جاري تحميل البيانات...
العدد 23
فهرس المحتويات
1-
استنكار لإخراج فيلم محمَّد رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
2-
مِن أعْلامِ المُحَدِّثِين - محمد بن إسحاق بن خزيمة 223- 311هــ: للشيخ عبد المحسن العباد
3-
القاديَانيَّة: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
4-
مع صاحب الفضيلة والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: بقلم الشيخ عطيه محمد سالم
5-
أبُو الحسن الأشعري: بقلم الشيخ حماد بن محمد الأنصاري
6-
رَسَائِل لمْ يَحْمِلهَا البَريْد: بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
7-
مِنَ المنهَل الصَّافي قل الله أعبد مخلصا له ديني: للشيخ عبد الله المحمد الغنيمان
8-
قصَصٌ لا تُنسى وعاد في صمت إلى مزرعة: بقلم الشيخ محمد المجذوب
9-
دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة: بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي
10-
بَيْنَ توحيد الأهِلَّة وَالمرصَد الفلكيّ: للشيخ عبد الله بن إبراهيم رجب
11-
دِرَاسات في أُصوُل اللُّغة العَرَبيَّة: بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
12-
الهَوَس الفكرِيّ: بقلم الأستاذ مرزوق بن محمد الدوسري
13-
قضَايا أسَاسيَّة في تطوير المكتَبة العَرَبيَّة والإسلاميَّة: بقلم عيد عبد الله عيد السيد
14-
مُشارَكَة الجَامعَة الإسلاميَّة فِي مَعرضِ الكتابِ السُعُودي: بقلم صالح بن أحمد الغامدي
15-
العقيدة بين الفلسفة والوحي: للشيخ عبد الوهاب لطف الديلمي
16-
من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
17-
مقتطفَاتٌ من كتَاب الكنز المَرصُود في قَواعِدِ التَّلمُود: تَرجَمهُ مِنَ اللغَةِ الفَرَنسَاويَّة الدكتور يوسف حنا نصر الله
18-
نَدوة الطَلَبَة - أنا مسلم: بقلم الطالب أحمد بن حسن المعلم
19-
العَام الحَادي عَشر عَامٌ لهُ أهميّة في تاريخ الإسلام: بقلم الطالب عز يزو محمد مغربي
20-
وَعِندَ الله للنّاجِين شهد: بقلم الطالب محمد محمود جاد الله
21-
الفَتَاوَى:
استنكار لإخراج فيلم محمَّد رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم
رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: فقد اطّلعت على ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها 162 الصادر بتاريخ 9/7/1393 تحت عنون (فيلم محمد رسول الله) وقد تضمن الخبر المذكور أنه خلال الأيام الماضية تم التوقيع على عقد تأسيس الشركة العربية للإنتاج السينمائي العالمي وتولى التوقيع ممثلوا حكومات ليبيا والكويت والمغرب والبحرين وأن الشركة المذكورة تعاقدت مع المخرج مصطفى عقاد لإنتاج فيلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حياته وتعاليمه بالسينما سكوب والألوان يستمر عرضه ثلاث ساعات ويخرج بعشرين لغة عالمية بما فيها العربية.
وذلك بالاستناد إلى قصة أقرها الأزهر والمجلس الشيعي الأعلى واشترك في صياغتها توفيق الحكيم وعبد الحميد جوده السحّار وعبد الرحمن الشرقاوي، انتهى الخبر المذكور.. ولكون ذلك فيما نعتقد أمراً منكراً وحدثاً خطيراً يترتب عليه مفاسد كبرى وأضرار عظيمة واستهانة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وتعريض لذاته الشريفة إلى التلاعب بها والاستهزاء والتنقص، رأيت المساهمة في إنكار هذا المنكر والإهابة بالدول الأربع الموافقة على إخراجه بالرجوع عن ذلك تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم واحتراماً له واحترازاً عن تعريض ذاته الشريفة للتنقص والاستهانة والسخرية.
ومعلوم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وقد عرض هذا الموضوع على المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فقرر تحريم إخراج فيلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وتحريم تمثيل الصحابة رضي الله عنهم وذلك في المادة السادسة من قراره المتخذ في دورته الثالثة عشرة المنعقدة خلال المدة من 1شعبان 1391 إلى 13 شعبان 1391 وهذا نص المادة المذكورة:
1-
يقرر المجلس التأسيسي بالإجماع تحريم إخراج فيلم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من تمثيله صلى الله عليه وسلم بآلة التصوير الكاميرا مشيرة إليه وإلى موضعه وحركاته وسائر شؤونه بالتحديد وتمثيل بعض الصحابة رضي الله عنهم في مواقف عديدة ومشاهد مختلفة وهو محرم بالإجماع.
2-
يوصي المجلس الأمانة العامة للرابطة بإبلاغ هذا القرار لجميع الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية والجمعيات الدينية في البلاد العربية والإسلامية ووزارات الإعلام ومشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة والصحف والإذاعات في البلاد الإسلامية كافة.
3-
يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي، بإخطار مخرج هذا الفيلم بهذا القرار جواباً على طلبه الأخير بإخراج الفيلم وإنذاره بأن الأمانة العامة للرابطة ستتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من يحاول الاعتداء على قدسية وحرمة صاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم وحرمة أصحابه الأكرمين في أية جهة من العالم.
4-
يوصي المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بوضع رسالة في حرمة إخراج فيلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين تضم ما أجرته الأمانة العامة للرابطة بشأنه في جميع مراحله وما صدر فيه من قرارات في المجلس التأسيسي لرباطة العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية الأخرى وما صدر بشأنه من القرارات والفتاوى في البلاد الإسلامية عامة ونشر ذلك في البلاد الإسلامية تبصرة وتنويراً وإرشاداً وتحذيراً.
5-
يشكر المجلس الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي على ما قامت به من جهود موفقة في هذا الموضوع الخطير، انتهى.. كما قررت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منع تمثيل الصحابة رضي الله عنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى، وذلك بقرارها رقم 13 وتاريخ 16/4/93 هـ الآتي نصه:(الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فإن هيئة كبار العلماء في دورتها الثالثة المنعقدة فيما بين 1/4/1393 و17/4/1393 قد اطلعت على خطاب المقام السامي رقم 44/93 وتاريخ 1/1/1393 الموجه إلى رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد والذي جاء فيه ما نصه: نبعث إليكم مع هذه الرسالة الواردة إلينا من طلال بن الشيخ محمود البنى المكي مدير عام شركة لونا فيلم من بيروت بشأن اعتزام الشركة عمل فيلم سينمائي يصور حياة (بلال) مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونرغب إليكم بعد الإطلاع عليها عرض الموضوع على كبار العلماء لإبداء رأيهم فيه وإخبارنا بالنتيجة، وبعد إطلاع الهيئة على خطاب المقام السامي وما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ذلك وتداول الرأي قررت ما يلي:
1-
إن الله سبحانه أثنى على الصحابة وبيّن منزلتهم العالية ومكانتهم الرفيعة، وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله عليهم به، وتنزيل لهم من المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها.
2-
إن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية والاستهزاء ويتولاه أناس غالباً ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة والأخلاق الإسلامية مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة إلى الكسب المادي وأنه مهما حصل من التحفظ فسيشتمل على الكذب والغيبة كما يضع تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم في أنفس الناس وضعاً مزرياً فتزعزع الثقة بأصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخف الهيبة التي في نفوس المسلمين من المشاهدين وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم والجدل والمناقشة في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سب بلال وسب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وما جاء به الإسلام ولا شك أن هذا منكر، كما يتخذ هدفاً لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.
3-
ما يُقال من وجود مصلحة وهي إظهار مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مع التحري للحقيقة وضبط السيرة وعدم الإخلال بشيء من ذلك بوجه من الوجوه رغبة في العبرة والاتعاظ فهذا مجرد فرض وتقدير، فإن من عرف حال الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد التمثيل وما هو شأنهم في حياتهم وأعمالهم.
4-
من القواعد المقررة في الشريعة أن ما كان مفسدة محضة أو راجحة فإنه محرم، وتمثيل الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه فمفسدته راجحة، فرعاية للمصلحة وسداً للذريعة وحفاظاً على كرامة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يجب منع ذلك: وقد لفت نظر الهيئة ما قاله طلال من أن محمداً صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدين هم أرفع من أن يظهروا صورة أو صوتاً في هذا الفيلم، لفت نظرهم إلى أن جرأة أرباب المسارح على تصوير بلال وأمثاله من الصحابة إنما كان لضعف مكانتهم ونزول درجتهم في الأفضلية عن الخلفاء الأربعة، فليس لهم من الحصانة والوجاهة ما يمنع من تمثيلهم وتعريضهم للسخرية والاستهزاء في نظرهم فهذا غير صحيح لأن لكل صحابي فضلاً يخصه وهم مشتركون جميعاً في فضل الصحبة وإن كانوا متفاوتين في منازلهم عند الله جل وعلا وهذا القدر المشترك بينهم وهو فضل الصحبة يمنع من الاستهانة بهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، انتهى..
ولكل ما تقدم وما سوف يفضي إليه الإقدام على هذا الأمر من الاستهانة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم وتعريض سيرته وأعماله وسيرة أصحابه وأعمالهم للتلاعب والامتهان من قبل الممثلين وتجار السينما يتصرفون فيها كيف شاءوا ويبرزونها على الصفة التي تلائمهم بغية التكسب والإتجار من وراء ذلك ولما في هذا العمل الخطير من تعريض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم للإستهانة والسخرية وجرح مشاعر المسلمين فإني أكرر استنكاري بشدة لإخراج الفيلم المذكور.
وأطلب من جميع المسلمين في كافة الأقطار استنكارهم لذلك كما أرجو من جميع الحكومات والمسؤولين بذل جهودهم لوقف إخراجه وفي إبراز سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم بالطرق التي درج عليها المسلمون من عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ما يكفي ويشفي ويغني عن إخراج هذا الفيلم.
وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين جميعاً وحكوماتهم لكل ما فيه صلاح المسلمين في العاجل والآجل ولكل ما فيه تعظيم نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والحذر من كل ما يفضي إلى التنقص لهم أو السخرية بهم أو يعرضهم لذلك إنه جواد كريم وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه
…
رئيس الجامعة الإسلامية
بالمدينة المنورة
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
بَيْنَ توحيد الأهِلَّة وَالمرصَد الفلكيّ
للشيخ عبد الله بن إبراهيم رجب: مكة المكرمة
تابعت الجهود التي بذلتها الرابطة الإسلامية بالنسبة لتوحيد الأهلة في العالم الإسلامي منذ سنوات مضت - حتى الآن - ولكني فوجئت بأن الرابطة صرفت جهودها إلى إنشاء مرصد فلكي (في مكة المكرمة) أطلق عليه اسم المرصد الإسلامي؟! حيث سيزود بالكفاءات الإسلامية.. والمعدات الإسلامية الحديثة للأرصاد الفلكية - من رؤية وحسابات وقياسات ضوئية وكهربية الخ.. كما نشر في جريدة الرابطة مؤخراً.
وكتبت أستوضح المسئولين في الرابطة عن السبب في اختيار مكة بالذات مقراً للمرصد.. فمكة كما هو معروف تقع في وادي إبراهيم.. وليس في مرتفع، وعادة لا يكون إنشاء المراصد إلا في أماكن مرتفعة - وما هو موجود في العالم من حولنا دليل على أن المنخفضات لا تصلح لهذا - ثم إن إثبات الأهلة لا يكون إلا في المرتفعات (يستوي في هذا الرؤية بالعين أو بالمرصد الفلكي) وكان الجواب عملياً على سؤالي.. فقد تقرر اختيار الموقع المناسب للمرصد، وذلك في اجتماعات المرصد التي جرت في شهر رمضان الماضي [1] .
ومحاولة الرابطة توحيد الأهلة، وكذلك هيئة كبار العلماء.. تأتي ضمن سلسلة من المحاولات قام بها الأقدمون ويواصل المحدثون بما بدئ من قبل.
ففي السنين الأخيرة درس هذا الموضوع، وطرح على بساط البحث في ضوء الكتاب والسنة والإجماع.. ومن البلدان التي اهتمت به أذكر: مصر، في مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الذي انعقد في أكتوبر 1966م. وكوالالمبور، في المؤتمر الإسلامي، الذي انعقد في أبريل 1969م. والكويت: في مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية العرب، الذي انعقد في فبراير 1973م.
وتبني المملكة العربية السعودية أعلى الأمل في استخلاص رأي موحد فيه. بعد أن بدا شمل العالم الإسلامي ملتئماً تحت راية التضامن الإسلامي التي رفعها الفيصل - أيده الله بنصره وتوفيقه - عالية فوق كل شعارات الدنيا، فأصبحت هي الشعار الأوحد الذي عادت الأمة به إلى دينها الحق.
غير أن المحاولة الجديدة من الرابطة لإنشاء مرصد فلكي (في رأيي الخاص) تقضي على تلك الجهود التي استهدفت توحيد الأهلة. وربما انصرف كثير من الدول عن الاعتماد علينا في الرؤية. في بدء الصوم والخروج منه، والسبب أن معظم الدول لديها مراصد فلكية، تصوم وتفطر بما يصدر عن مراصدها. وإذا كان شبه إجماع على الأخذ برؤية المملكة فيما مضى.. فإنه بمجرد أن يبدأ المرصد (هنا) عمله سوف لايكون شيء من هذا الإجماع.
ف (الثابت واقعياً وعملياً والمشاهد حسيا أن الهلال يرى في بعض البلاد بعد غروب الشمس، ولا يرى في بعضها إلا في الليلة الثانية، معنى هذا أن رؤية الهلال أول الشهر قد تكون متيسرة لبعض الأقطار دون بعض فاختلاف مطالع القمر أمر واقعي مشاهد وظاهرة كونية لا جدال فيه) هذا ما يؤكده كثير من المختصين في شؤون الفلك. ولا أخال الدراسات التي تجمعت لدى الرابطة قد أهملت الإشارة لمثل هذه الخلافات العلمية.
ثم لا ننسَ حكمة الشارع سبحانه وتعالى عندما (جعل صيام رمضان والحج في أشهر قمرية رأفة بعباده كما يقول العلماء حتى لا يحتاج العامي في قريته والبدوي في قفاره إلى الراصدين وحتى لو سها في تعداد أيام الشهر القمري فإن رؤية الهلال تذكره نسيانه وتصحح خطأه فرؤية الهلال لا يختص بمعرفتها العالمون والراصدون ولا يكون لهم كبير امتياز عن العامة) .
وفي حكم رؤية هلال رمضان.. هل يعم أو يخص؟ وهو موضوع قيم يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "أما الحساب فلا يعول عليه وهذا هو الحق وهو إجماع أهل العلم المعتد بهم"إذن لماذا نلجأ إلى الحساب والرصد في أمور تعبدية، لم يطلب الشارع لها ذلك.. ولنذكر أن هذا لم يكن موجوداً زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ولا زمن التابعين لهم.. ومع هذا كانوا يصومون ويفطرون ويحجون دون الحاجة إلى شيء من هذا. وما دام أن الدين يُسْر، فلماذا نعسر نحن على أنفسنا؟
والله من وراء القصد. . .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
لم يتقرر اختيار مكان المرصد، ويتجه البحث إلى إنشائه في منطقة الطائف.
دِرَاسات في أُصوُل اللُّغة العَرَبيَّة
بقلم الأستاذ عبد العزيز القارئ
المدرس بمعهد الجامعة الإسلامية الثانوي
في عدد سابق من مجلة الجامعة الإسلامية [1] أتحفنا فضيلة شيخنا الجليل الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ببحث قيم عن ما وقع في القرآن بغير لغة العربية، وكانت آراؤه التي أودعها بحثه وتعليقاته على كلام من سبقه من علماء الإسلام مهمة، ولقد استفدت منها كثيراً، وكنت أتتبع هذا الموضوع منذ زمن في غمرة تتبعي ودراستي لحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف "..
ومما أعطى البحث المذكور أهمية خاصة إلمام فضيلة كتابه بعدد من اللغات منها (العبرانية) وهذا مما يسهل مهمة المقارنة بين اللغات المعنية في هذا البحث.
فأحببت أن أسهم فيه بحلقة أخرى تضم إلى حلقاته يتأمل فيها شيخنا الدكتور ويزودنا بمزيد من آرائه، ويستفيد منها القارئ، وخاصة من أشكل عليه هذا الأمر ولم يفهم سره [2] .
ولقد رأيت من الضروري لاستكمال الصورة الواضحة أن تشمل دراستي موضوعين حيث ينبني أحدهما على الآخر:
1-
أصل العرب ومنشؤهم.
2-
اللغة العربية: نشأتها، والمراحل التي مرت بها.
ولا أدعي أنني آت فيهما بآراء حاسمة ونتائج نهائية، أو أنني مستوفٍ للبحث ومعطٍ له حقه، إنما هي محاولة للدخول في دراسة واسعة متكاملة دقيقة تحتاج إلى جهد عظيم، وعناء شديد ووقت طويل..
1-
العرب:
من المجمع عليه أن القرآن أنزل بلغة العرب، وأن الله عز وجل اختار هذه اللغة العظيمة لتكون الوعاء الذي يحمل كلامه المنزل على رسوله، كما اختار أمة العرب ليكونوا الرسل الذين يبلغون دعوته للأمم و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} : فاختياره عز وجل لهذه اللغة يدل بلا ريب على أنها أفضل اللغات وأفصحها ، كما أن اختياره لأمة العرب ليكونوا حملة الرسالة ويكون الرسول منهم يدل بلا ريب على أنهم كانوا أفضل الأمم، وأقربها للحق، وأكثرها صلاحية وتهيؤاً لحمل رسالة الإسلام إلى العالم..
فمن هؤلاء العرب؟
أما تعريف العرب، وتحديد أصل بدايتهم، ونشأتهم ومساكنهم وديارهم التي يتضمنها اسمهم، فهذا مما كثر فيه الاختلاف، وندر فيه القطع واليقين وكل ما قيل فيه يحتمل مزيداً من النقد والتمحيص، ويحتاج إلى دراسة علمية دقيقة تستخدم فيها الوسائل المعاصرة التي هي أكثر فعالية في تحديد مثل هذه القضايا التاريخية..
ومن هذه الوسائل: إجراء مسح دقيق شامل لديارهم واستخراج بعض الآثار ودراستها، مع أن ما أخرجته الحفريات من آثار قديمة هي في حد ذاتها أيضاً لا تعطينا معلومات قطعية في غالب الأحوال، ولذلك فإن الدارسين في هذا المجال والمهتمين بهذه الحفائر سرعان ما تتغير آراؤهم كلما أنتجت الحفائر شيئاً جديداً، وقد بذل الغربيون جهداً كبيراً في هذا الشأن وحاولوا الاستفادة منه.
ومما ساعد على تشعب الخلاف حول مسألة - أصل العرب - أن تاريخهم قبل الإسلام يلفه غموض شديد حيث لم يدون ولم ينقل إلينا بالقدر الكافي لإيضاح معالمه، لأن العرب في الغالب كانوا أمة أمية لا تدون ولا تقرأ، وقلما تؤرخ، فإن أرخت فبالحوادث المشهورة كقولهم: عام الفيل، وعام الغدر، وعام الماء، وزمن القتاد [3] .
إلا أن هناك نواحي في هذا التاريخ يكاد ينعقد عليها إجماع علماء الأنساب والتاريخ، وأشارت نصوص القرآن والسنة إلى بعضها، فنحن نلم من هذين المصدرين بما يكفي لإعطاء صورة واضحة، وإلقاء ضوء ساطع على موضوعنا، ولعل استنتاجاتنا إذ حصرناها في ذلك تكون أقرب إلى القطع واليقين منها إلى الحدس والتخمين..
أصل العرب:
اتفق علماء الأجناس وعلماء الأنساب على أنهم من - الفصيلة السامية - وكذلك المؤرخون المسلمون أرجعوا أصلهم إلى - سام بن نوح عليه السلام وهو أحد الأصول الثلاثة التي تتفرع منها الأمم وهي (سام، وحام، ويافث)، روى ابن عبد البر في كتابه عن أنساب العرب والعجم حديثاً عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم" ورواه أيضاً الترمذي وأحمد والحاكم عن سمرة، وذكره الحافظ العراقي في كتابه - القرب في محبة العرب -[4] وحسنه..
ومن المعلوم أن تمايز الأجناس والأمم إنما حدث بالتدريج ابتداءً بهؤلاء الأصول الذين يمثلون
ذرية نوح الباقين في الأرض [5] . ولكننا لا نستطيع أن نجزم ببداية تميز العرب كأمة مستقلة في أي تاريخ كان فضلاً عن أن نحدد لهم أباً بعد - سام - تناسلوا منه: سواء كان هذا الأب هو يعرب، أو قحطان، أو عابر بن شالخ بن أرفخشذ، أو نابت بن إسماعيل، أو حتى إسماعيل عليه السلام نفسه..
فالخلاف محتدم في أي من هؤلاء هو الأب الأول الذي يرجع إليه العرب كما سيأتي بيانه عند الكلام على قحطان وعدنان..
لكن يبدو أن المنطقة التي عرفت لدى علماء التاريخ اليوم (بالمثلث) هي منشأ الحضارات ومنطلق الأجناس، وهي موطن الحضارة الأولى، وتمتد من أراضي الرافدين بالعراق في أحد ساقي المثلث وواد النيل في الساق الأخرى وبينهما بلاد الشام في قاعدة المثلث وعلى رأسه اليمن وحضرموت (انظر الشكل رقم - 1-) .
فمن هذه المنطقة نزحت البشرية إلى سائر أرجاء المعمورة وانتشرت الحضارة وفيها أنزلت الرسالات التي ذكرها القرآن، ولكن في أي جزء من المثلث كان المنطلق في جنوبه - أي اليمن - أم في شماله أي (العراق) أو (سيناء) . . .
مما يؤيد عندي الرأي القائل بأن (العراق) كان هو المنطلق أن أحداً من المفسرين لم يذكر أن الجودي الذي استوت عليه سفينة نوح هو في اليمن أو جنوب الجزيرة أو أي مكان آخر، وهذا ابن جرير وهو يستقصي أقوال السلف في تفسيره ينقل بأسانيده عن مجاهد، وسفيان، وقتادة، والضحاك وهم رواد التفسير أنه جبل بالعراق - بل بناحية الموصل منه - ويسند إلى ابن عباس أنه جبل دون تحديد موقعه، وإلى التابعي الجليل زر بن حبيش أنه ناحية بالعراق [6] ولكن ابن كثير يذكر في تفسيره أن بعضهم يرى أنه الطور دون أن يسمي القائل البشر - سواء كان من العراق بالتحديد أو من الطور أو مما بينهما - فإننا نستطيع أن نقول: إنه حدثت عمليات نزوح كبيرة، وحركات هجرة واسعة لأبناء نوح ومنهم - الساميون - إلى سائر الأرجاء شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ومن هذه - الهجرات - التحرك صوب الجنوب حيث أرض صحراوية تحيط بها البحار من الجهات الثلاث، وكانت هذه الهجرات بسبب الحروب والغارات أو بحثاً عن الكلأ والماء والأراضي الخصبة..
ويقول بعض الباحثين إن الإشارة إلى - بدو الآراميين - في التوراة يعني قسماً من الآراميين الذين كانوا يسكنون الشام تحركوا صوب الصحراء الجنوبية حيث عرفوا فيما بعد بالعرب، ويرى أن كلمة (عرب) ترجع إلى أصل - آرام -[7] .
القبائل العربية القديمة:
وفي زمن متقدم جداً عرفت بعض القبائل من هؤلاء التي استوطنت أنحاء من - الجزيرة العربية - كان معظمها في ثلاث مناطق منها حسبما علمنا.. (اليمامة) و (الشِحْر) من أرض اليمن و (الحِجْر) من أرض الحجاز.. ويسمي المؤرخون والنسابة المسلمون هذه القبائل بـ: طُسَم، وجَدِيس والعمالقة، وعاد، وثمود..
ويزيد ابن جرير الطبري وابن إسحاق: أمَيْم، وعبِيْل، وعبد ضَخْم، وجُرْهُم الأولى، أما طسم وجديس فسكنوا اليمامة في شرق الجزيرة العربية، وأما عاد فذكر القرآن مساكنهم وأنها (الأحقاف) وهي في جنوب الجزيرة العربية والأحقاف جمع حِقْف - بكسر الحاد - وهو الكثيب العظيم المستدير من الرمل، قال تعالى:{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ} [8] .
وأما ثمود فذكر القرآن منازلهم وأنها الحِجْر وهي في الشمال الغربي من الجزيرة العربية قال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} [9] .
أما العمالقة فنزل بعضهم بمكة وبعضهم بيثرب من أرض الحجاز وقد وجدت بعض آثارهم في المنطقة..
ويذهب بعض علماء الأنساب أن ثمود كانت تسكن اليمن ثم انتقلت منها إلى الحجر [10] .
ويمكن القول أن جميع هذه القبائل ينحدرون من أولئك الذين تسميهم - التوراة - بدو الآراميين الذين نزحوا من الشام والعراق صوب الجزيرة العربية.. وهذا يفسر التشابه الواضح في اللغات ومفرداتها بين الكتابات التي وجدت في العراق وسوريا والتي تعود إلى العصور البابلية والآشورية والآرامية والكنعانية وبين الكتابات التي عثر عليها في منطقة اليمن أو حضر موت والتي تعود إلى العهود الحميرية والسبئية، حيث يدل ذلك على أن هناك أصلاً واحداً مشتركاً..
هذا هو ما أمكن أن أجزم به من تاريخ العرب القديم مما يمكن أن يكون ذا علاقة بموضوعنا..
القبائل القحطانية:
وهذه فترة أخرى من تاريخ نشأة أمة العرب تلي تلك الفترة الموغلة في القدم وهي الفترة التي وجد فيها ما نسميه - بالعرب العاربة - وفيها ظهرت قبائل عربية أخرى ودول وحضارات وبدأت فيها ما يُسمى - بالقبائل القحطانية -.
ويتركز الضوء في هذه الفترة على الجزء الجنوبي للجزيرة العربية حيث اليمن وحضرموت وحيث استوطنت تلك القبائل..
وكان لهم تاريخ وملك وحضارة ذكر القرآن شيئاً منها، وكان من أشهر ممالكهم وحضاراتهم: مملكة سبأ، وربما كانت هي أشهرها وأهمها حيث كانت هي المفترق بين مرحلتين والفاصل بين عهدين كما سيتبين..
قال تعالى في وصف حضارة سبأ:
وفي هذه الآيات ما يدل بوضوح على أن مناطق كثيرة من جزيرة العرب كانت عامرة خصبة وهي التي تمتد من اليمن حيث مسكن سبأ إلى الشام التي بها القرى المباركة وذلك في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِين} [12] .
فإن معنى وجود قرى ظاهرة آمنة بين اليمن والشام امتداد منطقة خصبة كثرة الزروع والثمار جيدة المناخ كثيرة العمران طيلة المسافة بينهما.. إذ أن خصوبة الأرض دائماً تابعة لجودة الهواء والمناخ وتوفر الأمطار وينتج منهما انتشار العمران..
ثم أخبرت الآية عن حدوث التحول في هذه الحضارة، بعد انهيار سد مأرب وقضاء السيل على مظاهر حضارتهم، فتبدل حال الأرض من خصوبة إلى جدب تصوره الأنواع المذكورة في الآية:{ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} فهذه أنواع من النباتات التي لا فائدة منها وتوجد غالباً في الأراضي القاحلة، ومعنى هذا أن المناخ تبدل أيضاً وشح المطر، وينتج من هذين العاملين تضاؤل مظاهر العمران ووعورة المنطقة التي تعبر عنها الآية ببعد المسافة:{بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وكان هذا بداية تفرق هذه القبائل القحطانية ونزوحها من اليمن إلى سائر أنحاء الجزيرة، ولكن ما هذه القبائل؟
أصول القبائل القحطانية:
روى بعدة طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "رجل ولد عشر قبائل، فسكن اليمن منها ستة والشام أربعة". رواه الترمذي وأحمد وابن جرير وابن أبي حاتم ورواه ابن عبد البر في كتابه - القصد والأمَم - من عدة طرق، واستقصى الحافظ ابن كثير طرق هذا الحديث في تفسيره لسورة سبأ وبيّن أنه حديث حسن وفي بعض ألفاظه سمّى بعض هذه القبائل فقال صلى الله عليه وسلم:"تيامن الأزد والأشعريون وحمير ومَذْحج وأنمار الذين يُقال لهم بَجِيلَة وخَثْعَم وتشاءم لَخْم وجُذاَم وعامُلَة وغَسّان".
ويفصّل علماء الأنساب ذلك فيقولون إن سبأ وَلدَ القبائل القحطانية الكبرى وهي: حِمْير، وكَهْلان، وعمرو، وأشْعَر، وعامُلَة.
ومن هذه القبائل تفرعت العمائر والبطون: فمن (حمير) قضاعة ومن قضاعة جُهينة وبَلِي وكَلْب وبَهْراء وتنوخ ونَهْد ومَهْره وجَرْم، ومن (كهلان) جُذام ولَخْم وكِنْده وطيّء ومَذْحَج والأزْد وهَمْدان وبنو صُداء وخَوْلان وأنمار أما الأشعريون وعمرو وعامله فلم تتفرع إلى كثير من الفروع والمشهور لدى علماء التاريخ والأنساب أن الأشعريين بقوا في اليمن.. [13] .
أما بقية القبائل فنزحت منها إلى الجزء الشرقي والشمالي من الجزيرة، فالأزد هاجر قسم منهم إلى عُمان وقسم إلى الحجاز، وطيّء نزلت عند جبلي أجأ وسلمى، وجهينة سكنت منطقة تمتد من ينبع إلى عقبة أيلة [14] ، ومن الأزد قسم نزل بيثرب وهم الأوس والخزرج ومنهم قسم نزح إلى الشام وهم غسان، ونزحت إلى الشام أيضاً عاملة، أما لخم فسكنت العراق، وأما جذام فتفرقوا في الديار وكان قسم كبير منهم بالشام.
القبائل العدنانية:
في الوقت الذي كانت تتحرك فيه القبائل القحطانية في هجرتها الكبرى كان منتشراً في القسم الشمالي من الجزيرة العربية ما يُسمى - بالقبائل العدنانية - وهي التي تنحدر من عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام فأبو العدنانيين بالإجماع هو إسماعيل عليه السلام الذي نشأ في كنف جرهم إحدى القبائل العاربة القديمة، وصاهرهم، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم من البابليين، من العراق، وأم إسماعيل (هاجر) من مصر، فكأنما أراد الله عز وجل لحكمة عظيمة أن يغذي أصول العدنانيين بكل ذلك، ثم يشاء أن يكمل صهرهم وتهذيبهم باختلاطهم بالقحطانيين بعد الهجرة الكبرى..
ولكن من هو أبو القحطانيين؟ هل هو إسماعيل نفسه؟
هذا هو رأي بعض علماء الأنساب والمحدثين: أن عدنان وقحطان كلاهما من ولد إسماعيل، ومن هؤلاء الزبير بن بكار، وابن إسحاق، وابن حجر العسقلاني [15]، وعلى هذا القول يتخرج قول النبي صلى الله عليه وسلم لناس من أسلم:"ارموا بني إسماعيل"[16] والمعروف أن أسلم من قبائل الأنصار، والأنصار قحطانيون، وكذلك قول أبي هريرة للأنصار بعد أن روى قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وزوجه سارة:"فتلكم أمكم يا بني ماء السماء"[17] .
لكني لا أرى في قوله صلى الله عليه وسلم المذكور ولا في قول أبي هريرة ما يدل على أن القبائل القحطانية من نسل إسماعيل لاحتمال أن يكون داخل قبيلة أسلم المخاطبين في الحديث من الخلاف في أصلهم مثل ما داخل غيرها من القبائل التي اختلف في نسبتها إلى القحطانيين أو العدنانيين، هذا مع أنه روى ابن عبد البر من طريق القعقاع بن أبي حدرد أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بناس من أسلم وخزاعة وهم يتناضلون فقال:"ارموا بني إسماعيل" فيكون في الخطاب تغليب لخزاعة وفيها خلاف هل هي عدنانية أم قحطانية، وروى أحمد والبزار والطبراني عن عائشة أنه كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من خولان فأرادت أن تعتق منهم فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء سبي من مضر من بني العنبر فأمرها أن تعتق منهم، وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال:"من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحداً". وفي هذا دلالة واضحة أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل عليه السلام.
أصول القبائل العدنانية:
تنحدر القبائل العدنانية من نزار بن معد بن عدنان ولذلك يقال: كل عدناني فهو نزاري ومن نزار تفرعت القبائل العدنانية وهي:
(مضر) ومنها قيس عيلان التي تتفرع إلى بطون هي: بنو غطفان، وهوازن، وسَليم، وعُدْوان، (ربيعة) ومنها أسد ووائل، ومن أسد: عنَزَه، وجَدِيْلَة، وعُمَيْره، ومن وائل: بكر وائل، وتغلب، (خِنْدَف) : ومن أشهر عمائرها هُذَيْل (كنانة) : ومن عمائرها بنو مُدْلِج، وقريش، (قريش) وهي أشهر القبائل العدنانية وترجع كما ذكرت إلى كنانة:
روى مسلم في صحيحه والترمذي وأحمد من حديث واثلة بن الأسقع أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم".
قال ابن عبد البر: فقريش عمارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنانة قبيلته وعبد مناف بطنه.
2-
لغة العرب:
اللغة هي القدرة على تسمية الأشياء، وقد أخبر عز وجل أنها مما فضل به آدم عليه السلام فقال عز وجل:{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [18] فهذه الآيات تشير إلى أن اللغة تعلمها آدم من ربه عز وجل فيحتمل أن يكون ذلك تم بطريق الوحي فتكون اللغة حينئذ توفيقية ولكنني لا أرى في الآية ما يدل بوضوح على ذلك، إذ أن لفظة (علّم) ليست صريحة في الوحي ويمكن أن يكون ذلك قد تم بطريق آخر، وهو أنه عز وجل خلق في آدم القدرة على تسمية الأشياء ومعرفتها والإشارة إلى أشخاصها بأسمائها وألهمه ذلك إلهاماً لا عن طريق الوحي المباشر، ولا شك أن {الأَسْمَاء} في الآية يُراد بها أسماء الأشياء حيث أردفها بقوله:{كُلَّهَا} فلا معنى لحصرها في أشياء مخصوصة، إذ لا مزية حينئذ لآدم يستحق بها التفضيل على الملائكة أن يعلمه الله أسماء عدد مخصوص من الأشياء فالملائكة كذلك جبلهم الله على تسبحه وذكره ففعلوا، لكن المزية التي تستحق هذا الذكر والثناء هي تلك القدرة على تسمية الأشياء والتعرف عليها بتلك الأسماء فلما طلب من الملائكة أن تسمى لكل ما تراه من الموجودات اسماً لم تكن قادرة على ذلك فعلمت أن الله اختص هذا المخلوق الجديد الكريم دونها بما جعله أهلاً للخلافة في الأرض، وهذا التفسير مروي عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: "علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة"[19] .
هذه اللغة التي تعلمها آدم ونطق بها هي اللغة (الأم) ، ولا جدوى من أن نقول إنها كانت العربية أو العبرانية أو السوريانية لأن هذه اللغات وغيرها عبارة عن فروع امتدت وتكونت على مرّ العصور وتعاقب الأجيال من ذرية آدم، فكلها تعود إلى تلك اللغة الأم ولا تعود هي إلى واحدة منها ولذلك فإن الجهد الذي صرفه بعض العلماء لإثبات أن أول من تكلم بالعربية آدم، أو نوح، أو سام، أو جبريل كما يُروى عن كعب الأحبار، هو جهد عقيم مبني على التخمين، أو على أخبار الإسرائيلية التي لم تثبت، فلا يثبت بها حكم ولا خبر..
وقد سبق أن بينا في أول البحث أن الناس تناسلوا من أولاد نوح الثلاثة، الذين ترجع إليهم أصول الأمم بنص الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهم (سام ونوح) ، إليه تنسب (اللغة السامية) التي نطق بها ثم انتقلت إلى نسله من بعده..
ومع تكاثر (السامين) وتفرقهم في أنحاء مختلفة متباعدة من الأرض بدأت هذه اللغة تختلف لهجاتها وتتحول إلى عدد من اللغات، وهكذا كانت نشأة اللغات السامية.. وغيرها:
وعلماء اللغات يقسمون اللغات ثلاث فصائل [20] :
1-
الفصيلة الحامية السامية.
2-
الفصيلة الهندية الأوربية.
3-
الفصيلة الطورانية.
أما (الحامية السامية) - وهي الفصيلة التي تعنينا في هذا البحث - فتحتوي على مجموعتين من اللغات:
أ- اللغات السامية: وهي الآشورية، والبابلية، والآرامية، والكنعانية - ويراد بها العبرية - والفنيقية - ثم العربية، والحبشية.
ب- اللغات الحامية: وهي المصرية، والبربرية، واللغات الكوشيتية. والذي يظهر - والله أعلم بالحقيقة - أن اللغات السامية في بداية نشأتها كانت متقاربة جداً كما أسلفنا، حتى إنه ليمكن القول إنها كانت عبارة عن لهجات للغة واحدة. والدارس لهذه اللغات يستطيع أن يلحظ التشابه الشديد بينها، إذ أن أصحاب تلك اللغات كانوا عبارة عن أبناء أمة واحدة تفرقوا في منطقة المثلث (العراق، والشام، ووادي النيل، واليمن وحضرموت) واستوطنوا أنحاء بين هذه المنطقة على مدى حقب التاريخ وأنشأوا ممالك وحضارات واختلط كل قسم منهم بمن جاوره فتأثر به واستفاد منه، وهذا من أهم العوامل لاختلاف اللهجات واللغات وأحياناً لتلاشيها وضعفها، ولذلك فإن كثيراً من الباحثين يعتبر (العربية، والسوريانية، والآشورية، والآرامية، والكنعانية) لهجات للغة واحدة، ثم تمايزت بشكل كبير جعلها تتحول على مدى الأزمنة إلى لغات، والذي حمل هؤلاء على هذا الرأي وجود مفردات متشابهة بمقدار كبير في هذه اللغات (انظر الجدول الملحق بآخر البحث) . بل إن بعض الدارسين يقول: إن السوريانية: أو الآسورية أو الآشورية المراد منها اللغة العربية التي كان ينطق بها أهل سورية وأن (آسورية) لهجة محرفة من (سورية)[21] .
ووجدوا أن وجود التشابه بين (الحميرية) واللغة السوريانية أكثر من وجوه التشابه بينها وبين لغة قريش..
أما اللغة الآرامية: فقد سبقت الإشارة في أول البحث أن بعضهم يرى أن كلمة - آرام - تعني - عرب - وأن العين والباء قلبتا همزة وميماً، وأنهم ينقسمون إلى حضر وهم سكان (الهلال الخصيب) وبدو وهم سكان الأطراف الجنوبية الصحراوية من منطقة الهلال الخصيب ويسمون بدو الآراميين..
وأياً ما كان الأمر فإن الذي لا شك فيه أن كل هؤلاء أمة واحدة تسمى - السامية - أما أيهما يرجع إلى الآخر - الآراميين - أو العرب فمسألة ترجع إلى ما سبق أن أشرت إليه - من تحديث أصل بداية العرب كأمة مستقلة معروفة بهذا الاسم -
ولكنني أستطيع أن أجزم بأن أحد تلك الفروع من - السامية الأم - استطاع على مدى التاريخ أن يحافظ على أهم خصائص اللغة السامية على حين فقدت الفروع الأخرى كثيراً استطاع ذلك الفرع أن يطور لغته السامية بشكل ضمن لها النماء والتحسن مع الإبقاء على معظم الخصائص دون أن يفسدها التطوير..
ذلك الفرع هو القسم من الساميين الذي اتجه إلى الجزيرة العربية وعرف فيما بعد باسم العرب، أما لماذا كان ذلك؟
فإن السبب الرئيسي يرجع إلى طبيعة المنطقة التي استوطنها وهي منطقة صحراوية وعرة بعيدة عن المناطق العامرة بالأمم الأخرى فأعطى ذلك العرب فرصة الابتعاد عن المؤثرات المباشرة على لغتهم وفرصة أخرى لصقل ما يصلهم من الأمم الأخرى من مفردات أو لهجات حتى إنه لا يصل إليهم إلا وقد عبر مناطق صحراوية تحتم عليه التغير بشكل يلائم تلك البيئة، ويناسب أذواق تلك الأمة الفطرية البعيدة عن تعقيدات المدنيات الفاسدة المختلفة..
المراحل التي مرّت بها اللغة العربية:
مرت اللغة العربية بأدوار ومراحل، وارتقت في مختلف الفترات درجات التصاعد والتطور، حتى وصلت إلى درجة ومرحلة نهائية وضعتها في القمة بحيث أصبحت أهلاً لأن ينزل بها آخر كتب الله المنزلة، ولأن تكون وعاءً لكلام الله عز وجل..
1-
مرحلة النشأة: حيث اللغة الأم (السامية) وحيث كانت العربية في مرحلة مخاض كما سبق تفصيله..
2-
لغة العرب البائدة: وقد سبق في أول البحث أنهم: عاد، وثمود، وطُسَم، وجَدِيْس، وأمَيْم، وعَبِيْل، والعمالقة، وجُرْهُم.. وذكرنا أن مساكن عاد كانت بجنوب الجزيرة في طرف من صحراء الربع الخالي وثمود بمالها الغربي، وطسم وجديس بشرقها، والعمالقة وجرهم بالحجاز، وبمكة ويثرب..
هؤلاء هم الذين كانوا يتكلمون العربية التي استقلت عن السامية الأم وتطورت إلى أن اتخذت لنفسها شكلاً مستقلاً ونستطيع أن تعتبر عربيتهم فترة متطورة من العربية الأولى التي وجدت في فترة النشأة..
3-
لغة القبائل القحطانية: ويسميها الباحثون (الحميرية) وهذه القبائل كانت تسكن الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية - حضرموت واليمن - حيث جاوروا أقرب الأمم إليهم وهم (الأحباش) وكثر اختلاطهم بهم فتأثرت لغتهم باللغة (الحبشية) مما جعل بعض المستشرقين يعتبر (الحميرية) و (الحبشية) لغتين شقيقتين لما وجد من كثرة التشابه بينهما في المفردات والخصائص، ولا ننسى أنه لم يكن هناك مفراً أمام (الحميرية) من التأثر بشكل واسع بالحبشية بسبب هجرات اليمنيين والغزوات المتبادلة، وقد أقام (الأحباش) زمناً طويلاً باليمن وحكموها فاللغة الحميرية إذن أضافت إلى ما ورثته من لغة العرب البائدة خصائص ومفردات جديدة تأثرت كثيراً بعوامل خارجية..فبذلك هي تمثل فترة مهمة من فترات تطور العربية.. ولم تكن صالحة وحدها وهي في هذه المرحلة لأن ترشح لتلك المهمة العظيمة التي تجعلها - اللغة العربية المتكاملة الواحدة -، ألا وهي مهمة نزول القرآن بها، بل كل ما يمكن أن نقوله أنها كانت مرحلة تهيئ للمرحلة الأخيرة، وإرهاصاً من إرهاصات اللغة المختارة الكريمة المبينة التي كانت - العدنانية -
يقول المستشرق - رينان -: إن الحميرية والحبشية لم يكن لهما مكان رئيسي سوى أنهما كانتا أداتين هيئتا لظهور العربية الحجازية [22] .
4-
لغة القبائل العدنانية: وهي لغة القبائل التي تنتسب إلى عدنان بن إسماعيل عليه السلام، وكانت تسكن القسم الشمالي من الجزيرة العربية الذي يشمل: هجر، ونجد، والحجاز..
وقد سبقت الإشارة إلى أن إسماعيل عليه السلام نشأ في كَنَف إحدى القبائل البائدة - جرهم - أو هي فرع من فروعها، ويشير الحديث الصحيح [23] إلى أنه عليه السلام أعجبهم وأنفسهم - أي أنه كما يبدو فاقهم فصاحة في لغته، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل"رواه الحاكم في مستدركه والزبير بن بكار في كتاب النسب وقال الحافظ ابن حجر في حديث الزبير: إنه حسن [24] .
وتأمل قوله (العربية المبينة) تتوصل إلى كل ما نريد قوله عن اللغة العدنانية وأنها تمثل المرحلة النهائية في مراحل تطور العربية المرحلة التي بلغت فيها قمة الفصاحة - والفصاحة هي الإبانة - بعد أن كانت أقل إبانة وفصاحة، مرحلة تفتقت فيها اللغة العربية كأنها هي زهرة كانت منكمشة في كمها ثم انفتحت..
حُكي عن الشرقي بن قطامي أنه قال [25] : "إن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا جرهم وحمير".
وانظر إلى آثار حكمة الله عز وجل العظيمة لما اصطفى لغة هذه الأمة لتكون وعاءً (لكلامه المقدس) سخر لها من عوامل النماء والنقاء ما لم يتوفر لأي لغة أخرى:
أولاً: بيئة جغرافية نقية - صحراوية - بعيدة لوعورتها عن مختلف البيئات الأخرى وهذه البيئة هي أواسط جزيرة العرب التي اختارها الله مركزاً للّغة المصطفاة المتكاملة في خصائصها وثروتها اللغوية.. والتي تشمل نجداً والحجاز.
ثانياً: أوحى عز وجل إلى نبيه - إبراهيم الخليل - وهو بابلي من العراق أن يرحل بزوجه - هاجر - وهي مصرية ليتركها مع وليدها - إسماعيل - في هذه الأرض القاحلة الصحراوية من أرض الحجاز، ثم يتم اتصال - هاجر - بقبيلة جرهم فكأنما صبت الأصول: البابلية، المصرية، العربية البائدة في بوتقة واحدة لتفتق عربية إسماعيل..
ثالثاً: ثم يسخر الله عز وجل لذرية إسماعيل - العدنانيين - عاملاً آخر مهماً من العوامل التي ساعدت على نماء لغتهم وهي هجرة - القحطانيين - بعد انهيار سد مأرب واختلاطهم بهم..
فبقيت هذه اللغة - العدنانية - تأخذ طريقها إلى النمو والتصاعد لتشكل في نهاية الأمر اللغة العربية الرئيسية المتكاملة التي بقيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بينما أخذت اللغات الأخرى ومنها (الحميرية) طريقها إلى الانقراض.. حتى لم يبق اليوم إلا بقايا أثرية في الأطلال والنقوش وكتب اللغة..
نتائج البحث:
1-
اللغة العربية: أفصح اللغات البشرية، وأوسعها، وأغزرها مادة وأقواها تكويناً، والدليل على ذلك: اختيارها لتكون وعاء لكتاب إلهي عظيم بعد بين الكتب الإلهية المنزلة: المنهاج الإلهي الشامل الكامل العالمي الذي وسع جميع البشر وسائر الأزمنة المتعاقبة، فلغة اتسعت لتعبير عن هذا المنهاج العظيم - القرآن- تعد بحق أعظم لغات الأرض ولولا أنها تملك من خصائص البيان ما لا تملكه اللغات الأخرى لما أمكنها ذلك:
قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [26] .
ومثل هذه النصوص تدل على أن غير العربية من اللغات - الأعجمية - لا تملك من خصائص الإبانة والاستقامة ما تملكه اللغة العربية..
ولعلي أستطيع في وقت قريب - إذا شاء الله - أن أقدم نموذجاً من خصائص هذه اللغة التي تنفرد بها..
2-
معروف لدى جميع الباحثين من علماء اللغات أن اللغة متطورة متغيرة لأنه يستحيل أن تسلم لغة ما من عوامل التطوير والتغيير، واللغات الحية يستفيد بعضها من بعض، ولا يمكن للغة تنكمش على نفسها وتنقطع صلاتها الأخرى، والمدنيات الأخرى، أن تدوم على قيد الحياة طويلاً فلكي تستمر اللغة في الوجود يجب أن تتقبل التطوير، ولكي تزداد نمواً وازدهاراً يجب أن تتصل بلغات الأمم الأخرى وتستفيد منها..
لكن هذا الأمر دقيق عجيب، فإن بعض اللغات يقضي عليها التطوير وتتلاشى عند الاتصال بالأمم الأخرى، فهناك إذاً عوامل أخرى تصحب هذا العامل المهم ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
أولاً: استعداد اللغة في أصل تركيبها وتكوينها وخصائصها الذاتية للتطور والنمو، والقدرة على احتواء التغيرات الحضارية البشرية مهما اتسعت والقدرة على الصمود أمام مختلف العوامل المؤثرة..
ثانياً: قوة الأمة التي تتكلم بها: حضارياً، وفكرياً، وسياسياً، فإن الأمم الضعيفة التي لا تمتلك من الخصائص الحضارية والفكرية ولا يكون لها كيان سياسي قوي لا تستطيع أن تحافظ على لغتها فضلاً عن أن تنشرها وتفرضها على الناس.
ثالثاً: انتشار هذه الأمة التي تتكلم بتلك اللغة: واتصالها بالأمم الأخرى بشتى وسائل الاتصال: إما بالغزو والفتوحات، أو بالمبادلات والعلاقات التجارية والثقافية، أو بحركات الهجرة والنزوح..
وإذا طبقنا هذه العوامل الثلاث على اللغة العربية وأمة العرب نجدها متوفرة جميعها، فقوة تكوينها الذاتي يمكن أن تستنتجه مما سبق بيانه والحديث عنه عند الكلام عن نشأتها والمراحل التي مرت بها، ويكفي دليلاً عليه صمودها طوال هذه القرون والحقب، على الرغم من تعرضها لشتى العوامل الرهيبة التي تفكي للقضاء على أي لغة أخرى كاللغة - العبرية - مثلاً..
فاللغة - العبرية - كانت لغة محلية، ولم تكن تملك من الخصائص ما يؤهلها للانتشار، ولا من المميزات الذاتية ما يسمح بالاستمرار، ثم تعرضت لهزات عنيفة نتيجة تشرد أهلها وتفرقهم بدداً في أرجاء العالم فانقرضت وهي منقرضة وإن استمات اليهود اليوم (عليهم لعائن الله) في محاولتهم لإحيائها..
أما اللغة العربية فنتيجة لقوة تكوينها الذاتي وامتلاكها لخصائص النمو والبقاء لم تؤثر فيها الهزات العنيفة، ولا انتشار أهلها واسع في عدة مراحل من التاريخ كما سأبينه في النقطة التالية..
وقد سبق أن أشرت إلى حركات النزوح والانتشار التي تعرضت لها أمة العرب وكان أشهرها وأعظمها:
الهجرة الأولى: من منطقة الهلال الخصيب والرافدين باتجاه الجزيرة العربية ووادي النيل وربما شمالاً وشرقاً إلى جهات أخرى..
الهجرة الثانية: من اليمن إلى سائر أنحاء الجزيرة والرافدين والشام ووادي النيل.
الفتوحات الكبرى: وهي أعظم حركات الانتشار العربية، وقد أوصلت العرب إلى منطقة تمتد من مشارف الصين شرقاً وبلاد الهند والسودان جنوباً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ثم مشارف أوروبا شمالاً امتداداً من فرنسا وصقلية وقبرص وبيزنطة ثم القفقاس وبلاد الخزر وأواسط آسيا وفرغانة التي هي بلاد الترك، وهي منطقة كما نلاحظ تحتوي على أمم كبرى رئيسية: أمة الهند، والترك، والبربر، والروم، والفرس.
فلو أن أي أمة غير أمة العرب انتشرت هذا الانتشار لم أشك لحظة أنه كان يُقضى على سائر خصائصها ومنها - اللغة -، أو على الأقل تضعف وتنضب مقوماتها وخصائصها، لكن الذي حدث بالنسبة للعرب والعربية أن صمدت مقوماتهم وازدادت العربية قوة وازدهاراً وتماسكاً فبدل أن تحتويها كل تلك الأمم والحضارات واللغات وتطغى عليها، احتوت هي كل تلك الأمم والحضارات، وطغت على سائر تلك اللغات، ولا شك أن العاملين الآخرين كان لهما دون رئيسي في ذلك وهما: نزول القرآن دستور الإسلام باللغة العربية وتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبرية فهذان جعلا - دين الإسلام - كله عربياً، وهو دين عالمي، فكان دخول الأمم في حظيرة الإسلام دخولاً في حظيرة العربية.. وهذا أعطى اللغة العربية عامل: الفكر والثقافة والخصائص الحضارية بأوسع نطاق، فسعدت العربية بظهير حضاري لم تسعد به أي لغة أخرى حتى ولا العبرانية أو الرومانية أو غيرها..
والعامل الآخر: قوة الكيان السياسي الذي تمثل في أوج الفتوحات بشكل لم يسبق له نظير في العالم، بحيث أصبحت الدولة العربية التي حملت لواء الإسلام أقوى دولة بلا منازع، وذلك أعطى اللغة العربية الفرصة لكي تكون اللغة العالمية بلا منازع أيضاً.. فكانت لغة الفكر والثقافة والعلم والأدب، والطب والحكمة وسائر ما يحتاج إليه البشر..
3-
النتيجة الثالثة والأخيرة وهي أهم نتائج هذا البحث بل هي مقصودة ومرامه، أن - اللغة العربية المتكاملة الرئيسية - التي نزل بها القرآن كانت هي - العدنانية - بسائر لهجاتها وفروعها.. وكان الفرع الرئيسي الذي حظي بأكبر حظ من الآيات والحروف لسان قريش - أعظم القبائل العدنانية -.
ولما كانت اللغة العدنانية: البوتقة الأخيرة التي صبت فيها سائر اللغات العربية الأخرى خصائصها ومفرداتها وانصهرت فيها وجدنا أنها احتوت على أحسن ما في تلك اللغات من مفردات وخصائص واطّرحت ما لم يستحسنه لسان العدنانيين.. فاستحقت بذلك أن تكون هي اللغة الرئيسية التي انتشرت واكتسحت اللغات الأخرى: القحطانية، فإذا وجدنا من العلماء من يقول إن في القرآن لهجة أو مفردات (حميرية) فإنه يكون قد غفل عن هذه الحقيقة التي شرحناها في بحثنا هذا، أو وجدنا آخرين يقولون إن في القرآن ألفاظاً حبشية أو نبطية أو سوريانية أو عبرانية هكذا على إطلاقه فهو كذلك لم يعرف ما هي اللغة العربية ولا اطّلع على حقيقتها الرائعة، أو وجدنا آخرين يقولون إنه لا يوجد في القرآن (مُعرّب) ولا من لسان غير العرب، وأن تلك الألفاظ التي حُكي أنها أعجمية هي مما وافقت فيه لغة العرب لغة العجم تصادفاً لا عن نقل أو اقتباس فإننا نلحقه بصاحبيه ونقول له: هذا كلام من لم يفهم طبيعة اللغات جميعاً، فضلاً عن أن يدرك سر العربية، هذا هو ما حاولنا الرد عليه في بحثنا هذا، وقد استعرض فضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي طرفاً من أدلتهم وناقشها..
ملحق:
استقصى بعض الباحثين الألفاظ المتشابهة بين اللغات: الآرامية، والبابلية، والعبرية، والحميرية، والعربية العدنانية (الفصحى) ، راجع في ذلك بحثاً نشر في مجلة (المجمع العربي) بدمشق المجلد 44 الجزء 1 عدد شوال سنة 1388هـ وراجع بحثاً آخرا نُشر في مجلة (عالم الفكر) بالكويت المجلد 2 العدد 4 يناير 1972م الصفحة 1111-1114، ونحن نذكر مقتطفات من ذلك في الجدول التالي:
عربي عدناني
بابلي أشوري
عبري
أرامي سورياني
حميري
أبٌ
أبو
أب
أب
أب
ابنٌ
بنو
بنْ
برا
بن
أخٌ
أخو
أح
أحا
أحو
اثنتان
شنا
شنايم
ترين
سنيت
أخذ -يأخذ
أخوز
أحز - ياحز
أحد – نحود
أخز – ياخز
أرض
أرصتُو
أرص
أرعا، أرقا
أرضٌ
اسم
شومو
شم
شما
سم
أمٌ
أمُو
أم
أما
أم
أمّةٌ
أمْتُو
أمْهَ
أمْتا
أمةٌ
أنا
أنْكُو
أنا
أنا
أنا
إنسان
نشو
إنوش
ناشا
إنش
أنثى
اششتو
اشته
أتاتا
أُنْسَتْ
بئرٌ
بورو
بور
بر
بئر
بيتُ
بتُو
بيت
بيتا – بُوت
بيت
سلّم - سلام
شلمو
شَلَم - شَلُوم
شلما - شُلم
سلم -سلام
ومن الألفاظ المتشابهة بيت العربية (العدنانية) والآرامية:
(أبْ) بمعنى الثمرة، وفي الآرامية (آبو)
(إفك) بمعنى الكذب، " "(هِفِخ)
(بعير) اسم للجمل، " "(بعيرو)
(بقعة) ، " "(فُقْقَتُو)
(بِيَعُ) المكان الذي يتعبد فيه النصارى، وفي الآرامية (بِيعَتْوُ)
(التّبَار) بمعنى التفتيت والتكسير، وفي الآرامية تبّر بمعنى كسر
(تَنُور) بيت النار أو مكان النار، وفي الآرامية (بيْتْ نُورو)
(تجارة) ، وفي الآرامية (تَجَارُو)
(بين) ، " "(تينو)
(مثقال) ، " "(متجولو)
(ثَمّ) أي هناك، وفي الآرامية (تمُون)
(جبار) أي متسلط متكبر، وفي الآرامية (جَبُورُو)
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
العدد الثالث من السنة الثالثة المؤرخ بمحرم 1391هـ.
[2]
أعني به بحثاً نشر حول نفس الموضوع في العدد الأول من السنة السادسة المؤرخ برجب 1393هـ فقد أثار كاتبه (ص80) الإشكال حول المعرَّب في القرآن بطريقة تدل على أنه لم يطلع على البحث المشار إليه وتدل على عدم اطلاع كاف في الموضوع.
[3]
المحبر لأبي جعفر محمد بن حبيب الهاشمي ص5 (ط المكتب التجاري بيروت) .
[4]
توجد منه نسخة مخطوطة بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.
[5]
راجع تفسير الآية رقم 77 من سورة الصافات.
[6]
تفسير ابن كثير (ط الحلبي بمصر) 2 - 447.
[7]
عباس محمود العقاد في كتابه (إبراهيم أبو الأنبياء) .
[8]
الأحقاف - 21.
[9]
الحجر - 80.
[10]
عقود الجمان للقلقشندي ص19 (ط بتحقيق إبراهيم الأبياري 1383هـ بمصر) .
[11]
سبأ - 15 -19.
[12]
راجع تفسير ابن كثير لهذه الآية..
[13]
عقود الجمان للقلقشاندي.
[14]
صفة جزيرة العرب للهمداني.
[15]
فتح الباري 6 -537 (ط السلفية بمصر) .
[16]
صحيح البخاري - كتاب الجهاد.
[17]
صحيح البخاري - مناقب الأنبياء.
[18]
البقرة 31-33.
[19]
تفسير ابن جرير (ط دار المعارف بمصر) 1- 482.
[20]
علم اللغة للدكتور عبد الواحد وافي (ط السلفية بمصر) ص128 - 168.
[21]
عباس محمود العقاد في كتابه - إبراهيم -
[22]
مولد اللغة للشيخ أحمد رضا العامل (من منشورات مكتبة الحياة بيروت) ص52.
[23]
صحيح البخاري - كتاب الأنبياء.
[24]
فتح الباري (ط السلفية بمصر) الجزء 6- ص403.
[25]
رواه ابن هشام وذكره ابن حجر في فتح الباري 6-403.
[26]
الزمر - الآية 28.
[27]
النحل - الآية 103.
الهَوَس الفكرِيّ
بقلم الأستاذ مرزوق بن محمد الدوسري
مراقبة المطبوعات بالمدينة
يحكى أن مدخولاً قد زال عقله، وذهب بصره، وفقد سمعه، خرج ذات يوم من داره هائماً على وجهه في متاهات شاسعة لا حدّ لها نهاية، وبقي سائراً على قدميه، شاخصاً بصره، رافعاً عقيرته إلى أن أعياه السير، وأنهكه الضنى فخر صريعاً على وجهه. ولما أفاق من غيبوبته، واستعاد شيئاً من نشاطه وقف على صخرة، وراح يخطب بأعلى صوته آمراً مرة وناهياً أخرى وموجهاً ثالثة. ولما لم يسمع صوتاً يرد عليه، ولم يقم أحد يضع الوثاق في يديه، اعتقد أن الأمر قد صار له، وأن الكل طوع بنانه، وأنه هو الآمر الناهي، الموجه المرشد الذي يستطيع أن يبني ويهدم، ويخطط ويشرع معتمداً على ما بقي في ذهنه من خليط بين أفكار مجنون وأحلام نائم.
ذكرني بهذه القصة أولئك الذين أصموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم، وراحوا يصرخون إما في إذاعة أو يقذفون في كتاب بأفكارهم المريضة وآرائهم السخيفة، غير مبالين بما يكون لذلك من نتيجة. ذلك أنهم لا يهتمون بالنتائج بقدر ما يهتمون بقول ما قيل لهم أن يقولوه. أي أنه لا يهمهم إلا أن يضعوا ما حملوا به سفاحاً من أفكار ليست حاجة هذا الشرق هي التي والدتها في أذهانهم، وإنما ولدتها حاجة أنفسهم التي فقدت أصالتها وثقتها بعد أن نفث في روعها أنها لا تستطيع البقاء في الحياة إلا إذا تفاعلت مع العدو، وانصهرت في بوتقته فكرياً، وعقائدياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، هذا الاعتقاد الراسخ لدى هؤلاء بعدم القدرة على البقاء في الحياة، والاعتماد على النفس هو الذي حملهم على أن يجعلوا من أنفسهم أبواقاً لأعداء هذه الأمة وعوامل هدم وتخريب لكنها والحمد لله أبواق مبحوحة وعوامل مغلولة ليس نصيبها من الفشل والعجز عن التأثير بأقل من نصيب كل محاولة سبقتها للنيل من هذه الأمة.
ولئن كانت العوامل الكثيرة والظروف الحاضرة قادرة على أن تساعد هؤلاء على رفع أصواتهم، وأن تمكنهم من الوقوف وقفة الجريء فإنها غير قادرة على أن تجعل منهم أبطلاً حقيقيين ذوي نفوذ قوي، وأفكار فعالة تستطيع التأثير في كيان هذه الأمة، ذلك أن هذه الأمة قد اعتادت رفض العناصر الغريبة التي تطرأ على كيانها، وهؤلاء بحكم ثقافتهم الملوثة، وعقائدهم المشبوهة غرباء. غرباء عن مشاكل هذه الأمة التي تعيشها. غرباء عن آمالها التي تطمح إليها. غرباء عن أهدافها التي تسعى لتحقيقها. غرباء في أطوارهم وتأملاتهم، وهذا ما قادهم إلى المفاهيم الجديدة التي يريدون الخروج بها على العالم الإسلامي مع مخالفتها لكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هذا ليس دليل رشد في العقل، ولا حكمة في القول، وإنما دليل جهل وغطرسة وقلة دراية بالشريعة الإسلامية، وبطبيعة هذه الأمة، ولا أعني بالطبيعة ما انطبع عليه القوم من تقاليد وعادات قومية وعنصرية وإقليمية، وإنما أعني ما انطبع في قلب المسلم من حب لعقيدته وتشبت بها، وتفان في سبيلها وكراهية شديدة للذين يحاولون تشويشها وتحريفها.
ولو أن هؤلاء يدركون الحقيقة لعلموا أن ما يقومون به من محاولات لجرف هذه الأمة من قلعة عزها وحريتها إلى حظيرة الذل والاستعباد إنما هو عبث لا فائدة منه ولا طائل لهم، وبالتالي لرفقوا بأنفسهم من هذا الضجيج الأهوج والادعاء الكاذب.
لقد رفع هؤلاء شعارات محببة لكل مسلم ألا وهي العمل من أجل الإسلام. العمل من أجل الأمة. العمل من أجل الإنسانية. ولكنها شعارات غير قادرة على أن تخفي ما وراءها من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت لا تؤمن بالشعارات بعد أن روعت في أكثر من مناسبة بما وراءها من مقاصد سيئة وأغراض دنيئة الأمر الذي جعلها تشك في كل داعية مجهول الهوية فتمحص سلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع غيره قبل أن تفتح له قلبها، وتصغي إلى ما يقول. وأمة وصلت إلى هذا الحد من الحذر والحيطة عسير على الأدعياء أن ينالوا منها شيئاً، أو يجدوا لهم مكاناً في أرضها وبين صفوفها.
إن هؤلاء قادرون بحكم الظروف الراهنة أن يتكلموا من الإذاعات، وأن يحتلوا الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات، وأن يتحكموا في دور النشر والطباعة، ولكنهم غير قادرين على أن يصلوا إلى القلوب المؤمنة والعقول السليمة لعظم البون بين ما تحمل الأقلام المأجورة من أفكار رديئة، وما يعتقد المسلم من دين قويم.
ماذا عسى أن يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يلغي نصاً من النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية متى كان ذلك النص معارضاً لنظريات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فرضتها المبادئ الإلحادية، أو متى كان ذلك النص محذراً المسلم من موالاة أعداء دينه، وموادتهم والاتكال عليهم..
أو ماذا يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يجتهد في القرآن برأيه، ويعتقد أنه يفوق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفهم له، وأنه جدير بأن يوجد نظاماً إسلامياً يجتمع فيه كل إنسان حتى ولو كان شيوعياً لا يؤمن بالله ولا يعترف بالأديان، أو وثنياً يعبد الأشجار والأحجار، ويلوذ بالطواغيت من دون الله.
إن نصيب مثل هذا الكاتب عند عامة المسلمين كنصيبه عند خاصتهم ليس إلا المقت والازدراء والسخرية، وبالتالي ليس لما يكتب من مكانة في القلوب ولا أثر في النفوس اللهم إلا ازدياد النفور من ضلالاتهم، والحذر من أحابيلهم.
إن أكبر مصيبة هؤلاء على أنفسهم أنهم يكتبون ناقدين، ويكتبون موحين على حد زعمهم، ثم يصرحون بأنهم لا يأبهون بمن يكتبون عنهم أو لهم أي أنها لا تهمهم النتائج المترتبة على ما يكتبون، وسبب ذلك شيئان: أحدهما أنهم يكتبون طبقاً لما يوحى إليهم أي أنهم يكتبون بغير إرادة متحررة من الضغوط الهائلة المفروضة عليهم فرضاً قسرياً. وثانيهما أنهم يعلمون للهدم والتخريب لا للبناء والتعمير. وفرق بين من يريد البناء ومن يريد الهدم فالذي يريد البناء يضع كل شيء في مكانه ثم يتفقده بعد ذلك فما كان صالحاً أبقاه وما كان فاسداً أبدله، أو ناقصاً أكمله. أما الذي يريد الهدم فإنه لا يهمه إلا تقويض البنيان وإزالة معالمه.
وأصحاب الفهم الجديد للقرآن الذين يريدون تحريف نصوصه وتعطيل أحكامه مجاراة للقوى المادية، والعقائد الإلحادية، لا يريدون بناءً للمجتمع العربي ولا بقاء للدين الإسلامي ولا حياة للأمة الإسلامية وإنما يريدون تقويض هذا المجتمع، وطمس معالم هذا الدين، والقضاء على الأمة التي تلاحمت تحت رايته، لأن من المستحيل أن تجتمع العرب على غير شريعة الله وأن يبقى دين محرف كتابه، ومعطلة أحكامه، وأن تحيي أمة ذات عقيدة سماوية تحاد الله ورسوله، وتواد أعداءه وتواليهم، وتعتبر الكفرة الفجرة أعواناً والملاحدة أنصاراً. فالذين يريدون الالتحام مع الملاحدة والتعاطف معهم، والانقياد لهم إنما يريدون تذويب الشخصية العربية والإسلامية على حد سواء.
أجار الله الأمة العربية والإسلامية من المهوسين فكرياً، والمنحرفين عقائدياً، والمنحلين أخلاقياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قضَايا أسَاسيَّة في تطوير المكتَبة العَرَبيَّة والإسلاميَّة
بقلم عيد عبد الله عيد السيد: خبير مكتبة الجامعة الإسلامية
يعالج هذا المقال في إيجاز شديد اهتمام الإسلام بالعلم وتدوينه، وتاريخ المكتبات الإسلامية وعصور ازدهارها ثم اضمحلالها ويعرض للحديث عن خزانة الحكمة في بغداد وكتبة قرطبة في الأندلس والمكتبات في مصر الفاطمية.
ثم يعالج المقال قضية إحياء التراث والاهتمام بالمخطوطات ونعود فنسأل عن ماهية المكتبة في العصر الحديث؟ وعن موقع أمين المكتبة من الثقافة ودوره فيها؟ ثم نعرض في صراحة نواحي النقص في المكتبات العربية وكيفية علاج هذا النقص ونتساءل هل تؤدي المكتبة العربية حالياً رسالتها؟ فيجرنا ذلك للحديث عن النظم الفنية فنعرض للفهرسة وأنواعها ومشكلاتها وكيفية معالجة هذه المشكلات ونتحدث عن التصنيف وخططه وفلسفته ومشكلاته وكيف نسد الثغرات عند تطبيقه؟ وننتهي بالحديث عن الحاجة الشديدة إلى إعداد قوائم برؤوس الموضوعات لمختلف أنواع المكتبات العربية..
اهتمام الإسلام بالعلم:
الحمد لله الذي أنعم على الإنسانية برسالة الإسلام وصلى الله عليه وسلم على المثل الأعلى والأسوة الحسنة للبشرية محمد بن عبد الله صفوة خلقه أجمعين وبعد:
يقول الحق تبارك وتعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [1] .
كانت هذه الآية أول سورة نزلت من القرآن الكريم تنبئ رسولنا صلى الله عليه وسلم بالرسالة وتنطق أول كلماتها بالدعوة إلى القراءة التي هي مفتاح التعلم، وتذكر القلم وهو وسيلة الكتابة ونقل العلم والمعرفة وحسب المسلم هذا ليعلم مكانة العلم والعلماء في الإسلام.
على أن الدعوة إلى العلم - في القرآن الكريم - بارزة في كثير من آي الذكر الحكيم قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون} [2] وقال جل من قائل: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات} [3] وقال: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [4] إلى غير ذلك من آيات بينات.
ويمكن القول بلا تحفظ بأن الإسلام خاطب عقل الإنسان وحواسه ومشاعره وجوارحه، ووجهه إلى النظر والمشاهدة والتأمل والاعتبار وغير ذلك من أمور تدفع إلى المعرفة وتنشد الوصول إلى الحقيقة وإن اهتمام الإسلام بالعلم ليس له مثيل أو نظير في غيره من نظم أو أديان حديثة كانت أم قديمة وإذا أردنا أن نعرف مقام العلم في الإسلام فلنرجع بعد القرآن الكريم إلى ما ورد في شأن ذلك على لسان سيد المرسلين إذ يقول:"طلب العلم فريضة على كل مسلم".
ولم يقتصر الأمر النبوي على طلب العلم الشرعي بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى تعلم كل ما يعود على المسلمين بالخير أو يدفع عنهم الشر، من هذا أنه صلى الله عليه وسلم أول ما قدم إلى المدينة أمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم لغة اليهود لأنه لا يأمنهم على دينه [5] .
أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل: "العلماء ورثة الأنبياء" وهذا يدل على أن منزلة العلماء من أرفع المنازل في الإسلام بعلمهم وعملهم وتعليمهم وإرشادهم للمسلمين.
ولقد بلغ التشجيع العلمي أوجه عند المسلمين وفتح باب العلم للجميع لا يدفعه دافع ولا يمنعه مانع والتزمت الدولة الإسلامية دائماً بأداء واجبها تجاه العلم والعلماء وتولد عند المسلمين نشاط علمي واسع في ميادين المعرفة المختلفة لم يعهده التاريخ. ولقد حقق هذا النشاط ازدهاراً حضارياً رائعاً لقرون تسعة من تاريخ الإسلام.
نشأة المكتبة الإسلامية:
وربما كنا على حق إذا قررنا أن المكتبات في الإسلام قد نشأت بنزول القرآن الكريم وإن الكتب لازمة من لوازم المسجد لأننا نعلم أن المسجد لم يكن مكاناً خاصاً للعبادة فقط بل كان معقد حلقات العلم ومركز إدارة الخلافة ومنطلق الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين.
وماذا يمنع أن تكون أولى المكتبات الإسلامية في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يجمع في بيته ما يدون من الوحي ثم نقلت الصحف من بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر بعد أن جمعت في مصحف على يد زيد بن ثابت ثم حفظت هذه الصحف عند عمر بن الخطاب أيام خلافته وبقيت عند حفصة حتى نسخ منها مصحف عثمان بن عفان ووزع على الأقطار والأمصار الإسلامية.
ويمكن القول بأن المكتبات الإسلامية قد ظهرت بصورة واضحة في نهاية القرن الثاني للهجرة إذ زودها الخلفاء والأمراء وغيرهم من العلماء والأفاضل والأثرياء بما تحتاج إليه من الموظفين ومواد الكتابة (الورق - الرق - البردي.. الخ) ولقد زودت مثل هذه المكتبات بكتب هامة في مختلف العلوم وتبارى الخلفاء والأمراء في اقتناء أنفس الكتب وأكثرها ندرة مهما كلفهم ذلك من أموا ل طائلة [6] .
ولقد ورد في مقالنا (مناهج البحث وطرائقه عنه المسلمين) المنشور في العدد الثالث من السنة الخامسة في المحرم سنة 1393هـ بمجلة الجامعة الإسلامية أن العلم منهج وطريقة وأسلوب وإن تحصيل العلم يتم بطرائق متعددة أشهرها التلقين والتعليم الذاتي وكلتا الطريقتين تعتمدان اعتماداً أساسياً على الكتاب. فالكتاب هو الأستاذ الدائم للباحث بعد أن تنقطع علاقته بكل أساتذته من البشر. وقد عرف الإسلام الحنيف قيمة الكتاب فأطلق اللفظ على القرآن الكريم باعتباره مجمل المعرفة الإنسانية ومفتاحها والدافع إليها {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} .
روى ابن النديم: قال أبو معشر في كتابه (اختلاف الزيجات) : "إن ملوك الفرس بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم وحرصهم على بقائها على وجه الدهر أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث وأبقاها على الدهر"ولقد كنت هذه الكتب التي تحدث عنها ابن النديم وبركلمان المستشرق الألماني أساساً لكتب تنقل إلى العربية منذ العصر الأموي.
ولعل فيما سبق بيانه من اهتمام الإسلام عقيدة وشريعة بالكتابة والتعلم واهتمام المسلمين منذ مطلع الوحي بالعلم والعلماء ما يدحض الفرية الشهيرة التي لا زال يرددها بعض المستشرقين والحانقين على الإسلام من أن الخليفة العادل عمر بن الخطاب قد أمر بحرق مكتبة الإسكندرية عند الفتح العربي لمصر. على أن الثقاة من كتّاب التاريخ كالمقريزي والطبري وابن الأثير قد دحضوا هذه الفرية بما فيه الكفاية كما شاركهم في ذلك لفيف من كتّاب التاريخ الأجانب منهم بارسون في كتابه (تاريخ مكتبة الإسكندرية) .
Parson: History of Alexandrian Library.
ازدهار المكتبات الإسلامية:
ولقد اتسعت المكتبات في العصر العباسي حتى إن هذا العصر يعد بحق عصر الموسوعات العلمية والمكتبات الإسلامية ولقد ساعد على ذلك اتساع حركة التأليف والترجمة وتقدم صناعة الورق التي هي أساس صناعة الكتاب ومن أشهر مكتبات ذلك العصر.
خزانة الحكمة أو بيت الحكمة في بغداد:
ولكن هل كانت مكتبة فقط أم مكتبة ومعهداً ومرصداً؟ وأين مكانها؟ وهل أنشأها الرشيد أو المأمون؟ ومنها نظامها؟ وماذا كان بها من أعمال؟
الغالب أن الرشيد هو الذي أنشأ هذه المكتبة وجمع إليها ما كان قد نقل إلى العربية من كتب علمية وطبية وغيرها بالإضافة إلى ما ألف وصنف في العلوم الإسلامية مع ما سعى إليه يحيي بن خالد في جمعه من كتب الهند وما وقع للرشيد من كتب الروم في أنقره وغيرها من الأمصار.
ولما تولى المأمون أنشأ مجالس الترجمة وجمع في بيت الحكمة كتب العلم بلغاتها اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية فضلاً عن العربية.
ونرجح أن يكون بيت الحكمة هذا مجلساً للترجمة أو للنسخ أو للدرس أو للتأليف وربما كان يجلس النساخ في أماكن خاصة ينسخون فيها الكتب لهم ولغيرهم بأجر أو بلا أجر ولعل الأمر كان كذلك بالنسبة للمترجمين والمؤلفين والمطالعين.
ومن نساخ بيت الحكمة الذين ورد ذكر شيء عنهم في كتاب الفهرست علان الشعوبي [7] وأصله فارسي يُقال أنه راوية عارف بالأنساب والمناظرات وأنه عمل نساخاً في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة. وينسب إليه كتاب (في مثالب العرب) .
وذكر أن محمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن منصور الموصلي صاحب الأرصاد في عصر المأمون والفضل بن نوبخت المنجم وأولاد شاكر وغيرهم كانوا من بين المترددين على بيت الحكمة للمطالعة أو التأليف.
ولا بد أن يكون لبيت الحكمة هذا قيم يديره يُسمى صاحب بيت الحكمة وممن يُقال أنه شغل هذا المنصب سهل بن هارون.
وكان في بيت الحكمة مجلدون إذ يقول ابن النديم: "إن ابن أبي الجريش كان يجلد في خزانة الحكمة للمأمون" ولقد بقيت هذه المكتبة إلى عهد ابن النديم ونقل عنها.
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية أن أول مكتبة عامة هي مكتبة دار الحكمة التي أنشأها المأمون في بغداد وجمع لها الكتب اليونانية من الإمبراطورية البيزنطية وترجمت إلى العربية وكانت المكتبة تحوي كل العلوم التي اشتغل بها العرب وقد ظلت إلى مجيء التتار سنة 656هـ.
مكتبة قرطبة:
ولقد أنشأ المستنصر بن الناصر في الأندلس في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من جميع أرجاء العالم بل كان يبعث في شرائها رجالاً من التجار ومعهم الطائل من الأموال منافسة لبني العباس في اقتناء الكتب، ويُقال إنه اشترى كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني بألف دينار من ذهب ويقدر ابن خلدون والمقري مجموع ما حوته هذه المكتبة بما يصل إلى أربعين ألف مجلد (000ر40)[8] .
وكانت هذه المكتبة تشغل قاعات بقصر قرطبة وأقيم عليها مدير أو مشرف كما وضعت لها الفهارس لكل موضوع من موضوعاتها وذكر أن فهارس الدواوين وحدها بلغت 44 أربعة وأربعين
فهرساً في كل فهرس عشرون ورقة [9] .
وقد انتشرت المكتبات في سائر بلاد الأندلس حتى قيل بأن غرناطة وما حولها كان فيها سبعون مكتبة ولعل حب الكتب كان سجية في سكان تلك الديار أو لعل اقتناء الكتب كان من شارات الوجاهة والرئاسة عندهم. وقد ظلت مكتبة قرطبة حتى بيع أكثرها في حصار البربر ثم أجهز الفرنج على الباقي منها.
المكتبات في مصر الفاطمية:
واقتدى بخلفاء بني العباس في بغداد وبني أمية في الأندلس الخلفاء الفاطميون في مصر فحينما تولى الخلافة العزيز بالله سنة 365هـ استوزر يعقوب بن كلس [10] وكان الخليفة محباً للكتب فكلفه بترتيب الدواوين وتقريب العلماء. ولقد جمع من الكتب جانب كبير في قصر الخليفة في قاعات سميت (خزانة الكتب) وقد بذلت أموال طائلة في الحصول على المؤلفات المهمة في التاريخ والأدب والفقه وغير ذلك وذكر أنه كان بهذه المكتبة أكثر من ثلاثين نسخة من كتاب العين للخليل بن أحمد بخط يده وعشرون نسخة من كتاب الطبري ومائة نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد وكان عدد النسخ يزداد بمرور الأعوام حتى بلغ عدد النسخ من كتاب تاريخ الطبري عند استيلاء صلاح الدين الأيوبي على مصر 1200 نسخة وكان فيها 3400 ختمة قرآن بخطوط منسوبة محلاة بالذهب فلا عجب أن يقول المقريزي أنها كانت تحتوي على مليون ألف 000ر006ر1 مجلد [11] في الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ والنجامة والروحانيات والكيمياء ومنها 000ر18 كتاب في العلوم القديمة فيها 6500 جزء من كتب النجوم والهندسة والفلسفة والفلك على أنه مهما كان من مبالغة في عدد هذه الكتب إلا أنها تدل دلالة واضحة على اهتمام بالغ بشأن الكتب والمكتبات.
وكان للعزيز عناية كبيرة بخزانة يتعهدها بنفسه حيناً بعد حين وقد رتب لها قيماً يتولى شؤونها ويجالسه ويقرأ له الكتب وينادمه وممن تولى ذلك أبو الحسن الشابشتي [12] .
أما دار العلم أو دار الحكمة فهي غير خزانة العزيز أنشأها ابنه الحاكم بأمر الله سنة 395هـ وقد اعتبرها البعض مدرسة اعتماداً على أن الحاكم أقام بها القراء والمنجمين وأصحاب النحو واللغة والأطباء وأجرى لهم الأرزاق. وأباح الدخول إليها لسائر الناس وجعل فيها ما يحتاجون إليه من الحبر والأقلام والورق وكانت تجري بها المناظرات العلمية إلى أن أبطلها الفضل بن أمير الجيوش بدر الدين الجمالي ولكن ابن البطائحي أعادها سنة 517هـ وقد وصل عدد الكتب بها إلى ما يقرب من 000ر100 كتاب.
وخلاصة القول أن المسلمين جمعوا في مكتباتهم العامة والخاصة من الكتب على اختلاف موضوعاتها ما يعد بالملايين وللأسف لم يبق منها إلا جزء صغير جداً أما معظمها فقد ضاع بتدهور الحضارة الإسلامية وتخلف المسلمين.
المخطوطات العربية:
ويوجد من كتب التراث الإسلامي الكثير محفوظاً حتى اليوم في مكتبات اكسفورد وكمبردج ولندن والمكتبة الأهلية في باريس ومكتبة الاسكوريال في مدريد وفي مكتبات برلين وليبزج وهامبورج وميونخ وليننجراد وطشقند وليدن وأمستردام وفينا وابسالا وكوبنهاجن ومكتبة الكنجرس الأمريكية وتعتبر مكتبة جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية أجمع مكتبة للمخطوطات العربية في الأمريكيتين..وقد وفق الأستاذ فلوجل ناشر كتاب الفهرست وكتاب كشف الظنون إلى إحراز قوائم المكتبات العربية على ما بلغت إليه قبل النهضة الأخيرة وشيوع الطباعة في الشرق في لبنان ومصر بالذات وذيل كتاب كشف الظنون بأسماء تلك الكتب بحسب موضوعاتها وقد بلغ مجموع الكتب بالقسطنطينية وحدها 27445 كتاباً أما ما بقي ففي مصر ودمشق وحلب ورودس ومجموع كتبها 2400 والباقي في المكتبات العامة ربما يصل إلى نحو 000ر30 كتاب، وهذه الكتب مخطوطة وتمثل بلا شك ثروة علمية عظيمة تحتاج إلى العناية والرعاية والحفظ من جميع ما قد تتعرض له من عوامل التلف بفعل الأرضة والسوس والحشرات والرطوبة والتعفن ومن العوامل العابثة الأخرى كالحريق والسرقة والغرق وانتقام الجهلاء عند وقوع الحروب وغير ذلك.
ومن خير الوسائل لحفظ هذا التراث أخذ صور فوتوغرافية كبيرة عن أصولها وتجليد تلك الصور كالكتب تماماً ووضعها للتداول بين أيدي الباحثين من أهل العلم وعشاقه على أن تبقى أصول هذه المخطوطات في المكتبة محفوظة بكل رعاية وبكل وسيلة من وسائل الحفظ.
ويمكن تصوير هذه المخطوطات على أفلام دقيقة (ميكروفيلم) توضع في قطع معدنية صغيرة في علب على كل منها اسم الكتاب المصور ويكن تكبير هذه الأفلام عند الحاجة إليها أو لمن يطلبها من الباحثين.
ولا تزال أكثر المكتبات في البلاد العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى العناية بما لديها من مخطوطات إذا استثنينا منها دار الكتب المصرية والمكتبة الظاهرية في دمشق.
ولعل في إنشاء معهد إحياء المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية ما يمكن في المدى القريب - إن شاء الله - من حفظ التراث العربي من الضياع وعسى أن يتمكن هذا المعهد من نقل صور لكل المخطوطات التي خرجت من أيدينا ورحلت إلى المكتبات الأوروبية، ونحن نعلم أن في هذا المعهد الآن خبراء متخصصين في أيديهم الوسائل والأدوات الحديثة التي تساعدهم في أداء مهمتهم ولكني أطالب بالمزيد من الخبراء والعاملين والمزيد من الدعم المالي ليتمكن المعهد من أداء دوره الخطير في حفظ التراث الإسلامي.
ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بدأ العرب يحاربون التخلف ويستعيدون ما كان لهم من حضارة أو هكذا هم يحاولون وقد أصبح عندنا في جميع البلاد العربية مكتبات كثيرة من حيث العدد فعندنا مكتبات عامة ومكتبات للوزارات والجامعات والمجامع العلمية والمدرسية. . . الخ. ولكن علينا أن نحدد بالضبط ماهية المكتبة في العصر الحديث.
معنى كلمة مكتبة:
كلمة مكتبة لا تحمل في الواقع معنىً محدداً فهي قد تطلق على أي مجموعة من الكتب كما تستخدم عند الناشرين وبائعي الكتب وإنما مفهوم المكتبة كما نرجوه ونبتغيه هو أن المكتبة "مجموعة من الكتب هيئت لها كل الظروف لكي تحدث ما يمكن أن تحدثه من أثر"ويفهم من هذا أن الكتب التي لا تستعمل استعمالاً كاملاً والتي لم ترتب ترتيباً مدروساً والتي لم تفهرس فهرسة شاملة والتي لا تلقى مجهوداً إيجابياً لتنشيط استعمالها ليست في الحقيقة سوى مكتبات ميتة.
ولعلنا لا نختلف في أن قيمة الكتاب هي في استعماله والانتفاع به وعليه فأي كتاب لا يستعمل ولا ينتفع به يعتبر هملاً وسقطاً، فإذا قلنا إنه كتاب نادر فمن الطبيعي في تلك الحالة أن يكون مكانه المتحف لا المكتبة.
موقع أمين المكتبة من الخدمة المكتبية:
على أن معرفة أمين المكتبة أو مديرها المسئول بالكتب والمطبوعات ومصادر البحث وأدواته وطرقه معرفة شاملة في أكثر من ناحية من نواحي المعرفة الإنسانية أمر مرغوب ومطلوب هذا بالإضافة إلى تمرسه بأساليب الإعداد والتنظيم في النطاق العلمي التطبيقي لسلسلة من الإجراءات الفنية مثل اختيار الكتب وفهرسها وتصنيفها وإعارتها واستردادها وخدمة المراجع والإرشاد والبحث. . . الخ.
فنحن نريد لأمين المكتبة في عالمنا العربي أن يكون رجل إدارة يحسن توزيع المسئوليات وتقسيم الاختصاصات واختيار المساعدين وتولي عمليات الشراء بالنسبة للكتب والمواد العلمية ووضع اللوائح للمكتبات وتدبير وسائل التعاون مع المكتبات الأخرى.
ونريده في نفس الوقت رجل دعوة وإرشاد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، نريده رجل تعليم وتوجيه يدعو المترددين على المكتبة فيستجيبون له يجمعهم في مكتبه فيناقشون ويبحثون ويدفعهم إلى أن يقرؤون ويتعلموا مع حرص منه على رفع مستوياتهم ودفع حصيلة الفكر والثقافة في محيطه نحو آفاق أوسع وأصلح.
نواحي النقص الرئيسية في المكتبات العربية:
على أن المكتبات في عالمنا العربي لا تزال تقوم بدور ثانوي بالنسبة لغيرها من المؤسسات رغم أنه يمكن لها أن تكون السند الواقي لكل نهضة مرتقبة أو تقدم منشود. وتعاني هذه المكتبات من نواحي نقص رئيسية تمثل عقبة كئودا أمام مستقبلها وتقدمها من ذلك:
1-
انعدام الإشراف على جميع المكتبات مع وجود وحدات لمكتبات صغيرة وقليلة وغير مترابطة.
2-
ضآلة المخصصات المالية للمكتبات وعدم كفايتها وقلة اهتمام الحكومات العربية بزيادتها أو تدعيمها حتى الآن.
3-
نقص التشريعات واللوائح والقوانين والقرارات الخاصة بالمكتبات إن لم نقل انعدامها.
4-
قلة الأيدي العاملة الفنية المتخصصة أو المدربة في حقل المكتبات القادرة على تحقيق الإدارة السليمة والتطوير المرتقب.
وبالنسبة للمكتبات الجامعية دون غيرها من أنواع المكتبات الأخرى نجد أن الحاجة قائمة وملحة إلى ضرورة توافر هيئة من الأخصائيين في فن المكتبات يكفي عددهم لتغطية خمس مجالات في نطاق العلم بالمكتبات وهي الإدارة والمراجع والإرشاد والخدمة المكتبية والإعداد الفني للمواد المكتبية من كتب ومواد علمية أخرى كالمجلات والمخطوطات والمصورات وغير ذلك من أدوات المعرفة ويلزم تدبير عدد يتناسب مع عدد الأخصائيين من الكتابيين وعمال الخدمة والمناولين.
والسؤال الآن هل يمكن أن نقوم أداء المكتبة ونبين مدى ما تحققه من خدمة حالية وما يمكن أن تقدمه من خدمات مستقبلاً؟
الجواب على هذا التساؤل هو الذي نؤخره إلى المقال القادم إن شاء الله..
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
العلق: 1-5.
[2]
الزمر:9.
[3]
المجادلة:11.
[4]
يوسف:76.
[5]
محمد عجاج الخطيب (السنة قبل التدوين) ص38 - 39.
[6]
أحمد شلبي - تاريخ التربية الإسلامية جـ4 - ص146.
[7]
ابن النديم: الفهرست: ص105.
[8]
نفح الطيب جـ1-ص361 وما بعدها ط المكتبة التجارية.
[9]
ابن خلدون، جـ4، ص146.
[10]
يعقوب بن كلس يهودي أسلم واستوزره العزيز بالله.
[11]
المقريزي، السلوك، جـ1،ص408- 409.
[12]
ابن خلدون جـ 1،ص338.
مُشارَكَة الجَامعَة الإسلاميَّة فِي مَعرضِ الكتابِ السُعُودي
بقلم صالح بن أحمد الغامدي: مدير شؤون الطلبة بالجامعة
تعيش بلادنا العزيزة نهضة علمية كبرى سريعة الخطا تتمثل فيما تبذله حكومة جلالة الملك فيصل المعظم على العلم والمكتبات والمؤسسات العلمية وقد أخذت على عاتقها تشجيع كل الحركات الثقافية الهادفة إلى إحياء التراث الإسلامي والعربي وفي الأيام القريبة الماضية أقيم في الرياض مؤتمر الإعداد الببليوغرافي للكتاب العربي تحت رعاية وزارة المعارف الجليلة وصدرت عنه عدة قرارات وتوصيات حول الاهتمام بالكتاب العربي والتراث الإسلامي وكيفية تنسيقه وتقريب الاستفادة منه.
وبهذه المناسبة أقيم معرض الكتاب السعودي في درا الكتب الوطنية بالرياض شاركت فيه كثير من المؤسسات العلمية والوزارات والمصالح الحكومية بما أنتجته من مطبوعات في مجال العلم والثقافة وكانت الجامعة الإسلامية قد اشتركت في هذا المعرض بمجموعة كبيرة من منشورات ومؤلفات هيئة التدريس فيها وقد اغتنمتها فرصة طيبة فقامت بتوزيع كمية كبيرة من الكتب الإسلامية على وفود المؤتمر والسادة الزوار.
والحقيقة أن إقامة مثل هذا المعرض يعتبر من الأعمال الجليلة التي تستحق التقدير وذلك لما يترتب عليه من إبراز النشاط العلمي والثقافي في بلادنا وإتاحة الفرصة للمواطن للإطلاع على ما ينتجه أبناء وطنه وما يقدمونه من خدمة لدينهم وبلادهم ولا يفوتني أن أذكر هنا الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل إنجاح المعرض حتى ظهر عملاً مشرفاً اتضح فيه التنسيق الجميل والعرض الرائع، الأمر الذي يجعلنا نتطلع دائماً إلى المزيد من الأعمال الخيرة والجهود المخلصة وقد تفضل سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بالموافقة على إهداء ما عُرض من مطبوعات الجامعة الإسلامية والكتب التي قامت بعرضها لدار الكتب الوطنية كعادة سماحته في دعم وتشجيع كل ما له علاقة بخدمة العلم وطلابه فجزاه الله خيراً.. وشكراً للمسؤولين في وزارة المعارف ودار الكتب على ما قدموه من خدمات ورعاية لهذا العمل وأسأل الله أن يمن على هذه البلاد بدوام التقدم ونعمة الأمن والاستقرار إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..
العقيدة بين الفلسفة والوحي [1]
للشيخ عبد الوهاب لطف الديلمي
أما الجملة الأولى من كلام (لوبون) فهي مسلم بها لأن الإيمان فطري وهو الذي أطلق عليه كلمة (لا شعوري) وهذا الإيمان قد يُدّعم بالأدلة والبراهين فيصبح قوياً ثابتاً لا يتزعزع، وقد يكتفي صاحبه بمجرد الاستسلام والتصديق. والذين لا تظهر ثمرات الإيمان في أعمالهم كالمخرّفين والمتنكبين عن الجادة هؤلاء تبرز علامات الإيمان الكامن في نفوسهم عند الشدائد والأزمات، حين يفقدون كل حيلة يمكن الخلاص بها مما هم فيه من المآزق، فيرجعون حينئذ إلى مصدر القوة العليا المهيمنة والمسيطرة على الكون كله، والتي بيدها الضرر والنفع، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاه} - {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} .
غير أن (لوبون) لم يصب في سائر عبارته وذلك في نقطتين:
الأولى: قوله: إن العقيدة تكره الإنسان على التصديق بقضية من القضايا من غير دليل..
وهذا كلام باطل لا أصل له من الصحة.. ذلك أن العقيدة كثيراً ما تقوم بالبرهان والحجة، ولم يكن هناك في العقيدة السليمة ما هو إيمان أعمى لا يعرف الإنسان ماهيته ولا حقيقته، كما أن العقيدة الصحيحة لا تتعارض مع العلم والدليل. ولذلك يجمع علماء الإسلام على النظر والاستدلال في إثبات العقيدة بطريقة التفكر والتأمل في الكون ودقته، ليُوصل بذلك إلى الإيمان بخالق الكون.. وإن كان الخلاف بين العلماء قائماً على الاستدلال بالطريقة المنطقية والفلسفية ذات المقدمات والنتائج، فيمنعها بعضهم مخالفة الوقوع في الريب والشك، وعدم القدرة على الوصول إلى الحق بطرق سليمة. . .
ومما يرد على (لوبون) أيضاً أن الله تبارك وتعالى يأمرنا بالتوصل إلى معرفته بطريق العلم فيقول: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ} وقد مدح العلماء في مواضع عديدة كقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} . . . {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} . . . {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} - على أحد التأويلين في الآية. {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم} . كما ذم ونعى على الذين يكتفون بأخذ عقيدتهم عن طريق التقليد {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} .
وأما النقطة الثانية فهي قوله: "إذا استعان صاحب العقيدة على إثبات صحتها بالعقل استحالت علماً ومعرفة".
فهو يفصم بين العقيدة والعقل، ولا يريد أن يجعل للعقل مجالاً في إثبات العقيدة وهذا خطأ فادح. فإن الله تبارك وتعالى خاطب العقول كثيراً في ما لا أحصي من الآيات، وذلك في مجال العقيدة والدعوة إليها كقوله عز وجل:{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} والمراد بالنظر إعمال العقل في آياته فالكونية. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
…
{قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ
…
} . {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} . . . إلى غير ذلك. كما نعى على الذين لا يُعملون عقولهم وحواسهم في نشدان الحق {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ} - {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} .
و (لوبون) يحول العقيدة التي أثتبها البرهان إلى علم ومعرفة. وأمّا عند المسلمين فلا فرق بين هؤلاء الثلاثة الأشياء: العقيدة، والعلم، والمعرفة.
ولعلّ مرد هذا الرأي الذي يقرره لوبون في تحديد العقيدة إلى العقيدة التي شب في أحضانها وترعرع على لبانها، وهي العقيدة النصرانية التي تحرم النظر والسؤال والنقاش، وتفرض التصديق الأعمى دون نزاع ولا جدال.. أمّا العقيدة الإسلامية فهي بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم الخاطئ والتعريف السقيم الذي لا يمت إلى حقيقتها بصلة.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
فقرة من إجابة الطالب (عبد الوهاب لطف زيد الديلمي) على بعض أسئلة الاختبار في الدورة الصيفية لعام 92- 93.
من الصحف والمجلات
فضيلة وكيل الجامعة الإسلامية يدلي بتصريح
لوكالة الأنباء السعودية إثر عودته من أوربا
إعداد العلاقات العامة
أدلى فضيلة الشيخ محمد ناصر العبودي وكيل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتصريح لمندوب وكالة الأنباء السعودية عقب عودته من جولة إسلامية في بعض الأقطار الأوروبية في مهمة إسلامية تتعلق بتخصيص منح دراسية في الجامعة الإسلامية لأبناء المسلمين في تلك الأقطار ومدهم بالمساعدات جاء فيه أنه وجد أن حالة المسلمين في تلك البلاد تدعو إلى الاستبشار بالخير وأنهم ينظرون إلى المستقبل بأمل غامر في أن يكون مستقبل المسلمين في تلك البلاد خيراً مما كان في الماضي القريب.
وقال إنه لاحظ أن المسلمين في كل مكان وصلت إليه البعثة يتطلعون إلى هذه البلاد وعلى رأسها جلالة الملك فيصل حفظه الله لالتماس المزيد من الدعم والتعضيد الإسلامي وذلك لما عرفوه وأصبحوا يعرفونه عن جلالة الملك فيصل ودعوته الكريمة إلى التضامن الإسلامي الذي من بين أهدافه الرئيسية مساعدة المسلمين ومعاونتهم في كل ما من شأنه رفع شأن الإسلام والمسلمين.
وأضاف فضيلته قائلاً إن كثيراً من زعماء المسلمين في تلك البلاد صرحوا له بأنهم كانوا إلى زمن غير بعيد إنما يولون وجوههم إلى الكعبة المشرفة لأداء الصلاة والتطلع إلى الحج إلى بيت الله الحرام وتهوي قلوبهم إلى المدينة المنورة لزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أي كان ذلك فقط لأداء الشعائر الدينية ولكنهم الآن ومنذ أن قام جلالة الملك فيصل حفظه الله بدعوة التضامن الإسلامي وتطبيق هذه الدعوة عملياً وذلك بمد يد المساعدة إلى المسلمين في كل بلاد العالم فإنهم أخذوا يتطلعون إلى هذه البلاد لكونها هي الأمل المنتظر بعد الله لمساعدتهم ومعاضدتهم وإنهم يتطلعون أيضاً إلى إرسال أبنائهم إلى المملكة العربية السعودية لتربيتهم وتثقيفهم ثقافة إسلامية خاصة في مدارس المملكة وجامعاتها وبخاصة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
لقد تبينت الدراسات أن تراجع المواد الموجودة في القسم الأعلى من الأمعاء الدقيقة إلى المعدة عامل مهم في ظهور القرحة في المعدة ولا يحصل هذا التراجع عادة بفعل الصمام الذي يفصل المعدة عن الأمعاء الدقيقة، بحيث يصد تلقائياً تراجع محتويات الأمعاء إلى المعدة ولكن إذا تحقق الصمام في عمله لسبب من الأسباب سالت الصفراء في الأمعاء الدقيقة إلى المعدة فيهيجها ويؤدي هذا إلى حدوث القرح في المعدة..
خطر ببال طبيبين يعملان في أحد المستشفيات الكبرى في مدينة (شيفلد) في شمال إنكلترا أنه قد يكون التدخين أثره على عمل هذا الصمام، فيحل عمله فيفتح المجال لعودة محتويات الأمعاء الدقيقة إلى المعدة وإحداث القرح فيها فقررا دراسة الموضوع من هذه الناحية.
تثبت الطبيبان باثنين وعشرين متطوعاً لاختباراتهم وكان ثلاثة عشر منهم في حالة صحية اعتيادية، والبقية يشكون من سوء الهضم، وكانت الخطوة الأولى في هذه التجارب أن يبلع كل من المتطوعين أنبوباً رقيقاً لا يلبث أن يتصل بالأمعاء الدقيقة ثم أن تحقن هذه الأنابيب بمقدار ضئيل من الباريوم لملاحظة عمل الصمام عن كثب، ذلك أن في وسع الأشعة السينية أن تتعرف على الباريوم إذا عاد من الأمعاء الدقيقة إلى المعدة بسبب الاختلال الحاصل في عمل الصمام.
كانت النتائج كما يلي: حصل (التراجع) في عشرة من مجموع 13 شخصاً هم في حالة صحية اعتيادية وفي سبعة من مجموع تسعة الذين يشكون من عسر الهضم وأبانت هذه المرحلة الثانية من هذه التجارب أمراً آخر يبعث على الدهشة والتأمل.
بدأت عملية التراجع هذه في ظرف 30 ثانية فقط بعد التدخين كما أن بعض المتطوعة قد شعروا في الوقت ذاته ببعض المغص في معدهم.
من الواضح إذن وجود علاقة وثيقة بين التدخين و (تراجع) محتويات الأمعاء الدقيقة إلى المعدة.
إن أهمية هذا التقرير هي أنه يقدم الدليل العلمي القاطع على أثر التدخين في علمية الهضم. (عن مجلة لندن) .
القرآن العظيم
قال ابن خلدون - رحمه الله تعالى في كتباه (المقدمة) :
"أما القرآن وإن كان من باب المنشور إلا أنه خارج عن الوصفين فلا يُسمى مطلقاً ولا مسجعاً بل تفصيل آيات تنتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعد، ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعاً ولا قافية، ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعاً ولا قواف".
إن القرآن معجزة بيانية لم يستطع - ولن يستطع - محاكاتها بشر على وجه الأرض. وبلاغة ربانية لها من رنة الجرس، وحسن الإيقاع، وروعة التنسيق، وما تتميز به عن سائر الكلام شعره ونثره {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} - {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} . عن مجلة (البريد الإسلامي) .
طه حسين على حقيقته:
كان لوفاة الدكتور طه حسين - قبل أيام - ردود فعل بارزة، إذ كثر الكاتبون والمذيعون حوله، ومعظم هؤلاء من المضللين - بالفتح والكسر - الذين خدعوا ببهرج الفكر الإستشراقي المستهدف تشويه الإسلام، وتأثروا بما نقله هذا (الفقيد) خلال خمسين سنة من سموم أساتذته أعداء الإسلام، نقلاً أميناً أحياناً، ونقلاً مضاعفاً للسيئات أحياناً أخرى. والمؤسف أن بين هؤلاء (دكتور) بكاه بالدموع الغزار على صفحات جريدة (الدعوة) التي لم تغفل خدعته، فنشرت في العدد نفسه والصفحة نفسها كلمة منصفة ومعتدلة عن حقيقة طه حسين.
وها نحن ننقل عن مجلة (المجتمع) الكويتية فقرات من مقال تحليلي بارع، دبجته براعة الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ أنور الجندي، معقباً على تهويشات أولئك المساكين الذين احترقت قلوبهم أسىً على (عميدهم) الكبير.
قال الأستاذ الجندي حفظه الله:
"إن طه حسين حين سقط في نظر الناس بعد كتابه (الشعر الجاهلي) أراد أن يعود إليهم كاسباً ثقتهم بالكتابة (على هامش السيرة) وكانت خدعة أخرى كشفها الدكتور هيكل حين قال: إن إحياء الأساطير في هامش السيرة خطر على السيرة نفسها، لأنه بعيد إليها ما حررها منه علماء المسلمين وحرصوا على حمايتها منه".
"يكذب أو ينخدع أولئك الذين يقولون إن طه حسين استوعب ثقافة التراث - الإسلامي - أو أن وجهته كانت خالصة لوجه الله أو العلم أو الحق، ذلك أنه قد أراد أن يتخذ من التراث منطلقاً إلى إثارة الشبهات والروايات الباطلة، والتقليل من جلال أبطال الإسلام.. فقد عاش حياته كلها يسخر بعظمة أمة الإسلام وبما في صفحاتها من بطولات، ويفسرها طبقاً للمذهب الاجتماعي الفرنسي المفصل بالتفسير المادي للتاريخ القائم على الجبرية.. وهو مذهب ينكر عظمة النفس الإنسانية، وجلال الروح ومكانة المعنويات.."
"وكلامه عن الإسلام كله - حسب المفهوم المسيحي - أنه علاقة بين الله والإنسان، عبادة.. لاهوت، وليس أكثر، وهو يعتنق ما كان يعتنقه فولتير ورينان وغيرهما من التفرقة بين الإيمان بالقلب والكفر عن طريق العقل.."
"وإن طه حسين بالعمل في مجال الإسلاميات منذ أصدر كتابه (على هامش السيرة) عام 1933.. كان يفتح صفحة جديدة وخطيرة في تاريخه وتاريخ الفكر الإسلامي، وهي صفحة تقديم البديل من أجل القضاء على الأصيل.."
"ولقد استطاع من خلال كتاباته (الإسلامية) أن يصور الروابط بين الصحابة على نحو مؤسف رديء، وكان قد أعلن من قبل في رده على العلامة رفيق العظم احتقاره للتاريخ، كما اتخذ من بعض الشعراء الماجنين دلالة على فساد القرن الثاني الهجري الحافل بأعلام المسلمين في الفقه والعلم والتصوف والأدب والفكر كله
…
".
"وقد استخدم طه حسين هذا المنهج ببراعة ونجح فيه. فلم يكن يؤمن بالدين ولا بالتراث ولا بعظمة هذه الأمة ولا بأمجادها القديمة ولا بحركة اليقظة فيها
…
".
"ويردد الراثون لطه حسين أن له حياة حافلة بالنضال.. ولكن أي نضال. . . لقد بدأ طه حسين حياته في محيط حزب الأمة الذي أنشأه كرومر، وفي أحضان لطفي السيد داعية الولاء للاستعمار البريطاني وعدو الجامعة الإسلامية والعروبة والشريعة الإسلامية واللغة العربية وتعليم أبناء الفقراء.. ولم يدخل الوفد إلا بعد أن فقد أمانته للأمة، وانصهرت فيه العناصر القومية والشيوعية..".
"أمّا مفاهيمه العامة، فقد أثار الدنيا حين أعلن أن العرب استعمروا مصر كالرومان.. وردت دمشق على هذا الفسوق بأن أحرقت مؤلفاته في ميدان عام..".
وبهذه الدوافع الخبيثة كان طه حسين يزعم "أن مصر جزء من حضارة البحر المتوسط. . .وكانت له مواقفه في معارضة العروبة والرابطة الإسلامية في دعوته إلى تمصير اللغة وإلى تمصير الأدب.."
ومن أجل ذلك (كان داعية الفناء في غرب تحت خدعة زائفة ظل يروجها، وهي قوله أننا لن نستطيع أن نساوي الغرب إلا إذا سرنا مسيرته..)
وقد أعلن أن مراده من ذلك هو أن نأخذ من تلك الحضارة أخذ حاطب الليل "ما يُحمد منها وما يُعاب، وما يُحب منها وما يُكره.."
فجزى الله الأستاذ أنور الجندي كل خير على صدعه بالحق، ونسأله الهداية لأولئك الذين غلبهم الهوى فصرف أعينهم عن الأبصار، وأصم آذانهم عن الإصغاء.. فراحوا يكيلون له المدائح، ويقولون فيه ما لم يقله مالك في الخمر. . .
مقتطفَاتٌ من كتَاب الكنز المَرصُود في قَواعِدِ التَّلمُود
تَرجَمهُ مِنَ اللغَةِ الفَرَنسَاويَّة الدكتور: يوسف حنا نصر الله
ننشر تباعاً نُبذاً مقتطفة من كتاب (الكنز المرصود في قواعد التلمود) وهو كتاب فريد في بابه وفي حكم المفقود رغم طبعتيه الأولى والثانية. ويتبين القارئ فيه كيد اليهود وحقدهم على الجنس البشري بما قاموا ويقومون به من الجرائم البشعة والفساد في الأرض ونشر الإلحاد والرذيلة والمبادئ الهدامة في شتى المجالات.. وإن ذلك كله إنما هو تطبيق لأحكام كتابهم المقدس (التلمود) الذي يضعونه بمنزلة مساوية للتوراة بل أسمى من التوراة.
من مقدمة الطبعة الثانية
بقلم: فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا
لما كنّا أطفالاً في مدينة حلب موطني الأول من بلاد الشام (سورية) كنّا نسمع الأمهات يمنعن أولادهن الصغار من الخروج خارج البيوت وحدهم، ويحذرنهم بأن اليهود يخطفون الأطفال خفية ويأخذونهم إلى حيث يستنزفون دماءهم.
وفي يفوعتنا كنا نتلقى التوصيات بأن لا يمر أحدنا في حارة اليهود منفرداً (وهي حارة طويلة متعرجة) وأنه إذا مرّ فيها أحد منا فدعاه يهودي لدخول بيته لإيقاد النار لهم بحجة أنهم لا يمسون النار يوم السبت فيجب أن لا يدخل حذراً من أن يغدروا به فيقتلوه باستنزاف دمه.
فلما كبرنا ووعينا وتثقفنا كنت أتذكر هذه التخويفات، التي كنّا نتلقاها في طفولتنا الأولى في يفوعتنا، وأنتقدها وأعدها من الجهالات في أساليب التربية التي درسنا قواعدها الحديثة وأصولها، ومن قبيل إساءة الظن بمواطنين من الأقلية الصغار المساكين!!!
ثم لما برزت المشكلة الفلسطينية، وذر قرن الصهيونية اليهودية، بدأنا نسمع عن اليهود وعقائدهم الخطيرة وأفاعيلهم المذهلة، ومكرهم العالمي، ومؤامراتهم الخبيثة وخطرهم على البشرية جمعاء ما جعلنا نعيد النظر في الصورة المنطبعة في أذهاننا عن مسكنتهم المصطنعة ولكن بقيت قضية خطف الأشخاص واستنزاف دمائهم في نظرنا خرافة لا تصدق، حتى وقع إليّ منذ سنوات مجموعة الأستاذ أسد رستم (أستاذ التاريخ الشرقي في الجامعة الأمريكية ببيروت، الذي توفي منذ بضع سنوات) التي جمع فيها بعض وثائق تاريخية تتعلق بتاريخ سورية في زمن إبراهيم باشا المصري من سنة 1247-1255هـ ونقلها عن سجلات المحكمة الشرعية بحلب وأنطاكية وحماة ودمشق في سنة 1927م فإذا به يفتتح الجزء الخاص منها بقصة خطف اليهود في دمشق للقسيس الفرنسي الجنسية المسمى: الأب (الباردي) توما وخادمه إبراهيم عمّار، وذبحهم إياها، وإرسال دمهما إلى كبير الحاخامين ليدخلوه في خبز الفطير الذي يوزعه الحاخامات على الأسر اليهودية في عيد الفصح السنوي، وينقل الأستاذ أسد رستم من سجلات المحكمة التي حاكمت الفاعلين من الحاخامين وسواهم محاضر جلساتها ووقائعها وينشرها في كتابه المذكور حرفياً، وتصويرها بصورة زنكوغرافية لأول مرة هذه المحاضر بالخط المدون به في سجل المحكمة، وذلك في عهد احتلال جيش إبراهيم باشا المصري وحكمه في سوريا. فقرأت القصة مذهولاً من التفاصيل التي فيها..
وكان عندي أغرب من هذه الحادثة - التي تدمى لسماعها القلوب ولو كانت متحجرة تلك القواعد الدينية التلمودية التي تم تنفيذ تلك الجريمة الفظيعة النكراء تطبيقاً لها فقد نبشت محكمة أولئك المجرمين، من الحاخامين الآمرين ومن بقية اليهود الذين قاموا بالتنفيذ، أنابيش من نصوص التلمود مذهلة يقف القارئ أمامها مشدوها لا مدهوشاً فقط.
يكاد الإنسان لا يصدق - لولا الوثائق والنصوص والوقائع التابعة - أن تكون ديانة القوم (بعدما تلاعبت بأصولها وحرفتها أيدي أحبارهم تأمرهم أن يتعبدوا بشرب دماء البشر من غير اليهود، ولا سيما المسيحيين والمسلمين) وباستباحة أرواحهم، وأعراضهم، ووجوب خيانتهم، والغدر بهم، وغشهم واجتناب إغاثة أحد منهم، أو إنقاذه، أو مداواته إلاّ للتجربة أو للإضطرار أو ستراً للمقاصد والعقائد اليهودية السرية، إلى غير ذلك من العقائد المنكرة الخطيرة القائمة على الحقد العام والامتهان لبني البشر أجمعين، وتبرير ذلك نظرياً بأن كل الناس سوى اليهود ليسوا في الحقيقة سوى بهائم من الحيوان في صورة بشر، فليس لهم حرمة ولا ذمة، ولا يلتزم اليهود تجاههم بأي التزام إنساني أكثر مما يلتزم تجاه بهيمة خلقت لمصلحته، يفعل بها ما يشاء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يخرج عن هذا السلوك المنكر إلا للتقية والتستر والخداع! ومن هذه التقية التظاهر بالضعف والمسكنة أمام الأكثريات الأخرى من الناس.
نعم لقد كانت في نظري هذه العقائد اليهودية التي نبشتها المحاكمة في حادثة مقتل القسيس الأب توما - وهو كما سيرى القارئ ممن قضوا حياتهم في الأعمال الإنسانية وإغاثة الملهوفين - أشد غرابة وفظاعة من حادثة القتل نفسها، لأن القتل والتفاصيل المثيرة التي حصلت فيه إنما تستمد فظاعتها من الغاية التي دفعت إلى هذه الجريمة والتي ألبسوها ثوب الدين!!!
ومنذ أن وقعت عليّ وقائع هذه الجريمة وملابساتها ومحاضر محاكمتها في مجموعة الأستاذ أسد رستم المذكورة بدأت أتتبع وأستقصي المعلومات عنها وعن أمثالها وعن نصوص التلمود اليهودي..
حتى رأيت مرة بطريق المصادفة كتاباً لدى صديقي الأستاذ الشيخ ناصر الدين الألباني المحدث المعروف في دمشق، عنوانه (الكنز المرصود في قواعد التلمود) فاسترعى انتباهي هذا العنوان، واستأذنت الأستاذ الألباني في أخذه أياماً لقراءته فأعارني إياه وذهبت به وعكفت من فوري على قراءته فإذا فيه أمنيتي المنشودة!!
تعريف بكتاب الكنز المرصود:
كان هذا الكتاب ترجمة لكتابين فرنسيين ترجمهم الدكتور يوسف نصر الله من كبار مسيحي مصر: أحدهما كتاب للدكتور روهلنج بعنوان (اليهودي على حساب التلمود) وتكلم في عن مضامين التلمود ومنشئه وتكوينه ومخطوطاته وطبعاته المتعددة منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وما فيه من عقائد خطيرة مذهلة تحير العقول، وخرافات عجيبة لا يكاد يصدق الإنسان أن تكون عقائد تعبدية لولا نصوصها المنقولة من التلمود، وفي كتاب الدكتور روهلنج هذا من المعلومات الهامة عن التلمود ما يصعب جداً على الباحث أن يستقصيه من مصادر أخرى.
وثانيهما كتاب للدكتور أشيل لوران بعنوان (تاريخ سورية لسنة 1840م) تكلم فيه عن حادثة ذبح اليهود للقسيس الأب توما وخادمه إبراهيم الآنفة الذكر في دمشق، ويبين مصير الحكم بالإعدام على المتآمرين المجرمين القتلة ذلك المصير المؤسف الذي خلاصته أن أناساً من كبار أغنياء اليهود المتنفذين في أوروبا تداعوا لإنقاذ المحكوم عليهم وأرسلوا مندوبين اثنين من فرنسا إلى مصر وهما (كراميو، وموبيز مونتيفيوري) فاتصلا بالخديوي محمد علي باشا الذي كان جيشه يحتل سورية في ذلك العهد فأصدر فرماناً بالعفو عن القتلة المحكوم عليهم.
وتبقى غامضة تلك الوسيلة التي استخدمها زعماء اليهود في أوروبة للتأثير على محمد علي باشا حتى استجاب للعفو عن هؤلاء القتلة المجرمين في أبشع صور الجريمة وهي (التآمر على خطف البشر الأبرياء الغافلين وذبحهم كالنعاج لشرب دمائهم) فهل كانت تلك الوسيلة التي استخلص بها يهود فرنسا من محمد علي باشا فرمان العفو بهذه السهولة ضغطاً سياسياً من بعض دول أوروبة ولا سيما فرنسا التي كان معروفاً أن محمد علي باشا يتلقى منها العون والتأييد في المجال الدولي، أو كانت تلك الوسيلة مبالغ مغرية من المال قدمها اليهود إلى محمد علي باشا وهو في حاجة إليها (كما هو شأن اليهود المعروف في الاعتماد على الرشوات المذهلة في شراء ذوي النفوذ أو السلطان لتسوية أمورهم وتمشية مقاصدهم وتغطية جرائمهم مهما عظمت) أو كانت تلك الوسيلة مركبة من الضغط السياسي الدولي والمال معاً؟ كل هذا محتمل ولا يعدوه الواقع.
والأغرب الأغرب أن محمد علي باشا لما جاءه هذان اليهوديان من فرنسا وطلبا منه إعادة المحاكمة أجابهما بأنه سيفعل خيراً من ذلك فاصدر فرماناً تضمن الأمر بالعفو عن المحكوم عليهم العشرة، الذين ثبت اشتراكهم بهذه الجريمة النكراء بالبيانات القاطعة الدامغة وباعترافاتهم الصادرة منهم بحضور بعض قناصل الدول الأجنبية (كقنصل بريطانيا، وقنصل فرنسا) في جلسات المحاكمة، وبدلالتهم على أشلاء وأشياء الضحايا التي، بعد ذبحهم إياها واستنزافهم دماءها، قطعوها وكسروا عظامها وقاموا بتصريفها!! ولكن اليهوديين المتشفعين (كراميو ومونتيفيوري) اعترضا على التعبير بالفرمان بلفظ (العفو) لأنه يشعر بأن العفو عنهم مذنبون فغير لهم محمد علي باشا صيغة الفرمان إلى تعابير أخرى لا تدل على ثبوت ارتكاب الجرم.
هذان الكتابان الفرنسيان الأصليان (كتاب الدكتور روهلنج عن أصول وفصول التلمود وكتاب الدكتور شارل لوران عن تفاصيل حادثة ذبح القسيس الأب توما الكبوشي وخادمه إبراهيم عمار) أصبحا مفقودين لنفاد نسخهما المطبوعة في فرنسا منذ أكثر من ثمانين عاماً، كما أشار إليه المترجم وسبب فقدانهما فيما يظهر هو سعي اليهود دائما فيما يدينهم ويفضحهم وإتلافه باستمرار.
وجدير بالذكر أنه منذ نحو أربعين عاماً قام القسيس الأب سمعان القرادلي في مدينة حلب بإصدار كتب عن حادثة ذبح اليهود للأب توما الكبوشي وخادمه إبراهيم، وكان يطبعه ويوزع منه هدايا، ويضع بقية نسخه المطبوعة في المكتبات للبيع فلا تمضي فترة من الزمن حتى ينفذ الكتيب ولا يبقى له أثر فيجدد طبعه فلا يلبث أن ينفد كذلك لأن اليهود (فيما يظهر) يجمعونه حتى كرر طبعه عدة مرات في عدة سنوات وفي كل طبعة كان يرسل منها مائة نسخة لسماحة مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، فيقوم سماحته بتوزيعها، وهو الذي حدثني عن نشاط الأب سمعان من حلب في نشر خبر هذه الحادثة الإجرامية الشنعاء.
وقد لحظ المترجم المصري الدكتور يوسف نصر الله، بدلالة والده، أهمية ذينك الكتابين الفرنسيين، وأن نسخهما أصبحت نادرة في طريق النفاد فأراد تعريف أبناء العربية بهما، فقام بترجمتهما إلى العربية، وجمعهما معاً في هذا الكتاب الذي أسماه:(الكنز المرصود في قواعد التلمود) ، وطبعه بمصر سنة 1899م، ولو يجدد طبعه للآن حتى أصبحت نسخه في حكم المخطوط النادر.
وقد صدر المترجم المشكور الدكتور نصر الله هذه المجموعة بمقدمة طويلة تكلم فيها عن حوادث مماثلة لحادثة ذبح الأب توما وخادمه، منها حادثة أخرى خطف اليهود فيها طفلاً من دمشق أيضاً اسمه هنري عبد النور، واستنزفوا دمه بثقب في عرض النبض عند الرسغ، ثم اكتشفت الجريمة واستخرجت الجثة من بئر رموها فيه، وثبتت الجريمة بأدلة كالشمس في وضح النهار على الفاعلين، فاستخدم اليهود وسيلتهم المعهودة في شراء الحكام الذين طمسوا الجريمة عنوة بحجة الحفاظ على الأمن ودرء الفتنة.. وتركوا والد الطفل يتأوه ويذوب كمداً وحزناً، فصاغ آلامه في رسالة وقصيدة أسماها (صراخ بريء) ولم يكن لصراخه سامع، ولا لهؤلاء المجرمين قامع..
بعد قراءتي لهذا الكتاب الهام (الكنز المرصود) الذي وجدت فيه ما أنشد من المعلومات المتكاملة عن التلمود، وعن حادثة ذبح الأب توما وخادمه، وما أضافه المترجم المصري الدكتور يوسف نصر الله وأشار إليه من حوادث مماثلة بحثت بنفسي وبالواسطة عن نسخة منه اشتريتها في مكتبات مصر ودمشق قديمها وحديثها فأعياني البحث حتى غطاني اليأس، وتيقنت أن اليهود قد جمعوه كعادتهم ولا سيما أنه قد مضى على طبعته الوحيدة في مصر نحو سبعين عاماً.
فلما أصدر الصديق القائد المجاهل السيد عبد الله التل كتابه العظيم الشأن الموسوم باسم (خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية) وجدت في ثبت مصادره التي ذكرها في ختام هذا الكتاب (الكنز المرصود) ثم في أول لقاء اجتمعت فيه بالسيد عبد الله التل هذا العام في الكويت سألته عن هذا الكتاب الذي عده من جملة مصادر مؤلفه القيم، فقال لي: إنه موجود عنده في مكتبه.
وها أنذا أقدم الكتاب إلى الجهة التي ستعيد طبعه بعدما صححت أغلاطه المطبعية الكثيرة حتى هيأته لإخراج أجود من الطبعة السابقة السقيمة [1] آملاً أن أكون بذلك قد أسهمت بقليل من الجهد فيما ينفع القضية الفلسطينية ليرى العالم، من كل مذهب ودين، ما آلت إليه اليهودية التي كانت في أصلها ديناً إلهياً إصلاحياً فأصيبت بتغيير المضللين المستغلين الكاذبين على الله بالتخريف والتضليل واستباحة دماء البشر من غير اليهود.
وإني أهيب بكل ذوي الغيرة، من مسلمين ومسيحيين، تجاه الخطر اليهودي المشترك، أن يحرص المستطيع منهم على تحصيل بعض النسخ من الكتابين الفرنسيين كتاب الدكتور ورهلنج، وكتاب الدكتور شارل لوران اللذين هما أصل هذا الكتاب، ويقوموا بتجديد طبعهما ونشرهما على العالم، كما أهيب بهم أن ينشطوا لترجمة هذا الكتاب (الكنز المرصود) الجامع لهما إلى أهم اللغات الحية، ولا سيما الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأسبانية، وإلى بعض اللغات الأخرى الشرقية والإفريقية، لتعرف البلاد التي تغزوها الصهيونية بالتضليل الإعلامي والسياسي وتسخرها لمآربها: ما هي حقيقة الأساس الديني الرهيب الذين تقوم عليه الحركة الصهيونية، إذ لا سبيل إلى تعريف شعوب العالم بحقيقة جزاريه وسكاكينهم إلا باللغات التي يفهمونها.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
أما عباراته ولغته التي فيها كثير من الركاكة وسقم التعبير واللحن ولاسيما في الإفادات والتحقيقات القضائية فقد تركتها كما هي.
نَدوة الطَلَبَة
أنا مسلم
بقلم: أحمد بن حسن المعلم
الطالب بدار الحديث التابعة للجامعة
أنا مسلم قوميتي إسلامي.
الله ربي والرسول إمامي.
وأخوتي في الله لست مفرقاً.
ما بين صيني وأي تهامي.
وعداوتي للكافرين جميعهم.
حتى وإن كانوا بني الأعمام.
والله لا نسب بجمع بيننا.
إن لم يكن جمع على الإسلام.
لا أرتضي أني أخ لمضلل.
لو كان من أهلي ومن أرحامي.
ليست شعاراتي دماً ومواطناً.
كلا ولا علم من الأعلام.
ما غير أعلام الشريعة إنها.
هي رايتي لمعاركي وسلامي.
وكذلك لا لغة تجمع بيننا.
ليس الذمام لممنطق وكلام.
إن الذمام لمن أطاع محمداً.
في الشرق أو في الغرب أو في الشام.
لا رابط إلاّ العقيدة إنّها.
بمثابة الأرواح للأجسام
.
العَام الحَادي عَشر عَامٌ لهُ أهميّة في تاريخ الإسلام
بقلم الطالب عز يزو محمد مغربي
السنة الثانية من المعهد الثانوي بالجامعة
لا شك أن الرجل البطل الذي واجه المرتدين وهو الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وأنيسُهُ في غار ثور، ونائبه في إمامة الناس بالصلاة في مرضه الأخير صلى الله عليه وسلم، وأمير الحجاج في السنة التسعة للهجرة ومُنفق كل ماله في سبيل الله ومن أجل نصرة دعوة الله تاركاً الله ورسوله لأهل، فعل ذلك على قاعدة من يرى أن الجود لا يكفي أن يكون من الموجود، بل أن يكون بكل الموجود ومُصْلِحُ ذات البين في الجاهلية قبل الإسلام، وشاهد الغزوات كلها بجانب الحضرة النبوية، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وأكتفي بذكر بعض مزاياه ومناقبه لأن صلب الموضوع يتناول أهم الحوادث الواقعة في عهده ونتائجها والعبر المستنبطة منها بعد أن هاجر الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ومن آمن به من مكة مسقط رأسه، حيث قضى بها ثلاث عشرة سنة يدعو إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته أي عبادته وفي أسمائه وصفاته، والإيمان بمضمون رسالته، متحمّلاً أنواع العذاب وألوان الصعاب، هو وحواريُّوه، عاش بعد الهجرة عشر سنين يُربّي أصحابه بكتاب الله ويُغذّي أرواحهم بأوامر الله وأحكامه فَصَفَتْ عقيدتهم، وعاش صلى الله عليه وسلم يربط نفوسهم بالسماء، فهم عُشّاقُ الجنة وطلابها، ويُقدّمون أنفسهم وأموالهم قرباناً لله وطمعاً في مغفرته ونعيمه لأنهم من عذاب ربهم مشفقون ويؤسّسُ دولة الإسلام ويوطّد دعائمها، ويؤمّن البلاد والعباد من غارات الأعداء، سعياً وراء تحقيق مصلحة دعوة الله التي يمثلها بخلقه العظيم إذ كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن.
وجرت سنة الله على عبده ورسوله ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً فالتحق بالرفيق الأعلى طيب النفس، قرير العين وشاع خبر موته في المجتمع المسلم فانقسم الناس إلى قسمين مصدق ومكذب. وكان من بين القسم الأخير عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي خطب في الناس قائلاً:"زعم قوم من المنافقين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، وهو لم يمت ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران".وكان أبو بكر حينئذ غائباً. فلما حضر وتأكّد من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، نزل إلى مكان اجتماع الناس فخطب فيهم خطبة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقال:"من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات"وبكى بكاء شديداً (قلت وآيم الله لقد بكى بكاء رحمة على فراق الحبيب صلى الله عليه وسلم وأبكى من حوله) واستأنف كلماته الذهبية: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد لله فإن الله حي لا يموت "ثم تلا قوله تعالى من سورة آل عمران: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} .
وتيقن الناس من صحة الخبر الذي أقضّ مضجعهم لشدة حبهم له صلى الله عليه وسلم مع الإتباع الكامل.
وتنشأ حادثة ثانية وتتمثل في اجتماع الأنصار أوسهم وخزرجهم في سقيفة بني ساعدة لمبايعة سعد بن عبادة بالخلافة التي هي خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا بالإسلام وليس بالقوانين الوضعية القاصرة عن تحقيق السعادة في الدنيا فضلاً عن الأخرى. فأسرع أبو بكر رضي الله عنه الخُطا يُرافقه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين، ودار حوار ونقاش بين عمر والحباب بن المنذر، ولكن بشير بن سعد الأنصاري يُنهي ذلك الموقف الحرج ويقطع قول كل خطيب بما ملخصه:"وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً. فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم". وهو وعد قطعه الأنصار على أنفسهم حين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة للبعثة. ثم تكلم أبو بكر رضي الله عنه وذكر فضل لأنصار فقال:"ولكن العرب لا تدين بهذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وأنا أرشح لكم هذين الرجلين: عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح"هذه صورة ناطقة وشاهدة على صفاء هذه القلوب وطهارتها من حب الدنيا والرياسة والجاه، وكاشفة عن الزهد المحمود والورع وحسن النية. كيف لا وهم الذين تلقّوا من فم النبي صلى الله عليه وسلم حكمة غالية "ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس".
وتؤول الخلافة وإمامة المسلمين راضية مرضية إلى أبي بكر رضي الله عنه الذي قدّر مسئوليتها فابتعد عنها. ثم يصرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعفته وخلو صدره من انتهاز الفرص:"امدُدْ يديك يا أبا بكر نبايعك أيرتضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا ولا نرتضيك لأمر دنيانا"فبايعوه وكانت البيعة الصغرى، وفي اليوم الثاني بايعه الناس البيعة الكبرى في المسجد.
وتحمل أبو بكر رضي الله عنه مسئولية الخلافة والمسلمين وكان أحَقّ بنا وأهلها، فنفذ على الفور جيش أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما، الذي جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته لتأديب قبائل قضاعة ومن والاها من الغساسنة الذين تصدوا للمسلمين في غزوة (مؤتة) فأشار عمر على الخليفة بإبقاء جيش أسامة بن زيد للدفاع عن المدينة ومقومة غارات المرتدين فأبى أبو بكر رضي الله عنه وقال قولته المشهورة:"ما كنت لأحُل رايةً عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وسكت عمر رضي الله عنه سكوت مُعترفٍ بالحق راضٍ به لأنه كان وقّافاً عند كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله علنه وسلم، ويعلمنا أبو بكر رضي الله عنه أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة في حياته وبعد مماته، في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر ويحذرنا من تعظيم المقاييس المادية {وَمَا النَّصْرُ إِلَاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
وفتنة الردة حادثة جدّ خطيرة لها أسبابها الجوهرية ومظاهرها الثانوية وأذكر المظاهر في الأسباب باعتبارها تبعاً للأسباب:
1-
فداحة الخطب وعظم المصيبة أذهلاهم وأوقعاهم في نفي الوفاة عن رسوله صلى الله عليه وسلم لظنهم أنه ما أتمّ الرسالة أي تبليغها نظراً لأنها لم تعم الجزيرة العربية.
2-
التعصب القبلي الذي لازالت آثاره في نفوس بعضهم نتج عنه اتّباع مدعي النبوة كطليحة الأسدي ومسيلمة الكذاب. . . وهذا المرض النفسي الذي هو هوًى شيطاني يتحكم في نفس المصاب به فيخضعه لتنفيذ ما يُمليه عليه من شرٍ وفاحشة وخلق يأباه الذوق السليم، والهوى يُعتبر معبوداً من دون الله بدليل قوله تعالى من سورة الجاثية:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} .
3-
جهل البعض بحقيقة الإسلام الذي هو كُلٌ لا يتجزأ نشأ عنه منع الزكاة، وذلك لقرب عهدهم من الكفر والفوضى.
وتعتبر فتنة الردة تمردٌ على حكومة الصديق رضي الله عنه. ولم تسلم من حمأة الردة إلا ثلاث مناطق: المدينة، معقل الإسلام، ومكة والطائف. وتصدى الخليفة الأول رضي الله عنه لقتال المرتدين بعد أن أرسل إلى القبائل المرتدة كتاباً ينصحهم فيه بالتوبة ويحذرهم عاقبة الردة.
فأعد أحد عشر لواءً: أولها بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه مع خيرة الصحابة. ودامت الحروب شهوراً، استشهد فيها سبعون من القراء الذين حفظوا القرآن الكريم في صدورهم ويُعتمد عليهم، وستشهد غيرهم من المؤمنين.
وتم بفضل الله تعالى القضاء على أكثر المرتدين وعلى مدعي النبوة، رؤوس الفتنة. وتاب الكثير من المرتدين فانضموا إلى صفوف الحق وأبلوا في الإسلام بلاء حسناً. وعمّ الأمن البلاد والعباد واستمرت عجلة الإسلام تدور وتتقدم إلى الأمام.
ولا يفوتني أن أذكر حادثة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها وأخواتها وهي تسرّعُ القائد شرحبيل بن حسنة إلى قتال القبيلة التي أُرسل إليها قبل انضمام جيش خالد إلى صفوفه مدداً له وانهزامه شر هزيمة بسبب عدم طاعته للقائد المخطط أبي بكر رضي الله عنه، ولا غرابة في ذلك فإنه ينظر بنور الله عز وجل ولا يقدم على أمر من جهاد وسفر وغيره حتى يستخير ربه ويتذلل بين يديه. فنعمت الوسيلة هذه. فقد صدق من قال:"إن التاريخ يعيد نفسه".
هذه صورة تشبه تماماً ما وقع في غزوة أحد حين برح الرماة مكانهم من الجبل طمعاً في جمع الغنائم واغتراراً بمظهر النصر، فنقض عليهم خالد بن الوليد من خلف. وهاهو اليوم يكفر عن خطيئته ويُنقذ جيش شرحبيل بن حسنة، فتنقلب الهزيمة انتصاراً.
وتحدث واقعة أخرى وهي أنّ وحشي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يوم أحد، قتل أو شارك في قتل مسيلمة الكذاب. وبمناسبة مخالفة أمر خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم نذكر الحديث الذي ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:"من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني".
فعلى الشعوب والأمم المسلمة أن تطيع وُلاة أمورها ما أطاعوا الله ورسوله وأقاموا فيهم الصلاة "وإنما الطاعة في المعروف".
وأذكر باقي الحوادث بدون أن أتعرض إلى التفصيل خشية أن أكون قد أطلت وإلا فهذا العام الحادي عشر الهجري كل وقائعه مهمة وموجهة إلى طريق الرشاد لمن تدبره واستنبط عِبَرَهُ ونتائجه.
منها جمع القرآن الكريم على عهد أبي بكر رضي الله عنه ثم الفتوحات الإسلامية. ثم استخلاف عمر رضي الله عنه، وأخيراً نستخلص من كلام أبي بكر رضي الله عنه الموجه إلى مانعي الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام أنه لا ينبغي التهاون والتساهل في دين الله تعالى إذ يقول:"والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه على عهد رسول الله صلى الله عنه وسلم لقاتلتهم عليه". وقال أيضا:ً" لأقاتلن مَن فرّق بين الزكاة والصلاة".
وفق الله جميع لما فيه الخير وبارك الله لنا في القرآن الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.
مِن أعْلامِ المُحَدِّثِين
محمد بن إسحاق بن خزيمة 223- 311هـ ـ
للشيخ عبد المحسن العباد: نائب رئيس الجامعة الإسلامية
نسبه:
هو محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر وقد اشتهر بالنسبة إلى جده خزيمة ولهذا يعرف بابن خزيمة.
كنيته ونسبته ولقبه:
كنيته أبو بكر ولقبه إمام الأئمة ووطنه نيسابور فيقال له النيسابوري، ويقال له السلمي نسبة إلى قبيلة ونسبته إليهم ولاء كما في البداية والنهاية لابن كثير وطبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي.
رحلته في طلب الحديث:
سمع الحديث ببلده وهو صغير ثم رحل إلى العراق والشام والحجاز ومصر فسمع الحديث وأسمعه.
ممن روى عنهم:
روى عن أئمة كثيرين فروى عن أحمد بن منيع ومحمد بن رافع وعلي بن حجر ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى ومحمد بن إسماعيل البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأحمد بن سيار المروزي ومحمود ابن غيلان ومحمد بن أبان المستملي وإسحاق بن موسى الخطمي وعتبة بن عبد الله اليحمدي وبشر بن معاذ وأبي كريب ويونس بن عبد الأعلى ونصر بن علي الجهضمي وعلي بن خشرم وغيرهم.
ممن رووا عنه:
روى عنه البخاري ومسلم في غير الصحيحين ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي وإبراهيم بن أبي طالب وهؤلاء أكبر منه وروى عنه يحي بن محمد بن صاعد وأبو علي النيسابوري وإسحاق بن سعد النسوي وأبو عمرو بن حمدان وأبو حامد أحمد بن محمد بن بالويه وأبو بكر أحمد بن مهران المقري ومحمد بن أحمد بن علي بن نصر المعدل وحفيده محمد بن الفضل ابن محمد بن إسحاق وأبو حاتم بن حبان البستي وأبو القاسم الطبراني وأبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني وغيرهم.
من خرج حديثه:
خرج حديثه البخاري ومسلم في غير الصحيحين وتأخرت وفاته عن مسلم بخمسين سنة وروايتهما عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر وقد روى عنه حفيده محمد بن الفضل، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وبين وفاته ووفاة الإمام البخاري مائة وسبع وعشرون سنة فهو مثال للسابق واللاحق.
ثناء الأئمة عليه:
أثنى عليه أهل زمانه ومن بعدهم وذكروه بالجميل عقيدة وعلماً وعملاً قال أبو عثمان الزاهد: "إن الله ليدفع البلاء عن أهل نيسابور بابن خزيمة"وقال حفيده محمد بن الفضل: "كان جدي لا يدخر شيئاً بل ينفقه على أهل العلم ولا يعرف الشح ولا يميز بين العشرة والعشرين". وقال أبو علي النيسابوري: "لم أرَ مثل ابن خزيمة". وقال أبو أحمد حسنك عن ابن خزيمة قال: "ما كتبت سواداً في بياض إلا وأنا أعرفه". وقال أبو علي النيسابوري: "كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة". وقال أبو حاتم ابن حبان: "ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كأن السنن بين عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط". وقال الدارقطني: "كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير". وقال أبو العباس ابن سريج وذكر له ابن خزيمة فقال: "يستخرج النكت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنقاش". وقال ابن أبي حاتم - وقد سئل عن ابن خزيمة- ويحكم "هو يسأل عنا ولا يُسأل عنه هو إمام يُقتدى به" وقال: "هو ثقة صدوق". وقال الذهبي في التذكرة: "الحافظ الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام"وقال: "روى وجود وصنف واشتهر اسمه وانتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان"وقال: "هذا الإمام كان فريد عصره"، وقال ابن حبان:"لم نرَ مثله في حفظ الإسناد والمتن"وقال أبو إسحاق الشيرازي: "وكان يقال له إمام الأئمة وجمع بين الفقه والحديث"، وحكى عنه أبو بكر النقاش أنه قال:"ما قلدت أحداً في مسألة منذ بلغت ست عشرة سنة". وقال أبو زكريا العنبري
سمعت ابن خزيمة يقول: "ليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قول إذا صح الخبر"وقال شيخه الربيع: "استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "كان بحراً من بحور العلم طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث وطلب العلم".
آثاره:
قال الحافظ الذهبي في العبر: "الحافظ صاحب التصانيف" وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "كتب الكثير وصنف وجمع وكتابه الصحيح من أنفع الكتب وأجلها"، وقال أبو عبد الله الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث ص104:"فضائل هذا الإمام ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتاباً سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء فإن فقه حديث بريرة ثلاثة أجزاء ومسألة الحج خمسة أجزاء"انتهى.. وإن مما يؤسف له أن هذه المؤلفات الكثيرة لا وجود لها في الوقت الحاضر بل ولا للقليل منها والذي حظيت به المكتبة الإسلامية منها كتاب التوحيد الذي طبع من قبل وجزء من الصحيح عثر عليه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في مكتبة أحد الثالث باستانبول مسجل تحت رقم 348 عدد أوراقه 301 ورقة وقد شرع المكتب الإسلامي ببيروت بطباعته وصدر منه جزءان وكتابه الصحيح يلي في الدرجة صحيح مسلم فهو أجل الكتب المصنفة في الصحيح بعد الصحيحين ولهذا يعتبر العثور عليه كسباً كبيراً للمكتبة الإسلامية.
وفاته:
توفي أبو بكر ابن خزيمة في اليوم الثاني من شهر ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة أرخ وفاته بهذا الذهبي في التذكرة والعراقي في مقدمة طرح التثريب. قال الذهبي: "وهو في تسع وثمانين سنة"وقال: "ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين"وقال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء: "مات سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة"وقد أرخ وفاته في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة أيضاً: الذهبي في العبر، وابن كثير في البداية والنهاية وابن العماد في شذرات الذهب وابن السبكي في طبقات الشافعية.
ممن ترجم له:
1
الذهبي في العبر 2/149 وفي تذكرة الحفاظ 2/287.
2
وابن كثير في البداية والنهاية 11/149.
3
- وأبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء 105.
4
وابن السبكي في طبقات الشافعية 2/130.
5
وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/3/196.
6
وابن العماد في شذرات الذهب 2/262.
7
والعراقي في طرح التثريب 1/96.
8
وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين 9/39.
9
وصديق حسن خان في التاج المكلل 297.
وَعِندَ الله للنّاجِين شهد
بقلم: محمد محمود جاد الله
الطالب بكلية الشريعة بالجامعة
حياة كلها تعب وكد.
وسهم للمصائب لا يُرد.
وإني لن أهاب أذى الليالي.
وغارات الليالي لا تُعد.
وإني لن ألين لها إذا ما.
رأيت نزالها ما منه بُد.
وإن جاءت بأحمالٍ ثقالٍ.
ففي قوسي لها (وتر عُرُدُّ) .
سألقي الصبر في وجه الرزايا.
لقاء الند إذ يلقاه ند.
كذلك مذهبي فيها وإني.
إذا شدت بكلكلها أشد.
وأعلم طبعها أن لا تحابي.
إذا ما غاب زيد جاء سعد.
وإن همومنا بنت الليالي
. .
إذا قست الليالي فهي جند.
ويا دنيا عرفنا فيك خُلقاً.
فهل يُرجى لمن صافاك وُدُ.
نحارب فيك أعداء غلاظاً.
وأعدانا لدى الهيجاء لُدُ.
فمن مرض يهد الجسم هداً.
وخوف الناس منه لا يُحد.
إلى فقر يلوح بكل درب.
وقد تشقى رباب به وهند.
وهذا (هادم اللذات) خصم.
يروح مجلياً فيها ويغدو.
فلا الإنسان منتصر عليها.
ولا يجدي لمجتهدين جُهد.
نزور قبورنا ونعود جذلى.
كأنا لن نزور فلا نُرد.
ونُرزأ كل يوم في عزيز.
وليس بواعظ الإنسان فَقْد.
ولم يجد القريب هناك قرب.
ولم يجد البعيد هناك بُعد.
هناك تلاقيا فكريم قوم.
يُرى متوسداً فيها ووغد.
وإن الخير أن نخشى سعيراً.
ففي زفراتها حر ووقد.
وكل الجهد في الدنيا سيمضي.
وعند الله للناجين شهد.
وإن الناس في سفر طويل.
إلى رب البرية وهو قصد
.
الفَتَاوَى
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
سؤال من الأخ: ع. م.ح. من اليمن يقول فيه:
يوجد في بلادنا أناس متمسكون بأوراد ما أنزل الله بها من سلطان منها ما هو بدعي ومنها ما هو شركي وينسبون ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، ويقرءون تلك الأوراد في مجالس الذكر أو في المساجد بعد صلاة المغرب زاعمين أنها قربة إلى الله، كقولهم بحق الله رجال الله أعيوننا بعون الله وكونوا عوننا بالله وكقولهم يا أقطاب ويا أوتاد ويا أسياد أجيبوا يا ذوي الإمداد فينا واشفعوا الله هذا عبدكم واقف وعلى بابكم عاكف، ومن تقصيره خائف، أغثنا يا رسول الله ومالي غيركم مذهب ومنكم يحصل المطلب وأنتم خير أهل الله بحمزة سيد الشهداء ومن منكم لنا مدداً أغثنا يا رسول الله، وكقوله: اللهم صلي على من جعلته سبباً لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقاً لأنوارك الرحمانية فصار نائباً عن الحضرة الربانية وخليفة أسرارك الذاتية، نرجو بيان ما هو بدعة وما هو شرك وهل تصح الصلاة خلف الإمام الذي يدعو بهذا الدعاء.
والجواب:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد فاعلم وفقك الله أن الله سبحانه إنما خلق الخلق وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام ليعبد وحده لا شريك له دون ما سواه كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} والعبادة هي طاعته سبحانه وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بفعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله. عن إيمان بالله ورسوله وإخلاص لله في العمل كما قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ} أي أمر وأوصى بأن يعبد وحده وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أبان سبحانه بهذه الآيات أنه هو المستحق لأن يُعبد وحده ويُستعان به وحده، وقال عز وجل:{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص} وقال سبحانه: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على وجوب إفراد الله بالعبادة ومعلوم أن الدعاء بأنواعه من العبادة فلا يجوز لأحد من الناس أن يدعو إلا ربه ولا يستعين ولا يستغيث إلا به عملاً بهذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها. وهذا فيما عدا الأمور العادية والأسباب الحسية التي يقدر عليها المخلوق الحي الحاضر فإن تلك ليست من العبادة بل يجوز بالنص والإجماع أن يستعين الإنسان بالإنسان الحي القادر في الأمور العادية التي يقدر عليها. كأن يستعين به أو يستغيث به. في دفع شر ولده أو خادمه أو كلبه وما أشبه ذلك، وكأن يستعين الإنسان بالإنسان الحي الحاضر القادر، أو الغائب بواسطة الأسباب الحسية كالمكاتبة
ونحوها في بناء بيته وإصلاح سيارته أو ما أشبه ذلك، ومن هذا الباب قول الله عز وجل في قصة موسى عليه الصلاة والسلام:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} ومن ذلك استغاثة الإنسان بأصحابه في الجهاد والحرب ونحو ذلك فأما الاستغاثة بالأموات والجن والملائكة والأشجار والأحجار فذلك من الشرك الأكبر وهو من جنس عمل المشركين الأولين مع آلهتهم كالعزى واللات وغيرهما وهكذا الاستغاثة والاستعانة بمن يعتقد فيهم الولاية من الأحباء فيما لا يقدر عليه إلا الله كشفاء المرضى وهداية القلوب ودخول الجنة والنجاة من النار وأشباه ذلك، والآيات السابقات وما جاء في معناها من الآيات من الأحاديث كلها تدل على وجوب توجيه القلوب إلى الله في جميع الأمور وإخلاص العبادة لله وحده، لأن العباد خلقوا لذلك وبه أمروا كما سبق في الآيات وكما في قوله سبحانه:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} وقوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه:"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث بن مسعود رضي الله عنه:"من مات يدعو من دون لله نداً دخل النار"رواه البخاري وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" وفي لفظ "فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" وفي رواية للبخاري "فادعهم إلى أن يوحدوا الله" وفي صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" والأحاديث في هذا
المعنى كثيرة، وهذا التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام كما تقدمت الآيات الدالة على ذلك، ومنها قوله سبحانه:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} من الأدلة على ذلك أيضاً قوله عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقال عز وجل عن نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام أنهم قالوا لقومهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وهذه دعوة الرسل جميعاً كما دلت على ذلك الآيتان السابقتان.
وقد اعترف أعداء الرسل بأن الرسل أمروهم بإفراد الله بالعبادة وخلع الآلهة المعبودة من دونه كما قال عز وجل في قصة عاداتهم قالوا لهود عليه الصلاة والسلام: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} وقال سبحانه وتعالى عن قريش لما دعاهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى إفراد الله بالعبادة وترك ما يعبدون من دونه من الملائكة والأولياء والأصنام والأشجار وغير ذلك: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} وقال عنهم سبحانه في سورة الصافات: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة ومما ذكرناه من الآيات والأحاديث يتضح لك وفقني الله وإياكم للفقه في الدين والبصيرة بحق رب العالمين. أن هذه الأدعية وأنواع الاستغاثة التي بينتها في سؤالك كلها من أنواع الشرك الأكبر لأنها عبادة لغير الله وطلب لأمور لا يقدر عليها سواه من الأموات والغائبين وذلك أقبح من شرك الأولين لأن الأولين إنما يشركون في حال الرخاء وأما في حال الشدائد فيخلصون لله العبادة لأنهم يعلمون أنه سبحانه هو القادر على تخليصهم من الشدة دون غيره كما قال تعالى في كتابه المبين عن أولئك المشركين: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} وقال سبحانه وتعالى يخاطبهم في آية أخرى في سورة سبحان: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً} فإن قال قائل من هؤلاء المشركين المتأخرين إنا لا نقصد أن أولئك ينفعون بأنفسهم ويشفون مرضانا
بأنفسهم أو يعينونا بأنفسهم أو يضرون عدواً بأنفسهم وإنما نقصد شفاعتهم إلى الله في ذلك.
فالجواب أن يقال لهم:
إن هذا هو مقصد الكفار الأولين ومرادهم وليس مرادهم أن آلهتهم تخلق أو ترزق أو تنفع أو تضع بنفسها فإذ ذلك يبطله ما ذكره الله عنهم في القرآن. وإنما أرادوا شفاعتهم وجاههم وتقريبهم إلى الله زلفى كما قال سبحانه وتعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسلام: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا} فرد الله عليهم ذلك بقوله سبحانه: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فأبان سبحانه أنه لا يعلم في السموات ولا في الأرض شفيعاً عنده على الوجه الذي يقصده المشركون وما لا يعلم الله وجوده ولا وجود له لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء. وقال تعالى في سورة الزمر: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} فأبان سبحانه أن العبادة له وحده وأنه يجب على العباد إخلاصها له جل وعلا لأن أمره للنبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص العبادة له أمر للجميع. ومعنى الدين هنا هو العبادة والعبادة هي طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما سلف ويدخل فيها الدعاء والاستغاثة والخوف والرجاء والذبح والنذر كما يدخل فيها الصلاة والصوم وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله. ثم قال عز وجل بعد ذلك: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فرد الله عليهم بقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} فأوضح سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الكفار ما عبدوا الأولياء من دونه إلا ليقربوهم إلى الله زلفى. وهذا هو مقصد الكفار قديماً وحديثاً وقد أبطل الله ذلك بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} فأوضح سبحانه كذبهم في زعمهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وكفرهم بما صرفوا لها من العبادة وبذلك يعلم كل من له أدنى تمييز أن الكفار الأولين إنما كان كفرهم باتخاذهم الأنبياء والأولياء والأشجار والأحجار وغير ذلك من المخلوقات شفعاء بينهم وبين الله واعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم من دون إذنه سبحانه ولا رضاه كما تشفع الوزراء عند الملوك فقاسوه عز وجل على الملوك والزعماء وقالوا كما أنه من له حاجة إلى الملك والزعيم يتشفع إليه بخواصه ووزرائه فهكذا نحن نتقرب إلى الله بعبادة أنبيائه وأوليائه وهذا من أبطل الباطل لأنه سبحانه لا شبيه له ولا يقاس بخلقه. ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لأهل التوحيد وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وبكر شيء عليم وهو أرحم الراحمين لا يخشى أحداً ولا يخافه لأنه سبحانه هو القاهر فوق عباده والمتصرف فيهم كيف يشاء بخلاف الملوك والزعماء فإنهم ما يقدرون على كل شيء ولا يعلمون كل شيء فلذلك يحتاجون إلى من يعينهم على ما قد يعجزون عنه من وزرائهم وخواصهم وجنودهم، كما يحتاجون إلى تبليغهم حاجات من لا يعلمون حاجته، ولأن الملوك والزعماء قد يظلمون ويغضبون بغير حق فيحتاجون إلى من يستعطفهم ويسترضيهم من وزرائهم وخواصهم، أما الرب عز وجل فهو سبحانه غني عن جميع خلقه وهو أرحم بهم من أمهاتهم وهو الحاكم العدل يضع الأشياء في مواضعها على مقتضى حكمته وعلمه وقدرته فلا يجوز أن يقاس بخلقه بوجه من الوجوه. ولهذا أوضح سبحانه في
كتابه أن المشركين قد أقروا بأنه الخالق الرازق المدبر وأنه هو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء ويحيي ويميت إلى غير ذلك من أفعاله سبحانه وإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده كما قال عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} والآيات في هذا المعنى كثيرة وسبق ذكر الآيات الدالة على أن النزاع بين الرسل وبين الأمم إنما هو في إخلاص العبادة لله وحده كقوله سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية. وما جاء في معناها من الآيات وبين سبحانه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم شأن الشفاعة فقال تعالى في سورة البقرة: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} وقال في سورة النجم: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وقال في سورة الأنبياء في وصف الملائكة: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} وأخبر عز وجل أنه لا يرضى من عباده الكفر وإنما يرضى منهم الشكر والشكر هو توحيده والعمل بطاعته فقال تعالى في سورة الزمر: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} الآية.. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"أو قال:
"من نفسه"وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وجميع ما ذكرنا من الآيات والأحاديث كله يدل على أن العبادة حق الله وحده وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغير الله لا للأنبياء ولا لغيرهم، وأن الشفاعة ملك الله عز وجل كما قال سبحانه:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} الآية.. ولا يستحقها أحد إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع فيه وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما سبق. أما المشركون فلا حظ لهم في الشفاعة كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} وقال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} الآية. . . والظلم عند الإطلاق هو الشرك كما قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وقال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
أما ما ذكرته في السؤال من قول بعض الصوفية في المساجد وغيرها اللهم صل على من جعلته سبباً لانشقاق أسرارك الجبروتية وانفلاقاً لأنوارك الرحمانية فصار نائباً عن الحضرة الربانية وخليفة أسرارك الذاتية.. الخ، فالجواب:
أن يُقال أن هذا الكلام وأشباهه من جملة التكلف والتنطع الذي حذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون قالها ثلاثاً"قال الإمام الخطابي رحمه الله: "المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم".
وقال أبو السعادات ابن الأثير: "هم المتعمقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ثم استعمل في كل تعمق قولاً وفعلاً".
وبما ذكره هذان الإمامان وغيرهما من أئمة اللغة يتضح لك ولكل من له أدنى بصيرة أن هذه الكيفية في الصلاة والسلام على نبينا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة التكلف والتنطع المنهي عنه والمشروع للمسلم في هذا الباب أن يتحرى الكيفية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة والسلام عليه وفي ذلك غنية عن غيره ومن ذلك ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين واللفظ للبخاري عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال:قال بشير بن سعد: يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فسكت ثم قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم".
فهذه الألفاظ وأشباهها وغيرها مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي التي ينبغي للمسلم أن يتعلمها في صلاته وسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعلم الناس بما يليق أن يستعمل في حقه كما أنه هو أعلم الناس بما ينبغي أن يستعمل في حق ربه من الألفاظ، أما الألفاظ المتكلفة والمحدثة والألفاظ المحملة لمعنى غير صحيح كالألفاظ التي ذكرت في السؤال فإنه لا ينبغي استعمالها لما فيها من التكلف ولكونها قد تفسر بمعانٍ باطلة مع كونها مخالفة للألفاظ التي اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرشد إليها أمته وهو أعلم الخلق وأنصحهم وأبعدهم عن التكلف عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة في بيان حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك والفرق بين ما كان عليه المشركون الأولون والمشركون المتأخرون في هذا الباب.
وفي بيان كيفية الصلاة المشروعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاية ومقنع لطالب الحق. أما من لا رغبة له في معرفة الحق فهذا تابع لهواه وقد قال الله عز وجل: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فبين سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الناس بالنسبة إلى ما بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق قسمان أحدهما مستجيب لله ولرسوله والثاني تابع لهواه وأخبر سبحانه أنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله فنسأل الله عز وجل العافية من اتباع الهوى كما نسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم وسائر إخواننا من المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والمعظمين لشرعه والمحذرين من كل ما يخالف شرعه من البدع والأهواء إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبد ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه بإحسان.
أخبار الجامعة
إعداد العلاقات العامة
(تعيين فضيلة الشيخ محمد العبودي وكيلاً للجامعة الإسلامية)
* صدر قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 21753/3 م في 13/9/93هـ بترقية فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العبودي الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة حالياً إلى وكيل للجامعة المحدثة في ميزانية الجامعة لهذا العام في المرتبة الثالثة عشرة، تهانينا وتمنياتنا لفضيلته بالتوفيق والسداد.
* ومما تجدر إليه الإشارة أن فضيلة الشيخ محمد العبودي قام بأعباء الأمانة العامة للجامعة الإسلامية طيلة 12 عاماً من حين افتتاح الجامعة في عام 81 وحتى الآن كان قبلها قد شغل عدة مناصب آخرها كان مديراً للمعهد العلمي في بريدة. ويقوم حالياً فضيلة الشيخ عمر محمد بأعمال الأمانة العامة بالنيابة..
كتب من الجامعة الإسلامية إلى أكثر من (25) مدرسة في إفريقيا
* اجتمعت بمقر الجامعة الإسلامية بالمدينة اللجنة المشكلة برئاسة فضيلة الشيخ عمر محمد الأمين العام المساعد وسكرتيرية مدير العلاقات العامة بالجامعة الأستاذ أحمد عبد الحميد عباس. وعضوية مدير عام التعليم الشيخ سليم سليمان الحازمي والأستاذ محمد بن عبد اللطيف رئيس التحريرات لدراسة الطلبات الواردة من إفريقيا بطلب تزيدها من الكتب والمقررات الدراسية في المراحل الثلاث الثانوية والمتوسطة والابتدائية وقد استعرضت اللجنة العديد من الطلبات التي وردت من مدراء المدارس والمعاهد والجمعيات الإسلامية في إفريقيا وغيرها وقررت في عدة محاضر لها إرسال المقررات الدراسية إلى 25 مدرسة ومعهداً في شتى أنحاء إفريقيا وقد بلغت الكتب المرسلة آلاف النسخ.. هذا وتقوم إدارة العلاقات العامة بالكتابة لمندوب الجامعة الإسلامية في جدة لتعبئة الكتب في صناديد خاصة وإرسالها بطريق الجو البحر إلى الجهات التي طلبتها هذا ويولي سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن باز اهتمامه الشديد وحرصه على سرعة تزويد الجهات المعنية بالكتب.
* يتوافد على مقر الجامعة الإسلامية بالمدينة العديد من الزوار من كبار حجاج بيت الله الحرام للزيارة والإطلاع على هذا المرفق الحيوي الكبير وإدارة العلاقات العامة بالجامعة تسعى جاهدة لاطلاع الزوار على كليات الجامعة ومعاهدها ومعالمها.
وفي ختام الزيارة توزع عليهم كميات من الكتب والنشرات هدية رمزية بمناسبة زيارتهم للجامعة.
* بعث فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد إلى سكرتير لجنة التبرعات للمجهود الحربي بخطاب يحتوي على المبالغ التي تبرع بها منسوبوا الجامعة الإسلامية بالمدينة والبالغ قدرها 87 - 79049 ريال.
* صدرت الموافقة السامية على تعيين فضيلة الدكتور السيد محمد الحكيم عضواً في مجلس الجامعة الإسلامية وفضيلته من المحاضرين في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة.
* كما صدرت الموافقة السامية على إرسال ستة من المدرسين إلى المدرسة السلفية في بلجرشي للتدريس هناك من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة اعتباراً من العام الدراسي 93 -1394هـ.
* قام بزيارة الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ سعيد بن عبد الله بن طالب المدرس في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية الحكومية في جاكرتا في جاوا الوسطى بإندونيسيا وقد اجتمع مع نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد المحسن العباد. وفضيلة الأمين العام المساعد الشيخ عمر محمد. وقد زود ببعض الكتب والنشارات رمزاً لزيارته.
* عاد إلى المدينة قادماً من المغرب الأستاذ سليم سلمان الحازمي مدير عام التعليم بالجامعة الإسلامية بعد أن مثل الجامعة في المهمة الرسمية التي انتدب من أجلها وقد باشر عمله.
صَدَرَ حَديثاً
1
التجويد الميسر
للأستاذ عبد العزيز القارئ المدرس في المعهد الثانوي بالجامعة
2
أفكار إسلامية
للشيخ محمد مصطفى المجذوب المدرس بكلية الدعوة بالجامعة
3
نظرات تحليلية في القصة القرآنية طبعة 2
" " "
4
الآيات الثلاث
" " "
5
صور من حياتنا طبعة 2
" " "
6
دروس من الوحي طبعة2
" " "
7
دماء وأشلاء طبعة3
" " "
القاديَانيَّة
بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس في كلية الشريعة في الجامعة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فإن القاديانية (ويقال لها كذلك الأحمدية) فرقة حديثة العهد نشأت في بلاد الهند في فترة اندفع فيها المسلمون في شبه هذه القارة ليطردوا عن بلادهم (كابوس) الاحتلال الإنجليزي الجاثم آنذاك على صدورهم، وعندئذ رأى المحتلون أن أنجع الوسائل لتفريق كلمة المسلمين وإطفاء جذوة صدورهم، الإيحاء إلى رجل يقال له: غلام أحمد القادياني المنتمي في الأصل إلى أسرة تنتمي إلى الإسلام، ليعلن ديناً جديداً، يفارق به إجماع المسلمين، وينقض به أصول الإسلام، وينكر ما علم بالضرورة أنه من هذا الدين، فزعم أن الوحي لم ينقطع، وأنّه مرسل من الله لإلغاء الجهاد ووجوب مسالمة المحتلين الإنجليز، وأنهم رحمة الله التي بعثها إلى أرض الهند.
من هو غلام أحمد؟
يعرف هذا الغلام نفسه في ص72 من كتابه (الاستفتاء) المطبوع بمطبعة النصرة بربوة بباكستان سنة 1378هـ فيقول: "إني أنا المسمى بغلام أحمد بن ميرزا مرتضى"، ثم يقول في نفس الصفحة:"وسمعت من أبي أن آبائي كانوا من الجرثومة المغولية، ولكن الله أوحى إليّ أنهم كانوا من بني فارس لا من الأقوام التركية". ثم يتناقض الغلام مع نفسه فيعلن دون حياء أو خجل من تناقض وحيه الشيطاني في ركاكة اللفظ ويقول في نفس الصفحة: "ومع ذلك أخبرني ربي بأن بعض أمهاتي كنّ من بني الفاطمة".
وقد ولد غلام أحمد هذا في قرية قاديان إحدى قرى البنجاب الهندية عام 1835م أو عام 1839م أو عام 1840م وقد بدأ شبابه بقراءة قليل من الفارسية ونبذ في النحو والصرف غير أن الأمراض التي لازمته منذ طفولته - ومنها الماليخوليا (نوع من الجنون) كما تقول دائرة المعارف القاديانية - لم تمكنه هذه الأمراض من متابعة دراسته.
وقد انتقل في صدر شبابه إلى سيالكوت واضطر إلى العمل فجلس أمام إحدى المحاكم ليكتب للعوام صور الادعاءات في نظير أجر زهيد يساوي خمس عشرة روبية في الشهر وذلك في عام 1864م وفي أثناء إقامته بسيالكوت اتصل به رجل من كبار المنحرفين يقال له: نور الدين البهيروي المولود في بهيرة من مديرية شاه بور المعروفة الآن باسم (سركودها) ، في غرب باكستان بالبنجاب. وقد درس الطب القديم في لكنهؤ على يد الحكيم علي حسن وعين طبيباً خاصاً في ولاية (جمون) بمنطقة كشمير الجنوبية ثم عزل عن الوظيفة عام 1892م، وقد توثقت عرى الصداقة بينه وبين غلام أحمد وأغراه بدعوى أنه مجدد وأنه المهدي المنتظر والمسيح الموعود فبدأ الغلام يؤلف كتاباً سمّاه (براهين أحمدية) وبدأ نور الدين هذا يؤلف كتاباً سمّاه (تصديق براهين أحمدية) ثم أخذ يغريه بدعوى النبوة فذكر في كتاب (سيرة المهدي) ص99 أنه قال آنذاك:"لو ادّعى هذا الرجل يعني الغلام أنه نبي صاحب شريعة ونسخ شريعة القرآن لما أنكرت عليه".
ولما انتقل الغلام إلى قاديان لحق به هذا الرجل وصار فيما يبدو للناس أكبر أتباع الغلام. وكان الغلام قد بدأ دعواه بأنه مجدد ثم زعم للناس أنه المهدي المنتظر ثم أوعز إليه الطبيب نور الدين أن يدعي أنه المسيح الموعود فأعلن الغلام عام 1891م أنه المسيح الموعود "لقد أرسلت كما أرسل الرجل (المسيح) بعد كليم الله موسى فلما جاء الكليم الثاني محمد كان لابدّ أن يكون بعد هذا النبي الذي هو في تصرفاته مثل الكليم من يرث قوة مثيل المسيح وطبعه وخاصيته، ويكون نزوله في مدة تقارب المدة التي كانت بين الكليم الأول والمسيح ابن مريم" يعني القرن الرابع عشر الهجري.
وقد دس له نور الدين - كما صرح بذلك غلام أحمد في (إزالة أوهام) بصفحة 100 - أن دمشق التي ينزل فيها المسيح ليست هي دمشق المعروفة ولكن المراد بدمشق قرية يسكنها رجال طبيعتهم يزيدية وأن كلمة دمشق استعارة.
ثم يقول إن قرية قاديان شبيهة بدمشق فأنزلني لأمر عظيم في دمشق هذه (يعني قاديان) بطرف شرقي عند المنارة البيضاء من المسجد الذي من دخله كان آمناً. يعني الذي بناه بقاديان ليحج إليه أتباعه المرتدون عن الإسلام مضاهاة للمسجد الحرام وقد جعل عنده منارة بيضاء ليضلل الناس أنها التي سينزل عليها المسيح يعني نفسه. وقد عين الغلام رجلاً يقال له عبد الكريم ليكون إماماً لمسجده هذا وكان هذا الرجل أحد جناحيه كما كان عبد الحكيم نور الدين الجناح الآخر.
وفي سنة 1900 ألقى عبد الكريم خطبة الجمعة وذكر فيها - والغلام حاضر - أن الميرزا غلام أحمد مرسل من الله والإيمان به واجب.
وقد أثارت هذه الخطبة جدالاً ونقاشاً بين أتباع الغلام الذين كانوا يعتقدون أنه مجدد ومهدي معهود ومسيح موعود. فلما أنكروا عليه ألقى خطبة أخرى في الجمعة الثانية والتفت إلى الغلام وقال: "أنا أعتقد أنك نبي ورسول فإن كنت مخطئاً فنبهني على ذلك"، ولما انتهوا من الصلاة وهمّ الغلام بالانصراف أمسك به عبد الكريم فقال الغلام:"هذا الذي أدين به وأدعيه"، ثم انصرف إلى بيته فوقع هياج بين عبد الكريم وبين بعض الرجال وارتفعت أصواتهم فخرج الغلام من بيته وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ} .
ومن ذلك التاريخ أخذ الغلام يدعي أن باب النبوة لا يزال مفتوحاً ويقول الغلام نفسه في صفحة 14 من (رسالة التعليم) طبع الربوة سنة 1386 هـ "ولا تحسبن أن الوحي كان فيما مضى ولم يعد له وجود في هذه الأيام، وأن روح القدس كان ينزل فيما مضى، وليس له أن ينزل الآن، الحق والحق أقول: إن كل باب يمكن أن ينسد، لكن باب روح القدس سيضل مفتوحاً إلى الأبد".
ويقول في صفحة 9 من (رسالة التعليم) : "إنه لا إله إلا هو الذي أوحى إلي، وأرى لأجلي آيات عظيمة، والذي جعلني المسيح الموعود لهذا العصر، لا إله إلا هو لا في السماء ولا في الأرض، وإن الذي لا يؤمن به سيلقى الشقاء والحرمان، إننا تلقينا منه وحياً هو أجلى من الشمس وأظهر".
ثم يزداد في ضلالته وتبجحه وجهله وإفكه فيقول في ص 12 من كتابه (الاستفتاء) طبع الربوة سنة 1378 هـ "إني مرسل من الله"ويقول في ص 17:"سماني الله نبيا"ويقول في ص 20: "بعثني الله على رأس المائة لأجدد الدين وأنور وجه الملة"ثم يقول "وأنا المسيح الموعود والمهدي المعهود".
ثم ازداد غروراً وضلالاً فادعى أنه أفضل من بعض الرسل ويدس دسيسة نصرانية فيدعي أن لله ولداً وأنه هو نفسه أفضل من هذا الولد فيقول في ص 82 من (الاستفتاء)"أنت مني بمنزلة توحيدي وتفريدي فحان أن تعان وتعرف بين الناس، أنت مني بمنزلة عرشي، أنت مني بمنزلة ولدي، أنت مني بمنزلة لا يعلمها الخلق. ."
وقد نسي هذا الأفاك أو تناسى قوله عز وجل: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} . وقوله عز وجل: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} .
ويقول ابنه بشير أحمد الخليفة الثاني للقاديانيين في كتاب حقيقة النبوة ص 257: "إن غلام أحمد أفضل من بعض أولى العزم من الرسل"وفي صحيفة (الفضل) لسان حال القاديانين في المجلد الرابع عشر المؤرخ في 29 من ابريل سنة 1927 م "أنه كان أفضل من كثير من الأنبياء ويمكن أن يكون أفضل من جميع الأنبياء".
ولم يبال هذا الغلام المفتون، ولا تلاميذه المغرورون بالقرآن ولا بالسنة ولا بإجماع الأمة القاطعة بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ولا نبي بعده فإن الله تبارك وتعالى يقول:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي" كما روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ " قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" وفي رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء" وقد انعقد إجماع المسلمين على ذلك وأصبح من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة وأن من ادعى هذا المقام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر كذاب أفاك دجال وضال مضل.
وبالرغم من أن دائرة المعارف القاديانية نصت على أن هذا الغلام كان مصاباً بالماليخوليا (نوع من الجنون) فإن شواهد الحال من تناقضه تنبئ بذلك فهو ينكر نزول المسيح عليه السلام أحياناً ويثبته أحياناً ويؤوله أحياناً وينكر رفع المسيح أحياناً ويثبته أحياناً ويؤوله أحياناً فهو يقول في ص 47 (مكتوب أحمد)"وقد سمعتم أنا قائلون بنزول المسيح والمقرون به بالبيان الصريح وأنه حق واجب" ويقول في ص 11 من كتاب (حمامة البشرى) : "وكنت أظن بعد هذه التسمية أن المسيح الموعود خارج وما كنت أظن أنه أنا حتى ظهر السر الخفي. ."ويقول في ص 41 من هذا الكتاب: "وقالوا: إن المسيح ينزل من السماء ويقتل الدجال ويحارب النصارى فهذه الآراء كلها قد نشأت من سوء الفهم وقلة التدبر في كلمات خاتم النبيين".
وقد خلط كذلك فزعم أن الملائكة جوارح الله تعالى الله عما يقول هذا الأفاك علواً كبيراً. فهو يقول في ص 98 من حمامة البشرى: "وانظر إلى الملائكة كيف جعلهم الله كجوارحه"ويقول هذا الأفاك في ص 34 من تحفة بغداد: "وإنا نؤمن بملائكة الله ومقاماتهم وصفوفهم ونؤمن أن نزولهم كنزول الأنوار لا كترحيل الإنسان من الديار إلى الديار ولا يبرحون مقاماتهم".
هذا ومما يكشف طبيعة هذا الضال ويبين أسباب ادعاءاته وافتراءاته أن الإنجليز كانوا وراء دعوته للعمل على تفريق كلمة المسلمين وإلغاء الجهاد الذي يراه أعداء الإسلام حجر عثرة في سبيل أطماعهم وأهدافهم. فهو يقول في ص 15 من كتاب (ترياق القلوب) : "لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد، ووجوب طاعة أولي الأمر الإنجليز من الكتب والنشرات ما لو جمع بعضها إلى بعض لملأ خمسين خزانة".
ويقول في ملحق كتاب (شهادة القرآن) ص 10 الطبقة السادسة: "لقد ظللت منذ حداثة سني - وقد ناهزت اليوم الستين - أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية، والنصح لها والعطف عليها، وأنفي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جهالهم، والتي تمنعهم من الإخلاص لهذه الحكومة".
ويقول في ص123 ج1 من نصيحته المندرجة في تبليغ الرسالة: "ففكروا قليلاً أي أرض في الدنيا تؤويكم إن فارقتم ظل هذه الحكومة، اذكروا لي حكومة واحدة تقبلكم في كنفها، إن كل حكومة من الحكومات الإسلامية تعض عليكم الأنامل من الغيظ، وتتربص بكم الدوائر، وتتحين الفرص لقتلكم، لأنكم قد أصبحتم في نظرها كفاراً ومرتدين، فاعرفوا لهذه النعمة الإلهية (نعمة وجود الحكومة البريطانية) قدرها، واعلموا علم اليقين أن الله تعالى لم يقم الحكومة الإنجليزية في هذه البلاد إلا لخيركم وصالحكم، فإن حلت بهذه الحكومة آفة من الآفات، فستبيدكم هذه الآفة أنتم أيضاً، وإذا أردتم برهاناً على ما أقول فاستظلوا بحكم غيرها وعندئذ ستعلمون ما ينزل بكم، ألا إن الحكومة البريطانية رحمة لكم وبركة، وهي الحصن الذي أقامه الله لوقايتكم فاعرفوا قدرها من أعماق قلوبكم ومهجكم، والإنجليز خير لكم ألف مرة من هؤلاء المسلمين، الذين يخالفونكم لأنهم لا يريدون إذلالكم ولا يرون وجوب قتلكم".
وقد تجاهل هذا الغلام آيات الجهاد في كتاب الله عز وجل كما تجاهل ما تواتر من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد وفضله وما ثبت أنه ماض إلى يوم القيامة.
وقد قام علماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بإعلان كفر القاديانيين وقال الدكتور إقبال في رسالة وجهها إلى كبرى صحف الهند الإنجليزية: "إن القاديانية محاولة منظمة لتأسيس طائفة جديدة على أساس نبوة منافسة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم"وقد ذكرت جريدة الفضل الناطقة بلسان القاديانيين في عددها الصادر في 30 يوليه سنة 1931م بأن غلام أحمد قال: "إننا نخالف المسلمين في كل شيء: في الله، وفي الرسول، وفي القرآن، وفي الصلاة، وفي الصوم، وفي الحج، والزكاة، وبيننا وبينهم خلاف جوهري في كل ذلك".
وبهذا يتقرر بما لا مجال للشك فيه أن القاديانية مرتدون خارجون عن دين الإسلام..
مع صاحب الفضيلة
والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله
بقلم الشيخ عطيه محمد سالم
القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة
الحمد لله المستحق لصفات الجلال وكمال الأسماء، المتفرد بالدوام وبالبقاء. خلق الخلق من عدم وقضى عليهم بالموت والفناء. وجعل الدنيا مزرعة الآخرة، حصادها الثواب والجزاء. واختار من عباده رسلاً يبلغون عنه فهم بينه وبين خلقه وسطاء. واصطفى خاتمهم محمداً صلى الله عليه وسلم فهو صفوة الأصفياء، بعثه رحمة للعالمين فجاء بالحنيفية السمحاء. أطل فجرها بمكة من قمة حراء.
وأشرقت شمس نهارها بطيبة الفيحاء. ظلت مهاجر صحبه في ألفة ووفاء فتحمل الصحب الكرام تراثه. ما ورثوه منه هداية وضياء. وورثوه من بعدهم توريث الآباء للأبناء. وغدت المدينة مشرقة أنوارها يشع منها للعالم نور وسناء. وتوالت الأجيال تلو أجيال إنتاجها للعالم صفوة العلماء، ممن قاموا لله حقاً وأخلصوا لله صدقاً ونشروا العلم في عفة وإباء. نهلوا من المنهل الصافي من منبعه قبل أن يخالطه الترب أو تكدره الدلاء. في مهبط الوحي محط رحالهم. وفي الروضة غدوهم ورواحهم في غبطة وهناء.
درسوا كتاب الله حكماً وحكمة حتى غدت آياته لمرضى الصدور شفاء، وتكشفت حجب المعاني فانجلت من تحتها أشمس وضياء.
وترسموا سنن النبي محمد، وكذاك سنة الخلفاء، وكذا الصحابة والتابعون فإنهم لهم بهم أسوة واقتداء. فهم النجوم في ليل السرى، وهم الهداة لطالب الهدى وأدلاء، وهم الأئمة قدوة الأمة وعلى الدين أمناء.
ونحن بالمدينة وفي هذا الجوار الكريم أشد إحساساً بمكانة العلم ومنزلة العلماء، وأسرع فرحاً بهم وأشد حزناً على موتهم وألماً لفراقهم، إن في موت العلماء لغربة للغرباء.
ولا شك أن هذه الآلام تزداد وهذا الحزن يشتد أكثر وأكثر حينما نكون قد عرفنا هذا العالم أو عاصرناه ولمسنا فضله واستفدنا علمه.
وهذا القدر كلنا فيه سواء نحو علماء المسلمين عامة وشيخنا الأمين خاصة.
وإني كأحد أبنائه ومن جملة تلاميذه أقف اليوم معزياً متعزياً. ومترجماً مترحماً وقد عظم المصاب وعز فيه العزاء.
ولو استحق أحد التعزية لشخصه لاستحقها ثلاثة أشخاص: الشيخ عبد العزيز بن باز لزمالته 21 سنة وماله عنده من منزلة، والشيخ عبد العزيز بن صالح أول من عرفه وتسبب في جلوسه، وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن لمحبته وتقديره.
نعم أقف معزياً متعزياً مترجماً مترحماً كما قال القاضي عياض عن بعض مشايخه "ما لكم تأخذون العلم عنا وتستفيدون منا، ثم تذكروننا فلا تترحمون علينا"، إنه ربط أصيل بين العلم والعالم وتنبيه أكيد على أن الاعتراف بفضل العالم شكر وتقدير لنفس العلم. رحم الله شيخنا رحمة واسعة ورحم الله علماء المسلمين في كل زمان ومكان.
وقد قام الخلف بحق السلف في حفظ تاريخهم بالترجمة لهم خدمة لتراثهم وإحياء لذكرهم وما أثر عن السخاوي أنه قال:"من ورخ مؤمناً فكأنما أحياه". أي من ترجم له وأرخه وها هم علماء الأمة يعايشون كل جيل بسيرتهم وتاريخهم في أمهات الكتب.
وإني لاعتقد حقاً أن تراجم الرجال مدارس الأجيال أي في علومهم ومعالم حياتهم.
وإن مثل شيخنا الأمين رحمة الله لحقيق بتخليده بترجمته والاستفادة من منهج حياته في تعلمه وتعليمه.
وإني لأستعين الله فيما أقدم وأستلهمه فيما أقول:
إلى رحمة الله وحسن جواره
فقيد العلم يا علم الرجال، نعاك العلم في حلق السؤال. نعم فقيد الدرس يا علم الرجال، نعاك الدرس في فصل المقال.
انتقل إلى رحمة الله وحسن جواره صاحب الفضيلة وعلم الأعلام الشيخ الجليل والإمام الهمام زكي النفس رفيع المقام كريم السجايا ذو الخلق الرزين، عف المقال حميد الخصال، التقي الأمين والدنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي. توفي ضحى يوم الخميس 17-12-93هـ وكانت وفاته بمكة المكرمة مرجعه من الحج ودفن بمقبرة المعلاة وصلى الله عليه سماحة رئيس الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الحرم المكي مع من حضر من المسلمين بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.
وفي ليلة الأحد 20-12 أقيمت عليه صلاة الغائب بالمسجد النبوي وصلى عليه صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح آل صالح إمام وخطيب المسجد النبوي ورئيس الدوائر الشرعية بالمدينة ومحاكم منطقة المدينة بعد صلاة العشاء مباشرة وصلى عليه من حضر من الحجاج ما لا يُحصى عدداً. ومن غريب الصدف وحسن التفاؤل أن يقرأ الإمام في صلاة العشاء قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} إلى آخر السورة، وفي الركعة الثانية {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} .
وقد سألت فضيلته عن هذه القراءة أهو قاصد لهذه الآيات ومختار لها أم جاءت عفواً، فقال حفظه الله بل عفواً فما الملاحظة عليها؟ قلت إنها من أغرب الصدف لأنك صليت على الشيخ الأمين رحمه الله بعدها فظننت أنك قصدت إليها، ولكنه من المناسبات الحسنة تغمد الله الفقيد برحمته وأسكنه فسيح جنته إنه جواد كريم رؤوف رحيم، كما صلي عليه بالجامعة الإسلامية وفي مساجد الدوادمي.
مات رحمه الله تعالى بعد أن أحيا علوماً درست، وخلف تراثاً باقياً، وربى أفواجاً متلاحقة تعد بالآلاف من خريجي كليات ومعاهد الإدارة العامة بالرياض والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ما مات إلا بعد أن أصبح له في كل دائرة من دوائر الحكومة في أنحاء البلاد ابناً من أبنائه، وفي كل قطر إسلامي بعثة من البعثات الإسلامية لمنح الجامعة الإسلامية التعليمية بالمدينة المنورة.
ما مات إلا بعد أن ترك في كل مكتبة وفي كل منزل (أضواء البيان) تبدد الظلام وتهدي السبيل.
فلا يبعد ولا يغالي من يقول ما مات من خلف هذا التراث وأدى تلك الرسالة في حياته يبقى أثراً خالداً له على مر الأجيال والقرون.
لقد أدى رسالة عظمى وانتقل إلى الرفيق الأعلى، ليحصد ما زرع ويجني ثمار ما غرس وينعم بما قدم رحمه الله رحمة واسعة.
لقد عاش رحمه الله في هذه البلاد منذ سنين حين قدم لأداء فريضة الحج ثم اعتزم المقام وعمل في كبريات معاهد العلم وجامعاته وألف وحاضر ولم تُكتب عنه كلمة ولم يكن يرضى بالكتابة عنه. لقد كانت أعماله تترجم عنه ومؤلفاته تعرف به حتى عرفه الصغير والكبير والقاصي والداني والعالم والعامي، فلم تكن وفاته رزءاً على فرد أو أسرة أو جماعة أو قطر ولكن على العالم الإسلامي كله.
وما كتبت عنه سوى كلمة موجزة استقيتها منه رحمه الله عند طبع أول محاضرة له بالجامعة الإسلامية في آيات الصفات وطبعت في مقدمتها.
ومات رحمه الله ولم تكتب عنه أيضاً إلا تعريف موجز بالنشأة والمولد وما إلى ذلك.
والآن وقد تحتمت الكتابة عنه لا تعريفاً به فهو أعرف من أن يُعرف فهو العلم الخفاق والطود الأشم والشمس المشرقة فليست الكتابة للتعريف ولكن لرسم خطاه وبيان منهجه مما سمعت منه رحمه الله ولمسته من حياتي معه المدة الطويلة، وإني لأسجل هذا عنه رحمه الله للقريب والبعيد لكل من عرفه عالماً ولم يعرفه طالباً، أو عرفه هنا ولم يعرفه هناك في بلاده فأقول أولاً: إني لا أستطيع إيفاء المقام حقه لعظم مقامه رحمه الله وكبير منزلته وإن كل كتابة عن أي شخص تعتبر ذات جانبين:
جانب ترجمة له وبيان لحقيقته وتعريف بشخصه ومنزلته، وجانب سيرته ومنهجه بما يمكن أن يكون نهجاً يُسار عليه ومنهجاً يُقتدى به ومؤثر يؤثر على غيره ممن أراد السير في سبيله والنسج على منواله والاستفادة من أقواله وأفعاله.
والكتابة عن أي شخص من هذين الجانبين تعتبر بمثابة شخصيته في إبراز صورته وبيان مكانته وفيها تقييمه في عظمته أو توسطه أو غير ذلك، وأي عالم أو طالب علم فإن له شخصية مزدوجة في حياته العامة وسلوكه العام، وحياته الخاصة في طلب العلم ومنهجه في تحصيله ونشره والكتابة بهذا الاعتبار تكون عن الترجمة الشخصية، والسيرة العلمية.
وقد ملئت المكتبات الإسلامية بتراجم وسير الأعلام من الرجال من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى عصور التدوين وامتدت إلى اليوم حفظاً للتراث الإسلامي وتسجيل للرعيل الأول، ولم تكن الكتابة عن أي شخص وافية كاملة إلا بتعدد الكتاب عنه، وتستخلص الحقيقة من مجموع ما كُتب عنه لأن كل كاتب عن أي شخص لن يخلو من أحد أمور ثلاثة:
1-
إما موال متأثر: فقد يقع تحت تأثير العاطفة فينظر من زاوية واحدة، فيقال فيه "وعين الرضا عن كل عيب كليلة".
2-
وإما معاد منفعل: فيقع تحت طائلة الانفعال فيصدق عليه تتمة البيت السابق "كما أن عين السخط تبدي المساويا".
3-
وإما بعيد معتدل: يرغب التقييم بميزان الاعتدال، ومثل هذا قد يفوته ما لم يكن حريصاً عليه بدون تقصير.
ومن هنا لم تكن كتابة كاتب عن إنسان ما مطابقة كل التطابق ومكتملة غاية الاكتمال.
وقد يتحرج الأصدقاء مخافة التهمة والتأثر بالألفة أو يتوقف الأعداء مكتفين بالإغضاء، أو يتردد الآخرون خشية التقصير، ولهذا فقد تذهب الشخصية الفذة دون كتابة عنها فيفتقده الحاضرون ويفقد سيرته القادمون، علماً بأن سيرة الرجال مدرسة الأجيال.
وفضيلة الوالد الشيخ محمد الأمين رحمه الله له شخصية متميزة وسيرة واضحة يعرفها كل من لقيه أو حضر مجلسه أو استمع درسه أو قرأ كتبه أو حتى سمع عنه، وقد طبقت شهرته الآفاق.
وإن الكتابة عن مثله رحمه الله لمن أشق ما يكون لتعدد جوانب الشخصية وانفساح مجالاته العلمية، والحال أنه لا مرجع لمن يكتب عنه إلا الخلطة وطول العشرة وتصيد الأخبار من ذويه الأخيار.
وحيث أن أحق الناس بالكتابة عنه هم تلاميذه وأبناؤه، وإني وإن كنت قد أكرمني الله بصحبته وطول ملازمته ليل نهار وكثرة مرافقته في الظعن والأسفار، داخل وخارج المملكة، وسمعت منه رحمه الله الشيء الكثير والكثير جداً فإني لأجدني تتجاذبني عوامل الإقدام والإحجام، فإذا استحضرت كل ما سمعته منه وتصورت كل ما لمسته فيه أجدني أحق الناس بالكتابة عنه.
وإذا تذكرت مكانته وتراءت لي منزلته وأحسست تأثيره على نفسي تلاشت من ذهني كل معاني الكتابة أمام تلك الشخصية المثالية تراجعت بعيداً عن ميادين الكتابة عنه.
ولكن إذا كان كل كاتب لا يستطيع تقييم كل شخصية تقييماً حقيقياً يدل على الشخص دلالة مطابقية وفي أسلوب المساواة، لا موجزاً ولا مطنباً، إذا كان هذا حال كل كاتب مع كل شخص.
وإذا كان تلميذ الشيخ أحق بالكتابة عنه فمالي لا أدلي بدلوي بالدلاء وأعمل قلمي مع الأقلام، وأبدي ما عندي سواء ما سمعته منه مباشرة أو عنه بواسطة، أو لمسته من جوانب حياته وسيرته.
دون انطلاق مع العاطفة إلى حد الإطناب، ودون إحجام مع الوجل والتهيب والوجل إلى حد الإيجاز. إنه لشيخي وأعز علي من والدي.
إنه حقاً والدي حساً ومعنى لقد عشت في كنفه سنوات معه في بيته وقد يظلنا سقف واحد في غرفة واحدة أمداً طويلاً.
وقد وجدت منه رحمة الله العناية والرعاية كأحد أبنائه كأشد ما يرعى الوالد ولده، وقد أجد منه الإيثار على نفسه في كثير من أحيانه مما يطول ذكره ولا يُنسى فضله.
وأعز من الإيثار ما منحني من العلوم والآثار، والتوجيه الأدبي والفضل الخلقي والسمو النفسي في مجالسه وأحاديثه ودروسه من غير ما حد وبدون تقيد بوقت إذ كان رحمه الله كل مجالسه مجالس علم وكل أحاديثه أحاديث أدب وتوجيه، ولم يكن يحتاج إلى تحضير لدرس ولا مراجعة لجواب على سؤال.
ولم يكن لي معه رحمه الله من وقت معين مع كثرة الإخوان الدارسين عليه المقيمين معه في بيته إلا وقت واحد هو ما بين المغرب والعشاء لمدة سنتين دراسيتين ونحن بالرياض، قرأت في خلالها تفسير سورة البقرة.
كانت تلك الدراسة عليه رحمه الله هي رأس مالي في جل تحصيلي وعليها أساس دراستي الحقيقية سواء في المقررات أو غيرها، لأن فيها جميع أبواب الفقه، وعلى مباحثها تنطبق جل قواعد الأصول، ولا يبعد من يقول إن ما بعدها من السور يُعتبر تفسيراً لها أو أن من أتقن تفسيرها سهل عليه تفسير ما بعدها، وقد كانت دراستها سبباً في تأليف كتابي دفع إيهام الاضطراب، وأضواء البيان، وكل منهما إثر سؤال وجواب.
مع ما درست من الأصول ومبادئ في المنطق ودقائق في البلاغة وغير ذلك.
لقد وجدت منه رحمه الله ما لم أجده من غيره على الإطلاق كما وأظن أن أحداً لم يجد منه ما وجدته أنا منه، فلئن شرفت بخدمته فلقد حظيت بصحبته فجزاه الله عني أحسن الجزاء.
وإن صاحب مثل هذه العلاقة مع مثل هذه الشخصية ليحس بثقل ديونه على كاهله ويلمس عظم المنة تطوق عنقه، فهل أستطيع توفية هذا الجانب فحسب فضلاً عن الجوانب العامة التي هي موضوع الترجمة والسيرة، وهل يتأتى مني الإحجام عن الكتابة وأنا مدين بمثل تلك الديون مكبل بتلك المنن مما يجعلني أحق بقول القائل:
كليني لهم يا أميمة ناصب
وليل أقاسيه بطيئ الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض
وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همه
تضاعف فيه الحزن من كل جانب
علي لعمر نعمة بعد نعمة
لوالده ليست بذات عقارب
ولئن قيل:
وتجلدي للشامتين أريهمو
أني لرب الدهر لا أتضعضع
فإني لأقول
وتجلدي للسامعين أريهمو
شمس الحقيقة من سناه تطلع
وإني ملزم بالكتابة ولو تأثرت بالعاطفة فإني معذور:
وإن قصرت عن حقه فلا عذر لي في التقصير.
وإني لأعتبر ما أقدمه بداية لا نهاية وتذكرة للآخرين من حاضرين وغائبين لعلهم يتمون ما بقي، ويكملون ما نقص.
وإذا كانت التراجم والسير تنقسم إلى ذاتية وغير ذاتية، والذاتية هي ما يكتبها الشخص عن نفسه من طفولته إلى رجولته، ويسجل ما جرى له وعليه، وهي أصدق ما تكون إن كان صاحبها معتدلاً أميناً.
وقد ترجم بعض العلماء والفلاسفة لأنفسهم منهم:
1-
ابن سينا المتوفى سنة 428 كانت ترجمته لنفسه مرجعاً لكل من كتب عنه من تلاميذه.
2-
والعماد الأصفهاني المتوفى سنة 597 في مقدمة كتابه (البرق الشامي) .
3-
وابن الخطيب المتوفى سنة 776.
4-
وابن خلدون، المتوفى 805، والسيوطي وغيرهم.
والترجمة غير الذاتية ما يكتب غيره عنه.
وإن ما أقدمه في هذا المجال ليجمع بين القسمين الذاتي وغير الذاتي لأنه يشتمل على ما قاله هو عن نفسه وسمعته منه مباشرة، كما تشتمل على ما عرفته ولمسته من حياته مدة صحبتي له.
والله أسأل أن يجعل من سيرته خير قدوة لتلامذته، وأن يجعل في ولديه خير خلف لخير سلف، وأن يأجرنا في مصيبتنا ويخلفنا خيراً منها، ونسأله تعالى أن يتغمده بوافر رحمته ويسكنه فسيح جنته وأن يجزل له العطاء ويجزيه أحسن الجزاء عما بذله من جهد، وخلفه من علم. إنه جواد كريم (إن أول ما يبدأ به في مثل هذا المقام لهو الاسم واللقب والنسب والنشأة والموطن)
…
الخ.
وهذه ترجمته رحمه الله كما سمعتها منه مباشرة:
الاسم: هو محمد الأمين، وهو علم مركب من اسمين وذكر محمد تبرك.
واللقب: آبا. بمد الهمزة وتشديد الب اء من الإباء.
واسم أبيه: محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي أحمد ابن المختار من أولاد أولاد الطالب أوبك وهذا من أولاد أولاد كرير بن الموافي بن يعقوب بن جاكن الابر جد القبيلة الكبيرة المشهورة المعروفة بالجكنيين. ويُعرفون بتجكانت.
نسب القبيلة: ويرجع نسب هذه القبيلة إلى حمير، كما قال الشاعر الموريتاني محمد فال ولد العينين مستدلا بفصاحتهم على عروبتهم:
إنا بنو حسن دلت فصاحتنا
أنا إلى العرب الأقحاح ننتسب
إن لم تقم بينات أننا عرب
ففي (اللسان) بيان أننا عرب
أنظر إلى ما لنا من كل قافية
لها تذم شذور الزبرج القشب
وبيّن شاعر آخر مرجع تلك القبيلة إلى حمير بقوله:
يا قائلا طاعناً في أننا عرب
قد كذبتك لنا لسن وألوان
وسم العروبة بادٍ في شمائلنا
وفي أوائلنا عز وإيمان
أساد حمير والأبطال من مضر
حمر السيوف فما ذلوا ولا هانوا
لقد كانت خصائص العروبة ومميزاتها موفورة لدى الشيخ رحمه الله ولدى أهله وذويه في النظم وفي النثر، كما توفرت العلوم والفنون في بيته وقبيلته: وقد بيّن أحد شعرائهم أصالة العروبة فيهم وارتضاعهم إياها من أمهاتهم في قوله يخاطب من ينكرها عليهم:
لنا العروبة الفصحى وإنا
أحق العالمين بها اضطلاعا
عن الكتب اقتبستموها انتفاعا.
بما فيها ونرضعها ارتضاعا
المولد: ولد رحمه الله في عام 1325هـ.
الموطن: كان مسقط رأسه رحمه الله عند ماء يسمى (تَنْبه) من أعمال مديرية (كيفا) من القطر المسمى بشنقيط وهو دولة موريتانيا الإسلامية الآن. علماً بأن كلمة شنقيط كانت ولا تزال اسماً لقرية من أعمال مديرية أطار في أقصى موريتانيا في الشمال الغربي.
نشأته رحمه الله: وقبل الحديث عن نشأته يحسن إيجاز نبذة عن البيئة في تلك البلاد:
تعتبر الحياة الاجتماعية في تلك البلاد بحسب المواطنين قسمين عرب وعجم والعربية لغة الجميع، أما العمل فالعجم أكثر أعمالهم الزراعة والصناعة وسلالتهم من الزنوج.
وأما العرب فقسمان: طلبة وغير الطلبة، والطلبة من يغلب عليهم طلب العلم والتجارة وغيرهم من يغلب عليهم التجارة والإغارة. وهم قبائل عدة ومن القبائل من يغلب عليها الطلب ومنها من يغلب عليها الإغارة والقتال.
وقبيلة الجكنيين خاصة قد جمعت بين طلب العلم وفروسية القتال مع عفة عن أموال الناس، وفي هذا الجو كان طلب العلم على قدم وساق سواء في حلهم أو ترحالهم كما قال بعض مشايخهم العلامة المختار بن بونا:
ونحن ركب من الأشراف منتظم.
أجل ذا العصر قدراً دون أدنانا
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة
بها نبين دين الله تبيانا
أما كرم الطبع فهذا سجية في جميعهم وأمر يشب فيه الصغير ويشيب عليه الكبير، وقد ألفوا الضيف لنجعة منازلهم ومن عاداتهم إذا نزل وفد على بيت فإن أهل هذا المنزل يرسلون لأهل بيت المضيف مما عندهم قل أو كثر مشاركة في قرى الضيف وتعاوناً مع المضيف حتى لو كان معدماً غدا واجداً ويرحل الوفد وهو في غاية الرضا. وهكذا دواليك.
وفي هذا الجو وتلك البيئة نشأ رحمه الله كما سمعته يقول: "توفي والدي وأنا صغير أقرأ في جزء عمّ وترك لي ثروة من الحيوان والمال، وكانت سكناي في بيت أخوالي وأمي ابنة عم أبي وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم بن أحمد نوح جد الأب المتقدم".
طلبه للعلم: حفظ القرآن في بيت أخواله على خاله عبد الله كما تقدم وعمره عشر سنوات.
قال رحمه الله: "ثم تعلمت رسم المصحف العثماني (المصحف الأم) على ابن خالي سيدي محمد بن أحمد بن محمد المختار، وقرأت عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق وقالون من رواية أبي نشيط وأخذت عنه سنداً بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك وعمري ستة عشر سنة".
أنواع الدراسة في القرآن: تعتبر الدراسة في علوم القرآن منهجاً متكاملاً لا تقتصر على الحفظ والأداء بل تتناول معرفة رسم المصحف أي نوع كتابته ما كان موصولاً أو مفصولاً وما رسم فيه المد أو كان يمد بدون وجود حرف المد وقد يكون حرفاً صغيراً أو نحو ذلك.
ثم ضبط ما فيه من منشأيه في الرسم أو التلاوة ومن المشهور عندهم في هذا الرجز (محمد ابن بوجه) المشهور المعروف بالبحر تعرض فيه لكل كلمة جاءت في القرآن مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات إلى سبع وعشرين مرة أي من الكلمات المشتبهة وأفرد كل عدد بفصل فمثلاً: كلمة (أعينهم) بالرفع جاءت ثلاث مرات قال فيها:
أعينهم بالرفع من غير حضور
من بعد كانت وتولت وتدور
ومن الثنائي: كلمة (الأشياع) بالعين قال فيه:
أشياع بالعين فهل من مدكر
في سبأ من قبل بأنهم ذكر
وقد درس هذا كله في طفولته وكانت له زيادة نظم على ذلك تذييلا لزيادة الفائدة كما قال: على البيت الأخير مبيناً حركاته وإعرابه:
في سورة القمر خاطب وانصبا
وجره وغيبنه في سبا
أي في سورة القمر تكون تلاوتها الخطاب والنصب {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} .
وفي سورة سبأ تكون تلاوتها بالغيبة والجر {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ} وهذه دراسة لا تكاد توجد إلا ما شاء الله وهي من المهام العلمية لحفظها رسم القرآن من التغيير والتبديل وهي من أثار تعهد الله بحفظ هذا القرآن المنزل من عنده سبحانه.
ثم قال رحمه الله: وفي أثناء هذه القراءة درست بعض المختصرات في فقه مالك كرجز الشيخ ابن عاشر وفي أثنائها أيضاً درست دراسة واسعة في الأدب على زوجة خالي أم ولد الخال أي أن ولد خاله يعلمه العلوم الخاصة بالقرآن وأمه تعلمه الأدب قال أخذت عنها مبادئ النحو كالأجرومية وتمرينات ودروس واسعة في أنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي وهو يزيد على 500 بيتاً وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بحماد ونظم عمود النسب للمؤلف وهو يعد بالآلاف وشرحه لابن أخته المذكور على خصوص العدنانيين لأنه مات قبل شرح ما يتعلق بالقحطانيين.
هذه دراسته في علوم القرآن والأدب والسير والتاريخ كانت في بيت أخواله على أخواله وأبناء أخواله وزوجات أخواله أي كان بيت أخواله المدرسة الأولى إليه، أما بقية الفنون فقال:
1-
أولاً الفقه المالكي وهو المذهب السائد في البلاد درست مختصر خليل بدأ دراسته فيه على الشيخ محمد بن صالح إلى قسم العبادات ثم درس عليه النصف من ألفية ابن مالك، ثم أخذت بقية الفنون على مشايخ متعددة، في فنون مختلفة وكلهم من الجكنيين ومنهم مشاهير العلماء في البلاد منهم:
1
الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأفرم
2
والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار
3
والشيخ العلامة أحمد بن عمر
4
والفقيه الكبير محمد النعمة بن زيدان
5
والفقيه الكبير أحمد بن مُودْ
6
والعلامة المتبحر في الفنون أحمد فال بن آدُه
وغيرهم من المشايخ الجكنيين.
قال رحمه الله: "وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كل الفنون: النحو والصرف والأصول والبلاغة، وبعض التفسير والحديث.
أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة".
هذا ما أملاه علي رحمه الله وسجلته عنه.
علماً بأن الفن الذي درسه على المشايخ أو مطالعة من الكتب لم يقتصر في تحصيله على دراسته بل كان دائماً يديم النظر ويواصل التحصيل حتى غدا في كل منه كأنه متخصص فيه بل وله في كل منه اجتهادات ومباحث مبتكرة سنلم بها إن شاء الله عند إيراد المنهج العلمي لدراسته وآثاره العلمية.
منهجه العلمي في الدراسة:
وقبل إيراد المنهج العلمي له رحمه الله في دراسته نلم بالمنهج العام السائد في بلاده لكافة طلبة العلم وطريقة تحصيله.
تعتبر طريقة الدراسة في تلك البلاد جزءاً من حياة البوادي حلاً وارتحالاً. وإذا أقام أحد المشايخ في مكان توافد عليه الطلاب للدراسة عليه ومكث حتى يأخذوا عنه وقد يقيم بصفة دائمة لدوام الدراسة عليه ويُقال له (المرابط) نظراً لإقامته الدائمة لنشر العلم.
ولا يأخذ المرابط من طلابه شيئاً وإن كان ذا يسار ساعد المحتاجين من طلابه وقد يساعد أهل ذاك المكان الغرباء من الطلاب.
فينزلون حول بيته ويبنون لهم خياماً أو مساكن مؤقتة، ويكون لهم مجلس علم للدرس والمناقشة والاستذكار.
وقد يكون المرابط مختصاً بفن واحد وقد يدرس عدة فنون، فإذا كان مختصاً بفن واحد فإن دروسه تكون في هذا الفن موزعة في عدة أماكن منه بحسب مجموعات الطلاب فقد تكون مجموعة في البداية منه ومجموعة في النهاية وأخرى في أثنائه وهكذا.. فتتقدم كل مجموعة على حدة فتدرس على الشيخ ثم تأتي المجموعة الأخرى وهكذا.
وإذا كان يدرس عدة فنون فإنه يقسم طلاب كل فن على النحو المتقدم.
إفراد الفنون: ولا يحق لطالب أن يجمع بين فنين في وقت واحد بل يدرس فناً حتى يكمله كالنحو مثلاً ثم يبدأ في البلاغة حتى يكملها وهكذا يبدأ مثلاً في الفقه حتى يفرغ منه ثم يبدأ في الأصول حتى يكمله، سواء درسها على عدة مشايخ أو على شيخ واحد.
طريقة الدراسة اليومية: يبدأ الطالب بكتابة المتن في اللوح الخشبي فيكتب قدر ما يستطيع حفظه ثم يمحوه ثم يكتب قدراً أخر حتى يحفظ مقرأ من الفن حسب التقسيم المعهود فمثلاً النحو تعتبر الألفية أربعة مقارئ ويعتبر متن خليل في الفقه نحواً من ذلك.
فإذا حفظ الطالب مقرأ من الفن تقدم للدراسة فيشرحه له الشيخ شرحاً وافياً بقدر ما عنده من تحصيل دون أن يفتح كتاباً أو يحضر في مرجع ثم يقوم هؤلاء للاستذكار فيما بينهم ومناقشة ما قاله الشيخ وقد يأخذون بعض الشرّاح لمقابلته على ما سمعوه أو يرجعون إلى بعض الحواشي ولا يجتازون ذاك المكان من الدرس حتى يروا أنهم قد حصلوا كل ما فيه، وليس عليهم من سرعة أو إنهاء كتاب بقدر ما عليهم من فهم وتحصيل ما في الباب وقد ذكروا عن بعض الطلاب ممن عرفوا بالذكاء والقدرة على التحصيل أنه كان لا يزيد في متن خليل على سطرين فقط فقيل له:"لمَ لا تزيد وأنت قادر على التحصيل"فقال: "لأنني عجلان لأعود إلى أهلي". فقالوا له إن العجلان يزيد في حصته. فقال: "أريد أن أتقن ما أقرأ حتى لا أحتاج إلى إعادة دراسته فأتأخر".
الحياة الدراسية:
دراسة الشيخ رحمه الله: على هذا المنهج كانت دراسة الشيخ رحمه الله إلا أنه تميز ببعض الأمور قل أن كانت لغيره. نوجز منها الآتي:
1-
في مبدأ دراسته: تقدم أنه أتيح له في بادئ دراسته ما لم يتح لغيره حيث كان بيت أخواله مدرسته الأولى، فلم يرحل في بادئ أمره للطلب، وكان وحيد والديه فكان في مكان التدلل والعناية.
2-
قال رحمه الله كنت أميل إلى اللعب أكثر من الدراسة حتى حفظت الحروف الهجائية وبدأوا يقرئونني إياها بالحركات: با فتحة با بي كسرة بي بُ ضمة بو وهكذا ث د ث. فقلت لهم أو كل الحروف هكذا قالوا نعم فقلت كفى إني أستطيع قراءتها كلها على هذه الطريقة كي يتركونني. فقالوا اقرأها فقرأت بثلاثة حروف أو أربعة وتنقلت إلى آخرها بهذه الطريقة فعرفوا أني فهمت قاعدتها واكتفوا مني بذلك وتركوني، ومن ثم حُببت إلي القراءة.
3-
وقال رحمه الله: ولما حفظت القرآن وأخذت الرسم العثماني وتفوقت فيه على الأقران عُنيت بي والدتي وأخوالي أشد عناية وعزموا على توجهي للدراسة في بقية الفنون، فجهزتني والدتي بجملين أحدهما عليه مركبي وكتبي، والآخر عليه نفقتي وزادي، وصحبني خادم ومعه عدة بقرات وقد هيئت لي مركبي كأحسن ما يكون من مركب وملابس كأحسن ما تكون فرحاً بي وترغيباً لي في طلب العلم، وهكذا سلكت سبيل الطلب والتحصيل.
تقوم الحياة الدراسية على أساس منع الكلفة وتمام الألفة سواء بين الطلاب أنفسهم أو بينهم وبين شيخهم مع كمال الأدب ووقار الحشمة، وقد تتخللها الطرف الأدبية والمحاورات الشعرية ومن ذلك ما حدثنيه رحمه الله قال: قدمت على بعض المشايخ لأدرس عليه ولم يكن يعرفني من قبل فسأل عني من أكون وكان في ملإ من تلامذته فقلت مرتجلا:
هذا فتى من بني جاكان قد نزلا
به الصبا عن لسان العرب قد عدلا
رمت به همة علياء نحوكم
إذ شام برق علوم نوره اشتعلا
فجاء يرجو ركاماً من سحائبه
تكسو لسان الفتى أزهاره حللا
إذ ضاق ذرعاً بجهل النحو ثم أبا
ألا يميز شكل العين من فعلا
قد أتى اليوم صبا مولعاً كلفا
بالحمد لله لا أبغي له بدلا
يريد دراسة لامية الأفعال:
وقد مضى رحمه الله في طلب العلم قُدماً وقد ألزمه بعض مشايخه بالقرآن، أي أن يقرن بين كل فنين حرصاً على سرعة تحصيله وتفرساً له في القدرة على ذلك، فانصرف بهمة عالية في درس وتحصيل.
وقد خاطبه بعض أقرانه في أمر الزواج فقال في ذلك وفي الحث على طلب العلم:
دعاني الناصحون إلى النكاح
غداة تزوجَتْ بيض الملاح
فقالوا لي تزوج ذات دل
خلوب اللحظ جائلة الوشاح
تبسم عن نوشرة رقاق
يمج الراح بالماء القراح
كأن لحاظها رشقات نبل
تذيق القلب آلام الجراح
ولا عجب إذا كانت لحاظ
لبيضاء المحاجر كالرماح
فكم قتلا كميّا ذا ولاحى
ضعيفات الجفون بلا سلا
فقلت لهم دعوني إن قلبي
من العي الصراح اليوم صاحي
ولي شغل بأبكار عذارى
كأن وجوهها ضوء الصباح
أراها في المهارق لابسات
براقع من معانيها الصحاح.
أبيت مفكراً فيها فتضحى
لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبراً عليها
وما كان الحريم بمستباح.
نعم إنه كان يبيت في طلب العلم مفكراً وباحثاً حتى يذلل الصعاب وقد طابق القول العمل.
حدثني رحمه الله قال: جئت للشيخ في قراءتي عليه فشرح لي كما كان يشرح ولكنه لم يشف ما في نفسي على ما تعودت ولم يرو لي ظمئي، وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس وإيضاح بعض المشكل وكان الوقت ظهراً فأخذت الكتب والمراجع فطالعت حتى العصر فلم أفرغ من حاجتي فعاودت حتى المغرب فلم أنته أيضاً فأوقد لي خادمي أعواداً من الحطب أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب وواصلت المطالعة وأتناول الشاهي الأخضر كلما مللت أو كسلت والخادم بجواري يوقد الضوء حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام وإلى أن ارتفع النهار وقد فرغت من درسي وزال عني لبسي ووجدت هذا المحل من الدرس كغيره في الوضوح والفهم فتركت المطالعة ونمت وأوصيت خادمي أن لا يوقظني لدرسي في ذلك اليوم اكتفاء بما حصلت عليه واستراحة من عناء سهر البارحة.
فقد بات مفكراً فيها فأضحت
لفهم الفدم خافضة الجناح
وإن هذا لدرس لأبنائه ومنهج لطلاب العلم في الصبر والدأب والمثابرة وقد نفعني الله بهذه الحادثة في دراستي وتدريسي وخاصة في صورة مشابهة في الفرائض لم أكن درستها على أحد وكان الاختيار في المقروء لا في المقرر.
وتلك هي آفة الدراسة النظامية اليوم وكنت كلما ضجرت في تحقيقها تذكرت قصته رحمه الله فصبرت حتى حصلتها ولله الحمد والمنة وكان من بعد الظهر إلى هزيع من الليل، ولكن كم كانت لذتي وارتياحي.
ومع هذه الشاعرية الرقراقة والمعاني العذاب الفياضة والأسلوب السهل الجزل فقد كان يتباعد رحمه الله عن قول الشعر مع وفرة حفظه إياه وله في ذلك أبيات يقول فيها:
أنقذت من داء الهوى بعلاج
شيب يزين مفارقي كالتاج
قد صدني حلم الأكابر عن لمي
شفة الفتاة الطفلة المغناج
ماءُ الشبيبة زارع في صدرها
رمانتي روض كحق العاج
وكأنها قد أدرجت في برقع
يا ويلتاه بها شعاع سراج
وكأنما شمس الأصيل مذابة
تنساب فوق جبينها الوهاج.
يعلى لموقع جنبها في خدرها
فوق الحشية ناعم الديباج.
لم يبك عيني بينُ حي جيرة
شدوا المطي بأنسع الأحداج
نادت بأنغام اللحون حداتهم
فتزيلوا والليل أليل داجي
لا تصطبيني [1] عاتق في دلّها
رقت فراقت في رقاق زجاج
مخضوبة منها بنان مديرها
إذ لم تكن مقتولة بمزاج
طابت نفوس الشرب حيث أدارها
رشأ رمى بلحاظ طرف ساجي
أو ذات عود أنطقت أوتارها
بلحون قول للقلوب شواجي
فتخال رنات المثاني أحرفاً
قد رددت في الحلق من مهتاج
وقد سألت رحمه الله عن تركه الشعر مع قدرته عليه وإجادته فيه فقال: "لم أره من صفات الأفاضل. وخشيت أن أشتهر به وتذكرت قول الشافعي فيما ينسب إليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد
ولأن الشاعر يقول في كل مجال، والشعر أكذبه أعذبه، فلم أكثر منه لذلك".
ومع هذا فقد كانت له رحمه الله عدة مؤلفات نظماً في عدة فنون سيأتي بيانها إن شاء الله.
أعماله في البلاد: كانت أعماله رحمه الله كعمل أمثاله من العلماء: الدرس والفتيا ولكنه كان قد اشتهر بالقضاء وبالفراسة فيه ورغم وجود الحاكم الفرنسي إلا أن المواطنين كانوا عظيمي الثقة فيه فيأتونه للقضاء بينهم ويفدون إليه من أماكن بعيدة أو حيث يكون نازلاً.
طريقته في القضاء: كان إذا أتى إليه الطرفان استكتبهما رغبتهما في التقاضي إليه وقبولهما ما يقضي به ثم يستكتب المدعي دعواه جواب المدعي عليه أسفل كتابة الدعوى ويكتب الحكم مع الدعوى والإجابة ويقول لهما اذهبا بها إلى من شئتما من المشايخ أو الحكام، أما المشايخ فلا يأتي أحدهم قضية قضاها إلا صدقوا عليها، وأما الحكام فلا تصلهم قضية حكم فيها إلا نفذوا حكمه حالاً، وكان يقضي في كل شيء إلا في الدماء والحدود، وكان للدماء قضاء خاص.
قضاء الدماء: كان الحاكم الفرنسي في البلاد يقضي بالقصاص في القتل بعد محاكمة ومرافعة واسعة النطاق وبعد تمحيص القضية وإنهاء المرافعة وصدور الحكم يعرض على عالمين جليلين من علماء البلاد ليصادقوا عليه ويسمي العلمين لجنة الدماء ولا ينفذ حكم الإعدام في القصاص إلا بعد مصادقتهما عليه. وقد كان رحمه الله أحد أعضاء هذه اللجنة ولم يخرج من بلاده حتى علا قدره وعظم تقديره وكان علماً من أعلامها وموضع ثقة أهلها وحكامها ومحكومها.
خروجه من بلاده رحمه الله: كان خروجه من بلاده لأداء فريضة الحج وعلى نية العودة وكان سفره براً كتب فيه رحلة ضمنها مباحث جليلة كان آخرها مبحث القضايا الموجهة في المنطق مع علماء أم درمان بالمعهد العلمي بالسودان.
وبعد وصوله إلى هذه البلاد تجددت نية بقائه، ولعل من الخير وبيان الواقع ذكر سبب بقائه: لقد كان في بلاده كغيره يسمع الدعاية ضد هذه البلاد باسم الوهابية إلا أن بعض الصدف قد تغير من وجهات النظر (وإذا أراد الله أمرا هيأ له الأسباب) ومن عجيب الصدف أن ينزل رحمه الله في بعض منازل الحج بجوار خيمة الأمير خالد السديري دون أن يعرف أحدهما الآخر وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتاً في الأدب وهو ذواقة أديب، وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم فوجدوا بحراً لا ساحل له ومن تلك الجلسة وذاك المنزل تعدلت الفكرة بل كانت تلك الخيمة بداية منطلق لفكرة جديدة وأوصاه الأمير إن هو قدم المدينة أن يلتقي بالشيخين الشيخ عبد الله الزاحم رحمه الله والشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله.
وفي المدينة التقى بهما رحمه الله، وكان صريحاً معهما فيما يسمع عن البلاد وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيراً قدّم للشيخ كتاب المغني كأصل للمذهب وبعض كتب شيخ الإسلام كمنهج للعقيدة فقرأها الشيخ وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات فوجد الشيخ مذهباً معلوماً لإمام جليل من أئمة أهل السنة وسلف الأمة أحمد بن حنبل رحمه الله، كما وجد منهجاً سليماً لعقيدة السلف تعتمد الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة فذهب زيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين، ورغب رحمه الله في هذا الجوار الكريم وكان يقول: "ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم ذلك بأمر من جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله وكان الشيخان أقرب الناس إليه ودرس الشيخ عبد العزيز بن صالح الصرف والبيان عليه. رحم الله الموتى وحفظ الله الأحياء.
وهنا كلمة يجب أن تقال للحقيقة ولطلبة العلم خاصة، نضعها في ميزان العدالة وقانون الإنصاف: لقد كان لجلوس الشيخ رحمه الله فائدة مزدوجة استفاد وأفاد.
أما استفادته فأمر حتمي ومنطقه علمي للآتي:
وهو أن منهج الدراسة في بلاده كان منصباً أكثر ما يكون على الفقه وفي مذهب مالك فقط، وعلى العربية متناً وأسلوباً، والأصول والسيرة والتفسير وتقدم أنه رحمه الله درس المنطق بالمطالعة ولم تكن دراسة الحديث تحظى بما يحظى به غيرها للاقتصار على مذهب مالك. وكان الشيخ رحمه الله إماماً في كل ما تقدم مما هو شائع في البلاد.
ولما عزم على البقاء وبدأ التدريس في المسجد النبوي وخالط العامة والخاصة وجد من يمثل المذاهب الأربعة ومن يناقش فيها ووجد في المسجد النبوي دراسة لا تقتصر على مذهب مالك، بل ولا على غيره فكان لا بد من دراسة بقية المذاهب بجانب مذهب مالك وبما أن الخلاف المذهبي لا ينهيه إلا الحديث أو القرآن فكان لزاماً من التوسع في دراسة الحديث وقد ساعد الشيخ على هذا التوسع والاستيعاب وقوة الاستدلال ودقة الترجيح ما هو متمكن فيه من فن الأصول والعربية مع توسعه في دراسة الحديث وبالأخص المجاميع كنيل الأوطار وفتح الباري وغيرها.
وقد ظهر ذلك في منهجه في أضواء البيان حينما يعرض لمبحث فقهي مختلف فيه فيستوفي أقوال العلماء ويرجح ما يظهر له بمقتضى الدليل عقلاً كان أو نقلاً.
وهذا المنهج هو سبيل أهل التحصيل الدأب على الدراسة ومواصلة المطالعة والتنقيح.
أما في العقيدة فقد بلورها منطقاً ودليلاً، ثم لخصها في محاضرة آيات الأسماء والصفات في أول محاضرات الجامعة ثم بسطها ووضحها إيضاحاً شافياً في أخريات حياته في كتابي آداب البحث والمناظرة دليلاً واستدلالاً وعرضاً وإقناعاً. ومن آثار بيانه لها وأسلوبه فيها ما قاله فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله لما سمع بيان الشيخ لعقيدة السلف في مسجد الشيخ محمد رحمه الله قال:"جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خيراً على بيانه هذا فالجاهل عرف العقيدة والعالم عرف الطريقة والأسلوب".
وهذه الحقيقة تضع بين يدي طالب العلم منهج الاستزادة في التحصيل وطموحه فيه كما قال صلى الله عليه وسلم: "منهومان لا يشبعان أبداً طالب العلم وطالب المال". هذا جانب استفادته أما جانب إفادته فهو ما سنتحدث عنه إن شاء الله.
أولاً في المسجد النبوي: يعتبر التدريس في المسجد النبوي من أهم التدريس في كبريات جامعات العالم في نشر العلم، وهو الجامعة الأولى للتشريع الإسلامي منذ عهد النبوة وحين كان جبريل عليه السلام يأتي لتعليم الإسلام في مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنذ كانت مجالس الخلفاء الراشدين وعلماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، إذ كانت المدينة العاصمة العلمية، وظلت محافظة على مركزها العلمي ولم تخل في زمن من الأزمان من عالم يقوم بحق الله فيها.
وقبل مجيء الشيخ رحمه الله كان قبله الشيخ الطيب رحمه الله نفع الله به كثيراً وتوفي سنة 1363هـ فكان جلوس الشيخ رحمه الله للتدريس في المسجد النبوي امتداداً لما كان قبله مع من كان من العلماء بالمسجد النبوي آنذاك من تلاميذ الشيخ الطيب وغيرهم، وكان درس الشيخ في التفسير ختم القرآن مرتين.
منهجه في درسه: من المعلوم أن التفسير لا ينحصر في موضوع فهو شامل عام بشمول القرآن وعمومه، فكان المنهج أولاً بيان المفردات ثم الإعراب والتصريف ثم البلاغة مع إيراد الشواهد على ما يورد.
ثم يأتي إلى الأحكام إن كان موضوع الآية فقهاً فيستقصي باستنتاج الحكم وبيان الأقوال والترجيح لما يظهر له، ويدعم ذلك بالأصول وبيان القرآن وعلوم القرآن من عام وخاص ومطلق ومقيد وناسخ ومنسوخ وأسباب نزول وغير ذلك.
وإذا كانت الآية في قصص أظهر العبر من القصة وبين تاريخها وقد يربط الحاضر بالماضي كربط تكشف النساء اليوم بفتنة إبليس لحواء في الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما، وفتنته للجاهلية حين طافوا بالبيت عرايا رجالاً ونساء وهاهو يستدرجهن في التكشف شيئاً فشيئاً، بدأ بكشف الوجه ثم الرأس ثم الذراعين
…
الخ. فكان أسلوباً علمياً وتربوياً في آن واحد، كما كان أحكاماً وحكماً.
وكان درسه أشبه بحديثة غناء احتوت أشهى الثمار وأجمل الأزهار في تنسيق الغرس وجمال الجداول تشرح الصدر وتشفي القلب وتروق للعين، فيستفيد منه جميع الناس ويأخذ كل واحد ما طاب له وما وسعه.
وقد يستطرد للقاعدة بمبحث كامل كما استطرد في الرد على ابن حزم في رده القياس بإتيانه بأنواعه عند قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} وقد طبع في نهاية مذكرة الأصول تعميماً للفائدة وبهذا الشمول والاستقصاء لم يكن يترك مجالاً لسؤال ولم يبق لذي حاجة تساؤل.
وأذكر كلمة لقاضي قرية (قرو) في موريتاني بعد أن سئل رحمه الله عن مهام من المسائل العلمية وأجاب إجابة مستفيضة مفصلة كافية قال قاضي قرو لم يبق لأحد هنا كلام فقد ظهر الحق. ولا سؤال فقد زال اللبس وإن الحضور بين أحد رجلين عالم فقد عرف الحق فلم يبق له سؤال وجاهل فلا يحق له أن يسأل.
فكان نفعه رحمه الله في المسجد النبوي للمقيم والقادم للقاصي والداني نفعاً عظيماً.
ثانياً: في سنة 1371هـ افتتحت الإدارة العامة بالرياض على معهد علمي تلاه عدة معاهد وكليتا الشريعة واللغة.
واختير للتدريس في المعهد والكليتين نخبة من العلماء من داخل وخارج المملكة. وكان رحمه الله ممن اختير لذلك فتولى تدريس التفسير والأصول إلى سنة 1381هـ حين افتتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة.
آثاره في الرياض: كانت مدة اختياره للتدريس بالرياض عشر سنوات دراسية يعود لقضاء العطلة بالمدينة وما كان عمله في التدريس بالمعهد والكلية كغيره من المدرسين. ولكن لبيان أثره حقيقة نورد نبذه عن الحالة العلمية آنذاك بالرياض.
كانت الرياض عاصمة نجد علمياً وسياسياً وكان يفد إليها طلاب العلم من أنحاء نجد لأخذ العلم عن آل الشيخ. وكان مركز الدراسة والتدريس في المساجد إلا خواص الطلاب لدى سماحة المفتي فيدرسون عليه بعض الدروس في بيته ضحى، وكانت الدراسة عمادها التوحيد والفقه والتفسير وكذلك الحديث والسيرة والنحو وكانت دراسة مباركة تخرج عليها جميع علماء نجد حتى جاءت تلك الحركة العلمية الجديدة أو تنظيم الدراسة الجديد في عام 1371هـ.
نشأة هذه الحركة: كانت نشأتها كما سمعت منه رحمه الله استجابة لرغبة المرحوم جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله. قال لجماعة العلماء وهم في مجلسه الخاص: لقد كانت الرياض ملية بالعلماء عامرة بالدروس. وانتقل الكثير منهم إلى رحمة الله ولم يخلفهم من يماثلهم وأردت تعاونكم مع سماحة المفتي في تربية جيل من طلبة العلم على العلوم الصحيحة والعقيدة السليمة فنحن وأنتم مشتركون في المسئولية فكانت هذه النهضة ترعاها عناية ملكية وتقوم عليها كفاءة علمية تولي إدارة المعهد الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ورئاسته لسماحة المفتي وافتتحت الدراسة على طلاب حلق المساجد الأكفاء وفيهم خواص طلاب فضيلة الشيخ محمد رحمه الله وأبناؤه. صنفت الدراسة على ثلاث سنوات ثانوية ومنها إلى الكلية يغذي هذا القسم تمهيدي يأخذ من رابعة ابتدائي ويدرس خامسة وسادسة ومن ثم للمعهد الثانوي فالكليتين.
المنهج العلمي: وضع المنهج العلمي لتلك الدراسة على أساس في العلوم الدينية والعربية وتكميل من المواد الاجتماعية وعلوم الآلة من مصطلح وأصول حتى الحساب والتقويم والخط والإملاء والتجويد. فكان قوياً في موضوعه شاملاً في منهجه. وكان الطلاب من الصفوة الذين درسوا في المساجد المتعطشين للعلوم متطلعين للتوسع وكان القائمون على التدريس نخبة ممتازة من الأجلة الفضلاء من وطنيين وأزهريين. فكان الجو حقاً جداً علمياً التقت فيه همة عالية من طلاب جيدين مع عزيمة ماضية من مشايخ مجتهدين. كان يسودهم الشعور بأن هذه طليعة نهضة علمية واسعة، كان رحمه الله كوالد للجميع وكان درسه التفسير والأصول. فكان في التفسير المجال الواسع لجميع المواد والعلوم. وكان مع التزامه بالمنهج والحصص إذا تناول بحثاً في أي مادة يخاله السامع مختصاً فيها فعرف له الجميع قدره وتطلع الجميع إلى ما عنده حتى المدرسون: وقد رغب المدرسون آنذاك في قراءة بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيمية واستيعاب دقائقه فلم يكن أولى بذلك من فضيلته رحمه الله. خصص لذلك مجلس خاص في صحن المعهد بدخنه بين المغرب والعشاء.
في مسجد الشيخ: وفي مسجد الشيخ محمد رحمه الله بدأ درس الأصول لكبار الطلبة في قواعد الأصول حضره العامة والخاصة وكان يتوافد إليه من أطراف الرياض، وكان الشيخ عبد الرحمن الإفريقي رحمه الله يدرس الحديث وكان درس الأصول بمثابة فتح جديد في هذا الفن.
في بيته رحمه الله: ولما كان الدرس في الأصول في المسجد عاماً وفي الطلبة من خواصهم رغبوا في درس خاص في بيته رحمه الله فكان لهم درس خاص بعد العصر. وكان بيته رحمه الله كمدرسة سواء لأبنائه الذين رافقوه للدراسة عليه وقد أملى شرحاً على مراقي السعود في بيته على أخينا أحمد الأحمد الشنقيطي.
لقد كان لتدريسه هذا سواء رسمياً في المعهد والكليتين أو في المسجد أو في المنزل كان له أثر طيب ونتائج حسنة لا يسع متحدث التحدث عنها بقدر ما تحدثت هي عن نفسها في أعمال كافة المتخرجين من تلك المعاهد والكليتين المنتشرين في أنحاء المملكة المبرزين في أعمالهم وفي أعلى مناصب في كافة الوزارات.
ولا يُغالي من يقول إن كل من تخرج أو يتخرج فهو إما تلميذ له أو لتلاميذه فهم بمثابة أبنائه وأحفاده كفى.
تقدير المسؤولين له: لقد كان بعلمه ونصحه وجهده وعفته موضع تقدير من جميع المسئولين وبالأخص أصحاب الفضيلة آل الشيخ وصاحب الجلالة الملك عبد العزيز وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن بعد الرحمن وكان من أشد الناس تقديراً له. وقد منحه جلالة الملك رحمه الله أمراً بالجنسية لجميع من ينتمي إليه وفي كفالته ثقة به وإكراماً له.
ولما زار الملك محمد الخامس ملك المغرب الرياض استأذن في صحبة الشيخ إلى المدينة فرافقه تقديراً وإكراماً وألقى محاضرته بالمسجد النبوي بحضور الملك محمد الخامس بعنوان: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} وقد طبعت مرتين.
وهكذا قدم الرياض رحمه الله في ترحيب وإكرام وانتقل منها في إعزاز وإكبار بعد أن ترك فيها أطيب الآثار. وساهم في أكبر نهضة علمية في البلاد.
دوره رحمه الله في الجامعة الإسلامية: إن من يعرف نشأة الجامعة الإسلامية وقد عرف الحركة العلمية الحديثة بالرياض ليقول أن افتتاح الجامعة الإسلامية امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض.
والمتتبع للحركات العلمية في العالم الإسلامي ليقول إن افتتاح الجامعة الإسلامية في ذلك التاريخ عناية من الله وتداركاً للتعليم الإسلامي حينما أصيبت بعض دور العلم الكبرى بهزات في برامجها.
فكان إيجادها امتداداً للحركة العلمية الحديثة بالرياض ومجيئها آنذاك تداركاً لبعض ما فات ولعلها جزء من تحقيق الحديث: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها". ومعلوم أن الإيمان عقيدة وعمل والعلم قبله.
ومن هنا نجدد أو نتذكر أهمية الجامعة الإسلامية ومدى وجودها بالمدينة المنورة وبالتالي مجيء أبناء العالم الإسلامية إليها للدراسة وللتربية في هذا الجو الروحي لتبرز لنا قيمة العمل في الجامعة وأن رسالتها تربوية بجانب أنها علمية وأنها منعت الانتساب دون الحضور لهذا الغرض نفسه.
وقد كان لوالدنا رحمه الله في هذه المجالات اليد الطولى والمجهود الأكبر فلم يدخر وسعاً في تعليم ولم يتوانى في توجيه سواء في دروسه أو أحاديثه أو محاضراته وسواء مع الطلاب أو المدرسين فكان كالأب الرحيم والداعية الناصح الأمين. تحمل عنه تلاميذه إلى أنحاء العالم الإسلامي حينما وصلت منح الدراسة بالجامعة الإسلامية لبلدان العالم الإسلامي فهل يمكن أن نقول ولو ادعاء أو تجوزاً إنه كان بحق في منزلة شيخ الإسلام في هذا الوقت. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وقد كان بجانب التعليم عضو مجلس الجامعة ساهم في سيرها ومناهجها كما ساهم في إنتاجها وتعليمها.
وفي سنة 86هـ افتتح معهد القضاء العالي بالرياض برآسة فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي وكانت الدراسة فيه ابتداء على نظام استقدام الأساتذة الزائرين فكان رحمه الله ممن يذهب لإلقاء المحاضرات المطلوبة في التفسير والأصول.
امتداد نشاطه خارج المملكة: إذا كانت الجامعة الإسلامية قد فتحت للبلاد نوافذ تطل منها على العالم الإسلامي كله وجعلت لها أبناء في شتى أقطارها فإن من حق أولئك الأبناء ما يجب من رعايتهم وحق تلك الأقطار ما يلزم من تقوية أواصر الروابط. فكانت فكرة إرسال بعثات إلى الأقطار الإسلامية وخاصة إفريقيا فكان رحمه الله على رأس بعثة الجامعة إلى عشر دول إفريقية بدأت بالسودان وانتهت بموريتانيا موطن الشيخ رحمه الله. كان لهذه البعثة في تلك البلاد أعظم الأثر وأذكر في مجلس من أفاضل البلاد بموريتانيا وفي حفل تكريم للبعثة وكل إلى فضيلته رحمه الله كلمة الجواب فكان منها إن الذكريات لتتحدث وإنها لساعة عجيبة أدارت عجلة الزمان حيث نشأ الشيخ في بلادكم ثم هاجر إلى الحجاز ثم ها هو يعود إليكم على رأس وفد ورئاسة بعثة فقد نبتت غرسة علمه هنا عندكم فذهب إلى الحجاز فنمت وترعرعت فامتدت أغصانها حتى شملت بوارف ظلها بلاد الإسلام شرقاً وغرباً وها نحن في موطنه نجني ثمار غرسها ونستظل بوارف ظلها. فكانت تلك الرحلة حقاً حلقة اتصال وتجديد عهد وإحياء معالم للإسلام.
وكان له رحمه الله العديد من المحاضرات والمحادثات سجلت كلها في أشرطة لا تزال محفوظة آمل أن أوفق لنقلها وطبعها إتماماً للفائدة إن شاء الله. ونضم إليها منهجه وسلوكه مع الحكام وصغار الطلاب والعوام مما يرسم الطريق الصحيح للدعوة إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة.
في هيئة كبار العلماء: وكما شكلت هيئت كبار العلماء بعد سماحة المفتي رحمه الله وهي أكبر هيئة علمية في البلاد كان رحمه الله أحد أعضائها. وقد ترأس إحدى دوراتها فكانت له السياسة الرشيدة والنتائج الحميدة. سمعت فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح حفظه الله وهو عضو فيها يقول: ما رأيت قبله أحسن إدارة منه مع بُعد نظر في الأمور وحسن تدبر للعواقب.
في الرابطة: وفي رابطة العالم الإسلامي كان عضو المجلس التأسيسي لم تقل خدماته فيه عن خدماته في غيرها. أذكر له موقفاً حدثني به جنب الرابطة مأزقاً كاد أن يدخل عليها شقاقاً أو انثلاما.
حينما قدم مندوب إيران وقدم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي:
الإسلام دين الجميع والرسول صلى الله عليه وسلم رسول الجميع. والقرآن كتاب الله والكعبة قبلة الجميع والصلوات الخمس وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنا وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كاف للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويعلن الحق ويُلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله وسحب العضو طلبه.
وهكذا كان رحمه الله حكيماً في تعليمه حكيماً في دعوته حكيماً في بحثه وإقناعه. وقد ظهر ذلك كل الوضوح في مؤلفاته.
مؤلفاته رحمه الله: لا شك أن كل مؤلف يحكي شخصية مؤلفه في علمه وفي عقله بل وفي اتجاهه كما قالوا: من ألف فقد استهدف أي لأنه يعرض ما عنده على أنظار الناس. وللشيخ تآليف عديدة منها في بلاده ومنها هنا. فما كان في بلاده هو:
1
في أنساب العرب نظما ألفه قبل البلوغ يقول في أوله:
سميته بخالص الجمان
في ذكر أنساب بني عدنان
وبعد البلوغ دفنه قال لأنه كان على نية التفوق على الأقران وقد لامه مشايخه على دفنه وقالوا كان من الممكن تحويل النية وتحسينها.
2
رجز في فروع مذهب مالك يختص بالعقود من البيوع والرهون وهو آلاف متعددة قال في أوله:
الحمد الله الذي قد ندبا
لأن نميز البيع عن لبس الربا
ومن بالمؤلفين كتباً
تترك أطواد الجهالة هبا
تكشف عن عين الفؤاد الحجبا
إذا حجاب دون علم ضربا
3
ألفية في المنطق - أولها:
حمداً لمن أظهر للعقول
حقائق المنقول والمعقول
وكشف الرين عن الأذهان
بواضح الدليل والبرهان
وفتح الأبواب للألباب
حتى استبانت ما وراء الباب
4
نظم في الفرائض أولها:
تركة الميت بعد الخامس
من خمسة محصورة عن سادس
وحصرها في الخمسة استقراء
وانبذ لحصر العقل بالعراء
أولها الحقوق بالأعيان
تعلقت كالرهن أو كالجاني
وكزكاة التمر والحبوب.
إن مات بعد زمن الوجوب
وكل هذه المؤلفات مخطوطة.
أما مؤلفاته هنا فهي:
1-
منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز. وموضوعها إبطال إجراء المجاز في آيات الأسماء والصفات وإيفائها على الحقيقة. وقد زاد هذا المعنى فيما بعد في آداب البحث والمناظرة.
2-
دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب أبان فيه مواضع ما يشبه التعارض في القرآن كله كما في قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} مع قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} وأن السؤال متنوع والمواقف متعددة. وقد طبع وما قبله ونفدا.
3-
مذكرة الأصول: على روضة الناظر جمع في شرحها أصول الحنابلة والمالكية وبالتالي الشافعية. مقررة على كليتي الشريعة والدعوة.
4-
آداب البحث والمناظرة: أوضح فيه آداب البحث من إيراد المسائل وبيان الدليل ونحو ذلك. وهو أيضاً مقرر في الجامعة ومن جزأين.
5-
أضواء البيان: لتفسير القرآن بالقرآن وهو مدرسة كاملة يتحدث عن نفسه. طبع منه ستة أجزاء كبار والسابع تحت الطبع وصل فيه رحمه الله إلى نهاية قد سمع. ولعل الله ييسر ويوفق من يعمل على إكماله ولو بقدر المستطاع. ومن عجيب الصدف أن يكون موقفه رحمه الله في التفسير على قوله تعالى: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
وهنا العديد من المحاضرات ذات المواضيع المستقلة طبعت كلها ونفذت وهي:
1-
آيات الصفات: أوضح فيها تحقيق إثبات صفات الله.
2-
حكمة التشريع: عالج فيها العديد من حكمة التشريع في كثير من أحكامه.
3-
المثل العليا: بين فيها المثالية في العقيدة والتشريع والأخلاق.
4-
المصالح المرسلة: بين فيها ضابط استعمالها بين الإفراط والتفريط.
5-
حول شبهة الرقيق: رفع اللبس عن ادعاء استرقاق الإسلام للأحرار.
6-
على {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} ألقاها بحضرة الملك محمد الخامس عند زيارته للمدينة. وكلها عامة نافعة جديدة.
وبالتالي فقد كان لمنهجه العلمي في أبحاثه وتدريسه وفي مؤلفاته. إحياء لعلوم درست وتصحيحاً لمفاهيم اختلفت.
فمما أحيا من العلوم علم الأصول الذي هو أصل الاستدلال والاستنباط والاجتهاد والترجيح وعمدة المجتهد وعماده وبجهله لا يحق الاجتهاد ويجب التقليد المحض كما يقولون جهلة الأصول عوام العلماء. ففتح أبوابه وسهّل صعابه وأوضح قواعده، وقرب تناوله تسهيلاً لأخذ الأحكام من مصادرها ورد الفروع إلى أصولها.
كما أحيا آداب البحث والمناظرة فوضع منهجه وألف مقرره فكان خدمة للعقيدة في أسلوب بيانها وكيفية إثباتها والدفاع عنها وطرق الإقناع بما فيه الخلاف.
كما فتّح أبواباً جديدة وأحدث فنوناً طريفة في علوم القرآن من منع المجاز عن المنزل للتعبد والإعجاز إثباتاً لمعاني آيات الصفات على حقيقتها وسد باب تعطليها عن دلالتها إجراء للنص على حقيقته وإبقاء عليه في دلالته.
ومن دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب وبيان تصديق آي الكتاب بعضه بعضاً بدون تعارض ولا إشكال.
ومن تسليط أضواء البيان على تفسير القرآن بالقرآن رسم فيه المنهج السليم لتفسير القرآن الكريم. تفسير كلام الله بعضه ببعض وأبان أحكامه وحكمه وفتح كنوزه وأطلع نفائسه ونشر درره على طلبة العلم.
وكل ذلك فتح جديد في علوم القرآن لم تكن موجودة على هذا النسق من قبل ولم تكن تدرس بهذا المثل.
كما أنه في غضونها صحح مفاهيم مختلفة منها أن المنطق لم يكن يُعرف عنه إلا أنه تقديم العقل على النقل ومصادمة النص بالرأي وكان فعلاً وسيلة التشكيك في العقيدة باستخدام قضايا عقيمة. فهذب الشيخ رحمه الله من أبحاثه وأحسن باستخدامه فنظم قضاياه المنتجة ورتب أشكاله السليمة واستخدم قياسه في الإلزام. سواء في العقيدة أو أصول الأحكام وبعد أن كان يستخدم ضدها أصبح يعمل في خدمتها. كما وضح ذلك في آداب البحث والمناظرة.
مواقفه مع الحق: كان رحمه الله قوياً صلباً ليناً سهلاً.
كان قوياً صلباً في بيانه، ليناً سهلاً في الرجوع إلى ما ظهر إليه منه.
في بعض الأعوام التي حججتها معه رحمه الله قدمنا مكة يوم سبع من الشهر وكان مفرداً الحج وفي يوم العيد صحبته للسلام على سماحة المفتي رحمه الله بمنى فسأله رحمه الله عن نسكه فقال جئت مفرداً الحج وقصداً فعلت فأدرك المفتي رحمه الله أن وراء ذلك شيئاً ولكن تلطف مع الشيخ وقال أهو أفضل عندك حفظك الله فأجاب أيضاً حفظكم الله لا للأفضلية فعلت ولكن سمعت وتأكد عندي أن أشخاصاً ينتمون لطلب العلم يقولون لا يصح الإفراد بالحج ويلزمون المفردين بالتحلل بعمرة. وهذا العمل لا يتناسب مع العديد من وفود بيت الله الحرام كل بما اختار من نسك وكل يعمل بمذهب صحيح وجرت محادثة من أنفس ما سمعت في تقرير هذا البحث من مناقشة الأدلة وبيان الراجح وأخيراً قال رحمه الله أنه لا يعنيني بيان الأفضل فهذا أمر مختلف فيه وكل يختار ما يترجح عنده ولكن يعنيني إبطال القول بالمنع من صحة إفراد الحج لأنه قول لم يسبق إليه والأمة مجمعة على صحته. فما كان من سماحة المفتي رحمه الله إلا أن استحسن قوله ودعا له.
ولكأني بهذا العمل من الشيخ رحمه الله الذي أراد به البيان عملياً صورة مما وقع من علي رضي الله عنه حينما بلغه عن عثمان رضي الله عنه أنه ينهى عن التمتع فدخل عليه وقال كيف تنهى عن شيء فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج من عنده وهو يقول: لبيك اللهم حجاً وعمرة.
أما لينه مع الحق ورجوعه إلى ما ظهر له منه ففي آخر دروسه في الحرم النبوي في رمضان الماضي في سورة براءة أعلن عن رجوعه عن القول في الأشهر الحُرم بأنها منسوخة وقال الذي يظهر أنها محكمة وليست منسوخة وكنا نقول بنسخها في دفع إيهام الاضطراب ولكن ظهر لنا بالتأمل أنها محكمة. وهو الحق الذي ينبغي اعتماده والتعويل عليه.
ومما وقع لي معه رحمه وأكبرته فيه تواضعه وإنصافه سمعت منه في مبحث زكاة الحلي في أضواء البيان عند سرد الأدلة ومناقشتها أن من أدلة الموجبين حديث المرأة اليمنية ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فسألها صلى الله عليه وسلم: "أتؤدين زكاة هذا" فقالت: لا. فقال: "هما حسبك من النار". فخلعتهما وألقت بهما.
وأجاب المانعون بأن ذلك كان قبل إباحة الذهب للنساء فتساءلت مستوضحاً منه رحمه الله: وماذا يسمى هذا منه صلى الله عليه وسلم سكوته عن لبسه وهو محرم وسؤاله عن زكاته فقال عجباً إن هذا يتضمن وجود اللبس عند السؤال ويدل على إباحته آنذاك لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر أحداً على محرم ولا يتأتى أن يسكت على لبسها إياه وهو ممنوع ويهتم لزكاته ولو أعيد طبع الكتاب لنبهت عليه رغم أن جميع المراجع لم تلتفت إليه فهو بهذا يلقن طلبة العلم درساً في موقفه من الحق ولكأني بكلام عمر رضي الله عنه في كتابه لأبي موسى رحمه الله ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وظهر لك الحق أن تأخذ به فالحق أحق أن يتبع. وقد رأينا من قبل للشافعي القديم والجديد. وهذا ما يقتضيه إنصاف العلماء وأمانة العلم.
هذا ما وسعني ذكره عن حياته العلمية في نشأته وتعلمه وتعليمه وعن تراثه العلمي في مؤلفاته وآثاره التربوية في أبنائه وأبناء العالم الإسلامي كله رحمه الله رحمة واسعة.
ولعل من أبنائه الحضور أو غيرهم من لديه المزيد على ذلك.
أما الناحية الشخصية: في تقويمه الشخصي لسلوكه، وأخلاقه، وآدابه، وكرمه، وعفته، وزهده وترفع نفسه وما إلى ذلك. فهذا ما يستحق أن يفرد بحديث، وإني لا أستطيع الآن تصويره ولا يسعني في هذا الوقت تفصيله. وما كان رحمه الله يحب أن يذكر عنه شيء في ذلك. ولكن على سبيل الإجمال لو أن للفضائل والمكرمات والشيم وصفات الكمال في الرجال عنوان يجمعها لكان هو أحق به.
وإذا كان علماء الأخلاق يعنونون لأصول الأخلاق والفضائل بالمروءة فإن المروءة كانت شعاره ودثاره. وكانت هي التي تحكمه في جميع تصرفاته سواء في نفسه أو مع إخوانه وطلابه أو مع غيرهم من عرفهم أو لم يعرفهم. وقد قال فيه بعض الناس في حياته إنه لا عيب فيه سوى عيب واحد هو أننا نفقده بعد موته.
وإن تفصيل ذلك لمتروك لمن خالطه عن قرب. ولقد استعصى علي المقال في ذلك ولكأني بقول القائل:
أهابك إجلالاً وما بك سلطة
علي ولكن ملء عين حبيبها
ولكن قد تكفي الإشارة إذا لم تسعف العبارة. وأقرب شيء زهده في الدنيا وعفته عما في أيدي الناس وكرمه بما في يده: لأن هذا لا يعلم إلا لمن خالطه وليس كل من خالطه يعرف ذلك منه بل من داخله ولازمه.
والواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئاً فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء ولا مرتباً ولا ترفيعاً لمرتبه ولا حصولاً على مكافأة أو علاوة. ولكن ما جاءه من غير سؤال أخذه وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه بل يوزعه في حينه على المعوزين من أرامل ومنقطعين وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهماً ولا ديناراً وكان مستغنياً بعفته وقناعته. بل إن حقه الخاص ليتركه تعففاً عنه كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة فينوعها. لم يقبل التكسب بها وتركها لطلبة العلم.
وسمعته يقول: لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له وما هو قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر:
الجوع يطرد بالرغيف اليابس
فعلام تكثر حسرتي ووساوسي
وكان اهتمامه بالعلم وبالعلم وحده وكل العلوم عنده آلة ووسيلة وعلم الكتاب وحده غاية وكان كثيراً ما يتمثل بأبيات الأديب محمد بن حنبل الحسن الشنقيطي رحمه الله في قوله:
لا تسوء بالعلم ظناً يا فتى
إن سوء الظن بالعلم عطب
لا يزهدك أحد في العلم أن
غمر الجهال أرباب الأدب
إن تر العالم نضوا مرملا
صفر كف لم يساعده سبب
وترى الجاهل فد حاز الغنى
محرز المأمول من كل أرب
قد تجوع الأسد في أجامها
والذئاب الغبش تعتام القتب
جرع النفس على تحصيله
مضض المرين ذل وسغب
لا يهاب الشوك قطاف الجنى
وإبار النحل مشتار الضرب
حقاً إنه لم يسئ بالعلم ظناً ولم يهب في تحصيله شوك النخل ولا إبار النحل. فنال منه ما أراد واقتحم الحمى على عذارى المعاني وأباح حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح.
أما مكارم أخلاقه ومراعاة شعور جلسائه فهذا فوق حد الاستطاعة فمذ صحبته لم أسمع منه مقالا لأي إنسان ولو مخطئ عليه يكون فيه جرح لشعوره وما كان يعاتب إنساناً في شيء يمكن تداركه وكان كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه وحينما كنت أسائله في ذلك يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه
ولكن سيد القوم المتغابي
ولم يكن يغتاب أحداً أو يسمح بغيبة أحد في مجلسه وكثيراً ما يقول لإخوانه (اتكايسوا) أي من الكياسة والتحفظ من خطر الغيبة. ويقول إذا كان الإنسان يعلم أن كل ما يتكلم به يأتي في صحيفته فلا يأتي فيها إلا الشيء الطيب.
ومما لوحظ عليه في سنواته الأخيرة تباعده عن الفتيا وإذا اضطر يقول: لا أتحمل في ذمتي شيئاً العلماء يقولون كذا وكذا.
وسألته مرة عن ذلك: فقال إن الإنسان في عافية ما لم يُبتلى والسؤال ابتلاء لأنك تقول عن الله ولا تدري أتصيب حكم الله أم لا. فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب التحفظ فيه.
ويتمثل بقول الشاعر:
إذا ما قتلت الشيء علماً فقل به
ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله
فمن كان يهوي أن يرى متصدراً
ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
وفي الجملة فقد كان رحمه الله خير قدوة وأحسنها في جميع مجالات الحياة فكان العالم العامل ولا أزكي على الله أحداً وقد خلف ولدين فاضلين أديبين يدرسان بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية جعلهما الله خير خلف لخير سلف والله أسأل أن يسكنه فسيح جنته ويوسع له في رضوان رحمته وأن يعلي منزلته ويرفع درجته مع العلماء والصديقين والشهداء وحَسُنَ أولئك رفيقا.
ونفعنا الله بعلمه وسلك بنا طريقة عمله بما يرضيه تبارك وتعالى عنا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله علي وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
…
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
أي لا تستميلني.
أبُو الحسن الأشعري
بقلم: الشيخ حماد بن محمد الأنصاري
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: لما كان أكثر الناس في الأقطار الإسلامية ينتسب عقيدة إلى أبي الحسن الأشعري، ومع ذلك لا يعرف شيئاً عن أبي الحسن الأشعري، ولا عن عقيدته التي استقر عليها أمره أخيراً واستحق بها أن يكون من الأئمة المقتدى بهم، أحببنا أن نفيد أولئك عن حقائق هذا الإمام المجهول عند كثير ممن ينتسب إليه وينتحل عقيدته، حسب ما تتبعنا من المراجع المعتبرة.
وقبل كل شيء نتحف القارئ بنبذة قليلة من ترجمة الأشعري فأقول وبالله أستعين:
التعريف بالإمام:
هو علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، ولد سنة ستين ومائتين من الهجرة النبوية، ترجمه أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي في كتابه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي موسى الأشعري) والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) وابن خلكان في وفيات الأعيان والذهبي في (تاريخ الإسلام) وابن كثير في (البداية والنهاية) و (طبقات الشافعية) والتاج السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) وابن فرحون المالكي في (الديباج المذهب في أعيان أهل المذهب) ومرتضى الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين) وابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب في أعيان من ذهب) وغيرهم.
دخل هذا الإمام بغداد وأخذ الحديث عن الحافظ زكريا بن يحيى الساجي أحد أئمة الحديث والفقه [1] وعن أبي خليفة الجمحي وسهل بن سرح ومحمد بن يعقوب المقري وعبد الرحمن بن خلف البصريين، وروى عنهم كثيراً في تفسيره (المختزن) وأخذ علم الكلام عن شيخه زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة.
ولما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ فيه الغاية كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس ولا يجد فيها جواباً شافياً فتحير في ذلك.
فحكي عنه أنه قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليك بسنتي "فانتبهت!! وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار، فأثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً.
قال أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ في الجزء الحادي عشر من تاريخه المشهور صفحة 346: "أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة، والجهمية، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة.
إلى أن قال: وكانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فحجزهم في أقماع السمسم".
قال ابن فرحون في الديباج: "أثنى على أبي الحسن الأشعري أبو محمد بن أبي زيد القيرواني وغيره من أئمة المسلمين"اه.
وقال ابن العماد الحنبلي في الشذرات الجزء الثاني صفحة 303:
ومما بيض به أبو الحسن الأشعري وجوه أهل السنة النبوية وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان به وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل الإيمان والعرفان أثلج، مناظرته مع شيخه الجبائي التي بها قصم ظهر كل مبتدع مراء وهي أعني المناظرة كما قال ابن خلكان: "سأل أبو الحسن الأشعري أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة، كان أحدهم مؤمناً براً تقياً والثاني كان كافراً فاسقاً شقياً، والثالث كان صغيراً، فماتوا فكيف حالهم؟ فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة، فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟
فقال الجبائي: لا !! لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بطاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات، فقال الأشعري فإن قال: ذلك التقصير ليس مني، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة، فقال الجبائي: يقول البارئ جل وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلمَ راعيت مصلحته دوني فانقطع الجبائي"!!
وقال ابن العماد "وفي هذه المناظرة دلالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته واختص آخر بعذابه"اه.
وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: "أبو الحسن الأشعري كبير أهل السنة بعد الإمام أحمد بن حنبل وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمه الله واحدة لا شك في ذلك ولا ارتياب وبه صرح الأشعري في تصانيفه وذكره غير ما مرة من أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل، هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه"اه.
وفضائل أبي الحسن الأشعري ومناقبه أكثر من أن يمكن حصرها في هذه العجالة، ومن وقف على تواليفه بعد توبته من الاعتزال رأى أن الله تعالى قد أمده بمواد توفيقه، وأقامه لنصرة الحق والذب عن طريقه.
وقد تنازع فيه أهل المذاهب، فالمالكي يدعي أنه مالكي، والشافعي يزعم أنه شافعي، والحنفي كذلك. قال ابن عساكر: لقيت الشيخ الفاضل رافعاً الحمال الفقيه، فذكر لي عن شيوخه أن أبا الحسن الأشعري كان مالكياً فنسب من تعلق اليوم بمذهب أهل السنة وتفقه في معرفة أصول الدين من سائر المذاهب إلى الأشعري لكثرة تواليفه وكثرة قراءة الناس لها.
قال ابن فورك: توفي أبو الحسن الأشعري سنة 324هـ. اه.
وبعد ذكر هذه النتفة من ترجمة هذا الإمام نذكر فيما يلي إثبات رجوعه عن الاعتزال وإثبات نسبة (الإبانة) إليه ننقل ذلك من المراجع الموثوق بها، فنقول وبالله التوفيق.
رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاعتزال إلى عقيدة السلف:
قال الحافظ مؤرخ الشام أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المتوفى سنة 571هـ في كتابه (التبيين) :
قال أبو بكر إسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة: إن أبا الحسن الأشعري كان معتزلياً وأنه أقام على مذهب الاعتزال أربعين سنة، وكان لهم إماماً ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، فبعد ذلك خرج إلى الجامع بالبصرة فصعد المنبر بعد صلاة الجمعة، وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق، فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب اللمع وغيره من تواليفه الآتي ذكر بعضها قريباً إن شاء الله: فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماما حتى نسب مذهبهم إليه فصار عند المعتزلة ككتابيٍ أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة.
وكذلك أبو الحسن الأشعري أعدى الخلق إلى المعتزلة، فهم يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل وليس طول مقام أبي الحسن الأشعري على مذهب المعتزلة، مما يفضي به إلى انحطاط المنزلة، بل يقضي له في معرفة الأصول بعلو المرتبة ويدل عند ذوي البصائر له على سمو المنقبة، لأن من رجع عن مذهب كان بعواره أخبر وعلى رد شبه أهله وكشف تمويهاتهم أقدر، وبتبيين ما يلبسون به لمن يهتدي باستبصاره أبصر، فاستراحة من يعيره بذلك كاستراحة مناظر هارون بن موسى الأعور.
وقصته أن هارون الأعور كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه وحفظ القرآن وضبطه وحفظ النحو، وناظره إنسان يوماً في مسألة فغلبه هارون فلم يدر المغلوب ما يصنع فقال له: أنت كنت يهودياً فأسلمت فقال له هارون فبئس ما صنعت فغلبه هارون في هذا. واتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن الأشعري كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة - سيفاً مسلولاً ومن طعن فيه أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة، ولم يكن أبو الحسن الأشعري أول متكلم بلسان أهل السنة وإنما جرى على سنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف، فزاده حجة وبياناً، ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهباً انفرد به وليس له في المذهب أكثر من بسطه وشرحه كغيره من الأئمة.
وقال أبو بكر بن فورك: رجع أبو الحسن الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب أهل السنة سنة 300هـ.
وممن قال من العلماء برجوع الأشعري عن الاعتزال أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان الشافعي المتوفى سنة 681هـ قال في (وفيات الأعيان) الجزء الثاني صفحة 446: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً ثم تاب.
ومنهم عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 774هـ.
قال في البداية والنهاية الجزء الحادي عشر صفحة 187:"إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم ".
ومنهم شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الشافعي الشهير بالذهبي المتوفى سنة 748 قال في كتابه (العلو للعلي الغفار) :
"كان أبو الحسن أولاً معتزلياً أخذ عن أبي علي الجبائي ثم نابذه ورد عليه وصار متكلماً للسنة، ووافق أئمة الحديث، فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن ولزموها - لأحسنوا ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء ومشوا خلف المنطق فلا قوة إلا بالله".
وممن قال برجوعه تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة 771هـ قال في طبقات الشافعية الكبرى، الجزء الثاني صفحة 246: أقام أبو الحسن على الاعتزال أربعين سنة حتى صار للمعتزلة إماماً فلما أراده الله لنصرة دينه وشرح صدره لاتباع الحق غاب عن الناس في بيته، وذكر كلام ابن عساكر المتقدم بحروفه.
ومنهم برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي المتوفى سنة 799هـ قال في كتابه (الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب) صفحة 193: كان أبو الحسن الأشعري في ابتداء أمره معتزلياً، ثم رجع إلى هذا المذهب الحق، ومذهب أهل السنة فكثر التعجب منه وسئل عن ذلك فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فأمره بالرجوع إلى الحق ونصره، فكان ذلك والحمد لله تعالى.
ومنهم السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى الحنفي المتوفى سنة 1145هـ قال في كتابه (إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين) الجزء الثاني صفحة 3. قال: أبو الحسن الأشعري أخذ علم الكلام عن الشيخ أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة. ثن فارقه لمنام رآه، ورجع عن الاعتزال، وأظهر ذلك إظهاراً. فصعد منبر البصرة يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن، وإن الله لا يرى بالدار الآخرة بالأبصار وإن العباد يخلقون أفعالهم.
وها أنا تائب من الاعتزال معتقداً الرد على المعتزلة، ثم شرع في الرد عليهم والتصنيف على خلافهم.
ثم قال: قال ابن كثير: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها حال الانعزال التي رجع عنها لا محالة.
والحال الثاني إثبات الصفات العقلية السبعة، وهي الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك [2] .
والحال الثالث إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً.
وبهذه النقول عن هؤلاء الأعلام ثبت ثبوتاً لا شك فيه ولا مرية أن أبا الحسن الأشعري استقر أمره أخيراً بعد أن كان معتزلياً على عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم وسنة النبي عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم.
كتاب الإبانة:
وبعد إتمام هذا الحديث حول رجوعه عن الاعتزال نقرأ بحثا ثانيا في صحة نسبة (الإبانة في أصول الديانة) إليه رداً على بعض الأغمار الذين زعموا أنها مدسوسة عليه - وهذا هو بيت القصيد فنقول: وبالله نستعين.
قال الحافظ بن عساكر في كتابه (تبيين كذب المفتري) ذكر ابن حزم الظاهري أن لأبي الحسن الأشعري خمسة وخمسين تصنيفاً، ثم قال: ترك ابن حزم من عدد مصنفاته أكثر من مقدار النصف، وبعد ذلك سردها فقال:
منها كتاب اللمع، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سمّاه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأسرار) .
ومنها تفسيره المختزن، وهو خمسمائة مجلد [3]- على ما يزعم - لم يترك فيه آية تعلق بها بدعي إلا أبطل تعلقه بها، وجعلها حجة لأهل الحق، وبيّن المجمل وشرح المشكل ونقض فيه ما حرفه الجبائي والبلخي في تفسيريهما.
ومنها الفصول في الرد على الملحدين والخارجين على الملة كالفلاسفة والطبائعيين والدهريين وأهل التشبيه.
ومنها مقالات المسلمين [4] استوعب فيه جميع اختلافهم ومقالاتهم وذكرها الحافظ بن عساكر بأسمائها وموضوعاتها في كتابه التبيين من صفحة 128 إلى صفحة 136، وقد اطلعت أنا الجامع لهذه الرسالة على ثلاثة من الكتب المذكورة وهي مطبوعة: اللمع، والإبانة، والمقالات الإسلامية.
وقال ابن عساكر في صفحة 28 من التبيين، وتصانيف أبي الحسن الأشعري بين أهل العلم مشهورة معروفة، وبالإجادة والإصابة للتحقيق عند المحققين موصوفة، ومن وقف على كتابه المسمى بالإبانة، عرف موضعه من العلم والديانة.
ثم قال في صفحة 152: فإذا كان أبو الحسن كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بدّ أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ونتجنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركاً للخيانة، لتعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سمّاه بالإبانة وذكر ما يأتي في آخر الرسالة إن شاء الله تعالى:
ثم قال في صفحة 171 في جملة أبيات نسبها لبعض المعاصرين له:
غير الإبانة واللمع
لو لم يصنف عمره
تفنن في العلوم بما جمع
لكفى فكيف وقد
ين مما قد صنع
مجموعة تربى على المئتـ
أخذاً بأحسن ما استمع
لم يأل في تصنيفها
ين ومن تصفحها انتفع
فهدى بها المسترشد
فوق المنابر في الجمع
تتلى معاني كتبه
أهل الكنائس والبيع
ويخاف من إفحامه
ترك المحجة وابتدع
فهو الشجا في حلق من
وممن عزا الإبانة إلى أبي الحسن الأشعري، الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي المتوفي سنة 458 قال في كتابه (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد) في باب القول في القرآن صفحة 31، ذكر الشافعي رحمه الله ما دل على أن ما نتلوه من القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا، ونكتبه في مصالحنا يسمى كلام الله عز وجل، وأن الله عز وجل كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، وبمعناه ذكره أيضاً علي بن إسماعيل في كتاب الإبانة.
وقال في صفحة 32 من الكتاب المذكور آنفاً: قال أبو الحسن علي بن إسماعيل في كتابه، يعني الإبانة:
"فإن قال قائل: تقولون أن كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ، قيل له نقول ذلك، لأن الله قال {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم، وهو متلو بالألسنة قال تعالى:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} ثم قال في صفحة 26 بعد سرد الأدلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق:
وقد احتج علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله بهذه الفصول"، اه من نسخة مخطوطة يرجع تاريخ خطها إلى سنة 1086هـ [5] .
وممن ذكر الإبانة وعزاها لأبي الحسن الأشعري الحافظ المعروف بالذهبي، قال في كتابه (العلو للعلي الغفار) صفحة 278: قال الأشعري في كتاب (الإبانة في أصول الديانة) له في باب الاستواء.
فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟
قيل نقول إن الله مستوٍ على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} إلى آخر ما في الإبانة.
ثم قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن الأشعري شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي.
وذكر الذهبي عن الحافظ أبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي أنه قال: قرأت في كتاب أبي الحسن الأشعري الموسوم بالإبانة أدلة على إثبات الاستواء. ونقل عن أبي علي الدقاق أنه سمع زاهر بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري فكان يقول شيئاً في حال نزعه. لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا. اه كلام الذهبي.
وممن نسبها إلى أبي الحسن الأشعري ابن فرحون المالكي قال في كتابه الديباج صفحة 193: إلى ص194 ولأبي الحسن الأشعري كتب منها كتاب اللمع الكبير، وكتاب اللمع الصغير، وكتاب الإبانة في أصول الديانة. اه.
وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري أبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ.
قال في الجزء الثاني من كتابه، (شذرات الذهب في أعيان من ذهب) صفحة 303، قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وهو آخر كتاب صنفه. وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه، ثم ذكر فصلاً كاملاً من الإبانة.
وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري السيد مرتضى الزبيدي.
قال في (إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين) في الجزء الثاني صفحة 2، قال: صنف أبو الحسن الأشعري بعد رجوعه من الاعتزال (الموجز) وهو في ثلاث مجلدات، كتاب مفيد في الرد على الجهمية والمعتزلة، ومقالات الإسلاميين، وكتاب الإبانة.
وقد تقدمت الحكاية عن ابن كثير أن الإبانة هي آخر كتاب صنفه أبو الحسن الأشعري.
وممن ذكر أن الإبانة تأليف أبي الحسن الأشعري أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الشافعي [6] قال في رسالته (الذب عن أبي الحسن الأشعري) : اعلموا معشر الإخوان أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة، الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده وبه كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه من الاعتزال بمن الله ولطفه، وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها وتبرأ إلى الله سبحانه منها وكيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها.
وروى وأثبت أنه ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين.
وأن ما فيه هو الذي يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهل يسوغ أن يقال: إنه رجع عن هذا إلى غيره فإلى ماذا يرجع أتراه يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة الحديث المرضيون وقد علم أنه مذهبهم، ورواه عنهم؟؟ !! هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين وكيف بأئمة الدين، أو هل يقال: إنه جهل الأمر فيما نقله عن السلف الماضين مع إفنائه جل عمره في استقراء المذاهب وتعرف الديانات، هذا مما لا يتوهمه منصف، ولا يزعمه إلا مكابر مسرف، وقد ذكر الإبانة واعتمد عليها وأثبتها عن الإمام أبي الحسن الأشعري وأثنى عليه بما ذكره فيها وبرأه من كل بدعة نسبة إليه، ونقل منها إلى تصنيفه جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام وأئمة القراء وحفاظ الحديث وغيرهم.
وذكر ابن درباس طائفة من الذين قدمنا ذكرهم وزاد الحافظ أبا العباس أحمد بن ثابت العراقي، وذكر عنه أنه قال في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: رأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي علو الله على العرش وتأويل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بالإبانة عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكرته على إثبات الاستواء، ومنهم الإمام الأستاذ الحافظ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني ذكر عنه أنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا بيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري ويظهر الإعجاب به، ويقول ما الذي ينكر علي من هذا الكتاب شرح مذهبه (هذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان) .
ومنهم إمام القراء أبو الحسن بن علي بن إبراهيم الفارسي ذكر الإمام أبا الحسن الأشعري رحمة الله عليه، فقال: وله كتاب في السنة سمّاه كتاب الإبانة صنفه ببغداد لما دخلها، وذكر ابن درباس أنه وجد كتاب الإبانة في كتب أبي الفتح نصر المقدسي رحمه الله ببيت المقدس وقال: رأيت في بعض تآليفه في الأصول فصولاً منها بخطه.
ومنهم الفقيه أبو المعالي مجلي صاحب كتاب الذخائر في الفقه، قال ابن درباس أنبأني غير واحد عن الحافظ أبي محمد المبارك ابن علي البغدادي ونقلته أنا من خطه في آخر كتاب الإبانة قال نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه المجلي الشافعي أخرجها في مجلدة فنقلتها وعارضت بها وكان رحمه الله يعتمد عليها وعلى ما ذكره فيها ويقول لله من صنفه ويناظر على ذلك من ينكره وذكر ذلك لي وشافهني به قال: هذا مذهبي وإليه أذهب نقلت هذا في سنة 540هـ بمكة وهذا آخر ما نقلت من خط ابن الطباخ. وذكر فيمن عزاها إلى أبي الحسن أبا محمد بن علي البغدادي نزيل مكة قال ابن درباس شاهدت نسخة من كتاب الإبانة بخطه من أوله إلى آخره، وهي بيد شيخنا الإمام رئيس العلماء الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن بن المفضل المقدسي ونسخت منها نسخة، وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي ببيت المقدس ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراء إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس فأنكرها وجحدها وقال ما سمعنا بها قط ولا هي من تصنيفه واجتهد آخراً في أعمال رويته ليزيل الشبهة بفطنته فقال بعد تحريك لحيته لعله ألفها لما كان حشوياً، قال ابن درباس فما دريت من أين أمريه أعجب أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في تصانيفه من العلماء أو من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه، واشتهاره قبل توبته من الاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها، فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه
المثابة فكيف يكونون بحال السلف الماضين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والمحدثين وهم لا يلون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم وهم والله بذلك أجهل وأجهل كيف لا وقد قنع بعض من ينتمي منهم إلى أبي الحسن الأشعري بمجرد دعواه وهو في الحقيقة مخالف لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها قد ذهب صاحب التأليف إلى المقالة الأولى، وكان خلاف ذلك أحرى به وأولى لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة اه كلام ابن درباس رحمه الله.
وممن ذكر الإبانة ونسبها إلى أبي الحسن الأشعري تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشهير بابن تيمية المتوفى سنة 728هـ قال في الفتوى الحموية الكبرى صفحة 70: قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة قي أصول الديانة وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة وذكر ما في كتاب الإبانة بحروفه وسيأتي ذكره إن شاء الله قريباً.
وممن عزاها إلى أبي الحسن الأشعري شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي الدمشقي المتوفي سنة 751هـ قال في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية الطبعة الهندية صفحة 111 قال شيخ الإسلام ابن تيمية ولما رجع الأشعري عن مذهب المعتزلة سلك طريق أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد بن حنبل كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها. ثم قال ابن القيم: وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كالحسن الطبري وأبي عبد الله بن المجاهد والقاضي أبي بكر الباقلاني متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وعلى إبطال تأويلها وليس للأشعري في ذلك قولان أصلاً، ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين ولكن لاتباعه قولان في ذلك.
ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أولها في الإرشاد ورجع عن تأويلها في رسالته النظامية [7] وحرمه، ونقل إجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز، ثم ذكر ابن القيم قول أبي الحسن الأشعري إمام الطائفة الأشعرية، ثم قال: نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه كالموجز والإبانة والمقالات.
وقال ابن القيم في قصيدته النونية التي سماها الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية الطبعة المصرية صفحة 68:
بحقيقة استولى من البهتان
والأشعري قال: تفسير استوى
اع لجهم وهو ذو بطلان
هو قول أهل الاعتزال وقول اتب
وإبانة ومقالة ببيان
في كتبه قد قال ذا من موجز
وقال في صفحة 69 من الكتاب المذكور آنفاً:
وكتاب الاستذكار غير جبان
وحكى ابن عبد البر في تمهيده
ق العرش بالإيضاح والبرهان
إجماع أهل العلم أن الله فو
لكنه مرض على العميان
وأتى هناك بما شفى أهل الهدى
في كتبه قد جاء بالتبيان
وكذا علي الأشعري فإنه
ورسائل للثغر ذات بيان
من موجز وإبانة ومقالة
ق العرش بالإيضاح والبرهان
وأتى بتقرير استواء الرب فو
ير فانظر كتبه بعيان
وأتى بتقرير العلو بأحسن التقر
قلت: هذه نقول الأئمة الأعلام التي تضمنت بالصراحة التي لا يتناطح عليها عنزان ولا يمتري فيها اثنان: إن كتاب الإبانة ليس مدسوساً على أبي الحسن الأشعري كما زعمه بعض الأغمار من المقلدة بل هو من تواليفه التي ألفها أخيراً واستقر أمره على ما فيها من عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية.
وبعد هذا رغبت أن أتحف القارئ بقطعة من عقيدة هذا الإمام التي رجع إليها وذكرها في إبانته، أذكرها بفصها ونصها ليظهر كل منصف قرأها بفهم أن أبا الحسن الأشعري تاب من التعطيل والتأويل كما أنه ليس بممثل بل هو مثبت ومعتقد كل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه أو أخبر به عنه نبيه عليه الصلاة والسلام من غير تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل.
فأقول قال أبو الحسن الأشعري في إبانته (باب في إبانة قول أهل الحق والسنة) :
فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه السلام، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ورفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم.
وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله وما رواه الثقاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئاً.
وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} .
وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} .
وأن له يدين بلا كيف كما قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ} وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} .
وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} .
وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً.
وأن لله علماً كما قال: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وكما قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ} .
ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
ونثبت أن لله قوة كما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} ونقول أن كلام الله غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له كن كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله.
وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل وأن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله ولا يستغني عن الله ولا يقدر على الخروج عن علم الله عز وجل، وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العبد مخلوقة لله مقدرة كما قال:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخلقون كما قال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه} وكما قال: {لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وكما قال: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُق} وكما قال: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} وهذا في كتاب الله كثير، وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالآيات، كزعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين.
وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وطبع على قلوبهم.
وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره، حلوه ومره ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا.
وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا بالله كما قال عز وجل.
ونلجأ في أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه.
ونقول إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وندين بأن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة كما قال عز وجل: {كَلَاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} .
وأن موسى عليه السلام سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا، وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكا فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا.
وندين بأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمور كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون.
ونقول إن كل من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبههما مستحلاً لها غير معتقد لتحريمهما كان كافراً.
ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيماناً.
وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل.
وأنه عز وجل يضع السموات على إصبع والأرضين على إصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
وندين بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والممسكين بالإيمان جنة ولا ناراً إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.
ونقول إن الله عز وجل يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقاً لما جاءت به الروايات عن الرسول صلوات الله عليه وسلم.
ونؤمن بعذاب القبر، وبالحوض.
وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.
وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقاة عدل عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وندين بحب السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه عليه السلام ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين.
ونقول إن الإمام الفضل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه.
وإن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسموه جميعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وإن الذين قاتلوه، قاتلوه ظلماً وعدواناً.
ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة.
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، ونتولى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونكف عمّا شجر بينهم.
وندين الله بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.
ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول هل من سائل، هل من مستغفر، وبسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل، ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} .
وإن الله عز وجل يقرب من عباده كيف شاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وكما قال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} .
ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وغيره. كما روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج.
وإن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافاً لمن أنكر ذلك. ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة.
وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونؤمن بعذاب القبر ونكير ومنكر ومسائلتهما المدفونين بقبورهم. ونصدق بحديث المعراج.
ونصحح كثيراً من الرؤيا في المنام ونقر أن لذلك تفسيراً.
ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم: ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحراً، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم.
ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل، وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها عباده حلالاً وحراماً وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويسلكه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله عز وجل:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} وكما قال: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} .
ونقول: "إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله عز وجل بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين أن الله يؤجج لهم في الآخرة ناراً ثم يقول لهم اقتحموها كما جاءت بذلك الرواية. وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون وما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين، ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعته ومجانبة أهل الهوى"انتهى بحروفه.
هذا مجمل عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري التي استقر أمره عليها بعد أن أقام على مذهب الاعتزال أربعين عاماً. ذكره في أول كتابه الإبانة وفصله باباً باباً فراجعها إن شئت تجد ما يشفي ويكفي.
فتأمل أيها الأخ المنصف هذه العقيدة ما أوضحها وأبينها واعترف بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحها وبينها وانظر سهولة لفظها فما أفصحه وأحسنه. وكن ممن قال الله فيهم: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وتبين فضل أبي الحسن الأشعري واعرف إنصافه واسمع وصفه للإمام أحمد بن حنبل بالفضل والعلم لتعلم أنهما كانا في الاعتقاد متفقين وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين.
ولعمري أن هذه العقيدة ينبغي لكل مسلم أن يعتقدها ولا يخرج عن شيء منها إلا من في قلبه غش ونكد.
نسأل الله تعالى الثبات عليها ونستودعها عند من لا تضيع عنده وديعة. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على نبينا محمد معلم الخيرات وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تجزى فيه الحسنات.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
وأحد تلامذة أحمد بن حنبل وعنه أخذ تحرير مقالة أهل الحديث والسلف كما في التذكرة للذهبي ج2 ص709.
[2]
وفي هذا الطور سلك طريقة ابن كلاب أبي محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن كلاب البصري المتوفى سنة 240هـ راجع كتاب العقل والنقل لابن تيمية ج2 ص5 طبعة حامد فقي رحمه الله.
[3]
المجلد عندهم يطلق على الجزء المستقل وعلى كراس كبر أو صغر.
[4]
وقد عقد في المقالات فصلا بعنوان: (حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة) قال في آخره: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب". فراجعه إن شئت ج1 ص320.
[5]
وهي محفوظة لدى الأخ إسماعيل الأنصاري طبعت في مصر قريباً.
[6]
المتوفى سنة 605هـ.
[7]
راجع ص23 من النظامية مطبعة سنة 1948 المعروفة بمطبعة الأنوار بالقاهرة تجد ما ذكره ابن القيم من رجوع الجويني إلى عقيدة السلف.
رَسَائِل لمْ يَحْمِلهَا البَريْد
بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس في كلية الشريعة في الجامعة
إنني أنا جارتك (القهوة) ، هذه التي لا يفصلها عنك سوى هذا الشارع الصاخب الواسع، وغير هذه العمارات القليلة الأنيقة الذاهبة في السماء، فأنت على مرأى مني ومسمع، أرى المصلين على أبوابك غدواً ورواحاً، وذهاباً وإياباً، وأسمع نداءاتك الخمسة في كل يوم تجوب الأرض والسماء، داعية عباد الله إلى عبادة الله.
ولكن ما هذا النحيب الذي أسمعه منك في جوف الليل والناس نيام؟! أرجو ألا يسبق إلى ظنك أني أسترق السمع إليك تحت جنح الظلام، أو أني أتلمس أخبارك من خلف الأبواب المغلقة، معاذ الله أن أكون قد فعلت ذلك أو حاولت أن أفعله، فنحييك هذا لم يعد سراً يخفيه الليل، أو خبيئاً تواريه الحجب، لقد تعالى كنداء الصريخ، وتوالى كأنين الثكلى، وأمسى حديث سمر تتجاذب أطرافه هذه العمارات المتجاورة من حولك، حين تخلو شوارعها من السيارات والسائرين، وحين يرقد ساكنوها في فراشهم آمنين حالمين.
ولقد سمعتهم ليلة أمس يتحدثن عنك وعمّا أصابك، وما أكثر ما يتحدثن هذه الليالي! وما أكثر ما تكون أنت موضوع الحديث!
قالت أقرب العمارات إليك، تلك العمارة الضخمة البيضاء: ألا ترين إلى هذا المسجد، كيف أقفر من المصلين، ولم يعد له في القلوب ذلك الحب المكين؟!
فأجابتها العمارة المصاقبة الخضراء: إني لأشعر ما تشعرين، ولقد آلمني والله - بكاؤه، وعز عليّ ما يلقاه من إعراض وصد.
فقالت عمارة ثالثة حمراء، حديثة البناء، جميلة الهندسة، قالت في شيء من الصلف والعجب: ومن هذا الذي تتحدثان عنه في حسرة، وترثيان لحاله في ألم؟! أو لا يكون في هذا النسيم الرخيّ البليل، وفي جمال هذا القمر الوضيء الجميل، وفي سماء هذه الليلة الصافية الإضحيانة، وفي مواكب هذه النجوم الباسمة الفتانة، أولا يكون في هذا كله ما يشغل عن البكاء والألم، ويدعو إلى الفرح والمرح والابتسام؟!
فأخذت العمارتان القديمتان تتبادلان نظرات الدهش، وتنظران إلى العمارة الجديدة الحمراء في استغراب، إلى أن قالت عمارة رابعة أقيم أنا في طابقها الأول: مه مه، أيتها العمارة الجميلة الحمراء! إنهما تتحدثان عن مسجد قائم في هذا الحي من قبل أن تكوني أنت فيه قائمة، ومن قبل أن يقيم فيه أهلوك وسكانك.
قالت العمارة الحمراء: أو تعنين ذلك البناء القديم ذا القباب العظيمة، والمئذنة العالية؟
قالت العمارة التي أقيم فيها: نعم! إنه هو المسجد الحي الذي يدعو الناس إلى الصلاة كلما حان وقت الصلاة، لينيبوا إلى ربهم ويذكروه بعد ساعات انغماس في شؤون هذه الدنيا، وربما كنت أنت عنه في شغل، فليلك موسيقى وطرب، ونهارك كسب وتجارة، أما جارتاك هاتان فلهما مع هذا المسجد صلات وثيقة، ومودات قديمة عميقة، فلا عجب أن تحزنا لحاله، وأن ترثيا لمآله.
قالت العمارة الحمراء: الحق - يا جارتا - أني لا أعرف عن هذا المسجد الذي تقولين إلا هذه الصورة التي تراها عيناي، وهذا النداء الذي تسمعه أذناي، ولا أرى أحداً من سكاني ينقل الخطا إليه، أو يثني عليه. بل سمعت إحدى الساكنات تقول لجارات لها إننا سنرحل عمّا قريب إلى عمارة أخرى، فهذا المسجد يفسد علينا نومنا في الأسحار، ومن بعد الظهيرة، ويشعرنا دائماً أننا في هذا الحي غرباء، فقالت الجارات الساكنات: إننا لنقاسي ما تقاسين، ولقد عزمنا على الرحيل من قبل مرات عديدة، ولكن جوار هذه (القهوة) وما توفره من لهو ومتع لأزواجنا وأبنائنا كان عزاء وسلوى.
وإني لأخشى أيتها الجارة أن يرحل عني سكاني، وتخلو شققي من الناس وفي ذلك قضاء على مستقبلي، وبلاء عظيم..
آه أيتها الجارة! إني لأغبطك على هذه (القهوة) الجميلة التي تقيم في طابقك الأول، فهي ضمان لمستقبلك، وعون لك على النوائب. قالت عمارتي: يا لكِ من جارة صغيرة غريرة! أنتِ لا تفكرين إلا في المستقبل وضمانات المستقبل، وما المستقبل - فيما يخيل إليّ - إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. قالت الحمراء: وأي شيء غير المستقبل جدير بالاهتمام والتفكير، أيتها الجارة العزيزة؟!
قالت عمارتي: كان ينبغي أن يكون لكِ في جوار هذا المسجد عظة بالغة، وأن يكون لك في جارتيْ هذا المسجد قدوة صالحة.
قالت العمارة الحمراء: ما أرى المسجد إلا شيئاً قد أتى إلى هذه الدنيا، فكان له شباب وسلطان، وكان عليه إقبال وفيه رغبة، ثم أصباه شيخوخة، ضعف، وها هو ذا يسير على طريق الفناء، شأنه شأن غيره من الأشياء أو هذه هي العظة التي تريدينها؟!
أما هاتان العمارتان فقد عاشتا حياة غير هذه الحياة، وليس لديهما إلا ذكريات قديمة تجترانها بكرة وعشيا، فكيف تكونان لي قدوة صالحة، وكيف أجد على آثارهما الهدى؟!
قالت عمارتي: يا جويرتي الصغيرة؟! في هذه الحياة أفكار وحقائق لا يصيبها هرم وإن تقدم بها العمر، وفي هذه الدنيا أعمال وشعائر لا يلحق بها شيخوخة وإن طال عليها الدهر، وما كان القدم ليزري بكل شيء ويدسه في التراب، وما كانت الجدة لتزين كل شيء وتعلى له المنازل.
قالت العمارة الحمراء: معذرة أيتها الجارة العزيزة، أنا عمارة فتاة، لا أزال في دنيا الأطفال، لا أفهم إلا الواقع، ولا أدرك إلا الحس، فقولي قولاً سهلاً هيناً، لعلي أجد فيما تقولين هدى.
قالت عمارتي: هذا هو المسجد على مقربة منا، عليك أن تزوريه، وهناك يتفتح لكِ ما استغلق، ويتضح لكِ ما استبهم، وهناك تعرفين أموراً كثيرة ما ينبغي لك أن تجهليها، وأحر بذات اللب أن تشم الأزهار في حدائقها فذاك أروح للنفس وأصفى، وأن تشرب الماء من منابعه، فذلك أروى للغليل وأشفى.
ثم هاتان جارتان ذواتا تقوى وصلاح، خير لك أن تصحبيهما، وأن تستمعي إلى أحاديثهما، وسوف تجدين في هذه الصحبة وذاك الاستماع راحة نفس، واطمئنان قلب، وشفاء من هذا القلق الذي تكابدين.
قالت الحمراء: أختي العزيزة! إنني عمارة حديثة النشأة، قد خططني مهندسون أجانب، وأشرف على بنائي (مقاولون) غرباء، وها أنت ذي ترين ما أتمتع به من نوافذ واسعات تستقبل الهواء والشمس، وشرفات شامخات تطل على كل طريق، وذؤابات تتلفع بالسحب وتسمع همس النجوم، وقواعد في الأرض مسلحة صلبة كأنما قد أعدت لتقوم عليها الجبال، ولا تسألي عن حالي في الداخل، فلن أستطيع أن أصف، ولن تستطيعي أن تتصوري، لقد أفرغ فن العمارة الحديث فيّ كل ما يستطيعه من جمال وإتقان وزخرفة ألوان وأسباب متعة وراحة. أفبعد هذا كله، ومع هذا كله، تنصحين لي أن أزور مسجداً قد هجره أهله، وضيّعه ذووه، وتشيرين عليّ أن أصحب عمارتين قديمتين قد شاختا، تعيشان في عصر العلم والحضارة عيش الغرباء؟!
قالت عمارتي: يا حسرتا عليكِ - يا صغيرتي - فيما فرطت!! إنكِ لتقولين ما تلقنين، وتهرفين بما لا تعرفين، ها هو ذا المؤذن يدعو لصلاة الصبح، فهلمّ إلى المسجد
…
جاري الكريم:
هذا ما كان في تلك الليلة من حوار، أتراك قد سمعته فأنت منه في هذا النحيب، أم تراك تنتحب لأمر آخر ذي بال لم يخطر لي على بال.
ومهما يكن من أمر، فأنا أود أن أتعجل شيئاً قبل أن أنساه أو أشغل عنه أود أن أدفع عن نفسي تهمة طالما رماني بها الناس، وأنزع ظنا ما إخالك إلا قد ظننته.
يقولون إنني قد أفسدت عليك أصحابك، وأفسدت على البيوت أربابها، ومزقت ما بين الأسر من روابط.
ويل لهم مما قالوا!! وويل لهم مما يدعون!! ما كنت يوماً مفسدة ولا داعية إفساد، أنّى لي هذا، والناس يأتون إليّ خيرة، ويلجون عليّ الأبواب من غير ما دعوة.
ما طلبت إليهم يوماً أن يصموا آذانهم والمؤذن يدعوهم إلى الصلاة، ولا سألتهم ذات ليلة أن يفروا من بيوتهم تاركين زوجاتهم وذريتهم للوحشة والقلق والضياع والعبث
…
بل كثيراً ما مرّت بي ساعات غضب هممت فيها أن أقذف بالمقاعد ومن هم عليها قعود إلى عرض الشارع، ولا أزال أذكر حتى اليوم ساعة جلس أربعة على شرفة من شرفاتي يطاردون بأبصارهم كل عابر للشارع وعابرة، وفجأة سمعتهم يهتفون بزميل لهم جاء من بعيد، قال له قائل منهم: ما شرّفت (القهوة) هذا الصباح كما اعتدت في أيام العطل! فرد عليه زميل ثانٍ: أنسيت أن صاحبنا قد (تمشيخ) وأن هذا اليوم هو يوم الجمعة؟!، وإذا بثالثهم يواصل التهكم ويقول: وطبعاً أمضى هذا الصباح يغتسل، ويتطيب، ويرتدي (بدلته) النظيفة المكوية، ويبكر إلى المسجد، ليقرأ القرآن، ويسمع الخطبة، ويشهد الصلاة، و. . . .، ولكن زميلهم هذا (المتمشيخ) لم ينتظر أكثر من هذا، فألقى عليهم نظرات زارية، وتولى عنهم دون أن ينبس ببنت شفة، وانتبذ منهم مكاناً قصياً، وأخذ يمتع نظره بما في الشارع من حياة وحركة، أو يردد بصره في صفحات كتاب كان يحمله، ولما أن سمع المؤذن يدعو لصلاة المغرب أجاب حثيث الخطا.
أما زملاؤه الذين كانوا منه يسخرون، فقد هاجت فيهم ذكريات قديمة:
قال الأول: أما أنا فقد عرفت الصلاة في البيت، وعرفتها في المسجد، وعرفتها في المدرسة إلى أن صرت طالباً في المرحلة الثانوية، وحينئذ بدأت ألاحظ أن مدرسينا لا يصلون إلا قليلاً، وأن مدرسي الدين يدرسون الدين بسبب من الوظيفة والتخصص، لا بسبب من الإخلاص للعقيدة، فأخذ الحرص عليها يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى لم يبق منه شيء.
فقال الثاني: أما أنا فقد عرفتها صغيراً، وبقيت أحافظ عليها كبيراً، فقد كان أبي وأمي حريصين عليها، وكانا يؤنبانني كلما رأيا مني غفلة، وكان أن توظفت وانتقلت إلى بلد آخر بعيداً عنهما، ولم يكن في ذلك البلد إلا المسجد واحد وإمام واحد، وكان الإمام أيام الجمعة يلتزم خطباً معينة لا يحيد عنها ولا ينحرف، يكررها عاماً بعد عام، ويسمعها المصلون صابرين سنة بعد سنة، وإني حتى هذا اليوم لا أزال أذكر كثيراً من موضوعات تلك الخطب، وأحفظ كثيراً من الأحاديث النبوية التي كانت تختتم بها. وقد تبدلت الدنيا غير الدنيا، وتبدل الناس غير الناس، وأصبحت المفاسد يموج بعضها في بعض، ومع هذا كله يخيل إليك أن جماعة من خطباء المساجد لا يعيشون فوق هذه الأرض، ولا يسمعون أخبار هذه الدنيا.
فقال زميله الأول: الحق - يا أخي - أن خطبة الجمعة قد أصبحت عند بعض الخطباء عملاً (وظيفياً) كأعمالنا - معاشر الموظفين - ونحن - كما ترى - نقوم بما تيسر من أعمال، ثم نقبض المرتب على كل حال.
فاندفع ثالثهم يقول: الثقافة السطحية المحدودة، والضعف الأدبي في التعبير هما سبب ما نراه عند بعضهم من التزام خطب معينة يأخذونها من الكتب يكررونها حيناً بعد حين، وعاماً بعد عام، هم يرون ما في حياتنا من مفاسد، ويسمعون ما فيها من خداع وغش، ولكنهم لا يملكون أكثر من الحوقلة والترجيع، فعاد الثاني يواصل كلامه ويقول: ومهما تكن الأسباب، فقد كرهت خطبة الجمعة من ذاك الإمام، وكرهت الصلاة خلفه، ثم اشتد بي الكسل، فقعد بي عن سائر الصلوات، على أنني لا أزال أشعر بالخزي والعار، كلما رأيت المصلين يقبلون على المسجد وأنا أوليه الأدبار.
أما ثالثهم فقد تشاغل عن زملائه، وأخذ يمد عينيه إلى الشارع، وتلهى بما فيه، حين أحس أن دوره في الكلام قد جاء، ولكن زملاءه جاذبوه أطراف ملابسه وقالوا إلى أين؟ تعال هنا، وهات ما عندك.
قال: ولكن علاتي تافهة صغيرة، تضحكون بها مني وتسخرون.
قالوا: دعنا نضحك اليوم منك ونسخر.
قال: ولكني أعتذر إليكم هذا اليوم.
قالوا: لا عذر لك.
فأنشأ يقول - وقد رأى أن لا مفر - أما أنا فشاب أحب الملابس وأهيم بها، وأبذل في سبيلها كل جهد ومال، أختار (بدلاتي) من أجود الأصواف الإنكليزية وأجملها، ثم أحرص على نظافتها كل الحرص، وأحافظ على أن تظل مكوية قائمة مصقولة كل الحفاظ. وكان من سوء حظي أن يقع المسجد الذي أصلي فيه في وسط السوق، فكان يأتيه كثير من المصلين في ثياب العمل، وهي ثياب فيها كثير من أنواع الأذى، وزاد سوء حظي أن نام خدام المسجد عن نظافته والعناية به، فتركوا الغبار والتراب وغير ذلك يتراكم، ويعلو بعضه فوق بعض، وفي هذا أذى أيّ أذى للمصلين والمسجد. فكان من ذلك أن صرت أصلي في البيت، والصلاة في البيوت تدعو إلى الكسل في الأداء، وإلى ضم الصلوات بعضها إلى بعض في قضاء، ثم إلى النسيان والترك في النهاية.
أما رابعهم فجعل يقول من قبل أن يسأل: أما أنا فقد كان والدي حريصاً على أن (يضمن) لي بعد التخرج عملاً مريحاً مربحاً، وكان حريصاً على أن تكون أبواب العمل أمامي واسعة مفتحة، فزين له بعضهم أن أتعلم في مدرسة أجنبية ففيها يتقن الطالب مختلف اللغات، وينال شهادة مفضلة لدى كثير من الشركات والوكالات والمؤسسات، فكان أن تخرجت فيها لا أحسن قراءة القرآن في المصحف، ولا أعرف كيف تؤدى الصلاة. . .
جاري الكريم:
كان المصلون ينتشرون في الشوارع بعد صلاة المغرب حين انتهى هؤلاء الأربعة من ذاك الحديث، وكان أن ضاق بهم صدري، وأصبحت في حيرة من أمري، وإذا أنا. . . بأحد الدعاة إلى الله يدخل الباب، ويمد عينيه إلى كل ناحية، فتقعان على أولئك الأربعة، وعلى ما هم فيه، فتدركان أي رجال كانوا وسرعان ما يمم شطرهم لا يعوج على شيء، ثم سلم وجلس.
كان ذا وجه مشرف، وابتسامة مضيئة، وهندام حسن، لا تملك العين حين تراه إلا أن تهابه وتحبه، فما كان من هؤلاء الأربعة إلا أن فسحوا له في المجلس، وردوا تحيته بأدب.
لم أدر ما دار بينهم من حديث، ولكني كنت أرى على بُعد وجوهاً مشرقة، وابتسامات متبادلة، ووددت لو أني سمعت ما قال وما قالوا لأكتبه إليك، ولكني - وَأسفا - شغلت باستقبال الوافدين هناك وهناك.
كان هذا الداعية من حين إلى حين يختلس النظر إلى من حوله من الناس، ولما أن رأى فيهم كثرة وقف بقامته الفارعة وسمته الحسن، وشرع يخطب الحاضرين بلسان مبين ولهجة فصيحة.
لا أستطيع - أيها الجار الكريم - أن أكتب إليك كل ما قال، ولكنني سأكتب إليك ما تزال الذاكرة تذكره.
كان مما قال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى الله على رسوله:
أيها الإخوة الحاضرون:
أنا لا أنكر أن للمقاهي مصالح اجتماعية كثيرة تقتضيها، ودواعي مدنية حديثة تطلبها، فهي قد تصلح لغريب لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، وقد تصلح لسائر في الشارع، أصابه ظماً ولحق به جهد، وقد تصلح للرجلين أو الرجال يعرض لهم الأمر، أو للأصدقاء قد تباعدت دورهم أو تعذرت وهم يريدون أن يتدارسوا مسألة، أو لجماعة من العمال أو ذوي الأعمال أو التجار أو الموظفين يريدون أن يتحدثوا في شؤون أعمالهم، قد تصلح لهؤلاء وأمثال هؤلاء، ولكنها على كل حال ليست مواطن كسل وخمول وعبث ومجون، ليست مجالس همز ولمز للداخلين والخارجين وعابري الطريق، ليست مجالس لنهش الأعراض وكشف العورات وإذاعة السيئات، ليست لشيء من هذا كله، ولا ينبغي أن تكون له.
ومن المحزن حقاً - أيها الإخوان - أن يجلس فيها بعض الأزواج إلى منتصف الليل هرباً من زوجاتهم، ومن مطالب بيوتهم، ومن مشكلات أولادهم، فالزواج قيادة ومسئولية، قبل أن يكون إمتاعاً وتسلية وألهية، والزوجة التي لا ترى زوجها في البيت يؤانس ويستمع ويسهم في حل المشكلات، سوف تضيق به في آخر الأمر، وتلبس له ثوب العداوة، وتحمل بيديها المعول تهدم به بيتها وبيته.
والأولاد الذين لا يرون أباهم إلا على طعام الغذاء، أو على فراش المرض، أو ساعات استقبال الزائرين والأضياف هم أولاد مضيعون تائهون، لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يذهبون.
أولادكم أيها الأخوة في حاجة ماسة إلى هذه الساعات الطويلة الثقيلة التي تضيعونها في المقاهي، في حاجة إلى أن يعرضوا لكم أمورهم، وأن يشكوا إليكم أحوالهم، وأن يجدوا أنفسهم مسئولين أمامكم..
هم في حاجة إلى عطف روحي، وحنان أبوي، في حاجة إلى دفء جناحي طائر يجثم على بيضه، إن حاجات النفس والروح والقلب أشد وأعظم من لقمة طعام دسمة توضع في الفم، أو حلة جميلة تلقى على الجسم، فالإنسان بخلقه وقلبه لا بمعدته ثوبه.
إن أولاد الأغنياء منكم لا يربون بملء جيوبهم بالمال، وإن أولاد الفقراء منكم لا يربون بالوعود الكاذبة والتسويف والمطال.
عليكم بالشجاعة والصبر وسعة الصدر، اجلسوا مع أولادكم طويلاً، واملئوا قلوبهم بحنانكم وعطفكم ووجودكم بينهم، وأشعروهم دائماً أنكم جميعاً أصابع في يد واحدة.
إن أولئك الأزواج الذين يظنون الحياة الزوجية قطعة من الحلوى يأكلونها وهم متكئون على الأرائك - هم سكارى أو حالمون، فالحياة الزوجية جهاد وكبد، وعليكم أيها الأزواج أن تجاهدوا في هذه الحياة، وأن تكابدوا لخيري الدنيا والآخرة، واستعينوا بالله دائماً واشكروا على ما رزقكم قلّ أم كَثُر، وإياكم، إياكم أن تتركوا سفنكم يقودها الموج الأرعن فيقذفها حطاماً على الشاطئ.
جاري المسجد الكريم:
هذا ما أزال أذكره من تلك الخطبة، ولقد جلس قليلاً بعد أن انتهى منها، لعل سائلاً يريد أن يسأل عن حكم شرعي أو مشكلة شخصية، فجاء إليه بعض الحاضرين يستفتونه أو يستشيرونه، وكانوا يصدرون عنه وعلامات الرضا بادية على وجوههم، حتى إذا انتهى من الناس وانتهوا منه عطف إلى أولئك الأربعة، فودعهم باسماً وودعوه بلطف، وخرج من أبوابي وعيون الحاضرين كلها عالقة به، على أنه مما يسرني ويسرك أن أخبرك أنني لم أرَ أحداً من أولئك الأربعة بعد تلك الليلة قد سمع النداء ولم يجب.
جارتك
(القهوة)
حلم سيتبدد
قالوا: نجوت، وكانت تلك معجزةً
فاهنأ بما نلت من برء وتجديدِ
وكيف يعزب عنهم أنّه حُلُمٌ.
- مهما يطل - صائرٌ يوماً لتبديدِ
لئن تأخر بي يومي فإن غداً.
أدنى لناظره من لفتة الجيد
وما سلمتُ لأبقى، بل لتسلمني
يد المنون ليومٍ غير مرودِ
وما السعادة ساعات تطول ولـ
كن السعادة تقوى الله ذي الجود
وديعةُ الله هذي النفس في يدنا
وليس إلاّ مزكّيها بمحسودِ
فليحفظ الله ما أبقاه من أجلي
في واسع من رضاه غير محدودِ
ويا شقائي إن جافيت شرعته
ورحت أخبط في ليل الأخاديدِ
عن ديوان (همسات القلب)
مِنَ المنهَل الصَّافي
قل الله أعبد مخلصا له ديني
للشيخ عبد الله المحمد الغنيمان
المدرس في كلية الشريعة في الجامعة
أحمد الله ربي وأساله العون والتوفيق وصلى الله وسلم على عبده ورسوله إمام الحنفاء وخاتم المرسلين وبعد: سأحاول أن أضع بين يدي القارئ كلمات يسيرة في أهم الواجبات وأصل الأصول توحيد الله ومعرفة مستمداً ذلك من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
من المعلم المسلم به عند علماء الدين والاجتماع أن العبادة في الإنسان ركيزة فطرية. فلا بدله من معبود فإن لم يعبد الله المستحق للعبادة عبد عدوه الشيطان ولا بد، على اختلاف مظاهره أما في مظهر إنسان محبوب أو شيخ معظم أو رئيس أو قبر أو حجر وربما معدته وشهوته قال تعالى:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} حتى أولئك الملاحدة الذين يقولون أن الدين أفيون الشعوب هم في الحقيقة لا ينفكون عن العبادة إما عبادة بطونهم وفروجهم وشهواتهم أو عبادة رؤسائهم وسادتهم.
الخلق كلهم عباد الله تعالى:
العبد في اللغة يأتي بمعنى المبعد الذي عبده الله وذلله وصرفه ودبره كيف شاء وبهذا المعنى فالخلق كلهم عباد لله برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم إذ هو ربهم ومليكهم وقاهرهم لا يخرجون عن مشيئته وقدرته فما شاء كان وإن لم يشاؤوا وما شاؤوا لم يكن إن لم يرده فهو تعالى خالقهم ومدبرهم، محييهم ومميتهم لا رب لهم سواه ولا مالك لهم غيره سواء أقروا بهذا أم جحدوه علموه أو جهلوه.
العبادة النافعة المأمور بها شرعاً:
ويأتي العبد بمعنى العابد أي الذي يعبد الله لا يعبد غيره فيطيع أمره وأمر رسوله ويوالي أوليائه المؤمنين ويعادي أعداءه الكافرين والفاسقين والعبد بهذا المعنى هو الذي جاء به القرآن أما المعنى الأول فلم يأتِ إلا قليلاً، فالثاني كقوله:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً} {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ} {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب} {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} ونحو ذلك كثير ولهذا قال كثير من المفسرين في الاستثناء في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} إنه منقطع كما قاله ابن كثير وغيره ومما ورد في القرآن في المعنى الأول قوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا} والمعنى والله أعلم أن هؤلاء لما كان عندهم من القوة وشدة البأس والكبر والعظمة وصفهم تعالى بأنهم عباد له مذللون تحت قهره وتصريفه ليكون ذلك داعياً إلى الرجوع والإنابة إليه وأن الأشياء كلها بمشيئته وإرادته.
وعبادة الله هي طاعته وامتثال ما أمر الخلق به واجتناب ما نهاهم عنه على ألسنة رسله وهي حق الله على عباده يرضاها لهم ويحب وقوعها منهم ولأجلها خلق الخلق كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِِنْسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي أول واجب على العبد وأفضل الحسنات وأعظم الصلاح والعدل وهي حق لله على الخلق واجب متعين قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} .وعبادة الله هي توحيد بأمره ونهيه أي أفعال العباد التي تصدر منهم موافقة لشرع الله كالسجود والخوف والرجاء والذبح والنذر وطلب النفع الغيبي وطلب دفع الضر الغيبي أو الذي لا يدفعه إلا الله. كما أن التوحيد يشمل الإقرار بأن الله رب كل شيء ومليكه والمسيطر عليه المتصرف فيه كيف يشاء الخالق الرازق المحي المميت ما شاء كان ولو لم يشأ الخلق وما شاءوا لم يكن إن لم يشأ. لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، والإقرار أيضاً بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، يحب ويرضى ويسخط ويغضب، ويفعل ما يريد، السميع البصير الرؤوف الرحيم على العرش استوى، والملك بيده له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، وهذا قد كان غلب الناس مقرين به لظهوره ووضوحه، والشرك فيه قليل وإنما الذي وقعت فيه الخصومات والمجادلات بين الرسل وأممهم توحيد المعاملة مع الله تعالى وهو أن يجعل العمل الذي أمر به العبد لله وحده لا يشرك فيه معه أحد من الخلع فمبناه على إخلاص التأله لله من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة
والاستعانة والاستغاثة والدعاء والذبح والتوبة والرغبة في دفع المكروهات وغير ذلك ممن أنواع العبادة، فإخلاص هذا وما أشبهه من العبادات لله وحده هو معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي يألهه القلب بالحب والخوف والإجلال والتعظيم والخشية وهذا لا يصلح إلا لله، فيجب أن يكون خالصاً له وهذا هو الذي أرسلت له الرسل وبه نزلت الكتب من الله بل من أجله خلق الله الخلق والجنة والنار وبه صار الناس فريقين: أشقياء أعداء لله بعداء من رحمته وكرمه وهم الذين لم يقبلوه ولم يعملوا به، وسعداء أحباء لله مقربين لديه لهم النعيم الذي لا ينقطع قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال هود عليه السلام لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وهكذا كل رسول يأمر قومه بأن يجعلوا العبادة لله وحده وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} أخبر تعالى أنه أرسل في كل طائفة من الناس رسولاً يدعوهم إلى توحيده بالعبادة ومجانبة الطاغوت والطاغوت هو كل معبود دون الله حاشا رسل الله وأولياءه الساخطين لذلك وكذا من نازع الله في أمره وتشريعه للعباد فجعل قانوناً يعمل به عوضاً عن قانون الله وشرعه فالفاعل لذلك من أكبر الطواغيت التي يجب الكفر بها والابتعاد عنها وذكر جل وعلا أن الناس بعد إرسال الرسول انقسموا إلى فريقين فريق منّ الله عليه بالهداية إلى التوحيد فقبله وعمل به وآخر أبى ذلك ورد دعوة الرسول فحقت عليه الضلالة {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ} ومثل هذه الآيات في القرآن كثير بل جل القرآن في ذلك، إما أمر به أو نهي عن ضده أو ما ينقصه ويذهب كماله أو في جزاء أهله عاجلاً وآجلاً أو في ذكر ما فعل الله بمن أباه وامتنع من قبوله من العذاب المؤلم وما سيلقاه عند مرده إلى خالقه.
حاجة الخلق إلى تحقيق التوحيد:
ومع ذلك فحاجة الخلق إلى تحقيق هذا التوحيد فوق كل حاجة لأنهم لا يدركون الصلاح واللذة والفلاح والنعيم بدونه فمن أعرض عنه فله في الدنيا معيشة ضنكا ويحشره الله يوم القيامة أعمى وحقيقة العبد قلبه وروحه ولا يطمئن القلب وتسكن الروح إلا بالله بأن يكون وحده إلهه ومحبوبه دون ما سواه ولو حصل للعبد راحة وفرح وسكون ولذة بغير الله فإن ذلك لا يدوم بل سرعان ما ينقلب بؤساً وشقاء وحسرة. ولا بد من مرد الخلق إلى الله فهم فقراء إليه وفقرهم ملازم لهم لا ينفك عنهم وهو الغني بذاته عن كل ما سواه ومع ذلك فالإيمان بالله وعبادته ومحبته والإنابة إليه غذاء الإنسان وقوته الحقيقي وليست عبادة الله تكليفاً ومشقة لمجرد الامتحان والاختبار والتعويض بالأجرة كما يقوله من لم يذق طعم الإيمان من المعتزلة وغيرهم وإذا وقع في أوامر الله وشرعه ما هو على خلاف هوى النفوس مما يشق عليها فإن ذلك ليس هو المقصود بالأصالة وإنما وقع ضمناً وتبعاً وغلب أوامر الشرع قرة العيون وسرور القلب ولذات الأرواح وكمال النعيم مع إرادة وجه الله الإنابة إليه لأنه الإله الحق الذي تطمئن القلوب بذكره.
والناس ليس عندهم للعبد نفع ولا ضر ولا هدى ولا ضلال ولا عز ولا ذل ولا خفض ولا رفع إلا بإذن الله بل الرب تعالى هو الذي خلق العبد ورزقه وبصره وهداه ووالى عليه نعمه تترى فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه غيره وإذا تفضل عليه بنعمة لم يرفعها عنه أحد سواه وضر الخلق ونفعهم لا يكون إلا بإرادته وبعد إذنه وهذا لا ينافي فعل الأسباب فهو تعالى الذي جعل لكل شيء سبباً وشرع فعلها للعبد غير أنه لا يجوز له أن يغلق قلبه بغير فاطره وإلهه الحق ولا يعتمد ويتكل على السبب بل يفعل السبب ويتوكل على الله تعالى ويعتمد عليه فإن السبب من جملة المخلوقات التي الاعتماد عليها والتوكل عليها يوجب الضرر والخذلان قال تعلى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وما علق العبد رجاءه ورغبته على غير الله إلا خاب وخذل وقد قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً} .
قصَصٌ لا تُنسى
وعاد في صمت إلى مزرعة
بقلم الشيخ محمد المجذوب
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
لم يذق طعم النوم قط. إنه يتقلب على فراشه الضيق الخشن منذ أوى إليه عند منصف الليل.. وقد حاول بكل طاقته إخلاص فكره من ذلك التشويش القلق الذي يراوده، ولكن عبثاً.. لقد كانت محولاته وسيلة أخرى لإطلاق مقادير غير متوقعة من ذلك التشويش، فهو لا يتغلب على بعضها حتى يحتويه بعضها الآخر.. وراح يحدق عبر الظلام لعله يلمح شيئاً يصرفه عن أوهامه التي لم يستطع لها تحديداً ولا توضيحاً.. فيرتد بصره حسيراً، إذْ لا يرى سوى تلك الخيام المنتشرة في بطن هذه الصحراء الممتدة حول (معان) .. وقد سكن كل شيء فيها إلا أقدام الحراس تتحرك هنا وهناك، فتطلق ما يشبه الحديث المهموس..
وفجأة هب من فراشه، وكأنما هز قلبه خاطر.. ومدّ يديه يتلمس قربة الماء على عمود الخيمة، ثم أخذ يصب منها على يديه ووجهه، حتى إذا أسبغ وضوءه، عمد إلى غطائه فبسطه ثم أقبل يصلي فوقه.. وما إن أتم ركعتيه حتى أتبعهما بأُخْرَيَيْنِ.. ولم يشأ أن يزعج الراقدين من زملائه في الخيام المجاورة، فلم يجهر بقراءته، على الرغم مما وجده من شوق إلى ذلك، إذ أحس في تلك الركعات نشوة لا يذكر أنّه تذوّق مثلها من قبل.. ولعل ذلك عائد إلى بُعد عهده بصلاة الليل، بل بالصلاة كلها، التي كاد يقطع بها صلته، منذ ساقته الأقدار إلى الاندماج في تلك الجمعية، التي استولت عليه وعلى الكثرة من مواطنين الدمشقيين، الذين كانوا يتلقون علومهم العسكرية في عاصمة الخلافة..
لقد نشأ فخري.. في وسط إسلامي محافظ، وبدأ دروسه الأولى على أيدي الفضلاء من مشايخ دمشق، الذين عليهم قرأ القرآن، وباشر مطالعة الحديث، وتلقى مبادئ الفقه، فلما التحق بالمدارس الرسمية لم يبتعد عن هذا الجو النقي، إذ كانت مناهجها ذات صلة وثيقة بتلك المعاني، واستمر في هذه السبيل حتى انتقل إلى استانبول.. وهناك فقط بدأ يتحلل من تلك الروابط الروحية، إذ وجه نفسه مأخوذاً بصحبة شباب ذوي ثقافة أخرى، يتلقونها في اجتماعاتهم الخاصة، على أيدي رجال عادوا من أوروبة حديثاً، مزودين بمفهومات عن الدولة والقومية والتطور لم يستطع مقاومة إغرائها، فإذا هو ينساق في تيارهم شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد يحس بأي قلق إذا هو أخرّ وقت صلاته، أو أغفلها كلياً..
وساقته الذكريات المتفاعلة إلى أمسه البعيد.. إلى أيام استانبول تلك.. وما سبقها.. فإذا هو يستعيد، على غير توقع، بعض ما فقده من ذلك الروح الذي أشرق على قلبه لأول مرة في دمشق، التي يذوب حنيناً إلى لقائها.. والتي كان إلى وقت قريب على مثل اليقين أنه يكدح من أجلها.. من أجل استرداد جلالها، الذي تألقت به تاجاً على مفرق الدنيا أيام معاوية وخلفائه، ثم جاءت الكوارث تضرب في أكنافها، حتى جردتها من عزة السلطان، وجعلتها ذيلاً لغيرها من العواصم..ثم لم تكتفِ حتى أتت على سيادة الجنس العربي كله، إذ انتزعت منه زمام القيادة، لتضعه في أكف الغرباء من هؤلاء الأتراك الذين خرج عليهم مع هؤلاء الخارجين من إخوانه وأبناء جلدته..
وأطرق فخري يتأمل خلال هذه الأحداث، فلا يتمالك أن يتمتم في حيرة لا يستطيع كتمانها: أحقاً نحن في الطريق إلى عزة العرب!
…
وتتفجر التساؤلات الحائرة متتابعة وراء ذلك:
- أليس من سبيل لهذه العزة إلا بالخروج على دولة الخلافة؟..
- والخروج على الخلافة.. أليس خروجاً على الإسلام؟..
- وهل صحيح أن العروبة حقيقة مجردة عن الإسلام؟..
- ولماذا نقاتل دولة الخلافة مع الإنجليز؟.. مع ألد أعداء الإسلام؟..
واستحال عليه أن يجد جواباً حاسماً لأي من هذه الأسئلة، ومن هنا تفاقمت حيرته، وانطلق خياله يحوك له أشباح الأحداث في صورة مثيرة لا يقع فيها على ما يَسُر..
إنه ليتذكر الآن المشهد الذي واجهه ذات يوم في تصرفات (لورنس) .. ذاك الذي يصر على أن يلقب بصديق العرب.. إذ كان يشرف على نسف الخطوط الحديدية بأيدي جنوده من العرب المسلمين، فما إن يقتلعون منها قطعة حتى تضج كفاه بالتصفيق لهم، وما إن ينسفون جسراً حتى يقبل على مفجري ألغامه يعانقهم، ويمطر بالقبلات الحارة رؤوسهم.. ولا يكتفي بهذا حتى يطرح نفسه فوق أطلال تلك الخرائب، كأنه يهب لها أيضاً نصيبها من قبلاته!.. ولمَ كل هذا الفرح؟!..
ولأول مرة يحرك فخري شفتيه بهذا الجواب: لأن لورنس كان يعلم أنه يسجل بكل ضربة لهذا المشروع انتصاراً للصليبية المطاردة للإسلام!..
أليست سكة حديد الحجاز هذه هي الرباط العصري الذي يشد أجزاء الوطن الإسلامي إلى مركز الخلافة؟.. أليست هي الخطوة الكبرى والأولى في سبيل تعميق وحدة المسلمين، للصمود في وجه القوة الباغية، التي يحركها الحقد الصليبي المزمن لتدمير الإسلام!..
ومع ذلك.. يتبرع العرب المسلمون بتحقيق هذه الجريمة تحت قيادة صديقهم (لورنس) .. الذي فتنوا به، وبأسلوبه الشيطاني، حتى ليسمون بعض أبنائهم باسمه!..
وكانت أشعة الفجر قد بدأت تتمطى وراء الكثبان البعيدة، فتغتسل الصحراء بأضوائه الرمادية الحزينة.. وكأن يداً خفية تجتذب ذراع فخري فينهض من مصلاه ليحرك خطاه خارج خيمته في أناة، ودون أن يحدد لقدميه اتجاهاً.
ومرّ ببصره على مئات الخيام القائمة هنا وهناك.. وتذكر أن ألوفا يرقدون الآن تحتها، دون أن يفكروا بالمصير الذي يقادون إليه.. إلا حلماً رقيقاً هو أن يقوم للعرب كيان جديد، يؤمن لكل عربي حياة أفضل..
وانتهت الخطى بفخري إلى خارج حدود المعسكر.. وتفتقت ذاكرته عن مشاهد جديدة طرية.. لم يحن أوان جفافها بعد..
إنه ليتذكر رحلته إلى الهند، يوم أن انتدبه لورانس لتحريك المسلمين من أجل التطوع في صفوف الإنجليز.. فمضى وهو يحسب أنه يقوم بخدمة للثورة العربية، إذ يقدم لحلفائها رافداً من القوة يساعد على التعجيل بنهاية الحرب.. ولكنه ما إن بدأ محاولته مع علماء الإسلام وزعماء المسلمين حتى شرع يواجه الحقيقة التي قد نسيها تماماً..
لقد اصطدم بعقبات من الوعي الإسلامي لم تدع له أي أمل بنجاح رحلته..
إن المسلمين في الهند - حتى العامة منهم - يعتبرونها معركة بين الإسلام والصليبية، وينظرون إلى الخليفة كرمز لوحة العالم الإسلامي، فالخروج عليه إنما هو خروج من الإسلام إلى الكفر.. إنهم لا ينكرون أن ثمة أخطاء في مسيرة دولة الخلافة، ولكنهم موقنون بأن تصحيحها ليس في تأييد أعدائها.
وقد بلغ تشدد مسلمي الهند في هذا الموقف إلى حد أن إرهاب الإنجليز، على قسوته وهوله، لم يحل بينهم وبين الجهر بمبادئهم هذه، وهؤلاء علماؤهم، وفي مقدمتهم مولانا محمد علي، ينهضون بعبء الدعوة للتمرد على الإنجليز، ويعلنون بكل الوسائل وجوب النصرة لإمام المسلمين في هذه الحرب.. ويرفعون الشعار القائل: إن كل متطوع في جيش الإنجليز لحرب الخليفة خارجٌ عن ربقة الإسلام، مرتد عن سبيل المؤمنين.. وقد صدع مولانا محمد علي بذلك حتى أمام المحكمة التي شكلها الإنجليز لمحاكمته وإخوانه من علماء الإسلام، فاتخذ من قفص المحكمة منبراً لإعلان حكم الشريعة الذي لا يقبل رداً ولا نقضاً..
لقد عاد فخري من رحلته تلك صفر اليدين لم يصب أي غرض.. بل عاد وفي قلبه تلك التساؤلات التي ما تفتأ تقلقه وتثير أرقه.. وكثيراً ما ردد على نفسه، كلما أتيح له أن يخلو إليها، مثل هذا القول: لماذا كناّ نحن العرب أسرع استجابة لإغواء الإنجليز من مسلمي الهند؟.. لماذا نكون أقل منهم غيرة على حرم الإسلام؟!..
وانتزعه من تأملاته خفق نعل متحفظ خلفه.. ثم سمع صوتاً يخاطبه في عربية أجنبية: هالو فَكْري.. إلى أين؟..
وعرف فخري مخاطبه من لهجته. إنه مدير الاستخبارات الإنجليز جون.. الذي يمتاز على كل من عرفه من أبناء جنسه بصراحته الغريبة..
وتوقف فخري ريثما انتهى إليه صاحبه، ورد تحيته، وصافح يده الممدودة، واستأنفا السير معا..
ولم يشأ الفتى الشامي أن يخرج عن صمته الذي كان عليه، فلم يسع الكهل السكسوني إلا أن يبدأ هو بالكلام فقال، وهو يلوح بغليونه ليساعده على الاشتعال: أراك مشغول الفكر.. فهل ثمة ما يُزإجك؟!..
وصمت فخري قليلاً كأنه يستفتي عقله في الجواب..ثم قال: لا بد..
- تَبْأً.. أنت في شوكٍ إلى دمشق.. إتْمئِن.. سوف تدخلها كريباً..
- هذا ما أتوقعه بعد انتصاركم على الجيش العثماني في معركة القناة..
- تَبْأً.. تَبْأً.. فما الذي يشغلك إذن؟!..
- اسمع يا مستر جون.. إني أسأل نفسي عن مصير هذه الشركة بيننا وبينكم..
وكأن الكهل السكسوني لم يسمع غير ما توقع.. فلم يبدُ عليه انفعال، وبكل هدوء عقب على كلام الفتى بقوله: على كل حال.. سنظل أسدكاء..
وانصرف فخري بوجهه إلى الرجل ليقول له: القضية أكبر من الصداقة يا.. مستر جون.. إني أتساءل عن مصير العهود التي بيننا وبينكم..
- كن سريهاً.. يا فكري بك..
- سأكون في منتهى الصراحة.. فهل تعدني بمثلها؟..
- نَأمْ.. نَأمْ.. كُلْ ما تريد..
- لقد عاهدناكم على القتال بجانبكم، وعلى بذل كل ما نملك لنصرتكم، فوفّينا، وسنفي حتى النهاية، فهل أنتم وافون لنا بما عاهدتمونا؟..
وكان في وسع جون أن يستغني بابتسامته عن كلامه، ولكنه آثر أن يحقق ما وعد به من الصراحة فقال، وهو ينظر إلى صاحبه من خلال دخانه: ألْكَدِيّةُ ليست أرَبِيّة فَكَتْ يا.. مستر فَكْرِي.. إنها دولية.. آلمية..إنها تَخُسُّ هُلفاء بريتانيا أيْداً..
وفي حرقة لم يطق فخري إخفاءها قال: فمن أجل عيون حلفائكم إذن خرجنا على ديننا، وسفكنا دماءنا، وخربنا ديارنا، وحاربنا إخواننا!!..
ولم يستطع أن يملك أعصابه فإذا هو يضرب جبهته بباطن راحته.. وكانت ضربة محكمة كما يبدو، لم تلبث أن انتزعته من حُلمه الثقيل الطويل.. ليجد نفسه على سريره في مزرعته التي لجأ إليها، فراراً من التدهور السياسي الذي لم يعد يطيق معايشته..
وتناول فخري من خادمه الوفي قدح القهوة وهو لا يزال على فراشه.. وشيئاً فشيئاً استرد كامل وعيه، ولكنه لم يستطع أن ينفض رأسه من آثار تلك الوقائع التي انطوت فوقها صفحات ثلاثة عقود من السنين.. وراح يستعيدها في يقظته، فلا تكاد تزيد عمّا شهده قبل قليل في غفوته.. وسرعان ما اتصلت أحداث ذلك الماضي، النائم في زوايا عقله الباطن، بما تلاها من أحداث لا تزال تلاحقه منذ ذلك اليوم، دون أن يستطيع منها فكاكاً..
وترك لخياله أن يعرض من أطيافه ما شاء.. فإذا هو تلقاء شريط لا يكاد يحيط بمضمونه.. إنه ليتابع ذاته المتحركة خلال هاتيك المشاهدات، فيراها مسيّرةً بقوة الاستعمار مع تلك المجموعات الزاحفة باتجاه دمشق.. ثم يرى إلى هذا الفتى وقد غاص إلى أذنيه في مشكلات بلاده، فهو عضو في (كتلة) ألفت بينها وحدة الاتجاه لتحرير الوطن من طغيان هذا الاستعمار، الذي أعقب انتصار الحلفاء ونقضَ الإنجليز لعهودهم التي يجف مدادها بعد.. ثم يراه وقد اندفع يثير حمية الشباب ليلهب طاقاتهم في هذه المعركة. وبأسلوبه المرح وسلوكه الشعبي استطاع أن يحقق الكثير، حتى لقد أصبح بحق (زعيم الشباب) كما كانوا يلقبونه..
وخاض فخري مع رفاقه قادة تلك الكتلة معارك طويلة ضد الفرنسيين، الذين أعلنوا منذ اليوم الأول لاحتلالهم دمشق، وبلسان طاغيتهم الجنرال غورو، إنهم طليعة حملة صليبية جديدة، جاءت لتغيير الواقع الذي فرضه انتصار صلاح الدين على أسلافهم في حطين.. وكانت أصداء هذا التصميم تتجاوب في كل مكان وطئته أقدام الحلفاء من ديار الإسلام، ففي استانبول يدمرون قواعد الخلافة على يد عميلهم الدونمي [1] مصطفى كمال، وفي فلسطين يطلق قائد الجيش الإنجليزي (ألَنبي) نذيره الدامي بإعلانه الوقح: أن الحروب الصليبية التي بدأها أجداده قبل ثمانية قرون قد انتهت بسحق القوى الإسلامية نهائياً.
ولتوكيد هذا التصميم يبدؤون إقامة قواعد الدولة اليهودية في قلب فلسطين الإسلامية، لتكون منطلق الصليبية لتحطيم كل تحرك إسلامي..
وهكذا قُدّر لفخري ورفاقه أن يتولوا كُبر هذا النضال، الذي رفع طاقة الشعب السوري إلى القمة.. وقُدّر له تبعاً لذلك أن ينال نصيبه من الاعتقال والتشريد، ثم يعود مع إخوانه لاستئناف الزحف دون هوادة ولا مهادنة، حتى شاء الله أن يحقق الرجاء، فيسلط على المستعمر الفرنسي زميله الإنجليزي بنهاية الحرب العالمية الثانية، فلا يزال هذا يحرض عليه، ويتيح السوريين أن يسوقوا الضربات إليه، حتى غادر الشام خاسئاً مدحورا.. وبذلك تسنى لكتلة أن تفرغ من مرحلة الكفاح إلى مرحلة الحكم، فتقيم الجمهورية - بعد الملكية العابرة - وتمكّن للشعب أن يترجم عن إرادته باختيار نوابه لأول مرة.. فيكوّن ثمة دولة حديثة، تتوفر لها كل وسائل التقدم..
ولكن.. هل وجد فخري في ذلك كله ما يخفف القلق الذي ما زال يشحن صدره منذ أيام معان؟؟ وهل استطاعت الزعامة التي تبوأها بعد الاستقلال أن تسكت ذلك القرع الذي ما انفك يدق في جنبات قلبه حتى الآن؟..
لقد أدرك فخري ببداهته أن المسيرة قد بدأت من نقطة الخطأ، وكان ذلك منذ آثر العاملون لها استبدال العصبية بالإسلام، فأعانوا أعداءهم على أنفسهم، وركنوا إلى الذين ظلموا فمستهم نار الدنيا قبل نار الآخرة.. إنهم - جميعاً - ليحسون بالأخطار تحدق بهم من كل مكان، وتنذرهم بألوان الحدثان..ولكنكم مع ذلك لا يعرفون سبيل إلى تداركها وصدها.. إنهم مسوقون إلى حيث لا يعلمون.. وإن أقدامهم لتنزلق كل يوم إلى حيث لا يتوقعون ولا يريدون. ومع استيقانهم ذلك كله لا يستطيع التوقف، فهم كالمنحدر في السفح، يرى هول ما هو صائر إليه، ولكنه لا يملك القدرة على اجتنابه
…
وذات يوم بلغ التوتر أقصاه في أعصاب فخري وفي توقعاته.. فأقبل على رفيقه المسئول الأول يصرخ به: أيها الرجل.. إن الماء يجري من تحتك..
ألم تحس به بعد!.. لقد طالما نصحناك وإخوانك بالتخلص من (القلاع) التي استبقاها الفرنسيون لتدمير البلد.. فأبيتم أن تسمعوا.. حتى أوشك هي أن تتخلص منكم..
إن أخطاءنا اليومية قد فتحت الثغرات أمام الأفكار الهدامة، لتغزو قلب الجيل الناشئ، وتسلحه بكل أدوات التخريب.. فبأي علاج تواجهون هذه السموم؟ .. وبأي سلاح ستصدون هذا الهجوم؟!..
إن جهاز الحكم الذي يتكئ على المرتزقة لا يملك صلاحية الصمود طويلاً أمام الأحقاد التي يؤججها التنظيم الحزبي المضلل.. فمتى تفطنون إلى هذا الواقع؟ .. إذا لم ترحموا بلدكم.. فارحموا أنفسكم على الأقل.
وكان فخري يهدر بهذه النُذرُ في حماسة طاغية أنسته واجبات المجاملة، وصرفت ذهنه على ملاحظة الأبهة التي تحيط بمقام الرئاسة.. وبدا في موقفه، وقد صبغت الحمرة عينيه الواسعتين، وتقلصت عضلات وجهه الوردي، وباعد التهيج ما بين يديه، كأنه ملاكم يتحدى خصمه..
على أن حماسة فخري لم تغير شيئاً من تفكير الرئيس ولا مَن حوله من خواص رجال الحكم.. وللمرة العشرين - على الأقل - يسمع مثل هذا الجواب الذي لا يزيده إلاّ حَنَقاً ويأساً: هَوِّنْ عليك يا فخري بك.. إن كل شيء على ما يرام..
ومنذئذ آلى فخري على نفسه ألاّ يعود إلى مثل ذلك الموقف، وأن يهجر العمل السياسي.. ومن ثم أخذ طريقه في صمت إلى مزرعته، لينفض عن مكتبته غبار الزمن، وليستعيد معها بعض عهده الذي كاد ينساه..
وكان فخري غارقاً في مقدمة ابن خلدون عندما انتزعه من غمرته تلك قرع الهاتف الذي أبى أن يسكت، فمدّ يده إليه دون أن يصرف نظره عمّا بين يديه من الكتاب..
- آلو.. فخري بك؟..
- من حضرتك؟.. وما تريد منه؟..
- هنا حسني
…
- حسني!.. نعم.. عرفتك.. ماذا تريد؟..
- أريد أن أراك.. إنني بانتظارك.. هنا في قصر المهاجرين..
- في قصر المهاجرين!
- نعم يا فخري بك.. في قصر المهاجرين!.. في قصر الرئاسة.
- إذن.. هناك انقلاب عسكري!..
- نعم انقلاب عسكري.. لقد أنهينا عهد الفوضى.. وقبضنا على أزمة السلطة لإنقاذ البلاد.. إن السيارة في الطريق إليك.. نريد أن ننتفع بآرائك يا.. فخري بك..
وانقطع الحوار.. وأعاد فخري السماعة.. ثم أسند رأسه إلى راحته في هدوء غير طبيعي.. وكأنه كان على موعد مع الحدث، فلم يبد عليه أي أثر للاستغراب، وجعل يتمتم:
محضتهمو نصحي يمنعرج اللوى.
فلم يستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد!.
وما هي إلا لحظات حتى كانت سيارة عليها شارة الحرس الجمهوري تجتاز مدخل المزرعة لتستقر عند باب المنزل. ويهبط منها بعض الضباط لإبلاغه دعوة (الزعيم) .. وفي صمت كئيب يمضي معهم إلى السيارة، التي أخذت تنهب بهم الطرق، ثم تجتاز الشوارع، التي انتثر خلالها الجند بخوذهم الفولاذية وأسلحتهم الرشاشة.. حتى احتواهم القصر، الذي كان آخر عهده به يوم تلقى سمعه من سيده تلك الكلمة التي دفعته إلى عزلته (.. كل شيء على ما يُرام..) .
وعلى الكرسي نفسه الذي غادر صديقه عليه ذلك اليوم.. استقبله صاحب الانقلاب في بشاشة صارمة وهو يقول: أهلاً بزعيم الشباب
…
وأجاب فخري بلهجته المطمئنة المرحة: ولكن عهد الشباب قد انتهى يا.. سيادة الزعيم.
وعقب الزعيم وهو يهز يده: أجل.. لقد بدأ عهد جديد.. وعلى كل سوري أن ينصره بكل مواهبه. وطبيعي أن يكون فخري بك في مقدمة مؤيديه..
وبعد لحظة صمت قال فخري: كل ما يملكه ابن سبعين مثلي أن يسأل الله لبلده الهداية والوعي الصحيح..
وأردف الزعيم: أوليست حركتنا هذه طليعة الاستجابة لدعائك!.
- ذلك ما أتمناه.. ولكن..
- ولكن.. ماذا؟!..
وبصراحته التي لم يستطع التخلي عنها يوماً قال: لقد فقدنا القدرة على الرؤية منذ اليوم الذين خرجنا على الخلافة..
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
نسبة إلى الدونمة، وهم فرقة من اليهود تظاهروا بالإسلام.
دراسات في السُّنَّة النبوِيَّة
بقلم الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي
ولد مالك بالمدينة في قرب نهاية القرن الأول [1] وتلقى العلم على جماعة من التابعين وأهل الفتوى وصرف همه إليه في جد ونشاط وصبر على شدة الحر والجوع، وقد وهبه الله ذاكرة قوية يميز بها الضعفاء من الثقاة على حين كَثُر الكذابون والدجالون الذين يضعون الأحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أثر عنه أنه قال:"إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذونه. لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو أؤتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن [2] ".
وفي رواية ابن وهب وحبيب وابن عبد الحكم عند مطرف عنه قال: "أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئا من العلم "[3] . هكذا كان مالك يتحرى في أخذ الحديث فما كان يتصدى لأخذه إلا إذا تيقن من صحته، واجتمع عليه أهل المدينة ثقة بدينه وتحرزه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال زيد بن ثابت:"إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنّة "[4] .
وقد جاءت الآثار الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في اختصاص المدينة بفضل العلم، فمنها ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الدين ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها"[5] ومعنى هذا الحديث أن الإسلام يقوم بأهل المدينة كما قال القاضي عياض:"والله ما يأرز إلا إلى أهله الذين يقومون به ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقومون بأحكامه، وفي ذلك من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لا للأرض والدور ولكن لأهلها"[6] . وقال ابن أبي أويس سمعت مالكاً يقول في معنى هذا الحديث: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها" [7] فمن هنا أخذ مالك قوله بعمل أهل المدينة. والباب واسع ما أردت الإحاطة ولكن ليس معنى ذلك أن السنة الثابتة إذا جاءت من ثقاة ضابطين وخالفها عمل المدينة فكان مالك يقدم العمل حاشا وكلا أن يكون هذا مراد مالك، بل معناه أن مخالفة عمل أهل المدينة للسنة الثابتة المتواترة أمر مستحيل لما كان لهم من فضل وتقدم ومشاهدة التنزيل وكيف تجتمع الأمة على ضلاله بعد خبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قلنا إن المراد بالأمة هنا الأمة الإسلامية عامة يجاب عنه بأن أهل المدينة أولى بهذا لقرب عهد الصحابة ووجودهم بالمدينة بكثرة هائلة كبيرة لم يرَ مثلها في أي بلد من البلاد، فقد عاش السائب بن يزيد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم 84 عاماً ومرثد بن عبد الله 79 عاماً وسهل بن سعد 81 عاماً وعبد الله بن جعفر 80، وسلمة بن الأكوع 64، ورافع بن خديج64، وسعيد بن خالد الجهني 63، وأسماء بنت أبي بكر 63، وعبد الله بن عمر 63، وعوف بن مالك الأشجعي 63، والبراء بن عازب 62، وجابر بن عبد الله الأنصاري 68 وغيرهم من الصحابة. ثم وجود الفقهاء السبعة: عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، ثم من أهل الفتوى: أبان بن عثمان وسالم ونافع وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعلي بن الحسين وأبو بكر بن حزم ومحمد بن المنكدر ومحمد بن شهاب الزهري وغيرهم من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين فقد عاش هؤلاء في القرن الأول في المدينة المنورة، فهذا الفضل العظيم لم تجمعه أرض تحت السماء إلى يومنا هذا وإلى هذا أشار الإمام مالك في رسالته إلى الليث بن سعد فقال:"إن الله تعالى يقول في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ..} فإنما الناس تبع لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويسن لهم فيتبعونه"[8] .
هذه بعض وجهة نظر مالك ولست الآن في صدد ذكر أدلته وإقامة الحجة لأصولهن فإن هذا بحث مستقل ولكن أردت أن أنبه شاخت وأمثاله بأن مالكاً لم يكن منكراً لحجية السنة كيف وقد روي عن الإمام يقول:"إنما أنا بشر أُخطئ وأصيبُ فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"[9] ونكتفي بهذا القدر من الدفاع عن مالك.
ونبدأ بالرد على شاخت في الطعن على الحنفية فنقول: قد أثر عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه رجل والحديث يُقرأ عنده فقال الرجل دعونا من هذه الأحاديث. فزجره الإمام أشد الزجر وقال له لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن، ثم قال للرجل ما تقول في لحم القرد وأين دليله في القرآن فأفحم الرجل. وكان من عادة الإمام أن يقول:"حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي" [10] وقد روى أبو جعفر الشيزاماري بسنده المتصل إلى الإمام أبي حنيفة أنه كان يقول: "كذب والله وافترى علينا من يقول عنا إننا نقدم القياس على النص وهل يحتاج بعد النص إلى القياس وكان يقول نحن لا نقيس إلا عند الضرورة الشديدة وذلك أننا ننظر أولاً في دليل تلك المسألة من الكتاب والسنة ثم أقضية الصحابة فإن لم نجد دليلاً قسنا حينئذ.. سكوتاً عنه على منطوق به بجامع اتحاد العلة بينهما"وقال أبو مطيع:"كنت يوما عند أبي حنيفة في جامع الكوفة فدخل عليه الثوري ومقاتل بن حيان وحماد بن سلمة وجعفر الصادق وغيرهم من الفقهاء فكلموا الإمام وقالوا قد بلغنا أنك تكثر من القياس في الدين وإنا نخاف عليك منه فإن أول من قاس إبليس. فناظرهم الإمام من بكرة نهار الجمعة إلى الزوال وعرض عليهم مذهبه وقال إني أقدم العمل بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقضية الصحابة مقدماً ما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه، وحينئذ أقيس فقاموا كلهم وقبلوا يده وركبته وقالوا له أنت سيد العلماء فاعف عنا فيما مضى منا من وقيعتنا فيك بغير علم. فقال غفر الله لنا ولكم" [11] .ومثل هذا الكلام نقل عنه في رسالته التي أرسلها إلى الخليفة أبي جعفر المنصور حين لامه بتقديم القياس على الحديث.
وهذه الخصوصية ليست لأبي حنيفة فجميع الأئمة قاسوا الأمور عند عدم وجود النص كما قال الإمام الشافعي:"إذا لم نجد في المسألة دليلاً قسناها على غيرها". فمن اعترض على أبي حنيفة فكأنما اعترض على جميع الأمة. نعم هناك أمر لا بد من الانتباه إليه هو أن الأقيسة قد كثرت عن أبي حنيفة بالنسبة لغيره من الأئمة. والسبب في ذلك هو عدم رحلته إلى الأمصار والمدن والقرى لجمع الأحاديث كما فعل الصحابة والمحدثون والفقهاء. والسبب الثاني هو ما ذكره السرخسي قال:"قلّت الرواية عن أبي حنيفة حتى قال بعض الطاعنين إنه لا يعرف الحديث، وليس الأمر كما ظنوا بل كان أعلم عصره في الحديث وكلن لمراعاة شرط كمال الضبط قلّت روايته"[12] .
فهذا التشديد جاء لسبب انتشار الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة في بلاد العجم ومقر الشيعة والخوارج وعدم تمييز الصحيح من غير الصحيح، ولم يتم في عصره وضع الموازين لنقد الأحاديث، ولم تدون الصحاح من غيرها، ولهذا لم يقبل العلماء خبر الآحاد في الأمور الاعتقادية، لأن العقيدة لا تؤخذ إلاّ بالأدلة القطعية كما هو معروف في أصول الشريعة.
وقد طعن بعض الناس في أبي حنيفة بعدم أخذه بخبر الآحاد ولكن الصحيح هو أخذه به وهذا مبسوط في آثار محمد بن الحسن الشيباني وفي كتاب أصول فخر الإسلام وفي الميزان للشعراني وغيرها من كتب الفقه.
فلماذا لا نقول بعد هذه الشبهات الواردة والأعذار الصريحة بأن الإمام أبا حنيفة لم يقصد بكثرة قياسه توهين حجية السنة بل فعل هذا معذوراً، فلو دونت الأحاديث الصحيحة وعثر عليها الإمام لأخذ بها وترك كل قياس قاسه إذا كانت السنة تخالفه. هكذا ينبغي للباحث أن يضع الأمور في موضعها ولا يفرط ولا يقصر ولا يتعصب ولا يتحزب، فكل بني آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون.
وهذا الذي ننتظر من إخواننا المسلمين الذين ينتسبون إلى مذهب من المذاهب إذا بان لهم الحق ليكونوا معه. نسأل الله التوفيق والسداد.
المراجع والمصادر على حروف الهجاء
1
الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم
الطبعة الأولى سنة 1345
2
أصول الحديث النبوي: للدكتور الحسيني
المكتبة الأزهرية
3
أضواء على السنة المحمدية: محمود أبو ريه
الطبعة الأولى سنة 1377
4
الباعث الحثيث: ابن كثير تحقيق أحمد شاكر
الطبعة الثانية سنة 1370
5
البداية والنهاية: ابن كثير
الطبعة الأولى سنة 1348
6
ترتيب المدارك: القاضي عياض
الطبعة الأولى سنة 1387
7
تحفة الأحوذي: المباركفوري
الطبعة الثانية سنة 1383
8
تفسير ابن كثير: ابن كثير
دار إحياء الكتب
9
جامع بيان العلم: ابن عبد البر
الطبعة الأولى
10
جامع الترمذي
11
حياة أبي حنيفة: أبو زهرة
الطبعة الثانية سنة 1366
12
دائرة المعارف الإسلامية
لجنة الترجمة سنة 1353
13
الرسالة:الإمام الشافعي
تحقيق أحمد شاكر سنة 1358
14
رفع الملام عن الأئمة الأعلام
شيخ الإسلام ابن تيمية
15
سنن أبي داود: مطبعة السعادة
الطبعة الثانية سنة 1369
16
سنن الدارمي
الطبعة الأولى سنة 1349
17
سنن النسائي: مكتبة التجارة
الطبعة الأولى سنة 1348
18
سيرة ابن هشام
مطبعة الحلبي سنة 1355
19
السنّة: الدكتور السباعي
الطبعة الأولى سنة 1380
20
صحيح البخاري: مكتبة النهضة الحديثة
الطبعة الأولى سنة 1376
21
صحيح مسلم: دار الطباعة العامرة
الطبعة الأولى سنة 1329
22
فتح الباري: ابن حجر
الطبعة الأولى سنة 1300
23
كتاب الأم: للإمام الشافعي
الطبعة الأميرية سنة 1321
24
لسان العرب
الطبعة الأولى سنة 1374
25
المستدرك: أبو عبد الله
الطبعة الأولى
26
المغني: محمد بن قدامة
مطبعة العاصمة
27
الميزان: عبد الوهاب الشعراني
الطبعة الأولى سنة 1279
28
النهاية: ابن الأثير
الطبعة الأولى سنة 1383
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ترتيب المدارك ج1 ص123.
[2]
المصدر نفسه.
[3]
المصدر السابق.
[4]
المصدر السابق.
[5]
ترتيب المدارك ج1 ص61.
[6]
حم ج1 ص184، خ مدينة 6.
[7]
المصدر السابق ج1 ص61.
[8]
ترتيب المدارك ج1 ص64.
[9]
الميزان للشعراني ج1 ص63.
[10]
المصدر السابق ج1 ص147.
[11]
الميزان للشعراني ج1 ص71.
[12]
كشف الأسرار ج2 ص718 نقلا عن حياة أبي حنيفة لأبي زمعرة.
الحقوق محفوظة لكل مسلم © المكتبة السنية بالتعاون مع MSY