المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عدم كفاية اللغة لفهم القرآن - منزلة السنة في الإسلام

[ناصر الدين الألباني]

الفصل: ‌عدم كفاية اللغة لفهم القرآن

‌عدم كفاية اللغة لفهم القرآن

ومما سبق يبدو واضحا أنه لا مجال لأحد مهما كان عالما باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية فإنه لم يكن أعلم في اللغة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين نزل القرآن بلغتهم ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن ومع ذلك فإنهم غلطوا في فهم الآيات السابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط.

وعليه فمن البدهي أن المرء كلما كان عالما بالسنة كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممن هو جاهل بها فكيف بمن هو غير معتد بها ولا ملتفت إليها أصلا؟

ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم: أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة (1) ثم بأقوال

(1) لم نقل كما هو شائع لدى كثير من أهل العلم: يفسر القرآن بالقرآن إن لم يكن ثمة سنة، ثم بالسنة، لما سيأتي بيانه في آخر هذه الرسالة عند الكلام على =

ص: 15

الصحابة. . إلخ

ومن ذلك يتبين لنا ضلال علماء الكلام قديما وحديثا ومخالفتهم للسلف رضي الله عن هم قي عقائدهم فضلا عن أحكامهم وهو بعدهم عن السنة والمعرفة بها وتحكيمهم عقولهم وأهواءهم في آيات الصفات وغيرها. وما أحسن ما جاء في " شرح العقيدة الطحاوية "(ص 212 الطبعة الرابعة):

((وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله. لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات الذي تخيرهم النقاد فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم

= حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

ص: 16

فإنما يتكلم برأيه. ومن يتكلم برأيه وبما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم (!) وإن أصاب. ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ. لكن إن أصاب يضاعف أجره)). ثم قال (ص 217):

(فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا أو نحمله شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل).

وجملة القول: أن الواجب على المسلمين جميعا أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التشريع عليهما معا. فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينا ويسارا وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالا، كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 17

بقوله: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض ". رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن.

تنبيه هام

ومن البدهي بعد هذا أن نقول:

إن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع إنما هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق العلمية والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله. وليست هي التي في بطون مختلف الكتب من التفسير والفقه والترغيب والترهيب والرقائق والمواعظ وغيرها فإن فيها كثيرا من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة وبعضها مما يتبرأ منه الإسلام. مثل حديث هاروت وماروت وقصة الغرانيق ولي

ص: 18

رسالة خاصة في إبطالها وهي مطبوعة (1)، وقد خَرَّجْتُ طائفة كبيرة منها في كتابي الضخم " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة " وقد بلغ عددها حتى الآن قرابة أربعة آلاف حديث (2) وهي ما بين ضعيف وموضوع وقد طبع منها خمس مئة فقط!

فالواجب على أهل العلم لا سيما الذين ينشرون على الناس فقههم وفتاويهم أن لا يتجرأوا على الإحتجاج بالحديث إلا بعد التأكد من ثبوته فإن كتب الفقه التي يرجعون إليها عادة مملوءة بالأحاديث الواهية المنكرة وما لا أصل له كما هو معروف عند العلماء.

وقد كنت بدأت مشروعا هاما في نظري وهو نافع جدا للمشتغلين بالفقه سميته " الأحاديث الضعيفة والموضوعة في أمهات الكتب الفقهية " وأعني بها:

1 -

الهداية للمرغيناني في الفقه الحنفي.

(1) واسمها " نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق " طبع المكتب الإسلامي.

(2)

وقد جاوز العدد الآن الخمسة آلاف ولعل الله ييسر طبعها قريباً.

ص: 19

2 -

المدونة لابن القاسم في الفقه المالكي

3 -

شرح الوجيز للرافعي في الفقه الشافعي.

4 -

المغني لابن قدامة في الفقه الحنبلي.

5 -

بداية المجتهد لابن رشد الأندلسي في الفقه المقارن

ولكن لم يتح لي إتمامه - مع الأسف - لأن مجلة (الوعي الإسلامي) الكويتية التي وعدت بنشره ورحبت به حين اطلعت عليه لم تنشره.

وإذ قد فاتني ذلك فلعلي أوفق في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى إلى أن أضع لإخواني المشتغلين بالفقه منهجا علميا دقيقا يساعدهم ويسهل لهم طريق معرفة درجة الحديث بالرجوع إلى المصادر التي لا بد من الرجوع إليها من كتب الحديث وبيان خواصها ومزاياها وما يمكن الاعتماد عليه منها، والله تعالى ولي التوفيق.

***

ص: 20