المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بسم الله الرحمن الرحيم - مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول)

[محمد بن عبد الوهاب]

الفصل: ‌بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

‌بسم الله الرحمن الرحيم

1

وبه نستعين وعليه نتوكل.

مما قال الشيخ الإمام وعلم الهداة الأعلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لما ارتاب بعض من يدعي العلم من أهل العيينة، لما ارتد أهل حريملا، فسئل الشيخ أن يكتب كلاما ينفعه الله به، فقال رحمه الله تعالى:

- بسم الله الرحمن الرحيم

روى مسلم في صحيحه عن عمر بن عبسة السلمي رضي الله عنه قال: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان. قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جراء1 عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: وما أنت 2؟ قال:

1 اعتمدنا في إثبات البسملة هنا على قول ابن غنام في روضة الأفكار والأفهام (قال الشيخ رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم) .

ص: 281

أنا نبي، قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. فقلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. قا: ل ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن معه. فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت. فأتني قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكنت في أهلي. فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب من أهل المدينة1. فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة فدخلت2 عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم3. أنت الذي لقيتني بمكة. قال: قلت بلى، فقلت: يا نبي الله أخبرني 4 عما علمك الله وأجهلُه. أخبرني عن الصلاة. قال: صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وحتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل، فإن الصلاة مشهودة

1 لفظ "من أهل المدينة" في جميع النسخ الخطية وفي صحيح مسلم فسقوطه في بعض النسخ المطبوعة من قبل بعض النساخ.

2 سقط لفظ "فدخلت عليه" من بعض نسخ الكتاب والصواب إثباته لأنه الموافق لنص صحيح مسلم.

3 سقط لفظ "نعم" في بعض نسخ الكتاب وثبت في بعضها وفي اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو الموافق لنص صحيح مسلم.

4 هذا لفظ مسلم - قال النووي هكذا هو (عما علمك الله) وهو صحيح ومعناه أخبرني عن حكمه وصفته وبينه لي.

ص: 282

محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنها1 حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل2 فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر. ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار" وذكر الحديث.

قال أبو العباس رحمه الله تعالى: فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، معللا ذلك النهي بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار، ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدو. ن لها ثم إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسما لمادة المشابهة.

ومن هذا الباب أنه كان إذا صلى إلى عود أو عمود جعله على حاجبه الأيمن3. ولم يصمد له صمدا؛ ولهذا نهى عن الصلاة إلى ما عبد من دون الله في الجملة، ولهذا ينهى4 عن السجود لله بين يدي الرجل، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله 5. انتهى كلامه6.

ص: 283

فليتأمل المؤمن الناصح لنفسه ما في هذا الحديث من العبر؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقص علينا أخبار الأنبياء وأتباعهم ليكون للمؤمن من المستأخرين عبرة، فيقيس حاله بحالهم، وقص قصص الكفار والمنافقين لتجتنب من تلبس بها أيضا. فمما فيه من الاعتبار أن هذا الأعرابي الجاهلي لما ذكر له أن رجلا بمكة يتكلم في الدين بما يخالف الناس، لم يصبر حتى ركب راحلته فقدم عليه، وعلم ما عنده، لما في قلبه من محبة الدين والخير. وهذا فسر به قوله تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ} 1 أي: حرصا على تعلم الدين لأسمعهم أي لأفهمهم. فهذا يدل على أن عدم الفهم في أكثر الناس اليوم عدل منه سبحانه، لما يعلم في قلوبهم من عدم الحرص على تعلم الدين. فتبين أن من أعظم الأسباب الموجبة لكون الإنسان من شر الدواب هو عدم الحرص على تعلم الدين. فإذا كان هذا الجاهلي يطلب هذا الطلب، فما عذر من ادعى اتباع الأنبياء وبلغه عنهم ما بلغه، وعنده من يعرض عليه التعليم، ولا يرفع بذلك رأسا؟ فإن حضر أو استمع فكما قال تعالى:{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} 2 وفيه من العبر أيضا أنه لما قال: أرسلني الله، قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بكذا وكذا.

فتبين أن زبدة الرسالة الإلهية والدعوة النبوية هي توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وكسر الأوثان؛ ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة، وتجريد السيف. فتأمل زبدة الرسالة. وفيه أيضا أنه فهم المراد من التوحيد. وفهم أنه أمر كبير غريب. ولأجل هذا قال: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد، فأجابه: إن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر؛ فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل، وأن الباطل قد يملأ الأرض.

1 سورة الأنفال آية: 23.

2 سورة آية: 2-3.

ص: 284

ولله در الفضيل بن عياض رحمه الله حيث يقول: "لا تستوحش، من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين" وأحسن منه قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 1.

وفي الصحيحين: "أن بعث النار من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وفي الجنة واحد من كل ألف. ولما بكوا من هذا لما سمعوه. قال صلى الله عليه وسلم: إنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا أكملت من المنافقين". قال الترمذي حسن صحيح. فإذا تأمل الإنسان ما في هذا الحديث من صفة بدء الإسلام ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، ثم ضم إليه الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"2. تبين له الأمر إن هداه الله وانزاحت عنه الحجة الفرعونية {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} 3 والحجة القرشية {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} 4.

وقال أبو العباس- رحمه الله تعالى - في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ} 5: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه النصراني 6 للحم وقال فيه بسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله سبحانه كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله؛ فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور.

1 سورة سبأ آية: 20.

2 مسلم: الإيمان (145)، وابن ماجه: الفتن (3986) ، وأحمد (2/389) .

3 سورة طه آية: 51.

4 سورة ص آية: 7.

5 سورة البقرة آية: 173.

6 لفظ (النصراني) من اقتضاء (الصراط المستقيم) .

ص: 285

والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم وإن قال فيه بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ، وهو الذي ينسب إليه بعض أعداء الدين أنه لا يكفر المعين؛ فانظر أرشدك 1 الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة وتصريحه أن المنافق يصير مرتدا بذلك. وهذا في المعين إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين.

وقال أيضا في الكتاب المذكور: وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة. وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب. فكانت اللات لأهل الطائف، ذكروا أنه كان في الأصل رجلا صالحا يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك2 شجرة يذبحون عندها ويدعون. وأما مناة فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ناحية الساحل.

ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادتهم الأوثان، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره

1 كذا في مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومخطوطة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم التي بخط عبد العزيز بن ناصر بن راشد وقع في مخطوطته الثانية التي هي بخط سالم بن علي (رحمك الله) وكذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام.

2 ذكر لفظ "هناك" في أكثر النسخ الخطية وفي اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية.

ص: 286

الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم. ويسمونها ذات أنواط. فقال بعض الناس: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر؛ إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم"1. فأنكر صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه

إلى أن قال: فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق، مثل مسجد يقال له مسجد الكف. فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبي طالب، حتى هدم الله ذلك الوثن. وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في البلاد وفي الحجاز، منها مواضع. ثم ذكر كلاما طويلا في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور. فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك، ذكر ذلك الشافعي وغيره وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد كأبي بكر الأثرم، وعللوا بهذه العلة وقد قال تعالى:{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} 2 الآية.

ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم. ثم صورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره. ومما يبين صحة هذه العلة أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسا. وقال عن نفسه:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"3، فعلم أن نهيه عن ذلك كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها سدا للذريعة، لئلا يصلي في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله، لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها. وكلا

1 الترمذي: الفتن (2180) ، وأحمد (5/218) .

2 سورة نوح آية: 23.

3 مالك: النداء للصلاة (416) .

ص: 287

الأمرين قد وقع. فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعوها بأنواع الأدعية. وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام. وصنف بعض المشهورين1 فيه كتابا على مذهب المشركين، مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما ممن دخل في الشرك وآمن بالطاغوت والجبت، وهم ينتسبون إلى الكتاب كما قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} 2. انتهى كلام الشيخ رحمه الله.

فانظر رحمك الله إلى هذا الإمام الذي ينسب عنه من أزاغ الله قلبه عدم تكفير المعين كيف ذكر عن مثل الفخر الرازي، وهو من أكابر أئمة الشافعية، ومثل أبي معشر وهو من أكابر المشهورين من المصنفين، وغيرهما، أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام، والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى.

وتأمل أيضا ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق3 وغيرها. وتأمل قوله على حديث

1 كذا في مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومخطوطة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم التي بخط عبد العزيز بن ناصر بن راشد وقع في مخطوطته الثانية التي هي بخط سالم بن علي (رحمك الله) وكذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام.

2 سورة النساء آية: 51.

3 هذا نص مخطوطة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم التي بخط عبد العزيز بن ناصر. وفي روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وبقية النسخ الخطية "وجعله بعينه هذا الذي يفعل بدمشق وغيرها".

ص: 288

ذات أنواط، هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟ وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم.

قال رحمه الله تعالى أنا من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا1 أخرى. انتهى كلامه. وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وإذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية. وصرح رضي الله عنه أيضا أن كلامه أيضا2 في غير المسائل الظاهرة فقال في الرد على المتكلمين3، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا. قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه

1 سقط لفظ "وعاصيا أخرى" في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي بعض النسخ الخطية والمناسب لورود لفظ "أو معصية" في هذه العبارة ذكره كما ورد في مخطوطة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم بخط عبد العزيز بن ناصر ومخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ.

2 كذا ورد لفظ "أيضا" في هذين الموضعين في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومخطوطة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم التي بخط سالم بن علي.

3 يعني بذك "نقض المنطق" لشيخ الإسلام ابن تيمية.

ص: 289

وسلم بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره1 بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين. وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين، كما فعل أبو عبد الله الرازي (يعني الفخر الرازي) 2. قال: وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين. انتهى كلامه 3.

فتأمل هذا، وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله، لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجو أن يثبتنا عليه، أنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره4، ولو غلط، من غلط فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في

1 لفظ "أمره" من نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية صفحة 45 الطبعة الأولى بمطبعة السنة المحمدية.

2 هذه العبارة التي بين قوسين مثبتة في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي أكثر النسخ الخطية وسقطت في مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ.

3 أي في نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 45- 47 وقد اقتصر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب منه على ما هنا.

4 لفظ " من تكفيره" ليس في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام، ولا في أكثر النسخ الخطية، وهو في نسخة سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم التي بخط عبد العزيز بن ناصر.

ص: 290

هذه المسألة؟ وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى} 1، أو حجة قريش. {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} 2.

قال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية: لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، حتى أمر صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة قد يمرق أيضا من الإسلام في هذه الأزمان3. وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث يقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} 4 الآية. "وعلي بن أبي طالب حرق الغالية من الرافضة. فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها. واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق". وهو قول أكثر العلماء. وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني! أو أغثني! أو ارزقني! أو اجبرني! أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال. فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه؛ افإن تاب وإلا قتل. فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، لا يجعل معه إله آخر.

والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام،

1 سورة طه آية: 51.

2 سورة ص آية: 7.

3 وقع لفط "في هذه الأزمان" في هذا الموقع في بعض النسخ الخطية ووقع في "روضة الأفكار والأفهام لابن غنام" و "مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومخطوطة سماحة المفتي التي هي بخط سالم بن علي إثر قوله "أو السنة" وقبل قوله "قد يمرق".

4 سورة النساء آية: 171.

ص: 291

لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنْزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون صورهم1 ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} 2 الآية. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة 3 ثم ذكر رحمه الله تعالى آيات. ثم قال: وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب. قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 4. وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} 5. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". ونهى عن الحلف بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"6. وقال في مرض موته: "لعن الله اليهودوالنصارىاتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "7. يحذر ما صنعوا، وقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"8. وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا. وصلوا علي حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني"9. ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور. ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي

1 في الأصل " يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم" ولكن لفظ قبورهم لا يناسب قوله: "مثل المسيح والملأئكة والأصنام" لأنه لا قبور لهم.

2 سورة الإسراء آية: 56.

3 تمام عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية "فقال الله لهم هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إلي كما تتقربون إلي ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي".

4 سورة النحل آية: 36.

5 سورة الأنبياء آية: 25.

6 الترمذي: النذور والأيمان (1535)، وأبو داود: الأيمان والنذور (3251) ، وأحمد (2/34 ،2/86 ،2/98 ،2/125 ،2/142)، ومالك: النذور والأيمان (1037)، والدارمي: النذور والأيمان (2341) .

7 البخاري: الجنائز (1330)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (531)، والنسائي: المساجد (703) ، وأحمد (1/218 ،6/34 ،6/80 ،6/121 ،6/146 ،6/252 ،6/255)، والدارمي: الصلاة (1403) .

8 مالك: النداء للصلاة (416) .

9 أبو داود: المناسك (2042) ، وأحمد (2/367) .

ص: 292

صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها؛ لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما1. قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 2 الآية. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه. وأعظم آية في القرآن آية الكرسي {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} 3. وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه من الدنيا4 لا إله إلا الله، دخل الجنة" 5. والإله هو الذي تؤلهه القلوب عبادة له واستعانة به، ورجاء له وخشية وإجلالا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 6.

فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني! ونحوه، أنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل. هل يكون هذا إلا في المعين. والله المستعان. وتأمل كلامه في اللات والعزى ومناة وما ذكر بعده، يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى:

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: في شرح المنازل في باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم

1 ورد لفظ "كما" في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي نسخة الشيخ محمد ابن عبد اللطيف آل الشيخ ونسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز بن ناصر وذلك هو الموافق لما في الرسالة السنية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

2 سورة النساء آية: 48.

3 سورة البقرة آية: 255.

4 زيادة لفظ "من الدنيا" من روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي نسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز بن ناصر.

5 أبو داود: الجنائز (3116) ، وأحمد (5/233 ،5/247) .

6 ملخصا.

ص: 293

أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة. وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه "ديدنا له 1"، إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم. فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر. قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 2 الآية. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله تعالى. وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا3 يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله. وهذا عين الشرك. وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له ثم ذكر الشيخ - يعني ابن القيم رحمه الله 4 - فصلا طويلا في ذكر 5 هذا الشرك الأكبر.

ولكن تأمل قوله: وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز

1 لفظ "ديدنا له" من مدارج السالكين شرح المنازل.

2 سورة الزمر آية: 3.

3 سقط لفظ "لا" في بعض النسخ الخطية. والصواب إثباته كما وقع في أكثرها وفي مدارج السالكين.

4 عبارة يعني ابن القيم من نسخة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله.

5 لفط "ذكر" هنا هو الذي ورد في هامش مخطوطة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين رحمه الله ومعه لفظ "صح" بعد الضرب علي لفظ "تقرير" الذي ورد في النسخ الخطية وغير الخطية.

ص: 294

من لا يعادي من أنكره يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد وزعم أن كلام الشيخ (في الفصل الثاني يدل عليها وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى وذكر) 1، في آخر هذا الفصل، أعني الفصل الأول، في الشرك الأكبر الآية التي في سورة سبأ {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 2 إلى قوله {إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وتكلم عليها، ثم قال: والقرآن مملوء من أمثالها. ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثا. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، فالله المستعان.

(فصل) .

وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده.

1 قوله: "في الفصل الثاني.... إلى قوله في آخر هذا الفصل" لم يذكر في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام والظاهر أن سقوطه من قبل النساخ لأن ذكره هو الموافق لما في مدارج السالكين والنسخ الخطية.

2 سورة سبأ آية: 22.

ص: 295

ثم قال الشيخ يعني ابن القيم 1 رحمه الله تعالى بعد ذكر الشرك الأكبر والأصغر: ومن أنواع هذا الشرك سجود المريد2 للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ؛ فإنها شرك عظيم. ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غير. هـ ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم. فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن. والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل الله لهم العافية والمغفرة.

فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه المؤمنين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، أو أنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم! ولله در خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ

1 عبارة "يعني ابن القيم" من نسخة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله.

2 لفظ "سجود المريد" ورد هكذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وأكثر النسخ الخطية ومدارج السالكين.

ص: 296

النَّاسِ} 1 وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله. انتهى كلامه 2.

والمراد بهذا أن بعض الملحدين نسب إلى الشيخ أن هذا شرك أصغر. وشبهته أنه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر، وأنت رحمك الله تجد الكلام من أوله إلى آخره في الفصل الأول والثاني صريحا لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة، منها: أن دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه، فكفر من لم يتب منه، وقاتله وعاداه. وآخر ما صرح به قوله آنفا "وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبرط إلى آخره فهل بعد هذا البيان بيان إلا العناد؟ بل الإلحاد، ولكن تأمل قوله: أرشدك الله وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين

إلى آخره3 وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك الأكبر، وإن لم يعادهم فهو منهم، وإن لم يفعله وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر. فإذا كان هذا حال من شك في كفره مع عداوته له ومقته له، فكيف بمن يعتقد أنه مسلم ولم يعاده؟ فكيف بمن أحبه؟ فكيف بمن جادل عنه.

وعن طريقته وتعذر أنا لا نقدر على التجارة وطلب الرزق إلا بذلك. وقد قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} 4 ، فإذا كان هذا قول الله تعالى فيمن تعذر عن التبيين بالعمل بالتوحيد ومعاداة المشركين بالخوف على أهله وعياله، فكيف

1 سورة آية: 35-36.

2 مختصرا.

3 سقط قوله (فهل) إلى قوله (إلى آخره) في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام، وأثبت في جميع النسخ الخطية.

4 سورة القصص آية: 57.

ص: 297

بمن اعتذر في ذلك بتحصيل التجارة؟ ولكن الأمر كما تقدم عن عمر رضي الله عنه: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، لهذا لم يفهم معنى القرآن وأنه أشر وأفسد من الذين قالوا:{إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} .

ومع هذا فالكلام الذي يظهرونه نفاق، وإلا فهم يعتقدون أن أهل التوحيد ضالون مضلون، وأن عبدة الأوثان أهل الحق والصواب، كما صرح به إمامهم في الرسالة التي أتتكم قبل هذه، خطه بيده يقول: بيني وبينكم أهل هذه الأقطار وهم خير أمة أخرجت للناس وهم كذا وكذا. فإذا كان يريد التحاكم إليهم. ويصفهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فكيف أيضا يصفهم بشرك. ومخالطتهم للحاجة؟ وما أحسن قول أصدق القائلين:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} 2، فرحم الله أمرأ نظر3، لنفسه وتفكر فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من معاداة من أشرك بالله من قريب أو بعيد، وتكفيرهم وقتالهم حتى يكون الدين كله لله. وعلم ما حكم به محمد صلى الله عليه وسلم فيمن أشرك بالله مع ادعائه الإسلام وما حكم به في ذلك الخلفاء الراشدون كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره لما حرقهم بالنار، مع أن غيرهم من أهل الأوثان الذين لم يدخلوا في الإسلام لا يقتلون بالتحريق، والله الموفق.

وقال أبو العباس أحمد 4 بن تيمية في الرد على المتكلمين 5 لما

1 سورة آية: 7-9.

2 سورة ق آية: 5.

3 كذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي أكثر النسخ الخطية ووقع في نسخة سماحة المفتي التي بخط سالم بن علي (نظر في نفسه) .

4 لفظ (أحمد) من نسخة سماحة المفتي التي هي بقلم عبد العزيز بن ناصر.

5 كتاب "نقض المنطق".

ص: 298

ذكر بعض أحوال1. أئمتهم قال: وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه، بل يقر هؤلاء وهؤلاء. وإن رجح الموحدين ترجيحا ما فقد يرجح غيره المشركين. وقد يعرض عن الأمرين جميعا. فتدبر هذا فإنه نافع جدا. ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك. وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد. بل يسوغون الشرك أو يأمرون به. أو لا يوجبون التوحيد؛ وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة، أنفس الأنبياء وغيرهم، ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل. والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه. فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة، بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ إلها دون ما سواه، وهذا هو معنى قول لا إله إلا الله. انتهى كلام الشيخ 2.

فتأمل رحمك الله هذا الكلام فإنه مثل ما قال الشيخ فيه، نافع جدا، ومن أكبر ما فيه من الفوائد أنه يبين حال من أقر بهذا الدين وشهد أنه الحق وأن الشرك هو الباطل وقال بلسانه ما أريد منه، ولكن لا يدين بذلك إما بغضا له، أو عدم محبته كما هي حال المنافقين الذين بين أظهرنا، وإما إيثارا للدنيا

1 كذا في جميع ما لدينا من النسخ الخطية ووقع في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام (أحوال بعض أئمتهم) .

2 في نقض المنطق صفحة 177 طبعة مطبعة للسنة المحمدية.

ص: 299

مثل تجارة أو غيرها فيدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} 1 الآية. وقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ} 2 إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} 3. فإذا قال هؤلاء بألسنتهم: نشهد أن هذا دين الله ورسوله، ونشهد أن المخالف له باطل، وأنه الشرك بالله، غر هذا الكلام ضعيف البصيرة. وأعظم من هذا وأطم أن أهل حريملا ومن وراءهم يصرحون بمسبة الدين، وأن الحق ما عليه أكثر الناس، يستدلون بالكثرة على حسن ما هم فيه من الدين، ويفعلون ويقولون ما هو من أكبر الردة وأفحشها. فإذا قالوا: التوحيد حق والشرك باطل، وأيضا لم يحدثوا في بلدهم أوثانا، جادل الملحد عنهم. وقال: إنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق، ولا يضرهم عنده ما هم عليه من السب لدين الله، وبغي العوج له، ومدح الشرك، وذبهم دونه بالمال واليد واللسان. فالله المستعان.

وقال أبو العباس أيضا في الكلام على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة. بل قال الصديق لعمر رضي الله عنهما: "والله لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه" فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقد روى أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعهم سيرة واحدة، وهي مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة. وكان من أعظم فضائل الصديق

1 سورة المنافقون آية: 3.

2 سورة النحل آية: 106.

3 سورة النحل آية: 107.

ص: 300

رضي الله عنه

عندهم أن ثبته الله على1 قتالهم، ولم يتوقف كما يتوقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله. وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم. انتهى 2.

فتأمل كلامه رحمه الله في تكفير المعين والشهادة عليه إذا قتل بالنار وسبى حريمه وأولاده عند منع الزكاة، فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين. قال رحمه الله بعد ذلك: وكفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة.

ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال عمن قصد اتباع الحق، إجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام على من ادعى أنه من المسلمين. فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع، أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الوقعات التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى وقتنا هذا.

وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام 3 عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع: مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها

1 لفظ (على) هو الذي ورد في نسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز بن ناصر ومخطوطة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين ووقع في بعض النسخ (عند) بدل (على) .

2 كذا في بعض النسخ ووقع في نسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز ابن ناصر ومخطوطة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين انتهى كلام الشيخ.

3 "الطغام" بالغين المعجمة: أوغاد الناس كما في مختار الصحاح.

ص: 301

يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه1. والمراد منه قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع. وقال أيضا في كتاب الفنون: لقد عظم الله الحيوان لا سيما ابن آدم حيث أباحه الشرك عند الإكراه. فمن قدم حرمة نفسك على حرمته حتى أباحك أن تتوقى عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره وتوقر أوامره وزواجره، وعصم2 عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع يد مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة في السفر لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس وأباحك الميتة سدا لرمقك وحفظا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك وأنزل الكتب إليك، أيحسن لك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك عنه3 منهمكا ولما أمرك تاركا؟ وعلى ما زجرك مرتكبا؟ وعن داعيه معرضا ولداعي عدوه فيك مطيعا، يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت؟ هو حط رتبة4 عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لأبيك5، هل عاديت خادما طالت

1 وقد ذكره العلامة ابن القيم في الفصل الذي عقده في إغاثة اللهفان لبيان أعظم المكائد التي كاد بها الشيطان أكثر الناس ولم ينج منها إلا من لم يرد الله فتنته.

2 ورد هذا اللفظ (عصم) بالصاد المهملة في الموضعين في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي أكثر النسخ الخطية وورد في بعض النسخ بالظاء (عظم) .

3 لفظ "عنه" من نسخة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ونسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز بن ناصر.

4 في أكثر النسخ (رتب) وقوله (حط رتبة عباده لأجلك) لعل المراد بذك أمر الملائكة بالسجود لآدم. وهو وإن كانت فيه رفعة لآدم ففيه رفعة لهم حيث امتثلوا أمر الله عز وجل. فالقضية تدل على فضل الجميع.

5 كذا في النسخ الخطية (لك) ووقع في بعض النسخ المطبوعة (لأبيك) وهو أوضح.

ص: 302

خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب نهي؟ فإن لم تعترف اعتراف العبد (للمولى) فلا أقل أن تقتضي نفسك إلى الحق سبحانه اقتضاء المساوي المكافي. ما أفحش1 ما تلاعب الشيطان بالإنسان!! بينا هو بحضرة الحق سبحانه وملائكة السماء سجود له ترامى به الأحوال والجهات إلى أن يوجد ساجدا لصورة في حجر أو لشجرة من الشجر أو لشمس أو لقمر أو لصورة ثور خار أو لطائر صفر. ما أوحش2 زوال النعم وتغير الأحوال والحور بعد الكور! لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات أن يرى إلا عابدا لله في دار التكليف، أو مجاورا3 لله في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها انتهى. كلامه.

والمراد منه أنه جعل أقبح حال وأفحشها من أحوال الإنسان أن يشرك بالله ومثله بأنواع. منها السجود للشمس أو للقمر ومنها السجود للصورة كما في الصور التي في القباب 4 على القبور؛ والسجود قد يكون بالجبهة على الأرض وقد يكون بالانحناء من غير وصول إلى الأرض، كما فسر به قوله تعالى:{ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} 5 قال ابن عباس أي: ركعا. وقال ابن القيم

1 في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام ونسخة للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (ما أوحش) وفي بقية النسخ (ما أفحش) كما أثبتناه.

2 لم تختلف النسخ الخطية في عبارة (ما أوحش) هنا وهكذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام.

3 لفظ (مجاورا) هو الذي ورد في نسختي سماحة المفتي ومخطوطة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين وهو الصواب لا ما وقع في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام. وفي بعض النسخ الخطية بلفظ (مجازيا) .

4 ورد لفظ (القباب) في هذه العبارة في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي النسخ الخطية وسقط في بعض النسخ المطبوعة.

5 سورة البقرة آية: 58.

ص: 303

في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه مناسك المشاهد. ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام1. انتهى. وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له ابن المفيد؛ فقد رأيت ما قال فيه بعينه، فكيف ينكر تكفير المعين؟ وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير. فذكر منه قليلا من كثير. أما كلام الحنفية، فكلامهم في هذا الباب2 من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال مصيحف، أو مسيجد، وصلى صلاة بلا وضوء، ونحو ذلك. وقال في النهر الفائق: واعلم أن الشيخ قاسما قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، فلك من الذهب أو الفضة أو الشمع أو الزيت كذا، باطل إجماعا لوجوه

إلى أن قال: ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاده هذا كفر

إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، لا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي انتهى كلامه. فانظر إلى تصريحه أن هذا كفر مع قوله إنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته وقال القرطبي: رحمه الله لما ذكر سماع الفقر أو صورته قال: هذا حرام بالإجماع، وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملة أن مستحل هذا كافر، ولما علم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله فقد رأيت كلام القرطبي وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير.

1 ذكر ذلك في فصل عقده لبيان أعظم المكائد التي كاد بها الشيطان أكثر الناس.

2 لفظ (الباب) من نسخة سماحة المفتي التي هي بخط سالم بن علي.

ص: 304

وقال أبو العباس رحمه الله: حدثني ابن الخضيري1 عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا كان كافرا ذكيا

فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة كفر ابن سينا وهو رجل معين مصنف، يتظاهر بالإسلام. وأما كلام المالكية في هذا، فهو أكثر من أن يحصر؛ وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس. وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفا. ومما ذكر2 أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر. وكل3 هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه. وأما كلام الشافعية فقال صاحب الروضة رحمه الله: إن المسلم إذا ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم كفر. وقال أيضا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. وكل 3 هذا دون ما نحن فيه. وقال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس "إذا سألت فاسأل الله" ما معناه أن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابا مستقلا سماه الإعلام بقواطع الإسلام، ذكر فيه أنواعا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام، ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي

1 هذا هو الموافق لما في نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي أخذ منه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذه العبارة ووقع في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام (حدثني الخضيري) بدون ذكر ابن ويغلب على الظن أن سقوطه من النساخ.

2 هكذا في نسخة سماحة المفتي التي هي بخط عبد العزيز بن ناصر ووقع في نسخته الأخرى التي هي بخط سالم بن علي وفي نسخة -الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ وروضة الأفكار والأفهام لابن غنام (ذكروا) .

3 لفظ (وكل) هو الذي ورد في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام وفي أكثر النسخ الخطية ووقع في بعض النسخ (وكان) .

ص: 305

عشير معشار ما نحن فيه. وتمام الكلام في هذا أن يقال الكلام هنا في مسألتين:

الأولى: أن يقال هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين ومع كثير من الأحياء والأموات والجن، من التوجه إليهم ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر الذي فعله قوم نوح ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم، فبعث الله الرسول وأنزل الكتب ينكر عليهم ذلك ويكفرهم ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله؟ أم هذا شرك أصغر وشرك المتقدمين نوع 1 غير هذا؟ فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه كابن إسماعيل وابن خالد مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة، وتارة يقولون لا يكفر إلا من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة يقولون: إنه شرك أصغر وينسبونه لابن القيم رحمه الله في المدارج كما تقدم، وتارة لا يذكرون شيئا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة. وجواب هؤلاء كثير في الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك، وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدا من الإقرار به لوضوحه.

1 سقط لفظ (نوع) في بعض النسخ المطبوعة وأثبت في جميع النسخ الخطية وفي روضة الأفكار والأفهام لابن غنام.

ص: 306

المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر، ولكن لا يكفر به إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول والقرآن، واتبع يهودية أو نصرانية أو غيرهما، وهذا هو الذي يجادل به أهل الشرك والعناد في هذه الأوقات؛ وإلا المسألة الأولى قل الجدال فيها ولله الحمد لما وقع من إقرار علماء الشرك 1 بها. فاعلم أن تصور هذه المسألة تصورا حسنا يكفي في إبطالها من غير دليل خاص لوجهين.

الأول. أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها وكذب الرسول والقرآن فهو كافر وإن لم يعبد الأوثان كاليهود؛ فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول لا إله إلا الله ويصلي ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة أو العمى أو العرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع.

الوجه الثاني: أن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو من أجهل الناس وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك مع أنه يدعي أنه مسلم متبع؟ إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول بأن هذا كافر من غير نظر في الأدلة أو سؤال أحد من العلماء، ولكن لغلبة الجهل

1 كذا في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام والنسخ الخطية. ووقع في بعض النسخ المطبوعة (علماء المشركين) .

ص: 307

وغربة 1 العلم وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من الملحدين، اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق، فلا تحقرها وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية، لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت، ويجعلك أيضا من الأئمة الذين يهدون بأمره. فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها ويزيد المؤمن يقينا ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بعدهم فيمن انتسب إلى الإسلام كما ذكر "أنه صلى الله عليه وسلم بعث البراء ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله"، ومثل همه بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة 2 ومثل "قتال الصديق وأصحابه لمانعي الزكاة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وتسميتهم مرتدين" ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا لما فهموا من قوله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} 3 حل الخمر لبعض الخواص، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان رضي الله عنه على تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم4، ومثل تحريق علي رضي الله عنه أصحابه لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه مع أنه يدعي أنه يطلب بدم الحسين

1 لفظ (غربة) هو الذي ورد في نسخة سماحة المفتي بقلم عبد العزيز بن ناصر وفي مخطوطة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين. وورد في بقية النسخ لفظ (غرابة) .

2 حتى كذب الله من نقل ذلك صرح المؤلف بذلك في رسالته إلى أحمد بن عبد الكريم وهي في الجزء الأول من روضة الأفكار والأفهام لابن غنام.

3 سورة المائدة آية: 93.

4 قال الشيخ في رسالته إلى أحمد بن عبد الكريم (والمسألة يعني هذه القضية في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة) .

ص: 308

وأهل البيت، ومثل إجماع التابعين ومن بعدهم على قتل الجعد بن درهم وهو مشهور بالعلم والدين، وهلم جرا من وقائع لا تعد ولا تحصى. ولم يقل أحد من الأولين والآخرين لأبي بكر الصديق وغيره: كيف تقاتل بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويزكون؟ وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا، وهلم جرا إلى زمن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها مع تظاهرهم بالإسلام وصلاة الجمعة والجماعة ونصب القضاة والمفتين لما أظهروا من الأقوال والأفعال ما أظهروا لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم، ولم يتوقفوا فيه وهم في زمن ابن الجوزي والموفق1. وصنف ابن الجوزي كتابا لما أخذت مصر منهم سماه النصر على مصر. ولم يسمع أحد 2 من الأولين والآخرين أن أحدا أنكر شيئا من ذلك أو استشكله لأجل ادعائهم الملة أو لأجل قول لا إله إلا الله أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام، إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله أو ذم التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة. ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها الإسلام هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين. الظالمين فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم أو أحد

1 سقط لفظ (والموافق) في روضة الأفكار والأفهام لابن غنام ولم تختلف النسخ الخطية في ثبوته.

2 في نسخة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومخطوطة الشيخ عبد الرحمن ابن عبد العزيز الحصين (من أحد) .

ص: 309

منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليمني 1 في قصيدته:

أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا

تساوي فلسا إن رجعت إلى النقد.

ولنختم الكلام في هذا النوع بما ذكره البخاري في صحيحه حيث قال:

1 المراد به الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام جاء هذا البيت في قصيدة في غاية الجمال أنشدها في مدح شيخ الإسام محمد بن عبد الوهاب مؤلف هذا الكتاب "مفيد المستفيد" جزاه الله على ذلك خير الجزاء والقصيدة في خ 1 من "روضة الأفكار والأفهام" لابن غنام ص 46- 49 الطبعة الأولى.

ص: 310