الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفقر والسقام
أيّ مضنى يمدها باكتئاب
…
أنة تترك الحشا في التهاب
يتشكى والليل وحف الإهاب
…
ضمن بيت جثا على الأعقاب
صفعته فمال كفّ الخراب
تسمع الأذن منه صوتاً حزيناً
…
راجفاً في حشا الظلام كمينا
يملأ الليل بالدعاء أنيناً
…
ربّ كن لي على الحياة معينا
ربّ إن الحياة أصل عذابي
وجع في مفاصلي دق عظمي
…
ودهاني ولم يرق لعدمي
عاقني عن تكسبي قوت يومي
…
ربّ فارحم فقري بصحة جسمي
إن فقري أشد من أوصابي
يا طبيباً وأين منّي الطبيب
…
حال دون الطبيب فقر عصيب
لا أصاب الفقير داء مصيب
…
إن سقم الفقير شيء عجيب
بطلت فيه حكمة الأسباب
رجل معسر يسمى بشيرا
…
كان يسعى طول النهار أجيرا
كاسباً قوته زهيداً يسيرا
…
مالكاً في المعاش قلباً شكورا
راجياً في المعاد حسن المآب
وله أخت حكته خلقاً نزيهاً
…
عانس جاوز الزواج سنيها
لزمت بيت أمها وأبيها
…
مع أخيها تعيش عند أخيها
مثله في طعامه والشراب
كل يوم له ذهاب ومأتى
…
في معاش من كدّه يتأتى
هكذا دأبه مصيفاً ومشتى
…
فاعتراه داء المفاصل حتى
عاقه عن تعيش واكتساب
بينما كان في قواه صحيحاً
…
ساعياً في ارتزاقه مستميحا
إذ عراه الضنى فعاد طليحا
…
ورمته يد السقام طريحا
جسمه من سقامه في اضطراب
بات يبكي إذا له الليل آوى
…
بعيون من السهاد نشاوى
فترى وهو بالبكا يتداوى
…
قطرات من عينه تتهادى
كشهاب ينقض أثر شهاب
إن سقماً به وعدماً ألما
…
تركاه يذوب يوماً فيوما
فهو حيناً يشكو إلى السقم عدما
…
وهو يشكو حيناً إلى العدم سقما
باكياً من كليهما بانتحاب
ظلّ يشكو للأخت ضعفاً وعجزاً
…
إذ تعزّيه وهو لا يتعزى
أيها الأخت عزّ صبري
…
إن للداء في المفاصل وخزا
مثل طعن القنا ووخز الحراب
قد تمادى به السقام وطالا
…
وتراءى له الشفاء محالا
إذ قلاباً به السقام استحالا
…
كان هيناً فصار داء عضالا
ناشباً في الفؤاد كالنشاب
ظل ملقى وأعوزته المطاعم
…
موثقاً من سقامه بالأداهم
منفقاً عند ذاك بعض دراهم
…
ربحتها من غزلها الأخت فاطم
قبل أن يبتلى بهذا المصاب
قال والأخت أخبرته بأن قد
…
كربت عندها الدراهم تنفد
أخبري السقم عله يبتعد
…
أيها السقم خل عيشي النكد
لا تعقني في عيشتي عن طلابي
مرضيني شقيقتي مرضيني
…
وعلى الكسب في غد حرضيني
وإذا مسك الطوى فارفضيني
…
أو على الناس للمبيع اعرضيني
علهم يشتروني مما بي
رام خبزاً والجوع أزكى الأوارا
…
في حشاه فعللته انتظارا
ثم جاءت بالماء تبدي اعتذارا
…
وهل الماء وهو يطفيء نارا
يطفئ الجوع ذاكيا في التهاب
خرجت فاطم إلى جارتيها
…
وهي تذري الدموع من مقلتيها
فأبانت برقة حالتيها
…
من سقام ومن سعار لديها
وشكت بعد ذا خلوّ الوطاب
فانثنت وهي بين ذل وعز
…
تحمل التمر في يد فوق الخبز
وبأخرى دهناً وبعض أرز
…
منحوها به وذو العرش يجزي
من أعان الفقير حسن الثواب
ليلة تنشر العواصف ذعراً
…
في دجاها حيث السحاب اكفهرا
ذا هزيم في الأذن وقرا
…
حين تبدي صوالج البرق تترى
كهربائية سرت في السحاب
مدّ فيها ذاك المريض الأكفا
…
في فراش به الموت أوفى
طرفه كالسها يبين ويخفى
…
حيث يغطي طرفاً ويفتح طرفا
عاجزاً عن تكلم وخطاب
فدعته والعين تذري الدموعا
…
أخته وهي قلبها قد ريعا
يا أخي أنت ساكت أفجوعاً
…
ساكت أنت يا أخي أم عجوعا
فاشفي يا أخي برجع الجواب
قرأت منه أنه لا يجيب
…
فتدانت والدمع منها صبيب
ثم أصغت وفي الفؤاد وجيب
…
ثم هابت والموت شيء مهيب
ثم قامت بخشية وارتياب
خرجت فاطم من البيت ليلا
…
حيث أرخى الظلام سدلا فسدلا
وهي تبكي والغيث يهطل هطلا
…
مثل دمع من مقلتيها استهلا
أو كماء جرى في الميزاب
ربّ أدرك باللطف منك شقيقي
…
وامنع الغيث أن يكون معيقي
ومر البرق أن يضيء طريقي
…
ببريق أثر بريق
فعسى أهتدي في ذهابي
قرعت في الظلام باب الجار
…
وهي تبكي الأسى بدمع الجار
ثم نادت برقة وانكسار
…
أم سلمي ألا بحق الجوار
فافتحي إنني أنا في الباب
فأتتها سعدى وقد عرفتها
…
وعن الخطب في الدجى سألتها
ثم سارت من بعد ما أعلمتها
…
تقتفيها وبنتها تبعتها
فتخطين في الدجى بانسياب
جئن والسحب أقلعت عن حياها
…
وكذاك الرعود قل رغاها
حيث يأتي شبه الأنين صداها
…
غير أن البروق كان ضياها
مومضاًَ في السماء بين الرباب
فدخلن المحل وهو مخيف
…
حيث أن السكوت فيه كثيف
وضياء السراج نور ضعيف
…
وبه في الفراش شخص نحيف
دب منه الحمام في الأعصاب
قالت الأخت أم سلمى انظريه
…
ثكلت روح أمه وأبيه
فرأت منه إذ دنت نحو فيه
…
نفساً مبطئ التردد فيه
ثم غاله الردى باقتضاب
وجمت حيرة وبعد قليل
…
رمقت فاطماً بطرف كليل
فيه حمل على العزاء الجميل
…
فعلا صوت فاطم بالعويل
وبكت طول ليلها بانتحاب
فاستمرت حتى الصباح توالي
…
زفرات بنارها القلب صال
فأتاها ودمعها في انهمال
…
بعض جاراتها وبعض رجال
من صعاليك أهل ذاك الجناب
وقفوا موقفاً به الفقر ألقى
…
منه ثقلاً به المعيشة تشقى
فرأوا دمع فاطم ليس يرقا
…
وأخوها ميت على الأرض ملقى
مدرج في رثائث الأثواب
فغدت فاطم ترن رنيناً
…
ببكاء أبكت به الواقفينا
…
أيها الواقفون هل ترحمونا
من مصاب دها وأيّ مصاب
أيها البواقفون لا تهملوه
…
دونكم أدمعي بهن اغسلوه
ثم بالثوب ضافياً كفنوه
…
وادفنوه لكن بقلبي ادفنوه
لا تواروا جبينه بالتراب
بعد أن ظلّ لافتقاد المال
…
وهو ملقى إلى أوان الزوال
جاد شخص عليه بعد سؤال
…
بريال وزاد نصف ريال
رجل حاضر من الأنجاب
كفنوه من بعد ما تم غسلا
…
وتمشوا به إلى القبر حملا
فترى نعشه غداة استقلا
…
نعش من كان في الحياة مقلا
دون ستر مكسر الأجناب
ناحت الأخت حين سار وصاحت
…
أختك اليوم لو قضت لاستراحت
ثم سارت مدهوشة ثم طاحت
…
ثم قامت ترنو له ثم راحت
تسكب الدمع أيما تسكاب
أيها الحاملوه لأمشي ركض
…
إن هذا يوم الفراق الممض
فاسألوه عن قصده وأين يمشي
…
إنه قد قضى ولم يك يقضي
واجبات الصبا وشرخ الشباب
إن قلبي على كريم السجايا
…
طاح والله من أساه شظايا
قاتل الله يا ابن أمي المنايا
…
أنا من قبل مذ حسبت الرزايا
لم يكن رزء موتكم في حسابي
إن ليلي ولست من راقديه
…
كلما جاءني وذكرنيه
قلت والدمع قائل لي إيه
…
يافقيداً أعاتب الموت فيه
ببكائي وهل يفيد عتابي
رحت يوماً وقد مضت سنتان
…
أتمشي بشارع الميدان
مشي حيران خطوة متدان
…
أثقلته الحياة بالأحزان
وسقته كأساً بطعم الصاب
بينما كنت هكذا أتمشى
…
عرضت نظرة فأبصرت نعشا
بادياً للعيون غير مغشى
…
نقش الفقر فيه للحزن نقشا
فبدا لوح أبؤس واكتئاب
قلت سراً والنعش يقرب مني
…
أيها النعش أنت أنعشت حزني
للأسى فيك حالة ناسبتني
…
إن بدا اليوم فيك حزن فإني
أنا للحزن دائماً ذو انتساب
رحت أسعى وراءه مذ تعدى
…
مسرعاً في خطاي لم آل جهدا
مع رجال كأنجم النعش عدا
…
هم به سائرون سيرا مجدا
فتراه يمرّ مرّ السحاب
مذ لحدنا ذاك الدفين وعدنا
…
قلت والدمع بلّ مني ردنا
إن هذا هو الذي قد وعدنا
…
فأبينوا من الذي قد لحدنا
فتصدى منهم فتى لجوابي
قال إن الدفين أخت بشير
…
أخت ذاك المسكين ذاك الفقير
بقيت بعده بعيش عسير
…
وبطرف باك وقلب كسير
وقضت مثله بداء القلاب
قلت أقصر عن الكلام فحسبي
…
منك هذا فقد تزلزل قلبي
ثم ناجيت والضراعة ثوبي
…
ربّ رحماك ربّ رحماك ربّ
ربّ رشداً إلى طريق الصواب
ربّ إن العباد أضعف أن لا
…
يجدوا منك ربّ عفواً وفضلا
فاعف عن أخذهم وإن كنت عدلا
…
أنت يا ربّ أنت بالعفو أولى
منك بالأخذ والجزا والعقاب
قد وردنا والأرض للعيش حوض
…
واحد كلنا لنا فيه خوض
فلماذا به مشوب ومحض
…
عظمت حكمة الإله فبعض
في نعيم وبعضنا في عذاب
أيها الأغنياء كم قد ظلمتم
…
نعم الله حيث ما إن رحمتم
سهر البائسون جوعاً ونمتم
…
بهناء من بعد ما قد طعمتم
من طعام منوّع وشراب
كم بذلتم أموالكم في الملاهي
…
وركبتم بها متون السفاه
وبخلتم منها بحق الله
…
أيها الموسرون بعض انتباه
أفتدرون أنكم في تباب
بغداد
معروف الرصافي