الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 27
فهرس المحتويات
1-
العقيدة الصحيحة وما يضادها: رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز
2-
من أعلام المحدثين - أبو أحمد بن عدي الجرجاني 277-365هـ: بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
3-
الإسلام والحركات الهدامة المعاصرة: بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
4-
رسائل لم يحملها البريد: بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
5-
أول معهد في الإسلام: لفضيلة الدكتور محمد محمد خليفة
6-
عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي المالكي حول الكوثري والدحلان: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
7-
بنو إسرائيل في ضوء الإسلام: بقلم الشيخ محمد أمين سليم
8-
حول ترجمة القرآن بالإنجليزية المطبوعة في اليابان: لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف
9-
فمن لها?: لفضيلة الشيخ محمد المجذوب
10-
حول نظرية الالتزام - يا ولد?ما مفهومها؟ وما مدلولها في المجتمع السلفي؟ : بقلم السعيد الشربيني الشرباصي
11-
قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية: بقلم عيد عبد الله السيد
12-
خطر الصحافة المنحرفة على الشباب والأسرة والمجتمع والدولة: بقلم الشيخ محمد المهدي محمود
13-
الشاعر الأمريكي المتحرر أزارا باوند: بقلم الشيخ أحمد صالح محايري
14-
من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة
15-
ندوة الطلبة - الحب العظيم: للطالب أحمد بن حسن المعلم
16-
الحقائق والمعاني من هدي السبع المثاني: للطالب عزيزو محمد مغربي
17-
سيروا: بقلم محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل
18-
الفتاوى: يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية
19-
أخبار الجامعة: إعداد العلاقات العامة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م
العقيدة الصحيحة وما يضادها
رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلما كانت العقيدة الصحيحة هي أصل دين الإسلام، وأساس الملة، رأيت أن تكون هي موضوع المحاضرة، ومعلوم بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة أن الأعمال والأقوال إنما تصح وتقبل إذا صدرت عن عقيدة صحيحة، فإن كانت العقيدة غير صحيحة بطل ما يتفرع عنها من أعمال وأقوال كما قال تعالى:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة:5)
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر:65)
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد دل كتاب الله المبين، وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على أن العقيدة الصحيحة تتلخص في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره؛ فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام، ويتفرع عن هذه الأصول كل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وجميع ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأدلة هذه الأصول في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
فمن ذلك قول الله سبحانه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (البقرة:177){الآية. وقوله سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه} (البقرة:285)
الآية. وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} (النساء:136) وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج:70) .
أما الأحاديث الصحيحة الدالة على هذه الأصول فكثيرة جدا، منها الحديث الصحيح المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال له:"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" الحديث. وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة.
وهذه الأصول الستة يتفرع عنها جميع ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، وفي أمر المعاد وغير ذلك من أمور الغيب.
فمن الإيمان بالله سبحانه الإيمان بأنه الإله الحق المستحق للعبادة دون كل ما سواه، لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم؛ ولهذه العبادة خلق الله الثقلين وأمرهم بها كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إلَاّ لِيَعْبُدُون مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذاريات:56 - 57 - 58) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة21 -22)
وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا الحق والدعوة إليه، والتحذير مما يضاده، كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية36) وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25)
وقال عز وجل: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍأَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود:1- 2) .
وحقيقة هذه العبادة هي إفراد الله سبحانه بجميع ما تعبد العباد به من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك من أنواع العبادة على وجه الخضوع له والرغبة والرهبة، مع كمال الحب له سبحانه، والذل لعظمته؛ وغالب القرآن الكريم نزل في هذا الأصل العظيم، كقوله سبحانه: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ {وقوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاه {وقوله عز وجل: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. {
وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا".
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بجميع ما أوجبه على عباده وفرضه عليهم من أركان الإسلام الخمسة الظاهرة وهي: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا"، وغير ذلك من الفرائض التي جاء بها الشرع المطهر، وأهم هذه الأركان وأعظمها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي إخلاص العبادة له وحده ونفيها عما سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود بحق إلا الله، فكل ما عبد من دون الله من بشر أو ملك أو جني أو غير ذلك فكله معبود بالباطل، والمعبود بالحق هو الله وحده كما قال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل { (الحج: من الآية62) .
وقد سبق بيان أن الله سبحانه خلق الثقلين لهذا الأصل الأصيل وأمرهم به، وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، فتأمل ذلك جيدا وتدبره كثيرا ليتضح لك ما وقع فيه أكثر المسلمين من الجهل العظيم بهذا الأصل الأصيل حتى عبدوا مع الله غيره، وصرفوا خالص حقه لسواه، فالله المستعان.
ومن الإيمان بالله سبحانه، الإيمان بأنه خالق العالم ومدبر شؤونهم، والمتصرف فيهم بعلمه وقدرته كما يشاء سبحانه، وأنه مالك الدنيا والآخرة ورب العالمين جميعا، لا خالق غيره، ولا رب سواه، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب لإصلاح العباد ودعوتهم إلى ما فيه نجاتهم وصلاحهم في العاجل والآجل، وأنه سبحانه لا شريك له في جميع ذلك؛ كما قال تعالى:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ {وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف:54) .
ومن الإيمان بالله أيضا الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلا الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف، مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف لله عز وجل يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه به خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { (الشورى: من الآية11) وقال عز وجل: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل:74)
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه "المقالات عن أصحاب الحديث وأهل السنة"ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان.
وقال الأوزاعي رحمه الله: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله سبحانه على عرشه، ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات. ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة الله عليهما عن الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق"ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن ذلك قال:"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"ثم قال للسائل: "ما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج". وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين سلمة رضي الله عنها. وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: "نعرف ربنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه".
وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذه المحاضرة، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب، مثل كتاب "السنة"لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتاب "التوحيد"للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب "السنة"لأبي القاسم اللالكائي الطبري، وكتاب "السنة"لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماه، وهو جواب عظيم كثير الفائدة، قد أوضح فيه رحمه الله عقيدة أهل السنة، ونقل فيه الكثير من كلامهم، والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية، قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية، والرد على المخالفين بما يظهر الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوه في باب الأسماء والصفات فإنه يقع ولابد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية، مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه.
أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة إثباتا بلا تمثيل، ونزهوه سبحانه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من التعطيل، ففازوا بالسلامة من التناقض، وعملوا بالأدلة كلها، وهذه سنة الله سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله، وبذل وسعه في ذلك، وأخلص لله في طلبه أن يوفقه للحق ويظهر حجته، كما قال تعالى:{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء: من الآية18) وقال تعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} (الفرقان:33)
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره المشهور عند كلامه على قول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش} (لأعراف: من الآية54) الآية كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته، قال رحمه الله ما نصه:"للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: "من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى".
وأما الإيمان بالملائكة فيتضمن الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فيؤمن المسلم بأن لله ملائكة خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء:28)
وهم أصناف كثيرة؛ منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم خزنة الجنة والنار، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد؛ ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل، وميكائيل، ومالك خازن النار، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وقد جاء ذكره في أحاديث صحيحة.
وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" خرجه مسلم في صحيحه.
وهكذا الإيمان بالكتب يجب الإيمان إجمالا بأن الله سبحانه أنزل كتبا على أنبيائه ورسله لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: من الآية25) . وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه} (البقرة: من الآية213) .
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سمى الله منها؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن؛ والقرآن هو أفضلها وخاتمتها، وهو المهيمن عليها والمصدق لها، وهو الذي يجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صحت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى جميع الثقلين، وأنزل عليه هذا القرآن ليحكم به بينهم، وجعله شفاء لما في الصدور وتبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، كما قال تعالى:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام:155)
وقال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: من الآية 89) وقال سبحانه: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف:158) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهكذا الرسل يجب الإيمان بهم إجمالا وتفصيلا، فنؤمن أن الله سبحانه أرسل إلى عباده رسلا منهم مبشرين ومنذرين ودعاة إلى الحق، فمن أجابهم فاز بالسعادة، ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله سبحانه:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: من الآية36) وقال تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: من الآية165) وقال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (الأحزاب: من الآية40) ومن سمى الله منهم أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسميته آمنا به على سبيل التفصيل والتعيين، كنوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم صلى الله وسلم عليهم وعلى آلهم وأتباعهم.
وأما الإيمان باليوم الآخر فيدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد والصراط والميزان، والحساب، والجزاء، ونشر الصحف بين الناس، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويدخل في ذلك أيضا الإيمان بالحوض المورود لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالجنة والنار، ورؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتكليمه إياهم، وغير ذلك مما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة أولها: أن الله سبحانه قد علم ما كان وما يكون، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شئونهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنفال: من الآية75) وقال عز وجل: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} (الطلاق: من الآية12) .
والأمر الثاني: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه كم قال سبحانه: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (قّ:4) وقال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (يّس: من الآية12) وقال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحج:70) .
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئته النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} (الحج: من الآية18) وقال عز وجل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يّس:82) وقال سبحانه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير:29) .
الأمر الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات، لا خالق غيره ولا رب سواه، كما قال سبحانه:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (الزمر:62) وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (فاطر:3) .
فالإيمان بالقدر يشمل هذه الأمور الأربعة عند أهل السنة والجماعة، خلافا لما أنكر بعض ذلك من أهل البدع. ويدخل في الإيمان بالله اعتقاد أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بشيء من المعاصي التي دون الشرك والكفر؛ كالزنا والسرقة، وأكل الربا وشرب المسكرات، وعقوق الوالدين وغير ذلك من الكبائر ما لم يستحل ذلك؛ لقول الله سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: من الآية48) ، ولما ثبت في الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
ومن الإيمان بالله الحب في الله والبغض في الله، والموالات في الله والمعاداة في الله؛ فيحب المؤمن المؤمنين ويواليهم، ويبغض الكفار ويعاديهم، وعلى رأس المؤمنين من هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهل السنة والجماعة يحبونهم ويوالونهم، ويعتقدون أنهم خير الناس بعد الأنبياء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" متفق على صحته. ويعتقدون أن أفضلهم أبوبكر الصديق، ثم الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى رضي الله عنه الله عنهم أجمعين؛ وبعدهم بقية العشرة، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويعتقدون أنهم في ذلك مجتهدون، من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر؛ ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين به، ويتولونهم، ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ويترضون عنهن جميعا، ويتبرؤن من طريقة الروافض الذين يبغضون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبونهم، ويغلون في أهل البيت، ويرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، كما يتبرؤن من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
وجميع ما ذكرناه في هذه الكلمة الموجزة داخل في العقيدة الصحيحة التي بعث الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصور، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله سبحانه" وقال عليه الصلاة والسلام: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" فقال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وهي العقيدة التي يجب التمسك بها والاستقامة عليها، والحذر مما خالفها.
وأما المنحرفون عن هذه العقيدة والسائرون على ضدها فهم أصناف كثيرة؛ فمنهم عباد الأصنام والأوثان والملائكة والأولياء والجن والأشجار والأحجار وغيرها، فهؤلاء لم يستجيبوا لدعوة الرسل، بل خالفوهم وعاندوهم كما فعلت قريش وأصناف العرب مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يسألون معبوداتهم قضاء الحاجات، وشفاء المرضى، والنصر على الأعداء، ويذبحون لهم وينذرون لهم، فلما أنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأمرهم بإخلاص العبادة لله وحده، استغربوا ذلك وأنكروه وقالوا:{أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (صّ:5) فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وينذرهم من الشرك، ويشرح لهم حقيقة ما يدعو إليه حتى هدى الله منهم من هدى، ثم دخلوا بعد ذلك في دين الله أفواجا، فظهر دين الله على سائر الأديان بعد دعوة متواصلة وجهاد طويل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والتابعين لهم بإحسان؛ ثم تغيرت الأحوال، وغلب الجهل على أكثر الخلق، حتى عاد الأكثرون إلى دين الجاهلية، بالغلو في الأنبياء والأولياء، ودعائهم والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أنواع الشرك، ولم يعرفوا معنى لا إله إلا الله كما عرف معناها كفار العرب، فالله المستعان.
ولم يزل هذا الشرك يفشو في الناس إلى عصرنا هذا بسبب غلبة الجهل وبعد العهد بعصر النبوة.
وشبهة هؤلاء المتأخرين هي شبهة الأولين، وهي قولهم:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} (يونس: من الآية18){مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: من الآية3) ، وقد أبطل الله هذه الشبهة، وبين أن من عبد غيره كائنا من كان فقد أشرك به وكفر، كما قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} (يونس: من الآية18) فرد الله عليهم سبحانه بقوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: من الآية18) فبين سبحانه في هذه الآية أن عبادة غيره من الأنبياء والأولياء أو غيرهم هي الشرك الأكبر وإن سماها فاعلوها بغير ذلك، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: من الآية3) فرد الله عليهم سبحانه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر: من الآية3) فأبان بذلك سبحانه أن عبادتهم لغيره بالدعاء والخوف والرجاء ونحو ذلك كفر به سبحانه، وأكذبهم في قولهم أن آلهتهم تقربهم إليه زلفى.
ومن العقائد الكفرية المضادة للعقيدة الصحيحة والمخالفة لما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، ما يعتقده الملاحدة في هذا العصر من أتباع ماركس، ولينين وغيرهما من دعاة الإلحاد والكفر؛ سواء سموا ذلك اشتراكية، أو شيوعية، أو بعثية أو غير ذلك من الأسماء، فإن من أصول هؤلاء الملاحدة أنه لا إله والحياة مادة، ومن أصولهم إنكار المعاد، وإنكار الجنة والنار، والكفر بالأديان كلها، ومن نظر في كتبهم ودرس ما هم عليه علم ذلك يقينا، ولا ريب أن هذه العقيدة مضادة لجميع الأديان السماوية، ومفضية بأهلها إلى أسوأ العواقب في الدنيا والآخرة.
ومن العقائد المضادة للحق ما يعتقده بعض الباطنية وبعض المتصوفة من أن بعض ما يسمونهم بالأولياء يشاركون الله في التدبير، ويتصرفون في شؤون العالم، ويسمونهم بالأقطاب والأوتاد والأغواث وغير ذلك من الأسماء التي اخترعوها لآلهتهم، وهذا من أقبح الشرك في الربوبية، وهو شر من شرك جاهلية العرب، لأن كفار العرب لم يشركوا في الربوبية، وإنما أشركوا في العبادة، وكان شركهم في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيخلصون لله العبادة، كما قال الله سبحانه:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65) أما الربوبية فكانوا معترفين بها لله وحده، كما قال سبحانه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (الزخرف: من الآية87) وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
أما المشركون المتأخرون فزادوا على الأولين من جهتين إحداهما: شرك بعضهم في الربوبية. والثانية: شركهم في الرخاء والشدة كما يعلم ذلك من خالطهم وسبر أحوالهم، ورأى ما يفعلون عند قبر الحسين، والبدوي وغيرهما في مصر، وعند قبر العيدروس في عدن، والهادي في اليمن، وابن عربي في الشام، والشيخ عبد القادر الجيلاني في العراق، وغيرها من القبور المشهورة التي غلت فيها العامة، وصرفوا لها الكثير من حق الله عز وجل، وقل من ينكر عليهم ذلك ويبين لهم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يردهم إلى رشدهم، وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يوفق قادة المسلمين وعلماءهم لمحاربة هذا الشرك والقضاء عليه ووسائله، إنه سميع قريب.
ومن العقائد المضادة للعقيدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات عقائد أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم في نفي صفات الله عز وجل، وتعطيله سبحانه من صفات الكمال، ووصفه عز وجل بصفة المعدومات والجمادات والمستحيلات، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا؛ ويدخل في ذلك من نفى بعض الصفات وأثبت بعضها كالأشاعرة، فإنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات نظير ما فروا منه في الصفات التي نفوها وتأولوا أدلتها، فخالفوا بذلك الأدلة السمعية والعقلية، وتناقضوا في ذلك تناقضا بينا؛ أما أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا لله سبحانه ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه الكمال، ونزهوه عن مشابهة خلقه تنزيها بريئا من شائبة التعطيل، فعملوا بالأدلة كلها ولم يحرفوا ولم يعطلوا، وسلموا من التناقض الذي وقع فيه غيرهم - كما سبق بيان ذلك -، وهذا هو سبيل النجاة، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهو الصراط المستقيم الذي سلكه سلف هذه الأمة وأئمتها، ولن يصلح آخرهم إلا بما صلح به أولهم، وهو اتباع الكتاب والسنة وترك ما خالفهما.
والله ولي التوفيق، وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به؛ وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.
حول نظرية الالتزام
يا ولد
…
ما مفهومها؟ وما مدلولها في المجتمع السلفي؟
بقلم السعيد الشربيني الشرباصي
المدرس بدار الحديث المكية التابعة للجامعة
اعتمدت الدعوة السلفية المباركة على "نظرية الالتزام"التي أعد بحثا علميا فيها يحدد مبادئها، ويشرح اتجاهاتها، ويوضح مظاهرها، ويبين نهجها السليم في اتباع طريق لا يشتط ولا يهن ولا يفرط أو يتعصب، ولا ينحرف يمنة أو ينعطف يسرة.
ولقد ضمنت هذه الدعوة للشريعة الغراء الالتزام بالنصوص العظيمة التي وصلت إلينا من مصادرها الوثيقة. وقد كان لهذا الالتزام أثره المحمود في حماية الدين من الأهواء والآراء، ومن الأمزجة والمتاهات، ومن الشطحات والنطحات، والاختراعات والابتكارات التي يحسب أصحابها أنهم على شيء وما هم على شيء، إن هي إلا أوهام توهموها، وخزعبلات اصطنعوها، تذهب دخانا مع نور الحقيقة، وإشراقة اليقين، وفلق الحق المبين.
ولقد عكست "نظرية الالتزام"أخلاقها العظيمة على المجتمع السعودي بحيث جعلت له اتجاهات معينة، وأخلاقا بارزة لا يتسع المجال لعرضها، وإني لمعني بتسجيلها في بحثي العلمي عن "نظرية الالتزام"في الدعوة السلفية.
واليوم أريد تسجيل ظاهرة عابرة عكستها "نظرية الالتزام"على العامة في الطريق، وفي السوق، وفي الأندية، وهي أسلوب التخاطب الواقعي الذي يتم بلا مبالغة أو تضخيم، ومن غير إطراء أو تحسين. والذي يستخدم كلمة "يا ولد"مع كل الناس، حتى أنه ليروع الغريب الذي لم يفهم حقيقة هذا المجتمع وصدقه وواقعيته حينما ينصرف عن بائع الجرجير مثلا، وقد نسي أن يعطيه قرشا من حقه فيصرخ عليه مناديا يا ولد
…
ويتلفت يمنه ويسره فلا يجد أحدا بجواره، ويدرك أنه المقصود بهذا اللقب العظيم
…
وأن البائع يريده ليعطيه بقية حقه.
وعلماء اللغة يقولون في كتبهم: "الولد: كل ما ولده شيء. ويطلق على الذكر والأنثى، والمثنى والجمع"اهـ ومن هنا نجد القرآن المجيد يستخدم هذه الكلمة بإيجازه الرائع مشيرا إلى هذه المعاني كلها حين يقول في سورة النساء: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} (النساء: من الآية12) . ومن هنا يقرر علماء الفروض - الميراث - أن الزوج يرث النصف من زوجته عند انعدام ولد لها. فإذا كان لها ولد - ذكرا كان أو أنثى، واحدا أو أكثر، منه أو من غيره - فله الربع
…
وهذا بخلاف كلمة "الابن" فإنها لا تطلق إلا على الواحد الذكر. ولهذا جاءت كلمة البنت والأبناء والبنات لبيان أن هناك تفريقا في المراد، على عكس كلمة ولد فليس منها "ولدة".
واستعمال المجتمع السلفي لهذه الكلمة يوحي بالروح الإسلامي الذي يميل إلى العدالة العامة، واحترام الإنسان باعتباره خليفة في أرض الله، سواء كان ذكرا أو أنثى، فردا أو جماعة، كبيرا أو صغيرا، غنيا أو فقيرا، عالما أو جاهلا. فلا فرق بين سيد ومسود، ولا بين عظيم وحقير. فالكل خلق الله، والكل أبناء آدم، والكل من تراب، والكل متحد في المصدر والكل مولود والكل معدوم والكل عند الله سواء، لا ميزة لأحد إلا بحسن العلاقة ومع الخلاق وهي التقوى، وإنها لفي الصدور وليست بالسيارات ولا بالقصور.
وهذه الحقيقة تستلزم الحقيقة الكبرى وهي أن هذه الخلائق لابد لها من خالق، وأن الحادث لابد له من موجد، وأن الفاني يحتاج إلى معدم يحكم عليه بالعدم، ويبقى هو وحده لا شريك له. فلا أول له ولا آخر له، وهو وحده الذي لم يلد ولم يولد وليس كمثله شيء.
وقد حرصت الدعوة الإسلامية تثبيت هذه الحقائق، لأنها جاءت لتحطيم الطواغيت، ورفع ظلم الإنسان للإنسان وعدوانه عليه، وفي الوقت ذاته جاءت لتحرير الإنسان من عبادة الإنسان، والأخذ بيده قائلة له:
"انظر إلى الأعلى
…
انظر إلى السماء وما فيها
…
وتأمل هذه القبة الرائعة اللامعة، تأمل كيف يبدل الله حالا بعد حال، صباح ومساء، وإشراق وإعتام، وليل ونهار، وقر وحر، ومطر وصفاء فسبحان الواحد الخلاق، وسبحان المبدع العظيم الذي ليس كمثله شيء".
ولما كانت الدعوة السلفية قوامها غرس مبدأ "الالتزام"وهو يقوم على التشبث بالحقيقة، والميل إلى الالتزام الواقع، واستخدام الصدق بلا افتعال أو تصنع، وبدون مبالغة، فقد امتد هذا المفهوم إلى المجتمع السلفي - كما نرى -.
فلا بيه، ولا أستاذ، ولا مولانا، ولا سيادتك، ولا عظمتك، واختفت هذه الألقاب من فم السلفي العادي يعيش في السوق وفي الشارع وفي البادية بعيدا عن المؤثرات الوافدة.
وإني لأنقل هذا المشهد الحي الذي وقع أمامي. ها نحن نتزاحم في سيارة الأتوبيس بعد صلاة التراويح في البيت العتيق في طريقنا إلى منازلنا، ولكن سيارة فاخرة تمرق بجوار الأتوبيس وقد استرعت السيارة أنظار الركاب لأنهم تعرفوا على شخصيات معينة فيها. وبدأ الحوار عن هذه الشخصيات فقال شاب:"إن هذا أحمد. ورد عليه آخر وقال: لا إنه فواز. وعلق الأول قائلا: لا إن فواز على سفر وأحمد هو الموجود". وكان الراكبون قد تعمدوا المرور في مناطق الزحام ليشرفوا بأنفسهم علة تنظيمه، وليتخذوا أسبابا لتلافيه، وقد بدأت تباشير العيد تلوح من خلال الأيام الأخيرة من رمضان المبارك.
وعرفت من فحوى الحديث أنه يدور عن أمراء مكة ولكني لم أسمع واحدا يسبق بلقب ما
…
الحوار يدور بالأسماء المجردة بدون ألقاب في سماحة إسلامية وبساطة أخوية واقعية سلفية التي تلزم بالوحدانية لله وحده.
لقد قلت في حديثي عن "نظرية الالتزام"التي ترسي قواعدها الدعوة السلفية أن الطريق الصحيح لصنع مجتمع إسلامي سليم هو تلاحم الدعاة مع الحماة، وذلك سر نجاح الدعوة السلفية حينما توفر لها الجو الروحي الذي يصنع الإيمان، والجنود الشجعان الذين يحملون الدعوة بالحزم والإصرار والاندفاع.
وأعود للحديث عن واقعية الألقاب التي أملتها خطة الالتزام لنقارن بين هذا الواقع الصادق وبين سواه - مقارنة علمية خالصة - فنجد في الوجه الآخر للمجتمعات الإسلامية التي ابتعدت عن مبدأ الالتزام الإغراق في الألقاب والتطاول في الحديث، والمبالغة في استخدام الصفات؛ فهذا شيخ المشايخ التقي النقي الصالح الورع العارف بالله، وهذا صاحب الفضيلة الأوزعي الألمعي الأستاذ الكبير الشيخ فتح الباب القطب الرباني. وتمتد الألقاب الوظيفية والسياسية أيضا بشكل مزعج يتنافى مع البساطة فضلا عن مجافاتها للواقع. وفي جو هذه الألقاب المطاطة تنكمش روح الإخاء الإسلامي، وتطوى سماحته وبساطته، ويشيع جو من الفواصل المصنوعة والفوارق المدعاة حتى يشعر الأتباع أنهم لا شيء، وأن شيخهم أشياء أشياء، تجعل له أحوالا وأسرارا، وباطنا وظاهرا، ثم تعميهم المظاهر الكاذبة عن النظر إلى الحقيقة، فيذكرون هؤلاء العبيد وينسون ربهم ورب آبائهم وخالقهم وخالق الكون وما فيه.
أما "الملتزم"بالحق وبالنهج فإنه لا يقبل قبل هذه الدعاوي ويرفضها من وقت مبكر قبل أن تتعاظم وتتطاول، وقبل أن تنتفخ وتتورم.
"والملتزم"إذا سئل عن أستاذه مثلا فإنه يقول: "سعيد"، مكتفيا بذلك ولا يزيد، كما أنه إذا سئل عن واقع فإنه يرويه بلا نقص ولا زيادة راغبا في الصدق وفي الالتزام به. أما المتحلل - غير ملتزم - فلا يعنيه الأمر، ولا يجد بأسا من أن يجعل من الحبة قبة، ومن البعرة بعيرا، ومن البحر عسلا وطحينة - كما يقولون - ومن القردة وردة، ومن المبتدئ إماما وعالما جليلا.
وقد يعكس الأمر عندما يكون هواه في هذا فيجرد الشيء من خصائصه بكل طاقة له ومن غير إنصاف أو اعتدال.
ولقد حاولت بلاد إسلامية - وقد راعها سخافة هذه الألقاب - أن تكون واقعية، فأصدرت القوانين لمحاربتها ولكنها لم تنجح مع استمرار التجربة سنوات وسنوات، وما تزال هذه الألقاب هي واسطة التخاطب في مجتمعها.
فما السر؟
السر هو أن هذه المجتمعات لا يسود فيها مبدأ الالتزام الذي يجعل المرء يلتزم بما قال، ويفي بما تعهد، وينفذ ما اعتزم، ويرتبط بالمبدأ الذي قطعه على نفسه، وارتضاه لنهجه، ولهذا نجد المجتمع كله يردد هذه الألقاب على الدوام؛ بل إن الأجهزة الحكومية نفسها لا يسود فيها نداء سوى هذه الألقاب، ويمتد هذا من الأجهزة البسيطة إلى أكبر المستويات، وإذا استمعت إلى أجهزة الإعلام لا تجد غير هذه الألقاب الملغاة.
ولا أحد يلتفت، ولا أحد يلوم
…
لأنه لا "التزام"بما يقال.
وبعد، ألا ما أشبه الالتزام لصحة المسيرة بخيط البناء الذي يشده على الجدار ليلتزم وضع كل حجر في حدود هذا الخيط المستقيم فلا يبرز الجدار ولا يدخل عن وضعه المستقيم.
إن رجال الرياضة يقولون: إن الخط المستقيم هو أقرب الطرق للوصول إلى النقطة، وإن الالتزام والطريق المستقيم للشريعة الغراء بلا انحراف أو انعطاف يمنه أو يسره هو أقرب الطرق للوصول إلى الحقيقة، وأسلم الوسائل لضمان الوصول.
وللكلام بقاية
…
قضايا أساسية في تطوير المكتبة العربية والإسلامية
بقلم عيد عبد الله السيد
خبير مكتبات الجامعة
"تساءلنا في العدد السابق عن المتطلبات الشخصية لوظائف المكتبة العامة وعن ضرورات التعليم والتدريب وعن طبيعة هذا التدريب وعن نمط المؤسسات التي تتولى هذا التدريب، ثم تساءلنا عن المشكلات الهامة في ترتيب وإدارة موظفي المكتبات.
وسنحاول في هذا المقال أن نجيب عن هذه التساؤلات وأن نستوفي الجانب الأول الذي يثار عند تقويم مكتباتنا، وهو موارد المكتبة، أي أننا سنتحدث عن مجموعات الكتب وعن مواد القراءة.
أما الإعارة وخدمة المراجع وإرشاد القراء وتعليم الكبار واستعمال التي لا تعار والدعوة إلى المكتبية وما إلى ذلك، فسنعالجها في مقالاتنا القادمة إن شاء الله تعالى".
المتطلبات الشخصية لوظائف المكتبة.
إن هذه المتطلبات تتحدد بالدرجة الأولى برسالة المكتبة وماهيتها ونوعها ونوعية خدماتها والبيئة التي توجد فيها.
ويمكن أن نطرح هذا السؤال:
هل الغرض من إنشاء مكتبة ما إمداد القارئ بالمطبوعات ومواد المعرفة الأخرى دون مناقشة في نوعية هذه المواد والمطبوعات؟ أم أن من مسئوليات المكتبة ورسالتها أن ترشد القراء وتوجههم وتدعو من يتخلف منهم عن متابعة القراءة ليتابع قراءته؟ هل للمكتبة أن تشارك في رفع مستوى العلمي والثقافي لجمهورها وللبيئة التي تخدمها؟
إن المكتبة ذات الإمكانيات المكتملة عليها أن تقدم لمن يقصدها الكتب والنشرات والصحف والخرائط والصور والأفلام وغيرها.
ليس فقط بل إن من واجبها أن ترشد روادها إلى كيفية استعمال هذه المواد واستخدام هذه الأدوات، ويمكن القول إن الهدف من إنشاء المكتبات هو تهيئة الفرص للأطفال والشباب والرجال والنساء وكل فئات المجتمع وطوائفه ليواصلوا تعليم أنفسهم بعد انقطاع صلتهم بمدارسهم.
أو لمتابعة ما يطرأ على المعرفة الإنسانية في مختلف المجالات، أو للمحافظة على التعبير والتفكير والنقد تجاه جميع المسائل العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
أو لخلق الوعي المستنير بقصد جعل المواطنين أصلح لبلادهم وللبشرية، أو لرفع مستوى الأداء والإنتاج في الأعمال اليومية والمهنية. وهناك من يقصد المكتبة لتنمية قدرته على الخلق والتذوق والإبداع في محيط الآداب والفنون.
أو للمعاونة الأتم والأوفى في الإضافة لحصيلة المعرفة البشرية، وقد لا يتعدى الأمر الانتفاع بوقت الفراغ.
ولعل هذه الأغراض تدفع المكتبة العامة إلى أن تربط بين نشاطها ونشاط الهيئات التعليمية والثقافية والاجتماعية الأخرى؛ كالمدارس والجامعات والمتاحف والنقابات والنوادي والجمعيات العلمية ومنظمات مكافحة الأمية
…
الخ".
ويمكن القول إنه إذا توفر للمكتبة هيئة من الموظفين أحسن اختيارهم واكتمل إعدادهم المهني وتوفر لها في نفس الوقت ميزانية كافية ومساندة اجتماعية صادقة، أصبحت بحق "جامعة"للشعب تهب العلم حرا لكل من يقصدها.
ولكي تؤدي المكتبة رسالتها وأغراضها فلابد أن تتعدد وظائفها وتتنوع بما يكفل لها تغطية جميع المجالات وخدمة كافة المستويات.
وإذا كان معظم المكتبات في عالمنا العربي ليس لها اعتمادات مالية مناسبة، إن لم نقل ليس مخصصات مالية على الإطلاق، فلا غرو أن إمكانياتها لا تسمح لتوظيف مكتبيين فنيين.
على أن أمين المكتبة لا يمكن أن يزاول عمله بكفاءة ونجاح إلا إذا كان حاصلا على درجة علمية من إحدى الكليات مع دراسة سنتين على الأقل في إحدى معاهد المكتبات المتخصصة، ولعل هذا هو الحد الأدنى لمتطلبات مهنة أمناء المكتبات فيما نرى.
ولما كانت الوظائف في المكتبات متنوعة ومختلفة ومتباينة فعلية لابد من تنوع مستويات التدريب المهني، وتنوع المرتبات واختلاف المسئوليات. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يوجد حتى الآن في منطقة الشرق الأوسط سوى معهدين لدراسة المكتبات أحدهما في إيران، والثاني في جمهورية مصر العربية، وقد تحول إلى قسم من أقسام كلية الآداب في جامعة القاهرة، وأصبح يمنح درجة الليسانس في الوثائق والمكتبات درجتي الماجستير والدكتوراه، ويوجد بمصر أيضا منذ سنوات قليلة مضت معهد عال للمكتبات مدة الدراسة به ثلاث سنوات بعد الليسانس أو البكالوريوس.
وقد بلغني نبأ إنشاء قسم للمكتبات في جامعة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ونحن ننتظر اليوم الذي نرى فيه معاهد المكتبات وقد انتشرت في كل أرجاء الوطن العربي، لتغطي الاحتياجات الملحة للمكتبات العربية، والأمل أن تنشر الدراسات في علم المكتبات فتصبح بين مقررات الكليات والمعاهد العليا بكل الجامعات العربية.
وما تجدر الإشارة إليه أن التدريب الممتاز الذي تقدمه مثل هذه المعاهد والجامعات، وإيمان المشرفين على المكتبات بفحوى هذا التدريب وأهميته لاشك يسمو بمستوى العمل في المكتبات إلى درجة كبيرة في فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز بضع سنين.
ولاشك أن العمل في المكتبات العربية قد أصبح الآن يحتاج إلى درجات علمية أو تدريب عال على كافة المستويات الفكرية، يبرر ذلك ويؤكده أن الكثيرين من موظفي المكتبات عندنا ليسوا على أدنى مستوى من الكفاءة - ولا زالوا يمارسون العمل داخل المكتبات في الوطن العربي دون استعداد أو كفاءة - وربما كان عدد وفير منهم لا تسمح حالتهم حتى بمجرد البدء في التعليم، لانعدام هذا الأساس عندهم من الأصل.
وعسى أن ينظم لهؤلاء ومن على شاكلتهم مناهج خاصة مبسطة، تعقدها معاهد المكتبات أو السلطات المسؤولة عن المكتبات داخل الحكومات العربية، وربما كان واضحا في الأذهان أن معرفة المكتبي بالمادة الموضوعية للكتاب تتكيف وفق معيار الفائدة والاستعمال، ومما لاشك فيه أن الخدمة المكتبية تحتاج إلى معرفة الكثير من الموضوعات والفنون، وإلى دراسة المراجع ومصادر الكشف الببليوجرافي وطرق البحث ومناهجه.
وإذا كان على عالم الرياضة أن يكون ملما بالمعرفة الرياضية، وعالم التاريخ أن يكون محيطا بالأحداث التاريخية وفلسفة التاريخ، فإن على المكتبي أن يعرف المصادر الأدبية لهذه الموضوعات كلها أو جزء منها.
على أن التدريب العالي ضروري إلى حد كبير في كثير من الأعمال في المكتبات، ولعل تزايد الفنيين في المكتبات أمر له أهمية كبيرة عند من يعنيهم أمر الثقافة والتربية.
ويظهر أثر التدريب على فن المكتبات بنجاح في إدارتها وتنظيم أعمالها بكفاءة، وربما تسبب انعدام التدريب أو ضآلة كفاءته في انصراف العاملين في المكتبات عن أداء رسالتهم، بل والتفكير في ممارسة أعمال أخرى بعيدا عن هذا المجال. ومما تجدر الإشارة إليه أن الخدمة المكتبية تحتاج إلى عدد مناسب من الكفاءات، على أن تغطي هذه الكفاءات احتياجات المكتبة المهنية خاصة، وأنها متعددة وتحتاج إلى في الغالب إلى كفاءات عالية.
على أن ممارسة المكتبي لمهنته داخل المكتبات شيء لا يقل أهمية عن دراسته بالمدارس المهنية وحصوله على برامج تدريبية متطورة.
ويلاحظ أن هذه المعايير نسبة بين أنواع المكتبات، فاحتياجات المكتبة العامة تختلف عن المكتبة الجامعية، ومتطلبات المكتبة المتخصصة غير متطلبات المكتبة المدرسية، على أن كل أنواع المكتبات تخضع لمقاييس متشابهة عند تقويم مدى تقدمها. ومن ذلك:
(1)
فتح الأرفف لاستخدام الجمهور دون وسيط أو رقيب.
(2)
التعاون مع الهيئات والجمعيات؛ كالجامعات والمدارس في تقديم المساعدات وتلقي العون من الكتب ومواد القراءة وغير ذلك.
(3)
ماذا تفعل هذه المكتبات للأطفال ولمختلف فئات السن، وبخاصة الكبار.
(4)
مدى اتفاق هذه المكتبات من حيث التشريعات والنظم المكتبية والمالية والإشراف والرقابة
…
الخ.
(5)
مدى انتشار المكتبات داخل أقاليم الدولة ومحافظاتها ومدنها وقراها. ولعل المسئولين في الوطن العربي يهمهم أن تتطور مهنة أمناء المكتبات في بلادهم، وإذا كانوا كذلك فعليهم أن يشاركوا في صنع هذا التطور بالوسائل الآتية:
(1)
تشجيع تكوين الجمعيات المهنية للمكتبات؛ كالجمعية المصرية للوثائق والمكتبات في القاهرة.
(2)
إصدار مجلات متخصصة في علم المكتبات كلما كان ذلك في الإمكان.
(3)
إعداد نشرات عن المكتبات العربية عن طريق الجهات المسئولة والوزارات المعنية.
(4)
الاصطلاح على تقسيم العمل داخل المكتبات الكبيرة بطريقة موحدة، فقسم للتواصي والتزويد، وقسم للإعارة، وقسم للمكتبات الفرعية، وقسم للأعمال الفنية، وقسم للتدريب المهني، وقسم للطباعة والنشر، وقسم للكبار، وقسم للأطفال، وقسم للوسائل السمعية
…
الخ.
(5)
الاهتمام بالتعليم المهني في مجال المكتبات، وذلك بزيادة إنشاء مدارس المكتبات والمنظمات المكتبية.
على أن توحيد المسميات الوظيفية في نطاق أعمال المكتبات ووظائفها أمر له مغزاه ومعناه في تقدم هذه المهنة وإبراز مداها وخطورتها، فمدير عام المكتبات ومساعده ومدير المكتبة والأمناء والخبراء ورؤساء الأقسام والمصنفون والمفهرسون ومرشدوا القراء والفنيون والأخصائيون وأمناء القاعة، بل والملاحظون؛ هي مسميات بوظائف فنية يمكن أن تكون داخل مكتباتنا حسب نوعها وحجمها، وإن كانت كلها وظائف فنية تحتاج إلى دراسة فن المكتبات وإلى التدريب على أعمالها في برامج تعد لهذا الغرض.
أما وظائف المسجلين والكتبة وطابعي الآلة الكاتبة والعاملين في الآلات الحاسبة وورشة التجليد والمطبعة وغيرهم من الوظائف التي لها علاقة قريبة بالمكتبات قد لا تحتاج إلى مثل هذا النوع من التدريب.
على أن العمل داخل المكتبات الجامعية بوجه خاص يحتاج إلى إشراف جماعي على المكتبات، لذا فلابد من وجود لجنة لمكتبات الجامعات بكل جامعة تكون عادة برئاسة رئيس الجامعة أو نائبه، وسكرتارية مدير المكتبات في الجامعة وعضوية عدد من أعضاء هيئة التدريس وبعض الشخصيات الاعتبارية من خارج الجامعة، وتقاس قيمة هذه اللجنة بالنظر إلى أعمار أعضائها ومدة العضوية فيها والمستوى التعليمي لمنتسبيها ونوعية هذا التعليم ونسبة حضورهم الاجتماعات، ويمكن أن تشكل مجالس إشراف للمكتبات العامة الكبيرة قريبة من لجان المكتبات الجامعية.
وتكون مهمة مثل هذه المجالس واللجان رسم السياسة العامة للمكتبات واختيار الكتب.
مجموعات الكتب والمواد العلمية.
كيف تحصل المكتبة على ما تحتاجه من كتب؟ بالشراء أم بالإهداء؟ أم بالتبادل الثقافي؟
…
أم بطريقة أخرى كالإيداع القانوني مثلا؟ كما في مكتبات الدولة. وهل مجموعات الكتب في مكتبة ما ولتكن مكتبة جامعية تكفي وتغطي احتياجات الباحثين والقراء؟ وهل هذه المجموعات تطابق المحيط الجامعي مثلا؟
من الضروري أن نعرف ما تتخذه المكتبة من إجراءات لبناء مجموعاتها من الكتب وغيرها من مواد المعرفة، ولابد أن نقرر إذا كان رصيد المكتبة من مواد المعرفة يناسب أغراض هذه المكتبة ورسالتها، وإلى أي حد يكفي احتياجات مجتمعها ويكفي احتياجات مجتمعها وبيتها وجمهورها.
علينا أن نسأل كيف يتم اختيار الكتب في مكتباتنا؟ وهل للقراء دور في هذا.
ومن الضروري أن يشعر المترددون على المكتبة أن من حقهم أن يشاركوا في اختيار كتبها، وربما يقاس نجاح أي مكتبة بعدد المقترحات التي تردها من القراء لاختيار كتب لمكتبهم.
وهذا لا ينفي ضرورة وجود موظفين مسئولين يشاركون مشاركة فعلية في اقتراح الكتب التي تحتاجها المكتبة، بل وترجمة هذه المقترحات إلى مشتروات.
ويقاس أداء المكتبة لرسالتها عادة بعدد الكتب التي تخص القارئ الفرد، بمعنى أن نقسم العدد الكلي لمحتويات مكتبة ما على كل من لهم حق الانتفاع بهذه المكتبة - حتى ولو لم يستخدموها بعد - فمكتبة جامعية جمهورها وبيئتها هم الطلاب والأساتذة وموظفوا الجامعة، ومكتبة عامة جمهورها وبيئتها المدينة أو البلدة أو القرية التي تخدمها.
ولا بأس عند تقويم أداء مكتبة ما لرسالتها أن نقسم مجموع عدد الكتب على العدد الكلي للمستعيرين قابل للتغير زيادة ونقصا، ولا يمكن اعتباره ثابت الدلالة، لاحتمال أن يتردد على المكتبة من يستخدم قاعات المطالعة بها
…
ومثل هؤلاء بلا جدال يدخلون في حساب مجموعات المكتبة.
وفي بعض المكتبات قد نكتفي بذكر الرقم العام لرصيد المكتبة على أساس أن من السهل إدراك ما ترمي إليه، ومن مساوئ هذه الأساليب في تقويم الأداء:
(1)
أن هذه الطرق عددية وليست نوعية.
(2)
أنها لا توفق في التمييز بين العناوين والمجلدات التي تملكها المكتبة.
(3)
أنها لا تعطينا تعريفا للمواد العلمية داخل المكتبة.
ويمكن للباحث أن يتفادى هذه العيوب، وذلك بتحليل عدد المجلدات على أساس الموضوعات التي تعالجها، أو على أساس فئات القراء التي يمكن أن تنتفع بها، وربما أعطي ذلك فكرة أدق عن مدى كفاية المجموعات.
ولابد أن يكون واضحا في الذهن أن مجموعات الكتب داخل مكتبة ما هي كتب في المعارف العامة أو الفلسفة أو علم النفس أو الدين أو العلوم الاجتماعية والقانون والتربية أو اللغات أو العلوم البحتة أو التطبيقية؛ كالطب والزراعة والهندسة والتدبير المنزلي والأعمال المالية والصناعات والمباني، أو الفنون الجميلة أو الأدب أو التاريخ والجغرافيا أوالتراجم. وهذه المواضيع واضحة في الفهرس الموضوعي المصنف للمكتبة، وقد تظهر في قائمة الأرفف
…
ومن بين كتب المكتبة ما يصلح للأطفال ومنها ما يصلح للكبار أو لغير ذلك من الفئات. ومن كتب المكتبة ما نطلق عليه "القصص"ومنها ما هو بلغات مختلفة غير اللغة العربية.
ومن محتويات المكتبة ما يغاير الكتاب فيكون على شكل مجلد أو دورية أو مخطوط أو شريط أو مادة سمعية
…
الخ.
ومن محتويات المكتبة ما يحتاج إلى استبعاد لعدم جدوى وجوده بين رصيدها، لكون مثل هذا النوع لا يعالج موضوعات يهتم بها أحد من القراء، أو لأنها تحوي نصوصا تسيء إلى مشاعر آخرين، أو لأنها نقدت قيمتها العلمية لتقادم معلوماتها، أو لأي سبب آخر، وربما استبعدت المكتبة بعض الكتب لأنها مستهلكة إلى حد يتعذر معه تداولها أو ترميمها أو تجليدها، وربما كان الاستبعاد بسبب تكرار في النسخ يزيد عما تحتاجه المكتبة.
ومن بين مجموعات الكتب في المكتبة ما يعرف عند المشتغلين في المكتبات باسم المراجع، وهي لفظ يطلق على القوانين ودوائر المعارف والتقاويم والحوليات والأدلة والأطالس والببلوجرافيات والجداول الإحصائية وقواميس التراجم وغيرها، وهي مواد ذات طبيعة خاصة تمنع من إعارتها خارج المكتبة، وتحتاج إلى تدريب القراء على استعمالها، ويستحسن أن يتم ذلك في المكتبة عن طريق برامج منظمة، وسنعالجها إن شاء الله في موقع آخر تفصيلا.
مواد المعرفة والقراءة.
ولعلنا الآن أصبحنا مقتنعين بأن هناك أنواعا لا حصر لها من العمل الذي يجري في المكتبات، والذي يزاوله عدد معين من الأخصائيين، ولعلنا اقتنعنا أيضا بأن المكتبات تحوي كتبا في كل نوع من أنواع المعرفة وفي عدد هائل من الموضوعات والمواد المتعلقة بالقراءة.
ويبدو أن تزايد المعرفة ووسائلها أصبح من الأمور المحيرة داخل مكتبات تتزايد المواد داخلها بشكل مدهش ما بين كتاب ومجلة وأسطوانة وصور وشرائح ونشرات ووثائق حكومية ومواد فنية، كلها تسعى إلى تجلية الثقافة ونشر المعرفة.
وقد تعرض المكتبة حديثا على الهواء أو فِلْماً إخباريا، بل لعلها مستقبلا تنقل كتبا إلى قارئ مريض في بيته، وقد تنقل مجموعة من محتوياتها إلى جناح في مستشفى للمرضى
…
أو في السجون.
وتتنوع الكتب داخل المكتبات الحديثة ما بين كتب إرشاد وأعلام، وكتب ذات مستوى رفيع أو خيال خصب أو تأملات
…
الخ.
والخلاصة أنه توجد كتب في جميع فروع المعرفة داخل إطار العقل البشري، على أنه يتحتم على مكتباتنا إذا أريد لها البقاء وأداء الخدمة بنجاح واستمرار أن تلجأ إلى الطرق المتغيرة وآلات العمل الحديثة؛ فالكتب والمواد المطبوعة هي الأدوات التي تعبر عن جوهر المعرفة وتفسره، وهي أساس العمل في المكتبات.
على أن المعرفة في أيامنا هذه أصبحت تنقل للناس بوسائل أخرى غير الكتاب وبدون الكلمة المطبوعة؛ فالراديو والتلفزيون أمست قائمة في كل بيت ويستخدمها الملايين الكثيرة في شتى بقاع العالم، بينما الكلمة المطبوعة لا زالت حبيسة الكتاب والمكتبة تنشر في تؤدة وبطء إلى الراغبين من محبي المعرفة والباحثين عن الثقافة.
على أن المعرفة المنقولة يمكن معالجتها بأسلوب غير الطباعة، مثال ذلك الميكروفيلم الذي يعتبر وسيلة سهلة وبسيطة لنقل المعلومات، فعن طريقه يتمكن القارئ من الجلوس مستريحا وأمامه جهاز تسجيل يلمسه بأصبعه ليدير الفلم، فإذا به أمام المادة العلمية التي يريدها.
وإذا كانت آلات الميكروفيلم غالية الثمن وكثيرة التكاليف، فإن الأمر لا زال كذلك بالنسبة لكل مستلزمات إنتاج الكتب وآلات الطباعة، ولقد أصبحت الماكينات والآلات كالراديو والحاكي من المعدات الضرورية، بل والأساسية لبعض أنواع المكتبات؛ فالراديو قد ينشط النقاش وفي قاعات الاستماع توجد سماعات جماعية أو فردية، كما يتزايد في المكتبات المواد المصورة من جميع الأنواع.
ومن بين الأدوات الحديثة التي تستخدمها المكتبات لتبسيط أداء واجبات المكتبة الفنية آلة العهد Charging Machine لختم البطاقات عند الإعارة وعند الإعادة، كما تستخدم الآلة الكاتبة والحاسبة حاليا في أعمال المكتبات أيضا.
وظائف المكتبات.
توجد في العالم الآن مستويات رفيعة لمهنة المكتبات سواء في القدرة أو في التدريب أو في الأداء. على أن العاملين في المكتبات ينقسمون إلى نوعين مختلفين اختلافا بينا. الفني والإداري، وقد أصبح الأمر يتطلب وجود الأخصائي مثل أمين مكتبة الطفل ومرشد القراء
…
الخ، وكل هؤلاء يلزم تدريبهم مهنيا كما سبق بيانه.
على أن المكتبات في عالمنا العربي لا زالت – للأسف - تعاني من قلة الاعتمادات التي تكفي لإنشاء عدد من الوظائف العليا في المكتبات التي تثير عند العاملين فيها الطموح والنبوغ وحب الوظيفة والتحمس لها.
ويحتاج العمل في مكتباتنا العربية إلى تنظيم متنوع يراعي الإعداد المهني والمؤهلات الشخصية ونوع الوظيفة
…
الخ.
ويوجد في بعض المكتبات الكبيرة في الوطن العربي كما في دار الكتب والوثائق القومية في مصر مثلا نظام للدرجات والمرتبات يراعي مراكز المستويات المهنية حتى رتبة وكيل وزارة ومدير عام، وربما يضع هذا النظام الشروط اللازمة لكل وظيفة ومستوى التدريب والخبرة، وما يحكم الترقيات والعلاوات من قواعد ولكنها عمل فردي يمكن الاسترشاد به والاستشهاد لا أكثر ولا أقل.
على أن نظام الدرجات في المكتبات غالبا ما يكون جامدا لا يعرف المرونة، وهو ذو طابع عام لا يضمن التنوع في الوظائف بالنسبة لمهنة تتطلب نظاما واسعا من المراكز التي تختلف من حيث السلطة والمسؤولية والقدرة، أي أنه لابد بالنسبة للمكتبات من وجود كيان إداري ذي كفاية عالية.
والخلاصة أننا في حاجة ملحة إلى زيادة المواد التي تدرس في علم المكتبات، وتطوير هذا النوع من الدراسة، وإعداد المكتبيين مهنيا وترقية فن المكتبات وعلوم المكتبات، وضبط النماذج الإدارية داخل مكتباتنا.
لقد فقدت المكتبة العربية والإسلامية أمهات كتبها لتصبح حبيسة المتاحف والمكتبات في الدول الأوروبية والأمريكية، وتختل المكتبات في عالمنا العربي شأن أمور أخرى كثيرة وقعت لنا لعوامل متباينة.
ولا زالت المكتبة في الوطن العربي متخلفة عن أداء رسالتها ربما لعدم قدرتها على شراء قدر كاف من الكتب في مختلف العلوم والفنون، أو لعدم كفاءة العاملين فيها وكفايتهم وعجزهم عن تقديم المعلومات اللازمة للقارئ، وعدم توافر أعمال الإرشاد والخدمة المكتبية في هذه المكتبات. ولكن ومع قدرة العرب مؤخرا على تخطي كثير من الحواجز التي كانت تمنعهم من التقدم، وفي مقدمة ذلك الاهتمام بالتعليم، فإنه قد أصبح أمام المكتبة العربية حاليا فرصة طيبة لتعيد عصرها الذهبي مرة ثانية مرفقا حيويا عظيما، وتأخذ دورها الطليعي بين المدرسة والمسجد والجامعة والمتحف وغير ذلك من المؤسسات العلمية والأكاديمية والاجتماعية.
خطر الصحافة المنحرفة على الشباب والأسرة والمجتمع والدولة
بقلم الشيخ محمد المهدي محمود
المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة
قال الفتى لأستاذه: "ذهبت لأشتري صحيفة يومية من مكتب بيع الصحف والمجلات وإذا بي أرى الكثير من المجلات الواردة من بعض الدول وقد رسمت على غلافها صور النساء شبه عاريات مستغلة إثارة الغرائز الجنسية للإغراء بشراء هاتيك المجلات المنحرفة".
فأجابه الشيخ: "كانت الصحافة في عصورنا الخوالي المشرقة بالنور، المملؤة بالجهاد العظيم من أجل إسعاد العالم الإسلامي، ترسم الطرق المثلى لمكارم الأخلاق، وتبين للناس معالم الفضيلة
…
ترى في صفحاتها نور الحق والخير، وتشم منها عطر الإيمان
…
يسكن إليها القلب وتطمئن لها العاطفة
…
إنها تستهدف الصالح العام، وجهتها الخير ورفعة شأن الإسلام والمسلمين، وسبيلها الكفاح المتواصل لبعث النهضة الإسلامية والعمل على إعادة الوحدة بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
تلك هي صحف الحق والفضيلة والخير العام
…
الصحف الإسلامية الطاهرة التي نمت وأزهرت، وآتت ثمرا طيبا مباركا، يشرف عليها ويوجهها رجال أصحاب مبادئ، ومثل عليا وصفات نبيلة وأخلاق عالية.
وبينما ننعم بهذه الصحف الطاهرة إذا بنا نرى الصحافة الصفراء تغزوا الأسواق، وينخدع بها المرضى بحب التقاليد الأجنبية ولو كانت على حساب الطهر والفضيلة والعفاف والحياء
…
تنساب هذه الصحافة الفاجرة كما تنساب الأفاعي الرقطاء الناعمة الملمس إلى الآمنين في أوطانهم فلا يخشون في أول الأمر خطرها، ثم لا يلبث أن يسري سمها إلى القلب وهيهات بعد ذلك أي صلاح!! إذ أن خطرها عام جامح عنيف عظيم الخطر على:
أ –الشباب ب- والأسرة ج- والمجتمع د- والدولة.
فهي تستهوي الأغرار من المراهقين ويقع في حبائلها فتيان نعدهم لنهضة قوية في عصر لا حياة فيه إلا للأقوياء.
إن تلك الصحافة تلهي الشباب عن الجد والاجتهاد، وبينما يجاهد المدرس والمربي والوالد والواعظ والناصح في تثقيف الناشئة ونشر الفضيلة، وغرس العقائد الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والصفات الحسنة، والمبادئ القويمة؛ إذا بهذا الجهاد العلمي والمجد الخلقي ينهار أمام حرب البيئة وما يراه الشباب المراهق من صحافة تصور له ملكات الجمال في العالم، وتبرز مفاتن الجسد وتغريه بالجمال الفاضح المكشوف، فتظهر له جمال الصدر والذراعين والساقين
…
!! الخ ما في هذه الصحافة الصفراء من قذارة وامتهان لكرامة الإنسانية، وتوغل في الفساد الخلقي، وجنوح نحو الحيوانية، وجموح نحو البهيمية.
هذه الصحافة هدفها أن ترى مذهب العراة يروج في الشرق فتنحل الأسرة ويفسد المجتمع وتنهار الدولة. إن تلك الصحافة من بقايا آثار المدرسة الاستعمارية التي تهدف إلى زلزلة العقائد، وهتك حجاب الفضيلة، ونشر الرذيلة والفساد الخلقي والانحلال العام، لكي يستسلم الشعب لعوامل الضعف، ولا يفكر في الذود عن حياض الوطن والاستبسال في الدفاع عنه بعد أن انهارت منه الأخلاق وهي عصب الحياة، ومركز القوة، وعنوان الشجاعة والبطولة.
وهكذا تصل تلك الصحافة الآثمة الطاغية الفاجرة الداعرة، تصل إلى ما تريد، من هدم صرح المجد والشرف والعزة والكرامة. ثم ماذا يبقى للدولة بعد هذا الخسران المبين، وبعد نجاح المخطط الصهيوني في نشر الفساد العام، بكل صوره وألوانه.
إن الواجب المقدس يدعونا إلى حماية المجتمعات الإسلامية من تيار الفساد الذي تحمله في طياتها تلك الصحافة الآثمة. إنها تحمل الرذيلة المجسمة، وتنادي بصوت الإغراء الجامح العنيف.
أناشدكم الله يا أولي الأمر ويا رجال الإسلام ويا حماة الفضيلة والآداب الإسلامية العمل الجاد المثمر على صد هذا الاعتداء الوحشي على الحرمات الإسلامية صيانة لأعراض المسلمين، وحفظا لكرامة الأسرة الإسلامية، وإنقاذا للشباب عماد النهضة، وصيانة للشعوب مما يغضب الله، وحرصا على ما ورثناه من الأمجاد الخلقية؛ من الشرف والفضيلة، والعفاف والحياء، فلكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء.
كتب الله للمسلمين عودة كريمة إلى مكارم الأخلاق في ظل كتاب الله وسنة الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم [1] .
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
* المجلة: وصف أحد الأدباء المعاصرين أثر الصحف التي تنشر الصور الفاضحة والموضوعات الماجنة بقوله: "قد يعبس الفتى أو الفتاة حينا إذا قرأ أو قرأت مجونا جريئا عريان، ولكن إذا ألفت العين والنفس أمرا كان مبعثا للحياء أمس، فقد لا تلبث العين والنفس أن تنزعا إليه تطلباه.
فإذا فقد النفس نفورها من قراءة المخازي وتصور معانيها، فقد هانت عليها المرحلة التالية، وهي التلبس بهذه المعايب سلوكا وعملا؛ وإذًا فعلى الصون والعفاف ألف عفاء.."
الشاعر الأمريكي المتحرر أزارا باوند
بقلم الشيخ أحمد صالح محايري
خريج كلية الشريعة بالجامعة
كان الاقتصاديون في دول الكفر الشرقية والغربية يسلمون بأن "الربا"نظرية اقتصادية واضحة الحجة، وطريقة وحيدة للحياة الأفضل والتطور الاقتصادي.
…
وأخيرا وجد الاقتصاديون أنفسهم أمام مشاكل اقتصادية مستجدة لم تدخل في حساباتهم، ولم ترد إلى خواطرهم وعقولهم البشرية والكهربائية "الإلكترونية"، منها أنهم تبينوا أن أهم احتياطي النقد والمواد الرئيسية آلت إلى يد حفنة قليلة في العالم هم:"اليهود".
كما اكتشفوا بأن اليهود الذين يبشرون بنجاح نظرية الربا ويفلسفونها ويجعلون لها كراسي جامعية ومنصات للمحاضرة لا يتعاملون بالربا فيما بينهم، أي يستحلون أكل الربا من الأممي ويحرمون دفعه.
ولهذا بدأت أقلام المتحررين من الأدباء والشعراء تتحرك ضد نظرية الربا وضد اليهود الذين أوجدوها، كما بدأت فئات تظهر من المفكرين الاقتصاديين العالميين ترجح نظرية الشركات المساهمة والمغفلة "والتي تتفق معانيها إلى حد قريب جدا مع شرعنا في المضاربة وغيرها"وذلك - على حد تعبيرهم - لأن نظرية الشركات تحمل جميع الأطراف الربح والخسارة المادية والأدبية، أما نظرية الربا فإن الخسارة يتحملها دائما المستقرض الفقير في جميع الحالات القاسية والظروف الصعبة.
أظن أن نسبة كبيرة من هؤلاء الاقتصاديين لو علموا أن الإسلام هدد المتعاملين في الربا بحرب من الله ورسوله لدخلت في الإسلام، ولدخلت عقائد الإسلام إلى قلوبهم عن طريق فهمهم الاقتصادي الذي تخصصوا به.
ومن هؤلاء الأدباء اللامعين الذين تحركت أقلامهم ومشاعرهم ضد نظرية الربا الشاعر الأمريكي الأديب أزارا باوند الذي ألف قصيدة فند فيها مضار الربا، ثم قاد حركة التمرد - أدبيا - على سلوك اليهود في المجتمعات الإنسانية وخاصة في الميدان الاقتصادي، واعتبر أن مهنة الربا التي أخلص لها اليهود وتفننوا فيها بمختل العصور كانت سببا لكل فقر ونزاع وشر.
وهذه مقتطفات من قصيدته المشهورة التي ألفها باللغة الإنكليزية.
إن الربا يحمل إلى الحياة
كل أنواع الشلل وذلك عندما
ينام الربا بين العروسين
حقا إن الربا يهدم كل قوانين الطبيعة وسننها السليمة
…
صدق الله سبحانه القائل في سورة فصلت: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53) .
لقد أفلح اليهود بنفوذهم في حرمان هذا الأديب اللامع المتحرر من وسام الشرف الذي استحقه عام 1971م، إذ رفضت الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم منحه إياه بحجة أنه عدو لليهودية، وليس غريبا على اليهود أن يقفوا في وجه هذا الأديب وهم الذين شتموا بالأمس الأديب الإنجليزي شكسبير لأنه تهكم على الربا وعليهم في قصته المشهورة "تاجر البندقية".
هم أنفسهم اليهود قتلة الأنبياء وأعداء الرسل.
من الصحف والمجلات
إعداد العلاقات العامة
نشرت صحيفة الشمس اللبنانية في عددها الصادر يوم الثلاثاء الموافق 12/11/1974م مقالا للأستاذ محمد الفرحاني بعنوان:
عهد الملك فيصل خلال عشر سنوات من عمره
إنجازات هائلة شملت كل مرافق الحياة
في مثل هذه الأيام من تشرين الثاني 1964م كانت المملكة العربية السعودية تعيش أحلى أعيادها لمناسبة أداء البيعة لجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز العبد الرحمن الفيصل آل سعود ليعتلي عرش آبائه وأجداده فيزيده شرفا وقدرا. ولا يلبث إلا سنوات قليلة حتى يثبت للملأ أنه الجدير بملء الفراغ الهائل الذي تركه والده أسد الجزيرة العربية، عبد العزيز بن سعود
…
يوم رحل عن هذه الدنيا الفانية تلبية منه لنداء ربه
…
في تشرين الثاني 1953م.
سنوات عشر مضت على تأدية هذه البيعة وعلى ذلك الاختيار، هي ليست شيئا في عمر الإنسان ولكنها جاءت مليئة بالأحداث الجسام، والمفترقات التي هي نقطة تحول في التاريخ المعاصر، فقد أثبت الملك فيصل خلالها أنه طاقة إسلامية هائلة وقدرة ذاتية جبارة، وقوة إنسانية خارقة، وشخصية فذة لها وزنها وحجمها في تحريك مسيرة الحياة، وقمة شامخة راسخة
…
حتى لقد قيل: "إنه أقوى زعيم عربي ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين
…
"أما في النصف الأول من هذا القرن فبلا شك وبلا جدال أبوه الملك عبد العزيز الذي بدأ طفولته وصباه شريدا طريدا، فإذا به يستعيد في شبابه ملك آبائه وأجداده مغامرة أسطورية مذهلة، ولا يلبث أن يوجد تحت رايته وضمن مبادئه شبه الجزيرة العربية كلها التي تبلغ مليونا وربع المليون من الكيلومترات المربعة.
الملك فيصل هو من القادة العالميين
كتب غوردون غيسكل في صحيفة "الريذرزد إيجست" الأمريكية يقول: "حقا إن جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز من الرجال القلائل الذين يندر وجودهم جدا، ولا يكاد المهتمون بشؤون العالم يعثرون على نسخ متكررة منهم في هذه الحياة، وإن جلالة الملك فيصل يكاد يكون هو الشخص الوحيد الذي نلمحه دائما وسط الساحة العربية المسلمة، ويدفع الأمتين الإسلامية والعربية إلى الأمام، ويجنبها زحام الدنيا وصدام الحياة وضوضاء العالم". لقد قطع جلالة الملك فيصل شوطا كبيرا في مرحلة التضامن الذي استنبطه من صلب الشريعة، واستخرجه من آيات القرآن، وقاس خطوطه ورسم خطواته على خطوط وخطوات العقيدة الإسلامية الصحيحة، وإن جلالته استطاع أن يطرق بيد التضامن الإسلامي أبواب القارات، كما استطاع - جلالته - بالتالي أن يصل إلى حنايا القلوب ومنابت الأمم والشعوب، حتى تمكن من استيعاب أو استقطاب أكثر من خمسين دولة إسلامية داخل إطار هذا التضامن الكبير وجلالته في هذا السبيل يجود بكل شيء ابتغاء مرضاة الله ومن أجل تجميع كلمة الإسلام والمسلمين، ولقد عرف جلالة الملك فيصل - وهو القائد الخبير بفنون المعارك - كيف يحرك أسلحة التضامن ويجردها في "معركة العاشر من رمضان"ضد القوات الصهيونية العالمية مما كان له الفضل الكبير
…
والأثر الفعال في تحقيق النصر وشده إلى جانب الظهير العربي الذي قاتل أشرف قتال وخاضها معركة باسم الله، وبقيادة زعيم العرب والمسلمين فيصل بن عبد العزيز آل سعود.
الأمة الإسلامية في عهد الفيصل العظيم تشد قامتها وترفع هامتها
وفي الحقيقة
…
إن الفيصل بن عبد العزيز قد نذر نفسه لله ووهب كيانه وحسه لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين. إن الواقع الذي نعيشه ونحياه اليوم ليؤكد في كل لحظة العطاء الذي يبذله الفيصل من نفسه إلى كيان الأمة المسلمة فيستحيل أمنا ورخاء، فإذا بهذه الأمة الخالدة مشدودة القامة مرفوعة الهامة، لقد سار الفيصل بن عبد العزيز على صعيد الأمة الإسلامية أبعد مسيرة عرفها التاريخ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين
…
فكانت هنالك منجزات كبرى أقوى من التعبير وأبلغ من التصوير، وأعمق جدا من الإحاطة والتقدير
…
منها وقوفه المستمر الدائم بجانب الحق العربي وإقناعه بضرورة استمرار التلازم والتلاحم بين العروبة والإسلام والمسلمين والعرب، ومنها قيادته الحكيمة والرشيدة لمعركة العاشر من رمضان مع أخويه الرئيس محمد أنور السادات والفريق حافظ الأسد. ومنها افتتاحه المراكز الثقافية الإسلامية على مستوى العالم الإسلامي كله، وتزويدها بكل ما تحتاج إليه من دعم مادي وأدبي، لتتمكن من أداء رسالتها كاملة. ومنها مساهمته المادية الفعالة في تعمير مدن وقناة السويس التي خربتها الحروب المتوالية، وهجرها أهلوها منظمة الدولة الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، وفي عهد الفيصل بن عبد العزيز أمكن إنشاء "الأمانة العامة لمنظمة الدول الإسلامية"تمهيدا لربط أجزاء الجسد الإسلامي الواحد بعضها ببعض، مما يقارب الشقة ويطوي المسافة ويقصر آماد الطريق وأبعاده، ويجمع المسلمين جميعا على بساط الوحدة وضمن نطاق العقيدة والشريعة. وبالإضافة إلى الأمانة العامة لمنظمة الدول الإسلامية نجد حرص الفيصل منذ بداية عهده على إنشاء وتأسيس وتقوية "رابطة العالم الإسلامي"في مكة المكرمة لتكون الواجهة المشرفة الوضاءة التي يطل منها الإسلام على سائر المسلمين في جميع أرجاء الحياة وفي كافة أنحاء العالم، وإذا كنا نعني أن هذه "الرابطة" أشبه ما تكون وهي تؤدي عملها
بخلية النحل، وأنها ذات أقسام متعددة وإدارات متنوعة، وأجهزة مرتبطة تمام الارتباط بالعالم الإسلامي كله عبر احتياجاته ومتطلباته، وعلى مستوى التبعات وتحمل المسئوليات، وفي خلال الحاجة والضرورة
…
وإذا كنا نعي ذلك وندخله في حسابنا، فإننا ندرك بالتالي قيمة المجهود العظيم الذي تقوم به رابطة العالم الإسلامي.
بنك التنمية الإسلامي
وهنا إلى جانب ما أسلفته من الروائع الفيصلية على درب الإسلام كما يقول فضيلة الشيخ عبد الحفيظ عبد ربه: "بنك التنمية الإسلامي الذي رعاه ودعمه جلالة الملك فيصل وزخمه بعطائه ووفائه وحشده ورصده تلبية للمسلمين، وإغاثة للمحتاجين، واستثمارا للمال الإسلامي، وتدربا إسلاميا على نظافة الأسلوب المصرفي في سياسة المال بعيدا عن شبهات الربا وأطياف الحرام، وأباطيل المضاربات الملوثة المسعورة".
المرصد الإسلامي
وفوق ربوات المملكة العربية السعودية، وفي بطحاء مكة على مقربة من غار حراء الذي نزلت فيه أول آيات القرآن، سوف يقوم مبنى شامخ عملاق مهمته أن يوضح للمسلمين أمرهم، ويبين زمنهم ويجمعهم على رأي واحد وهلال واحد وزمن واحد؛ ذلكم هو "المرصد الإسلامي"الذي رأى فيه جلالة الفيصل طريقا إلى التضامن يوحد آراء المسلمين واجتهاداتهم، ويعيدهم إلى زمن واحد ويجمعهم جميعا في مكان واحد، وفي ذلك ما فيه من قوة الصف وتوحيد الهدف، والتعجيل السريع بجمع كلمة المسلمين، وشمولية سلطان الإسلام ونفاذ أحكامه.
الجامعة الإسلامية
وكان من أنور منجزات جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز العلمية على ساحة الإسلام وساحة الأمة الإسلامية إنشاؤه "الجامعة الإسلامية"التي لم يمض على إنشائها إلا فترة وجيزة حتى رأيناها ترتفع صرحا علميا كبيرا يؤمه الطلبة المسلمون من أقصى شرقي الكرة الأرضية حتى أقصى غربها، فأصبحت تلك المؤسسة الإسلامية التي يديرها منذ تأسيسها - لايزال - عالم جليل هو من أبرز علماء المملكة العربية السعودية وفي مقدمتهم، أكثرهم بذلا وعطاء، وأعني به فضيلة الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي جعل منها مؤسسة تفتح صدرها دائما وتبسط ذراعها أبدا لاستقبال واستقطاب أبناء اكثر من مائة دولة إسلامية سنويا في مشارق الدنيا ومغاربها، لتصقلهم وتثقفهم وتهذبهم وتطبعهم على طابع الدين الإسلامي الصحيح، وتصبهم في قالب الشريعة، وتجعل منهم الهداة والدعاة بمستوى أكاديمي راق، وأسلوب علمي رصين ومنهج أخلاقي سليم.
كل هذا
…
خلال "عقد"واحد من الزمن، وهنالك "كلية القرآن الكريم"التي تقوم بتدريس علوم القرآن وإعجازه وبلاغته، وأنواع القراءات وآداب التلاوة، ورسم المصحف وضبطه وما يتعلق بالقرآن من أحكام وعقائد، وما يتصل به من التفسير والحديث وسائر العلوم المساعدة والمعاونة من النحو والصرف والبلاغة وشتى البحوث والمراجع
…
كما أن هناك "جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية"التي أنشئت حديثا لتوفير أسباب التعليم الجامعي والدراسات العليا في العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية وما يتصل بها من العلوم الاجتماعية والتاريخ الإسلامي.
كل هذه الإنجازات مما ذكرنا ومما لم نذكر
…
إنما هي خلال عقد واحد من الزمن
…
أي خلال عشر سنوات ميلادية فحسب، وهي لا تعني شيئا في حياة الأمم والشعوب، ولكننا نجد أنها قد عنت وستعني الكثير في حياة المملكة العربية السعودية، قلب العالم العربي الرأسمالي، ودماغ العالم الإسلامي النابه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو على كل شيء قدير.
الانحطاط الخلقي
أكبر قضية يواجهها العالم الإنساني اليوم هي قضية الانحطاط الخلقي، وكانت الإنسانية تستطيع أن تتخلص من عذاب قلة التنمية والجوع والخوف والذعر وعدم الثقة فيما بينها لو كانت تملك المثالية والأخلاق الفاضلة، ولكن الواقع اليوم أن إنسانا لا يثق بإنسان ولا يرجو منه خيرا ولا نصيحة ولا برا أو معروفا، ولا رأفة ولا رحمة، ولا يتوقع منه إنجاز الوعد والصدق والأمان والوفاء، وتكاد بأن تزول هذه القيم الخلقية السامية التي هي جوهرة الإنسانية الغالية. إن هذا الانحطاط الخلقي وفقدان السيرة المثالية قد دمرت سياستنا واجتماعنا واقتصادنا، وما بقي الناس متخلقين بهذه القيم الخلقية في أي ناحية من نواحي الحياة، لا يشعرون بالتلكؤ والخجل والحياء في الكذب والخداع والخيانة وإخلاف الوعد، ويشعرون بحرية تامة في الرشوة والارتشاء، ويسيطرون على حقوق غيرهم بدون حياء واحتشام، ولا يراعون في تداوي الإنسان وصحته لجلب الأموال وإكثار الغنى، ويوقعون خلق الله في مصائب كبيرة بالاحتكار وجلب المنافع التافهة، والفوائد العاجلة. إنهم يدوسون أعراض الناس الآخرين وأرواحهم وأموالهم لأغراض تافهة، ولحصول الجاه والمنصب والثراء. والطامة الكبرى هي أن جيلنا الجديد هو مستقبل هذه الأمة يسير مهرولا إلى الانحطاط الخلقي.
نقلا عن مجلة المجتمع.
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} (القصص: من الآية88)
لقد كشف العلم بعد سنة 1937م أو حولها "الكهيرب الاكتروني"الذي يقرر أن الموجب نقيض الكهيرب السالب، بحيث إذا التقيا تحولت مادتهما إلى طاقة صرفة تسير في الكون بسرعة الضوء، أي بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية. وكذلك كشف عن نقيض البرتون "الأبيب" الموجب، أي عن أبيب سالب إذا التقى بعكسه الموجب، وهو عبارة عن نواة ذرة الأيدروجين، تحول إلى طاقة صرفة تسير في الكون بسرعة الضوء. أي فنيت مادة الأيدروجين بتحولها إلى طاقة خرجت عن سلطان الإنسان وانحلت بذلك شبهة قدم المادة التي قامت عليها شبهة قدم العالم عند فلاسفة اليونان.
عن مجلة قافلة الزيت.
"اليمين والشمال"
"اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب، وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة"
"من كلام الإمام علي رضي الله عنه"
شرح النهج لابن أبي الحبيب ص273ج1.
الشيوعيون في كمبوديا يواصلون اضطهادهم للمسلمين
انتهاك حرمة المساجد واعتقال أربعة من العلماء
يواصل الشيوعيون في كمبوديا اضطهادهم للمسلمين، ويقومون بانتهاك حرمة المساجد والأسرة المسلمة
…
وقد قاموا بإلقاء القبض على أربعة من علماء المسلمين في جمهورية خيمر – كمبوديا - وهم الأساتذة: 1- محمد كجي. 2- سليمان بن يوسف. 3- يعقوب بن خطيب يوسف. 4- إبراهيم بن سليمان. وقد أودعوا في السجن ومنعوا منعا باتا الاتصال أو السؤال عنهم أو عن مصيرهم، واضطهدوا أهاليهم.
هذا، ويعاني مسلموا خيمر كل يوم من عنت الشيوعيين وإرهابهم، لذا يطالبون جميع الدول الإسلامية ومؤسسات العالم الإسلامي بتبني قضيتهم لدفع الظلم والاضطهاد عنهم، ويناشدون قادة العالم الإسلامي أن يمدوا يد المعونة إليهم وإنقاذهم مما يجري اليوم في خيمر من اضطهادات وانتهاكات وقتل للمسلمين، وقد قتل من المسلمين عالم جليل هو الشيخ محمد بن محسن
…
هذا الجرائم التي ترتكب في حق الإسلام والمسلمين يجب أن يقابلها شعور بضرورة مساعدة مسلمي جمهورية خيمر وإنقاذهم من براثن الشيوعية.
فهل من سامع؟
…
وهل من مجيب؟
عن "أخبار العالم الإسلامي"
ندوة الطلبة
الحب العظيم
للطالب: أحمد بن حسن المعلم
المعهد الثانوي بالجامعة
غيري يرى في اللهو راحة باله
وأنا بذكر الله ينعم بالي
وتقر عيني بالكتاب تلاوة
وتدبرًا وأحب صوت التالي
إن المحب يحب ذكر حبيبه
وتراه منبسطا لذلك سالي
فهناك من شغفوا بأصوات الغنا
وصبوا إلى الزمار والطبال
وهناك من عشقوا النساء وأسرفوا
في وصفهن بفاحش الأقوال
وهناك أقوام تشعب حبهم
وجميعهم في حيرة وضلال
بعدوا عن الحب العظيم وظنهم
أني به في الضيق والأغلال
غلطوا فإني في السكينة رائع
ومنعه في فيضها المتوالي
إني جعلت الله خير أحبتي
فلذا مجالس ذكره أحلى لي
وهناك أقوام تشاركني الهنا
فأحب ذي الإنعام والإجلال
والله ما تركوه لو أعطوا به
ما في البسيطة من جميل غالي
لو يعرف الأقوام ما في حبنا
لشروه بالأرواح والأموال
ولزاحمونا في مجالسه التي
حضيت بكل كرامة وجلال
وتفرغوا للذكر لو لم يطعموا
قوتا ولم يجدوا سوى الأسمال
هذا هو الحب العظيم سعادة
الأرواح فيه وعزة الأحوال
الحقائق والمعاني من هدي السبع المثاني
للطالب: عزيزو محمد مغربي
السنة الثالثة من المعهد الثانوي بالجامعة
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة:2-4)
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فموضوع حديثنا الموجز هذا يتناول دراسة حقيقة من حقائق سورة فاتحة الكتاب، وما أكثر الحقائق والأسرار في القرآن الكريم كتاب الهداية. وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني والقرآن العظيم"[1] . ويقال لها "الصلاة"لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل حمدني عبدي" الحديث. فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها؛ ويقال لها "الشفاء"لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا "فاتحة الكتاب شفاء من كل سم"ويقال لها "الواقية"و "الكافية"لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة "أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها"وهي مكية، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وأبو العالية رضي الله عن الجميع. ويكفي في ذكر فضلها ما رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، أن أبا سعيد مولى ابن عامر ابن كريز أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال:"فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها". الحديث.
ومن أراد المزيد من البيان والتفصيل في تفسير هذه السورة المباركة العظيمة، فليراجع كتب التفسير فهي تروي وتشفي العليل. ولنعش ساعة مع هدي قوله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (الفاتحة:6،7)
هذه الآيات تهدف وتقصد إقرار حقيقة ثابتة غالية جعلها الله نورا في قلوبنا وهداية في حياتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. فالآيات المباركات تذكر أن الرجال أصناف ثلاثة: الصنف الأول [2] منهم عرف الله في جلاله وعلو قدره وسعة رحمته ومحكم تدبيره وصنعه؛ فأقبل عليه وهرع إليه ولم يفتح عينيه متعرفا إلى سواه، ولم يحرك شفتيه سئلا غيره، بل طرق بابه وعلق قلبه به وحده سبحانه وتعالى، فحصر العبادة فيه وحده ولم يصرفها إلى غيره كائنا من كان، فكان بذلك أهلا للفوز بهداية الله والسعادة في الدنيا وفي الآخرة بمجاورة ومساكنة الأصفياء العباد من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
أجل، لقد نالوا هذه الدرجة العالية بسبب تمسكهم بهدي نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتحاكم إلى كتاب ربهم عز وجل إذ أمروا بالرجوع إليهما عند التنازع، فلم يعيشوا على التعصب المقيت لرأي فقيه يخطئ ويصيب، لم يعيشوا غير مبالين بنص المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، ولم يبتدعوا في دين الله علما منهم أن الدين قد تم وكمل وارتضاه الله دينا لعباده يدان الله به. فهذه الزمرة الطيبة تستحق أن يسقيها نبيهم وإمامهم في الدنيا صلى الله عليه وسلم من الحوض لا أحرمنا الله من الإرتواء منه؛ ومن مساكنة هذه النخبة من الأطهار الأبرار الذين أنعم الله عليهم تفضلا وتكرما منه، إذ هو الموفق سبحانه وتعالى للثبات على صراطه الحق. وأما الصنف الثاني: فقد يسر الله له سبيل الهداية، هداه إليها فعلا فتنكر للجميل، وكفر النعمة واستحب العمى على الهدى إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة، وتفلتا من الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يطلق لنفسه الأمارة بالسوء العنان لتمرح وتسرح وتلعب وتلهو، وتأتي الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فهذا الصنف من البشر استحق بذلك غضب الله، وباء بالخيبة والخسران. فهذا اللون من الناس وجد في اليهود عليهم لعائن الله، فهم كانوا يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، عرفوه نبيا ورسولا معرفة عالم باحث منقب، إذ ذكرت رسالته وبعثته في صحفهم، ومع هذا وذاك فقد رفضوا وردوا هداية الله وهم علماء. ويا ليتهم اكتفوا بذلك، بل امتدت أيديهم الشريرة إلى سفك دماء أنبياء الله صفوة الله من خلقه؛ فضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. واستوحينا هذا المعنى من قوله تعالى:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: من الآية7) .
وأخيرا يبقى الصنف الثالث وهم الضالون أعاذنا الله منهم؛ فكل من يعبد الله بما وجد عليه آباءه وأجداده وقومه وعشيرته وهم على غير هدي من الله، فهو ضال طريق الصواب، وتائه في ظلمات التقليد الأعمى، ويخبط خبط عشواء. فمهما تقرب إلى الله بأنواع الطاعات وألوا العبادات والقربات، فلا حظ له في الآخرة، وإنما نصيبه النصب والتعب. وصورة هذا القسم تتجلى واضحة في النصارى الذين عبدوا الله بأهوائهم وضلالاتهم، وابتدعوا رهبانية ما فرضها الله عليهم ولا أذن لهم فيها، فغلوا في دين الله واختاروا الطريق الشاق الوعر؛ فتراهم يبنون الكنائس والمستشفيات، وينفقون في سبيل إنشاء ذلك ملايين الدولارات، ولكن حالهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف:103،104)
الله أكبر! الله أكبر! فالآية الكريمة تفضح جماعات من الناس يجدُّون وينصبون ليلا ونهارا كحال المبشرين اليوم من النصارى، ونسوا أن المسيح عيسى عليه السلام لو كان حيا لما وسعه إلا اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فكل من ينتسب إلى الإسلام ثم لا يرفع رأسا بما جاء به عن الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فهو داخل في الوعيد الشديد لهذه الآية، لمشابهته النصارى في عبادة الله بالأهواء والخرافات والبدع والضلالات. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الناصح الأمين والرؤوف الرحيم بأمته يفتح جل خطبه بقولته الذهبية الخالدة:"أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". كما علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن نقول عند خروجنا من البيت ونحن نريد الصلاة والتقرب إليه بعد البسملة: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أذل أو أذل، أو أجهل أو يجهل علي"انتهى الغرض منه. فالله أسأل أن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويتوفانا على ذلك غير مبدلين ولا مغيرين ولا خزايا ولا مفتونين.
فالنجاة النجاة يا عباد الله، فالفرصة مواتية- ولا سبيل إلى ذلك للتخلص من القيود والويلات والضلالات التي نرتع فيها إلا بمراجعة دين الله عز وجل، والتحاكم في كل صغيرة وكبيرة إلى كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65)
اللهم اشرح صدورنا لما فيه الخير والنفع، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
انظر تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى في أول سورة الفاتحة.
[2]
وقد يقل أو يكثر بحسب إعراض الناس عن شرع الله وإقبالهم عليه.
سيروا
بقلم محمد عبد الرحمن شميلة الأهدل
الطالب بكلية الشريعة بالجامعة
سيروا إلى العلياء والفخر
وتدرعوا بالصدق والصبر
واستنصروا الرحمن واجتهدوا
وادعوا لدين الله في جهر
وتعصبوا للحق وانتقدوا
من ساير الشيطان في أمر
الدرب مفروش بكل أذى
لاسيما في مثل ذا العصر
إن الكرام من الأولى سلفوا
جدوا وداء الجهل مستشري
فاسْتَحْلوا التعذيبَ واصطبروا
وتجلدوا في موقف العسر
سيروا إلى أن تدركوا غرضا
أو تظفروا بالشكر والأجر
يا أمة الإسلام في بلد
شرفت بنور المصطفى البدر
من ها هنا كان انطلاق سناً
أردى ظلام الشرك والكفر
فجددوا ذكرى أوائلكم
وسددوا سهماً لذي الشر
ونفذوا أحكام بارئكم
وطبقوا ما جاء في الذكر
إن تنصروا الرحمن يهدكم
ويثبكموا في ساحة الحشر
سيروا إلى أن تدركوا غرضا
أو تثنوا بالشكر والأجر
الفتاوى
يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
رئيس الجامعة الإسلامية
لقد وردني من المكرم ي. ع.ص الأسئلة الآتية.
س1: هل يجوز الجمع بين مطلقة رجل وابنته من غيرها، وما حكم القاعدة المشهورة التي نصها "كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى حرم الجمع بينهما".
ج1: قد نص أهل العلم في باب المحرمات في النكاح على هاتين المسألتين، وأوضحوا أنه لا حرج في جمع الرجل بين امرأة رجل توفي عنها أو مطلقها، وبين ابنته من غيرها، وذكروا في ذلك أن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنهما جمع بين إحدى زوجات عمه علي رضي الله عنه بعد وفاته وبين ابنته من غيرها. وهذا الجمع لا يخالف القاعدة المذكورة، لأن المرأتين المذكورتين ليس بينهما قرابة تحريم النكاح إحداهما لأخرى لو كانت إحداهما ذكرا، وإنما الذي بينهما مصاهرة، والمصاهرة في هذا لا تمنع الجمع؛ أما المرأتان اللتان بينهما قرابة تمنع نكاح إحداهما للأخرى لو كانت إحداهما ذكرا فهي تتصور في الأختين، والمرأة وخالتها، والمرأة وعمتها نسبا ورضاعا، وفي مسائل أخرى؛ وقد جاء النص القرآني في تحريم الجمع بين الأختين في قوله سبحانه في سورة النساء {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيَيْنِ} (النساء: من الآية23) . وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أنه نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها". أخرج حديث أبي هريرة الشيخان، وانفرد البخاري عن مسلم بحديث جابر، وذكر البخاري رحمه الله في كتاب النكاح في باب ما يحل ويحرم من النساء أثر عبد الله بن جعفر الذي ذكرنا معلقا بصيغة الجزم ولفظه:"وجمع عبد الله بن جعفر بين ابنه علي وامرأة علي"ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حل الجمع بين امرأتي رجل وابنته من غيرها
عن الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم، ذكر ذلك عنه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله في المجلد الثاني والثلاثين من مجموع الفتاوى ص71. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح مثل ما فعل عبد الله بن جعفر عن صحابي يدعى جبلة تولى إمرة مصر، ونقل مثل ذلك نسبا عن عبد الله بن صفوان بن أمية؛ وبذلك يتضح لكم أنه لا وجه للتوقف في حل هذه المسألة، لأن من ذكر فعلوا ذلك من غير نكير. ولأن الأصل حل ذلك فلا يحرم من الفروج إلا ما حرمه الله سبحانه، لأن الله عز وجل لما ذكر المحرمات في النكاح في سورة النساء قال بعد ذلك:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} (النساء: من الآية24) فعلم بذلك أنه لا يحرم من النساء إلا ما قام الدليل على تحريمه، وينبغي أن يعلم أن الخؤولة والعمومة لا فرق فيهما بين القرب والبعد؛ فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، وبينها وبين ابنة أخيها وإن سفلت، وهكذا يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وخالتها وإن علت، وبين المرأة وابنة أختها وإن سفلت كما نص على ذلك أهل العلم؛ ووجه ذلك أن عمة الرجل والمرأة تعتبر عمة لأولادهما وإن سفلوا، وهكذا الخالة.
س2: إذا كان عند رجل أربع نسوة وتزوج خامسة وأنجبت منه ولدا فأكثر، فهل ينسب ولدها إليه.
ج2: لا شك في بطلان نكاح الخامسة، وهو كالإجماع من أهل العلم رحمهم الله. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره "إن أهل العلم - ما عدا الشيعة - قد أجمعوا على تحريم نكاح الخامسة، وفي وجوب إقامة الحد على ناكح الخامسة خلاف مشهور ذكره القرطبي رحمه الله في تفسيره وغيره من أهل العلم".
أما إلحاق الولد به ففيه تفصيل؛ فإن كان يعتقد حل هذا النكاح لجهل أو شبهة أو تقليد لحق به، وإلا لم يلحق به. وقد ذكر صاحب المغني وغيره هذا المعنى فيمن تزوج امرأة في عدتها، ومعلوم أن نكاح المرأة في عدتها باطل بإجماع أهل العلم، ومع ذلك يلحق النسب بالناكح إذا كان له شبهة؛ كالجهل بتحريم نكاح المعتدة إذا كان مثله يجهل ذلك، فإذا لحق النسب في هذه المسألة بالناكح إذا كان له شبهة، فلحوقه بناكح الخامسة أولى؛ لأن نكاح المعتدة لا خلاف في بطلانه بخلاف نكاح الخامسة، فقد خالف في تحريمه وبطلانه الشيعة، وإن كان مثلهم لا ينبغي أن يعتد بخلافه. وخالف فيه أيضا بعض الظاهرية كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، ولأن الأدلة الشرعية قد دلت على رغبة الشارع في حفظ الأنساب وعدم إضاعتها، فوجب أن يعتنى بذلك وأن لا يضاع أي نسب مهما وجد إلى ذلك سبيل شرعي، ولا شك أن الشبهة تدرأ الحدود، وتقتضي إلحاق النسب، وقد يدرأ الحد بالشبهة ولا يمنع ذلك تعزير المتهم بما دون الحد مع القول بلحوق النسب، جمعا بين المصالح الشرعية؛ والله ولي التوفيق.
س3: رجل قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي لمدة شهر، قضى الشهر وعاد إلى زوجته؛ فهل تلزمه كفارة ظهار أم لا؟
ج3: مثل هذا لا كفارة عليه إذا كان لم يطأها في الشهر المذكور في أصح أقوال العلماء، ويسمى هذا الظهار ظهارا مؤقتا. وقد ذكر أهل العلم أن الظهار يكون منجزا ومعلقا ومؤقتا؛ فالأول مثل أن يقول:"أنت علي كظهر أمي"والثاني أن يقول: "إذا دخل رمضان أو شعبان، أو قدم فلان فأنت علي كظهر أمي"والثالث مثل أن يقول: "أنت علي كظهر أمي شهر رمضان"فإذا خرج الشهر ولم يطأها فيه فلا كفارة عليه، لكونه لم يعد فيه إلى ما قال، وقد بين هذه الأقسام أبو محمد موفق الدين عبد الله بن قدامة رحمه الله في كتابه المغني، وذكر كلام أهل العلم في ذلك كما ذكر غيره من أهل العلم، والله أعلم.
س4: هل يجوز بيع غير الطعام بالطعام نسيئة؛ كبيع الثياب بالقمح مثلا
…
الخ.
ج4: يجوز ذلك في أصح أقوال أهل العلم، والأدلة عليه كثيرة؛ منها عموم الأدلة في حل البيع والمداينة. ومنها ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما نسيئة، ورهنه درعا من حديد. ومنها بيع السلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة والناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال عليه الصلاة والسلام:"من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولم يشترط أن يكون الثمن نقدا، فدل ذلك على أنه يجوز أن يسلف مكيلا من الطعام أو موزونا من الطعام في حيوان أو ثياب على أوصاف أو غيرها مما ينضبط بالصفة إذا توفرت بقية الشروط، والله سبحانه وتعالى أعلم.
س5: لاحظت أنه يوجد في كلية الطب في القاهرة مكان لتشريح الإنسان، مجموعة من الأموات رجال ونساء وأطفال المشرحة لتشريح وتقطيع أجزائهم، وذلك للعلم العملي؛ فهل يجوز مثل ذلك شرعا للضرورة، وخصوصا تشريح الرجل لأجزاء المرأة، والمرأة لأجزاء الرجل، وهل يجوز تقطيع أجزاء وأعضاء الإنسان؟
ج5: إذا كان الميت معصوما في حياته سواء كان مسلما أو كافرا، وسواء كان رجلا أو امرأة، فإنه لا يجوز تشريحه؛ لما في ذلك من الإساءة إليه وانتهاك حرمته، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كسر عظم الميت ككسره حيا". أما إذا كان غير معصوم؛ كالمرتد والحربي، فلا أعلم حرجا في تشريحه للمصلحة الطبية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أخبار الجامعة
إعداد العلاقات العامة
تقرر أن يعقد المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة الإسلامية دورته السابعة في مقر الجامعة ابتداء من يوم الإثنين الموافق 15 محرم 1395هـ لبحث بعض الأمور المتعلقة بمصلحة الجامعة، ويتألف المجلس الاستشاري من:-
سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيسا، وعضوية كل من:- نائب رئيس الجامعة فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد واثنين من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة وهما في هذه الدورة: فضيلة الدكتور سيد محمد الحكيم، الأستاذ في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، والمعار للتدريس بالجامعة الإسلامية. وفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي، المدرس في كلية الشريعة بالجامعة.
وقد وجهت الدعوة للحضور إلى بقية الأعضاء من خارج الجامعة الإسلامية التالية أسماؤهم:
1-
معالي وزير المعارف الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ.
2-
معالي مدير جامعة الرياض الدكتور عبد العزيز عبد الله الفدا.
3-
فضيلة الدكتور محمد أمين المصري، المشرف على قسم الدراسات العليا بمكة المكرمة.
4-
فضيلة الشيخ محمد المبارك، المستشار في جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
5-
فضيلة الشيخ محمد محمود الصواف، مستشار وزارة المعارف.
6-
سعادة الدكتور كامل الباقر، الأستاذ بكلية التربية بالرياض.
7-
معالي الشيخ عبد العزيز محمد عيسى، وزير شؤون الأزهر.
8-
فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية سابقا.
9-
فضيلة الشيخ عبد الله غوشة، رئيس قضاة الأردن
10-
فضيلة الشيخ محمد بهجة الأثري، مدير الأوقاف العامة بالعراق سابقا.
11-
فضيلة الشيخ عبد الله العقيل، مدير الشئؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت.
12-
سعادة الدكتور محمد الحبيب الخوجة، عميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس.
13-
فضيلة الشيخ مصطفى العلوي، مدير دار الحديث الحسنية بالرباط بالمغرب.
14-
فضيلة الشيخ أبي الأعلى المودودي، رئيس الجماعة الإسلامية في باكستان سابقا.
15-
فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي، رئيس جمعية ندوة العلماء بلكنو في الهند.
16-
فضيلة الشيخ أبي بكر جومي، رئيس قضاة شمال نيجيريا.
هذا ويقوم بأمانة المجلس فضيلة الشيخ عمر محمد فلاته، الأمين العام للجامعة.
الجامعة الإسلامية تساهم في توعية حجاج بيت الله الحرام
أقامت الجامعة الإسلامية جريا على عادتها مخيما في منى ساهمت فيه بإفتاء الحجاج وتوعيتهم، كما ألقى فيه سماحة رئيس الجامعة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وبعض أساتذتها محاضرات استمع لها كثيرون من حجاج بيت الله الحرام، كما قامت بتوزيع كميات كبيرة من مطبوعاتها التي طبعت على حسابها للتوزيع.
التعبير عن السرور بافتتاح كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
لقد تم بحمد الله تعالى افتتاح كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية، وبدأت الدراسة فيها فعلا في أوائل شهر شوال عام 1394هـ؛ ومنذ أن أعلن نبأ صدور الموافقة السامية على إنشاء هذه الكلية ورد إلى الجامعة رسائل كثيرة من داخل المملكة وخارجها تعبر عن الفرح والسرور بإنشائها، وتهنئ الجامعة على هذه الخطوة المباركة في توسيع نطاق التعليم فيها وتنويع تخصصات طلابها، لاسيما وهذه الكلية هي الأولى من نوعها في العالم. وقد أسست لخدمة كتاب أنزله الله على أفضل رسول بعث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وهذه الكلية هي الثالثة في الجامعة الإسلامية، وأولها كلية الشريعة، والثانية كلية الدعوة وأصول الدين، وتمنح هذه الكليات لخريجيها درجة الإجازة العالية "الليسانس"ولخريجيها من الحقوق ما لحملة الشهادات الأخرى المماثلة التي تصدرها جامعات المملكة.
من أعلام المحدثين
أبو أحمد بن عدي الجرجاني 277-365هـ.
بقلم فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية.
نسبه:
هو عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن مبارك، هكذا نسبه الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، واسم أبيه عدي في "التذكرة"، وفي "العبر"و"اللباب"و "طرح التثريب"و "شذرات الذهب"، وفي "طبقات الشافعية"لابن السبكي اسم أبيه محمد، وجده عدي.
كنيته ونسبته:
كنيته أبو أحمد، ووطنه "جرجان" ينسب إليه فيقال: الجرجاني؛ وقد اشتهر بابن عدي، وبابن القطان.
رحلته في طلب الحديث:
بدأ سماع الحديث سنة تسعين ومائتين، ورحل في طلب الحديث ما بين الأسكندرية وسمرقند، وأول رحلاته في سنة سبع وتسعين ومائتين وعمره عشرون سنة.
ممن روى عنهم:
روى عن بهلول بن إسحاق الأنباري، ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، ومحمد بن يحيى المروزي، وأبي خليفة الجمحي، والحسن بن سفيان، وأبي عبد الرحمن النسائي، وعمران بن مجاشع، وعبدان الأهوازي، وأبي يعلى الموصلي؛ وقد زاد شيوخه على أكثر من ألف شيخ، قاله ابن ناصر الدين كما في شذرات الذهب لابن عماد.
ممن رووا عنه:
روى عنه شيخه أبو العباس بن عقدة، وأبو سعد الماليني، وحمزة بن يوسف السهمي، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري وغيرهم.
ثناء العلماء عليه:
قال حمزة السهمي: "كان حافظا متقنا لم يكن في زمانه أحد مثله". وقال الخليلي: "كان عديم النظير حفظا وجلالة". وقال أبو القاسم ابن عساكر: "كان ثقة على لحن فيه". وقال الذهبي: "كان لا يعرف العربية مع عجمة فيه، وأما العلل والرجال فحافظ لا يجارى". وقال أبو الوليد الباجي: "ابن عدي حافظ لا بأس به". وقال ابن الأثير في اللباب: "كان إمام عصره". وقال الذهبي في التذكرة: "الإمام الحافظ الكبير"، وقال:"كان أحد الأعلام"، وقال:"وهو المصنف في الكلام على الرجال، عارف بالعلل". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "الحافظ الكبير المفيد الإمام العالم الجوال النقال الرحال". وقال ابن قاضي شهبة (كما في شذرات الذهب لابن العماد) : "هو أحد الأئمة الأعلام، وأركان الإسلام، طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار". وقال أحمد أبي بن مسلم الحافظ: "لم أر أحدا مثل أبي أحمد بن عدي، فكيف فوقه في الحفظ".
آثاره:
قال ابن الأثير في اللباب: "وله التصانيف المشهورة". انتهى. وهذه التصانيف أشهرها على الاطلاق كتاب "الكامل في الجرح والتعديل"وقد أثنى عليه العلماء ورفعوا من شأنه. قال فيه حمزة السهمي: "سألت الدارقطني أن يصنف كتابا في الضعفاء قال: "أليس عندك كتاب ابن عدي؟ "فقلت "بلى". قال: "فيه كفاية لا يزاد عليه". وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "له كتاب الكامل في الجرح والتعديل لم يسبق إلى مثله، ولم يلحق في شكله". وقال ابن قاضي شهبة كما في شذرات الذهب:"وهو كامل في بابه كما سمي". وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "وكتاب الكامل طابق اسمه معناه، ووافق لفظه فحواه، من عينه انتجع المنتجعون، وبشهادته حكم المحكمون، وإلى ما يقول رجع المتقدمون والمتأخرون". وقال الذهبي في أول كتاب (الميزان) : "ولأبي أحمد بن عدي كتاب الكامل هو أكمل الكتب وأجلها في ذلك".
وهذا الكتاب العظيم الذي نعته هؤلاء العلماء بهذه النعوت وأثنوا عليه هذا الثناء، يوجد بعضه مخطوطا في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم "364"حديث، وفي معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بالقاهرة تحت رقم "388"ورقم "759"فهرس قسم التاريخ، وكذا يوجد منه أجزاء مختلفة ملفقة من ثلاث نسخ في دار الكتب المصرية نوه عنها في فهرس مصطلح الحديث في دار الكتب؛ ومن آثاره كتاب "الانتصار على مختصر المزني" ذكره الذهبي في التذكرة، وابن العماد في شذرات الذهب، وابن السبكي في طبقات الشافعية وقال:"وددت لو وقفت عليه".
ومنها "أسامي من روى عنهم البخاري"من مشايخه الذي ذكرهم في صحيحه على حروف المعجم، وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم "389"حديث.
وفاته:
توفي الحافظ أبو أحمد بن عدي سنة خمس وستين وثلاثمائة في شهر جمادى الآخرة في "جرجان"، وصلى عليه أبو بكر الإسماعيلي، وولادته سنة سبع وسبعين ومائتين، وهي السنة التي مات فيها أبو حاتم الرازي، وعمره ثمان وثمانون سنة، وقد أرخ وفاته بهذا الذهبي في تذكرة الحفاظ وفي العبر، وابن الأثير في اللباب، وابن السبكي في طبقات الشافعية، والعراقي في طرح التثريب، وابن العماد في شذرات الذهب، وابن كثير في البداية والنهاية.
ممن ترجم له:
1-
ترجم له الذهبي في العبر 2/337 وفي التذكرة 3/152.
2-
وابن العماد في شذرات الذهب 3/51.
3-
وابن كثير في البداية والنهاية 11/283.
4-
والسمعاني في الأنساب مخطوط 126.
5-
والعراقي في طرح التثريب 1/71.
6-
وابن السبكي في طبقات الشافعية 2/233.
7-
وابن الأثير في اللباب 1/219.
8-
وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين 6/82.
الإسلام والحركات الهدامة المعاصرة
بقلم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة.
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وإمام المهتدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن سلك سبيلهم، وترسم خطاهم، ونهج مناهجهم إلى يوم الدين أما بعد:
فإن الحركات الهدامة قد استشرى خطرها، واتسع نطاق ضررها، وأصبحت محاربتها ألزم من محاربة جميع الأمراض الفتاكة، والأوبئة المبيدة، لأن شرها على الإنسانية أكثر من شر تلك الأمراض وهذه الأوبئة؛ لأن هذه الحركات تمسخ الإنسان وهو لا يدري، وتجعله أحط من بهيمة الأنعام، وهو يعد نفسه أو يعده غيره من العقلاء. وقد تنوعت أساليب هذه الحركات واختلفت أشكاله، وأخطر هذه الحركات في هذا العصر الماسونية وفروعها من الشيوعية والاشتراكية، والصهيونية التي تنبع من عين واحدة وإن اختلفت مظاهرها، وتعمل لهدف واحد وإن تغايرت أساليبها، حتى صار بعض الناس يحسب - بسبب هذا التغاير المظهري - أنها حركات متعادية، وهي في الواقع مؤسسة يهودية عالمية.
وأساس هذه الحركات هي الماسونية، وهي جمعية سرية يهودية الأصل، ومعنى (ماسون) أو فرسون:
(البناءون الأحرار)
وقد أسس المحفل الأعظم لهذه الجمعية لأول مرة في بريطانيا عام 1717م، وقد زعم دعاتها أنهم يهدفون إلى مبادئ ثلاث، هي الحرية والإخاء والمساواة، ومقصودهم من الحرية في الواقع أن يتحرر الناس من أديانهم، وأن يرتكب الإنسان ما شاء له هواه دون رادع أو زاجر، وأن يخالف جميع ما تأمر به الشرائع، وأن تفعل المرأة ما شاءت من الزيغ والرجس والفساد والتهتك والانحلال تحت ستار هذه الحرية.
كما أن مقصودهم من الإخاء هو محاربة روح التمسك بالدين، وأنه لا فرق بين يهودي ونصراني ومسلم ومجوسي وبوذي ودهري وملحد؛ فالناس كلهم إخوان، وعليهم أن يحاربوا أي استمساك بأي دين، ويسمون من يلتزم مبادئ دينه بأنه متعصب مذموم. كما أن مقصودهم من المساواة كذلك هو ملء قلوب الفقراء بالحقد والضغينة ضد من وسع الله عليهم من الأغنياء، وملء قلوب الأغنياء بالحقد والضغينة على الفقراء.
وبعد مائتي سنة تقريبا من وجود المحفل الأعظم الماسوني في بريطانيا، انتشرت المحافل في العالم ولا سيما في فرنسا وروسيا وأمريكا والهند، حتى صار في أمريكا وحدها عام 1907م أكثر من خمسين محفلا ماسونيا رئيسيا تتبعها آلاف المحافل. وقد نشرت المخابرات الإيطالية عام 1927م في عهد موسوليني أنها اكتشفت 36 ألف جمعية ماسونية في العالم يتبعها ملايين الناس.
وقد عمد الماسان إلى اصطياد رجال ونساء في فخاخهم من جميع الديانات ممن يأملون فيهم أن يخدموا أهدافهم في بلادهم، فإذا تمت تجاربهم على العضو، وأيقنوا أنه يمكن أن يكون عبدا مطيعا لمبادئهم وأغراضهم، بذلوا كل ممكن لديهم لتنصيبه في مركز حساس في بلاده، وبذلوا حوله كل ما يستطيعون من وسائل الدعاية لتركيزه، وصار له عندهم وصف؛ كسكرتير أعظم، أو أستاذ أعظم، أو قطب أعظم في المحفل الماسوني الذي ينتمي إليه. ولا يصل العضو إلى هذه المراتب إلا بعد اختبار شاق.
فهم في بادئ دعوة العضو وبعد أن يدرسوه نفسيا يدخل العضو في سرداب طويل، قد ملئ بالجماجم الإنسانية المعلقة، والسيوف والخناجر التي تكاد تمس رأسه ورقبته، ويمر به من تحتها وجوانبها ويقال له: هذه رأس من باحوا بالسر، ثم تعصب عيناه ويتسلمه رجلان قويان نشيطان، ويضعان حبلا في عنقه كأنهما يريدان شنقه وهو مستسلم لهما، ثم يدفعانه إلى غرفة سوداء، فيرفعان غطاء عينيه ليرى صندوقا، ثم يدخلانه في الصندوق وحبل المشنقة في عنقه، فإذا وجدوا منه استسلاما كاملا فعلوا به كقوم لوط، فإذا لم يجدوا منه أية مقاومة اعتبر ناجحا، وأعطي الدرجة الماسونية التي يستحق.
وقد بدأ الماسون في تشكيل هيئات أخرى لتظهر في صورة غير ماسونية، وقد كان من أخطرها الشيوعية الحديثة، والاشتراكية، والصهيونية، فهذه المذاهب الثلاثة تلتقي مع الماسونية في أغراضها وأهدافها وإن تشكلت بأشكال مختلفة، وتظاهرت في بعض الأحيان بأنها متعادية، فالأفعى الرمزية هي الشعار اليهودي الصهيوني الشيوعي الماسوني، والمنجل الشيوعي شبيه بالمطرقة والسندان الماسوني، وماركس داعي الشيوعية والاشتراكية، ولينين وعصابته التي قامت بالانقلابات الشيوعي جلهم من اليهود؛ بل أكثر أعضاء الحكومة الروسية في نصف القرن الماضي عاماهم إما يهود، أو متزوجون بيهوديات؛ ولذلك رأينا دعاة الاشتراكية في البلاد العربية - مع اختلافهم - يرددون نفس شعار الماسون، فهتافهم: الحرية، والوحدة، والاشتراكية، وهي في الحقيقة عين ما يردده الماسان في هتافهم "الحرية، والإخاء، والمساواة".
فالهدف الأول لم يختلف حتى في الاسم، والهدف الثاني معناه عندهما واحد، وكذلك الهدف الثالث؛ والغرض الحقيقي للماسونية والصهيونية هو السيطرة على العالم بعد إشاعة الانحلال الأخلاقي، والتسلط على اقتصادياته، والعمل على قيام دولة يهودية، وإعادة بناء هيكل سليمان عليه السلام.
وقد مثل اليهود الصهيونيون والماسان حركتهم بأفعى زحف رأسها من فلسطين ليبتلع العالم، وقد بقي ذنبها في فلسطين، حتى إذا ما التقى رأس الأفعى بذنبها يكون اليهود قد أطبقوا على العالم وسيطروا عليه بشتى الوسائل ومختلف المظاهر، كما ثبت أن جميع دعاة الشيوعية وخاصة في البلاد العربية كانوا يهودا، وأكثرهم بعث من روسيا السوفيتية، فقد اتضح أن أول دعاة الشيوعية في سوريا ولبنان كان يهوديا بولونيا يدعى (جوزيف برجز) ثم (الياهو تيبر) وهو يهودي من ليتوانيا؛ وكذلك (نخمان ليتفتسكي) كان يهوديا روسيا، وقد جاء هؤلاء الثلاثة إلى بيروت عن طريق حيفا، وعملوا على تأسيس حزب شيوعي في سوريا ولبنان، على أن يكون تابعا للحزب الشيوعي اليهودي في فلسطين، وبعد بضع عشرة سنة صار تابعا للحزب الشيوعي الفرنسي، فلما أنشأت روسيا سفارة لها في سوريا ولبنان صار هذا الحزب يتبعها مباشرة.
وفي عام 1922م قدم إلى الاسكندرية بمصر يهودي روسي اسمه (جوزيف روزنتال) وقد جاء من الاتحاد السوفيتي، وأنشأ محلا لبيع المجوهرات، وكانت له ابنة تدعى (شارلوت) أخذت هي وأبوها في الدعوة للشيوعية حتى اعتقلت بعد انكشاف أمرها، فاعترفت بأنها تقوم بنشر الشيوعية وفقا للتعليمات التي تتلقاها من الاتحاد السوفيتي. وقد جاء بعدهما (هنري كوريل) اليهودي، و (ايلي شوارتز) اليهودي، و (ريمون دويك) اليهودي وغير هؤلاء من اليهود.
كما قدم إلى العراق من موسكو أحد الضباط الروس واسمه (بتروف) وافتتح حانوتا للخياطة وتسمى باسم (بطرس أبو ناصر) وأسس الحزب الشيوعي العراقي، ولذلك كانت روسيا الشيوعية، وأمريكا الرأسمالية أسرع دول العالم للاعتراف بما يسمى (دولة إسرائيل) وكان عدد الجنرالات الروس المحاربين مع اليهود عام 1948م لا يقل عن عدد الجنرالات الأمريكيين المحاربين لتثبيت اليهود في أرض فلسطين، وذلك كله أثر من آثار المخطط الماسوني الخطير.
كما رأينا كمال جنبلاط الاشتراكي المعروف يدعو إلى اتحاد يهودي عربي فيدرالي في أرض فلسطين، مع دمج هذا الاتحاد في الدول العربية؛ فقد ألقى كمال جنبلاط هذا محاضرة بعنوان (دور القومية في تقوية المجتمعات الحرة أو في تقويضها) باللغة الفرنسية في ميلانو عام 1954م، ثم عاد وألقاها في شهر مايو سنة 1956م باللغة العربية في (حلقة دراسات مفاهيم الحرية) برعاية المركز الإقليمي في الشرق الأوسط للمنظمة العالمية لحرية الثقافة في لبنان، وقد اقترح كمال جنبلاط في هذه المحاضرة إقامة اتحاد فدرالي عربي يهودي فلسطيني، ليحل معضلة مشكلة فلسطين وقال: "بينما كان من الواجب حل المعضلة على أساس قومية متفتحة إنسانيا، وهي وحدها الوصفة المحكمة التي يمكن الإشارة بها في هذه المنطقة الحساسة من العالم على أساس اتحاد فدرالي عربي يهودي فلسطيني، يفسح مجال إدخال فلسطين ودمجها معنويا إن لم يكن سياسيا في مجموعة بلدان الشرق الأدنى، وقد نشرت هذه المحاضرة في كتاب (دراسات) الذي أصدرته (حلقة دراسات مفاهيم الحرية) .
وقد رحبت الدوائر اليهودية آنذاك باقتراح كمال جنبلاط، فقد نشرت جريدة (هاعولام زاده) اليهودية في أواخر عام 1956م في فلسطين المحتلة تقريرا نص على وجوب حل قضية فلسطين على أساس توطين النازحين في الضفة الغربية وغزة بعد تحويلها إلى وطن فلسطيني يرتبط (بإسرائيل) في اتحاد فدرالي يكون منطلقا لاتحاد أشمل مع الدول العربية وفي 8/6/1972م أعرب شمعون بيرز وزير المواصلات اليهودي في فلسطين المحتلة عن أمله بأن يقوم اتحاد يضم دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين، وقال الوزير الصهيوني:"إني آمل بأن أرى قيام أسس لدولة اتحادية جديدة، يعيش فيها العرب واليهود معا في قطاعين مختلفين، يكون لكل منهما برلمانه وحكومته، وكل منهما يتحدث اللغة التي يفضلها، ويتعبد على طريقته". وقد تنبه مجلس النواب الأردني لهذه الدسيسة، وناقشها في جلسة المجلس بتاريخ 11/6/1972م، أي بعد إعلان الوزير الصهيوني بثلاثة أيام.
وبهذه المناسبة أحب أن ألفت الانتباه إلى أن كمال جنبلاط يسعى مع زعماء الشيوعيين في الجنوب العربي لإعادة مجد القرامطة، وبعث مذهبهم من جديد؛ فقد نشرت جريدة النهار للمدعو كمال جنبلاط امتداحا لدولة القرامطة، وأنهم كمنظمة ثورية كان لهم موقع الريادة في الدعوة إلى المساواة. وطبعا كمال جنبلاط درزي، وأخص عقائد الدروز أن خالق السماوات والأرض هو الحاكم العبيدي المجنون اليهودي، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
ولم يكن كمال جنبلاط وحده في هذا الميدان المنحرف الهدام، بل قد نشرت جريدة السياسة الكويتية حديثا للمدعو/ عبد الله عبد الرزاق باذيب، وزير السياحة والثقافة والآثار في حكومة عدن الشيوعية في 15/2/73م اعتز فيه بأن حكومته منسوبة للقرامطة وقال: "يقولون إننا من القرامطة
…
ليكن، نحن نعتز بهذا الأصل ونؤكد عليه، إذ نمثل استطرادا في مجتمعنا لذلك الطموح إلى الاشتراكية الذي بدأ من أيام القرامطة"، ويكرر قائلا: "نعتز بأصلنا القرمطي، القرامطة عبروا منذ القدم عن طموح شعبنا العربي لمجتمع اشتراكي".
على أن المؤرخين مطبقون على أن القرامطة ليس لهم في التاريخ العربي أي مجد، بل تاريخهم أسوا تاريخ مر بالأمة العربية، علما بأنهم ليسوا من العرب، بل هم جماعة من فروخ المجوس، واليهود أرادوا القضاء على الإسلام، فلما صار لهم دولة عاثوا في الأرض فسادا، واستولوا على البحرين وهجر، وأخافوا البلاد، وروعوا العباد. قال ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين هجرية: "وفيها تحركت القرامطة، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوة زرادشت ومزدك، وكانا يبيحان المحرمات، ثم هم بعد ذلك أتباع كل ناعق إلى باطل، وفي سنة سبع عشرة وثلثمائة اشتدت شوكتهم، وتمكنوا من الوصول إلى الكعبة والناس يوم التروية، فما شعروا إلا والقرامطة برئاسة المدعو بابي طاهر الجنابي قد انتهبوا أموالهم، وقتلوا كل من وجدوا من الحجيج في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر الجنابي على باب الكعبة والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، ويقول هذا الملعون: أنا الله وبالله أنا، أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا، ولم يدع أحد طائفا أو متعلقا بأستار الكعبة إلا قتله؛ ثم أمر بإلقاء القتلى في بئر زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، فجاء قرمطي فضرب الحجر بمثقل في يده وهو يقول: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه معهم، فمكث عندهم اثنتين وعشرين سنة. وقد اعتز عبد الله باذيب بعلي بن الفضل الذي تغلب على اليمن، وزعم أنه طلع من يافع، وقد جهل أو تجاهل هذا المغرور أن علي بن الفضل هذا كان يعمل هو وأتباعه عمل قوم لوط، ويحرض نساءه على الزنا والدعارة، ويرغب أتباعه كالشيوعيين المحدثين في وقاع أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم؛ إذ يقول في قصيدته المشهورة:
ولا تمنعي نفسك المعرسين
من الأقربين ومن أجنبي
فكيف حللت لهذا الغريب
وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه
ورواه في الزمن المجدب
وقد أرجع ابن كثير وغيره من المؤرخين أصل القرامطة إلى اليهود والمجوس، وذكروا أنه بعد أن أظهر الله الإسلام، وبسط رواقه على أرض فارس، تشاور جماعة من المجوس والمزدكية، وشرذمة من الثنوية، وطائفة من ملاحدة الفلاسفة، وبعض اليهود في حيلة يدفعون بها في نحر الإسلام، ويعملون بها على تشتيت شمل المسلمين، فاتفقوا على انتحال مذهب يستمد أصوله من أصول الفلاسفة، وقواعد المزدكية، وعقائد الثنوية واليهود، ورأوا أن أنجع الوسائل لتحقيق أهدافهم أن يتمسحوا بالانتساب إلى نصرة آل البيت، بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يختاروا رجلا يزعمون للرعاع بأنه من آل البيت، وأنه يجب على كافة الخلق مبايعته، وتتعين عليهم طاعته، مدعين أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه معصوم عن الخطأ؛ وقد تذرعوا بذلك إلى استدراج العامة لينسلخوا من الدين، فإن أراد أحد أن يتمسك بظاهر القرآن ومتواتر الأخبار، أخبروه أن تلك الظواهر لها أسرار وبواطن، وأن أمارة الأحمق الانخداع بظواهرها، وأن الفطن هو من لا يرى هذه الظواهر، وإنما يتبع الإمام في تفسير الباطن، فكان هؤلاء الباطنيون كما قيل عنهم: ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض. وقد اتفقت كلمة الناس عنهم أنهم كانوا يسلطون أتباعهم على الشهوات، وقضاء الملذات، وانتهاك الحرمات، وأنهم كانوا يستبيحون كل محرم، وكان لهم ليلة يجتمعون فيها رجالهم ونساؤهم، ويطفئون سرجهم، ثم يتناهبون النساء، وأنهم كانوا يؤمنون برجل في جاهلية الفرس قبل الإسلام يدعى شروين، ويزعمون أنه كان نبيا، وأنه أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. هذا وقد قسمت الماسونية جمعياتها حسب مخططاتها وأغراضها، فبعض هذه الجمعيات
لإثارة الطلاب، وبعضها للاستيلاء على أفكار الصحفيين والكتاب والمؤلفين، وبعضها لإثارة العمال والفلاحين، وبعضها مختصة بالعسكريين، وبعضها لإحداث الانقلابات في الدول، إلى غير ذلك؛ فالماسون كانوا وراء الثورة الفرنسية، وهم وراء مذبحة استنبول التي ذبح فيها 68 ألف مسلم عام 1908م، وهم كذلك وراء حرب البلقان عام 1912م، والتي أثارت كذلك الحرب العالمية الأولى، وهم كذلك مدبروا الانقلاب ضد السلطان عبد الحميد، وهم مزيلوا الخلافة الإسلامية.
وقد يؤيد الماسون دعوات ليسوا في الأصل منشئيها إذا وجدوا أن هذه الدعوات تخدم بعض أغراضهم ولو إلى حين؛ ولذلك أيدوا داروين النصراني في نظريته التطور والارتقاء، وبذلوا كل دعاية ممكنة لترويج مذهبه الفاسد، لأنه يحدث بلبلة ضد الأديان، كما أيدوا كذلك دعاة القومية العربية مع أنها في الواقع أسسها دعاة النصرانية، وعقدوا لها أول مؤتمر في باريس عام 1910م، ومع أنها كذلك تخالف بعض مبادئهم ضد الأمميين، لكنها لما كان ترويجها يحطم روح الدين في نفوس أهلها، ويؤدي إلى محاربة الأديان، قام الماسون بالترويج والدعاية لها. كما أيدوا القاديانية التي أنشئت لتكون كالخراج الحار في جسم الأمة الإسلامية؛ كما أيدوا البهائية التي تدعوا صراحة للتجمع الصهيوني في فلسطين، إذ قام رئيس هذه العصابة - عباس المسمى بعبد البهاء - يعمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي ذلك يقول في (مفاوضات عبد البهاء) ص59:"وفي زمان ذلك العصن الممتاز، وفي تلك الدورة سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب والجنوب والشمال مجتمعة"ثم يقول: "فانظروا الآن تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة، ويتملكون الأرض والقرى ويسكنون فيها، ويزدادون تدريجيا إلى أن تصير فلسطين جميعا وطنا لهم"وقد ذكر صاحب دائرة معارف القرن العشرين "الرابع عشر في الجزء الثاني ص377
…
أن بعض دعاة البهائية فسر الفقرة الثانية من الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية التي تقول: "جاء الرب من سيناء، وأشرق من ساعير، وتلألأ من جبل فاران// فقال: فهذه الآية المباركة تدل دلالة واضحة أن بين يدي الساعة وقدام مجيء القيامة، لابد أن يتجلى الله على الخلق أربع مرات، ويظهر أربع ظهورات حتى يكمل بني إسرائيل وينتهي أمرهم إلى الرب الجليل، فيجمع شتيتهم من أقصى البلاد، ويدفع عنهم كل العباد، ويسكنهم في الأرض المقدسة، ويرجع موازينهم القديمة.
ومن أهم وسائل الماسون لتحقيق أغراضهم هو الاستيلاء على جميع وسائل الدعاية في العالم، من الصحافة والإذاعة والكتابة والتلفزيون وغيرها من شئون الإعلام، كما أن من أعظم وسائلهم الاستيلاء على المناصب الحساسة في إدارات الدول، بوضع رجال خبراء من اليهود أو مؤيديهم في تلك المناصب.
أما الصهيونية نسبة لصهيون، وهو جبل يقع في جنوب بيت المقدس، والصهيونية حركة يهودية تسعى بكل الوسائل إلى إعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، والسعي إلى السيطرة على العالم وحكمه من القدس أولا، ثم روما ثانيا على يد ملك من اليهود يكون من نسل سليمان. والصهيونية كما أشرت سابقا: هي إحدى فروع الماسونية، وقد برزت قرونها في القرن السابع عشر الميلادي باسم حركة منشة بن إسرائيل، وبدأت بالدعوة إلى توطين اليهود في بريطانيا تمهيدا لنقلهم إلى فلسطين، وقد استطاعت هذه الحركة أن تسخر الإنجليز لتحقيق أهداف اليهود. وقد نشطت في فرنسا في عهد نابليون بعد الثورة الفرنسية التي كان الماسون من ورائها؛ ففي سنة 1798م وجه أحد زعماء الصهيونية خطابا يعتبره اليهود دستور الصهيونية، وقد جاء فيه:"هيا بنا أيها الإخوان لتجديد هيكل أورشليم، إن عددنا يبلغ ستة ملايين منتشرين في أقطار العالم، وفي حوزتنا ثروات طائلة واسعة، وممتلكات عظيمة، فيجب أن نتذرع بكل ما لدينا من الوسائل لاستعادة بلادنا، إنه يجب العمل وإقامة مجلس ينتخبه اليهود المقيمون في بلدان أوربا وآسيا وأفريقيا، واللجنة الممثلة لليهود المقيمين في هذه البلدان يمكنها أن تبحث في مهمتها وتتخذ ما تراه من القرارات، وعلى اليهود أن يقبلوا هذه القرارات، ويجعلوها قانونا يخضعون له". وقد حدد الوطن القومي لليهود بفلسطين وسيناء إلى النيل من أرض مصر، ثم يقول:"فهذا المركز يجعلنا قابضين على ناصية تجارة الهند وبلاد العرب وأفريقيا، مع سهولة الاتصال ببلاد أوربا"، ثم يختم خطابه بقوله: أيها
الإسرائيليون: "لقد قربت الساعة التي ينتهي فيها حالتكم التعسة، وإن الفرصة الآن سانحة، فحاذروا أن تفلت من أيديكم". وقد عمل اليهود بكل الوسائل على شراء الأراضي في فلسطين، وبناء المستعمرات بمساعدة كبار اليهود من الإنجليز مثل: درزائيلي اليهودي الإنجليزي الذي تنصر وصار رئيسا للوزارة البريطانية. ثم نشطت الصهيونية بقيادة هرتزل الذي يلقبونه "بأبي الصهيونية الحديثة"وهو صحفي نمساوي، وقد حاول هرتسل هذا أن يدفع للسلطان عبد الحميد خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية هدية للخزينة السلطانية الخاصة، وعشرين مليونا كقرض من الجمعية اليهودية للحكومة العثمانية لمدة تعينها الحكومة العثمانية، وقد تنبه السلطان عبد الحميد إلى خطر هذه الحركة الإجرامية، ورفض أي وعد باستيطان اليهود في أرض فلسطين؛ ففكر اليهود في إقامة وطن مؤقت في سيناء أو يوغنده، ولكن المؤتمر اليهودي السادس المنعقد سنة 1903م رفض هذه الفكرة وأصر على أرض فلسطين، ومات هرتزل سنة 1904م بعد أن وضع كثيرا من الوسائل لتحقيق هدفهم الخبيث؛ ومن أهم هذه الوسائل وجوب عقد مؤتمر في كل عام يضم قادة الحركة الصهيونية، وقد انعقد أول مؤتمر لهم في مدينة بال بسويسرا عام 1897م واتخذ هذا المؤتمر قرارات ترمي كلها لتحقيق إقامة دولة يهودية في أرض فلسطين، وتعهدت فيه السر اليهودية الغنية مثل أسرة "روتشليد" بتقديم الأموال اللازمة لتحقيق أهداف اليهود.
وقد عرفت القرارات السرية التي اتخذت في هذا المؤتمر باسم "بروتوكولات حكماء صهيون"التي كان من بينها: يجب ألا تتردد في أعمال الرشوة والخديعة والخيانة إذا كانت تخدم أغراضنا.
- إن المحفل الماسوني المنتشر في العالم يعمل في غفلة كقناع لأغراضنا.
- يجب علينا أن نحطم كل عقائد الإيمان، وعندما نصل إلى مملكتنا لن نبيح قيام أي دين غير ديننا.
فيتعين علينا أن تكتسح جميع العقائد والأديان الأخرى، وإذا كان هذا يؤدي إلى وجود ملحدين ينكرون وجود الخالق، فإن هذا مما لا يتعارض مع وجهة نظرنا، ويعتبر في ذاته مرحلة تطور وانتقال. ولقد كان من أبرز ثمار هذه التعاليم وأخطرها على الإنسانية هو الانقلاب الشيوعي في روسيا، والذي قام به عصابة من اليهود الروس بزعمة اليهودي لينين تبعا للمخطط الماسوني الذي روج من قبل لكارل ماركس. والشيوعية قد عرفت في التاريخ القديم، ومن ذلك ما أثر عن مزدك الفارسي الذي ظهر في عهد الملك قباذ ملك فارس، وكان هذا الملك ضعيفا مهينا، فسدت في عهده الرعية، فزعم مزدك أنه نبي، وأخذ ينهى الناس عن المباغضة والمخالفة والقتال، وأعلن أن سبب هذه الفتن هي النساء والأموال، لذا رأى أن تباح النساء لكل راغب، وأن تباح الأموال لكل طالب حتى يشترك فيها الناس اشتراكهم في الماء والهواء.
وقد انتشر مذهبه في عامة بلاد فارس، ودخل فيه قباذ نفسه، وقام الفقراء بتقتيل الأغنياء، وصار الجماعة منهم يدخلون على الرجل فيقتلونه ويثبون على أمواله ونسائه؛ فغضب لذلك بعض عظماء فارس، وبخاصة أنوشروان بن الملك قباذ، وزعيم آخر يقال له ساجوروتا، مروا على مزدك وقتلوه، وخلعوا قباذ وعينوا أخاه "جاماسب" ملكا عليهم، وحاولوا القضاء على فتنة المزدكية.
غير أن قباذ استطاع أن يعود إلى الملك وأن يحبس أخاه، فقوي شر المزدكية من جديد، واستمرت إلى أن قتل قباذ وتولى بعده ابنه أنوشروان الذي ولد في عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه:"إني عاهدت الله إذا صار إلي الملك ألا أبقي على أحد من المزدكية الذين أفسدوا أموال الناس ونساءهم"، وكان عند سريره رجل مزدكي فقال:"أتقتل الناس جميعا؟ "فنظر إليه أنوشروان وقال له: "أتذكر يا ابن الخبيثة يوم طلبت من أبي أن يأذن لك في المبيت عند أمي فأذن لك، ولما ذهبت إلى حجرتها لحقت بك وقبلت رجلك وتضرعت إليك حتى وهبتها لي ورجعت؟ "فأقر الرجل أمام الحاشية بما قال الملك، فأمر بقتله فضربت عنقه وأحرقت جثته، ثم أمر أنوشروان باستئصال شأفة المزدكية وقضى عليهم.
كما عرفت الشيوعية في العصر الحديث في صور متقاربة بزعامة رجال تكاد تتشابه ظروف حياتهم مع حياة مزدك الفارسي، وأشهر هؤلاء كارل ماركس المولود عام 1818م من أبوين يهوديين، غير أن اباه أظهر أنه تنصر وترك دين اليهودية، وكذلك فعل ابنه كارل ماركس، وقد وصف "أوتورهل"ماركس بأنه كان على الدوام متقلبا حقودا لا يزال في تصرفه عرضة لتأثير سوء الهضم والانتفاخ، وهياج الصفراء، وكان موسوسا يغلو كجميع الموسوسين في الشعور بمتاعبه الحسدية، وقد كان كارل ماركس يهمل دروسه، وينقطع عن معهده الأسابيع المتواصلة متابعا لما شذ من الآراء التي يبنيها اليوم ويهدمها غدا؛ أو باحثا عن اللذة الجنسية والمتاع الجسدي، وقد شغف أولا بدراسة القانون ثم تركه وشغف بدراسة الفلسفة ثم تركها، واشتغل بدراسة المذاهب الاقتصادية وحصل على دكتوراه بالمراسلة من جامعة جينا الألمانية عام 1841م.
وكان ماركس أيام حياته الدراسية عالة على أبيه "هرشل" فلما مات أبوه صار عالة على أمه وأخته حتى عجزتا عن مواصلة الإنفاق عليه، فصار يلجأ إلى الاستدانة من أقربائه وأصدقائه، وبخاصة من انجلز الذي صار قرينه في الدعوة إلى الشيوعية. وكان أصدقاؤه إذا ضاقوا من طلباته حاولوا أن يكلفوه ببعض الأعمال التي قد تدر عليه ببعض الرزق، ولكنه كان يبوء بالفشل في كل عمل يسند إليه.
وكان ماركس قد تعرف على فتاة أثناء دراسته للحقوق في جامعة بون تدعى جيني، ولم يكن أحد قد اشتم منه رائحة نزعته الشيوعية إلى ذلك الحين. وكان عمره لا يتجاوز العشرين، وقد وقعت الفتاة في قلبه وهام بها، ولم يكن في أول أمره ذلك يفكر في الزواج منها لأنها من طبقة فوق طبقة أهله، والتقاليد تقف حجر عثرة في سبيله، غير أن الفتاة رغبت في الزواج منه ولم تعبأ بالفوارق الطبقية التي توجد بينهما. وقد أعلنت الفتاة أنها لن تتخلى عنه مهما كانت الفوارق، وأنها راضية به على أي حال. وعلى الرغم من تحقيق هذا الحلم فقد بدأ ماركس يشعر بالحقد الثائر نحو نظام الطبقات الذي كاد يحول بينه وبين جيني، وقد بدأت مشكلة المعاش - له ولزوجته - تتعقد أمام ماركس، فقد زادت نفقاته ولم يتحسن إنتاجه، ولاسيما بعد أن صار ذا أولاد، وقد صورت زوجته جيني ما صارت إليه هي وزوجها من البؤس وتعاسة العيش في كتاب إلى صديق لها تطلب منه أن يمد لها المساعدة؛ قالت فيه:
"ائذن لي أن أصف لك يوما من أيام هذه الحياة وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسينا، فأنا مريضة سقيمة، ومع أن ثديي وظهري بهما أوجاع وآلام بالغة، فأنا مضطرة إلى أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة، لأنني لا أستطيع أن أدفع أجرة مرضعة، ولكن طفلي كان يرضع الحزن والألم والوجع، فيتلوى من المرض ليلا ونهارا، ومع هذا الفقر والحاجة فقد دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت منا أجرة البيت، كما طالبت بما علينا لها من القروض، ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد حجزت على كل ما نملك في البيت حتى فراش الطفل، وباعته بما لها علينا من الدين. ثم طردتنا إلى الشارع والمطر ينهمر بغزارة، والبرد قارس لا يرحم، وبذل زوجي ماركس كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إيواءنا"؛ كما كتبت جيني مرة أخرى تصف إحدى ليالي البؤس التي مرت بها وبماركس فتقول: "أحست ابنتنا بنزلة شعبية، وصارعت الموت ثلاثة أيام ثم ماتت، وأخذنا نبكي عليها، ولم يكن لدينا ما نجهزها ونكفنها به، وأبقينا الجثة حتى نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين
…
وا أسفاه!! وفدت ابنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهدا، وعندما غادرت الدنيا لم تجد كفنا". ويبدو أن الماسون قد استغلوا هذه الحوادث، وأثاروا في ماركس هذه الدوافع حتى حدت به أن يكون داعيا لمصارعة الطبقات، عنيدا في الدعوة إلى الشيوعية، عبدا ضارعا أمام محراب المادية، ينفث سمومه في نواح متعددة من أوربا، ولاسيما إنجلترا، حتى هلك عام 1883م، غير أن دعوته لم تنجح في أوربا، حتى قام اليهود الروس بالثورة الشيوعية ضد القياصرة من آل رومانوف بقيادة اليهودي لينين عام 1917م تحقيقا لمقررات الماسونية والصهيونية، وقد جعل السوفيت المادة الأولى من دستورهم أنه لا إله والكون مادة؛ والمادية في نظر الماركسيين تعني عدم الإيمان بالغيب، وإنكار جميع المظاهر الدينية والمذاهب الروحية والمنازع الأخلاقية، وحرب التقاليد ونظام
الزواج والأسرة، وقد كان ماركس يرى أنه لابد لقيام المجتمع الشيوعي من خمسة أركان يبنى عليها وهي:
1-
استيلاء الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين على مقاليد الحكم في أول الأمر.
2-
تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة.
3-
القضاء على رأس المال.
4-
القضاء على الطبقات.
5-
ثم القضاء على الحكومة.
غير أن نظام الماركسيين ينص على "أن قيام حكومة العمال والفلاحين هو شيء مؤقت، وأنه حركة انتقالية إلى مرحلة الشيوعية الحقيقة التي لا تبقى فيها حكومة، وإنما ينطلق الشعب حرا بلا حكومة ولا سلطان". بيد أن واقع الشيوعية لم ير هذه النظرية مطبقة في قطر من الأقطار التي بليت بهذا النظام، فجميع البلاد التي صارت إلى الشيوعية قامت حكومتها من جنس الحكومات التي كانت في تلك البلاد قبل الحكم الشيوعي؛ ففي روسيا مثلا كان الدور الذي قام به العمال والفلاحون هو إشعال نار الثورة ضد الحكم القيصري والقضاء عليه، فلما تم لرؤساء الحزب الشيوعي ما أرادوا من سقوط عرش آل رومانوف، قبض رؤساء الحزب الشيوعي على زمام الحكم، وأزاحوا العمال والفلاحين من الطريق، وردوهم مدحورين إلى المصانع والمزارع، ليقاسوا تحت نيران الحزب الشيوعي أشد ألوان المهانة والإرهاق.
وقد قام العمال والفلاحون بعدة ثورات كانت تقابل بأنكى صنوف القمع والإرهاب، ولم تمنع وسائل التعذيب الإجرامية هؤلاء من أن يقوم الكثير منهم بإحراق المحاصيل، وتبديد الماشية والأموال حتى لا تقع في يد هؤلاء الحكام المستبدين. وقد حاول ستالين أن يقضي على ثورات الطبقة الكادحة بألوان شتى من أنواع القتل والحبس والنفي في مجاهل سيبيريا، والتهديد والوعيد فلم يفلح؛ وفي منشور له في هذا الصدد يقول:"لكي يضمن الكولخوزيون "المزارعون"لأنفسهم الحياة والعيشة، يتطلب ذلك منهم أن يعملوا في الكولخوزات "المزارع التعاونية"ويحافظوا عليها، ولا ينسوا مسؤوليتهم تجاهها!! " ولما قال العمال لستالين: "لقد وعدتمونا بأن تكون الحكومة من العمال والفلاحين فلم لا تنفذون وعودكم؟ "قال ستالين: "لقد انتقلت السلطة، وتركزت في يد حزب واحد هو حزبنا، ولن يشاركنا في توجيه الدولة أي فئة أخرى؛ وهذا ما نعنيه بالدكتاتورية العمالية. وهكذا نرى المخطط الأول من المخططات التي رسمت للمجتمع الشيوعي لم تكن إلا حبرا على ورق - كما يقولون - بل صار العمال والفلاحون في المجتمع الشيوعي أحط أنواع العمال والفلاحين في العالم.
أما تأميم وسائل الإنتاج ومصادر الثروة ثم القضاء على رأس المال ثم القضاء على الطبقات، فقد كانت سلب الغني من الأغنياء وإدامة الفقر والمسكنة للمساكين والفقراء، والذين يزورون برلين الشرقية وبرلين الغربية يذكرون أنهم إذا تجاوزوا سور برلين إلى الشرق، صاروا كالمنتقلين من النهار إلى الليل؛ فالمحال مقفرة، والشوارع تكاد تكون خالية، ومظاهر سوء الحالة الاقتصادية لا يكاد يخفى على ذي عينين. ومع أن الشيوعيين قد بذلوا كل جهدهم للقضاء على النظام الطبقي، فإن المجتمع الشيوعي يتمثل فيه ما يتمثل في غيره من نظام الطبقات؛ فلا يزال روسيا - مثلا - طبقة العمال والفلاحين، وطبقة القادة العسكريين، وطبقة البوليس السري والمخابرات، وطبقة العمال والأكاديميين، وطبقة المهندسين، وطبقة الفنانين والرقاصين، وطبقة زعماء الحزب الشيوعي؛ وقد وجدت هذه الطبقات في المجتمع الشيوعي بحسب تفاوت الدخل الذي قدرته الحكومة لهؤلاء حسب ميزان الاحتياج الذي صنعوه، فقد جعل المعدل الوسط لحاجة العمال والفلاحين ما بين 600 إلى 700روبل، كما جعل المعدل الوسط للفنانين والرقاصين يتراوح ما بين 1400 إلى 2000روبل، وجعل المعدل الوسط للقادة العسكريين والمهندسين ما بين 4000 إلى 7000روبل؛ وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت الحكومة الشيوعية ببناء منازل ومنح سيارة وسائق لبعض الطبقات.
أما إلغاء الحكومة فيقول ماركس: "وبعد أن تزول المنازعات بين الطبقات زوالا نهائيا خلال التطور، وبعد أن يتركز الإنتاج كله في أيدي الأفراد المتشاركين، عندئذ تفقد السلطة العامة طابعها السياسي"ثم يقول: "والدولة هي سلطة الطبقة المنظمة، تزول بزوال الطبقة، وعندئذ يكون عهد الشيوعية بكل ما تعني الكلمة
…
"ويقول: "الشيوعية هي عهد تسوده الحرية، وعصر يزدهر فيه الإنسان أكمل ازدهار، فهو يحتم مع زوال الطبقات زوال الحكومة". ونحن لا نستطيع أن نجزم هل كان ماركس متمتعا بقواه العقلية حينما يخرج على الناس بمثل هذه النظرية التي لا يعرفها التاريخ البشري في المجتمعات المتمدنة أو الهمجية على حد سواء، وحتى ولو فرض وجودها في مجتمع بدائي همجي فهل يجيز العقل وجود مثلها في مجتمع ذي حاجات متفاوتة، بل وإلحاح في طلب الكماليات. وهل ظن ماركس والذين خططوا له أن فطر الناس المتباينة، وطبائعهم المتنازعة سيئول بها الحال إلى الزوال؟ فيعيش الناس في الأرض يأكلون من نباتاتها المختلفة، ولحوم حيواناتها المتغايرة الطبائع ثم يصيرون في نفس الوقت كملائكة السماء. ولا نذهب بعيدا لنراجع نحن أو غيرنا في ذلك حوادث التاريخ، وإنما نلقي نظرة عابرة على واقع الحكومة في المجتمع الشيوعي لنرى أن الحكومة في المجتمع الشيوعي تسير في طريق الدكتاتورية إلى حد لا نظير له في المجتمعات الأخرى، وفي ذلك يقول ستالين: "إن تقرير المصير لأي فرد أو أمة أو جماعة يجب ألا يتضارب مع حق الحزب الذي يمثل الجماهير الكادحة في أن يحكم حكما دكتاتوريا" هذا وكثير من الناس لا يفرقون بين الشيوعية والاشتراكية؛ فروسيا وبلاد أوربا الشرقية الشيوعية يطلق عليها اسم البلاد الاشتراكية، إلا أن بعض الناس يفرق بين الشيوعية والاشتراكية في الجملة من وجوه:
1-
أن الاشتراكية هي الخطوة الأولى للشيوعية.
2-
أن الاشتراكية لا تمانع في قيام حكومة "البروليتاريا" العمال والفلاحين، بخلاف الشيوعية الحقيقة فإنها لا تجيز أي نوع من الحكومات.
3-
أن الشيوعية لا تبيح أي نوع من الملكيات، بخلاف الاشتراكية فإنها تجيز بعض الملكيات الفردية في حدود ضيقة وعلى قواعد تؤدي في النهاية إلى تلاشي هذه الملكية.
هذا ولم يزعم زاعم - مهما كان - أن الإسلام والشيوعية قد يلتقيان، فلم نسمع إلى الآن صوتا واحدا يقول: إن الإسلام لا يتنافى مع الشيوعية؛ إذ أصل الشيوعية إنكار ألوهية خالق السماوات والأرض وإنكار الدين، وإنما سمعنا أن بعض الناس - وقد يكونون من المنتسبين للإسلام أو للعلم - يزعمون أن الإسلام لا يتنافى مع الاشتراكية، وقد يتعامون عن أن الاشتراكية مذهب خاص، ذاتية هذا المذهب تخالف ذاتية الإسلام في روحه وصورته، وأن ثلاثة عشر قرنا مرت على الإسلام والمسلمين ولم يعثر على كلمة الاشتراكية في كتب الإسلام التي تجاوزت آلاف الملايين، سواء كانت كتب الفقه أو التفسير أو الحديث أو سائر كتب العلم الإسلامية، ولا وجود لها قبل وجود دعاتها الماسونيين. كما يتجاهلون أن الإسلام - وهو دين الله الحقلا - قد أتى بجميع ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك بابا من أبواب الخير إلا دل الناس عليه، ولا بابا من أبواب الشر إلا حذر الناس منه، بيد أن جماعة من هؤلاء يقولون: إن بعض نصوص القرآن كقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ} (الحشر: من الآية7) وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء في ثلاثة: في الماء والنار والكلأ" تدل على صحة المذهب الاشتراكي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهل هؤلاء بحقيقة الإسلام عموما، وبمعنى هذه الآية وذلك الحديث خصوصا؛ فإن الآية نزلت تشرح مصرف الفيء، وهو نوع خاص له طابع خاص من بين الأموال الإسلامية، وأما الحديث فقد بين موضع الشركة
وهو الماء والنار والكلأ، ولفظ الحديث يدل بمفهومه على أن ما عدا هذه الأشياء الثلاثة من الأموال والأشياء التي يمكن أن يتملكها الإنسان لا اشتراك فيها، على أن صريح القرآن وصحيح وصريح السنة يدل بما لا مجال للشك فيه على حفظ ممتلكات الناس وأموالهم إلا برضا منهم، وفي ذلك يقول الله عز وجل:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:188) وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "
…
ألا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد" وكما قال صلى الله عليه وسلم:"من غصب شبرا من أرض طوقه الله بسبع أرضين يوم القيامة" وتاريخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالزبير بن العوام الذي مات عن أرض الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودار بالكوفة، ودار بمصر، وقد كان عليه دين يبلغ ألفي ألف ومائتي ألف "أي مليونين وربع تقريبا"وأن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما حصر مال أبيه فوجده خمسين ألف ألف "أي خمسين مليونا"ومائتي ألف، والزبير من المبشرين بالجنة. وكذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو أحد العشرة كذلك رضي الله عنهم قد كان نصيب نسائه من تركته فوق ستين ألفا. ومعنى ذلك أن تركته تجاوزت أربعمائة وثمانين ألفا؛ ولا طعن على أحد في ذلك ما دام يأخذه من حل ويضعه في حل، ويؤدي حق الله فيه. وقد أكمل الله الدين، وأتم الشريعة، فلا حاجة معها لمذاهب مستوردة أتعست أهلها، وجلبت الشقاء للمبتلين بها، والحق يقول:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة: من الآية3)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رسائل لم يحملها البريد
بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
صديقي
…
تسألني يا صديقي كيف أمسيت بعد ثلاثة وعشرين عاما من ذاك الزواج.
أمسيت يا صديقي كما أصبحت، أحمد الله على ما أنعم، وأشكر له ما رزق، لا يزال ذاك الزواج ريَّان مونقا مورقا كأشجار الربيع، لم يصبه الجفاف، ولم يدركه الخريف، لم أصر بعد إلى ما كنت تحدس وتقدر، فأرى في بيتي ظلمة المغاور، وأحس له وحشة المقابر، لا يزال بيتي يشرق بالنور، ويفيض بالحياة، ويزين كل جدار فيه. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: من الآية21) .
ولا تحسبن أني قد نسيت، فأنا لا أذكر تمام الذكرى ما منحتنيه من نصح، حين أشرت علي أن أستبدل بشجرة السرو شجرة من أشجار العنب، وقلت: هذه ذات أغصان تفيء إلى ظلها وقت الحرور، وذات عناقيد تستمتع بها في مصيف العمر وفي شتاء الحياة، ثم هي زينة لك في حياتك الدنيا، تدوم بها الصحبة وتتوثق الألفة، وتعمق المودة، ويكثر الخير، وتتنوع طعوم الحياة.
ولقد شكرت لك هذا النصح حين ذاك، وقلت لك: أنا يا صديقي في فسحة من الوقت، وليس هناك ما يدعو إلى هذا التعجل، دعني آخذ الأمر بشيء من الأناة، وأعالجه بشيء من التبصر.
وما كان جوابي هذا لينال رضاك، فهززت رأسك هزات ذات معان، ورميت ببصرك إلى الأرض بضع ثوان، ثم رفعته إلي وأنشأت تقول:
لا تركن إلى ما أنت فيه من شباب، ولا يخدعنك ما أنت فيه من نعيم، ولا تقعد الجبن عن لقاء الحياة، فتقعد في هذه الحياة أسيفا حسيرا، ولا تكن من المستقبل في خشية، فالمستقبل بيد الله، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (هود: من الآية6) .
لقد نسيت يا صديقي كثيرا من أيام حياتي، ولكنني لم أنس ذلك اليوم الذي أبديت فيه ما كنت عنك أخفيه، وجهرت لك بما كنت من قبل قد أسررت، وقلت لك حين عرفت أن لا مناص من القول:
دعني يا صديقي فالخيرة فيما اختاره الله، لا فيما تختاره أنت، أنني راحل في هذه الحياة، وكل شيء من حولي وحولك راحل، فأشجار الزيتون التي تغطي سفوح الجبال، وتفيض بها بطون الأودية، وأشجار البرتقال هذه التي تملأ السهول، ويفيض بها الساحل، وهؤلاء الناس الذين يغدون ويروحون وهم لا يشعرون، هؤلاء وأولئك كلهم راحلون راحلون، وحتى هذه الأرض التي أنت فوق ثراها راحلة سوف أكون أنا يا صديقي في هذه الدنيا عابر سبيل، وفلّ طريق، ونضو سفر، فدعني أعبر فجاجها العميقة، وثنياتها الضيقة، وشعابها الصعاب، دعني أعبرها خفيف الظهر، طلق اليدين، واسع الخطا، ولا ترهقني من أمري عسرا.
دعني يا صديقي من أعنابك وعناقيدك، فأنا لا أحب العناقيد حصرمًا، ولا أحب الأعناب ذوات أكل خمط، ولا أريد أن أزيد غثاء السيل غثاء، وعسى أن يجعل الله فيما تكرهه أنت خيرا كثيرا.
أما أنت يا صديقي فسر على الدرب الذي أحببت، وتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، واترك من خلفك ذرية مباركة من البنات والبنين والحفدة، تحمل اسمك الكريم، وتحفظ ذكرك الطيب، وتكون شجرة باسقة الفروع، كثيرة الثمر، تنشر من حولك الظل، وتكون لحياتك زينة.
ونم يا صديقي ليلك الهادئ الطويل، تهدهدك الأحلام، وتربتك الأماني، وتطوف بخيالك صور غد باسم مشرق.
وسوف أظل أصغي إلى ما ترجيه في أولادك من مستقبل شامخ البنيان، ثابت الأركان، وأستمع إلى ما ترسمه لهم من خطط حياة طويلة عريضة، ودراسات علمية متخصصة عالية، وسوف أضرع إلى الله مخلصا، كلما طاف بي طائف من أولادك، أو رن في أذني صدى صوت من كلماتك - أن يجعل فيهم الولد الصالح الذي لا ينقطع به عملك بعد الموت، ويخلفك على المنبر في وعظ الجماعات - فنحن في أيام قد أغطش فيها ليل الفتن، فعميت على الناس الطريق، وعصفت بقلوب كثير منهم عاصفات انحراف وأعاصير ضلال.
سر ياصديقي على الدرب الذي أحببت، وإني لأسأله تعالى صادقا أن يهب لك الذرية على الصورة المرجوة التي رسمت، فيكون فيهم الطيب الحاذق الذي يعالج المرضى وقد جعل همه الأول ابتغاء مرضاة الله وثواب الآخرة، لا زهرة الدنيا ولا زينة الحياة، قد اتخذ له عيادة في وطن من أوطان المسلمين، لا يطير إلى بلد من بلاد أوروبا وراء فتاة جميلة لعوب قد ملكت حبه، ولا إلى بلد من بلاد أمريكا طمعا في ثروة واسعة تملأ جيبه. ويكون فيهم الجندي الشجاع الذي يخوض غمرات الحرب إعلاء لكلمة الله، أو دفاعا عن أرض يذكر فيها اسمه، لا أن يكون جندي زينة في عراض المواكب، أو شاكي سلاح تسيل على حده لهوات تنطق بالحق.
وتكون فيهم الفتاة المتعلمة المهذبة التي أكبر همها زوج صالح يكون لها منه رجال صالحون ونساء صالحات، ليست بعارضة أزياء في الغدوات والروحات، ولا بمبدية لحما غضا غريضا لجياع القطط عاى أرصفة الشوارع.
ويكون فيهم المهندس الواسع الخيال، ذاك الذي يحسن تخطيط الطرق الطويلة الآمنة على سفوح الجبال، والجسور المديدة القوية على بطون الأودية وضفاف الأنهار، والعمارات المتطاولة الجميلة في أحياء المدن الكبرى، لا أن يكون مهندسا بارعا في تخطيط طرق الفساد في قلوب العباد، وإقامة الجسور لعبور أفكار خبيثة باسم العلم والثقافة، وبناء الخلايا الخبيئة المدمرة لصروح مجتمعات سليمة وعمائر خير وصلاح.
وأسأله تعالى أن يكون لأولادك جميعا نصيب من وقتك وجهدك وتوجيهك، وأن يكونوا جميعا تحت سمعك وبصرك، تراقبهم من قرب ومن بعد، وتنصح لهم بالقدوة وبالقول، ولا تتلمس المعاذير الواهية بكثرة الأعمال وضيق المجال وإرهاق الجسد، فتكون كمن يلقي البذور في الأرض حتى إذا خرج الزرع واستغلظ واستوى على سوقه، تركه مهبطا لطيور وافدة غريبة تغزوه، ومسرحا لديدان أوحال وحشرات تراب ترتع فيه.
وفي نهاية هذه الرسالة أسأل الله في أولادك أن يكونوا لك لا أن يكونوا عليك، أن يكونوا شبابك وقد أفنيت فيهم الشباب، أن يكونوا ثروتك وقد أنفقت عليهم ما جمعته من ثروة، أن يكونوا ثمرا يانعا وقد زرعت وسقيت وقلمت وحرست، أن يكونوا ظلا وارفا رطبا إذا هبت عليك سموم الحياة، أن يكونوا في عداد المسلمين حقا إذا عد المسلمون الصادقون فوق هذه الأرض.
ويا لهف نفسي، ويا لهف نفسك! ويا ضيعة مالك وجهدك! إن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وعاشوا أرقاء لشرق أو لغرب، واتبعوا أهواءهم، وكان أمرهم فرطا.
سر ياصديقي على الدرب الذي أحببت، ودعني أسير على الدرب الذي أحب، وأرجو أن لا تجد في نفسك حرجا مما قضى الله.
أول معهد في الإسلام
لفضيلة الدكتور: محمد محمد خليفة
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
ماجت دور يثرب وقصورها وآطامها بأحاديث الإسلام بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، وكانت من قبل مسرحا للوثنية واليهودية، ثم دخل الإسلام دورها، وسرت أصوله وتعاليمه بين مجتمعاتها، فأصبحت المدينة بين لهج بالإسلام، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم مترقب إشراقه عليها متحمس لدعوته، وبين خائف تنتفض أحاسيسه خوفا على سلطانه أو دنيا جاهه أو ماله، وبين سائل عن دعوة الدين الجديد متقص ألوان الأذى التي يواجهها أصحابه من أقوامهم. وكلما ألقى الرجال بينهم صحابي أحدق المسلمون به يسمعون منه ما أوحاه الله إلى رسوله أو ما حدث به أو ما لقي أصحابه من ضروب النكال، أو ما يلقى الرسول من كيد من أنكروا إنسانيتهم فخروا سجدا لآلهة نحتتها من الصخر أيدي صناع الآلهة.
ووقف اليهود عن كثب يستنبئون أو يصيخون إلى ما تتناقله الألسنة مما يدور حول محمد ورسالة محمد {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه} (البقرة: من الآية89)
وتطلع الوثنيون الحيارى من الأوس والخزرج وغيرهم إلى فجر من اليقين يبدد ما ضربته عليهم ظلمات الحيرة، ويأخذ بأيديهم من متاهات الشكوك.
بكل هذا أفعمت خواطر اليثربيين على اختلاف أديانهم حتى أذن الله لرسوله بالهجرة فلم يكد يستقر مقامه في يثرب حتى أسس أول مسجد في الإسلام تطهر في محرابه الأرواح حين تصل دنياها بصانع الأرواح، وفي هذا المسجد وضعت خطوط الدولة الجديدة في الإدارة والسياسة والحكم والاقتصاد، وفيه انعقدت مجالس الشورى، واستقبلت الوفود من القبائل والملوك، وأعلنت فيه التعبئة لقتال أعداء الإسلام، وعقدت في حرمه الألوية، ووجهت الوصايا للقادة.
وإلى جانب كل هذا أقيم فيه أول معهد عرفه الإسلام يعمل فيه وحي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم على تهذيب النفوس وتربية العقول، وتنظيم المجتمع الجديد على ضوء الدين الجديد الذي صنع للوجود أمة هي {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: من الآية110) .
وقد تلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه في هذا المعهد ما أوحى الله من قرآن فكتبه من كتب، وحفظه من حفظ، وتساءل عن بعض آياته من تساءل حين اختلفت الأفهام أو تعايت عن إدراك ما تحمل الكلمات أو ما تهدف إليه الآيات، فكان عند صاحب الإلهام جواب.
وعاشت العقول والأسماع والأبصار والأرواح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع بيانه وما يتدفق فيه من جوامع الكلم، ومع إرشاده البصير الذي يأخذ بأيدي الضاربين في ظلمات الشكوك إلى صبح الحق ونور اليقين، ومع حركاته وإشاراته وما تحمل أساريره من انطباعات في رضاه وغضبه، ومع عظاته التي تربط القانتين الخاشعين بربهم في صلاتهم بل في حياتهم، وكأنما ربطتهم العظات التي أحكم نسجها إيمان الواعظ الأكبر، وأوثقت أرواحهم بالله فهم مع الله أبدا {إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (المجادلة: من الآية7) ولم تتقيد الدراسة في هذا المعهد بمنهج ولا بزمن، وإنما كان قوام الدراسة فيه العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب: العقيدة الواضحة والشريعة التي ترسم للمجتمع طريقه، وتحدد له معالم الحياة الصحيحة التي يريدها الله لخير الإنسانية والأمة، الأخلاق التي تحدد سلوك الفرد والمجتمع، والآداب التي تصون النفوس من التردي - وواجهت الداعي الأول إلى وحدانية الله - وثنية اتخذت الأرباب من الصخر وقال عبادها:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} (الزمر: من الآية3) فاتخذوا من الحجر الأصم وسيلة تقربهم إلى الله، وحين دعتهم الإنسانية العاقلة إلى عبادة الله دون وسيلة تحدوا دعوته.
كما واجه اليهودية المنحرفة التي ترى عزيرا ابن الله، والنصرانية التي ترى المسيح ابن الله {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} (مريم: من الآية35) {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً} (الجن:3) .
وعانى الرسول صلى الله عليه وسلم ما عانى في حرب الضلال حتى وطد أركان العقيدة الحقة في قلوب المسلمين، ثم انطلق طلاب المعهد الأول في الآفاق دعاة لا تثنيهم عن دعوتهم قوة ولا تفتر لهم همة، وكانت الشريعة الإسلامية المادة الثانية التي عني بدراستها في هذا المعهد يستنبطها الفقيه الأول من كتاب الله فرضا أو حدا أو وصية أو أمرا أو نهيا أو توجيها، فكانت الشريعة الإسلامية التي أوحى الله قواعدها وبنيانها هي خير شريعة بنت وحمت الكيان الإسلامي، وربطت بين مجتمعاته على تنائي أوطانهم وتباين أفكارهم، وكان المعلم الأول قدوة لطلابه في سلوكه وخلقه الذي امتدحه به ربه في قوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) ، وقد حملت أخلاقه المسلمين على الاقتداء به في زهده وصبره وجوده وتسامحه، واجتمعت فيه كل فضائل الخير، فكان أزهد الناس في متاع الدنيا، وكان أصبرهم على المكاره، وكان في جوده الريح المرسلة، وكان سمحا لا يغضب إلا حين تمس حرمات الله.
وقد ربى أمته على آداب الإسلام، فبنى بها أمة عنت لآدابها حياة القياصرة، وخشعت تيجان الأكاسرة، وكان أهل المدينة جميعا طلابا في المعهد يطلبون في علم المعلم الأول وعمله ما ينقي نفوسهم من رواسب الجاهلية الأولى، وما ينقي عقولهم من زيف الضلال وما يفقههم في الحياة.
ثم كان أبناء المدينة ومن هاجروا إليهم من آفاق الجزيرة من بعده روافد انطلقت في الآفاق تروي عطاش العقول وتزودهم بخير الزاد وزاد الخير.
ولم يقيد الانتساب إلى هذا المعهد بسن ولا بجنس، فقد تلاقى في حلقاته المكتهلون والشباب والغلمان والنساء والعذارى، وسمعوا جميعا من المعلم الأول وأخذوا عنه واستفتوه، وقيدت عقولهم كل آبدة، ولم تفر من أذهانهم شاردة، أخذوا الكثير وفقهوا الكثير، ثم حملوا عن المعلم الأول شريعة الله إلى العالم، فقضوا بها بين الناس أحكاما وفتاوى عاشت على الأحقاب مرجعا يفيء إليه طلاب الحق حين تختلف أفهامهم وأفكارهم. ولقد تطلعت الأقطار في فجر الإسلام إلى طلاب معهد الرسول فأخذ طلاب الخير والشرع عنهم ما أخذوا، ونهلوا مما أفاء الله على علماء المدينة ما نهلوا، وخرجت من المدينة أجيال حملت إلى العالم الإسلامي خير شريعة عرفها الوجود، فكم كان فيها من هداة! وكم انطلق منها من دعاة! وكم تربى في رحابها من أئمة!.
فهل آن لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعود إليها مكانها العلمي فيرى العالم الإسلامي أفواجا من المتخرجين في جامعتها الإسلامية تحمل إلى العالم رسالة الإسلام عقيدة خالية من الشوائب، وشريعة حاكمة قوامها كتاب الله وسنة رسول الله، تنطق بها أفواج المبعوثين كما انطلق بها علماء هذه المدينة في فجر الإسلام.
وهل آن للوافدين من الأقطار الإسلامية إلى هذه الجامعة أن يتزودوا من الثقافة الإسلامية زادا يملأ عقولهم وأرواحهم قبل أن يعودوا إلى أقوامهم ليأخذوا بأيديهم إلى طريق الحق، ولينتشلوهم من الحبائل التي نصبتها الصليبية أو الإلحادية؟.
وهل آن لهذه الجامعة الإسلامية الفتية أن تحمل عن كهولة الأزهر الأعباء التي حملتها كواهله عشرة قرون؟.
وهل آن لهذه الجامعة الإسلامية أن تعيد إلى الإسلام مكانة أول معهد في الإسلام؟.
عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي المالكي
حول الكوثري والدحلان
بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي
خريج كلية الشريعة بالجامعة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد؛ فقد وقعت في يدي رسالة صغيرة بعنوان "إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية"(للأستاذ الدكتور محمد حسن بن السيد علوي المالكي الحسني) المدرس بالمسجد الحرام، وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وقد طبعت في عام 1387هـ 1967م بدمشق الشام، وهي عبارة عن تراجم الرجال الذين تتلمذ عليهم والده السيد علوي بن عباس رحمه الله تعالى، أو كانت له بهم صلة علمية، وقد بلغ عددهم أربعة وستين رجلا، ولم أعرف منهم إلا الاثنين وهما:
الشيخ محمد زاهد الكوثري.
الشيخ أحمد زيني دحلان.
وقد أثنى عليهما الدكتور محمد ثناء جميلا، ووصفهما بالأمانة في العلم والبصيرة، والنقد والتحرير والسعي المشكور في نشر العلم وغير ذلك من الأمور الطيبة، والواقع هو بالعكس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فحررت هذه الملاحظات حول كتابته بيانا للحق، وأداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة أمام الله جل وعلا مع احترامي للأخ الأستاذ محمد المالكي.
قال الأستاذ الدكتور محمد في حق الأستاذ الكوثري: "العلامة السيد محمد بن زاهد بن العلامة حسن الحلمي بن علي الكوثري المتوفى بمصر سنة 1371هـ المولود سنة1296هـ. المحدث الشهير، الإمام، الناقد، البصير، حجة لا يبارى في علم الرجال، بارع في الحديث ورجاله، ماهر في علم الكلام، أديب في النقاش والجدال، مجاهد بقلمه ولسانه في بلاده تركيا وفي مصر. مؤلفاته التي سار بها الركبان، وتحدث عنها الأعيان دليل عظيم واضح على علو كتب هذا الإمام، ورسوخ قدميه، وطول باعه في العلوم مع تحقيق وتدقيق وتحبير وتحرير، وله المقالات الكبرى، والمؤلفات العديدة رحمه الله رحمة واسعة"[1] انتهى.
قلت: قال الله في كتابه الكريم في سورة البقرة مخاطبا اليهود عليهم لعائن الله تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [2] وقال أيضا جل وعلا في سورة آل عمران: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [3] والآيتان الأخريان أشار إليها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن فقال: "إن الناس يقولون: أكثر أبوهريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم تلا هاتين الآيتين"[4] .
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ} [5](البقرة:159) .
فأقول أنا أيضا: والله لولا هذه الآيات الكريمات والأخرى في معناها، وكذا الأحاديث النبوية في هذا المعنى لما تعرضت لما كتبه الدكتور محمد العلوي في رسالته آنفة الذكر. وهذه الآيات نص صريح في وجوب بيان العلم، وعدم كتمانه عن الناس، خصوصا في هذه الأمور التي يلتبس فيها الحق بالباطل. ولقد ترك الرجلان - أعني الكوثري والدحلان - من المؤلفات التي أشرتم إليها بقولكم "سار بها الركبان وتحدث عنها الأعيان"وفيها من الكفر والإلحاد والشر والطعن في أئمة السنة النبوية ما لا يعلم ضررها إلا الله جل وعلا على الأمة الإسلامية وعلى جميع الناس. أردت أن أقول كلمة الحق التي أعلمها في حق هذين الرجلين اللذين أطلقت عليهما من الأوصاف البراقة، وهما في بعد بمكان وأنت على كل حال مأجور إن شاء الله تعالى إن كنت لا تعلم عن حالهما وحقيقتهما، وأنا سوف أضع أمامك وأمام من لا يعلم حالهما هذه الحقائق العلمية الثابتة ناقلا عن كتبهما ومؤلفاتهما التي مجدتموها ثم الرد عليها بما يناسب. ثم أنت حري أخي الفاضل الكريم بما أنعم الله تعالى عليك من مكانة علمية في حرمة المقدس في الظاهر بالرجوع إلى الحق، أو تثبت لنا أنهما رجعا عن تلك العقيدة الفاسدة التي كانا عليها، ودعيا لها.
قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في المقالات الكبرى التي أشرتم إليها في ترجمته قال: تحت عنوان "بدعة الصوتية حول القرآن"ثم قال: "والواقع أن القرآن في اللوح، وفي لسان جبريل عليه الصلاة والسلام، وفي لسان النبي صلى الله عليه وسلم وألسنة سائر التالين، وقلوبهم، وألواحهم، مخلوق حادث محدث ضرورة، ومن ينكر ذلك يكون مسفسطا ساقطا من مرتبة الخطاب"[6] ثم قال بعد كلام طويل: "وبهذا نتبين شهادة ابن تيمية في حق العلماء، وليس عنده سوى ألفاظ مرصوصة، لا إفادة تحتها في بحوثه الشاذة كلها. وغير المفيد لا يعد كلاما ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث"[7] .
قلت: حاصل كلام الكوثري أن هذا القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين مهما كانت صفته فهو مخلوق عنده، وأنه لا يثق ببحوث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فإذا كانت بحوث شيخ الإسلام عليه رحمة الله شاذة في نظره ولذا لا أحب أن أنقل له من كلامه شيئا من كتبه ومؤلفاته التي سوف يأتي الوصف الدقيق عنها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإنما سأنقل له شفاء لمرضه ومرض أتباعه عن مؤلفات الأئمة من السلف الذين مضت بينهم وبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى جميعا مئات السنين.
فمثلا هذا الإمام العلامة أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى 280هـ والذي لا تخفى منزلته العلمية على أحد ممن ينتسب إلى العلم قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: "الحافظ، الإمام الحجة محدث هراة أو تلك البلاد، أخذ الحديث عن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وأكثر الترحال في طلب الحديث"[8] يقول في كتابه البارع الفذ الرد على الجهمية باب الاحتجاج للقرآن أنه غير مخلوق ثم قال رحمه الله تعالى: "فمن ذلك ما أخبر الله تعالى في كتابه عن زعيم هؤلاء الأكبر وإمامهم الأكفر الذي ادعى أولا أنه مخلوق وهو الوحيد، واسمه الوليد بن المغيرة، فأخبر الله تعالى عن الكافر ودعواه، وردها ووعده بالنار أن ادعى أن قول الله قول البشر وقوله {إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ} (المدثر:25) وقول الجهمية هو مخلوق واحد لا فرق بينهما فبئس التابع وبئس المتبوع، وقال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} (المدثر:11) إلى قوله: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر:22-26) "
يعني أنه ليس بقول البشر كما ادعى الوليد، ولكنه قول الله تعالى، ثم ساق الأحاديث بأسانيدها، وهي نص صريح على أن القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به جل وعلا حقا وحقيقة، ثم قال رحمه الله تعالى:"فهذا ينبئك أنه نفس كلام الله تعالى، وأنه غير مخلوق، لأن الله لم يخلق كلاما إلا على لسان مخلوق، فلو كان القرآن مخلوقا كما يزعم هؤلاء المعطلون لكان إذا من كلام المخلوقين"[9] .
وقال الحافظ الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي في كتابه البارع العظيم شرح السنن المتوفى في بدينور سنة 418هـ تحت عنوان سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية لحفظها قرنا بعد قرن، ثم قال:"اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رضي الله تعالى عنه"، ثم قال رحمه الله تعالى:"أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس [10] قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان [11] . قال حدثنا علي بن حرب الموصلي [12] بسر من رأى سنة سبع وخمسين ومائتين، قال: سمعت شعيب بن حرب [13] يقول: "قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري [14] حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى، وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤخذ أنت. فقال لي: يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد؟ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"؛ ثم ذكر بقية العقيد بتمامها [15] . نقل الإمام العلامة الذهبي في تذكرة الحفاظ هذا الكلام بنصه في ترجمة سفيان بن سعيد الثوري ثم قال:"وهذا ثابت عن سفيان كما قال الحافظ اللالكائي في كتاب السنة"[16] . وقال الإمام العلامة بقية السلف الصالح، إمام المحدثين
في عصره الحافظ الجليل أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في كتابه الأسماء والصفات،:"باب ما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم أن القرآن كلام لله غير مخلوق، ثم ساق إسناده إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الله قال: "إن أبابكر رضي الله تعالى عنه قادل قوما من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس، فغلبت الروم فارس فقرأها عليهم، فقالوا: كلامك هذا! أم كلام صاحبك، فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله عز وجل"، ثم قال الإمام البيهقي: "تابعه محمد بن يحيى الذهلي عن شريح ابن النعمان، إلا أنه قال: فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة: هذا مما أتى به صاحبك؟ قال لا: ولكنه كلام الله وقوله"، ثم قال: "وهذا إسناد صحيح". وهكذا نقل الإمام البيهقي هذا المعنى بأسانيده عن جملة كبيرة من الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى، ثم قال: "وعن عامر بن شهر قال: كنت عند النجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحكت، فقال النجاشي: أتضحك من كلام الله عز وجل؟ "وهكذا نقل بمثل هذه القصة عن خباب الأرث رضي الله تعالى عنه. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "إن القرآن كلام الله تعالى، فمن كذب على القرآن فإنما كذب على الله عز وجل". وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:"قرآنا عربيا غير ذي عوج: قال: غير مخلوق"[17] وقد أطال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى الكلام، وانتقل في هذا الباب عن أئمة السلف من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم رحمهم الله تعالى جميعا. وقال الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الحنفي المتوفى سنة320هـ في عقيدته "إن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد
كفر، وقد ذمه الله تعالى وعابه، وواعده بالسقر، حيث قال جل وعلا:{سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر:26) فلما أوعد بسقر لمن قال {إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ} (المدثر:25) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبهه قول البشر" [18] وعقد الإمام أبو داوود السجستاني في كتابه السنن بابا مهما عظيما فقال:"باب في القرآن"، ثم ساق بأسانيده ستة أحاديث وهي نص صريح على أن القرآن غير مخلوق ثم قال الإمام أبو داوود في نهاية هذه الأحاديث:"وهذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق"[19] .
ولقد جاد وأفاد العلامة الشيخ شرف الحق شارح السنن في الكلام على هذه الأحاديث، وفند دعوى الجهمية وأبطلها. وهكذا صنع الإمام العلامة ناصر السنة، وقامع البدعة الشيخ أبو محمد حسين بن مسعود البغوي في كتابه العظيم النافع شرح السنة، فوضع بابا مهما بعنوان باب الرد على من قال بخلق القرآن، ثم ساق تحته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والآثار الموقوفة والمقطوعة، ثم قال رحمه الله تعالى:"وقد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة، وبدعة لم يتكلم بها أحد في عهد الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى، وخالف الجماعة الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري، قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: "سمعت مشائخنا منذ سبعين سنة يقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق". وعن جعفر بن محمد الصادق أنه سئل عن القرآن فقال: "أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله". قال يحيى بن خلف المقرئ:"كنت جالسا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق فقال: عندي كافر فاقتلوه". وعن ابن المبارك وليث بن سعد وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وعلي بن عاصم، وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح مثله. قيل لعبد الرحمن بن مهدي:"إن الجهمية يقولون إن القرآن مخلوق فقال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى. وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم"[20] . وقال الإمام العلامة الشيخ أبوبكر محمد بن حسين الآجري التلميذ الرشيد للإمام أبي داوود السجستاني في كتابه العظيم "الشريعة": "القرآن كلام الله عز وجل، وأن كلامه جل وعلا ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر"، ثم قال رحمه الله تعالى: "اعلموا رحمنا الله تعالى
وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديما وحديثا، أن القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله تعالى عز وجل، وعلمه لا يكون مخلوقا تعالى عز وجل عن ذلك، دل على ذلك الكتاب والسنة، وقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقول أئمة المسلمين رحمة الله عليهم، ولا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمية عند العلماء كفرة".
ثم بدأ بإيراد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة فأجاد وأفاد رحمه الله رحمة واسعة [21] . وقال الإمام أبو داوود السجستاني صاحب السنن في كتابه الفذ المبارك "مسائل الإمام أحمد"تحت باب في الجهمية: "أخبرنا أبوبكر قال أبو داوود: سمعت أحمد قال: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي أيام صنع بشر المريس ما صنع يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه" [22] . وقال الإمام الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح في كتابه العظيم كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب
…
باب ذكر البيان من كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الفرق بين كلام الله عز وجل الذي به يكون خلقه، وبين خلقه الذي يكون بكلامه وقوله، والدليل على نبذ قول الجهمية الذين يزعمون أن كلام الله مخلوق، جل ربنا وعز عن ذلك؛ ثم ساق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذلك، ثم قال رحمه الله تعالى:"فاسمع الآن الأخبار الثابتة الصحيحة بنقل العدل عن العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن كلمات ربنا ليست بمخلوقة على ما زعمت المعطلة الجهمية، عليهم لعائن الله". وبعد سياقه الروايات الكثيرة قال: "أفليس العلم محيطا - يا ذوي الحجا - أنه غير جائز أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه، هل سمعت عالما يجيز أن يقول: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله، أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ
بعرفات ومنى من شر ما خلق الله، هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه"ثم قال:"ولذكر القرآن أنه غير مخلوق مسألة طويلة تأتي في موضعها من هذا الكتاب إن وفق الله ذلك لإملائها"[23] . قلت: وقد ألف الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل كتابا عظيما جليلا وسماه السنة، وقد طبع لأول مرة على نفقة جلالة الإمام المغفور له - إن شاء الله - عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود المعظم، وهو جدير بهذا الشأن الخطير. فهذه بعض النقول عن أئمة السلف رحمهم الله تعالى نصت على أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة وليس بمخلوق، ومن يذهب خلاف هذا المذهب فهو كافر عندهم كما جاء عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وعن غيره من أئمة الإسلام السابقين، ولا أزيد على هذه النقول إلا كلمة واحدة وهي: أشهد الله تعالى على أنها حق وصدق ودين أدين الله بها فأقول- وإن كنت لست ممن يعتمد على كلامه -: إن القائل بخلق القرآن كافر مرتد حلال الدم والمال، يفرق بينه وبين زوجته المسلمة.
وأما قول الشيخ الكوثري في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وفي بحوثه كما مر بكم آنفا من كلامه فأقول: ليس هذا أول سهام مسمومة توجه إلى حامل لواء السنة النبوية، وقد سبق الكوثري في هذا الشيخ الهيتمي المكي في كتبه ورسائله التي وصفها العلامة الإمام أبي المعالي محمود شكري الألوسي في كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني بقوله:"وأما كتب ابن حجر "المكي"التي فرح بها الزائغ، فإنها لا تصلح عند من له بصيرة ونظر لغير العطار والإسكاف، فهي إما مزاود للعقاقير، وإما بطائن للخفاف، حيث إنها قشور لا لب فيها، وهكذا كتب السبكي وابنه"[24] . قلت: وهكذا بعض كتب أحمد زيني دحلان ومحمد زاهد الكوثري.
وقال عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن كتب الشيخ بحمد الله محفوظة عند أهلها من أهل الحديث، وناصري السنة، وأتباع الإمام أحمد نضر الله وجهه في الهند وبلاد نجد ومصر والشام والعراق، وهذه هي الكتب التي لا نظير لها، وإنها مما يتنافس بها المتنافسون، فليت شعري أي كتاب فقد منها ولم يوجد منه نسخ كثيرة، وليت هذا الزائغ راجع دفاتر خزائن دار السلطنة المحروسة، ودفاتر خزائن كتب مصر الخديوية وغيرها، وخزائن كتب الشام والعراق والهند وغير ذلك [25] . قلت: إن كلام الشيخ الكوثري في حق شيخ الإسلام ابن تيمية وفي حق بحوثه لا وجه له، بل هو دليل على جهله ويعقبه للباطل، واتباعه لهواه، وإن قوله هذا لا يصدر عن طفل مبتدئ في العلم، ولكن الله تعالى فضحه بسبب تطاوله على خير عالم في الزمان الأخير، ولم يلتفت إلى ما هو فيه من المسلك والحال الذي ينبغي أن يرثى له، وقد سبقه رجل آخر وهو زنديق واسمه محمد بن محمد العلاء البخاري، فقد ألف كتابا خبيثا وسماه "من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافرا"فرد عليه الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي ردا جليلا علميا سماه "الرد الوافر"وقد حققه الأستاذ الشيخ محمد زهير الشاويش، صاحب المكتب الإسلامي ببيروت ودمشق، وطبعه في عام 1393هـ وهو كتاب فريد في بابه، سلك فيه مؤلفه العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى مسلكا فريدا دافع فيه عن شيخ الإسلام "ابن تيمية"بطريقة بلغت الغاية في بيان فضل شيخ الإسلام، إذ جمع أسماء جمهرة كبيرة من العلماء الذين عاصروا "ابن تيمية"أو جاءوا بعده ولقبوه بـ "شيخ الإسلام"وترجم لكل واحد منهم ترجمة وافية جمع فيها فضائله، ومؤلفاته، وشيئا من سيرته، بحيث أصبحت تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الكتاب من أفضل ما ترجم لهم به، ولقد شاهدت عرضا لهذا الكتاب المبارك في بعض أعداد جريدة الدعوة الإسلامية التي تصدر بمدينة الرياض،
ويقول العلامة ابن ناصر الدين في كتابه هذا تحت عنوان وسبب تأليف الكتاب: "وجمهور النقاد، وأئمة السنة أهل الإسناد، كلامهم منقسم في الجرح والتعديل إلى قوي ومتوسط، وكلام فيه تسهيل وفي عصرنا هذا الذي قل فيه من يدري هذا الفن، أو يرويه، أو يحقق تراجم من رأى من أهل مصره، فضلا عمن لم يره، أو مات قبل عصره، قد نطق فيه من لا خبرة له بتراجم الرجال، ولا عبرة له فيما تقلده من سوء المقال، ولا فكرة له فيما تطرق به إلى تكفير خلق من الأعلام بأن قال: من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافرا لا تصح الصلاة وراءه"وهذا القول الشنيع الذي نرجو من الله العظيم أن يعجل لقائله جزاءه، قد أبان قدر قائله في الفهم، وأفصح عن مبلغه من العلم، وكشف عن حمله من الهوى، ووصف كيف اتباعه لسبيل الهدى ولا يرد بأكثر من روايته عنه ونسبته إليه، فكلام الإنسان عنوان عقله، يدل عليه، أما علم هذا القائل أن لفظة "شيخ الإسلام"تحتمل وجوها من معاني الكلام" [26] وقال الإمام العلامة الذهبي في حق شيخ الإسلام ابن تيمية:"الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد، المفسر البارع شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن مفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم الحراني، أحد الأعلام، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، ثم ذكر عمن أخذ ثم قال: "وعني بالحديث، ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ وخرج، وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك. وكان من بحور العلم من الأذكياء المعدودين والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاث مائة مجلد" [27] . قلت: اللهم إلا الكوثري والسبكي وابنه، والدحلان تكلموا فيه حسدا وعدوانا، وبغضا فأنت حسيبهم.
وأما الحديث الذي زعم الكوثري عدم صحته، وهو حديث نسبة الصوت إلى الله تعالى، فإذا كان الرجل ينكر أن يكون هذا القرآن هو كلام الله تعالى ووحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه مخلوق، فكيف بهذا الحديث المبارك الذي صح عند جماهير أهل الحديث؛ منهم الحافظ الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى وإن كان ليس على شرطه في الجامع الصحيح، فقد أورده رحمه الله في جامعه معلقا في موضعين في كتاب العلم، وفي كتاب التوحيد، وأخرجه بإسناده في كتاب الأدب المفرد، وأخرجه أيضا الإمامان الجليلان أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وأخرجه أيضا الحافظ تمام الرازي في فوائده، وأخرجه أيضا الإمام ابن أبي عاصم النبيل "أحمد بن عمرو"في كتاب العلم، والحافظ الإمام الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وأخرجه أيضا الإمام نصر المقدس في كتابه الحجة، والخطيب البغدادي في رسالته الرحلة في طلب الحديث؛ كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن جابر رضي الله تعالى عنه، وهذا نصه: عن جابر عن عبد الله بن أنس رضي الله تعالى عنهما قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر العباد يوم القيامة عراة، غرلا، بُهْمًا" قال قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد، أنا الملك، أنا الديان." ثم ذكر الحديث بطوله، وتكلم عليه الحافظ في الفتح في الموضعين [28] ، وعبد الله بن محمد بن عقيل وإن كان اختلف في الاحتجاج بأحاديثه كما حكى ذلك الحافظ في الفتح، إلا أنه توبع بمتابعة تامة، تابعه محمد بن المنكدر، عن جابر وهو في مسند الشاميين للإمام أبي القاسم الطبراني [29] .
وله طريق ثالث أخرجها الخطيب البغدادي في طلب الحديث من طريق أبي الجارود العبسي، وصحح الحافظ ابن حجر هذا الحديث بقوله في الفتح بعد أن قال:"وأصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق، ولكن تمنع القياس المذكور، صفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوقين، وإذا ثبت الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به". قلت: ومن هنا كانت دعوى الشيخ الكوثري كاذبة المائة في المائة، أو مجازفة قبيحة، وقد جمع العلامة أبو الحسن بن الفضل جزءا مهما في أحاديث الصوت، أشار إليها الحافظ في الفتح، فلو وجدت لكانت قاصمة الظهر للمنكر؛ وأما قول الحافظ:"إذ الصوت قد يكون من غير مخارج"فنعم فهو صحيح. قال الله تعالى في محكم كتابه في حق السماء والأرض: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [30] فهذا خطابه جل وعلا للسماء والأرض، وأمره لهما وهما مخلوقان جامدان لا مخارج لها في الحس، مع أنهما أجابا ربهما بقولهما {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فإذا كان المخلوق الجامد يسمع منه الصوت بدون مخارج معهودة، فكيف الخالق جل جلاله، وبهذا المعنى ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه سمع صوت الجذع، أي جذع النخلة عندما فارقها إلى المنبر الخشبي الذي صنع له صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر، وتحول إليه حن عليه، فأتاه فاحتضنه فسكن. قال:"ولو لم أحتضنه لحن إلي يوم القيامة." والحديث أخرجه البخاري والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بألفاظ متغايرة [31] . وقال الحافظ في الفتح: "وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي،
عن أبيه، عن عمرو ابن سواد، عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك" [32] . قلت: وبهذا عرف أن المخلوق الجامد قد يصدر منه الصوت بدون مخارج معهودة، فكيف الإنكار في حق الخالق! وللشيخ محمد العربي التباني المالكي رسالة قيمة سماها تبنية الباحث السري عما في مقالات الكوثري، فعليك أن تطالع هذه الرسالة حتى تقف على حقيقة ناصعة من أمر هذا الرجل الذي وصفته بالبراعة في فن الحديث ورجاله.
وأما ما قام به الشيخ الكوثري كتابه في "التأنيب" من مغالطات فاحشة قبيحة، وخيانة علمية كبرى لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلم، فانظر بدقة فائقة، ونظرة فاحصة فيما رد عليه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه الفذ البارع "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"وأنا سوف أنقل لك من الكتاب المذكور مثالا واحدا حتى تكون على بصيرة تامة مما أطلقت في حقه من عبارات طويلة عريضة من إمامة في العلم، وبصارة في النقد والتحرير، وبراعة في الحديث ورجاله وهو لا يستحق شيئا من ذلك إلا إذا قلنا:"إنه كان مع سعة اطلاعه وعلمه كذوبا خائنا متعصبا لما يذهب إليه من إنكار صفات الباري جل وعلا، وطاعنا في أئمة السنة وحماتها وحفاظها - كما سوف يأت - فقد أضله الله على علم"فهذا لا بأس به. وقد كشفه العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في "التنكيل"إذ قال رحمه الله تعالى في مقدمة التنكيل: "فرأيت الأستاذ قد تعدى ما لا يوافقه أهل العلم من توقير أبي حنيفة، وحسن الذب عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبت من المغالطات المضادة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونقلتها، حتى تناول بعض أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة ،مالكا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نقلته، ورد الأحاديث الصحيحة الثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، فأساء في ذلك جدا حتى إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى"[33] . ثم قال العلامة المعلمي: "وطعن الكوثري في الأئمة الرواة وهم نحو ثلاثمائة، وفيهم أنس بن مالك رضي الله عنه، فمن أوابده تبديل الرواة، يتكلم في الأسانيد التي يسوقها الخطيب طاعنا في رجالها واحدا واحدا، فيمر به الرجل الثقة الذي لا يجد فيه طعنا مقبولا، فيفتش الأستاذ عن رجل آخر يوافق ذلك الثقة في الاسم واسم الأب ويكون مقدوحا فيه، فإذا ظفر به زعم أنه هو الذي في السند". ثم أورد العلامة المعلمي على ذلك
أمثلة كثيرة جدا، وبذلك ظهرت براعة الكوثري في الحديث ورجاله بالمعنى الذي ذكره العلامة المعلمي، وإليك المثال المذكور آنفا. قال في طليعة التنكيل (1-2) :"صالح بن أحمد ومحمد بن أيوب. قال الخطيب في تاريخ بغداد: "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ، حدثنا القاسم بن أبي صالح، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: سمعت سفيان بن عيينة
…
"قال العلامة المعلمي: "تكلم الأستاذ في هذه الرواية في ص97 من التأنيب فقال: "في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مقاتل القيراطي هروي الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان أنه كان يسرق الحديث
…
والقاسم بن أبي صالح الحذاء ذهبت كتبه بعد الفتنة، فكان يقرأ عن كتب الناس، وكف بصره كما قاله العراقي، ونقله ابن حجر في لسان الميزان، ومحمد بن أيوب ابن هشام الرازي كذبه أبو حاتم، ولا أدري كيف يسوق الخطيب مثل ذلك الخبر بمثل السند المذكور، لعل الله سبحانه وتعالى طمس بصيرته ليفضحه فيما يدعي أنه المحفوظ عند النقلة بخذلانه المكشوف في كل خطوة" [34] قلت: فقد ظهر أدبه في النقاش والجدال، وننظر الآن من الذي خذله الله تعالى وهتك ستره، وفضحه، وطمس بصيرته ووسمه بعار الخيانة العظمى؟ قال العلامة عبد الرحمن المعلمي ذاكرا عدة أمور إسنادية لا تخفى على أحد من طلبة العلم، وهي قوية اعتمد عليها، واطلع بها على خيانة كبيرة ارتكبها الأستاذ الكوثري في ترجمة صالح بن أحمد المذكور الذي بدله الكوثري برجل آخر وهو: صالح بن أحمد التميمي الحافظ الهمذاني الثقة الثبت"، ثم قال أخيرا رحمه الله تعالى: "المقصود هنا إثبات أن الكوثري قد عرف يقينا أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس هو بالقيراطي، بل هو ذاك الحافظ الفهم الثقة الثبت، ولكن الكوثري كان مضطرا إلى الطعن في تلك الرواية ولم يجد في ذاك الحافظ مغمزا، ووقعت بيده ترجمة القيراطي المطعون فيه، وعرف أن
هذا الفن أصبح في غاية الغربة، فغلب على ظنه أنه إذا زعم أن الواقع في السند هو القيراطي لا يرد عليه أحد، والله تعالى له معه حساب آخر والله المستعان". قلت: وهكذا صنع الأستاذ الكوثري في محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الإمام. ولا أريد أن أطول عليك في مثل هذا المقام، فقد تعدى الكوثري عن الوصف الدقيق فيه تعصبه وبغضه لأهل السنة، فإن كنت ذا فهم وبصر في فن الرجال، فعليك أن تدرس كتاب التنكيل كله من أوله إلى آخره حتى تطلع على الخبايا من الزوايا، والله ما أريد التشنيع بهذه الكتابة، وإنما القصد إن شاء الله تعالى بيان الحق من أمر الأستاذ الكوثري، وما آل إليه أمره، ومساعيه في رد السنة النبوية الصحيحة، وطعنه في أئمتها الأخيار الأبرار الذين حفظ الله بهم هذا الكيان المبارك.
وإليك أيها الأخ الفاضل هذا الكلام نقلا عن العلامة الشيخ المعلمي فيما يتعلق بجرأة الكوثري في غير الحق، قال رحمه الله تعالى في التنكيل:"ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري، والأوزاعي"قال:
…
فقال الأستاذ الكوثري في التأنيب ص72: "لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي، لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هوة الهوى والمجازفة، كما سقط مذهباهما لبعدهما سقوطا لا نهوض لها أمام الفقه الناضج، وقد ورد لا شئوم في الإسلام، وعلى مزمن أن الشئوم يوجد في غير الثلاث الوارد في السنة، وأن صاحبنا مشئوم فمن أين لها معرفة أنه في أعلى درجات المشئومين"؟.
أجاب العلامة المعلمي بكلام طويل أنقل منه ما يأتي: "شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك، ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر، فكان كما ظنا، هل كانت المحنة في زمان المأمون، والمعتصم، والواثق إلا على يدي أصحابكم؟ ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب قضاة مصر طرف من ذلك. وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأي ضرر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات؟ وأما سقوط مذهبيهما فخيرة اختارها الله تعالى لهما، فإن المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو من تقصير، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيرا من الناس منذ زمن طويل الذي يتعسر، أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، فقد يلحق المجتهد كفل تلك التبعات، فسلم الله تعالى الثوري والأوزاعي من ذلك، فأما ما يرجى من الأجر على الأتباع في الحق، فلهما من ذلك النصيب الأوفر مما نشراه من السنة علما وعملا، وهذه الأحاديث الواردة في الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية عن طريقهما، وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة الثوري: "قال لنا عبدان عن ابن المبارك، كنت إذا شئت رأيت سفيان مصليا، وإذا شئت رأيته محدثا في غامض الفقه" [35] . قلت: والأوزاعي لا تقل درجته العلمية عن أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري، فهو إمام أهل الشام وشيخ الإسلام. قال الإمام الذهبي:"ربي يتيما فقيرا في حجر أمه تعجز الملوك أن تؤدب أولادها أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباته عنه. قال الوليد بن مزيد: "ولا رأيته ضاحكا يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول ما ترى في المجلس قلب إلا وهو يبكي". قال إسماعيل بن عياش:"سمعتهم يقولون سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمة". وقال الخريبي: "كان الأوزاعي
أفضل أهل زمانه، وكان يصلح للخلافة". فقال أبو إسحاق الفزاري:"لو خيرت هذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي". قال بشر بن المنذر: "رأيت الأوزاعي كأنه عمي من الخشوع". وكان الوليد يقول: "ما رأيت أكثر اجتهادا في العبادة منه". وقال أبو مهر: "كان الأوزاعي يحيي الليل صلاة وقرآنا وبكاء". وقال محمد بن كثير المصيصي: "سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". قال الحاكم: "الأوزاعي إمام عصره عموما، وإمام أهل الشام خصوصا". قال الوليد: "سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأس الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم". قال عامر بن يساف: "سمعت الأوزاعي يقول: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فإياك أن تقول بغيره، فإنه كان مبلغا عن الله". قال أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي كان يقول: "خمسة كان عليها الصحابة والتابعون: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، والتلاوة، والجهاد"[36] .
قلت: ومن هنا كان تطاول الكوثري على الأوزاعي لدفاعه عن السنة النبوية والاستماتة في سبيلها. نقل الحافظ في التهذيب عن بقية بن الوليد قال: "إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة"[37] . وقد أطلت عليك أيها الأخ الفاضل فيما يتعلق بالشيخ الكوثري، وبقي معك حديث طويل فيما يتعلق بالأستاذ أحمد زيني دحلان الذي أفردت له ذكرا في رسالتك فقلت في حقه:"الفصل الثالث- المبحث الأول"، ثم قلت:"وذكر السيد أحمد دحلان، وعمن أخذ، واتصال الوالد به، وقد أفردته بالذكر دون غيره، لأنه مدار الرواية في الحجاز وغيره لهذا العصر، مع ترجمة موجزة جدا له: "فهو شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، وأحد مجددي هذا الدين الحنيف، وأساطينه، وباعث النهضة العلمية المتينة في الحجاز، العابد الزاهد الناسك، الإمام، الحجة، المشارك، السيد أحمد بن زيني دحلان المولود بمكة سنة 1231هـ، المتوفى بالمدينة سنة 1304هـ. تولى الافتاء بمكة واشتغل بالعلوم والتدريس، وقامت بجهوده في عصره نهضات علمية، فأنشئت أول مطبعة بمكة في أيامه واكن متوليا نظارتها، وقد تخرج على يده علماء أماثل، فهو أستاذ أمة، ومربي جيل، وله في كل العلوم باع طويل، وقدم راسخة، ومؤلف أو رسالة، ومن أهم مؤلفاته الفتوحات، وخلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام" [38] .
قلت: هكذا وصفت الرجل يا أخي فمجدته، ورفعت شأنه، ولعلك قد اطلعت على جميع مؤلفاته، أو على الأقل على أكثرها، ومنها: خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام، وهي من أهمها في نظركم كما أشرتم إليها، وتوجد منه نسخة في مكتبة الحرم المكي العامرة، يقول فيها الشيخ أحمد زيني دحلان بعد كلام طويل لا فائدة في نقله:"ثم أمر محمد بن سعود علماء مكة أن يدرسوا عقيدته التي ألفها محمد بن عبد الوهاب، وسماها كشف الشبهات، ووقع فيها شيء من الكفريات، فقرءوها ورأوا ما فيها من التلبيس الذي هو من وساوس إبليس، ولم يقدروا على الإنكار"[39] .
قلت: أهكذا الرجل الذي وصفته بشيخ الإسلام، ومفتي الأنام، وأحد مجددي هذا الدين الحنيف، وأساطينه في نظرك في غير ذلك من الألقاب الفارغة يعبر عما في كتاب كشف الشبهات مع وجازته، واختصاره من علم نافع عظيم جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، إن هذه العبارة القبيحة الصادرة من أحمد زيني دحلان في حق شيخ الإسلام، وناصر السنة الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى لدليل واضح على خباثة نفسية الرجل، وما تحمل من حقد وبغض وحسد نحو دعاة الحق والهدى، والله إنها رزية كل الرزية أن تطلع على كلامه هذا الخبيث القبيح ثم تصفه بما وصفته من ألقاب كاذبة فارغة لا تفيده بشيء إلا الاشتهار بدعوته النكرة الخبيثة إلى الإلحاد والكفر والزندقة والعياذ بالله، أهكذا الإسلام الصحيح الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أهذه دعوته صلى الله عليه وسلم من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، والتي دعا إليها أحمد زيني دحلان! ستقف بين يدي الجبار غدا، فاتق الله في نفسك إن كنت يا أخي فيما زين لك من أمور هذه الدنيا الفانية، والرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل، وقد تكون المناقشة هنا معك حادة بالنسبة لما مضى من الكلام، لأنك فيما يبدو لي أنك اطلعت على كتب الدحلان كلها أو جلها، وقد تكون أكثرها عندكم في البيت حتى أحطت بها علما، ثم حكمت على الدحلان عليه من الله ما يستحق بما حكمت بتلك الأوصاف الضخمة، أو قلدت أحدا ولا يخلو شأنك من أحد الأمرين، ولا أظن بك الأول، وإن كان الثاني فالمشكلة لا تزال قائمة، فهذا التقليد قد أعمى البصيرة وسد الطريق، وأغلق الباب، أي باب العلم، وما كان المسلمون الأوائل يطلقون العبارات الفارغة البراقة دون أن يكون هناك حقائق علمية ثابتة في الرجل، فيعتبر عملك هذا عملا شاذا مرتجلا مبنيا على الأوهام الخطيرة التي أحاطت بك من كل جانب، أطلعني في كتاب كشف الشبهات لشيخ الإسلام، ومجدد الملة المحمدية، وناصر السنة وقامع
البدعة، الإمام العلامة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى تلك الكفريات التي زعمها - ولعلك اطلعت على كلامه - أحمد زيني دحلان. وإليك فهرست كتاب كشف الشبهات:
1-
بيان إفراد الله بالعبادة. 2- الفرح بفضل الله. 3- بيان أن الطريق إلى الله لابد من أعداء. 4- الجواب المجمل. 5- الجواب المفصل. 6- الشبه الثلاث هي أكبر ما عند المشركين. 7- النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بإذن الله. 8- بيان عبادة الأصنام. 9- حكم من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجحد ركنا من أركان الإسلام. 10- شبهة أخرى للمشركين. 11- حكم الاستغاثة. 12- المسألة المهمة. انتهى الفهرست.
قال الله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [40] فارجع إلى تفسير هذه الآية الكريمة، وإلى سبب نزولها فسوف تجد إن شاء الله تعالى أن صاحبك أحمد زيني دحلان داخل في هذه الآية الكريمة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مذهب أهل الأصول، فعليك أيها الأخ الفاضل أن تدرس دراسة وافية حرة نزيهة لهذه الرسالة القيمة التي ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ثم الخروج منها بفوائد علمية إذا كنت ذا بصر وفهم، وطابق بما فيها من المعاني بالقرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وستجد إن شاء الله تعالى أمام كل مسألة دليلها من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ثم انظر مرة أخرى ما تفوه به الشيخ أحمد زيني دحلان في رسائله، وكتبه ضد الدعوة المحمدية وهي دعوة التوحيد الخالص التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والأحرى أن تحلل عبارات الرسالة "كشف الشبهات"تحليلا علميا، فقد حملت بحمد الله أعظم شهادة من جامعة الأزهر وهي العالمية - الدكتوراه - وسوف تجد إن شاء الله تعالى إن جردت نفسك بتوفيق المولى جل وعلا عن التعصب والتقليد، أن مضمون الرسالة المذكورة الأخذ عن معان الكتاب والسنة، وإجماع الأمة جميعا إلا الشاذ منهم، ولم يخرج شيخ الإسلام عن هذه الثلاث، وهذا كتاب التوحيد إذا نظرت فيه بنظرة علمية دقيقة، ستجد إن شاء الله تعالى أن الرجل العظيم عليه رحمة الله تعالى لسار فيه وسائر تواليفه المباركة سيرا مباركا كسائر المحدثين القدماء في الإسلام، يعقد بابا ثم يأتي بالآية القرآنية، ثم بالأحاديث النبوية تقوية للباب الذي عقده، وهكذا صنع رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ونور مرقده، وجعل الجنة مثواه في جميع تواليفه المباركة كما ذكرت آنفا.
وإني لعلى علم أنك قد اطلعت على كتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ الدحلان"لمؤلفه المحدث الشيخ العلامة بشير السهواني الهندي رحمه الله تعالى. يقول الأستاذ الكبير صاحب المنار، الشيخ رشيد رضا معرفا هذا التأليف المبارك في مقدمته التي وضعها على كتاب "صيانة الإنسان"قال:"وكان أشهر هؤلاء الطاعنين - يعني في دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - مفتي مكة المكرمة، الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304هـ، ألف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين، قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه"[41] ثم ذكر أشياء وبعده قال: "ومما أجملناه أن قواعد الجهل التي بنى عليها الشيخ أحمد دحلان رده على الوهابية إباحة دعاء لغير الله تعالى من الأنبياء، والصالحين الميتين، والاستغاثة بهم، وشد الرحال إلى قبورهم لدعائهم عندها، وطلب قضاء الحوائج منهم ثلاث قواعد:
1-
الروايات الباطلة وما في معناها من الحكايات والمنامات والأشعار، وهي لا قيمة لها عند أحد من علماء الملة، وإنما تروج بضاعتها في سوق العوام.
2-
الاستدلال بالنصوص على ما لا تدل عليه شرعا؛ كاستدلاله بالسلام على أهل القبور، وبخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين ببدر، واحتال ذلك قياسا على حياة الموتى، وجواز دعائهم، ومطالبتهم بقضاء الحوائج، ودفع المصائب، ووجه الجهل في هذا أنه يقيس حياة البرزخ على حياة الدنيا، وعالم الغيب على عالم الشهادة، وهو قياس باطل عند علماء أصول الشرع، وعند جميع العقلاء، ويترتب عليه عقائد وأحكام تعبدية لا تثبت إلا بنص الشارع الحكيم عليه الصلاة والسلام، مع كون الذي يثبتها مقلدا للغير ليس من أهل الاجتهاد، وباعترافه واعتراف متبعيه في جهله هذا.
3-
قلب الحقائق، وتعكيس القضية فيما ورد من الترغيب في اتباع جماعة المسلمين، والترهيب عن مفارقة الجماعة بزعمه، ومقتضى جهله هم الأكثرون في العدد في كل عصر". وهذه الدعوى مخالفة لنصوص القرآن، والأحاديث الصحيحة، وآثار السلف، والواقع ونفس الأمر في كثير من البلاد والأزمنة، وقد فند المؤلف – أي مؤلف صيانة الإنسان - هذه الدعوى بما أوتي من سعة الاطلاع على كتب الحديث والآثار، فبين ما ورد من الآيات والروايات فيها، وما قاله الأئمة العلماء في تفسيرها وما في معناها من فشو البدع، ثم يقول العلامة الشيخ رشيد رضا: "وجملة ما يقال عن هذا الكتاب أنه ليس ردا على الشيخ دحلان وحده، ولا على من احتج بما نقله عنهم من الفقهاء مما لا حجة فيه، كالشيخ تقي الدين السبكي، والشيخ ابن حجر الهيتمي المكي، بل هو رد على جميع القبوريين، والمبتدعة، حتى الذين جاءوا بعده إلى زماننا هذا" [42] . قلت: هكذا وصف العلامة الشيخ رشيد رضا هذا الرد المحكم، فوجب عليك أن تطالعه، وكتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني، للعلامة الإمام أبي المعالي محمود شكري الألوسي، وأن تجرد نفسك عن التعصب لأحد كائنا من كان إلا للحق وحده، والله جل وعلا سوف يفتح عليك، ويشرح صدرك للحق، ولا أريد أن أنقل لك الأمثلة الكثيرة التي استدل بها الشيخ دحلان على دعواه الباطلة من مخالفته طريق الحق والصواب في كتابه"الدرر السنية في الرد على الوهابية"وقد رد عليه العلامة بشير في كتابه هذا المبارك "صيانة الإنسان"وعلى كل دليل باطل استدل به على زعمه الباطل، فأورد لك مثالا واحدا، فانظر ثم انظر كيف استدل به على دعواه الباطلة من جواز نداء الأموات.
قال العلامة بشير في صيانة الإنسان: "قوله "أي قول الدحلان"وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبتاه" إلى قوله: ففي هذا الحديث أيضا نداؤه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
…
".
أجابه العلامة بشير رحمه الله تعالى بقوله: "هذا ليس من النداء في شيء، بل هو ندبة، يرشدك إلى هذا كون هذا الكلام صادرا وقت الوفاة، ووقوع لفظ النعي فيه، وزيادة الألف في آخره لمد الصوت المطلوب في الندبة، فالقول بكونه نداء أدل دليل على جهل قائله"[43] . قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري، والإمام أحمد في المسند، والنسائي وابن ماجة، والدارمي في سننهم [44]، وتكلم عليه الحافظ في الفتح بقوله:" (يا أبتاه) كأنها قالت: يا أبي، والمثناة بدل من التحتانية، والألف للندبة، ولمد الصوت، والهاء للسكت"[45] . قلت: هكذا مبلغ علم دحلان في السنة النبوية وعلمه في اللغة العربية ومع ذلك فهو شيخ الإسلام وحجة الأنام، ومفتي الأنام. فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ولقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي أخرجه البخاري من الجامع الصحيح وكذا مسلم، والإمام أحمد في مسنده، والترمذي في الجامع وكذا ابن ماجة، والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه عن الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". هكذا كانت الأحوال في مكة المكرمة وغيرها من المدن الإسلامية بسيطرة هؤلاء الجهلة على مناصب هامة من الدولة، وعن طريقهم فشت البدعة، وظهرت الفتن والشرك، وخفي على الناس أمر دينهم الصحيح الذي أنزل الله تعالى به الكتب، وأرسل الرسل.
استدل هذا شيخ الإسلام، ومفتي الأنام المزعوم على جواز نداء الميت بعد الموت بحديث ضعيف أخرجه الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه بسياقة طويلة، وفيه التلقين للميت بعد الموت. قال الشيخ دحلان:"وفي التلقين الخطاب والنداء، وقد ذكره كثير من الفقهاء، واستندوا في ذلك على هذا الحديث، فكيف يمنعون النداء مطلقا؟ ".
أجابه العلامة بشير بجواب مفصل ومقنع، واستند رحمه الله تعالى على عدم صحة هذا الخبر، ونقل عن أئمة الجرح والتعديل ما يكفي ويشفي في هذا الباب، ثم نقل عن الإمام ابن القيم من كتابه "الروح"أنه قال:"وحاصل كلام الأئمة أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله، وفي نزل الأبرار: "وقد أنكر هذا التلقين جماعة من أهل العلم وبدعوه"؛ انظر ذلك في الهدي النبوي وغيره، كثمار التنكيت للمؤلف [46] . قلت: والحديث أورده صاحب مجمع الزوائد وقال في نهاية الحديث: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه جماعة" [47] . قلت: لأن في سنده عاصم بن عبد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي أيضا. قال الذهبي: "ضعفه مالك". وقال يحيى: "ضعيف لا يحتج به". وقال ابن حبان: "كثير الوهم، فاحش الخطأ فترك". وقال أحمد: "قال ابن عيينة: كان الأشياخ يتقون حديثه". وقال النسائي: "ضعيف". وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "منكر الحديث". وقال الدارقطني: "يترك، وهو مغفل"[48] . وفي الختام أدعو الله جل وعلا، وأتضرع إليه سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ويجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر: من الآية10) وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
اتحاف ذوي الهمم العلية ص41.
[2]
البقرة آية 42.
[3]
آل عمران 187.
[4]
مسند الإمام أحمد2/240.
[5]
البقرة 159.
[6]
المقالات الكبرى للكوثري ص27.
[7]
المصدر السابق ص28.
[8]
تذكرة الحفاظ2/621.
[9]
الرد على الجهمية ص 85-89 للإمام الدارمي.
[10]
هو ثقة، إمام مترجم في تاريخ بغداد 2/322-323.
[11]
وهو ثقة توفي سنة 326هـ تاريخ بغداد 9/296.
[12]
صدوق فاضل من صغار العاشرة مات 265هـ وهو من شيوخ الإمام النسائي، التقريب 2/33.
[13]
هو المدائني، أبو صالح، نزيل مكة، ثقة، عابد، من التاسعة وهو من شيوخ البخاري. التقريب 1/352.
[14]
هو حافظ الدنيا، وأمير المؤمنين في الحديث، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة المتوفى سنة161هـ.
[15]
شرح السنن للحافظ اللالكائي الطبري ص39-40 من نسخة جامعة الملك عبد العزيز.
[16]
تذكرة الحفاظ 1/106.
[17]
الأسماء والصفات ص239-258.
[18]
شرح العقيدة الطحاوية ص194-197.
[19]
سنن أبي داود مع حاشية عون المعبود 4/376-377.
[20]
شرح السنة للبغوي 1/181-188.
[21]
الشريعة للإمام الآجري ص75-87.
[22]
مسائل الإمام أحمد ص262-272.
[23]
كتاب التوحيد لابن خزيمة ص161-167.
[24]
غاية الأماني2/271.
[25]
غاية الأماني 2/275.
[26]
الرد الوافر ص21.
[27]
تذكرة الحفاظ للذهبي 4/1496.
[28]
الفتح، كتاب العلم 1/174، وكتاب التوحيد 13/457.
[29]
مسند الشاميين للطبراني 2/127من نسختى خ.
[30]
سورة فصلت 11.
[31]
أحمد في المسند1/149، 1/267، 1/315، 1/363، البخاري المناقب25، الترمذي الجمعة10، النسائي الجمعة 17، الدارمي المقدمة 6.
[32]
فتح الباري6/603.
[33]
التنكيل1/2-19.
[34]
التنكيل1/20.
[35]
التنكيل 1/259.
[36]
تذكرة الحفاظ1/178-183.
[37]
تهذيب التهذيب6/241.
[38]
إتحاف ذوي الهمم العلية ص76.
[39]
خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام لأحمد زيني دحلان ص279 من نسخة مكتبة الحرم المكي.
[40]
سورة النساء 112.
[41]
مقدمة صيانة الإنسان ص7-8.
[42]
مقدمة صيانة الإنسان ص11-12.
[43]
صيانة الإنسان ص392.
[44]
في علم 34 "م" علم حديث 13 "ت" علم 5 ابن ماجة المقدمة 8 دارمي في المقدمة 227 أحمد في المسند 2/190.
[45]
الفتح 8/149.
[46]
صيانة الإنسان 392-399.
[47]
مجمع الزوائد 2/324.
[48]
ميزان الاعتدال2/353-354.
بنو إسرائيل في ضوء الإسلام
بقلم الشيخ محمد أمين سليم
المدرس بمعهد إمام الدعوة بالرياض.
قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولا ًثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً
فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} (الإسراء:4 – 8)
الحديث عن بني إسرائيل حديث طويل، ويكاد يكون على وتيرة واحدة لا تشعب فيه ولا تعقيد كتعقيد نفوسهم، ويعجب فيه المؤرخ الباحث لتلك السجايا الغريبة التي وسمت اليهود من طبائع الشر والحقد على المجتمعات التي يعيشون فيها، والاستذلال والصغار والمهانة التي لازمت أفرادهم عبر القرون، ويمكن القول إن أبرز الصفات التي انطبعت فيهم الحسد، والأنانية والجبن والتردد وضعف الرأي واللؤم والوقاحة والشح والتعبد للمال وكنزه واتباع الهوى والمكابرة في الباطل.
على أنه لا يفوت الباحث النزيه أن يذكر أن بني إسرائيل برعوا في المهن اليدوية والفنية، كالطب والهندسة والصيدلة وصياغة المجوهرات منذ زمن بعيد، فكانوا هم عصب الحضارة النشيط أيام الفراعنة، ولذا فقد رفض فرعون أن يسمح بهجرتهم من بلاده مع موسى عليه السلام، لأن هجرتهم ستسبب شلل الحضارة في بلاده. ولست بهذا ألقي القول على عواهنه، فقد ذكر القرآن الكريم أن السامري قد صنع لبني إسرائيل عجلا من الذهب، إذا ضربته الريح صوت، وهذا فن عظيم بلا مراء، والسامري هو أحد أفاد بني إسرائيل.
سأعرض مقدمة تاريخية بين يدي البحث أبين فيها خلاصة تاريخهم المعتمد، وأعرض فيها ما وسعني المقام صورا من أخلاقهم التي ذكرتها آنفا، مستنيرا بما صوره الله لنا عنهم في كتابه القرآن الكريم، ثم أطوي الزمن حتى نقف معهم وقفة نناقش أوضاعهم وأحوالهم في المدينة المنورة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهجرته إليها، وكيف كان موقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم موقف العناد والتحدي، وما آل إليه أمرهم من القتل والطرد والإبعاد عن الجزيرة العربية.
يطلق المؤرخون أسماء "العبرانيين واليهود وبني إسرائيل"ويريدون بها طائفة واحدة معينة من الناس وهم: أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، بيد أن اليهود وإن تبجحوا بهذا النسب الكريم لا يستطيعون أن يقيموا الدليل على نقاوة الدم السامي في عروق المعاصرين منهم بعد هذه السنين الطويلة التي مرت عليهم حافلة بالأحداث والفتن والمذابح والتشريد والاضطهاد بسبب طبائعهم الشاذة التي مر ذكرها.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن اسم العبرانيين أطلق عليهم بعد أن عبروا نهر الأردن قادمين من سيناء والعقبة صوب مدينة أريحا، وهو النهر الذي ذكره الله في سورة البقرة {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} آية 249.
أما كلمة "اليهود"فقد ذكر الله على لسان موسى عليه السلام الدعاء المشهور
…
{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أية156 من الأعراف وما حولها، أي تبنا ورجعنا. وقال تعالى في سورة الجمعة:{قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الجمعة:6)
فهم على هذا المعنى في أصل التسمية الطائفة التائبة الراجعة إلى الله زمن موسى عليه السلام، ولعلهم سموا باليهود كذلك نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب عليه السلام، ويعقوب عليه السلام جدهم جميعا، وكان يسمى "إسرائيل"أيضا كما ورد ذلك في القرآن الكريم.
عند التأمل يجد الباحث أن أبا الأنبياء [1] إبراهيم عليه السلام الكلداني الأصل، وقد بعثه الله رسولا في قومه عبدة الكواكب والأصنام في العراق، فبعد يأسه من استجابة قومه له يمم وجهه مهاجرا تلقاء الأرض المقدسة "فلسطين"[2] وعاش عيشة البداوة متنقلا بين نابلس والخليل والقدس بقطعان الأبقار والماشية التي كان يمتلكها
…
(لاحظ حادثة الملائكة الذين زاروه فقدم لهم عجلا حنيذا وهو لا يعرفهم، راجع سورة الذاريات) . وقد أشار الله إلى حياة البادية هذه فقال على لسان يوسف عليه السلام بن يعقوب عليه السلام في سورة يوسف: {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} (يوسف: من الآية100) .
وتقدمت السنون بإبراهيم عليه السلام ولم يرزق البنين، وكان يكثر من الدعاء فوهبه الله إسماعيل عليه السلام من زوجه المصرية هاجر، ثم هاجر بهما وإسماعيل رضيع إلى الحجاز بأمر من الله. ثم امتن الله كذلك على زوجه الأولى "سارة"التي آمنت به حين كذبه الناس، فرزقه الله منها إسحاق بعد أن بلغت الثمانين كما قيل، "راجع سورة الذارات وغيرها".
ولإسماعيل عليه السلام وأحفاده في بوادي الحجاز قصة طويلة ممتعة تستهوي القارئ ليس هذا صددها، لأنها تاريخ حافل بالأحداث المثيرة في صحاري الجزيرة العربية، تتكامل أمجادها ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أحفاد إسماعيل عليه السلام رسولا للبشرية جمعاء.
أما إسحاق عليه السلام فقد رزقه الله البنين، ويهمنا منهم يعقوب عليه السلام، وكان يسمى إسرائيل أيضا، وقد أنعم الله على يعقوب باثني عشر ولدا من الذكور، وهم أجداد جميع بني إسرائيل، والذي يطالع قصة يوسف بن إسرائيل عليهما السلام كما وردت في القرآن الكريم يرى فيها عبرا بليغة ومواعظ جمة.
فإننا نرى عاطفة الحسد تتجسد في قلوب إخوته العشرة، وتكاثفت هذه العاطفة السوداء حتى جمعتهم في مؤتمر جمعوا فيه على قتل أخيهم يوسف لمنزلته في قلب أبيهم، ولم يشذ منهم إلا واحد، ثم ألقوه في غيابة الجب، وادعوا كذبا أن الذئب أكله، ثم يباع يوسف عليه السلام عبدا في مصر، وبعد أحداث طويلة يرتقي يوسف إلى أن يعين وزيرا للمالية لدي ملك مصر، ويصيب القحط الأرض المقدسة، ويأتي إخوة يوسف إلى مصر ليمتاروا، وأخيرا يتم التعارف بينهم ويأمر بإحضارهم جميعا ووالده يعقوب معهم مهاجرين إلى مصر.
بهذا ينتهي الفصل الأول من سيرة أجداد بني إسرائيل "أعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب"أولئك الكرام من الأنبياء والرسل الذين عاشوا عيشة البداوة والفطرة والكرامة في شعاب الأرض المقدسة، وتبدأ صفحة جديدة من حياة بني إسرائيل في حضارة مصر ونعيمها وبذخها وترفها.
يختلف المؤرخون في تقدير المدة الزمنية التي انقضت ما بين هجرة إسرائيل عليه السلام وجميع آل بيته إلى مصر وما بين خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة الرسول الكريم موسى عليه السلام، وأغلبهم يقدرها بحوالي "600"عام، وفي خلال هذه الفترة الطويلة التي مرت على المجتمع المصري، استطاع أن يسيطر فيها بنو إسرائيل على عناصر الحضارة في مصر كما سبق ذكره، ثم رأى الطاغية فرعون أن يستذل بني إسرائيل خوفا منهم لما رأى في منامه ما أزعجه، فقام باحتياطات لم يسبق إليها على ما أظن، فقد أمر بقتل كل ذكر يولد من بني إسرائيل واستحياء الإناث منهم.
طغى فرعون وتجبر، وأذاق بني إسرائيل أصناف الاضطهاد والعذاب، حتى أصبح الصغار والمسكنة والهوان لازمة لهم، وأورثهم الحسد الذي ورثوه من أجدادهم إخوة يوسف لؤما وحقدا على المجتمعات التي يعايشونها، فأصبحت الخيانة والزور والبهتان واستحلال أموال الآخرين من غير بني إسرائيل، فأصبحت مزاياهم اللاصقة بهم، قال الله تعالى حاكيا عنهم:{قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} (آل عمران: من الآية75) . وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن نساء بني إسرائيل استعارت حلي نساء الأقباط قبيل هجرتهم مع موسى عليه السلام بأيام، وغادروا مصر وهي معهم، ومنها صنع السامري عجل الذهب الذي عبدوه.
بيد أن الله أراد - ولا راد لقضائه - أن يرسل رسولا منهم لينقذهم من ظلم فرعون وعتوه. وكأنه يبدو من سنن الله أن الذليل لا يكون رسولا ولا نبيا، فقضت حكمته تعالى أن يبعث لهم موسى، وأن يتربى موسى عليه السلام في بلاط أعز الناس في مصر حينذاك – بلاط فرعون نفسه، حتى ينشأ عزيز النفس قوي القلب، رابط الجنان، مفتول العضلات، ونحن نستطيع أن نسرح بخيالنا ونتصور كيف كان ينشأ أبناء الملوك في قديم الزمان، وقصة وصول موسى عليه السلام وهو طفل رضيع إلى بلاط فرعون في تابوت تدافعه مياه النيل مشهورة معروفة في القرآن الكريم.
نشأ إذن موسى عليه السلام نشأة تخالف ما نشأ عليه السلام أترابه ومن هم أكبر منه سنا من بني إسرائيل، فنشأ شجاعا لا يعرف الخوف، مفتول الذراعين قوي العضلات، وقد قص الله علينا من قوة عضلاته أنه بطش بالقبطي فقتله بلكمة واحدة. "راجع سورة القصص أوائلها " وسقى أغنام شيخ مدين وحده. وتظهر شجاعة موسى عليه السلام كذلك حين فارق صهره شيخ مدين في ليلة باردة مظلمة ومعه أهله، وفي تلك الليلة نال أعظم حظوة في حياته حين كلمه الله وأرسله لإنقاذ قومه بني إسرائيل.
فرسول هذه صفاته هو الذي يمكن أن تنعقد عليه السلام الآمال بعد الله لإنقاذ هذا الشعب المسكين الذليل الخاوي النفس، الذي قاسى الأمرين في حياة العبودية تحت طغيان فرعون وملئه.
ويذهب موسى عليه السلام إلى مصر قادما من مدين، ويذهب إلى فرعون ومعه أخوه هارون يحملان رسالة الله إلى فرعون، يطلبان منه أن يسمح بهجرة بني إسرائيل من مصر مع موسى، ولكن فرعون وهو يعلم أن بني إسرائيل هم عصب الحضارة في مملكته، وهم حمير هواه ورغباته رفض طلب موسى، وأخذته العزة بالإثم، ودأب موسى على الدعوة إلى الله، وكذبه فرعون وقومه. وانتصر موسى عليه السلام على سحرة فرعون الذين آمنوا به مراغمة لفرعون، فراحوا شهداء بغيه وظلمه. وقال الله إخبار عن جبن بني إسرائيل:{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلإِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} (يونس: من الآية83) . وابتلى الله قوم فرعون بالمصائب المتنوعة علهم يتوبون ويؤمنون، ولكن بلا جدوى، وأخيرا أذن الله لموسى وقومه بني إسرائيل بالهجرة من دار الظل والذل والكفر والترف إلى الأرض المقدسة "فلسطين".
وخرجوا ليلا وشعر بهم فرعون وجنوده، فأتبعوهم مشرقين عند البحيرات المرة، فضرب موسى البحر بعصاه فاستحال بعضه طريقا ولجه موسى وقومه فنجوا، وغرق فيه فرعون وجنده وبنو إسرائيل ينظرون. وبهذا ينتهي الفصل الثاني من حياة بني إسرائيل في مصر، حياة الحضارة والترف، مقرونة بالذل والهوان، وتفتح صفحة جديدة في تاريخهم ومعهم نبيهم موسى عليه السلام، وهي مرحلة ما بين خروجهم من مصر وقبل دخولهم الأرض المقدسة.
وهنا تتفاعل عناصر الذل والهوان والعبودية التي مرنت عليها نفوسهم عشرات السنين في أرض الحضارات، وتأبى إلا أن تفرز ذلا وهوانا كما قيل:"وكل إناء بالذي فيه ينضح"فقد مروا في طريقهم يقودهم عليه السلام على أقوام يعكفون على أصنام لهم يعبدونها، فقالوا:"يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة". فانظر إلى هذه العقلية التافهة كيف نسيت ربها وخالقها الذي أنعم عليها ونجاها من الذل والهوان.
وقد بقيت فكرة تجسيد الإله ووضع مثال له راسخة في عقول الكثير من بني إسرائيل حتى مع وجود موسى بينهم، قال تعالى:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} (البقرة: من الآية93) . ولعل لفرط ما رأوا من عبادة الأقباط لفرعون ولخضوعهم له زمانا طويلا أثرا في ذلك؛ فلما غاب عنهم موسى أربعين ليلة تاركا أخاه هارون بينهم، استطاع السامري أن يصنع لهم عجلا من الذهب يصوت إذا ضربته الريح، وسرعان ما أقنعهم أنه إلههم وإله موسى، فعكفوا على عبادته، فإذا تذكرنا أن العجل كان من بين آلهة المصريين التي يقدسونها تبين لنا إلى أي مدى تفعل البيئة فعلها في الأمم والشعوب.
ويأتيهم موسى عليه السلام بكتاب الله التوراة ويرفضونها ويقولون سمعنا وعصينا، ولا عجب في ذلك، فإن النفوس الذليلة التي تعبدت لفرعون والعجل يصعب عليها أن ترفع عنها نير الذل والخور دفعة واحدة وترفع رؤوسها إلى خالق السماوات والأرض لتناجيه في السراء والضراء.
أما جبنهم فإن الآيات القرآنية الآتية تسجله عليهم بأوضح بيان في نقاش معهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} (المائدة:21،22) إلى أن قال: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24) . وفي آخر آية 26حرم الله دخولها عليهم أربعين سنة تاهوا في سيناء، وهيأ الله لهم الغمام يظلهم، والمن والسلوى طعامهم، فسئموها وطلبوا القثاء والفوم والعدس والبصل
…
فدخلوا العقبة "أيلة"ومات عليه السلام في هذه الفترة ولم يدخل فلسطين. وما أصدق قول الشاعر العربي الأبي الحارث بن حلزة البشكري:
لا يقيم العزيز في البلد السهل
ولا ينفع الذليل النجاء
فهذه قصة أرض الميعاد أمرهم الله بدخولها ومعهم نبيهم موسى عليه السلام فرفضوا الأوامر ولفظوها وتطاولوا بسوء أدبهم على الله، وسلكوا مسلك الأطفال المدللين العاجزين. وأما ترددهم وضعف الرأي عندهم، وتفاهة تفكيرهم وسطحيته ووقاحتهم، فيبدو عند كل أمر إلهي أو تشريع سماوي، إذ يقابلونه بالإهمال وعدم الاكتراث وقلة المبالاة، بل يقولون {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} (البقرة: من الآية93) .
حدثت جريمة قتل في عهد موسى وجهل القاتل، فأوحى الله إلى موسى أن يأمر قومه بذبح بقرة ليضربوا الميت بها فيحييه الله ويفضح قاتله، فاستهان بنو إسرائيل بهذا الأمر، وطفقوا يسألون أسئلة عن البقرة لو صدرت من طفل دون الاحتلام لأتهم بالحماقة وضعف البصيرة والوقاحة وسوء الأدب: ما لون البقرة؟ وما نوعها؟ ما طبيعتها؟ ولولا أن بعضهم قال:
{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة: من الآية70) لما اهتدوا إليها ولركبهم شيطان السخف والغرور وقادهم إلى الجحيم.
شاء الله سبحانه وتعالى وبعد هذا كله أن يخرج من صلب إبراهيم وإسحاق ويعقوب أناسا طيبين، فبعد أن هلك الجيل الذي عاش الذل والهوان أيام فرعون في تيه صحراء سيناء والعقبة، نشأ جيل الصحراء من بني إسرائيل في بيئة الحرية القاسية، فطلبوا من نبي لهم من بعد موت موسى عليه السلام في ساعة من ساعات النشاط وصفاء الذهن أن يبعث لهم ملكا للجهاد في سبيل الله؛ فانظر إلى التباين بين بيئة الحضارة التي تخرج نفوسا ذليلة وبيئة الحرية في الصحراء القاسية:
فقال لهم نبيهم والأرجح أنه يوشع بن نون: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً} (البقرة: من الآية247.
وهنا تبرز العقلية اليهودية الفاشلة، عقلية اتباع الهوى والأنانية والتعبد للمال، وناقشوا نبيهم برفض طالوت لفقره، وأنهم أفضل منه، فبين الله لهم أنه أفضلهم وأعظمهم جسما "البقرة 247وما بعدها"ومع ذلك لم يقبلوه ملكا عليهم حتى أيده الله بمعجزة؛ إذ أرجعت الملائكة توراة موسى عليه السلام في تابوت، وكانت كما قيل مسروقة.
ويمرون في طريقهم بنهر الأردن وينهاهم ملكهم العالم المجرب لأمور القتال، ينهاهم أن يسرفوا في شرب الماء، لأن ذلك مدعاة إلى البطنة والكظة والترهل، ثم الفتور والتكاسل، فعصوا أوامر الملك ووقعوا في الماء شربا وعبا إلا قليلا منهم، ووقع ما حذرهم منه ملكهم، وقالوا لا طاقة لنا اليوم بحرب الأعداء "سورة البقرة 248-250"ولكن الله نصر الفئة القليلة المؤمنة الصابرة منهم، واستطاع داود عليه السلام أن يقتل ملك الأعداء ويفتح البلاد، وأتاه الله الملك والنبوة والرسالة.
ويبدأ عهد جديد في تاريخ بني إسرائيل، عهد الملك المشفوع بالنبوة والرسالة، وهو العصر الذهبي لهم، حيث مَنَّ الله عليهم بأنبياء ملوك؛ كداود وسليمان، وأنبياء بلا ملك، وملوك بلا نبوة، وظهر فيهم المخلصون الربانيون الذين جاهدوا في الله حق جهاده مع أنبيائهم السابقين، حتى يكاد يخيل لقارئ قصصهم أنهم فارقوا تلك الصفات السوداء التي سودت صحائف نفوسهم فاستحقوا بذلك الأفضلية في عالم زمانهم؛ قال تعالى:{يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:47) . وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (الدخان:30-32) .
وانتهى عصرهم الذهبي الذي لم يدم أكثر من حكم داود وسليمان عليهما السلام، وتفسخت دولتهم بعدهما وانقسمت إلى دولتين.
وكانت الفترة ما بين سليمان ومبعث المسيح عليهما السلام فترة مليئة بالعبر والمحن والابتلاء، وقد حقق الله وعيده فيهم حين قال:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (لأعراف: من الآية167) فقد كذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا، فسلط الله على الدولة الأولى الأشورييين، فدمروا ملكهم وفتكوا بهم، وسلط الله على الدولة الأخرى بختنصر "نبوخذ نصر"البابلي، فحطم ملكهم وأعمل السيف فيهم، وسبى الألوف منهم إلى بابل، ثم أرجعهم كورش الفارسي وسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية تابعين له، ثم سلط الله عليهم السلوقيين اليونان، وصار لهم شبه دولة تحت حكمهم، وكانت الفتن والثورات لا تنفك تحدث بينهم تسيل فيها الدماء، ولما دالت دولة اليونان السلوقيين خلفهم الرومان، فاستبدوا في البلاد كلها، وفي أوائل عهد الرومان ولد المسيح وزكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام، وحكم الرومان فلسطين حوالي سبعة قرون، وكان حكما صارما مستبدا.
عادت غرائز الشر التي انطبعت في اليهود وسكتت إلى حين تحت سلطة الرومان القاهرة – عادت ترفع رأسها من جديد ومضت هذه المرة مضي المهاجم المتحدي لله وشرعه وأنبيائه، فتطاولوا على حرمات الله، فقتلوا الأنبياء وكذبوهم، وابتلاهم الله بالمحن ليتوبوا ويهتدوا فما ازدادوا إلا ضلالا وتمردا وعتوا، وأراد الله أن يعطيهم آخر فرصة للتوبة والرجوع إلى الهدى والحق كما فعلوا أيام موسى عليه السلام بعد عبادة العجل، فأرسل إليهم آخر رسل منهم وهم: زكريا ويحيى وعيسى في عصر واحد، فقتلوا زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى عليه السلام بتأليب الحاكم الروماني عليه وادعاء أنه أفسد الشباب بدينه الجديد، وأنه ساحر، واتهموا أمه بالفاحشة وقد برأها الله، فغضب الله عليهم ولعنهم وسلط عليهم الرومان فدمروا الهيكل، وهو مسجد سليمان عليه السلام عام70 للميلاد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ونزح الباقون منهم إلى الجزيرة العربية ومصر والعراق وأوربا، ثم أخرج النبوة منهم إلى أبناء عمهم بني إسماعيل عليه السلام، فقد أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل عليه السلام، فكان آخر رسل الله وأنبيائه إلى الناس، وجعله الله رسولا إلى عامة البشر ومعجزته الخالدة القرآن الكريم، وتكفل الله بحفظه من التغيير والتبديل والتحريف ليبقى صالحا لكل زمان ومكان.
وينتهي بذلك أكبر فصل في حياة بني إسرائيل، لأنه الفصل الذي انتهى بغضب الله عليهم ولعنهم وطردهم من رحمته، أعني أولئك الذين اشتركوا في تكذيب المسيح ومحاولة قتله واتهام أمه. وباع اليهود أنفسهم للشيطان وعملوا معه حلفا موثقا، وأجمع فلاسفتهم ودهاتهم على تحدي الله ومحاربة كل خير في الأرض.
وخلاصة القول أنه بموت داود وسليمان عليهما السلام تنتهي زعامة بني إسرائيل السياسية والدينية والعسكرية، ويصبح الشعب اليهودي أعزل كغيره من الشعوب البائسة يقطن الأرض المقدسة، يشاركه فيها غيره من الشعوب السامية والعربية المجاورة، تحكمهم جميعا سلطة وثنية قاهرة فوقهم بدأت بالأشوريين، ثم البابليين، ثم دولة الفرس الأولى، ثم اليونان السلوقيين أحفاد قواد الاسكندر المقدوني، ثم الرومان الذين سلطهم الله على بني إسرائيل بعد إفسادهم الآنف الذكر، ويشردونهم من فلسطين، ثم يأتي العرب المسلمون ويفتحون البلاد كلها باسم الإسلام، فيهزمون الروم ويقيمون شرع الله منذ القرن الأول الهجري إلى نهاية الخلافة العثمانية المسلمة عام 1337هـ الموافق 1918م، ومع ذلك يشهد التاريخ أن المسلمين عطفوا على اليهود وآووهم وأنصفوهم في الشام وإفريقيا والأندلس، وكان بيت المال يساعد العجزة والمقعدين منهم، وأوصى النبي المسلمين بهم خيرا ما داموا أهل ذمة؛ فأين فرية حق اليهود في فلسطين؟.
إن اليونان حكموا فلسطين حوالي ثلاثة قرون.
والرومان حكموا فلسطين حوالي سبعة قرون.
والصليبيين حكموا فلسطين أثناء ضعف المسلمين حوالي قرنين.
واليهود حكموا فلسطين حوالي دون قرنين من الزمان ثم شردوا منها.
والعرب ثم المسلمون حكموا فلسطين واستوطنوها أكثر من 20 قرنا.
ولم نسمع أن أحدا من أحفاد هؤلاء الأقوام يطالب بالرجوع إلى فلسطين بحجة أن أجدادهم قد سكنوها وحكموها في الماضي. ولو اتبع عقلاء العالم منطق اليهود وحججهم لزم أن تعود أسبانيا إلى العرب المسلمين وقد حكموها ثمانية قرون، وأن يعود سكان الأمريكتين وأستراليا إلى أوروبا، وأن تحتل إيطاليا بريطانيا؛ لأن الرومان قد حكموا بريطانيا عدة قرون.
نزح كثير من اليهود بعد أن خرب الرومان هيكلهم عام 70م إلى المدينة المنورة وخيبر، واختاروا الحجاز بالذات موطنا لعلمهم أن آخر رسل الله سيبعث منها كما نصت التوراة، فلعل الله يخرجه منهم ويتوب عليهم، واشتغلوا بالتجارة، وآثروا على عادتهم في سلوك طرق المكر والتحايل والربا الفاحش، وصار لهم قوة، وحالفوا الأوس والخزرج سكان المدينة المنورة.
ويبعث الله محمد القرشي صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل رسولا إلى البشرية، وهاديا لها ليخرجها من الظلمات إلى النور، وكان اليهود يبشرون به العرب قبل أن يولد ويستفتحون به عليهم، وتبدأ صفحة جديدة في حياة بني إسرائيل، ويأكل الحسد قلوبهم لخروج النبوة منهم.
ذكر ابن هشام في السيرة قال:
حدث عبد الله بن أبي بكر قال: "حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، ولم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين. قالت: فلم يرجعا حتى كان غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله. قال: تعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك؟ قال: عداوته والله ما بقيت".
وصفية المذكورة هي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوها حيي المذكور كان من كبار زعماء اليهود، وبقي يعادي رسول الله ويحرض ضد المسلمين حتى قتل صبرا يوم الأحزاب "الخندق".
إسلام عبد الله بن سلام:
قال ابن إسحاق: "وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكان حبرا عالما "من علماء اليهود"قال: "لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له "أي نترقب" فكنت مسرا لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري:"خيبك الله، والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت". قال: فقلت لها: "أي عمة هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به". قال: فقالت: "أي ابن أخي أهو النبي الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ "قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذن. قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له:"يا رسول الله إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك وتغيبني عنهم "أي تسترني"ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا إسلامي، فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني". قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وسألوه ثم قال لهم: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم"قالوا: "سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا". قال: فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: "يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه"؛ فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل
غدر وكذب وفجور؟ "قال: وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها، وكذلك أسلم مخيريق وكان حبرا عالما غنيا كثير الأموال، ودعا قومه للإسلام فأبوا، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقتل شهيدا، وأوصى بأمواله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مخيريق خير يهود".
هذه الروايات تصور نفسية بني إسرائيل بأجلى بيان وأوضح تبيان على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصوله المدينة مهاجرا أراد أن يبدأ اليهود بالخير والمسالمة والتآلف واللين، فعقد معهم معاهدة صلح ليأمن شرهم ويغريهم بالدين الجديد، ولكن أنى لحلفاء الشيطان أن يعيشوا عيشة الكرامة والمسالمة، إذ ما لبث شيطان الحسد أن ثار في نفوسهم وهاج هيجانا عظيما بعد موقعة بدر، فخان بنو قينقاع، ونقضوا العهد، فطردوا من المدينة ونزحوا إلى خيبر، ثم تأسى بهم بنو النضير في الخيانة، وحاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بإلقاء صخرة عظيمة عليه من أعلى السور، فأعلمه الله بخيانتهم وحاصرهم المسلمون وطردوهم، وفيهم نزلت سورة الحشر.
أما بنو قريظة فكانت خيانتهم أعظم وأشد وقعا على نفوس المسلمين، ذلك أنها حدث في أحرج الأوقات على المسلمين، وجيوش قريش ومشركي العرب تحاصر المدينة من وراء الخندق بقيادة أبي سفيان. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، وانتهت خيانة بني قريظة بذبح كل قادر على حمل السلاح وكل محتلم.
بعد أن عقد اليهود العزم على معارضة رسول الله صلى الله عليه وسلم والكفر به وتحديه وصرف الناس عن دينه بكل وسيلة، سلكوا في ذلك مسالك شتى:
أولا: وسيلة الكذب؛ فقد سأل مسلموا المدينة اليهود لِمَ لَمْ يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يبشرون به قبل مبعثه ويستفتحون به عليهم؟ فكان جوابهم كذبا وزورا أنه ليس النبي الذي يعرفون. وقد كذبهم في ذلك أحبار اليهود الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (آل عمران:71)
ثانيا: في مؤتمر يهودي خبيث اتفق شياطينهم أن يؤمن بعض اليهود برسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار ويرتدوا عن دينه آخر النهار، وإذا سئلوا عن ذلك قالوا:"قد اتضح لنا أنه ليس النبي المبعوث آخر الرسل الذي نجد صفته عندنا في التوراة، وقد فضحهم الله في هذا"، وكذلك علماؤهم الذين آمنوا برسول الله، قال الله تعالى:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (آل عمران:72) الخ.
ثالثا: سألت قريش زعماء اليهود عن دين محمد وأيهم أهدى سبيلا وأحب إلى الله، أملة قريش وهم يطعمون الطعام ويكرمون الجار ويغيثون الصريخ؛ أم ملة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقالت يهود:"بل ملة قريش أهدى وأولى بالاتباع من ملة محمد"، وهم كاذبون في ذلك ويعلمون أنهم كاذبون. قال لله تعالى يدمغهم في ذلك:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً}
(النساء 51-52) .
رابعا: الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه:
لما نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (الحديد:11)
قالت اليهود: "إن الله فقير ومحتاج إلى أموالنا"، فنزل قوله تعالى:{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} (آل عمران:181) .
وقالوا كذلك: "إن الله لما فرغ من الخلق يوم الجمعة استراح على العرش يوم السبت من الإعياء"؛ فأنزل الله قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} (سورة ق 38-39) .
وكانوا يقولون "راعنا"وهي كلمة استهزاء، ولعلها من الرعونة، فنهى الله المسلمين عن قولها، وكانوا يسلمون على الرسول صلى الله عليه وسلم قائلين:"السام عليك"أي الموت استهزاء وحقدا؛ فنزل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (المجادلة:8) . ومن استهزائهم قولهم يد الله مغلولة، قال تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان} (المائدة: من الآية64) .
خامسا: إعداد الألغاز والأسئلة المعقدة وعرضها على رسول الله ليعجزوه ويشغلوه بها عن الدعوة ويحرجوه أمام المؤمنين في ظنهم:
فقد سألوه عن الروح وعن ذي القرنين وأهل الكهف.
سادسا: حاولوا قتله مرارا وآخرها يوم دست له السم إحدى نساء اليهود في ذراع الشاة المطبوخة، فمضغ مضغة ثم لفظها لتغير طعمها في فيه، أو لأن الله أخبره.
سابعا: وأخيرا حملوا السلاح في وجهه وخانوا عهدهم معه كما فعل بنو قريظة وسكان خيبر، ولكن الله رد كيدهم إلى نحورهم ثم طردوا من الجزيرة.