الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناصر الدرس
* تمهيد للدرس.
* الفقه: لغة واصطلاحا.
* الحكمة من الافتتاح بكتاب الطهارة.
* شرح الترجمة.
* الطهارة: لغة واصطلاحا.
* أقسام المياه، أدلة التقسيم.
* إزالة النجاسة لا تكون إلا بالماء الطهور، دليل المسألة.
* قوله: "وهو الباقي على خلقته".
* التغير في باب المياه على نوعين: ممازجة، مجاورة.
* أنواع الماء الطهور.
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
نشرع في هذا اليوم بإذن الله تعالى في دراسة متن من المتون المهمة جداً وهي متعلقة بعلم الحلال والحرام كما هو معلوم قد شرع في تدريس هذا المتن وهو زاد المستقنع لكن كان على جهة التوسع وجهة النظر في المذاهب الأربعة ورغب الكثير في أن نشرع في جهة الاختصار وما يتعلق بالمتن وكما ذكرت أن هذا المتن متعلق بعلم مهم وهو علم الحلال والحرام، علم الحلال والحرام يفتقر إليه المحتاج كل مسلم سواء كان عالما أو طالب علم أو كان عامياً لأن متعلقة أفعال العباد يعني ما من حكم من أفعال العباد إلا وله حكم شرعي بين الله عزوجل من حيث التحريم ومن حيث الإيجاب ومن حيث الكراهة والاستحباب والإباحة فكل فعل يصدر منك أنت يا أيها المكلف الله عزوجل له حكم فيه بل كل ترك يصدر منك يا أيها المكلف الله عزوجل له حكم شرعي الأحكام كما تعلمون خمسة الواجب والمستحب والمحرم والمكروه والمباح حينئذٍ إذا تقرر هذا علم الطالب أهمية هذا العلم أنه لابد من العناية به ولابد من حفظه ومن مذاكرته والبحث في كتبه ومناقشة طلاب العلم ومراجعة أهل العلم من أجل أن يتقرر الحكم الشرعي الذي يقال بأن الله تعالى حكم في هذه المسألة بكذا هذا ليس بالأمر الهين بأن يقال حكم الله تعالى في مسألة كذا بكذا لأنه ثَمَّ خلاف بين أهل العلم في مسائل الفقه على مرتبتين منه ما هو مجمع عليه ومنه ما هو مختلف فيه المجمع عليه في الغالب أنه يستوي فيه طالب العلم وغيره يعني العامي يعلم كثير من الأحكام المقطوع بها كوجوب الصلوات الخمس والصيام شهر رمضان والحج والزكاة ونحو ذلك وقطيعة الرحم من حيث التحريم وصلة الرحم من حيث الإيجاب هذه كلها يستوي فيها طالب العلم مع العامي فلا ينفرد بها العالم أو طالب العلم عن غيره والنوع الثاني وهو الذي يحتاج إلى مجاهدة ويحتاج إلى نظر ويحتاج بحث وهو المسائل المختلف فيها بين العلماء والخلاف الكائن بين المذاهب الأربعة في الغالب هو خلاف قد وقع بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنه لا يصح ولا يجوز عند جمهرة أهل العلم أن ينشئ خلاف أو قول لم يقل به أحد من الصحابة وما من خلاف قد وقع في المذاهب الأربعة إلا وثَمَّ قائل به من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إذا تقرر هذا حينئذٍ تكون العناية بهذا الكتاب على جهة التقرير والاختصار ونحاول مع ذلك يسهل الشرح وأن ينظر في المسائل دون النظر في العمق في تصوري المسائل على ما أرده أهل العلم وإن كان الأولى بطالب العلم أن يفهم المسألة على وجهها على وجه التمام لكن لقصور الهمم في هذا الزمن كما ذكر المصنف إذا الهمم قد قصرت وهذا في زمانه ونحن إن لم تنعدم فهي أشد قصوراً من ذلك الزمن ولا الأصل بطالب العلم أن يأخذ المسألة على وجهها بمنطوقها ومفهومه وحدودها وشروطها ووجه الاستدلال من ذلك الدليل لهذه المسألة هذا هو الأصل لكن الناس في شغل عن تحقيق هذه المطالب فصارت هذه المطالب فيه نوع صعوبة بل صد عن العلم كما يزعمه البعض، ولذلك سنقف على كلام المصنف ونبين ما حواه من حيث
المنطوق وما أشار إليه من حيث المفهوم ثم دليل المسألة فما كان راجحاً في كلام صاحب الزاد حينئذٍ لا نتطرق لغيره وما كان مرجوحاً لابد أن نبين القول الراجح بدليله والفقه من حيث هو علم ليس بالسهل وليس كل ما وجه طالب العلم من صعوبة في العلم قال هذا صعب فأتركه أمشي عنه نقول هذا لا ينبغي لطالب العلم وإنما ينظر في العلم الشرعي بنظر الطالب الذي يريد أن يحقق فيه المطالب العالية بأن يكون إماماً بأن يكون عالماً جامعاً للفنون وأما مجر الثقافة وأخذ المعلومات نقول هذا أمر لا ينبغي أن يكون طالب العلم على نمط يشير إلى أنه لا يرد من العلم إلا هذا الذي يذكره وإلا لو أراد أن يقرأ قراءة مجردة وتعليق نقول طالب العلم يجلس في بيته ويقرأ ويفهم لأن المعني العامة واضحة لو أخذ أدنى شرح في زاد المستقنع أو غيره من الفنون في الكتب المؤلفة في سائر الفنون يستطيع الطالب أن يفهم فهماً عاماً إذا كان الطالب يريد هذا الفهم العام فليجلس في بيته ولا يتعب نفسه وإنما لابد من نظر في المسألة وتقليبها ومعرفة اصطلاح الفقهاء في ذلك دون تعمق كما ذكرنا سابقاً والمتن هذا الذي هو مختصر المقنع للعلامة ابن النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى المقدسي الحجاوي بفتح الحاء أشتهر بالحجاوي نسبة إلى قرية حجا وهي قرية من قرى نابلس توفي سنة 968هـ ثم الصالحي الدمشقي بدء رحمه الله تعالى كتابه (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً لا ينفد أفضل ما ينبغي أن يحمد) فقد شرع بالبسملة والكلام في البسملة يطول وقد ذكرنا كثيراً ما يتعلق بها في شروح أخرى (الحمد لله حمداً لا ينفد) نتكلم في المقدمة بما يحل المعني العامة ثم نلج في كتاب الطهارة، (الحمد لله) هو ذكر محاسن المحمود كما قال ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى له تعاريف وفيها نظر ولكن أكثر ما يذكرون من التعاريف فيه نظر والأحسن أن يعرف الحمد بأنه ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله ذكر صفات أو محاسن المحمود مع حبه المعية هنا لابد منها فإن تجرد عن الحب والتعظيم فهو مدح لا حمد فالمدح والحمد يشتركان في أن كلاً منهما إخبار عن محاسن المحمود فقد تذكر محاسن المحمود وتحبه يعني اجتمع فيه المحبة مع الذكر وقد تذكر محاسن المحمود وأنت تبغضه لأنك ذكرتها من أجل مجاملة ونحو ذلك هذا الثاني مدحاً لا حمد فإن تجرد ذكر المحاسن عن المحبة والتعظيم والإجلال فهو مدح لا حمد إذاً اشتركا وافترقا (لله) اللام هنا للجنس اللام هنا لاختصاص أو العهد أو الاستحقاق وكلها معاني مطلوبة في هذا الموطن إذاً شرع كتابه بـ (الحمد لله) وهذا فيه تأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يبدأ الخطب ونحوها (إن الحمد لله نحمده ونستعينه) وهو سنة كما ذكر أهل العلم فيستحب لكل دارس ومدرس ومتعلم ومعلم ومتزوج وخاطب وكل ذلك أن يبدأ كلامه بالحمد لله، قال (حمداً لا ينفد) حمداً هذا بالنصب مفعول مطلق يعني إعرابه مفعول مطلق مبين لمعنى الحمد لأنه وصفه بما بعد بقوله (لا ينفد) حمداً هذا منصوب والعامل فيه محذوف أولى من جعله الحمد لأن الحمد مصدر محل بأل فإذا كان المصدر محل بأل فإعماله ضعيف كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى وأما إن كان
مجرداً عن أل ونون حينئذٍ نقول إعماله قياس فصيح وأما إن كان محل بأل فهو ضعيف إذاً حمداً كأنه الحمد لله أحمده حمداً، حمداً هذا معمول لفعل محذوف (لا ينفد) بالدال المهملة وفتح الفاء ماضيه نَفِدَ أي لا يفرغ (أفضل ما ينبغي أن يحمد) أفضل اسم تفضيل ينبئ عن زيادة الفضل أفضل وزيد أعلم من عمرو فزيد وعمرو كلهما اشتركا في أصل الوصف وهو العلم إلا أنه أشير إلى أفضل التفضيل إلى أن علم زيد أفضل من عمرو، واضح هذا؟ زيد أعلم من عمرو أفضل التفضيل هنا على بابه بمعنى أنه دل على ما هو مفضل وما هو مفضل عليه، والحمد يتفاوت بعضه أفضل من بعض ولذلك حمد المرسلين ليس كحمد سائر الخلق ولذلك قال هنا أفضل اسم التفضيل ينبئ بزيادة الفضل (ما ينبغي أن يحمد) ما ينبغي يعني يطلب أن يحمد أي يثنى عليه لأن كما ذكرنا أن الحمد هو ذكر محاسن والذكر هو الثناء وأفضل منصوب على أنه بدلاً من حمداً أو صفته أو حال منه وما موصول اسمي أو نكرة موصوفة والتقدير أفضل الحمد الذي ينبغي أو أفضل حمداً ينبغي حمده به إذاً أشار بهذه الجملة الأخيرة إلى كمال الحمد وأشار بقوله لا ينفد إلى استمرار الحمد حينئذٍ وصف الحمد بوصفين الأول لا ينفد وهو يفيد الاستمرارية والثاني وهو بقوله أفضل ما ينبغي أن يحمد وهو يفيد كمال النوعية حينئذٍ اجتمع فيه هذان الوصفان، لما أثنى على الله تعالى عقبه بالثناء على أفضل البشر وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
وأفضل الخلق على الإطلاق
…
نبينا فمل عن الشقاق
(وصلى الله) هذه جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى يعني المراد اللهم صلي هي دعاء لكنه عبر بـ (صلى) فعل ماضي والفعل الماضي يدل على وقوع الحدث في زمناً قد مضى حينئذٍ ما المراد بهذه الجملة نقول هذه الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى بمعنى أن المراد بها هو الدعاء كأنه قال اللهم صلي على محمد (وصلى الله) الصلاة من الله تعالى كما قال الأزهري وهو المشهور عند المتأخرين الرحمة والمراد بالرحمة هنا المقرونة بالتعظيم ومن الملائكة الاستغفار ومن الآدميين التضرع والدعاء أكثر المتأخرين على اختيار هذا المعنى للصلاة وابن القيم رحمه الله تعالى له بحث نفيس واعترض على هذا من عدت أوجه وقال بل الصلاة من الله تعالى ما قاله أبو العالية وعلقه البخاري في صحيحه ثناؤه على عبده في الملاء العلى وصلاة الملائكة عليه كذلك ثناؤهم عليه وكذا الآدميون يعني سؤالهم من الله تعالى أن يثني عليه وأن يزيده تشريفاً وتكريماً هذه الصلاة من حيث المعنى وهو ظاهر بما أطلقه أو علقه البخاري رحمه الله تعالى (وسلم) هذه معطوفة على صلى وهو كذلك جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى بمعنى اللهم سلم فهي دعاء (وسلم) مأخوذ من السلام بمعنى التحية السلام عليكم التي هي معروفة أو السلامة من النقائص وهو ذلك أو السلام الذي هو الأمان ضد الخوف ومعلوم أو من المقرر في قواعد الشريعة عند كثير من المتأخرين أن اللفظ الشرعي إذا احتمل عدة معاني ولم يكن تنافي بين هذه المعاني أنه يحمل عليها هذا قاعدة عند كثير من المفسرين فلا يخص اللفظ بمعنى دون معنى لماذا؟ لأن اللفظ في استعمال الشرع أنما يراد به الحقيقة اللغوية هذا هو الأصل إلا إذا بين الشارع أن له حقيقة في الشرع صار حقيقة شرعية فإذا أطلقة لفظ الصلاة حينئذٍ ينصرف إلى الحقيقة الشرعية التي أوقفها أو جعلها الشارع حقيقة لذلك المعنى وهو أفعال وأقوال إلى آخره، وأما إذا لم يكن له حقيقة شرعية حينئذٍ يحمل على المعنى اللغوي ولا شك أن المعنى اللغوي قد يكون متعدداً يقال هذا اللفظ يستعمل في كذا وكذا وكذا حينئذٍ بما نخص المعنى الشرعي بواحد من هذه المعاني أو بمعنيين أو بالمعاني كلها إن قلت بواحد من المعاني طالبناك بالدليل لأنك خصصت هذا اللفظ معنى دون آخر فقلت المراد به كذا دون كذا فأثبت معنى للفظ ونفيت معنى أو معاني حينئذٍ إذا جيئت بدليل قبل منك ذلك وإن لم تأتي بالدليل صار هذا من قبيل التحكم ولذلك القاعدة أن يحمل اللفظ الشرعي على المعاني اللغوية كلها إذا لم يكن بين هذه المعاني تنافي يعني تعارض تناقض فإذا كان ثَمَّ تعارض لابد من المرجح ولا وجد له في الشرع يعني لا يوجد عندنا لفظ مشترك بين معاني متنافي وليس ثَمَّ ما يرجح هذا على ذاك
ثم قال (وصلى الله وسلام على أفضل المصفين محمد) هذا بلا شك (على أفضل) هذا متعلق بصلى صلى على أفضل، أفضل كما ذكرنا سابقاً اسم تفضيل يدل على زيادة فضل و (المصطفين) أو المصطفون جمع مصطفى والمراد به المختار لأنه مشتق من الصفوة وهو الخالص من الخلق الصفوة من كل شيء خالصه وطاؤه من قلبة عن تاء كما قال الشارح وقوله محمد (على أفضل المصطفين) من هو قال (محمد) هذا إعرابه عطف بيان لأنه قد لا يعرف السامع أن أفضل المصطفين هو محمد، لأن مصطفى ليس خاصاً بالأنبياء والرسل بل قد يكون مشترك بين الأنبياء والرسل وغيرهم حينئذٍ قوله محمد هذا يعتبر عطف بيان (وعلى آله) أي أتباعه الصلاة على الآل كذلك السلام يكون تبعاً للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك السلام عليه وهل ورد نص في ذلك؟ نعم ورد نص ولذلك جاء في التشهد (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد) ويفسر الآل هنا بالأتباع على الدين وأطلاق الآل على الأتباع هذا وارد ولذلك قال الله تعالى في شأن في فرعون (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) آل فرعون يعني فرعون وأتباعه فأطلق الآل هنا على الأتباع إذاً على آله أي أتباعه على دينه نص عليه أحمد وعليه أكثر الأصحاب، هنا أضافه إلى الضمير وهو جائز على قول الجماهير وأنكره ومنعه الكسائي والنحاس وغيرهما والصواب هو الإضافة (وأصحابه) هذا عطف على الآل جمع صاحب بمعنى الصحابي والصحبة من حيث المعنى اللغوي تدل على الملازمة لا يسمى الصاحب صاحباً إلا إذا كان ملازماً له وأما مجرد الاتقاء خمس دقائق أو أقل من ذلك فلا يسمى صاحباً في اللغة ولا في عرف الناس ولكن لشرف النبي صلى الله عليه وسلم ومكانة النبوة والرسالة أعطي كل من رآه أو اجتمع به وإن قل من زمن وإن لم يسمعه حديث ولو رآه عن بعد ولم يروي عنه أو يلازمه يسمى ماذا؟ يسمى صحابيا وهذا مخالف لما عليه أهل اللغة وكذلك العرف وهذا لشأن النبي صلى الله عليه وسلم على جهة الخصوص ولذلك يعرف الصحابي بأنه من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمن به ومات على ذلك
حد الصحابي مسلماً لقي الرسول
…
وإن بلا رواية عنه وطول
فلا يشترط فيه الرواية عنه وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام لما قال وآله وأصحابه الصحب هنا عطف على الآل ولا شك أنه من الأتباع الصحب أليس كذلك؟ حينئذٍ أول من يدخل في قوله وعلى آله هم أصحابه لأنهم أدركه عليه الصلاة والسلام حينئذٍ يكون عطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام قال (ومن تعبد) هذا تعميم بعد تخصيص والصحيح أنه يجوز عطف العام على الخاص لأن الذي تعبد منهم الآل ومنهم الصحب حينئذٍ عطف العام على الخاص وهذا جائز وهو محل خلاف عطف الخاص على العام هذا محل وفاق بين الأصوليين وأهل اللغة وأما عطف العام على الخاص هذا محل خلاف والصحيح جوازه (ومن تعبد) يعني الذي تعبد من هنا موصولة تعبد فعل ماضي مشتق من العبادة؛ العبادة كما هو معلوم في اللغة التذلل والخضوع وفي الشرع ما حدها؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، هذا باعتبار الآحاد والأفراد (ومن تعبد) أي عبد الله تعالى إذاً في هذه حمد الله تعالى الخالق جل وعلا ثم أثنى على أفضل الخلق ثم عمم تلك الصلاة على الآل وعلى الصحب وعلى من تعبد، وأما الآل كما ذكرنا أنه جاء النص فيه وأما الصحب فهذا لم يأتي فيه نص بالصلاة والسلام عليهم وإنما يذكرن تبعاً لشرف ومنزلة الصحابة لأنهم حفظ لنا الدين حينئذٍ تكون الصلاة والسلام عليهم من جهة التبع يعني إذا ذكر الآل عطف عليهم ومن تعبد هذا كذلك يشمل الصحب والآل ومن عداهم إلى زماننا هذا حينئذٍ نقول هذه صيغة عموم وتدل على العموم والشمول حينئذٍ لا دليل من حيث إثبات الصلاة والسلام إلا أنه إذا عطف العام على الخاص وكان الخاص مما جاء به الشرع بالصلاة والسلام حينئذٍ يثبت الحكم تبعاً لا استقلالاً ولذلك كل من عدا الأنبياء والمرسلين الأصل لا يصلى عليهم هذا هو الأصل إلا ما جاء النص فيه وهم الآل ومن عداهم فالأصل عدم الصلاة والسلام عليهم إلا إذا ذكروا تبعاً يعني كما هو الشأن في هذا الموضع أما على جهة الاستقلال فإن كان على جهة الديمومة الاستمرار فهو ممنوع يعني لا يقال أحمد بن حنبل صلى الله عليه وسلم يعني لا يجعل له شعار كلما ذكر الإمام أحمد قيل صلى الله عليه وسلم قل هذا لا هذا ممنوع لأن الصلاة شعار للأنبياء والمرسلين وإن كان على جهة القلة لا على الدوام قيل مرة أو مرتين أحمد بن حنبل صلى الله عليه وسلم قل هذا جائز لأنه لم يذكر على جهة الدوام (أما بعد) هذه كلمة يأتي بها للانتقال من المقدمة إلى الشروع في المقصود أي بعد ما ذكر من حمد الله والصلاة والسلام على رسوله وهذه الكلمة يستحب أن يأتي بها في الخطب والمكاتبات اقتداء به صلى الله عليه وسلم (أما بعد فهذا) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط والسنة أن يأتي بها كما لفظها النبي صلى الله عليه وسلم أما بعد وقد شاع عند المتأخرين حذف أما والإتيان بالواو بدله وبعد هذا لم يكن ممتثلاً ليس مصيباً للسنة إنما السنة أن يأتي بهذا اللفظ (أما بعد فهذا) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط لأن أما متضمنة لفعل الشرط إذ هي نائبة عن مهمه، أما كمهمه يكن كشيء وفا
…
............ ،
هكذا قال ابن مالك رحمه الله تعالى (فهذا) اسم إشارة والأصل في المشار إليه أن يكون محسوساً مدركاً بالحس ولكن قد ينزل المعقول منزلة المحسوس لقربه من الوجود وملا كان هذا الكتاب وهذا كان قبل يعني بدء بالمقدمة قبل أن يشرع في الكتاب (فهذا) يعني كأنه حضر الكتاب في ذهنه من أوله إلى آخره وأشار إليه باسم الإشارة حينئذٍ نزله منزلة الموجود وإن كان بعد كتابة الكتاب حينئذٍ صار محسوساً ولذلك قال الشارح إشارة إلى ما تصوره في الذهن وأقامه مقام المكتوب المقروء الموجود في العيان لأنه مخالف للأصل واستعماله في غير المحسوسات يعتبر مجازاً عند أهل المجاز أما بعد فهذا مبتدأ مفتعل من الاختصار أي موجز والاختصار هو ما قل لفظه وكثر معناه وقد شاع عند الكثيرين أهل العلم قاطبة عند أهل العلم قاطبة أنهم جعلوا العلم في مختصرات هذا من رحمة الله بهذه الأمة بأن هيأ لهم أسباب العلم بأن جعل في مثل هذه المختصرات لأنها مفتاح بمعنى كلمة مفتاح بما أنك لا تدخل بيتك إلا بمفتاح إذا كان البيت مصوناً حينئذٍ كذلك العلم لا تدخله إلا بمفتاح ومفتاح العلم هذه المختصرات ومن ولج العلم من غير المختصرات هذا لن يصل المراد حينئذٍ وإنما سيكون مثقفاً ويكون ناقلاً للعلم لا عالماً ولذلك المختصرات ينبغي العناية بها وينبغي مدارستها ولو بقي طالب العلم عشرات السنين وهو معتكف على المختصرات لما كان ضياعاً لوقته كما يظنه بعض الجهلة وممن لا يعرف طريق الطلب والتحصيل (مختصر) أي موجز وهو ما كثر لفظه وقل معناه والغالب في المختصرات أن فيها نوع صعوبة بمعنى أن الكلام فيها يكاد أن يكون شبيهاً باللغز لا يصل إلى درجة الألغاز وإنما يكون فيه نوع صعوبة وهذا أمر أراده أهل العلم لأن هذه المختصرات سلم إلى العلم طريق موصل إلى العلم والعلم لا يأتيه الأغبياء ألبته لا يناله الأغبياء ولذلك تمييز لهذه الأصناف لأن المقبل على العلم قد يقبل عليه بعاطفة وكثير ممن يقبل بعاطفة يرجع من حيث بدء يعني يبقى عمره ويذهب ويأتي ويشتري ويظن أن مجرد حضور مجالس العلم وأن مجرد مسك الكتاب أو جمع الكتب والأشرطة أن هذا هو العلم؛ العلم لابد من جهاد ولابد من الحفظ ولابد من معانة الحفظ ومعانة الفهم والوصول إلى الغاية التي من أجلها جعل أهل العلم هذه المختصرات وهو إدراك المسائل على الوجه الذي أثبته أهل العلم وأما أن يكون همة طالب العلم كما ذكرنا سابقاً أنه يتثقف هذا يمكن أن يحصله من المعلومات التي تكون أشبه بالمختصرات المعاصرة أو الكتب الثقافية ونحو ذلك إذاً قوله (مختصر في الفقه) الفقه هذا احترازاً من غيره بمعنى أن هذا المختصر في علم وهو علم الحلال والحرام والفقه في اللغة هو الفهم وهو إدراك معنى الكلام (يفقهوا قولي) أي يفهموا قولي (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) يعني لا تفهمون تسبيحهم، وأما في الاصطلاح فالفقه عند الفقهاء هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، العلم واضح أنه إدراك معلوم الأحكام الشرعية التي هي الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والمباح وهذه كما ذكرنا أنها متعلقة بأفعال العباد ولذلك قالوا العملية من العلمية وهو الإعتقادية فثَمَّ نظران إما أن ينظر إلى
المعتقد وإما أن ينظر إلى العمل ما يتعلق بالمعتقد هذا هو العقيدة وما يتعلق بالعمل هذا هو الفقه حينئذٍ كل فعل من أفعال العباد متعلق به الأحكام الخمسة التي ذكرناه سابقاً ولذلك موضوع علم الفقه هو أفعال العباد من حيث إثبات الأحكام الشرعية لها أو نفيها عنها من أدلتها التفصيلية هذا احترازاً من أصول الفقه لأن البحث فيه يكون بحثاً في الأدلة الإجمالية للفقه إذ الدليل نوعان دليل إجمالي ودليل تفصيلي، دليل إجمالي كقول الأصوليين مقتضى الأمر يدل على الوجوب مقتضى الأمر صيغة افعل تدل على الوجوب حينئذٍ هذه لا تتعلق بصلاة ولا بصيام ولا بزكاة ولا بأي فعل من أفعال العباد هذه قاعدة عامة وهي دليل فقه تثبت به من الأحكام أحكام المسائل ما لا حصر له وأما الدليل الجزئي وهو ما يتعلق بفعل من أفعال المكلف قول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يبلن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) هذا دليل جزئي متعلق بمسألة واحدة وهي بول المكلف في ماء دائم لا يجري قوله من أدلتها التفصيلية يعني التي تذكر تفصيلاً لكل مسألة، مسألة وهنا انتبه حذفنا من التعريف المكتسب وهذا شاع في كتب كثير من المتأخرين العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب احترازا من القطعي لأن القطعي عندهم لا يسمى فقه والصواب أنه يسمى فقه (مختصر من) مختصر في الفقه يعني هذا الذي ذكرناه سابقاً وحده ما ذكرناه وموضوعه أفعال المكلفين واستمداده من الكتاب والسنة والقياس والإجماع هذا البحث الذي هو المختصر يتعلق بأفعال المكلفين من حيث الأحكام الشرعية الثابت لها ثم مصدر هذه الأحكام أربعة وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولذلك من المستحسن أن يقدم طالب العلم متناً فقهياً على متناً حديث ليس من حيث المنزلة والأهمية ولكن من حيث تصوير المسائل لأن أحاديث الأحكام أو الكتب المؤلفة في أحاديث الأحكام إنما تعتني بذكر مصدر واحد من مصادر الفقه وهو السنة فقط ولذلك لا تذكر فيه آية الكتاب من أوله إلى آخره لا تذكر فيه آية واحدة وليس هذا منعاه أن القرآن ليس مصدر من المصادر الأحكام الشرعية الفقه وإنما كونه اقتصروا على نوع واحد من أدلة الفقه ثم كذلك لا تذكر فيه الإجماعات ولا القياسات حينئذٍ اقتصروا على نوع واحد وفاته الكثير من الأحكام الشرعية التي هي مستندة على آية أو إجماع أو قياس صحيح فإذا درس الطالب متناً فقهياً حينئذٍ ما من مسألة تذكر إلا يذكر لها دليل إما من كتاب فقط أو من سنة فقط أو من إجماع فقط تكون بعض المسائل ليس فيها إلا إجماع وبعض المسائل ليس فيها دليل لا من كتاب ولا سنة وإنما فيه قياس صحيح هذه لا تكون موجودة واشتمل عليها كتاب معين إلا في المختصرات يكون عنده تصور في الباب كامل يعني من أوله إلى آخره بمسائله التي ثبتت بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس بخلاف المتون الحديثية وهي على أهميتها ولا يستغني عنها طالب العلم وليس ثَمَّ تعارض بين المنهجين المنهج الفقهي والمنهج الحديث وإنما كل منهما مستند للآخر المحدث لابد له من الفقه والفقهية لابد له من معرفة الحديث قال (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد) يعني هذا الاختصار الذي صنعه الحجاوي رحمه الله
تعالى ليس ابتداء من عنده بأن جمع كتب المذهب ونظر فيها واختصر وإنما هو متعلق بكتاب قد شاع وذاع في ذاك الزمان وهو كتاب المقنع وهو كتاب متوسط هو الذي كان يحفظ قبل وجود الزاد كتاب متوسط يذكر فيه الموفق القولين والرايتين والوجهين والاحتمالين في المذهب دون ذكر للأدلة والتعليل إلا نادراً وإنما يذكر ما ذكرناه سابقاً وأراد المصنف أن يختصره على قول واحد قال (من مقنع) أي من الكتاب المسمى بالمقنع وهو تأليف الإمام المقتدى به شيخ المذهب الموفق أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي توفي سنة عشرين وست مئة وقوله الإمام أي المتبع إذ لم يكن في نفسه كذلك لأن المتبع هنا هو الإمام أحمد لأنه أراد أن يصنف في مذهب والمذهب هنا مقيد بمذهب الإمام أحمد وإمامه المتبع هو الإمام أحمد على ما جرى عليه الاصطلاح عند المتأخرين (من مقنع الإمام الموفق أبي محمد على قول واحد) يعني حالة كون هذا المختصر على قولين واحد وهو أي القول الواحد الذي يذكره ويحذف ما سواه من الأقوال (هو الراجح) الراجح يعني المعتمد الراجح من القولين إذ ثَمَّ روايات وأقوال وأوجه حينئذٍ لابد من واحد منها هذا يوجب هذا يستحب هذا يحرم هذا يكره هذا يبيح ولا يمكن أن يكون المذهب كل هذه الأقوال لابد من معرفة ما هو الراجح في المذهب (وهو الراجح) أي من القولين أي المعتمد في مذهب أحمد يعني في مذهب إمام الأئمة وناصر السنة أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المذهب مفعل يعني وزنه مفعل وهو في اللغة يطلق ويراد به المصدر الميمي؛ يعني الذهاب الطريق الذي ذهبت فيه أو ذهابك أنت أو مفعل والمراد به الزمن أو المكان وليس المراد به هنا لا الزمان ولا المكان وإنما المراد به المصدر ثم اصطلاح الفقهاء في أطلق لفظ المذهب على ما قاله المجتهد بدليل ومات قائل به، ما قاله المجتهد وشروط المجتهد يذكرونها في كتب الأصول بدليل يعني لا مجرد هوى هذا بعيد أن يقوله إمام يتكلم في الشرع ويأتي بأقوال مبناها على الهوى والتحكم وإنما يكون دليلاً عنده ولا يلزم أن يكون دليلاً عنده أن يكون دليلاً عند غيره ولذلك الخلاف صايغ في كثير من المسائل أعتبر أنا هذا دليلاً وأنت لا تعتبره دليلاً إذاً بدليل عنده عند القائل به ومات قائل به فإن رجع قبل موته إلى دليل آخر فالأصل أن المتأخر هو قوله وهذا سنة أهل العلم أنهم قد يقولون ثم بعد ذلك يرجعون عن قولهم لأنه إذا بان لهم السنة وبان لهم الحق لا يحل لمسلم ألبته فضلاً على أن يكون إماماً ومجتهداً أن يصر على قوله السابق مع ظهور الحق مع غيره إذاً هذا الكتاب مختصر من مقنع هذا أولاً هذه فائدة وهو كتاب جليل عظيم في ذاك الزمن ثم هو في مذهب الإمام أحمد والإمام أحمد فقيه محدث من كبار فقهاء المحدثين ثم هو مختصر كذلك ثم هو على قول واحد يعني فيه اختصار مع الاختصار ثم هو القول الراجح يعني القول المعتمد وهذا إنما يذكر القول الراجح يعني المعتمد في المذهب للمقلدة ثَمَّ ما هو مقلد يتبع غيره ويرى أنه لا يحل له أن يجتهد ألبته وهذا موجود عند كثير من المتأخرين وهو قول فيه تفصيل بمعنى أنه إن كان تقليده إن كان المقلد ليس أهلا أن ينظر في نصوص
الوحيين ويرجح بين الأقوال فهو كذلك فواجبه حينئذٍ التقليد كالعامة وطلاب العلم المبتدئين لا يحل لواحد منهم أن يجتهد إذا لم يكن أهلاً للاجتهاد وكونه طالب علم مبتدئ معناه أنه عامي وإنما تميز بالابتداء بكونه قد نوى العلم وإلا هو مازال في عاميته حينئذٍ لا يحل له أن يرجح قولاً على قول وواجبه حينئذٍ هو التقليد قال تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قسم هنا الناس قسمين سائل ومسئول والسائل جاهل كأصله وأمره أن يتجه إلى أهل الذكر يعني العلماء فيسألهم عما يجهله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وأما إن كان عنده أهلية في النظر هذا يحرم عليه التقليد ألبته لأنه إنما الواجب عليه أن يعرف الحق بنفسه بأن يبتع ولا يقلد حينئذٍ إذا وقع في التقليد فقد وقع في محرم وهو محرم عليه حينئذٍ صار مرتكب لما هو محرم وهذا كما ذكرنا أنه يكون عليه الاجتهاد قال (وربما حذفت منه) يعني من المقنع ربما تقليل حذفت منه يعني من المقنع (مسائل) جمع مسألة من السؤال وهو ما يبرهن عنه من العلم (مسائل نادرة الوقوع) يعني نادرة الوقوع لعدم شدة الحاجة إليها لأن مسائل الفقه على نوعين مسائل يفتقر إليها كل الناس ومسائل لا يفتقر إليها كل الناس، ما افتقر إليها كل الناس يعني الخاصة والعامة حينئذٍ هذا ينبغي العناية به كالأحكام الوضوء وأحكام الغسل ووصفة الصلاة ينبغي العناية بها ومعرفة القول الراجح فيها والنوع الثاني قد لا يحتاجه كل الناس وإنما يتعلق ببعض دون بعض هذا قد يكون فرض كفاية وقد لا يكون فرض كفاية إن كان فرض كفاية فهذا يتعلق بالبعض دون بعض كذلك يعتني بها طالب العلم وما لم يكن كذلك قد يكون في المسائل النادرة في الوقوع بأنها لا تقع إلا في زمن دون زمن فهذه العناية بها تختلف من زمن إلى زمن فما وجد به تكون العناية به من أهل العلم وما لم توجد تكون العناية بغيره تكون أولى (نادرة الوقوع وزدت على ما مثله يعتمد) وزده يعني على ما قال في المقنع من المسائل والأحكام ما أي مسائل على مثله يعتمد أي يعتمد على مثله والاعتماد هنا التعويل أي يعول لأنه موافق للصحيح (إذ الهمم قد قصرت والأسباب عن نيل المراد قد كثرت) إذ للتعليل يعني لماذا اختصرت؟ ولماذا لم تترك الناس يحفظون المقنع كما هو الجادة في ذاك الزمان قال (إذ الهمم) جمع هِمه أو هَمه بالفتح والكسر يقال هممت بالشيء إذا أردته ماذا بالهمة قصرت يعني ضعفت صار فيه نوع عجز هذه الهمم تختلف من زمن إلى زمن (والأسباب المثبطة) أسباب أفعال جمع سبب وهو ما يتوصل به إلى المقصود (المثبطة) يعني المقعدة أو المشغلة (عن نيل) يعني إدراك (المراد) المقصود من العلم (قد كثرت) في ذلك الزمان، إذاً لقصور الهمم أختصر ولكثرة الأسباب المثبطة يعني العوائق عن طلب العلم كثرة المشاغل كذلك أختصره (ومع صغر حجمه حوا ما يغني عن التطويل) يعني هذا المختصر مع حجمه الصغير من إضافة الصفة إلى الموصوف حوا أي جمع ما يغني عن التطويل يعني عن الزيادة فإذا اكتفى به طالب العلم مكنه من النظر في المطولات لاشتماله على جل المهمات التي يكثر وقعها ولو بمفهومه ثم قال (ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي لا تحول من حال إلى حال
ولا قوة على ذلك إلى بالله هذا المعنى هو الأصح وقيل لا حول عن معصية الله إلى طاعته إلى بمعونته وهذا المعنى مرجوح والأول هو الأعم والأشمل (وهو) أي الله هو (حسبنا) أي كافينا (ونعم الوكيل) أي المفوض إليه تدبير خلقه جل وعلا، إذاً هذه مقدمة وذكر فيها ما ذكر.
ثم قال رحمه الله تعالى (كتاب الطهارة) هذا شروع منه في أول أبواب الفقه وهو ما يعنون له بكتاب الطهارة وقدم كتاب الطهارة مع أن الصلاة أهم لأن الصلاة ركن من أركان الإسلام ومجمع على أن تارك الصلاة كافر المقصود بالإجماع هنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقدمت الطهارة هنا لكونها وسيلة وشرطاً لصحة الصلاة ولا يمكن إيقاع الصلاة على وجهاً صحيح إلا بالعلم بأحكام الطهارة ولذلك درج الفقهاء على تقديم الطهارة لأهميتها لكون الصلاة لا تصح إلا بطهارة كتاب الطهارة كتاب فعال بمعنى مفعول أي جامع أو مجموع لأحكام الطهارة من بيان ما يتطهر به وله ومنه وكيفية الطهارة هذه جملة أبواب ما يذكر في كتاب الطهارة يعني سيذكر لك المصنف هنا ما يتطهر به ويذكر لك ما يتطهر منه وله وكيفية الطهارة هذه أبواب أربعة الأول ما يتطهر به وهو الماء أو التراب وهو بدل عن الماء ثانياً ما يتطهر له يعني ما تشطر له الطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف ونحو ذلك ما يتطهر منه وهو ما يعنون له باب نواقض الوضوء وكيفية الطهارة يعني صفة الطهارة الصغرى وهو الوضوء والكبرى وهو الغسل من الجتابة ونحوها إذاً كتاب الطهارة يعني هذا كتاب جامع أو مجموع لبيان أحكام مسائل الطهارة وكيفيتها الطهارة فعالة وهي في اللغة النظافة والنزاهة عن الأقذار قال طهرت الثوب يعني عن القذر والفقهاء يذكرون هنا في هذا الموضع وهذه الضوابط العامة لابد منها من أجل أن تدرك ما سيذكره المختصر هنا مقاصد الطهارة أربعة ومسائلها أربعة، مقاصد الطهارة أربعة الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة سيعقد بكل واحد بهذه الأربعة باب يختص به الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة وأما مسائله في أربعة على الصحيح الماء وهو الأصل في الطهارة المائية ثم النوع الثاني الوسيلة الثانية وهو التراب وهو وسيلة للطهارة وإن لم يكن رافع كما سيأتي ثالثاً الأحجار وهذا في باب الاستجمار رابعاً الدابغ وهذا يأتي في باب الآنية لأن الدبغ الذي يدبغ به الجلد وهذا يأتي أنه مطهر وسيأتي كلام المصنف (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) هذا على المذهب أنه لا يطهر والصحيح أنه يطهر وهذا سيأتي بيانه إذاً مقاصد الطهارة أربعة ومسائلها أربعة، وأما اصطلاحاً فعرفه المصنف بقوله (وهو ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث) الحدث في اللغة هو وجد الشيء في بعد أن لم يكن قالوا حدث شيء يعني لم يكن فكان وأما في اصطلاح الفقهاء فيطلقون الحدث ويريدون به في هذا الموضع المعنى القائم بالبدن وهو وصف قائم بالبدن حكم هذا الوصف أنه يمنع من الصلاة ونحوها مما تشطر له الطهارة ولا يلزم أنه كلما أطلق الحدث في كتاب الطهارة أرادوا به هذا المعنى في باب النواقض يطلقون الحدث ولا يريدون به المعنى القائم بالبد ن يعني الوصف القائم بالبدن وإنما يردون به الخارج كالبول والغائط ونحو ذلك ولذلك مجمل
إطلاق الحدث في اصطلاح الفقهاء أربعة أولاً الخارج من السبيلين الثاني خروجه نفسه فعل الفاعل ثالثاً الوصف الذي ذكرناه القائم بالبدن رابعاً المنع حينئذٍ يطلق الحدث ويراد به الخارج من السبيلين كالبول نفسه والغائط نفسه ثانياً يطلق على التبول الفعل نفسه كونه يتبول فعله يسمى حدثاً ثالثاً الوصف القائم الذي ذكرناه رابعاً المنع الذي ترتب على الخارج يعني يخرج الخارج ثم يترتب عليه هي متوالية يتبول هذا خروج ثم يترتب على هذا قيام الوصف القائم بالبدن ثم هذا الوصف يمنع فهي متوالية مترتبة بعضها على بعض إذاً في اصطلاح الفقهاء يطلق الحدث ويراد به واحد من هذه المعاني الأربعة، ما المراد به في هذا الموضع؟ نقول المراد به المعنى القائم بالبدن وقيامه بالبدن كله يعني لا يتبعض الحدث يعني لا يقوم بأعضاء الوضوء إذا كان الحدث أصغر دون سائر البدن بل بالبدن كله إذاً ارتفاع الحدث المراد بالحدث هنا الوصف القائم بالبدن المانع ن الصلاة ونحوها عندنا في هذا التعريف شيئين وصف ومنع، وصف هذا معنى وحكم هذا المعنى المنع إذاً ترتب المنع على الوصف ارتفاع الحدث وزوال هذا الوصف القائم بالبدن باستعمال الماء في جميع البدن إن كان الحدث أكبر أو في الأعضاء المخصوصة إن كان الحدث أصغر يسمى ماذا؟ يسمى طهارة ولذلك ينقسم الحدث إلى قسمين حدث أكبر وهو ما أوجب غسلاً وحدث أصغر وهو ما أوجب وضوء كلاهما معنى قائم بالبدن إلا أنه لا يرتفع الحدث الأكبر إلا باستعمال الماء في جميع البدن ولا يرتفع الحدث الأصغر إلا في بعض الأعضاء دون بعض (وهي ارتفاع الحدث وما في معناه) يعني والذي في معنى ارتفاع الحدث الضمير في قوله معناه يرجع إلى ارتفاع على المشهور عند الشراح والمراد به هنا ما لا يكون الوضوء أو الغسل مثلاً صادراً عن حدث وليس فيه معنى الارتفاع وإنما صورة هذا النوع الثاني كصورة النوع الأول ولذلك خذ مثالاً قد يحدث الشخص حدثاً أصغر ثم يتوضأ حينئذٍ نقول بوضوئك هذا قد رفعت الحدث إذاً هذا الطهارة تسمى طهارة حدث لماذا؟ لأن سببها الحدث وقد وجد الحدث تبول ثم وجد المعنى القائم بالصلاة فتوضأ فارتفع هذا المعنى القائم بالبدن فجازة له الصلاة، قد يكون على وضوء ثم يجدد ويصلي به ثم يجدد وضوؤه حينئذٍ حين ما يتوضأ هل هذه طهارة أم لا؟ نقول نعم هذه طهارة نقول هل هي طهارة ناشئة عن حدث كطهارة السابق الجواب لا هل ثَمَّ خلاف بينهما في الحقيقة الجواب نعم الأول ناشئة عن حدث والثانية لم تنشئ عن حدث هل بينهما اختلاف في الصورة الجواب لا الثاني لكونه لم يكن ثَمَّ اختلاف بينهما في الصورة لابد من إدخاله في حد الطهارة فالوضوء الذي يكون سبب الحدث طهارة شرعية بالإجماع والوضوء الذي لا يكون ناشئ عن حدث وإنما هو لتجديد هو طهارة شرعية بالإجماع إذاً لابد من إدخال النوعين في الحد فأوجد هذه العبارة من أجل إدخال ما لم يكن فيه حدث طهارة ناشئة عن حدث وإنما صورته صورة الحدث فقيل وما في معناه يعني والذي على صورة الحدث إذاً وما في معناه يعني على صورته وهذا يشمل الأغسال المندوبة كل غسل مندوب كغسل الجمعة مثلاً هذا ليس ناشئاً عن حدث بخلاف غسل الجنابة فهو ناشئ عن حدث الصورة
واحد متحدة لكن الخلاف بينهما في الحقيقة هذا أراد أن يرفع الحدث الجنابة الحدث الأكبر وهذا لم يكن ثَمَّ حدث وإنما هو غسل مستحب وما في معناه يعني في صورته وهو الأغسال المندوبة وهو كل طهارة لا يحصل بها رفع الحدث أو لا تكون عن حدث، لا تكون عن حدث كالمثال السابق أو لا يحصل بها رفع للحدث مثل ماذا؟ من حدثه دائم كمن به سلس البول والمستحاضة ونحوها هؤلاء يجب إذا دخل وقت الصلاة أن يتطهر حينئذٍ وضوؤه يسمى طهارة ولا شك وغسله يسمى طهارة وكذلك المستحاضة غسلها يسمى طهارة لكنَّ الحدث الذي هو موجب للأصل الغسل لم ينقطع من شرط صحة الوضوء والغسل انقطاع الموجب حينئذٍ مع وجوب الحدث تعين عليه أن يتطهر حينئذٍ طهارته هذه تسمى طهارة شرعاً ولكن الحدث باقٍ لكن تسميتها هنا طهارة باعتبار المجاز لماذا؟ لأنه لم يرفع الحدث وإنما صورته كصورة من رفع الحدث إذاً الحدث باقٍ مستمر وتطهر وتوضأ واغتسل ومع ذلك سميناه فعله طهارة لكونه على صورة رفع الحدث (وما في معناها) أي على صورته كما في صورة المثالين المذكورين (وزوال الخبث) هذا النوع الثاني من نوعي الطهارة، الطهارة الأول طهارة حدث والطهارة الثانية طهارة خبث قال (زوال) ولم يقل إزالة لماذا؟ ليعم ما زال بنفسه أو بمزيل آخر يعني سواء كان بفعل فاعل كغسل المتنجس لأن المراد بالخبث هنا النجاسة حينئذٍ لو وقعت نجاسة على الثوب فإما أن يغسله بنفسه وإما أن ينزل مطر فيغسله كِلا النوعين حصلت به الطهارة فلا يشترط فيه القصد بخلاف طهارة الحدث هناك لابد فيها من القصد وهو النية وأما هنا فلا يشترط فيها النية ولذلك قال وزوال بمعنى إما أنه زال بفعل فاعل أو زال بنفسه فيعم النوعين والخبث المراد به هنا النجاسة وحد النجاسة على الصحيح سيأتي في بابها عين مستقذرة شرعاً وهذا أصح ما تعرف به النجاسة وأما التعريفات المشهورة عند الفقهاء كل عين حرم تناولها إلى آخره هذا غلط لأن مبناه على قاعدة وهي كل محرم فهو نجس وليس بصحيح إذاً (وزوال الخبث) المراد به إزالة النجاسة لما عرف الطهارة بالحقيقة الشرعية حينئذٍ كما وجد هذا اللفظ حينئذٍ فسر بالمعنى المذكور شرع في بيان ما تحصل به الطهارة والذي جاء النص به في الجملة أرمان طهارة مائية وما ينوب عن الماء وهو التراب وأما إزالة لنجاسة بالحجر أو بالدابغ فهذا محل ضرورة كما سيأتي (وزوال الخبث المياه ثلاثة) المياه جمع ماء وهي باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع تنقسم إلى ثلاثة أقسام والدليل هنا الاستقراء مع النظر في الأدلة يعني باستقراء نصوص الوحيين كتاباً وسنة طهور وطاهر ونجس طهور ونجس هذا محل وفاق بين الأمة وأما الطاهر هذا محل خلاف والجمهور على إثباته وهو الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، وإثباته هو الصحيح هو الراجح وغن شاع عند المعاصرين أنه قول متكلف لكن ليس بظاهر الأول أشار إليه بقوله (طهور) بفتح الطاء قال ابن الأثير الطُهور بالضم التطهر وبالفتح الماء الذي يتطهر به لأنه يقال طَهور فَعول ويقال طُهور بضم الطاء الأول طَهور اسم للماء الذي يتطهر به وطُهور بضم الطاء هو الفعل نفسه يعني فعلك الوضوء كونك تأخذ الماء وتغسل إلى آخره هذا يسمى طُهوراً بالضم كما يقال
السَحور والسُحور؛ السَحور بالفتح اسم لما يأكل في السحر وأما السُحور فهو فعلك أنت، طَهور أي مطهر قال ثعلب طَهور بفتح الطاء الطاهر في ذاته المطهر لغيره فحصل فيه مزيتان أولاً كونه طاهراً في نفسه الثاني كونه مطهراً لغيره خرج بالأول النجس الطاهر بنفسه يعني ليس بنجس يقابله النجس، المطهر لغيره يقابله الطاهر فإنه طاهر في نفسه لكنه ليس مطهراً لغيره قال تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) هذا دليل على أن ثَمَّ ما يسمى بطهور في الشرع قال تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء) ماء هذا مفعول به وهنا جاء لفظ الآية في سياق الامتنان حينئذٍ لا يمتن الله تعالى إلا بما هو طاهر في نفسه لا يمتن الله بنجس وعلم من قوله ماء أنه طاهر في نفسه قوله ليطهركم هذه زيادة ولو كان كل طاهر مطهر لما كان لقوله (ليطهركم به) فائدة ولذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء) وصفه بقوله (طهوراً) ولأصل في الوصف أن يكون صفة كاشفة يعني للاحتراز فلو كان ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره حينئذٍ ما الداعي لقوله طهوراً صار حشواً كذلك يؤكده ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل مع القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر - فحد السؤال هنا- وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم أفنتوضأ بماء البحر هنا شك مع يقينه بكون الماء الذي معه وهو قليل أنه صالح للوضوء إذاً هو طهور قطعاً ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به إذاً السؤال ليس عن هذا النوع لأن هذا النوع مما يصح الوضوء به فهو طهور ثم سأل عن ماء البحر لماذا سأل عن ماء البحر هل لكونه يعتقد أنه نجس لو لم يكن إلا المقابلة بين الطاهر والنجس حينئذٍ لحكمنا بكون الصحابي اعتقد بأن ماء البحر بأنه نجس وهذا محال لا يقول به عاقل فلما تردد لوجود الرائحة الكريهة والملوحة في الماء تردد عن خروجه عن النوع الذي يحمله وهو القليل معه إلى شيء ليس بنجس تعين القول بأنه ثَمَّ طاهر ليس بمطهر وهو النوع الثالث ولذا أجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) إذاً إذا تقرر ذلك ثبت أن القسمة ثلاثية وأن ما جاءت النصوص به هو إثبات الطاهر في نفسه المطهر لغيره وهو ما دل عليه قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) على كل المسألة فيها خلاف وهذا هو المذهب وهو قول الجماهير وهو المرجح قالحكمه الطهور لا يرفع الحدث غيره يعني لا طهارة كبرى ولا طهارة صغرى إلا بالماء الطهور وأما الماء الطاهر فهذا لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً وأما الماء النجس فهذا محل وفاق ما الدليل على أن الطهارة الكبرى والصغرى محصورة في الماء الطهور قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا)(فلم تجدوا ماء) أطلق الماء هنا فدل على أن مراده هو الماء الطهور (فلم تجدوا ماء) مع وجود سائر المائعات من النبيذ والخل ونحوه قال (فتيمموا) إذاً أمرهم بماذا؟ بالتيمم وهو استعمال التراب مع وجود سائر المائعات دل على أنه لا يجوز استعمال سائر المائعات دل على أنه لا يجوز استعمال سائر المائعات عند عدم وجود الماء بل وجب عليه أن يعدل إلى
التراب ولذلك حصر المصنف هنا قول جماهير أهل العلم حصر الطاهرتين من الحديثين الأكبر والأصغر في النوع الأول وهو الطهور للنص الذي ذكرناه وأما التراب والتيمم فهو مبيح وليس برافع كما سيأتي في موضعه وهو الصحيح أنه لا يرفع الحدث قال (ولا يزيل النَجَسَ الطارئ) النَجَسَ بالفتح وهو عين النجاسة كالبول لأن البول في نفسه هو نجاسة عينه وأما الثوب الذي في أصله هو طاهر وطرأ عليه البول حكمنا عليه بأنه متنجس حينئذٍ النَجِس والنَجَس، النَجَس هو عين النجاسة البول نفسه والمتنجس هو الثوب الذي وقعت عليه النجاسة هنا الذي يتطهر ما هو الذي يطهر؟ النجَس أو النجِس؟ النجِس هنا قال (ولا يزيل النجَس) يعني عين البول وحكمه التابع له الطارئة هذا إشارة فيه إلى أن الشيء إذا طرأ النجاسة إذا طرأت على محل طاهر حينئذٍ يحكم بذلك المحل الطاهر بحكم النجاسة حينئذٍ لابد من طهارة وهذه الطهارة لا تكون إلا بالماء فالطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما يحصل به طهارة الحدث لعموم قوله (لينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) أيمن الأحداث والأنجاس فيعم الطهارة بنوعيها كذلك جاء حديث أسماء (فلتقرص ثم لتنضح بالماء ثم لتصلي فيه) وحديث أمر بذنوب من ماء فأريق على بول الأعرابي فهذا أمر يقتضي الوجوب فدل على أنه لا يزيل النجس الطارئ إلا الماء وهو محصور فيه وأما إزالته بالأحجار في باب الاستنجاء أو الاستجمار كما سيأتي هذا من باب الرخصة حينئذٍ الأصل هو عدم إزالة النجاسة إلا بالماء للنصوص المذكورة وما جاء مستثنى حينئذٍ يأخذ حكم الاستثناء والرخصة ولا يعمم الحكم فنقول ورد الحكم كذا وكذا حينئذٍ كل نجاسة يجوز إزالتها بغير الماء نقول هذا قول ضعيف ولا يعول عليه إذاً ولا يزيل النجس الطارئ غيره يعني غير الماء الطهور هنا بين حكمه طهور لا يرفع الحدث إلا هو ولا يزيل النجس الطارئ إلا هو ما حقيقته ما هو الماء الطهور؟ قال (هو الباقي على خلقته) يعني الماء الذي خلق وبقي واستمر على خلقته التي خلقه الله عليها إن كان بارداً بقي على برودته إلى أن يستعمل إن كان ساخناً بقي على خلقته إلى أن يستعمل إن كان مالحاً بقي على ملوحته إن كان عذباً بقي على عذوبته فأطلق المصنف هنا وذكر نوعاً واحداً وهو بما يسمى الماء الطهور حقيقةً وهو الباقي على خلقته حقيقة بأن لم يطرأ عليه ما يغيره بان خلق بارداً فبقي على برودته إلى أن استعمل أو خلق مالحاً أو عذباً وبقي على ملوحته أو عذوبته إلى أن استعمل بقي نوع آخر وهو ما أشار إليه بالتفصيل وهو ما يحكم له بكونه طهور حكماً من حيث الحكم يعني يلحق بالنوع الأول من حيث الحكم لأنه لم يبقى على خلقته التي خلقه الله عليها ولذلك الماء ينزل صافياً من السماء فيجري على الأرض حينئذٍ يتغير هذا التغير سلبه الطهورية أم لا؟ هو الذي أرداه رحمه الله تعالى قال (إن تغير) إلى آخر ما سيأتي إذاً حده الماء الطهور (هو الباقي على خلقته) أي صفته التي خلق عليه يعني من أصل الخلقة من أصل الوجود إما حقيقة بأن يبقى على ما وجد عليه يعني لم يطرأ عليه شيء يغير إحدى صفاته إما اللون وإما الرائحة وإما الطعم من ملوحة أو حرارة أو برودة أو نحوها، أو حكماًَ
كالمتغير بمكث أو طحلب أو نحوها مما يأتي ذكرها ثم شرع في بيان ما هو المتغير من النوع الأول وهو الطهور فقال (فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سخن بنجِس - أو سخن بنجِس أو بنجَس أحسن -كره) هذا النوع الأول من المتغير حينئذٍ نقول على جهة الإجمال التغير هنا على هذا الباب على نوعين يعني في قسم الطهور على نوعين أولاً عن ممازجة والثاني عن مجاورة، ممازجة يعني بأن يخالط هذا المغير الماء يعني بأن يذوب فيه هذا يعبر عنه بأنه مخالط عن ممازجة؛ مازج المغير الماء فمتزج به صار منه وهذا ضابطه من أجل الفصل فيه أنه ما لا يمكن فصله لو كان مع ماء ووضعت فيه كالشاي مثلاً حينئذٍ سر اللون في الماء هل يمكن فصل اللون عن الماء لا يمكن فصله حينئذٍ يكون التغير هنا عن ممازجة مخالطة بأن ذاب المغير في الماء ولا يمكن فصله عنه ألبته النوع الثاني وهو المتغير عن مجاورة يعني لا يخالطه وهو الذي يمكن فصله عن الماء قطع كافور كما ذكر المصنف وهو نوع من أنواع الطيب يوضع في الماء فيتغير رائحة الماء يمكن أن تفصل هذه القطع عن الماء تغير الماء بهذه القطع لكن التغير هنا عن مجاورة لا عن ممازجة والأصل فيمن تغير عن مجاورة وهو ما يذكره المصنف أنه لا يسلبه الطهورية ولذلك قال هنا في النوع الأول من المتغير وهو ما لا يختلط بالماء فإن تغير يعني الماء الطهور تغير بماذا؟ تغير بما وقع فيه وما الذي تغير الماء له ثلاثة صفات رائحة ولون وطعم هل يشترط أن يتغير هنا كل هذه الثلاثة الصفات أو بعضها؟ بعضها يعني لو تغير الطعم فقط دون الرائحة ولا اللون حينئذٍ نقول هذا طهور حكماً لا حقيقة (فإن تغير) يعني الذي يبقى على صفته التي خلق عليها (إحدى صفات الماء) الثلاثة السابقة وكان المغير هنا بغير ممازج يعني بغير مخالط لم يختلط بالماء يعني مخالط (كقطع كافور) الكاف هنا لتمثيل لا يرد هنا أن يحصل وإنما كل ما يتصور فيه أن يقع في الماء فيغيره أو يغير إحدى صفاته ولم يكن ممازج للماء مختلط به حينئذٍ صار هذا المختلط ممازجة أو مجاورة؟ مجاورة لأنه عن قطع لا عن مسحوق (فإن تغير بغير ممازج) يعني بغير مخالط والذي يكون بغير ممازج هو النوع الثاني يعني عن مجاورة أراد هنا ما لا يخالط وهو المجاور (كقطع كافور) الكافور نوع من الطيب يكون مسحوق ويكون قطعاً والمراد هنا الذي يكون التغير عن مجاورة هو القطع يعني أن يكون مفصولاً وأما المسحوق إذا دق ووضع فهذا له حكم آخر (كقطع كافور) حينئذٍ حكمه أنه طهور لكنه حكماً لأنه لم يبقى على أصل خلقته حكمه الكراهة ولذلك قال كره في آخر لماذا؟ للاختلاف في سلبه الطهورية اختلف أهل العلم في الماء الذي وقع في قطع كافور هل يسلبه الطهورية أم لا؟ فيه خلاف والمذهب أنه لا يسلبه الطهورية مراعاة لهذا الخلاف قالوا كره لماذا؟ لعموم النصوص الدالة على عدم الوقوع في المشتبه (دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك)(أو) للتنويع معطوف قطع الكافور (أو دهن) طاهر بأن وقع الدهن في الماء الطهور فغير إحدى صفاته حينئذٍ نقول هذا النوع من الماء قد تغير عن أصل خلقته ونوع التغير هنا عن مجاورة لأن الدهن لا يمازج الماء حينئذٍ نقول هذا التغير عن
مجاورة ولم يسلبه الطهورية مع كونه قد غير إحدى صفاته لماذا؟ لكون التغير هنا عن مجاورة لا عن ممازجة وهو مكروه الاستعمال لوقوع الخلاف فيه (أو بملح مائي) هذا النوع الثاني من المتغير حكماً من الطهور حكماً النوع الأول ما لا يختلط بالماء النوع الثاني ما يوافق الماء يعني من جنس الماء كالملح المائي يعني الذي أصله ماء ملح الذي يكون على السواحل هذا يكون أصله ماذا؟ أصله ماء فإذا وضع في الماء حينئذٍ وضع في الماء ما لا يخلفه هو من جنس الماء حينئذٍ لو غيره نقول هنا الماء باقي على خلقته لكن حكماً لا حقيقة فلا يسلبه الطهورية وكونه مكروه الاستعمال لأن بعض الفقهاء يرى أنه يسلبه الطهورية (أو بمحل مائي) وه وإشارة إلى النوع الثاني وهو ما يوافق الماء في الطَهورية وهو الملح المائي احترازاً عن المعدني والمعدني هذا سيأتي بحثه في الطاهر (أو سخن) يعني الماء الطهور سخن أصله بارد فسخن إذاً تغير لكن هذا التغير لم يكن لإحدى صفاته وهي الرائحة أو الطعم أو اللون وإنما لصفة آخر وهي البرودة أو السخونة (أو سخن) أي الماء الطهور بنجَس يعني بشيء نجِس حينئذٍ كره وهنا المذهب أنه كلما كان الماء طهوراً وسخن بنجَس فهو مكروه لماذا؟ مطلقاً يعني بمعنى كان محكماً أي مغطى أو لا محكم التغطية أو لا وعلة الكراهة هنا لهم مأخذان أولاً احتمال وصول النجاسة وهذا لا يتأتى فيما كان محكم الغطاء الثاني كونه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه واستعمال المكروه مكروه إذاً المسخن بالنجاسة يعتبر طهوراً مكروهاً على المذهب لماذا؟ طهور مع كونه تغير من برودة إلى حرارة لكونه هنا تغير بماذا؟ بالتسخين لم يخرجه عن أصل خلقته لأنه تغير من بروده إلى سخونة وهذا السخونة قد يخلق عليه الماء فيكون ساخناً ابتداء أما كونه طهوراً مكروهاً للخلاف فيه لما ذكر من العلتين ثم قال (وإن تغير بمكثه) يعني من الطهور المتغير بمكث وهذا محل وفاق بمعنى أنه بمقره ينزل الماء فيبقى على الأرض فيتغير بالأرض إما برائحته إما بلونه أو بالتراب ونحو ذلك نقول هذا متغير بمكثه وهو المسمى بالماء الآجن ومنه اليوم ما يتغير بالخزانات ونحوها هذا قد يوضع في حديد أو يوضع في أسمنت ونحو ذلك وقد يتأثر الماء إما إحدى صفاته أو كلها حينئذٍ نقول هذا التغير حصل بالمكث يعني ببقائه في هذا المكان وهذا محل وفاق أنه طهوراً حكماً (وإن تغير بمكث) أي بطول إقامته في مقره لا بشيء حادث فيه بل تغير بنفسه فهو باق على إطلاقه والمسمى بالماء الآجن هذا ليس مكروه الاستعمال وهو محل وفاق (أو بما يشق صون الماء عنه) هذا النوع الثالث من نوع الطهور حكماً وهو ما لا يمكن التحرز منه (أو بما) أو للتنويع هنا وما هنا صادقة على شيء طاهر (يشق) يعني يعسر (صون الماء عنه) يعني حفظ الماء عنه وهذا داخل تحت القاعدة العامة المشقة تجلب التيسير كل ماء طهور تغير بشيء يشق صون الماء عنه فهو طهور ولذلك البئر مثلاً قد تنبت بجوارها شجرة فتسقط أورقها فتغير لونه فتجعله أخضراً أو رائحته حينئذٍ نقول لا يمكن أن قول لهذا الشخص صاحب البئر احفظ هذه البئر عن سقوط الورق في ذلك البئر حينئذٍ نقول هذا نقول هذا يشق صون الماء عنه وما
شق صون الماء عنه حينئذٍ يكون معفواً ولذلك قال (أو بما يشق) يعني يعسر (صون) أي حفظ (الماء عنه) عن الساقط فيه (من نابت فيه) كالماء الذي ينبت فيه في قاعه شجر وورق الشجر يسقط بنفسه وسمك وما تلقيه الريح أو السيول من تبناً أو نحوه حينئذٍ نقول هذا طهور حكماً لمشقة التحرز عنه فإن وضع قصداً حينئذٍ انتقل من الطهور إلى الطاهر لأننا حكمنا عليه بكونه طهوراً للمشقة وكونه يوضع قصدأ هذا ليس فيه مشقة حينئذٍ رجع إلى الأصل هو أن ما تغير بما يشق صون الماء عنه قصداً صار طاهراً لا مطهراً (أو بمجاورة ميتة) يعني تغير الماء الطهور بمجاورة لا بملاصقة أو اختلط (ميتة) والتغير هنا ليس مطلقاً وإنما المراد به هنا تغيرت رائحة الماء وأما إذا تغير طعمه أو لونه فلا فهو نجس لماذا؟ لأنه لا يتغير اللون أو الطعم إلا بأجزاء مخالط الماء وأما مجرد الرائحة فأنها تسري سريعة السريان حينئذٍ يعفى عنها (أو بمجاورة ميتة) أي بريح ميتة إلى جانبه ولذا عدلها الشارح إلى ما ذكرناه فلا يكره بالإجماع قال في المبدع بغير خلاف نعلمه أو سخن بالشمس حينئذٍ فهو طاهر لأنه متغير حكماً (أو بطاهر أو سخن بطاهر) كالحطب والكهرباء والغاز نقول هذا ليس بنجس وإنما هو طاهر لم يكره فهو طهور غير مكروه إن كان في بعضها خلاف إلا أن الخلاف ليس بقوي إذاً أشار بهذه الأمثلة إلى أن الماء الطهور في الأصل هو الباقي على خلقته حقيقة ثم قد يتغير وهذا التغير قد يكون عن ممازجة وقد يكون عن مجاورة وقد يكون بما يوافق أصل الماء والتفصيل على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى ثم قال (وإن استعمال في طهارة مستحبة) هنا الماء المستعمل وهو الماء الذي يكون جارياً على العضو فيسمى ماء مستعملاً وليس المراد الإناء الذي يغترف منه الماء المستعمل هذا قليل الوقوع إذا استعمل ما في طهارة حينئذٍ نقول هذا الماء المستعمل في طهارة إما أن تكون الطهارة واجبة يعني يرفع بها حدث وإما أن تكون مستحبة فإن كانت الطهارة مستحبة حينئذٍ يكون الماء المتساقط من الأعضاء طهور باقي على أصل خلقته وهو مكروه الاستعمال وأما لكونه طهوراً فلكونه لم يتغير وأما كونه مكروه الاستعمال فللخلاف في سلبه الطهورية ولذلك قال (وإن استعمل) أي طهور (قليل في طهارة مستحبة) وأما الكثير فسواء كان في طهارة واجبة أو لا فلا يسلبه الطهورية فسيأتي بحثه في قسم الطاهر (وإن استعمل طهور قليل في طهارة) إذاً احتراز عن الماء الذي يستعمل لا في طهارة ك التبرد والتنظف بمعنى أن الماء المتساقط من اغتسال للتبرد هذا لا يسلبه الطهورية لكنه لم يستعمل في طهارة (في طهارة مستحبة) احترازاً من الطهارة الواجبة فإنه يسلبه الطهورية كما سيأتي في أنواع الطاهر (كتجديد وضوء وغسل جمعة) هذان مثلان للماء المستعمل في طهارة مستحبة لو جدد وضوءه حينئذٍ نقول هذا الماء المتساقط ليس بطاهر وإنما هو طهور ثم إنه طهور حكماً كذلك غسل الجمعة مستحب وهو قول الجمهور وهو الصحيح أنه مستحب حينئذٍ الماء المتساقط من غسل الجمعة نقول هذا طهور حكماً (وغسلة ثانية وثالثة) يعني في الوضوء لأن الغسلة الأول حصل بها رفع الحدث وهي الواجبة وهذه من قسم الطاهر كما سيأتي وأما الثانية
والثالثة فهذه مستحبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقتصر في الوضوء على مرة مرة كما جاء في صحيح البخاري حينئذٍ صارت الأول واجبة والثاني والثالثة مستحبة حينئذٍ الماء المتساقط من الغسلة الثانية والثالثة يعتبر ماء طهوراً لماذا؟ كونه لم يستعمل في طهارة واجبة وهو مكروه الاستعمال في هذين الموضعين في تجديد وضوء وغسل جمعة والموضع الثالث في غسلة ثانية وثالثة للخلاف في سلبه الطهورية لأن بعضهم أهل العلم يرى أن الماء المستعمل كله سواء في طهارة مستحبة أو طهارة واجبة فهو طاهر ليس بمطهر ثم شرع في ما يتعلق بالقلتين وما يقع فيه من نجاسة ونقف على هذا والله أعلم
وصلى الله وسلما على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين