المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 117 فهرس المحتويات 1- كتاب الاعتقاد لأبي الحسين محمد بن القاضي - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٤٥

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 117 فهرس المحتويات 1- كتاب الاعتقاد لأبي الحسين محمد بن القاضي

‌العدد 117

فهرس المحتويات

1-

كتاب الاعتقاد لأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الحنبلي: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس

2-

الحوقلة مفهومها ودلالتها العقدية: أد. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

3-

طرق التخريج بحسب الراوي الأعلى

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

تابع (4)

د. دخيل بن صالح اللحيدان

4-

كتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

تابع (4)

تابع (5)

تابع (6)

د. راوية بنت أحمد الظهار

5-

من الهدي النبوي في تربية البنات: د. محمد بن يوسف عفيفي

6-

الإبدال في لغات الأزد دراسة صوتية في ضوء علم اللغة والحديث

تابع (1)

د. أحمد بن سعيد قشاش

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 295

كتاب الاعتقاد لأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى الحنبلي

تحقيق وتعليق:

د. محمد بن عبد الرحمن الخميس

الأستاذ المشارك في كلية أصول الدين بالرياض

مقدمة المحقق

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمرإن: 102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 70، 71] .

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ص: 296

وبعد؛ فهذه رسالة نفيسة للإمام أبي الحسين محمد بن محمد بن حسين الفراء الحنبلي البغدادي، ابن القاضي أبي يعلى، صاحب كتاب طبقات الحنابلة. وهي وإن كانت صغيرة الحجم، فهي غزيرة الفائدة، وتكشف عن كون الإمام المصنف على عقيدة السلف الصالح، كما تبين مدى جهاده وذبه عن هذه العقيدة، فقد عهده الناس فقيهاً مؤرخاً من خلال كتابه طبقات الحنابلة وهو في كتابه هذا يبين عقيدة السلف في الإيمان، والتوحيد، والصفات، والقدر، والبعث والصراط، والنبوة، وحقوق النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، وغيرها، كما يبين فيه الواجب فعله تجاه المبتدعة المخالفين لعقيدة السلف.

(أ) - أسباب تحقيق الكتاب:

· أنَّ المصنف من العلماء الحنابلة الذين تمسكوا بعقيدة الإمام أحمد في الأصول، كما هم على مذهبه في الفروع.

· بيان المؤلف في هذا الكتاب لعقيدته، عقيدة السلف، مما يدل على إحاطة المؤلف بمذهب أهل السنة العقدي، ومعرفته بأقاويل الفرق المبتدعة.

· أن الكتاب لم يطبع من قبل.

(ب) - خطة البحث:

رأيت من المناسب تقسيم البحث في هذا الموضوع إلى قسمين:

القسم الأول: في التعريف بالمؤلف وبالكتاب:

ويشتمل هذا القسم على مبحثين:

المبحث الأول: التعريف بالمؤلف:

ـ اسمه ونسبه وكنيته ومولده.

ـ نشأته العلمية.

ـ ثناء العلماء عليه.

ـ أشهر مصنفاته.

ـ أشهر شيوخه.

ـ أشهر تلاميذه.

ـ وفاته.

المبحث الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة:

أولاً: التعريف بالكتاب:

ـ اسم الكتاب.

ـ موضوع الكتاب.

ـ سبب تأليف الكتاب.

ـ توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.

ثانيا: وصف المخطوطة:

القسم الثاني: تحقيق الكتاب.

(ج) عملي في الكتاب:

لقد اجتهدت حسب الوسع والطاقة في خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بهذه الصورة، ويتلخص عملي في التحقيق في الخطوات التالية:

1 ـ الاعتماد في تحقيق الكتاب على أصل محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق الشام، تحت رقم (4546) ، وهي نسخة وحيدة.

ص: 297

2 ـ عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها في القرآن بين معقوفين بعد كل آية.

3 ـ عزو الأحاديث إلى مصادرها الحديثية، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، أما إذا كان في غير الصحيحين فاجتهد في العزو إلى أكثر من مصدر.

4 ـ التعليق والشرح لما يحتاج إليه في بعض المواضع التي تحتاج في نظري إلى تعليق، وفصلت بين الأصل وتعليقاتي عليه بوضع الأصل في أعلى الصفحة والتعليق في أسفلها.

5 ـ وضع عناوين جانبية توضح المقصود من كل فقرة.

6 ـ وضع فهارس عامة للكتاب، وهي:

أـ فهرس المصادر والمراجع.

ب ـ فهرس الموضوعات.

وأخيراً فإني بذلت الجهد في تحقيق هذا الكتاب وإخراجه، فإن وفّقت إلى ذلك وأصبت فهو من عند الله وله المنّة، وإن كان غير ذلك فأستغفر الله، وعذري أني استفرغت في البحث وسعي، وأسال الله تعالى القبول، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القسم الأول

التعريف بالمؤلف وبالكتاب

المبحث الأول: التعريف بالمؤلف

أ - اسمه ونسبه وكنيته ومولده:

هو أبو الحسين محمد بن محمد بن حسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء الحنبلي، البغدادي، المشهور بالقاضي أبي الحسين، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.

ب - نشأته العلمية:

نشأ القاضي أبو الحسين في بيئة علمية صالحة، حيث نشأ تحت رعاية والده العلامة محمد بن الحسين المشهور بالقاضي أبي يعلى، وهو شيخ الحنابلة وأمامهم في عصره، حيث عني بتعليم ابنه وتهذيبه منذ نعومة أظافره، وكان أول ما يتلقاه طلاب العلم في ذلك الوقت حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يوجهون عنايتهم لدراسة الحديث النبوي وسائر العلوم الشرعية الأخرى. فأخذ على مشايخ بغداد في مختلف العلوم الشرعية، حتى فاق أقرانه.

ج - ثناء العلماء عليه:

قال عنه الذهبي: (الإمام العلاّمة الفقيه القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي الكبير أبي يعلى) .

ص: 298

وقال عنه الذهبي في موضع آخر: (كان مفتياً مناظراً عارفاً بالمذهب ودقائقه، صلباً في السنة، كثير الحط على الأشاعرة) .

وقال عنه ابن رجب: (برع في الفقه وأفتى وناظر، وكان عارفاً بالمذهب متشدداً في السنة)

وقال عنه السلفي: (وكان كثيرا ما يتكلم في الأشاعرة، ويسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وله تصانيف في مذهبه، وكان دينا ثقة ثبتاً، سمعنا منه)

د - أشهر مصنفاته:

1 ـ طبقات الحنابلة، وهو مطبوع.

2 ـ الرد على زائغي الاعتقاد في منعهم من سماع الآيات.

3 ـ شرف الاتباع وسرف الابتداع.

4 ـ المقنع في النيات.

5 ـ المفتاح في الفقه.

6 ـ المسائل التي حلف عليها أحمد.

7 ـ إيضاح الأدلة في الرد على الفرقة الضالة المضلة.

8 ـ المجموع في الفروع.

9 ـ المفردات في أصول الفقه.

10 ـ تنزيه معاوية بن أبي سفيان.

11 ـ رؤوس المسائل.

12 ـ التمام لكتاب الروايتين والوجهين.

13 ـ المفردات في الفقه.

هـ - أشهر شيوخه:

1 ـ والده: القاضي أبو يعلى.

2 ـ عبد الخالق بن عيسى الهاشمي العباسي المعروف بالشريف.

3 ـ عبد الصمد بن مأمون.

4 ـ أبو بكر الخطيب.

5 ـ أبو بكر الخياط.

6 ـ أبو المظفر هناد النسفي.

و أشهر تلاميذه:

1 ـ عبد المغيث بن زهير الحربي.

2 ـ الجنيد بن يعقوب الجيلي.

3ـ عبد الغني بن الحافظ أبي العلاء الهمداني.

4 ـ أبو نجيح محمود بن أبي المرجا الأصبهاني.

5 ـ علي بن المرحب البطائحي.

6 ـ محمد بن غنيمة بن القاق.

ز - وفاته:

توفي القاضي أبو الحسين سنة526 هـ مقتولاً في بيته، فرحمه الله وغفر له.

المبحث الثاني: التعريف بالكتاب ووصف المخطوطة

أولا - التعريف بالكتاب:

أ - اسم الكتاب:

دوِّن على غلاف النسخة الخطية (الاعتقاد) ، وهكذا ورد في السماعات المرفقة مع المخطوطة، ولم أقف على خلافه.

ب - موضوع الكتاب:

يتضح من اسم الكتاب (الاعتقاد) أي اعتقاد المؤلف، وما يدين به ربه في مسائل الإيمان والتوحيد. فالكتاب يشتمل على المسائل الآتية:

ص: 299

1 ـ الإيمان بالله وتوحيده.

2 ـ الإسلام والإيمان.

3 ـ صفة الكلام، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق.

4 ـ الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة: كالعلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، واليمين، والنزول، والضحك، والمجيء، والساق، وغير ذلك من الصفات.

5 ـ بيان أن من شبه الله بخلقه فقد كفر.

6 ـ منهج أهل السنة في الأسماء والصفات.

7 ـ الإيمان بالقدر.

8 ـ الإيمان بعذاب القبر.

9 ـ الإيمان بالبعث والصراط.

10 ـ الإيمان بالميزان.

11 ـ الحوض والشفاعة.

12 ـ الحساب والجنة والنار.

13 ـ نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

14 ـ إعجاز القرآن الكريم.

15 ـ الإسراء والمعراج.

16 ـ حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه.

17 ـ المفاضلة بين الصحابة.

18 ـ هجر أهل البدع.

19 ـ خاتمة المؤلف.

ج - سبب تأليف الكتاب:

بين المؤلف رحمه الله تعالى سبب تأليفه للكتاب، فقال:"أما بعد! أعاذنا الله وإياك من التكلف لما لا يحسن والادعاء لما لا نتقن وجنبنا وإياك البدع والكذب فإنهما شرّ ما احتقب، وأخبث ما اكتسب. فإنك سألت عن مذهبي وعقدي، وما أدين به لربي عز وجل لتتبعه؛ فتفوز به من البدع والأهواء المضلة، وتستوجب من الله عز وجل المنازل العلية فأجبتك إلى ما سألت عنه، مؤملاً من الله جزيل الثواب، وراهباً إليه من سوء العذاب ومعتمداً عليه في القول بالتأييد للصواب "أ. هـ.

من خلال ما سبق اتضح لنا أن سبب تأليفه للكتاب أن المؤلف سُئِل عن عقيدته ومذهبه؛ فأجاب السائل بكتابة عقيدته في هذه الرسالة.

د - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:

تتحقق نسبة الكتاب إلى مؤلفه بما يلي:

1 ـ ما كتب على غلاف المخطوط من اسم الكتاب مع نسبته إلى مؤلفه.

2 ـ ما يوجد بآخره من السماعات الآتية بحروفها:

ص: 300

أ - سمعه جميعه من الشيخ الفقيه أبي سعيد بن الأعرابي، بقراءة الشيخ العالم الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن تيمية الحراني (.....) الشيخ الفقيه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز بن صالح بن عبدوس الحراني، وأبو محمد طلحة بن مظفر بن حاتم (......) علي بن مكي بن علي الباجسرالي، وعبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي وهذا خطه وذلك يوم الأحد السابع عشر من ذي الحجة في سنة ثلاث وستين وخمسمائة للهجرة (563هـ) والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ب - سمع جميع هذا الجزء وهو اعتقاد القاضي أبي الحسين بن الفراء على الشيخ الأجل أبي سعيد عبد الجبار بن يحيى بن هلال بن الأعرابي بقراءة الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي، صاحب هذه النسخة عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، وذلك في ثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، الحمد لله وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً.

هذا صحيح، وكتب عبد الجبار بن يحيى بن هلال بن الأعرابي في التاريخ المقدم ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ج - سمع جميع الاعتقاد وهو تأليف أبي الحسن محمد بن الفراء من لفظ شيخنا وسيدنا الإمام الأوحد العالم شمس الدين عز الإسلام أبي الفتح نصر الله ابن عبد العزيز بن صالح بن عبدوس نحو سماعه فيه من أبي سعيد بن الأعرابي الشيخ الأجل الفقيه أبو الخير سلامة بن صدقة بن الصولة، وولده صدقة وأبو طاهر إبراهيم بن شداد بن طفيل الشيزري، وكاتب الأسامي عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصقال معارضاً بنسخة للشيخ المسموع منه، وذلك يوم الأربعاء حادي وعشرين من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة للهجرة بمدرسة مسجد العمران حرسها الله تعالى.

ص: 301

سمعته من أبي محمد أحمد بن محمد بن أبي نصر الخرساني وعبد الحق بن أحمد سعد، وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي في ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة بنابلس وصلى الله على محمد وآله وسلم.

د- سمع جميع هذا الجزء على شيخنا الإمام العالم شيخ الإسلام بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي رضي الله عنه الجماعة الشيخ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن التركي، ومحمد بن كامل السلمي، وعز الدين أبو حفص عمر بن محمد بن الحاجب منصور الأمين، وأبو بكر بن عبد الخالق بن أبي بكر المؤذن، وأبو بكر محمد بن الحافظ أبي طاهر إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي بقراءة عبد الرحمن بن عمر بن بردان بن سحابة الحراني، وهذا خطه، في شوال سنة أربع عشرة وستمائة للهجرة بجامع دمشق ولله الحمد والمنة، وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

قرأه عليّ سالم بن أبي الضوين البعلبكي وعبد الرحمن بن يوسف بن محمد البعلبكيون في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة، وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المقدسي فسمعه محمود بن أبي الحسن مفرح وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي سعد.

قرأه أبو الحسن بن عبد الكريم بن محمود القاسم بن سهل وعبد الرحمن بن يوسف بن محمد ويوسف بن نصر بن سالم وكتبه عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة ببعلبك وصلى الله عليه وآله وسلم

هـ – وجاء على غلاف الكتاب ما يلي:

أخبرنا به جماعة وسمعوها إجازة عن ابن المحب (.....) خطه فوق، وكتب يوسف بن عبد الهادي.

وأخبرنا به عدة (

) عن أحمد بن أبي طالب وعدة، عن عائشة بنت عبد الهادي عنه، وكتب يوسف بن عبد الهادي.

ص: 302

سمع بعضه من لفظي ولدي أبو (.....) عبد الله، وأخوه بدر الدين حسين، وابن بلبل بنت عبد الله ولدي علي. وصح ذلك يوم الأربعاء حادي عشر من شهر جمادى الآخر سنة سبع وتسعين وثمانمائة (....)(1) وكتب يوسف بن عبد الهادي.

ثانياً: وصف المخطوطة:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة فريدة محفوظة بالمكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم (4546) ، وتقع في خمس عشرة صفحة معدل كل صفحة سبع عشرة سطراً، وبها بعض الكلمات المطموسة، وخطها واضح ومقروء في غالب أحوالها.

الناسخ وتاريخ النسخ:

جاء في آخر النسخة ما نصه: فرغ من نسخه لنفسه عبد الرحمن بن إبراهيم أحمد المقدسي في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة (563هـ) والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله الطاهرين.

القسم الثاني

كتاب الاعتقاد

كتاب الاعتقاد

رب يسر، أخبرنا الشيخ الأجل أبو سعيد عبد الجبار بن يحيى بن علي بن هلال الأعرابي قراءة عليه وأنا أسمع، وذلك في يوم الجمعة ثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة للهجرة (573هـ) قثنا القاضي الأجل أبو الحسين محمد بن محمد بن الفرّاء قال:

خطبة المؤلف:

الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلاّ الله العلي الأعلى، والحمد لله أهل الحمد ومولاه ومنتهى الحمد ومبتداه، والحمد لله الذي أخرجنا بعد العدم إلى الوجود في خير الأمم، واختار لنا دليلاً إليه من خلقه أكرمهم عليه، ومن رسله أشرفهم لديه، وجعله أول السابقين منزلة، وأحسن النبيين رسالة، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، صلاة تخصهم وتعمهم أجمعين.

(سبب تأليف الكتاب) :

(1) لمات غير واضحة في المخطوط.

ص: 303

أما بعد، أعاذنا الله وإياك من التكلف لما لا نحسن، والادعاء لما لا نتقن، وجنبنا وإياك البدع والكذب، فإنهما شرّ ما احتقب، وأخبث ما اكتسب، فإنك سألت عن مذهبي وعقدي، وما أدين به لربي عز وجل، لتتبعه فتفوز به من البدع والأهواء المضلة، وتستوجب من الله عز وجل المنازل العلية، فأجبتك إلى ما سألت عنه، مؤملاً من الله جزيل الثواب، وراهباً إليه من سوء العذاب، ومعتمداً عليه في القول بالتأييد للصواب.

الإيمان بالله وتوحيده:

فأول ما نبدأ بذكره من ذلك ذكر ما افترض الله تعالى على عباده، وبعث به رسوله صلى الله عليه، وأنزل فيه كتابه، وهو الإيمان بالله عز وجل، ومعناه التصديق بما قال به، وأمر به، وافترضه، ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده، ونزلت فيه الكتب، وبذلك أرسل المرسلين، فقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مَن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

حقيقة الإيمان:

والتصديق بذلك: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، يزيده كثرة العمل والقول بالإحسان، وينقصه العصيان، ويستثنى في الإيمان، ولا يكون الاستثناء شكاً إنما هي سنة ماضية عند العلماء. فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله أو مؤمن (أرجو) ، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.

الإسلام والإيمان:

والإيمان والإسلام اسمان لمعنيين، فالإسلام في الشرع عبارة عن الشهادتين مع التصديق بالقلب؛ والإيمان عبارة عن جميع الطاعات.

القرآن كلام الله غير مخلوق:

ص: 304

والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق، كيف قرئ، وكيف كتب، وحيث يُتلى في أي موضع كان، والكتابة هي المكتوب، والقراءة هي المقروء، والتلاوة هي المتلو، وكلام الله قديم غير مخلوق على كل الحالات وفي كل الجهات فهو كلام الله غير مخلوق ولا محدث ولا مفعول، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض. بل هو صفة من صفات ذاته. وهو شيء يخالف جميع الحوادث.

صفة الكلام:

لم يزل ولا يزال متكلماً. (ولا يجوز مفارقته بالعدم لذاته) .وأنه يُسْمَع تارة من الله عز وجل، وتارة من التالي فالذي يسمعه من الله سبحانه من يتولى خطابه بنفسه لا واسطة ولا ترجمان: كنبينا محمد عليه السلام ليلة المعراج لما كلمه. وموسى على جبل الطور. فكذلك سبيل من يتولى خطابه بنفسه من ملائكته، ومن عدا ذلك فإنما يسمع كلام الله القديم على الحقيقة من التالي. وهو حرف مفهوم، وصوت مسموع.

الصفات الثابتة لله تعالى:

ثم الإيمان بأنَّ الله جل ذكره واحد لا يشبهه شيء. ولا نشبه صفاته، ولا نكيفه، ولا يُكيف صفاته وهم، وأن ما وقع في الوهم فالله وراء ذلك.

وأنه حي بحياة. عالم بعلم. قادر بقدرة. سميع بسمع. بصير ببصر. متكلم بكلام. مريد بإرادة. آمر بأمر. ناهي بنهي. ونقرّ بأنه خلق آدم بيده لقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] . وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:64] . وأن له يميناً بقوله: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 6] وإن له وجها بقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن: 27] وأن له قدماً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب فيها قدمه" يعني: جهنم. رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وغيرهم.

ص: 305

وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا بقول رسول الله صلى الله عليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" وهذا لفظ البخاري. وقد روى حديث النزول أحمد ومالك والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني وأئمة المسلمين. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل. ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد"(1) البخاري وغيره ونقر بأن لله نفساً لا كالنفوس بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] . وقوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه:41] . وروى البخاري بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي (بي) ، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي "(2) بأن الله على العرش استوى كذلك نطق به القرآن في سبع سور: في الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، وتنزيل السجدة، والحديد.

ونقر "بأن الرحمن خلق آدم على صورته " رواه أحمد بن حنبل وابن خزيمة وغيرهما.

وروي: "على صورة الرحمن ".

(1) : مسند أبى هريرة (16/211) ح (10313) والبخاري: كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (1/356) ح (1145)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل (1/521) ح (758)، والترمذي: كتاب الدعوات:باب 79 (5/492) ح (498) وأبو داود: كتاب الصلاة: باب أي الليل أفضل (2/76) ح (1315) . وأخرجه مالك في الموطأ (1/214) وابن خزيمة في التوحيد (127) ، والدارقطني في النزول (ص 102) .

(2)

اري: كتاب الجهاد والسير: باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل (2/33) ح (2826)، ومسلم: كتاب الإمارة: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (3/1504) ح (1890) .

ص: 306

رواه الدارقطني وأبو بكر النجاد وأبو عبد الله بن بطة وغيرهم.

ونقرّ بأن لله إصبعاً روى عبد الله قال "جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن. ثم يقول: أنا الملك. أنا الملك "قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه تعجباً مما قال، وتصديقاً له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67](1) هبة الله الطبري والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي، ولفظه: أخبرني المبارك بن عبد الجبار الصيرفي في حلقة والدي رحمه الله بجامع المنصور بإسناده عن عبد الله قال: "جاء يهودي إلى النبي صلى الله وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. قال فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه وقال {وَمَا قَدَرُوا الله حَق قَدْرِهِ} . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفي لفظ آخر قال: "فضحك النبي صلى الله عليه تعجبا وتصديقاً ".

وروى البخاري في صحيحه بإسناده في تفسير سورة (ن) عن أبي سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً ".

(1) لله بن مسعود: الإمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري، البدري حليف بني زهرة، كان من السابقين الأولين. مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة 32هـ عاش ثلاثاً وستين سنة. انظر السير (1/461-500) .

ص: 307

وروى البخاري بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". وروى البخاري بإسناده عن عبد الله قال: "ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور. وأشار بيده إلى عينه. وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية ".

تشبيه الله بخلقه كفر:

فإن اعتقد معتقد في هذه الصفات ونظائرها مما وردت به الآثار الصحيحة التشبيه في الجسم والنوع والشكل والطول- فهو كافر.

تعطيل الصفات مذهب الجهمية:

وإن تأولها على مقتضى اللغة وعلى المجاز فهو جهمي.

منهج أهل السنة في الأسماء والصفات:

وإن أمرها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه.

(الإيمان بالقدر) :

ويجب الإيمان بالقدر: خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله، قضى قضاءه على عباده، وقدر قدره – عليهم لا أحد يعدو منهم مشيئة الله عز وجل ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل من ربنا عز وجل فأراد الطاعة، وشاءها، ورضيها، وأحبها، وأمر بها. ولم يأمر بالمعصية، ولا أحبها ولا رضيها، بل قضى بها، وقدّرها، وشاءها، وأرادها. والمقتول يموت بأجله.

الإيمان بعذاب القبر:

ص: 308

ثم الإيمان بعذاب القبر، وبمنكر ونكير، قال الله تعالى:{فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124] قال أصحاب التفسير: عذاب القبر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كيف بك وملكا القبر فتانان أسودان أزرقان أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف يطئان في أشعارهما ويحفران بأنيابهما بيدهما مرزبة لو ضرب بها (الثقلين) لماتوا "قال عمر رضي الله عنه على أي حالة أنا يومئذ قال: "على حالتك اليوم" قال: إذن أكفيكهما يا رسول الله. وروى البخاري بإسناده عن [أم خالد قالت] : "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر" وقال النبي صلى الله عليه:"لو نجا أحد من ضمة القبر (أو ضغطة القبر) لنجا سعد بن معاذ". ثم من بعد ذلك الإيمان بالصيحة للنشور، بصوت إسرافيل للقيام من القبور، فتلزم القلب أنك ميت ومضغوط في القبر، ومساءل في قبرك ومبعوث من بعد الموت فريضة لازمة. من أنكر ذلك فهو كافر.

الإيمان بالبعث والصراط:

ثم الإيمان بالبعث والصراط. وشعار المؤمنين يومئذٍ: سلّم سلّم. والصراط جاء في الحديث "أنه أحدّ من السيف وأدق من الشعر".

الإيمان بالميزان:

ثم الإيمان بالموازين، كما قال تعالى:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:43] .

وقال عبد الله بن مسعود: "يؤتى بالناس إلى الميزان فيتجادلون عنده أشد الجدال" وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه".

الحوض:

ثم الإيمان بالحوض والشفاعة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن لي حوضاً ما بين أيلة وعدن – يريد أن قدره ما بين أيلة وعدن – أباريقه عدد نجوم السماء " وقال أنس بن مالك "من كذّب بالحوض لم يشرب منه".

الحساب:

ثم الإيمان بالمساءلة. إن الله تعالى (جَلَّ) ذِكْرُه يَسْأل العباد عن كل قليل وكثير في المواقف وعن كل ما اجترموا.

الجنة والنار:

ص: 309

ثم الإيمان بأن الله خلق الجنة والنار قبل إن يخلق الخلق. ونعيم الجنة لا يزول أبداً والحور العين لا يمتن. وعذاب النار فدائم بدوامها، وأهلها فيها مخلدون خالدون، من خرج من الدنيا غير معتقد للتوحيد (ولا متمسك بالسنة) .

(الشفاعة) :

فأما المسيئون الموحدون فإنهم يخرجون منها بالشفاعة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وأطفال المشركين في النار.

نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:

ثم الإيمان بأن محمداً نبينا صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، بعثه إلينا، وإلى الخلق أجمعين، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، فآدم ومن دونه تحت لوائه الشاهد لكل نبي، والشاهد على كل أمة، أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء بالإيمان، والبشارة به، ووصفهِ، وتبيانهِ في كتبهم مع ما اختصه الله به من قبل النبوة وبعدها من الآيات المعجزات الباهرات.

(خصائص القرآن) :

ص: 310

من ذلك كتابه المهيمن على كل كتاب، والمخبر عنها، والشاهد لها، والمصدق بها، لا يشبه الشعر، ولا الرسائل، البائن على كل كلام، بزغ الأسماع والأفهام، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي عجزت الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، كتاب جمع فيه النظم، والإعجاز، والبسط والإيجاز، والفصاحة، والبلاغة، والتحذير، والزجر، والأمر، بكل طاعة، وتكرمة وأدب، والنهي عن كل منكر، وسرف ومعصية، وفعل قبيح مذموم، والتعبد بكل فعل شريف مذكور من طهارة، وصلاة، وصيام،وزكاة، وحج وجهاد وصلة الأرحام، والبذل والعطاء، والصدق والوفاء، والخوف والرجاء، وما يكثر تعداده مما لا يحصى، مع محاجته صلى الله عليه وسلم لقومه حين قالوا:{ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] فأجابهم: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [يونس:15] من ربي.

ثم قال لهم: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يونس:16] يعني أربعين سنة - إني يتيم فقير، لا أكتب، ولا أختلف إلى معلم، ولا ساحر، ولا كاهن، ولا شاعر، أفلا تدبرون ذلك، وتعلمون أن هذه الآية لا يقدر عليها إلا الله.

ص: 311

قال: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن يفعلوا، فيما يستقبلون. فجعل هذه الآية في القرآن في حياته، وبعد وفاته، لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، أو سورة منه على نظمه وتأليفه وصدقه، وصحة معانيه وكبر فوائده وعلومه، ومع عجز الخليقة عن إدارك فهمه وبلوغ نهاية علمه وإخباره صلى الله عليه وسلم في زمن زبر الأولين والآخرين. بقوله:{الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ} [الروم: 1-4]، وبقوله:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] . فأخبر بذلك قبل كونه.

وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] .

الإسراء والمعراج:

وله صلى الله عليه الآية العظمى التي ظهرت له في الأرض والسماء، التي لم يشركه فيها بشر، ولم يبلغ الذي بلغه أحد من النُذُر، التي إذا تدبرها ذو فهم وعقل وبصيرة علم أن الله قد جمع له فيها شرف المنازل والرتب، ما فضله بها على الأولين والآخرين، وهو أنه ركب البراق، وأتى بيت المقدس من ليلته، ثم عرج به إلى السموات، فسلم على الملائكة والأنبياء، وصلى بهم، ودخل الجنة، ورأى النار، وافترض عليه في تلك الليلة الصلوات ورأى ربه، وأدناه، وقربه، وكلمه، وشرّفه، وشاهد الكرامات والدلالات، حتى دنا من ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى. وأن الله وضع يده بين كتفيه فوجد بردها بين ثدييه فعلم علم الأولين والآخرين وقال عز وجل:{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء:60] . وهي رؤيا يقظة لا منام. ثم رجع في ليلته بجسده إلى مكة وأخبر في كتابه أنه يعطيه في الآخرة من الفضل والشرف أكثر مما أعطاه في الدنيا بقوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:5]

ص: 312

وبما له في الآخرة (المقام المحمود) الذي لا يدانيه فيه أحد من الأولين والآخرين. فنقلت من تاريخ ابن أبي خيثمة أبي بكر أحمد في أخبار المكيين بإسناده عن مجاهد في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79] قال: "يجلسه على العرش ".

وروى أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة بإسنادهما عن مجاهد في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79] .

قال "يقعده على العرش"وكذلك روى عبد الله بن أحمد بإسناده عن مجاهد. وقد روى إسحاق بن راهويه عن ابن فضيل عن ليث عن مجاهد في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:79] قال يجلسه معه على العرش وقال ابن عمير: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وسئل عن حديث مجاهد: "يُقعد محمداً على العرش ". فقال: قد تلقته العلماء بالقبول، نسلم هذا الخبر كما جاء".

وقال ابن الحارث: "نعم يقعد محمدا على العرش"وقال عبد الله بن أحمد: "وأنا منكر على كل من رد هذا الحديث". وعن ابن عباس في قوله: {مَقَاماً مَحْمُوداً} قال: "يقعده على العرش ". روى هذه الأخبار شيخنا أبو بكر المروزي وصنف في ذلك كتابا كبيراً. ورواه والدي- رحمه الله – عنه فيما أجازه لنا بإسناده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء79) قال: "يجلسه معه على السرير". وبإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال:"وعدني ربي القعود على العرش".

وبإسناده عن ابن عمر، قال لي عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عما يوعده ربه جل اسمه، فقال:"وعدني المقام المحمود وهو: القعود على العرش"(1) وله الحوض الموعود في اليوم الموعود.

(1) خرجه القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (2/477) رقم (442) .

ص: 313

تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم:

وتوعد من رفع صوته على نبيه بذهاب عمله وبطلانه، فقال عز وجل:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2] وأدبهم في محاورة نبيه صلى الله عليه وسلم وخطابه، فقال:{لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} [النور 63] لا تقولوا: يا أحمد،يا محمد، يا أبا القاسم، أي قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، كما قال عز وجل:{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ} [الفتح:9] فأمرهم بتعظيمه صلى الله عليه وسلم. كما عظمه وشرفه في خطابه على سائر أنبيائه، فقال:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] . وخاطب الأنبياء بأسمائهم: {يَا آدم} {يَا نُوح} ، {يا إبراهيم} ، {يا موسى} ، {يا عيسى} .وقال:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7] .

فأقام أمره ونهيه مقام القرآن ونهيه، وجمع له بين صفتين من صفاته، فقال:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] . ولم يُقسم لأحد بالرسالة إلا له، فقال:{يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس:1-4] . وقال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72] .

ص: 314

وقال في حق إبراهيم: {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء:87] . فأجابه إلى ذلك. وابتدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم من غير سؤال فقال: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8] وقال موسى: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه:25] . فأجابه الله إلى ذلك فقال: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36] . وقال لنبينا: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] وغفر ذنبه مع ستره وغفر ذنب غيره مع ظهوره. فقال:: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ} [طه: 121- 122] وقال في داود: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} [ص:24-25] وقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} إلى قوله {ثُمَّ أنابَ} [ص:34] وقال: {وذا النّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغاضِباً} إلى قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 87، 88] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر} [الفتح: 2] ولم يذكر ذلك الذنب. وقال: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 2-3] ولم يذكر الوزر.

الاعتقاد في الصحابة:

ص: 315

ثم الإيمان بأن خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظمهم منزلة بعد النبيين والمرسلين وأحقهم بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، ثم بعده على هذا الترتيب أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم على هذا النعت والصفة أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونشهد للعشرة بالجنة وهم أصحاب (.....) النبي وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن جراح ثم الترحم على جميع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أولهم وآخرهم وذكر محاسنهم. ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين.

(هجر أهل البدع) :

ويجب هجران أهل البدع والضلال كالمشبهة والمجسمة والأشعرية

والمعتزلة والرافضة والمرجئة والقدرية والجهمية والخوارج والسالمية والكراميّة وبقية الفرق المذمومة.

خاتمة المؤلف:

فهذا اعتقادي وما أدين به لربي، وهو الذي مضى عليه والدي رحمه الله، والحمد لله وصلى على محمد وعلى آله أجمعين.

صورة اللوحة الأولى من المخطوطة

صورة اللوحة الأخيرة من المخطوطة

فهرس المراجع

1 ـ إبطال التأويلات في آيات الصفات: للقاضي أبى يعلى، ط دار إيلاف، الكويت.

2 ـ الأسماء والصفات: للبيهقي. ت: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، ط الأولى،1413هـ (1993م) ، وطبعة دار الفكر.

3 ـ أصول الدين: للبغدادي، ط دار الكتب العلمية، بيروت.

4 ـ بيان تلبيس الجهمية: لابن تيمية، ت: عبد الرحمن اليحيى، رسالة دكتوراه في جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية.

5 ـ البداية والنهاية: لابن كثير، مكتبة المعارف، بيروت.

6 ـ تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة، ط دار الكتب العلمية.

7 ـ تاريخ الأمم والملوك: لأبى جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت.

ص: 316

8 ـ التبصير في أصول الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: للإمام أبى المظفر الإسفراييني، ط عالم الكتب، بيروت.

9 ـ تفسير الطبري: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الطبعة الأولى 1412هـ – 1992م، دار الكتب العلمية، بيروت.

10 ـ تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، طبعة دار الفكر، بيروت، لبنان.

11 ـ تقريب التهذيب: لابن حجر، ط دار الكتب العلمية، بيروت.

12 ـ تيسير الكريم المنان: السعدي ط عالم الكتب.

13 ـ التوحيد: لابن خزيمة، ط دار الرشد وكذا طبعة دار الكتب العلمية.

14 ـ جامع العلوم والحكم: ابن رجب. ط المؤسسة السعدية.

15 ـ الخطط: للمقريزي المسمى المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ط دار صادر، بيروت.

16 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، مطبعة الأنوار المحمدية.

17 ـ ذيل طبقات الحنابلة: لابن رجب. ط دار المعرفة، بيروت.

18 ـ زاد المسير: لابن الجوزي، ط دار الكتب العلمية، بيروت.

19 ـ سير أعلام النبلاء: للذهبي. مؤسسة الرسالة، ط الأولى، 1417 هـ (1996م) .

20 ـ السنة: لابن أبى عاصم مع ظلال الجنة للألباني. المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1413هـ (1993م) .

21 ـ السنن: لابن ماجة أيى عبد الله محمد بن يزيد القزويني،تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العليمة، بيروت.

22 ـ السنن: لأبي داود مع كتاب معالم السنن للخطابي، دار الحديث، الطبعة الأولى، 1388هـ- 1969م، تعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد.

23 ـ السنن: للترمذي: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق أحمد شاكر، المكتبة الإسلامية.

24 ـ شذرات الذهب: لابن العماد. ت: محمد الأرناؤوط، دار ابن كثير، ط الأولى، 1406هـ (1986م) وكذا طبعة دار المسيرة بيروت.

25 ـ شرح صحيح مسلم: النووي. المطبعة المصرية، القاهرة.

26 ـ شرح العقيدة الطحاوية. ابن أبى العز. ط دار البيإن، وط المكتب الإسلامي.

ص: 317

27 ـ الشريعة: للآجري، ط دار الوطن.

28 ـ صحيح البخاري: ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية ط الأولى، 1400 هـ.

29 ـ صحيح مسلم: ترقيم: محمد فؤاد الباقي، دار الكتب العليمة، ط 143هـ (1992م) وكذا طبعة دار إحياء التراث.

30 ـ العبر: للذهبي، ط بيروت.

31 ـ الفرق بين الفرق: للبغدادي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد: ط محمد علي صبيح وأولاده، مصر.

32 ـ الفصل في الملل والنحل: لأبى محمد بن حزم، ط دار المعرفة، بيروت.

33 ـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام: لابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط مؤسسة الرسالة، بيروت.

34 ـ مسند الأمام أحمد: ترقيم: محمد عبد الإسلام عبد الشافي، دار الكتب العليمة، بيروت، الطبعة الأولى، 1413 هـ – 1993م.

35 ـ مسند الإمام أحمد: لأحمد بن محمد بن حنبل، ت: أحمد شاكر وترقيمه، دار المعارف بمصر، 1392 هـ – 1972م.

36 ـ المعجم الكبير: لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مطبعة الزهراء الحديثة.

37 ـ المعجم الفلسفي: مجمع اللغة العربية، مصر، المطابع الأميرية.

38 ـ مقالات الإسلاميين: للأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط مكتبة النهضة العربية.

39 ـ الملل والنحل: للشهر ستاني، تعليق: محمد سيد كيلاني، ط دار المعرفة، بيروت وطبعة دار المعرفة، بيروت.

40 ـ الموسوعة العربية الميسرة: ط بيروت.

ص: 318

تابع لكتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

فصل

قال الله تعالى: {يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطيعُوا الَّرسُولَ وَأُوِلى الأَمرِ مِنكُمْ} (1) الآية.

وقال ابن عباس: "نزلت في عبد الله بن حذافة إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية. وروي عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرّ أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً.

يكره الغزو بغير إذن الإمام أو الأمير من قبله، لأن الإمام والأمير أعرف بأمر الغزو ومصالحه من غيره.

فلو غزا قوم دون إذنه جاز، لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس وذلك جائز في الجهاد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو ابن أمية الضمري ورجلاً من الأنصار سرية وحدها. وبعث عبد الله ابن أنيس سرية وحده.

وإذا بعث الإمام سرية يؤمر عليهم أميراً ويأمرهم بطاعته ويوصيه في حقهم روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص (2) الأمير فقد عصاني "(3) .

وعلى الإمام أن يبدأ بقتال من يليه من الكفار لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يلوُنَكُم مِنَ الكُفَارِ} (4) .

ولأنهم أهدى إلى عورات المسلمين، والمؤنة في قتالهم أخف فإن كان الخوف من الأبعد أكثر بدأ بقتالهم ويوادع من يليه حتى يأمن شرهم في الغيبة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وادع يهود المدينة وغزا قريشاً.

(1) سورة النساء آية (59) .

(2)

في أ: (ومن يعصى) .

(3)

متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به 4/60، صحيح مسلم: كتاب الامارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية 3/1466.

(4)

سورة التوبة آية (123) .

ص: 319

ولا يجوز استئجار المسلم على الغزو لأنه إذا حضر الوقعة يفترض عليه الجهاد، ولا يجوز أخذ الأجرة على أداء الفرض.

كما لا يجوز استئجار الصرورة على الحج لأن الحج فرض عليه. وإذا أخذ الأجرة عليه رده.

أما إذا جهز غازياً بأن أعطاه مركوبه وسلاحه أو الإمام دفع من بيت المال فحسن.

روي عن زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا "(1) . وما يأخذه المرتزقة من مال الفيء فهو حقهم ليس بأجرة: ويجوز للإمام استئجار الذمي للجهاد.

ولا يجوز ذلك لغير الإمام بغير إذنه، وتكون أجرته من خُمس الخمس سهم المصالح.

وهل يجوز استئجار العبد المسلم على الغزو للإمام أو لغيره فيه وجهان:

أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يفترض عليه بحضور الوقعة.

والثاني: لا يجوز لأنه قد يفترض عليه في الجملة عند استيلاء الكفار على بلاد الإسلام.

ولو أكره الإمام جماعة من المسلمين على الغزو، فإن تعين عليهم لجهاد فلا أجرة لهم، وإن لم يتعين عليهم فعلى الإمام أجرتهم من حين أخرجهم إلى حضور الوقعة، ولا يجب لما بعده أجرة (2) .

ولو أكره جماعة من أهل الذمة عليه أجرتهم من حين أخرجهم إلى حضور الوقعة إلى يوم خلاهم ولا تجب أجرة الرجوع.

ولو أكره جماعة من العبيد عليه أجرتهم من يوم أخرجهم إلى أن يعودوا إلى الموالي؛ لأن منفعة العبد تضمن باليد.

ويجوز للإمام أن يأذن للمشرك في الغزو إذا رآه حسن الرأي في المسلمين وأن يستعين بهم على قتال المشركين إذا كان بالمسلمين قوة إذا انضم بعضهم إلى بعض قاومهم المسلمون.

(1) متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب فضل من جهز غازياً أو خلفه بخير 4/32، صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير 3/1507.

(2)

حكى هذا القول النووي عن البغوي. انظر: روضة الطالبين 10/241.

ص: 320

فإن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر (1) ، وشهد معه صفوان حرب حنين وهو مشرك.

فإن لم يعرف منه حسن الرأي لا يستعين به.

روت عائشة - رضى الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين قال: "تؤمن بالله ورسوله" قال: لا، قال:" فارجع فلن أستعين بمشرك"(2) .

ويمنع الإمام من الخروج من كان من أهل النفاق ومن يخذل الجيش ويرجف بهم ويكاتب الكفار ويتجسس لهم.

قال الله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (3) إلى أن قال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّازَادُوكُمْ إلَاّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلَالكُمْ يبغُونَكُمُ الْفِتَنَة} (4) . ويجوز أن يأذن للنساء في الخروج.

روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه فيسقين الماء ويداوين الجرحى.

وقالت أم عطية غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى.

ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان لأن فيهم معونة. ولا يأذن لمجنون؛ لأنه يعرضه للهلاك من غير منفعة، ويتعاهد الخيل عند الخروج حتى لا يخرج إلا فرساً قوياً صالحاً للقتال.

ويأخذ البيعة على الجيش أن لا يفروا.

(1) قال ابن حجر: "رواه أبو داود في المراسيل، والترمذي عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم، والزهري مراسيله ضعيفة، ورواه الشافعي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس". قال البيهقي: "لم أجده إلا من طريق الحسن ابن عماره وهو ضعيف". انظر: المراسيل 157، السنن الكبرى: كتاب السير - باب ماجاء في الاستعانة بالمشركين 9/37، تلخيص الحبير 4/100.

(2)

انظر: صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر 3/1449.

(3)

سورة التوبة آية 43.

(4)

سورة التوبة آية 47.

ص: 321

لما روي عن جابر قال: "كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه تحت الشجرة على أن لا نفر".

وينبغي أن يبعث الطلائع ومن يتجسس (1) أخبار الكفار.

لما روي عن جابر قال: قال رسول الله يوم الخندق من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، فقال: إن لكل نبي حواريّ (2) ، وحواريّي الزبير (3) .

ويستحب أن يخرج يوم الخميس.

لما روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك وقال: "قلّما كان رسول الله يخرج في سفر إلا يوم الخميس. وقال وقلّما يقدم من سفر إلا ضحى وكان يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين.

وروي عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لأمتي في بكورها"، وكان إذا بعث سرية أو جيشاً بعثهم من أول النهار.

ويستحب أن يعقد الرايات، ويجعل تحت كل راية طائفة، ويجعل لكل قوم شعاراً حتى لايقتل بعضهم بعضاً في البيات.

(1) التجسس بالجيم: طلب الأخبار والبحث عنها، وكذلك تحسس الخبر بالحاء وفرق قوم بينهما. انظر: النظم المستعذب 2/231.

(2)

حواري: قيل: معناه أنه مخصص من أصحابي، ومفضل من الخبز الحواري وهو أفضل الخبز وأرفعه، وحواريو عيسى هم المفضلون عنده وخاصته. انظر النظم المستعذب 2/231.

(3)

رواه البخاري ومسلم. انظر: صحيح البخاري: فضائل أصحاب النبي باب مناقب الزبير 5/27، صحيح مسلم: كتاب فضائل طلحة والزبير 4/1879.

ص: 322

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بيتكم العدو فليكن شعاركم حم لا ينصرون"(1)(2) .

وعن سمرة بن جندب قال: كان شعار المهاجرين عبد الله وشعار الأنصار عبد الرحمن.

(1) قال الخطابي: "بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سال أبا العباس أحمد بن يحيي عنه فقال: معناه الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء لكان مجزوماً أي لا ينصروا، وإنما هو إخبار كأنه قال: والله لا ينصرون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: حم اسم من أسماء الله جل جلاله، فكأنه حلف بالله أنهم لا ينصرون". وقال ابن الأثير قيل معناه: "اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر لا الدعاء لأنه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوماً فكأنه قال: والله لا ينصرون. وقيل: إن السور التي أولها حم سور لها شأن، فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله، وقوله لا ينصرون: كلام مستأنف، كأنه حين قال: قولوا حم قيل: ماذا يكون إذا قلنا؟ قال: لا ينصرون". انظر: معالم السنن 2/258، النهاية 1/446.

(2)

رواه الحاكم عن البراء، ورواه - أيضاً - من حديث المهلب بن أبي صفرة وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إلا أن فيه إرسالاً، فإنّ الرجل الذي لم يسمه المهلب بن أبي صفرة البراء بن عازب ورواه أحمد وأبو داود". انظر: مسند أحمد 4/65، 5/377، سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في الرجل ينادي بالشعار 3/33، سنن الترمذي: أبواب الجهاد - باب ما جاء في الشعار 3/115، المستدرك - كتاب الجهاد - دعاء الغازي عند بيتوته 1/107.

ص: 323

وقال سلمة بن الأكوع (1) : غزونا مع أبي بكر رضي الله عنه زمن النبي صلى الله عليه وسلم (2) فبيتناهم نقتلهم فكان شعارنا تلك الليلة أمت أمت.

ويستحب أن يدخل دار الحرب بتعبية الحرب ليكون أحوط وأبلغ فيإرهاب العدو.

روي عن ابن عباس في قصة الفتح قال: أسلم أبو سفيان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: "احبس أبا سفيان على الوادي حتى تمر به جنود الله" فحبسه ومرت القبائل على راياتها حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتيبة الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا ترى منهم إلا الحدق من الحديد.

وعن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيده على البياذقة وبطن الوادي (3) .

وإذا كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم إلى الإسلام لأنه لا يلزمهم الإسلام قبل بلوغ الخبر إليهم. قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِبِين حَتَّى نَبْعثَ رَسُولاً} (4) .

(1) سلمة بن عمرو بن الأكوع أبو عامر، واسم الأكوع سنان بن عبد الله، وهو من أهل بيعة الرضوان، كان من أشد الناس بأساً، وأشجعهم قلباً، وأقواهم راجلاً. أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات قرد سهم الراجل والفارس معاً، توفي سنة 74 هـ. انظر: البداية والنهاية 9/6، جمهرة أنساب العرب 240، سير أعلام النبلاء 3/326، مشاهير علماء الأمصار 20، المعرفة والتاريخ 1/336، الوافي بالوفيات 15/321.

(2)

زمن النبي صلى الله عليه وسلم ساقطة من د.

(3)

انظر: صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة 3/1407.

(4)

سورة الإسراء آية (15) .

ص: 324

وإن بلغتهم الدعوة فالمستحب أن يعرض عليهم الإسلام. لما روي عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لعلي: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم"(1)(2) .

ولو قاتلهم من غير أن يعرض عليهم الإسلام جاز لأنهم علموه.

روي عن نافع قال: أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون (3) .

ثم إن كان من الكفار الذين لا يجوز إقرارهم بالجزية قاتلهم حتى يسلموا لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"(4) .

وإن كانوا ممن يجوز إقرارهم بالجزية قاتلهم حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالَيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله: {حَتّى يُعْطُوا الجِزْيةَ عَنْ يدِِ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (5) .

(1) حمر النعم: أي كرائمها وهو مثل في كل نفيس. انظر – ح م ر- المصباح المنير 151.

(2)

متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة 4/58، صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل على 4/1872.

(3)

رواه مسلم وأبو داود. انظر: صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير- باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة 3/356، سنن أبي داود- كتاب الجهاد -باب في دعاء المشركين 3/42.

(4)

متفق عليه. انظر: صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم 1/12، صحيح مسلم: كتاب الايمان - باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله 1/53.

(5)

سورة التوبة آية (29) .

ص: 325

وروي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية قال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"(1) ، ويستحب أن يستنصر بالضعفاء.

لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"(2) .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بصعاليك المهاجرين ويستحب أن يدعو عند لقاء العدو.

(1) رواه مسلم، والدارمي وأبو داود، وابن ماجه والبيهقي، وابن الجارود. انظر: صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث وتوصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها 3/1357، سنن الدارمي - كتاب السير- باب في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال 2/216، سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في دعاء المشركين 2/37،سنن ابن ماجة: كتاب الجهاد - باب وصية الإمام 2/953، السنن الكبرى، كتاب الجزية - باب من يؤخذ منه الجزية من أهل الكتاب9/184، المنتقى 347.

(2)

انظر: صحيح البخاري: كتاب السير والجهاد - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب 4/44.

ص: 326

لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب على المشركين فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم"(1) وفي رواية: "وانصرنا عليهم"(2) .

وروي عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم"(3) والله أعلم.

(1) متفق عليه. انظر: صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الدعاء على المشركين 4/152، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير-باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو 3/1363.

(2)

رواه البخاري ومسلم وأبو داود. انظر: صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب كاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس 3/62، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب كراهة تمني لقاء العدو 3/1363، سنن أبي داود - كتاب الجهاد، باب كراهة تمني لقاء العدو 3/42.

(3)

رواه احمد، وأبو داود، والحديث صحيح حيث ذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود. انظر: مسند أحمد 4/414، سنن أبي داود: كتاب الصلاة -باب مايقول إذا خاف قوما 2/89’صحيح سنن أبي داود 1/421.

ص: 327

تابع لكتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

باب جامع السير

قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ اَلمؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِانّ لَهُمُ الَجّنةَ} (1) الآية.

وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك"(2) .

قال الله تعالى: {وَفَضَّلَ اللهُ المجُاهِدينَ عَلَى القَاعِدِينَ أجْراً عَظِيماً} (3) .

وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض"(4) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله"(5) .

وينبغي أن تكون نيته في الجهاد إعلاء كلمة الله وإظهار دينه.

(1) سورة التوبة آية (111) .

(2)

رواه البخاري، ومسلم، ومالك، والنسائي. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير- باب من يخرج في سبيل الله 422، صحيح مسلم: كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله 31496، الموطأ: كتاب الجهاد - باب الشهداء في سبيل الله 2461، سنن النسائي كتاب الجهاد - باب من كلم في سبيل الله 628.

(3)

سورة النساء آية (95) .

(4)

انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير- باب درجات المجاهدين 419.

(5)

رواه مسلم، وأحمد. انظر: صحيح مسلم: كتاب الإمارة - باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى 31498، مسند أحمد 2424.

ص: 328

روي عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"(1) ويجب أن يصبر على القتال.

لقوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاَثْبِتُوا واذْكُرُوا اللَهَ كَثِيرًا لَعَلّكُم تُفْلِحُونَ} (2)(3) إلى قوله: {واصْبِروا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِريِنَ} (4) .

والصبر سبب للنصر، والظفر والأجر، قال الله تعالى:{فَإِنَ يَكُنْ مِنْكُم مِائَةُُ صَابِرةُُ يَغْلبُوا مِائَتَين} (5) .

وروي عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس قال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "(6) .

ويجب أن يقاتل المشركين حتى يسلموا ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فإن لم يفعلوا حل قتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتغنم أموالهم.

(1) أخرجه البخاري ومسلم، والنسائي. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير- باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 424، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله 31512، سنن النسائي: كتاب الجهاد - من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا 623.

(2)

لعلكم تفلحون) ساقطة من أ.

(3)

سورة الأنفال آية (45) .

(4)

سورة الأنفال آية (46) .

(5)

سورة الأنقال آية (66) .

(6)

رواه البخاري ومسلم. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس 462، وباب لا تمنوا لقاء العدو 477، صحيح مسلم: - كتاب الجهاد والسير - باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء 31362.

ص: 329

ولا يجوز قتل نسائهم وصبيانهم إذا لم يقاتلوا.

لما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان.

فمن وقع في الأسر من نسائهم وصبيانهم صار رقيقاً وكان حكمه حكم سائر أموال الغنيمة خمسه لأهل الخمس وأربعة أخماسه للغانمين، وكذلك حكم عبيدهم إذا وقعوا في الأسر.

أما الرجال الأحرار العاقلون البالغون إذا وقعوا في الأسر فالإمام فيهم بالخيار بين أن يقتلهم صبراً، وبين أن يمن عليهم فيخلي سبيلهم وبين أن يفاديهم ويكون مال الفدية في الغنيمة وبين أن يسترقهم فيقسمهم كسائر أموال الغنيمة ويختار منها ما هو أنفع للمسلمين.

وهل يحل قتل شيوخهم الذين لا قتال منهم نظر إن كان شيخاً له رأي في الحرب جاز قتله.

قتل دريد بن الصمة يوم حنين وهو ابن خمس ومائة سنة وكان شيخاً لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر قتله وإن لم يكن له رأي هل يجوز قتله؟ فيه قولان.

وكذلك العسفاء الذين لا يقاتلون والرهبان وأصحاب الصوامع والعميان والزمنى الذين لا يرجى زوال زمانتهم هل يجوز قتلهم؟ فيه قولان:

أحدهما: وهو اختيار المزني رحمه الله: لا يتركون ويقتلون؛ لأنه كافر حر مكلف كالشبان.

والثاني: وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: "لا يقتلون لأنهم لا يقاتلون كالنساء والصبيان".

روي أن أبا بكر بعث جيشاً إلى الشام فنهاهم عن قتل الشيوخ وأصحاب الصوامع.

ومن قال بالأول أجاب بأنه إنما نهي عن قتلهم؛ ليشتغلوا بالأهم وهم المقاتلة. كما أنه نهى عن قطع الأشجار المثمرة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير (1) .

ولكن نهي عنه؛ ليشتغلوا بالأهم ولأنه كان يرجو إبقاء نفعها للمسلمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان وعدهم فتح الشام.

(1) متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب حرق الدور والنخيل 476، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها 31365.

ص: 330

فإن قلنا: يقتلون جاز استرقاقهم وسبي ذراريهم ونسائهم وأموالهم وإن قلنا لا يقتلون لا يجوز استرقاقهم وسبي نسائهم وأولادهم واغتنام أموالهم.

وقيل: في سبي زوجاتهم وجهان كسبي زوجة المسلم إذا كانت حربية.

وإذا ترهبت المرأة هل يجوز استرقاقها؟ فيه قولان بناء على قتل الرجل الراهب. ويتوقى في القتال قتل قريبه الكافر.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم كف أبا حذيفة بن عتبة يوم بدر عن قتل أبيه (1) وكف أبا بكر يوم أحد عن قتل ابنه عبد الرحمن (2) .

فلو سمع أباه أو قريبه يذكر الله أو رسوله بسوء لم يكره أن يقتله (3) .

فإن أبا عبيده بن الجراح قتل أباه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم (4) كان يسبك فلم ينكر عليه.

فصل

قال الله تعالى: {يَا أيُهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلَا تُولّوهم الأَدْبَارَ} (5) الآية.

(1) رواه الحاكم. انظر: المستدرك: كتاب معرفة الصحابة – ذكر مناقب أبي حذيفة 323.

انظر: الأعلام 4200.

(2)

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق شقيق عائشة، حضر بدراً مع المشركين ثم أسلم وهاجر قبل الفتح، كان من الرماة المذكورين والشجعان توفي سنة 53هـ. انظر: تهذيب التهذيب 6146، سير أعلام النبلاء 2471، شذرات الذهب 159، طبقات خليفة 18، المعارف 174، المعرفة والتاريخ 1285، العبر 141.

(3)

في د، أ:(لم يكره وله أن يقتله) .

(4)

صلى الله عليه وسلم ساقطة من د، ظ.

(5)

سورة الأنفال آية (15) .

ص: 331

إذا التقى الصفان وكان بمقابلة كل مسلم مشركان فأقل لا يجوز لأحد من المسلمين أن يولي ظهره فراراً، فمن فعل فقد باء بغضب من الله إلا أن يولي متحرفاً لقتال: وهو أن يكمن في موضع واحد ليكر عليهم، أو كان القتال في مضيق فيولي دبره ليتبعه العدو إلى موضع واسع فيسهل عليه القتال، أو متحيزاً إلى فئة: وهو أن يذهب إلى طائفة من المسلمين قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة (1) ليستنجده فلا يأثم إذا كان قصده هذا.

وكان في ابتداء الإسلام إذا كان في مقابلة كل مسلم عشرة ما كان يجوز الفرار كما قال الله تعالى: {إِن يَكُن مِنّكُمْ عِشْرُونَ صَابِرونَ يَغِلبُوا مِائَتَيْن} (2) .

ثم خفف الله تعالى فأوجب على كل مسلم مصابرة اثنين (3) .

فقال: {الآنَ خَفّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنّ فِيكُمْ ضَعْفاً فإن يَكُن مِنْكُم مِائَةٌ صَابِرةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن} (4) .

وقال ابن عباس: " من فرّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ "(5) .

وإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا لهم هلكوا وجهان:

أحدهما: لهم أن يولوا ظهورهم لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأيْديكُمْ إِلَى الّتْهلُكةِ} (6) .

والثاني: وهو الصحيح ليس لهم أن يولوا، لقوله تعالى:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (7) ؛ ولأن المجاهد إنما يجاهد لِيَقْتُلَ وَيُقْتَلَ.

(1) في التحيز إلى طائفة بعيدة فيه وجهان أصحهما الجواز. انظر: روضة الطالبين 10247، مغني المحتاج 4225.

(2)

سورة الأنفال آية (65) .

(3)

انظر: النكت والعيون 289، زاد المسير 3378.

(4)

سورة الأنفال آية (66) .

(5)

رواه البيهقى عن ابن عباس بلفظ: "إن فر رجل من اثنين فقد فر وإن فر من ثلاثة لم يفر". انظر: السنن الكبرى: كتاب السير - باب تحريم الفرار من الزحف وصبر الواحد مع الاثنين 976.

(6)

سورة البقرة آية (195) .

(7)

سورة الأنفال آية (45) .

ص: 332

فأما إذا كان بمقابلة كل مسلم أكثر من مشركين فيجوز أن يولي ظهره فراراً (1) .

روي أن خالد بن الوليد ردّ الجيش من حرب مؤتة لكثرة العدو، فقال: الناس هم الفرارون فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل هم الكرارون.

ثم إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون فالأفضل أن يثبتوا، وإن غلب على ظنهم أنهم يهلكون ففيه وجهان:

أحدهما: يلزمهم أن ينصرفوا لقوله تعالى: {وَلا تُلّقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى الَتّهلُكَةِ} (2) .

والثاني: يستحب أن ينصرفوا ولا يلزمهم، لأنهم إن قتلوا فازوا بالشهادة.

وإن كان بمقابلة كل مسلم أقل من مشركين ولكنه مريض أولم يكن له سلاح فله أن يولي ظهره، وكذلك لو مات فرسه، ولا يمكنه أن يقاتل راجلاً له أن يرجع لأنه لا يجوز أن يستسلم للقتل.

ولو لقي رجل من المسلمين رجلين من المشركين في غير الحرب فإن طلباه ولم يطلبهما فله أن يولي عنهما، لأنه غير متأهب للقتال وإن طلبهما ولم يطلباه فيه وجهان:

أحدهما: له أن يولي لأن فرض الجهاد في الجماعة.

والثاني لا يجوز أن يولي؛ لأنه مجاهد كما لو كان مع الجماعة، وإن كان الكفار في حصن جاز للإمام نصب المنجنيق عليهم، ويجوز أن يفعل أينما كانوا ما يعممهم بالهلاك من التحريق والتغريق. وإن كان فيهم نساؤهم وذراريهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق وأمر بالبيات (3) والتحريق ونصب المنجنيق على أهل الطائف.

(1) انظر: منهاج الطالبين 126.

(2)

سورة البقرة آية (195) .

(3)

قال ابن حجر: حديث أنه أمر بالبيات، هذا الأمر لا أعرفه وإنما اتفقا في الصحيحين على حديث الصعب بن جثامة.. قال البيهقي هذا ما ورد في إباحة التبييت. انظر: تلخيص الحبير 4104، سيأتي تخريج حديث الصعب بن جثامة ص 70.

ص: 333

روي عن الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: " وهم منهم "(1) .

وإن كان فيهم مسلمون مستأمنون أو أسارى فهل يجوز أن يفعل لهم ما يعممهم بالهلاك من التحريق والتغريق ونصب المنجنيق؟ نظر:

إن كان في حالة التحام القتال أو الخوف على المسلمين أن يظفر بهم الكفار يجوز، لأن حفظ المجاهدين أولى من حفظ من بأيديهم وإن لم يكن ذلك، أو كانوا في حصن فهل يجوز أن يفعل بهم ذلك؟ فيه قولان:

أحدهما: يجوز حتى لا يؤدي إلى تعطيل الجهاد كما لو كان فيهم نساؤهم وذراريهم.

والثاني: لا يجوز لأنه لا ضرورة إليه بخلاف الذراري والنساء فإنهم منهم.

وإن تترسوا بأطفالهم ونسائهم. فإن كان في حال التحام القتال جاز الرمي ويتوقى الأطفال والنساء ما أمكنه، لأنا لو تركنا رميهم بمثل ذلك لتعطل أمر الجهاد وإن كان في غير حال الحرب ففيه قولان:

أحدهما: يجوز الرمي حتى لا يتعطل الجهاد ويتوقى الأطفال والنساء.

والثاني: لا يجوز الرمي، لأنه يؤدي إلى قتل أطفالهم ونسائهم من غير ضرورة.

وإن تترسوا بمسلم نظر:

إن لم يكن في حال التحام القتال لا يجوز أن يضربه، فإن ضربه وقتله فهو كما لو قتل رجلاً في دار الحرب إن علمه مسلماً عليه القود، وإن ظنه كافراً فلا قود عليه وتجب الكفارة، وفي الدية قولان. فإن كان في حال التحام القتال والاضطرار إلى الرمي بالخوف على نفسه وهو يعلم أنه مسلم فيرمي الكافر ويتوقى المسلم، فإن توصل إلى إصابة الكافر من غير أن يصيب المسلم فأصاب المسلم وجب عليه القود.

(1) متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد - باب أهل الدار يبيتون 474، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد 31364.

ص: 334

وإن لم يتوصل إلى ضرب الكافر إلا بضرب المسلم لا يجوز ضربه، فإن ضربه قيل في وجوب القود قولان؛ كالمكره، وقيل: يجب قولاً واحداً، لأنه ليس ههنا من نحيل الحكم عليه غيره.

ولو قصد الكافر فأصاب المسلم فهو خطأ فلا قود عليه وعليه الدية والكفارة. وإن لم يعلم أنه مسلم فإن قصده فلا قود، وعليه الكفارة وفي الدية قولان.

وإن قصد الكافر فأصابه فلا دية، وتجب الكفارة، وإن تترسوا بذمي أو مستأمن أو عبد لا يجوز الضرب كما ذكرنا.

فإن ضرب وقتله فكل موضع أوجبنا في المسلم القود أو الدية فيجب في الذمي والمستأمن الدية، وفي العبد القيمة وإلا فالكفارة (1) .

ولو تترس الكافر بترس مسلم أو ركب فرسه فرمى إليه واحد من المسلمين فأتلفه.

فإن كان في غير حال التحام القتال يجب عليه الضمان، وإن كان في حال التحام القتال، فإن أمكنه أن لا يصيب الترس والفرس فأصابه ضمن، وإن لم يمكنه إلا به فإن جعلناه كالمكره لم يضمن؛ لأن المكره في المال يكون طريقاً في الضمان، وههنا لا ضمان على الحربي حتى يجعل

المسلم طريقاً.

وإن جعلناه مختاراً ضمن.

وإن قاتلونا على خيلهم ولم نجد سبيلاً إلى قتلهم إلا بعقرها جاز عقرها؛ لأنها أداة لهم على قتالنا.

لما روي أن حنظلة ابن الراهب عقر بأبي سفيان فرسه فسقط عنه فجلس على صدره ليذبحه فجاء ابن شعوب فقتل حنظلة واستنقذ أبا سفيان ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم فعل حنظلة.

ولو غنم المسلمون أموال المشركين وتولوا فتبعهم الكفار وأدركوهم فخاف المسلمون أن يغلبوا عليهم فيأخذوا الأموال، أو كانت الأموال للمسلمين فخافوا أن يأخذوها نظر:

إن لم يكن المال حيواناً جاز للمسلمين إتلافها وتحريقها حتى لا يتقوى بها الكفار على المسلمين.

(1) أنظر: كتاب السير من الحاوي 924، البيان 8ل10ب، المهذب 2235.

ص: 335

وإن كان المال حيواناً لم يكن لهم عقره إلا أن يكون مأكولاً فيذبحوه للأكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله (1) .

وعند أبي حنيفة يجوز عقره.

فإن دعت إليه الضرورة بأن كان المال خيلاً والكفار لا خيل لهم وخافوا أن يأخذها الكفار ويقاتلوهم عليها جاز لهم قتلها، ولو أدركونا وفي أيدينا نساؤهم وصبيانهم، لا يجوز قتلهم وإن خفنا أن يستردوهم.

وإن احتاج المسلمون إلى تخريب ديار الكفار وقطع أشجارهم ليظفروا بهم جاز لهم أن يفعلوا ذلك؛ لما روي عن ابن عمر أن رسول الله قطع نخل بني النضير وحرق.

وفي ذلك نزلت: {مَا قَطَعْتُم مِن لِِيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللهِ} وهل لهم أن يفعلوا ذلك لغير حاجة؟ نظر:

إن لم يغلب على ظن المسلمين أنهم يملكوها جاز.

وإن غلب على الظن أنهم يملكوها فالأولى أن لا يفعلوا.

وهل يجوز؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز، لأن أبا بكر رضي الله عنه نهى عن ذلك. ولأنها تصير غنيمة للمسلمين فلا يجوز إتلافها.

والثاني: يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.

(1) قال ابن حجر: "حديث أن النبي نهى عن ذبح الشاة إلا لمأكله، لم أجده لكن في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث رجلاً إلى الشام وفيه "ولا تعقرن شاة ولا بقرة إلا لمأكله.."انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2120 الموطأ: كتاب الجهاد - النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو 2448.

ص: 336

تابع لكتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

فصل

في الأمان

روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ".

يجوز عقد الأمان للكفار وهو قسمان خاص وعام.

فالأمان العام هو أن يعقد الإمام لأهل الشرك بأسرهم في جميع الأقاليم فلا يجوز ذلك إلا للإمام الأعظم إذا رأى المصلحة فيه، ولو بعث الإمام خليفة على إقليم مثل خراسان والشام ونحو ذلك فيجوز له عقد الأمان لمن يليه من الكفار من أهل ذلك الإقليم وأهل تلك الناحية دون جميعهم وكذلك عقد الذمة.

والأمان الخاص هو أن يؤمن شخصاً أو شخصين أو عشرة فيصح ذلك من كل مسلم مكلف رجلاً كان أو امرأة حراً أو عبدا سواء كان العبد مأذوناً في القتال أو لم يكن.

روي عن أم هاني قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أمنا من أمنت".

وقال أبو حنيفة: "إن كان العبد مأذوناً في القتال يصح أمانه وإلا فلا.

والحديث حجة عليه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويسعى بذمتهم أدناهم" ولا يصح أمان الصبي والمجنون، لأنه لا حكم لقولهما وإن كان الصبي مراهقاً.

ولا يصح أمان الكافر؛ لأنه متهم فيه إذ ليس من أهل النظر للمسلمين.

ولو أمن عبد مسلم وسيده كافر يجوز. ويجوز أمان المحجور عليه بالسلفة.

وإن كان المسلم أسيراً في أيدي الكفار هل يصح أمانه؟ فيه وجهان:

أحدهما: يصح لأنه مسلم مكلف.

والثاني: وهو الأصح لا يصح أمانه في حق المسلمين.

وبه قال أبو حنيفة، لأنه مقهور في أيديهم فلا يكون أمانه على النظر للمسلمين.

ولأن قضية الأمان أن يكون المؤمن آمناً والأسير في أيدي الكفار لا يكون آمناً.

فعلى هذا هل يكون ذلك أماناً بينه وبينهم حتى لا يجوز له أن يخونهم؟ فيه وجهان:

أحدهما: بلى كما لو دخل عليهم تاجراً مستأمناً.

ص: 337

والثاني: لا، لأنه لم يصر آمناً منهم بالتخلية، فإذا لم يأمن هو منهم لم يكونوا آمنين منه بخلاف التاجر.

وكذلك لو دخل مسلم دار الحرب مستأمناً فأمن واحداً منهم لا يصح أمانه في حق كافة المسلمين ويكون أماناً بينه وبينهم حتى لا يجوز أن يغتالهم لأنه في أمان منهم.

ولو أسر الإمام قوماً فأمن واحد من المسلمين أسيرا منهم لا يصح أمانه لأنه يبطل ما ثبت للإمام منهم من الخيار بين المن والاسترقاق والفداء فإن قال كنت أمّنته قبل الأسر لا يقبل قوله لأنه لا يملك الأمان في هذه الحالة فلا يقبل إقراره.

ويصح الأمان بالقول وهو أن يقول أمّنتك أو أجرتك أو أنت آمن، أو مجار، أو لا بأس أو لا خوف عليك، أو لا تخف.

قال أنس لعمر رضي الله عنهما في قصة هرمزان: "ليس لك إلى قتله سبيل"قلت له: "تكلم لا بأس، فأمسك عمر".

وقال ابن مسعود: "إن الله تعالى يعلم كل لسان فمن أتى منكم أعجمياً فقال: مترس فقد أمنه".

ويجوز بالإشارة، قال عمر رضي الله عنه:"والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بإصبعه إلى مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته".

ويجوز الأمان بالكتابة والرسالة سواء كان الرسول مسلماً أو كافراً، حراً أو عبداً.

روي عن فضيل بن زيد الرقاشي قال: "جهز عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشاً كنت منهم فحضرنا قرية من قرى رامهرمز فكتب عبد منا أماناً في صحيفة وشدّها مع سهم ورمى به إلى اليهودية فخرجوا بأمانه إلى عمر فقال العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم".

ولو دخل رجل مشرك إلينا بأمان صبي أو مجنون. فإن عرف بأن أمانه لا يصح حل قتله واسترقاقه. وإن قال ظننته عاقلاً بالغاً، أو علمته صبياً، وظننت أن أمان الصبي جائز يقبل قوله، ولا يحل قتله ولا استرقاقه ويبلغ المأمن. وكذلك لو أشار إليه مسلم بالنزول، فقال المسلم لم أرد به لأمان قبل قوله إذا قال الكافر ظننت أنه أمان يقبل منه ويبلغ المأمن.

ص: 338

فإذا أمن مسلم كافراً يشترط علم المؤمن وقبوله. وقبوله أن يقول قبلت أو يسكت إذا بلغه الخبر. وإن كان في حال القتال يترك القتال، وإن رد لا يصح أمانه فإن ثابت بن قيس بن الشماس أمّن الزبير بن باطا يوم قريظة فلم يقبله فقتله.

وإن قبل الأمان فهو من جهة المسلم لا يجوزله نبذه إلا بعذر وهو جائز من جهة الكافر متى شاء نبذه. وإذا جاء واحد من دار الكفر رسولاً إلى الإمام فهو في أمان لا يجوز قتله.

روي عن نعيم بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة: "أما والله لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما".

ولو أمن رجل امرأة كافرة حتى لا تسترق هل يجوز؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز لأن الاسترقاق في حقهن كالقتل في حق الرجال.

والثاني: لا يجوز لأن فيه إبطال حق المسلمين.

وهذا بناء على ما لو صالح الإمام أهل حصن على مال أو على الجزية وليس فيه إلا النساء والصبيان هل يجوز أم لا فعلى قولين.

فصل

لو أن علجاً كافراً دل الإمام على قلعة على أنه إن فتحها يعطيه جارية سماها فعقد الإمام معه هذا العقد، أو ابتدأ الإمام فقال للعلج إن دللتني على حصن كذا فلك منه جارية سمّى أو لم يسمّ يجوز، وإن كانت الجارية مجهولة غير مقدور عليها؛ لأنه يتسامح في المعاملة مع الكفار بما لا يتسامح مع غيرهم.

وكذلك لو قال للعلج دلني على الحصن ولك ثلث ما فيه جاز. وإنما يجوز هذا العقد إذا كان البدل المشروط له مما يدله عليه.

فإن شرط له من عند نفسه شيئاً لا يجوز مع الجهالة مثل أن يقول أدلك على حصن كذا على أن تعطيني جارية من عندك، أو قال الإمام إن دللتني فلك ثلث مالي لا يجوز.

فإن شرط له شيئاً معلوماً فقال: إن دللتني فلك مائة دينار يجوز ويعطيه من بيت المال. وإن كان الدال مسلماً فقال أدلك على أن تعطيني جارية منها أو ثلث ما فيها هل يجوز؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز كما لو كان الدال كافراً.

ص: 339

والثاني: لا يجوز، لأن هذا عقد فيه أنواع من الغرر، فلا يجوز مثله مع المسلمين،:إنما يجوز مع الكفار كعقد الذمة.

ولأنه يفترض على المسلم الدلالة فلا يجوز له أخذ العوض عليه كما لا يجوز استئجار المسلم على الجهاد.

فإذا عقد هذا العقد مع العلج فإن لم يفتح الحصن لا شيء للعلج؛ لأن تقديره من دلني على الحصن وفتحته فله منه جارية؛ لأنه لا يقدر على تسليمها إلا بالفتح.

فإن فتح الحصن ولم يجد فيه تلك الجارية فلا شيء للعلج، لأن المشروط له معدوم وإن وجدها دفعها إلى العلج ولا حق فيها للغانمين ولا لأهل الخمس لأنه استحقها بسبب قبل الفتح، فإن وجدها وقد أسلمت نظر:

إن أسلمت قبل الظفر لا تسلم إليه لأن إسلامها يمنع استرقاقها ويعطى قيمتها من بيت المال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاءه منهم فمنعه الله من رد النساء، وأمر برد مهورهن. وإن أسلمت بعد الظفر عليها فهي رقيقة نظر:

إن كان قد أسلم العلج أو كان الدال مسلماً وجوزنا هذا العقد مع المسلم تسلم الجارية إليه.

وإن لم يسلم العلج: إن قلنا يجوز للكافر أن يشتري العبد المسلم تسلم إليه ويجبر على إزالة الملك عنها.

وإن قلنا لا يجوز للكافر شراء العبد المسلم لا يدفع الجارية إليه ويعطى قيمتها من بيت المال.

وإن أسلم العلج بعد ذلك لا يستحق؛ لأنه أسلم بعد ما انتقل حقه إلى القيمة.

وإن ماتت الجارية نظر، إن ماتت بعد الظفر أعطي العلج قيمتها.

وإن ماتت قبل الظفر فيه قولان:

أحدهما: يعطى إليه قيمتها كما لو كانت قد أسلمت.

والثاني: لا يعطي لأنه لم يقدر عليها كما لو لم يكن فيه جارية. هذا إذا فتح الحصن عنوة فأما إذا صالح الإمام أهل الحصن نظر:

إن كانت هذه الجارية خارجة عن الأمان مثل إن صالحهم على أن يكون صاحب الحصن وأهله في أمان والباقون سبي وهذه الجارية ليست من أهل صاحب الحصن سلمت إلى العلج.

ص: 340

وإن كانت هذه الجارية من أهل صاحب الحصن يقال للعلج أترضى بجارية أخرى من الحصن أو بقيمة الجارية، فإن رضي أعطي وإن لم يرض يقال لصاحب الحصن أترضى بقيمة الجارية، فإن رضي أعطي من بيت المال وأمضى الصلح وسلمت الجارية إلى العلج. وإن لم يرض يقال لصاحب الحصن أعطيناك ما صالحنا عليه غيرك من قبل فإن لم تسلمها ننبذ إليك عهدك فارجع إلى الحصن وأغلق الباب فإذا رجع وفتحنا الحصن تسلم الجارية إلى العلج كما سبق وإن لم يحصل الفتح هل تجب القيمة للعلج فيه قولان:

أحدهما: بلى لأن الإمام قد ظفر بها.

والثاني: وهو الأصح لا يجب لأن الاستيلاء لم يتم كما لو لم يفتح أصلاً.

يخرج من هذه المسألة أنه يجوز تبديل المؤمن: فإنا عرضنا على صاحب الحصن أن يعوضه عن الجارية. وأنه يجوز عقد الأمان لمجهولي العدد معلومي الحال: فإذا صالحنا صاحب الحصن على أن يكون أهله في أمان وإن لم نعرف عددهم. وكذلك يجوز لمعلومي العدد مجهولي الحال مثل أن يصالح أهل الحصن على أن يكون مائة نفر منهم في أمان ثم يعينهم صاحب الحصن فإن عد مائة ولم يعد نفسه جاز قتله.

فصل

من ارتكب من المسلمين في دار الحرب جريمة موجبة للحد يجب عليه الحد وعند أبي حنيفة لا يجب.

ثم قال الشافعي رضي الله عنه في موضع يؤخر إقامته حتى يرجع إلى دار الإسلام، وقال في موضع يقام في دار الحرب ولا يؤخر.

وليس على قولين بل على حالين حيث قال لا يؤخر أراد به إذا لم يخف فتنة المحدود وارتداده أو اجتراء الكفار على المسلمين. وحيث قال يؤخر أراد إذا خاف شيئاً من ذلك.

ويجري الربا في دار الحرب في المعاملة بين المسلمين أو بين المسلم والحربي سواء كان المسلم انتقل إليها من دار الإسلام أو أسلم ولم يهاجر.

وعند أبي حنيفة لا يجري الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي ولا بين مسلمين لم يهاجرا أو لم يهاجر أحدهما وأبو يوسف معنا.

ص: 341

وقال محمد بن الحسن لا يجري بين المسلم والحربي ويجري بين مسلمين وإن لما يهاجرا.

قلنا أحكام الله جل جلاله على العباد لا تختلف باختلاف الدار كالأوامر ولو أسلم حربي فقبل أن هاجر إلى دار الإسلام قتله مسلم يجب عليه القود. وعند أبي حنيفة لا يجب فنقيس على المهاجر.

وقد ذكرنا حكم الغنيمة وما صار إلينا من أموال الكفار وحكم من خان فيها أو سرق شيئاً منها أو وطيء جارية منها في كتاب قسم الفيء بعون الله وحسن توفيقه.

باب المبارزة

روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه بارز يوم الخندق عمرو ابن عبدود.

وروي أنه خرج يوم بدر من صف الكفار عتبه بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة فخرج إليهم فتية من الأنصار عوف ومعوّذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله ابن رواحة فقالوا من أنتم قالوا رهط من الأنصار قالوا مالنا بكم حاجة، ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بالخروج إليهم فخرجوا وقتلوهم.

تجوز المبارزة في الحرب لمن كان شجاعاً، وكذلك الإعلام وهو أن يتعمم بعمامة سوداء، أو يتعصب بعصابة حمراء، أو يُعلم فرسه سواء فعل بإذن الإمام أو دون إذنه فإن ابني عفراء وعبد الله بن رواحة خرجوا يوم بدر بغير إذن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم وأعلم حمزة يوم بدر. وعند أبي حنيفة لا يجوز البراز إلا بإذن الإمام.

وإذا خرج مشرك ودعا إلى المبارزة فالمستحب أن يبرز إليه مسلم؛ لأنه إذا لم يبرز تضعف قلوب المؤمنين ويجترئ الكفار عليهم وهل يجوز للضعيف أن يبارز فيه وجهان:

أحدهما: يجوز لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز كما يجوز للضعيف أن يجاهد.

والثاني: لا يجوز لأن المقصود من المبارزة إظهار القوة وذلك لا يحصل من الضعيف.

فإن بارز مسلم مشركاً نظر:

ص: 342

إن لم يكن بينهما شرط جاز لكل واحد من المسلمين أن يرمي المشرك لأنه حربي لا أمان له.

وإن شرطا أن لا يعينهما غيرهما لا يجوز لإحدى الطائفتين أن يعين مبارزه ماداما يتقاتلان.

فإن أثخن الكافر المسلم وأراد قتله على المسلمين استنقاذ المسلم ولهم قتل الكافر؛ لأن الشرط أن لا يعينه حال القتال وقد ارتفع القتال وكذلك لو قتل المسلم وولى أوترك قتاله فهرب أو هرب المسلم منه جاز قتله.

لأن الأمان قد ارتفع بترك القتال إلا أن يكون الشرط أنه آمن إلى أن يرجع إلى الصف فلا يتعرض له ما لم يصل إلى الصف فإن ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله أو ترك قتال المسلم وقصد صف المسلمين جاز قتله، لأنه نقض الأمان.

ولو خرج المشركون لإعانة صاحبهم كان حقاً على المسلمين أن يعينوا صاحبهم، ثم نظر:

إن استعان المشرك المبارز بأصحابه أو بدأ المشركون بمعاونته فلم يمنعهم فقد نقض الأمان فللمسلمين قتل المبارز والأعوان جميعاً.

وإن لم يستعن بهم وكان يمنعهم فلم يقبلوا منه قتلوا الأعوان دون المبارز لأن المبارز على أمانه.

فصل

إذا أسر الكفار مسلماً ثم أطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم في النفس والمال جميعاً لأنهم لا أمان لهم.

وإن أطلقوه على أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه فالمذهب أنهم في أمانه لا يجوز أن يغتالهم لأنهم لما أمنوه، كانوا هم في أمان منه، وقال ابن أبي هريرة لا أمان لهم وله أن يغتالهم لأنهم لم يستأمنوه.

ولو قالوا له لا نطلقك حتى تحلف أن لا تخرج إلى دار الإسلام فحلف وأطلقوه فمهما أمكنه الخروج يجب عليه أن يخرج ولا كفارة عليه؛ لأن يمينه كان يمين مكره ولا ينعقد كما لو أخذ اللصوص رجلاً وقالوا لا نتركك حتى تحلف أن لا تخبر بمكاننا أحداً فحلف فتركوه فأخبر بمكانهم لا كفارة عليه.

ص: 343

وإن كان حلف بالطلاق لا يقع إلا أنه إذا خرج إلى دار السلام لا يجوز أن يغتالهم بنفس ولا مال لأنهم أمنوه وكانوا في أمان منه إلا أن يجعلوا الأمان له دون أنفسهم فله أن يغتالهم. ولو كان لمسلم عين مال في أيديهم فله أخذها لترد إلى المالك سواء شرطوا لهم في أمان منه أو لم يشرطوا ثم هل تكون تلك العين مضمونة عليه؟

من أصحابنا من قال فيه قولان كما لو أخذ المغصوب من الغاصب ليرد إلى المالك.

وقال الشيخ القفال رحمه الله: " لا يضمن ههنا؛ لأنه لم يكن مضموناً على الحربي فلا ضمان على من أخذ منه بخلاف المغصوب فإنه مضمون على الغاصب فيجب الضمان على من أخذ منه.

ولو حلف ابتداء من غير تحليفهم أنه لا يخرج إلى دار الإسلام نظر. إن كان مطلقاً يلزمه أن يخرج وعليه الكفارة لأنه حلف مختاراً" وإن كان محبوساً حلف أنه إن أطلق لا يخرج، فإذا خرج هل تلزمه الكفارة فيه وجهان:

أحدهما: لا؛ لأنه يمين إكراه فلا تلزمه الكفارة.

والثاني: تلزمه الكفارة لأنه حلف مبتدئاً فكان مختاراً.

ولو أطلقوه على أنه إذا خرج إلى دار الإسلام عاد إليهم فإذا أتي إلى دار الإسلام لا يجوز أن يعود إليهم ولا يدعه الإمام أن يعود إليهم، لا كفارة عليه للإكراه.

وقال الزهري والأوزاعي يجب أن يعود حتى لا يصير ذلك ذريعة لحبس الأسارى.

ولو شرطوا عليه أن يعود أو يبعث إليهم مالاً لا يجوز أن يعود ولا يجب أن يبعث المال ويستحب أن يبعث المال.

وعند الزهري والأوزعي يجب أن يعود أو يبعث المال.

ولو اشترى الأسير/ من الكفار شيئا بأضعاف ثمنه أو بمثل ثمنه أو باعوا منه فرساً ليركبه ويأتي به دار الإسلام /نظر.

إن اشتراه طوعاً لزمه جميع الثمن.

فإذا دخل دار الإسلام إن شاء ردّ وإن شاء أجاز وأعطى الثمن.

وقيل يصح ويلزمه الثمن قولاً واحداً لأنه معاملة مع أهل الشرك فيجوز فيها مالا يجوز في معاملة المسلمين.

ص: 344

وفداء الأسير جائز فلو قال أسير أطلقني على كذا ففعل، وقال الكافر افتد نفسك على هذا المال ففعل لزم، لأنه غير مكره فلو قال مسلم لكافر: أطلق أسيرك ولك عليّ ألف فأطلقه يجب عليه الألف كما لو قال أعتق أم ولدك على ألف ففعل يجب الألف ومن فدى أسيراً بمال من غير مسألة الأسير لا يرجع على الأسير بشيء ولو قال الأسير أفدني بكذا بشرط أن يرجع عليه بفدىِ.

وإن لم يشترط الرجوع هل يرجع؟ فيه وجهان: أصحهما يرجع. ولو فدى الأسير نفسه بمال ثم استولى عليه المسلمون هل يرد إلى الأسير؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد لأنه كان مقهوراً في أدائه كما لو غصبوا من مسلم شيئاً ثم استولى عليه المسلمون يجب رده.

الأمان: ضد الخوف، وأريد به هنا ترك القتال والقتل مع الكفار، وهو من مكايد الحرب ومصالحه. انظر: - أمن - لسان العرب 13/21، مغني المحتاج 4/236.

رضي الله عنه ساقطة من د، ظ.

(أنه) ساقطة من د.

رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني. انظر: سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في السرية ترد على أهل العسكر 3/80، سنن النسائي: كتاب القسامة - سقوط القود من المسلم للكافر 8/23، إرواء الغليل 7/265.

انظر: روضة الطالبين 10/278.

خراسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أذَورْد قصبة جوُين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وليس ذلك منها. انظر: مراصد الاطلاع 1/455.

الأمان الخاص: هو أن يؤمن من الكفار آحاداً لا يتعطل بهم جهاد ناحيتهم كالواحد والعشرة إلى المائة وأهل قافلة، ولا يجوز أمان ناحية وبلدة. قال العمراني: يجوز أن يؤمن واحد أهل قلعة. وقال النووي: ولا شك أن القرية الصغيرة في معناها. وعن الماسرجسي: أنه لا يجوز أمان واحد لأهل قرية وإن قل عدد من فيها والأول أصح. انظر: كتاب السير من الحاوي 947، البيان ل8/11ب، روضة الطالبين 10/278، كفاية النبيه الورقة 10 من كتاب السير.

في د: (حراً كان أو عبداً) .

ص: 345

انظر: حلية العلماء 7/652، الوجيز 2/194،الغاية القصوى 2/953.

أم هاني بنت أبي طالب، بنت عم النبي أخت، علي وجعفر، اسمها فاختة، وقيل هند، وقيل غير ذلك، أسلمت يوم الفتح وعاشت إلى بعد سنة خمسين. انظر: أسد الغابة 6/404، الاستيعاب 4/479، الإصابة 4/479، سير أعلام النبلاء 2/311.

في ظ: (قال) .

قال ابن حجر: الرجلان هما الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة. انظر: تلخيص الحبير 4/118.

رواه أبو داود والترمذي، وابن الجارود. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. انظر: سنن أبي داود: كتاب الجهاد- باب في أمان المرأة 3/84، سنن الترمذي: أبواب السير - باب ما جاء في أمان المرأة والعبد 3/70، المنتقى 352.

هذ اقول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يصح أمان العبد سواء كان مأذونا له أم لا.

انظر: بدائع الصنائع 7/106، رؤوس المسائل 243.

قال العمراني: "وقال الخراسانيون هل يصح عقد الأمان من المراهق فيه وجهان: أحدهما لا يصح. والثاني: يصح، لأنه عقد شرعي فصح من المراهق كالصلاة". انظر: البيان 8/ل12.

انظر: شرح المحلي على المنهاج 4/226، شرح منهج الطلاب 4/264.

انظر: روضة الطالبين 10/279.

انظر: الوجيز 2/194، روضة الطالبين 10/279، الأنوار 2/554.

إن كان المسلم أسيراً في أيدي الكفار فأكره على عقد الأمان فعقده لم يصح كما لو أكره على سائر العقود، وإن لم يكره ففيه وجهان. وقال القفال:"لا يتصور الأمان من الأسير، لأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمن آمناً وهذا الأسير غير آمن في أيديهم فصار عقده للأمان يقترن به ما يصادمه فلم يصح". وقال الماوردي: "عندي أنه يعتبر أمانه بحال من أمنه فإن كان في أمان من المشرك صح أمانه لذاك المشرك، وإن لم يكن في أمان منه لم يصح أمانه". انظر: كتاب السير من الحاوي 955، البيان 8/ل 12.

انظر: بدائع الصنائع 7/107.

(ذلك) ساقطة من ظ.

ص: 346

إن أسر الكفار مسلماً وأطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم في النفس والمال لأنهم كفار لا أمان لهم. وإن أطلقوه على أنه في أمان ولم يستأمنوه ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول علي بن أبي هريرة إنه لا أمان لهم لأنهم لم يستأمنوه. والثاني: وهو ظاهر المذهب أنهم في أمانه لأنهم جعلوه في أمان فوجب أن يكونوا منه في أمان. انظر: المهذب 2/244، حلية العلماء 7/652.

في ظ: (لأنه يصير) .

في ظ: (الإمام) .

انظر: روضة الطالبين 10/279، المهذب 2/236.

أبو حفص عمر بن الخطاب، أسلم سنة ست من النبوة، وقيل سنة خمس كان رضي الله عنه من قديمي الإسلام والهجرة، وممن صلى إلى القبلتين، شهد المشاهد كلها، طعن سنة 23هـ على يد أبي لؤلؤة المجوسي. انظر: الاستيعاب 2/450، الإصابة 2/511، أسد الغابة 3/642، البداية والنهاية 7/133، تذكرة الحفاظ 1/5، تهذيب التهذيب 7/438،الرياض المستطابة 147، صفة الصفوة 1/268.

رضي الله عنهما ساقطة من د.

اسم لبعض أكابر الفرس وهو دهقانهم الأصغر، أسره أبو موسى الأشعري وبعثه إلى عمر وأراد عمر قتله لكونه أسيراً فقال له أنس قد أمّنته بقولك لا بأس عليك فتركه عمر ثم أسلم الهرمزان. أنظر: تهذيب الأسماء واللغات 2/135.

انظر: مسند الشافعي 317،السنن الكبرى: كتاب السير - باب كيف الأمان 9/96.

أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، من كبار الصحابة، كان خادم رسول الله الأمين، وصاحب سره، وهو أول من جهر بقراءة القرآن بمكة، توفي بالمدينة سنة 32هـ وقيل في وفاته غير هذا. انظر: الإصابة 2/360، تذكرة الحفاظ 1/13، تهذيب الأسماء واللغات 1/188، حلية الأولياء 1/124، الرياض المستطابة 185، صفة الصفوة 1/395.

(إن) ساقطة من د.

(تعالى) ساقطة من د.

ص: 347

قال ابن حجر: لم أره عن ابن مسعود وإنما هو عن عمر، كذا ذكره البخاري تعليقاً والبيهقي موصولاً من حديث أبي وائل ورواه مالك في الموطأ بلاغاً عن عمر. انظر: صحيح البخاري - باب قالوا صبأنا 4/122 موطأ مالك: كتاب الجهاد - باب ما جاء في الوفاء بالأمان 2/449، السنن الكبرى: كتاب السير - باب كيف الأمان 9/69، تلخيص الحبير 4/121.

قال الماوردي: "الإشارة ضربان: مفهومة وغير مفهومة. فإن كانت غير مفهومة لم يصح بها الأمان لا صريحا ولا كناية، وإن كانت مفهومة انعقد بها الأمان إن أراده المشير ولا ينعقد بها إن لم يرده، لكن يجب أن يرد بها إلى مأمنه وتكون كتابة يرجع إلى قوله فيما أراد". انظر: كتاب السير من الحاوي 958.

في د (وقال) .

رضي الله عنه ساقطة من د.

رواه سعيد بن منصور في سننه. أنظر: السنن لسعيد بن منصور - باب الإشارة إلى المشركين والوفاء بالعهد ق2، 3/270.

في د (يزيد) .

فضيل بن زيد وقيل يزيد الرقاشي أبو حسان، روى عن عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن مغفل، روى عنه عامر الأحول، قال يحي بن معين هو صدوق بصري ثقة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات 2/51، تاريخ ابن معين 2/476، التاريخ الكبير 7/119.

رضي الله عنه ساقطة من د.

في د (فيهم) .

رامهرمز: ومعنى رام بالفارسية المراد والمقصود، وهرمز أحد الأكاسرة فكأن هذه الفظة مركبة معناها: مقصود هرمز أو مراد هرمز، وهي مدينة مشهورة بنواحي خوزستان. انظر: معجم البلدان 3/17.

في د: (فكتب عبد منا صحيفة أمانا) .

في د: (في) .

في ظ: (رمي) .

في ظ: (فكتب) .

رواه البيهقي بسند صحيح. انظر: السنن الكبرى: كتاب السير - باب أمان العبد 9/94، تلخيص الحبير 4/121.

(رجل) ساقطة من ظ.

في ظ: (أن) .

انظر: كتاب السير من الحاوي 954، المهذب 2/236، روضة الطالبين 10/280.

(وكذلك لو أشار إليه مسلم بالنزول فقال المسلم لم أرد به الأمان قبل قوله فإن قال الكافر ظننت أنه أمان يقبل منه ويبلغ المأمن) ساقطة من ظ.

ص: 348

انظر: المهذب 2/236.

في ظ: (وإذا) .

انظر: مغني المحتاج 4/237، شرح روض الطالب 4/203.

في د: (ترك) .

في ظ: (ثابت بن قيس الشماس) . ثابت بن قيس بن شماس أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن، خطيب الأنصار لم يشهد بدراً، شهد أُحداً وبيعة الرضوان، قتل يوم اليمامة. انظر: الاستيعاب 1/193، الإصابة 1/197، تهذيب الكمال 4/368، تهذيب التهذيب 2/12، خلاصة تذهيب التهذيب 1/150، سير أعلام النبلاء 1/308.

الزبير بفتح الزاي وكسر الباء جد ضرير بن عبد الرحمن المذكور في الموطأ في كتاب النكاح. انظر: الروض الأنف 3/284.

كانت غزوة بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة. انظر: تتمة المختصر 1/187.

في د: (يقبل) .

انظر: السنن الكبرى: كتاب السير - باب ما يفعله بالرجال البالغين منهم 9/66.

انظر: روضة الطالبين 10/21.

(فهو) ساقطة من د.

انظر: روضة الطالبين 10/280، شرح روض الطالب 4/204.

نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي صحابي، من ذوي العقل الراجح، قدم على رسول الله سراً أيام الخندق واجتماع الأحزاب فأسلم، وكتم إسلامه، وعاد إلى الأحزاب المجتمعة لقتال المسلمين فألقى الفتنة بين قبائل قريظة وغطفان وقريش، مات في خلافة عثمان، وقيل قتل يوم الجمل قبل قدوم علي إلى البصرة. انظر: أسد الغابة 4/572، الإصابة 3/539،الاستيعاب 3/528، الأعلام 8/41.

مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو نمامه، ادعى النبوة، ولد ونشأ في اليمامة قتل في معركة اليمامة قتله وحشي بن حرب وقيل غيره. انظر: تهذيب الأسماء واللغات 2/95، الأعلام 7/226. رواه أبو داود وأحمد والحديث صحيح حيث ذكره الألباني في صحيح أبي داود.

انظر: سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في الرسل 3/84، مسند أحمد 3/487، صحيح سنن أبي داود2/174.

في ظ: (لا يجوز) .

العلج: الرجل الشديد الغليظ، ويقال للرجل القوي الضخم من الكفار علج. انظر: - علج - لسان العرب 2/326.

في د: (فعقد معه الإمام) .

(للعلج) ساقطة من د.

ص: 349

(وإن كانت) مكررة في ظ.

قال النووي: ولو شرط العلج أو الإمام جارية مبهمة جاز على الصحيح. انظر: روضة الطالبين 10/285.

(البدل) ساقطة من ظ.

في ظ: (مما يدل له عليه) .

في ظ: (ذلك أولك) .

في د: (منها وثلث) .

قال النووي: أصحهما عند الإمام لا يجوز انظر: الوجيز 2/ 195، روضة الطالبين 10/285.

في د: (لأنه يفرض المسلم على الدلالة) .

في د: (لا شيء عليه للعلج) .

قال الشيرازي: وإن قال من دلني على القلعة الفلانية فله منها جارية فدله عليها ولم تفتح لم يستحق شيئا وقيل يرضخ له وليس بشيء. قال ابن الرفعة: ومحل الخلاف إذا أطلق العقد أما إذا شرط له منها جارية إذا فتحت فلم يفتح لم يستحق شيئاً قطعاً. انظر: التنبيه 143، كفاية النبيه الورقة 19 من كتاب السير.

في أ، ظ:(منها) .

في ظ، أ (فيها) .

في ظ: (به) .

قال النووي: وعن ابن سريج أن فيه قولاً أنها تسلم إلى العلج لأنه استحقها قبل الإسلام والمذهب الأول. انظر: روضة الطالبين 10/288.

وقيل يعطى أجرة مثل وهو الأصح عند الإمام، وإعطاء القيمة هو الأصح الذي عليه الجمهور. انظر: مغني المحتاج 4/241.

في د: (جاء) .

انظر: صحيح البخاري: باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة 3/247.

انظر: روضة الطالبين 10/288، مغني المحتاج 4/241.

في ظ: (تسلم) .

في ظ: (فإن) .

انظر: كتاب السير من الحاوي 976.

انظر: روضة الطالبين 10/286، نهاية المحتاج 8/79،كفاية النبيه الورقة 19 من كتاب السير.

(إليه) ساقطة من د.

في د: (لا يقدر) .

(لم) ساقطة من أ.

في ظ، أ (فيها) .

انظر: كتاب السير من الحاوي 979، روضة الطالبين 10/288.

(من) ساقطة من ظ.

(سلمت إلى العلج، وإن كانت هذه الجارية من أهل صاحب الحصن) ساقطة من أ.

(أعطي وإن لم يرض يقال لصاحب الحصن أترضى بقيمة الجارية فإن رضي) ساقطة من ظ.

في د: (نبذ) .

في د: (فإذا رجع فإذا فتح تسلم الجارية) وفي أ: (فإذا رجع ثم فتحنا) .

(كما سبق وإن لم يحصل الفتح) ساقطة من د.

ص: 350

قال الماوردي: "وإن لم نفتح القلعة وعدنا عنها فلا شيء للدليل ويستحب أن لو رضخ له من سهم المصالح وإن لم يجب". انظر: كتاب السير من الحاوي 980.

(أنه) ساقطة من أ.

في د: (فإن عدهما به) .

انظر: حاشية القليوبي 4/227.

في ظ: (اربكت)

انظر: المهذب 2/242، حلية العلماء 7/671.

انظر: الهداية 2/102.

في أ: (وبين) .

انظر: حلية العلماء 4/192.

في أ: (لم يهاجروا) .

يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، أبو يوسف من أولاد أبي دجانة الأنصاري الصحابي، صاحب أبي حنيفة وتلميذه، فقيه، مجتهد، أصولي، حافظ، ملم بالتفسير والمغازي وأيام العرب، ولي القضاء ببغداد أيام المهدي، والهادي، والرشيد، من مؤلفاته: الآثار، الأماني، النوادر، الخراج المبسط، ولد سنة 113هـ، توفي سنة 182هـ.

انظر: أخبار القضاة 3/254، أخبار أبي حنيفة للصيمري 90، إعجام الأعلام 59، البداية والنهاية 10/180، تذكرة الحفاظ 1/292، تاريخ جرجان 487، تاريخ بغداد 4/242، الجواهر المضية 3/611، طبقات الشيرازي 141، طبقات ابن سعد 7/330، الفهرست 286، العبر 1/219، الفوائد البهية 225، الكواكب النيرات 227، المعارف 18، النجوم الزاهرة 2/107.

انظر: المبسوط 14/56، رؤوس المسائل 282، البناية 6/570، تبيين الحقائق 4/97.

في أ: (قال) .

محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني طلب الحديث، وسمع مالكاً والأوزاعي والثوري، وصحب أبا حنيفة، وأخذ الفقه عنه، وكان أعلم الناس بكتاب الله ماهراً في العربية والنحو والحساب. من كتبه: المبسوط، الجامع الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير، والسير الصغير والزيادات، توفي سنة 187هـ، ويقال 189هـ. انظر: اخبار أبي حنيفة للصيمري 120، الأنساب 7/433، الجواهر المضية 3/122، الفوائد البهية 163، اللباب 2/219، الوافي بالوفيات 2/332.

انظر: البناية 6/570، تبين الحقائق 4/97.

في د، ظ:(فلا تختلف) .

في د: (فلو) .

انظر: حلية العلماء 7/661.

انظر: الهداية 2/155.

ص: 351

في أ: (أو سرق منها شيئاً) .

(وحسن توفيقه) ساقطة من أ.

المبارزة: أصل البروز الظهور في البراز وهو المكان الفضاء الواسع وهو ههنا ظهور المتحاربين بين الصفين لايستتران بغيرهما من أهل الحرب. انظر: النظم المستعذب 2/238.

في ظ: عليه السلام .

عمرو بن عبدود العامري، من بني لؤي من قريش، فارس قريش وشجاعها في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، عاش إلى أن كانت وقعة الخندق فحضرها وقد تجاوز الثمانين فقتله علي بن أبي طالب. انظر: الأعلام 5/81.

رواه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد. انظر: المستدرك: كتاب المغازي 3/32.

عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد، كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية، كان موصوفاً بالرأي والحلم والفضل، توسط للصلح في حرب الفجار وقد رضي الفريقان بحكمه، أدرك الإسلام ولم يسلم وشهد بدراً وقتل فيها، وقتله عبيده بن الحارث بن عبد المطلب. انظر: المحبر 160، المعارف 72، 157، الأعلام 4/200.

شيبة بن ربيعة بن عبد شمس من زعماء قريش في الجاهلية، كان معادياً للرسول صلى الله عليه وسلم، وحضر بدراً مع المشركين وقتل فيها قتله حمزة بن عبد المطلب. انظر: المحبر 160، 162، المعارف 72، 156، الأعلام 3/181.

الوليد بن عتبة بن ربيعة، قتل يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب. انظر: السيرة النبوية لابن هشام 2/625، 709.

عوف بن الحارث بن رفاعة بن عفراء، شهد العقبة وبدراً واستشهد. انظر: أسد الغابة 4/12، الاستيعاب 3/159، تاريخ خليفة 61، سيرة ابن اسحاق 309، طبقات ابن سعد 3/492، طبقات خليفة 90.

معوذ بن الحارث بن رفاعة بن عفراء، وهو والد الربيع بنت معوذ، شهد العقبة مع السبعين، وهو الذي قيل: إنه ضرب أبا جهل هو وأخوه عوف حتى أثخناه وعطف هو عليهما فقتلهما. انظر: أسد الغابة 4/464، الإصابة 3/430، تاريخ خليفة 61، سيرة ابن إسحاق 309،سير أعلام النبلاء 2/359، طبقات ابن سعد 3/492، طبقات خليفة 90، المعارف 597.

ص: 352

عبد الله بن رواحه بن ثعلبة بن امريء القيس بن ثعلبة، شهد بدراً والعقبة، كان شاعر رسول صلى الله عليه وسلم أحد الأمراء في غزوة مؤتة وبها قتل. انظر: أسد الغابة 3/130، تهذيب الأسماء واللغات 1/265، تهذيب التهذيب 5/212، تهذيب ابن عساكر 7/390، حلية الأولياء 1/118، سير أعلام النبلاء 1/230، كنز العمال 13/449، مجمع الزوائد 9/316.

عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف أبو الحارث، من أبطال قريش في الجاهلية والإسلام ولد بمكة، وأسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، شهد بدراً وقتل فيها. انظر: أسد الغابة 3/449، الاصابة 2/442، المحبر 116، الأعلام 4/198.

حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي سيد الشهداء عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أسلم في السنة الثانية من البعثة، قتله وحشي يوم أحد. انظر: أسد الغابة 1/528، الاستيعاب 1/270، الإصابة 1/353، تهذيب الأسماء واللغات 1/168، الجرح والتعديل 3/212، سير أعلام النبلاء 1/171، شذرات الذهب 1/10، العقد الثمين 4/227، مجمع الزوائد 9/266.

قال ابن حجر: رواه أبو داود من حديث علي، وهو عند البخاري مختصرا، واتفقوا عليه من حديث قيس بن عباد عن أبي ذر. انظر: صحيح البخاري: كتاب التفسير - تفسير سورة الحج 6/123، صحيح مسلم: كتاب التفسير - باب في قوله هذان خصمان اختصموا في ربهم 4/2323، سنن أبي داود: كتاب الجهاد - باب في المبارزة 3/52، تلخيص الحبير 4/105.

والمستحب أن لا يبارز إلا بإذن الإمام فإن بارز من غير إذنه جاز وقيل لا يجوز والصحيح أنه لا يجوز. انظر: حلية العلماء 7/657، المهذب 2/238،البيان الورقة 16 من كتاب السير.

لم أجده فيما توفر لدي من مراجع.

في ظ: (يستحب) .

انظر: البيان الورقة 15 من كتاب السير، المهذب 2/238.

والصحيح أنه يجوز، وقال العمراني جاز وكره. أنظر: البيان الورقة 16 من كتاب السير، المهذب 2/238.

(وذلك) ساقطة من أ.

ص: 353

انظر: كتاب السير من الحاوي 1142، المهذب 2/238، التنبيه 143، البيان الورقة 16من كتاب السير، روضة الطالبين 10/284، كفاية النبيه الورقة 13 من كتاب السير.

في د: (وإن شرط) .

في ي: (فإذا عن) .

(وأراد) مكررة في د.

في أ: (ولأن) .

في ظ، أ (حالة) .

(القتال) ساقطة من ظ.

في أ: (لو قتل المسلم الكافر) .

في د: (انقطع) .

في أ: (بصف) .

في د، أ:(فلو) .

في د: (بالمبارزة)، في أ:(المبارزة) .

في د: (فإن) .

في أ: (المبارزة) .

انظر: نهاية المحتاج 8/78، مغني المحتاج 4/239، شرح روض الطالب 4/205.

(هم) ساقطة من د، ظ.

أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، أحد أئمة الشافعية من أصحاب الوجوه، درس على أبي العباس بن سريج ثم على أبي إسحاق المروزي، صنف التعليق الكبير على مختصر المزني، وعلق عليه الشرح أبو علي الطبري، قال الأسنوي وله تعليق آخر في مجلد ضخم وهما قليلا الوجود، توفي سنة 345 هـ وقيل سنة 346هـ. انظر: تاريخ بغداد 7/298،طبقات ابن قاضي شهبة 1/99، طبقات الشيرازي 121، طبقات الأسنوي 2/518 طبقات ابن هداية الله 2/72، طبقات العبادي 77، النجوم الزاهرة 3/316، الأعلام 2/188، الفتح المبين 1/193.

(له) ساقطة م د.

انظر: المهذب 2/244، البيان 8/ الورقة 25 من كتاب السير، روضة الطالبين 282، كتاب السير من الحاوي 1203.

في أ: (ولو قال لا نطلقك) .

في أ: (فأطلقوه) .

في د: (فمهما أمكن) .

انظر: المهذب 2/244، روضة الطالبين 10/212.

في أ: (فلا) .

في د: (وتركوه) .

في ط: (فكانوا) .

(له) ساقطة من د، ظ.

في ظ: (أو لم يشترطوا) .

في د: (وهل) .

انظر: روضة الطالبين 10/283، مغني المحتاج 4/24.

في د: (قال) .

ص: 354

أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الخراساني، سمي بالقفال لأنه كان يعمل الأقفال، كان وحيد زمانه فقهاً وحفظا وورعا وزهدا، صاحب طريقة الخراسانيين في الفقه من أصحابه الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين توفي سنة 417هـ. انظر: البداية والنهاية 12/21، سير أعلام النبلاء 17/405، طبقات الأسنوي 2/298 طبقات ابن هداية الله 134، طبقات العبادي 105.

رحمه الله ساقطة من د، أ.

انظر: كتاب السير من الحاوي 1201.

في أ: (وإذا) .

(الكفارة) ساقطة من د.

انظر: كتاب السير من الحاوي 1201، المهذب 2/244، البيان 8/ الورقة 26 من كتاب السير حلية العلماء 7/673.

في ظ، أ (أحدهما: أنه يمين إكراه فلا تلزمه الكفارة) .

(إلى دار الإسلام) ساقطة من د.

انظر: مختصر المزني 275، كتاب السير من الحاوي 1204، المهذب2/244.

محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، كان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقا لمتون الأخبار فقيها فاضلا من تابعي أهل المدينة، ولد سنة 50هـ توفي سنة 124، وقيل 123هـ وقيل 125هـ. انظر: البداية والنهاية 9/340، تذكرة الحفاظ 1/108، تاريخ ابن شاهين 276، تقريب التهذيب2/207، تهذيب الأسماء واللغات 1/ 90، الجرح والتعديل8/71، حلية الأولياء 3/360، سير أعلام النبلاء 5/326، شذرات الذهب 1/62، طبقات الشيرازي 48، طبقات الحفاظ 49، طبقات القراء 2/262، المعرفة والتاريخ 1/62، المعارف 227، معجم الشعراء للمرزباني 413، النجوم الزاهرة 1/294، وفيات الأعيان 4/77.

انظر: كتاب السير من الحاوي 1204.

ص: 355

أبو عمر عبد الرحمن بن عمرو بن محمد وقيل يحمد الأوزاعي، الدمشقي شيخ الإسلام وعالم أهل الشام، كان ثقة مأمونا فاضلا خيراً، كثير الحديث والعلم والفقه، وكان عابداً زاهداً ورعاً، ولد سنة 88هـ وقيل سنة 93 هـ توفي في سنة 157هـ وقال ابن المديني توفي سنة 151هـ. انظر: البداية والنهاية 10/115، تهذيب التهذيب 6/238، تذكرة الحفاظ 1/178، طبقات الحفاظ 85، علل الحديث لابن المديني 34، ميزان الاعتدال 2/580، مشاهير علماء الأمصار180، المعرفة والتاريخ 2/39، العبر 1/174، وفيات الأعيان 3/127.

انظر: كتاب السير من الحاوي 1204، البيان 8/ الورقة 26 من كتاب السير.

في د: (ويبعث) .

قال العمراني: "وإن أطلقوه على أن ينفذ إليهم من دار الإسلام مالاً اتفقوا عليه فإن لم ينفذه إليهم عاد إليهم، فهل يلزمه إيفاد المال إليهم اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق لا يلزمه لأنه ضمان مال بغير حق إلا أن المستحب أن ينفذه إليهم ليكون ذلك طريقاً إلى إطلاق الأسرى وقال الشيخ أبو حامد أكثر أصحابنا يلزمه إيفاد المال إليهم لأن فيه مصلحة لأنه إذا لم ينفذه إليهم لم يثقوا بقول الأسارى في ذلك ولم يطلقوهم". انظر: البيان 8/الورقة 26 من كتاب السير.

في أ: (ويبعث) .

انظر: المراجع المتقدمة عن الزهري والأوزاعي الصفحة السابقة.

في ظ: (فلو) .

(به) ساقطة من د، أ.

في د، أ:(اشترى) .

انظر: كتاب السير من الحاوي 1209، مغني المحتاج 4/240.

في أ: (ولو) .

(ففعل لزم، لأنه غير مكره، فلو قال مسلم لكافر: أطلق أسيرك ولك علىّ ألف فأطلقه يجب عليه الألف، كما لو قال أعتق أم ولدك على ألف ففعل) ساقطة من ظ.

(عليه) ساقطة من أ.

في ظ: (بشرط أن يرجع ففدى يرجع عليه) .

في د: (لم يشرط) .

ص: 356

تابع لكتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

فصل

إذا حاصر الإمام قلعة فترك أهلها على حكم حاكم جاز؛ لأن بني قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد حكمت بحكم الملك "(1) .

ويجب أن يكون الحاكم حراً مسلماً ذكرا عاقلا بالغاً عدلاً عالماً (2) ؛ لأنه ولاية كولاية القضاء.

ويجوز أن يكون أعمى لأن ما يوجب الحكم بينهم مشهور يدرك بالسماع كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة تصح من الأعمى ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأي فيهم ولكن يجوز حكمه لأنه عدل في الدين.

وإن نزلوا على حكم حاكم يختاره الإمام جاز؛ لأنه لا يختار إلا من يجوز حكمه، وإن نزلوا على حكم حاكم يختارونه لم يجز إلا أن يشترط أن يكون على الصفات التي ذكرناها.

وإن نزلوا على حكم اثنين جاز؛ لأنه تحكيم في مصلحة طريقها الرأي فجاز أن يجعل إلى اثنين كالتحكيم في اختيار الإمام، وإن نزلوا على حكم من لا يجوز حكمه ردوا إلى القلعة.

وكذلك لو نزلوا على حكم حاكم فمات، أو على حكم اثنين فمات أحدهما، ردوا إلى القلعة ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل أو الاسترقاق أو المن أو الفداء (3) .

وإن حكم بعقد الذمة، وأخذ الجزية ففيه وجهان:

(1) متفق عليه. انظر: صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب إذا نزل العدو على حكم رجل 4/81، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم 3/1389.

(2)

قال النووي: "وأطلقوا أنه يشترط كونه عالماً وربما قالوا فقيهاً وربما قالوا مجتهداً"، قال الإمام:"ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي ولعلهم أرادوا التهدي إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين". نظر روضة الطالبين 10/291.

(3)

قال النووي: "وحكى الروياني وجهاً أنه لا يجوز الحكم بالمن على جميعهم واستغربه". انظر: روضة الطالبين 10/292.

ص: 357

أحدهما: يجوز لأنهم نزلوا على حكمه.

والثاني: لا يجوز لأنه عقد معاوضة فلا يجوز من غير رضاهم.

وإن حكم الحاكم أن من أسلم منهم استرق ومن أقام على الكفر قتل جاز، ثم إن أراد الإمام أن يسترق من حكم بقتله لم يجز لأنه لم ينزل على هذا الشرط، وإن حكم عليهم بالقتل ثم رأي الإمام أن يمن عليهم جاز؛ لأن سعد بن معاذ حكم بقتل رجال بني قريظة.

وسأل ثابت بن قيس الأنصاري أن يهب له الزبير بن باطا اليهودي. فوهبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .

وإن حكم باسترقاقهم لم يجز أن يمن عليهم إلا برضا الغانمين لأنهم صاروا مالاً لهم.

وإن حكم بما لا يوافق الشرع مثل أن يحكم بقتل الصبيان والنسوان لم ينفذ لو استنزلهم على أن ما يقضي الله فيكم يقدمه لم يجز لأنهم لا يعرفون حكم الله عز وجل.

روي عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا"(2) والله أعلم (3) .

باب فتح السواد

سواد العراق فتحت في زمن عمر عنوة، وصارت أراضيها للغانمين فاستطاب عمر رضى الله عنه أنفسهم بمال عوضهم عنها، وضرب عليها خراجاً معلوماً ولولا أن الغانمين ملكوها لم يكن عمر رضي الله عنه يعوضهم عنها.

وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار المغنوم بين أن يقفها كما فعل عمر بسواد العراق، وبين أن يترك إلى الكفار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعقار مكة، وبين أن يقسمها بين الغانمين كالمنقول.

وعندنا يقسم العقار كالمنقول (4) .

ومكة فتحت صلحاً، وفي سرد قصة الفتح بيان أنها مفتوحة صلحاً.

(1) انظر: السنن الكبرى: كتاب السير - باب ما يفعله بالرجال البالغين منهم 9/66.

(2)

انظر: صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث 3/1358.

(3)

والقصة تقدمت في ص.

(4)

انظر: كتاب السير من الحاوي 4/1167.

ص: 358

وسواد العراق قسمها عمر بين الغانمين ثم عوضهم عنها باستطابة أنفسهم قال جرير بن عبد الله البجلي كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم عمر ربع السواد فاستغلوا ثلاث سنين، قال جرير:"فقدمت على عمر، فقال عمر: لولا أني قاسم مسئوول لتركتكم على ما قسم لكم، ولكني أرى أن تردوا على الناس ففعلوا، وإنما فعل عمر ذلك خوفاً من أن يشتغل الناس بالزراعة والحرث فيختل أمر الجهاد".

قال جرير: "فعاضني عمر من حقي نيفاً وثمانين ديناراً ومعي امرأة يقال لها أم كرز فقالت: شهد أبي القادسية، وأثبت سهمه ولا أسلمه حتى تملأ كفي دنانير وفمي لآلئ، وتركبني ناقة حمراء، ففعل عمر، فتركت حقها.

وحد سواد العراق من عبّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حلوان عرضاً".

قال الساجي: "هو اثنان وثلاثون ألف ألف جريب". وقال أبو عبيد: "ستة وثلاثون ألف ألف جريب".

ولا يدخل فيه البصرة وإن كانت داخلة في حد السواد؛ لأنها كانت أرضاً سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان بعد الفتح.

واختلف أصحابنا فيما فعل عمر بأراضي السواد:

قال ابن سريج: "باعها من أهلها وما يؤخذ من الخراج ثمن منجم يؤدون كل سنة شيئاً بدليل أن من زمن عمر إلى زماننا تباع تلك الأراضي وتبتاع من غير إنكار أحد".

فعلى هذا لا يجوز أن يزاد على ما وضع عمر ولا ينقص.

وقال الأكثرون وقفها عمر على المسلمين والخراج المضروب عليها أجرة منجمة يؤدونها كل سنة نص عليه في سير الواقدي.

فيجوز أن يزاد عليها وينقص عنها. فإن قلنا إنه كان بيعاً فيجوز لأهلها بيعها ورهنها.

وإن قلنا كان وقفا لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا رهنها وإنما تنقل من يد إلى يد وعلى الوجهين يجوز إجارتها.

فإن قيل إذا جعلتموه بيعاً كيف يجوز البيع بثمن إلى آجال غير معلومة قلنا قد يجوز للإمام أن يفعل في أموال الكفار مالا يجوز في أموال المسلمين لما يرى فيه من المصلحة.

ص: 359

فإن قلنا إنه وقف فهل يدخل المنازل في الوقف فيه وجهان:

أحدهما: يدخل جميعها في الوقف.

والثاني: لا يدخل فيه إلا المزارع، لأن دخولها في الوقف يؤدي إلى خرابها فأما الثمار التي فيها فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع بها فيه وجهان:

أحدهما: لا بل يأخذها الإمام فيبيعها ويصرفها في المصالح.

والثاني: يجوز لأن الحاجة تدعو إليه كما في المساقاة.

وما يؤخذ من هذه الأراضي فلمصالح المسلمين يجوز صرفها إلى أهل الفيء والصدقات والفقراء والأغنياء على ما يراه الإمام من الأهم فالأهم.

وروى الشعبي في قدر الخراج أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث عثمان بن حنيف فجعل على كل جريب شعير درهمين، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القصب والشجر ستة دراهم، وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم وعلى جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب الزيتون اثني عشر درهما.

وروى أبو مجلز أن عثمان بن حنيف فرض على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية.

ولو أراد الإمام أن يقف أرضاً من الغنيمة اليوم بطيبة أنفس الغانمين أو بمال يرضيهم به كما فعل عمر رضي الله عنه يجوز، ومن لم يطب به نفساً فهو أحق بماله.

أما ما فتحت من أراضيهم صلحاً ففيه مسألتان:

أحدهما: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للكفار وهم يؤدون عن كل جريب في كل سنة كذا فهذا جائز (1) ، والمضروب عليهم جزية بشرط أن يكون المضروب عليهم قدراً يبلغ في حق كل حالم ديناراً فأكثر (2) ولا يؤخذ من أراضي الصبيان والنسوان والمجانين لأنه لا جزية عليهم.

وهل يجب أن يؤدوا ذلك عن الموات؟ نظر:

إن كانوا يمنعوننا عنه يجب، وإن كانوا لا يمنعوننا عنه فلا يجب ومن أحياه يملكه.

ولو أنهم أحيوا منه شيئاً بعد الصلح لا يجب عليهم أن يؤدوا منه إلا أن يشترط عليهم أن يؤدوا عما يحيوا فيجب. وإذا أسلموا يسقط عنهم ذلك بالإسلام.

(1) انظر: كتاب السير من الحاوي 1191.

(2)

أقل الجزية دينار لكل سنة. انظر: روضة الطالبين 10/312.

ص: 360

ويجوز لهم بيع تلك الأراضي ورهنها لأنها ملكهم.

ولو اشترى مسلم أرضاً من تلك الأراضي فلا خراج عليه ومصرف ذلك المال مصرف الفيء لا حق فيه لأهل الصدقات.

المسألة الثانية: أن يصالحهم على أن تكون الأراضي للمسلمين وهم يسكنونها ويؤدون كل سنة عن كل جريب كذا فهذا جائز ويكون إجارة والمال المضروب عليهم أجرة الأرض، ويجب عليهم مع تلك الأجرة الجزية وتجوز تلك الأجرة، قلت أو كثرت، ولا يشترط أن يبلغ في حق كل حالم ديناراً، ويؤخذ من أراضي الصبيان والنسوان والمجانين ويؤخذ من الموات إن كانوا يمنعوننا عنه وإلا فلا. ولا تسقط تلك الأجرة عنهم بإسلامهم (1) ، وإذا وكلوا مسلماً بإعطائه يجوز.

وفي الصورة الأولى هو كالتوكيل بإعطاء الجزية، ومصرفه أيضاً مصرف الفيء ولا يجوز لهم بيعها ولا رهنها لأنهم لا يملكونها.

ولو استأجر مسلم أرضاً من هذه الأراضي يجوز في الصورتين جميعاً لأن الرقبة إن كانت لهم فيجوز لهم إجارتها وإن كانت للمسلمين فهم مكترون ويجوز6 الاكتراء7 من المكتري. والله أعلم 8.

(1) انظر: كتاب السير من الحاوي 1191.

ص: 361

تابع لكتاب السير من التهذيب للإمام البغوي

فهرس المراجع

-القرآن الكريم

كتب التفسير

1-

تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) :

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، الطبعة الثالثة، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1388هـ - 1968م.

2-

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني:

السيد محمود الألوسي، (الطبعة بدون) ، دار إحياء التراث العربي، (التاريخ بدون) .

3-

زاد المسير في علم التفسير:

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق 1404هـ - 1984م.

4-

النكت والعيون:

أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، تحقيق: خضر محمد خضر، الطبعة الأولى، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بدولة الكويت، 1402هـ - 1982م

كتب القراءات وعلوم القرآن

1-

أسباب النزول:

علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1400هـ - 1980م.

2-

التفسير والمفسرون:

د. محمد حسين الذهبي، الطبعة الثانية، 1396هـ -1976م.

كتب السنة

1-

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل:

محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق 1399هـ - 1979م.

2-

التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:

أحمد بن علي العسقلاني، عني بتصحيحه والتعليق عليه السيد عبد الله هاشم اليماني، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1384هـ -1964م.

3-

تهذيب ابن القيم:

أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية.

تحقيق: أحمد محمد شاكر، محمد حامد الفقي، (الطبعة بدون) دار المعرفة للطباعة، والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

4-

جامع الأصول في أحاديث الرسول:

مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، (الطبعة بدون) ، مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح، مكتبة دار البيان، 1391هـ - 1971م.

ص: 362

5-

الدراية في تخريج أحاديث الهداية:

أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، صححه وعلق عليه: السيد عبد الله هاشم اليماني، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

6-

دلائل النبوة:

أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وثق أصوله وخرّج أحاديثه د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1405هـ - 1985م.

7-

سبل السلام شرح بلوغ المرام:

محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني، صححه وعلق عليه: محمد عبد العزيز الخولي، (الطبعة بدون) مكتبة عاطف، القاهرة، (التاريخ بدون) .

8-

السنن الكبرى:

أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الطبعة الأولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، حيدر آباد الدكن،1347هـ.

9-

سنن أبي داود:

أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، (الطبعة بدون) دار إحياء السنة النبوية، (التاريخ بدون) .

10-

سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح:

أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق: عبد الله عبد اللطيف، الطبعة الثالثة، دار الفكر، 1398هـ - 1987م.

11-

سنن الدارمي:

عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، (التاريخ بدون) .

12-

السنن:

سعيد بن منصور الخراساني، حققه وعلق عليه: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى، الدار السلفية، بمباي، الهند، 1403هـ - 1982م.

13-

سنن النسائي:

أحمد بن شعيب النسائي، (الطبعة بدون) ،دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون)

14-

صحيح البخاري:

أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، (الطبعة بدون) ، دار مطابع الشعب، (التاريخ بدون) .

15-

صحيح سنن أبي داود:

محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1419هـ - 1998م.

16-

صحيح سنن ابن ماجه:

ص: 363

محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، مكتب التربية العربي لدول الخليج 1408هـ - 1988م.

17-

صحيح مسلم:

أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (الطبعة بدون) دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

18-

علل الحديث ومعرفة الرجال:

علي بن عبد الله المديني، تحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، دار الوعيى، حلب، 1400هـ - 1980م.

19-

فتح الباري شرح صحيح البخاري:

أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، (التاريخ بدون) .

20-

كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال:

علاء الدين علي المتقي ابن حسام الدين الهندي، ضبطه وفسر غريبه: بكري حياني، صححه ووضع فهارسه، صفوة السقا، (الطبعة بدون) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1399هـ - 1979م.

21-

مختصر سنن أبي داود:

أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، محمد حامد الفقي، (الطبعة بدون) دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان (التاريخ بدون) .

22-

المراسيل:

أبو داود سليمان بن أشعث السجستاني، راجعه وفهرس أحاديثه د. يوسف المرعشلي، مطبوع مع سلسلة الذهب، الطبعة الأولى، دار المعرفة بيروت، لبنان، 1406هـ - 1986م.

23-

المستدرك على الصحيحين:

أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون)

24-

مسند الإمام أحمد:

أحمد بن حنبل، الطبعة الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، 1398هـ - 1987م.

25-

مشكاة المصابيح:

محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، المكتب الاسلامي، بيروت، لبنان، دمشق، 1407هـ - 1985م.

26-

مصابيح السنة:

ص: 364

أبو محمد الحسين بن مسعود محمد الفراء البغوي، تحقيق: د. يوسف المرعشلي، محمد سليم جمال حمدي الذهبي، الطعبة الأولى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة 1407هـ - 1987م.

27-

معالم السنن:

أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي، الطبعة الثانية، المكتبة العلمية، بيروت لبنان 1401هـ - 1981م.

28-

المعجم الكبير:

أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، دار النشر، (التاريخ بدون) .

29-

المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أبو محمد عبد الله بن على بن الجارود، (الطبعة بدون) ، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، 1382هـ - 1963م.

30-

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:

على بن سلطان بن محمد القاري، (الطبعة بدون) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

31-

موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان:

نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان (التاريخ بدون)

32-

الموطأ:

مالك بن أنس، صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، (الطبعة بدون) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1406هـ-1985م.

33-

هامش مختصر سنن أبي داود:

مطبوع مع معالم السنن، الطبعة الثانية، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان 1401هـ - 1981م.

كتب الفقه

(الفقه الحنفي)

1-

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع:

أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، الطبعة الثانية دار الكتاب العربي، بيروت لبنان 1402هـ - 1982م.

2-

البناية في شرح الهداية:

أبو محمد محمود بن أحمد العيني، تصحيح المولوي محمد عمر الشهير بناصر الاسلام الرامفوري الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1400هـ - 1980م.

3-

حاشية رد المحتار على الدار المختار شرح تنوير الأبصار:

ص: 365

محمد أمين الشهير بابن عابدين، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، لبنان 1386هـ - 1966م.

4-

الدر المنتقى في شرح الملتقى:

محمد بن على بن محمد الحصكفي، مطبوع بهامش مجمع الأنهر، (الطبعة بدون) دار إحياء التراث العربي، (التاريخ بدون)

5-

الكتاب:

أبو الحسين أحمد بن محمد القدوري، مطبوع مع اللباب، (الطبعة بدون) المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون)

6-

رؤوس المسائل:

جارالله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، الطبعة الأولى دار الشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1407هـ - 1987م.

7-

شرح أحمد شلبي على تبيين الحقائق:

أحمد شلبي، مطبوع مع تبيين الحقائق، الطبعة الأولى، المطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق، مصر، 1313هـ.

8-

شرح فتح القدير:

كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام الحنفي، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1387هـ - 1977م.

9-

الهداية شرح بداية المبتدي:

أبو الحسن على بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشواني، المرغينائي، الطبعة الأخيرة، المكتبة الإسلامية، (التاريخ بدون) .

الفقه الشافعي

أ- الكتب المخطوطة

1-

بحر المذهب:

عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم (369) فقه شافعي.

2-

البيان في فروع الشافعية:

أبو الخير يحي بن سالم المعروف بالعمراني، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم (25) فقه شافعي.

3-

كفاية النبيه في شرح التنبيه:

أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة، مخطوط مصور في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.

ب- الكتب المطبوعة

1-

الإقناع في الفقه الشافعي:

أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، حققه وعلق عليه: خضر محمد خضر، الطبعة الأولى، دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت 1402هـ - 1982م

2-

الأم:

ص: 366

الإمام محمد بن إدريس الشافعي، أشرف على طبعه وباشر تصحيحه، محمد زهري النجار، الطبعة الثانية، دار المعرفة اللطباعة والنشر، بيروت، لبنان 1393هـ - 1973م.

3-

الأنوار لأعمال الأبرار:

يوسف الأردبيلي، الطبعة الأخيرة، مؤسسة الحبي، وشركاه للنشر والتوزيع، القاهرة، 1389هـ - 1969م.

4-

تحفة المحتاج بشرح المنهاج:

أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي، مطبوع بهامش حواشي الشرواني وابن قاسم، (الطبعة بدون) ، دار صادر، بيروت، (التاريخ بدون) .

5-

التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي:

أبو إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الشيرازي، الطبعة الأخيرة، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1370هـ - 1951م.

6-

حاشية الشرواني على تحفة المحتاج:

عبد الحميد الشرواني، مطبوعة مع حاشية ابن قاسم، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

7-

حاشية القليوبي على شرح المحلي:

شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، مطبوعة مع حاشية عميرة (الطبعة بدون) ،دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

8-

حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء:

أبوبكر محمد بن أحمد الشاشي القفال، حققه وعلق عليه: د. ياسين أحمد إبراهيم درادكة، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، دار الأرقم عمان، 1400هـ - 1980م.

9-

روضة الطالبين:

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، (الطبعة بدون) ، المكتب الإسلامي، بيروت دمشق (التاريخ بدون) .

10-

شرح روض الطالبين:

أبو يحيى زكريا الأنصاري، (الطبعة بدون) ، المكتبة الإسلامية، (التاريخ بدون) .

11-

شرح المحلي على المنهاج:

جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، مطبوع بهامش حاشيتي القليوبي وعميرة، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

12-

شرح منهج الطلاب:

زكريا الأنصاري، مطبوع مع حاشية البجيرمي، (الطبعة بدون) المكتبة الإسلامية، (الطبعة بدون) .

ص: 367

13-

الغاية القصوى في دراية الفتوى:

عبد الله بن عمر البيضاوي، دراسة وتحقيق وتعليق: د. علي محي الدين علي القرة داغي (الطبعة بدون) ، دار الإصلاح للطبع والنشر والتوزيع، السعودية الدمام، (التاريخ بدون)

14-

فتح الجواد بشرح الإرشاد:

أحمد بن حجر الهيثمي، الطبعة الثانية، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، 1391هـ - 1971م.

15-

فتح المنان:

محمد بن على بن محسن الشافعي، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية ومكتبة الجيل الجديد، الجمهورية اليمنية، صنعاء، 1409هـ - 1988م.

16-

فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب:

أبو يحيى زكريا الأنصاري، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

17-

كتاب السير من الحاوي:

أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي تحقيق: محمد بن دريد المسعودي، رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة أم القرى 1403هـ - 1983م.

18-

كفاية الأخيار في غاية الاختصار:

أبو بكر محمد الحسيني الحصني، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

19-

مختصر المزني:

أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، مطبوع مع الأم، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1393هـ - 1983م.

20-

المسائل الفقهية التي انفرد بها الشافعي:

الحافظ ابن كثير، تحقيق د. إبراهيم صندقجي، الطبعة الأولى، مكتبة دار العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1406هـ - 1986م.

21-

مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج:

محمد الخطيب الشربيني، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون)

22-

منهاج الطالبين وعمدة المفتين:

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، (الطبعة بدون) ، دار إحياء الكتب العربية، مصر، 1380هـ - 1960م.

23-

المهذب في فقه الإمام الشافعي:

ص: 368

أبو إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروزآبادي، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة 1379هـ - 1959م.

24-

نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج:

أبو العباس أحمد بن حمزة ابن شهاب الدين الرملي، (الطبعة بدون) ، المكتبة الإسلامية، لصاحبها الحاج ورياض الشيخ، (التاريخ بدون) .

25-

الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي:

محمد بن محمد بن محمد الغزالي، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، لبنان، 1399هـ-1979م.

كتب أصول الفقه

1-

التمهيد في أصول الفقه:

محفوظ بن أحمد بن الحسن أبو الخطاب الكلوذاني، دراسة وتحقيق: محمد ابن علي إبراهيم، الطبعة الأولى، مركز البحوث العلمي، مكة المكرمة، 1406هـ - 1985م.

2-

جمع الجوامع:

تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي، مطبوع مع حاشية البناني، (الطبعة بدون) دار الفكر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

3-

شرح الكوكب المنير:

أبو البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي المعروف بابن النجار، الطبعة الأولى، مركز البحث العلمي، مكة المكرمة.

4-

الفروق:

شهاب الدين القرافي، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

كتب اللغة

1-

تصحيح التنبيه:

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، مطبوع بهامش التنبيه، الطبعة الأخيرة، شركة مكتبة مصطفى البابي، الحلبي، مصر، 1370هـ -1951م.

2-

حلية الفقهاء:

أبو الحسين أحمد بن فارس، بن زكريا الرازي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، الشركة المتحدة للتوزيع، بيروت، 1403هـ - 1983م.

3-

الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي:

يوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي المعروف بابن المبرد، تحقيق: د. رضوان مختار بن غربية، الطبعة الأولى، دار المجتمع للنشر والتوزيع، جدة، 1411هـ - 1991م.

4-

لسان العرب:

أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، (الطبعة بدون) ، دار صادر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

ص: 369

5-

مختار الصحاح:

محمد بن أبي بكر الرازي، (الطبعة بدون) ، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1401هـ - 1981م.

6-

المصباح المنير:

أحمد بن علي المقري الفيومي، صححه: مصطفى السقا، (الطبعة بدون) ، دار الفكر، بيروت، لبنان (التاريخ بدون) .

7-

معجم لغة الفقهاء:

د. محمد رواس قلعجي، د. حامد صادق قنيبي، الطبعة الأولى، دار النفائس، بيروت، 1405هـ - 1985م.

8-

النظم المستعذب في شرح غريب المهذب:

محمد بن أحمد بن بطال الركبي، مطبوع مع كتاب المهذب، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، 1397هـ - 1959م.

9-

النهاية في غريب الحديث والأثر:

أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير، تحقيق: محمود محمد الطناحي، طاهر أحمد الزاوي، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1399هـ - 1979م.

كتب التراجم والطبقات والسير والتاريخ

1-

أخبار أبي حنيفة وأصحابه:

أبو عبد الله حسين بن على الصيمري، الطبعة الثانية دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1976م.

2-

أخبار القضاة:

محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع، (الطبعة بدون) ، عالم الكتب، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

3-

الاستيعاب:

ابن عبد البر القرطبي، مطبوع مع الإصابة، (الطبعة بدون) ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

4-

أسد الغابة في معرفة الصحابة:

أبو الحسن علي بن محمد الجزري (الطبعة بدون) ،دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون)

5-

الإصابة في تمييز الصحابة:

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، (الطبعة بدون) ، دار الكتاب العربي، بيروت، (التاريخ بدون) .

6-

إعجام الأعلام:

محمود مصطفى، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1403هـ - 1983م

7-

الأعلام:

خير الدين الزركلي، الطبعة الخامسة، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1980م

8-

الإكمال:

ص: 370

الأمير الحافظ ابن ماكولا، تحقيق، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي (الطبعة بدون) ، نشرة محمد أمين دمج، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

9-

الأنساب:

أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، الطبعة الثانية، نشره محمد أمين دمج، بيروت، لبنان، 1400هـ - 1980م.

10-

الأنوار في شمائل النبي المختار:

محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: الشيخ إبراهيم اليعقوبي، الطبعة الأولى، دار الضياء للطباعة والنشر، بيروت، 1409هـ.

11-

البداية والنهاية:

الحافظ ابن كثير، الطبعة الثالثة، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، 1979م

12-

بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة:

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية دار الفكر، بيروت - لبنان 1399هـ -1979م.

13-

التاريخ:

يحيى بن معين، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى، مركز البحث العلمي، مكة المكرمة، 1399هـ - 1979م.

14-

تاريخ الأدب العربي:

كارل بروكلمان، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر، القاهرة.

15-

تاريخ أسماء الثقات:

أبو حفص عمر أحمد بن عثمان المعروف بابن شاهين، حققه وعلق عليه: د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1406هـ - 1986م.

16-

تاريخ الإسلام:

شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1407هـ - 1987م.

17-

تاريخ الإسلام - المغازي:

شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق د. عمر عبد السلام التدمري، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1410هـ - 1990م.

18-

تاريخ الأمم والملوك:

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثانية، دار سويدان، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

19-

تاريخ الثقات:

ص: 371

أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي، تحقيق: د. عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405هـ - 1984م.

20-

تاريخ جرحان:

السهمي، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1401هـ - 1981م.

21-

التاريخ الكبير:

أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، (الطبعة بدون) ، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، 1406هـ - 1986م.

22-

تبصير المنتبه بتحرير المشتبه:

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: علي محمد البجاوي، (الطبعة بدون) ، المكتبة العلمية، بيروت - لبنان، (التاريخ بدون)

23-

التبيين في أنساب القرشيين:

24-

تتمة المختصر في أخبار البشر:

زين الدين عمر بن الوردي، تحقيق: أحمد رفعت البدراوي، الطبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1389هـ - 1970م.

25-

تجريد أسماء الصحابة:

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

26-

التجبير في المعجم الكبير:

أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني، تحقيق: منيره ناجي سالم، (الطبعة بدون) ، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1395هـ

27-

تذكرة الحفاظ:

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، الطبعة الرابعة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، 1388هـ - 1968م.

28-

تقريب التهذيب:

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1395هـ - 1975م.

29-

التقييد لمعرفة الرواة والسنن والمسانيد:

أبو بكر محمد بن عبد الغني الشهير بابن نقطة، (الطبعة بدون) ، دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت، لبنان 147هـ - 1986م.

30-

تهذيب الأسماء واللغات:

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، (الطبعة بدون) ،دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

31-

تهذيب تاريخ دمشق:

ص: 372

علي بن الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر، هذبه ورتبه: عبد القادر بدران، الطبعة الثانية، دار المسيرة، بيروت 1399هـ - 1979م.

32-

تهذيب التهذيب:

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، الطبعة الأولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد الدكن، 1325.

33-

تهذيب الكمال في أسماء الرجال:

أبو الحجاج يوسف المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1403هـ - 1983م.

34-

الجرح والتعديل:

عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1371هـ - 1952م.

35-

الجمع بين رجال الصحيحين:

أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي، المعروف بابن القيراني، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405هـ.

36-

جمهرة أنساب العرب:

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403هـ - 1983م.

37-

الجواهر المضية في طبقات الحنفية:

أبو محمد عبد القادر بن محمد القرشي، تحقيق: د. عبد الفتاح محمد الحلو، (الطبعة بدون) ، دار العلوم، الرياض، 1398هـ - 1978م.

38-

حلية الأولياء:

أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، (التاريخ بدون) .

39-

خزانة الأدب:

عبد القادر البغدادي، تحقيق: عبد السلام هارون، (الطبعة بدون) ، مكتبة الخانجي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، القاهرة، 1397هـ - 1977م.

40-

خلاصة تهذيب التهذيب:

صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي، تحقيق: محمود عبد الوهاب فايد، (الطبعة بدون) ، مكتبة القاهرة، القاهرة، (التاريخ بدون) .

41-

الديباج المذهب:

إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري، (الطبعة بدون) دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان ن (التاريخ بدون) .

42-

الرسالة المستطرفة:

ص: 373

محمد بن جعفر الكتاني، (الطبعة بدون) ، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة

(التاريخ بدون) .

43-

الروض الأنف:

أبو عبد الله الحثعمي السهيلي، علق عليه وضبطه: طه عبد الرؤوف سعد، (الطبعة بدون) ،دار الفكر، (التاريخ بدون) .

44-

الروض المعطار في خبر الأقطار:

محمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق: د. إحسان عباس، الطبعة الثانية، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان 1984م

45-

الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة:

يحيى بن أبي بكر العامري اليمني، الطبعة الأولىبيروت، لبنان، 1974م.

46-

سمط اللآلي في شرح أمالي القالي:

أبو عبيد البكري الأونبي، تحقيق: عبد العزيز الميمني، الطبعة الثانية، دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1404هـ،1984م.

47-

سير أعلام البنلاء:

شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: جماعة من العلماء الطبعة الأولى، مؤسسة، بيروت، لبنان، 1405هـ -1984م.

48-

السير والمغازي:

محمد بن إسحاق الطلبي، تحقيق: د. سهيل زكار، الطبعة الأولى دار الفكر، بيوت لبنان، 1398هـ - 1978م.

49-

السيرة النبوية:

ابن هشام، قدم لها وعلق عليها: طه عبد الرؤوف سعد، (الطبعة بدون) مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة، 1391م.

50-

شذرات الذهب في أخبار من ذهب:

أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، (الطبعة بدون) ، دار الآفاق الجديدة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

51-

صفة الصفوة:

جمال الدين أبن الجوزي، حققه وعلق عليه: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: د. محمد ابن رواس قلعجي، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1399هـ - 1979م.

52-

الطبقات:

أبو عمرو خليفة بن خياط شباب العصفري، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، الطبقة الثانية، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 1402هـ -1982م.

53-

طبقات الحفاظ:

ص: 374

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، 1403هـ - 1983م.

54-

الطبقات السنية في تراجم الحنفية:

تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، (الطبعة بدون) ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1390هـ - 1970م.

55-

طبقات الشافعية:

أبو بكر بن أحمد بن محمد ابن قاضي شهبة، صححه وعلق عليه: د. عبد العليم خان، الطبعة الأولى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، 1388هـ -1978م.

56-

طبقات الشافعية:

جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي، تحقيق: عبد الله الجبوري، (الطبعة بدون) ، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض 1401هـ -1981م.

57-

طبقات الشافعية:

أبو بكر هداية الله الحسيني، حققه وعلق عليه: عادل نويهض، الطبقة الثانية، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1979م.

58-

طبقات الشافعية:

أبو عاصم محمد بن أحمد العبادي، (الطبعة بدون) ، ليدن، 1964م.

59-

طبقات الشافعية الكبرى:

تاج الدين بن تقي الدين السبكي، الطبعة الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، (التاريخ بدون) .

60-

طبقات الفقهاء:

أبو إسحاق الشيرازي، تصحيح ومراجعة: خليل الميس، (الطبعة بدون) ، دار القلم، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

61-

الطبقات الكبرى:

محمد بن سعد (الطبعة بدون) ، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1398هـ - 1978م.

62-

طبقات المفسرين:

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403هـ-1983م.

63-

طبقات المفسرين:

محمد بن علي بن أحمد الداودي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز.

64-

العبر في خبر من غبر:

ص: 375

الحافظ الذهبي، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز، مكة المكرمة، 1405هـ - 1985م.

65-

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين:

محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي، تحقيق: محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1406هـ - 1986م.

66-

غاية النهاية في طبقات القراء:

شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري، عني بنشره ج. برجستراسر، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1400هـ - 1980م.

67-

الفتح المبين في طبقات الأصوليين:

عبد الله مصطفى المراغي، الطبعة الثانية، نشرة، محمد أمين دمج، بيروت، لبنان 1394هـ - 1974م.

68-

الفهرست:

ابن النديم، (الطبعة بدون) ،دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

69-

الفوائد البهية في تراجم الحنفية:

أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي، صححه وعلق عليه: محمد بدر الدين أبوفراس النعسائي، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان (التاريخ بدون) .

70-

فوات الوفيات:

محمد بن شاكر الكتبي، تحقيق: د. إحسان عباس، الطبعة بدون، دار الثقافة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

71-

الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة:

أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403هـ - 1983م.

72-

الكامل في التاريخ:

أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري، (الطبعة بدون) ، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1398هـ - 1978م.

73-

كشف الظنون:

حاجي خليفة، (الطبعة بدون) دار الفكر، بيروت لبنان، 1402هـ - 1982م.

74-

الكواكب النيرات:

أبو البركات محمد بن أحمد المعروف بابن الكيال، تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبي، الطبعة الأولى، مركز البحث العلمي، بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1401هـ - 1981م.

75-

اللباب في تهذيب الأنساب:

ص: 376

عز الدين ابن الأثير الجزري، (الطبعة بدون) ،دار صادر، بيروت، 1400

هـ - 1980م.

76-

المحبر:

أبو جعفر محمد بن حبيب، (الطبعة بدون) ، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (التاريخ بدون) .

77-

مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان:

عبد الله بن أسعد على اليافعي، تحقيق: عبد الله الجبوري، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ - 1984م.

78-

المزهر في علوم اللغة وأنواعها:

جلال الدين السيوطي، شرحه وضبطه: محمد أحمد جاد المولى، محمد أبو الفضل إبراهيم علي محمد البجاوي، (الطبعة بدون) دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، مصر، القاهرة، (التاريخ بدون) .

79-

مشاهير علماء الأمصار:

محمد بن حبان البستي، عني بتصحيحه: م فلايشمهر، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

80-

المعارف:

أبو محمد عبد الله بن مسلم، تحقيق: د. ثروت عكاشة، الطبعة الرابعة، دار المعارف القاهرة، (التاريخ بدون) .

81-

معجم الشعراء:

أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1402هـ - 1982م.

82-

معجم المؤلفين:

عمر رضا كحالة، (الطبعة بدون) ، مكتبة المثنى، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، (التاريخ بدون) .

83-

معرفة القراء الكبار:

شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف، عيب، الأرناؤوط، صالح مهدي عباس، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1404هـ - 1984م.

84-

المعرفة والتاريخ:

أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، (الطبعة بدون) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، (التاريخ بدون) .

85-

مفتاح السعادة ومصباح السيادة:

أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبري زادة، الطبعة الثانية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند، 1397هـ - 1977م.

86-

مناقب عمر بن الخطاب:

ص: 377

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، تحقيق: د. زينب إبراهيم القاروط، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، (التاريخ بدون) .

87-

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، الطبعة الأولى، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، 1358هـ.

88-

منهاج اليقين في شرح أدب الدنيا والدين:

أويس وفابن محمد بن أحمد الأرزنجاني، (الطبعة بدون) ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع الباز، مكة المكرمة، 1400هـ - 1980م.

89-

ميزان الاعتدال في نقد الرجال:

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، (الطبعة بدون) ، دار المعروفة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

90-

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة:

أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب، (الطبعة بدون) ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، (التاريخ بدون) .

91-

نزهة الألباء في طبقات الأدباء:

أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي، الطبعة الثالثة، مكتبة المنار، الأردن، 1405هـ -1985م.

92-

هدية العارفين في اسماء المؤلفين وآثار المصنفين في كشف الظنون:

إسماعيل باشا، (الطبعة بدون) ، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1402هـ - 1989م.

93-

الوافي بالوفيات:

صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، اعتناء: هلموت ريتر، (الطبعة بدون) ، رانز ستاينر يفسبادن، 1381هـ -1962م.

94-

وفيات الأعيان وأنباء الزمان:

أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: د. إحسان عباس، (الطبعة بدون) ،دار صادر، بيروت، 1398هـ - 1987م.

كتب معاجم البلدان

1-

مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع:

ص: 378

صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، تحقيق وتعليق: علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1373هـ - 1954م.

2-

معجم البلدان:

ياقوت الحموي، (الطبعة بدون) ،دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان 1399هـ - 1979م.

3-

معجم ما استعجم:

عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي، تحقيق: مصطفى السقا، الطبعة الأولى، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1364هـ -1945م.

كتب مختلفة

4-

الإيضاح والتبيان في معرفة الكيال والميزان:

أبو العباس نجم الدين بن الرفعة، حققه وقدم له: د. محمد إسماعيل الخاروف، (الطبعة بدون) ، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1400هـ - 1980م.

5-

دائرة المعارف الإسلامية:

يصدرها باللغة العربية: أحمد الششتاوي، إبراهيم زكي خورشيد، عبد الحميد يونس، (الطبعة بدون) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (التاريخ بدون) .

6-

المقادير في الفقه الإسلامي في ضوء التسميات العصرية:

د. فكري أحمد عكاز، الطبعة الأولى، (دار النشر بدون) ، 1403هـ - 1983م.

ص: 379

من الهدي النبوي في تربية البنات

إعداد:

د. محمد بن يوسف عفيفي

الأستاذ المساعد في كلية الدعوة بالجامعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأسوة الحسنة وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

كانت ولا تزال قضية تربية البنات تشكل حيزاً فكرياً واجتماعياً، فقد كانت البنت في الجاهلية مثار قلق وإزعاج للأبوين، وكم كانت تظلم في سبيلها الأم متهمة بأنها السبب في إنجاب البنات.

والحديث عن تربية البنات حديث متجدد لا ينتهي؛ لأن البنت بحكم فطرتها وطبيعتها تحتاج إلى رعاية خاصة إعداداً للدور الكبير الذي ينتظرها في الحياة: أن تكون زوجة صالحة وأماً ناجحة في المستقبل، وخير النساء من تعتني بزوجها وأولادها، فقد ورد في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم يقول: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده"[1] .

وفي هذا يقول محمد نور سويد: "للمرأة دورٌ تاريخي في حياة المجتمعات فقد تنتج ولداً مصلحاً للمجتمع يقود الأمة إلى الخير والقوة"[2] .

ولكن كيف نربي بناتنا ونعدهن لهذه المهمة الكبرى؟ الجواب بلا شك أنه باتباع هدي النبي –صلى الله عليه وسلم في تربية بناته رضي الله عنهن.

وفي هذا البحث سوف يتناول الباحث الحديث عن جوانب من هدي النبي –صلى الله عليه وسلم في تربيته لبناته –رضي الله عنهن لعل القارئ يجد فيه الفائدة والعون على تربية بناته.

وقد تضمن البحث الموضوعات التالية:

أولاً: (التعريف بالبحث) ويشتمل على ما يلي:

1-

هدف البحث.

2-

أهمية البحث.

3-

سبب اختيار البحث.

4-

حدود البحث.

5-

منهج البحث.

6-

مصطلحات البحث.

ثانياً: الدراسات السابقة.

ثالثاً: الإطار النظري.

رابعاً: تربية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الطفولة.

ص: 380

خامساً: رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الصبا.

سادساً: تزويج النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته.

سابعاً: رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته بعد الزواج.

ـ نتائج البحث.

ـ التوصيات.

ـ المراجع.

أولاً – التعريف بالبحث:

1-

هدف البحث:

يهدف البحث إلى التعريف بجوانب من هدي النبي –صلى الله عليه وسلم في تربية البنات من خلال تتبع منهجه –صلى الله عليه وسلم في تربية بناته رضي الله عنهن

2-

أهمية البحث:

سوف يعين البحث –إن شاء الله– الآباء والأمهات على تربية بناتهم وفقاً للهدي النبويّ، والوالدان في حاجة دائمة إلى ما يعينهم ويرشدهم في تربية أبنائهم وبناتهم.

وهناك الكثير الذي كُتب عن تربية الأولاد سواء المؤلف منه، أو المترجم ولكننا بحاجة ماسَّة إلى القراءة، والتدبر في سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم والاستفادة منها واتباع ما جاء فيها في جميع شؤوننا حتى لا نتخبط وتفترق بنا السبل.

3-

سبب اختيار البحث:

كثيراً ما يعترض الآباء والأمهات بعض المشاكل في تربية الأبناء فيقف الوالدان أحياناً موقف الحائر بحثاً عن أنجح الأساليب التربوية التي تعينهم على تخطي هذه المشكلة، والحل قريب منهم جداً إنه في اتباع هدى النبي –صلى الله عليه وسلم في التربية بل في كافة الأمور.

وقد اختار الباحث الكتابة عن تربية البنات؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم كان أباً لبنات، رباهن طيلة حياته، وعاش معهن لحظة لحظة في جميع مراحل حياتهن من الولادة إلى الوفاة فكل أولاده توفى قبله إلا فاطمة –رضي الله عنها فإنها تأخرت بعده بستة أشهر [3] .

4-

حدود البحث:

سوف يتناول البحث الحديث عن جوانب من هدي النبي –صلى الله عليه وسلم في تربيته لبناته منذ مولدهن إلى وفاتهن على النحو التالي:

ـ جوانب من رعايته –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الطفولة.

ـ جوانب من رعايته –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الصبا.

ص: 381

ـ جوانب من هديه –صلى الله عليه وسلم في تزويج بناته.

ـ جوانب من هديه –صلى الله عليه وسلم في رعايته لبناته بعد الزواج.

5-

منهج البحث:

سوف يتبع الباحث المنهج التاريخي في التعرف على جوانب من هدي النبي –صلى الله عليه وسلم في تربيته لبناته –رضي الله عنهن ومحاولة استنباط الفوائد التربوية مما كتب عن سيرة بنات النبي –صلى الله عليه وسلم والتعليق عليها، وبيان تطبيقاتها التربوية.

6-

مصطلحات البحث:

الهَدِيُّ: الطريقة يقال ما أحسن هَدِيَّةَ فلان وهَدْيَهُ أي طريقته [4] .

تربية: كلمة مشتقة من (الرب) الراء والباء المضعفة وتعني رَبَّاه وأحسَنَ القيام عليه جاء في لسان العرب رَبَّ ولَدَه والصَّبِيَّ يَرِبَّه بمعنى رَبَّاه وأحسَنَ القيام عليه حتى يفارق الطفُّوُلِيةَ سواء كان ابنه أو لم يكن، والصَّبي مَرْبُوبٌ ورَبِيبٌ [5]

ويقصد بالتربية في هذا البحث طرق الرعاية والتنشئة من الطفولة حتى الكبر.

مرحلة الطفولة: هي مرحلة من مراحل عمر الإنسان تبدأ من سن سنتين حتى قرب سن البلوغ وقسمها بعض علماء التربية إلى أقسام هي [6] :

الطفولة المبكرة من 2-6 سنوات.

الطفولة المتوسطة من 6-9سنوات.

الطفولة المتأخرة من 9-12 سنة.

وفي هذا البحث يقصد بها المرحلة من العمر من الولادة إلى قبيل التكليف وتحمل المسؤولية.

مرحلة الصبا: وهي المرحلة من العمر التي تعقب مرحلة الطفولة وتعرف عند علماء التربية بالمراهقة "التي تعني التدرج نحو النضج البدني، والجنسي والعقلي، والانفعالي، والاجتماعي"[7]

ثانياً: الدراسات السابقة:

ص: 382

معظم الأبحاث التي كُتبت في تربية الأولاد تحدثت عن تربية الولد والبنت على حد سواء، ولم ينفرد بالحديث عن تربية البنات إلَاّ القليل جداً ولابأس في ذلك لأن البنت والولد أمانة لدى الوالدين وسوف يسألان عنهما يوم القيامة؛ لذا أوجب عليهما الإسلام الاهتمام بذريتهما ذكوراً وإناثاً وتربيتهم على الأخلاق الفاضلة يقول الإمام ابن القيم – رحمه الله:"ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلقه، فإنه ينشأ عما عوّده المربي في صغره من حر وغضب ولجاج وعجلة وخفة مع هواه، وطيش وحدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فلو تحرز منها غاية التحرز فضحته ولابد يوماً ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها"[8] .

وفيما يلي يستعرض الباحث بعض الدراسات السابقة التي استفاد منها ويبين كيف تلتقي هذه الدراسات ببحثه:

1ـ بحث بعنوان: (البنت المسلمة بين الواقع والتشريع)[9] .

يرى الباحث أن الحديث عن المرأة لا ينتهي وأن هناك من يثيره من فترة إلى أخرى، وأن النظرة لهذا الموضوع متعددة الاتجاهات:

الاتجاه الأول: ينظر إلى موضوع المرأة نظرة شرعية وفقاً لما جاء في الكتاب والسنة فهو يحكم الوحي الإلهي ويعتبر ما خالفه فساداً وخسراناً مبيناً للبشرية الرجل والمرأة على حد السواء.

الاتجاه الثاني: يحكم في المرأة العادة ويعتبر اتباع هذه العادات والتقاليد الموروثة ولاء للسابقين.

الاتجاه الثالث: هو الاتجاه الذي انبهر بالحضارة المادية في كل شيىء فأصبحت المرأة تعيش فيه حياة غربية.

ص: 383

وعالج الباحث موضوع المرأة بالحديث عن البنت بذكر بعض المسلمات عنها وهي: أن البنت إنسان كالذكر في إنسانيتها وأن الشرع جاء ليخاطب الذكر والأنثى على حد السواء، وأن احترامها كإنسان يوجب علينا العناية بها في مراحل الطفولة والصبا عناية شاملة لجميع الجوانب الجسمية، والخلقية، والفكرية.

ثم بيَّن الباحث حال المرأة قبل الإسلام كيف أنها سلبت جميع حقوقها بل وصل الحال بالعرب قبل الإسلام بدفنها حية خشية العار، ولما جاء الإسلام غير النظرة إلى المرأة وحفظ لها حقوقها في: الإرث قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} [10] .

ومنحها حق الموافقة على الزوج الذي سوف ترتبط به، ووضع الإسلام الولاية بيد وليها بدون تعسف أو تسلط فمهمة الولي مساعدتها على حسن الاختيار وليس له الحق في قسرها على الزواج بمن لا ترضى أن تقترن به، بل تستأذن قبل الزواج حتى تقام أسرتها على أساس سليم قوي.

وفرض عليها الإسلام الحجاب وأمرها بالعفة والستر. وبيّن حال بعض النساء من ترك للحجاب والقبول بما ارتضاه الغرب للمرأة من أن تكون أداة للإغراء ووسيلة لتسويق السلع.

ويري الباحث أن السبيل الوحيد إلى صيانة البنت وحفظها: هو التمسك بالدين وتطبيقه في جميع جوانب الحياة.

وهذه الدراسة تتفق مع الدراسة الحالية في بيان أهمية التمسك بدين الله، وتربية البنات وفقاً لما أراد الله عز وجل، وجاء به نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم، وأن تُمنح البنت جميع حقوقها التي كفلها لها الإسلام.

2ـ بحث بعنوان: (دور الأم في تربية الطفل المسلم)[11] .

ص: 384

بدأت الباحثة الحديث عن حال المرأة في العصور السابقة للإسلام وكيف أنها كانت: عند الهنود لا شيىء يذكر وأن أحقر الأشياء أفضل منها، وفي شريعة حمورابي كانت المرأة تعد من الماشية، وعند اليونانيين أعلن أرسطو أنه ليس لديها استعداداً عقلياً يُعتز به، وفي اليهودية المحرفة اعتبرت المرأة في أيام الحيض نجسة تحبس في البيت، وبالغ رجال الكنيسة في إهدار شأنها والحط من قيمتها وحملوها مسئولية خراب المجتمعات وانتشار الفواحش والمنكرات، وفي الجاهلية العربية اعتبرت المرأة من سقط المتاع الذي يورث وكانت تدفن حية؛ خشية العار ثم بينت الباحثة مكانة المرأة التي خصها بها الإسلام.

وفي الفصل الرابع من هذه الرسالة تحدثت الباحثة عن طريقة الأم في تربية الطفل المسلم، وأن مسئولية التربية في مرحلة الطفولة المبكرة تقع على الأم فهي المسؤولة عن نظافته النظافة التي تريح أعصابه وتوفر له الاستقرار النفسي، وأنها قدوة متحركة في أرجاء البيت فهي بسلوكها وحسن خلقها تجعل أطفالها ينشئون على خصال الخير كالصدق والأمانة فعليها تقع مسئولية عظيمة في ذلك، إذ أن علاقتها تزداد قوة وتنمو يوماً بعد يوم مع طفلها الذي يعتبرها الشخص الوحيد في حياته الذي يتعامل معه لا سيما في سنواته الأولى.

وهذه الدراسة تتفق مع الدراسة الحالية في التأكيد على أن الإسلام حفظ للمرأة حقوقها، وأن دور الأم في التربية دور هام وبالذات في مرحلة الطفولة المبكرة، وأنها قدوة لأولادها فلابد أن تكون قدوة حسنة.

3 ـ دراسة بعنوان: (مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة)[12]

ص: 385

هذه الرسالة نافعة تضمنت الكثير من مبادئ التربية الإسلامية، في المبحث الخامس منها تكلم الباحث عن دور الأم في التربية وأن لها وظيفة هامة في التربية بالنسبة للطفل الصغير خاصة، وأن بناءها الجسمي والنفسي مهيأ لتحمل أعباء التربية والحضانة والاعتناء بالطفل، فلا يستطيع الرجل أن يسد مكان الأم ودورها في التربية، لأن دورها لا يقتصر فقط على العناية بمأكله، ومشربه، وملبسه بل أن دورها الأكبر والأعظم هو ذلك الحب المتدفق من قلبها على الولد، وذلك الحنان الذي يشعر الولد فيه بالأمن والسعادة فينمو بدنه وعقله ونفسه نمواً متكاملاً.

وهذا ما أكدته الدراسة الحالية من أن بنات النبي –صلى الله عليه وسلم حظين بحب وعطف ورعاية أمهن أم المؤمنين خديجة بنت خويلد-رضي الله عنها فنشئن نشأة متميزة؛ نظراً لما اتصفت به أمهن خديجة من حكمة ورجاحة عقل.

4 ـ مقالات في تربية البنات:

أ – مكانة البنات [13] .

بيّن الكاتب كيف كان حال البنت قبل الإسلام وأنها كانت تعتبر نوعاً من البلاء الذي يستحق التخلص منه فكانوا يقولون: "دفن البنات من المكرمات"، ثم تحدث عما كانت تلقاه المرأة من سوء المعاملة بسبب إنجاب البنات فقد تهجر ويُغضب عليها لا لشييء إلاّ لأنها أنجبت بنتاً فقد حدث أن أبا حمزة الضبي هجر زوجته لأنها ولدت بنتاً ثم مر ذات يوم على بيتها فسمعها تنشد لبنتها وتقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

يظل في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا

تا الله ما ذلك في أيدينا

وإنما نأخذ ما أعطينا

ونحن كا لأرض لزارعينا

وقد تغيرت هذه النظرة في الإسلام فحثَّ على حسن رعاية البنت وتربيتها ووعد من يحسن إليها بالخير الكثير والثواب الجزيل من الله –كما ورد في مقدمة البحث-

وأجمل الكاتب التعاليم الإسلامية في تربية البنات فيما يلي:

1-

أن يحسن الإنسان تربية البنت وتأديبها وتعليمها.

2-

أن ينفق عليها ويؤدي إليها حقوقها.

ص: 386

3-

أن لا يفضل عليها أحداً من البنين.

4-

أن يلاحظ رقتها فلا يخشن معها في المعاملة.

5-

أن يحسن اختيار الزوج لها حتى يسعدها.

6-

أن لا يرغمها على التزوج بمن تكرهه.

7-

أن يوّدها ويصلها بعد الزواج.

وهذا المقال يؤيد ما توصل إليه الباحث من أنه يجب الإحسان إلى البنت بحسن التربية والرعاية، واختيار الزوج الكفء لها، وأن لا يُرغمها وليها على الزواج بمن تكره وأن يوّدها والدها بعد الزواج.

ب- مقال بعنوان: (كيف نربي بناتنا على الحجاب؟)[14] :

يهدف هذا المقال إلى وضع أسلوب عملي يجعل البنت ترتدي الحجاب عن رغبة طمعاً في طاعة الله عز وجل وثواب الآخرة وليس لبسه لعادة اجتماعية فقط.

ويري الكاتب أن الأسلوب الأمثل في تربية البنت على الحجاب هو تعويدها منذ الصغر (قبل البلوغ) على لبسه قياساً على أمر النبي –صلى الله عليه وسلم بأمر الأولاد بالصلاة وهم أبناء سبع سنين؛ لأن الطفولة المتأخرة من سن (7-11) سنة تسمى مرحلة الطفولة الهادئة فيها يتقبل الطفل من والديه. أما عندما يدخلون مرحلة البلوغ والمراهقة فإنهم يبحثون عن مثل أعلى خارج البيت ويجدونه غالباً في مجموعة الرفاق في المدرسة.

ثم تكلم عن وسائل غرس فضيلة الحجاب وهي:

1-

أن تُلقن البنت منذ سن الرابعة أو الخامسة حب الله عز وجل وحب رسوله –صلى الله عليه وسلم، ووجوب طاعة الله وطاعة رسوله –صلى الله عليه وسلم رغبةً في الأجر والثواب. وكذلك حب الوالدين ووجوب طاعتهما طمعاً في ثواب الله فقط وجنته، ولقص القصص عليهن أثر ممتاز في غرس هذه القيم في نفوسهن.

2-

أن يُعوّد الوالدين الأطفال على ستر العورة منذ الرابعة من العمر.

3-

أن تؤمر الطفلة منذ الخامسة من عمرها على تغطية شعرها كلما خرجت من البيت كي تعتاد على ذلك.

4-

أن ترغب البنت في الحجاب منذ السادسة ثم تؤمر بالحجاب الكامل في السابعة.

ص: 387

5-

أن تُعوّد الطفلة منذ السابعة كذلك على عدم الاختلاط بالذكور من غير محارمها، وأفضل وسيلة لذلك كله القدوة الحسنة من أمها وأختها الكبرى، وتمنع من الاختلاط مع أقاربها الذكور كأبناء الخالة وأبناء العم وغيرهم.

6-

أن تلقن البنت منذ السابعة من عمرها آيات الحجاب، وكذلك الأحاديث الشريفة الواردة في الحجاب ويبين لها مضار التبرج والاختلاط.

وأكد في نهاية المقال على أهمية التربية الإسلامية للبنت لأنها الخطوة الأساسية في بناء المجتمع السليم.

ويلتقي هذا المقال مع البحث الحالي في أهمية أن تكون الأم، والأخت الكبرى قدوة للبنت. فقد كانت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– قدوة لبناتها، وكانت ابنتها الكبرى زينب –رضي الله عنها– قدوة لأخواتها. وما يؤكده الكاتب في نهاية مقاله هو ما يؤكده الباحث في هذا البحث من أن التربية الإسلامية للبنت هي الخطوة الأساسية في بناء المجتمع السليم، وأن هذه التربية تبدأ من الصغر حتى تعتاد عليها البنت.

ثالثاً - الإطار النظري للبحث:

أجمع المؤرخون أن للنبي –صلى الله عليه وسلم أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وهاجرن هن:(فاطمة عليها السلام: ولدت قبل النبوة بخمس سنين، وزينب تزوجها العاص بن الربيع رضي الله عنه، ورقية وأم كلثوم تزوجهما عثمان بن عفان –رضي الله عنه تزوج أم كلثوم بعد رقية)[15] .

وفي هذا يقول الشاعر:

أولادهُ القاسمُ وهوَ يكنى

بهِ وعبد الله هدىُ الأبنا

والطاهرُ الطيب فاسمُ الثاني

وقيلَ بلْ سواهُ أخوانِ

ماتوا صغاراً لم يرواْ نبوَّة

وزينبُ فاطمةُ رقية

وأمُّ كلثومَ وكلهمْ ولدْ

خديجةٍ وبعدهمْ لهُ ولدْ

آخراً إبراهيمُ من سرية

وتلكمُ ماريةُ القبطية

وكلهمْ قدْ ماتَ في حياته

إلاّ البتولَ فإلى وفاتهِ [16]

ص: 388

والحكمة من أن النبي –صلى الله عليه وسلم أباً للبنات –الله أعلم بها- ويرجعها البعض لأسباب منها: أن البنت في عُرف العرب قبل الإسلام عار يستحق الدفن حياً قال الله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [17] .

جاء في تفسير هذه الآية: بأن الكظيم هو الكئيب من الهم، ويمسكه على هون: أي يبقى البنت مهانة لا يورثها ولا يعتني بها ويفضل أولاده الذكور عليها [18] .

فشاء الله أن يكون النبي محمد صلى الله عليه وسلم أباً لبنات ليكون القدوة للمؤمنين فيما ينبغي للبنت من حقوق ومكانة لائقة أقرها لها الدين الإسلامي الحنيف.

فأبوة الرسول –صلى الله عليه وسلم لبناته حدثاً جديداً في حياة المرأة، وفي هذا قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –:"والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم"[19] .

ومنها أيضاً -والله أعلم- (حتى يكون النبي –صلى الله عليه وسلم بعيداً عن تهمة الاستنصار بالولد، والاعتماد عليه)[20] كما هي عادة العرب في ذلك الوقت. بل أن ما جاء به من دين نُشر في الأرض لأنه هو الحق ولا حق سواه، والحق دائماً أظهر وأقوى.

ص: 389

وقد كان العربي في الجاهلية يترقب الأولاد للوقوف إلى جانبه ومساندته، والدفاع عن الحوزة وحماية البيضة، أما البنت فكان التخوف من عارها يحملهم على كراهتها [21] حتى بعث الله نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم بالدين الإسلامي خاتم الأديان الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده قال الله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [22] وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [23]

فحفظ الإسلام للبنت حقوقها وأنزلها المنزلة اللائقة بها ووعد من يرعاها ويحسن إليها بالأجر الجزيل وجعل حسن تربيتها ورعايتها والنفقة عليها سبب من الأسباب الموصلة إلى رضوان الله وجنته، جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم أصابعه"[24] .

يلاحظ في هذا الحديث أن النبي –صلى الله عليه وسلم ضم أصابعه، ولم يفرق بينهما كناية عن شدة قرب من عال جارتين من الرسول –صلى الله عليه وسلم في الجنة. وفي الحديث الآخر عن عائشة –رضي الله عنها– قالت:"دخلت علىّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي –صلى الله عليه وسلم علينا، فأخبرته فقال: "من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" [25]

أي حجاباً ووقاية من النار.

أيُّ فضل أعظم من هذا الفضل؟

وأيُّ أجر أعظم من هذا الأجر؟.

ص: 390

وعلى الرغم من هذا الأجر العظيم الوارد في فضل تربية البنات والإحسان إليهن إلَاّ أن هناك من الناس من لا يُسر لمولد البنت –والعياذ بالله- فيظهر الهمَّ والحزن! وما هذا إلا جهل واعتراض على قدر الله، والبعض يفرط ويقصر في تربية وتوجيه بناته ولم يرعهن الرعاية المطلوبة منه.

ولو أن الإنسان تفقه في دين الله ووقف عند حدوده واقتفى أثر الرسول –صلى الله عليه وسلم في كل أمر من أمور حياته لعاش مطمئناً مرتاح البال قرير العين، ولعرف كيف يعبد ربه، وكيف يتعامل مع إخوانه، وأهله، وزوجته، وكيف يربي أولاده فالحمد لله أنه ما من خير إلَاّ ودلنا ديننا الإسلامي الحنيف عليه وما من شر إلَاّ وحذرنا منه.

رابعاً: تربية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الطفولة:

من هديه –صلى الله عليه وسلم في تربية بناته في مرحلة الطفولة أنه كان يُسَّر ويفرح لمولد بناته رضي الله عنهن فقد سُرَّ واستبشر –صلى الله عليه وسلم لمولد ابنته فاطمة رضي الله عنها وقال لما بشر بها: "ريحانة أشمها ورزقها على الله"[26]

وتوسم فيها البركة واليمن، فسماها فاطمة، ولقبها بِ (الزهراء) وكانت تكنى أم أبيها [27] .

وفي هذا درس عظيم من دروس السيرة النبوية بأن من رزق البنات وإن كثر عددهن عليه أن يظهر الفرح والسرور ويشكر الله سبحانه وتعالى على ما وهبه من الذرية، وأن يعزم على حسن تربيتها، وتأديبها، وعلى تزويجها بالكفء "التقي" صاحب الدين حتى يظفر بالأجر الجزيل من الله. ففاطمة –رضي الله عنها– كانت البنت الرابعة للنبي–صلى الله عليه وسلم، وهي أصغر ذريتة –صلى الله عليه وسلم[28] .

ص: 391

وفي مرحلة الطفولة يلزم على الأبوين الاهتمام بالطفل وتوفير كافة الاحتياجات الخاصة بهذه المرحلة، الحاجات الجسمية والنفسية؛ وبالذات الأم فعليها تقع المسؤولية الكبرى في رعاية أولادها في مرحلة الطفولة فهم أكثر ما يكونون التصاقاً بها وقد حرصت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– على تربية ورعاية أولادها منذ ولادتهم (وكانت إذا ولدت ولداً دفعته إلى من يرضعه)[29] في البادية حتى ينشئوا على الفصاحة والشجاعة كما كانت عادة قريش. لا كما يفعله بعض الأمهات في زماننا من دفع أولادهم إلى الخادمات والمربيات الأمر الذي قد يحصل معه خلل في عقيدة الطفل وسلوكه.

وفي هذه المرحلة –مرحلة الطفولة- يجب على الأبوين أن يلقنا البنت مبادئ الإسلام، والعقيدة الصحيحة، وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة، والتعوّد على لبس الحجاب حتى تنشأ البنت على ذلك منذ نعومة أظفارها.

خامساً: رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته في مرحلة الصبا:

وإذا كبرت البنت قليلاً وجب على والديها أن يعلماها حقوق الله سبحانه وتعالى، وحقوق الوالدين، وحقوق الآخرين وحسن الخلق وحسن التصرف في شتى الأمور، وعلى المحافظة على لبس الحجاب والتستر والبعد عن أعين الرجال [30] حتى تنشأ البنت على التربية الإسلامية الصحيحة تعرف ما يجب لها وما يجب عليها.

مع الأخذ في عين الاعتبار إعدادها لما هو منتظر منها من دور هام في الحياة بأن تكون زوجةً صالحة، وأماً حانية تربي أولادها وتعدهم لأن يكونوا صالحين مصلحين؛ "لأن للمرأة المسلمة أثراً كبيراً في حياة كل مسلم، فهي المدرسة الأولى في بناء المجتمع الصالح، وخاصة إذا كانت هذه المرأة تسير على هدى من كتاب الله في كل شيىء"[31] .

ص: 392

وإذا قربت البنت من سن البلوغ (التكليف) يجب أن تدرب على أن تكون زوجة، وأماً وهذه هي سنة الله في خلقه وعلى الأم تقع مسؤولية ذلك، فقد بادرت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها– بتمرين ابنتها الكبرى زينب –رضي الله عنها– عندما كبرت على المشاركة في أعمال البيت والتدريب على الأمومة فكانت (زينب) لشقيقتها الصغرى فاطمة أماً صغيرة ترعى شؤونها وتمضى فراغها في ملاعبتها [32] .

ولقد صدق القائل: "إن الفتاة المتعلمة المهذبة فخر لأهلها وعون لبعلها، وكمال لبنيها، أهلها بها يفتخرون، وأولادها بها يسعدون، ومن ذا الذي لا يسرّ فؤاده بابنته الأديبة التي تدبر الأمور المعاشية بالمعرفة، وتدير الحركة المنزلية بالحكمة، ويجد في مجالستها أنيساً عاقلاً وسميراً كاملاً"[33] .

سادساً – تزويج النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته:

الزواج سنة من سنن الله في خلقه، وأمر مرغوب فيه حثَّ إليه ديننا الحنيف ودعى إليه قال الله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [34] وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [35] .

ص: 393

والزواج من سنة الرسول –صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي –صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: "وأين نحن من النبي –صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، قال أحدهم: "أما أنا فإني أُصلي الليل أبداً"، وقال آخر: "أنا أصوم الدهر ولا أفطر"، وقال آخر: "أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً"، فجاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [36]

وامتثالاً لأمر الله عز وجل وأمر رسوله –صلى الله عليه وسلم يجب على الأب أن يزوج بناته ولا يعضلهن ويمنعهن من الزواج لأي سبب من الأسباب فواجب الأب أن يزوج ابنته وأن يختار لها الكفء من الرجال والكفء معروف هو صاحب الدين والخلق قال النبي –صلى الله عليه وسلم– "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"[37] .

وقد زوج النبي –صلى الله عليه وسلم جميع بناته من خيرة الرجال: فزوج زينب –رضي الله عنها من أبي العاص بن الربيع القرشي رضي الله عنه وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد وأبو العاص كان من رجال مكة المعدودين مالاً، وأمانة، وتجارة [38] .

وقد أثنى النبي –صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع في مصاهرته خيراً وقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" وكان قد وعد النبي أن يرجع إلى مكة، بعد وقعة بدر، فيبعث إليه بزينب ابنته، فوفى بوعده، وفارقها مع شدة حبه لها [39] .

ص: 394

ومما يدل على شهامته وصدقه قصة إسلامه رضي الله عنه فقد كان في تجارة لقريش إلى الشام وفي طريق عودته إلى مكة المكرمة لقيته سرية فأخذوا ما معه، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب – وقد كانت في المدينة وفرق بينهما الإسلام فهو لم يدخل في الإسلام بعد – فاستجار بها فأجارته وخرجت والنبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس الفجر فقالت:"أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع" فلما سلم الرسول –صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال: "أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت؟ " قالوا:"نعم" قال: "أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيىء حتى سمعت ما سمعتم وأنه يجير على المسلمين أدناهم" ثم انصرف رسول الله –صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال: "أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له" قال: وبعث –صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئاً فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة فأعطى كل إنسان ما كان له ثم قال: "يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ " قالوا: "لا فقد وجدناك وفياً". قال: "فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلَاّ تخوف أن يظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت"[40] .

وقد زوجه النبي –صلى الله عليه وسلم من ابنته زينب عندما طلبت منه أمها خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها أن يزوجها له فوافق النبي –صلى الله عليه وسلم على طلبها [41] ؛ لما يعرف من رجاحة عقلها وثقتها بابن أختها فكانت تعده بمنزلة ولدها.

وهنا درس نبوي كريم في تزويج البنات هو أنه لا مانع من أخذ رأي والدة البنت والتشاور معها ففي ذلك إكراماً لها واعترافاً بحقها.

ص: 395

وزوَّج النبي –صلى الله عليه وسلم رقية من عثمان بن عفان رضي الله عنه الخليفة الراشد الزاهد الجواد السخي الحيي، وكان من أبرز أخلاقه وأشدها تمكناً من نفسه خلق الحياء، الذي تأصل في كيانه؛ لذا فقد أشاد الرسول –صلى الله عليه وسلم بهذا الحياء الواسع العميم فقال:"إن عثمان رجلٌ حييّ"[42]، وقال – صلى الله عليه وسلم:"ألَاّ أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"[43] .

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم يحبه كثيراً فلما توفيت رقية –رضي الله عنها– زوجه النبي –صلى الله عليه وسلم بأختها أم كلثوم ولما ماتت أم كلثوم قال النبي –صلى الله عليه وسلم "لو كان عندي ثالثة لزوجتها عثمان"، وفي رواية أخرى "لو كن عشراً لزوجتهن عثمان"[44] .

وزوَّج فاطمة –رضي الله عنها– من علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمه –صلى الله عليه وسلم وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله –صلى الله عليه وسلم وكان قد تربى في حجر الرسول –صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام ولم يزل علي مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-حتى بعثه الله نبياً [45] .

يقول ابن كثير رحمه الله: "كان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، وكان من أيسر بني هاشم: "يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق حتى نخفف عنه من عياله"، فأخذ رسول الله– صلى الله عليه وسلم علياً فضمه إليه، فلم يزل مع رسول الله حتى بعثه الله نبياً فاتبعه علي وآمن به وصدقه"[46]

والبنت أمانة في بيت والديها ولابد أن تنتقل إلى بيت زوجها يوماً ما، وقد أوجب لها ديننا الإسلامي الحنيف حق الاستئذان في الزواج فلا يحل لوليها أن يعقد لها على رجل تكرهه قال النبي –صلى الله عليه وسلم:"لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولاتنكح البكر حتى تستأذن".قالوا: "يا رسول الله، وكيف إذنها؟ " قال: "أن تسكت"[47] .

ص: 396

فكلمة تستأمر في حق الثيب تفيد طلب الأمر فلا يعقد عليها إلَاّ بعد طلب أمرها وإذنها بذلك، وكلمة تستأذن في حق البكر تعنى طلب إذنها وموافقتها على النكاح [48] وإذا عقد الأب لابنته وهي كارهة فالعقد مردود "عن خنساء بنت خدام الأنصارية: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله –صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها" [49] .

وفي رواية: عن القاسم: " أن امرأة من ولد جعفر، تخوفت أن يزوجها وليها وهي كارهة، فأرسلت إلى شيخين من الأنصار – عبد الرحمن ومجمع ابني جارية – قالا: فلا تخشين، فإن خنساء بنت خدام، أنكحها أبوها وهي كارهة، فرد النبي –صلى الله عليه وسلم ذلك"[50] .

وكان النبي –صلى الله عليه وسلم يستشير بناته قبل تزويجهن فعندما خطب علي رضي الله عنه فاطمة –رضي الله عنها– قال لها الرسول –صلى الله عليه وسلم: "إن علياً يذكرك" فسكتت فزوجها [51] .

وكان –صلى الله عليه وسلم يتحدث إلى بناته في أزواجهن ويقنعهن بفضل من تزوجن فقد قال لفاطمة –رضي الله عنها– مبيناً فضل ومكانة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه عندما قالت: "زوجتني برجل فقير لا شييء له" فقال –صلى الله عليه وسلم: "أما ترضين يا فاطمة إن الله اختار من أهل الأرض رجلين جعل أحدهما أباك، والأخر بعلك"[52] .

وهنا يجب على الآباء أن يتأكدوا من موافقة البنت قبل إجراء العقد لها.

ص: 397

ويخطئ بعض الآباء من ترديد كلمة نحن أعلم بمصلحتها –لا شك– أن الأب يفوق ابنته في الخبرة، وطول التجربة في الحياة، ومعرفة الرجال ولكن على الرغم من ذلك يجب عليه أن لا يحيد عن تعاليم الإسلام، ولا يجبر ابنته على رجل تكرهه بل عليه أن يستأذنها ويعرف رأيها قبل إجراء عقد النكاح، وفي ذلك خير كبير حيث تشعر البنت بكيانها وأهميتها وتبدى رأيها في الرجل الذي ستنتقل إلى بيته وهو أدعى لدوام السعادة والوفاق لاقتناع كل من الطرفين بصاحبه فالزوج أباح له الإسلام النظر إلى من ينوى نكاحها، وهي كذلك تراه وتستشار في الموافقة على إجراء العقد وهذه من عظمة ديننا الإسلامي الحنيف.

والصداق في الزواج حق من حقوق الزوجة يدفعه لها الزوج قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [53] في هذه الآية الكريمة يأمر الله تعالى المؤمنين بأن يعطوا النساء مهورهن فريضة منه تعالى فرضها على الرجل لامرأته، فلا يحل له ولا لغيره أن يأخذ منه شيئاً إلا برضى الزوجة [54] ، والنحلة في كلام العرب الواجب ولا تنكح المرأة إلا بشيء واجب لها، ويجب على الرجل دفع الصداق إلى المرأة حتماً، وأن يكون طيب النفس بذلك [55] .

وليس هناك حدٌ في أقل الصداق وأكثره، ويصح فيه أن يكون شيئاً يسيراً جداً بكل ما يتراضى عليه الزوجان، أو من له ولاية العقد وإن لم يكن عيناً كالمال والذهب ونحوه، فقد يكون الصداق خدمة، كقصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين، وقد يكون تعليماً فقد، ورد في الحديث المتفق عليه:"أن امرأة جاءت إلى رسول –صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي"، فنظر إليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه فقال:

ص: 398

"أي رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها"، فقال:"هل عندك من شيىء؟ " فقال: "لا والله يا رسول الله"،قال:"اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً؟ ".فذهب ثم رجع فقال: "لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً"، فقال:"انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب ثم رجع فقال: "لا يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري" – فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "ما تصنع بإزارك، إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيىء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيىء" فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام فرأه رسول الله –صلى الله عليه وسلم مولياً، فأمر به فدعي، فلما جاء قال:"ماذا معك من القرآن؟ " قال: "معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا"، عدَّها، قال:"أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: "نعم" قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"[56] .

وسنة النبي –صلى الله عليه وسلم– وهديه عدم التغالي في الصداق، بل إن خير الصداق أيسره قال الإمام ابن القيم –يرحمه الله-:"إن المغالاة في المهر مكروهة في النكاح، وأنها من قلة بركته وعسره"[57] فقد زوَّج النبي –صلى الله عليه وسلم بناته على اليسير من الصداق فبعد أن تمت الموافقة على زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة حُب رسول الله –صلى الله عليه وسلم وأصغر بناته جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم فسأله النبي "ما تصدقها؟ " فقال علي: "ما عندي ما أصدقها" فقال الرسول –صلى الله عليه وسلم "فأين درعك الحطمية التي كنت قد منحتك؟ " قال علي: "عندي". قال النبي–صلى الله عليه وسلم "أصدقها إياها" فأصدقها وتزوجها وكان ثمنها أربعمائة درهماً [58] .

ص: 399

هذا هو صداق بنت رسول الله –صلى الله عليه وسلم وحبه وأصغر بناته سيدة نساء أهل الجنة فعن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: "خط رسول الله –صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ " فقالوا: "الله ورسوله أعلم"، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران رضي الله عنهن أجمعين" [59] .

وما يفعله بعض الناس في زماننا من التغالي في المهور هو أبعد ما يكون عن هدي رسول الله –صلى الله عليه- وهو أمر خطير له أضراره على الفرد وعلى المجتمع والدين الإسلامي دين اليسر والسهولة وفي أمر الزواج لا يقتصر اليسر على الصداق بل يمتد إلى الوليمة التي يُشهر بها الزواج وهي أمر دعى إليه الإسلام وحثَّ عليه فكان النبي –صلى الله عليه وسلم يولم في زواجه باليسير من النفقة، فعن صفية بنت شيبة قالت:"أولم النبي –صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير"[60] .

وكذلك في زواج أصحابه رضي الله عنهم فعن أنس رضي الله عنه:

"أن النبي –صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال: "ما هذا؟ " قال: "إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب"، قال: "بارك الله لك، أولم ولو بشاة" [61] .

وفي زواج بناته رضي الله عنهن كذلك مظهر من مظاهر اليسر في الوليمة ففي ليلة زواج فاطمة رضي الله عنها قال الرسول –صلى الله عليه وسلم: "يا علي لا بد للعروس من وليمة". فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: "عندي كبش". وجمع رهط من الأنصار أصواعاً من ذرة وأولم الرسول –صلى الله عليه وسلم[62] .

ص: 400

ونشهد من بعض الناس إسرافاً واضحاً في ولائم الزواج وتباهياً وتفاخراً غير محمود وهذا أيضاً مخالف لهدي النبي –صلى الله عليه وسلم وسنته، ويعود هذا الإسراف وغلاء المهور على الأفراد والمجتمعات بمشاكل وسلبيات كثيرة، أهمها: كثرة العوانس في البيوت، وتأخر سن الزواج بين الشباب، فقد أثبت عبد الرب نواب الدين في دراسة له: أن 92% من البنين و 69% من البنات يرون أن غلاء المهور سبب قوي ومباشر من أسباب العنوسة وتأخر سن الزواج، واستنتج أن هذه النسبة العالية تدل على أن غلاء المهور مشكلة قائمة في المجتمع، وهي مشكلة مستفحلة يعاني منها قطاع كبير جداً من الشباب، وأنها السبب الأول والمباشر لظاهرة العنوسة أو تأخر سن الزواج، أو العزوف عن الزواج من ذوي المهور الغالية والتكاليف العالية! واللجوء من ثمّ إلى الخارج للزواج من ذوات المهور اليسيرة والمؤونة السهلة [63] .

سابعاً: رعاية النبي –صلى الله عليه وسلم لبناته بعد الزواج:

يختلف الناس في النظر إلى علاقة البنت بوالديها بعد الزواج: فمنهم من يرى أنه يجب على الأبوين أن يتركوا البنت وشأنها بعد الزواج لدرجة أن علاقتهم بها شبه مقطوعة فلا تزاور من طرف الأهل، بزعمهم أن هذا أدعى لسعادتها الزوجية واستمرار العلاقة بينها وبين زوجها وأهله.

وفي المقابل نجد أن هناك من الأسر من يتدخل في حياة ابنتهم بشكل مباشر فيتطلعون إلى معرفة كل صغيرة وكبيرة في حياة ابنتهم، ولهذا التدخل سلبياته التي تؤدي إلى إفساد الحياة الزوجية، لدرجة قد تصل إلى الطلاق! فما هو الهدي النبوي في هذا الجانب من حياة البنات؟.

كان النبي –صلى الله عليه وسلم يزور بناته بعد الزواج ويدخل عليهن الفرح والسرور، فقد زار النبي –صلى الله عليه وسلم فاطمة –رضي الله عنها– بعد زواجها ودعا لها ولزوجها بأن يعيذهما الله وذريتهما من الشيطان الرجيم [64] .

ص: 401

ولم يكن يشغله –صلى الله عليه وسلم عن بناته –رضي الله عنهن– شاغل بل كان يفكر فيهن وهو في أصعب الظروف وأحلكها فعندما أراد النبي –صلى الله عليه وسلم الخروج لبدر لملاقاة قريش وصناديدها كانت رقية –رضي الله عنها– مريضة فأمر النبي –صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يبقى في المدينة؛ ليمرضها وضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة [65] .

ويجب على الأب أن يحافظ على بيت ابنته وسعادتها مع زوجها وأن يتدخل إذا لزم الأمر ويحرص على الإصلاح بينها وبين زوجها بشكل يضمن إعادة الصفاء إلى جو الأسرة.

فقد حدث أنه كان بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزوجته فاطمة الزهراء –رضي الله عنها– كلام فدخل عليهما النبي –صلى الله عليه وسلم فأُلقى له مثالاً فاضطجع عليه. فجاءت فاطمة –رضي الله عنها فاضطجعت من جانب، وجاء علي –رضي الله عنه فاضطجع من جانب، فأخذ رسول الله بيد علي –رضي الله عنه فوضعها على سرته، وأخذ بيد فاطمة –رضي الله عنها على سرته ولم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج فقيل له:"دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك" فقال: "وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إليَّ"[66] .

ولكن قد يستمر الخلاف بين الزوجين ويصبح استمرار العشرة بينهما أمراً مستحيلاً والله الحكيم الخبير الذي سنَّ الزواج أباح الطلاق وجعله الحل الأخير الذي يُلجأ إليه إذا استحالت العشرة بين الزوجين.

ص: 402

وأحياناً يقع الطلاق على الزوجة ظلماً وعدواناً، عندها تحزن البنت كثيراً ويحزن أهلها لحزنها، والعزاء في ذلك أن ابنتي الرسول –صلى الله عليه وسلم: رقية وأم كلثوم طلقتا من عتبة وعتيبة ابنا أبي لهب ظلماً بدون سبب إلَاّ أنهما صدقتا ما قاله النبي –صلى الله عليه وسلم: من أنه أوحي إليه وأنه نبي هذه الأمة، الكلام الذي أغضب قريش فقد تزوج عتبة بن أبي لهب من رقية بنت رسول الله –صلى الله عليه وسلم فلما نزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} قال أبو لهب:"رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق بنت محمد ففارقها قبل الدخول"[67] .

ولم يكتف أبو لهب بذلك بل أمر ابنه عتيبة أن يطلق أم كلثوم بنت النبي –صلى الله عليه وسلم ظناً منه أنه بذلك يستطيع أن يشغل النبي –صلى الله عليه وسلم عن دعوته [68] .

هنا درس للبنات وللآباء بأن يصبروا ويحتسبوا الأجر من الله جلَّ وعلا، وأن ما وقع من الطلاق ظلماً ما هو إلَاّ ابتلاء سوف يعوضهم الله خيراً فقد عوض الله ابنتي الرسول –صلى الله عليه وسلم خيراً من عتبة وعتيبة، عوضهما زوجاً صالحاً كريماً هو عثمان بن عفان رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وثالث الخلفاء الراشدين، فقد تزوج عثمان رضي الله عنه برقية وبعد وفاتها تزوج بأختها أم كلثوم قال الله تعالى:{فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً} [69] .

وقد يحدث أن يفقد الأب بعض بناته بموتهن فالموت نهاية كل حي وهو المصير المحتوم الذي لا مفر منه قال الله تعالى:

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [70] يقول الشيخ ابن سعدي – يرحمه الله – في تفسير هذه الآية:

{تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} "أي الملائكة الموكلون بقبض الأرواح"

ص: 403

{وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} "في ذلك فلا يزيدون ساعة مما قدره الله وقضاه، ولا ينقصون"[71] .

ومن أعزّ من البنت على أبيها؟ ولو قدر الله هذا يجب على الأب أن يصبر ويحتسب، ولا يقول إلا ما يرضى ربنا عز وجل قال الله تعالى:{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ} [72] أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة [73] .

وليعلم من ابتلى بفقد إحدى بناته أن الرسول –صلى الله عليه وسلم فقد جميع ذريته من الذكور والإناث ولم يبق بعد وفاته إلَاّ فاطمة الزهراء –رضي الله عنها وهديه –صلى الله عليه وسلم في وفاة بناته رضي الله عنهن، أنه كان يحزن لوفاتهن وتذرف عيناه الدمع على فراقهن، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه في نبأ وفاة أم كلثوم –رضي الله عنها–"شهدنا بنتاً لرسول الله –صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله –صلى الله عليه وسلم جالسٌ على القبر، قال فرأيت عينيه تدمعان، وقال:"هل منكم رجل لم يقارف [74] الليل؟ " قال أبو طلحة: "أنا" قال: "فانزِل" قال: "فنزل في قبرها"[75] .

والدموع هذه ليست دموع جزع وسخط من قضاء الله وقدره -والعياذ بالله- إنما هي دموع رحمة وشفقة تذرف من عيون الرحماء روى أسامة بن زيد –رضي الله عنه قال: "أرسلت ابنة النبي –صلى الله عليه وسلم إليه: أن ابناً لي قبض، فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ ابن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال فرُفع إلى رسول

ص: 404

الله –صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع – قال: حسبته قال: كأنها شن- ففاضت عيناه، فقال سعد:"يا رسول الله ما هذا؟ " فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"[76] .

ومن هديه –صلى الله عليه وسلم في وفاة بناته أنه كان يصبر على فقدهن ويحتسب الأجر الجزيل من الله تعالى وهو جنة عرضها كعرض السماوات والأرض فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

والأحاديث الواردة في فضل الصبر على فقد الأولاد كثيرة منها:

عن أنس – رضي الله عنه قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم"[77] وعن أبي سعيد –رضي الله عنه–أن النساء قلن للنبي –صلى الله عليه وسلم: "اجعل لنا يوماً" فوعظهن وقال: "أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجاباً من النار" قالت: "امرأة واثنان؟ " قال: "واثنان"[78] .

ومن هديه –صلى الله عليه وسلم في وفاة بناته –رضي الله عنهن– أنه كان يشرف على غسلهن وتكفينهن، ويصلى عليهن ويدفنهن، ويقف على قبورهن ويدعو الله لهن. فعن أم عطية –رضي الله عنها قالت:"دخل علينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً. فإذا فرغتن فآذنني". فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوة فقال:"أشعرنها إياه"[79] .

وفي كيفية الغسل قالت أم عطية –رضي الله عنها قالت: "لما غسلنا بنت النبي –صلى الله عليه وسلم، قال لنا ونحن نغسلها: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" [80] .

ص: 405

وكان –صلى الله عليه وسلم يقف على قبر من توفي من بناته ويدعو لها فقد كانت رقية –رضي الله عنها– مريضة أثناء غزوة بدر فأمر النبي –صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان –رضي الله عنه بالبقاء إلى جانبها لتمريضها. ولما عاد –صلى الله عليه وسلم من الغزوة وقد ماتت ابنته رقية، خرج إلى بقيع الغرقد ووقف على قبرها يدعو لها بالغفران. [81] .

نتائج البحث:

أسفر البحث عن العديد من النتائج أهمها:

1-

البنت نعمة من نعم الله العظيمة وهي سبب من الأسباب الموصلة إلى رضوان الله وجنته.

2-

كانت المرأة قبل الإسلام مهانة.

3-

جاء الإسلام فحفظ للمرأة حقوقها.

4-

كان النبي –صلى الله عليه وسلم يسر كثيراً لمولد بناته.

5-

تربية البنت في مرحلة الطفولة مسؤولية الأم في الدرجة الأولى.

6-

يجب أن تُعد البنت للدور الذي ينتظرها في الحياة بأن تكون زوجة وأماً.

7-

يجب على الأب أن يختار لابنته الكفء (التقي) من الرجال.

8-

على الأب أن يستشير ابنته في الزوج قبل إجراء العقد.

9-

اليسر في الصداق والوليمة من سنة المصطفى –صلى الله عليه وسلم.

10-

التغالي في المهور وحفلات الزواج من أسباب تأخر الزواج بين الشباب والبنات، له أضراره على الفرد وعلى المجتمع.

11-

ينبغي زيارة البنت في بيتها وتفقد أحوالها وإصلاح ما قد يقع بينها وبين زوجها من خلاف.

12-

إذا وقع الطلاق على البنت ظلماً وعدواناً فلتصبر وليصبر والديها ويعلموا أن الله سيعوضهما خيراً.

13-

إذا فقد إنسان إحدى بناته فليصبر وليحتسب وليعلم أن النبي –صلى الله عليه وسلم فقد جميع أولاده من الذكور والإناث إلا فاطمة –رضي الله عنها فإنها توفيت بعده.

14-

وجوب اتباع هدى النبي –صلى الله عليه وسلم في كل أحوالنا.

التوصيات:

ص: 406

أهمية دراسة هدي الرسول –صلى الله عليه وسلم في تربية بناته وتطبيق ذلك في تربية بناتنا امتثالاً لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [82] .

يقول الإمام ابن كثير –يرحمه الله-: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله"[83] .

وفي ختام هذا البحث أسأل الله العلي القدير أن يوفقنا للعمل بكتابه واتباع سنة نبيه –صلى الله عليه وسلم، وأن يعيننا على تربية أولادنا وبناتنا التربية الإسلامية الصحيحة، وأن يجعلهم قرة عين لنا في الدنيا، وأن يجعلهم من أعمالنا الصالحة التي لا تنقطع بعد وفاتنا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مراجع البحث

1-

القرآن الكريم.

2-

التفاسير.

- أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، راسم للداعية والإعلان، جدة، ط3،1410هـ.

- عبد الرحمن بن ناصر السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، دار ابن الجوزي، ط1، ج1، الجزء2، 1415هـ، ص223

- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1406هـ.

3-

كتب الحديث:

- أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1419هـ.

- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز، ط1، 1410هـ.

- محمد بن عيسى الترمذي، سنن الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي، ط1، 1408هـ.

- مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، طبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

4-

المعاجم:

- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ب ت.

ص: 407

- محمد مصطفى زيدان، معجم المصطلحات النفسية والتربوية، دار الشروق، جدة، ط2، 1404هـ

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 1412هـ.

5-

المصادر والمراجع العامة:

- أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين، تحقيق محمد إبراهيم سليم، مكتبة دار القرآن للنشر والتوزيع، القاهرة، ب ت.

- جمال الدين أبي الفرج الجوزي، صفوة الصفوة، دار الوعي، حلب، ط1، 1389هـ.

- جمال الدين القاسمي الدمشقي، جوامع الآداب في أخلاق الأنجاب، مكتبة الثقافة الدينية، ب ت.

- أبو جعفر أحمد الطبري، الرياض النضرة في مناقب العشرة، دار الكتب العلمية، بيروت، ب ت.

- حامد عبد السلام زهران، علم نفس النمو، عالم الكتب، القاهرة، ط4 1982م.

- خيرية حسين طه صابر، دور الأم في تربية الطفل المسلم، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، نشر دار المجتمع للنشر والتوزيع، 1405هـ.

- دار المداد للنشر والتوزيع، الخدم ضرورة أم ترف؟، الرياض، ط1، 1416هـ.

- الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1401هـ.

- ابن سعد، الطبقات الكبرى، دار بيروت للنشر والتوزيع، بيروت، ب ت.

- عائشة عبد الرحمن، (بنت الشاطئ) تراجم سيدات بيت النبوة، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1402هـ.

- عبد الرب نواب الدين آل نواب، تأخر سن الزواج أسبابه، وأخطاره، وطرق علاجه على ضوء القرآن العظيم والسنة المطهرة، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1، 1415هـ.

- عبد الله بن عبد الرحمن البسام، توضيح الأحكام من بلوغ المرام، طبع لبنان، مؤسسة الخدمات الطباعة، توزيع مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة ط2، 1414هـ

- عدنان حسن باحارث، مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، من منشورات دار المجتمع للنشر والتوزيع، ط4، 1421هـ.

ص: 408

- عطية محمد سالم، وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، مكتبة دار التراث للنشر والتوزيع، المدينة المنورة، ط 3، 1411هـ.

- ابن القيم، تحفة المودود بأحكام المولود، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1399 هـ.

- ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 16، 1408هـ.

- ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق أحمد أبو ملحم وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ.

- ابن كثير، السيرة النبوية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، تحقيق مصطفى عبد الواحد، 1396هـ.

- محمد بن الحاج حسن الآلاني الكردي، رفع الخفا شرح ذات الشفا، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي وصابر محمد سعد الله الزيباري، عالم الكتب، ط1، 1407هـ.

- محمد المختار السلامي، البنت بين الواقع والتشريع، بحث مقدم لملتقى الندوة الإسلامية، المسلمون في عالم اليوم، الدار التونسية للنشر، ب ت.

- محمد نور سويد، منهج التربية النبوية للطفل، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط4، 1408هـ.

- ابن هشام، السيرة النبوية، مؤسسة علوم القرآن، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، ب ت.

6-

المجلات:

- أحمد الشرباصي، مكانة البنات (مجلة لواء الإسلام) ، العدد (18) السنة (20) ، ربيع الآخر 1386هـ ص541.

- خالد أحمد الشنتوت، كيف نربي بناتنا على الحجاب، (مجلة منار الإسلام) وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف.

- عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، العدد 14،1405/1406هـ بحث السفور والحجاب.

- عبد العزيز بن عبد الله بن باز، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، العدد (17) .

1406 /1407هـ إجابة عن سؤال دور المرأة في حياة الشيخ بن باز – يرحمه الله-

ص: 409

متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (9/638 مع فتح الباري) كتاب النفقات باب حفظ المرأة زوجها في ذات يده –ح5365،ومسلم في صحيحه (4/1958) كتاب فضائل الصحابة – ح2527

محمد نور سويد (منهج التربية النبوية للطفل) مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط2،1408هـ، ص28

ابن القيم، (زاد المعاد في هدي خير العباد) 1/104،تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط16،1408هـ

الراغب الأصفهاني، (المفردات في غريب القرآن) ، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ص542 أنظر مادة هدى.

انظر (لسان العرب لابن منظور) دار صادر، بيروت، 1412هـ، ج1، ص26، مادة ربب.

حامد عبد السلام زهران (علم نفس النمو) عالم الكتب، القاهرة، ط4، 1982م، ص161

انظر محمد مصطفى زيدان (معجم المصطلحات النفسية والتربوية) دار الشروق، جدة، ط2،1404هـ، ص313.

شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، (تحفة المودود بأحكام المولود) دار الكتاب العربي، بيروت، ط1،1399هص187.

محمد المختار السلامي (البنت المسلمة بين الواقع والتشريع) ، بحث منشور مقدم لملتقى الندوة الإسلامية المسلمون في عالم اليوم، الدار التونسية للنشر.

سورة النساء: آية 7

خيرية حسين طه صابر (دور الأم في تربية الطفل المسلم) رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، نشر دار المجتمع للنشر والتوزيع،1405هـ

(مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة) رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، تخصص تربية إسلامية، عام 1409هـ، من منشورات دار المجتمع للنشر والتوزيع، ط4، 1414هـ.

أحمد الشرباصي (مكانة البنات) مجلة لواء الإسلام، العدد (18) السنة (20) ، ربيع الآخر 1386هـ ص541

خالد أحمد الشنتوت، (كيف نربي بناتنا على الحجاب) ، (مجلة منار الإسلام) وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، الإمارات، العدد (3) السنة (16) ربيع الأول 141هـ.

ص: 410

جمال الدين أبي الفرج الجوزي، (صفة الصفوة) دار الوعي، حلب، ط1، 1389هـ، ج1،ص148

محمد بن الحاج حسن الآلاني الكردي (رفع الخفا شرح ذات الشفا) تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، وصابر محمد سعد الله الزيباري، ج2،عالم الكتب. ط1،1407، ص16-19.

سورة النحل: آية 59.

ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) دار المعرفة، بيروت، ط1،1406هـ، ج2،ص594

متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (8/849 مع فتح الباري) كتاب التفسير باب تبتغي مرضاة أزواجك –ح4913، ومسلم في صحيحه (2/1108) كتاب الطلاق –ح1479.

بنت الشاطئ، (تراجم سيدات بيت النبوة) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، ص 487، بتصرف، 1402هـ

عطيه محمد سالم (وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم مكتبة دار التراث للنشر والتوزيع ص347، ط3،1411هـ.

سورة آل عمران: آية 85

سورة المائدة: آية 3

أخرجه مسلم في صحيحه (4/2028) كتاب البر والصلة والآداب –ح2631

متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (10/522 مع فتح الباري) كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته –ح5995، ومسلم في صحيحه (4/2027) كتاب البر والصلة والآداب –ح2629

أحمد بن محمد بن عبدربه الأندلس، (تأديب الناشئين بأدب الدنيا والدين) تحقيق محمد إيراهيم سليم، مكتبة القرآن للنشر والتوزيع، القاهرة، ص122

انظر (سير أعلام النبلاء)(2/118) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1،1401هـ، تحقيق شعيب الأرنؤط.

انظر (البداية والنهاية) لابن كثير،5/267 تحقيق أحمد أبو ملحم وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1415هـ.

المصدر السابق، ص267

يحرم على المرأة أن تتبرج وأن تبدي زينتها لغير ذي محرم أنظر كلام سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز في حكم السفور والحجاب (مجلة البحوث الإسلامية) الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، العدد 14،ص15.

ص: 411

عبد العزيز بن باز (مجلة البحوث الإسلامية) الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، العدد 17، ص 359 (أثر المرأة في حياة الشيخ ابن باز) .

بنت الشاطئ (مرجع سابق) ص489.

جمال الدين القاسمي الدمشقي (جوامع الآداب في أخلاق الإنجاب) ، مكتبة الثقافة الدينية، ب ت، 43-44.

سورة الروم: آية21

سورة النحل: آية 72

تفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (9/129 مع فتح الباري) كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح –ح5063، واللفظ له ومسلم في صحيحه (2/1020) كتاب النكاح –ح 1401

أخرجه الترمذي في سننه (3/394) كتاب النكاح، باب إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، ح1408

ابن كثير (البداية والنهاية) 3/312.

انظر سير أعلام النبلاء (1/60)

ابن كثير، (السيرة النبوية) 2/520 دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، تحقيق مصطفى عبد الواحد

ابن هشام (السيرة النبوية) 2/651 مؤسسة علوم القرآن، تحقيق مصطفى السقا وآخرون، ب ت

أخرجه مسلم في صحيحه (4/1866) كتاب فضائل الصحابة ح 2402

أخرجه مسلم (المصدر نفسه) ح2401

ابن كثير (السيرة النبوية) ،4/610

ابن هشام، (السيرة النبوية) ،1/245.

ابن كثير (السيرة النبوية) 1/429

أخرجه البخاري في صحيحه (9/239 مع الفتح) كتاب النكاح، باب لا يُنكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما – ح 5136، ومسلم في صحيحه (2/1036) كتاب النكاح – ح1419.

انظر عبد الله بن عبد الرحمن البسام (توضيح الأحكام من بلوغ المرام) مؤسسة الخدمات الطباعية، لبنان، ج4، ص382ط2،1414هـ

أخرجه البخاري في صحيحه (9/243 مع الفتح) كتاب النكاح، باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود – ح5138

أخرجه البخاري في صحيحه (12/420 مع الفتح) كتاب الحيل، باب النكاح – ح6969

ابن سعد (الطبقات الكبرى) 8/20، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت ب ت

أبو جعفر أحمد الطبري (الرياض النضرة في مناقب العشرة) دار الكتب العلمية، بيروت، 3/144

ص: 412

سورة النساء: آية 4

انظر أبو بكر الجزائري، (أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير) ، راسم للدعاية والاعلام، جدة، ط3،ج1، ص435-436

ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) ج1، ص462

خرجه البخاري في صحيحه (9/225/226 مع الفتح) كتاب النكاح، باب النظر إلى المخطوبة قبل التزويج – ح 5126، واللفظ له ومسلم في صحيحه (2/1040،1041) كتاب النكاح – ح1425.

ابن قيم الجوزية (زاد المعاد) 5/178.

ابن سعد (الطبقات الكبرى) 8/20.

رواه الإمام أحمد في مسنده 1/293

أخرجه البخاري في صحيحه (9/296 مع الفتح) كتاب النكاح، باب من أولم بأقل من شاة –ح5172

أخرجه البخاري في صحيحه (9/276 مع الفتح) كتاب النكاح، باب كيف يدعى للمتزوج –ح5155، ومسلم في صحيحه (2/1042) كتاب النكاح، ح1427.

ابن سعد (الطبقات الكبرى) 8/21،دار بيروت للطباعة والنشر بيروت، ب ت.

انظر عبد الرب نواب الدين آل نواب (تأخر سن الزواج أسبابه، وأخطاره، وطرق علاجه على ضوء القرآن والسنة) ،دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، ط1 1415هـ، ص174

الطبري (مصدر سابق) 3/143

ابن كثير (السيرة النبوية) 2/545

ابن سعد (الطبقات الكبرى) 8/26

سير أعلام النبلاء (2/251) .

ابن كثير (السيرة النبوية) 2/483.

سورة النساء: آية 19.

سورة الأنعام: آية 61

عبد الرحمن بن ناصر السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) دار ابن الجوزي، ط1،ج1، الجزء2،1415هـ، ص223

سورة البقرة: آية 156.

انظر ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) 1/203

المُقارفة والقِراف: الجماع وقارف امرأته جامعها (انظر لسان العرب لابن منظور 9/28) .

رواه البخاري في صحيحه (3/194 مع الفتح) كتاب الجنائز –باب يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته- ح 1285

رواه البخاري في صحيحه (3/194 مع الفتح) كتاب الجنائز – باب يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته- ح 1284، ومسلم في صحيحه (2/63) كتاب الجنائز- ح 923.

ص: 413

ر واه البخاري في صحيحه (3/153) مع شرحه فتح الباري) كتاب الجنائز – فضل من مات له ولد فاحتسب- ح 1248

المصدر السابق،ح1249.

رواه البخاري في صحيحه (3/167 مع الفتح) كتاب الجنائز – باب ما يستحب أن يغسل وتراً - ح 1254، ومسلم في صحيحه (2/646/648) كتاب الجنائز –ح939.

المصدر السابق، ح546.

ابن سعد (الطبقات الكبرى) 8/37.

سورة الأحزاب: آية 21.

ابن كثير (تفسير القرآن العظيم) ج3، ص483.

ص: 414

بسم الله الرحمن الرحيم

الإبدال في لغات الأزد

دراسة صوتية في ضوء علم اللغة والحديث

إعداد

د. أحمد بن سعيد قشاش

الأستاذ المساعد في كلية اللغة العربية بالجامعة

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل كتابه بلسان عربي مبين، وتفضل على عباده بنعمة النطق والتبيين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله أفصح العرب أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين.

وبعد:

فإن عنوان هذا البحث هو (الإبدال في لغات الأزد - دراسة صوتية في ضوء علم اللغة الحديث) .

والأزد من أعظم القبائل العربية وأشهرها، وقد حفلت كتب اللغة والنحو والقراءات والتفسير بمادة وفيرة من لغاتهم، وكانت مصدراً مهماً من مصادر الاحتجاج اللغوي والنحوي عند علماء العربية.

ومع نشاط دراسة لغات القبائل العربية في عصرنا الحديث، كتميم وطيئ وقيس وربيعة وهذيل، فإن لغات الأزد لم تحظ - للأسف - بعناية الباحثين المعاصرين، فلا أعلم أحداً درسها أو خص بعض ظواهرها بدراسة مستقلة.

وفي بحث آخر أعددته عن (الأزد ومكانتهم في العربية) تبين لي ثراء اللغات المعزوة إليهم، ولكنها كانت متناثرة في ثنايا مصادر شتى لا يجمعها رباط واحد، ويتطلب تصفحها قدراً كبيراً من الصبر والجلد والأناة، لا سيما وأن الاهتمام بالمسائل اللغوية لم يكن هم اللغويين والنحويين وحدهم، بل شاركهم في ذلك الأدباء والمفسرون والمحدّثون والفقهاء، بل والجغرافيون والمؤرخون وغيرهم.

وقد قمت بتصفح ما أمكن تصفحه من تلك المصادر، ودونت كل ما وجدته معزواً إلى الأزد أو إلى أحد بطونهم سواء في الأصوات أو الأبنية أو التراكيب أو الدلالة.

ص: 415

ولما كان كل جانب من هذه الجوانب يحتاج إلى دراسة واسعة عميقة، وإلى جهد غير واحد من المشتغلين بالدراسات اللغوية، رأيت أن اقتصر في هذا البحث على دراسة ظاهرة الإبدال في لغات الأزد، وهي ظاهرة برزت بوضوح في اللغات المعزوة إليهم، وكانت من الروافد التي أثرت مواد العربية كمًا وكيفًا، وتركت ما عداها إلى أجلٍ، لعلي أوفق إلى دراستها أو دراسة بعضها في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى.

وقد أقمت هذا البحث بعد المقدمة على تمهيد وفصلين وخاتمة وثلاثة فهارس.

وفي التمهيد وضعت كلمة مختصرة تحدثت فيها عن نسب الأزد وأهم بطونهم، ومواطنهم، وفصاحتهم، وجعلتها مختصرة، استغناء بحديث مفصل عنهم في البحث السالف ذكره.

وأما الفصل الأول فكان بعنوان: الإبدال في الحروف (الصوامت) ، وانتظم هذا الفصل مبحثين درست في الأول ظواهر الإبدال الملقبة في لغات الأزد، وفي الفصل الثاني ظواهر الإبدال غير الملقبة.

وكان الفصل الثاني بعنوان: الإبدال في الحركات (الصوائت) وقد جاء هذا الفصل في مبحثين أيضًا، الأول عن التبادل بين الفتح والكسر في أحرف المضارعة، والثاني عن التبادل بينهما في اللام الجارة.

وكان منهجي في هذه الدراسة وصف الظاهرة المعزوة إلى الأزد أو إلى أحد بطونهم، والتمثيل لها بشواهد من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، أو الشعر، أو النثر، مع محاولة تتبع الظاهرة في مؤلفات العلماء قديمًا وحديثًا، ووصلها بالظواهر التي تتفق معها في لغات القبائل الأخرى، أو اللهجات العربية المعاصرة، ثم أنهي الحديث عن الظاهرة بتفسيرها أو التعليل لها في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، مع عدم إغفال أقوال علمائنا المتقدمين، إذا وجدت لأحدهم قولاً في تفسير إحدى الظواهر.

ثم انتهيت إلى خاتمة أشرت فيها إلى أهم نتائج هذا البحث.

وقفيتها بثلاثة فهارس: الأول فهرس الألسنة واللغات واللهجات، والثاني فهرس المصادر والمراجع، وآخرها فهرس الموضوعات.

ص: 416

والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التمهيد

نسب الأزد:

تنتسب جميع قبائل الأزد إلى جدها الأكبر (الأزد) ، واسمه دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وكان الموطن الأصلي للأزد مأرب وما حولها من بلاد اليمن، ثم تفرقوا عن موطنهم هذا لأسباب كثيرة أهمها تهدم سد مأرب، وسوء أحوالهم الاقتصادية، كما أخبرنا بذلك ربنا في قوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} (1) .

وقد تفرقوا بعد رحيلهم من اليمن إلى أنحاء مختلفة من أرجاء الجزيرة العربية، فمنهم من نزل جبال السراة، وهم بنو الحجر بن الهنوء بن الأزد، وبنو قرن بن عبد الله بن الأزد، وبطون من بني نصر بن الأزد الملقب بشنوءة، ومنهم غامد وزهران، وبطون من بني مازن بن الأزد، وهم شكر وبارق ومنهم بنو عمر وبنو ناشر، وأطلق على هؤلاء جميعاً أزد السراة، ونزلت بطون من بني مازن مكة والمدينة وبلاد الشام، فنزلت خزاعة مكة، ونزل الأوس والخزرج المدينة، ونزل آل جفنة بلاد الشام، وعرف هؤلاء جميعاً بأزد غسان، ومنهم من استوطن عمان، وهم بطون من بني نصر بن الأزد وأخيه مازن، وهؤلاء أزد عمان.

وقد صُنفوا تبعاً لهذه المواطن الجديدة إلى أربعة أقسام:

1-

أزد السراة.

2-

أزد شنوءة، وهم في الحقيقة من أزد السراة.

3-

أزد غسان.

4-

أزد عُمان.

(1) سورة سبأ 15،16. وينظر: تفسير القرطبي 14/182،183، ومروج الذهب 2/174.

ص: 417

وقد تردد ذكر هؤلاء في كتب التراث، معزواً إليهم كثير من الظواهر اللغوية، أو الحوادث التاريخية.

فصاحة الأزد:

اشتهر الأزد، ولا سيما أزد السراة، بالفصاحة والبيان، حتى عدهم بعض العلماء من أفصح القبائل العربية. قال الخليل بن أحمد:"أفصح الناس أزد السراة".

وقال أبو عمرو بن العلاء: "كنا نسمع أصحابنا يقولون: أفصح الناس تميم وقيس وأزد السراة وبنو عذرة".

وقال أيضاً: "أفصح الناس أهل السروات، وهي ثلاث: وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، أولها هذيل، وهي التي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة، وهي السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة، وهم بنو كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن مالك بن نصر بن الأزد".

ولم تزل الفصاحة في أهل السراة حتى بعد عصور الاحتجاج بزمن طويل، وقد لفتت فصاحتهم أنظار العلماء وأثارت إعجابهم، كابن جبير في القرن السادس، وابن بطوطة في القرن الثامن، وفؤاد حمزة في القرن الرابع عشر.

الفصل الأول: الإبدال في الحروف (الصوامت) :

توطئة:

الإبدال في الاصطلاح: جعل حرف مكان آخر مطلقاً، وهو عند علماء العربية قسمان:

1-

إبدال صرفي، وهو الإبدال القياسي المطرد عند جميع العرب، ويقع في حروف معينة، مثل تاء افتعل إذا جاء بعدها أحد حروف الإطباق فإنها تبدل طاء، كقولهم في (اصتب) :"اصطبر" وهو لا غنى عنه، تركه يوقع في الخطأ، أو مخالفة الأكثر من كلام العرب.

ص: 418

وحروفه تسعة عند ابن مالك، عبر عنها في (الألفية) و (الكافية الشافية) بقوله:"هدأت موطيا" وفي (التسهيل) بقوله: "طويت دائمًا"فأسقط الهاء. وجمعها أبو علي القالي في اثني عشر حرفًا عبر عنها بقوله: "طال يوم أنجدته". وهي عند الزمخشري خمسة عشر حرفًا عبر عنها بقوله: "استنجده يوم طال زط". والذي ذكره سيبويه منها أحد عشر حرفًا: ثمانية من حروف الزيادة، وهي ما سوى اللام والسين، وثلاثة من غيرها، وهي الدال والطاء والجيم، يجمعها في اللفظ عبارة:"أجد طويت منهلا".

2-

إبدال لغوي، وهو الذي يعنينا في هذا البحث، وهو سماعي غير مطرد في كلام العرب، ولكنه يختلف باختلاف القبائل، فقبيلة تقول: مدح، بالحاء، وأخرى: مده، بالهاء. ولا يعد مخالفه مجانبًا للصواب اللغوي، ويقع - غالبًا - في جميع حروف المعجم.

ولم تقف نظرة اللغويين عند التغيير الذي يلحق حروف الكلمة، بل رأوا أن الإبدال يكون في الحركات أيضًا، وعلى هذا فيمكن تعريف الإبدال بأنه: جعل حرف مكان آخر، أو حركة مكان أخرى.

وقد اختلف القدماء في معنى الإبدال اللغوي وسببه على رأيين:

1-

فريق يرى أن كل لفظين اختلفا في حرف واحد، واتفقا في سائر الحروف هو من باب الإبدال، ومن هؤلاء أبو الطيب اللغوي الذي كان يرى أن الإبدال بجميع صوره لا يقع إلا بين لغتين مختلفتين، وقد وضح هذا بقوله: "ليس المراد بالإبدال أن العرب تتعمد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغات مختلفة لمعان متفقة، تتقارب اللفظتان في لغتين لمعنى واحد حتى لا يختلفا إلا في حرف واحد.

قال: والدليل على ذلك أن قبيلة واحدة لا تتكلم بكلمة طورًا مهموزة، وطورًا غير مهموزة، ولا بالصاد مرة، وبالسين أخرى، وكذلك إبدال لام التعريف ميمًا، والهمزة المصدرة عينًا، كقولهم في أنّ: عنّ، لا تشترك العرب في شيء من ذلك، إنما يقول هذا قوم، وذاك آخرون".

ص: 419

2-

وفريق آخر يشترط لكي تعد الكلمتان من الإبدال تقارب الصوتين، أي: وجود علاقة صوتية بينهما تسوغ إحلال أحدهما محل الآخر، كقول الأصمعي:"النغر والمغر. الميم بدل من النون لمقاربتها في المخرج". وقد نص على ذلك صراحة أبو علي الفارسي في قوله: "القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها، وذلك: الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تدانت مخارجه. فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها".

وكان تلميذه ابن جني يرى -كذلك - أن الإبدال لا يقع إلا في الأصوات المتقاربة المخارج.

وقال ابن سيده: "ما لم يتقارب مخرجاه ألبتّة فقيل على حرفين غير متقاربين فلا يسمى بدلاً، وذلك كإبدال حرف من حروف الفم من حرف من حروف الحلق".

وفي عبارة موجزة علل الأزهري حدوث الإبدال في لغات العرب بقوله: إذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في اللغات".

وقد وصل هذا الخلاف إلى المعاصرين، فمنهم من يرى إمكانية حدوث الإبدال في جميع أصوات العربية سواء فيما تقارب منها مخرجًا وصفة، أو ما تقارب صفة وتباعد مخرجًا. ومن أشهر القائلين بهذا الرأي عبد الله أمين في كتابه (الاشتقاق) .

ومنهم من يقول بوجوب التقارب بين الصوتين، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم أنيس الذي يقول: "حين نستعرض تلك الكلمات التي فُسرت على أنها من الإبدال حينًا، أو من تباين اللهجات حينًا آخر، لا نشك لحظة في أنها جميعًا نتيجة التطور الصوتي

غير أنه في كل حالة يشترط أن نلحظ العلاقة الصوتية بين الحرفين المبدل والمبدل منه. ودراسة الأصوات كفيلة بأن توقفنا على الصلات بين الحروف وصفات كل منها. أي: أن القرب في الصفة والمخرج شرط أساسي في كل تطور صوتي".

ونحن في بحثنا هذا سنأخذ برأي الفريقين في تفسير ظواهر الإبدال في لغات الأزد، سواء ما كان منها في الحروف (الصوامت) أو الحركات (الصوائت) .

ص: 420

المبحث الأول: اللغات الملقبة:

نعني باللغات الملقبة، تلك الظواهر اللغوية التي خلت منها لغة قريش، وعرفت بألقاب خاصة، كالكسكسة والكشكشة والطمطمانية والاستنطاء، ونحو ذلك مما ذكره ابن فارس تحت باب (اللغات المذمومة) وذكره السيوطي بعنوان (معرفة الرديء والمذموم من اللغات) .

وقد عزي إلى قبائل الأزد بعض الظواهر الإبدالية الملقبة، من غير أن تنفرد بلقب واحد منها، حيث نجد بعض المصادر تنسب اللقب إلى الأزد في حين يُنسب في مصادر أخرى إلى غيرهم من قبائل العرب، وليس هذا من قبيل التعارض في النسبة، لأن بعض الظواهر اللغوية قد تنتشر بحكم المجاورة أو الاختلاط في المواسم الدينية أو الأسواق أو الحروب بين عدد كبير من القبائل العربية، فيروي كل لغوي ما بلغه منها.

وسندرس - فيما يلي - ما عزي إلى الأزد من ظواهر الإبدال الملقبة، مرتبة على حروف المعجم:

1-

الاستنطاء:

يفسر اللغويون هذه الظاهرة بأنها عبارة عن جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، كقولهم:"أنطى" بدلاً من أعطى. ومن شواهدها: ما روته أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ "إنا أنطيناك الكوثر".

كما قرأ ابن مسعود والأعمش: (وأنطاهم تقواهم) في قوله تعالى: {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} (1) .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت"، وقوله:"اليد المنطية خير من اليد السفلى"، ومنه كتابه لوائل بن حُجْر:"وأنطوا الثَّبَجَة" وقوله لرجل آخر: "أنطه كذا"(2) .

(1) سورة محمد 17.

(2)

النهاية1/206، 5/76. والثبجة: الوسط في الصدقة.

ص: 421

وفي كتابه صلى الله عليه وسلم لتميم الداري: "هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وإخوته

" (1) قال الزَّبيدي: "ويسمون هذا الإنطاء الشريف، وهو محفوظ عند أولاده". وقال ابن الأعرابي:"شرّف النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللغة وهي حميرية".

ومن شواهدها في الشعر قول أعشى قيس:

جيادك في القيظ في نعمة

تُصان الجِلال وتنطى الشَّعيرا

وأنشد ثعلب:

من المنطيات المركب المعج بعدما

يُرى في فروع المقلتين نُضوب

قال الخليل: "الإنطاء لغة في الإعطاء" وقال الجوهري: "الإنطاء: الإعطاء بلغة اليمن".وعزاها ابن الأعرابي - في قوله المتقدم - وابن الجوزي إلى حمير. وقال التبريزي: "هي لغة العرب العاربة من أولي" وعزاها السيوطي والزَّبيدي إلى سعد بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، وهم بطن من الأزد.

ويرى الدكتور الجندي أن قيس المذكورة ليس المراد بها قيس عيلان، وإنما هي بطن من همدان، بدليل قول الأعشى السابق، وهو من قيس القحطانية.

كما يرى أن هذيل المذكورة ليست تلك القبيلة المعروفة من مضر، وإنما هي هذيل اليمنية. قال: فتكون هذه اللغة قد خلصت لليمن بدليل وجود الأنصار والأزد في نص السيوطي، وجميعهم من اليمن. غير أن هذا لا يمنع من انتقالها إلى قبائل أخرى غير يمنية، فاللغات لا تعرف الثبات بل تنتقل بين القبائل بالمجاورة والاختلاط، ومن المعروف جغرافيًا أن بعض بطون هذيل وقيس كانت تجاور الأزد في السراة، ومن هنا يأتي التأثير، فانعكست بعض الظواهر الأزدية على قبيلة هذيل وقيس ومنهم بنو سعد بن بكر.

كما أن "التوزيع الجغرافي لمواطن النطق بالصيغة (أنطى) قديمًا وحديثًا، يبين أنها كانت توجد على طرق القوافل، من الجنوب إلى الشمال، ومن ثم فإن احتمال انتقال هذه الصيغة من الجنوب، أي: من بلاد اليمن، على طول رحلتي الشتاء والصيف، احتمال مقبول".

(1) مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري 1/174.

ص: 422

ولا تزال هذه اللغة منتشرة في أماكن مختلفة من الوطن العربي، فقد سُمعت في العراق وفي صحاري مصر وفي غرب السودان وشرقه.

ولم يسمع للاستنطاء مثال آخر غير الفعل أعطى في لغة القبائل التي روي عنها، ومن هنا استبعد الدكتور رمضان عبد التواب أن تقلب العين وهي حرف حلقي إلى النون وهي حرف غير حلقي، فمخرج كل منهما بعيد عن مخرج الأخرى. قال:"ومن المعروف أن الصوت لا يقلب إلى صوت آخر إلا إذا كان بين الصوتين نوع من القرابة الصوتية في المخرج والصفة" وقد أشرنا من قبل إلى رأي فريق من العلماء القدامى والمعاصرين الذي يشترط وجود علاقة صوتية بين الحرفين المبدلين تدعو إلى إحلال أحدهما محل الآخر.

ويرى الدكتور عبد الغفار حامد هلال أن تباعد مخرجي النون والعين ليس مبررًا كافيًا يمنع أن تقلب العين نونًا، فالصوتان وإن تباعد مخرجاهما إلا أن بينهما تقاربا في بعض الصفات يسوغ التبادل بينهما، كالجهر والانسفال والانفتاح، ثم هما أيضًا صوتان متوسطان بين الرخاوة والشدة.

ومحاولة تفسير هذه الظاهرة بإيجاد علاقة صوتية بين العين والنون أراه تكلفًا لا مسوغ له، فيكفي أن نقول: إنهما لغتان، لأن إبدال العين نونًا لم يصدر - بالتأكيد - عن ناطق واحد، بل هما - كما يقول أبو الطيب اللغوي في تفسير ظواهر الإبدال - لغتان مختلفتان هذه لقبيلة، وتلك لأخرى.

وكان الدكتور إبراهيم أنيس يرى "أن الأمر لم يكن مقصورًا على الفعل (أعطى) بل يتعلق بكل (عين) سواء وليها طاء أو صوت آخر. فلعل من القبائل من كانوا ينطقون بهذا الصوت بصفة خاصة نطقًا أنفميًا، وذلك بأن يجعلوا مجرى النفس معه من الفم والأنف معًا، فتسمع العين ممتزجة بصوت النون وليست في الحقيقة نونًا، بل هي (عين) أنفمية. وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن الرواة قد سمعوا هذه الصفة ممثلة في الفعل (أعطى) فأشكلت عليهم، ولم يصفوها لنا على حقيقتها".

ص: 423

وهذا افتراض بلا دليل، ولو أن الرواة سمعوا للاستنطاء أمثلة أخرى غير الفعل (أعطى) لذكروها، لأن الأمر عندهم لا يتوقف على ظاهرة لغوية مجردة لم يحسنوا وصفها كما زعم، بل يتعلق بنص القرآن الكريم وما ورد فيه من قراءات بلغوا الغاية في وصفها وضبطها.

ويرى بعض المستشرقين أن الاستنطاء لا علاقة له ألبتة بالفعل (أعطي) ، بل هو فعل سامي آخر معروف في العبرية هو (نطا) بمعنى (مد يده، ثم زيدت عليه الهمزة فصار على وزن (أفعل) في العربية، بزيادة الهمزة.

وذهب إلى هذا الرأي الدكتور عبد المجيد عابدين، وقال:"فـ (أنطى) في العربية أصله: نطا ينطو، أي: مدّ يمدّ، يقال: نطوت الحبل، أي: مددته، وهو من أصل يختلف عن: عطا يعطو، بمعنى: تناول، وإن كان معنياهما يتقاربان في الاستعمال، ولكل لفظ في الفصحى مادته ومشتقاته. وظن السيوطي أن العين الساكنة أبدلت نونًا، وليس هناك إبدال على الحقيقة، ولا لتسكين العين أو تحريكها علاقة بالصيغة النونية".

وكان أبو حيان - وهو على دراية ببعض اللغات السامية - يرى أيضًا أنهما أصلان مختلفان لا إبدال فيهما، قال:"قال أبو الفضل الرازيّ وأبو زكريا التبريزيّ: أبدل من العين نونًا، فإن عنيا النون في هذه اللغة مكان العين في غيرها فحسن، وإن عنيا البدل الصناعي فليس كذلك، بل كل واحد من اللغتين أصل بنفسها لوجود تمام التصرف من كل واحدة، فلا يقول الأصل العين، ثم أبدلت النون منها".

ويرى الدكتور عبد الرحمن أيوب أن في العربية الفعل (ناط) بمعنى أسند الأمر لإنسان ما ليقوم به وهو في العبرية (ناتا) وفي الأمهرية (أمطى) مزيد عليه الهمزة كالفعل العربي (أعطى) ووجود النون في العبرية فاء للفعل والميم في الأثيوبية دليل على أن المادة الأصلية للفعل العربي (ن ط ى) .

ص: 424

ولم يرتض الدكتور رمضان عبد التواب هذا التفسير، لأنه – في رأيه - يبعد عن المعنى العام لكلمة (أنطى) في العربية، وهو مطلق الإعطاء. ويرى أن مقابل الفعل (أعطى) في العبرية (natan) أي: نون وتاء ونون. وفي السريانية في المضارع (nettal) مع إدغام النون الأولى في التاء، والنون الثانية في لام الجر. قال: ولعل ما حدث في لغة هذه القبائل التي روي عنها الاستنطاء، هو عملية نحت لما في هاتين اللغتين واللغة العربية، فأخذت فاء الفعل من العبرية والسريانية، وبقيت عينه ولامه كما هما في العربية".

وللدكتور إبراهيم السامرائي رأي طريف في تفسير هذه الظاهرة، حيث يقول:"إني لأرى فيها أن بين الفعل (أعطى) و (آتى) قرابة، والفعلان هما هما في الدلالة، قال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} (1) ، وأنا أفترض أن الثلاثي (أتى) بزيادة الهمزة يؤدي هذا المعنى. وإذا ضاعفنا التاء كان عندنا (أتّى) والمضاعف يصبح (أنتى) حين يفك التضعيف ويبدل النون من إحدى التاءين على غرار طائفة من الأفعال غير هذا الفعل، وكأن (أنتى) صار (أنطى) بإبدال الطاء من التاء. ولنا أن نقول: إن (أعطى) جاء من (آتى) بإبدال الهمزة الثانية عينًا، والتاء طاء".

وهذا الرأي قريب من واقع الكلمة في بيئتها العربية، ويعضده ما عزي إلي بعض أهل اليمن أنهم يبدلون الحرف الأول من الحرف المشدد نونًا، فيقولون في الحظّ، والإجّاص، والإجّانة، والقبّرة: الحنظ، والإنجاص، والإنجانة، والقنبرة.

2-

الطمطمانية:

تتمثل هذه اللغة في إبدال لام التعرف ميمًا، كقولهم:"طاب امهواء". أي: طاب الهواء.

وقد عزيت هذه الظاهرة إلى الأزد، وإلى قبائل يمنية أخرى.

(1) سورة البقرة 177.وكتبت الآية في الأصل سهوًا: "وآتى المال على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا".

ص: 425

فعزيت إلى دوس، وهم من أزد شنوءة الذين نزلوا السراة، حيث روي عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه أنه قال:"قلت لعثمان - وهو محصور في الدار -: طاب امضرب يا أمير المؤمنين - أي: حل القتال - قال: عزمت عليك لتخرجن، فأطعت أمير المؤمنين".

وقال أبو العباس ثعلب: "هذه لغة للأزد مشهورة".

وعُزيت إلى طيئ، وهي في الأصل قبيلة يمنية هاجرت إلى شمال الجزيرة العربية. ومن شواهدها لدى طيئ قول بُجير بن عَنَمة الطائي:

ذاك خليلي وذو يعاتبني

يرمي ورائي بامسهم وامْسَلِمة

أي: بالسهم والسلمة.

وعزيت إلى زُبيد، قال ابن الكلبي: "أنشد أشياخ بني زُبيد لعمرو بن معدي كرب الزبيدي:

خَلِمْلِم لم أخنه ولم يخني

علم صمصامة ام سيف ام سلام

أي: على الصمصامة السيف السلام.

وعزاها الخطيب البغدادي إلى الأشعريين. قال: "وهي لغة مستفيضة إلى الآن باليمن".

وعزاها بعض المعاصرين إلى سبأ أصل قبائل اليمن.

ومعظم المصادر القديمة تعزوها إلى حمير أو إلى اليمن عامة. وعن شمر أنه سأل امرأة حميرية فصيحة عن بلادها، فقالت:"النخل قُلٌّ، ولكن عيشنا امقمح، امفرسك، أم عنب، أم حماط، طوب، أي: طيب".

ومن أمثال حمير: "لولا امعباب لم تنفق امكعاب".

وقال الأخفش: "وأما ما سمعنا من اليمن، فيجعلون (أم) مكان الألف واللام الزائدتين، يقولون: رأيت امرجل، وقام امرجل، يريدون الرجل".

وقد سمع ابن دريد هذه اللغة باليمن أيضًا، وهي الموطن الأصلي للأزد، فقال:"يقولون: رأيت امكبّار ضرب رأسه بالعَصْو، أي: بالعصا".

وقد تكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه اللغة في مخاطبة أحد وفود اليمن فقال: "ليس من امبر امصيام في امسفر"(1) .

(1) الحديث بهذه الرواية في مسند الإمام الشافعي 2/157، والإمام أحمد 5/434، وغريب الحديث لأبي عبيد 4/194، والكفاية في علم الرواية184، ونصب الراية للزيلعي 2/461.وأخرجه البخاري في كتاب الصوم (1844) بلفظ:"ليس من البر الصوم في السفر".

ص: 426

ولا تزال هذه اللغة مسموعة في جهات كثيرة من جنوب الجزيرة العربية وسمعتها في منطقة الباحة في تهامة غامد الزناد، لكن الغالب عليهم إبدال الميم باء، فيقولون في امجمل (ابجمل) إلا ما كان أوله باء كالبقرة، فيقولون:(امبقرة) هروبًا من اجتماع المثلين.

ويتضح من هذه الشواهد أن أل الشمسية وأل القمرية تبدلان على السواء ميمًا إلا فيما حكاه الزجاجي في حواشيه على ديوان الأدب بأن "حمير يقلبون اللام ميمًا إذا كانت مُظْهَرة كالحديث المروي، إلا أن المحدِّثين أبدلوا في (الصوم) و (السفر) وإنما الإبدال في (البِّر) فقط".

وكذلك حكى ابن هشام عن بعض طلبة اليمن - في القرن السابع - أنه سمع في بلدهم من يقول: "خذ الرُّمح، واركب امفرس". أي أنهم لا يبدلون اللام ميمًا في أل الشمسية، وإنما يخصون ذلك بأل القمرية، قال:"ولعل ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وإنها في الحديث دخلت على النوعين".

وذكر بعض المستشرقين أن بعض حمير يبدلون اللام في أل نونًا، فتكون أداة التعريف عندهم هي النون كما في العبرية، ولا يزال بعض قبائل سحار المتاخمة لخولان صعدة باليمن يقلبون أل الشمسية إلى (أنْ)، فيقولون في الصلاة والثور: انصلاة، انثور.

وذكر أحمد حسين شرف الدين أن المُعَرّف في اللغات اليمنية القديمة غالبًا ما يكون بالنون في آخر الاسم، مثل (ذن مسندن) أي: هذا المسند.

ولهذا أنكر جواد علي أن ينسب إبدال اللام ميمًا في كلام حمير، وزعم أن الحديث المروي شاهدا على هذه اللغة ضعيف أو مكذوب، قال: وقد وُضِع ليكون شاهدا على الطمطمانية المذكورة، ويرى أن تنسب هذه اللغة إلى بعض طيء.

ص: 427

وهذا القول غير مقبول، لحكمه على الحديث بلا علم، وقد رواه العلماء الثقات في مصنفاتهم، ولم يحكموا عليه بالضعف أو الوضع، كما أن قلب لام التعريف ميمًا في كلام حمير وغيرهم من أهل اليمن، كالأزد وطيء أمر مستفيض مشهور عند العلماء قديمًا وحديثًا، والشواهد على ذلك كثيرة، ذكرنا شيئًا منها فيما تقدم.

وحكم ابن جني على إبدال اللام ميمًا في هذه اللغة بالشذوذ الذي لا يسوغ القياس عليه.وفي هذا الحكم نظر، لأنها "لغة قوم بأعيانهم

ولا يجوز الحكم على لغة قوم بالضعف ولا بالشذوذ. نعم لا يجوز القياس بإبدال كل لام ميمًا، ولكن يتبع إن سمع" كما قال في الخصائص:"الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه". أو كما قال أبو حيان: "كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه".

وقد فسر اللغويون قلب اللام ميما في هذه اللغة بأنهما من الأصوات الذلقية الشبيهة بأصوات اللين، والمخارج متقاربة بينهما، يشاركهما في ذلك النون والراء.وهذه الأصوات يبدل بعضها من بعض كثيرًا في اللغات السامية.

ومن أمثلة قلب اللام ميمًا في العربية: "انجبرت يده على عَثَم وعَثَل، وسَمَمْت ما عنده وسَمَلت ما عنده، أي: خبرته، وأصابته أزمة وأزلة، أي: سنة، وغُرْمَة وغُرْلَة، وهي القلفة، وامرأة غرلاء وغرماء".

3-

المعاقبة:

عرّف ابن سيده المعاقبة بأنها: دخول الياء على الواو، والواو على الياء من غير علة تصريفية، أما ما دخلت فيه الواو على الياء، والياء على الواو لعلة، فليس من المعاقبة، لأنه قانون من قوانين التصريف.

ويتضح من هذا التعريف أمران:

أحدهما: أن المعاقبة ليست ناشئة من علة تصريفية، فليس منها، نحو: ميزان وميقات، لأن الواو قلبت ياء لعلة تصريفية هي سكونها وانكسار ما قبلها.

ص: 428

الثاني: أن يكون المعنى واحدًا في الصيغة الواوية والصيغة اليائية، ولذا لا يعد من التعاقب ما اختلف معناه، فالكور المبني من الطين، والكير: الرق الذي ينفخ فيه، فلا معاقبة هنا.

والمعاقبة بين الواو والياء تكون في أوائل الكلم، وأواسطه وأواخره، كقولهم: غلام يَفْعة ووَفْعة، ومولود وتن ويتن، وتحوّزت إلى فئة وتحيّزت، وبينهما بون بعيد وبين بعيد، ونوّم ونيّم جمع نائم، وقلوت البسر وقليته، وهذه غنم قِنية وقنوة، وهي الجهة القصوى والقصيا.

والتعاقب بين الواو والياء كثير ألف فيه العلماء، كـ (كتاب الاعتقاب) لأبي تراب اللغوي، وكتاب (التعاقب) لابن جني، وأفرد له ابن السكيت بابًا مستقلاً في (إصلاح المنطق) ومثلُه ابن سيده في (المخصص) . ونظم ابن مالك بعض ألفاظ التعاقب في تسعة وأربعين بيتًا.

وإذا كان اللغويون يذكرون أن الغالب على أهل الحجاز إيثار الصيغة اليائية فيما تعاقبت فيه الواو والياء، فإن المنقول عن أهل اليمن - ومنهم الأزد - أنهم يؤثرون الصيغة الواوية، قال الخليل:"الكُلوة لغة في الكلية لأهل اليمن".

وقال ابن دريد: "عبوت المتاع عبوًا: إذا عبيّته، لغة يمانية".

وقال الأزهري: "النيرج والنورج لغتان. وأهل اليمن يقولون: نورج".

كما أنها وجدت في النقوش اليمنية، فكلمة قَوْل يقابلها في الفصحى قَيْل.

وفي الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى الأقوال العباهلة، وروي الأقيال.

وأنشد ثعلب لرجل من طيء:

تحنّ إلى الفردوس والشَّير دونها

وأيهات عن أوطانها حوث حلّت

قال: هذه لغته.

وحكى ابن السكيت عن بعض طيء أنهم يقولون في جمع ناقة: أنوق، وغيرهم يقول: أنْيُق.

وأما الأزد، وهم من القبائل اليمنية المهاجرة، فقد عزيت إليهم المعاقبة في (تهذيب اللغة) في قول المؤرج:"هي المعيشة، والمعوشةُ لغة الأزد". وأنشد لحاجز بن الجعيد:

من الخَفِرات لا يُتْمٌ غَذَاها

ولا كَدُّ المعوشة والعلاجُ

ص: 429

كما عزي إلى أزد شنوءة وإلى أهل المدينة - ومعظم أهلها من الأزد - أنهم يقولون: لا يجوز هذا في القوس، أي: في القياس، من قٌسته أقوسه قَوْسًا، قالوا: هي لغة في: قِسته أقيسه قَيْسًا وقياسًا، والأصل الواو.

وجمع الهدية هدايا، وعزي إلى أهل المدينة - أيضًا - أنهم يجمعونها على هداوى بالواو.

وجاء في الاشتقاق: كاد يكود في معنى كاد يكيد، وحاد يحود في معنى حاد يحيد، لغة لزهران من الأزد. وقد انفرد ابن دريد بعزوها لزهران، غير أنه عزاها في جمهرة اللغة إلى اليمن عامة، على اعتبار أن زهران إحدى قبائل الأزد اليمنية.

هذا، وروى الإمام الشافعي، وأحمد، ومسلم، والخطيب البغدادي، وابن خزيمة، والبيهقيّ، والقرطبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت" واللفظ لمسلم.

قال أبو الزناد - من رجال الإسناد في الحديث -: "هي لغة أبي هريرة، وإنما هو فقد لغوت".

وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم: "لغا يلغو كغزا يغزو، ويقال: لغي يلغى كعمي يعمى، لغتان الأولى أفصح، وظاهر القرآن يقتضي الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} وهذا من لغي يلغى، ولو كان من الأول لقال: "والغُوا"بضم الغين".

ورواه أحمد ومسلم، في غير ما تقدم، والبخاري، ومالك، وأصحاب السنن عن أبي هريرة أيضًا بلفظ (لغوت) .

وهذه الرواية أشبه من سابقتها بلغة أبي هريرة الدوسي الزهراني رضي الله عنه. كما جاء في أحاديث أخرى ما يدل على أنه رضي الله عنه كان يؤثر الواو على الياء، من ذلك ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أكذب الناس الصبّاغون والصيّاغون".

ص: 430

ومنه حديثه رضي الله عنه وقد قيل له: خرج الدجال، فقال:"كَذْبة كذبها الصّواغون". فنطق بالصيغة الواوية، في الحديثين، وقد يكون سمعها من رسول الله بالياء، لأنه قرشي، ولكنه نطقها بالواو علي سليقته اليمنية.

فإن كان أبو هريرة قد نطق بالصيغة اليائية على أنها لغة له، كما ذكر أبو الزناد، فلعلها في هذه الكلمة فقط، أفادتها قبيلته من إحدى القبائل الحجازية المجاورة التي تؤثر الياء في كلامها. وقد تجتمع اللغتان في قبيلة واحدة، كما حكى الخليل عن طيئ - وهي من القبائل اليمنية - أنها كانت تقول:"محيته محيًا ومحوًا".

بل وعزي إلى أهل الحجاز أنهم كانوا يقولون: قنوان وقصوى وقلوت، فيما يقول التميميون: قنيان وقصيا وقليت.

وحكى ابن السكيت عن أهل الحجاز أيضًا أنهم يعاقبون بين الواو والياء، فيقولون: الصوّاغ والصيّاغ، والمياثر والمواثر، والمواثق والمياثق.

وتابع ابن سيده ابن السكيت في إمكان المعاقبة في القبيلة الواحدة، حيث قال:"وأذكر الآن شيئًا من المعاقبة، وأُري كيف تدخل الياء على الواو، والواو على الياء من غير علة عند القبيلة الواحدة من العرب" ثم نقل عن ابن السكيت ما حكاه عن أهل الحجاز.

فاللغات - كما يقال - ظواهر اجتماعية لا تعرف الاطراد، ولا يمكن أن ينتظمها أو يحكمها قانون عام شامل أو جامع مانع، وإنما هي - دائمًا - تأخذ وتعطي بفعل تأثر القبائل بعضها ببعض، كما قال ابن جني في حديثه عن الفصيح يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا:"وقد يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما، ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى، وطال بها عهده، وكثر استعماله لها، فلحقت - لطول استعمالها - بلغته الأولى. وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فأخلق الحالين به في ذلك أن تكون القليلة في الاستعمال هي المفادة، والكثيرة هي الأولى الأصلية".

ص: 431

ولعلنا نحمل على هذا التوجيه بعض صور المعاقبة التي سمعتها في ديار بني ناشر أحد بطون أزد السراة، فهم يقولون مثلاً:"دعيت، وعفيت، وغديت"في دعوت، وعفوت، وغدوت. ويقولون:"لا حيل ولا قوة إلا بالله"في لا حول ولا قوة إلا بالله. والأخيرة لغة غابرة ذكرتها بعض كتب اللغة بلا عزو.

وقد علل سيبويه حدوث التعاقب بين الواو والياء في هذه الصيغ ونحوها بطلب الخفة وكثرة الاستعمال. فقال: "الواو والياء بمنزلة الحروف التي تدانى في المخارج، لكثرة استعمالهم إياهما، وإنهما لا تخلو الحروف منهما ومن الألف أو بعضهن، فكان العمل من وجه واحد أخف عليهم".

وكذلك جعل ابن جني علة التعاقب بينهما طلب الخفة وكثرة الاستعمال، إذ يقول: أهل الحجاز يقولون: للصوّاغ: الصيّاغ. ووجه الاستدلال منه أنهم كرهوا التقاء الواوين - لا سيما فيما كثر استعماله - فأبدلوا الأولى من العينين ياء، فصار تقديره: الصيواغ، فلما التقت الواو والياء على هذا أبدلوا الواو للياء قبلها، فقالوا: الصيّاغ، وليس هناك علة تضطر إلى إبدالها أكثر من الاستخفاف مجردًا.

ويرى الدكتور أحمد علم الدين الجندي أن إيثار الياء على الواو من سمة القبائل المتحضرة، كقريش وكنانة وكلب، على حين نجد القبائل البدوية تؤثر الواو، كطىء وتميم وقيس وعقيل ومن جاورهم وعامة بني أسد.

وعلل ميل القبائل البدوية إلى صوت الواو أو الضم، والقبائل المتحضرة إلى صوت الياء أو الكسر، بأن الضم مظهر من مظاهر الخشونة البدوية وطبع الجفاة من العرب، والكسر دليل التحضر والرقة في معظم البيئات اللغوية.

ص: 432

غير أن نسبة الميل إلى الياء أو الواو إلى الحضارة أو البداوة قول لا يصدقه الواقع، فلو كان الأمر كما قال لخلت الواو من كلام الحضر والياء من كلام البدو، وهذا ما لم يصدقه واقع تلك القبائل التي وجد في لغاتها جميعًا الواوي واليائي، كالأمثلة المتقدمة. وهل لنا أن نقول - على رأيه هذا -: إنما آثر الأزديون الواو على الياء، لأنهم من القبائل البدوية؟ كلا فالأزديون - وهم من اليمن ذات الحضارة الموغلة في القدم - كانوا أكثر من القبائل المجاورة لهم في مواطنهم الجديدة ميلاً إلى الاستقرار، وأخذًا بأساليب التحضر، وإقبالاً على الأعمال التي يأنف منها البدوي، ولذلك تغلبوا على السكان الأصليين في المواطن الجديدة التي حلوا بها على الرغم من اضطرارهم إلى النزوح عن وطنهم، وإلى التشتت في أنحاء الجزيرة العربية.

المبحث الثاني: اللغات غير الملقبة:

عزي إلى الأزد عدد من ظواهر الإبدال اللغوي غير الملقبة، وسندرسها فيما يلي بحسب الحروف المبدل منها، مرتبة على حروف المعجم:

1-

إبدال التاء دالاً:

تتحد التاء والدال في المخرج، وهو مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا كما يتحدان في الشدة والإصمات والانفتاح والانسفال وهذا التجانس ساعد على حدوث التبادل بينهما في ألفاظ عدة، كقولهم: ستا الثوب وسداه، وغمد سيفه وغمته، والتفتر والدفتر، وهرد الثوب وهرته.

ومن صور هذا الإبدال ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: "جلدّه، وفزد"وهي لغته في "جلدته، وفزت".وقد عزاها إليه أبو الزناد وابن بونة.

ص: 433

وأبو هريرة من قبيلة دوس الزهرانية، ويمكن عزو هذه اللغة إليها، إذ لايزال بعض أهل السراة إلى اليوم يقول:"فزد، وزدّه"، في: فزت وزدته. وقد عزاها سيبويه إلى تميم أيضًا فقال: "وقالوا: فزد، يريدون فزت، كما قالوا: فحصط". قال السيرافي شارح الكتاب: "هي لغة لبعض تميم

يقلبون الدال من تاء فعلت إذا كان لام الفعل حرفًا من هذه الحروف الثلاثة: الزاي والدال والذال، كقولهم: فزد في معنى فزت، يشبهون هذه التاء بتاء فعلت، وليس هذا بالكثير".

ويمكن تفسير هذه الظاهرة بأن التاء أخت الدال في المخرج، كما أن الدال والزاي حرفان مجهوران، والتاء حرف مهموس، فأبدلوا من التاء دالاً، ليقربوا بين الصوتين، وتتحقق بينهما المجانسة والتناسق الصوتي.

2-

إبدال التاء هاء:

استشهدوا لهذا الإبدال في لغات الأزد بلفظ واحد هو (التابوت)، فهم يقولون:(التابوه) بالهاء، وهي لغة الأنصار خاصة، وقرئ بها - في الشواذ - قوله تعالى:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} (1) .

قال القاسم بن معن: "لم تختلف لغة قريش والأنصار في شيء من القرآن إلا في (التابوت) فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء"(2) .

(1) سورة البقرة 248.وينظر: شواذ القرآن 22، وإعراب القراءات الشواذ1/261، والمحتسب 1/129، والمحرر الوجيز/133، وشرح الكافية الشافية 4/2160، وشرح المفصل 10/45، والقرطبي1/154، واللسان (توب) 1/233.

(2)

الصحاح (توب) 1/92.

ص: 434

وروي عن زيد بن ثابت الأنصاري، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن الزبير، والثلاثة من قريش، أنهم اختلفوا عند كتابة المصحف في (التابوت) فقال القرشيون:(بالتاء) وقال زيد: (بالهاء) فرفعوا اختلافهم إلى عثمان رضي الله عنه فقال: "اكتبوه التابوت، فإنه نزل بلسان قريش"(1) .

ويري الجوهري أن التاء ليست أصلية، وأنه من (ت وب) وأصله: تابُوَةٌ، مثل ترقوة، وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء (2) .

قال ابن بري: "الصواب أن يذكره في مادة (ت ب ت) لأن تاءه أصلية، ووزنه فاعول مثل: حاطوم، وعاقول، والوقف عليه بالتاء في أكثر اللغات، ومن وقف عليه بالهاء، فإنه أبدلها من التاء، كما أبدلها في الفرات حين وقف عليها بالهاء، وليست التاء في الفرات بتاء تأنيث، وإنما هي أصلية من نفس الكلمة"(3) .

وذهب الزمخشري إلى أنه فعلوت، مشتق من التوب، وهو الرجوع، لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. قال: ولا يكون فاعولا، لقلته، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف، فلا يجوز ترك المعروف إليه (4) .

ويرى العكبري أنه (فاعول) وأنه لا يعرف له اشتقاق في لغة العرب.

وقد عزيت هذه اللغة إلى طيئ أيضًا، حيث كانوا يقفون على تاء جمع المؤنث وما يماثلها بالهاء، حكى قطرب عنهم أنهم يقولون:"كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه"(5) .ومنه قولهم: "دفن البناه من المكرماه" أي: دفن البنات من المكرمات، وهو حديث شريف.

(1) سنن الترمذي 5/285. وينظر: مسند أبي يعلى1/64، وتفسير القرطبي 1/54، وسنن البيهقي2/385، والدر المصون 2/523، وشرح شذور الذهب 63.

(2)

الصحاح (ت وب) 1/92.

(3)

التنبيه والإيضاح1/45.

(4)

الكشاف 1/293.وينظر: البحر المحيط 2/579،والدر المصون 2/523.

(5)

سر صناعة الإعراب 2/563، والممتع 1/402، وشرح المفصل لابن يعيش 10/45، والأشموني 4/214،334.

ص: 435

ومثل ذلك قولهم: (هيهاه) و (وأولاه) و (اللاه) في: هيهات وأولات واللات.

ولم تعز هذه اللغة لغير طيئ والأنصار، ولا غرابة، فكلاهما من القبائل اليمنية القحطانية المهاجرة من موطن واحد.

ولا تزال تسمع في اليمن، في بعض جهات صعدة، وبخاصة لدى قبيلتي علاف والأبقور.

ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن هذه الظاهرة ليست من قبيل قلب صوت إلى آخر، بل هي حذف الآخر من الكلمة. قال:"وما ظنه القدماء هاء متطرفة هو في الواقع امتداد في التنفس حين الوقوف على صوت اللين الطويل، أو كما يسمى عند القدماء ألف المد".

ولعل الدكتور أنيس نظر إلى عدم توفر شروط الإبدال بين الهاء والتاء، فالهاء صوت حلقي رخو، والتاء صوت لثوي شديد، أي ليس بينهما تقارب يسوغ التبادل بينهما.

والصحيح أن هذه الظاهرة هي نوع من الإبدال، وقد فسرها ابن جني بقوله: "التابوه بدل من التاء في التابوت. وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كل واحد من التاء والهاء حرف مهموس، ومن حروف الزيادة في غير هذا الموضع. وأيضًا فقد أبدلوا الهاء من التاء التي للتأنيث في الوقف، فقالوا: حمزه، وطلحه، وقائمه، وجالسه. وذلك منقاد مطرد عند الوقف، ويؤكد هذا أن عامة عقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول في الفرات: الفراه، بالهاء في الوصل والوقف.

وزاد في الأنس بذلك أنك ترى التاء في الفرات تشبه في - اللفظ تاء فتاة وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخر الآخر - أبدل التاء هاء، ثم جرى على ذلك في الوصل، لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلة علةً، فيراعى حالُ الوقف من حال الوصل، ويفصل بينهما".

ويرى أحد المعاصرين أنهم "عمموا في الألسن العربية الدارجة العصرية النطق بتاء التأنيث هاء (ـة - ـه) فلم يعد ذلك النطق خاصًا بالوقف، فقط، بل تعداه إلى داخل الجملة (أي في الوصل) وأصبحت هذه الهاء - في الوقت الحاضر - علامة التأنيث العادية في جميع هذه الألسن".

3-

إبدال السين زايًا:

ص: 436

حدد المتقدمون مخرج هذين الصوتين بأنه من طرف اللسان فويق الثنايا السفلى يشاركهما في ذلك الصاد، كما أنهما صوتان يتحدان في صفة الرخاوة والانفتاح والانسفال والصفير، ولا فرق بينهما إلا في أن الزاي صوت مجهور، والسين صوت مهموس، لذلك سهل التبادل بينهما.

والشواهد على هذا الإبدال كثيرة في اللغة، جاء بعضها معزوًا إلى الأزد، وأخرى إلى ربيعة وكلب وغيرهم.

قال الخليل: "الزَّقف: لغة الأزد في السقف، يقولون: ازدقف، أي: استقف".

والأزد بالزاي لغة لهم في اسم جدهم (الأسد) .

وقال الخليل أيضًا: "لصق يلصق لصوقًا، لغة تميم، ولسق أحسن لقيس، ولزق لربيعة، وهي أقبحها". وذهب ابن جني والزمخشري، وابن الحاجب إلى أن كلبًا تقلب السين زايًا مع القاف خاصة، فيقولون في (سقر) :(زقر) .

وقال الفراء: الزراط، بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين. وهؤلاء من قضاعة، وهي من القبائل اليمنية القحطانية المهاجرة.

وأما العلة الصوتية لهذا الإبدال، فلأن السين - كما تقدم - حرف مهموس، والقاف والدال والطاء أحرف مجهورة، فأبدلوا السين زايًا، لأن الزاي من مخرج السين ومثلها في الصفير، وتوافق القاف والدال في الجهر وعدم الإطباق، وبهذا يحدث بين الزاي وتلك الأصوات تقارب وتجانس وهذا ما عبر عنه سيبويه بقوله:"وإنما دعاهم إلى أن يقربوها ويبدلوها أن يكون عملهم من وجه واحد، وليستعملوا ألسنتهم في ضرب واحد".

4-

إبدال الصاد تاء:

تبدل الصاد تاء في كلمة واحدة هي اللصّ، فيقال:(اللصت) قال اللحيانيّ: "هي لغة طيء وبعض الأنصار" وعزا أبو عمرو الشيباني مقلوب اللصت إلى الأزد، فقال:"الصّلت: اللص بلغة الأسْد".

وتعزو معظم المصادر القديمة إلى طيئ أيضًا إبدال السين تاء، فيقولون في الطسّ:(الطّست) وهي اللغة التي تُلقبها بعض المصادر بالوتم.

ص: 437

وطيئ والأزد، ومنهم الأنصار، جميعهم من اليمن، ولهذا عزا الفراء إبدال الصاد والسين تاء إلى بعض أهل اليمن وعزاه أبو علي إلى اليمن عامة.

ويرى ابن قتيبة أن علة هذا الإبدال هو ثقل اجتماع المثلين في آخر الكلمة، فأبدل من أحدهما تاء.

وفي (المحرر الوجيز) عن أبي علي قال: "إذا اجتمعت المتقاربة، خففت بالحذف والإدغام والإبدال، كما قالوا: طست، فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طسّ".

وفسر بعض المعاصرين هذا التبادل من الناحية الصوتية بتقارب الحرفين في المخرج، واتفاقهما في الهمس، وتناظرهما في الرخاوة والشدة، أي: أن التاء صوت شديد مهموس، والصاد صوت رخو مهموس، وقد آثرت طيئ والأزد ومن على شاكلتهما من القبائل البدوية نطق التاء، وهو صوت شديد، لأن من سمات القبائل المتبدية الجنوح إلى السهولة والاقتصاد في الجهد، والأيسر عندها أن تنتقل الأصوات من الرخاوة إلى الشدة.

ويرى برجشتراسر أن التاء هي الأصل في الحقيقة، وأن الصاد الثانية مبدلة منها، لأن الكلمة معربة - كما يرى - من اليونانية، بواسطة الآرامية، أي: السريانية، وهي في اليونانية (Lestes) وفي السريانية (Lesta) .

قال: ويتضح من ذلك أن (لصت) هي الأصل، وأن (لصّ) أبدلت منها لشبه التاء بالصاد، ثم أدغمت فيها.

فإن صح هذا الرأي، فإنه يدل على أن القبائل التي نطقتها بالتاء قد عربتها على أصلها في اللغة الأعجمية، وعربها آخرون إلى (اللصّ) ، بإبدال التاء صادًا، ويكون الإبدال فيها على العكس مما ذكره المتقدمون، ولا علاقة له ببداوة أو حضارة، كما علله بعض المعاصرين.

5-

إبدال النون هاء:

ص: 438

قال ابن فارس في مادة (فكه) : "الفاء والكاف والهاء أصل صحيح يدل على طيب واستطابة، من ذلك الرجل الفكه: الطيب النفس

فأما التفكّه في قوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} (1) فليس من هذا، وهو من باب الإبدال، والأصل تفكّنون، وهو من التندم" (2) .

وجاء في تهذيب اللغة: "قال اللحياني: "أزد شنوءة يقولون: يتفكّهون، وتميم تقول: يتفكّنون. وقال مجاهد في قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تعجّبون. وقال عكرمة: تندمون. وقال ابن الأعرابي: تفكّهت وتفكّنت، أي: تندمت" (3) . وقال ثعلب في أماليه: "أزد شنوءة يقولون: تفكّهون، وتميم يقولون: تفكّنون، بمعنى: تعجبون" (4) . وقال أبو الطيب اللغوي: "يقال: تركته متفكنًا ومتفكهًا، أي: متندمًا. وفي التنزيل: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تندمون، وهو بالهاء لغة أزد شنوءة وبالنون لغة تميم" (5) .

وقد عزيت بالنون إلى عُكْل أيضًا (6) ، وهم أخوة بني تميم (7) .

وقد قرأ الجمهور {تَفَكَّهُونَ} بالهاء، وقرأ أبو حرام العكلي (تفكّنون) بالنون (8) . قال ابن خالويه:"تفكّن: تندّم، وتفكّه: تعجّب"(9) وفسرهما ابن السكيت بالتندّم (10) .

وقال الكسائي: "تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكّهت بمعنى تنعّمت، وتفكّهت بمعنى حزنت"(11) .

يتضح من هذا العرض اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصيغتين، فمرة تُفسر (تفكّهون) بـ (تعجّبون) وتفسر الأخرى بـ (تندّمون) كما فسرت الصيغتان مرة بـ (تعجّبون) وأخرى بـ (تندّمون) على أنهما من الأضداد ويتعاقبان على البدل.

(1) سورة الواقعة 65.

(2)

المقاييس4/446.

(3)

تهذيب اللغة 10/280.

(4)

المزهر1/473.

(5)

الإبدال2/458،459.

(6)

الأضداد لابن الأنباري 65، وتهذيب اللغة 10/27.

(7)

جمهرة أنساب العرب 480.

(8)

شواذ القرآن 152، وتهذيب الألفاظ 1/539، والدر المصون 10/217.

(9)

شواذ القرآن 152.

(10)

تهذيب الألفاظ 1/539.

(11)

تفسير ابن كثير4/317.

ص: 439

والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن خالويه من أن كل صيغة تختلف عن الأخرى، فـ (تفكّهون) بمعنى تعجّبون فقط، و (تفكّنون) وهي التميمية بمعنى تندّمون فقط، وقد فسرهما بهذا - من قبلُ - أبوحاتم السجستاني (1) . وتفسير الآية الكريمة يحتمل المعنيين، وهذا يتضح من ذكر بقية الآية والآيتين السابقتين لها:{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} (2) .

وليس بين النون والهاء علاقة صوتية، فهما متباعدان في المخرج والصفة، فمخرج الهاء من أقصى الحلق مما يلي الصدر، ومخرج النون من أدنى طرف اللسان فويق الثنايا، والهاء صوت رخو مهموس والنون مجهورة (3) ، ولهذا رجح الدكتور أحمد علم الدين الجندي ألا تبادل بين الصيغتين، وأن كلاً منهما أصل مستقل (4) .

ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن إحدى الصيغتين متطورة عن الأخرى، وأن (يتفكّهون) الأزدية هي الأصل، لوردها في نص قديم، في قوله تعالى:{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} قال: فقد تطورت في بيئة الإسلام وأصبح نطقها (يتفكّنون) وسمعها رواة اللغة منهم بعد قرنين من ظهور الإسلام (5) .

وفسر الدكتور ضاحي عبد الباقي التطور المذكور بأن الصيغة التميمية قرئ بها في الشواذ، ومرجع القراءة بها - كما يرى - ضعف سمع المتلقي أو عدم تيقظه عند السماع، فتهيأ له أن القاري نطق (تفكّنون) بالنون، وساعد على ذلك أن سياق الآية احتمل ذلك (6) .

(1) جمهرة اللغة3/1297.

(2)

سورة الواقعة 63 - 65.وينظر: لغة تميم 141.

(3)

الكتاب4/433،434.

(4)

اللهجات العربية في التراث2/474.

(5)

من أسرار اللغة 77.

(6)

لغة تميم 141.

ص: 440

وهذا توجيه بعيد، قال ابن مالك في مثله:"وهذا التوجيه لو اعترَف به من عُزيت القراءة إليه لدلّ على عدم الضبط، ورداءة التلاوة. ومن هذا شأنه لم يُعتمد على ما يسمع منه، لإمكان عروض أمثال ذلك منه"(1) .

6-

إبدال الياء ألفًا:

تبدل الياء والواو ألفًا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، نحو: سعى ورمى وغزا ويقوى ويحيى وعصا ورحى. وهي القاعدة المعروفة في اللغة العربية (2) .

وليست هذه القاعدة بمطردة عند جميع القبائل العربية، فقد عزي إلى طيئ أنهم يبدلون كل ياء أو واو متحركة ألفًا بشرط تحرك ما قبلها على الإطلاق، دون تخصيص هذه الحركة بالفتح، كقولهم في بَقِي ورَضِي ويموت ويمحوه، وناصية وبادية وجارية وباقية وأودية: بَقَى، ورَضَا، ويمات، ويمحاه، وناصاه، وباداه، وجاراه، وباقاه، وأوداه (3) .

وقد رويت بعض شواهد هذا الإبدال لقبائل نجدية جاورت طيء، كتميم وأسد وقيس، ولعل هؤلاء قد تأثروا بطيء حينما هاجروا إليهم من جنوب الجزيرة العربية (4) .

وعزي هذا الإبدال في مادة (ب ق ى) من اللسان إلى بني الحارث بن كعب، كما عزي إليهم إبدال الياء ألفًا إذا سكنت وانفتح ما قبلها، فيقولون: أخذت الدرهمان، واشتريت الثوبان، وضربت يداه، ووضعته علاه، وذهبت إلاه، والسلام علاكم.

وقال الفراء في توجيه قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (5) : "قراءتنا بتشديد (إنّ) وبالألف

على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. وأنشدني رجل من الأسْد عنهم، يريد بني الحارث:

فأطرق إطراقَ الشُّجاع ولو يرى

(1) شرح الكافية الشافية4/ 2021 - 2022.

(2)

ينظر: الكتاب 4/383،وشرح الشافية للرضي 3/157، وارتشاف الضرب1/295.

(3)

ارتشاف الضرب1/302، وما يجوز للشاعر في الضرورة 166،167، وتهذيب اللغة 14/335، ولسان العرب (نصا) 15/327، وبحوث ومقالات في اللغة242، ولغات طيء 296،297.

(4)

ينظر: بحوث ومقالات في اللغة 239،240.

(5)

سورة طه 63.

ص: 441

مَسَاغًا لِناباه الشُّجاعُ لصَمَّما

قال: وما رأيت أفصح من هذا الأسْديّ. وحكى هذا الرجل عنهم: هذا خطّ يدا أخي بعينه. وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأن الواو لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، فلما رأوا أن الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحاً، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كل حال".

وينتسب بنو الحارث بن كعب إلى مِذْحَج، ودخل فيهم بطون من الأزد، وكانت لهم الرئاسة. وعدهم بعض علماء اللغة والنسب من الأزد.

وكما عزيت هذه اللغة إلى بني الحارث بن كعب فقد عزيت كذلك إلى خَثْعَم وزُبيد وعُذْرة ومُراد.

وعزيت إلى الأزد في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} (1) قال أبو حيان: "والبيتوتة: هو أن تدرك الليل نمت أو لم تنم، وهو خلاف الظلول. وبجيلة وأزد السراة يقولون: يبات، وسائر العرب يقولون: يبيت" وقال السمين: "يبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم".

واللغتان من غير عزو في الصحاح، والمحيط، والمصباح.

وبالنظر إلى القبائل التي عزيت إليها هذه اللغة - صراحة - نجدها جميعًا قبائل يمنية قحطانية تسكن جنوب الجزيرة العربية كالأزد وخثعم ومراد وبجيلة وبني الحارث بن كعب، أو قحطانية مهاجرة إلى الشمال كطيئ، وكانت قبل الهجرة تجاور إخوتها الأزد وبني الحارث بن كعب في موطن واحد حول منطقة مأرب.

ولا تزال هذه اللغة مسموعة إلى اليوم في بعض مناطق السراة وفي غيرها من نواحي الجزيرة العربية، فتسمع في السراة من يقول:(بات يبات)، (بغاه يبغاه) (عناه يعناه) في: بات يبيت، وبغاه يبغيه، وعناه يعنيه.

(1) سورة الفرقان 64.

ص: 442

وفي بادية غامد في السفوح الشرقية من جبال السّراة، وغامد الزناد بتهامة من يقول:"السلام علاكم"، (وركب علاه) في السلام عليكم، وركب عليه.

وهي أكثر استعمالاً في بادية عتيبة وبلحارث جنوب الطائف وشرقه، وبعض بوادي الحجاز.

الفصل الثاني: الإبدال في الحركات (الصوائت) :

توطئة:

الحركات في العربية ثلاث: هي الفتحة والكسرة والضمة. وهي - كما قال ابن جني -: "أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو

فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو". ولما كانت حروف المد تتعاقب فيما بينها، فكذلك هذه الحركات تتعاقب فيما بينها في لغات القبائل العربية.

وعزي إلى بعض قبائل الأزد ألفاظ تعاقبت فيها الحركات ما بين فتح وكسر، أو ضم وكسر، وسنعالج في هذا الفصل ما يخص الجانب الصوتي من ذلك التعاقب.

المبحث الأول: بين الفتح والكسر في أحرف المضارعة:

ذكر سيبويه أن كسر أول الفعل المضارع لغة جميع العرب إلا الحجاز، فلغتهم الفتح، قال: وهو الأصل. وكذلك ذكر ابن سيده، وزاد بأن قال:"وصارت لغتهم الأصل، لأن العربية أصلها إسماعيل عليه السلام، وكان مسكنه مكة".

وقال ابن فارس: "وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم

ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس، مثل تِعلمون ونِعلم".

وعزا اللحياني في نوادره - عن الكسائي - ظاهرة الكسر إلى تميم، وقيس، وهذيل، وأسد، وجميع العرب: نهدها، وجَرْمها، ويمنها.

وجاء في اللسان: "وتِعلم، بالكسر: لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب. وأما أهل الحجاز، وقوم من أعجاز هوازن، وأزد السراة، وبعض هذيل فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. وزعم الأخفش: أن كل من ورد علينا من الأعراب لم يقل إلا تِعلم، بالكسر".

ص: 443

وقال أبو جعفر النحاس: "قرأ يحيى بن وثاب والأعمش {نَسْتَعِينُ} بكسر النون، وهذه لغة تميم، وأسد، وقيس، وربيعة".

وقال أبو حيان: "وفتح نون {نَسْتَعِينُ} قرأ بها الجمهور، وهي لغة الحجاز، وهي الفصحى".

وكان سيبويه يستثني الياء من الكسر في اللغة المطردة، وعلل ذلك بأنهم كرهوا الكسرة في الياء، لثقلها.

وحكى الفراء في كتاب (اللغات) عن بعض كلب، وهم من قضاعة، أنهم يكسرون جميع حروف المضارعة حتى الياء. قال: وهي من الشاذ.

وبهراء من قضاعة أيضًا ولم ينقل عنها الرواة سوى كسر التاء فقط، وقد اشتهرت هذه الظاهرة معزوة إليها بلقب (تلتلة بهراء) .قال ثعلب:"وأما تلتلة بهراء، فإنها تقول: تِعلمون، وتِعقلون، وتِصنعون، بكسر أوائل الحروف".

ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن بهراء كانت - أيضًا - تكسر جميع الحروف حتى الياء، ولكنه لم يذكر مصدر رأيه هذا. ثم حاول أن يفسر وجود هذه الظاهرة عند هذه القبيلة بتأثرها بما جاورها من لغات كالأرامية والعبرية اللتين اطرد فيهما كسر حرف المضارعة.

وهذا غير مؤكد، لأن الكسر ينسب أيضًا إلى عدد كبير من القبائل العربية - كما تقدم - وتأثر بهراء بهذه القبائل أولى بالقبول من تأثرها باللغات الأعجمية المجاورة.

وعزا الجوهري إلى بني أسد فتح همزة الفعل (إخال) قال: "وتقول في مستقبله: إخال بكسر الألف، وهو الأفصح. وبنو أسد تقول: أخال بالفتح، وهو القياس".

وقد شكك الدكتور أحمد علم الدين الجندي في هذا العزو، وقال: بل هي تكسر، وإنما الذي يفتح هي قبيلة الأزد، كما في نص صاحب اللسان السابق، قال: ومن الجائز أن يكون الرواة قد خلطوا بين قبيلة الأزد وقبيلة أسد لا سيما في الكتابة.

وكسر أحرف المضارعة ظاهرة سامية قديمة، وجدت في العبرية والسريانية والحبشية.كما وجدت في لهجات جنوب اليمن الحديثة كالمهرية والشحرية والبوتاحارية، وفي لهجات السريان في هذه الأيام.

ص: 444

ولا تزال هذه الظاهرة شائعة في كثير من لهجاتنا العربية المعاصرة، في النجدية، والمصرية، وبعض لهجات أهل السراة.

وإذا كان المتقدمون يرون أصالة الفتح، كما تقدم في قول سيبويه وابن سيده. فإن المعاصرين على خلاف في ذلك، فبعضهم يرى رأي المتقدمين، وبعضهم يرى أصالة الكسر وحداثة الفتح.

فممن يرى أصالة الفتح من المعاصرين الدكتور إبراهيم أنيس، حيث يقول:"نرجح أن الأصل في شكل حروف المضارعة هو ما شاع في لهجات الحجاز من الفتح في كل الحالات. وقد انحدر هذا الأصل إلى هذه اللهجات من السامية الأولى، ثم تطور إلى كسر في معظم اللغات السامية".

ويذهب الدكتور رمضان عبد التواب إلى أصالة الكسر في أحرف المضارعة في العربية القديمة، ويحتج لذلك بدليل عدم وجود الفتح في اللغات السامية الأخرى كالعبرية والسريانية والحبشية. وبدليل ما بقي من الكسر في بعض اللهجات العربية القديمة، واستمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة.

ولم تكن أدلته هذه محل تسليم الباحثين، فقد نُقض دليله الأول - وهو عدم وجود الفتح في الساميات القديمة - بأن العربية هي اللغة السامية التي بقيت في الجزيرة بعد هجرة أخواتها الساميات، فالفتح ليس حادثًا فيها بل إنه الأصل، والكسر هو الذي حدث بعد اختلاط الساميين بغيرهم.

ويؤكد هذا قول الدكتور جاكوب بارت: إن كسر حروف المضارعة في الساميات القديمة طارئ عليها، وليس أصلاً فيها، إذ إنه انتقل في اللغتين العبرية والسريانية من وزن فعِل يفعَل إلى الأوزان الأخرى، فصارت كلها مكسورة أحرف المضارعة إلا في اللغة العربية، في الأفعال الحلقية الفاء والجوفاء والمضعفة، فقد بقيت فيها حروف المضارعة مفتوحة.

ص: 445

أما دليله الثاني - وهو أن استمرار الكسر في اللهجات العربية الحديثة دليل على أصالة الكسر - فهو مردود بأن هذه اللهجات تُستعمل – دائمًا - إما متوارثة عن لغات عربية قد يكون بعضها محافظًا على الصيغة القديمة، وإما متطورة عن هذه اللغات التي غيرت نهجها وفقًا لقوانين لغوية.

ومن هنا يتضح لنا أن فتح حرف المضارعة أذهب في القدم من الكسر.

المبحث الثاني: بين الفتح والكسر في اللام الجارة:

تُكسراللام الجارة مع الاسم الظاهر، وتُفتح مع المضمر. هذه القاعدة المطردة في العربية الفصحى، بل في اللغات السامية الأخرى كالعبرية والحبشية. أما قبيلة خزاعة الأزدية فإنها تخالف هذا الاطراد. قال ابن عقيل:"وفتح اللام مع المضمر لغة غير خزاعة، فيقول غيرهم من العرب: لَكم ولَها ولَه، بفتح اللام، وأما خزاعة فيكسرون اللام مع المضمر، كما فعل هم وغيرهم مع المظهر، وهذا في غير الياء والمستغاث".

وأكثر مصادر العربية تعزو هذه الظاهرة - أيضًا - إلى خزاعة، عدا ابن جني فقد عزاها إلى قضاعة، وهي موصولة بخزاعة نسبًا وجوارًا، فهما من القبائل القحطانية المهاجرة من اليمن إلى أرض الحجاز.

ولما كان الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها، كان فتح اللام مع المضمر هو الأصل، وإنما كسرت مع الظاهر - سوى المستغاث - خوف التباسها بلام التوكيد أو الابتداء.

وحكى ابن جني أن هذه اللام قد تفتح مع المظهر على الأصل في بعض اللغات، فيقال: المال لَزيد، بفتح اللام. ونقل عن أبي عبيدة، والأخفش، وخلف الأحمر، ويونس أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجارة مع المظهر، واستشهد بقراءة سعيد بن جبير:{وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (1) بفتح اللام. ونقل عن أبي زيد الأنصاري أنه سمع من يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} (2) بفتح اللام أيضًا.

(1) سورة إبراهيم 46.

(2)

سورة الأنفال33.

ص: 446

وقال ابن عقيل: فتحها مع الفعل لغة عكل وبلعنبر، واستشهد بقراءة ابن جبير أيضًا.

بعد هذا العرض يتضح أن للعرب في اللام الجارة لغير ياء المتكلم والمستغاث ثلاث لغات:

الأولى: فتحها مع المضمر وكسرها مع الظاهر، وهي اللغة الفصحى.

الثانية: كسرها مطلقًا مع الظاهر والمضمر، وهي لغة خزاعة، وتعزى كذلك إلى قضاعة.

الثالثة: فتحها مطلقًا مع الظاهر والمضمر، وهي لغة لبعض العرب، وعزيت مع الفعل لعكل وبلعنبر.

وحكم ابن جني على هاتين الأخيرتين بالشذوذ الذي لا يقاس عليه، ولكنه عاد فجوزهما بضرب من التأويل والتعليل، فقال:"إذا رُدّت في بعض المواضع إلى ضرب من التأوّل إليه فله وجه من القياس. وأما الكسر ففرع، والحمل على الأصول أجوز من النزول إلى الفروع. ووجه جوازه أنه لما شُبه المظهر بالمضمر في فتح لام الجر معه نحو قراءة سعيد بن جبير وغيرها، كذلك شُبه المضمر بالمظهر في كسر لام الجر معه".

ولا تزال لغة خزاعة شائعة إلى اليوم في بعض الحواضر المصرية، وسمعتها من أهل السراة بكسر لام الجر مع كاف المخاطبة فقط.

الخاتمة

عرض هذا البحث لظاهرة الإبدال في لغات الأزد، وقد اقتضت خطته أن يكون في مقدمة وتمهيد وفصلين، تحت كل منهما مبحثان، يليهما خاتمة وثلاثة فهارس.

وقد انتهى البحث إلى عدد من النتائج والمقترحات أذكر منها ما يلي:

1-

أن بعض لغات الأزد التي ذمها اللغويون كالاستنطاء والطمطمانية، قد ورد لها شواهد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وعليه فلا ينبغي ذمها، ولا العيب على من تكلم بها اليوم.

2-

أثبت البحث أن الاستنطاء لم يرد له شاهد آخر غير الفعل (أنطى) ومن ثم بين خطأ قول بعض المعاصرين: إن اللغويين القدامى لم يصفوا لنا هذه الظاهرة على حقيقتها.

3-

أثبت البحث خطأ من تشكك في الحديث المعزو للرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس من امبر امصيام في امسفر".

ص: 447

4-

توصل البحث إلى أن ظاهرة الطمطمانية، أو قلب لام التعريف ميماً لغة فاشية في جنوب الجزيرة العربية، وقد عزيت إلى معظم القبائل اليمنية، وهي باقية إلى اليوم.

5-

أثبت البحث أن الأزد من القبائل العربية التي آثرت الواو على الياء في معظم كلامها، والأزد من القبائل المستقرة المتحضرة، ومن هنا ظهر عدم صحة مقولة من قال: إن الميل إلى الياء أو الكسر أثر من آثار التحضر، والميل إلى الواو أو الضم من طبع البدو الجفاة، ولو كان الأمر كذلك لخلت الواو من كلام الحضر، والياء من كلام البدو، وهذا ما لم يصدقه واقع تلك القبائل التي وجد في لغاتها جميعًا الواوي واليائي.

6-

أثبت البحث أن عزو بعض الظواهر اللغوية إلى الأزد وإلى غيرهم من قبائل العرب ليس من قبيل تعارض المصادر أو تناقضها، وإنما ذاك بسبب تأثر القبائل بعضها ببعض بالمجاورة أو الاختلاط في مواسم الحج أو الأسواق أو الحروب، أو نحو ذلك، وقد نتج عن ذلك أيضاً عزو بعض الظواهر اللغوية المتناقضة إلى قبيلة واحدة، كتعاقب الواو والياء في لغات الأزد، وذلك أن اللغات ظواهر اجتماعية لا يمكن أن ينتظمها قانون شامل أو جامع مانع.

7-

اشترك الأزد وطيء - مع تباعد منازلهم - في عدد من الظواهر اللغوية، وقد أرجع البحث سبب ذلك إلى أنهما في الأصل من القبائل القحطانية المهاجرة من بيئة واحدة في بلاد اليمن.

8-

أثبت البحث أن الفتح في أوائل أحرف المضارعة هو الأصل في اللغة العربية واللغات السامية، وذلك خلاف ما يراه بعض المعاصرين.

9-

ربط البحث بين الظواهر اللغوية القديمة في لغات الأزد، والظواهر المماثلة لها اليوم في لهجات أهل السراة وغيرهم، وبين صلتها الوثيقة بلغات أسلافهم، ومثل هذا الربط يمهد الطريق أمام المعجم التاريخي للغة.

ص: 448

10-

خلص البحث إلى أن معظم مناطق السراة - وهي من معاقل الضاد منذ القدم - لا تزال تزخر بظواهر لهجية كثيرة تماثل أو تخالف ما عزي إلى الأزد قديماً، وإني لأرى ضرورة جمع هذه اللهجات من أفواه أهلها، ودراستها قبل انقراضها وزوالها، لأنها تساعد في فهم وتوضيح كثير من المسائل اللغوية التي فات علماء العربية القدامى تسجيلها وتوضيحها.

وبعد:

فأحسب أني بهذه الدراسة قد وضّحت ظاهرة من أهم الظواهر اللغوية المعزوة للأزد، وأرجو أن تكون حافزاً لدراسة سائر لغاتهم في الأصوات والأبنية والتراكيب والدلالة، فهي لا تزال مجالاً خصباً للدراسات اللغوية الجادة.

والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ص: 449

تابع الإبدال في لغات الأزد دراسة صوتية في ضوء علم اللغة والحديث

فهرس المصادر والمراجع

1-

الإبدال: لأبي الطيب، ت - عز الدين التنوخي، مطبوعات مجمع العربية - دمشق 1379هـ.

2-

الإبدال والمعاقبة والنظائر: للزجاجي، ت - عز الدين التنوخي، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق 1381هـ.

3-

أدب الكاتب: لابن قتيبة، ت - محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية، 1406هـ.

4-

ارتشاف الضرب: لأبي حيان - رجب عثمان محمد، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الأولى 1418هـ.

5-

الأزهرية في علم الحروف: لعلي بن محمد الهروي، ت - عبد المعين الملوحي، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، 1402هـ.

6-

الاشتقاق: لابن دريد، ت - عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1378هـ.

7-

الأشموني: منهج السالك إلى ألفية ابن مالك.

8-

إصلاح المنطق: لابن السكيت، ت - أحمد شاكر، وعبد السلام هارون، دار المعارف، ط. الرابعة، 1987هـ.

9-

الأصوات اللغوية: لإبراهيم أنيس، دار الطباعة الحديثة، القاهرة، ط. الخامسة.

10-

الأضداد: لابن الأنباري - محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، 1407هـ.

11-

إعراب القرآن: لأبي جعفر النحاس، ت - زهير غازي زاهد، عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، ط. الثانية، 1405هـ.

12-

إعراب القراءات الشواذ: للعكبري، ت - أحمد السيد أحمد، عالم الكتب، بيروت، ط الأولى، 1417هـ.

13-

الاقتراح في علم أصول النحو: للسيوطي، ت - أحمد قاسم، 1396هـ.

14-

الأمالي: لأبي علي القالي، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، 1926هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.

15-

الأنباه على قبائل الرواة: لابن عبد البر، (ضمن مجموعة الرسائل الكمالية) ، مكتبة المعارف، الطائف، 1980م.

16-

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (ضياء السالك) : لابن هشام، ت - محمد عبد العزيز النجار، مكتبة العلوم والحكم.

17-

البارع في اللغة: لأبي علي القالي، ت - هاشم الطعان، مكتبة النهضة، بغداد ط. الأولى 1975م.

ص: 450

18-

البحر المحيط: لأبي حيان، ت - صدقي محمد جميل، المكتبة التجارية، مصطفى الباز، مكة المكرمة، 1412هـ.

19-

بحوث ومقالات في اللغة: لرمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الثانية، 1408هـ.

20-

بغية الآمال في معرفة النطق بجميع مستقبلات الأفعال: لأبي جعفر اللبلي، ت - سليمان بن إبراهيم العائد، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1411هـ.

21-

البلغة في أصول اللغة، للقنوجي، ت - نذير محمد مكتبي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط. الأولى 1408هـ.

22-

تاج العروس من جواهر القاموس: للزبيدي، دار الفكر، بيروت.

23-

تاريخ الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى 1407هـ.

24-

التبصرة والتذكرة: للصميري، ت - أحمد مصطفى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة، ط. الأولى، 1402هـ.

25-

التبيان في إعراب القرآن: للعكبري، ت - محمد علي البجاوي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

26-

التصريح بمضمون التوضيح: لخالد الأزهري، ت - عبد الفتاح بحيري، الزهراء للإعلام العربي، ط. الأولى 1418هـ.

27-

التطور النحوي للغة العربية، لبرجستراس، ترجمة رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الثانية 1414هـ.

28-

تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) دار الفكر، بيروت، 1405هـ.

29-

تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) : ت - أحمد عبد الحليم البردوني، دار الشعب، القاهرة، ط. الثانية، 1372هـ.

30-

تفسير ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، ط. الثانية، 1408هـ.

31-

التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح: لابن بري، ت - مصطفى حجازي الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. الأولى، القاهرة، 1986م.

32-

تهذيب اللغة: للأزهري، جماعة من العلماء المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، القاهرة، 1384هـ.

33-

تهذيب الألفاظ: لابن السكيت، هذبه التبريزي، ت - الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكالوثيكية، بيروت، 1895م.

ص: 451

34-

جمهرة أنساب العرب: لابن حزم، ت - عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط. الخامسة، 1982م.

35-

جمهرة اللغة: لابن دريد، رمزي منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ط. الأولى، 1987م.

36-

الجني الداني في حروف المعاني: للمرادي، ت - فخر الدين قباوة، ومحمد نديم فاضل، دار الآفاق الجديدة، بيروت ط. الثانية 1403هـ.

37-

جواهر الأدب: للأربلي، ت - حامد أحمد نيل مكتبة النهضة المصرية، 1404هـ.

38-

الجيم: لأبي عمرو الشيباني، ت - إبراهيم الأنبياري، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1394م.

39-

حاشية ابن بري علي كتاب المعرب: ت - إبراهيم السامرائي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى 1405هـ.

40-

خزانة الأدب: للبغدادي، ت - عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الثالثة 1409هـ.

41-

الخصائص: لابن جني، ت - محمد علي النجاري، دار الكتاب العربي، بيروت.

42-

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون: للسمين الحلبي، ت - أحمد بن محمد الخراط، دار القلم، دمشق، ط. الأولى 1406هـ.

43-

دراسات في لهجات شمال وجنوب الجزيرة العربية: لأحمد حسين شرف الدين، مطابع الفرزدق التجاري، ط. الأولى 1404هـ.

44-

دراسات في فقه اللغة: لصبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط. التاسعة 1981م.

45-

دراسات وتعليقات في اللغة: لرمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الأولى، 1414هـ.

46-

دراسة اللهجات العربية القديمة: لداود سلوم، عالم الكتب، بيروت، ط. الأولى، 1406هـ.

47-

دروس في علم أصوات العربية، ترجمة الأستاذ صالح القرماوي، الجامعة التونسية، 1966م.

48-

ديوان الأدب: للفاربي، ت - أحمد مختار عمر، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1394هـ.

49-

ديوان (شعر) عمرو بن معدي كرب الزبيدي: جمعه ونسقه، مطاع الطرابيشي، مجمع اللغة العربية، دمشق، ط. الثانية، 1415هـ.

ص: 452

50-

سر صناعة الإعراب: لابن جني، ت - حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط. الأولى، 140هـ

51-

السنن الكبرى: للبيهقي، ت - محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ.

52-

السنن الترمذي: (الجامع الصحيح) ت - أحمد شاكر ورفاقه، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط. الثانية 1398هـ.

53-

سنن الدارمي: ت - فواز أحمد، خالد السبع، دار الكتب العربي، بيروت، ط. الأولى، 1407هـ.

54-

سنن أبي داود: ت - محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.

55-

سنن ابن ماجه: ت - محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.

56-

سنن النسائي: ت - عبد الغفار، وسيد كسروي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، 1411هـ.

57-

شرح الشافعية ابن الحاجب: للرضي، ت: محمد محيي الدين ورفيقيه، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ.

58-

شرح شذور الذهب: لابن هشام، ت - ح. الفاخوري، دار الجبل، بيروت، ط. الأولى 1408هـ.

59-

شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك: ت - محمد عبد العزيز النجار، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

60-

شرح فصيح تعلب: للزمخشري، ت - إبراهيم الغامدي، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط. الأولى 1417هـ.

61-

شرح قطر الندى وبل الصدى: لابن هشام، ت - محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر العربي.

62-

شرح الكافية: للرضي، ت - يوسف حسن عمر، منشورات جامعة قار يونس، بنغازي 1398هـ.

63-

شرح الكافية الشافية: لابن مالك، ت - عبد المنعم هريدي، مركز البحث العلمي، وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط. الأولى 1402هـ.

64-

شرح كتاب سيبويه: للسيرافي، ت - عبد المنعم فائز، دار الفكر، دمشق ط. الأولى، 1403هـ.

65-

شرح المفصل: لابن يعيش، عالم الكتب، بيروت.

66-

شعر طيئ وأخبارها، لوفاء فهمي السنديوني، دار العلوم، الرياض، ط. الأولى، 1403هـ.

67-

شواذ القرآن: مختصر في شواذ القرآن.

ص: 453

68-

الصاحبي في فقه اللغة: ت - مصطفى الشويمي، بدران للطباعة والنشر، بيروت، 1382هـ.

69-

صحيح البخاري: ت - مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط. الثانية، 1407هـ.

70-

صحيح مسلم: ت - محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، 1403هـ.

71-

العربية ولهجاتها: لعبد الرحمن أيوب، القاهرة 1968م.

72-

العين: للخليل بن أحمد، ت - مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط. الأولى 1408هـ.

73-

غريب الحديث: لأبي عبيد، نسخة مصورة عن طبعة دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن، 1976، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.

74-

الفائق في غريب الحديث: للزمخشري، ت - محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، ط. الثانية.

75-

الفرق بين الحروف الخمسة: للبطليوشي، ت - عبد الله الناصر، دار المأمون للتراث، دمشق، ط. الأولى، 1404هـ.

76-

فصول في فقه اللغة العربية: لرمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، دار الرفاعي، الرياض، ط. الثالثة، 1404هـ.

77-

فقه اللغة وسر العربية: للثعالبي، ت - خالد فهمي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الأولى 1418هـ.

78-

في الأصوات اللغوية: لغالب فاضل المطلبي، وزارة الثقافة والإعلام، العراق 1984م.

79-

في اللهجات العربية، لإبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط. الرابعة 1973م.

80-

الكتاب: لسيبويه، ت - عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط. الثالثة، 1408هـ.

81-

كشف الخفاء، ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: للعجلوني، ت - أحمد القلاش، مكتبة التراث الإٍسلامي، حلب، ودار التراث، القاهرة.

82-

الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي، ت - أبو عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة المنورة.

83-

اللامات: لأبي الحسن الهروي، ت - أحمد عبد المنعم الرصد، مطبعة حسان، القاهرة، 1404هـ.

ص: 454

84-

لسان العرب: لان منظور، دار صادر، بيروت.

85-

لغة تميم: لضاحي عبد الباقي، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1405هـ.

86-

لغة طيء: لمحمد يعقوب تركستاني، رسالة دكتوراه في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

87-

لهجات العرب: لأحمد تيمور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م.

88-

اللهجات العربية: لإبراهيم نجا، مطبعة السعادة، القاهرة، 1396هـ.

89-

اللهجات العربية في التراث: لأحمد علم الدين الجندي، الدار العربية للكتاب، تونس، 1399هـ.

90-

نشأة وتطوراً، لعبد الغفار حامد هلال، مكتبة وهبة، القاهرة، ط. الثانية، 1404هـ.

91-

لهجات اليمن قديماً وحديثاً: لأحمد حسن شرف الدين، مطبعة الجبلاوي، القاهرة 1970م.

92-

لهجة ربيعة: لعبد الهادي أحمد السلمون، القاهرة، 1417هـ.

93-

ما يجوز للشاعر في الضرورة (ضرائر الشر) للقزاز، ت - محمد زغلول سلام، ومحمد مصطفى هدارة، منشأة المعارف، الإسكندرية.

94-

مجالس ثعلب: ت - عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، ط. الخامسة، 1987م.

95-

مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، العدد (41) ، 1397هـ.

96-

مجمع الزوائد ومنبع: للهيثمي، دار الريان للتراث، القاهرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1407هـ.

97-

المحتسب: لابن جني، ت - علي النجدي ناصف، ورفيقيه، دار سزكين للطباعة والنشر، 1406هـ.

98-

المحرر الوجيز: لابن عطية، ت - عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، 1413هـ.

99-

المحيط في اللغة: لابن عباد، ت - محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب، بيروت، ط. الأولى 1414هـ.

100-

مخارج الحروف وصفاتها: لابن الطحان، ت - محمد يعقوب تركستاني، ط. الثانية، 1412هـ.

101-

مختصر في شواذ القرآن: لابن خالويه، نشره برجستراسر، مطبعة الرحمانية، القاهرة، 1934م.

102-

المخصص: لابن سيدة، دار الفكر، بيروت، 1398هـ.

ص: 455

103-

المذكر والمؤنث: لابن التستري ت - أحمد عبد المجيد هريدي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ودار الرفاعي، الرياض، ط. الأولى 1403هـ.

104-

المذكر والمؤنث: للفراء، ت - رمضان عبد التواب، مكتبة دار التراث، القاهرة 1975م.

105-

المزهر في علوم اللغة وأنواعها: للسيوطي، ت - محمد جاد المولى، ورفيقيه، المكتبة العصرية، بيروت، 1406هـ.

106-

المساعد على تسهيل الفوائد: لابن عقيل، ت - محمد كامل بركات، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1400هـ.

107-

مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر.

108-

مسند الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت.

109-

مسند أبي يعلي: ت - حسين سليم، دار المأمون للتراث، دمشق، 1404هـ.

110-

مسند الحميدي: ت - حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.

111-

المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، للقيومي، مكتبة، بيروت، 1987م.

112-

معاني الحروف: للرماني، ت - عبد الفتاح شلبي، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، ط. الثانية، 1407هـ.

113-

معاني القرآن: للأخفش، ت - فائز فارس، الكويت، ط. 1401هـ.

114-

معاني القرآن: للفراء، ت - محمد علي النجار ورفيقيه، عالم الكتب، بيروت، ط. الثالثة، 1403هـ.

115-

المعجم الأوسط: للطبراني، ت - طارق بن عوض، عبد المحسن إبراهيم، دار الحرمين، القاهرة، 1415هـ.

116-

معجم البلدان: لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، 1404هـ.

117-

معجم العادات والتقاليد واللهجات المحلية في منقطة عسير، لعبد الله بن سالم آل فائع، ط. الأولى، 1414هـ.

118-

المعجم الكبير للطبراني: ت - حمدي السلفي، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ط. الثانية، 1404هـ.

119-

معجم ما استعجم: للبكري، ت - مصطفى السقا، عالم الكتب، بيروت.

120-

المعرب من الكلام الأعجمي: للجواليقي، ت - أحمد شاكر، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1361هـ.

ص: 456

121-

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لابن هشام، ت - مازن المبارك، ومحمد علي، دار الفكر، بيروت، ط. الخامسة، 1979م.

122-

المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: لجواد علي، دار العلم للملايين، بيروت، ط. الأولى، 1971هـ.

123-

المفصل في علم اللغة: للزمخشري، ت - محمد عز الدين، دار إحياء العلوم، بيروت، ط. الأولى، 1410هـ.

124-

مقاييس اللغة: لابن فارس، ت - عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399هـ.

125-

المقتضب: للمبرد، ت - محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.

126-

الممتع في التصريف: لابن عصفور، ت - فخر الدين قباوة، دار المعرفة، بيروت - ط. الأولى 1407هـ.

127-

مميزات لغات العرب: لحفني ناصف، مصر، ط. الثانية 1312هـ.

128-

من أسرار اللغة: لإبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط. السادسة، 1978م.

129-

من أصول اللهجات العربية في السودان، لعبد المجيد عابدين، مكتبة غريب، الفجالة، القاهرة، ط. الأولى 1966م.

130-

منهج السالك إلى ألفية ابن مالك: للأشموني، دار إحياء الكتب العربية، البابي الحلبي.

131-

الموطأ: للإمام مالك، ت - محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

132-

نصب الرأية: للزيلعي، ت - محمد يوسف البنوري، دار الحديث، القاهرة، 1375هـ.

133-

نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: للقلقشندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى، 1405هـ.

134-

النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير، ت - طاهر أحمد الزاوي، ومحمود الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.

135-

النوادر في اللغة: لأبي زيد، ت - محمد عبد القادر أحمد، دار الشروق، بيروت، ط. الأولى، 1401هـ.

136-

همع الهوامع: للسيوطي، ت أحمد شرف الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. الأولى 1418هـ.

137-

وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم: لابن مالك، ت - محمد شفيع النيبالي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، ط. الأولى 1409هـ.

138-

ابن يعيش: شرح المفصل.

ص: 457

الحوقلة مفهومها ودلالتها العقدية

إعداد:

أد. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

الأستاذ في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، به سبحانه نستهدي، وإياه نستكفي، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم، وهو المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أما بعد؛ فإنَّ للأذكار الشرعية مكانةً عالية في الدين، ومنزلة رفيعة في نفوس المؤمنين، وهي من أجل القربات، وأفضل الطاعات، ولها من الثمار اليانعة والفضائل المتنوعة والخيرات المتوالية في الدنيا والآخرة ما لا يحصيه ويحيط به إلاّ الله عز وجل.

والكتاب والسنة مليئان بالشواهد العديدة والأدلة المتنوعة على فضل الذكر ورفيع قدره وعلو مكانته وكثرة عوائده وفوائده على أهله الملازمين له والمحافظين عليه.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} [1] .

وقال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [2] .

وقد أخرج الترمذي،وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله"[3] .

ص: 458

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سبق المفرِّدون، قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذّاكرون الله كثيراً والذّاكرات"[4] .

وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثلُ الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثلُ الحيّ والميّت"[5] .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

ثم إنَّ هذه الأذكار الشرعية إضافة إلى دلالة النصوص على عظم فضلها وكثرة خيراتها وعوائدها، فإنَّها تمتاز بكمال معناها وجمال ألفاظها وتنوع دلالاتها وقوة تأثيرها وشمولها لحقائق الإيمان وأبواب الخير، فهي من جوامع كلم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ومن محاسن هذا الدّين العظيم، مع الأمن الكامل فيها من الشطط والانحراف في المعاني والدلالات أو التكلف والتقعر في الألفاظ والعبارات.

بل جاءت بألفاظ جزلة وكلمات مختصرة ودلالات عميقة، فهي يسيرٌ لفظُها ونطقها، عظيم معناها ومقصودها، كثير أجرها وثوابها، واسعة خيراتها ومنافعها، متعددة فوائدها وثمراتها.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأرشد إليه بقوله عليه الصلاة والسلام في وصف أحد هذه الأذكار: " كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"[6] .

وهذا شأن جميع الأذكار الشرعية خفيفةٌ على اللسان، ثقيلةٌ في الميزان، حبيبةٌ إلى الرحمن، مع التفاضل بينها والتمايز حسبما دلت عليه نصوص الشريعة.

ص: 459

ومع ما في الأذكار الشرعية من الكمال والجمال في معانيها ومبانيها إلاّ أنَّك ترى في كثير من عوام المسلمين من يعدل عنها وينصرف إلى أذكار مخترعة وأدعية مبتدعة ليست في الكتاب ولا في السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله:((ومن أشدّ الناس عيباً من يتخذ حزباً ليس بمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حزباً لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيّد بني آدم وحجة الله على عباده)) [7] .

يضاف إلى ذلك ما لدى كثير من المسلمين من الجهل وعدم العلم بمعاني الأذكار الشرعية العظيمة ودلالاتها النافعة القويمة، مما يستوجب مضاعفة العناية بالأذكار النبوية علماً وتعليما، وشرحاً وبيانا، وتوضيحاً وتذكيرا، لتعلم مراميها، وتفهم مقاصدها، وتتضح دلالتها، لتؤدّي بذلك ثمراتها النافعة، وفوائدها الحميدة وخيرها المستمر.

قال ابن القيم – رحمه الله: ((وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده)) [8] .

هذا وإنَّ من الأذكار النبوية العظيمة التي كان يحافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكثر من قولها، ويحثّ على الإكثار منها والعناية بها "الحوقلة"، وهي قول ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) ، فإنَّ هذه الكلمة العظيمة لها من الفضائل والفوائد والثمار ما لا يحصيه إلاّ الله، وفيها من المعاني العميقة والدلالات المفيدة ما يثبت الإيمان، ويقوي اليقين، ويزيد صلة العبد بربّ العالمين.

ولما كان الأمر بهذه المثابة وعلى هذا القدر من الأهمية رأيت إفرادَ هذه الكلمة بهذا البحث الذي جعلته بعنوان ((الحوقلة: مفهومها، وفضائلها، ودلالاتها العقدية)) .

ورغم أهمية هذا الموضوع وشدّة الحاجة إليه إلاّ أني لم أر من أفرده بالتأليف سوى رسالتين:

ص: 460

إحداهما: لجلال الدين السيوطي، سمّاها ((شرح الحوقلة والحيعلة)) وهي من أول تأليفه سنة ((886 هـ)) كما في كشف الظنون للحاج خليفة [9] ، ولم أقف عليها.

الثانية: لجمال الدين يوسف بن عبد الهادي، أسماها ((فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) ، وقد خصها بذكر ما يتعلق بفضل هذه الكلمة.

وقد رأيت أن يكون طرقي لهذا الموضوع من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الحوقلة.

المبحث الثاني: فضائلها.

المبحث الثالث: دلالاتها العقدية.

المبحث الرابع: في التنبيه على بعض المفاهيم الخاطئة فيها.

ومن الله تبارك وتعالى أستمد العون واستمنح التوفيق، فلا حول ولا قوة إلاّ به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

المبحث الأول: مفهوم الحوقلة:

أولاً: المراد بالحوقلة:

الحوقلة كلمةٌ منحوتة من " لا حول ولا قوة إلاّ بالله "، وهذا الباب سماعي، وهو من الفعل الرباعي المجرد كما هو مقررٌ في كتب الصرف.

والنحت ((هو أن ينحت من كلمتين أو أكثر كلمة واحدة تدل على معنى الكلام الكثير، وذلك على النحو التالي:

أ - النحت من كلمتين مركبتين تركيباً إضافياً مثلما نحتوا من عبد قيس: عبقسي.

ب – النحت من جملة مثل: بسمل أي: قال بسم الله، حوقل، قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [10] .

ويقال لها أيضا ((الحولقة)) ، قال النووي – رحمه الله: ((قال أهل اللغة: ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة

)) (1) .

وقال في موضع آخر: ((ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلاّ بالله الحوقلة، هكذا قاله الأزهري والأكثرون، وقال الجوهري الحولقة، فعلى الأول وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، والأول أولى لئلا يفصل بين الحروف)) [12] .

ويلاحظ على هذا أمران:

(1) النووي على صحيح مسلم (17 / 27) .

ص: 461

1 – أنَّ الذي ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ونقله عن بعض أهل اللغة كالفراء وابن السكيت ((الحولقة)) وليس ((الحوقلة)) [13] .

2 – تعليل أولوية لفظ ((حوقل)) على لفظ ((حولق)) بحجة عدم الفصل بين الحروف غير واضح، لأنَّ ((حولق)) ليس فيها فصل بين الحروف.

ثانياً: معنى ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) :

الحول: هو التحرك، يقال: حال الرجل في متن فرسه يحول حولاً وحوُولاً إذا وثب عليه، وحال الشخص إذا تحرك، وكذلك كلُّ متحول عن حاله [14] .

والقوة: هي الشدّة وخلاف الضعف، يقال: قوي الرجل، كرضي، فهو قويٌّ وتَقوَّى واقتوى أي: صار ذا شدّة، وقوّاه الله أي: أعطاه القوة وهي الشدّة وعدم الضعف [15] .

فمعنى لا حول ولا قوة إلاّ بالله أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا حصول قوة للعبد على القيام بأيِّ أمر من الأمور، إلاّ بالله، أي: إلاّ بعونه وتوفيقه وتسديده، وقد ورد في بيان معنى هذه الكلمة وتوضيح المراد بها عن السلف وأهل العلم نقول عديدة من ذلك:

1 – قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) أي: ((لا حول بنا على العمل بالطاعة إلاّ بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلاّ بالله)) رواه ابن أبي حاتم [16] .

2 – وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال في معناها أي ((لا حول عن معصية الله إلاّ بعصمته، ولا قوة على طاعته إلاّ بمعونته)) [17] .

3 – وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معناها أي: ((أنا لا نملك مع الله شيئاً، ولا نملك من دونه، ولا نملك إلاّ ما ملكنا مما هو أملك به منا)) [18] .

4 – وسئل زهير بن محمد عن تفسير ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) فقال: ((لا تأخذ ما تحبّ إلاّ بالله، ولا تمتنع مما تكره إلاّ بعون الله)) رواه ابن أبي حاتم [19] .

ص: 462

5 – وسئل أبو الهيثم الرازي (ت276هـ) وهو إمام في اللغة عن تفسير ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) فقال: ((الحول: الحركة، يقال حال الشخص إذا تحرك، فكأنّ القائل إذا قال: لا حول ولا قوة، يقول: لا حركة ولا استطاعة إلاّ بمشيئة الله)) [20] .

6 – وقيل معناها: ((لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلاّ بالله)) [21] .

وجميع هذه الأقوال متقاربة في الدلالة على المعنى المراد بهذه الكلمة العظيمة؛ ولهذا قال النووي – رحمه الله – بعد أن أورد بعض هذه الأقوال: ((وكلُّه متقاربٌ)) [22] .

ثالثاً: إعراب ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) :

((لا)) : نافية للجنس.

((حول)) : اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، وتقديره كائن أو موجود.

((ولا)) الواو عاطفة، ولا نافية للجنس أيضا.

((قوة)) اسم لا، وخبرها محذوف، وتقديره كائنة أو موجودة.

((إلاّ)) أداة استثناء.

((بالله)) جار ومجرور، متعلق بالخبر المحذوف.

وقد ذكر أهل اللغة أنَّه يجوز في إعراب ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) خمسة أوجه [23]، بيانها كما يلي:

1 – ((لا حولَ ولا قوةَ إلاّ بالله)) بفتحهما بلا تنوين.

2 – ((لا حولَ ولا قوةً إلاّ بالله)) بفتح الأولى ونصب الثاني منوناً.

3 – ((لا حولٌ ولا قوةٌ إلاّ بالله)) برفعهما منونين.

4 – ((لا حولَ ولا قوةٌ إلاّ بالله)) بفتح الأول ورفع الثاني منوناً.

5 – ((لا حولٌ ولا قوةَ إلاّ بالله)) برفع الأول منوناً وفتح الثاني.

وإلى هذه الوجوه الخمسة يشير ابن مالك – رحمه الله – في ألفيته حيث يقول:

عملَ إنّ اجعل للا في نكرة

مفردةً جاءتك أو مكررة

فانصب بها مضافاً أو مضارعه

وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه

وركّب المفرد فاتحاً كلا

حول ولا قوة والثان اجعلا

مرفوعاً أو منصوبا أو مركبا

وإن رفعتَ أوّلاً لا تنصبا [24]

ص: 463

ثم إنَّ في هذه الكلمة صيغةً من صيغ الحصر وهي ((إلاّ)) ، بل عدّها السكاكي من أهم صيغ الحصر [25] .

قال الأخضري في أرجوزته مشيراً إلى صيغ الحصر:

وأدوات القصر إلاّ إنّما

عطفٌ وتقديم كما تقدّما ( [26] )

المبحث الثاني: فضائل ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) :

لقد وردت نصوص كثيرة في السنة في بيان فضل هذه الكلمة وعظم شأنها، وقد تنوعت هذه النصوص في الدلالة على تشريف هذه الكلمة وتعظيمها،مما يدل بجلاء على عظم فضل هذه الكلمة ورفعة مكانتها، وأنها كلمة عظيمة ينبغي علىكلِّ مسلم أن يعنى بها ويهتمّ بها غاية الاهتمام، وأن يكثر من قولها لعظم فضلها عند الله، وكثرة ثوابها عنده،ولما يترتب عليها من خيرات متنوعة وفضائل متعددة في الدنيا والآخرة، ومما يدل على فضل هذه الكلمة العظيمة ما يلي:

1 – أنَّها وردت في عدة أحاديث مضمومة إلى الكلمات الأربع الموصفة بأنها أحبّ الكلام إلى الله.

فقد ثبت في المسند وسنن الترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما على الأرض رجلٌ يقول لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، إلاّ كُفِّرت عنه ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر)) [27] .

وثبت في سنن أبي داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلّمني شيئاً يجزيني قال: " تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله "، فقال الأعرابي هكذا وقبض يديه فقال: هذا لله فما لي، قال:" تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني" فأخذها الأعرابي وقبض كفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أمَّا هذا فقد ملأ يديه بالخير "[28] .

ص: 464

2 – ورودها معدودةً في الباقيات الصالحات التي قال الله عنها: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [29] .

فقد روي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلاّ بالله"، رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي [30] ، ولكن في إسناده أبو السمح دراج بن سمعان صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف [31] ، وهذا منها.

لكن جاء عدُّ لا حول ولا قوة إلاّ بالله في جملة " الباقيات الصالحات" عن غير واحد من الصحابة والتابعين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنَّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن " الباقيات الصالحات " ما هي؟ فقال:((هي لا إله إلاّ الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [32] .

وروى ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سئل عن " الباقيات الصالحات " فقال: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله [33] .

وعن سعيد بن المسيب قال: ((الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [34] .

وروى ابن جرير الطبري عن عمارة بن صياد قال: ((سألني سعيد بن المسيب عن " الباقيات الصالحات "، فقلت: الصلاة والصيام، قال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنَّهنَّ الكلمات الخمس: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [35] .

ص: 465

وأثر ابن المسيب هذا يوهم أنَّ " الباقيات الصالحات " محصورةٌ في هؤلاء الكلمات الخمس، والذي عليه المحققون من أهل العلم أنَّ " الباقيات الصالحات" هنّ جميع أعمال الخير، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله:{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَات} قال: ((هي ذكر الله، قول لا إله إلاّ الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض)) [36] .

3 – إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنَّها كنزٌ من كنوز الجنة.

فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنا إذا علونا كبّرنا، وفي رواية: فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط في واد إلاّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً"، ثم أتى عليّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فقال:" يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلاّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنة"، أو قال:" ألا أدلك على كلمة هي كنزٌ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلاّ بالله "[37] .

قال بعض أهل العلم في التعليق على هذا الحديث: ((كان عليه [الصلاة و] السلام معلِّماً لأمته فلا يراهم على حالة من الخير إلاّ أحبّ لهم الزيادة،فأحب للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر)) [38]، وقد جاء في الحديث:" إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قال الله: أسلم واستسلم" رواه الحاكم بإسناد قال عنه الحافظ ابن حجر: ((قوي)) [39] .

ص: 466

وفي رواية: " ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فيقول الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم" رواه الحاكم وقال: ((صحيح ولا يحفظ له علة)) ووافقه الذهبي.

قال النووي – رحمه الله: ((ومعنى الكنز هنا أنَّه ثواب مدخرٌ في الجنة، وهو ثوابٌ نفيسٌ كما أنَّ الكنز أنفس أموالكم)) [40] .

وقال ابن حجر – رحمه الله: ((كنزٌ من كنوز الجنة من حيث أنَّه يدخر لصاحبها من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأنَّ من شأن الكانز أن يعد كنزه لخلاصه مما ينوبه والتمتع به فيما يلائمه)) [41] .

4 – ورود الأمر بالإكثار منها والإخبار أنَّها من غراس الجنة.

روى الإمام أحمد وابن حبان عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مرَّ على إبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال:((يا محمد مُرْ أمَّتَك أن يكثروا من غراس الجنة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) [42] .

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنة "[43] .

5 – إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنَّها بابٌ من أبواب الجنة.

روى الإمام أحمد والحاكم عن قيس بن سعد بن عبادة أنَّ أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه قال: فمرّ بي النبي صلى الله عليه وسلم وقد صليت فضربني برجله وقال: " ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله"[44] .

6 – تصديق الله لمن قالها.

ص: 467

روى الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم، أنَّه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنَّهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:" إذا قال العبد: لا إله إلاّ الله والله أكبر، قال: يقول الله تبارك وتعالى: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلاّ الله وحده، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلاّ الله لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلاّ الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلاّ أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلاّ الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا ولا حول ولا قوة إلاّ بي".

ثم قال الأغر شيئاً لم أفهمه، قلتُ لأبي جعفر: ما قال؟ قال: ((من رُزِقهنّ عند موته لم تمسّه النار)) .

وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألباني رحمه الله: وهو حديث صحيح [45] .

قال ابن القيم – رحمه الله: ((الذكر سبب لتصديق الرب عز وجل عبدَه، فإنَّ الذاكر يخبر عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدَّقه ربُّه، ومن صدّقه اللهُ تعالى لم يحشر مع الكاذبين، ورجي له أن يحشر مع الصادقين)) [46] .

فهذه بعض الفضائل الدالة على عظم مكانة هذه الكلمة، ورفعة شأنها، وكثرة عوائدها وفوائدها، وعظم ما يترتب عليها من أجور عظيمة وخيرات جليلة وفوائد متنوعة في الدنيا والآخرة.

وقد نظم ابن العراقي – رحمه الله – جملةً من الفضائل الواردة لهذه الكلمة في أبيات لطيفة فقال:

يا صاح أكثر قول لا حول ولا

قوة إلاّ فهي للداء دوا

وإنَّها كنز من الجنة يا

فوز امرئ لجنة المأوى أوا

له يقول ربنا أسلم لي

عبدي واستسلم راضياً هوا

وأنشد أيضاً لنفسه:

تبرّأ من الحول والقوة

تنل أيَّ كنز من الجنة

ص: 468

وسلِّم أمورك لله كي

تبيت وتصبح في جنة

ولا ترج إن مسّ خطب سوى

إلهك ذي الفضل والمنة

وواظب على الخير واحرص على

أداء الفرائض والسنة

وكن سالم الصدر للمسلمين

من غلٍّ وحقد ومن ظنَّةٍ [47]

المبحث الثالث: دلائل ((لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) العقدية:

إنَّ هذه الكلمة العظيمة التي سبق ذكر بعض فضائلها وبيان شيء من ميزاتها ومحاسنها ذاتُ دلالات عميقة ومعان جليلة تشهد بحسنها، وتدل على كماله وعظم شأنها وكثرة عوائدها وفوائدها.

وإنَّ أحسن ما يستعان به على فهم دلالاتها ومعرفة معانيها ومقاصدها قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: " ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فيقول الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم"[48] .

وقد روى ابن عبد الهادي في كتابه " فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله " بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((من قال بسم الله فقد ذكر اللهَ، ومن قال الحمد لله فقد شكر الله، ومن قال: الله أكبر فقد عظّم اللهَ، ومن قال: لا إله إلاّ الله فقد وحّد الله، ومن قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله فقد أسلم واستسلم وكان له بها كنزٌ من كنوز الجنة)) [49] .

وروي عن ابن عمر أنَّه قال: ((سبحان الله هي صلاة الخلائق، والحمد لله كلمة الشكر، ولا إله إلاّ الله كلمة الإخلاص، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، قال الله تعالى: أسلم واستسلم)) [50] .

ص: 469

فهي كلمة إسلام واستسلام، وتفويض وتبرّؤ من الحول والقوّة إلاّ بالله، وأنَّ العبد لا يملك من أمره شيئاً، وليس له حيلةٌ في دفع شر، ولا قوةٌ في جلب خير إلاّ بإرادة الله تعالى، فلا تحوّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلاّ بالله، ولا قوة له على القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلاّ بالله العظيم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فأزمّةُ الأمور بيده سبحانه، وأمور الخلائق معقودةٌ بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، ولا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدّم ولا تأخر، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل،وله الثناء الحسن، شملت قدرته كلَّ شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [51] ، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [52] ، ومن كان هذا شأنه فإنَّ الواجب الإسلامُ لألوهيته والاستسلام لعظمته، وتفويض الأمور كلِّها إليه، والتبرّؤُ من الحول والقوة إلاّ به، ولهذا تعبّد الله عباده بذكره بهذه الكلمة العظيمة التي هي باب عظيم من أبواب الجنة وكنز من كنوزها.

ص: 470

فهي كلمة عظيمةٌ تعني الإخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمة التوحيد لا إله إلاّ الله تعني الإخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق لا إله إلاّ الله إلاّ بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقق لا حول ولا قوة إلاّ بالله إلاّ بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة أفضل سورة في القرآن، وذلك في قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالأوّل تبرّؤٌ من الشرك، والثاني تبرّؤٌ من الحول والقوّة، وتفويضٌ إلى الله عز وجل، والعبادة متعلّقة بألوهية الله سبحانه، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، العبادة غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة إلاّ بهذه الوسيلة: الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلاّ به.

ويمكن أن نلخص الدلالات العقدية لهذه الكلمة العظيمة في النقاط التالية:

1 – أنَّها كلمة استعانة بالله العظيم، فحريٌّ بقائلها والمحافظ عليها أن يظفر بعون الله له وتوفيقه وتسديده.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله: ((وقول " لا حول ولا قوة إلاّ بالله " يوجب الإعانةَ؛ ولهذا سنّها النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذّن: حيّ على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وقال المؤمن لصاحبه: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ} [53] ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن؛ بل يؤمن بالقدر ويقول: لا قوّة إلاّ بالله، وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه المتفق عليه،أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:" هي كنز من كنوز الجنة" والكنز مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع؛ وذلك أنَّها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى.

ص: 471

ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلاّ بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلاّ ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع طلب القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلاّ هو، قال تعالى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [54] وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [55] وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [56] وقال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} [57] .

وقال صاحب يس: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [58] ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده في غير موضع، وفي الأثر: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده)) [59] .

ولهذا ورد في السنة مشروعية قول هذه الكلمة عند خروج المسلم من منزله لقضاء أموره الدينية أو الدنيوية استعانةً بالله واعتماداً عليه، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قال – يعني إذا خرج من بيته – بسم الله، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، يقال له: كفيت، ووقيت، وهديت، وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي " رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. [60]

ص: 472

ولهذا أيضاً جعل بعض أهل العلم هذه الكلمة في مستهل ومفتتح مؤلفاتهم طلباً للإعانة من الله عز وجل كما في مقدمة صريح السنة للطبري، والأربعين في دلائل التوحيد للهروي، والصفات للدار قطني وغيرها.

2 -

تضمنها الإقرار بربوبيّة الله وأنَّه وحده الخالق لهذا العالم، المدبّر لشؤونه، المتصرف فيه بحكمته ومشيئته، لا يقع شيءٌ في هذا العالم من حركة أو سكون، أو خفض أو رفع، أو عز أو ذل، أو عطاء أو منع إلاّ بإذنه، يفعل ما يشاء ولا يُمانع ولا يُغالب، بل قد قهر كلَّ شيء، ودان له كلُّ شيء، كما قال تعالى:{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [61]، وقال تعالى:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [62]، وقال تعالى:{يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [63] ، فالقائل لتلك الكلمة مقرٌّ بهذا، مذعن به، معترف أنَّ أموره كلَّها بيد ربّه ومليكه وخالقه لا قدرة له على شيء ولا حول ولا قوة إلاّ بإذن ربّه ومولاه، وبتوفيق سيّده ومليكه، ولهذا إليه يلجأ، وبه يستعين، وعليه يعتمد في كلِّ أحواله وفي جميع شؤونه.

3 – تضمنها الإقرار بأسماء الله وصفاته، إذ القائل لهذه الكلمة ـ ولا بد ـ مقرٌّ بأنَّ المدعو المقصود الملتجأ إليه بهذه الكلمة غنيٌّ بذاته، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه، قائم بذاته وكلُّ ما سواه لا يقوم إلاّ به، قديرٌ لذاته وكلُّ ما سواه عاجز لا قدرة له إلاّ بما أقدره، متصف بجميع صفات الكمال ونعوت العظمة والجلال، وكلُّ ما سواه ملازمه النقص، وليس الكمال المطلق إلاّ له سبحانه وتعالى، فلعظمة أسمائه وكمال نعوته وصفاته استحق أن يقصد وحده، وأن لا يلجأ إلاّ إليه.

ص: 473

4 – وفي هذا دلالةٌ وإشارة إلى التلازم بين التوحيد العلمي بقسميه: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والتوحيد العملي الذي هو توحيد الألوهية.

فإنَّ العبد إذا أقرّ بربوبية الله وكماله في أسمائه وصفاته فإنَّ ذلك يستلزم أن لا يلجأ إلاّ إليه، ولا يقصد أحداً سواه، وإن لم يفعل ذلك فإنَّه لا يكون موحداً بمجرد إقراره بربوبيّة الله وإيمانه بأسماء الله وصفاته، فلو أقرّ بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كلِّ ما ينزه عنه، وأقرّ بأنه وحده خالق كلِّ شيء لم يكن من أهل الإيمان والتوحيد ما لم يشهد أنَّه لا إله إلاّ الله، ويعمل بمقتضى ذلك فلا يعبد إلاّ إيّاه، ولا يتوكل إلاّ عليه، ولا يعمل إلاّ لأجله.

5 – تضمنها الإقرار بألوهية الله، وأنَّه وحده المعبود بحق ولا معبود بحق سواه، وذلك في قوله ((إلاّ بالله)) .

والله معناه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين)) [64] ، وقد جمع رضي الله عنه في هذا التفسير بين ذكر الألوهية وهي الوصف المتعلق بالله من هذا الاسم فهو سبحانه المألوه المعبود المرجو المطاع الذي لا يستحق العبادة أحدٌ سواه، وبين وصف العبد وهو العبودية؛ إذ إنَّ عباد الله هم الذين يعبدونه ويألهونه ويقومون بطاعته وحده لا شريك له.

ثم إنَّ هذا الاسم مستلزمٌ لجميع أسماء الله الحسنى دالٌ عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين له، ولهذا كان من خصائص هذا الاسم أنَّ الله جلّ وعلا يضيف سائر الأسماء إليه كقوله:{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [65] ويقال: العزيز الحكيم الرحيم من أسماء الله، ولا يقال الله من أسماء الرحمن، فلهذا الاسم شأنه ومكانته وخصائصه.

ص: 474

قال ابن منده – رحمه الله: ((فاسم الله معرفة ذاته، منع الله عز وجل خلْقَه أن يتسمّى به أحدٌ من خلقه، أو يدعى باسمه إله من دونه، جعله أوّلَ الإيمان، وعمود الإسلام، وكلمة الحق والإخلاص، ومخالفة الأضداد والإشراك فيه، يحتجز القائل من القتل، وبه تفتتح الفرائض وتنعقد الأيمان، ويستعاذ من الشيطان، وباسمه يفتتح ويختم الأشياء، تبارك اسمه ولا إله غيره)) [66] .

6 – تضمنها الإيمان بقضاء الله وقدره، ولهذا ترجم لها الإمام البخاري في كتاب القدر من صحيحه بقوله:((باب: لا حول ولا قوة إلاّ بالله)) ، ودلالة هذه الكلمة على الإيمان بالقدر ظاهرة؛ إذ فيه تسليم العبد واستسلامه وتبرّؤه من الحول والقوة، وأنَّ الأمورَ إنَّما تقع بقضاء الله وقدره.

قال ابن بطال: ((كان عليه [الصلاة و] السلام معلِّماً لأمته فلا يراهم على حالة من الخير إلاّ أحبّ لهم الزيادة، فأحبّ للذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبرّي من الحول والقوّة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر)) [67] .

7 – أنّ فيها معنى الدعاء الذي هو روح العبادة ولبُّها، وقد ذكر الإمام البخاري – رحمه الله – في كتاب الدعوات من صحيحه باباً بعنوان:((باب قول لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) ، فهي من جملة الأدعية النبوية النافعة المشتملة على معاني الخير وجوامع الكلم.

8 – أنَّ فيها الإيمان بمشيئة الله النافذة، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّ مشيئة العبد تحت مشيئة الله، كما قال الله تعالى:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [68] فلا قدرة للعبد على القيام بما يشاء من الخير وما يريده من المصالح إلاّ أن يشاء الله، قال الله تعالى:{وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ} [69] .

ص: 475

9 – أنَّ فيها الإقرارَ من العبد بفقره واحتياجه إلى ربّه في جميع أحواله وكافة شؤونه، كما قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [70] .

وقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أنّ فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، وهو ثابتٌ لهم لذواتهم وحقائقهم من كلِّ وجه، لا غنى لهم عن ربّهم وسيّدهم طرفة عين ولا أقلّ من ذلك.

قال ابن القيم – رحمه الله: ((اعلم أنَّ كلَّ حي – سوى الله – فهو فقيرٌ إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضرّه، والمنفعة للحيّ من جنس النعيم واللذّة، والمضرّة من جنس الألم والعذاب، فلا بد من أمرين: أحدهما هو المطلوب المقصود المحبوب الذي ينتفع به ويتلذذ به، والثاني هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه.

فهاهنا أربعة أشياء: أمر محبوب مطلوب الوجود، والثاني أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه، فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد، بل ولكلِّ حي سوى الله، لا يقوم صلاحه إلاّ بها.

إذا عرف هذا فالله سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده، وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأمور الأربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإنَّ هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذي يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه، فالأوّل من مقتضى ألوهيّته، والثاني من مقتضى ربوبيّته)) [71] .

ص: 476

10-

أهمية الارتباط بالله في جميع الأمور الدينية والدنيوية،وإذا صح هذا الأمر من العبد قوي يقينه وزاد إخلاصه وعظمت ثقته بالله،والمؤمن الصادق يصحبه هذا الأمر في كلِّ أحواله وجميع شؤونه، فهو في صلاته وصيامه وحجه وبره وغير ذلك من أمور دينه يطلب الحولَ والقوّة على تحقيق ذلك والقيام به وتتميمه من الله تعالى، وفي جلبه للرزق وطلبه للمباح وغير ذلك من أمور دنياه يطلب الحول والقوة على تحصيل ذلك ونيله من الله تبارك وتعالى، فهو معتمد على الله في جلب حوائجه وحظوظه الدنيوية ودفع مكروهاته ومصائبه، ومعتمد على الله في حصول ما يحبّه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والصلاة والصيام والحج والجهاد والدعوة وغير ذلك.

11 – أنّ فيها رداًّ على القدريّة النفاة، الذين ينفون قدرة الله ويجعلون العبد هو الخالق لفعل نفسه دون أن يكون لله عليه قدرة، فقول العبد ((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) فيه إثبات القدرة والمشيئة لله، وأنّ حول العبد وقوّته إنَّما يكون بالله، ولهذا كانت هذه الكلمة متضمنةً الردّ على القدريّة النافين لذلك.

قال ابن بطال: ((هذا بابٌ جليل في الردّ على القدرية؛ وذلك أنَّ معنى لا حول ولا قوة إلاّ بالله أي: يخلق الله له الحول والقوّة وهي القدرة على فعله للطاعة أو المعصية كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنَّ الباري تعالى خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره، وإذا كان خالقاً للقدرة فلا شك أنَّه خالق للشيء المقدور)) [72] .

ص: 477

12 – أنَّ فيها رداًّ على الجبرية النافين لمشيئة العبد وقدرته القائلين بأنَّ الإنسان مجبور على فعل نفسه، وأنَّه كالورقة في مهب الريح لا حول له ولا قدرة، فقول ((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) متضمنٌ إبطال ذلك وتكذيبه، وذلك لتضمنها إثبات القوّة والحول للعبد، وأنَّ ذلك إنَّما يقع له بمشيئة الله وقدرته {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [73] .

فهذه بعض دلالات هذه الكلمة العظيمة، وشيء من معانيها الجليلة الدالة على رفعة مكانتها وعظم شأنها وكثرة فوائدها وعوائدها والله تعالى أعلم.

المبحث الرابع: في التنبيه على بعض المفاهيم الخاطئة حول ((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله))

مر معنا في المباحث السابقة معنى هذه الكلمة العظيمة وشيء من فضائلها، وذكر جملة من دلائلها العقدية، وسيكون الحديث في هذا المبحث عن ذكر بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بهذه الكلمة سواء في لفظها أو في معناها.

1 – فمن ذلك أنَّ من الناس من يخطئ في استعمال هذه الكلمة فيجعلها كلمة استرجاع ولا يفهم منها معنى الاستعانة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله:((وذلك أنّ هذه الكلمة (أي: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله) هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعاً لا صبراً)) [74] .

2 – ومن ذلك ما حكاه بعض أهل اللغة أنّه يقال فيها ((لا حيل ولا قوّة إلاّ بالله)) [75] .

قال النووي – رحمه الله: ((وحكى الجوهري لغةً غريبة ضعيفة أنَّه يقال لا حيل ولا قوّة إلاّ بالله بالياء،وقال الحيل والحول بمعنى)) [76] .

3 – ومن ذلك اختصار بعض العوام لها عند نطقها بقولهم ((لا حول الله)) ، وهذا من الاختصار المخلِّ، مع ما فيه من الغفلة عن كمال الأذكار الشرعية في مبانيها ومعانيها.

ص: 478

وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – عن ذلك فقال: ((كأنّهم يريدون ((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) فيكون الخطأ فيها في التعبير، والواجب أن تعدل على الوجه الذي يراد بها فيقال ((لا حول ولا قوّة إلاّ بالله)) [77] .

4 – ومن ذلك تحريف معناها عن غير وجهه وصرف دلالاتها عن مقصودها بالتأويلات البعيدة والتحريفات الباطلة، كقول يحيى بن ربيع الأشعري ((فإنَّها – أي كلمة لا حول ولا قوّة إلاّ بالله – توقف على كلِّ جهة ما يليق بها، وتجعل للعبد قدرة كسبية حالية، وتجعل الإسناد للرب سبحانه وتعالى عن كلِّ شريك في ذاته وصفاته وأفعاله، وتثبت الاقتدار من العبد، وتثبت أحوالاً بلا واسطة وقدرة في جبر، وهذا من الحُكْم العجيب جاءهم ليوافق قوله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله على نصّها من غير تأويل)) [78] .

قلت: بل هو عين التأويل الباطل، حيث جعل هذه الكلمة دالة على قول الأشاعرة بأنَّ العبد له قدرة غير مؤثرة يسمونها الكسب، ومحصل ذلك تقرير قول الجبرية القائلين بنفي القدرة عن العبد؛ إذ لا فرق بين من يثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، وبين من ينفي قدرته أصلاً، ولهذا صرح هنا بأنَّها ((قدرة في جبر)) لأنَّها قدرة غير مؤثرة، وغاية ذلك أنَّ العبد مجبور على فعل نفسه كقول الجهمية سواء، والله أعلم.

وختاماً فإني أحمد الله الكريم على ما منّ به ويسر من إعداد هذا البحث، وأسأله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعله نافعاً لعباده، إنَّه جوّاد كريم، وهو سبحانه أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فهرس المراجع

ـ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لعلاء الدين بن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت.

ـ ألفية ابن مالك: لابن مالك، دار الباز، مكة المكرمة.

ـ تصريف الأفعال ومقدمة الصرف: لعبد الحميد عنتر، طبعة الجامعة الإسلامية.

ـ التطبيق الصرفي: للدكتور عبده الراجحي، طبعة دار النهضة العربية، بيروت.

ص: 479

ـ تقريب التهذيب: لابن حجر، تحقيق أبي الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني، دار العاصمة، الأولى 1416هـ.

ـ تهذيب اللغة: للأزهري، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار القومية العربية، القاهرة، 1384 هـ.

ـ التوحيد: لابن منده، تحقيق د/ علي ناصر فقيهي، الجامعة الإسلامية.

ـ الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت.

ـ الجوهر المكنون في علم البلاغة: لعبد الرحمن الأخضري، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1415 هـ.

ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور: للسيوطي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1403 هـ.

ـ سلسلة الأحاديث الصحيحة: للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الثالثة 1403هـ.

ـ سنن أبي داود: تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية.

ـ سنن ابن ماجه: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.

ـ سنن الترمذي: تحقيق أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي.

ـ سنن الدارقطني: للدار قطني، دار نشر الكتب الإسلامية، باكستان.

ـ سنن النسائي: دار الكتاب العربي، بيروت.

ـ شرح ابن عقيل على الألفية: لابن عقيل، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

ـ شرح صحيح مسلم: للنووي، المطبعة المصرية، القاهرة.

ـ الصحاح: للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، 1402 هـ.

ـ صحيح البخاري: المكتبة الإسلامية، استانبول.

ـ صحيح الجامع الصغير: للألباني، المكتب الإسلامي، الثالثة 1402هـ.

ـ صحيح مسلم: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت.

ـ طريق الهجرتين: لابن القيم، المطبعة السلفية، القاهرة.

ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر، دار المعرفة، بيروت.

ـ الفتوحات الربانية على الأذكار النووية: لابن علان، دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت.

ـ فضل لا حول ولا قوّة إلاّ بالله: لابن عبد الهادي، تحقيق عبد الهادي محمد منصور، دار السنابل 1416 هـ.

ص: 480

ـ الفوائد: لابن القيم، تحقيق محمد بشير محمد عيون، نشر مكتبة البيان، الأولى 1407هـ.

ـ القاموس المحيط: للفيروز ابادي، مؤسسة الرسالة، 1407 هـ.

ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للحاج خليفة، المكتبة الفيصلية، مكة.

ـ الكلم الطيِّب: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي.

ـ المبدع في التصريف: لأبي حيان الأندلسي، تحقيق عبد الحميد طلب، دار العروبة، الأولى 1402هـ.

ـ مجمل اللغة: لابن فارس، تحقيق زهير بن عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404 هـ.

ـ مجموع الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف، الرباط.

ـ مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين: جمع فهد السلمان، دار الوطن، 1412 هـ.

ـ المستدرك على الصحيحين: للحاكم، دار المعرفة بيروت.

ـ المسند: للإمام أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت، الخامسة 1405هـ.

ـ مشكاة المصابيح: للخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، الثالثة 1405 هـ.

ـ معجم مقاييس اللغة: لابن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمية.

ـ المغني في تصريف الأفعال: لمحمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث للنشر والتوزيع.

ـ مفتاح العلوم: للسكاكي، تحقيق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية.

ـ نيل الأوطار: للشوكاني، دار الجيل، بيروت.

ـ الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب: لابن القيم، تحقيق بشير عيون، دار البيان، دمشق.

سورة الأحزاب، الآيات (41 - 44) .

سورة الأحزاب، الآية (35) .

سنن الترمذي (رقم: 3377) ، سنن ابن ماجه (3790) ، والمستدرك (1/ 496)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم: 2629) .

صحيح مسلم (رقم: 2676) .

صحيح البخاري (رقم: 6407) .

رواه البخاري (رقم: 7563) .

مجموع الفتاوى (12 / 525) .

الفوائد (ص: 247) .

كشف الظنون (2/1040)

ص: 481

التطبيق الصرفي للدكتور عبده الراجحي (ص: 29) . وانظر للاستزادة: المبدع في التصريف لأبي حيان (ص: 101)، المغني في تصريف الأفعال لمحمد عبد الخالق عضيمة (ص: 107) ، تصريف الأفعال ومقدمة الصرف لعبد الحميد عنتر (ص: 127) .

المصدر السابق (4 / 87) ونقله الشوكاني في نيل الأوطار (2 / 38) .

انظر: تهذيب اللغة (3 / 373) ، و (13 /156) .

انظر: معجم مقاييس اللغة (2 / 121) ، ومجمل اللغة (1 / 258) كلاهما لابن فارس.

انظر: معجم مقاييس اللغة (5 /36) ،ومجمل اللغة (3 / 736)، والقاموس المحيط للفيروز ابادي (ص: 171) .

أورده السيوطي في الدر المنثور (5 / 393) .

ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (13 / 26) .

ذكره ابن علان في الفتوحات الربانية (1 / 242) .

أورده السيوطي في الدر المنثور (5 / 394) .

تهذيب اللغة للأزهري (5 / 243) .

ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (17 / 26) .

المصدر السابق (17 / 27) .

انظر: شرح ابن عقيل على الألفية (1/395) وتفسير القرطبي (3/174) وشرح صحيح مسلم للنووي (4/87) و (17/25) .

متن الألفية (ص: 21) .

انظر: مفتاح العلوم للسكاكي (ص: 289) .

منظومة الجوهر المكنون في علم البلاغة للأخضري (ص: 29) .

المسند (2 /158، 210)، وسنن الترمذي (رقم: 346) ، ومستدرك الحاكم (1 /503) . قال الشيخ الألباني – رحمه الله – في صحيح الجامع (رقم:5636) : ((صحيح)) .

سنن أبي داود (رقم: 832) ، وسنن النسائي (2 /143)، وسنن الدارقطني (1 / 313 - 314) .وقال الألباني في صحيح أبي داود (1 / 157) :((سنده حسن)) .

سورة الكهف، الآية (46) .

المسند (3 / 75)، وصحيح ابن حبان (الإحسان) (رقم: 840) ، والمستدرك (1/512) .

انظر: تقريب التهذيب (310) .

المسند (1 / 71) .

تفسير الطبري (15 / 255) .

المصدر السابق (15 / 254) .

المصدر السابق (15 / 256) .

ص: 482

المصدر السابق مع الجزء والصفحة نفسها.

صحيح البخاري (رقم:4205، 6384)، وصحيح مسلم (رقم: 2704) .

فتح الباري (11/501)

فتح الباري (11 / 501) .

شرح النووي على صحيح مسلم (17 / 26) .

نقله ابن علان في الفتوحات الربانية (1 / 238) .

المسند (5 / 418)، وصحيح ابن حبان (الإحسان) (رقم:821) .

المسند (2 /333)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (رقم: 1528) .

المسند (3 / 422) ، والمستدرك (4 / 290)، وانظر: الصحيحة (4 / 35 – 37) .

سنن الترمذي (رقم:3430)، وسنن ابن ماجه (رقم: 3794) ، وصحيح ابن حبان (رقم:851) ، ومستدرك الحاكم (1 / 5)، والسلسلة الصحيحة (رقم: 1390) .

الوابل الصيب (ص: 160)

[47]

انظر: فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله لابن عبد الهادي (ص:39 – 40) .

تقدم تخريجه.

فضل لا حول ولا قوة إلاّ بالله لابن عبد الهادي (ص:35) .

رواه رزين كما في مشكاة المصابيح للتبريزي (2 / 718) .

سورة يس، الآية (82) .

سورة فاطر، الآية (2) .

سورة الكهف، الآية (39) .

سورة فاطر، الآية (2) .

سورة يونس، الآية (107) .

سورة الأنعام، الآية (17) .

سورة الزمر، الآية (38) .

سورة يس، الآيتان (23 -24) .

مجموع الفتاوى (13 / 321 - 322) .

أبو داود (رقم: 5095) والترمذي (رقم:3426) وصححه الألباني في تحقيقه للكلم الطيب لابن تيمية (ص: 49) .

سورة الأعراف، الآية (54) .

سورة فاطر، الآية (2) .

سورة يونس، الآية (3) .

رواه ابن جرير في تفسيره (1 / 54) .

سورة الأعراف، الآية (180) .

التوحيد لابن منده (2 / 21) .

فتح الباري (11 / 501) .

سورة التكوير، الآيتان (28 – 29) .

سورة الكهف، الآية (39) .

سورة فاطر، الآية (15) .

طريق الهجرتين لابن القيم (ص:53) .

نقله ابن علان في الفتوحات الربانية (1 / 242 - 243) .

سورة التكوير، الآيتان (28 – 29) .

ص: 483

الاستقامة (2 / 81) .

انظر: تهذيب اللغة للأزهري (5 / 244) ، والصحاح للجوهري (4 / 1682)

شرح صحيح مسلم للنووي (4 / 87)

مجموع فتاواه ورسائله رحمه الله، جمع فهد السلمان (ص: 129) .

الفتوحات الربانية (1 / 242) .

ص: 484

طرق التخريج بحسب الراوي الأعلى

إعداد

د. دخيل بن صالح اللحيدان

الأستاذ المساعد في كلية أصول الدين بالرياض

المقدمة

إنَّ الحمدَ للهِ نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد؛

فأخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر الملا قراءة عليه، عن خليفة بن حمد النبهاني، عن عبد الغني بن أبي سعيد العُمَري الدِهلوي ثم المدني، عن أبيه، عن عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم الدِهلوي، عن أبيه، عن أبي طاهر: محمد بن إبراهيم بن حسن الكُوْراني المدني، عن أبيه، عن محمد بن محمد الغزي، عن زكريا بن محمد الأنصاري، عن: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني عن عبد الرحمن بن أحمد المقداد القَيسي، عن أحمد بن أبي طالب، عن عبد اللطيف بن محمد بن علي بن القبيطي، عن أحمد بن عبد الغني، عن أبي منصور: محمد بن أحمد بن عبد الرزاق الخياط، عن أبي طاهر: عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدب، قال: ثنا أبو علي: محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، قال: ثنا بشر ابن موسى بن صالح الأسدي، قال حدثنا أبو بكر: عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يخبر بذلك عن رسول الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".

وهذا الحديث ابتدأ به الإمام البخاري - ت 256هـ - كتابه الجامع الصحيح، وحث على ابتداء المصنفات به (1)

(1) سبق بيان موضعه.

ص: 485

ومن المعلوم أن أفضل العلوم وأجلها ما كان متعلقاً بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث عليهما مدار أحكام الشريعة الإسلامية في العقيدة والعبادات والمعاملات وسائر أحوال الناس، وقد عُني بهما السلف والخلف تفسيراً وشرحاً ودراسة مستفيضة لموضوعاتهما، ومن ذلك علم تخريج الأحاديث، لما له من فوائد جمة تدل على أهميته، منها:

1 -

حفظ السنة وتقريبها إلى عموم المسلمين.

2 -

تمكين الباحث من الوقوف على الحديث في مصادره، ومعرفة أسانيده وطرقه وألفاظه، وشواهده، من حيث تقويتها له، أو تضعيفها ببيان علله واختلاف الرواة فيه، كما تفيد ذلك في فهم معناه، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه، وبيان ناسخه.

3 -

تقريب مناهج المحدثين المتعددة في ترتيب مؤلفاتهم، ومعرفة الضوابط الدقيقة للتخريج العملي حيث يُحدد السبيل المناسبة لتخريج الحديث تبعاً لحاله؛ لأنه قد يكون تام اللفظ أوناقصاً، ويكون مسنداً أو مجرداً، ولِكُلٍ طريقة تخريجية تناسبه.

4 -

معرفة طرق التخريج للمشتغلين في إعداد برامج الحاسوب في علم الحديث، بحيث تُبنى هذه البرامج عليها.

ولقد كتب غير واحد من أساتذة علوم الحديث الأفاضل في علم التخريج وطرقه، وبالرغم من حوزهم فضل السبق في هذا المضمار، إلا أنه قد بقيت مباحث ومسائل تحتاج إلى تعزير وتحرير وإكمال، عُرفت من خلال المثافنة والمُدارسة، ولا سيما مع توفر كثير من المصادر الحديثية في السنوات الأخيرة، لأجل مزيد من الإحكام في ضوابط تخريج الحديث.

ص: 486

ومن أوائل من عُنوا بعلم التخريج في هذا العصر الأستاذ الدكتور: محمود الطحان، وقد حصر طرق التخريج التفصيلية في خمسٍ، هي: التخريج عن طريق معرفة راوي الحديث من الصحابة، والتخريج عن طريق معرفة أول لفظ من متن الحديث، والتخريج عن طريق معرفة لفظ بارز من أي جزء من متن الحديث، والتخريج عن طريق معرفة موضوع الحديث، والتخريج عن طريق النظر في صفات خاصة في سند الحديث أو متنه، وكذا صنع الدكتور: عبد المهدي بن عبد القادر (1) ويستدرك على الدكتور الطحان التخريج عن طريق راوي الحديث من التابعين كالمراسيل، حيث أُفرد هذا النوع من الأحاديث بمؤلفات خاصة بها، كما أفرده مَن أَلَّف في كتب الأطراف بقسم مستقل، ولذا فإن تعبير الدكتور عبد المهدي أدق هنا حيث عبر عن الطريقة الأولى بقوله:"التخريج بالراوي الأعلى"فشمل بذلك الصحابي والتابعي، ويستدرك عليهما معاً: التخريج عن طريق العلل المرتَّبة بحسب الراوي الأعلى، والتخريج عن طريق غريب ألفاظ الحديث المرتَّبة بحسب الراوي الأعلى، والتخريج عن طريق الفهارس المرتبة كذلك، ويستدرك عليهما أيضاً عدد من كتب الأطراف المطبوعة في الفترة الأخيرة مثل: إتحاف المهرة للحافظ ابن حجر، وإطراف المُسْنِد المعتلى له أيضاً، وهي أكثر فائدة من كتاب ذخائر المواريث للنابلسي (2) كما أنها أولى بالذكر منه؛ لأنها امتداد لصنيع الحافظ المزي في كتابه: تحفة الأشراف، حيث تشتمل على أطراف أشهر أمهات المصادر الحديثية، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه إتحاف المهرة: المصنفات التي جمع أطرافها ثم قال: "هذه المصنفات قَلَّ أن يشذ عنها شيء من الأحاديث الصحيحة لاسيما في الأحكام إذ ضُمَّ إليها كتاب أطراف المزي"، ومن الجدير بالذكر أن ترتيب المصادر التي بيَّنها مَن أَلَّف في علم التخريج يمكن أن يعد غير كاف، مع عدم بيان مشتملات كثير

(1) أصول التخريج (35) .

(2)

طرق تخريج حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (23) .

ص: 487

من تلك المصادر مع حاجة المُخَرِّج إلى معرفتها، ولأجل مزيد العناية بعلم التخريج من طريق الإسناد، تم إعداد هذا البحث في جانب مهم منه، ألا وهو: التخريج بواسطة الراوي الأعلى، وكان من أسباب اختيار هذا الموضوع أيضاً:

1 -

منزلة علم التخريج الجليلة، ودوره في حفظ السنة النبوية.

2 -

حاجة الجهود السابقة فيه إلى إكمال، وتحرير وتأصيل في ضوء صنيع المحدثين بعد توفر كتبهم.

3 -

أن طرق التخريج تعد من أهم مباحث التخريج، حيث تمكن الباحث من تخريج الأحاديث على وجه المطلوب، وهي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الإحكام في ضوابطها بحيث تقربها، وتيسر تطبيقها.

4 -

توفر كثير من المصادر الحديثية في السنوات الأخيرة، حيث يسهم ذلك في استقصاء طرق التخريج، وتوضيحها، وبيان مناهج ترتيب ما يتعلق بها من مصادر حديثية، كما يفيد أيضاً في تفصيل مشتملاته الحديثية.

وتشتمل خطة البحث بعد هذه المقدمة على:

تمهيد، وستة فصول وخاتمة وفهارس، على النحو التالي:

- التمهيد: التعريف بطرق التخريج.

- الفصل الأول: التخريج من طريق المسانيد.

- الفصل الثاني: التخريج من طريق معرفة الصحابة.

- الفصل الثالث: التخريج من طريق الأطراف المرتبة على الراوي الأعلى.

- الفصل الرابع: التخريج من طريق العلل المرتبة على الراوي الأعلى.

- الفصل الخامس: التخريج من طريق غريب ألفاظ الحديث المرتب على الراوي الأعلى.

- الفصل السادس: التخريج من طريق الفهارس والموسوعات المرتبة على الراوي الأعلى.

- الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.

- الفهارس.

هذا وسميته: "طرق التخريج بحسب الراوي الأعلى"، والله تعالى أسأل أن ينفع به، وأن يغفر لي ولوالدي ولذوي أرحامي ولعموم المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

التمهيد: التعريف بطرق التخريج:

المطلب الأول: معنى الطرق:

ص: 488

الطرق، جمع طريق، وهي السبيل والسيرة والمذهب، قال إسماعيل بن حماد الجوهري-ت393هـ-:"الطريق: السبيل، يذكر ويؤنث، تقول: الطريق الأعظم، والطريق العظمى، والجمع: أَطْرِقَه، وطُرق"، وقال أيضا:"وطَرِيقة الرجل: مذهبه، يقال: ما زال فلان على طريقة واحدة، أي: على حالة واحدة"، وقال ابن منظور: "الطريقة: السيرة

والحال".

المطلب الثاني: معنى التخريج:

لغة: الخروج مقابل الدخول، وهو يتضمن معنى الظهور والبيان، والتخريج في أصل اللغة من خَرَج، قال أبو الحسين: أحمد بن فارس بن زكريا - ت 395هـ -: "الخاء والراء والجيم أصلان، وقد يُمكن الجمع بينهما، إلا أنّا سلكنا الطريق الواضح، فالأول: النفاذُ عن الشيء، والثاني: اختلاف لَونَين".

ثم يقول من الأول: "فُلانُ خِرِّيجُ فُلان: إذا كان يتعلم منه، كأنه هو الذي أخرجه من حدِّ الجهلِ".

ويقول من الثاني: "أَرضُُ مخرَّجةٌ، إذا كان نبتُها في مكان دون مكان، وخَرَّجَتِ الراعية المرتَعَ، إذا أَكَلَت بعضها وتَرَكت بعضاً"، وقد جاء المعنيان في معاجم اللغة وقواميسها اللاحقة.

اصطلاحاً: استعمله أهل الحديث في عدة معان اصطلاحية، منها الرواية بالإسناد، والعزو إلى المصادر، ويجمعها أنه: بيان مصادر الحديث وإسناده، ومتنه ودرجته بحسب الحاجة.

المطلب الثالث: معنى طرق التخريج:

طرق التخريج، هي: سُبل الدلالة على إسناد الحديث، ومتنه، وموضعه في مصادره.

ص: 489

ويرتبط معنى الطرق بمعاني التخريج، ولهذا جاء معناها شاملاً، فيدخل فيها: مسالك المحدثين في الدلالة على أسانيد الأحاديث ومتونها، ومسالك الوصول إليها في مؤلفاتهم الحديثية، والدلالة على موضعها فيها، والأخير من باب التوسع في التعبير، حيث يُسَمَّى الشيء باسم ما قرب منه، وهذا معروف في أصل اللغة، وله نظائر، مثل إطلاق الراوية على المزادة، وعلى البعير الذي يحملها، قال ابن سيده:"الراوية: المزادة فيها الماء، ويُسمَّى البعير راوية على تسمية الشيء باسم غيره لقربه منه".

المطلب الرابع: طرق التخريج إجمالاً:

تستنبط طرق التخريج من مناهج ترتيب المصادر الحديثية، حيث تنحصر في مسلكين أساسين:

أحدهما: التخريج من طريق الإسناد، وهذا البحث يتعلق ببعض فروعه.

والآخر: التخريج من طريق المتن.

وتندرج تحتهما جميع طرق التخريج التفصيلية، وقد جاءت الإشارة إلى أصول مناهج ترتيب المصادر الحديثية في كلام أهل الحديث، حيث يقول الإمام أبو بكر: أحمد ابن علي بن ثابت الخطيب البغدادي -ت463هـ-: "من العلماء من يختار تصنيف السنن وتخريجها على الأحكام وطريقة الفقه، ومنهم من يختار تخريجها على المسند، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض"، ويقول الحافظ: أبو عمرو: عثمان بن عبد الرحمن الشَهْرَزوري المشهور بابن الصلاح - ت 643هـ-: "وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان: إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو: تخريجه على أحكام الفقه وغيرها، وتنويعه أنواعاً، وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع في باب فباب، والثانية: تصنيفه على المسانيد وجمع حديث كل صحابي وحده، وإن اختلفت أنواعه".

ص: 490

وأشار آخرون إلى بعض التفصيلات في ذلك، حيث يقول الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني - ت 852هـ-:"وتصنيفه إما على المسانيد، أو الأبواب، أو العلل، أو الأطراف"، ويقول السخاوي:"ولهم طريقة أخرى في جمع الحديث وهي جمعه على حروف المعجم فيجعل حديث:"إنما الأعمال بالنيات

"، في الهمزة، كأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس وكذا عمل ابن طاهر في أحاديث الكامل لابن عدي"، ثم قال:"ومنهم من يرتب على الكلمات لكن غير متقيد بحروف مقتصراً على ألفاظ النبوة فقط كالشهاب والمشارق للصنعاني وهو أحسنهما وأجمعهما لاقتصاره على الصحيح خاصة ثم من هؤلاء من يلم بغريب الحديث وإعرابه أو أحكامه وآرائه فيه".

ومن الجدير بالذكر أن المُخَرِّج بحاجة أيضاً إلى معرفة مشتملات هذه المصادر الحديثية؛ لأثرها في تحديد الفائدة المرجوة من كل واحد منها، وقد اُعتنى بهذا الجانب في موضوعات هذا البحث.

ومن صور التخريج من خلال إسناد الحديث: التخريج بحسب الراوي الأعلى - وهو أقرب الرواة إلى المتن- سواء أكان صحابياً أو تابعياً أو غيرهما، وتندرج ضمنها عدة طرق تفصيلية، منها:

1 -

التخريج من طريق المسانيد.

2 -

التخريج من طريق معرفة الصحابة.

3 -

التخريج من طريق أطراف الأحاديث المرتبة على الراوي الأعلى.

4 -

التخريج من طريق العلل المرتبة على الراوي الأعلى.

5 -

التخريج من طريق غريب ألفاظ الحديث المرتبة على الراوي الأعلى.

6 -

التخريج من طريق الفهارس والموسوعات المرتبة على الراوي الأعلى.

وهي التي سيتم - إن شاء الله - بيانها في الفصول الآتية.

الفصل الأول: التخريج من طريق المسانيد.

وهو في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: التعريف بالمسانيد إجمالاً.

المبحث الثاني: التعريف بأشهر المسانيد تفصيلاً.

المبحث الثالث: طريقة الوصول إلى الحديث في المسانيد.

المبحث الأول: التعريف بالمسانيد إجمالاً:

المطلب الأول: معناها:

ص: 491

لغة: المسانيد أو المساند جمع مسند وهو مأخوذ من السند، أي المعتمد، قال الجوهري:"السند ما قابلك من الجبل وعلا عن السطح، وفلان سنده أي: معتمده".

اصطلاحاً: المسند هو الكتاب الذي يروي مؤلفه أحاديث كل صحابي على حدة، كما قال الخطيب البغدادي:"منهم من يختار تخريجها على المسند، وضم أحاديث كل واحد من الصحابة بعضها إلى بعض".

المطلب الثاني: مرتبتها بين المصادر الحديثية:

تعتبر المؤلفات على المسانيد من جهة الثبوت وعدمه في المرتبة التالية للمصنفات على الأبواب هذا من حيث الأصل، يقول الخطيب البغدادي:"ومما يتلو الصحيحين: سنن أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النَّسَوي وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كتب المسانيد الكبار"، وذلك من أجل عناية أصحابها - في الغالب - بجمع مرويات كل صحابي دون النظر إلى الصحة وعدمها.

المطلب الثالث: جهود المحققين في تقريبها:

يواجه الباحث مشقة في الوصول إلى مظان الحديث في المسانيد؛ بسبب طريقة تأليفها، حيث يضيع على الباحث كثير من الوقت ولا سيما إذا كان الصحابي من المكثرين في الرواية.

وقد قام عدد من المحققين وأهل الحديث بتسهيل الوصول إلى البغية في هذه المسانيد بعدة أساليب، وتفصيل جهودهم يحتاج إلى بحث مستقل، كما أن أكثرها يندرج تحت إحدى طرق التخريج، ومنها:

أولاً: ترتيب متون الأحاديث على أبواب الفقه أو الموضوعات، مثل كتاب:

ص: 492

1 -

الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، للعلامة: أحمد ابن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، والذي قام بشرحه أيضاً وسمَّاه: بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، فقد رتب مرويات مسند الإمام أحمد على الأبواب، وقسَّمها سبعة أقسام هي: العقائد، والفقه، والتفسير، والترغيب، والترهيب، والتاريخ، وأحوال الآخرة، وهو يورد الحديث مقتصراً على جزء من إسناده، وبتمام متنه، وفي الشرح يذكر تمام الإسناد.

2 -

منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، للبنا أيضاً، وأدخل عليه العشرة المسانيد الساقطة، وأتى بها من مسند الإمام أحمد، ونبه إلى ذلك، ولعله كان الأولى عدم الإضافة إلا من النسخ المخطوطة لمسند أبي داود الطيالسي.

3 -

موسوعة الحديث النبوي للدكتور: عبد الملك بن بكر بن عبد الله قاضي، وهي مرتبة أيضاً على الأبواب، واحتوت على (208) مصدر من المصادر الحديثية الأصلية، منها: مسند الحُميدي، والطيالسي، وأحمد، وأبي يعلى، وعبد بن حميد، والبزار (كشف الأستار) ، ومعاجم الطبراني الثلاثة (الكبير والأوسط والصغير) .

ثانياً: الترتيب على أوائل ألفاظ المتون بحسب حروف الهجاء، كما في كُتُب:

1 -

ترتيب أحاديث وآثار المسند للإمام أبي بكر الحميدي، لمحمد اللحيدان.

2 -

فهرس أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل، إعداد أبي هاجر: محمد السعيد بن بسيوني زغلول.

3 -

مرشد المحتار إلى ما في مسند الإمام أحمد بن حنبل من الأحاديث والآثار، لحمدي عبد المجيد السلفي.

4 -

المنهج الأسعد في ترتيب أحاديث مسند الإمام أحمد (ومعه الفتح الرباني، وشرح العلامة أحمد شاكر على المسند) ، إعداد عبد الله ناصر رحماني.

5 -

ترتيب أطراف مسند الطيالسي، للشيخ أبي عبد الله: سعد المزعل.

ثالثاً: ترتيب أسماء الصحابة المُخَرِّج حديثهم، بحسب حروف الهجاء، كما في كُتُب:

ص: 493

1 -

ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند، للحافظ أبي القاسم: علي بن الحسين بن هبةِ الله المعروف بابن عساكر -ت571هـ -، وقد بيَّن فيه موضع مرويات الصحابي بذكر اسم المسانيد الإجمالية (السادس عشر أو السابع عشر) التي رتب الإمام أحمد مسنده عليها، وعدد المواضع إذا تكررت داخل المسند، وقد أتم المحقق - وفقه الله - الفائدة فبين موضع المرويات في المسند المطبوع، بذكر رقم المجلد والصفحة منه.

2 -

فهرس العلامة محمد ناصر الدين الألباني، لأسماء الصحابة الذين أخرج الإمام أحمد حديثهم.

3-

معجم مسانيد كتب الحديث لأبي الفداء: سامي التُوني، وسيأتي - إن شاء الله - التعريف به.

4 -

فهرس أحاديث مسند الحُميدي، ليوسف عبد الرحمن المرعشلي، وقد جعله ثلاثة فهارس، الأول: رتب فيه أسماء الصحابة على حروف المعجم، والثاني: رتب فيه أوائل ألفاظ الأحاديث والآثار على حروف المعجم، والثالث: رتب فيه مسانيد الصحابة على الأبواب.

ومن الجدير بالذكر أن لمحققي هذه المسانيد جهوداً في تقريبها.

المبحث الثاني: التعريف بأشهر المسانيد تفصيلاً:

المطلب الأول: مسند الإمام الحُميدي.

التعريف بالإمام الحُميدي:

هو: أبو بكر: عبد الله بن الزبير بن عيسى، واشتهر بالحميدي.

روى عن: سفيان بن عُيينة - ت 198 هـ-، وقد أكثر عنه الحُميدي حتى ذكر الإمام محمد بن إدريس الشافعي - ت 204هـ- أن الحُميدي يحفظ لسفيان: عشرة آلاف حديث، وروى أيضاً عن الإمام الشافعي نفسه وعن شيخه: وكيع بن الجراح - ت 197هـ -، وغيرهم.

وروى عنه: الإمام أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل البخاري - ت 256هـ-، والإمام أبو زرعة: عبيد الله بن عبد الكريم الرازي - ت 264هـ-، والإمام أبو حاتم: محمد بن إدريس الرازي - ت 277هـ-، وغيرهم.

ص: 494

وهو: إمام فقيه، وثقة حافظ في الحديث، قال الإمام أحمد - ت 241هـ-:"الحُميدي عندنا إمام"، وقال أبو حاتم الرازي:"أثبت الناس في ابن عُيينة: الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عُيينة، وهو ثقة إمام"، وقد أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي والنسائي وافتتح الإمام البخاري بروايته أول حديث في الجامع الصحيح، فروى عنه حديث:"الأعمال بالنيات "، ويقول محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - ت748هـ-:"هذا أول شيء افتتح به البخاري صحيحه فصيره كالخطبة له، وعدل عن روايته افتتاحاً بحديث مالك الإمام إلى هذا الإسناد؛ لجلالة الحُميدي وتقدمه؛ ولأن إسناده هذا عزيزُ المثل جداً ليس به عنعنة أبداً، بل كل واحد منهم صرح بالسماع له"، وتوفي الحُميدي سنة: 219هـ.

التعريف بمسنده:

أولاً: اسم الكتاب: المسند.

ثانياً: موضوعه: مرويات الإمام الحميدي عن شيخه سفيان ابن عُيينة - في الغالب - مرتبة على مسانيد الصحابة، ومُعَلَّة.

ثالثاً: مرتبة الكتاب بين المسانيد، وبيان شرط مؤلفه فيه:

الكتاب من المسانيد المعلة، ولهذا يعتبر أعلا من مرتبة المسانيد التي جمعت الثابت وغيره، وبدون تمييز للمعل، وأما شرط مؤلفه، فالذي يظهر من خلال المسند المطبوع أنه قصره في الغالب على مرويات شيخه سفيان بن عيينة، وبيان عللها.

رابعاً - بيان مشتملاته:

روى الحُميدي بإسناده عن: "180"صحابياً - بحسب المطبوع -، ولم يخرج أحاديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة.

ص: 495

وعدد الأحاديث على حسب ترقيم محققه (حبيب الرحمن الأعظمي) : "1300"، واستدرك أيضاً: حديثاً واحداً وجده في بعض النسخ، ونبه إليه، وهذا العدد بالمكرر، ويدخل فيه: المرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع، وغيرها، على حسب صنيع المحقق، والذي يظهر أن المحقق حدثت له بعض الأوهام في ترقيمه، وترك بعض الأسانيد بدون عد، مع أنه رقم أمثالها، وقد فاته (68) حديثاً وإسناداً لم يرقمها، فاستدرك بعضها على نفسه بعد نهاية الترقيم مثل صنيعه عند حديث 195، حيث وضع بعده (195/1، 195/2) ، وربما أراد بذلك المكرر، لكنه ترك أشياء من هذا القبيل، وعلى ذلك فعدد أحاديثه - باطراح زيادة أبي علي ابن الصواف -:"1368"حديثاً.

وتضمن مسند الحُميدي زيادة لأبي علي: محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف، - ت 359 هـ- وهو: الراوي عن تلميذ الإمام الحُميدي، وهذه الزيادة في أحاديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حيث يقول أبو علي ابن الصواف:"ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، ثنا سفيان بن عُيينة عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، قال: أخبرني من سمع علي بن أبي طالب على منبر الكوفة، فذكر معناه" يعني حديث خِطبة علي لفاطمة رضي الله عنهما.

وفي موضع آخر يقول أبو علي الصواف: "حدثنا بشر بن موسى - وهو راوي المسند عن الحميدي - قال: ثنا سفيان قال: ثنا عمرو"، كذا جاء، ولا ريب أنه سقط اسم الحميدي من هذا الإسناد؛ لأن بين بشر وسفيان بن عُيينة مفازة، فبشر مات سنة: 288هـ، وسفيان مات سنة: 198هـ.

ص: 496

واشتمل بخاصة على مرويات شيخه سفيان بن عُيينة وعللها واختلاف الرواة فيها، وليس ببعيد القول بأن هذا الكتاب أفرده الحُميدي لترتيب مرويات شيخه: المذكور على مسانيد الصحابة، حيث إن غالب مروياته في هذا المسند عن شيخه سفيان، وأما مروياته فيه عن غيره، فعددها:"48 "حديثاً، وهي قليلة بالنسبة لمجموع مرويات الكتاب، وهي:"1368"حديثاً على الصواب في عددها، كما سبق، فتصبح نسبتها أقل من: 4%.

ويتنبه إلى أنه قرن سفيان بغيره في أربعة أحاديث منها، كما أن مجموعة من هذه الأحاديث، ساقها الحُميدي أثناء بيانه لعلل أحاديث شيخه سفيان بن عُيينة، فكأنه ذكرها تبعاً، ويحتمل أيضاً أن اسم سفيان سقط من الإسناد في بعضها.

ومن المرويات التي بَيَّن اختلاف الرواة فيها، ما أخرج بإسناده من طريق أبي عبيد: سعيد بن عُبيد الحديث الطويل، وفيه يقول أبو عُبيد:"ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، قال: لا يأكلن أحدكم من لحم نُسُكه فوق ثلاث"، ثم قال الحميدي:"قلت لسفيان: إنهم يرفعون هذه الكلمة عن علي بن أبي طالب، قال سفيان: لا أحفظها مرفوعة، وهي منسوخة".

واشتمل أيضاً على المرفوع وهو غالب الكتاب، وعلى قليل من المرسل، والموقوف (1) والمقطوع (2)

(1) انظر على سبيل المثال: (عقب ح 348، و 426، 432) .

(2)

انظر على سبيل المثال: (ح 23، 29، 30، 46، 72، 89، 333، 373، 656، 66) .

ص: 497

واشتمل المسند أيضاً على بعض أقوال الحُميدي نفسه كبيانه لأحاديث لم يسمعها من سفيان بن عُيينة، وتسميته لرجل في الإسناد (1) وشرحه لبعض الألفاظ الغريبة (2) وبعض اختياراته (3) وعلى سؤالاته لشيخه سفيان بن عُيينة، وذكر شيء من أحواله، وأقواله، وهي كثيرة، وفيها ما يتعلق بالسماع والعلل، وشرح الغريب، والفقه، ومن ذلك: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه: أن رجلاً أهلَّ بالحج والعمرة معاً، فقال له عمر رضي الله عنه: "هُديت لسنة نبيك

" فقال سفيان - بعده -: "يعني أنه قد جُمع بين الحج والعمرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأجازه، وليس أنه فعله هو"، ومنه أيضاً: بيانه أن سفيان بن عُيينة يقول أحياناً عن متن الحديث: "لم أحفظه"، ويريد أنه لم يحفظه مطولاً، مثل ما روى (4) سفيان، عن الزهري بإسناده حديث: التقديم والتأخير في أفعال يوم النحر، ثم قال الحُميدي بعده: "فقيل لسفيان: هذا مما حفظت من الزهري؟، فقال: نعم، كأنه - كذا في المطبوع - يسمعه إلا أنه طويل، فحفظت هذا منه، فقال له بليل: فإن عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنك أنك قلت: لم أحفظه، فقال: صدق، لم أحفظ كله، وأما هذا فقد أتقنته".

خامساً: طريقة ترتيبه:

اقتصر الإمام الحُميدي في غالب مسنده على مروياته عن شيخه سفيان بن عُيينة، ورتبها على مسانيد الصحابة، ورتب مرويات المكثرين منهم على الأبواب، أما على وجه التفصيل، فترتيبه على النحو التالي:

(1) انظر: ح 245، 247، 268، 328

(2)

انظر: ح 780

(3)

انظر: ح 328، 337، 344

(4)

نظر: ح 47

ص: 498

1 -

رتب المرويات بحسب مسانيد الصحابة، وربما روى في مسند صحابي حديث صحابي آخر؛ لتعلق ذلك بالمتن، أو بقصة في الإسناد، ولم يذكر في مسانيد كثير من الصحابة الذين أخرج لهم، إلا حديثاً أو حديثين، وكذا اقتصر في المكثرين منهم على مجموعة أحاديث ليست بالكثيرة بالنسبة لعدد مروياتهم المعروفة، والذي يظهر أنه إما خص كتابه هذا بمرويات سفيان بن عُيينة لهم، أو أنه انتقى ما أورده من مرويات ابن عُيينة، بدليل ما تقدم من أن الإمام الشافعي ذكر أن الحُميدي يحفظ لسفيان: عشرة آلاف حديث.

2 -

رتب أحاديث المكثرين من الصحابة على أبواب الفقه في الغالب، وهذا يظهر من سرده للأحاديث في مسند الصحابي، ومن ذلك صنيعه في مسند عائشة رضي الله عنها، حيث بدأ بأحاديث الوضوء، ثم بوب بأحاديث الصلاة، وأحاديث الصيام، والحج، والجنائز، والأقضية، وكذا صنع في مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث بوب بأحاديث الحج، وبوب أيضاً فيه فقال:"أحاديث ابن عباس رضي الله عنهما التي قال فيها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ومسند أبي هريرة رضي الله عنه حيث بوب (بالجنائز، والجهاد، والأقضية، وجامع أبي هريرة رضي الله عنه وغير ذلك.

3 -

بدأ مسانيد الرجال بالعشرة المبشرين بالجنة، إلا طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه فلم يذكره، ولعله لم يظفر برواية من طريقه، أو لم يظفر بذلك من مرويات شيخه سفيان بن عُيينة لأحاديث طلحة رضي الله عنه، ثم ساق بعد ذلك بقية مسانيد الصحابة من غير استيعاب، وجمع مسانيد الصحابيات رضوان الله عليهن في موضع في أثناء أوائل مسانيد الرجال، وابتدأها بأحاديث أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وقدّم عائشة رضي الله عنها، ثم بقية النساء من غير استيعاب.

سادساً: طريقة تخريجه للحديث:

ص: 499

يروي الإمام الحُميدي عن شيخه سفيان بن عُيينة - في الغالب - الأحاديث مرتبة على مسانيد الصحابة، مرتباً أحاديث المكثرين من الصحابة على الأبواب.

سابعاً: أهم مميزاته:

يختص مسند الإمام الحُميدي بميزات مهمة، أبرزها:

أ - يعتبر من مصادر السنة المسندة الأصيلة؛ لأن الحميدي يروي فيه بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أثره في علوم الحديث إسناداً ومتناً.

ب - يُعَد من مظان الإسناد العالي، لتقدم وفاة الحميدي.

ج - جمعه مرويات شيخه سفيان بن عُيينة، مع بيان عللها واختلاف الرواة فيها.

د - تضمنه سؤالاته لشيخه: سفيان بن عُيينة، وبيان أقواله وأحواله في الرواية وما يتعلق بها.

هـ - ترتيب أحاديث المكثرين من الصحابة على الأبواب.

و العناية البالغة ببيان زيادات الرواة - في مرويات سفيان ابن عُيينة - وفصل المدرج من المرفوع، وسياق المتون المطولة، وقصص الإسناد والمتن - وهي تتضمن الموقوف وغيره - والعناية بسماع المدلسين.

ز - ترتيبه الأحاديث بعدة اعتبارات مجتمعة، فهو:

مفرد بمرويات سفيان بن عيينة شيخ الحمُيدي، فيدخل ضمن المؤلفات المختصة بالترتيب على الراوي الأدنى، كما أنه رتب هذه المرويات على الصحابة، فيلحق بالمؤلفات المرتبة على الراوي الأعلى، ورتب مرويات مكثري الصحابة، على الأبواب، فيشار إليه فيما رُتِّب على الأبواب.

ثامناً: رواية المسند:

الكتاب المطبوع من رواية أبي منصور بن أحمد الخياط، عن أبي طاهر: عبد الغفار بن محمد المؤدب، عن أبي علي بن الصواف، عن بشر بن موسى الأسدي، عن الحميدي.

تاسعاً: جهود المحققين في العناية به:

لقد طبع الكتاب ونشره المجلس العلمي بالباكستان عام 1382هـ، بتحقيق العلامة حبيب الرحمن الأعظمي، وهو في مجلدين، ورقّم أحاديثه ووضع له ثلاثة فهارس: فهرس الموضوعات، وفهرس الأحاديث على الأبواب، وفهرس أعلام المتون، وقد سبق بيان جهود أخرى لأهل العلم في تقريبه.

ص: 500