الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدلّ عليه ذلك أنّها من الكبائر، وحينئذٍ فلا يخرج العمل عن كونه بدعة إلا بحجّةٍ يحصل بها اليقين، أو غَلَبة الظن المستنِد إلى يقين= بأنّ ذلك العمل من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والضعيفُ بعيد عن ذلك، ولا ينفعه ثبوتُ عمومٍ يندرج تحته، فإنّ الأمر بمطلق قيام الليل وصيام التطوع يدلّ على تساوي الليالي والأيام، فمن قام ليلة النصف من شعبان أو صام يومها رجاء ثوابٍ أعظمَ من ثواب ليلة النصف من صفر، فإن واظب عليها احتاج إلى سلطانٍ بأن من هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم المواظبة عليها، فإن لم يكن له سلطان على ذلك، فعمله بدعة، وقد علمتَ أنّ ذلك العموم لا يدلّ على ما ذكر، وأنّ الحديث الضعيف لا يصلح سلطانًا، وقس على ذلك.
ولا يُظَنّ بالصحابة والتابعين وسلف الأمة أن تفوتهم سنةٌ من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فينفرد بها بعض الضعفاء، والمنفردُ بها إن كان واحدًا فذلك حديث غريب، وقد أَبْلَغ الأئمةُ في ذمّ الغرائب كما سلف
(1)
.
[تَرْك النبي صلى الله عليه وسلم وهل هو حجة]
واعلم أنّ عامة الفضائل التي يحاول المتأخرون إثباتها بالأحاديث الضعيفة مما لم يُنْقَل من وجه صحيح أنّه عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها ولا أصحابه، ولا أئمة التابعين، وكثيرٌ منها لم يعمل به [ص 26] مَنْ بعدهم إلى قرون، وما كان كذلك وجب الحكم بأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لم يعملوا به ....
وفي "إعلام الموقعين": "فصل، وأمّا نقلهم لتركه صلى الله عليه وآله
(1)
من هنا ضرب المؤلف على 9 صفحات إلى أواخر [ق 25 ب].
وسلم فهو نوعان، وكلاهما سنة، أحدهما: تصريحهم بأنّه ترك كذا
…
والثاني عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هِمَمهم ودواعيهم أو أكثرِهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدّث به في مجمع أبدًا عُلِم أنه لم يكن".
أقول: وما نُقِل من وجه غير ثابت فكأنّه لم يُنْقَل.
ثم ذَكَر أمثلة من ذلك، إلى أن قال: "ومن ههنا يُعلَم أنّ القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإنّ
(1)
تَرْكه صلى الله عليه وآله وسلم سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا استحببنا فِعْل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرْك ما فَعَله ولا فرق
…
".
أقول: يعني أنّ استحباب ترك السنة الثابتة تكذيب له صلى الله عليه وآله وسلم، وشَرْعٌ في الدين يناقض ما شرعَه، واستحبابُ فعلِ ما تركه كَذِبٌ على الله تعالى، وشَرْعٌ في الدين ما لم يشرعه. فأمّا إذا تركنا للتكاسل ما فَعَلَه فإنّه أهون جدًّا من استحبابنا فعل ما تركه؛ لأنّ غاية الأوّل أن يكون معصية أو مكروهًا أو خلاف الأولى، وليس فيه كذب على الله ولا تكذيب بآياته. وأمّا الثاني فهو كذب على الله وشَرْعٌ في الدين لما لم يأذن به الله، وفيه مع ذلك تكذيب فيما نصّ عليه من إكمال الدين، وفيما تكفّل به من حفظ الشريعة أو رَمْيٌ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه لم يبلّغ ما أنزل الله إليه، أو للصحابة بأنّهم لم يبلغوا ما سمعوا، أو لأئمة التابعين أو من بعدهم. ورَمْيٌ لهم جميعًا بأنّهم كانوا مقصرين عن فضيلة من الفضائل حتى جاء هذا المبتدع فأحياها والعياذ بالله".
(1)
الأصل: "وما" والمثبت من "الإعلام".
ثم قال: "فإن قيل: من أين لكم أنّه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صحّ السؤال وقُبِل
(1)
لاستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنّه لم يُنْقَل؟ واستحبَّ لنا مستحبٌّ آخر الغُسلَ لكلّ صلاة، وقال: من أين لكم أنّه لم ينقل؟
…
واستحبّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أنّ إحياءها لم يُنقل؟ وانفتح بابُ البدعة، وقال كلُّ من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنّ هذا لم يُنقل". "إعلام الموقعين" (2/ 440)
(2)
.
أقول: والسؤال الذي فرضَه مردودٌ إجماعًا، ويكفي لدفعه من الشرع [ص 27] قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وما عُلِم من الدين بالضرورة بأنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع. ومن جهة العقل والعادة ما عُلِم بالتواتر من شِدّة حرص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على تبليغ جزئيات الدين، وحرص أصحابه ــ مع كثرتهم ــ على حفظ ذلك وتبليغه إلى من بعدهم وهلمّ جرًّا، حتّى لقد أنكر بعضُ العلماء الحديثَ الذي يجمع شروط الصحة ولكنه فرد، وأنكر مالكٌ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة؛ لأنّه وجد عملَ أهلِ المدينة على خلافها. وكذا أبو حنيفة رحمه الله فإنّه يتردّد في الأحاديث الأفراد إذا خالفت العمل.
(1)
الأصل: "وقيل" خطأ. والمثبت من "الإعلام".
(2)
(4/ 264 - 265).
ونحن نرى العمل بالأحاديث الأفراد الصحيحة؛ لأنّها داخلة في الأصل القطعي الموجِب للعمل بالحديث الصحيح؛ ولأنّا نرى أنّ ما تكفَّل الله تعالى به من حفظ الشريعة يحصل بذلك.
وقد يجوز أن ينفرد الصحابيُّ بالسنة، ويتفق له أن يحدِّث بها جماعةً محصورين، فيبلّغها واحد منهم فقط. على أنّنا نتردَّدُ في الحديث الفَرْد وإن كان رواته ثقات، إذا كان عن عمل يتكرّر سببُه كثيرًا، أو من شأنه أن تتوفر الرغبات على نقله، وانضمَّ إلى ذلك غرابةُ المعنى؛ بأن لم يوجد له شبيه في الشريعة.
• وممّا احتجّ به القائلون بالعمل بالضعيف: الإجماعُ على أنّ المباح يصير قُربةً بالنية.
والجواب: أن محلّ ذلك في المقاصد الشرعية الثابتة إذا كان يمكن تحصيلها بوسائل كثيرة، كلّ واحدةٍ منها كافية في ذلك، ولم يعيِّن الشرعُ وسيلةً منها على سبيل التحديد، بل ترك النظر للمكلف؛ فإنه يعلم حينئذ أنّ على المكلّف أن يتوصل إلى ذلك المقصد بأي وسيلة شاء من الوسائل المباحة في نفسها، فإذا كان المقصد واجبًا ثبت أنه يجب على المكلّف أن يتوسل إليه بوسيلة من تلك الوسائل، وهي حينئذ واجبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار ذلك الواحد قربة؛ لأنّه حينئذٍ واجب، وإن كان المقصد مندوبًا كانت تلك الوسائل مندوبة على التخيير، فإذا اختار واحدًا منها صار مندوبًا، ويكون التوسل بأحدها إلى ذلك المقصد من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل إن ثبت عنه أنّه توسل به لذلك المقصد، ومن هديه صلى الله عليه وآله وسلم بالقوة إن كان استغنى عنه بغيره، ولكن
على العامل أن يعلم أنّ تلك الوسيلة [ص 28] ليست قربةً بذاتها، وإنّما تكون قُربة للتوسل بها إلى قربة، وعليه إذا كان متبوعًا أن يحترز عن إيهام تابعيه أنّها قربة بذاتها.
فمن ذلك الحج والجهاد مقصدان شرعيّان أُمِرْنا بهما ويمكننا التوسل إليهما بأمور متعددة، كالسفر إلى الحج مشيًا وركوبًا على الخيل والبغال والحمير والجمال والفِيَلة، وفي السفن البحرية شراعية أو بخارية، وفي القطار والسيارات والطيارات وغير ذلك، ولم يحدد لنا الشرع شيئًا منها على سبيل التقييد. وتوسَّل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بالركوب على الناقة وكثير من أصحابه بالمشي، فكانت هاتان الوسيلتان من هديه صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وأمّا التوسل بركوب الباخرة أو القطار أو السيارة أو الطيارة، فلم يقع في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّه من هديه بالقوة. وممّا يصرح بذلك قول الله عز وجل:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]. وركوب السيارة والطيارة ونحوهما سبيل من السبل، وقس على هذا حال الجهاد، فالتوسّل إليه بالسيف والرمح من هديه صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وبالبندق والمدفع وغيرهما من هديه بالقوة، وممّا يصرّح بذلك قول الله عز وجل:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
ومن ذلك: أنّ قراءة القرآن مقصد شرعي أُمِرنا به مطلقًا أي: بدون تعيين وسيلة من وسائله على وجه التحديد والتقييد، فكان ذلك أمرًا بوسائله على وجه التخيير، فيدخل في ذلك التوسل بالنظارات الزجاجية فهي من هدي
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقوة؛ لأنّها إنّما لم تُستعمل في عهده؛ لأنّها لم تكون موجودة. وقد يكون للمقصد الشرعي وسيلة متيسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيعمل به ثم بعده تختل تلك الوسيلة، إمّا بحيث لا تبقى كافية لتحصيل المقصد، وإمّا بحيث يصير غيرها أصلح منها، وحينئذٍ فينبغي العدولُ عن الوسيلة التي كانت في عهده صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تتعين وسيلةٌ لم تكن على عهده فتصير واجبة لعينها، وذلك كتحصيل البنادق والمدافع ونحوهما من آلات الجهاد. وقد تصير وسيلةً لم تكن على عهده أصلح من التي كانت على عهده، فتصير مستحبةً لعينها، وعلى هذين القسمين يدور قسم الواجب والمستحب من أقسام البدعة على ما قَسّمه بعضُ [ص 29] العلماء.
ويدخل فيما تقدم اغتسال مالك عند إرادة التحديث، والبخاري عند إرادة إثبات الحديث في الصحيح
(1)
؛ لأنّ من المقاصد الشرعية وجوب التحفُّظ عن الخطأ في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الحكم على الحديث بالصحة، ولاسيما إذا كان الحاكم يرى أن حكمه سيُعْمَل به إلى يوم القيامة، ومن الوسائل إلى التحفّظ الاغتسال ليكون أقوى للنشاط وصفاء الذهن ولطف الفطنة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستغنيًا عن ذلك بما وهبه الله تعالى له من القوة والعصمة، وأمّا أصحابه فكانوا أحضر أذهانًا وأقوى فطنة مما بعدهم، مع أنّهم لا يكادون يخشون الخطأ؛ لأنّهم سمعوا الحديث من فيه صلى الله عليه وآله وسلم مرارًا، فهم على يقين لا شكّ فيه، ويدخل في هذا كلّ ما لعله يصح ممّا يشبه ذلك عن
(1)
انظر تخريجهما فيما سلف (ص 197).
أئمة السلف، على أنّنا نعلم أنّه لم يكن أحد منهم معصومًا عن الخطأ، والله أعلم.
إذا أحطت خبرًا بما تقدم، ثم وزنتَ به مسحَ الرقبة في الوضوء، وتخصيصَ ليلة النصف من شعبان بالقيام، ويومها بالصيام، اتضح لك الفرق، فإنّ هذه وأمثالها مقاصد لا وسائل، والعامل بها إنّما يتديَّن بها على أنّها قربة بذاتها، والحجة قائمة على أنّها ليست من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بالفعل ولا بالقوة، بل الحجة قائمة على أنّ من هديه صلى الله عليه وآله وسلم تركها بالفعل، وليس هناك ما يقتضي أنّها من هديه بالقوة، بل إنّ الهدي بالقوة إنّما يتصوّر في الوسائل كما تقدم، فأمّا المقاصد الشرعية فكلها من هديه صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل، وتحقيق هذا يحتاج إلى إطالة.
• وممّا احتجُّوا به: أنّ في العمل بالضعيف احتياطًا.
والجواب: يا حبذا الاحتياط، فإنّ الشرع يحثّ عليه، وفي القرآن آيات كثيرة تشير إليه، والأحاديث فيه كثيرة، قد ذكرنا بعض ذلك في موضع آخر، وإنّما علينا أن نعرف ما هو الاحتياط، فأقول: محل الاحتياط عند الاشتباه، فينبغي للمكلف حينئذ أن يختار ما لا خطر فيه، أو ما هو أقلّ خطرًا. والحديثُ الضعيف بعد ثبوت ضعفه ليس بحجة، بل قد قدمنا ما يُعْرَف منه أنّ الحجة قائمة على بطلانه.
ثم نقول: لا يخلو الضعيف أن يكون يقتضي فعلاً أو تركًا، فأمّا الأوّل فإنّك إن عملت ما دلّ عليه وقعت في البدعة، وهي حرام أو شرك، كما يأتي تحقيقه ــ إن شاء الله تعالى ــ، وإن تركتَ العملَ به فغاية الأمر أنّ هناك احتمالاً ضعيفًا
أنّك تركت مستحبًّا، [ص 30] فأخبرني الآن كيف الاحتياط؟ أليس هو أن تترك العمل بالضعيف لئلا تقع في البدعة الحرام أو الشرك؟ ! تدبّر.
وأمّا الثاني فكذلك؛ لأنّ الضعيف إن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه واجب أو مستحب فواضح، وإن اقتضى تركًا لما قام الدليل على أنّه مباح، فَتَرْك المباح الذي قام الدليل على إباحته خوفًا من أن يكون حرامًا أو مكروهًا تدين بتركه، والتدين بما قام الدليل على أنّه ليس من الدين بدعة حرام أو شرك، قال تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 118 - 121].
وجاء في أسبا ب النزول ما حاصله: أنّ شياطين الجن والإنس أوحوا إلى المشركين أن يقولوا للمسلمين: أمّا ما ذبح الله تعالى ــ يعنون الميتة ــ فلا تأكلون، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فتأكلون. وهذه شبهة قد تحمل بعض الناس على أن لا يأكل اللحم أصلاً، يقول: إذا حرم ما ذبح الله فما ذبحت أولى، وتحمل آخرين على أكل الميتة قائلين: إذا أحلّ لنا ما ذبحناه فما ذبح الله تعالى أولى، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبيّن فيها أنّ كلا القولين شرك منافٍ للإيمان؛ لأنّ كلاًّ منهما تديُّن بما لم يشرعه الله عز وجل.
فإن قلت: إنّما كان التديُّن بالامتناع عن أكل ما ذبحناه وسمينا الله عليه
ممّا أحلّه لنا كفرًا منافيًا للإيمان؛ لأنّ حِلّه قطعيّ، ولا كذلك التدين بالامتناع عمّا ورد بتحريمه حديثٌ ضعيف، ولم يكن حِلّه قطعيًّا.
قلت: الفرق ضعيف؛ لأنّ الدليل الشرعي المعتدّ به يجب العمل به قطعًا، وذلك كالحديث الصحيح فإنّه، وإن كان ظنيًّا في ذاته إلا أن وجوب العمل بالحديث الصحيح مطلقًا قطعي، وكذلك سائر الأدلة الظنية المعتدّ بها شرعًا، فإنّ كلَّ فردٍ منها يرجع إلى أصلٍ من أصول الفقه، وأصول الفقه قطعية، وما كان منها ظنيًّا فإنّه يرجع إلى أصل فوقه قطعيّ من أصول الشريعة، وإنّما يتوقف عن التكفير [ص 31] للعذر.
وافرض أنّ رجلاً قال: أنا أعْلَم أن وجوب العمل بالحديث الصحيح أصلٌ قطعيّ من أصول الشريعة، وأعْلَم أن الحديث في حلِّ لحم الضبّ صحيح، وليس عندي ما يعارضه، ولكنّي أقول: إنّ لحم الضبّ حرام، فإنّ العلماء يكفِّرون هذا الرجل، وسيأتي نقل بعض عباراتهم.
ومنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في كتابه "الإعلام بقواطع الإسلام"، قال:"ووقع قريبًا أنّ أميرًا بنى بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة، فقال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تُشدُّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد"، وأنا أقول: تُشدّ الرحال إلى هذا البيت أيضًا. وقد سُئلت عن ذلك، والذي يتّجِه ويتحرّر فيه أنّه بالنسبة لقواعد الحنفية والمالكية وتشديداتهم= يكفر بذلك عندهم مطلقًا، وأمّا بالنسبة لقواعدنا وما عُرِف من كلام أئمتنا السابق والّلاحق= فظاهر هذا اللفظ أنّه استدراك على حَصْره صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه ساخر به، وأنّه شَرَع شرعًا آخر غير ما شرعَه نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه ألْحَقَ هذا البيت بتلك المساجد الثلاث في
الاختصاص عن بقية المساجد بهذه المزية العظيمة، التي هي التقرُّب إلى الله تعالى بشدّ الرحال إليها.
وكلُّ واحد من هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفرٌ بلا مِرْية، فمتى قَصَد أحدَهما فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفر أيضًا؛ لما علمتَ أنّ الّلفظ ظاهر في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية كما عُلِم من فروع كثيرة مرّت وتأتي.
وإن أُوِّل بأنّه لم يُرِد إلا هذا البيت لكونه أعجوبةً في بلده، يكون ذلك سببًا في مجيء الناس إلى رؤيته، كما أنّ عَظَمة تلك المساجد اقتضت شدّ الرحال إليها، قُبِل منه ذلك، ومع ذلك فيُعَزَّر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى اقتضاءَ
(1)
التعزيرِ إلى القتل كما سيأتي عن أبي يوسف لأراح الناسَ من شرِّه ومجازفته، فإنّه بلغ فيها الغايةَ القصوى. تاب الله علينا وعليه آمين". "الإعلام" ص 36
(2)
.
والحاصل أنّ محلّ الاحتياط إنّما هو عند الاشتباه، كما يُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه رأى تمرةً مُلقاة فقال:"لولا أنّي أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها"
(3)
. كأنّه كان وجدها في موضع يحتمل أن تكون من تمر الصدقة وأن تكون من غيره، والاحتمالان متكافئان ولو كان في موضعٍ
(1)
في المطبوعة: "إفضاء".
(2)
(ص 253 - 254 - ط دار إيلاف).
(3)
أخرجه أحمد (6720) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحسَّنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (2/ 99)، وقال الهيثمي في "المجمع":(3/ 88): رجاله موثقون.
الغالبُ فيه أن لا تكون من تمر الصدقة لما
(1)
كفّ عنها، والله أعلم.
والدليل على ذلك أنّه صرّح أنه إنّما مَنَعه عنها خشيةَ أن تكون من تمر الصدقة، مع أنّه يحتمل أن تكون [ص 32] لفقيرٍ تَرِبٍ لها عنده بال، ولكن لما كان هذا الاحتمال ضعيفًا لم يعتدّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فتدبّر.
والمسلم لا يخلو أن يكون مجتهدًا أو مقلّدًا، فأمّا المجتهد فإنّه ينبغي له إذا بلغه حديثٌ لم يتبين له أصحيح هو أم ضعيف أن يتوقّف عن الحكم حتى يتبين له، ولكنّه إذا اضطر إلى العمل في تلك المسألة قبل التبيُّن عمل بحسب ما عنده من الأدلة الثابتة وأعرض عن ذلك الحديث. وعلى هذا جرى عمل الأئمة.
ألا ترى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كثيرًا ما يبلغه الحديث لا يعلم صحَّتَه فيجزم بالحكم بخلافه ثم يقول: إلا أن يصح الحديث فيؤخذ به. وقد جمع الحافظ ابن حجر في ذلك كتابًا سماه "المنحة فيما علّق الشافعيُّ القولَ به على الصحة". ولكن إذا كان ذلك الحديث يقتضي تحريمًا فقد قال إمام الحرمين في حديث المستور: يجبُ الانكفاف حتى يتبين
(2)
. ونازعه ابنُ السبكي بأنّ اليقين لا يزال بالشك
(3)
. وفي "فتح المغيث" عن الحافظ ابن حجر ما يوافق إمام الحرمين، وأنّ ذلك ما دام يُرجى التبيُّن، فأمّا إذا يئس منه فلا يجب الانكفاف، وتنقلب الإباحة كراهية. وتردد السخاوي في معنى انقلاب
(1)
الأصل: "كما" سهو.
(2)
في "البرهان": (1/ 614).
(3)
في "جمع الجوامع ــ مع حاشية العطار": (2/ 176).
الإباحة كراهية، أإثبات للكراهية هو أم نفي لها. "فتح المغيث" ص 138
(1)
.
وأقول: الظاهر أنّه إثبات لها، أي: أنّ ذلك الشيء الذي كان قبل سماع الحديث باقيًا على الإباحة الأصلية يصير بعد سماع الحديث واليأس من معرفة حال راويه مكروهًا احتياطًا، جرى الحافظُ في هذا على ما تقدم عن النووي. والذي أراه أنّ المجتهد إذا سمع حديثًا يقتضي تحريمًا من مستور، وهو يستطيع البحث عن حاله عن قُرْب؛ فالظاهر ما قاله إمام الحرمين وتبعه الحافظ من وجوب الانكفاف والبحث. وإذا بحث ولم يتبين له ولكنّه يرجو أن يتبين له في المستقبل، فالظاهر استحباب الانكفاف احتياطًا لبقاء الشبهة. فأمّا إذا ترجّح أنّ ذلك المستور لا سبيل إلى معرفة حاله فلا يستحب الانكفاف، بل يحرم الانكفاف لأجل ذلك الحديث؛ لأنّه قد تبين واستقرّ أنّه ليس بحجة فلم تبق الشبهة.
وذلك مثل أن يقف المجتهد على حديث رُوي عن مستور كان قبل عصره بقرون، وتتبَّع كلام الحفّاظ في ذلك الرجل فلم يجد لهم كلامًا فيه أو وجد بعضهم قد نصّ على أن ذلك الرجل مستور.
هذا حكم المستور، فأمّا مَن قد عُلِم ضعفه فإنّه لا يقام لحديثه وزن أصلاً؛ لأنّه لما عُلم ضعفُه فقد عُلم أنّ حديثه ليس بحجة، فزال تعادل الاحتمالين الذي يتحقق به الاشتباه الداعي إلى الاحتياط. والله أعلم.
وأمّا المقلّد إذا سمع أنّ من العلماء مَن يخالف إمامَه، فالظاهر أنّه ينبغي له الاحتياط إلا أن يظفر بعالمٍ متبحِّر عارف بكتاب الله وسنة رسوله، مطلع
(1)
(2/ 53 - 54).
على مذاهب العلماء وأدلتهم، معروف بالتورّع والتقوى في
…
(1)
.
فإن لم يغنه ذلك فألتمس منه أن ينظر هل العمل بالضعيف مستند إلى أصل قطعيّ كالصحيح والحسن؟ فسيعلم إن شاء الله أنّه ليس كذلك، وإذا علم هذا فليعلم أنّ الأئمة قد نصُّوا على أنّ أصولَ الفقه لا بد أن تكون قطعية والعمل بما ليس بقطعيٍّ ولا يستند إلى قطعيٍّ تديُّن بغير سلطان، وهو كذب على الله، وتكذيب له، وهما مصدر الكفر والشرك، كما في آيات كثيرة من القرآن، وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى.
فإن بقي في نفسه شيء فليوازن بين الأجر الذي يرجوه من العمل بالضعيف وبين ما يُخْشَى عليه من العمل به من البدعة بل الكفر بل الشرك، وليعلم أنّ الاحتياط واجب عليه كما في حديث "الصحيحين":"الحلال بَيّن والحرام بَيّن"
(2)
وغيره، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
وليعلم أنّه إن ترك العمل خوفًا أن يكون بدعة أو كفرًا أو شركًا كتب الله له أجرَ ذلك الخوف وأجرَ ذلك العمل لو كان مشروعًا، كما ورد فيمن ترك التطوُّع لسفرٍ أو مرض أو شغل بل هذا أولى؛ لأنّ تارك التطوع لسفر ونحوه تركه لحظ نفسه، وتارك العمل خوفًا أن يكون مسخطًا لله تعالى تركه طاعة لربه عز وجل، وأنّه إن أقْدَم عليه مع احتماله أنّه بدعة أو كفر أو شرك كان عليه وزر من فَعَل ذلك، كمن أقْدَم على وطء امرأة يتردّد فيها أزوجته هي أم أمه، والله أعلم.
(1)
هنا سقطت ورقة أو أكثر.
(2)
تقدم تخريجه.
ولله درّ الإمام مالك بن أنس رحمه الله فإنّه كان أحْذَر الأئمة من البدع، وأدقّهم نظرًا في معرفة مسالكها وغوائلها، وعلمًا بما حُفَّت به من الشهوات، وما للناس إليها من الرغبات، والأصل الذي قال به في سَدّ الذرائع هو أعظم سدٍّ لصدِّ سيلها الجارف، والله المستعان، وهو حسبي ونعم الوكيل.