيل. أبو عبد الله السلسيلي: ت: د. الشريف عبد الله البركاتي، ط (1) ، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة 1406هـ.

115 -

شواهد التوضيح والتصحيح. ابن مالك: ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت.

116 -

الصاحبي. أحمد بن فارس: ت: السيد أحمد الصقر، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

117 -

صحيح البخاري. ط (2) ، عالم الكتب، بيروت 1402هـ.

118 -

صحيح مسلم. ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

119 -

صفة الصفوة. أبو الفرج الجوزي: ت: محمود فاخوري، ط (3) ، دار المعرفة، بيروت.

120 -

ما يجوز للشاعر في الضرورة. أبو عبد الله القزاز القيرواني: ت: د. محمد زغلول سلام، د. محمد مصطفى هدارة، الإسكندرية.

121 -

ضرائر الشعر. ابن عصفور: ت: السيد إبراهيم محمد، ط (1) ، دار الأندلس 1980م.

122 -

الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر. محمود شكري الآلوسي: القاهرة 1341هـ.

123 -

الضرورة الشعرية، دراسة نقدية لغوية. د. عبد الوهاب محمد العدواني: ط (1) ، الموصل 1410هـ.

124 -

الضرورة الشعرية في النحو العربي. د. محمد حماسة عبد اللطيف: مكتبة دار العلوم، مصر.

125 -

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. شمس الدين السخاوي: منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.

126 -

طبقات فحول الشعراء. محمد بن سلام الجمحي: تحقيق وشرح: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة 1974م.

127 -

عبث الوليد. أبو العلاء المعري: علق عليه محمد عبد الله المدني، ط (3) ، دار الرفاعي، الرياض 1405هـ - 1985م.

128 -

العمدة في محاسن الشعر. ابن رشيق القيرواني: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط (5) ، دار الجيل، بيروت 1401هـ -1981م.

129 -

غاية النهاية في طبقات القراء. ابن الجزري: عني بنشره ج. برجستراسر، ط (3) ، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ.

ص: 221

130 -

فتح الرب المالك بشرح ألفية ابن مالك. محمد بن قاسم الغزِّي: ت: محمد المبروك الختروشي، ط (1) ، طرابلس 1401هـ.

131 -

الفتوحات الإلهية. سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، مصر.

132 -

الفريد في إعراب القرآن المجيد. المنتجب الهمذاني: ت: د. محمد حسن النمر، د. فؤاد علي مخيمر، ط (1) ، الدوحة 1411هـ -1991م.

133 -

الفوائد الضيائية. نور الدين الجامي: ت: د. أسامة طه الرفاعي، العراق 1403هـ - 1983م.

134 -

في الضرورات الشعرية. د. خليل بنيان الحسون: ط (1) ، بيروت1403هـ.

135 -

الكافي في العروض والقوافي. الخطيب التبريزي: ت: الحسّاني حسن عبد الله، مكتبة الخانجي، القاهرة.

136 -

الكامل. أبو العباس المبرد: ت: محمد أحمد الدالي، ط (1) ، مؤسسة الرسالة، بيروت 1406هـ.

137 -

الكامل في التاريخ. ابن الأثير: ط (4) ، دار الكتاب العربي، بيروت 1403هـ-1983م.

138 -

الكتاب. سيبويه: ط (1) بولاق، 1316هـ.

139 -

الكشاف. أبو القاسم الزمخشري: دار المعرفة، بيروت.

140 -

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. حاجي خليفة: ط (1) ، منشورات مكتبة المثنى، بيروت.

141 -

كفاية الغلام في إعراب الكلام. أبو سعيد الآثاري: ت: د. زهير زاهد، والأستاذ هلال ناجي، ط (1) ، بيروت 1407هـ.

142 -

اللامات. أبو القاسم الزجاجي: ت: مازن المبارك، ط (2) ، دار الفكر، دمشق 1405هـ-1985م.

143 -

لباب الإعراب للإسفراييني. تاج الدين الإسفراييني: ت: بهاء الدين عبد الوهاب عبد الرحمن، ط (1) ، الرياض 1405هـ.

144 -

لسان العرب. ابن منظور: دار صادر، بيروت.

145 -

لمع الأدلة. أبو البركات الأنباري: ت: سعيد الأفغاني، دمشق، 1377هـ-1957م.

146 -

اللمع في العربية. ابن جني: ت: حامد المؤمن، ط (2) ، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية 1405هـ.

147 -

المؤتلف والمختلف. أبو القاسم الآمدي: تصحيح وتعليق د/ ف. كرنكو، ط (2) ، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ.

ص: 222

148 -

ما يحتمل الشعر من الضرورة. أبو سعيد السيرافي: ت: د. عوض بن حمد القوزي، ط (1) ، مطابع الفرزدق، الرياض 1409هـ -1989م.

149 -

ما ينصرف وما لا ينصرف. أبو إسحاق الزجاج: ت: هدى محمود قراعة، ط (1) ، القاهرة، 1391هـ-1971م.

150 -

المبسوط في القراءات العشر. أبو بكر الأصبهاني: ت: سبيع حاكمي، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.

151 -

مجاز القرآن. أبو عبيدة معمر بن المثنى: ت: محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، القاهرة 1374هـ-1954م.

152 -

مجالس ثعلب. أبو العباس أحمد بن يحيى: ت: عبد السلام هارون، ط (3) ، دار المعارف، مصر.

153 -

مجمع الأمثال. أبو الفضل الميداني: ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط (3) ، دار الفكر 1393هـ.

154 -

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها. ابن جني: ت: علي النجدي ناصف وزميليه، ط (2) ، دار سزكين للطباعة والنشر 1406هـ.

155 -

مختصر في شواذ القراءات. ابن خالويه: نشر: ج براجستراسر، المطبعة الرحمانية، مصر 1934م.

156 -

المدارس النحوية. د. شوقي ضيف: ط (4) ، دار المعارف 1968م.

157 -

المسائل البصريات. أبو علي الفارسي: ت: د. محمد الشاطر أحمد محمد، ط (1) ، القاهرة 1405هـ-1985م.

158 -

المسائل المشكلة (البغداديات) . أبو علي الفارسي: ت: صلاح الدين عبد الله السنكاوي، مطبعة العاني، بغداد.

159 -

المساعد على تسهيل الفوائد. ابن عقيل: ت: محمد كامل بركات، ط (1) ، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى 1400هـ - 1980م.

160 -

مشكل إعراب القرآن. مكي بن أبي طالب: ت: د. حاتم صالح الضامن، ط (2) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ - 1984م.

161 -

المعارف. ابن قتيبة: ت: د. ثروت عكاشة، ط (4) ، دار المعارف 1981م.

162 -

معاني القرآن. أبو زكريا الفراء: ت: أحمد نجاتي ومحمد النجار، ط (3) ، عالم الكتب، بيروت 1403هـ.

ص: 223

163 -

معاني القرآن وإعرابه. أبو إسحاق الزجاج: ت: د. عبد الجليل عبده شلبي، ط (1) ، عالم الكتب، بيروت 1408هـ - 1988م.

164 -

المعاني الكبير. ابن قتيبة الدينوري: ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.

165 -

معجم الأدباء. ياقوت الحموي: ط (3) ، دار الفكر، 1400هـ.

166 -

معجم الشعراء. أبو عبيد الله المرزباني: تصحيح وتعليق: د. ف. كرنكو، ط (2) ، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ.

167 – مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. ابن هشام الأنصاري: ت: د. مازن المبارك، محمد علي حمد الله، ط (5) ، دار الفكر، بيروت 1979هـ.

168 -

مفتاح السعادة ومصباح السيادة. طاش كبرى زادة: دار الكتب الحديثة، مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة.

169 -

مفتاح العلوم. أبو يعقوب السكاكي: ت: نعيم زرزور، ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت 1403هـ.

170 -

المفصل في علم العربية. أبو القاسم الزمخشري: ت: السيد محمد بدر الدين النعساني، ط (2) ، دار الجيل، بيروت.

171 -

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية. بدر الدين العيني: مطبوع بهامش خزانة الأدب، ط (1) ، بولاق 1299هـ.

172 -

المقتصد في شرح الإيضاح. عبد القاهر الجرجاني: ت: د. كاظم بحر المرجان، دار الرشيد للنشر، العراق 1982م.

173 -

المقتضب. أبو العباس المبرد: ت: محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.

174 -

المقرب. ابن عصفور الإشبيلي: ت: أحمد الجواري وعبد الله الجبوري، ط (1) ، مطبعة العاني، بغداد 1391هـ.

175 -

منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل. محمد محيي الدين عبد الحميد: مطبوع مع شرح ابن عقيل.

176 -

المنصف. أبو الفتح بن جني: ت: إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، ط (1) ، مصطفى البابي الحلبي 1373هـ.

177 -

منهج السالك إلى ألفية ابن مالك. الأشموني نور الدين أبو الحسن: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.

178 -

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء. محمد بن عمران المرزباني: مصر 1343هـ.

ص: 224

179 -

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. جمال الدين بن تغري بردي: مصورة عن طبعة دار الكتب.

180 -

النحو الوافي. عباس حسن: ط (5) ، دار المعارف، مصر 1980م.

181 -

نزهة الألباء في طبقات الأدباء. أبو البركات الأنباري: ت: د. إبراهيم السامرائي، ط (3) مكتبة المنار، الأردن 1405هـ.

182 -

النشر في القراءات العشر. ابن الجزري: صححه وراجعه علي محمد الضبع، دار الكتب العلمية، بيروت.

183 -

نكت الهميان في نكت العميان. الصفدي: المطبعة الجمالية، القاهرة 1329هـ.

184 -

النوادر في اللغة. أبو زيد الأنصاري: ت: د. محمد عبد القادر أحمد، ط (1) ، دار الشروق، بيروت 1401هـ-1981م.

185 -

همع الهوامع في شرح جمع الجوامع. جلال الدين السيوطي: ت: د. عبد العال سالم مكرم، ط (1) ، دار البحوث العلمية، الكويت 1400هـ - 1980م.

186 -

وفيات الأعيان. ابن خلكان: ت: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت.

ص: 225

تابع لأثر المشهور عن الإمام مالك

الفصل الأوَّل

في تخريج هذا الأثر، وبيان ثبوته

وذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة

وأقوال السلف الصالح

المبحث الأوَّل: تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك رحمه الله

لقد اشتهر هذا الأثر عن الإمام مالك رحمه الله شهرة بالغة، ورواه عنه طائفة من تلاميذه، وهو مرويٌّ عنه من طرق عديدة، وقد حَظِي باستحسان أهل العلم، وتلقَّوه بالقبول، وهو مخرَّج في كتب عديدة من كتب السنة.

وفيما يلي ذكرٌ لما وقفت عليه من طرق لهذا الأثر مع ذكر مخرِّجيها، وما وقفت عليه من كلام أهل العلم في بيان ثبوته.

1-

رواية جعفر بن عبد الله

قال الحافظ أبو نعيم في الحلية: حدّثنا محمد بن علي بن مسلم العقيلي، ثنا القاضي أبو أميَّة الغلابي، ثنا سلمة بن شبيب، ثنا مهدي بن جعفر، ثنا جعفر بن عبد الله قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكتُ بعود في يده حتى علاه الرّحضاء يعني العرق ثمَّ رفع رأسه ورمى بالعود وقال:"الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وأمر به فأُخرج.

ورواه الإمام أبو إسماعيل الصابوني في كتابه (عقيدة السلف) قال: أخبرنا أبو محمد المخلدي العدل، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الإسفراييني، حدّثنا أبو الحسين علي بن الحسن، حدّثنا سلمة بن شبيب به، وذكر نحوَه، إلاّ أنّه قال:"الكيف غير معلوم".

ورواه أيضاً الإمام الصابوني من طريق أخرى قال: أخبرنا به جدّي أبو حامد أحمد بن إسماعيل، عن جدّ والدي الشهيد، وأبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني، حدّثنا محمد بن أحمد ابن أبي عون النسوي، حدّثنا سلمة بن شبيب به.

ص: 226

ورواه الحافظ اللالكائي في شرح الاعتقاد من طريق علي بن الربيع التميمي المقري قال: ثنا عبد الله بن أبي داود قال: ثنا سلمة ابن شبيب به، باللفظ السابق.

وتابعه بكّار بن عبد الله عن مهدي بن جعفر عن مالك، ولم يذكر شيخه جعفر بن عبد الله.

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، أخبرنا محمد بن عبد الملك قال: حدّثنا عبد الله بن يونس قال: حدّثنا بقيُّ بن مخلد قال: حدّثنا بكار بن عبد الله القرشي قال: حدّثنا مهدي بن جعفر عن مالك ابن أنس أنَّه سُئل عن قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : كيف استوى؟، قال: فأطرق مالك ثم قال:"استواؤه مجهول، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذا بدعة".

وتابعه أيضاً الإمام الدارمي، قال في كتابه الردّ على الجهميّة: حدّثنا مهدي بن جعفر الرملي ثنا جعفر بن عبد الله وكان من أهل الحديث ثقة عن رجل قد سمّاه لي، قال: جاء رجل إلى مالك ابن أنس، وذكره.

فزاد في إسناده بعد جعفر بن عبد الله:"عن رجل".

ومهدي بن جعفر صدوق له أوهام وقد اضطرب في روايته لهذه القصة، فرواها مرّة عن شيخه جعفر بن عبد الله عن مالك، ورواها مرّة أخرى عن شيخه جعفر عن رجل عن مالك، ورواها مرّة ثالثة عن مالك مباشرة، وهذا الاضطراب الذي في هذه الطريق لا ينفي صحة القصة؛ لأنَّها قد جاءت من طرق أخرى تعضدها وتقوِّيها - كما سيأتي -.

2-

رواية عبد الله بن وهب

قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، ثنا أبي، حدّثنا أبو الربيع بن أخي رشدين ابن سعد قال: سمعت عبد الله بن وهب يقول: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استواؤه؟، قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال:"الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه، قال: فأُخرج".

ص: 227

قال الذهبي في العلوّ:"وساق البيهقي بإسناد صحيح عن أبي الربيع الرشديني عن ابن وهب

"وذكره.

وقال الحافظ ابن حجر:"وأخرج البيهقي بسند جيِّد عن ابن وهب

"وذكره.

3-

رواية يحيى بن يحيى التميمي

قال البيهقي رحمه الله في كتابه الأسماء والصفات:

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه الأصفهاني، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيَّان المعروف بأبي الشيخ، ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي: سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} فكيف استوى؟، قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ مبتدعاً. فأمر به أن يُخرج".

ورواه البيهقي في كتابه الاعتقاد بالإسناد نفسه.

وأورده الذهبي في العلوّ قال: وروى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة، وذكره ثم قال:"هذا ثابت عن مالك".

وقال الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي في كتابه في الاستواء:"صحيح ثابت عن مالك".

4-

رواية جعفر بن ميمون

قال الإمام أبو إسماعيل الصابوني حدّثنا أبو الحسن بن إسحاق المدني، حدّثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي، حدّثنا شاذان، حدّثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني، حدّثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ ضالاًّ، وأمر به أن يخرج من مجلسه".

5-

رواية سفيان بن عيينة

قال القاضي عياض:"قال أبو طالب المكي: كان مالك

ص: 228

- رحمه الله أبعدَ الناس من مذاهب المتكلِّمين، وأشدَّهم بُغضاً للعراقيين، وألزَمَهم لسنة السالفين من الصحابة والتابعين، قال سفيان بن عيينة: سأل رجلٌ مالكاً فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى يا أبا عبد الله؟، فسكت مالكٌ مليًّا حتى علاه الرحضاء، وما رأينا مالكاً وجد من شيء وجده من مقالته، وجعل الناس ينظرون ما يأمر به، ثمَّ سُريَّ عنه فقال:"الاستواء منه معلوم، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، والإيمان به واجب، وإني لأظنُّك ضالاًّ، أخرجوه".

فناداه الرجل: يا أبا عبد الله، والله الذي لا إله إلَاّ هو، لقد سألتُ عن هذه المسألة أهلَ البصرة والكوفة والعراق، فلم أجِد أحداً وُفِّق لما وُفِّقت له".

6-

رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام التيمي.

قال أبو الشيخ الأنصاري في كتابه طبقات المحدّثين: حدّثنا عبد الرحمن بن الفيض، قال: ثنا هارون بن سليمان، قال: سمعت محمد بن النعمان بن عبد السلام يقول:"أتى رجل مالكَ بنَ أنس فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، قال: فأطرق، وجعل يعرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به، فرفع رأسه، فقال:"الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلاّ ضالاًّ، أَخرجوه من داري"، وإسناده جيّد.

7-

رواية عبد الله بن نافع.

ص: 229

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ابن مالك، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سريج بن النعمان، قال: حدّثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس:"الله عز وجل في السماء وعلمه في كلِّ مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، فقال مالك رحمه الله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء".

8-

رواية أيوب بن صالح المخزومي.

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: وأخبرنا محمد بن عبد الملك، قال: حدّثنا عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا بقي بن مخلد، قال: حدّثنا بكّار بن عبد الله القرشي

وساق روايته للأثر المتقدّمة من طريق مهدي بن جعفر، ثم قال: قال بقي: وحدّثنا أيوب بن صلاح المخزومي بالرملة، قال:"كنا عند مالك إذ جاءه عراقي فقال له: يا أبا عبد الله مسألة أريد أن أسألك عنها؟، فطأطأ مالك رأسه فقال له: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، قال: سألتَ عن غير مجهول، وتكلّمت في غير معقول، إنّك امرؤ سوء، أخرِجوه، فأخذوا بضبعيه فأخرجوه".

9-

رواية بشّار الخفّاف الشيباني.

قال ابن ماجه في التفسير: حدّثنا علي بن سعيد، قال: حدّثنا بشّار الخفّاف أو غيره، قال:"كنت عند مالك بن أنس فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} ، كيف استوى؟، وذكره، كذا في تهذيب الكمال.

ص: 230

وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره:"وقد رووا عن جعفر بن عبد الله وبشر الخفّاف قالا: كنّا عند مالك بن أنس فأتاه رجل فسأله عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} ، كيف استوى؟ فأطرق مالك مليًّا، وعلاه الرحضاء، ثم قال:"الكيف غير معقول، الاستواء مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنّك إلاّ ضالاًّ، ثم أمر به فأخرج"، من غير شك في رواية بشار الخفاف.

10-

رواية سحنون عن بعض أصحاب مالك.

قال ابن رشد في البيان والتحصيل: قال سحنون: أخبرني بعض أصحاب مالك أنَّه كان قاعداً عند مالك فأتاه رجل فقال:"يا أبا عبد الله مسألة؟، فسكت عنه ثم قال له: مسألة؟، فسكت عنه، ثم عاد فرفع إليه مالك رأسَه كالمجيب له، فقال السائل: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} ، كيف كان استواؤه؟ فطأطأ مالك رأسَه ساعة ثم رفعه، فقال:"سألتَ عن غير مجهول، وتكلّمتَ في غير معقول، ولا أراك إلَاّ امرأ سوء، أَخرِجوه".

فهذا جملة ما وقفت عليه من طرق لهذا الأثر عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله، وبعض طرقه صحيحة ثابتة، وبعضها لا يخلو من مقال، إلا أنّها يشدّ بعضها بعضاً، ويشهد بعضها لبعض، والأثر ثابت بلا ريب بمجموع هذه الطرق، ولذا اعتمده أهل العلم، وصححه غير واحد، وقد تقدّم الإشارة إلى بعض من صحّحه، ولا يُعرف أحدٌ منهم ضعّفه، وسيأتي في مبحث لاحق نقل كلام أهل العلم في التنويه به، والثناء عليه، وتلقّيهم له بالقبول والاستحسان.

المبحث الثاني: ذكر الشواهد على هذا الأثر من الكتاب والسنة

لقد تضمّن هذا الأثر العظيم جملاً أربعاً وهي:

1-

الاستواء غير مجهول.

2-

والكيف غير معقول.

3-

والإيمان به واجب.

4-

والسؤال عنه بدعة.

ص: 231

وهي جمل صحيحة المعنى عظيمة الدلالة، لكلِّ جملة منها شواهدها الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيمرُّ معنا في ثنايا هذا المبحث العديد من النصوص التي تشهد لصحة كلِّ جملة من هذه الجمل، ولنقف هنا مع كلِّ جملة من هذه الجمل لذكر بعض الشواهد عليها من القرآن والسنة.

أوّلاً: أما قوله: (الاستواء غير مجهول) فالمراد به أنَّ الاستواء معلوم المعنى؛ لأنَّ الله قد خاطبنا في القرآن الكريم بكلام عربيٍّ مبين، قال الله تعالى:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} ، وقال تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1) وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (2) وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيًّا} (3) وقال تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (4) فهو – سبحانه - أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين؛"لأنَّ لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات"، وليفهم المخاطَبون به كلام الله وليعقلوا خطابه ويحيطوا بمعانيه كما قال – سبحانه -:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} فمن لطف الله بخلقه أنه يرسل إليهم الرسل منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (5) وفي المسند من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لم يبعث

(1) سورة الشعراء، الآية:(195) .

(2)

سورة يوسف، الآية:(2) .

(3)

سورة فصّلت، الآية:(3) .

(4)

سورة الأحقاف، الآية:(12) .

(5)

سورة فصّلت، الآية:(44) .

ص: 232

الله عز وجل نبيًّا إلَاّ بلغة قومه" (1)

والقرآن الكريم شأنه كذلك، فهو بلسان عربيٍّ مبين، يفهمه المخاطَبون به، فمدلولاته ظاهرة، ومعانيه واضحة، وقد فهمه المخاطَبون به وعقلوا معناه، ولا سيما في أشرف مقاصده وأعظم أبوابه وهو توحيد الله عز وجل،"ومن المعلوم أنَّ الصحابة سمعوا القرآن والسنة من النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأوه وأقرأوه مَن بعدهم، وتكلّم العلماء في معانيه وتفسيره، ومعاني الحديث وتفسيره، وما يتعلّق بالأحكام وما لا يتعلّق بها، وهم مجمعون على غالب معاني القرآن والحديث، ولم يتنازعوا إلاّ في قليل من كثير، لا سيما القرون الأولى، فإنَّ النزاع بينهم كان قليلاً جدًّا بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، وكان النزاع في التابعين أكثر، وكلّما تأخّر الزمان كثر النزاع وحدث من الاختلاف بين المتأخرين ما لم يكن في الذين قبلهم، فإنَّ القرآن تضمّن الأمر بأوامر ظاهرة وباطنة، والنهي عن منَاهٍ ظاهرة وباطنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن مقادير الصلوات ومواقيتها وصفاتها، والزكوات ونصبها ومقاديرها، وكذلك سائر العبادات، وعامة هذه الأمور نقلتها الأمة نقلاً عاماًّ متواتراً خلَفاً عن سلف، وحصل العلم الضروري للخلق بذلك كما حصل لهم العلم الضروري بأنَّه بلغهم ألفاظها، وأنَّه قاتل المشركين وأهل الكتاب، وأنَّه بُعث بمكة وهاجر إلى المدينة، وأنَّه دعا الأمة إلى أن شهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأخبرهم أنَّ هذا القرآن كلام الله الذي تكلّم به لا كلامه ولا كلام مخلوق، وأنَّه ليس قول البشر، وأنَّه علمهم أنَّ ربه فوق سمواته على عرشه، وأنَّ المَلَك نزل من عنده إليه، ثم يعرج إلى ربِّه، وأنَّ ربّه يسمع ويرى ويتكلّم وينادي ويحب ويبغض ويرضى ويغضب، وأنَّ له يدَيْن ووجهاً، وأنَّه يعلم السِرَّ وأخفى، فلا يخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض، وأنَّه يقيمهم من قبورهم

(1) سورة إبراهيم، الآية:(4) .

ص: 233

أحياء بعدما مزّقهم البِلى إلى دار النعيم أو إلى الجحيم".

ثمَّ"إنَّ الله – سبحانه - وصف نفسه بأنّه بيّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله بالبيان، وأخبر أنَّه أنزل عليه كتابه ليبيّن للناس، ولهذا قال الزهري:"مِن الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم"، فهذا البيان الذي تكفّل به – سبحانه -، وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعاً، ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإنَّ هذا لا فائدة فيه، ولا يحصل به مقصود الرسالة، وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع، فعُلم قطعاً أنَّ المراد بيان اللفظ والمعنى.

والله تعالى أنزل كتابه - ألفاظه ومعانيه -، وأرسل رسوله ليبيّن اللفظ والمعنى، فكما أنّا نقطع ونتيقّن أنّه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقّن أنّه بيّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشدّ من عنايته ببيان اللفظ، وهذا هو الذي ينبغي، فإنَّ المعنى هو المقصود، وأمَّا اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهمّ من عنايته بالمقصود؟، وكيف نتيقّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟، وهل هذا إلا من أبين المحال؟

فإنْ جاز عليه ألاّ يبيّن المراد من ألفاظ القرآن، جاز عليه ألاّ يبيّن بعض ألفاظه، فلو كان المراد منها خلاف حقائقها وظواهرها ومدلولاتها وقد كتمه عن الأمة، ولم يبيّنه لها كان ذلك قدحاً في رسالته وعِصمته، وفتحاً للزنادقة والملاحدة من الرافضة وإخوانهم بابَ كتمان بعض ما أنزل عليه، وهذا منافٍ للإيمان به وبرسالته".

ص: 234

"ومحال مع هذا أن يدع أهم ما خلق له الخلق وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتب، ونصبت عليه القبلة، وأسست عليه الملة، وهو باب الإيمان به ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ملتبساً مشتبهاً حقّه بباطله، لم يتكلّم فيه بما هو الحق، بل تلكّم بما ظاهره الباطل، والحق في إخراجه عن ظاهره، وكيف يكون أفضل الرسل وأجلّ الكتب غير وافٍ بتعريف ذلك على أتمِّ الوجوه، مبيّن له بأكمل البيان، موضح له غاية الإيضاح، مع شدّة حاجة النفوس إلى معرفته، ومع كونه أفضل ما اكتسبته النفوس، وأجلّ ما حصلته القلوب، ومن أبين المحال أن يكون أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم قد علّم أمّته آداب البول، قبله وبعده ومعه، وآداب الوطء وآداب الطعام والشراب، ويترك أن يعلّمهم ما يقولونه بألسنتهم وتعتقده قلوبهم في ربهم ومعبودهم الذي معرفته غاية المعارف، والوصول إليه أجلّ المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل، ويخبرهم فيه بما ظاهره باطل وإلحاد، ويحيلهم في فهم ما أخبرهم به على مستكرهات التأويلات، ومستنكرات المجازات، ثم يحيلهم في معرفة الحق على ما تحكم به عقولهم وتوجبه آراؤهم، هذا وهو القائل:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك"، وهو القائل:"ما بعث الله من نبي إلاّ كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمّته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم" (1) وقال أبو ذر:"لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلّب جناحيه في السماء إلا ذكّرنا منه علماً"، وقال عمر بن الخطاب:"قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه"، ذكره البخاري....

(1) رواه ابن ماجه (1/15)، وابن أبي عاصم في السنة (رقم:48،49) . وقال الألباني:"حديث صحيح".

ص: 236

فكيف يتوهّم مَن لله ولرسوله ولدينه في قلبه وَقار أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن بيان هذا الأمر العظيم ولم يتكلّم فيه بالصواب، بل تكلّم بما ظاهره خلاف الصواب؟، بل لا يتمّ الإيمان إلا باعتقاد أنَّ بيان ذلك قد وقع من الرسول على أتمِّ الوجوه، وأوضحه غاية الإيضاح، ولم يَدَع بعده لقائل مقالاً ولا لمتأوّل تأويلاً، ثم من المحال أن يكون خير الأمة وأفضلها وأعلمها وأسبقها إلى كلِّ فضل وهدى ومعرفة قصروا في هذا الباب فجفوا عنه أو تجاوزوا فغلوا فيه".

ثمّ إنَّ الله سبحانه وتعالى قد حثَّ عباده على تدبّر القرآن وتعقّل آياته وفهم معانيه في مواطن عديدة في القرآن الكريم، فقال سبحانه:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ، وقال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} (1) وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبَّرُوا آيَاتِهِ} (2) وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (3) وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (4) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

(1) سورة محمد، الآية:(24) .

(2)

سورة النساء، الآية:(82) .

(3)

سورة ص، الآية:(29) .

(4)

سورة الزمر، الآية:(27) .

ص: 237

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فحضَّ على تدبّره وفقهه وعقله والتذكّر به والتفكر فيه، ولم يستثن من ذلك شيئاً؛ بل نصوص متعدّدة تصرّح بالعموم فيه مثل قوله:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ، وقوله:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} ، ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلاّ بتدبّره كلّه، وإلَاّ فتدبّر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبّر لما تدبّر.

ص: 238

وقال علي رضي الله عنه لما قيل له: هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؟، فقال:"لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه، وما في هذه الصحيفة". فأخبر أنَّ الفهم فيه مختلف في الأمة، والفهم أخصُّ من العلم والحكم، قال الله تعالى:{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"رُبَّ مبلّغ أوعى من سامع"(1) وقال:"بلِّغوا عني ولو آية"(2) وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين وسائرالأمة قد تكلّموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها، وفسّروها بما يوافق دلالتها وبيانها، ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن، وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم مثل عبد الله بن مسعود الذي كان يقول:"لو أعلم أعلمَ بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل لأتيته"، وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات، ورواية لها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا، وما في التابعين أجلّ من أصحاب هذين السيّدين، بل وثالثهما في عليّة التابعين من جنسهم أو قريب منهم، ومثلهما في جلالته جلالة أصحاب زيد بن ثابت؛ لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره مثل عمر وابن عمر وابن عباس، ولو كان معاني هذه الآيات منفياً ومسكوتاً عنه لم يكن ربانيو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه.

(1) سورة الأنبياء، الآية:(79) .

(2)

رواه البخاري (3/573 - 574 - الفتح) .

ص: 239

ثم إنَّ الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنَّه امتنع من تفسير آية، قال أبو عبد الرحمن السلمي:"حدّثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنّهم كانوا إذا تعلّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلّموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلم والعمل"، وكذلك الأئمة كانوا إذا سُئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، فقال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وكذلك ربيعة قبله، وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة مَن ينكره

".

فهذه هي طريقة أئمة السلف أهل السنة والجماعة في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين، وقد لخّص الإمام ابن القيم رحمه الله طريقتهم هذه بقوله:"كان أئمة السلف وأتباعهم يذكرون الآيات في هذا الباب، ثم يُتبعونها بالأحاديث الموافقة لها، كما فعل البخاري ومَن قبله ومَن بعده من المصنفين في السنة، فإنَّ الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهما يحتجون على صحة ما تضمّنته أحاديث النزول والرؤية والتكليم والوجه واليدين والإتيان والمجيء بما في القرآن، ويثبتون اتفاق دلالة القرآن والسنة عليها، وأنّهما من مشكاة واحدة، ولا ينكر ذلك مَن له أدنى معرفة وإيمان، وإنّما يحسن الاستدلال على معاني القرآن بما رواه الثقات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء، ثم يتبعون ذلك بما قاله الصحابة والتابعون أئمة الهدى.

ص: 240

وهل يخفى على ذي عقل سليم أنَّ تفسير القرآن بهذه الطريق خير مما هو مأخوذ عن أئمة الضلال وشيوخ التجهّم والاعتزال كالمريسي والجبّائي والنظّام والعلاّف وأضرابهم من أهل التفرّق والاختلاف الذين أحدثوا في الإسلام ضلالات وبدعاً، وفرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، وتقطّعوا أمرهم بينهم كلُّ حزب بما لديهم فرحون.

فإذا لم يجز تفسير القرآن وإثبات ما دلّ عليه، وحصول العلم واليقين بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة، وكلام الصحابة وتابعيهم، أفيجوز أن يرجع في معاني القرآن إلى تحريفات جهم وشيعته، وتأويلات العلاّف والنظام والجبّائي والمرّيسي وعبد الجبار وأتباعهم من كلِّ أعمى أعجمي القلب واللسان، بعيد عن السنة والقرآن، مغمور عند أهل العلم والإيمان؟ ".

ويمكن أن نلخِّص ما تقدّم في ستة وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيها أوضح دلالة على أن المعنى معلوم ومطلوب من العباد العلم به:

"أحدها: أنَّ العادة المطَّرَدة التي جبل الله عليها بني آدم توجب عنايتهم بالقرآن المنزّل عليهم لفظاً ومعنىً؛ بل أن يكون عنايتهم بالمعنى أوكد، فإنَّه قد عُلم أنَّه مَن قرأ كتاباً في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنَّه لا بدَّ أن يكون راغباً في فهمه، وتصوُّر معانيه، فكيف بمن قرؤوا كتاب الله تعالى المنزل إليهم، الذي به هداهم الله، وبه عرّفهم الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والرشاد والغي؟!.

فمن المعلوم أنَّ رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات؛ بل إذا سمع المتعلّم من العالم حديثاً فإنَّه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلّغ عنه؟!، بل ومن المعلوم أنَّ رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإنَّ معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود؛ إذ اللفظ إنما يُراد للمعنى.

ص: 241

الوجه الثاني: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد حضّهم على تدبّره وتعقّله واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى:{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَبَّرُوا آيَاتِهِ} ، وقال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (1) وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأَوَّلِينَ} (2) وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيرا} (3)

فإذا كان قد حضّ الكفار والمنافقين على تدبّره، علم أنَّ معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكناً للمؤمنين، وهذا يبيّن أنَّ معانيه كانت معروفة بيّنة لهم.

الوجه الثالث: أنَّه قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، وقال تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (4) فبيّن أنَّه أنزله عربيًّا؛ لأنْ يعقلوا، والعقل لا يكون إلاّ مع العلم بمعانيه.

الوجه الرابع: أنّه ذمّ من لا يفهمه فقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} ، وقال تعالى:{فَمَا لِهؤَلَاءِ القَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} (5) فلو كان المؤمنون لا يفقهونه أيضاً لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمّهم الله تعالى به.

(1) سورة ص، الآية:(29) .

(2)

سورة محمد، الآية:(24) .

(3)

سورة المؤمنون، الآية:(68) .

(4)

سورة يوسف، الآية:(2) .

(5)

سورة الإسراء، الآيات:(45،46) .

ص: 242

الوجه الخامس: أنَّه ذمّ من لم يكن حظّه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه، فقال تعالى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ، وقال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (1) وقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ واتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم} (2) وأمثال ذلك.

وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا، وقالوا: ماذا قال آنفا؟، أي: الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ واتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم} .

فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن، جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمّهم الله تعالى عليه.

الوجه السادس: أنَّ الصحابة - رضي الله - عنهم فسّروا للتابعين القرآن، كما قال مجاهد:"عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقف عند كلِّ آية وأسأله عنها".

ولهذا قال سفيان الثوري:"إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به". وكان ابن مسعود يقول:"لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته". وكلُّ واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير ما لا يحصيه إلا الله، والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها".

(1) سورة البقرة، الآية:(171) .

(2)

سورة الفرقان، الآية:(44) .

ص: 243

ثانياً: قوله:"والكيف غير معقول"فإنَّ العقول لا يمكن لها أن تدرك كيفية صفات الباري – سبحانه -، وقد نصّ الله على ذلك في قوله تعالى:{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} .

قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله:"فقوله: {يُحِيطونَ بِه} فعل مضارع والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن كما قال ابن مالك في الخلاصة:

المصدر اسمُ ما سوى الزمان مِنْ

مدلولي الفعل كأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ

ص: 244

وقد حرّر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً، فـ"يحيطون"في مفهومها الإحاطة، فيتسلّط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين، فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك؛ لأنَّ هذه الصفات كلّها من باب واحد، فما وصف الله به نفسه منها فهو حق، وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، وما وُصف به المخلوقون منها فهو حق مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وهذا الكلام الكثير أوضحه الله في كلمتين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تنزيه بلا تعطيل، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} إيمان بلا تمثيل، فيجب من أول الآية وهو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل، ويلزم من قوله:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإيمان بجميع الصفات الذي ليس فيه تمثيل، فأول الآية وآخرها إيمان، ومن عمل بالتنزيه الذي في {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والإيمان الذي في قوله:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وقطع النظر عن إدراك الكنه والكيفية المنصوص في قوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} خرج سالماً".

وروى أحمد وأبو داود وغيرهما عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:"أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات".

قال عيسى بن يونس:"والأغلوطات ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف".

وقال الخطابي:"وفيه كراهية التعمّق فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل ووجوب التوقّف عمّا لا علم للمسؤول به".

ص: 245

والله تبارك وتعالى لم يكلّف عباده ولم يأمرهم بالبحث عن كيفية صفاته ولا أراد منهم ذلك، بل لم يجعل لهم سبيلاً إليه،"ولهذا لمّا سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان.

فبيَّن أنَّ الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية ذلك مجهول، ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنَّه لا يعلم كيف الله إلَاّ الله، فلا يعلم ما هو إلَاّ هو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر:"اللهم إني أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أنَّ لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده".

ص: 246

بل إنَّ المخلوقَ عاجزٌ عن إدراك كنه كثير من المخلوقات وكيفيتها، فلأن يكون عن إدراك كنه صفات الباري وكيفيتها أعجز من باب أولى، قال رُسته: سمعتُ ابن مهدي يقول لفتى من ولد الأمير جعفر بن سليمان:"بلغني أنَّك تتكلّم في الرب، وتصفه وتشبهه. قال: نعم، نظرنا فلم نر من خلق الله شيئاً أحسن من الإنسان، فأخذ يتكلّم في الصفة، والقامة، فقال له: رُويدك يا بنيّ حتى نتكلّم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عنه فنحن عن الخالق أعجز، أخبرني عمّا حدّثني شعبة، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قال:"رأى جبريل له ستمائة جناح"، فبقي الغلام ينظر، فقال: أنا أُهوِّن عليك صِفْ لي خلقاً له ثلاثة أجنحة، وركّب الجناح الثالث منه موضعاً حتى أعلم، قال: يا أبا سعيد عجزنا عن صفة المخلوق، فأُشهدك أني قد عجزتُ ورجعتُ".

ص: 247

وقال أبو يحيى زكريا الساجي: حدّثنا المزني: قال: قلت:"إن كان أحدٌ يخرجُ ما في ضميري، وما تعلّقَ به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي، فصِرتُ إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أنَّ أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟، فغضب، ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم، قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلَغك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك؟، قلت: لا، قال: هل تكلّم فيه الصحابة؟، قلت: لا، قال: تدري كم نجماً في السماء؟، قلت: لا، قال: فكوكبٌ منها تعرف جنسَه، طلوعَه، أفولَه، ممّ خُلق؟، قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لستَ تعرفه، تتكلّم في علم خالقه؟!، ثم سألني عن مسألة في الوضوء، فأخطأتُ فيها، ففرّعها على أربعة أوجه، فلم أُصب في شيء منه، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرّات، تدعُ علمه، وتتكلّف علمَ الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك، فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى: {وَإِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية، فاستدِلَّ بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلّف علمَ ما لم يبلغه عقلك، قال: فتبتُ".

ص: 248

وقال القاضي أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات:"والله إنّا لعاجزون كالّون حائرون باهتون في حدّ الروح التي فينا، وكيف تعرج كلَّ ليلة إذا توفّاها بارئها، وكيف يرسلها؟، وكيف تستقلّ بعد الموت؟، وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربّه بعد قتله؟، وكيف حياة النبيين الآن؟، وكيف شاهد النبي صلى الله عليه وسلم أخاه موسى يصلي في قبره قائماً، ثم رآه في السماء السادسة وحاوره، وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته؟، وكيف ناظر موسى أباه آدم، وحجّه آدم بالقدر السابق، وبأنَّ اللّوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟، وكذلك نعجز عن وصف هيأتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفياتها؟، وأنّ بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم وصفاء جوهرهم النوراني، فالله أعلى وأعظم، وله المثل الأعلى والكمال المطلق، ولا مثل له أصلا {آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ".

وممّا يعين المسلم على قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الباري – سبحانه -، اعتقاده وإيمانه بأنَّ الله أكبر من كلِّ شيء، فإذا اعتقد المسلم وآمن بأنّ الله سبحانه وتعالى أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيراً من مخلوقات الرب تبارك وتعالى، فكيف بالرب – سبحانه -.

ص: 249

ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال:"بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء وسَمَاءٍ خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".

وروي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في تُرس".

وقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض".

وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها، فكيف بالأمر إذاً في الخالق – سبحانه -، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال صلى الله عليه وسلم:"تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله عز وجل".

ص: 250

والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم رحمه الله هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته -سبحانه-، يقول -سبحانه-:{وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ، فالله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

ثالثاً: وأمَّا قوله:"والإيمان به واجب"أي: الاستواء الذي وصف الرب به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنّته، وهكذا الشأن في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة، يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت دون تعرّض لها بردّ أو تحريف أو تكييف أو تمثيل أو غير ذلك، ولهذا ندب الله عباده وحثّهم ورغّبهم في مواطن كثيرة من القرآن الكريم على تعلّم أسماء الرب وصفاته والإيمان بها ومعرفتها معرفة صحيحة سليمة.

ص: 251

يقول الله تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاًمَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} (1) وقال تعالى: {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهَ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (2) وقال تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضَ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيء عِلْماً} (3) وقال تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وقال: {وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (4) وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (5) وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (6) وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (7) وقال: {وَاعْلَموا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (8) وقال: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (9)

(1) سورة الأعراف، الآية:(180) .

(2)

سورة الإسراء، الآية:(110) .

(3)

سورة الحشر، الآيات:(22 - 24) .

(4)

سورة البقرة، الآية:(209) .

(5)

سورة البقرة، الآية:(231) .

(6)

سورة البقرة، الآية:(233) .

(7)

سورة البقرة، الآية:(235) .

(8)

سورة البقرة، الآية:(244) .

(9)

سورة البقرة، الآية:(267) .

ص: 252

وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرِ} (1) وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} (2) وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} (3) وقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ} (4) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

فهذه الآيات وما في معناها تدلّ أوضح الدلالة على أهمية الإيمان بأسماء الرب تبارك وتعالى الحسنى، وصفاته العظيمة، وأنَّ ذلك من أصول الإيمان الراسخة، وأسسه العظيمة التي لا إيمان إلاّ بها، فمن جحدها أو جحد شيئاً منها فليس بمؤمن، كما قال الله تعالى:{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} ، قال ذلك – سبحانه - في شأن من ينكر اسمه الرحمن، فكيف بمن ينكر أسماءه جميعها أو صفاته كلَّها؟!

وقال تعالى في شأن من شك في صفة واحدة: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مَمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} ، فهؤلاء حصل منهم شك في صفة العلم، فظنوا أنَّ الله لا يعلم كثيراً من أعمالهم، فترتّب على هذا الظنّ الفاسد والاعتقاد الباطل تردّيهم في مهاوي الباطل وأودية الضلال، فكيف إذاً بمن عنده شك في جميع الصفات أو غالبها؟!

(1) سورة المائدة، الآية:(98) .

(2)

سورة الأنفال، الآية:(40) .

(3)

سورة البقرة، الآية:(194) .

(4)

سورة البقرة، الآية:(235) .

ص: 253

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} الآية:"كان رجلان من قريش وخَتَنٌ لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وخَتَنٌ لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم: أترون أنَّ الله يسمع حديثنا؟، قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كلّه، فأنزلت: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ} ".

هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: عن ابن مسعود قال:

"اجتمع عند البيت ثلاثة نفر، قرشيّان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليلٌ فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟، وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا؟، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} ".

ص: 254

وقال – تعالى - في شأن من لم ينزّه الله عمّا نزّه عنه نفسه مما لا يليق بجلاله وكماله – سبحانه - من النقائص والعيوب: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} فهؤلاء غلطوا في صفة من صفات التنزيه تنزيه الله عن الولد فهو – سبحانه - الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدٌ، وقد وصف الرب – سبحانه - غلطهم هذا بأنَّه {إِدًّا} أي عظيماً بالغ العظمة والخطورة، تكاد السموات على اتّساعها أن تتفطّر منه، والأرض على ترامي أطرافها أن تنشقّ والجبال على قُوَّتها وصلابتها أن تخرَّ هداًّ، كلُّ ذلك بسبب تفوُّه هؤلاء بهذه المقالة الجائرة، المشتملة على هذا الغلط الفاحش في صفة من صفات الرب سبحانه، فكيف الشَّأن بمن كثرت أغلاطهم في هذا الباب، وتنوَّع باطلهم فيه؟!

وروى البخاري ومسلم عن أمِّ المؤمنين عائشة – رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سريّة وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"سلوه لأيِّ شيء يصنع ذلك؟ "، فسألوه فقال: لأنَّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أخبروه أنَّ الله يحبُّه".

وقد دلَّ هذا الحديث على عظم شأن الإيمان بصفات الرب ومحبّتها والحرص على تعلُّمها، وأنَّ ذلك سببٌ عظيمٌ من أسباب دخول الجنة ونيل رضى الرب – سبحانه -.

ص: 255

وروى عبد الرزاق في مصنّفه عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكاراً لذلك، فقال:"ما فَرَقُ هؤلاء؟، يجدون رقّة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه".

وصفات الله الواردة في القرآن والسنة جميعها من المحكم، إلاّ أنَّ هذا الرجل لقلّة علمه وضعف تفريقه اشتبه عليه الأمر فبادر إلى الاستنكار، فأنكر عليه ابن عباس رضي الله عنهما ذلك وأخبر أنَّ هذا الاستنكار سبيل هلكه.

والشاهد من جميع ما تقدّم أنَّ الإيمان بأسماء الرب وصفاته الواردة في كتابه وسنة نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم يجب الإيمان بها جميعها، والإيمان بها داخل في الإيمان بالله بل هو ركن من أركان الإيمان بالله؛ لأنَّ الإيمان بالله يقوم على أركان ثلاثة هي: الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته، والإيمان بوحدانيته في ألوهيته، والإيمان بوحدانيته في أسمائه وصفاته.

ص: 256

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة العقيدة الواسطية:"ومن الإيمان بالله الإيمانُ بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأنَّ الله – سبحانه - {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه، لأنه – سبحانه - لا سميّ له ولا كفء ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً من خلقه، ثم رسله صادقون مصدَّقون بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ولهذا قال:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} (1) فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب.

وهو - سبحانه - قد جمع فيما وصف وسمّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنَّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين".

رابعاً: وأما قوله:"والسؤال عنه بدعة"فلأنَّ السؤال عنه والبحث فيه أمرٌ لم يشرع للعباد، بل دلّت النصوص على عدم إمكان ذلك، وأنَّه لا سبيل إلى العلم به.

ولهذا فإنَّه من خاض فيه وبحث عن علمه يكون قد قال على الله بلا علم، وقد قال الله تعالى:{أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

(1) سورة الشورى، الآية:(11) .

ص: 257

وهذا من أعظم المحرّمات، وقد قال الله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ ما ظهر منها وما بطن والإِثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

وقفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} .

وتقدّم بعقله القاصر بين يدي الله ورسوله، وقد قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

ثم إنَّه قد ورد في القرآن والسنة النهي عن الأسئلة عن الأمور المغيبة، وعن الأمور التي عفا الله عنها فلم يوجبها ولم يحرِّمها، وكذلك عن سؤال التعنُّت والأغلوطات، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .

وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم".

ص: 258

قال الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في شرح هذا الحديث:"ومما يدخل في هذا الحديث السؤال عن كيفية صفات الباري؛ فإنَّ الأمر في الصفات كلّها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش؟، فقال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فمن سأل عن كيفية علم الله، أو كيفية خلقه وتدبيره، قيل له: فكما أنَّ ذات الله – تعالى - لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله ويعرفون ما تعرّف لهم به من صفاته وأفعاله، وأما كيفية ذلك، فلا يعلم تأويله إلاّ الله".

فهذه بعض الشواهد لقول الإمام مالك – رحمه الله – "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، والمقصود هنا هو الإشارة إلى بعض الشواهد فقط، وإلاّ فإنَّ استقصاء ذلك يطول.

ص: 259

تابع لأثر المشهور عن الإمام مالك

المبحث الثالث: ذكرُ نظائر هذا الأثر مما جاء عن السلف الصالح

إنَّ لقول الإمام مالك رحمه الله هذا نظائرَ كثيرةً جداًّ عند أئمّة السلف وأهل العلم، وسوف أتناول في هذا المبحث - إن شاء الله - ذكر بعض نظائره، لكن يحسن قبل ذلك الإشارةُ إلى أنَّ هذا اللفظ المنقول عن مالك والمشهور عنه رحمه الله قد سبقه إليه شيخُه ربيعةُ الرأي، ويُروى قبل ذلك عن أمِّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لكن من وجه لا يثبت عنها رضي الله عنها.

روى اللالكائي في شرح الاعتقاد، والصابوني في عقيدة السلف، وابن قدامة في إثبات صفة العلوّ، والذهبي في العلوّ من طريق أبي كنانة محمد بن الأشرس الورّاق، حدّثنا أبو عمير الحنفي، عن قُرَّة بن خالد عن الحسن، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة في قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} قالت: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر".

قال شيخ الإسلام: "وقد رُوي هذا الجواب عن أمِّ سلمة رضي الله عنها موقوفاً ومرفوعاً، ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه".

وقال الذهبي: "هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح؛ لأنَّ أبا كنانة ليس بثقة، وأبو عمير لا أعرفه".

وقال الذهبي في ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين عن ابن الأشرس: "له مناكير، ليس بشيء".

أما أثرُ ربيعة الرأي فقد رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد وابن قدامة في العلوّ من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، قال:"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "روى الخلال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن

"فذكره.

ص: 260

ورواه الذهبي في العلوّ من طريق النجَّاد قال: حدّثنا معاذ بن المثنى حدّثني محمد بن بشر حدّثنا سفيان [وهو الثوري] قال: "كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن

"فذكره.

قال الألباني: "وهو صحيح".

ورواه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عبد الله بن صالح بن مسلم قال: سئل ربيعة الرأي عن قول الله تبارك وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، قال:"الكيف مجهول، والاستواء غير معقول، ويجب عليَّ وعليكم الإيمان بذلك كلِّه".

هكذا لفظه: "الكيف مجهول، والاستواء غير معقول"، وهو مخالف للفظ السابق في الطريقين المتقدِّمين، وفي إسناده عبد الله بن صالح بن مسلم وهو أبو صالح المصري كاتب الليث، قال الحافظ في التقريب:"صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة".

ثم هو أيضاً لم يدرك ربيعة، فقد كان مولده سنة سبع وثلاثين ومائة كما في ترجمته في تهذيب الكمال، وكانت وفاة ربيعة الرأي على الصحيح كما في التقريب لابن حجر سنة ست وثلاثين ومائة.

أورد هذه الآثار الثلاثة - أعني أثر أم سلمة وربيعة ومالك - ابنُ قدامة في كتابه (ذمّ التأويل) ثم قال: "وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى واللفظ، فمن المحتمل أن يكون ربيعة ومالك بلغهما قول أم سلمة فاقتديا بها وقالا مثل قولها لصحته وحسنه وكونه قول إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المحتمل أن يكون الله تعالى وفقهما للصواب وألهمهما من القول السديد مثل ما ألهمها".

وقد تقدّم أنَّ أثر أم سلمة رضي الله عنها لم يثبت عنها، فلم يبق إلاّ الاحتمال الثاني وهو أنَّ الله وفقهما للصواب وألهمهما هذا القول السديد، وربما أنَّ مالكاً رحمه الله سمعه من شيخه فاقتدى به، أو أنَّه لم يسمعه منه ولكن وُفِّق إليه كما وُفِّق إليه شيخه.

وذكر الذهبي في كتابه الأربعين أنَّ هذا الأثر يروى أيضاً عن وهب بن منبِّه، لكن لم أقف عليه في مصادر التخريج.

ص: 261

ويشبه تماماً قولَ ربيعة ومالك هذا قولُ أبي جعفر الترمذي (ت295هـ) رحمه الله عندما سُئل عن صفة النزول.

قال الخطيب البغدادي: حدّثني الحسن بن أبي طالب قال: نبّأنا أبو الحسن منصور بن محمد بن منصور القزاز قال: سمعت أبا الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص بن شاهين يقول: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا

"، فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علوّ؟!، فقال أبو جعفر الترمذي: "النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

وأورده الذهبي في العلوّ، قال الألباني - حفظه الله -: "وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات

".

وعلّق الذهبيُّ على هذا الأثر بقوله: "صدق فقيهُ بغداد وعالمُها في زمانه؛ إذ السؤال عن النزول ما هو؟ عيٌّ؛ لأنَّه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلاّ فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عباراتٌ جليّةٌ واضحةٌ للسامع، فإذا اتّصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعةٌ للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر، وكان هذا الترمذي من بحور العلم ومن العباد الورعين. مات سنة خمس وتسعين ومائتين".

ويشبه هذا الأثر إلى حدٍّ ما ما أجاب به سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ) عندما سُئل عن القدر.

قال الحافظ اللالكائي: أخبرنا محمد بن إبراهيم النجيرمي، قال: ثنا أبو عبيد محمد بن عليّ بن حيدرة، قال: ثنا أبو هارون الأُبُلِّي وكان ممن صحب سهل بن عبد الله، وكان رجلاً صالحاً، وكان يُقرئنا القرآن في المسجد الجامع، قال: سُئل سهل بن عبد الله عن القدر، فقال:"الإيمان بالقدر فرضٌ، والتكذيب به كفرٌ، والكلام فيه بدعةٌ، والسكوت عنه سنةٌ".

ص: 262

ثم إنَّ لأهل العلم أقوالاً كثيرةً جداًّ مماثلة لقول الإمام مالك هذا، وتُؤدّي إلى مقصوده، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهكذا سائر الأئمّة قولهم يوافق قول مالك

".

ومن أقوال السلف المماثلة لقول مالك ما يلي:

1-

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: "أمرّوها كما جاءت"، وروى أيضاً عن الوليد ابن مسلم قال: سألت مالك ابن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: "أمرُّوها كما جاءت"،- وفي رواية قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"- وقولهم رضي الله عنهم: "أمرّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطِّلة، وقولهم: "بلا كيف"ردٌّ على الممثِّلة، والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما

".

وأورد أثر مالك وربيعة ثم قال: "فقول ربيعة ومالك الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب"موافق لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا:"أمرّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً، بل مجهول بمنزلة حروف المعجم، وأيضاً فإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أُثبتت الصفات.

وأيضاً فإنَّ من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف"، فمن قال: إنَّ الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.

ص: 263

وأيضاً فقولهم: "أمرّوها كما جاءت"يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظاً دالَّة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقةً، وحينئذ تكون قد أُمرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ:"بلا كيف"، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول.

وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون - وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم: مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب - وقد سُئل عما جحدت به الجهمية: "أما بعد فقد فهمتُ ما سألتَ فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر، وكلّت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكير، فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: "كيف"لمن لم يكن مرّة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلاّ هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ، ومن لا يموت ولا يبلى؟، وكيف يكون لصفته شيء منه حدٌّ أو منتهى يعرفه عارف، أو يحدُّ قدره واصف؟، على أنَّه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً، يحول ويزول، ولا يُرى له سمع ولا بصر، لما يتقلّب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم، وسيِّد السادة، وربُّهم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

ص: 264

اعرف - رحمك الله - غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلّفك علم ما لم يصف؟!، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟، أو تزجر به عن شيء من معصيته؟

".

إلى أن قال: "فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه، ولم تتكلّف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلّف معرفة ما لم يصف

"، إلى آخر كلامه رحمه الله.

2-

وقال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة سنة ثمانين ومئتين يقول: "العقل وحده لا يدل على قديم أزليّ فوق عرش محدث، نصبه الحق دلالة وعلَماً لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يكلّف القلوبَ علم ماهية هُويّته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء؟، وإنَّما على المؤمن الرضى والتسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّه على عرشه"، وقال: إنَّما سُمي الزنديق زنديقاً؛ لأنَّه وَزَن دِقَّ الكلام بمخبول عقله وقياس هوى طبعه، وترك الأثر والاقتداء بالسنة، وتأوّل القرآن بالهوى، فسبحان من لا تكيّفه الأوهام، في كلام نحو هذا".

3-

وقال الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر: "فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذِكر الوجه واليد والنفس فهو له صفاتٌ بلا كيف، ولا يُقال إنَّ يده قدرته أو نعمته؛ لأنَّ فيه إبطال الصفة، هو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفتُه بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف".

ص: 265

4-

وروى الأثرم في كتاب السنة حدّثنا إبراهيم بن الحارث يعني العبادي، حدّثني الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر صاحب الفضيل: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "ليس لنا أن نتوهّم في الله كيف وكيف؛ لأنَّ الله وصف نفسه فأبلغ فقال: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه، وكذا النزول والضحك والمباهاة والاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهّم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل عن مكانه، فقل أنت: أنا أومن برب يفعل ما يشاء".

5-

وعن سلمويه بن عاصم قاضي هجر قال: "كتب بشر المريسي إلى منصور بن عمار يسأله عن قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : كيف استوى؟، فكتب إليه: استواؤه غير محدود، والجواب فيه تكلّف، ومسألتك عن ذلك بدعة، والإيمان بجملة ذلك واجب، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ".

6-

وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء وقيل له: كيف استوى على عرشه؟، فقال:"أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلَاّ مقدار ما كُشف لنا، وقد أعلمنا جلّ ذكره انَّه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى".

ص: 266

7-

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: "أما الكلام في الصفات، فإنَّ ما روي منها في السنن الصحاح، مذهبُ السلف إثباتُها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصدُ إنَّما هو سلوك الطريقة المتوسّطة بين الأمرين، ودينُ الله تعالى بين الغالي فيه والمقصِّر عنه، والأصلُ في هذا أنَّ الكلام في الصفات فرعُ الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أنَّ إثبات ربِّ العالمين إنّما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنَّما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، فإنَّما هي صفاتٌ أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إنَّ معنى اليد القدرة، ولا إنَّ معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنَّها جوارح، ولا نشبّهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارحُ وأدوات للفعل، ونقول: إنَّما وجب إثباتها؛ لأنَّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ".

ص: 267

8-

وقال أبو منصور معمر بن أحمد: "ولما رأيت غربة السنة، وكثرة الحوادث واتباع الأهواء أحببت أن أوصي أصحابي وسائر المسلمين بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من السلف المتقدّمين، والبقية من المتأخرين

- فذكر أموراً - ثم قال: وأنَّ الله عز وجل استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والإنكار له كفر، وأنَّه – جل جلاله مستوٍ على عرشه بلا كيف، وأنَّه جل جلاله بائنٌ من خلقه والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنَّه الفرد البائن من خلقه، الواحد الغني عن الخلق، علمه بكلِّ مكان، ولا يخلو من علمه مكان".

9-

وقال ابن قتيبة: "وعدلُ القول في هذه الأخبار أن نؤمن بما صحّ منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية والتجلي، وأنَّه يعجب وينزل إلى السماء الدنيا، وأنَّه على العرش استوى وبالنفس واليدين من غير أن نقول في ذلك بكيفية أو بحدّ أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداً - إن شاء الله تعالى -".

والآثار في هذا المعنى عن السلف مستفيضة، وممّا روي في هذا المعنى - لكن لم أقف له على إسناد - ما روي عن الشافعي أنَّه قال - لما سئل عن الاستواء -:"آمنت بلا تشبيه، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض غاية الإمساك".

وعن أحمد أنّه قال: (استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر"، والله أعلم.

ومن جميل ما قيل في هذا شعراً قول الناظم:

"على عرشه الرحمن سبحانه استوى

كما أخبر القرآن والمصطفى روى

وذاك استواء لائق بجلاله

وأبرأ من قولي له العرش قد حوى

فمن قال مثلَ الفلك كان استواؤه

على جبل الجودي من شاهق هوى

ومن يتبع ما قد تشابه يبتغي

به فتنة أو يبغِ تأويله غوى

فلم أقل: استولى ولست مكلّفاً

ص: 268

بتأويله كلَاّ ولم أقل احتوى

ومن قال لي كيف استوى؟، لا أجيبه

بشيء سوى أني أقول له: استوى".

المبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر وتأكيدهم على أهميته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات

لا ريب في صحة هذا الأثر وثبوته عن إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمه الله، وحسنه وقوّة دلالته، وقد تلقّاه أهل العلم بالقبول، واستحسنوه واستجادوه، واعتبروه من أحسن جواب وأنبل جواب قيل في هذه المسألة، وجعلوه قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات تطبق في جميع الصفات، فيُقال في كلِّ صفة ما قاله الإمام مالك رحمه الله في صفة الاستواء، وقد سبق أن مرّ معنا في مبحث مستقلّ تخريج هذا الأثر وبيان ثبوته عن الإمام مالك رحمه الله.

وسأتناول في هذا المبحث أمرين:

1-

ذكر بعض النقول عن أهل العلم في استحسانه والثناء عليه.

2-

ذكر بعض النقول عنهم في عدِّهم له قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات.

أولاً: أما كلام أهل العلم في استحسانه واستجادته وتلقيه بالقبول فكثير جدًّا، ولهذا لا يخلو في الغالب كتاب من كتب العقيدة لأهل السنة والجماعة من ذكر هذا الأثر والاستشهاد به والثناء عليه.

ومما جاء عن أهل العلم في الثناء على هذا الأثر واستحسانه ما يلي:

1-

قال الإمام أبو سعيد الدارمي عقِب روايته لهذا الأثر في كتابه الرد على الجهمية: "وصدق مالك، لا يُعقل منه كيف، ولا يُجهل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية".

2-

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشدّه استيعاباً؛ لأنَّ فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتمَّ أهل العلم بقوله واستجادوه واستحسنوه".

وقال أيضاً: "وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره ".

ص: 269

وقال أيضاً: "فإنَّه قد رُوي من غير وجه أنَّ سائلاً سأل مالكاً عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟، فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء، ثم أمر به فأُخرج، ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد رُوي هذا الجواب عن أمِّ سلمة رضي الله عنها موقوفاً ومرفوعاً، ولكن ليس إسناده مما يُعتمد عليه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يُوافق قول مالك في أنّا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دلَّ عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء، ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة، ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك".

3-

وقال الذهبي رحمه الله: "هذا ثابت عن مالك، وتقدّم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنَّه كما يليق به، ولا نتعمّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنَّه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أنَّ الله جل جلاله لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً".

ص: 270

4-

وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية: (ومما استُحسن من كلام مالك أنَّه سُئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : كيف استوى؟، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فلتُجرَ آية الاستواء والمجيء وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (1) وقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} (2) وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا".

5-

وقال الإمام البغوي في تفسيره: "فأمَّا أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكِلُ العلم فيه إلى الله عز وجل، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : كيف استوى؟، فأطرق رأسه مليًّا وعلاه الرَّحضاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلَاّ ضالاًّ، ثم أمر به فأُخرج، وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات: أمِرُّها كما جاءت بلا كيف".

6-

وقال ملا علي القاري: "ونِعم ما قال الإمام مالك

رحمه الله حيث سُئل عن ذلك الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وهذه طريقة السلف وهي أسلم، والله أعلم".

ومع ذلك فقد قال بعض جُهّال المعاصرين بعد محاولة فاشلة لتضعيف هذا الأثر: "وعلى أيٍّ فالقضية تبقى رأياً من عالم غير ملزم للناس ولا قاطع للجدل والفهم، ولا محدد لفهم واحد، بل لكلّ متّسع فيما يرى".

فالجهمي له متسع، والمعتزلي له متسع، والأشعري له متّسع، فالله وحده المستعان.

(1) سورة ص، الآية:(75) .

(2)

سورة الرحمن، الآية:(27) .

ص: 271

ثانياً: أما عدّ أهل العلم لهذا الأثر قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات فمن ذلك:

1-

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟، قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنَّه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.

وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا؟، قيل له: كيف هو؟، فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته"؟! .

وقال أيضاً: "ومن أوَّل الاستواء بالاستلاء فقد أجاب بغير ما أجاب به مالك وسلك غير سبيله، وهذا الجواب من مالك –رحمه الله في الاستواء شافٍ كافٍ في جميع الصفات مثل: النزول والمجيء، واليد، والوجه، وغيرها، فيقال في مثل النزول: النزول، معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يُقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة".

2-

وقال العلاّمة ابن القيم رحمه الله: "وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شافٍ، عامّ في جميع مسائل الصفات، فمن سأل عن قوله:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأرَى} كيف يسمع ويرى؟، أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول، وكذلك من سأل عن العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرضى، والرحمة، والضحك، وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقُّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات؟!.

ص: 272

والعصمة النافعة في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل تثبِتُ له الأسماء والصفات، وتنفِي عنه مشابهة المخلوقات.

فيكون إثباتُك منزَّهاً عن التشبيه، ونفيُك منزَّهاً عن التعطيل، فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطِّل، ومن شبّهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثِّل، ومن قال: استواء ليس كمثله شيءٌ فهو الموحِّد المنزِّه.

وهكذا الكلام في السمع والبصر والحياة والإرادة والقدرة واليد والوجه والرضى والغضب والنزول والضحك، وسائر ما وصف الله به نفسه".

3-

وقال الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله: "سُئل الإمام مالك رحمه الله وغيره من السلف عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} : كيف الاستواء؟، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فبيّن أنَ الاستواء معلوم، وأنَّ كيفية ذلك مجهول، وهكذا يُقال في كلِّ ما وصف الله به نفسه".

4 -

وقال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "واعلموا أنّ آيات الصفات كثير من الناس يُطلق عليها اسم المتشابه وهذا من جهة غلطٌ، ومن جهة قد يسوغ كما يثبته الإمام مالك بن أنس، أما المعاني فهي معروفة عند العرب كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة"، كذلك يقال في النزول: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، واطّرده في جميع الصفات؛ لأنَّ هذه الصفات معروفة عند العرب، إلاّ أنَّ ما وصف به خالق السموات والأرض منها أكمل وأجلّ وأعظم من أن يشبه شيئاً من صفات المخلوقين، كما أنَّ ذات الخالق - جلّ وعلا - حق والمخلوقون لهم ذوات، وذات الخالق - جلّ وعلا - أكمل وأنزه وأجلّ من أن تشبه شيئاً من ذوات المخلوقين".

ص: 273

وللبحث صلة تأتي في العدد القادم إن شاء الله تعالى وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ص: 274

بحث في إجابة الدعوة

إعداد

د. إبراهيم بن علي بن عبيد العبيد

أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية

الجامعة الإسلامية - المدينة النبوية

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1) .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (2) .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (3) .

أما بعد:

فإن الدعوات في هذا العصر قد كثرت وأصبح الكثير لا يدري ما يأتي منها وما يذر سواء كانت لعرس أو إملاك أو عقيقة أو حضور ضيف أو غير ذلك.

وأصبح البعض الآخر في حرج من عدم الإجابة فأحببت أن أدلي بدلوي في هذا الباب ببحث هذه المسألة بجمع أدلتها مع تخريجها والحكم عليها وبيان أقوال أهل العلم فيها ومناقشتها وبيان الراجح منها حسب مايظهر لي وسميته:

(إجابة الدعوة)

وجعلته في مقدمة ومبحثين:

المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة.

المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر.

وخاتمة تشتمل على أهم النتائج في هذا البحث.

هذا وقد بذلت جهدي في إخراج هذا البحث فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله وما كان فيه من خطأ فأسأل الله العفو والتوفيق للصواب.

(1) آل عمران (102) .

(2)

النساء (1) .

(3)

الأحزاب (70،71) .

ص: 275

والله أسأل أن ينفع به وأن يعظم به الأجر إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

إبراهيم بن علي عبيد العبيد

المدينة النبوية

في 1/1/1417هـ

المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة

عند تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجد أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم إجابة الدعوة إذا دعي إليها حتى لو دعي إلى كراع كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وقد تعددت الأحاديث القولية والفعلية في ذلك واختلفت دلالتها فبعضها ظاهر في الوجوب مطلقاً، وبعضها ظاهر في الوجوب في وليمة العرس، وبعضها ظاهر في السنية ولهذا اختلفت مذاهب أهل العلم في ذلك على أقوال هي:

القول الأول:

وجوب إجابة الدعوة مطلقاً سواء كانت عرساً أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة والتابعين.

لكن تعقبه العراقي فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر.

وقال الحافظ ابن حجر: وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ويعكر عليه مانقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: "لم يكن يدعى لها"لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا

أدلة هذا القول:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وفي لفظ لمسلم مرفوعاً جميعه.

وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.

ووجه الدلالة منه أن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره.

2-

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".

ص: 276

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

وفي لفظ متفق عليه "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم".

وفي لفظ لمسلم وأبي داود "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه".

وله ألفاظ أخر.

ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره "عرساً كان أو نحوه" وأن عبد الله بن عمر وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم.

وفي لفظ لأبي داود، وابن عدي، والبيهقي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً".

وفي هذا اللفظ قال: "من دعي فلم يجب" ولم يخصها بالوليمة.

وفي لفظ لأبي يعلي "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب الدعوة عاصياً لله ولرسوله.

قال ابن حزم: فإن قيل قد جاء في بعض الآثار "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير العرس مع العرس وزيادة العدل لايحل تركها.

3-

حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بإتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباح، والقسى، والإستبرق".

أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

وفي الباب عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" أخرجه البخاري.

ص: 277

ووجه الدلالة منهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الداعي مطلقاً والأصل في الأمر الوجوب.

4-

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.

وفي لفظ لمسلم أيضاً، ولفظ أبي داود "خمس تجب للمسلم على أخيه".

وفي الباب عن علي، وأبي مسعود، وأبي أيوب رضي الله عنهم.

ووجه الدلالة أن المراد بالحق الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود.

قال الحافظ: "وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية".اه

وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح لكنه ضعيف.

5-

حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعاكم فأجيبوه".

أخرجه الطبراني في الكبير.

ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل الثاني.

6-

حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين".

أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، والبزار، والطحاوي، وابن حبان، والطبراني.

ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل الثاني.

7-

حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك".

أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي.

وأخرجه ابن ماجه وزاد "وهو صائم" وفي الباب عن أبي هريرة، وابن مسعود.

ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.

ص: 278

8-

عن عكرمة بن عمار سمعت أبا غادية اليمامي قال: "أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم صلى الله عليه وسلم".

أخرجه أحمد.

ووجه الدلالة ظاهرة حيث سمى من لم يجب عاصياً.

9-

حديث عياض بن أشرس السلمي قال: رأيت يعلي بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائماً فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أجب أخاك فإنك منه على اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير".

أخرجه الطبراني في الكبير.

ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإجابة الدعوة.

قال الشوكاني: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة

".

وقال أيضاً: ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني القول بالوجوب.

القول الثاني:

أن إجابة الدعوة سنة مطلقاً في العرس وغيره وممن قال بهذا القول:

بعض الشافعية والحنابلة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب وابن عبد البر.

أدلة هذا القول:

استدل أصحاب هذا القول بعموم أدلة أصحاب القول الأول وأنها تدل على السنية واستدلوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هدْيُهُ إجابة الدعوة كما ورد في أحاديث كثيرة منها:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت".

أخرجه البخاري، والنسائي، ولفظه "لو دعيت إلى كراع أو إلى ذراع ولو أهدي إلىَّ ذراع أو كراع لقبلت" وفي الباب عن أنس وابن عباس رضي الله عنهم.

ص: 279

2-

حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه وكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهى العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه".

أخرجه البخاري، ومسلم، وفي الباب عن أنس، وأبي طلحة رضي الله عنهما.

3-

حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف ليف".

أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، والبيهقي.

4-

حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات".

أخرجه الترمذي في الشمائل، وأبو يعلي، وأبو الشيخ.

وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو إجابة الدعوة وهذا فعل وهو يدل على السنية.

القول الثالث:

التفصيل وهو أن إجابة الدعوة تجب في العرس دون غيره.

وممن قال بهذا: مالك والثوري والشافعي والخطابي والعنبري والحنفية وجمهور الحنابلة وجمهور الشافعية وهو المشهور عنهم وبالغ السرخسي منهم فنقل الإجماع وهو قول الجمهور.

ونقل القاضي عياض وغيره الاتفاق على وجوب الإجابة في وليمة العرس.

لكن اعترض على هذا النقل الحافظ ابن حجر فقال: "وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة إلى وليمة العرس وفيه نظر نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب

".

أدلة هذا القول:

ص: 280

1-

عموم أحاديث الباب وأنها تدل على السنية إلا ما نص عليه وهو وليمة العرس.

2-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ووجه الدلالة منه أن هذا الحديث يدل على وجوب إجابة وليمة العرس دون غيرها لأن الوليمة المراد بها وليمة العرس إذا أطلقت دون غيرها وهذا الدليل هو الذي خصص دعوة وليمة العرس بالوجوب دون غيرها من الدعوات فتبقى على السنية.

3-

حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها".

وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"(1) .

ووجه الدلالة أن المراد بالوليمة هي وليمة العرس كما تقدم وما ورد في بعض ألفاظه "الدعوة" فالألف واللام للعهد والمراد بها وليمة العرس.

4-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "الوليمة حق وسنة فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله والخُرس والإعذار والتوكير أنت فيه بالخيار".

قال قلت: إني والله لا أدري ما الخرس والإعذار والتوكير؟ قال: الخرس الولادة والإعذار الختان، والتوكير الرجل يبني الدار وينزل في القوم فيجعل الطعام فيدعوهم فهم بالخيار إن شاؤا جاؤا، وإن شاؤا قعدوا".

أخرجه الطبراني في الأوسط.

ووجه الدلالة منه أنه فرق بين دعوة الوليمة وغيرها وسمى من لم يجب في الوليمة عاصياً أما غيرها فهو بالخيار.

القول الرابع:

أن إجابة وليمة العرس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

وممن قال بهذا: بعض الشافعية والحنابلة.

أدلة هذا القول:

عموم الأدلة السابقة وقالوا إن الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام.

القول الخامس:

أن إجابة الدعوة تسن في العرس وتباح في غيره، حكاه العراقي عن بعض الحنابلة.

المناقشة:

(1) تقدم تخريجه في القول الأول الدليل الثاني.

ص: 281

بعد استعراض الأقوال في هذه المسألة اتضح أن الأقوال فيها خمسة المشهور منها ثلاثة: الوجوب والسنية والتفصيل وإن كان كل قول منها لا يسلم من اعتراض لكن قد يكون الاعتراض له حظ من النظر وقد لا يكون له حظ من النظر وفي هذا المبحث أود أن أورد فيه الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول ومناقشتها قدر الإمكان مع ذكر أقوال أهل العلم في ذلك فأقول:

مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:

نوقشت أدلة أصحاب القول الأول.

أما الدليل الأول وهو حديث أبي هريرة فاعترض عليه من وجهين:

الأول: بأن المراد به وليمة العرس وذلك لأن الوليمة إذا أطلقت فالمراد بها وليمة العرس.

قال الحافظ ابن حجر: عقب تبويب البخاري "باب حق إجابة الوليمة والدعوة": كذا عطف الدعوة على الوليمة فأشار بذلك إلى أن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطف الدعوة عليها من العام بعد الخاص وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته.

وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري وابن الأثير وقال صاحب المحكم: الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره.

وقال عياض في المشارق: الوليمة طعام النكاح وقيل: الإملاك وقيل: طعام العرس خاصة.

وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك.

وقال الأزهري: الوليمة مأخوذة من الوَلم الجمع وزناً ومعنى لأن الزوجين يجتمعان.

وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتم الشيء واجتماعه.

وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة

اه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي.

ص: 282

وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث وقاله القاضي في الجامع وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر.

وقال العراقي: اختلف العلماء وأهل اللغة في الوليمة والمشهور اختصاصها بطعام العرس

ثم ساق نحو كلام الحافظ السابق.

وقال في القاموس: الوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها وأَوْلَم صنعها.

قال ابن رسلان: وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعلم بلسان العرب.

وقال الشوكاني: عقب دلالة هذا الحديث: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة".

وقال أيضاً: ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة العرس فقط وفي الشرع للولائم المشروعة. اه.

وبعد إيراد هذه النقول يظهر لنا أن المشهور عند أهل اللغة وغيرهم أن الوليمة لا تطلق إلا على وليمة العرس فقط وعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة على الوجوب إلا في وليمة العرس فقط.

قال الطحاوي: فتأملنا هذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة - لنقف على معناه الذي أريد به إن شاء الله فوجدنا الطعام المقصود بما ذكر إليه فيه هو الوليمة وكانت صنفاً من الأطعمة لأن في الأطعمة أصنافاً سواها نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله وهو ما سمعت أحمد بن أبي عمران يقول: كانت العرب تسمى الطعام الذي يطعمه الرجل إذا ولد له مولود طعام الخرس وتسمى طعام الختان طعام الأعذار. يقولون: قد أعذر على ولده.

وإذا بنى الرجل داراً أو اشتراها فأطعم قيل طعام الوكيرة أي من الوكر.

وإذا قدم من سفر فأطعم قيل طعام النقيعة.

قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي:

إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم

ضرب القدار نقيعة القدام

ص: 283

قال: والقدار الجزار والقدام القادمون يقال قادم وقدّام كما يقال كاتب وكتاب.

وطعام المأتم يقال له طعام الهضيمة قال لنا ابن أبي عمران: وأنشدني الحسن بن عمرو الوائلي لأم حكيم بنت عبد المطلب لأبيها:

كفى قومه نائبات الخطوب

في آخر الدهر والأول

طعام الهضائم والمأدبات

وحمل عن الغارم المثقل

وطعام الدعوة: طعام المأدبة قال لي ابن أبي عمران: وما سمعت طعام الهضيمة من أصحابنا البغداديين وإنما سمعته بالبصرة من أهل اللغة بها.

قال أبو جعفر: وطعام الوليمة خلاف هذه الأطعمة وفي قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلام الذي قصد به إليه فيه ما قد دل أنه حكمه في الدعاء إليه خلاف غيره من الأطعمة المدعى إليها ولولا ذلك لاكتفى بذكر الطعام ولم يقصد إلى اسم من أسمائه فيذكره به ويدع ما سواه من أسمائه فلا يذكرها.

فنظرنا في المعنى الذي به حكم ذلك الطعام من حكم ما سواه من الأطعمة فوجدنا أبا أمية وإبراهيم بن أبي داود قد حدثانا قالا:

ثم ذكر حديث "لابد للعرس من وليمة" وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لابد للعرس من وليمة ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن عوف "أولم ولو بشاة" وقال: فكان هذا الحديث أيضاً أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف لما تزوج أن يولم ثم ذكر حديث "الوليمة حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة".

وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوليمة حق وفرّق بين حكمها في الأيام الثلاثة فجعلها في أول يوم محموداً عليها أهلها لأنهم فعلوا حقاً.

وجعلها في اليوم الثاني معروفاً لأنه قد يصل إليها في اليوم الثاني من عسى أن لا يكون وصل إليها في اليوم الأول ممن في وصله إليها من الثواب لأهلها مالهم في ذلك.

ص: 284

وجعلها في اليوم الثالث بخلاف ذلك لأنه جعلها رياء وسمعة وكان معلوماً أن من دعي إلى الحق فعليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى معروف فله أن يجيب إليه وليس عليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى الرياء والسمعة فعليه أن لا يجيب إليه.

وفي ذلك ما قد دل على أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعو إليه أن لا يأتيه وأن منها ما على المدعو إليه أن يأتيه. اه.

وأما قوله في آخر الحديث: "ومن ترك الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولاً. وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد. اه.

الوجه الثاني:

ما حكاه ابن عبد البر بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" قال على أنه يحتمل والله أعلم من لم ير إتيان الدعوة فقد عصى الله ورسوله وهذا أحسن وجه حمل عليه هذا الحديث إن شاء الله. اه.

وفي هذا نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق العصيان على عدم الإتيان لا على الاعتقاد والأصل حمل اللفظ على حقيقته إلا بقرينة تدل على أن هذا الظاهر غير مراد.

وأما الدليل الثاني وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما، فإنه نوقش من وجهين هما:

الأول: أن يقال إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" المراد به وليمة العرس كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن حديث أبي هريرة.

وأما رواية "أجيبوا هذه الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر: وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد والمراد وليمة العرس ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره"اه.

ص: 285

وأما رواية أبي داود وابن عدي والبيهقي "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله

" فإنها تدل على العموم وعدم التخصيص بالعرس لكنها ضعيفة كما تقدم بيان ذلك.

لكنه ورد عند أبي يعلي وصححه الحافظ بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

فجعل العصيان مقيداً بمن لم يجب دعوة الوليمة لا كل دعوة.

وأما رواية "عرساً كان أو نحوه" فإنها تدل على عدم التخصيص بوليمة العرس لأنه قال أو نحوه لكن يمكن أن يجاب عنه:

بأن يقال هذه الرواية تدل على أنه لا يجب إجابة كل دعوة وذلك لأن الحديث أمر بإجابة دعوة العرس ونحوه فما المراد بهذا النحو؟ فهل المراد به نحوه من حيث الكبر أو غير ذلك؟ إلا أن يقال بينه فهم ابن عمر وأنه كان يأتي في العرس وغير العرس لكن هذا لا يدل على الوجوب أيضاً لأن تطبيق ابن عمر للإتيان إنما هو لكونه مأموراً بهذا ولو كان على سبيل الاستحباب، لما عُرف عنه من شدة تحريه للسنة وقد يكون أخذ إتيان وليمة العرس من هذا الحديث وغير وليمة العرس من أحاديث أُخر كحديث البراء وغيره ففعله لا يدل على وجوب الجميع والله أعلم.

وقال الطحاوي: قد يحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد يحتمل أن يكون من كلام رواة هذين الخبرين.

وقد روى حديث ابن عمر هذا جماعة عن نافع بغير ذكر هذا المعنى الذي هو خلاف العرس ثم ساقه من طريق عمر بن محمد العمري عن نافع بلفظ "إذا دعيتم فأجيبوا".

ومن طريق موسي بن عقبة عن نافع بلفظ "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها".

ومن طريق أيوب السختياني عن نافع بلفظ "ائتوا الدعوة إذا دعيتم".

ثم قال: فاحتمل أن تكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الدعوة المذكورة في الآثار الأول فتتفق هذه الآثار ولا تختلف فنظرنا هل رُوي شيء يدل على أنها تلك الدعوة كما ذكرنا؟

ص: 286

فوجدنا يونس قد حدثنا قال أنبأنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" فبين هذا الحديث أن الذي يجب إتيانه من الأطعمة التي يدعى إليها في أحاديث ابن عمر هى هذه الوليمة

"اه.

تنبيه:

قال ابن عبد البر: قد رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فقال فيه "عرساً كان أو غيره" ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرساً كان أو غيره" وذكر أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الرزاق بإسناده مثله وقال: "عرساً كان أو دعوة" قال أبو داود: وكذلك رواه الزبيدي عن نافع مثل حديث معمر عن أيوب ومعناه سواء

"اه.

ففي هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وكذا لعبد الرزاق يبطل التأويل السابق لقوله صلى الله عليه وسلم: "عرساً كان أو نحوه" فإن رواية أبي داود وعبد الرزاق تدل على العموم في العرس وغيره إلا أن هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وعبد الرزاق لم أجدها عندهما بهذا اللفظ بل عندهما بلفظ "عرساً كان أو نحوه" من نفس الطريق التي ذكرها ابن عبد البر فليتأمل ذلك لعله في نسخ أخرى غير هذه أو تكون تصحيفاً، إلا أن يقال لو صحت حملت على حديث البراء وغيره لأنه لم يرتب العصيان على من لم يجب في هذه الرواية والله أعلم.

الوجه الثاني:

حمل المطلق على المقيد وذلك أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث إطلاق الوليمة وفي بعضها قال "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجيب" كما عند مسلم وغيره.

ص: 287

قال النووي عقب هذه الرواية: قد يحتج به من يخصص وجوب الإجابة بوليمة العرس ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة ولقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد هذه "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه" ويحملون هذا على الغالب أو نحوه من التأويل.

وقال العراقي: ويدل على عدم الوجوب في غير وليمة العرس التقييد في بعض الروايات بقوله "وليمة عرس" وقد تقدم ذكرها فيحمل المطلق على المقيد.

وقد تعقب الشوكاني هذا الوجه فقال: لا يقال ينبغي حمل مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر المذكورة بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" لأنا نقول ذلك غير ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ "من دعي إلى عرس أو نحوه" وأيضاً قوله: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" يدل على وجوب الإجابة إلى غير وليمة العرس. اه.

لكن تقدم أن رواية "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" هذه مقيد بالوليمة كما في الصحيحين.

أما رواية أبي داود المطلقة فإنها ضعيفة.

وأما رواية "إلى عرس أو نحوه" فتقدم الجواب عنها وأنها لا تدل على وجوب كل دعوة، والله أعلم.

وأما الدليل الثالث حديث البراء:

فقال ابن عبد البر: قال البراء: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع فذكر منها إجابة الداعي وذكر منها أشياء منها ما هو فرض على الكفاية ومنها ما هو واجب وجوب سنة فكذلك إجابة الدعوة والله نسأل العصمة.

وأما الدليل الرابع حديث أبي هريرة:

هذا الحديث لفظ الصحيحين "حق" لكن عند مسلم في لفظ "خمس تجب" وهذا اللفظ ظاهره الوجوب إلا أن الحافظ حمله على وجوب الكفاية فقال: وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. اه.

ص: 288

ولعله أخذ هذا مما قرن معه من عيادة المريض واتباع الجنائز ورد السلام وتشميت العاطس مع ما في دلالة الاقتران من الكلام عند الأصوليين.

وقال الطحاوي: عقب هذا الحديث: فقد تحتمل أيضاً أن يكون الحق الواجب في إجابة الدعوة يراد به الدعوة التي هي وليمة لا ما سواها فلم يبين لنا في شيء مما روينا وجوب إتيانه من الطعام المدعى إليه غير طعام الوليمة التي هي الأعراس والله سبحانه نسأله التوفيق.

وقال أيضاً في الجواب عن حديث أبي أيوب: فقال قائل ففي هذا الحديث من كلام أبي أيوب ما قد دل على أن الدعوة التي من حق المسلم على أخيه إجابته إليها هو مثل ما دعا إليه فأجاب إليه.

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك كما قد ذكر ويكون الأحسن بالناس إذا دعوا إلى مثله أن لا يتخلفوا عنه ويكون حضور بعضهم إياه مسقطاً لما على غيرهم منه ويكون من الأشياء التي يحملها العامة على الخاصة كحضور الجنائز وكدفن الموتى.

ويحتمل أن يكون ذلك على ما يجب أن يكون الناس عليه في أسفارهم مع إخوانهم من الزيادة في مواصلتهم والانبساط إليهم والجود عليهم أكثر مما يكونون لهم عليه في خلاف السفر فيكون ما كان من أبي أيوب لذلك والذي كان منه فلم يذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم

وإنما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما سوى ذلك مما في هذا الحديث.

وقد يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بما في هذا الحديث من إجابة الدعوة الوليمة التي ذكرنا لا ما سواها. اه.

وأما الدليل الخامس حديث أبي أمامة والدليل الثامن حديث أبي هريرة والدليل التاسع حديث يعلي بن مرة فإنها ضعيفة وتقدم بيان ضعفها.

أما الدليل السادس حديث ابن مسعود فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة رضي الله عنهما.

ص: 289

وقال الطحاوي: في الجواب عن حديث ابن مسعود: ففي هذا الحديث الأمر بإجابة الداعي وبقبول الهدية والمنع من ردها فقد يحتمل أن تكون هذه الإجابة وهذا الممنوع من رده من جنس واحد ويكون المدعى إليه هو خلاف الوليمة وقد يحتمل أن يكون كل واحد منهما جنساً غير الجنس الآخر فيكون المدعى إليه هو الوليمة الواجب إتيانها والهدية بخلافها. اه.

وأما الدليل السابع حديث جابر فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة.

وقال الطحاوي أيضاً في الجواب عن هذا الحديث: فكان ذلك محتملاً أن يكون أريد به الطعام المذكور في الآثار الأول لا ما سواه منها.

وقد يجاب عن هذه الأدلة كلها عدا الدليل الأول والثاني بأن المراد بها إما وليمة العرس كما أشار إليه الطحاوي، وإما أنها محمولة على الاستحباب والصارف لها عن الوجوب هو حديث أبي هريرة وابن عمر في رواية أبي يعلي حيث رتب العصيان على من لم يجب الوليمة فهذا يدل على أن غير الوليمة لها حكم آخر غير الوجوب وهو الندب وسيأتي مزيد بحث في ذلك عند مناقشة أصحاب القول الثالث إن شاء الله تعالى.

مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:

أدلة أصحاب هذا القول لا تخلو عن ثلاثة أحوال:

الأول: بعضها ظاهر الدلالة على السنية مثل الدليل الأول والثاني والثالث والرابع مع ضعف في الثالث والرابع.

والثاني: بعضها ظاهر الدلالة على الوجوب وذلك في مثل حديث أبي هريرة وابن عمر حيث أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة والعصيان يكون بترك الواجب أو فعل المحرم وهذا ظاهر في وليمة العرس محتمل في غيرها.

الثالث: بعضها محتملة للوجوب والسنية وذلك بحسب القرائن وهذا في مثل الأحاديث التي فيها الأمر بإجابة الدعوة كحديث البراء وغيره.

فعلى هذا هذه الأدلة لا تسلم دلالتها على السنية مطلقاً لأن فيها أدلة تدل على الوجوب كما تقدم.

مناقشة أصحاب القول الثالث:

ص: 290

هذا القول وسط بين القولين السابقين الوجوب مطلقاً والسنية مطلقاً والأدلة التي استدلوا بها ظاهرة الدلالة على هذا القول بالجملة إلا أنه قد ينازع في بعضها وهي التي فيها الأمر بإجابة الدعوة مطلقاً من غير تقييد بالوليمة إذ الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف إلا أن يقال إن الصارف لهذه الأدلة عن الوجوب - غير وليمة العرس - هو:

1-

ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أن جاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً كان طيب المرق فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه فقال: "وهذه؟ " لعائشة، فقال:"لا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا" فعاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهذه؟ " فقال: "لا" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا" ثم عاد يدعوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهذه؟ " قال: نعم في الثالثة فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله".

ووجه الدلالة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه قال: "لا" لما لم يوافق على مجيء عائشة رضي الله عنها معه ولو كان الأمر في الدعوة للوجوب لما قال لا وهذه الدعوة ظاهرها أنها ليست دعوة عرس فهذا قد يستأنس به على أنه مخصص لدعوة غير العرس فتحمل على الاستحباب.

2-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما رواية أبي يعلي "إذا دعا أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ووجه ذلك هو أنه أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة إلى الوليمة ولم يرد هذا الحكم في غير الوليمة إلا في رواية عن أبي داود وغيره من حديث ابن عمر "من دُعِيَ فلم يجب فقد عصى الله ورسوله"لكنها ضعيفة كما تقدم.

ص: 291

فهذا يفهم منه أن العصيان يختص بعدم إتيان الوليمة فقط دون غيرها من الدعوات فتحمل على الاستحباب وتقدم أن الوليمة المراد بها وليمة العرس عند الإطلاق كما هو قول أكثر أهل اللغة وغيرهم.

3-

ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث صهيب رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فأتيته وهو في نفر جالس فقمت حياله فأومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا فسكت فقمت مكاني فلما نظر إليَّ أومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا مرتين فعل ذلك أو ثلاثاً فقلت: "نعم" وهؤلاء وإنما كان شيئاً يسيراً صنعته له فجاء وجاؤا معه فأكلوا وأحسبه قال وفضل منه".

ووجه الدلالة منه أنه لم يجب الدعوة حتى أذن لمن معه.

لكن قال الهيثمي فيه: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن ضريب بن نفير لم يسمع من صهيب.

4-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه الدليل الرابع من أدلة القول الثالث وهو نص في محل النزاع لكنه ضعيف.

مناقشة أدلة أصحاب القول الرابع:

أدلة أصحاب هذا القول هي عموم أدلة الأقوال السابقة وسبق مناقشتها إلا أن جعل الأدلة تدل على أنه فرض كفاية محل نظر لأمور هي:

الأول: قلة القائلين به ولا يعرف أحد من الأئمة المشهورين قال به بل حكى عن بعض الشافعية والحنابلة وإن كان هذا لا يكفي في رد القول لكن يستأنس به.

الثاني: أن فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين فالمقصود في فروض الكفاية قيام هذا الفعل فليس معلقاً بالجميع بل بالبعض مثل الآذان المهم أن يقوم هذا العمل بخلاف إجابة الدعوة فإن الخطاب متوجه لكل من دعي وغالباً يكون مقصوداً في الدعوة فإذا لم يحضر فإنه يؤثر على الداعي ولو حضر غيره.

الثالث: أن في حديث أبي هريرة قال: من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وفي حديث ابن عمر قال:"ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله".

ص: 292

الخطاب هنا ظاهره متوجه إلى كل من دعي فإذا لم يجب يكون عاصياً إلا ما قام الدليل على تخصيصه بخلاف فرض الكفاية فإن الخطاب موجه إلى البعض وإنما يأثم الجميع إذا لم يمتثل الكل نعم لو كان لفظ الحديث "من دَعا فلم يُجَبْ

"لكان يدل على هذا القول والله أعلم.

الرابع: قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: محل ذلك - أي فرض الكفاية - إذا عمت الدعوة أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين.

مناقشة أصحاب القول الخامس:

هذا القول لا أعلم لهم دليلاً فيه على هذا التفصيل إلا أن كان القائل به لم يبلغه إلا حديث أبي هريرة "شر الطعام

"فحمله على الندب وما عداه على الإباحة وهذا القول أضعف الأقوال في هذه المسألة بل هو خلاف الأدلة الواردة وليس على هذا التفريق دليل يعتمد عليه، والله أعلم.

الترجيح:

من خلال تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجدها ظاهرة الدلالة على القول الأول وهو القول بالوجوب مطلقاً والقول الثالث وهو التفصيل وأن الدعوة تجب إجابتها في العرس وتسن فيما عداه وهو قول جمهور أهل العلم وهذا القول أقوى في نظري لقوة أدلته ولأن فيه توسطاً بين القول الأول والثاني ولأن حمل حديث أبي هريرة وابن عمر والذي فيهما إطلاق العصيان على من لم يجب الدعوة على وليمة العرس فيه قوة ويكون كافياً في تخصيص وليمة العرس بالوجوب دون غيرها وذلك لأن حمل الوليمة على وليمة العرس هو قول أكثر أهل العلم وهو قول أكثر أهل اللغة فهذا يدل على أن هذا هو الغالب في استعمال هذا اللفظ والأحكام إنما تعلق بالغالب لا بالنادر الذي لا يقع إلا قليلاً، والله أعلم.

قال الشافعي رحمه الله: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعا إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس.

ص: 293

ورجح الطحاوي هذا القول وأطال في الجواب عن الأحاديث كما تقدم نقل غالب كلامه والله أعلم.

مسألة: إجابة الدعوة لمن كان صائماً

ظاهر الأحاديث الواردة تدل على أن الصوم ليس بعذر يمنع من إجابة الدعوة كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.

ومن هذه الأحاديث:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم".

أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وتقدم وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجه ومن حديث ابن مسعود عند النسائي والطبراني ومن حديث ابن عمر عند أبي داود والبيهقي وتقدمت.

2-

عموم الأحاديث الواردة في إجابة الدعوة لم تستثن الصائم.

3-

أن هذا فعل ابن عمر رضي الله عنهما يجيب الدعوة وهو صائم وكذا ورد عن يعلي بن مرة وأبي أيوب رضي الله عنهما.

قال النووي عقب حديث ابن عمر "ويأتيها وهو صائم": فيه أن الصوم ليس بعذر في الإجابة وكذا قاله أصحابنا قالوا: إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة كما يلزم المفطر ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل

".

وقال في الروضة: والصوم ليس عذراً في ترك إجابة الدعوة.

وقال العراقي: إن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة.

وقال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من فعل ابن عمر أن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة ولاسيما مع ورود الأمر للصائم بالحضور والدعاء، نعم لو اعتذر به المدعو فقبل الداعي عذره لكونه يشق عليه أن لا يأكل إذا حضر أو لغير ذلك كان ذلك عذراً له في التأخر.

وقال الشوكاني في حديث ابن عمر: وفي الحديث دليل على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه الأكل لكن هذا بعد أن يقول للداعي إني صائم كما في الرواية الأخرى فإن عذره في الحضور بذلك وإلا حضر.

وقال الصنعاني في حديث أبي هريرة: فيه دليل على أنه يجب على من كان صائماً أن لا يتعذر بالصوم.

ص: 294

وقال الحسيني بعد قوله "وإن كان صائما فليدع" أي فليدع أخذ به الشافعي فأسقط الإجابة على الصائم وإنما يطلب منه أن يدعو لأهل البيت بالمغفرة والبركة.

وقال أصبغ: ليست إجابة الصائم بالوكيد وإنه لخفيف.

وقال مالك في كتاب محمد: أرى أن يجيب.

قال الباجي: فقول مالك على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على أنه واجب، فإذا أسقط الصوم فقد سقط وسيلته وهو الإجابة. اه.

والحاصل أن الصوم لا يعتبر عذراً مسقطاً للإجابة.

ص: 295

تابع لبحث في إجابة الدعوة

المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر

من دعي إلى وليمة أو غيرها فحضر هل يلزمه الأكل أم لا؟

المدعو في هذه الحالة لا يخلو من أمرين:

الأول: أن يكون المدعو مفطراً.

الثاني: أن يكون المدعو صائماً.

فأما الأمر الأول: وهو أن يكون المدعو مفطراً:

فاختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يجب الأكل.

قال العراقي: والوجه الثاني لأصحابنا أنه يجب الأكل واختاره النووي في تصحيح التنبيه وصححه في شرح مسلم في الصيام وبه قال أهل الظاهر ومنهم ابن حزم وتوقف المالكية في ذلك وعبارة ابن الحاجب في مختصره: ووجوب أكل المفطر محتمل. اه.

واستدلوا على ذلك:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" وفي حديث ابن عمر "وإن كان مفطراً فليطعم" وفي حديث ابن مسعود قال "فإن كان مفطراً فليأكل

" وتقدمت.

ووجه الدلالة أن هذا أمر لمن كان مفطراً أن يأكل والأصل في الأمر الوجوب.

القول الثاني: أنه لا يجب على المفطر الأكل.

قال العراقي: وهو أصح الوجهين عند الشافعية وبه قال الحنابلة.

وقال النووي: وأما المفطر ففي أكله وجهان أحدهما يجب وأقله لقمة وأصحها: أنه مستحب.

وقال ابن قدامة: وأما الأكل فغير واجب صائماً كان أو مفطراً نص عليه أحمد.

وقال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه - يعني حديث جابر - أن المفطر لو حضر لا يجب عليه الأكل وهو أصح الوجهين عند الشافعية، وذكر نحو هذا الشوكاني.

واستدلوا على ذلك:

1-

حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك".

أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وتقدم.

ص: 296

قال ابن قدامة بعد حكاية القولين: ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك" حديث صحيح ولأنه لو وجب الأكل لوجب على المتطوع بالصوم فلما لم يلزمه الأكل لم يلزمه إذا كان مفطراً وقولهم المقصود الأكل قلنا بل المقصود الإجابة ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل. اه.

المناقشة:

مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:

قال النووي: ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في الرواية الأولى - يعني حديث جابر - وحمل الأمر في الثانية - يعني حديث أبي هريرة وغيره - على الندب.

وقال الصنعاني: وقال من لم يوجب الأكل: الأمر للندب والقرينة الصارفة إليه قوله "وله" أي لمسلم من حديث جابر رضي الله عنه نحوه وقال: "فإن شاء طعم وإن شاء ترك" فإنه خيره والتخيير دل على عدم الوجوب للأكل ولذلك أورده المصنف عقب حديث أبي هريرة.

مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني:

ذكر العراقي عدة أجوبة عن حديث جابر هي:

الجواب الأول: قال ابن حزم لم يذكر فيه أبو الزبير أنه سمعه من جابر ولا هو من رواية الليث عنه فإنه أعلم له ما سمعه منه وليس هذا الحديث مما أعلم له عليه فبطل الاحتجاج به.

لكن يجاب عن هذا الجواب من وجهين:

الوجه الأول: أن الحديث في صحيح مسلم وعنعنة المدلس في الصحيحين أو أحدهما محمولة على السماع.

الوجه الثاني: أن أبا الزبير صرح بالتحديث كما عند الطحاوي في شرح مشكل الآثار.

الجواب الثاني: قال ابن حزم أيضاً ثم لو صح لكان الخبر الذي فيه إيجاب الأكل زائداً على هذا وزيادة العدل لا يحل تركها.

قلت: ليس هذا صريحاً في إيجاب الأكل فإن صيغة الأمر ترد للاستحباب وأما التخيير الذي في حديث جابر فإنه صريح في عدم الوجوب فالأخذ به وتأويل الأمر متعين، والله أعلم. اه.

الجواب الثالث: قال النووي: من أوجب تأول تلك الرواية على من كان صائماً.

ص: 297

قال العراقي وأشار والدي رحمه الله في الرواية الكبرى من الأحكام إلى تأييد هذا التأويل بأن ابن ماجه روى حديث جابر هذا في الصوم من نسخته من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه بلفظ "من دعي إلى طعام وهو صائم فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" والروايات يفسر بعضها بعضا وقد أخرج مسلم رواية ابن جريج هذه ولم يسق لفظها بل قال إنها مثل الأولى وقد عرفت زيادة هذه الفائدة فيها وهذا الجواب أقوى هذه الأجوبة. اه.

وهذا الوجه يجاب عنه بأن هذه الزيادة "وهو صائم" أخرجها ابن ماجه، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا أبو عاصم أنبأنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به ورجال إسناده ثقات لكن أبا الزبير عنعنه.

ورواه ابن نمير ويزيد بن سنان وعمرو بن علي بن بحر كلهم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير بدون هذه الزيادة وأبو الزبير صرح بالتحديث عند الطحاوي.

أما الأمر الثاني: وهو أن يكون المدعو صائماً:

إذا حضر المدعو وكان صائماً فقال النووي لا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل. اه.

وهذا الأمر لا يخلو من أحوال هي:

الأولى: أن يكون الصوم فرضاً مضيقاً فيحرم الفطر كما قاله النووي.

وقال ابن قدامة: إن كان المدعو صائماً صوماً واجباً أجاب ولم يفطر لأن الفطر غير جائز فإن الصوم واجب والأكل غير واجب.

الثانية: أن يكون الصوم فرضاً موسعاً كالنذر المطلق وقضاء رمضان فقال النووي: فإن لم نجوز الخروج منه حرم الفطر وإلا فقيل هو كصوم النفل.

الثالثة: أن يكون الصوم نفلاً:

وهذه الحالة اختلف العلماء فيها فذهب بعض أهل العلم إلى استحباب الفطر.

قال في الإنصاف: الصحيح من المذهب استحباب الأكل لمن صومه نفل أو هو مفطر قاله القاضي وصححه في النظم وقدمه في المحرر والفروع وتجريد العناية وغيرهم وقيل يستحب الأكل للصائم إن كان يجبر قلب داعيه وإلا كان إتمام الصوم أولى.

واستدلوا على ذلك:

ص: 298

1-

حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: "صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فأتاني هو وأصحابه فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم قال: أفطر وصم يوماً مكانه إن شئت".

أخرجه البيهقي - وحسن سنده الحافظ - والطبراني.

ورواه الطيالسي، والدارقطني ولم يذكرا "إن شئت".

2-

قالوا إن في الأكل إجابة لدعوة أخيه المسلم وإدخال السرور في قلبه.

قال ابن قدامة: وإن كان صوماً تطوعاً استحب له الأكل لأن له الخروج من الصوم فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه كان أولى وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعوة ومعه جماعة فاعتزل رجل من القوم

"الحديث وإن أحب إتمام الصيام جاز لما روينا في الخبر المتقدم ولكن يدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل وقد روى أبو حفص بإسناده عن عثمان ابن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبد المغيرة وهو صائم فقال: "إني صائم ولكنني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة".

وعن عبد الله قال: إذا عرض على أحدكم طعام وهو صائم فليقل إني صائم وإن كان مفطراً فالأولى له الأكل لأنه أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه ولا يجب ذلك عليه.

وقال أصحاب الشافعي فيه وجه آخر أنه يلزمه الأكل لقول النبي صلى الله عليه وسلم "وإن كان مفطراً فليطعم" ولأن المقصود منه الأكل فكان واجباً. اه.

القول الثاني: ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز الفطر وتركه.

وممن ذهب إلى هذا بعض الشافعية والحنابلة.

ودليل هذا القول:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" أخرجه مسلم، وشاهده من حديث ابن عمر وجابر وابن مسعود.

وفي لفظ لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره "إذا دعي أحدكم وهو صائم فليقل إني صائم".

ص: 299

ووجه الدلالة أنه لو كان الفطر مرغب فيه لحث عليه وقال "فليطعم".

2-

حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك" أخرجه مسلم.

ووجه الدلالة أنه خير المدعو بين الأكل وعدمه سواء كان صائماً أم مفطراً ولم يرغب في أحدهما.

3-

حديث عائشة رضي الله عنها قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: "ياعائشة هل عندكم شيء؟ " قالت فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال:"فإني صائم"، قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أو جاءنا زَوْر قالت فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يارسول الله أهديت لنا هدية أو جاءنا زَوْر وقد خبأت لك شيئاً قال: "ما هو؟ " قلت: حيس، قال:"هاتيه" فجئت به فأكل ثم قال: "قد كنت أصبحت صائماً".

أخرجه مسلم واللفظ له وأبو داود والترمذي والنسائي وزاد "وأصوم يوماً مكانه".

ووجه الدلالة جواز الخروج من صوم النفل.

4-

حديث أم هانئ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".

أخرجه النسائي والحاكم والبيهقي.

ووجه الدلالة أنه جوز للصائم المتطوع الفطر والإمساك.

ص: 300

5-

حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء، متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل، قال: إني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، قال: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نم فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم فلما كان في آخر الليل قال سلمان: قم الآن فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق سلمان".

أخرجه البخاري والترمذي.

ووجه الدلالة: إفطار أبي الدرداء وهو صائم صوم تطوع وأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

وهذه الأدلة تدل على جواز الفطر إذا كان الصوم تطوعاً.

الترجيح:

والأظهر والله أعلم ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال:وأعدل الأقوال أنه إذا حضر الوليمة وهو صائم إن كان ينكر قلب الداعي بترك الأكل فالأكل أفضل وإن لم ينكر قلبه فإتمام الصوم أفضل.

ولا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاح في تناول الطعام للمدعو إذا امتنع فإن كلا الأمرين جائز فإذا ألزمه بما لا يلزمه كان من نوع المسألة المنهي عنها، ولا ينبغي للمدعو إذا رأى أنه يترتب على امتناعه مفاسد أن يمتنع فإن فطره جائز، فإن كان ترك الجائز مستلزماً لأمور محظورة ينبغي أن يفعل ذلك الجائز وربما يصير واجباً. اه.

ص: 301

وقال الحافظ ابن حجر: وهل يستحب له الفطر إن كان صومه تطوعاً؟ قال أكثر الشافعية وبعض الحنابلة: إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالأفضل الفطر وإلا فالصوم وأطلق الروياني وابن الفراء استحباب الفطر وهذا على رأي من يجوز الخروج من صوم النفل، وأما من يوجبه فلا يجوز عنده الفطر كما في صوم الفرض ويبعد إطلاق استحباب الفطر مع وجود الخلاف ولاسيما إذا كان وقت الإفطار قد قرب. اه.

وقال نحوه العراقي.

وقال الأبيّ: وإن كان في صوم تطوع جاز له الفطر إلا أن يشق على صاحب الوليمة فيكون له الفطر أفضل.

وقال النووي: وإن كان نفلاً - أي الصوم - جاز الفطر وتركه فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم، والله أعلم.

الخاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والحمد لله على إتمام هذا البحث مع الاعتراف بالقصور ولكني أسأل الله أن يبارك فيه فقد ظهر لي من خلال هذا البحث النتائج التالية:

- أن الأظهر من أقوال أهل العلم وجوب إجابة الدعوة في العرس واستحبابها في غيره.

- أن الصوم ليس عذراً يمنع من إجابة الدعوة.

- أن الأفضل لمن دعي وهو مفطر أن يأكل وخلاف في وجوبه.

- أن من دعي وهو صائم صوم فرض مضيق حرم عليه الفطر.

- أن من دعي وهو صائم صوم فرض موسع ففي جواز فطره خلاف.

- أن من دعي وهو صائم صوم نفل فإن كان ينكسر قلب الداعي بعدم الأكل فالأكل أفضل وإن كان لا ينكسر فإتمام الصوم أفضل، والله أعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

فهرس المصادر والمراجع

- الاختيارات الفقهية من فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية: إختارها الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد البعلي، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.

ص: 302

- أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه: للحافظ أبي محمد عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ، تحقيق د. السيد الجميل، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ.

- الأدب المفرد: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تقديم كما يوسف الحوت، عالم الكتب، الطبعة الأولى 1404هـ.

- آداب الزفاف في السنة المطهرة: للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة السادسة 1402هـ، والطبعة الثانية المكتبة الإسلامية، الأردن.

- إعلاء السنن: للمحدث ظفر أحمد التهانوي، تحقيق محمد تقي عثماني، إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي، باكستان، الطبعة الثالثة 1415هـ.

- إكمال إكمال المعلم: للإمام محمد بن خليفة الأبي، تحقيق محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت 1415هـ.

- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: لأبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، تحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1376هـ.

- البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لسراج الدين ابن الملقن، رسالة ماجستير محققة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: للإمام محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية 1383هـ.

- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة: تحقيق د/ إكرام الله إمداد الحق، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ.

- تقريب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة، دار الرشد، سوريا، الطبعة الأولى 1406هـ.

- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة، لبنان.

- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لابن عبد البر، تحقيق جماعة من المحققين، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في المغرب.

ص: 303

- تهذيب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الأولى 1327هـ.

- تهذيب الكمال: للحافظ جمال الدين المزي، تحقيق د/ بشار عواد مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

- تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق مجموعة من المحققين، الدار المصرية للتأليف والترجمة.

- التواضع والخمول: للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا، تحقيق لطفي محمد الصغير، دار الاعتصام، القاهرة.

- جامع الأصول في أحاديث الرسول: للإمام المبارك بن محمد بن الأثير الجزري تحقيق عبد القادر الأرناؤط، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1403هـ.

- الجرح والتعديل: لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دائرة المعارف العثمانية، الهند، الطبعة الأولى 1372هـ.

- الجعديات: حديث علي بن الجعد الجوهري لأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، تحقيق د/ رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى 1415هـ.

- دلائل النبوة: للبيهقي، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ.

- روضة الطالبين وعمدة المفتين: للإمام النووي، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1405هـ.

- سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام: للصنعاني، تعليق محمد محرز حسن سلامة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثالثة 1400هـ.

- السنن – المجتبي -: للحافظ أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى 1406هـ.

- السنن: لأبي داود السجستاني الأزدي، تحقيق عزة عبيد الدعاس، دار الحديث، سوريا، الطبعة الأولى 1388هـ.

- السنن: لأبي عيسى الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأولى 1396هـ.

- السنن: لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية، بيروت.

ص: 304

- السنن: للحافظ علي بن عمر الدارقطني، تصحيح عبد الله هاشم اليماني، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.

- السنن: للحافظ سعيد بن منصور الخرساني، تحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، دار الباز، مكة المكرمة.

- السنن الكبرى: للإمام النسائي، تحقيق د/ عبد الغافر البنداري، وسيد كردي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ.

- السنن الكبرى: للبيهقي، دار الفكر.

- شرح علل الترمذي: للحافظ زين الدين بن رجب الحنبلي، تحقيق همام سعيد، الأردن، الطبعة الأولى 1407هـ.

- شرح مسلم: للإمام النووي، دار الفكر.

- شرح مشكل الآثار: لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1415هـ.

- شرح معاني الآثار: لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق محمد زهير النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1399هـ.

- الشمائل المحمدية: لأبي عيسى الترمذي، تحقيق محمد عفيف الزغبي، الطبعة الأولى، دار العلم للطباعة والنشر، 1403هـ.

- الصحاح: لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثانية 1402هـ.

- صحيح البخاري - الجامع الصحيح المسند -: للإمام البخاري، تحقيق د/ مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، دمشق، بيروت، الطبعة الثالثة 1407هـ.

- صحيح ابن حبان - الإحسان ترتيب الأمير علاء الدين -: للإمام أبي حاتم بن حبان البستي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1408هـ.

- صحيح مسلم: للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.

- طرح التثريب في شرح التقريب: لزين الدين أبي الفضل العراقي، دار إحياء التراث العربي.

- عارضة الأحوذي لشرح صحيح الترمذي: لأبي بكر بن العربي المالكي، دار الكتاب العربي، بيروت.

- عمدة القاري شرح صحيح البخاري: لبدر الدين محمود بن أحمد العيني، مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأولى 1392هـ.

ص: 305

- عمل اليوم والليلة: للإمام النسائي، تحقيق د/ فاروق حمادة، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى 1401هـ.

- عمل اليوم والليلة: لابن السني، تحقيق عبد القاهر أحمد عطار، دار المعرفة، بيروت،1399هـ.

- عون المعبود شرح سنن أبي داود: لأبي الطيب محمد شمس الدين العظيم آبادي، المكتبة السلفية، الطبعة الثانية 1388هـ.

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.

- الكامل في ضعفاء الرجال: للإمام أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1405هـ.

- كشف الأستار عن زوائد مسند البزار على الكتب الستة: للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1404هـ.

- الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الثقات: لأبي البركات محمد بن أحمد ابن الكمال، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، دار المأمون للتراث، بيروت، دمشق، الطبعة الأولى 1402هـ.

- لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثانية 1390هـ.

- المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: لأبي حاتم بن حبان البستي، تحقيق محمود إبراهيم زائد، دار الوعي بحلب، الطبعة الأولى 1396هـ.

- مجمع البحرين بزوائد المعجمين: للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى 1413هـ.

- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة، الثالثة 1402هـ.

- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، مكتبة المعارف، الرباط.

- المحلي: للإمام أبي محمد بن حزم الأندلسي، تحقيق د/ عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية، بيروت.

ص: 306

- المراسيل: لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1402هـ.

- المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم، دار الكتب العلمية.

- المسند: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة.

- مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود، دار المعرفة، بيروت.

- مسند أبي يعلي الموصلي أحمد بن علي التميمي: تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى 1404هـ.

- مصباح الزجاجة إلى زوائد ابن ماجه: للشهاب أحمد بن أبي بكر البوصيري، تحقيق موسى محمد علي ود/ عزت عطية، دار الكتب الحديثة، مصر.

- المصنف في الأحاديث والآثار: للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، الهند، الطبعة الثالثة 1399هـ.

- المصنف: للحافظ عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ.

- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق غنيم عباس، وياسر إبراهيم، دار الوطن، الطبعة الأولى 1418هـ.

- المعجم الأوسط: للطبراني، تحقيق د/ محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى 1405هـ.

- المعجم الكبير: لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مطبعة الأمة، بغداد، ومطابع الزهراء الحديثة، الطبعة الأولى والثانية.

- المعجم الصغير: للطبراني، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، 1388هـ.

- المغني: لأبي محمد بن قدامة المقدسي، مكتبة الرياض الحديثة.

- مكمل إكمال الإكمال: للإمام محمد بن محمد بن يوسف السنوسي الحسيني، تحقيق محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ.

- موطأ الإمام مالك بن أنس: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.

ص: 307

- ميزان الاعتدال في نقد الرجال: للإمام الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت.

- النهاية في غريب الحديث: للإمام مجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي، دار الفكر، بيروت.

- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار: للعلامة الشوكاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

ص: 308

إبراهيم بن محمد بن سفيان

روايته، وزياداته، وتعليقاته

على صحيح مسلم

تأليف

د/ عبد الله بن محمد حسن دمفو

قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية

كلية التربية بالمدينة المنورة - جامعة الملك عبد العزيز

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً، وبعد:

فإنَّ أصحَّ الكتب بعد كتاب الله عز وجل، صحيحا الإمامين البخاري ومسلم، فهما أول من ألَّف في الصحيح المجرَّد، وشرطهما في إخراج الحديث أشدُّ من شرط غيرهما، ولذلك تلقتهما الأمة بالقبول ابتداءً من علماء عصرهما وحتى يرث الله الأرض ومَن عليها، فكثر الآخذون عنهما، والرواة لكتابيهما، لكن لم تصلنا من روايات الكتابين إلَاّ أشهرها كرواية الفربري عن الإمام البخاري، ورواية ابن سفيان عن الإمام مسلم.

وإن كانت رواية الفربري قد وَجدت اهتماماً من العلماء الذين كتبوا حول سند الجامع الصحيح للبخاري، كابن رُشيد السبتي في كتابه ((إفادة النَّصيح، إلَاّ أنَّني لم أجد من كَتب حول ابن سفيان وروايته لصحيح مسلم استقلالاً، مع أنَّ روايته هي الرواية المعتمدة والكاملة للصحيح، ولذلك استقرَّ في نفسي سدُّ هذه الثغرة في المكتبة الإسلامية والكتابة حول هذا الموضوع، فوجدتُ أنَّ جهود ابن سفيان في خدمة هذا الكتاب لم تقتصر على الرواية فقط، بل وُجدت له زيادات وتعليقات عليه، ولذلك جاء البحث في مقدِّمة، وأربعة مباحث، وخاتمة.

أمَّا المقدِّمة فبيَّنتُ فيها سبب اختياري هذا الموضوع ومنهجي فيه.

وأمَّا المبحث الأول: فكان حول ترجمة ابن سفيان، جمعتُ فيه ما تفرَّق من مادة علمية في بطون المراجع، إضافة إلى استنطاق بعض النصوص لاستنباط معلومات جديدة تُفيد في الكشف عن جوانب من شخصيته.

ص: 309

وأما المبحث الثاني: فكان حول روايته لصحيح مسلم، وأهميَّتها، والردِّ على ما وُجِّه إليها من نقد من جهة الفوائت التي فاته سماعها من شيخه مسلم.

وأمَّا المبحث الثالث: فكان حول زياداته على صحيح مسلم، وقدَّمتُ له بتعريف الزيادات، والفرق بينها وبين الزوائد، ثم ذكرتُ ما وقفتُ عليه من الزيادات على كتب السنة، وبيَّنتُ بعد ذلك أهميَّة الزيادات وفوائدها من خلال زيادات ابن سفيان، ثم أوردتُ نصوصها التي بلغت ثلاثة عشرة زيادة مع تخريجها ودراستها.

وأما المبحث الرابع: فكان حول تعليقاته على الصحيح، وعدد نصوصها ستُّ تعليقات، صدَّرتُها بالفوائد التي أفادتها، مع تخريجها ودراستها أيضاً.

وأما الخاتمة، فضمَّنتها أهمَّ نتائج البحث.

وقد اتَّبعتُ في البحث المنهجَ الآتي:

1 -

لم أدرس من رجال الإسناد إلَاّ ما ورد في زيادات ابن سفيان، وتركتُ ما جاء في إسناد مسلم؛ لشهرتهم إلَاّ إذا دعت الضرورة لذلك.

2 -

اعتمدتُ على كتابي الكاشف للذهبي والتقريب لابن حجر في بيان أحوال الرواة، خاصة عند اتفاقهما في الحكم؛ لأنَّهما ذكرا خلاصة من سبقهما من علماء الجرح والتعديل، وقد اعتمدتُ مراجع أخرى غيرهما عند الحاجة.

3 -

لم أحكم على أحاديث الزيادات؛ وذلك لأنَّ أصلَها في صحيح مسلم، وقد التقى ابن سفيان معه في شيخه أو شيخ أعلى.

4 -

استوعبتُ الزيادات التي أوردها ابن سفيان على أحاديث الصحيح المسندة المرفوعة، ولم أتعرَّض لزيادة ابن سفيان على مقدِّمة الصحيح (1/22) ، وهي في موضع واحد فقط؛ لأنَّها أثرٌ عن يونس بن عبيد، ولم يُخرِّج مسلم أصل هذا الأثر.

5 -

التزمتُ الرجوع إلى المصادر الأصيلة قدر الامكان، ولم ألجأ إلى المراجع البديلة إلَاّ إذا لم أقف على المرجع الأصيل.

ص: 310

هذا، وأسأل الله العفو عن الخطأ والزلل، وحسبي أنِّي اجتهدتُ، فإن أصبتُ فمن الله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي، وأستغفر الله من ذلك، وصلَّى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

المبحث الأول

ترجمة ابن سفيان

نسبه وولادته:

هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، ولم تذكر المصادر سنةَ ولادته، ويظهر أنَّها كانت في النصف الأول من القرن الثالث؛ لأنَّ الإمام مسلماً رحمه الله فرغ من كتابة الصحيح سنة خمسين ومائتين، كما ذكر العراقي، ثم أخذ يمليه على الناس حتى فرغ من ذلك لعشر خلون من رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين، كما نصَّ على ذلك ابن سفيان، وعاش ابن سفيان بعد ذلك حتى أول القرن الرابع كما سيأتي.

صفاته:

وصفه النووي بالسيد الجليل، وبأنَّه أحد الفقهاء في عصره، لكن غلب عليه الوصف بالصلاح والزهد وكثرة العبادة، فقال الحاكم النيسابوري: سمعتُ أبا عمرو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي يقول: "كان إبراهيم بن محمد بن سفيان من الصالحين"، وقال فيه محمد بن أحمد بن شعيب:"ما كان في مشايخنا أزهد ولا أكثر عبادة من إبراهيم بن محمد بن سفيان"، ويظهر أنَّ صحبته لأيوب بن الحسن الزاهد أثَّرت فيه، وأثْرَت هذا الجانب في شخصيته.

كما وصفه محمد بن يزيد العدل بأنَّه مُجاب الدعوة. يعني: لكثرة عبادته.

ولم تقتصر معارفه على الزهد والفقه فقط، فهو معدود في محدِّثي نيسابور، وكان من أعلم أهل بلده بهذا العلم، كيف لا وهو أكثر تلامذة الإمام مسلم ملازمة له، وأخصَّهم به، وراوية صحيحه، بل إنَّ روايته أشهر الروايات وأكملها كما سيأتي.

طلبه للعلم ورحلاته:

ص: 311

يظهر أنَّ الإمام ابن سفيان بدأ في طلب العلم على مشايخ بلده نيسابور، فمُعظم شيوخه الذين وقفتُ عليهم نيسابوريون، ثم ارتحل بعد ذلك إلى بعض المراكز العلمية في وقته لتلقي العلم والسماع من مشايخها، فذكر الذهبي أنَّه رحل وسمع ببغداد، والكوفة، والحجاز، وذكر ابن نقطة أنَّه ارتحل كذلك إلى الري، وربَّما كان ذلك في طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج، أو عند رجوعه منها، ولم أقف له على رحلة إلى الشام ومصر وغيرهما، ولعله اكتفى بلقاء مَن حضر من علماء هذه الأمصار إلى الديار الحجازية بهدف الحج.

شيوخه:

لم تذكر المصادر التي ترجمت له سوى تسعةً من شيوخه، وقد وقفتُ على سبعة عشر شيخاً غيرهم روى عنهم ابن سفيان، من بينهم شيوخه الثمانية الذين روى عنهم زياداته على صحيح مسلم، ومن هؤلاء الثمانية ستة شيوخ لم أقف على رواية ابن سفيان عنهم إلَاّ من خلال هذه الزيادات، ممَّا يدلُّ على أهميَّتها وفائدتها:

أولاً: شيوخه الذين ورد ذكرهم في مصادر ترجمته:

1 ـ سفيان بن وكيع.

2 ـ عبد الله بن سعيد الكندي، أبو سعيد الأشج.

3 ـ عمرو بن عبد الله الأودي.

4 ـ محمد بن أسلم الطوسي.

5 ـ محمد بن رافع القشيري.

6 ـ محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ.

7 ـ محمد بن مقاتل الرازي.

8 ـ مسلم بن الحجاج، وهو من أجلِّ شيوخه، وأشهر من أن يُعرَّف به.

9 ـ موسى بن نصر الرازي.

ثانيا: شيوخه الذين روى عنهم ابن سفيان في الزيادات على صحيح مسلم، وقد عرَّفتُ بمن وقفتُ عليه منهم في أول موضع ذُكروا فيه:

10 ـ إبراهيم بن بنت حفص: روى عنه النص (13) .

11 ـ الحسن بن بشر بن القاسم: روى عنه النصوص (1) ، (3) ، (7) ، (8) ، (10) ، (12) .

12 ـ الحسين بن بشر بن القاسم ـ أخو الحسن ـ: روى عنه النص (10) .

13 ـ الحسين بن عيسى البسطامي: روى عنه النص (13) .

14 ـ سهل بن عمَّار: روى عنه النص (13) .

15 ـ عبد الرحمن بن بشر: روى عنه النصين (2) ، (6) .

ص: 312

16 ـ محمد بن عبد الوهاب الفراء: روى عنه النص (4) .

17 ـ محمد بن يحيى الذهلي: روى عنه النصوص (5) ، (9) ، (10) ، (11) .

ثالثاً: شيوخ آخرين غير الذين تقدَّموا:

18 ـ أحمد بن أيوب، أبو ذر العطار النيسابوري.

19 ـ أحمد بن حرب بن فيروز الزاهد النيسابوري.

20 ـ أحمد بن محمد بن نصر اللَّبَّاد النيسابوري.

21 ـ أيوب بن الحسن النيسابوري.

22 ـ رجاء بن عبد الرحيم الهروي.

23 ـ العباس بن حمزة بن عبد الله بن أشرس النيسابوري.

24 ـ علي بن الحسن الذهلي الأفطس النيسابوري.

25 ـ محمد بن أيوب بن الحسن النيسابوري.

26 ـ مهرجان النيسابوري الزاهد.

تلاميذه:

أما عن تلاميذه فالظاهر أنَّ كثيرين قد أخذوا العلم عن ابن سفيان، على اعتبار أنَّه أشهر راوية للصحيح، لكن المصادر لم تذكر لنا منهم سوى القليل، فذكر الذهبي في ترجمته في كتابه تاريخ الإسلام أربعة منهم، ثم قال: وآخرون، وهم:

1 ـ أحمد بن هارون البرديجي.

2 ـ عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو حازم السكوني.

3 ـ أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي.

4 ـ محمد بن عيسى بن عمرويه الجُلودي.

وقد وقفتُ على خمسة آخرين أخذوا عنه، وهم:

1 ـ إسماعيل بن نجيد السلمي.

2 ـ أبو سعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم الفقيه.

3، 4 ـ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي وأبوه.

5 ـ محمد بن أحمد بن شعيب.

أما فيما يتعلَّق بعلومه ومعارفه، فسيأتي الكلام عليها في مبحثي: زياداته وتعليقاته على صحيح مسلم.

وفاته:

عاش الإمام ابن سفيان بعد شيخه مسلم أكثر من نصف قرن، حتى وافته المنيَّةُ ببلدته نيسابور في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة كما حكاه الحاكم، وعنه نقل كلُّ مَن ترجم له، ودُفن بها كما تقدَّم، رحمه الله رحمة واسعة.

المبحث الثاني

روايته لصحيح مسلم

ص: 313

تبوَّأ الإمام مسلم مكانة علمية مرموقةً في علم الحديث، وترسَّخت هذه المكانة بعد تأليفه كتابه الصحيح، فحرص أهلُ العلم على التتلمذ عليه والسماع منه، ولذلك كثر الآخذون عنه، وقد ذكر المزي، والذهبي، في ترجمته خمساً وثلاثين من تلاميذه، وزاد عليهما الباحث مشهور حسن سلمان خمسة عشر آخرين، وهو أوفى مَن ذكر تلاميذه - فيما رأيتُ -، وإن كان هذا العدد لا يُمثِّل حقيقة مَن سمع من الإمام مسلم، فهم أكثر من هذا بكثير.

أمَّا فيما يتعلَّق برواة صحيحه الذين سمعوه منه، ونقلوه للناس، فهم أقلُّ من

ذلك، بدليل أنَّ الضياء المقدسي المتوفى سنة (643هـ) حينما ألَّف جزءاً في الرواة عن مسلم الذي وقعوا له، لم يزد على عشرة، وربَّما لأنَّه التزم أن يورد في ترجمة كلِّ راوٍ حديثاً بالإسناد المتصل منه إلى هذا الراوي عن مسلم، وهؤلاء هم على ترتيبهم في كتابه:

1 ـ أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري المعروف بابن الشرقي (ت325هـ) .

2 ـ أحمد بن علي بن الحسن النيسابوري، ابن حسنويه المقرئ المعمِّر (ت350هـ) .

3 ـ أحمد بن حمدون الأعمشي النيسابوري (ت321هـ) .

4 ـ إبراهيم بن محمد بن سفيان - موضوع البحث -.

5 ـ عبد الله بن محمد بن ياسين الدوري (ت302هـ) .

6 ـ محمد بن عبد الرحمن السرخسي الدغولي (ت325هـ) ، وهو شيخ ابن حبان، وقد روى في صحيحه حديثاً واحداً لمسلم من طريقه.

7 ـ محمد بن عيسى الترمذي، صاحب الجامع (ت279هـ) .

8 ـ محمد بن مخلد بن حفص الدوري (ت331هـ) .

9 ـ مكي بن عبدان بن محمد النيسابوري (ت325هـ) .

10 ـ يعقوب بن أبي إسحاق، أبو عوانة الاسفراييني (ت316هـ) .

يُضاف إليهم القلانسي راوي رواية المغاربة عن مسلم، وسيأتي الكلام عليها قريباً.

ص: 314

لكن هذا الكتاب مع شهرته التامة صارت روايته بالإسناد المتصل بمسلم مقصورة على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، غير أنَّه يروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم، كما قال ابن الصلاح.

وفي هذا يقول النووي: "صحيح مسلم رحمه الله في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصلٌ بأنَّه من تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجَّاج، وأما من حيث الروايةُ المتصلةُ بالإسناد المتصل بمسلم؛ فقد انحصرت طريقه عنه في هذه البلدان والأزمان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم، ويروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم".

ويُفهم من كلامهما انحصار رواية الصحيح بالإسناد المتصل منذ القرن السابع الهجري في روايتين:

الأولى: رواية المشارقة:

وهي رواية ابن سفيان، سُميت بذلك؛ لأنَّ رواتَها مشرقيُّون، وهذه شجرة إسنادها كما جاءت عند النووي الذي ترجم لكلِّ رواتها:

مسلم بن الحجاج النيسابوري

إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري

محمد بن عيسى الجُلودي النيسابوري

عبد الغافر الفارسي النيسابوري

محمد بن الفضل الفراوي النيسابوري

منصور بن عبد المنعم الفراوي النيسابوري

إبراهيم بن أبي حفص الواسطي (سكن نيسابور مدة طويلة

الإمام النووي

الثانية: رواية المغاربة:

وهي رواية القلانسي، سُميت بذلك؛ لأنَّها وقعت لأهل المغرب، ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليه من جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى بن الحذَّاء القرطبي، وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء بن ماهان، عن أبي بكر أحمد بن يحيى الأشقر، عن القلانسي، وهذه شجرة إسناد إحدى طرقها التي رواها القاضي عياض شارح صحيح مسلم:

مسلم بن الحجاج النيسابوري

أحمد بن علي القلانسي

أحمد بن محمد الأشقر

عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان

محمد بن يحيى بن الحذَّاء القرطبي

ابنه: أحمد بن محمد القرطبي

ص: 315

الحسين بن محمد الجيَّاني (صاحب تقييد المهمل وتمييز المشكل

القاضي عياض بن موسى اليحصبي (صاحب إكمال المعلم)

وقد بخلت كتبُ التراجم بترجمة وافية للقلانسي، فلم أقف على مَن ترجم له سوى ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم، الذي بيَّن نسبَه وأنَّه: أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، وأشار إلى روايته للصحيح كما تقدّم في كلام النووي الذي اعتمد كلامه.

وهناك أمرٌ آخر يُفهم من كلامي ابن الصلاح والنووي المتقدِّمين، وهو أنَّ الرواية المعتمدة لصحيح مسلم هي رواية المشارقة؛ ولذلك شاعت وانتشرت بين أهل العلم، وغالب من يروي حديثاً لمسلم في صحيحه، إنَّما يدخل من طريق الجُلودي، عن ابن سفيان راوي هذه الرواية، حتى علماء المغرب أنفسهم، كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابنُ رُشيد، وغيرهم.

وإنَّما كان الاعتماد على هذه الرواية؛ لأنَّها أكمل الروايتين، فرواية القلانسي "المغاربة ناقصة من آخر الكتاب، وقدَّر العلماء هذا النقص بثلاثة أجزاء"، تبدأ من حديث الإفك الطويل، ورقمه:(2770) الذي أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، أي بمقدار ثلاثة وستين ومائتي حديث على اعتبار عدد أحاديث صحيح مسلم بدون المتابعات (3033) حديث حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، فإنَّ أبا العلاء ابن ماهان - أحد رواة رواية المغاربة - يروي هذه الأحاديث عن أبي أحمد الجُلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم، أي أنَّه يعود إلى رواية المشارقة.

ص: 316

لكن لا يعني هذا طرح هذه الرواية وعدم الاعتداد بها؛ إذ لا تخلو من فائدة، وسنحتاج إليها في الدفاع عن صحيح مسلم، والردِّ على ما انتُقدت به رواية ابن سفيان (المشارقة، وربَّما كان الإمام الدارقطني يحثُّ أهل العلم على تحمُّل وسماع هذه الرواية لهذا السبب، فقد قال محمد بن يحيى بن الحذاء - أحد رواتها -: أخبرني ثقات أهل مصر أنَّ أبا الحسن علي بن عمر الدراقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد: أن اكتبوا عن أبي العلاء ابن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج الصحيح، ووصف أبا العلاء بالثقة والتميُّز) .

النَّقد الذي وُجِّه إلى رواية المشارقة والردِّ عليه:

مع أنَّ رواية ابن سفيان هي الرواية المعتمدة كما تقدم إلاّ أنّها لم تسلَم كذلك من النّقد، من جهة وجود أحاديث لم يسمعها ابن سفيان من مسلم مما قد يعكِّر على اتّصال إسنادها، وأوّل من تنبّه إلى ذلك - فيما يبدو - الإمام ابن الصلاح حيث قال: اعلم أنّ لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتاً لم يسمعه من مسلم، يُقال فيه: أخبرنا إبراهيم، عن مسلم، ولا يُقال فيه: قال أخبرنا أو حدَّثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة وإما بطريق الوجادة، وقد غفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك، وتحقيقه في فهارسهم، وبرنامجاتهم وفي تسميعاتهم وإجازاتهم، وغيرها، بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم، قال: أخبرنا مسلم.

ثمَّ بيَّن أنَّ هذا الفوت في ثلاثة مواضع محقَّقة في أصول معتمدة، وهي:

الفائت الأول:

في كتاب الحج، ويبدأ من باب الحلق والتقصير، حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله المحلِّقين"، وينتهي عند أول باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج، حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر".

الفائت الثاني:

ص: 317

ويبدأ من أول كتاب الوصايا، حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما حق امرئ مسلم

"، وينتهي في كتاب القسامة، باب: القسامة، قبل آخر رواية أوردها مسلم في حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حُوَيِّصة ومُحَيِّصة.

الفائت الثالث:

ويبدأ من كتاب الإمارة، أول باب: الإمام جنة، حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّما الإمام جنة

"، وينتهي في كتاب الصيد والذبائح، قبل باب: إذا غاب عنه الصيد ثم وجده.

ولم أقف على من تعرَّض لهذه الفوائت بالدراسة، وبيان أنَّها لا تؤثِّر في صحة واتِّصال هذه الأحاديث سوى ما ذكره الدكتور الحسين شواط حيث قال:

"يبعد أن يكون هذا الفائت قد بقي على ابن سفيان إلى حين وفاة مسلم، وذلك لأمور، منها:

أ - توفر دواعي تلافي ذلك الفوت وسماعه من مسلم، وذلك لأنَّ الفراغ من سماع الكتاب قد تمَّ سنة (257هـ) أي قبل وفاة مسلم (ت261هـ) بحوالي خمس سنوات، فكيف يغفل عن ذلك كلَّ هذه المدَّة مع وجودهما في بلد واحد.

ب - ما نصَّت عليه المصادر ونوَّهت به من كثرة ملازمة ابن سفيان لشيخه مسلم، ممَّا يجعل الفرصة سانحة بصفة أكيدة لسماع ما يفوته منه.

جـ - النص في بعض النسخ على عدم حضور ابن سفيان مجلس السماع لا يمنع سماعه في مجلس آخر بعده.

وعلى فرض تسليم بقاء هذا الفوت فعلاً؛ فإنَّ احتمال روايته بطريق الوجادة ضعيف جدًّا؛ لأنَّ بعض النسخ قد نصَّت على أنَّه كان إجازة كما ذكر ابن الصلاح".

ص: 318

وما ذكره - حفظه الله - فيه وجاهة، لكن لا تعدو كونها أموراً نظريةً قائمة على الاجتهاد الذي قد يصيب وقد يخطئ، ولا يمكن أن تتأكّد إلَاّ من خلال الجانب التطبيقي العملي، وهذا ما توصلتُ إليه حيث تتبَّعتُ روايات العلماء المغاربة لصحيح مسلم للوقوف على مَن روى أحاديث مسلم من طريق القلانسي لمعرفة كيفية روايته لأحاديث الفوائت حتى طُبع مؤخّراً كتاب حجَّة الوداع للإمام ابن حزم الأندلسي، فوجدته روى جميع أحاديث مسلم التي ضمَّنها فيه من طريق القلانسي عن مسلم.

وعددُها سبعون ومائة حديث، قال فيها القلانسي: "حدَّثنا مسلم، وكان من بينها ثلاثة عشر حديثاً من أحاديث الفوائت في رواية ابن سفيان، وهذه قائمة بها:

الرقم المتسلسل

رقم الحديث في كتاب حجَّة الوداع

رقم الحديث في صحيح مسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي

1

131

1335

2

134

1334

3

159

1305

4

174

1308

5

176

1316

6

185

1306

7

186

1307

8

195

1315

9

199

1309

10

201

1313

11

203

1314

12

324

1319

13

335

1211

فثبت من هذا أنَّ أحاديث الفوائت في رواية ابن سفيان ـ لو سُلِّم بقاؤها ـ قد اتَّصلت في رواية القلانسي، فاندفع بذلك النقد الذي يمكن أن يُوجَّه إليها، والله أعلم.

ص: 319

تابع لإبراهيم بن محمد بن سفيان

المبحث الثالث

زياداته على صحيح مسلم

تعريف الزيادات والفرق بينها وبين الزوائد:

قبل أن أذكرَ تعريف الزيادات والمراد بها، يُستحسن أن أعرض لمصطلح آخر اشتهر عند أهل العلم، وكثر التصنيف فيه، ويَشتبه كثيراً بمصطلح الزيادات، ذلكم هو مصطلح الزوائد.

وقد عرَّف الكتاني كتب الزوائد بأنَّها:

"الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معيَّن".

كما عرَّف الدكتور خلدون الأحدب علم الزوائد بأنَّه:

"علمٌ يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده".

ويستخلص من التعريفين السابقين عدّة نقاط:

أولاً: أنَّ المراد بالزوائد أحاديث زائدة في كتاب على كتاب آخر، وهذه الزيادة مطلقة، وقد تكون الزيادة في سند أو متن حديث اشتركا في إخراجه وهذه الزيادة نسبية.

ثانياً: أنَّ مؤلف الكتاب الذي احتوى على الزوائد لا علاقة له بمؤلف الكتاب المزيد عليه، فتأليف كل واحد منهما لكتابه استقلالاً.

ثالثاً: أنَّ إبراز زوائد الكتاب المزيد عليه جاء في فترة متأخِّرة ومن إمام متأخر عنهما.

وتتجلَّى هذه النقاط واضحة في استعراض المؤلفات في الزوائد، وهي كثيرة أقتصر على ذكر بعضها، وهي:

1 -

مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (ت273هـ) :

يعني على الكتب الخمسة المشهورة (صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي) .

ومؤلفه هو الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن أبي بكر البوصيري (ت840هـ) .

2 -

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

ص: 320

وهو زوائد مسندي الإمام أحمد (ت241هـ) ، وأبي يعلى الموصلي (ت307هـ) ، ومعاجم الطبراني الثلاثة، الكبير والأوسط والصغير (ت360هـ) ، على الكتب الخمسة السابقة إضافة إلى سنن ابن ماجه وهي ما تُعرف بالكتب الستة.

ومؤلفه هو الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ) .

3 -

المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:

وهو زوائد مسند الطيالسي (ت204هـ) ، والحميدي (ت219هـ) ، ومسدد (ت228هـ) ، وابن أبي عمر (ت243هـ) ، وأحمد بن منيع (ت244هـ) ، وابن أبي شيبة (ت235هـ) ، والحارث بن أبي أسامة (ت282هـ) ، وعبد بن حميد (ت249هـ) على الكتب الستة.

ومؤلِّفه الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) .

هذا فيما يتعلَّق بالزوائد.

أما الزيادات، فلم أقف على مَّن تعرَّض لها بتعريف يُحدِّدها، لكن من خلال النظر في عمل أصحاب الزيادات يُمكن أن أقول إنَّها:

"الأحاديث التي يرويها راوية كتاب ما على مؤلف ذلك الكتاب، إمَّا استخراجاً عليه، فيلتقي معه في شيخه أو شيخ أعلى، أو استقلالاً بإيراده حديثاً مختلفاً في سنده ومتنه".

والفرق بينها وبين المستخرجات أنَّ شرط الزيادات أن تكون من راوية ذلك الكتاب عن مصنِّفه، في حين أنَّ مؤلفي المستخرجات ليسوا من رواة الكتاب المستخرج عليه.

ثم إنَّه لا يُشترط في ذلك الراوية أن يكون تلميذ المؤلف بل قد تكون الزيادات من تلميذ أنزل منه.

وحتى يتَّضح التعريف السابق أوردُ ما وقفتُ عليه من كتب السنة والزيادات عليها:

أولاً: مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) :

وعليه زيادتان:

أ - زيادات عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت290هـ) راوية الكتاب عن أبيه، على مسند أبيه.

ب - زيادات أبي بكر أحمد بن جعفر القطيعي (368هـ) راوية الكتاب عن عبد الله ابن أحمد، عليه.

ثانياً: فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل:

وعليه زيادتان:

أ - زيادات عبد الله بن أحمد، راوية الكتاب على أبيه.

ص: 321

ب - زيادات أبي بكر القطيعي، راوية الكتاب عن عبد الله، عليه.

ثالثاً: كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل:

وعليه زيادات ابنه عبد الله بن أحمد - راوية الكتاب - على أبيه.

رابعاً: كتاب الزهد للإمام عبد الله بن المبارك (ت181هـ) :

وعليه ثلاث زيادات:

أ - زيادات الحسين بن الحسن المروزي (ت246هـ) - راوية الكتاب برواية المشارقة على ابن المبارك.

ب - زيادات يحيى بن محمد بن صاعد (ت318هـ) - راوية الكتاب عن الحسين المروزي - عليه.

ج - زيادات نعيم بن حمَّاد (ت228هـ) - راوية الكتاب برواية المغاربة - على ابن المبارك.

خامساً: كتاب البر والصلة للإمام عبد الله بن المبارك:

وعليه زيادات الحسين بن الحسن المروزي - راوية الكتاب - على ابن المبارك.

سادساً: صحيح الإمام البخاري (ت256هـ) :

وعليه زيادات محمد بن يوسف الفربري (ت320هـ) راوية الكتاب عن البخاري، عليه.

سابعاً: صحيح الإمام مسلم (ت261هـ) .

وعليه زيادتان:

أ - زيادات أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان - راوية الكتاب عن مسلم - عليه، وهو موضوع البحث.

ب - زيادات أبي أحمد محمد بن عيسى الجُلودي (ت368هـ) - راوية الكتاب عن ابن سفيان - عليه.

ثامناً: سنن أبي داود سليمان بن الأشعث (ت275هـ) .

وعليه زيادات أبي سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابي (ت341هـ) - أحد رواة الكتاب عن أبي داود - عليه.

تاسعاً: سنن محمد بن يزيد بن ماجه (ت275هـ) :

وعليه زيادات أبي الحسن علي بن إبراهيم ابن القطان (ت345هـ) - راوية الكتاب عن ابن ماجه - عليه.

عاشراً: القدر لعبد الله بن وهب (ت197هـ) :

وعليه زيادات أبي بكر محمد بن إسماعيل الورَّاق (ت378) - راوية الكتاب عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، عن أبي جعفر أحمد بن سعيد المصري، عن ابن وهب.

الحادي عشر: كتاب الطهور للإمام أبي عُبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) .

وعليه زيادات أبي بكر محمد بن يحيى المروزي (ت298هـ) - راوية الكتاب عن أبي عبيد - عليه.

ص: 322

الثاني عشر: كتاب عوالي مالك لأبي أحمد محمد بن أحمد الحاكم الكبير (ت378هـ) :

وعليه زيادات زاهر بن طاهر الشحامي (ت522هـ) - راوية الكتاب عن أبي سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي، عن الحسن بن أحمد السمرقندي، عن الحاكم - على كتاب الحاكم.

الثالث عشر: كتاب نزهة الحفاظ للإمام أبي موسى محمد بن عمر المديني (ت581هـ) :

وعليه زيادات أبي عبد الله محمد بن مكي الأصبهاني (616هـ) - راوية الكتاب عن أبي موسى المديني - عليه.

وبعد:

فهذا ما وقفتُ عليه من الزيادات على كتب السنة، وربَّما وُجدت غيرها لم أتمكَّن من الوقوف عليها، وعلى أيِّ حال فإن فيما ذكرتُ كفاية لإثبات ما تقدّم ذكره من التفرقة بين الزوائد والزيادات، وأنَّ شرط الزيادات أن تكون من راوية الكتاب عن مؤلفه أو من راوية أنزل، وعليه فإنَّ التعبير عنها بمصطلح (الزوائد) غير صحيح.

أهميَّة معرفة الزيادات:

تكمن أهميَّة معرفة الزيادات وتمييزها عن أحاديث الكتاب المزيد عليه في كونها ليست على شرط صاحب الكتاب الأصلي من حيث صحةُ الأحاديث أو ثقةُ الرواة، أو يُظنُّ أنَّ أحد رواة الزيادات من رجال الكتاب المزيد عليه وليس كذلك، فيقع الوهم واللبس، وقد وقع في ذلك الإمام أبو مسعود الدِّمشقي حيث ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب (2/224) في ترجمة الحسن بن بشر السلمي أنَّ أبا مسعود قال في الأطراف في حديث عائشة مرفوعاً:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبه الحلواء والعسل": "إنَّ مسلماً رواه عن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة".

ثم تعقَّبه الحافظ بقوله: "والذي في الأصول من الصحيح: حدَّثنا أبو كريب وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو أسامة، ليس فيه الحسن بن بشر، لكن قال فيه إبراهيم بن سفيان - الراوي عن مسلم - عقب هذا الحديث: حدَّثنا الحسن بن بشر، ثنا أبو أسامة مثله، فهذا من زيادات إبراهيم وهي قليلة جدًّا".

ص: 323

ولذلك قال في التقريب أيضاً (ص:159) : "صدوق، لم يصح أنَّ مسلماً روى عنه، وإنَّما روى عنه أبو إسحاق بن سفيان الراوي عن مسلم مواضع علا فيها إسناده".

فالحسن إذاً ليس من رجال مسلم، وليس على شرطه.

ومن الوهم الذي يقع للباحثين نتيجة عدم تميُّز هذه الزيادات، جعلُ الشيخ تلميذاً والتلميذَ شيخاً، وهو ما وقع فيه جامعو كتاب (المسند الجامع) في (3/233) عند تخريجهم حديث بريدة بن الحصيب مرفوعاً: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية

"، الحديث فقالوا: "وأخرجه مسلم قال: حدَّثنا إبراهيم، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب الفرَّاء

".

فإبراهيم هذا هو ابن سفيان الراوي عن مسلم، وإسناده هذا من زياداته على صحيح مسلم.

وقد تنبَّه إلى مثل ما تقدّم شيخنا الأستاذ الدكتور / مسفر الدميني حيث قال في مقدّمة بحثه زيادات أبي الحسن القطان (ص:6، 7) : "والناظر في صنيع الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي والدكتور محمد مصطفى الأعظمي عند طبع كلٍّ منهما للكتاب (يعني سنن ابن ماجه) يجد لبساً في إخراج الكتاب حيث لم تُميَّز الزيادات عن الأصل

ثم قال: وعملهما هذا - غفر الله لهما - يوهم بعض طلَاّب العلم أنَّ الجميع من سنن ابن ماجه، وأنَّ تلك الزيادات من معلقات ابن ماجه عن أبي الحسن، بينما الأمر خلاف ذلك، فأبو الحسن القطان تلميذ ابن ماجه وراوية سننه وليس شيخه، وتلك الأحاديث الواردة في صورة التعليق من زيادات أبي الحسن القطان على كتاب شيخه ابن ماجه، ثم إنَّها ليست معلَّقة، بل مسندة له، فربَّما التقى مع شيخه أثناء الإسناد، وربَّما استقلَّ بحديث تام بإسناده ومتنه".اه.

فوائد الزيادات:

بعد تأمل نصوص زيادات ابن سفيان على صحيح مسلم يمكن تلخيص ما استنبطته من فوائد فيما يلي:

1 -

علو الإسناد:

ص: 324

وقد كان العلو بدرجة في جميع نصوص الزيادات الثلاثة عشر، غير أنَّ النصَّ رقم (5) تميَّز بموافقة ابن سفيان لشيخه مسلم، حيث روى مسلم الحديث عن عبد الرحمن بن بشر العبدي، عن سفيان بن عيينة، ورواه ابن سفيان تلميذ مسلم كذلك عن عبد الرحمن، عن سفيان.

وهذه الفائدة هي الدافع الأكبر لتأليف الزيادات؛ فإنَّ طلبَ العلوِّ من الحديث من علوِّ همَّة المحدِّث ونبل قدره وجزالة رأيه، كما قال محمد بن طاهر المقدسي.

2 -

وصل الرواية التي جاءت عن رجل مبهم في الكتاب المزيد عليه:

وذلك كما في النص (11) حيث رواه مسلم في الطريق الثاني عن مبهم، فقال: حدَّثنا عدَّةٌ من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم.

ورواه ابن سفيان موصولاً وموضحاً تلميذ سعيد، فقال: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا ابن أبي مريم.

ومحمد بن يحيى هو الذهلي.

3 -

بيان متابعة الراوي الصدوق الذي جاء في الكتاب المزيد عليه براوٍ ثقة:

وذلك كما في النص (4) الذي رواه مسلم عن حجَّاج بن الشاعر، عن عبد الصمد ابن عبد الوارث، عن شعبة. وعبد الصمد: صدوق، كما قال ابن حجر.

ورواه ابن سفيان، عن محمد بن عبد الوهاب الفراء، عن الحسين بن الوليد، عن شعبة. والحسين بن الوليد هو القرشي: ثقة.

4 -

تكثير طرق الحديث، ومن فوائده دفع الغرابة:

وذلك في النص (10) الذي رواه مسلم، عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي مسهر.

ورواه ابن سفيان، عن الحسن والحسين ابني بشر ومحمد بن يحيى، ثلاثتهم عن أبي مسهر.

وكما في النص (13) الذي رواه مسلم، عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله، كلاهما عن حجاج بن محمد.

ورواه ابن سفيان، عن الحسين بن عيسى البسطامي وسهل بن عمار وإبراهيم بن بنت حفص وغيرهم، عن حجاج.

5 -

دفع احتمال اختصار متن الحديث من أحد الرواة في إسناد الكتاب المزيد عليه، وتحميله على راوٍ آخر:

ص: 325

وذلك كما في النص (10) الذي رواه مسلم من طريقي مروان الدمشقي وأبي مسهر، كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز، ثم قال:"غير أنَّ مروان أتمَّهما حديثاً"، فأوهم أنَّ أبا مسهر اختصره.

ورواه ابن سفيان عن ثلاثة من شيوخه، عن أبي مسهر وقال:"فذكروا الحديث بطوله"، فتبيَّن من كلامه أنَّ الذي اختصر المتن في رواية مسلم ليس أبا مسهر، وإنَّما الراوي عنه أبو بكر بن إسحاق.

نصوص الزيادات

1 -

حدَّثنا أبو كريب محمد بن العلاء وهارون بن عبد الله، قالا: حدَّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ الحلواءَ والعسلَ، فكان إذا صلَّى العصرَ دار على نسائه، فيدنو منهنَّ، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر ممَّا كان يحتبس، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدتْ لها امرأةٌ من قومها عُكَّة من عسل، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلتُ: أمَا والله لنحتالنَّ له، فذكرتُ ذلك لسودة، وقلتُ: إذا دخل عليكِ فإنَّه سيدنو منكِ، فقولي له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكلتَ مغافير؟ فإنَّه سيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الرِّيح؟ - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتدُّ عليه أن يوجد منه الرِّيح - فإنَّه سيقول لكِ: سقتْني حفصةُ شربةَ عسل، فقولي له: جَرَستْ نحلُه العرفُط، وسأقول ذلك له، وقوليه أنتِ يا صفيَّةُ، فلمَّا دخل على سودة، قالت: تقول سودةُ: والذي لا إله إلَاّ هو، لقد كدتُ أنْ أُبادئه بالَّذي قلتِ لي، وإنَّه لعلى الباب فرَقاً منكِ، فلمَّا دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الرِّيح؟ قال: "سقتني حفصةُ شربة عسل". قالت: جرستْ نحلُه العُرفُطَ، فلمَّا دخل عليَّ قلتُ له مثلَ ذلك، ثم دخل على صفيَّةَ فقالت بمثل ذلك، فلمَّا دخل على حفصة قالت: يا رسول الله، ألَا أسقيكَ منه؟ قال: "لا حاجةَ لي به". قالت: تقول سودة: سبحان

ص: 326

الله، والله لقد حرَمناه. قالت: قلتُ لها: اسكُتي.

قال أبو إسحاق إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر، حدَّثنا أبو أسامة، بهذا سواء. [صحيح مسلم (2/1100) كتاب الطلاق، باب: وجوب الكفَّارة على من حرَّم امرأته ولم ينو الطلاق (1474) ] .

2 -

حدَّثنا بشر بن الحكم وإبراهيم بن دينار وعبد الجبَّار بن العلاء - واللَّفظ لبشر - قالوا: حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن حُميد الأعرج، عن سليمان ابن عتيق، عن جابر:"أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح".

قال أبو إسحاق - وهو صاحب مسلم -: حدَّثنا عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان، بهذا. [ (3/1191) كتاب المساقاة، باب: وضع الجوائح (1554) ] .

3 -

حدَّثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو النَّاقد - واللفظ لسعيد - قالوا: حدَّثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبير، قال: قال ابن عباس: يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بلَّ دمعُه الحصى. فقلت: يا ابن عبَّاس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعُه، فقال:"ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعدي"، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ، وقالوا: ما شأنه؟ أهجرَ؟ استفهموه. قال: "دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاث: أخرِجوا المشركين من جزيرة العرب، وأَجيزوا الوفد بنحو ما كنتُ أُجيزهم" قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فأُنسيتُها.

قال أبو إسحاق إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر، قال: حدَّثنا سفيان، بهذا الحديث. [ (3/1257) كتاب الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (1637) ] .

4 -

وحدَّثني حجَّاج بن الشاعر، حدَّثني عبد الصمد بن عبد الوارث، حدَّثنا شُعبة، حدَّثني علقمة بن مرثد، أنَّ سليمان بن بريدة حدَّثه عن أبيه، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميراً أو سريَّة دعاه فأوصاه

"، وساق الحديث بمعنى حديث سفيان.

ص: 327

حدَّثنا إبراهيم، حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب الفرَّاء، عن الحسين بن الوليد، عن شعبة، بهذا. [ (3/1358) كتاب الجهاد، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث (1731) ] .

5 -

حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا هاشم بن القاسم، ح وحدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمَّار، ح وحدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهذا حديثه: أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد، حدَّثنا عكرمة - وهو ابن عمَّار - حدَّثني إياس بن سلمة، حدَّثني أبي قال: "قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الرَّكيَّة، فإمَّا دعا وإمَّا بسق فيها، قال: فجاشت، فسَقينا واستَقينا، قال: ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة

"، وذكر حديثاً طويلاً في قصة الحديبية.

قال إبراهيم: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن عكرمة بن عمَّار، بهذا الحديث بطوله. [ (3/1441) كتاب الجهاد، باب: غزوة ذي قرد (1807) ] .

6 -

وحدَّثناه عبد الرحمن بن بشر العبدي، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا إسماعيل ابن أميَّة، عن سعيد بن أبي سعيد، عن يزيد بن هرمز، قال: "كتب نجدةُ إلى ابن عباس

"، وساق الحديث بمثله.

قال أبو إسحاق: حدَّثني عبد الرحمن بن بشر، حدَّثنا سفيان، بهذا الحديث بطوله. [ (3/1446) كتاب الجهاد والسير، باب: النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يُسهم

(1812) ] .

ص: 328

7 -

حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا ليث، ح وحدَّثنا محمد بن رمح، حدَّثنا الليث، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"ألَا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلُّكم راع، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته".

وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا محمد بن بشر، ح وحدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا أبي، ح وحدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا خالدٌ - يعني ابنَ الحارث - ح وحدَّثنا عبيد الله بن سعيد، حدَّثنا يحيى - يعني القطان - كلُّهم عن عبيد الله بن عمر. ح وحدَّثنا أبو الربيع وأبو كامل، قالا: حدَّثنا حماد بن زيد، ح وحدَّثني زهير بن حرب، حدَّثنا إسماعيل، جميعاً عن أيوب، ح وحدَّثني محمد بن رافع، حدَّثنا ابن أبي فُديك، أخبرنا الضحاك - يعني ابنَ عثمان - ح وحدَّثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني أسامة، كلُّ هؤلاء عن نافع، عن ابن عمر مثل حديث الليث عن نافع.

قال أبو إسحاق: وحدَّثنا الحسن بن بشر، حدَّثنا عبد الله بن نمير،

عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، بهذا، مثل حديث الليث عن

نافع. [ (3/1459) كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل

(1829) ] .

8 -

وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء: أنَّها كانت تؤتى بالمرأة الموعوكة، فتدعو بالماء فتصبُّه في جيبها، وتقول: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أبردوها بالماء"، وقال:"إنَّها من فيح جهنَّم".

وحدَّثناه أبو كريب، حدَّثنا ابنُ نمير وأبو أسامة، عن هشام بهذا الإسناد، وفي حديث ابن نمير: صبَّت الماء بينها وبين جيبها، ولم يذكر في حديث أبي أسامة:"أنَّها من فيح جهنَّم".

ص: 329

قال أبو أحمد: قال إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر، حدَّثنا أبو أسامة، بهذا الإسناد. [ (4/1733) كتاب السلام، باب: لكل داء دواء

(2211) ] .

9 -

حدَّثنا محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همَّام بن منبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاء مَلَك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال له: أَجِبْ ربَّك. قال: فلطم موسى عليه السلام عينَ مَلَك الموت ففقأها، قال: فرجع المَلَكُ إلى الله تعالى فقال: إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموتَ، وقد فقأ عيني، قال: فردَّ الله إليه عينَه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنتَ تريد الحياةَ فضعْ يدَكَ على متن ثور، فما توارت يدُكَ من شعرةٍ فإنَّك تعيش بها سنة، قال: ثمَّ مَهْ؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أمِتني من الأرض المقدَّسة رميةً بحجر"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والله، لو أنِّي عنده لأريتكم قبرَه إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر".

قال أبو إسحاق: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، بمثل هذا الحديث. [ (4/1843) كتاب الفضائل، باب: من فضائل موسى عليه السلام (2372) ] .

ص: 330

10 -

حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدَّثنا مروان - يعني ابن محمد الدمشقي - حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنَّه قال:"يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّماً فلا تظالموا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلَاّ من هديتُه فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلَاّ مَن أطعمته فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلَاّ من كسوته فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي، إنَّكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوبَ جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنَّكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مِمَّا عندي إلَاّ كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر، يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفِّيكم إيَّاها فمن وجد خيراً فليَحمد الله، ومَن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلَاّ نفسه".

قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.

حدَّثنيه أبو بكر بن إسحاق، حدَّثنا أبو مسهر، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز بهذا الإسناد، غير أنَّ مروان أتمُّهما حديثاً.

قال أبو إسحاق: حدَّثنا بهذا الحديث الحسن والحسين ابنا بشر، ومحمد ابن يحيى، قالوا: حدَّثنا أبو مسهر، فذكروا الحديث بطوله. [ (4/1995) كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (2577) ] .

ص: 331

11 -

حدَّثني سويد بن سعيد، حدَّثنا حفص بن ميسرة، حدَّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتَّبعُنَّ سَنَن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا في جُحرِ ضبٍّ لاتَّبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، آليهود والنَّصارى؟ قال: فمَن؟ ".

وحدَّثناه عدَّةٌ من أصحابنا، عن سعيد بن أبي مريم، أخبرنا أبو غسَّان - وهو محمد بن مطرِّف - عن زيد بن أسلم، بهذا الإسناد نحوه.

قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا أبو غسَّان، حدَّثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وذكر الحديث نحوَه. [ (4/2055) كتاب العلم، باب: اتباع سنن اليهود والنصارى (2669) ] .

12 -

حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن المعرور بن سُويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل : "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأَزيدُ، ومن جاء بالسيِّئة فجزاؤه سيِّئةٌ مثلها أو أغفر، ومن تقرَّب منِّي شبراً تقرَّبتُ منه ذراعاً، ومن تقرَّب منِّي ذراعاً تقرَّبتُ منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة، ومن لقيني بقُراب الأرض خطيئة لا يُشرك بي شيئاً لقيتُه بمثلها مغفرة".

قال إبراهيم: حدَّثنا الحسن بن بشر، حدَّثنا وكيع بهذا الحديث. [ (4/2068) كتاب الذكر والدعاء، باب: فضل الذِّكر والدعاء (2687) ] .

ص: 332

13 -

حدَّثني سُريج بن يونس وهارون بن عبد الله، قالا: حدَّثنا حجَّاج ابن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "خلق الله عز وجل التربةَ يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل".

قال إبراهيم: حدَّثنا البسطامي - وهو الحسين بن عيسى - وسهل بن عمَّار، وإبراهيم بن بنت حفص، وغيرُهم، عن حجَّاج، بهذا الحديث. [ (4/2150) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: ابتداء الخلق (2789) ] .

المبحث الرابع

تعليقاته على صحيح مسلم

تقدَّم في المبحث السابق ضابط الزيادة، بأن يروي راوية الكتاب أو مَن دونه أحاديث الزيادات بإسناده، ولم تقتصر فائدة أصحاب الزيادات على ذلك، بل وجدت تعليقات لهم على أحاديث صاحب الكتاب المزيد عليه حوت فوائد تتعلَّق بتلك الأحاديث، وكانت الظاهرة المشتركة الملحوظة في هذه التعليقات أنَّهم لم يرووها بأسانيد مثل ما فعلوا في الزيادات، وعليه فلا يمكن عدُّها من الزيادات، ورأيتُ أنَّ إفرادَ هذه التعليقات بمبحث خاص بها أولى من إدراجها معها، وما فعله شيخنا الفاضل الدكتور / مسفر الدميني من عدِّه إحدى تعليقات أبي الحسن القطان على حديث من سنن ابن ماجه من الزيادات فيه نظر.

ومِن تأمُّل تعليقات أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان على صحيح مسلم خرجتُ بالفوائد التالية:

1 -

بيان منهج الإمام مسلم في صحيحه، كما في التعليق رقم:(1) ، وهو نص مهمٌّ اعتمده كلُّ من كتب حول منهج الإمام مسلم.

2 -

بيان وهم في متن الحديث كما في التعليق رقم: (2) .

ص: 333

3 -

توضيح معنى حديث رواه الإمام مسلم، حصل فيه تقديم وتأخير، وذلك كما في التعليق رقم:(3) ، أو حصل فيه اختلاف في حركة لفظة في متن الحديث، كما في التعليق رقم:(4) ، أوجدا معنى جديداً.

4 -

إيراد استشكال على بعض روايات الصحيح، يتضح منه الاختلاف والفرق بينهما، وذكر ما يدفع هذا الاستشكال، وذلك كما في التعليق رقم:(5) .

5 -

توضيح رجل مبهم في متن الحديث، وذلك كما في التعليق رقم:(6) .

ص: 334

تابع لإبراهيم بن محمد بن سفيان

نصوص التعليقات

1 -

حدَّثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد ابن عبد الملك الأموي - واللفظ لأبي كامل - قالوا: حدَّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرَّقاشي، قال:"صلَّيتُ مع أبي موسى الأشعري صلاةً، فلمَّا كان عند القعدة قال رجل من القوم: أُقرَّت الصلاة بالبرِّ والزكاة، قال: فلمَّا قضى أبو موسى الصلاةَ وسلَّم انصرف فقال: أيُّكم القائل كلمةَ كذا وكذا؟ قال: فأرمَّ القومُ، ثم قال: أيُّكم القائل كلمةَ كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم، فقال: لعلَّك يا حِطَّان قلتَها؟ قال: ما قلتُها، ولقد رهبتُ أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتُها، ولم أرِدْ بها إلاّ الخير. فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبيَّن لنا سنَّتَنا وعلَّمنا صلاتَنا، فقال: "إذا صلَّيتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤُمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين، يُجبكم الله، فإذا كبَّر وركع فكبِّروا واركعوا، فإنَّ الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فتلك بتلك، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإنَّ الله تبارك وتعالى قال على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، وإذا كبَّر وسجد فكبِّروا واسجدوا، فإنَّ الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيَّات الطيِّبات الصلوات لله، السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَاّ الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله".

ص: 335

حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، ح وحدَّثنا أبو غسَّان المسمعي، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، ح وحدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن سليمان التيمي، كلُّ هؤلاء عن قتادة، في هذا الإسناد بمثله، وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة:"وإذا قرأ فأنصتوا"، وليس في حديث أحد منهم:"فإنَّ الله قال على لسان نبيِّه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده" إلَاّ في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة.

قال أبو إسحاق: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث. فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح؟ - يعني: "وإذا قرأ فأنصتوا" - فقال: هو عندي صحيح. فقال: لِمَ لَمْ تضعْه ههنا؟ قال: ليس كلُّ شيء عندي صحيح وضعتُه ههنا، إنَّما وضعتُ ههنا ما اجمعوا عليه. [ (1/303،304) كتاب الصلاة، باب: التشهد في الصلاة (404) ] .

ص: 336

2 -

وحدَّثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي، حدَّثنا عبد الرحيم - يعني ابنَ سليمان - عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود قال:"بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له جلوسٌ، وقد نُحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكم يقوم إلى سلا جَزورِ بني فلان فيأخذُه، فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضُهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعةٌ طرحتُه عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسانٌ فأخبر فاطمةَ، فجاءت - وهي جُويريةٌ - فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلمَّا قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاتَه رفع صوته ثم دعا عليهم - وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً - ثم قال: "اللَّهمَّ عليك بقريش - ثلاث مرَّات –" فلمَّا سمعوا صوتَه ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوتَه، ثم قال: "اللَّهمَّ عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعُقبة بن أبي مُعيط" - وذكر السابع ولم أحفظه - فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، لقد رأيتُ الذين سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب قليب بدر".

قال أبو إسحاق:"الوليد بن عقبة غلَطٌ في هذا الحديث". [ (3/1418،1419) كتاب الجهاد، باب: ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى قريش (1794) ] .

3 -

حدَّثنا محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده، ليأتينَّ على أحدكم يومٌ ولا يراني، ثم لأن يراني أحبُّ إليه من أهله وماله معهم".

ص: 337

قال أبو إسحاق: "المعنى فيه عندي: لأن يراني معهم أحبُّ إليه من أهله وماله، وهو عندي مقدَّمٌ ومؤَخَّر". [ (4/1836) كتاب الفضائل، باب: النظر إليه صلى الله عليه وسلم وتمنّيه (2364) ] .

4 -

حدّثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ح وحدثنا يحيى ابن يحيى، قال: قرأتُ على مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم".

قال أبو إسحاق: "لا أدري "أهلكَهم" بالنصب أو "أهلكُهم" بالرفع". [ (4/2024) كتاب البر والصلة، باب: النهي من قول: هلك الناس (2623) ] .

5 -

حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أخبروني بشجرة شِبه، أو كالرجل المسلم، لا يتحاتُّ ورَقُها".

قال إبراهيم: "لعلَّ مسلماً قال: "وتُؤتي أُكُلها"، وكذا وجدتُ عند غيري أيضاً: "ولا تؤتي أُكُلها كلَّ حين" (1)

(1) ذكر النووي معنى كلام ابن سفيان موضحاً له، فقال:"معنى هذا أنَّه وقع في رواية إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم ورواية غيره أيضاً عن مسلم (لا يتحات ورقها ولا تؤتي أكلها كلَّ حين) واستشكل إبراهيم بن سفيان هذا لقوله: "ولا تؤتي أكلها" خلاف باقي الروايات، فقال: لعلَّ مسلماً رواه "وتؤتي" بإسقاط (لا) وأكون أنا وغيري غلطنا في إثبات (لا)

". المنهاج (17/161) .

وتعقَّب القاضي عياض، ابنَ سفيان بأنَّ تأويله غير صحيح وليس هو بغلط كما توهَّم، وما في أصل صحيح مسلم هو الصحيح، وإثبات (ولا) صحيح، وقد رواه البخاري كذلك، فقال:"لا تتحات ورقها ولا تؤتي أكلها" فـ (تؤتي) ابتداء كلام ليس منفياً ب (لا) الذي قبله، وإنَّما نفى في الحديث أشياء أخر من العيوب عنها، فاختصره الراوي (ولا) ولا شاء ذكرها، ونسيها الراوي، والله أعلم، أو اختصر من أنَّه لا يقطع ثمرها، ولا ينعدم ظلها، وشبه هذا، ثم وصفها بأنها تؤتي أكلها كلَّ حين". إكمال المعلم (8/347) .

والذي يظهر أن استشكال ابن سفيان وجيه، على اعتبار أن روايات الحديث تؤيِّده، فبعد تخريج الحديث من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وسيأتي وجدتُ أنَّ متنه جاء بأحد لفظين:

الأول: "أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، ولا تحت ورقها" كما عند البخاري في الصحيح في كتاب الأدب، وفي الأدب المفرد، وكما عند ابن منده بتقديم جملة:"تؤتي أكلها" على "ولا تحت ورقها".

الثاني: "أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها، ولا، ولا، ولا، تؤتي أكلها كلَّ حين".

وعلى كلا اللفظين لا إشكال، فلما جاءت رواية مسلم بتقديم جملة "لا يتحات ورقها" وجاء بعدها قوله:"تؤتي أكلها" كان استشكال ابن سفيان.

وعلى أية حال فإنَّ ابنَ سفيان لم يجزم بأنَّ تأويله صحيح، بل اعتذر لنفسه ابتداءً بقوله:(ولعل) إشارة منه إلى أنَّ المسألة يمكن الرجوع فيها، وأنَّه يمكن أن يكون الصحيح ما ذهب إليه غيره، والله أعلم.

وحديث مسلم:

أخرجه البخاري في صحيحه (مع الفتح 8/377) كتاب التفسير، باب:{كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة..} (4698) ، وفي (10/536) كتاب الأدب، باب: إكرام الكبير

(6144) . وأخرجه في الأدب المفرد (فضل الله الصمد (1/452)(360) . وأخرجه ابن منده في الإيمان (1/351)(187) .

كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به، على اختلاف في المتن كما تقدَّم.

ص: 338

قال ابن عمر: "فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيتُ أبا بكر وعمر لا يتكلَّمان، فكرهتُ أن أتكلَّم أو أقول شيئاً، فقال عمر: لأَن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا". [ (4/2166) كتاب صفات المنافقين، باب: المؤمن مثل النخلة (2811) ] .

6 -

حدَّثني عمرو الناقد والحسن الحلواني وعبد بن حميد - وألفاظهم متقاربة، والسياق لعبد - قال: حدَّثني. وقال الآخران: حدّثنا يعقوب - وهو ابن إبراهيم بن سعد -، حدّثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة؛ أنّ أبا سعيد الخدري قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حديثاً طويلاً عن الدجّال، فكان فيما حدّثنا قال:"يأتي - وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينتهي إلى بعض السِّباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنّك الدجّال الذي حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلتُ هذا ثمَّ أحييته، أتشُكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيقتله ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله! ما كنتُ فيك قطُّ أشدَّ بصيرة منِّي الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يُسلَّط عليه".

قال أبو إسحاق: يقال إنَّ هذا الرجل هو الخضر عليه السلام.

وحدّثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري، في هذا الإسناد، بمثله. [ (4/2256) ، كتاب: الفتن، باب: في صفة الدجال (رقم:2938) ] .

الخاتمة

الحمد لله الذي أنعم عليَّ بإتمام هذا البحث، ويُمكن أن أُلخِّص أهمَّ النتائج التي توصَّلتُ إليها فيما يلي:

1 -

يُعدُّ الإمام إبراهيم بن محمد بن سفيان من محدِّثي نيسابور الذين كانت لهم مكانة علمية مرموقة، ولا تنقص قلَّةُ المعلومات عنه من مكانته.

ص: 339

2 -

تُعدُّ روايته لصحيح مسلم الرواية المعتمدة، ولا يُعكِّر وجود الفوائت فيها من اتِّصال سنده بالصحيح؛ لأنَّنا لا نسلِّم بقاء هذه الفوائت له، ولو سلَّمنا بذلك، فقد اتَّصلت أحاديث هذه الفوائت من رواية القلانسي.

3 -

شرط الزيادات أن تكون من راوية الكتاب عن مؤلِّفه أو ممَّن هو أدنى.

وهذا ما يفرق بينها وبين الزوائد التي لا ينطبق عليها هذا الشرط.

4 -

للزيادات فوائد عديدة من أهمِّها: علوّ الإسناد، ووصل الرواية المنقطعة أو التي جاءت عن رجل مبهم، وتقوية الرواية الأصل بمتابعة الثقة، وتكثير طرق الحديث دفعاً للغرابة.

5 -

من فوائد تعليقات ابن سفيان على صحيح مسلم: بيان منهج الإمام مسلم في صحيحه، وبيان الوهم الذي قد يقع في متن الحديث، أو توضيح رجل مبهم فيه، أو توضيح معنى الحديث.

وصلَّى الله على سيِّدنا ونبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.

فهرس المراجع

1-

الآداب: لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ)، تحقيق: سعيد المندوه، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت،، ط: الأولى (1408هـ) .

2-

إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: د. زهير الناصر وآخرين، وزراة الشؤون الإسلامية، السعودية، ط: الأولى (1415هـ) .

3-

الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ترتيب علي بن بلبان الفارسي (ت739هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى (1408هـ) .

4-

أخبار أصبهان: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ) ، دار الكتاب الإسلامي.

5-

الأدب المفرد: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) المطبوع مع فضل الله الصمد، المكتبة السلفية بالقاهرة، ط: الثالثة (1407هـ) .

6-

الأربعين البلدانية: لأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر (ت571هـ)، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، دار الفكر، ط: الأولى (1413هـ) .

ص: 340

7-

الأسامي والكنى: لأبي أحمد محمد بن محمد الحاكم الكبير (ت378هـ)، تحقيق: يوسف الدخيل، مكتبة الغرباء بالمدينة، ط: الأولى (1414هـ) .

8-

الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبي عمر يوسف بن عبد البر (ت463هـ)، تحقيق: علي معوض وآخرين، مكتبة دار الباز، ط: الأولى (1415هـ) .

9-

أسد الغابة في معرفة الصحابة: لأبي الحسن علي بن محمد، ابن الأثير الجزري (ت630هـ) ، دار الشعب بالقاهرة.

10-

أسماء الصحابة وما لكلِّ واحد منهم من العدد: لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم (ت456هـ)، تحقيق: مسعد السعدني، مكتبة القرآن بالقاهرة.

11-

الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة: لأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب (ت463هـ)، تحقيق: د. عز الدِّين السيد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط: الأولى (1405هـ) .

12-

الأسماء والصفات: لأحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ)، تحقيق: عماد الدين حيدر، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: الأولى (1405هـ) .

13-

الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: طه محمد الزيني، مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، ط: الأولى (1396هـ) .

14-

إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: د. زهير الناصر، دار ابن كثير ببيروت، ط: الأولى (1414هـ) .

15-

إكمال المعلم بفوائد مسلم: للقاضي عياض اليحصبي (ت544هـ) تحقيق: د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، ط: الأولى (1419هـ) .

16-

الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع: للقاضي عياض اليحصبي (544هـ)، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث بالقاهرة.

17-

الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح: لأبي عبيدة مشهور بن حسن سلمان، دار الصميعي، ط: الأولى (1417هـ) .

18-

الأموال: لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ)، تحقيق: محمد خليل هراس، مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، ط: الثالثة (1401هـ) .

ص: 341

19-

الأنوار في شمائل النبي المختار: لأبي مسعود الحسين بن مسعود البغوي (ت516هـ) تحقيق: إبراهيم اليعقوبي، دار الضياء بيروت، ط: الأولى (1409هـ) .

20-

الإيمان: لمحمد بن إسحاق بن منده (ت395هـ)، تحقيق: د. علي الفقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الثانية (1406هـ) .

21-

البداية والنهاية: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت774هـ)، تحقيق: د. أحمد أبي ملحم وآخرين، دار الريان، القاهرة، ط: الأولى (1408هـ) .

22-

البر والصلة: للحسين بن الحسن المروزي (ت246هـ) عن ابن المبارك وغيره، تحقيق: د. محمد سعيد البخاري، دار الوطن، ط: الأولى (1419هـ) .

23-

بغية الطلب في تاريخ حلب: لابن العديم عمر بن أحمد بن أبي جرادة، تحقيق: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت.

24-

تاج التراجم: لأبي الفداء قاسم بن قطلو بغا (ت879هـ)، تحقيق: محمد خير رمضان، دار القلم بدمشق، ط: الأولى (1413هـ) .

25-

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: د. عمر تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت.

26-

تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب (ت463هـ) ، دار الكتب العلمية بيروت.

27-

تاريخ دمشق: لأبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر (ت571هـ) ، مصورة عن المخطوط، نشرتها مكتبة الدار بالمدينة.

28-

تاريخ يحيى بن معين (ت233هـ) برواية العباس بن محمد الدوري (ت271هـ)، تحقيق: د. أحمد نور سيف، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة، ط: الأولى (1399هـ) .

29-

تدريب الراوي: جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، تحقيق: عزت عطية وموسى محمد، دار الكتب الحديثة بالقاهرة.

30-

تذكرة الحفاظ: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ) ، ومعه ذيوله لأبي المحاسن الحسيني ولمحمد بن فهد المكي.

31-

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة: لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت671هـ)، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت،، ط: الثانية (1410هـ) .

ص: 342

32-

الترغيب والترهيب: لقوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت535هـ)، تحقيق: محمد السعيد بسيوني، مكتبة عبد الشكور فدا - مكة.

33-

تقريب التهذيب: للحافظ علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، قدَّم له وقابله: محمد عوامة، دار الرشيد، حلب، ط: الثالثة (1411هـ) .

34-

التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد: لأبي بكر محمد بن عبد الغني، ابن نقطة (ت629هـ) ، مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، ط: الأولى (1403هـ) .

35-

التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح: لزين الدين عبد الرحيم العراقي (ت806هـ)، تحقيق: محمد راغب الطباخ، مؤسسة الكتب الثقافية.

36-

تلخيص تاريخ نيسابور: لأحمد بن محمد بن الحسن، الخليفة النيسابوري، تحقيق: دكتر بهمن، طهران (1339هـ) .

37-

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر (ت463هـ)، تحقيق: مجموعة من الباحثين، وزارة الأوقاف المغربية من سنة (1387هـ) .

38-

تهذيب التهذيب: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط: الأولى (1404هـ) .

39-

تهذيب الكمال في أسماء الرجال: لأبي الحجاج يوسف المزي (ت742هـ)، تحقيق: د. بشار عواد، مؤسسة الرسالة، ط: الثانية (1403هـ) .

40-

التوحيد وإثبات الصفات: لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت311هـ)، تحقيق: عبد العزيز الشهوان، دار الرشد، ط: الأولى (1408هـ) .

41-

التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل: لأبي عبد لله محمد بن إسحاق بن منده (ت395هـ)، تحقيق: د. علي فقيهي، مطبوعات الجامعة الإسلامية.

42-

الثقات: لمحمد بن حبان البستي (ت354هـ) ، مراقبة محمد خان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط: الأولى (1193هـ) .

43-

جامع البيان عن تأويل القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) ، دار الفكر بيروت (1408هـ) .

ص: 343

44-

جامع الترمذي: لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (279هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرين، دار الحديث بالقاهرة.

45-

الجامع الصحيح: لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.

46-

الجامع الصحيح: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) المطبوع مع شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر، تحقيق: الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز، المطبعة السلفية بالقاهرة (1380هـ) .

47-

الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن المنذر الرازي (ت327هـ) ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط: الأولى.

48-

جزء الرواة عن مسلم: لأبي عبد الله محمد بن عبد الواحد، الضياء المقدسي (ت643هـ) ، المطبوع مع ترجمة الإمام مسلم للذهبي، تحقيق: عبد الله الكندري وهادي المري، دار ابن حزم، ط: الأولى (1416هـ) .

49-

الجمع بين الصحيحين: لمحمد بن فتوح الحميدي (ت488هـ)، تحقيق: د. علي البواب، دار ابن حزم بيروت، ط: الأولى (1419هـ) .

50-

حجة الله البالغة: لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، دار التراث بالقاهرة، ط: الأولى (1355هـ) .

51-

حجة الوداع: لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم (ت456هـ)، تحقيق: أبي صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية (1418هـ) .

52-

الحذر في أمر الخضر: للملا علي القاري (ت1014هـ)، تحقيق: محمد خير رمضان، دار القلم بدمشق، ط: الأولى (1411هـ) .

53-

الحل المفهم على صحيح مسلم: لرشيد أحمد الكنكوهي، علَّق عليها: محمد عاقل وحبيب الله قربان، المطبعة اليحيوية بسهارنفور، الهند.

54-

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ) ، دار الريان، القاهرة، ط: الخامسة (1407هـ) .

55-

دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب لشريعة: لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ) تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى (1405هـ) .

ص: 344

56-

الرسالة المستطرفة: محمد بن جعفر الكتاني (ت1345هـ) ، دار البشائر الإسلامية، ط: الخامسة (1414هـ) .

57-

الزهد للإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) دار الريان بالقاهرة، ط: الأولى (1408هـ) .

58-

الزهد: لعبد الله بن المبارك (ت181هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار عمر ابن الخطاب.

59-

الزهر النضر في نبأ الخضر: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: مجدي السيد، مكتبة القرآن، القاهرة.

60-

زيادات أبي الحسن القطان على سنن ابن ماجه: د. مسفر بن غرم الله الدميني،، ط: الأولى (1412هـ) .

61-

السنة: لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت287هـ)، تحقيق: د. باسم الجوابرة، دار الصميعي بالرياض، ط: الأولى (1419هـ) .

62-

السنة: لمحمد بن نصر المروزي (ت294هـ)، تحقيق: سالم السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط: الأولى (1408هـ) .

63-

السنن: لأبي داود سليمان بن الأشعث (ت275هـ)، تعليق: عزت عبيد دعاس، وعادل السيد، دار الحديث، بيروت، ط: الأولى (1388هـ) .

64-

السنن: لعلي بن عمر الدارقطني (ت385هـ)، تصحيح: عبد الله هاشم اليماني، دار المحاسن بالقاهرة.

65-

السنن: لابن ماجه محمد بن يزيد القزويني (ت275هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية، بيروت.

66-

السنن الصغير: لأحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ)، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، ط: الأولى (1410هـ) .

67-

السنن الكبرى: لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ) ، دار المعرفة بيروت.

68-

السنن الكبرى: لأحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ)، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان وسيد حسن، دار الكتب العلمية ببيروت، ط: الأولى (1411هـ) .

69-

سؤالات حمزة بن يوسف السهمي (ت427هـ) للدارقطني وغيره، تحقيق: موفق عبد القادر، مكتبة المعارف بالرياض، ط: الأولى (1404هـ) .

70-

سير أعلام النبلاء: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط: الرابعة (1406هـ) .

ص: 345

71-

شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لأبي الفلاح عبد الحي بن العماد (ت1089هـ) ، دار إحياء التراث العربي.

72-

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لأبي القاسم هبة الله اللالكائي (ت418هـ)، تحقيق: د. أحمد سعد الحمدان، دار طيبة بالرياض.

73-

شرح السنة: للحسين بن مسعود البغوي (ت516هـ) تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي بيروت، ط: الثانية (1403هـ) .

74-

شرح مشكل الآثار: لأحمد بن محمد الطحاوي (ت331هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: الأولى (1415هـ) .

75-

شروط الأئمة الستة: محمد بن طاهر المقدسي (ت507هـ) تعليق: محمد زاهد الكوثري، مكتبة عاطف بالقاهرة.

76-

شعب الإيمان: لأحمد بن الحسين البيهقي (ت458هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية ببيروت، ط: الأولى (1410هـ) .

77-

الشفا بتعريف حقوق المصطفى: للقاضي عياض اليحصبي (ت554هـ)، تحقيق: علي ابن محمد البجاوي، مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة (1398هـ) .

78-

الشمائل المحمدية: لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت279هـ) تعليق: محمد عفيف الزعبي، ط: الأولى (1403هـ) .

79-

صحيفة همام بن منبِّه (ت132هـ)، تحقيق: د. رفعت فوزي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط: الأولى (1406هـ) .

80-

صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط: لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح (ت642هـ)، تحقيق: موفق عبد القادر، دار الغرب الإسلامي، ط: الثانية (1408هـ) .

81-

الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد الهاشمي (ت230هـ) طبعة دار التحرير بالقاهرة (1388هـ) .

82-

الطهور: لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ)، تحقيق: مشهور حسن سلمان، مكتبة الصحابة، جدة، ط: الأولى (1414هـ) .

83-

العبر في خبر من غبر: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية بيروت، ط: الأولى (1405هـ) .

ص: 346

84-

العظمة: لأبي محمد عبد الله بن حيَّان أبي الشيخ الأصبهاني (ت369هـ)، تحقيق: د. رضاء الله المباركفوري، دار العاصمة، ط: الأولى (1408هـ) .

85-

علم زوائد الحديث: د. خلدون الأحدب، دار القلم، ط: الأولى (1413هـ) .

86-

العوالي عن الإمام مالك: للحاكم أبي أحمد محمد الكبير (ت378) وآخرين، تحقيق: محمد الناصر، دار الغرب الإسلامي، ط: الأولى (1419هـ) .

87-

العيال: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (ت281هـ)، تحقيق: د. نجم الخلف، دار ابن القيم بالدمام، ط: الأولى (1410هـ) .

88-

الغوامض والمبهمات: لأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال (ت578هـ)، تحقيق: محمود مغراوي، دار الأندلس الخضراء بجدة، ط: الأولى (1415هـ) .

89-

فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر (ت852هـ) = انظر: صحيح البخاري.

90-

فتح الملهم بشرح صحيح مسلم: شبير أحمد الديوبندي العثماني، مطبعة الرمانده، الهند (1357هـ) .

91-

فضائل الصحابة: للإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) تحقيق: وصي الله عباس، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، ط: الأولى 01403هـ) .

92-

الفقيه والمتفقه: لأبي بكر أحمد بن ثابت الخطيب (ت462هـ)، تحقيق: عادل العزازي، دار ابن الجوزي، ط: الأولى (1417هـ) .

93-

فهرسة ما رواه أبو بكر محمد بن خير الأشبيلي (ت275هـ) عن شيوخه، مؤسسة الخانجي بالقاهرة وغيرها، ط: الثانية (1382هـ) .

94-

الفوائد المنتخبة العوالي المعروفة بالغيلانيات: لأبي بكر محمد بن عبد الله الشافعي (ت354هـ)، تحقيق: د. مرزوق الزهراني، دار المأمون بدمشق، ط: الأولى (1417هـ) .

95-

القدر وما ورد في ذلك من الآثار: عبد الله بن وهب المصري (ت197هـ)، تحقيق: د. عبد العزيز العثيم، دار السلطان، ط: الأولى (1406هـ) .

96-

الكاشف في معرفة مَن له رواية في الكتب الستة: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: محمد عوامة وأحمد الخطيب، دار القبلة، ط: الأولى (1413هـ) .

ص: 347

97-

الكامل في التاريخ: لأبي الحسن علي بن أبي الكرم، ابن الأثير (ت630هـ) ، مؤسسة التاريخ العربي ببيروت، ط: الرابعة (1414هـ) .

98-

الكنى والأسماء: لأبي بشر محمد بن أحمد الدولابي (ت310هـ) ، المكتبة الأثرية، باكستان.

99-

الكواكب النيِّرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات: لأبي البركات محمد ابن أحمد الكيَّال (ت939هـ) تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبي، دار المأمون بدمشق، ط: الأولى (1401هـ) .

100-

لسان الميزان: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط: الأولى (1408هـ) .

101-

ما لا يسع المحدّث جهله: لأبي جعفر عمر بن عبد المجيد الميانشي (581هـ)، تحقيق: صبحي السامرائي، بغداد (1397هـ) .

102-

المجتبى: لأحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ) اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط: الثالثة (1409هـ) .

103-

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لعلي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ) ، دار الريان، مصر (1407هـ) .

104-

المجمع المؤسس للمعجم المفهرس: للحافظ أحمد بن علي بن حجر ت852هـ) ، تحقيق: د. يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت ط: الأولى (1412هـ) .

105-

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: دار عالم الكتب بالرياض (1412هـ) .

106-

محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح: لسراج الدين عمر البلقيني (ت805هـ) المطبوع مع مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: د. عائشة عبد الرحمن، الهيئة المصرية للكتاب (1974هـ) .

107-

المدخل إلى شرح السنة: علي بن عمر بادحدح، دار الأندلس الخضراء بجدة، ط: الأولى (1415هـ) .

108-

مرآة الجنان وعبرة اليقظان: لأبي محمد عبد الله بن سعد اليافعي (ت768هـ) ، دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة، ط: الثانية (1412هـ) .

109-

المرض والكفارات: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (ت281هـ)، تحقيق: عبد الوكيل الندوي، الدار السلفية بالهند، ط: الأولى (1411هـ) .

ص: 348

110-

مسألة العلو والنزول: لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت507هـ)، تحقيق: صلاح الدين مقبول، مكتبة ابن تيمية بالكويت.

111-

مستخرج أبي عوانة: يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (ت316هـ) ، المطبوع باسم مسند أبي عوانة، تحقيق: أيمن الدمشقي، دار المعرفة بيروت، ط: الأولى (1419هـ) .

112-

مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم: لأحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ) تحقيق: محمد حسن الشافعي، مكتبة عباس الباز بمكة، ط: الأولى (1417هـ) .

113-

المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405هـ) ، دار الفكر بيروت (1398هـ) .

114-

المسند الجامع: بشار عواد وآخرون، دار الجيل، بيروت،، ط: الأولى (1413هـ) .

115-

مسند الشافعي: محمد بن إدريس (ت204هـ) ، بترتيب محمد عابد السندي، تحقيق: يوسف الزواوي، وعزت العطار، دار الكتب العلمية، بيروت (1370هـ) .

116-

مسند الموطأ: لأبي القاسم عبد الرحمن الغافقي (ت381هـ)، تحقيق: لطفي الصغير، وطه بوسريح، دار الغرب الإسلامي، ط: الأولى (1997م) .

117-

المسند للإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) ، تصوير المكتب الإسلامي، ط: الخامسة (1405هـ) .

118-

المسند لإسحاق بن راهويه (ت238هـ) تحقيق: د. عبد الغفور البلوشي، مكتبة الإيمان بالمدينة،، ط: الأولى (1412هـ) .

119-

المسند: لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي (ت204هـ) ، دار المعرفة، بيروت.

120-

المسند: لأبي يعلى أحمد بن علي الموصلي (ت307هـ) تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون ط: الأولى، (1404هـ) .

121-

المسند: للإمام عبد الله بن الزبير الحميدي (ت219هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، عالم الكتب، بيروت.

122-

مسند علي بن الجعد (ت230هـ)، تحقيق: د. عبد المهدي عبد الهادي، مكتبة الفلاح، ط: الأولى (1405هـ) .

123-

المسند: للهيثم بن كليب الشاشي (ت335هـ)، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة، ط: الأولى (1410هـ) .

ص: 349

124-

مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: لأحمد بن أبي بكر البوصيري (ت840هـ)، تحقيق: موسى محمد علي، وعزت عطية، دار الكتب الإسلامية، القاهرة.

125-

المصنف: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت235هـ) تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط: الأولى (1409هـ) .

126-

المصنف: لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211هـ) حققه: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط: الثانية (1403هـ) .

127-

المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: عدد من الباحثين، دار العاصمة، ط: الأولى (1419هـ) .

128-

معالم التنزيل في التفسير بالتأويل: لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت516هـ) ، دار الفكر بيروت (1405هـ) .

129-

معالم السنن: لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت388هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى (1405هـ) .

130-

المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت360هـ) تحقيق: حمدي السلفي، ط: الثانية.

131-

المعجم المفهرس أو تجريد أسانيد الكتب المشهورة: للحافظ ابن حجر (852هـ)، تحقيق: محمد شكور المياديني، مؤسسة الرسالة،، ط: الأولى (1418هـ) .

132-

معرفة علوم الحديث: للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله (ت405هـ) مكتبة المتنبي بالقاهرة.

133-

المغني عن حمل الأسفار في الأسفار: لأبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت806هـ)، اعتناء: أشرف عبد المقصود، دار طبرية بالرياض، ط: الأولى (1415هـ) .

134-

المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية: لأبي القاسم علي بن بلبان (ت684هـ)، تحقيق: محيي الدين مستو، د. محمد الخطراوي، دار التراث، ط: الثانية (1408هـ) .

135-

مقدِّمة إكمال المعلم: للقاضي عياض اليحصبي (ت544هـ)، تحقيق: د. حسين شواط، دار ابن عفان بالخبر، ط: الأولى (1414هـ) .

ص: 350

136-

ملء العيبة بما جُمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة: لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد السبتي (ت721هـ)، تحقيق: د. محمد الحبيب الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط: الأولى (1408هـ) .

137-

المنتخب من مسند عبد بن حميد (ت249هـ) تحقيق: صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، مكتبة السنة بالقاهرة،، ط: الأولى (1408هـ) .

138-

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: لعبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت597هـ)، تحقيق: محمد ومصطفى عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى (1412هـ) .

139-

المنتقى من السنن: لأبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود (ت307هـ)، تحقيق: عبد الله هاشم اليماني، مطبعة الفجالة (1383هـ) .

140-

المنهاج بشرح مسلم بن الحجاج: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، مراجعة: خليل ألميس، دار القلم، بيروت، ط: الثالثة.

141-

منهاج السنة النبوية: لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت728هـ)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مطبوعات جامعة الإمام، ط: الأولى (1406هـ) .

142-

منهجية فقه الحديث عند القاضي عياض: د. الحسين بن محمد شواط، دار ابن عفان، ط: الأولى (1415هـ) .

143-

موطأ الإمام مالك بن أنس (ت179هـ) :

- برواية يحيى بن يحيى الليثي، تصحيح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.

- وبرواية سويد بن سعيد الحدثاني، تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي،، ط: الأولى (1994هـ) .

- وبرواية أبي مصعب الزهري، تحقيق: د. بشار عواد ومحمود خليل، مؤسسة الرسالة ببيروت،، ط: الأولى (1412هـ) .

- وبرواية عبد الرحمن بن القاسم - بتلخيص القابسي - تحقيق: محمد علوي المالكي، دار الشروق بجدة،، ط: الأولى (1405هـ) .

144-

ميزان الاعتدال في نقد الرجال: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر، بيروت.

ص: 351

145-

نزهة الحفاظ: لأبي موسى محمد بن عمر المديني (ت581هـ)، تحقيق: مجدي السيد، مكتبة القرآن بالقاهرة.

146-

نسخة أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر (ت218هـ)، تحقيق: مجدي السيد، دار الصحابة بطنطا، ط: الأولى (1410هـ) .

147-

نسخة يحيى بن معين (ت233هـ) برواية الصوفي - رسالة ما جستير بجامعة الملك سعود، تحقيق: عصام السناني (1415هـ) .

148-

هدي الساري، مقدمة فتح الباري: للحافظ أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ)، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن باز، المكتبة السلفية بالقاهرة.

ص: 352

السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم

وأثره في التربية والتعليم

إعداد

د. أحمد بن عبد الفتاح ضليمي

أستاذ مساعد بقسم التربية بكلية الدعوة وأصول الدين

بالجامعة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن نعم الله على الإنسان عظيمة، وأفضاله عليه كثيرة، قال تعالى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} (1) ومن نعم الله على الإنسان منحة القدرة على التعلم، وتزويده بأدوات التعلم ووسائله، قال تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (2) وقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (3) . وقد زوّد الإسلام المسلم بالمنهج السليم للتعلم، وأرشده إلى أدواته وطرائقه والتي من أهمها السؤال، فقال تعالى:{فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (4) وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (5) . ولأهمية السؤال في التعلم والتعليم فقد عدّه بعض علماء الإسلام مفاتيح العلم، كما عدّه بعضهم نصف العلم. والمتأمل في السؤال وأهميته يجد أنه يشغل حيزاً كبيراً وهاماً في النشاطات التعليمية والتربوية، بل ويشكل أهمية كبيرة لمختلف عناصر الموقف التعليمي من معلم ومتعلم وطريقة ومحتوى وتقويم وأهداف تعليمية. وانطلاقاً من هذه الأهمية بالإضافة إلى قلة البحوث التربوية الإسلامية في مجال السؤال ولا سيما ما يتعلق منها بالسؤال في القرآن الكريم تبرز أهمية هذا البحث والذي يهدف الباحث - من خلاله - إلى إلقاء الضوء على مكانة

(1) سورة إبراهيم: آية:34.

(2)

سورة البقرة: آية:31.

(3)

سورة النحل: آية:78.

(4)

سورة النحل: آية:43.

(5)

سورة الفرقان: آية:59.

ص: 353

السؤال في القرآن الكريم، والآداب التي أرشد المتعلمين والمعلمين إلى التمسك بها في هذا الصدد، فضلاً عن بيان الخصائص التربوية للسؤال والجواب في ضوء المنهج التربوي القرآني، ويأمل الباحث أن يكون هذا البحث خطوة في طريق إبراز وبلورة منهج إسلامي تربوي متكامل.

المبحث الأول: أهمية السؤال التربوية.

أولاً: قدم طريقة السؤال.

ثانياً: أهمية السؤال في التربية الحديثة:

أ) - أهمية السؤال للطفل.

ب) - أهمية السؤال للمتعلم.

ج) - أهمية السؤال للمعلم.

د) - أهمية السؤال للدرس وطريقة التدريس.

هـ) - أهمية السؤال في مراحل التعليم المختلفة.

ثالثاً: أهمية السؤال عند المربيين المسلمين المتقدمين.

رابعاً: أهمية السؤال في السنة.

تمهيد:

للسؤال أهمية بالغة في التربية والتعليم، وقد كان السؤال وما زال من أفضل الطرق التربوية وأحسنها أثراً وأعظمها نفعاً.

ويُعدّ السؤال الطريقة التي يتعرّف الطفل من خلالها على العالم المحيط به، كما أنه يقدم الكثير من المنافع للمتعلم فيحرك تفكيره، ويثير نشاطه، ويقوي صلته بالموضوعات التي يدرسها، كما يعتمد المعلم على السؤال في تحقيق كثير من الأهداف التعليمية والتربوية، كما أن حسن استخدام المعلم للسؤال يعد آية نجاحه، ومقياس مهارته، ويعد السؤال قوام الدرس، وأساس الطريقة التدريسية، ولأهمية السؤال فإنه لا يمكن الاستغناء عنه في أي مرحلة من المراحل التعليمية، حيث تستمر الحاجة إليه من قبل المتعلم والمعلم على حد سواء.

وانطلاقاً من أهمية السؤال ودوره في التربية والتعليم، فإننا سوف نعرض في هذا المبحث لأهمية السؤال التربوية لكل من المتعلم والمعلم، كما نبرز الاهتمام الذي أولته التربية الإسلامية السؤال والمكانة الرفيعة التي نالها في ضوء هذه التربية.

أولاً: قدم طريقة السؤال

ص: 354

تعدّ طريقة السؤال من أقدم الطرق التعليمية والتربوية التي عرفها الإنسان، حيث استعملت المجتمعات الإنسانية على اختلافها هذه الطريقة، فاستعملها المربون والمعلمون والمصلحون في تلك المجتمعات.

وإن الذين درسوا تاريخ التربية يعلمون أن طريقة السؤال طريقة قديمة قدم التربية ذاتها.

ثانياً: أهمية السؤال في التربية الحديثة

أ) - أهمية السؤال للطفل (مرحلة ما قبل الابتدائية)

يطلق البعض على هذه المرحلة مرحلة السؤال، حيث تكثر فيها أسئلة الطفل ويسمع فيها من الطفل دائماً (ماذا؟، لماذا؟، متى؟، أين؟، كيف؟، من؟،

الخ) والطفل في هذه المرحلة علامة استفهام حية بالنسبة لكل شيء، فهو يحاول الاستزادة العقلية والمعرفية. إنه يريد أن يعرف الأشياء التي تثير انتباهه، وأن يفهم الخبرات التي يمر بها. ويقدر بعض الباحثين أن حوالي 10-15 % من حديث الطفل في هذه المرحلة يكون عبارة عن أسئلة. كما يشاهد سلوك الاستطلاع والاستكشاف بكثرة عند طفل الحضانة.

ب) - أهمية السؤال للمتعلم:

يقوم السؤال بدور فاعل ومؤثر لدى المتعلم، حيث يجعله محور العملية التعليمية ومركز الفاعلية عوضاً عن المدرس.

ويقدم السؤال للمتعلم العديد من الفوائد والإيجابيات، وذلك كما يلي:

10-

يعدّ السؤال عماد المعلم في تعليم صغار التلاميذ الذين لا يطيقون التلقي والاستماع طويلاً دون إثارة انتباههم وتجديد نشاطهم بالمناقشة وتوجيه الأسئلة.كما تفيد الأسئلة في توجيه الأطفال إلى التعرف على صفات المحسات وخواصها.

2 -

يدفع السؤال والمناقشة المتعلم إلى إعمال العقل والتفكير لمعرفة ما يتصل بموضوع النقاش. كما يقود السؤال التلاميذ إلى الطريقة الصحيحة للتفكير، كما يحدث عند قيام المتعلم بفحص الجزئيات والمقدمات، بغرض الوصول إلى العموميات والكليات، كما يؤدي السؤال دوراً هاماً في الجانب العقلي لدى المتعلم، وذلك عندما يكسبه القدرة على الربط والموازنة والاستنتاج.

ص: 355

3 -

يؤدي السؤال إلى تركيز انتباه التلاميذ وإثارة اهتمامهم نحو الحقائق التي يراد الوصول إليها. فالأسئلة تثير مزيداً من الانتباه والنشاط والحيوية في حجرة الدراسة، ولا سيما إذا كان الموضوع مما يتصل بميول التلاميذ وحاجاتهم ومشكلاتهم.

4 -

يقوم السؤال بإثارة نشاط التلاميذ ويجعلهم فاعلين، ويحملهم على الاشتراك العملي في الدرس، فالأسئلة التي يطرحها المعلم تحمل التلاميذ على المشاركة والاستماع والفهم والسؤال عما لا يدركونه من الحقائق.

5 -

يعمل السؤال على إقامة علاقة قوية ومستمرة بين التلاميذ وبين حقائق الدرس ومعلوماته، ومن ثم فهو يكفل حضور التلاميذ العقلي وارتباطهم بالدرس وعدم انقطاع صلتهم به ومتابعتهم إياه، كما يؤدي اتباع طريقة السؤال في التعليم إلى عدم ملل التلاميذ من الدروس كما يحدث عند الاقتصار على طريقة الإلقاء.

6 -

تؤدي طريقة الأسئلة والمناقشة إلى ثبات المعلومات واستمرارها لدى المتعلمين حيث يلاحظ أن المعلومات التي يصل إليها المتعلم بجهده عن طريق السؤال تتصف بالثبات والاستمرار فترة أطول من المعلومات التي تصله عن طريق التلقي ولا يبذل جهداً في معرفتها والتوصل إليها.

7 -

تعمل طريقة السؤال - في التدريس - على إكساب التلاميذ مهارات التحدث والاستماع، وإبداء الملاحظات، وتقبل الانتقادات.

8 -

تؤدي مشاركة المتعلم في الدرس من خلال المناقشة والسؤال إلى الشعور بقيمته الذاتية مما يعزز ثقته بنفسه ويدفعه نحو المزيد من النمو والتقدم في دراسته وتعلمه.

ج) - أهمية السؤال للمعلم:

يعدّ توجيه الأسئلة إلى المتعلمين والإجابة عن أسئلتهم ووضع الأسئلة الملائمة لتقويم تعلمهم من أهم المهارات التي يحتاجها المعلم.

ص: 356

ولأن إتقان وضع الأسئلة وإجادة المعلم طريقة مناقشتها مع تلاميذه فن لا يتقنه إلا كل بارع عليم بطرق التدريس، خبير بطبائع التلاميذ، فقد عد استعمال طريقة السؤال مقياس مهارة المعلم، وجودة طريقته، ووضوح منهجه في التدريس.

ويُقدم استعمال السؤال في التدريس فوائد عديدة إلى المعلم من أهمها ما يلي:

1-

دفع المعلم إلى التفكير العميق في جوانب الموضوع الذي يزمع القيام بتدريسه.

2 -

تشجيع روح النقد الذاتي لديه لمراجعة أفكاره وخبراته بين الحين والآخر، فالحوار مع النفس أو الآخرين يعد من طرق التعلم الفاعلة، والتي ترافق الفرد في جميع مراحل حياته.

3 -

مناقشة ما يتلقاه من تلاميذه في الإجابة عن الأسئلة، وإصلاح ما قد يقعون فيه من خطأ.

4 -

اكتساب اليقظة والثقة بالنفس، وحضور البديهة، والاستعداد لحل أي مشكلة تعرض أثناء الدرس حلاً سريعاً وموفقاً.

5 -

اشتراك التلاميذ مع المعلم في استنباط المعلومات.

6 -

يعد السؤال من أفضل الوسائل التي يستخدمها المعلم للمراجعة والتطبيق.

7 -

كشف نواحي اهتمام التلاميذ وقدراتهم.

8 -

حصر النقاط الهامة في الدرس وتلخيصها.

د) - أهمية السؤال للدرس وطريقة التدريس:

لا يستطيع أحد أن ينكر ما للأسئلة من قيمة في التدريس فالسؤال قوام الطريقة التحاورية، وركن أساسي من أركان الطريقة الاستقرائية.

فهو يقوم بتنويع مسلكية الدرس، وذلك بالانتقال من الإلقاء إلى الحوار، فيقوم بذلك بتبديد السأم عن التلاميذ وتجديد نشاطهم.

كما أنه أشبه بالقوة الدافعة في الدرس، فيسير ويتحرك في اتجاه أهدافه.

كما أن الأسئلة تعتبر بحق الوسيلة المنظمة للمناقشة بين الطلاب والأساتذة.

كما تستخدم الأسئلة في جميع خطوات الدرس الأساسية من تمهيد، وعرض، وربط، وتعميم، وتطبيق.

ص: 357

وتستخدم طريقة الأسئلة والمناقشة في كثير من الدروس والخطوات الدرسية التفصيلية، فيستخدمها المعلم عقب سرد القصص، فيكون في توجيهها وإجابة التلاميذ عنها تدريب على الاستعمال اللغوي السليم.

وما يقال عن الأسئلة والمناقشات عقب سرد القصص يقال عن الأسئلة والمناقشات عقب دروس المطالعة، فهناك أسئلة تعقب القراءة الصامتة، وأسئلة تتخلل المناقشات التفصيلية، وكذلك الحال في دروس التعبير عقب انتهاء المتحدث من حديثه.

هـ) - أهمية السؤال في مراحل التعليم المختلفة:

للسؤال أهمية كبيرة في جميع مراحل التعليم: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية والجامعية حيث تستخدم طريقة السؤال على نطاق واسع في المراحل الأولى من التعليم بل ويجب أن تكون عماد التدريس فيها، أما في المراحل المتقدمة فهي تقتصر في الغالب على مناقشة المقدمات للوصول إلى النتائج العامة، كما تستخدم للربط والاستنتاج.

وعلى الرغم من أهمية طريقة السؤال وشيوع استعمالها في جميع مراحل التعليم، إلا أن من الحقائق ما لا يمكن الوصول إليها عن طريق السؤال، ولا يستطيع التلاميذ استنباطها مهما دارت الأسئلة حولها، ولا سبيل لمعرفتها إلا بتوضيحها وإلقائها عليهم من قبل المعلم.

ثالثاً: أهمية السؤال عند المربيين المسلمين المتقدمين

ص: 358

يبين أحد الدارسين المعاصرين أن طريقة السؤال كانت من أهم الطرق التعليمية وأكثرها شيوعاً على امتداد التاريخ الإسلامي. وأن هذا الأسلوب كان معروفاً وشائعاً لدى الصحابة والتابعين ومن أوائل من طبق هذا الأسلوب على ابن أبي طالب رضي الله عنه والذي أثر عنه قوله: "العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم". وكان هذا الأسلوب شائعاً استعمله عبد الله بن عباس وشجع تلاميذه عليه، وكان يرى فيه أداة تساعد على تمييز التلاميذ ومعرفة مستوياتهم العلمية، كما استعمله الحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وعكرمة.وخلصت آراؤهم إلى أن المعلم إذا لم يتح للمتعلمين أن يسألوه ويسألهم ينقص علمه، ويتوقف نموه، وينتهي بهم جميعاً إلى ركود في التفكير، ومن هنا اهتموا بصياغة السؤال وحسن طرحه وقرروا أن ذلك نصف العلم".

ومن العلماء الذين أكدوا على طريقة السؤال ودعوا إلى رعايتها والاهتمام بها:

1-

علي بن محمد الماوردي (364-450هـ) :

وقد شدّد على استعمال الأسئلة، وتشجيع المتعلم على السؤال، حيث كان يرى أن كثرة السؤال فيما التبس ليست إعناتاً، وأن الأسئلة مفاتيح العلم، وأن الأحاديث النبوية تحضّ المتعلم على السؤال، وأنها جعلت حسن السؤال نصف العلم.

2-

أحمد بن علي الخطيب البغدادي (392-463هـ) :

وقد ركزّ على أسلوبين من أساليب التعليم كان يرى أن لهما علاقة وثيقة بالاجتهاد والتحرر من التقليد، وهما: أسلوب الأسئلة، وأسلوب المناظرة.

3-

بدر الدين بن جماعة (639-733هـ) :

وقد دعا المعلم - بعد فراغه من الدرس - أن يطرح بعض الأسئلة التي تكشف عن مدى فهم التلاميذ لما شرح، شريطة أن تنطلق هذه الأسئلة من منطلق واضح ومحدد. كما يرى أن العلم إنما يتوصل إليه بطرح المسائل، ودعا إلى حسن فهم السؤال.

4-

ابن قيم الجوزية (691-751هـ) :

ص: 359

وقد اهتم بالسؤال وأولاه عناية كبيرة، حيث أكدّ أن الحياء من معوقات التعلم وذلك بعدم السؤال وبيّن أن العلم له ست مراتب أولها حسن السؤال.

وفي أهمية السؤال في التعلم يقول الإمام ابن القيم:

"من الناس من يحرم العلم لعدم حسن سؤاله، إما أنه لا يسأل بحال، أو يسأل عن شيء وغيره أهم منه".

5-

عبد الرحمن بن خلدون (732- 808 هـ) :

وقد اهتم اهتماما كبيراً بالسؤال والحوار، وكان يرى "أن أيسر طرق ملكة التعلم فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها".

فطريقة المناقشة عنده من أجدى وسائل التعلم، ولذلك أخذ على المغاربة عدم أخذهم بها في التعليم.

رابعاً: أهمية السؤال في السنة

اهتمت السنة بالسؤال اهتماماً كبيراً، حيث يتضح هذا الاهتمام من استخدام النبي صلى الله عليه وسلم للسؤال وكثرة الطرق والموضوعات التي استخدمه فيها:

1-

فقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الحوار كوسيلة فاعلة ومؤثرة في تعليم أصحابه أمور دينهم وركائز عقيدتهم، وتوضيح كثير من الأمور الدينية والدنيوية التي تهمهم، ومن أمثلة ذلك: الحوار الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، بطريقة مشوقة شدت انتباه الصحابة الحاضرين وهيأت عقولهم للتلقي والفهم ومتابعة الحوار من بدايته إلى خاتمته، بوعي وتركيز شديدين.

2-

كما كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يكون أصحابه هم البادئون بالسؤال في بعض الأحيان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلوني"، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان

الحديث".

ويؤخذ من هذا الحديث فوائد تربوية من أهمها:

أ) - مشروعية ترغيب المتعلمين في أن يكونوا هم السائلين، ليكون التعليم مبنياً على رغبتهم، وليكون أشدّ وقعاً في نفوسهم.

ص: 360

ب) - إجراء حوار أمام المتعلمين ليتابعوا الحوار، ويتعلموا منه أمور دينهم.

وهذه الطريقة ربما كانت مقصودة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا"(1) .

3-

وقد كانت طريقة السؤال تروق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع

الحديث".

4-

وقد استخدم أسلوب السؤال في السنة استخدامات كثيرة ومتنوعة منها ما يلي:

- تعليم المسلمين أمور دينهم، كما في حديث جبريل المشار إليه آنفاً.

- لفت أنظار المسلمين إلى بعض الأفعال التي يؤدي الوقوع فيها إلى سوء العاقبة والتي لا ينفع معها القيام بأعمال صالحة، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أتدرون ما المفلس؟ ....الحديث".

- التنبيه على بعض المفاهيم والحقائق الأساسية، وكيفية ترجمتها إلى جانب عملي مثل حقيقة الإسلام، والهجرة، وأنهما ليسا ادعاء، وإنما هما عمل وتطبيق.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"(2) .

- تصحيح مفاهيم وسلوكيات خاطئة، مثل مؤازرة الإخوان، والأقارب والأصدقاء، ونحوهم في الخير والشر.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا: يا رسول هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: "تأخذ فوق يديه" (3) .

- غرس خصال الخير، وتشجيع العطاء والبذل لدى المسلم والتشجيع على التفكير.

(1) صحيح مسلم: 1/40، باب: 2، ح:10.

(2)

فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 1/53، كتاب الإيمان، باب: 4، ح:10.

(3)

نفس المرجع: 5/98، كتاب المظالم، باب: 4، ح:2443.

ص: 361

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: "هي النخلة" (1) .

المبحث الثاني: مكانة السؤال في القرآن الكريم

أولاً: الحث على السؤال والترغيب فيه.

ثانيا: السؤال في قصة موسى والخضر عليهما السلام.

تمهيد:

عني القرآن الكريم بالسؤال عناية كبيرة، فالسؤال في المنهج التربوي وسيلة من أهم وسائل التعلم، بل هو الأداة التي يتوصل عن طريقها إلى الإلمام بالحقائق والمعلومات التي يرغب المتعلمون في معرفتها، لذلك وجه القرآن إلى الانتفاع بأسلوب السؤال وحثّ عليه ورغّب فيه. وسوف نوضح في هذا المبحث الأهمية التي أولاها القرآن السؤال والمكانة التي تبوأها السؤال في ظل المنهج التربوي القرآني.

أولاً: الحث على السؤال والترغيب فيه

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (2)

فقد وجه القرآن الكريم كفار قريش إلى سؤال علماء التوراة والإنجيل عن حقيقة إرسال الله رسلاً من البشر عندما استعظموا ذلك وأنكروا أن يرسل الله بشراً،فكان سؤال أهل العلم والاختصاص وسيلة استخدمها القرآن لتثبيت حقيقة إيمانية، وترسيخها في النفوس، فلا يتطرق إليها الشك بعد ذلك

وفي استعمال السؤال في التعلم، والانتفاع بسؤال أهل الخبرة والمعرفة، يقول أحد الدارسين:"من الأدبيات القرآنية المهمة في مجال العلم وجوب الرجوع إلى أهل الخبرة في كل علم وفن، وسؤال أهل الذكر في كل موضوع، فهم الذين يستطيعون أن يحلوا العقد، ويعالجوا العضل من المسائل والعويص من القضايا".

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 1/145، كتاب العلم، باب: 4، ح:61.

(2)

سورة النحل: آية: 43.

ص: 362

وقد استعمل السؤال في القرآن لزيادة طمأنة الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن نبوته ورسالته وذلك بسؤال أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في كتبهم. قال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (1) .

ومرة ثالثة يوجه القرآن الكريم إلى أخذ الحقائق من أهلها العارفين بها ويكون أقرب الطرق وأصدقها في ذلك هو السؤال، قال تعالى:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} (2) .

ثانياً: السؤال في قصة موسى والخضر عليهما السلام

لقد كان السؤال في هذه القصة من أهم طرق التعلم ووسائله، وقد حقق السؤال الكثير من الفوائد والإيجابيات، نبين بعضها في هذا الجزء من البحث، ونبين البعض الآخر في مكانها المناسب من البحث.

وقد تكرر استعمال السؤال مرات عديدة في هذه القصة، وكان استعماله فيها جميعها استعمالاً راشداً وموفقاً

(1) سورة يونس: آية: 94.

(2)

سورة الفرقان: آية: 58، 59.

ص: 363

1-

فقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال ليعرف مكان الخضر عليه السلام ويتعلم منه، روى الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فمرّ بهما أُبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أُبي: نعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحداً أعلم منك؟ فقال موسى: لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه

الحديث".

2-

كما استخدم عليه السلام السؤال في اتباعه الخضر والتعلم منه، قال تعالى:{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} (1) قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: "هذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى هل يتفق لك ويخف عليك". وقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال هنا لتحقيق أغراض منها: الاتباع، والتعلم الراشد.

3-

إن طلب الخضر من نبي الله موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يبينه له، يدل على أن السؤال من الوسائل الأولية والهامة لمعرفة أسباب القيام ببعض الأمور التي لا يرى لها حكماً ظاهرة، فيكون السؤال من أهم أسباب اجتلاء كنهها، ومعرفة أسرارها وخفاياها.

(1) سورة الكهف: آية: 66.

ص: 364

4-

إن السؤال هو الوسيلة الوحيدة التي استخدمها نبي الله موسى عليه السلام للتعبير عن إنكاره لما جرى أمام عينيه من تعدٍّ وظلم، كما كان ظاهر ما حدث، وذلك كما جاء في قوله تعالى:{قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} (1) وقوله تعالى: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس} (2) وقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} (3) .

5-

إن أسئلة نبي الله موسى المتكررة هي التي جعلت الخضر عليه السلام لا يجد مناصاً من تبيين حكمة ما فعل لموسى عليه السلام، وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهماً وتفسيراً لأمور كانت أسبابها غير معروفة وغير ظاهرة للعيان.

6-

إن التزام المتعلم بعدم سؤال المعلم فيما لا يجب أن يسأل فيه من الأسباب المؤدية إلى استمرار العلاقة بين المعلم والمتعلم وقوتها، فالاستخدام الحكيم للسؤال يدل على أهمية السؤال في تحقيق الهدف المتقدم وغيره من الأهداف التعليمية والتربوية الإيجابية.

المبحث الثالث: آداب السؤال لدى المتعلمين

(1)

- احتمال عناء السؤال.

(2)

- الحرص على السؤال والتعلم.

(3)

- التلطف في السؤال.

(4)

- السؤال عن العلم النافع.

(5)

- التريث وعدم الاستعجال في السؤال.

(6)

- حسن السؤال.

(7)

- الاعتذار إلى المعلم عند سؤاله فيما لا يرغب أن يسأل فيه.

(8)

- أن يقيم المتعلمون مناقشتهم معلمهم على الأدلة والبراهين.

(9)

- عدم السؤال عن الحقائق بغرض التشكيك فيها والاستهزاء بها.

تمهيد

(1) سورة الكهف: آية:71.

(2)

سورة الكهف: آية: 74.

(3)

سورة الكهف: آية: 77.

ص: 365

يعدّ السؤال من أهم وسائل بناء الجانب التعليمي لدى المتعلم، فعن طريق السؤال يستطيع المتعلم أن ينمي هذا الجانب، وذلك بما يضيفه إليه من خبرات تعليمية عديدة ولكن استخدام السؤال من قبل المتعلم لتحقيق الهدف المتقدم لا يمكن أن يتحقق ما لم يلتزم المتعلم بضوابط ومعايير يتحقق في ضوء التمسك بها ذلك الهدف، لذلك أرشد المربون والمختصون في مجال التربية التعليم إلى ضرورة التزام المتعلم بتلك الضوابط والمعايير والتمسك بها من أجل تحقيق ما يطمح إليه.

ولقد سبق القرآن الكريم إلى تنبيه المتعلم إلى تلك الضوابط والمعايير، وتوجيهه إلى ضرورة التحلي بها وجعلها أساساً ومنطلقاً لنشاطاته التعليمية، ومن أهم ضوابط وآداب السؤال التي أرشد إليها القرآن الكريم ما يلي:

(1)

- احتمال عناء السؤال:

وقد قص علينا القرآن الكريم قصة رحلة نبي الله موسى عليه السلام وتحمله المشقة والتعب من أجل الالتقاء بالخضر عليه السلام والتعلم منه. ومما هو جدير بالذكر هنا أن سبب هذه الرحلة كان السؤال، فسؤال بني إسرائيل موسى عليه السلام أي الناس أعلم كان سبب خروجه وطلبه ملاقاة الخضر وقد احتل السؤال مكاناً بارزاً في القصة: مرة عند سؤال موسى عليه السلام الخضر أن يسمح باتباعه يتعلم منه، ومرات عند سؤاله عما كان يقوم به من أفعال لم تكن حكمتها ظاهرة لديه.

ص: 366

وإذا كان السؤال يكلف صاحبه عناءً ومشقةً، إلا أن فيه فوائد جليلة ومنافع عظيمة. قال الإمام القرطبي:"في هذا - أي في رحلة موسى إلى الخضر عليهما السلام من الفقه: رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم. واغتنام لقاء الفضلاء وإن بعدت أقطارهم، وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فركزت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام". وقال الزجاج: "فيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته".

وقال الشيخ السعدي: "في هذه القصة - قصة موسى والخضر - فضيلة العلم والرحلة في طلبه وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك".

(2)

- الحرص على السؤال والتعلم

ص: 367

وقد وجه القرآن الكريم المتعلمين إلى الحرص على السؤال والتعلم حتى لو كان من يتعلم منه أقل فضلاً ممن يتعلم، فنبي الله موسى عليه السلام كان حريصاً على التعلم من الخضر مع كونه أفضل من الخضر، قال تعالى:{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} (1) قال الإمام الرازي: "إن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه، ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له". وقال الإمام الشوكاني: "في الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيوب ومعرفة البواطن". وقال الشيخ السعدي: "ومن فوائد الآية: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى بلا شك أفضل من الخضر". وقال: "كان موسى أعلم من الخضر بأكثر الأشياء، وخصوصاً في العلوم الإيمانية والأصولية، لأنه من أولي العزم من المرسلين الذين فضلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك".

(3)

- التلطف في السؤال

ومن آداب المتعلم التلطف والتواضع والاستئذان عند سؤال المعلم، وقد كان نبي الله موسى في غاية التلطف عند سؤال الخضر في اتباعه والتعلم منه، قال تعالى:{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} (2) .قال الإمام الشوكاني في تفسير الآية: "في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب، لأنه استأذنه أن يكون تابعاً له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم".

وفي الآداب التي اشتملتها الآية يقول الإمام الرازي:

(1) سورة الكهف: آية: 66.

(2)

سورة الكهف: آية: 66.

ص: 368

"اعلم أن هذه تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر، فأحدها أنه جعل نفسه تابعاً له لأنه قال {هَلْ أَتَّبِعُكَ} ، وثانيها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع".

وقال الإمام ابن القيم: "كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يلطف لابن عباس في السؤال، فيعزه بالعلم عزاً".

وقال ابن جريج: "لم أستخرج العلم الذي استخرجت من عطاء إلا برفقي به". ويرى بدر الدين بن جماعة أن على المتعلم: "أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الامكان، ولا يقول له لم؟ ولا نسلم، ولا من نقل هذا؟ وأين موضعه؟ وشبه ذلك، فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ذلك".

(4)

- السؤال عن العلم النافع

والعلم النافع هو العلم الذي يهدي إلى الحق والخير والصواب والهدى، "فكل علم يكون فيه علم وهداية لطريق الخير، وتحذير عن طريق الشر أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضاراً أو ليس فيه فائدة".

وينبغي للمتعلم ألا يسأل عما لا فائدة عملية أو مصلحة حقيقية ترجى من ورائه لأن ذلك لا يعود عليه بفائدة في دينه أو دنياه، وقد ذكر القرآن أنواعاً من الأسئلة بعضها عن المشركين، مثل: السؤال عن الساعة، وبعضها عن اليهود مثل: السؤال عن الروح وهي أسئلة لا ثمرة لها، لذلك كان الجواب أن ذلك من أمر الله ولا يعلمه سواه.

قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} (1) .

وقال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (2) .

(5)

- التريث وعدم الاستعجال في السؤال

(1) سورة الأعراف: آية: 187.

(2)

سورة الإسراء: آية: 85.

ص: 369

وهو من الآداب الضرورية والهامة للمتعلم، إذ كثيراً ما تأتي اعتراضات المتعلمين ومناقشاتهم وسؤالاتهم نتيجة التعجل وعدم التثبت، أو عدم فهم مراد المعلم وقصده، قال تعالى:{قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} (1) قال القاضي أبو السعود في تفسير الآية: "قوله تعالى: {فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ} تشاهده من أفعالي أي لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته فضلاً عن المناقشة والاعتراض {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي حتى أبتدأ ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر عنه فله حكمة وغاية حميدة البتة، وهذا من أدب المتعلم مع العالم".

ويقول الشيخ السعدي: "من فوائد الآية: التأني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرف ما هو المراد منه وما هو المقصود".

(6)

- حسن السؤال

وقد سبق أن ذكرنا قول بعض السلف أن حسن السؤال نصف العلم، وقول ابن القيم:"إن أول مراتب العلم حسن السؤال، وإن من الناس من يحرم العلم لعدم حسن سؤاله".

وقد دعا القرآن الكريم إلى حسن السؤال والبعد عن الأسئلة السيئة، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} (2) وقد ذكر العلماء عديداً من صور السؤال المجانبة لحسن المسألة، والتي منها ما يلي:

(أ) - السؤال عما لا يعني السائل.

(ب) - المسائل التي نزلت فيها قول الله عزوجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .

(1) سورة الكهف: آية:70.

(2)

سورة المائدة: آية: 101، 102.

ص: 370

(ج) - الإكثار من تفريع المسائل، ومن ثم كره جماعة من السلف السؤال عما لا يقع، لما يتضمن من التكلف في الدين، والتنطع، والرجم بالظن من غير ضرورة. وعن الزهري قال:"بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون""وعن عبادة بن نسي الكندي وسئل عن المرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: أدركت أقواماً ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم".

(د) - السؤال عما لا فائدة فيه

قال الحافظ بن كثير في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها".

(هـ) - السؤال عما يسوء وتشق إجابته

قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث:"إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته"(1) .

(و) - السؤال على سبيل الاستهزاء والعناد

كما في قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} (2) أي قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوما من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها أن بينت لهم، فلم ينتفعوا بها، لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد".

(ز) - الأسئلة التعجيزية

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 13/264، كتاب الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ح:7286.

(2)

سورة المائدة: آية: 102.

ص: 371

التي يراد منها إظهار عدم قدرة المعلم على الإحاطة والإلمام بضروب المعرفة، وقد سأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف للحكم على صدق نبوته في ضوء إجابته ولكن الله أنزل وحيه على نبيه مجيباً إياهم عن أسئلتهم التي سألوها، ومع ذلك فقد ذكر بعض المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلزمه أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار كما أن ذهاب نبي الله موسى إلى الخضر ليتعلم منه يدل على المعنى ذاته.

وفي البعد عن هذا النوع من الأسئلة يقول الإمام ابن القيم:

"إذا جلست إلى عالم فسل تفقهاً لا تعنتاً".

(7)

- الاعتذار إلى المعلم عند سؤاله فيما لا يرغب أن يسأل فيه

قال تعالى: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً} (1) .

فقد يرغب بعض المعلمين في تأجيل الأسئلة إلى آخر الدرس، أو عدم السؤال عن أمور بعينها، أو عدم السؤال فيما لا علاقة له بالدرس، أو نحو ذلك، وينبغي للمتعلم أن يحترم رغبة المعلم في ذلك، وإذا بدر منه خلاف ما وجه إليه المعلم، فعليه أن يسارع بالاعتذار والتعهد بعدم تكرار ذلك، وقد وجه القرآن المتعلمين إلى هذا الأدب الرفيع من خلال قصة موسى والخضر عليهما السلام، فقال تعالى:{قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراًً} (2) . إن على المتعلم أن يسأل في الوقت المناسب، وفي الحال المناسب، ولا يكثر من الأسئلة فيما لا طائل تحته.

(8)

- أن يقيم المتعلمون مناقشتهم معلمهم على الأدلة والبراهين

(1) سورة الكهف: آية: 76.

(2)

سورة الكهف: آية: 73.

ص: 372

وليس على مجرد الظن، فالمناقشة السليمة هي التي تبنى على الدليل، أما المناقشة التي تبنى على عدم المعرفة بموضوع النقاش فلا تقبل من المتعلم، وهكذا كان التوجيه الرباني لنوح عليه السلام عندما ذهب يسأل ربه الرحمة بابنه، قال تعالى:{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (1) .

وهكذا يقرر القرآن الكريم أن المعرفة بالحقائق والمعلومات شرط أساسي لمناقشتها، لذلك يجب على المتعلم أن يكون على معرفة وفهم وإلمام بما يناقش فيه معلميه.

(9)

- عدم السؤال عن الحقائق بغرض التشكيك فيها أو الاستهزاء بها

وذلك لأن الحقائق لا تقبل التشكيك فيها والاستهزاء بها، كحقائق الإسلام، وما ثبت من حقائق العلم، وإنما تؤخذ مأخذ اليقين والتسليم والإذعان، وإن التشكيك في الحقائق أو الاستهزاء بها يعد تفريطاً في أدب هو من أعظم آداب المتعلم.

وقد بين القرآن الكريم أن التشكيك في الحقائق هو من شأن الكافرين، قال تعالى:{يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} (2) قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي يقول: متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده".

ومن ثم يتضح أن القرآن الكريم يوجه طالب العلم المسلم إلى احترام الحقائق والتسليم بها وعدم التشكيك فيها أو استبعاد وقوعها وحدوثها.

(1) سورة هود: آية: 45-47.

(2)

سورة القيامة: آية: 6.

ص: 373