الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
إنها صبغة الله.. ومن أحسن من الله صبغة؟
عندما قرأنا للداعية الاسلامى الجليل العلامة أبى الحسن على الحسنى الندوى رسائله التى سبقت مقدمه الى مصر ثم عندما قرت عيوننا برؤيته وطابت نفوسنا بعشرته تأكدت لنا هذه الحقيقة الكريمة وزدنا بها إيمانا وهى أن الإسلام على اختلاف الأمكنة والأزمنة يصنع نفوس أتباعه على غرار واحد ويجعل المشابه قريبة جدا بين نطرتهم الى الأشياء وأحكامهم على الأمور. وأن انفجار الوعى الإسلامى فى مصر والشام والهند والمغرب تمخض عن نفر من الرجال الأمجاد أحسنوا فهم الأسلام وأحسنوا العمل له فضمهم ـ من حيث لا يشعرون ـ نهج واحد فى الاصلاح ولفتهم عاطفة واحدة نحو ما يعترض المسلمين من عوائق ويرمون به من مكايد وخصومات..
أصغينا الى الأستاذ وهو يحدث عن إخواننا المسلمين بالهند ويؤرخ لسير الإسلام هنالك فرأيناه يبصر الأسباب الخفية ولا تخدعه حركة عما وراءها. وأصغينا اليه يصف مشاعره نحو إخوانه المسلمين بمصر خاصة والشرق الأوسط عامة فرأيناه فطنا الى التيارات المتضاربة مقدرا لجهود الدعاة المخلصين ومقدرا كذلك ما يزحم طريقهم من صعاب وهو مع تمسكه الشديد بالاسلام شكلا وموضوعا ـ حتى ليظنه السطحيون متزمتا ـ تراه واسع منادح النظر.مرنا فى مواجهة ما يرضى وما يسخط مرونة الخلق العالى لا مرونة التحلل وقلة الاكتراث.
وكم يحتاج رؤساء الهيئات الإسلامية عندنا الى هذا المسلك الراشد.
زارنا الأستاذ أبو الحسن ـ ونحن نكافح الأمر العسكرى بحل جماعتنا ـ فتعهدنا الرجل الحصيف بنصحه. وقام بحق الاسلام عليه فى توجيهنا الى مرضاة الله وخدمة دينه وحفظ المقدسات العظيمة التى آلت إلينا من أسلافنا الأمجاد. والثبات ضد أمواج الغزو الصليبى والتبشير الثقافى الذى يرمينا الغرب به بين الحين والحين.
وتحرى أن نلتزم فى جهادنا للإسلام الأساليب الإسلامية نفسها فإن الخير لا يدرك إلا بالخير. وهيهات أن تصل الى حق بباطل. وقد سجل هذه النصائح فى الرسالة التى نتشرف بتقديمها للإخوان المسلمين.
ونحن إذ نشكر الله سبحانه على ما أتاح لنا من خير عندما ساق لنا الأستاذ أبا الحسن فإنا نعاهده على أن نظل ما حيينا أبناء برره للقرآن الكريم وجنودا مهرة فى تنفيذ أوامره وبلوغ أهدافه.
محمد الغزالى
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوان والسادة! كان من أعز الأمانى وأحلى الأحلام عندى أن ألتقى فى مصر بفضيلة الأستاذ الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان ولكن تأخرت زيارتى لمصر لأسباب قاسرة واستأثرت به رحمه الله وسبقت له الحسنى ولا أزال طوال عمرى ألوم نفسى على هذا التقصير والتأخير فى السفر على أن ما فات الإنسان من خير لم يكن ليدركه وكان أمر الله قدرا مقدورا وليس لى عزاء عن هذاا لحرمان إلا فى وجودكم والاجتماع بكم والحديث معكم فأريد أن أحييكم تحية كنت أحييها فقيد الإسلام وأبث إليكم بما فى قلبى من خواطر وأفكار وآمال وآلام وما أحمل لهذه الدعوة العظيمة وصاحبها من التقدير والإجلال والحب والإخلاصوما يخامر نفسى فى ذلك من سرور وأمل وما يساور نفسى كذلك من إشفاق ووجل فأرجوكم أن تسمحوا لأخيكم بشىء من التفصيل وتتكرموا عليه بشىء من وقتكم العزيز.
لستم فى حاجة أيها الإخوان الكرام أن أصور لكم العالم الإسلامى وما تجتاحه الآن من موجات سياسية واقتصادية وخلقية وأصف لكم الأخطار المسلطة على رقاب المسلمين وما أصيب به هذا العالم ويستقبله من نكبات ومصائب فأنتم من أعلم الناس بها ولكن الذى أريد أن أقول لكم أنه فى حيرة عظيمة وارتباك شديد إنه يتأرجح بين عوامل متناقضة وقوى متنافسة.
إن العالم الإسلامى حائر العالم بين دين لا يسهل عليه العمل به والقيام بمطالبه لعادات نشا عليها وحكومات أفسدته وتعليم أزاغه وشهوات لا تتفق مع عقيدته ورسالته وبين جاهلية لا ينشرح لها صدره لإيمان لا تزال له بقية فيه وقومية عجنت مع الاسلام وحضارة تخمرت مع الدين.
إن العالم الاسلامى حائر بين شعوب مسلمة بسيطة فى عقليتها ودينها وحكومات داهية لم تنشرح صدور رجالها لهذا الدين ولم تطاوعهم نفوسهم علىا لعمل به ولكنهم يصرون على أن يحكموا هذه الشعوب التى تؤمن بهذا الدين ولا يرون حياتهم وشرفهم إلا فى البقاء فى الحكومة ولا يرون لهم محلا فى الحياة إلا الزعامة والحكومة ولا موضعا فى العالم إلا المجتمع الإسلامى الذى ولدوا ونشأوا فيه فالشعوب فى تعب منهم وهم منها فى بلاء وعناء.
إن العالم الإسلامى حائر بين فطرته التى تنزعه الى الدين وتاريخه الذى يدفعه الىالإيمان والجهاد والكتاب الذى يقبل به إلى الآخرة ويبعث فى نفسه الثورة على المجتمع الفاسد والحياة الزائفة وبين التربية العصرية التى تزين له المادية وتطبعه على الجبن والضعف والزعامة التى تفرض عليه الاتكال على الغير والاعتماد علىالعدو والفرار من الزحف.
إن العالم الإسلامى حائر بين شباب ثائر ودم فائر وذهن متوقد وأزهار تريد أن تتفتح وبين قيادة شائخة شائبة قد أفلست فى العقلية والحياة وحرمت الإبتكار والإبداع والشجاعة والمغامرة.
إن العالم الإسلامى حائر بين مواد خام من أقوى المواد وأفضلها فى الإيمان والقوة والشجاعة وبين موجهين وصانعين لا يعرفون قيمة هذه المواد ولا يعرفون أين يضعونها وماذا يصنعون منها.
هذا هو العالم الإسلامى الذى يواجهه العالم اليوم فلا يجد فيه غناءه ولا يجد فيه غوثا ومعقلا عن لصوص العالم المنظمين وذئاب الإنسانية التى تحكمت وعاثت فيها.
ثم هذا هوالعالم العربى الذى تعيشون فيه أيها السادة وهو اليوم مع كل أسف أضعف أعضاء جسم العالم الإسلامى وقد كان
واجبا أن يكون أقوها وأصحها وأن يكون فى العالم الإسلامى بمنزلة الرأس أو القلب فى البدن وقد تضافرت عليه عوامل الإفساد والضعف فأحدثت فيه عللا كثيرة قد ولد فيه ضعف الحكم التركى وغفلته عت تعليم الشعوب وتربيتها وإنفاقه الأموال فى غير موضع والاحترام فى غير وقت وعسفة فى غير هوادة أورث كل هذا البطالة وسقوط الهمة والجهل المطبق فى كثير من البلاد العربية وجاء الإستعمار الأوربى فأورث التفسخ فىالأخلاق والانحلال فى الدين والاندفاع المتهور الى المادية والتهالك علىا لشهوان وقامت الحكومات الشخصية فأورثت التملق وكثرة المجاملات والنفاق والخنوع للقوة والمادة ثم جنى عليهقربة من أوربا فكان هدفا لتياراتها المدنية ومنتجاتها الصناعية وأفكارها المتطرفة وأساء اليه موقعه الجغرافى وأهميته السياسية والاستراتيجية فلج به الغرب وطمع فيه الاستعمار وطوقته الجنود الأجنبية وكان من بقايا الحضارة الشرقية والنظام الإقطاعى والحكم الشخصى الترف والبذخ والتفاوت الشديد بين الطبقات فى المعيشة ثم كان أن خفت فى العالم العربى صوت الدعوة الدينية من زمان وانقرض الرجال الذين كانوا يكافحون المادية ويكبحون جماحها ويلطفون من حدتها بدعوتهم إلى الله وإلى الآخرة وإلى الزهد والاعتدال فى الحياة وقمع الشهوات ويشعلون جمرة الإيمان واستسلم العلماء ورجال الدين أمام تيار الغرب وتغيرات العصر فوضعوا أوزارهم للمدنية الغربية وهجم عليه الأدب الشهوانى والصحافة الماجنة فحلت العقد ونفخت فى الشهوات واجتمع بعض ذلك الى بعض حتى أصبح هذا العالم منحلا منهارا متداعيا لا يمسكه الإيمان ولا تحفه القوة المعنوية ولا تقف فى طريق اندفاعه دعوة قوية.
فى مثل هذه الفترات المظلمة والسحب المتراكمة كان الله يبعث الأنبياء والمرسلين فى الزمن السابق ولكن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكسف شمسها ولم يتوار نورها وإن دينه لا يزال حيا وإن الكتاب الذى جاء به لا يزال محفوظا وإن أمته التى أرسلت معه لتبليغ رسالته والقيام بدعوته لا تزال فيها الحياة والروح.
لقد أغنانا الله بفضل دينه المحفوظ وكتابه المتلو ونبوءة محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة عن رسالة جديدة ورسول جديد ولكن لا بد من تجديد واسع ودعوة صارخة وكفاح شديد يغير هذا الوضع الجاهلى الذى تورط فيه العالم الاسلامى تورطا قبيحا وأمعن فيه العالم العربى إلى أبعد الحد وقد وعد الله وأخبر رسوله باستمرار هذه الدعوة الإسلامية وبقاء التجديد الدينى ودوام الكفاح فى تاريخ الإسلام ضد الجاهلية التى ترفع عبقريتها زمنا بعد زمن وحينا بعد حين وقد أصبح خطب العالم الإسلامى وفساد أحوال المسلمين وانحرافهم عن جادة الاسلام وطغيان بحر المادية أعظم وأوسع من أن يتدارك بجهود فردية وخطب منبرية ودروس دينية ورسائل دورية مباحثات فقهية ومسائل جزئية ومحاربة الأفراد والأشخاص إن السبيل لا يمسكه إلا سبيل مثله والتيار لا يدفعه إى تيار أقوى منه فلا بد من كفاح عنيف وصراع شديد يغير مجرى الزمن ويقلب تيار الحياة من جهة الى جهة ويحدث أنقلابا فى المجتمع والحياة وفى الأذواق والرغبات وفى قيم الأشياء وموازينها.
من هنا كان سرورنا عظيما لما رأينا نورا جديدا على أفق العالم العربى ظهرت دعوة الإخوان من مصر ـ زعيمة العالم العربى ومصدر الخير والشر للشرق الأدنى ـ فتجدد الأمل فى مستقبل الاسلام واعتقدنا أنها هى الدعوة المنتظرة لإحياء المسلمين وهى التى ستحقق آمال المصلحين وأحلامهم وتتدارك هذا العالم المنهار وتمسك به وما لبثت أن تحولت هذه الدعوة الى سيل متدفق وتيار جارف فأمسك سيول الإباحية والتحلل والإلحاد واللادينية وصد تيارات المدنية الغربية التى كانت تجرف بالبقية الباقية من الغيرة الاسلامية والحياة الدينية وأصبحت تؤثر فى حياة البلاد تأثيرا قويا كاد يغير اتجاه البلاد.