الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
سماحة مفتي الجمهوية اللبنانية الشيخ حسن خالد
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، فأوضح فيه للناس صراطه المستقيم، وأظهر لهم بآياته الباهرات الدالة على أنه الله الكبير المتعال .. أحمده حمد من اتبع هداه، وابتغى حبه ورضاه ورفض الباطل وما فيه من هرج ومرج، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله النذير البشير والسراج المنير والهادي إلى الحق وطريق مستقيم ..
أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كتاب الله الذي نزله على محمد هو النور الذي سلط الله تعالى نوره على الوجود فجمع فيه بين أصدق الحديث وخير الهدي لنسترشد به ظلمات هذه الحياة ومتاهاتها الكثيرة، ولنصل إلى ضمان ما ننشده من سعادة الدنيا والآخرة.
وإن الاشتغال بدراسة كلام الله تعالى الذي هو الحجة البالغة والعصمة لمن استمسك به والمعجزة القاهرة الدائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومحاولة فهمه وتفسير كلماته وآياته وأحكامه وما حواه من أوامر ونواه لهو أشرف المقاصد وأكثر الأعمال ثوابا.
ولقد سعد المسلمون منذ تلقوا هذا الكتاب غضا طريا من فم الرسول الرؤوف الرحيم، فبادروا إلى حفظه وتدوينه آية آية وسورة سورة حتى اكتمل نزوله وتمت به نعمة الله تعالى علينا وعلى الناس ..
ورغم أنه قد أنزله الله تعالى بلسان من نزل فيهم، لسان عربي مبين، فقد ورد فيه المتشابه والمحكم والغريب والعام والخاص والمطلق والمقيد وما يتطلب الاستعانة بالعلماء والحكماء لكشف ما فيه من أسرار وإشارات كونية وإنسانية ..
ومن يوم نزوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبينه للناس على قدر حاجتهم وقدر تقبلهم وقدر مستواهم يوم نزل، فبين أشياء وسكت عن أشياء رحمة بهم غير نسيان، يقول الله تبارك وتعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1) ويقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (2). وقد
روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَلَا وَإِنِّي قد أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ (3)» ، قال العلماء في معنى هذا القول:
إنه قد أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو أو أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى وأوتي من البيان مثله.
وقد جاء بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لمجمل القرآن كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها ونصابها، وبيانه لمناسك الحج وغيره كثير، وقد عرف من أقواله صلى الله عليه وسلم:«خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . الخ
…
وقد روى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: "كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَحْضُرُهُ جِبْرِيلُ بالسُنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ (4) ".
وقد أخذ الصحابة رضوان الله عليهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن حفظا وبيانا فثبت أنه كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمهم القرآن والعمل جميعا .. فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يفهمهم أن العلم ليس رواية فحسب بل هو دراية وتطبيق
…
ولذلك كانت قلوب الصحابة في غاية من الاستنارة، وبصائرهم على تمام من الكشف والنفاذ، ومن ذلك كانت قدرتهم على فهم آيات الكتاب وعلى تأويله والاستنباط منه.
بيد أنه مع ذلك لم يرو عنهم تفسير القرآن كله أو تأويله بجملته، وإنما انتصروا على بيان ما استغلق على بعضهم فهمه، وبصورة مجملة ودونما تفصيل، ولم يثبت أن هذا الذي فسروه قد دون في عصرهم، بل كل الذي عرف عنهم فيه أنه
(1) النحل - 44.
(2)
الحشر - 7.
(3)
القرطبي 1: 37
(4)
القرطي 1: 36.
نقل إلينا رواية كما نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأكثر الصحابة تفسرا هو عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة كما اشتهر وصفه، وهو الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:"اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قد جمع عنه تفسير كامل. ولم يتفق مثل ذلك لغيره ممن عاشوا في الصدر الأول.
هذا ويمكن إجمال المراحل التي مر فيها التفسير منذ الصدر الأول حتى هذا التاريخ على الوجه التالي: -
المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي كان ينزل فيها الكتاب وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى بنفسه تبيينه للناس. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون عما كان يفوتهم فهمه من ألفاظه ومعانيه ومقاصده. ولما انتقل إلى جوار ربه، كانوا يتشاورون فيما بينهم في ذلك فيتفقون في فهم البعض منه ويختلفون في البعض الآخر، وكانوا يعتمدون في ذلك على القرآن نفسه وعلى ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على اجتهادهم في ضوء ذلك كما علمهم الرسول أو على ما كانوا يستأنسون به مما هو وارد في أخبار أهل الكتاب ونصوصهم.
المرحلة الثانية: وتمثل هذه المرحلة عصر التابعين الذين جاؤوا بعد الصحابة وأخذ عن مشاهيرهم ما أثر عنهم وتلقوا عنهم التفسير ووسعوا دائرته حسب مقتضيات عصرهم وتطلب الظروف الإجتماعية والسياسية الناشئة فيه عن الفتوحات الإسلامية واتساع رقعة بلاد الإسلام وهيمنته السياسية والعسكرية، واعتناق الشعوب المختلفة الألوان والأجناس والألسنة لهذا الدين الحنيف واحتكاك المسلمين بغيرهم من ذوي الديانات والثقافات العريقة.
وقد برز في هذا العصر علماء أجلاء اعتنوا بالكتاب وبكل ما أثر عنه وكان من مجليهم: مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، ومسروق الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية، والربيع بن أنس،
وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وطاووس، وسعيد بن جبير.
ولقد كان هؤلاء الأعلام من التابعين يهتمون بالكتاب ويتتبعون أخباره ونصوصه ويدرسونها دراسة مرتكزة إلى ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار. وكانوا يفسرون القرآن في ضوء ذلك آية آية، مستعينين بما جد أيضا في عصرهم من معارف واستفاض من علوم وفلسفة وآداب.
المرحلة الثالثة: وفي ضوء هذه المرحلة صار التفسير علما قائما بذاته له أصوله ومناهجه. ولقد أطلت فيه مدارس متعددة، فكان التفسير بالمأثور، والتفسير بالمعقول، والتفسير الذي أخذ المنحى البياني واللغوي، والتفسير الذي اعتنى بالقصص والأخبار، حتى صار كل من برع في فن من فنون المعرفة انطبع تفسيره بما برع فيه وبرز على غيره من الفنون.
ولقد ازدهت المنافسة في هذا الباب وارتفعت صدارتها وكان من قطافها علماء أجلاء ظهروا في هذا المجال العلمي الرفيع. فبرز أبو حيان في تفسيره "المحيط" واهتم كثيرا بالإعراب وقواعد اللغة وكل ما له علاقة بأصولها ومشتقاتها. وظهر الفخر الرازي باهتماماته الدقيقة بالإتجاهات الفلسفية والنزعات الكلامية وأقوال الحكماء وتحليلاته الفكرية السامية. وظهر الجصاص والقرطبي وابن العربي واتجاههم الحار في عرض الأحكام الشرعية وأقوال الفقهاء فيها وعنايتهم بالبحث عن الأدلة ومناقشتها.
وبرع ذوو العناية بالتاريخ والقصص في ميدانهم هذا فتوسعوا في تفاسيرهم بعرض النواحي التاريخية وسوق أخبار الأولين والسلف الصالح وإيراد القصص والأخبار كالثعالبي والخازن وغيرهما
…
كما جنح المتصوفة إلى نزعة الترهيب والترغيب فغلبت في تفاسيرهم وتميزت باستخراج المعاني الروحية والإشارات الدالة عليها بما يتفق مع ميولهم ورغائبهم مثل ابن عربي والفاشاني والقشيري وسواهم.
ولقد تحققت لنا على مدى الزمن الطويل من جهود هؤلاء ثروات فكرية خالدة، تعبر بكثير من الوضوح عما لهذا الكتاب العظيم من مكانة في نفوس المسلمين جميعا.
على أن جهود هؤلاء العلمية في حقل التفسير منها ما كان مبسطا، ومنها ما كان متوسطا، ومنها ما كان موجزا
…
ومن الكتب الموجزة كتاب "الوجيز" للواحدي، وتفسير الجلالين.
ومن الكتب المتوسطة تفسير الماتريدي، وتفسير التيسير لنجم الدين النسفي، والكشاف للزمخشري، وتفسير البيضاوي والبغوي والجمل على الجلالين.
ومن المبسط الكبير، تفسير أبي حيان في البحر المحيط، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي، وتفسير الطبري، والقرطبي، وروح البيان للألوسي، وتفسير السيوطي.
ولقد لمعت أسماء أصحاب هذه التفاسير وغيرها لبقاء كتبهم في منال أهل العلم، ولكن هذا لا يعني أنهم هم وحدهم الذين اشتغلوا بتفسير كتاب الله واهتموا بمراجعة نصوصه وأحكامه وأسباب نزول آياته، وتمكنوا على إبراز ما فيه من دلالات ومقاصد ومعالم الهدى.
بل هناك كثير كثير من أمثالهم ممن قدموا جهودهم في هذا المجال ولعبوا دورا عظيما أو متوسطا فيه، ولكن لأمر ما فقدت آثارهم المكتوبة ولم يبق لهم إلا نتف منثورة في بطون التفاسير هنا وهناك.
وهؤلاء لا بد من متابعتهم ومتابعة آثارهم علنا نقع على شيء منها يفيدنا ويذخر تراثنا القرآني العظيم.
ومثل هذا لا يمكن الطمع بالوصول إليه إذا لم يتيسر لنا جهد مبارك كريم وصابر، مثل هذا الجهد النشيط الدؤوب الذي بذله صاحب كتابنا "معجم المفسرين" وهو الأستاذ عادل نويهض حفظه الله وبارك به وله وعليه، وهو في هذا العصر أحد البارزين من العاملين في ميدان التراجم العربية وتراجم العلماء من مؤرخين ومحدثين وأدباء وفلاسفة ومتكلمين وسواهم بشكل عام وتراجم المفسرين اليوم على الخصوص، فقد سبق له أن حقق "كتاب الوفيات" لأبي العباس أحمد بن حسن بن علي ابن الخطيب وهو عبارة عن تاريخ موجز لوفيات الصحابة والعلماء والمحدثين والمفسرين والمؤلفين، وقد انتشر انتشارا كبيرا في الأوساط العلمية، فنقل عنه التنبكتي في كتابه "نيل الإبتهاج" وابن مريم التلمساني في "البستان" والزركلي في "الأعلام" وغيرهم.
كما كان له كتاب "معجم أعلام الجزائر - من صدر الإسلام حتى العصر
الحاضر - " الذي يحتوي تراجم لمعظم المؤلفين والكتاب والأدباء والشعراء والفقهاء والقضاة. كما حقق كتاب "الدين والدولة" لعلي بن ربن الطبري.
والكتاب الذي بين أيدينا اليوم يشهد لما لهذا المؤرخ البارع من باع طويل في ميادين البحث والتحقيق والتنقيب عن آثار العلماء الأعلام عز نظيره في هذه المرحلة من هذا العصر الحديث وبخاصة في هذا المجال ..
لقد أسهم بجهد كبير في تتبع كل الذين برعوا في دراسة القرآن الكريم وعكفوا على خدمة علومه ومقاصده، واشتغلوا بتفسير آياته وأحكامه من صدر الإسلام حتى هذا التاريخ. وهو عمل ما نظن أنه قد سبق إليه لا في هذا العصر ولا في الذي سبقه فجزاه الله عنا خير الجزاء ووفقه وسدد خطاه.
ولا يسعنا ونحن نقدم هذا الكتاب للقراء إلا أن نسأل الله تعالى للأستاذ عادل مزيدا من القوة والنشاط لمتابعة جهوده في الغوص بحثا عن الدرر الثمينة في المكتبة الإسلامية التي هي أشبه ما تكون بالبحر المحيط الذي تناثرت فيه أنواع اليواقيت ففيه ما هو أحمر وما هو أكهب وما هو أصفر وما هو أنفس من سواه، وكذلك اللآلي وأنواع الأحجار الكريمة، عله يزيدنا بذلك عطاء وإلماما بمذخور الفكر الإسلامي الذي غيبته أيدي القرون.
مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد
3 شعبان 1403
بيروت
5 أيار 1983