الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أمَّا مراسيل الصحابة: وهو ما وقع لبعض الصحابة، ممّا لم يسمعوه من النبي- صلى الله عليه وسلم مباشرة، إنما سمعوه من صحابة آخرين، وهذا يحصل لصغار الصحابة، مثل ابن عباس، وأنس بن مالك، فهذا مقبول عند جمهور المحدِّثين؛ لأنَّ ما لم يسمعوه من النبي- صلى الله عليه وسلم مباشرة، فإنَّما سمعوه من صحابة آخرين، والصحابة كلّهم عدول.
المحاضرة الثامنة تتمات الضعيف
6 رجب 1425
رابعاً: التدليس
هُوَ أحد الأسباب الرئيسة المهمة في علم علل الحديث؛ لأن التدليس يكشف عَنْ سقوط راوٍ أحياناً فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون أو يكون الراوي ضعيفاً ولم يتابع فيضعف الحديث من أجله ولابدّ لنا من تفصيل القَوْل في التدليس:
فالتدليس لغة: مأخوذ من الدَّلَسِ - بالتحريك - وَهُوَ اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر. قال ابن حجر: وكأنه أظلم على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه. ومنه التدليس في البيع، يقال: دلس فلان على فلان، أي: ستر عنه العيب الذي في متاعه كأنه أظلم عليه الأمر، وأصله مما ذكرنا من الدلس.
أما في الاصطلاح، فإن التدليس عندهم يتنوع إلى عدة أنواع:
الأول: تدليس الإسناد:
وَهُوَ أن يروي الرَّاوِي عمن لقيه ما لَمْ يسمعه مِنْهُ بصيغة محتملة.
والمراد من الصيغة المحتملة: أن لا يصرح بالسماع أَوْ الإخبار مثل: حَدَّثَنَا، وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لنا، وإنما يجيء بلفظ يحتمل الاتصال وعدمه، مثل: إن، وعن، وَقَالَ، وحدّث، وروى، وذكر، لذا لَمْ يقبل الْمُحَدِّثُوْنَ حَدِيْث المدلس ما لَمْ يصرِّح بالسماع.
الثاني: تدليس الشيوخ:
وَهُوَ أن يأتي باسم شيخه أَوْ كنيته عَلَى خلاف المشهور بِهِ تعمية لأمره وتوعيراً للوقوف عَلَى حاله. وهذا النوع حكمه أخف من السابق، وفي هَذَا النوع تضييع للمروي عَنْهُ وللمروي وتوعير لطريق مَعْرِفَة حالهما. ثُمَّ إن الحال في كراهيته يختلف بحسب الغرض الحامل عَلَيْهِ، إِذْ إن من يدلس هَذَا التدليس قَدْ يحمله كون شيخه الَّذِيْ غيّر سمته غَيْر ثقة، أو أصغر من الرَّاوِي عَنْهُ، أو متأخر الوفاة قَدْ شاركه في السَّمَاع مِنْهُ جَمَاعَة دونه، أو كونه كثير الرِّوَايَة عَنْهُ فلا يحب تكرار شخص عَلَى صورة واحدة.
الثالث: تدليس التسوية:
وَهُوَ أن يروي عَنْ شيخه، ثُمَّ يسقط ضعيفاً بَيْنَ ثقتين قَدْ سَمِعَ أحدهما من الآخر أو لقيه، ويرويه بصيغة محتملة بَيْنَ الثقتين. وممن اشتهر بهذا النوع: الوليد بن مُسْلِم، وبقية بن الوليد. وهذا النوع من التدليس يشترط فِيْهِ التحديث والإخبار من المدلس إلى آخره.
تنبيه: هذا النوع من التدليس قَدْ سماه القدماء تجويداً. فتح المغيث 1/199،وتدريب الرَّاوِي 1/226،وشرح ألفية السيوطي: 36 - أي يذكر فيه الجياد من أهل الإسناد، أو أنه جعل ظاهر الإسناد جيداً بهذا الصنع القبيح، أو لأن المدلس يبقي جيد رواته -. وسماه صاحب ظفر الأماني: 377 بـ: " التحسين " - أي أن المدلس يحسن ظاهر الإسناد.
وسمي هذا النوع من التدليس تسوية؛ لأن فاعله يسقط المجروح من الإسناد من بعد شيخه ليستوي حال رجاله في الثقة.
الرابع: تدليس العطف:
وَهُوَ مثل أن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلَان وفلان، وَهُوَ لَمْ يَسْمَع من الثاني.
الخامس: تدليس السكوت:
وَهُوَ كأن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ، ثُمَّ يسكت برهة، ثُمَّ يقول: هشام بن عروة أو الأعمش موهماً أنه سَمِعَ منهما، وليس كذلك.
السادس: تدليس القطع:
وَهُوَ أن يحذف الصيغة ويقتصر عَلَى قوله مثلاً: الزهري عَنْ أنس.
السابع: تدليس صيغ الأداء:
وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَوْ الإخبار عَن الإجازة موهماً للسماع، وَلَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع.
وهذه الأنواع السبعة ليست كلها مشتهرة إنما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول. وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ دورٌ في الاختلافات الحديثية متوناً وأسانيد، إِذْ قَدْ يكشف خلال البحث بَعْدَ التنقير والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفاً أَوْ في حفظه شيءٌ، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا.
ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ ما رَوَاهُ ابن حبان في صحيحه (1423) من طريق ابن جريج، عَنْ نافع، عَن ابن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَبُلْ قائماً)) .
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنَّ ابن جريج مدلسٌ وَقَدْ عنعن هنا وَلَمْ
يصرح بسماعه من نافع، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ من نافع أحاديث كثيرة، فهُوَ معروف
بالرواية عَنْهُ، وروايته عَنْهُ في الكتب الستة. ولكن النقاد ببصيرتهم الناقدة
ونظرهم الثاقب كشفوا أنَّ في هَذَا السند واسطة بَيْنَ ابن جريج ونافع، وأن ابن
جريج لَمْ يسمعه من نافع مباشرة، بَلْ سمعه من عَبْد الكريم بن أبي المخارق الضعيف، وَقَدْ صرّح ابن جريج في بعض طرق الْحَدِيْث بهذا الساقط، فبان تدليسه؛ فَقَدْ رَوَى
عَبْد الرزاق في مصنفه (15924) - ومِنْ طريقه ابن ماجه في سننه (308)) ، وأبو عوانة في مسنده (4/25) ، وابن عدي في الكامل (7/40) ، وتمام
الرازي في: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام (1/203 (148)) ، والحاكم في: المستدرك (1/158) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/102) - عَن ابن جريج، عَنْ عَبْد الكريم بن أبي المخارق، عَنْ نافع، بِهِ.
ومن بدائه علم الْحَدِيْث أن حَدِيْث الثقة ليس كله صحيحاً، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفاً، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير إنما يطلع عَلَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ، لذا فتّش العلماء في حَدِيْث ابن أبي المخارق هل توبع عَلَيْهِ، أم أخطأ فِيْهِ؟ وخالف الثقات الأثبات أم انفرد؟ فنجدهُمْ قَدْ صرّحوا بخطأ ابن أبي المخارق لمخالفته الثقات الأثبات في ذَلِكَ، قَالَ البوصيري في مصباح الزجاجة (1/45) - بَعْدَ أن ضعّف حَدِيْث ابن أبي المخارق -:((عارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري الثقة المأمون المجمع عَلَى ثقته، ولا يُغتر بتصحيح ابن حِبّان هَذَا الخبر من طريق هشام بن يوسف، عَن ابن جريج عَنْ نافع، عَن ابن عمر. فإنه قَالَ بعده: أخاف أن يَكُوْن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع، وَقَدْ صحّ ظنُّه، فإنّ ابن جريج إمّا سمعه من ابن أبي المخارق كَمَا ثبت في رِوَايَة ابن ماجه هَذِهِ والحاكم في المستدرك واعتذر عَنْ تخريجه أنه إنّما أخرجه في المتابعات)) .
وَقَالَ الترمذي: ((إنما رفع هَذَا الْحَدِيْث عَبْد الكريم بن أبي المخارق، وَهُوَ ضعيف عِنْدَ أهل الْحَدِيْث، ضعّفه أيوب السختياني وتكلم فِيْهِ. وروى عبيد الله، عَنْ نافع عَن ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر رضي الله عنه: ما بلتُ قائِماً منذُ أسلَمْتُ. وهذا أصح من حَدِيْث عَبْد الكريم)) الجامع الكبير للترمذي 1/61-62 عقيب (12) .
أقول: رِوَايَة عبيد الله الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه (1324)، والبزار في مسنده (وَهُوَ المسمى بـ: البحر الزخار (149) ، والحديث أيضاً في كشف الأستار (244)) من طريق عبيد الله بن عمر، عَنْ نافع، عَن ابن عمر، عَنْ عمر موقوفاً، وَهُوَ الصواب.
ومما يدل عَلَى عدم صحة حَدِيْث ابن أبي المخارق أن الحافظ ابن حجر قَالَ:
((وَلَمْ يثبت عَن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في النهي عَنْه شيء)) فتح الباري 1/330.
بَعْدَ هَذَا العرض السريع بان لنا واتضح أن التدليس سبب من أسباب الاختلافات في الأسانيد والمتون؛ إِذْ إنه قَدْ يسفر عَنْ سقوط رجلٍ من الإسناد فيخالف الرَّاوِي غيره من الرُّوَاة.
وما دمت قد مهدت عن التدليس وأنواعه فلا بد أن أذكر أموراً أخرى تتعلق بالتدليس، وهي كما يأتي:
أولاً. حكم التدليس، وحكم من عرف بِهِ:
مضى بنا في تعريف التدليس لغة أنّ مجموع معانيه تؤول إلى إخفاء العيب، وليس من معانيه الكذب، ومع ذَلِكَ فَقَد اختلف العلماء في حكمه وحكم أهله.
فَقَدْ ورد عن بعضهم ومنهم - شعبة - التشديد فِيْهِ، فروي عَنْهُ أنه قَالَ:
((التدليس أخو الكذب)) ، وَقَالَ أَيْضاً:((لأنْ أزني أحب إليّ من أن أدلس)) .
ومنهم من سهّل أمره وتسامح فِيْهِ كثيراً، قَالَ أبو بكر البزار:((التدليس ليس بكذب، وإنما هُوَ تحسين لظاهر الإسناد)) .
وَالصَّحِيْح الَّذِيْ عليه الجمهور أنه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرَّاوِي حَتَّى نرد جميع حديثه، وإنما هُوَ ضَرْبٌ من الإيهام، وعلى هَذَا نصّ الشَّافِعِيّ رحمه الله فَقَالَ:((ومن عرفناه دلّس مرة فَقَدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تِلْكَ العورة بالكذب فنرد بِهَا حديثه، ولا النصيحة في الصدق، فنقبل مِنْهُ ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق)) .
ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة عَلَى ((المبالغة في الزجر عَنْهُ والتنفير)) .
وإذا تقرر هَذَا، فما حكم حَدِيْث من عرف بِهِ؟ للعلماء فِيْهِ أربعة مذاهب:
الأول: لا تقبل رِوَايَة المدلس، سواء صرح بالسماع أم لا، حكاه ابن الصَّلَاحِ عن فريق من أهل الْحَدِيْث والفقه، وهذا مبني عَلَى القَوْل بأنّ التدليس نفسه جرح تسقط بِهِ عدالة من عُرِف بِهِ. وهذا الَّذِي استظهره عَلَى أصول مذهب الإمام مالك القاضي عَبْد الوهاب في الملخص.
الثاني: قبول رِوَايَة المدلس مطلقاً، وَهُوَ فرع لمذهب من قَبِلَ المرسل ونقله الْخَطِيْب البغدادي عن جمهور من قَبِلَ المراسيل، وحكاه الزركشي عن بعض شارحي أصول البزدوي من الحنفية. وبنوا هَذَا عَلَى ما بنوا عَلَيْهِ قبول المرسل؛ من أنّ إضراب الثقة عن ذكر الرَّاوِي تعديل لَهُ، فإن من مقتضيات ثقته التصريح باسم من روى عَنْهُ إذا كَانَ غَيْر ثقة.
الثالث: إذا كَانَ الغالب عَلَى تدليسه أن يَكُون عن الثقات فهو مقبول كيفما كانت صيغة التحديث، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب رد حديثه حَتَّى يصرح بالسماع، حكاه الْخَطِيْب عن بعض أهل العلم، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي.
الرابع: التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع، فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل. وهذا الَّذِي عَلَيْهِ جمهور أَهْل الْحَدِيْث وغيرهم وصححه جمع، مِنْهُمْ: الْخَطِيْب البغدادي وابن الصَّلَاحِ وغيرهما وهو الحق.
ثانياً. حكم الْحَدِيْث المدلس:
لما كَانَ في حَدِيْث المدلس شبهة وجود انقطاع بَيْنَ المدلس ومن عنعن عَنْهُ، بحيث قَدْ يَكُوْن الساقط شخصاً أو أكثر، وَقَدْ يَكُوْن ثقة أَوْ ضعيفاً. فلما توافرت هَذِهِ الشبهة اقتضى ذَلِكَ الحكم بضعفه.