الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابنُ حجر: وأخرجه قاسم بن محمد في كتاب " الحُجَّة والرد على المقلِّدين "(1).
وروى ابن حجر في كتابه هذا أيضاً (2) أن البيهقي روى من طريق الثوري، عن الشيباني (3)، عن أبي الضُّحى، عن مسروق قال: كتب كاتبٌ (4) لِعُمَرَ: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين، فانتهره عمر، وقال: اكتب: هذا ما رأى عمر، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر (5).
قال ابن حجر: إسناده صحيح.
قلت: وروى الذهبي في ترجمة عَمَّار من " النبلاء "(6) مثله عن عُمَرَ في قصةٍ أخرى من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، وهما من رجال الجماعة.
فدلَّ ذلك على
إجماع الصدر الأول على تنزيه الله تعالى من إضافة الخطأ إليه
، كيف الكفر وجميع المعاصي والفواحش والكذب والرذائل؟! تعالى الله عمَّا يقول الكاذبون عليه (7) عُلُوّاً كبيراً، بل ما زال هذا إجماع من يُعتَدُّ به من المسلمين، فقد ذكر الذهبي في " الميزان " في ترجمة محمد بن علي (8) بن عطية
(1) زاد في " التلخيص ": وهو منقطع. قلت: وجه الانقطاع فيه أن محمد بن سيرين لم يدرك أبا بكر.
(2)
4/ 195.
(3)
تحرف في (أ) و (ش) إلى: سفيان. والشيباني: هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.
(4)
في (أ): كنت كاتب، وكان في أصل (ش): كتب كاتب، بالرفع فصححها قارئها إلى " كاتباً "، وهو خطأ.
(5)
" سنن البيهقي " 10/ 116.
(6)
" سير أعلام النبلاء " 1/ 423.
(7)
" عليه " لم ترد في (ش).
(8)
في (أ) و (ش): علي بن محمد، وهو خطأ وقد كتب على الصواب فوق الاسم في (أ). وهو في " الميزان " 3/ 655.
أبي طالب المكي أنه وعظ في بغداد (1)، فقال: إنه لا أضرَّ على المخلوقين من الخالق، فبدَّعوه (2) وهجروه.
وهذا في الضُّرِّ وسيأتي الكلام عليه، كيف في جميع القبائح الخبيثة؟!
وهذا إشارةٌ إلى كلام (3) أهل السنة، فدَلَّ على أنهم أبرياء من هذه البِدعَةِ، وإن تكلم بها بعض من ينتسب إليهم، ثم ساق بعض هذا الكلام في أثر عبد الله بن مسعود إلى آخره وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ النسائي في " سننه " التي هي أصح السنن بعد " الصحيحين " عند أئمة هذا الشأن في كتاب النكاح، في إباحة التزويج بغير صداق: حدثنا علي بن حُجْرٍ، حدثنا عليُّ بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هندٍ، عن الشَّعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود بنحوه ولفظه: فاختلفوا إليه فيها شهراً قال: سأقول فيها بجَهْدِ رأيي، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمِنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ (4).
ورواه النسائي أيضاً (5) من طريق زائدة بن قُدَامة، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود كلاهما عن ابن مسعود ولفظه:" فإن كان صواباً فمِنَ الله " وقد تفرَّد زائدة بذكر الأسود.
وذكر ذلك أبو السَّعادات ابن الأثير في كتابه الجليل المعروف بـ "جامع
(1) في (أ) و (ش): في مكة، وهو خطأ، والتصويب من " الميزان " و" تاريخ بغداد " 3/ 89.
(2)
في (أ): فبدعونه، وهو خطأ، وكتبت فوق الكلمة على الصواب.
(3)
" كلام " ليست في (أ) و (ش)، لكنها أضيفت إلى (ش) بخط مغاير.
(4)
إسناده صحيح على شرط مسلم. وهو في " السنن " 6/ 122 - 123، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة 4/ 301 - 302 عن ابن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، بهذا الإسناد.
وصححه ابن حبان (4101) لكن ليس فيه " ومن الشيطان ".
(5)
6/ 121، وصححه ابن حبان (4100).
الأصول" (1) في الفرع الأول من الفصل الثاني من كتاب الصَّداق من حرف الصاد، وعَزَاه إلى أبي داود والنسائي.
وذكره الحافظ أبو الحَجَّاج المِزِّي الشافعي في كتابه الجليل المسمى " تحفة الأشراف في علم الأطراف "(2) في مسند معقل بن سنان.
وذكره إمام الشافعية في عصره صاحب كتاب " البدر المنير " في الكلام على أحاديث الرافعي الكبير في كتاب الصداق منه، فقال ما لفظه، وقد أورد طرقه المختلفة فيه: وهو المسند كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال (3) الحافظ ابن النحوي: هذا حديثٌ صحيح، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابنُ حِبَّان في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك " من رواية معقل بن سنان، وقال الحاكم: على شرط مسلم.
وقال ابن حزم في رسالته الكبرى في إبطال القياس: لا مَغْمَزَ فيه لصحة إسناده.
ونقل الرافعي عن صاحب " التقريب "(4) أنه صحَّح الحديث وأنه قال:
(1) 7/ 17 الطبعة الشامية بتحقيق صاحبنا العلامة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
(2)
8/ 456.
(3)
في (أ): وقال.
(4)
هو الإمام الجليل القاسم بن محمد بن علي الشاشي، ولد الإمام الجليل القفَّال الكبير، وكتابه " التقريب " شرحٌ على " المختصر " للمزني، وهو شرح جليل استكثر فيه من الأحاديث ومن: نصوص الشافعي، بحيث إنه يحافظ في كل مسألة على نقل ما نص عليه الشافعي فيها في جميع كتبه، ناقلاً له باللفظ بحيث يُستغنى به غالباً عن جميع كتب الشافعي. انظر " تهذيب الأسماء واللغات " 2/ 278 - 279، و" طبقات الشافعية " للسبكي 3/ 472 - 477، و" طبقات ابن قاضي شهبة " 1/ 182 - 183، و" طبقات ابن هداية الله " ص 117 - 118، وذكر صاحب " هدية العارفين " 1/ 827 أن القاسم بن محمد توفي في حدود سنة 400 هـ.
الاختلاف في الراوي لا يَضُرُّ الصحابة، لأنهم عُدُولٌ كلهم، ويحتمل أن بعضهم نسب الراوي إلى أبيه، وبعضهم إلى جَدٍّ قريب أو بعيد، وبعضهم إلى قومه.
وقال البيهقي في " سننه "(1) بعد أن نقل كلام الشافعي في الوقف في صحة المرفوع: لكن عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة الحديث، رواه وذكر إسناده ثم قال: هذا إسنادٌ صحيح ورُواته ثِقَات (2)، ومَعْقِل بن سِنان صحابي مشهور.
قال -يعني البيهقي في " سننه "-: ورواه يزيد بن هارون، وهو أحد حُفَّاظ الحديث مع عبد الرحمن بن مهدي بإسنادٍ صحيح، وذكر سنده.
ثم ساقه البيهقي باختلاف طُرُقه، ثم قال: وهذا الاختلاف لا يُوهِنُ الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدها صحاح، وفي بعضِها ما دَلَّ على (3) أن جماعةً من أشجع شَهِدُوا بذلك، فكأن بعض الرواة سمَّى منهم واحداً، وبعضهم سمى اثنين، وبعضهم أطلق ولم يُسَمِّ، وبمثل ذلك لا يُرَدُّ الحديث، ولولا ثقة من رواه عنه، يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان لِفَرَحِ عبد الله بن مسعود بروايته معنى، ثم ساقه من طريق فراس، [عن الشعبي، عن مسروق]، عن عبد الله، عن مَعْقِلِ بن سِنان، إلى قوله حكايةً عن الحاكم: فصار هذا الحديث على شرط الشيخين.
وذكر الشيخُ تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب " الاقتراح "(4) في القسم الرابع: في أحاديث رواها من أخرج له الشيخان في " صحيحيهما " ولم يُخَرِّجا تلك الأحاديث.
وخالف الحفَّاظَ كُلَّهم أبو بكر بن أبي خَيْثَمة، فقال في ترجمة معقِل بن سنان (5): هذا حديثٌ مختلفٌ فيه.
(1) 7/ 245.
(2)
" ورواته ثقات " لم ترد في " السنن ".
(3)
" على " لم ترد في (أ).
(4)
ص 430 - 431.
(5)
" بن سنان " لم ترد في (أ).
قال أبو سعيد: ما خلق الله مَعْقِل بن سنان، ولا كانت بَرْوَع بنت واشق!
قال النواوي: هذا غلطٌ منه، وجهالةٌ لما عليه الحُفَّاظ، والصوابُ أنه حديث صحيح. وإنما ذكرت هذا، لأنبِّه (1) على بُطلانه، لئلَاّ يراه من لا يعرف حاله فيتوهَّمُه صحيحاً.
ولقد أحسن صاحب " التقريب " من أصحابنا حيث صحَّح الحديث كما تقدم نقله.
وعبَّر الشيخ نجم الدين (2) في كتابه " المطلب شرح الوسيط " عن كلام صاحب " التقريب " بأن قال: يحتمل أن يكون يَساراً أبوه، وسِناناً جدُّه، وأشجع قبيلَتُه، فنسبه أحد الرواة لأبيه، والآخر لجدِّه، والآخر لقبيلته. انتهى ما ذكره ابن النحوي.
وفي " الترمذي "(3) أن الشافعي رضي الله عنه رجع إلى القول به بمصر، وأنه حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، ورُوِي عن ابن مسعودٍ من غير وجهٍ. انتهى.
(1) في (أ): لأنه، وهو تحريف، وقد كتبت على الصواب فوقها تصحيحاً لها، وقد سقطت من (ش).
(2)
هو الشيخ الإمام أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن صارم بن الرِّفعة، نجم الدين أبو العباس، ولد بمصر سنة 645 هـ، كان إماماً في الفقه والخلاف والأصول، واشتهر في الفقه إلى أن صار يضرب به المثل، وكتابه " المطلب " في نحو أربعين مجلداً، قال ابن قاضي شهبة: هو أعجوبة من كثرة النصوص والمباحث، ومات ولم يكمله، بقي عليه من باب صلاة الجماعة إلى البيع. وكان ابن الرفعة قد نُدب لمناظرة ابن تيمية، وسئل ابن تيمية عنه بعد ذلك، فقال: رأيت شيخاً يتقاطرُ فقه الشافعية من لحيته، توفي سنة 710 هـ ودفن بالقرافة.
" طبقات السبكي " 9/ 24 - 27، و" طبقات ابن قاضي شهبة " 2/ 273 - 276، و" الدرر الكامنة " 1/ 284 - 287، و" طبقات ابن هداية الله " ص 229 - 230.
(3)
3/ 451 في النكاح: باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها.
واعلم أن متن الحديث: أن ابن مسعود قضى في المرأة التي تزوجها رجلٌ ولم يفرض لها صداقاً، ثم مات قبل أن يدخل بها، أن لها صداق نِسائِها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العِدَّةُ ولها الميراث، فقام مَعقِلُ بن سِنَان الأشجعي فشَهِد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك.
وفي رواية: معقل بن سنان، وفي رواية: جماعة من أشجع، وفي رواية: اثنان، فاختلف الحُفَّاظُ في صحة المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك.
وأما فتوى ابن مسعود، وقوله: إن أخطأتُ فمِنِّي ومن الشيطان، فلا خلاف في صحته وشُهرَتِهِ وعدالة رواته، وأنهم رجال الحديث وأئمة الإسلام كما تقدم بيانهم حين ذكرت الأسانيد، كابن مسعود الذي قال فيه (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رضيتُ لأُمَّتي ما رَضِيَ لها ابن أُمِّ عَبْدٍ "(2)، وقال فيه:" إنَّ الله عَصَمَه من الشيطان "(3) وأجمعت الأمة على فضله وإمامته وعِلْمِه واجتهاده وجلالته في الإسلام.
أفَتَراهُ حين نَسَبَ الخطأ إلى نفسه وإلى الشيطان، ونَزَّهَ منه ربه سبحانه وتعالى إنه (4) معتزليٌّ، أو أنه يُنكِرُ الأقدار وهو راوي حديث الصادق المصدوق
(1) في (أ): الذين قال فيهم، وهو خطأ.
(2)
حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه 1/ 325.
(3)
لم أقف على شيء من هذا لابن مسعود في المصادر المتيسرة، وقد ثبت ذلك لعمار، فقد أخرج البخاري في " صحيحه " من طريق إبراهيم، قال: ذهب علقمة إلى الشام، فلما دخل المسجد، قال: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فجلس إلى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قال: قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم يعني من الشيطان، يعني عماراً، قلت: بلى ....
(4)
في (أ): فقال إنه.
"وإنَّ أحدَكُمْ يُجْمَعُ في بَطنِ أُمِّهِ"(1) كما مضى مقرَّراً في أحاديث الأقدار.
أو ترى أن أهل ذلك العصر يُتَّهَمُون بهذه البدع حيث لم ينكروا عليه؟ أو أن علقمة والأسود وعبد الله بن عُتْبَة بن مسعود التابعين الأجلَاّءِ الرواة لذلك عن ابن مسعود اتُّهِمُوا بذلك؟ أو اتُّهِم بذلك من لم ينكر عليهم من التابعين وتابعيهم؟
وكذلك سائر رواية النبلاء الكبرى مثل إبراهيم، والشعبي، وإبراهيم التيمي، ومنصور بن المعتمر، وزائدة بن قُدامة، وهشامٍ، ويحيى بن سعيد القَطَّان، ويزيد بن هارون، وعبد الرحمن بن مهدي، وخِلاس بن عمرو، وأبي حسان، وداود بن أبي هند، وعليِّ بن مُسهِر، وعليِّ بن حُجْر، وعثمان بن أبي شيبة، وسفيان، وشعبة، وغُنْدَر، وبُنْدَار، وعبد الرزاق، كل هؤلاء من رجال البخاري وسائر أئمة الإسلام الستة وغيرهم، وحديثهم في جميع دواوين الإسلام إلَاّ اثنين منهم، فانفرد مسلمٌ بإخراج حديثهما دون البخاري: وهما أبو حسان، وداود بن أبي هند وقد خرَّج له تعليقاً، ولم يخرِّج الترمذي لعثمان، وكذا أبو داود وابن ماجه لم يخرِّجا (2) لعليِّ بن حُجْر، واحتج بهما الباقون، وقد رواه هؤلاء كلهم وحسبك بهم، وخلقٌ غيرهم.
فقد قال المِزِّيُّ في " أطرافه "(3) رواه أبو داود في النكاح عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق (4)، عن ابن مسعود.
(1) حديث صحيح، أخرجه البخاري وغيره، وصححه ابن حبان (6174) وانظر تخريجه فيه.
(2)
كان في (أ) بعد قوله " تعليقاً ": وخرَّج النسائي لعثمان ولا وخرج ابن ماجه لعلي بن حجر، وفي (ش): وخرج النسائي لعثمان وكذا خرج لعلي بن حجر، وكلتا العبارتين فيهما اضطراب وخطأ، ويغلب على ظني أن ما أثبته هو الصواب إن شاء الله.
(3)
8/ 456 في مسند معقل بن سنان.
(4)
في (أ) و (ش): علقمة، وهو خطأ، والتصويب من " الأطراف ".
وعن عثمان، عن يزيد بن هارون وابن مهدي، كلاهما عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، علقمة.
ورواه النسائي فيه عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن فراس نحوه.
وعن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، وعن أحمد بن سليمان، عن يزيد بن هارون، كلاهما عن سفيان، عن منصور به.
وعن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن زائدة بن قدامة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود معاً عن ابن مسعود.
وعن علي بن حُجر [عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله]، وعن شعيب بن يوسف (1) النسائي، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن الشعبي، عن الأشجعي، عن ابن مسعود.
وعن محمد بن بشار (2)، عن محمد - يعني غُدر-، عن شعبة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
وعن أحمد بن (3) عبد الله بن الحكم المصري، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سيَّار (4)، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
وعن أحمد بن سليمان الرُّهَاوي، عن يعلى بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ابن مسعود.
(1) مكان كلمة " يوسف " في (أ) و (ش) بياض، والمثبت من " الأطراف ".
(2)
في (أ): ت عن ابن يسار، وفي (ش): كذا عن ابن يسار، وكلاهما خطأ، والتصويب من " الأطراف ".
(3)
كان هنا بعد " بن " في (أ): سليمان، وهو خطأ.
(4)
في (أ) و (ش): يسار، وهو تحريف.
ورواه الترمذي ببعضه عن محمود بن غيلان، عن زيد (1) بن حُباب، وعن الحسن بن علي الخَلَاّل، عن يزيد بن هارون وعبد الرزاق، ثلاثتهم عن سفيان به، وقال: حديث حسن صحيح.
كل هؤلاء وغيرهم رَوَوْهُ، ودوَّنُوه، واحتَجُّوا به، وعَمِل به أئمة الحديث كالثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، كلهم رووه وعملوا به، وهم أئمة السنة وأعداء البدعة، فما أنكر أحدٌ منهم هذا اللفظ على ابن مسعود، ولا على أحدٍ ممن رواه، ولا حذَّر من اعتقاد ظاهره، ولا ذكر له تأويلاً ألبتة.
وروى البغوي في تفسيره للكلالة، لكنه قدمه إلى آخر باب المواريث من سوره النساء (2)، والدَّامغاني في رسالته في المذاهب مثل لفظ ابن مسعود في نسبة الخطأ إلى نفسه دون الله تعالى، عن الشعبيِّ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تَكَلَّم في الكلالة برأيه رضي الله عنه، ولم يُنكِرْه البغوي ولا تأوَّلَه، وهو من كبار أهل السنة.
وعن ابن عباس نحو ذلك في قوله: إن الشيطان سَرَقَ كذا وكذا آيةً -يعني بسم الله الرحمن الرحيم- في أول كل سورة (3) يعني أنه سرق ذلك على من أسقطه من أوائل السور.
رواه أبو عبيد القاسم بن سَلَاّم (4) بإسناد جيد، ولفظه: أغفلها الناس. ورواه البيهقي، ذكره ابن كثير في حديث " المنتهى ".
(1) في (أ) و (ش): يزيد، وهو تحريف.
(2)
1/ 403.
(3)
أخرجه البيهقي في " السنن " 2/ 50 بنحوه من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال: إن الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آيةٍ في القرآن " بسم الله الرحمن الرحيم ". وقال: هو منقطع.
(4)
في " فضائل القرآن " ورقة 53/ 1، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- على مجاهد، عن ابن عباس قال: آية في كتاب الله أغفلها الناسُ "بسم الله الرحمن =
وذكر الشيخ العارف السُّهْرَوَرْدِي في كتابه " عوارف المعارف "(1) في الباب التاسع أن الجبري زنديق إلى قوله: فأما من كان مُعتَقِداً للحلال والحرام، والحدود والأحكام، معترفاً بالمعصية إذا صدرت منه (2)، فهو سَلِيمٌ صحيحٌ، فصَرَّح بأن المعصية من العبد العاصي.
وقال في الباب الستين في ذكر المَقَامات من قولهم في الرضا (3): وقال يحيى -يعني ابن معاذ-: يرجع الأمر كله إلى هذين الأصلين: فعل منه بك، وفعل منك له، فترضى بما عَمِلَ، وتُخْلِصُ فيما تَعمَلُ. انتهى بحروفه، وهو صريحٌ فيما ذكرتُ.
وقال الأنصاري في المحاسبة (4): إنها تمييز ما للحق عليك مِما لك ومنك.
وهؤلاء من كبار أئمة المعرفة والصلاح.
وفي " نهاية غريب الحديث "(5) تأليف أبي السَّعَادات بن الأثير صاحب " جامع الأصول في أحاديث الرسول " وهي عُمْدَةُ أهل السنة في تفسير الحديث، وهو أحد علماء أهل السنة بلا نِزَاع، قال في كتابه هذا في تفسير " التثاؤب من الشيطان " كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لفظه: إنما جَعَله (6) من الشيطان كراهةً له، وإنما يكون من ثِقَلِ البَدَنِ، وميله إلى الكسل
= الرحيم". وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، وقول المصنف رحمه الله: " إسناد جيد " ليس بجيد!
(1)
ص 72 - 73.
(2)
بعد هذا في " العوارف ": معتقداً وجوب التوبة منها.
(3)
ص 238.
(4)
انظر " مدارج السالكين " 1/ 173 لابن القيم، والأنصاري: هو الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي، شيخ خراسان، وهو من ذرية صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أبي أيوب الأنصاري. انظر السير 18/ 503 - 518.
(5)
1/ 204.
(6)
في (أ) و (ش): فعله، والمثبت من " النهاية ".
والنوم، فأضافه إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى إعطاء النَّفْس شَهْوَتَها، وأراد به التحذير من السبب الذي يتولَّد منه، وهو التوسُّع في المطعم والشِّبَع فيَثْقُلُ عن الطاعات، ويَكْسَلُ عن الخيرات. انتهى بحروفه.
فانظر إلى عبارات أئمة السنة واعترافهم بصحة إضافة القبائح إلى أهلها بحرف " مِنْ "، فإنه لم يجعل ذلك موضع الإكسال فتناوله، وإنما جعل موضعه أن التثاؤب قد يكون ضرورياً من فعل الله، لكنه حينئذٍ يكون سببه اختيارياً من فعل الشيطان، فأُضيف السبب والمُسَبَّبُ إلى الشيطان، كما قال أيوب عليه السلام:{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، وكما قال موسى كليم الله عليه السلام:{هذا من عَمِلِ الشيطان} [القصص: 15].
وأما فعل القبيح الاختياري الذي هو التوسع في المطعم فلا إشكال في أنه من الشيطان بغير تأويلٍ، ولو نقلنا جميع ما لأهْلِ السنة في هذا لطال وأدَّى إلى الإملال.
وفي معنى كلامهم: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50].
وكذا قال الفقهاء في المغصوب: إذا زاد إما أن يكون من الخالق أو المخلوق. ذكره ابن رشد (1) في الغصب من " نهايته "(2) مطولاً.
وكل ذلك يدل على شهرة نسبة القبائح والفضائح والرذائل والفواحش إلى من اختارها لنفسه من شرار العباد من أهل الغَيِّ والفساد، ومتى نُسِبَتْ إلى تقدير العزيز العليم الذي قَدَّرَ وُقوعها بحكمةٍ بالغةٍ، وحُجَّةٍ دامغةٍ، نُسِبَتْ إلى ذلك بالعبارات التي ارتضاها ربُّ العباد لنفسه، واصطفاها في كتابه، وانتقاها في كلامه، فقال: إنها ابتلاءٌ من الله وتمحيصٌ، كما قال سبحانه وتعالى بعد ذكر
(1) في (ش): رشيد، وهو تحريف.
(2)
" بداية المجتهد ونهاية المقتصد " 2/ 317.
فرعون: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49] ولم يقل: إنه من ربِّكم بالإطلاق، لأنه قبيحٌ، والبلاء الذي فيه من الله تعالى حَسَنٌ.
وبذلك جاء القرآن والسنة، وبه عَبَّرَت الصحابة والتابعون، فما نُقِلَ عن أحدٍ منهم بسندٍ صحيح ولا ضعيفٍ إنه قال: الكفر والفسوق والقبائح والفواحش والفضائح من الله، ولا تَفَوَّهَ أحدٌ منهم، ولا من أهل السنة القدماء بهذا، حتى تفاحَشَ الغُلَوُّ في علم الكلام والجدال، وفَشَا التقليد في ذلك، وابتُدِعَتْ عبارات أهل الجبر وأهل الاعتزال، وتَرْجَمَ عن الحق وأهله من لم يشتغل بتأمل القرآن والسنة، ويتوقَّفُ عليهما وعلى آداب السلف الصالح.
النوع الثاني: قريبٌ من هذا الأول، لكن (1) دلالته بالمفهوم الصحيح الواضح، لا بالنُّصُوصِيَّة، من ذلك قوله تعالى:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 147]، وفي آية أخرى:{فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60]، وقوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 26] وقوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [البقرة: 149]، وقوله تعالى:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] إلى أمثالٍ لذلك كثيرة.
ففي هذه الآيات الكريمة أوضح دلالةٍ على أن المضاف إلى الله يختصُّ بصفة الحق، ولا يجوز أن يكون باطلاً، ولو كان كما زعم المخالف لَمَا كان لتخصيص الحق بذلك معنى ألبتة، ومن هنا تَسَمَّى بالحق، وكان قوله الحق، وحكمه الحق، وهو الحق اسماً ومعنىً، وقضاءً وقَصَصاً، وفعلاً وقولاً، وخلقاً وأمراً، وعدلاً وفضلاً، وابتداءً وانتهاءً، ودنيا وآخرةً، وتفاصيل ذلك ما لا يُحصِيه الكتاب، ولا يجمعه الكتاب، وجُملَتُها يَجْمَعُها الحقُّ المبين، الحق في نفسه، المبين لكونه حقاً بأفعاله وعجائب مخلوقاته، وعظيم نِعَمِهِ، فلم يكن سبحانه باطلاً منفِيّاً، ولا حَقّاً خَفِيّاً، بل جمع أسباب (2) الكمال، وتَنَزَّهَ من النقائص عن أدنى أدنى أدنى احتمالٍ.
(1) في (ش): ولكن.
(2)
في (أ): أشتات.
ولذلك ثبت في " البخاري " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مناجاته في قيام الليل: " أنت الحقُّ، ووعدك الحق، ولِقَاؤُك الحَقُّ، وقولك حقٌّ "(1).
ولذلك قال الله تعالى في حق من أنكره: {قُتِلَ الإنسانُ ما أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، فكذلك من أنكر اختصاصه بالحق دون الباطل من جميع الوجوه كما قدَّمْتُه، وكما يأتي في تفسير:{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وما في معنى ذلك.
النوع الثالث: قوله تعالى حكايةً عن كليمه موسى عليه السلام: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15].
وقال تعالى في نحو ذلك: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] يعني المعاصي المتعلقة بها من أفعال العباد، ولذلك قال بعد ذلك:{فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91].
ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 168]، ومنه:{مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100].
ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن رسوله أيوب عليه السلام حيث قال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41]، فأضاف ما أصابه إلى الشيطان، وإن كان من فعل الله، لأنه عقوبةٌ على ذَنْبِهِ الذي هو من الشيطان، والله تعالى منه بريء، مبالغةً في الأدب، وعملاً بسنة الله في ذلك حيث قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] وفي قراءة: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (2)، وقوله:
(1)" صحيح البخاري "(1120) و (6317) و (7385) و (7442) و (7499) من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن حبان في " صحيحه "(2597) و (2598) و (2599)، وانظر تخريجه فيه.
(2)
هي قراءة الجمهور، وقرأ نافع وابن عامر:{بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} بغير فاء. انظر "حجة =
{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48]، وقوله:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41] وأمثال ذلك كما يأتي في موضعه.
فاخبرني أيها السُّنِّيُّ على الإنصاف: من أعلم بأقدار الله، والفرق (1) بين ما يضاف إلى الخلق وإلى الله: كبار أنبيائه ورسله، أو أصاغِرُ الأشاعرة المترجمون في دعواهم عن أهل السنة؟ وأيُّ كتابٍ أصدق من كتاب الله؟ وأي عبارةٍ أفصحُ منه؟
النوع الرابع: أنه ثبت بالنصوص والاجماع أن نسبة القبائح بالإضافة إلى الله تعالى لا يجوز ولا يصدق، أعني بصيغة الإضافة، فلا يقال في الذنوب: إنها ذنوب الله، ولا في الكفر: إنه كُفْرُ الله، فكذلك لا يقال: إنها منه، لأن ما كان منه أُضِيفَ إليه، قال الله تعالى في ذلك:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] فثبت أنه منهم حين حَسُنَتْ إضافته إليهم، وقَبُحَتْ إضافته إلى الله.
وكذلك قوله تعالى: {وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58].
وقوله حكايةً عن خليله عليه السلام: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82] أضاف الخطيئة إلى نفسه، والمغفرة إلى ربه، ولم يجعلهما معاً من ربِّه.
ومنه: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 167]، ومنه:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، ومنه:{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2]، ومنه:{فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11]، ومنه:{فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135].
يوضحه: أن الله تعالى ساوى (2) بين الإضافة بصيغتها والإضافة بمن،
= القراءات" ص 642، و" زاد المسير " 7/ 288.
(1)
" والفرق " سقطت من (ش).
(2)
في (ش): سوى.
وعَطَفَها عليها في قوله: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] فجعل إضافة الصدِّ عن سبيل الله إليهم بصيغة الإضافة كإضافة الظلم إليهم بحرف " مِنْ "، وساوى بينهما في ذَمِّهم بهما، فوجب امتناعهما معاً في حَقِّهِ سبحانه.
النوع الخامس: قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268].
وقال: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120].
وهذا نصٌّ على الفرق بين الوعدين، فإن وعد الله موصوفٌ بالصدق، واجب الرُّكون إليه والإيمان به، وَوَعْدُ الشيطان على العكس من ذلك كله.
وعلى قول الخصم: إنهما معاً من الله، فأيُّ مُسلمٍ يرضى لنفسه أن يقول: إن وعد الشيطان وعدٌ من الله كاذِبٌ؟ وأيُّ عارفٍ بلُغَة العرب لا يقطع على فساد هذه العبارة إن كانت ترجمةً عن (1) اعتقاد أهل السنة والسلف الصالح، أو على خُسْران قائلها إن كان مُترجِماً عن مذهب الجبرية مختاراً له.
النوع السادس: أنه يلزمه أن يقول: إن الأمر بالفحشاء من الله، لأن الله قد أخبر أن الشيطان يأمُرُ بالفحشاء، وحكى أنه قال:{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، وقد التزم الخصم أن كل (2) ما كان من الشيطان وغيره، فهو من الله.
قلنا له: صادمت قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28]. وإنْ قال: إنه من الله أمْرٌ، وهو لا يأمُرُ به، ناقض وقال ما لا يَعرِفُ.
وكذلك إن قال: هو من الله، وليس هُو منه أمرٌ، فإن اعترف أن الأمر بالفحشاء من الشيطان كما دَلَّ عليه كتاب الله، فكذلك الكفرُ بالله وسائر القبائح.
(1)" عن " لم ترد في (أ).
(2)
" كل " لم ترد في (ش).
النوع السابع: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 279]، وهذا وعيدٌ شديدٌ بالإجماع، فلو كانت أفعال العباد من الله لكان حرب المشركين للمسلمين حرباً (1) من الله للمسلمين، وهذا خلاف الإجماع، ولو كان كذلك، كانوا خارجين من ولاية الله، فدل على أن الفساد جاء من هذه العِبارة المُبتَدَعَة المُتَكَلَّفَة المُختَرَعَة المُتَعَسّفة.
النوع الثامن: ما جاء بصيغة الحَصْرِ والقَصْر على غير الله، نحو قوله:{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175].
ومنه: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105].
ومنه: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63]، ومنه:{وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ} [العنكبوت: 47]، وفي آيةٍ:{إلَاّ الظَّالِمونَ} [العنكبوت: 49]، وفي آيةٍ:{إلَاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32].
ومنه: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} [المجادلة: 10].
فكيف يضاف (2) إلى الله بحرفٍ مما قصره الله على الشيطان، وحَصَرَه بهذا الحرف ذَمّاً لهم، ومقتاً ولوماً، وهل أوضح من ذلك دلالة على أن إضافة القبيح بهذا الحرف إلى الفاعل المختار صيغة ذمٍّ ولومٍ يجب تنزيه الله تعالى عنها.
النوع التاسع: ما لا يصح في اللغة أن يكون إلَاّ من اثنين فصاعداً مثل الاقتتال، كقوله تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [البقرة: 253] فأضاف إليه المشيئة الدالة على التفرُّد بالملك، وأضاف (3) إليهم الاقتتال الدالَّ على الضعف المستلزِم في كثيرٍ من الأحوال للقبح.
(1) في (أ) و (ش): حرب، وهو خطأ،
(2)
تحرفت في (ش) إلى: يصار.
(3)
في (أ): فأضاف.
وأما قوله في آخر الآية: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] فمعناه: من المشيئة النافذة الدالة على العزة والملك، لا من الاقتتال الذي يناقض العزة والملك، ولا يصح إلَاّ من العباد الضعفاء المتضادِّين المتغالبين المتكاذبين في الدعاوي، فلو كان ذلك من الله وحده، كان مُغَالِباً لنفسه، تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً، وإنما يقع ذلك من عباده بينهم، وله العِزَّةُ والحكمة والمشيئة والحُجَّة والكمال في كل شيءٍ، لا إله إلَاّ هو.
ومن أوضح هذا النوع قوله تعالى: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} [النحل: 27] فكيف تكون مُشاقَّتُه تعالى منه، فيكون هو مُشَاقّاً (1) لنفسه.
ومنه: {واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما} [المجادلة: 1].
ومنه: {مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا} [المجادلة: 3].
ومنه: {وَشَاوِرْهُم في الأمْرِ} [آل عمران: 159].
فإن قلت: عند (2) الخصم لا يُسَمَّى بذلك التقاتل والتنازع ونحوه من الوجه الذي يُنْسَبُ إلى الله.
قلنا: وكذلك هو عندهم لا يسمى من ذلك الوجه كفراً ولا قبيحاً ولا معصيةً.
ومن أوضحه قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] فلو كان الله سبحانه هو خالق أفعال العباد من كل وجهٍ، ولا اختيار لهم ولا فعل، لم يكن مُحتاجاً إلى الأمر فيما وحده وهو منه لا من سواه.
(1) في (ش): فيكون ميثاقاً، وهو تحريف.
(2)
في (ش): إنه عند.
النوع العاشر: ما جاء من الأفعال مُقَيَّداً بصفة ذمٍّ لازمةٍ له، كقوله تعالى:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: 30] فإنه يتعذر أن يكون فعله عدواناً وظلماً من الله، لأنه يلزم أن يكون من الله عدواناً وظلماً، وهو من الله حَسَنٌ عنذ الخَصْمِ، وتَجَرُّدُه عن هذه الصفة القبيحة لا يمكن، لأن الله قد قيَّده بها وهو أصدق القائلين.
ومنه: {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} [الكهف: 22]، ومنه:{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] فالرَّجْمُ بالغيب، والرَّهبة والرَّغبة مُحالةٌ (1) في حق الله تعالى، ونظائره كثيرةٌ.
النوع الحادي عشر: ما كان من أفعال العباد بلفظ الكسب، مثل قوله تعالى:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، فإن أهل السنة وغيرهم أجمعوا على أن الفعل من حيث يسمى كسباً لا يُنْسَبُ إلى الله، لأن مفهوم هذا اللفظ لا يصح في حقه تعالى، وإنما ذكر أهل السنة أنه يُنْسَبُ إلى الله وحده من الجهة التي يُسَمَّى منها خلقاً وإبداعاً وإيجاداً من العدم.
وهذا سبب تخصيص أهل السنة للعبد بالكسب، وما كان عندهم كسباً للعبد، فهو فعلٌ له أيضاً، وإنما خَصُّوه باسم الكَسْبِ، لأنه لا يصحُّ نسبته إلى الله بهذا الاسم، كما لا تصح نسبته إلى العبد باسم الخلق الذي هو إيجادُ الذات المعدومة، وأما الفعل، فإنه يصح أن يُنسَبَ إلى الله تعالى وإلى العبد، فتركوا التعبير به لاشتراكه، لا لأن كسب العبد ليس بفعلٍ له، فافهم هذه اللطيفة.
ولذلك نص شيخ الأشاعرة الشهرستاني في " نهاية الإقدام " على أن لِفِعْلِ العبد اسماً من الجهة التي هي فعلٌ له يختصُّ بها العبد ويُسمى بها: كالكسب والعبادة والصلاة والصوم والمعصية والطاعة، ويُسمى بها كاسِباً وعابداً ومُصلِّياً وصائماً ومطيعاً وعاصياً.
(1) في (أ): مخالفة، وهو تحريف.
قال: ولو كان الله فعل ما فعل العبد من جهةٍ واحدةٍ لا يستحق هذه الأسماء سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقد تقدَّم كلامه ووجهه، ولذلك قال: إن من عرفه هانَتْ عليه تهويلات القدرية، وتمويهات الجبرية، وعِلْمُ ما حققه يجب الجزم به عقلاً ببُطلان هذه العبارة، كما يأتي في الوجوه النظرية.
النوع الثاني عشر: قوله تعالى: {وإنَّ الشياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيَائِهم} [الأنعام: 121] فيلزم أن يكون وحي الشياطين وحياً من الله، ويلزم من ذلك أحد باطلين: إما أن يكون حقاً، وإما أن يكون وحي الله منقسماً إلى حقٍّ وباطلٍ.
النوع الثالث عشر: قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41]، وقالت الملائكة عليهم السلام:{أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها} [البقرة: 30]، فلو كان الفساد الذي من الخلق من الله ما استنكرتِ الملائكة أن يَخْلُقَ من يُفسِدُ، بل لكان مفسداً في المعنى، سبحانه عن ذلك وتعالى علواً كبيراً.
وإن كان الخصم يقول: إنما لا نسميه بذلك، لأن الشرع منع منه، وليس كما زعم لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان كذلك، لكان امتناعنا من ذلك بالقهر، وليس المدح أن يمتنع عبيد الملك من ذمه بما فيه من النقائص خوفاً من عقوبته، فإن كثيراً من ملوك الأرض الناقصين كذلك، وإنما المدح أن يكون مُنَزَّهاً حقاً عن النقائص، ومع ذلك لا ينقصه أن يخلي بعض عبيده يذُمُّه وينقصه كَذِباً منه وزُوراً، ثم يحلم عنه ولا يُؤاخِذُه أو يعاقبه على ذلك بحق وعدل.
الوجه الثاني: أنه لو كان كذلك، لكان استحقاقه عز وجل لأضداد تلك الأسماء غير صادقٍ، وهذا أفحشُ من الأول.
فإن قلت: أليس الله تعالى خلق المفسدين، وقدَّر وقوع الفساد ولم يمنع منه مع قدرته؟
قلت: بلى، ولكنه فعل ذلك بالحق وللحق، والطبيب الذي يُؤلِمُ العليل بالفِصَاد والحِمْيَة والأدوية الكريهة لا يُسَمَّى ظالماً ولا مفسداً، ولا يسمى بشيء من أسماء اللوم البتة، بل هو مُحسِنٌ مُحِقٌّ ساعٍ في الخير، مُتوسَّلٌ إليه مُثْنٍ بكل خير عليه، فكيف بالله العليم الحكيم الرحمن الرحيم، الذي له المثلُ الأعلى والأسماء الحسنى، لا مِثْلَ للطف حكمته الخفية، وغايات تدبيره الحميدة؟!
أما قولنا: إنه فعل ذلك بالحق، فحيث يكون عقوبةً على الذنوب مثل ما دلَّت عليه الآيات وغيرها كما تقدَّم.
وأما قولنا: إنه فعله للحق، فلأنه سبحانه لا يعاقب العبد إلَاّ لحكمةٍ خفيةٍ، ومصلحةٍ راجحةٍ، هي تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلَاّ الله، ولولا ذلك لما اختار العقوبة على العفو، وقصور العقول عن ذلك لا يَضُرُّ علام الغيوب.
وقد صرَّح الغزالي بهذا في " المقصد الأسنى "(1) في شرح الرحمن الرحيم، وفي مقدمات " إحياء علوم الدين " في كتاب العلم.
وأشار إليه النواوي في " شرح مسلم "(2) وفي " الأذكار "(3) في شرح قوله عليه أفضل الصلاه والسلام: " الخير بيديك، والشر ليس إليك " فإن في أحد تأويلاته أنه ليس بِشَرٍّ بالنظر إلى حكمتك فيه. انتهى.
وإنما تلزم الشناعة بنفي الحكمة عن الله باطناً وظاهراً، ولهذا موضعٌ يُبْسَطُ فيه القول غير هذا، وقد كشفت الغطاء عن هذا السر قصة موسى والخَضِر، فكل جاهلٍ بتأويل الخضر يعُدُّه متعدِّياً، وكل عالمٍ بتأويله يعدُّه مُحسِناً، فكيف بغلَاّم الغيوب البريء من النقائص والعيوب؟!
النوع الرابع عشر: قال الله تعالى في السبع المثاني التي اختارها للصلوات
(1) ص 62 - 63.
(2)
2/ 59.
(3)
ص 93 باب ما يقوله بعد تكبيرة الإحرام.
الواجبات المفروضات من جميع كتبه المُنزلات، وكلماته الطيبات المباركات:{إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَستَعِينُ} [الفاتحة: 5] فالاستعانة من العبد بالله، ولا يصح أن تكون الاستعانة إلَاّ بين اثنين، لأن المستعين لا يكون إلَاّ مفتقراً محتاجاً، والمستعان به لا يكون إلَاّ غنياً حميداً كريماً عليماً قديراً لطيفاً رحيماً، فكيف يصح أن تكون الاستعانة له منه؟! فيجتمع فيه الفقر والغِنى، والعجز والقدرة.
وقد احتج بهذه الآية الكريمة شيخ الأشاعره الشهرستاني في " نهاية الإقدام " على القدرية والجبرية، فقال ما معناه: إن العبد لو كان مستقلاًّ بنفسه وقُدرته ومشيئته لم يحتج إلى الاستعانة، ولو لم يكن له فعل يتوقف على اختياره وجهده لم يحتج إلى الاستعانة أيضاً، فإنك لا يصح في لغة العرب التي نزل عليها كتاب الله أن تستعين الله على أفعاله المَحْضَةِ، فلا تستعينه على أن يغفر لك أو يُطِيلَ عُمرَك، بل تسأله أن يفعل ذلك لا أن يُعِينَك عليه.
قال: وكل مُنْصِفٍ يجد من نفسه ذلك، فإنه يهتم بما يقدر عليه، وتجد الداعي الباعث لك على أن تفعله وتُحسِنَ الاقتدار على الاحتراك فيه، ولا تجدُ اقتداراً على التمام وبلوغ أقصى المرام من أفعالك حتى تجد القدرة على الرَّمْي دون الإصابة، وعلى الكتابة دون التجويد الذي تَمَنَّاه، وعلى التساوي بحيث لا يختلف، وعلى الصلاة دون كمال الخشوع الذي لا نسيان فيه ولا غفلة ولا شيء من أنواع النقص.
وقد نبَّه الله تعالى على ذلك بقوله: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42]، ولذلك ورد الوعيد بالتَّخْلِيَة بين العبد وبين نفسه عند الغضب على العبد والمؤاخذة والاستعاذة من ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
النوع الخامس عشر: ما جاء على جهة الشرط والجزاء لفظاً أو معنىً، أو ما يقارب ذلك، كقوله تعالى:{فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُم} [البقرة: 152] فإن الذكر الأول قُربَةٌ من العبد إلى الله، صدرت على نية التعبُّد والتذَلُّل لِعِزَّة الله، والذِّكر
الثاني فَضْلٌ عظيم من الله الرحمن الرحيم، فكيف يُجْعَلان معاً من الله وبينهما أبعد مما بين السماء والأرض من التفاوت، وأين ذِكْرُ العبد الحقير الذليل من ذكر الرب العزيز الجليل، ولو كانا معاً من الله لاستويا قَدراً، إذ لم يكن أحدهما عبادةً، والآخر ثواباً.
ومن ذلك قوله تعالى: {فَلَمّا زَاغُوا أزاغَ الله قُلُوبَهم} [الصف: 5] فالآية واضحة الدلالة على أن إزاغة قلوبهم من الله عقوبةٌ مُستَحَقَّةٌ بمحض العدل الحق على ما تقدم منهم من الزَّيْغِ الأول الواقع بتخلية الله بينهم وبين نفوسهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً كما بيَّنه الله في كتابه الكريم.
فمن شفاه ذلك وكفاه لَحِقَ بالصحابة والتابعين والسلف الصالحين، ومن تَوَغَّل في الدقائق الكلامية، وخالجه ما خالجهم من تركيب شكوكٍ على نصوص كتاب الله تعالى مقتضاها التَّطَلُّع إلى حكمة الله الخفيَّة في ذلك الابتلاء، فقد طلب أن يُعْطَى أكثر مما أُعطِيَ رسل الله ملائكته عليهم السلام، فقالت الرسل:{لا عِلْمَ لَنا} [المائدة: 109]، وقالت الملائكة:{لا عِلْمَ لَنا إلَاّ ما عَلَّمْتَنا} [البقرة: 32].
والجواب عليه الحق أن الغاية القصوى في هذا المقام أنه لا يعلم تأويل ذلك إلَاّ الله سبحانه وتعالى، فلا حرج في وِجدان النكارة في القلب، إنما الحرج في الإخلاد إليها، واعتقاد الجاهل أن ما لا يعلمه فإنه يبعُدُ أن يعلمه الله، وهذا ليس ينبغي منه اعتقاده في عالمٍ آخر من أبناء جنسه، كيف إلَاّ رب العالمين علَاّم الغيوب؟!
فإذا تقرَّر هذا، فكيف يُتَصَوَّرُ في مثل هذا أن يكون الذنب والعقوبة معاً من الله، ولو كان كذلك لنصَّ على ذلك في كتبه الكريمة، فإن الملك العزيز الذي لا يخاف من أحدٍ ولا يَتَّقيه، ولو شاء لخلق الخلق في النار ابتداءً ولم يحتج إلى تمكينٍ وتكليفٍ وكتبٍ ورسلٍ وبَعْثٍ وحُكمٍ وعدلٍ وشهود عدولٍ وموازين، فحين عدل عن ذلك إلى هذا علمنا أن مراده أن يوصف بالعدل، وأن لا يُنْسَبَ
إليه ما عابه على عباده من قبائحهم وفضائحهم، والعلمُ بذلك ضروريٌّ لمن هو سيلم العقل، ونسبة الذنب والعقوبة عليه إلى الله سبحانه يُضَادُّ مراده بهذه الأمور كلها، فتأمَّل ذلك.
ومن ذلك: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] وإنما قال: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ليُبَيِّنَ أنه صَدَرَ منه على وجهٍ حَسَنٍ، وهو مجازاتهم بخلاف مَكْرِهمُ القبيح الذي لا أقبح منه، حيث وضعُوه موضع الشكر الواجب عليهم، وإنما سمَّى فعله مكراً على جهة المقابلة كقوله:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وهو أيضاً من هذا القبيل.
وأما قوله: {أفَأَمِنُوا مَكْرَ الله} [الأعراف: 99] فسماه مكراً استعارةً لأخذ العبد من حيث لا يَشْعُرُ كقوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] وهذا جزاء مكرهم وإن لم يتقدم ذكره لما عُلِمَ وتقرَّر من سنة الله في جزاء الشيء بمثله في قوله: {ومَكَرُوا ومَكَرَ الله} وفي ما لا يُحصَى، فهو من المطابَقَةِ في المعنى، ولذلك قيَّد المكر المذموم بوصف الشيء حيث قال:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] فتقرر بهذه الآية أن المكر في نفسه غيرُ قبيحٍ لذاته، بل لوقوعه على وجهٍ قبيح، وهذا بَيِّنٌ ولله الحمد.
وفي " صحاح " الجوهري (1) ما يدل على ذلك، فإنه فَسَّرَ المكر بالخديعة، ثم فَسَّرَ الخديعة في بابها (2) بأن يريد به المكروه من حيث لا يعلم، وهذا معنى صحيحٌ، فإن الله إنما يريد المكروه لمن يستحقه.
ومنه قوله: {فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعاً} [الرعد: 42] وقد فُسِّرَ ذلك بالقدرة على المُجَازَاة مع علم الأعمال كلِّها والإمهال.
ومن هذا النوع: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيها بِكُفْرِهم} [النساء: 155].
ومنه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
(1) 2/ 819.
(2)
3/ 1201.
بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] فكيف يحسُنُ أن يكون المعنى: حتى يُغَيِّرَ الله ما بأنفسهم، وكيف يصح أن لا يُغيِّرَ حتى يُغَيِّرَ، وكيف يُجعَلُ هذا هو معنى كلام الله على الحقيقة، فإلى هذا يَؤُولُ النَّظَرُ الصحيح.
ومنه: {يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15 - 16].
ومنه: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف: 80].
ومنه: {ادْعُونِي أَستَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
النوع السادس عشر: أن الله وهو أصدق القائلين بأنه الغفور الغفار واسع المغفرة، فإما أن يكون الذنب من غيره والمغفرة منه، فذلك المعقول، أو يكون الذنب والمغفرة منه، فذلك المعقول، أو يكون الذنب والمغفرة منه معاً، فيكون غافراً لنفسه، وهذا شيءٌ لم يُعقَلِ التمدح به قط.
النوع السابع عشر: قول يونس عليه السلام: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وما أعظم أدبه وألطفه عليه السلام حيث قَدَّمَ التسبيح قبل أن يُجْرِيَ ذِكرَ ظُلمه لنفسه، ناسِباً للظلم إلى نفسه دون رَبِّه، فما نَزَّهَ ربه إلَاّ في ذكر الظلم في خطابه لربه غير منسوب إلى ربه، كما نقول للملك العادل: إن الظلم -حاشاك من ذِكرِهِ- شِعارُ غيرك.
ومن أدبه عليه السلام تقديم التسبيح على ذِكْرِ الظُّلم المنفيَّ عن الله، كأنه استقتح أن يتقدم ذكر الظلم في خطاب الله تعالى حتى يتقدمه تنزيه الله وتقديسه من مجرد مرور ذلك على لسانه في خِطَابِ الملك القدوس السُّبُوح، ربِّ الملائكة والروح.
فكيف ترى مع ذلك تَحْسُنُ إضافة الظلم إلى الله بحرف " مِن " الدالة على الاختصاص، ولدلالتها على الاختصاص قال الله تعالى:{قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أنفُسِكُم} [آل عمران: 165]، فهذا في العقوبات لِلعُصاةِ التي خلقها وحده
سبحانه، فكيف بمعاصيهم الخاصة بهم التي أضافها إليهم، وذمهم بها، وعاقبهم عليها.
النوع الثامن عشر: قال الله عز وجل: {الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَه} [السجدة: 7] فكُلُّ ما كان من الله، فهو مخلوقٌ له، وكلُّ مخلوقٍ له، فهو حَسَنٌ بالنص والمعقول.
أما النص فهذه الآية الكريمة، وأما المعقول فلأنَّه حكيمٌ ولا يجوز عليه الظلم، ولا العَبَثُ ولا اللَّعِبُ، فوجب الحُكْمُ على جميع أفعاله بالحسن، بخلاف معلوماته ومقتضياته المنسوبة إلى عباده شرعاً وعقلاً.
ومن هنا أجمعت فِرَق أهل السنة على أنه لا بد من أثرٍ لقدرة العبد، فلا يجور أن يقال: الكفر من الله بهذا الاعتبار أيضاً، لأن الكفر مذمومٌ عقلاً وسمعاً وإجماعاً، وكذلك سائر المعاصي.
النوع التاسع عشر: القول الكاذب من أقوال الكافرين، سواءٌ حكاها الله عنهم، كقوله:{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 24 - 25] أو لم يَحْكِهَا عنهم فإن القول بأنها من الله تصريحٌ بأن الكذب من الله، ولا فرق بين ذلك وبين تسميته منه، وذلك ممنوعٌ بالإجماع، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
النوع المُوفي عشرين: قوله تعالى: بعد ذكر تكليف العشرين بمئتين، والمئة بألف:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66].
ووجه الدليل من الآية الكريمة أن أفعال العباد لو كانت من الله تعالى، لما صحَّ تعليل التخفيف بضعفهم، لأن التعليل بذلك يقتضي أن الضعف وصفٌ لمن صدر منه الفعل الذي هو مغالبة (1) الكُفرَيْنِ، ولو كان ذلك الفعل صادراً من
(1) في (ش): مقابلة، وهو تحريف.
الله لَزِمَ أن يكون ضعيفاً، تعالى عن ذلك وعن ذكره عُلُوَّاً كبيراً. فهذا بالنظر إلى أفعال المؤمنين الغالبين.
وكذلك لو كان فعل الكافرين المغلوبين من الله لزم منه محذوران فاحشان: أحدهما: أن يكون المؤمنون مُغالِبِين لربهم سبحانه وتعالى، وأن يكون آمِراً لهم بذلك.
وثانيهما: أن يكون تعالى موصوفاً بأنه مغلوبٌ، تعالى عن ذلك.
النوع الحادي والعشرون: قوله تعالى: {إلَاّ تَنْصُروهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله} [التوبة: 40] فكيف يكون عدم نَصْرِهِ من الله ونصره من الله (1)، وأمثال ذلك.
النوع الثاني والعشرون: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا والله يُرِيدُ الآخِرَةَ} ، [الأنفال: 67] فكيف تكون الإرادتان معاً منه.
النوع الثالث والعشرون: قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [الأعراف: 118 - 119] فكيف يُتَصوَّرُ الحق والباطل من جهةٍ واحدة؟ أو أن الغالب والمغلوب، والعزيز والصَّاغِرَ كذلك؟ فيكون الله تعالى كالمُغَالِبِ لنفسه، والمناقض لأمره أو حُكمِهِ، تعالى عن ذلك.
النوع الرابع والعشرون: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) يَكَادُ (2) السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم: 88 - 90].
(1) عبارة " ونصره من الله " سقطت من (ش).
(2)
هذه قراءة نافع والكسائي " يكاد " بالياء، لأن السماوات جمع قليل، والعرب تذكر فِعل المؤنث إذا كان قليلاً كقوله {فإذا انسَلخَ الأشهرُ الحرُمُ} ولم يقل: انسلخت، وقوله {وقال نسوةٌ} ولم يقل: وقالت، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم " تكاد " بالتاء، لتأنيث السماوات. " حجة القراءات " ص 448، و" زاد المسير " 5/ 264 - 265.
وهذا عند جميع المفسرين، بل العقلاء أجمعين، لشدة كراهة الله وبراءته منه وغضبه على مرتكبه، ولو كان قولهم هذا العظيم القبح من الله، وهو مرادٌ له محبوب مرضيٌّ، لم يُستفصح ولا يُستبلغ هذا الكلام ولا حَسُنَ هذا المذكور من هذه المخلوقات المطيعات الموافِقات لمولاهُنَّ.
النوع الخامس والعشرون: قال الله تعالى: {وآخَرونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهم} [التوبة: 102]. وثبت في الحديث الصحيح " أن سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلَاّ أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلَاّ أنت "(1).
أجمع العلماء على أن تفسير أبوء بذنبي: أُقِرُّ وأعترف، نص على ذلك أهلُ السنة كالنواوي في " الأذكار " و" رياض الصالحين " و" شرح مسلم "، وابن الأثير في " النهاية " و" جامع الأصول ".
فثبت أن القرآن والسنة والإجماع والعقول تطابقت على حُسْنِ اعتراف المذنب بذنبه، وأنه من أسباب المغفرة، وإنما بقي الكلام في تفسير الاعتراف: هل معناه اعتراف المذنب أن الذنب منه، أو اعترافه أنه ليس منه؟
فإن قال الخصم بالأول (2) انقطع النزاع، واجتمعت الكلمة على تقبيح القول بأن الكفر من الله.
وإن قال: إنَّ الاعتراف في لغة العرب التي نزل عليها كتاب الله، وكانت لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قول المذنب: إن الذنب ليس منه، عرفنا أنه معانِدٌ لا يستحق المناظرة.
(1) أخرجه البخاري (6306) و (6323) وغيره من حديث شداد بن أوس، وصححه ابن حبان في " صحيحه "(932) و (933)، وانظر تخريجه فيه.
(2)
" بالأول " سقطت من (أ).
فإن ادَّعى إنه يمكنه إيرادُ أدلةٍ من القرآن والسنة ولغة العرب أن الاعتراف بالذنب هو الانتفاء منه، فليأت بها منسوبةً إلى مواضعها المعروفة كما فعلنا في أدلَّتِنا، فمرحباً بالوِفَاقِ، فإنه ليس بين المسلم وبين الحق عداوةٌ، والله تعالى عند لسان كل قائل، وهو الهادي إلى الصواب، لا إله إلَاّ هو.
فإن رجع إلى أن العاصي وقدرته من الله، وأمثال ذلك، قلنا: هذا صحيح ومُجْمَعٌ عليه، ولكن ليس شيءٌ من ذلك يُسَمَّى ذنباً للعبد، وإنما كلامنا في القدر المختص بقدرة العبد عند أهل السنة المُسَمَّى ذنباً وكفراً وقبيحاً وفاحشةً، وأقل من هذا يكفي المُنْصِفَ، وأكثر منه لا يكفي المتعسِّف (1).
وليس يَصِحُّ في الأذهان (2) شيءٌ
…
متى (3) احتاج النهارُ إلى دليلِ (4)
وقد كنت بسطت في هذه المسألة أكثر من هذا حتى سَئِمْتُ مع نشاطي، فظَنَنْتُ أن غيري أكثر سآمةً للتطويل مني، فاقتصرت خوف التنفير، وهذه الوجوه تُرَجِّحُ للسني قول الإمام المتفق على إمامته لفظاً ومعنى أبي المعالي الجويني، أحد أئمة أهل السنة، فإنه اختار أن فعل العبد أثر قدرته بمشيئة الله تعالى لتمكينه وسابق تقديره وتيسيره بالدواعي المقرونة بالحكمة والعدل، كما هو مُحقَّقٌ في موضعه من هذا الكتاب.
ومما قلتُ في ذلك:
(1) في (أ): التعسف، وهو خطأ.
(2)
رواية " الديوان ": في الأفهام.
(3)
في (ش) و" الديوان ": إذا.
(4)
البيت لأبي الطيب المتنبي من مقطوعة تشتمل على سبعة أبيات وهي في ديوانه 3/ 90 - 92 بشرح العكبري، قالها وقد حضر مجلس سيف الدولة الحمداني وبين يديه أترج وطَلْع، وهو يمتحن الفرسان، فقال لابن شيخ المصيصة: لا يتوهم هذا للشرب، فقال أبو الطيب هذه القصيدة وأولها:
شديدُ البعد من شرب الشَّمُولِ
…
تُرُنجُ الهند أو طَلْعُ النخيلِ
تَنَكَّبْ عن طريق الجبر واحذر
…
غَوَائِل مُبْدَعَاتِ الاعتزال
وسِرْ وَسطاً طريقاً مستقيماً
…
كما سار الإمام أبو المعالي
بأفْعالِ العِبَادِ غَدا إماماً
…
رِضا عندَ التفرُّق غير غالي
تكميلٌ يناسِبُ هذه الخاتمة: قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .
وكذلك قال في سورة الناس، وكذلك قال في سورة آل عمران:{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] ولم يجعل الشر بيده مُسَمّى باسمه، ولذلك نظائر كثيرةٌ في كتاب الله تعالى.
منها قوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 53 - 54].
وقوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].
فانظر إلى ما في هذه الآية من الإرشاد إلى حسن العبارة فيما يُصاف إلى الله تعالى من النعمة وكشف الضُّرِّ اللَّذَيْنِ يسمى بهما مُنعِماً وكاشف الضُّرِّ، دون الضر نفسه، وإن كان من فعله، لأنه ليس بضُرٍّ بالنسبة إلى حكمته.
ألا ترى أن إنزاله الضر بالظالم هو عين المنع للمظلوم، فهو يسمى به عادلاً بالنظر إلى الظالم، نافعاً محسناً بالنظر إلى المظلوم، ولذلك كثر مثل هذا في كتاب الله، وفي كلام أنبياء الله مثل إبراهيم الخليل عليه السلام:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] أضاف المرض إلى نفسه، لأنه قد يكون
عقوبةً على ذنبٍ كما في قصة أيوب، وقد يكون بأكل الإنسان بما يضُرُّه في العادة، وأضاف الشِّفاء إلى الله تعالى.
وكذلك قال أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] كما تقدم.
وقال الله تعالى في الزمر: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} [الزمر: 8].
وفيها أيضاً: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} [الزمر: 49].
وفي آخر السجدة: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 49 - 50] وبعدها: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51].
وفي آخر حم عسق: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48].
وفي هذه الآية الكريمة التصريح بالسبب في عدم إضافة ذلك إلى الله مع كونه فعله، وذلك بين قوله:{بِما قَدَّمَتْ أيدِيهِم} [البقره: 95] فهو مثلُ قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165].
وقال الله تعالى في سورة يونس: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12].
وقال تعالى في هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ
لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 9 - 10].
وقال تعالى في بني إسرإئيل: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].
وقال تعالى في الروم: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33].
وفي الروم أيضاً: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36].
وهذه أيضاً مُوضحَةٌ للعلة في ذلك، مع ما فيه من النصوص كقوله تعالى:{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48] الآيات في الزمر.
وقوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41].
وقوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] مع ما جاء في تفسيرها من الأحاديث.
وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال:{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 34].
ويقارب هذه الآيات في المعنى قوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 27]، وقوله تعالى:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7].
لكن هاتان وأمثالهما في ترك (1) بعض الخير لما علم (2) فيه من الشرِّ، وما
(1) في (ش): تركه.
(2)
في (ش): يعلم.
تقدم في إنزال (1) الضر لدفع المعاصي لطفاً أو للعقوبة عليها.
وربما جاء القرآن الكريم بلفظ إرادة السوء ولا يجيء بغيرها، لأنه يُشْتَقُّ لله منها اسم المريد كقوله تعالى:{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} [الرعد: 11]، وقوله تعالى:{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17] ولم يقل: وإذا أساء إلى قوم، ولا أساء إليكم لوجهين:
أحدهما: أنه لو قال ذلك، لسُمِّي مُسِيئاً، وذلك لا يجوز قطعاً، إنما يسمى عادلاً حكيماً في جميع عقوباته.
وثانيهما: أن إرادة الله تعالى لم تُعلق إلَاّ بالسوء -بضم السين- الذي معناه هو المكروه في الطبيعة، وهذا يسمى محسناً كيف مريد؟
ولا أعلم شيئاً من الأول صريحاً إلَاّ ما يحتمل التأويل من قوله تعالى: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} [الزمر: 38] وهذا يشبه قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] مع أن الجزاء حَسَنٌ لا سَيِّىءٌ، لكن سمَّاه باسم السيئة الأولى على جهة المطابقة، وهي أحد أنواع البديع.
وهذا لما سمَّاه ضُرّاً في أول الآية حيث وقع مراداً أضافه إلى نفسه بذلك الاسم المتقدم، مع القطع بأنه بالنَّظَرِ إلى حكمته عدلٌ وحكمة، وأن ما كان عدلاً وحكمةً لا يستحق أن يسمى ضراً حقيقة كما لا يُسَمَّى فِعلُ الطبيب بالمريض ضُرّاً.
وكذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 17 - 18] فيه صرفٌ لاسم الضُّرِّ عن الله حيث قال: {يَمْسَسْكَ بِضُرِّ} ، وفي آخر يونس مثلها ولم يقل: يَضُرُّكَ.
(1) في (أ): وإنزال، وهو خطأ.
وهنا تنبيهٌ على نقض الحكم فيه بقوله: {فلا كاشف له إلَاّ هو} وذلك أنه نَبَّه بذلك على الرجوع فيه في كشفه، وذلك من الدواعي إلى إنزاله، وفي آخر الآية إشارةٌ إلى أن المراد التمدُّح بكمال القدرة والملك، فسُمِّي الله بهذه الأسماء، ويُشتَقُّ له من ذلك أحسن الأسماء لا حَسَنُها، وهي هذه الأربعة: القدير، القاهر، الحكيم، الخبير.
ولذلك اختار الله تعالى للقِصاص اسم الحياة، لأنها هي المقصودة به، فقال:{وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] ولم يسمه ضُرّاً.
لذلك سلمنا أنه يسمى ضراً، فلا نُسَلِّمُ أنه يسمى بذلك ضارّاً، فقد جاء في كتاب الله سبحانه أن الله يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، ولم يرد في الأسماء الحسنى أنه المُغْوِي المضل، وإنما ورد فيها أنه النور الهادي، وذلك أنه لا تُسَمَّى إلَاّ الحسنى توقيفاً كما نصَّ على ذلك:{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] فكان ذلك منه عدلاً لِحكمةٍ بالغة يسمى بها عادلاً لا مُضِلاًّ، وديَّاناً عزيزاً خَفِيَّ الحكمة، لا ظالماً ولا لاعباً، فافهم هذا، فإنه يفتح لك باب الفهم في أسماء الله الحسنى.
ولذلك قال غير واحدٍ من العلماء: إنه لا يجوز إفراد الضارِّ عن النافع في الأسماء الحسنى، لأن مضرته للظالم هي عين منفعته للمظلوم، فهو نافعٌ بعين ما هو ضارٌّ، بل اسم النافع أولى به في ذلك الضرِّ، لأنه إنما أراد النفع بذلك الضُّرِّ لا الضُّرَّ، فمراده بضرر الظالم هو منفعة المظلوم لا مضرَّةُ الظالم، ولذلك أمر المظلوم بالعفو عن الظالم في كتابه وعلى لسان رسوله، وحثَّهُ على ذلك، ووعده عليه العفو والمثوبة.
فلو كان مُراده بالعدل والانتصاف مضرَّة الظالم حَرَّمَ العفو عنه ولم يأمر به، ويدل عليه قوله تعالى:{جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 14] بضم الكاف وكسر الفاء، وهو نوحٌ عليه السلام.
فكان الداعي إلى جزاء الكافرين ما فيه من المثوبة للأنبياء والمؤمنين، وفي
ذلك آياتٌ كثيرة ذُكِرَتْ في غير هذا الموضع في ترجيح عقوبة الكافرين على العفو عنهم، ولا مُوجِبَ لقَصْرِ قوله:{جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} على أقرب مذكورٍ، بل الظاهر أنه تعليل لجميع ما قبله من هلاك قومه ونَجاتِهِ، كقوله تعالى:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14 - 15].
فثبت أن مراده بمضرَّة الظالم منفعة المظلوم، وهو يسمى بذلك نافعاً ومُحسِناً وعادلاً، ولذلك قلتُ في ممادحه تعالى:
تبارك من أدنى مَمَادِحِهِ العَدْلُ
…
ومُوجِبُهُ منه المحامِدُ والفَضْلُ
فقد عاد منه العَدْلُ فضلاً وكَمْ به
…
لأضْدَادِ سُبلِ الحمدِ قد جُمِعَ الشَّمْلُ
والمعنى في البيت الثاني أنه لم يَعْدِلْ من الفضل إلى العدل إلَاّ لحكمةٍ راجحةٍ هي تأويل المتشابه الذي لو عُلِمَ، لظهر أن ذلك العدل مُشتَمِلٌ على ما يُصيِّرُهُ فضلاً راجحاً في الغاية الحميدة التي يجب الإيمان بها في جميع أفعاله، فإنه سبحانه لا يجوز عليه على الصحيح فعل المباح المتساوي الطرفين لأنه هو اللعب والعيب، وهو مُنَزَّهٌ عنهما.
واعلم أنهم إنما نصُّوا على أنه لا يجوز إفراده عن النافع، لأنه وحده ليس باسمٍ حَسَنٍ (1) مُشتَمِلٍ بنفسه على الحمد والثناء، ولو كان كذلك، لأُفْرِدَ ولم يجب أو يُستَحَبَّ ضَمُّه إلى النافع، وقد نبَّه الله تعالى على الذم للضُّرِّ الذي لا نفع عليه حيث قال:{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 13].
فإن قيل: إن عذاب الآخرة من الله تعالى، وهو أعظم المضارِّ (2).
(1)" حسن " لم ترد في (ش).
(2)
في (ش): الإضرار.
قلت: ليس عذاب الآخرة منسوباً إلى الله تعالى من كل جهةٍ، بل من جهةٍ دون جهةٍ، كالكسب عند الأشعرية سواء، فإنه منسوبٌ إلى العبد لكونه جزاء ذنوبه، ومُتَفَرِّعاً عليها ومتولِّداً عنها، فهو من العبد ظُلمٌ لنفسه وضَرٌّ لها، ومن الله عدلٌ وحكمةٌ لا ظلمٌ ولا ضَرٌّ، وذلك لقوله تعالى:{ذُوقُوا ما كُنْتُم تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 55] وفي آية: {ذُوقُوا ما كُنتُم تَكسِبُونَ} [الزمر: 24] سمَّاه كسباً لهم وعملاً، وقوله:{ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] وأمثالها، ولقوله:{ومَا ظَلَمُونا ولَكِنْ كانوا أنْفُسَهم يظلمون} [البقرة: 57]، [الأعراف: 160].
ولو كان العذاب من الله تعالى ضرّاً (1) محضاً من كلِّ وجهٍ لم يوصف بأنه كسبهم، وأنه ظُلمٌ من العبد لنفسه، ولا قال الله:{فَأخْرَجَهُما مِمَّا كانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، ولا قال:{مَا أصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، ولا قال أيوب عليه السلام في عقوبة الله:{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41].
فالعدل فيه بَيِّنٌ، حيث كان جزاءً وفاقاً وقع بعد (2) التمكين والتقدم بالإنذار والقطع للأعذار، وإشهاد العدول والوزن بموازين الحق، والحكمة فيه من حيث إن له تأويلاً لا يعلمه إلَاّ الله، ولولا ما فيه من الحكمة الخفية التي اختصَّ بعلمها ربنا سبحانه وتعالى ما احتاج إلى التأويل الذي لا يعلمه إلَاّ الله، وتمامُ هذا مذكورٌ في مسألة الحكمة في الشُّرور، والله الموفق.
وحيث لم يصح أن الضَّرَّ في نفسه اسمٌ حَسَنٌ (3)، كيف يدخل في الأسماء الحسنى، وإنما معنى الأسماء الحسنى ما يفيد أحسن المدح الحَسَنِ، والوصف الجميل الحميد اللَاّئِق بالمَلِكِ المجيد، لأن الحسنى أحسن الأسماء لا حَسَنها، ولهذا قال العلماء: لا يقال: يا ربَّ الكلاب والخنازير، وإنما يقال:
(1)" ضراً " سقطت من (أ).
(2)
" بعد " سقطت من (ش).
(3)
تحرفت في (ش) إلى: جنس.
يا ربَّ كلِّ شيء، أو يقال: يا رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، فافهم المعنى في الأسماء الحسنى.
بل قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50]، ولم يقل: إني أنا المعذِّب المُؤْلِم، فجعله من مخلوقاته لا من أسمائه الحسنى.
فلو قيل: إنه مُنزِلُ الضر أو مُقدِّرُه أو خالقه، سلَّمنا أنه يسمى ضراً، فلا نسلِّم أنه يسمى بذلك ضارّاً، كان أنسب (1)، على أن اسم الضار مقروناً بالنافع لم يرد في " الصحيح " مع رواية البخاري ومسلم أوَّله، وهذا أشدُّ في العِلَّةِ فيه، وإنما رواه الترمذي (2) ولم يُصَحِّحْهُ ولم يُحَسِّنْه أيضاً، بل نص على أنه ليس له إسنادٌ صحيحٌ.
وحسَّنه النواوي (3) وصححه الحاكم (4) وتُعُقِّبا بأنه لم يُرْوَ إلَاّ من طريق صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
(1) في (ش): السبب.
(2)
(3507) وقال بعده: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلَاّ في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح.
(3)
في " الأذكار " ص 54 - 55.
(4)
" المستدرك " 1/ 16 من طريق موسى بن أيوب وصفوان بن صالح، كلاهما عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
وأخرجه الترمذي (3507)، وابن حبان (808)، والبيهقي في " الأسماء والصفات "
ص 5، والبغوي (1257) من طريق صفوان بن صالح، به. وانظر الكلام عليه في " صحيح ابن حبان " بتحقيقنا.
تفرَّد به صفوان، عن الوليد، وصفوان ثقةٌ ولكن الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، وتَعانَى تدليس التسوية فلا ينفع قوله: حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية أنه قد سمع من شيخه شعيبٍ، ثم أسقط شيخ شعيبٍ الذي بينه وبين أبي الزِّناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقطٌ ضعيفٌ، بل كذَّابٌ، فكيف يَحسُنُ الحديث مع هذا، مع أنه قد رواه الثقات الحفَّاظ عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء.
وقد رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء (1).
ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب بغير ذكرها.
ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش كلاهما عن شعيب بغير ذكر الأسماء (2).
ولذلك ذكرتُ أن صفوان لم يتابع على ذلك، عن الوليد (3)، ولم يتابع الوليد على ذلك عن (4) شعيب، كما لم يُتَابَعْ شعيبٌ على ذلك عن أبي الزناد، ولو صَحَّ شعيب.
وأما قول الحاكم: إنه لا خلاف أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلمُ وأجلُّ من أبي اليمان، وبِشر بن شعيب، وعلي بن عياش، فما يُغْنِي ذلك شيئاً مع ما ذكرنا من التدليس الفاحش عنه وتدليس التسوية، فما يصح له مع ذلك حديثٌ
(1) البخاري (6410)، ومسلم (2677)(5)، والترمذي (3508).
(2)
البخاري (2736) و (7392)، والنسائي في النعوت من " سننه الكبرى " كما في " التحفة " 10/ 174.
(3)
بل تابعه موسى بن أيوب النصيبي عند الحاكم كما تقدم في تخريجه.
(4)
عبارة " الوليد ولم يتابع الوليد على ذلك عن " ليست في (أ) و (ش)، ولا يستقيم لمعنى إلَاّ بها.
إلا أن يَخْلُوَ الإسناد عنه، وعمن فوقه من العنعنة ونحوها منه إلى الصحابي على أقل الأحوال، ولم يحصل ذلك.
وقد قال الحاكم: إن الوليد بن مسلم تفرد بسياقه، وإن ذلك هو العلة فيه عند البخاري ومسلم (1). فهي عِلَّةٌ قوية.
وأما قول الحاكم: إنه قد وُجِدَ الحديث عند عبد العزيز فهو ابن حُصَيْن، وثَّقَهُ الحاكم، وقال ابن حجر في " تلخيصه " (2): بل هو متفقٌ على ضعفه.
وذكر ابن كثير له شاهداً من طريق زهير بن محمد، عن موسى بن شعيب (3)، عن الأعرج. وزعم أن ابن ماجه روى ذلك، وطَلَبْتُه في كتاب " الأطراف " عن المِزِّي فلم أجده، ولا ذكر ابن ماجه شيئاً في هذه الترجمة، فيُحَرَّرُ ذلك.
ثم قال: وقال ابن كثير في " إرشاده "(4) في كتاب الأيمان منه ما لفظه: والذي عوَّل عليه جماعةٌ من الحُفَّاظ المُتقنين أن سَرْدَ الأسماء في هذا الحديث مُدرَجٌ فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمدٍ أنه بلغه عن غير واحدٍ من أهل العلم أنهم قالوا
(1) تعقب ابن حجر في " فتح الباري " 11/ 215 كلام الحاكم هذا بقوله: ليست العلة عند الشيخين تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه، واحتمال الإدراج.
(2)
4/ 172 - 173.
(3)
كذا وقع للمؤلف عن ابن كثير " موسى بن شعيب " وهو خطأ، والصواب " موسى بن عقبة "، وهو في " الأطراف " للمزي 10/ 220 في ترجمته عن الأعرج عن أبي هريرة.
وهو في " سنن ابن ماجه "(3861) عن هشام بن عمار، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد التميمي، عن موسى بن عقبة، به. قال البوصيري في " مصباح الزجاجة " ورقة 240/ 2: إسناده ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني.
(4)
هو" إرشاد الفقيه إلى أدلة التنبيه -للشيرازي في فقه الشافعية- " منه نسخة في مكتبة فيض الله الملحقة بالسلمانية في اسطنبول، رقمها 283.
ذلك: أي أنهم جمعوها من القرآن كما رُوِيَ عن جعفرٍ الصادق (1) بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبي زيدٍ اللغوي (2). انتهى بحروفه. وهو عندي قويٌّ جداً.
فإذا كان كذلك لم يسلم لمن استنبط ذلك إدخال الضَّارِّ في الأسماء الحسنى بالرأي، فإنه شبيهٌ بالمُضِلِّ المُغْوِي المقابل لاسم (3) النور الهادي، وهو غير مناسب لما قدمت ذكره من الآيات، بل يسمى إضلال الفاسقين المستحقين لذلك عادلاً لإخفاء الحكمة دياناً مبتلياً عزيزاً ونحو ذلك.
وكيف يوصف باسم الضارِّ على جهة المدح من مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه:
" لا يَضُرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم " فيما خرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وهو من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه (4).
وهو يعُمُّ جميع أسماء الله الحسنى، لأن تخصيصه لبعضها تحكُّمُ، وهو يصلح لإرادة العموم مع اسم الضار النافع أيضاً على ما يأتي، مع أنهما معاً في معنى مالك الضر والنفع، وذلك في قوة مالك الملك، لكن شرط صحته ورود السمع بذلك.
وتلخيص الدلالة في الحديث أن من تمدح بأنه لا يضر مع اسمه شيء لا يصح أن يكون اسمه ضاراً، ومن لا يصح أن يكون اسمه ضارّاً (5) لا يصح أن
(1)" الصادق " ليست في (أ).
(2)
تحرف في (أ) إلى: ابن زيد البغوي.
(3)
في (أ): كاسم، وهو خطأ.
(4)
أبو داود (5088) و (5089)، والترمذي (3388) ولفظه " من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مراتٍ، لم تُصِبه فجأةُ بلاءٍ حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مراتٍ لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي " وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (852) و (862)، وانظر تمام تخريجه في الموضع الأول منه.
(5)
عبارة " لا يصح أن يكون اسمه ضارّاً " الثانية، سقطت من (أ).
يكون ذاته ضاراً ولا فعله -كما ذكره ابن قيم الجوزية، ويأتي كلامه الآن- مُصَادِمٌ للحديث الصحيح عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في التوجه في الصلاة:" الخير بيديك، والشر ليس إليك ". رواه مسلم، وإسناده على شرط الجماعة، لأنه من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عُبيد الله بن أبي رافع عنه به (1).
وروى الحاكم (2) في تفسير سورة بني إسرائيل نحو ذلك من حديث حُذيفة بن اليمان، وقال: على شرط الشيخين، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم أدخل ذلك في الثناء على الله تعالى في المقام المَحْمُود الذي فتح الله عليه فيه أحبَّ الثناء إليه، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص التوجه إلى الله في الصلاة، والتوسُّل إليه في ذلك المقام المحمود، إلَاّ بأحب المحامد إليه، وأكرَمِها عنده، وأعزِّها عليه، فكيف يكون نقيضها في الأسماء الحسنى؟ فتأمل ذلك.
وقد تقدم (3) قول النواوي في " الأذكار " و" شرح مسلم ": إن معنا. ليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمتك فيه.
وقد وقع لي مرةً أن من حِكَمِ الله التي لا تُحْصى في تقدير الشرور أن النِّعَمَ قسمان: جلبُ نفعٍ أو دَفْعُ ضررٍ، وأعظمهما (4) موقعاً في قلوب البشر، وأقواهما أثراً في إيقاظ الغافلين عن الشكر: هو دفع الضر، حتى لا تجد النعمة محل موقعها إلَاّ إذا كان فيها خروجٌ من ألمٍ وشدةٍ كالشرب بعد شدة الظَّمإ، والأمانِ بعد شدة الخوف، والوِصال بعد طول المهاجرة، وبلوغ الرجاء بعد اليأس،
(1) مسلم (771)، وهو في " صحيح ابن حبان "(1771) و (1772) و (1773) و (1774)، وانظر تخريجه فيه.
(2)
في " المستدرك " 2/ 363 - 364، وفيه " فينادى محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك " وهو موقوف على حذيفة. وقد تقدم تخريجه في الجزء السادس ص 319.
(3)
ص 185.
(4)
في (أ) و (ش): وأعظمها.
وحتى قال بعضُ علماء الكلام: إن اللذة هي الخروجُ من الألم.
وإذا تقرر ذلك لم يمتنع (1) أن يكون من حِكَم الله في الشرور أن يكون له الشكر على كِلتا (2) النِّعمتين، وذلك على مقتضى الحديث الصحيح أنه " لا أحد أحبُّ إليه الحمد من الله " ويكون لأوليائه من مراتب الصبر الرفيعة ما (3) يكون لخالص الذهب عند إخلاصه، ثم يكون لهم من الثناء والثواب ما يقتضي (4) اسمه الشكور سبحانه، ومن ثَمَّ قال في حق خليله:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} [الصافات: 106]، وقال:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف: 110].
فتارة يبتلي بمجرد الخوف، ثم ينجي من الوقوع في المخافة بعد حصول الرجوع إليه بالدعاء، ومعرفة الإجابة (5) وقوة اليقين.
وتارة يبتلي بوقوع الضر، ثم يكشفه عن العبد بعد ذَوْقِ العبد الذلة (6) والضرورة، وتضرعه إلى سيده ومولاه، ومعرفته له بكشف الضّرِّ عقيب دعائه، فيكون لله تعالى من ذلك اسم كاشف الضر، ومجيب الدعاء، والمغيث والمعين، ونِعْمَ المُستغاثُ والمستعان، وأمثال ذلك كما نبَّه القرآن عليه فيما ذكرته من الآيات.
ثم وجدت هذا منصوصاً في حديث خلق آدم، وفيه:" أن الله تعالى أخرج ذرِّيَّتَه وأَرَاهُ إيَّاهُم، فرأى فيهم الغني والفقير، والصحيح والسقيم، فقال: يا رب، هلَاّ سوَّيت بين ذريتي، فقال تعالى: فعلتُ ذلك لتشكر نعمتي ". رواه ابن كثير
(1) في (ش): يمنع.
(2)
في (أ) و (ش): كلا، والجادة ما أثبت.
(3)
في (أ): من، وكتب فوقها " ما " على الصواب، وهي كذلك في (ش): ما.
(4)
في (ش): يقتضيه.
(5)
كتب فوقها في (أ) و (ف): ظ الإنابة.
(6)
في (أ) و (ف): اللذة، وهو تحريف.
من طرقٍ في أول " البداية والنهاية "(1).
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الحنبلي، وهو ابن قَيِّم الجوزية في كتابه " حادي الأرواح " (2): ولم يقف على المعنى المقصود من قال: إن المعنى: والشر لا يُتقرَّبُ به إليك، بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجهٍ من الوجوه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المُطلَقُ من جميع الوجوه، وصفاته كلها (3) يُحمد عليها، ويُثنى بها، وأفعاله كلها خيرٌ ورحمةٌ وعدلٌ وحكمةٌ لا شر فيها بوجهٍ، وأسماؤه حسنى، فكيف يضاف إليه الشر، إذ الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصلٌ عنه، إذ فعله غير مفعوله، ففعله خيرٌ كله، وأما المفعول المخلوق ففيه الخير والشر، وإذا كان الشر مخلوقاً منفصلاً (4) فهو لا يضاف إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: ولا أنت تخلق الشر (5)، حتى نطلب تأويل قوله، وإنما نفى إضافته إليه وصفاً (6) وفعلاً واسماً. انتهى ذلك.
فمن اعتقد صحة حديث الأسماء وتَعْدادها على مذهب المتساهلين في التصحيح، وعدم النظر إلى إعلالها بمخالفة الحفاظ الثقات، أو قَلَّد من صحح واستأنس بمتابعة الأكثر على القبول، فليعتقد في معنى ذلك أمرين:
أحدهما: أنه تعالى الضارُّ النافع بضره، المحسن فيه، العادل به، المحمود عليه، المانُّ به، المستحق أن يسمى ضره نفعاً ومِنَّةً وفضلاً ونعمةً ورحمةً، بالنظر إلى ما فيه من الحكمة، وأن يسمى هو سبحانه بسببه نافعاً عادلاً محسناً محموداً، واستُحِبَّ له أن يتلفظ بذلك أو أكثر منه. ألا ترى إلى قول
(1) 1/ 81، وقد تقدم تخريج الحديث في الجزء السادس ص 322.
(2)
ص 264 - 265.
(3)
بعد هذا في " الحادي ": صفات كمال.
(4)
بعد هذا في " الحادي ": غير قائم بالرب سبحانه.
(5)
في " الحادي ": أنت لا تخلق الشر.
(6)
في (ش): قولاً.
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَة، وَلْيُحِدَّ أحدُكم شفرته وَلْيُرِحْ ذبيحته "(1). فهذا في أفعال عباده، فكيف أفعال الحميد المجيد؟!
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار " رواه الترمذي وابن ماجه (2).
وفيه تنبيهٌ على أن الله تعالى يستحق الحمد على الإطلاق في الدَّارَيْن على العقوبة والمثوبة، وما حلا أو مَرَّ، أو نفع أو ضر، لكنه صلى الله عليه وسلم استعاذ مما لا يطاق الصبر عليه، كما سأل العافية وأمر بسؤالها.
ومن ذلك قيل في محامده تعالى: الحمد لله الذي لا يُحْمَدُ على المكاره سواه.
ولذلك قال الله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} بعد قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 43 - 44]، وبعد قوله:{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن: 41].
كما قرَّره ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية في " حادي الأرواح إلى دار الأفراح " وتقدم منه ما يكفي آخر الكلام في الأقدار، ولكني أفردتُه في جزء والحمدُ لله.
وثانيهما: أن اسم الضار لا يجوز إفراده عن النافع، وحينئذ يصيران معاً كالاسم الواحد المركَّبِ من كلمتين كعبد الله، فلو نطقت بأحدهما وحده لم
(1) تقدم تخريجه.
(2)
الترمذي (3599)، وابن ماجه (3804) و (3833)، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وليس في نسخة الترمذي التي اعتمدها المزي في " التحفة " 10/ 320 لفظة " حسن "، وهو الصواب.
يكن اسماً مستقلاًّ للمسمى به، فلا يكون الضارُّ اسماً مستقلاً، بل الاسم: الضار النافع، لأنه في معنى: مالك الضر والنفع، بل في معنى: مالك الملك، كما قال تعالى:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26].
وهذا معنى مناسبة الأسماء التي بهذا الاعتبار، ومتى أفْرَدْتَ الضَّارَّ لم يُناسِب ذلك البتة، فليلزم هذا المعنى في قلبه ولسانه كل من أطلق هذا الاسم على الله تعالى وظن صحته، وقد نص على هذا غير واحدٍ من أهل العلم، ويدل (1) على ما اخترته ما تقدم من نحو قوله تعالى:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 1 - 2] إلى آخر السورة، وتواترت الأحاديث بنحو ذلك، ولم ترد الاستعاذة من شرِّ الله أبداً، بل من شر الشيطان وشركه، كما روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، مُرني بكلماتٍ أقولُهُنَّ إذا أمسيت وإذا أصبحت، قال:" قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربَّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلَاّ أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشِرْكِهِ " رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (2).
وروى أبو مالك مثل حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفيه:" نَعُوذُ بك من شرِّ أنفسنا، وشر الشيطان الرجيم وشركه، وأن نقترف سوءاً [على أنفسنا]، أو نَجُرَّه إلى مسلمٍ " رواه أبو داود (3).
وفي حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أعوذ بك من شرِّ كلِّ شيءٍ أنت آخِذٌ بناصيته "(4).
(1) في (ش): فدل.
(2)
أبو داود (5067)، والترمذي (3392)، وصححه ابن حبان (962) بتحقيقنا.
(3)
رقم (5083)، وهو حديث حسن، وأبو مالك: هو الأشعري.
(4)
حديث صحيح، أخرجه مسلم (2713) وغيره، وصححه أيضاً ابن حبان (966) وانظر تخريجه فيه.
وعن علي رضوانُ الله عليه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه:
" اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التَّامَّات من شر كل دابةٍ أنت آخذٌ بناصيتها " رواه أبو داود (1).
وروى بُرَيدة أن خالد بن الوليد شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا ينام الليل من الأرَقِ، فعلَّمه يقول إذا أوى إلى فراشه:" اللهم رب السماوات السبع وما أظَلَّتْ، والأرضين وما أقَلَّتْ، والشياطين وما أضَلَّتْ، كُنْ لي جَاراً من شَرِّ خلقك كُلِّهم جميعاً أن يفرُط عليَّ أحدٌ أو يبغي عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك " رواه الترمذي (2).
ورواه الإمام مالك في " الموطأ "(3) ولفظه: "أعوذ بكلمات الله التامة من
(1) رقم (5052)، وأخرجه أيضاً النسائي في النعوت كما في " التحفة " 7/ 352، وفي " اليوم والليلة "(767)، وابن السني (711)، والطبراني في " الدعاء "(237) و (238)، وفي " المعجم الصغير "(998). وصحح إسناده النووي في " الأذكار "، وتعقبه ابن حجر في " نتائج الأفكار " كما في " الفتوحات الربانية " 3/ 112 بقوله: حديث حسن .. وفي سنده علتان تحطُّه من مرتبة الصحيح.
(2)
رقم (3523)، وقال بعد أن أخرجه: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، والحكم بن ظهير -أحد رواة الحديث- قد ترك حديثه بعض أهل الحديث، ويُروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً من غير هذا الوجه.
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 365، والطبراني في " الكبير "(3839) من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن خالد بن الوليد، مثله.
قال الهيثمي في " المجمع " 10/ 126: رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح، إلَاّ أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه في " الكبير " بسند ضعيف بنحوه.
(3)
2/ 950 عن يحيى بن سعيد، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أُرَوَّعُ في منامي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
فذكره.
قلت: وقد روي مثله سواء عن الوليد بن الوليد أخي خالد، فقد أخرج ابن أبي شيبة 8/ 60 و10/ 362 - 363 عن عبد الرحيم بن سليمان، وابن السني في " اليوم والليلة "(638) =
غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
فانظر كيف جَنَّبَ غَضَبَه وعقابه اسم الشر لَمَّا كانا مقرونين بالعدل والحكمة.
وروى الترمذي نحوه من حديث عبد الله بن عمرو (1).
وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: " يا أرضُ رَبِّي وربك الله، أعوذ بالله من شَرِّكِ وشَرِّ ما خلق فيك، وشر ما يدُبُّ عليك " رواه أبو داود (2).
= من طريقة شعبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان أن الوليد بن المغيرة المخزومي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
فذكر مثله. وهذا إسناد منقطع محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك الوليد بن الوليد.
(1)
الترمذي (3528) عن علي بن حُجر، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إذا فَزِعَ أحدُكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامَّات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره " قال: وكان عبد الله بن عمرو يعلِّمُها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتَبَها في صكٍّ ثم علَّقها في عنقه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قلت: وأخرجه أيضاً أحمد 2/ 181، وأبو داود (3893)، والنسائي في " اليوم والليلة "(765)، وابن أبي شيبة 8/ 39 و63 و10/ 364، والحاكم 1/ 548 من طرق عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. وصحح الحاكم إسناده، مع أن فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن.
وأخرجه النسائي (766) من طريق أحمد بن خالد، عن ابن إسحاق، به. إلَاّ أنه ذكر فيه فزع خالد بن الوليد، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الدعاء.
(2)
رقم (2603). وأخرجه أيضاً أحمد 2/ 132 و3/ 124، والنسائي في " اليوم والليلة "(563)، وصححه الحاكم 1/ 446 - 447 و2/ 100 ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر كما في " الفتوحات الربانية " 5/ 164.
وفي سيد الاستغفار: " أعوذ بك من شر ما صنعتُ " رواه البخاري (1).
ولذلك ترجمةٌ يطول تقصِّيها، وجملتها معلومةٌ، ومعلومٌ تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للربِّ تقدَّسَتْ أسماؤه من إضافة اسم الشر وما يُرادِفُه إلى الله تعالى.
وأما الاستعاذة: فهي الاستجارة، ولا يُجِيرُ على الله سواه كما قال.
وقد أوجب العلماء العمل بالراجح في أحكام المعاملات الدنيوية، فكيف لا يجب المصير إليه، والنُّصرة له في أسماء الله الحسنى، التي هي أعز ما في كتاب الله سبحانه، الذي هو أعز ما في الوجود بعد الله عز وجل.
ولقد غيَّر (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سَمَّى شِعْبَ الضلال شِعْبَ الهدى. رواه أبو داود (3).
وغَيَّرَ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ حَرْبٍ وحَزْنٍ من أسماء أصحابه (4)، فكيف بأسماء الله الحسنى؟!
وذمَّ الله تعالى الذين يجعلون لله ما يكرهون، فلا ينبغي التسامُحُ فيها، والقنوع بأدنى تأملٍ، والتقليد من غير ترجيحٍ، ولا يثبت التصحيح على من أطلق ذلك فلم يُرِدْ إلَاّ الخير، ولكن الأولى أن يجمع بين طيب العبارة وطِيبِ
(1) تقدم تخريجه ص 192 من هذا الجزء.
(2)
في (أ): عنى، وكتبت فوقها على الصواب، وهي كذلك في (ش): غير.
(3)
أورده أبو داود في " سننه " 5/ 243 لكنه لم يذكر له إسناداً، تركه اختصاراً في جملة أشياء.
(4)
أما تغيير اسم حرب، فقد أورده أبو داود بغير سند للاختصار فقال في " سننه " (4956): وسمَّى حَرْباً سِلْماً.
وأما تغيير اسم حزن فقد أخرج البخاري (6190)، وابن حبان (5822) وغيرهما من طريق سعيد بن المسيب، عن أبيه، أن أباه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" ما اسمُك؟ " قال: حَزْن، قال:" أنتَ سَهْلٌ قال: لا أُغيِّرُ اسماً سمَّانِيه أبي. قال سعيد: فما زالت الحُزُونةُ فينا بعد. وانظر تمام تخريجه في " صحيح ابن حبان ".
المعنى، وبلوغ الغاية القصوى في ذلك.
ومنه جاء ذكر يمينه في القرآن دون شماله، وفي الحديث:" كِلتا يديه يمينٌ "(1)، ولم نُرِدْ بتجَنُّب هذا الاسم في الأسماء الحسنى ما أراد من نفي سبق المقادير، أو ضعف مشيئة من هو على كل شيء قدير، وإنما أردنا أنه لا يصح اشتقاق هذا الاسم له من تلك المقدورات (2) المخلوقات الضارة لحكمته فيها البالغة، وإرادته فيها ما لا نعلمه من المنافع والعدل والدفع واللطف والاعتبار، كما أن الطبيب مع قطعه بعض الأعضاء، وكَيِّهِ بالنار لبعضها، لا يسمى ضاراً للأليم بالإجماع، فكذلك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ألا تراه خلق الظلمات والنور جميعاًً، ويُسَمَّى النور لا الظلام، وخلق الشرَّ ولا يُسمَّى الشِّرِّيرَ (3)، ونحو ذلك.
وكذلك اسم الضارِّ مع عدم الاتفاق على صحة وُرُودِ ذلك في السمع، فتأمل ذلك، واحذر كل الحذر من ظنِّك أنا قلنا (4): إن الله ليس بخالقٍ للضرِّ ولا مريدٍ ولا مُقدِّرٍ، وإنما قلنا: إنه خلقه ليُسَمَّى بسببه كاشف الضر، والنافع الدافع له. ألا ترى أن الحُمَّى حَظُّ المؤمن من النار، والحدود كفارات لأهلها مع تسمية الله لها نَكالاً وعقاباً، والكافر يُلْقَى في النار فِداءً للمسلم، ويُقتَلُ في الدنيا ليَشْفِيَ الله صدورَ قومٍ مؤمنين ويُذهِبَ غيظ قلوبهم.
وقد بُسِطَ هذا في الحكمة في عذاب الكفار في الآخرة.
وأما قول الغزالي في شرح هذا الاسم في " المقصد الأسنى "(5): فلا تظنَّنَّ
(1) حديث صحيح، أخرجه أحمد 2/ 160، ومسلم (1827)، والنسائي 8/ 221، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص 324 من حديث عبد الله بن عمرو رفعه " إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا ".
(2)
في (أ): المقدرات.
(3)
في (ش): الشر.
(4)
في (ش): نريد.
(5)
ص 129.
أن السُّمَّ يَضُرُّ بنفسه، وقوله: إن الأمور الضارة في حق الرب سبحانه كالقلم للكاتب (1). إلى آخر كلامه في تحقيق نسبة الضرِّ إلى الله وإن كان على الجن والإنس والشياطين.
وتلخيص ذلك فما أوجب ضمه إلى ما قرره في هذا الكتاب بنفسه، وفي مقدمة " إحياء علوم الدين " فإنه كشف الغطاء عن هذه الشبهة فقال في " المقصد الأسنى " (2) في شرح الرحمن الرحيم ما لفظه: سؤالٌ وجوابه، لعلك تقول: ما معنى كونه تعالى رحيماً وأرحم الراحمين، والدنيا طافحةٌ بالأمراض والمِحَنِ والبلايا، وهو قادرٌ على إزالة جميعها، وتاركٌ عباده مُمتَحَنِينَ.
فجوابه: أن الطفل المريض قد تَرقُّ له أمُّه، فتمنعه من الحِجَامَةِ، والأبُ العاقل يَحمِلُه عليها قهراً، والجاهل يظن أن الرحيم هو الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب بالحِجامة من كمال رحمته، وأن الأم عَدُوٌّ له في صورة صديق، فإن ألم الحجامة القليل إذا كان سبباً لِلَّذَّة الكثيرة لم يكن شراً، بل كان خيراً.
والرحيم يريد الخير بالمرحوم لا محالة، وليس في الوجود شرٌّ إلَاّ وفي ضِمْنِهِ خيرٌ، ولو رُفِعَ ذلك الشر لبطل ذلك الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمن ذلك الخير.
قلت: وما أبين هذا المعنى وأوضحه في كتاب الله تعالى كما مضى قريباً، ولو لم يَرِدْ في ذلك إلَاّ قوله تعالى:{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75]، وقوله:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]، وقوله:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 27] وقوله: {وَعَسى أنْ تَكرَهُوا شَيئاً وهُوَ خَيرٌ لَكُمْ
(1) نص قوله في المطبوع من " المقصد ": وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي.
(2)
ص 62.
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: 216]، وقوله:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].
قال الشيخ (1): واليد المتآكلة قطعها شرٌّ في الظاهر، وفي ضمنها الخيرُ الجزيل، وهو سلامة البَدَنِ، ولو تُرِكَ قطعها لحصل هلاك البدن، ولكن قطعها لسلامة البَدَن شرٌّ، وفي ضمنه خيرٌ، لكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع هو السلامة التي هي خيرٌ محضٌ، وهي مطلوبةٌ لذاتها ابتداءٌ، والقطع مطلوبٌ لغيره ثانياً لا لذاته، فهما داخلان تحت الإرادة، لكن أحدهما مُرادٌ لذاته والآخر لغيره، والمراد لذاته قبل المراد لغيره، ولأجل ذلك قال الله تعالى:" سبقت رحمتي غضبي "(2) فغضبه إرادته الشر، والشر بإرادته، ورحمته إرادته الخير، والخير بإرادته، ولكن إرادة الخير للخير نفسه، وإرادة (3) الشر لذاته، يعني لكونه شراً، بل لما في ضمنه من الخير، فالخير مقتضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض (4) وكلٌّ بقدرٍ، وليس ذلك مما يُنافي الرحمة أصلاً.
والآن إن خَطَر لك نوعٌ من الشر لا ترى فيه خيراً، أو خطر لك أنه كان يمكن حصول (5) ذلك الخير لا في ضمن الشر، فاتهم عقلك القاصر في أحد الطرفين (6):
إما في قولك: إن بعض (7) الشر لا خير تحته، فإن هذا مما تقصُرُ العقول عن معرفته، مثل أمِّ الصبي التي ترى الحِجامة شراً مَحْضاً، ومثل الغبيِّ الذي يرى القتل قِصاصاً شراً محضاً، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول، وأنه في حقه شر محضٌ، وذَهَلَ عن الخير العامِّ الحاصل للناس كافةً، ولا يدري
(1) أي الغزالي، وهو في " المقصد الأسنى " ص 62 - 63.
(2)
تقدم تخريجه في الجزء الخامس ص 275.
(3)
في " المقصد " في الموضعين: أراد.
(4)
في " المقصد ": لغيره.
(5)
في " المقصد ": تحصيل.
(6)
في " المقصد ": الخاطرين.
(7)
في " المقصد ": هذا.
أن التوصل بالشر الخاصِّ إلى الخير العام خيرٌ محضٌ، لا ينبغي لحكيمٍ (1) أن يُهْمِلَه.
واتهم خاطِرَك الثاني وهو قولك: إنه يمكن تحصيل ذلك الخير لا في ضمن ذلك الشر، فإن هذا أيضاً دقيق [غامض]، فليس كلُّ مُحالٍ ومُمْكنٍ مما يُدرَك إمكانه واستحالته بالبديهة، ولا بالنظر القريب، بل يُعرف ذلك بنظرٍ غامضٍ دقيقٍ يَقْصُرُ عنه الأكثرون.
فاتَّهِمْ عقلك في هذين الطرفين، ولا تشكَّ أصلاً في أنه أرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه، ولا تَستَرِيبنَّ (2) في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق اسم الرحمة، وتحت هذا سر منع الشرع من إفشائه، فاقنع بالإيماء (3) ولا تطمع في الإفشاء، ولقد نَبَّهت بالإيماء والرمز إن كنت من أهله فتأمل.
لقد أسمعتَ لو نَادَيْتَ حَيّاً
…
ولكِنْ لا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي (4)
هذا حكم الأكثرين.
وأما (5) أنت أيها المقصود بالشرح، فلا أظنك إلَاّ مستبصراً بسِرِّ القدر، مستغنياً عن هذه التحويمات (6) والشبهات. انتهى بحروفه.
وهو قريبٌ من مذهب البغدادية، أو هو هو، وقد نصره شيخُ الإسلام الحَرَّاني إمام المعقولات والمنقولات، وجوَّد تلميذه ابن قيِّم الجوزية ذلك في
(1) في " المقصد ": للخير.
(2)
في " المقصد ": تسترب.
(3)
في " المقصد ": بالإيمان، وهو خطأ.
(4)
البيت غير منسوب في " الأمثال والحكم " للرازي صاحب " مختار الصحاح "، و" زهر الأكم " 2/ 249 لليوسي وهو آخر بيت من قصيدة أنشدها عز الدين المقدسي في كتابه " كلام الطيور والأزهار " على لسان الغراب انظرها في " حياة الحيوان " 2/ 104 للدميري.
(5)
في (أ): فأما.
(6)
في (أ) و (ش): التخويفات، والمثبت من " المقصد ".
كتابه " حادي الأرواح " وأفْشَى هذا السرَّ كما يأتي في مسألة دوام العذاب، ولم يَرَوْهُ سراً (1)، بل ذكروه (2) عن جماعةٍ وافرةٍ من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، واحتجوا عليه بالكتاب والسنة، وإن كان الوقف عما تجاسروا عليه أحوط في الدين وأولى بمن يحب اتباع السلف الصالحين، لكنه خير من الرمز بالأسرار في أمور الإسلام لما يؤدي إليه من سوء الظنون.
مع أنه يمكن أن الغزالي أراد ما ثبت النهي عنه من إظهار (3) الرحمة والرجاء لمن يخاف عليه الفساد، وقد اختلفت الآثار في هذا المعنى، واستقرَّ الأمر على جواز رواية الأخبار في ذلك، كما يجوز تلاوة الآيات المُقتضية لذلك، ومن عصى الله تعالى بسبب ذلك، فما أُتِيَ إلَاّ من سوء اختياره (4)، إذ قد سمع تلك البِشَارات خلقٌ كثيرٌ من السلف الصالح ومن بعدهم، فشكروا عليها، وازدادوا نشاطاً، فالعاصي (5) بذلك كالعاصي بسماعه أن الله غفور رحيم، والله سبحانه أعلم.
وأما قول الغزالي: إنه لا يمكن خلو الخير من الشر، فإن أرادَ في أنظار العقول، فذلك يُمكِنُه دعواه، والتشكيك فيه، والتجويز البعيد له، ولعل مراده في بعض مدارك العقول على سبيل المعارضة للشبه الفلسفية (6) بمثلها، وأما بالنظر إلى البراهين السمعية، فإنه معلومٌ ضرورة إمكان تحصيل كل خير بقدرة الله تعالى خالصاً من الشرور، ولكن لا يعلم أن ذلك أرجح بالنظر إلى حكمته التي هي تأويل المتشابه.
فإن نازَعَ في هذا المقام منازِعٌ رَدَدْناه إلى السؤال الأول، وكم بين نعيم
(1) في (أ): شراً، وهو خطأ.
(2)
في (أ) و (ش): ذكره، والصواب ما أثبته.
(3)
" من إظهار " سقطت من (أ).
(4)
في (ش): فما أتي إلَاّ من جهة نفسه، وقد.
(5)
في (ش): والعاصي.
(6)
في (ش): لشبه الفلسفة.
الجنة بعد مقاساة مصائب الدنيا وضروراتها وهمومها، وبين لَذَّتِها لو خُلِقَ أهلها فيها قبل ذلك؟! كما أنه لا يخفى أن لذة شرب الماء العذب بعد العطش الشديد أعظم منها قبله، وقد أوضحت هذا في مرتبة الدواعي، فيراجع (1) منها.
وقد تواتر خَرْقُ العادات في المعجزات، ونطق القرآن بأن عيسى كان يُحيي الموتى، ويُبْرِىءُ الأكمه والأبرص، وأجابه الله في إنزال المائدة كما أجاب سليمان عليه السلام في إعطائه ذلك الملك العظيم الخارق لعادات ملوك المخلوقين أجمعين. وقال تعالى:{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [المعارج: 40 - 41] في آياتٍ كثيرةٍ في هذا المعنى دالةٍ على أن لله تعالى حكمةً في خلق المذنبين، مع قدرته على تبديلهم بخيرٍ منهم، لولا ما سبق في حكمته وحق من كلماته (2).
وقال تعالى: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] مع أنه تعالى لم يفعل ذلك في حقِّ أهل الأُخدود، فدل على شمول قدرته، وغموض حكمته، وقد تواتر الأمر بسؤال العافية في الدَّارَيْنِ، وأجْمَعَ المسلمون على ذلك.
وقال الغزالي أيضاً في كتاب العلم من " إحياء علوم الدين "(3) في أقسام العلوم الباطنة ما لفظه: القسم الثاني من الخفيات التي منع الأنبياء والصِّدِّيقون من ذِكْرِها: ما هو مفهومٌ في نفسه لا يَكِلُّ الفهم عنه، ولكن ذِكْرُه يَضُرُّ بأكثر المستمعين، ولا يَضُرُّ بالأنبياء والصدِّيقين، وسرُّ (4) القدر الذي منع أهلُ العلم به من إفشائه من هذا القسم (5)، فلا (6) يبعد أن يكون ذكر بعض (7) الحقائق مُضِرّاً
(1) في (ش): فليراجع.
(2)
في (ش): كتابه.
(3)
1/ 101 في كتاب قواعد العقائد في الفصل الثاني منه، لا كما أشار إليه المصنف رحمه الله أنه في كتاب العلم.
(4)
في (أ) و (ش): وهو سر، والمثبت من " الإحياء ".
(5)
عبارة " من هذا القسم " لم ترد في (أ) و (ش).
(6)
في (أ) و (ش): ولا.
(7)
" بعض " سقطت من (أ).
ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش، وكما يضر ريح الورد بالجُعَل، وكيف يبعد هذا؟!
وقولنا: إن الكفر والزنى والمعاصي والشرور (1) بقضاء الله وإرادته ومشيئته حقٌّ في نفسه، وقد أضر سماعه (2) بقوم إذا أوهم ذلك عندهم أنه (3) دلالةٌ على السَّفَهِ، ونقيضُ الحكمة، والرضا بالقبيح والظلم، وقد ألحد (4) ابن الرَّاوَنْدِي وطائفةٌ من المخذولين بمثل ذلك.
وكذلك سر القدر إذا أُفشِيَ أوهم عند أكثر الخلق عجزاً إذ تقصُرُ أفهامهم عن درك (5) ما يُزيل هذا الوهم (6).
ولو قال قائل: إن القيامة لو ذُكِر ميقاتها وأنها بعد ألف سنةٍ أو أكثر أو أقل لكان مفهوماً (7)، ولكن لم يذكر لمصلحة العباد وخوفاً من الضرر، فلعلَّ المدة (8) إليها بعيدةٌ فيطول الأمد (9)، وإذا استبطأت النفوس وقت العقاب قل اكتراثها، ولعلها كانت قريبةً في علم الله، ولو ذُكِرَت لعَظُمَ الخوف، وخَرِبَتِ الدنيا، وأعرض الناس عن الأعمال، فهذا المعنى لو اتجه وصح، لكان مثالاً لهذا القسم. انتهى.
وفي كلامه هذا والكلام المُقَدَّم قبله المنصوص في " المقصد الأسنى " ما يدل على أنه كان يُضمِرُ القول بوجوب الاعتراف بحكمة الله وتعليل أفعاله وأقداره كلِّها بالغايات الحميدة، والحِكَمِ البالغة في تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلَاّ الله تعالى، كما أوضحه الله تعالى في قصة موسى والخَضِرِ عليهما
(1) في (أ) و (ش): إن الكفر والشر.
(2)
في (أ): ذلك.
(3)
" أنه " ليست في (أ) و (ش).
(4)
في (أ) و (ش): وألحد.
(5)
في " الإحياء ": إدراك.
(6)
في " الإحياء ": ذلك الوهم عنهم.
(7)
" لكان مفهوماً " ليست في (أ) و (ش).
(8)
بعدها في نسخة (أ): وإن كانت!
(9)
في (أ) و (ش): الأمر، والمثبت من " الإحياء ".
السلام، وأشار إليه في قوله:{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7]، وفي قوله:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 - 6]، ولم يَرِدِ العكس من ذلك ولا يجوز أن يرد. بل قد صرح الغزالي بذلك في أوائل " إحياء علوم الدين " في كتاب العلم في ذكر علوم المكاشفة منه، فإنه قال: إن مَنْ عَلِمَ علوم المكاشفة، عرف حكمة الله تعالى في خلق الدنيا والآخرة.
وقد أوضحتُ هذا المعنى في آخر مسألة الأفعال، ولعل هذا هو الذي أشار إليه الغزالي، أو بعض ما أشار إليه في خطبة (1) " المقصد الأسنى ": وكيف لا وللبَصِير عن هذه الغَمْرَة صارِفان، إلى قوله:
والثاني: أن الإفصاح عن كُنْهِ الحقِّ فيه (2) يكادُ يُخالِفُ ما سبق إليه (3) الجماهير، وفِطَامُ الخلق عن العادات، ومألوفات المذاهب عسيرٌ، وجَنَابُ الحق يَجِلُّ عن أن يكون مشرعاً لكلِّ واردٍ، وأن يَطَّلِع عليه إلَاّ (4) واحدٌ بعد واحدٍ، ومهما عَظُمَ المطلوب قلَّ المُسَاعِد، ومن خالط الخلق جديرٌ أن يتحامى، ولكن من أبصر الحق عسيرٌ عليه أن يتعامى، ومن لم يعرف الله، فالسُّكوت عليه حَتْمٌ، ومن عرفه، فالسكوت له حَزْمٌ. انتهى.
فإذا عرفت هذا من مذهبه، فينبغي أن يُجمَعَ بينه وبين ما يظن الغبي أنه يخالِفُه، وكان من تمام الصنعة أن يذكر كلامه في تفسير (5) الرحمن الرحيم بعد كلامه في تفسير الضار النافع، أو يشير إليه كي لا يتوهم الجاهل أن نسبة الضر إلى الله تعالى مع بقاء اسمه ومعناه، وليس كذلك، لأن مفهومه في اللغة: ما هو شرٌّ بلا نَفْعٍ، وذلك ما لا يدخل في فعل أحكم الحاكمين سبحانه
(1)" خطبة " لم ترد في (أ).
(2)
" فيه " لم ترد في (أ) و (ش)، وأثبتها من " المقصد الأسنى " ص 23.
(3)
" إليه " لم ترد في (أ).
(4)
في " المقصد ": وأن يتطلع إليه إلا.
(5)
" تفسير " لم ترد في (أ).
وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى تَمَدَّحَ بأنه الذي يُجيبُ المضطرَّ إذا دعاه، ولم يتمدح (1) بأنه الذي يضطرُّ، وإن كان هو خالق الضرورات، لأنه خلقها ليَسُوقَ العباد إلى دعائه، فيُجيبهم، فيعرفونه ويشكرونه، قال الله تعالى:{فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 42 - 43]. وقال: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].
وفي " عوارف المعارف " للسُّهْرَوَرْدِي: إن الضرورات للعبد بمنزلة السوط للدابة، لا تُضْرَبُ به حتى تَتْرُكَ السير، أو تسير في غير الطريق.
ومن هنا وجب شكر الله على ما نفع وضر، وحلا ومرَّ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" الحمد لله على كل حالٍ، وأعوذ بالله من حال أهل النار " رواه الترمذي وابن ماجه (2).
فإذا تقرَّر في الشرور التي خلقها الله تعالى وحده، وليس للعباد فيها كسبٌ، ولا لقدرتهم بها تعلُّقٌ، لا تضاف إليه إلَاّ مُغَيَّرَة الاسم، مُعتَقَداً فيها أنها خيرٌ وبركةٌ ورحمةٌ وحكمةٌ، فكيف يضاف إلى الله تعالى ذنوبُ العباد وفواحِشُهم من الوجه الذي هي منه كفرٌ وفجورٌ مستحقةٌ لجميع الأسماء القبيحة، والمعاني الخَسِيسَةِ.
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50] أن في ذلك تنبيهاً على أنه لا يُشتَقُّ لله تعالى أسماءٌ من مخلوقاته الضارة، لأنه لم يقل: إني المعذِّب المؤلم، كما قال: إني أنا الغفور الرحيم.
وذلك تعليمٌ لحسن الأدب والتعبير عن مختلفات أفعاله التي دارَتْ على
(1) في (أ): بمدح.
(2)
تقدم تخريجه في هذا الجزء ص 208.
الحِكَم والغايات (1) الحميدة، وهذا هو مذهب أهل السنة.
وكذلك ذكر الذهبي أنهم بَدَّعوا أبا طالبٍ المكيَّ حيثُ قال في وعظه: إنه ليس شيءٌ أضَرَّ على المخلوقين من الخالق. ولو مشينا على ظاهر تفسير الغزالي اسم الضار، ولم يُضَمَّ إليه تأويله المذكور في شرح الرحمن الرحيم، لكان (2) كلام الغزالي في شرح الضار مثل هذا الكلام المنكر أو أقبح. ذكر ذلك في ترجمته من " الميزان "(3) واسمه محمد بن علي بن عطية.
فإن قلت: هل ورد في القرآن اسمٌ لله عز وجل يناسب ما وقع من المصائب والبَلاوِي؟
قلت: نعم، وهو المُبْتَلِي، قال الله تعالى:{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30]، وقال:{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ} [الفجر: 15]، وقال:{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] وهو من أسمائه الحسنى، لأن الابتلاء من فعل الحكيم، لِيَمِيزَ الخبيث من الطيب، فالحكمة فيه ظهور طيب الطيب، وإبانته ورَفْعُ منزلته، لا ظهورُ خبث الخبيث، ولكن المحاسن لا تُعرَفُ إلَاّ بأضدادها.
والحجة الواضحة على أن ذلك المراد لا عَكسُه قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] وقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد: 31] ولم يقل: أيُّكم أقبح عملاً، ولذلك قال العارفون: إن الخلق كلهم مثل شجرةٍ، ثمرتها المقصود بها أهل الخير منهم.
وفي الحديث: " لما دعا الخليلُ على من رآه يعصي، قال الله له: إنَّ قَصْرَ عبدي مني إحدى ثلاثٍ: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو يستغفرني، فأغفر له،
(1) في (أ): والعنايات، وكتب فوقها " والغايات "، وهي كذلك في (ش): والغايات.
(2)
في (أ): لكن، وهو خطأ.
(3)
3/ 655.
أو أُخرِجَ من صلبه من يعبدني" رواه الطبراني (1)، ومعنى قَصْره: منتهاه.
وربما عبَّر عن المبتلي بالعزيز المقتدر، كقوله:{فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 42]، كما أشار إليه في سورة الشعراء حيث قال بعد كل قصةٍ فيها تعذيب أعدائه الكافرين، ورحمة أوليائه المؤمنين:{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 9] حتى تكرَّر ذلك ثمان مرارٍ بعد ثمان قصصٍ، فكان فيه تنبيهٌ لنا على تسمية العزيز القدير بالنظر إلى انتقامه (2) من الكافرين، وإنزاله بهم المضار والعقوبات، وتسميته بالرحيم بالنظر إلى المؤمنين كقوله:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43].
وكذلك قد يُسمَّى بالدَّيَّان أو الحكيم أو خَفِى الحكمة في هذه المواضع، ونحو ذلك مما وَرَدَ به السمع واستُعمِلَ في الثناء، والله أعلم.
فإن قلت: فهل يدخل اسمه المانع في معنى الضار فيُستَحَبُّ اجتنابه في الأسماء الحسنى؟
قلت: كلا، فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:" لا مانِعَ لما أعطيت ولا مُعطِيَ لِما مَنَعْتَ "(3).
وقيل: إن معناه المانع (4) من المخاوف، والمنجي من المهالك، والله تعالى مانعٌ من الكفر وسائر المحرمات والقبائح والمذامِّ بالتحريم لها، والنهي عنها، والوعيد عليها.
على أن الطبيب إذا منع المريض من شهواته الضارة لا يُسَمَّى ضارّاً في
(1) في " الأوسط " كما في " المجمع " 8/ 201، قال الهيثمي: وفيه علي بن أبي علي اللهبي وهو متروك.
(2)
في (أ): انتفائه، وكتب فوقها " انتقامه " على الصواب، وهي كذلك على الصواب في (ش).
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
" المانع " سقطت من (أ).
اللغة ولا في العُرْف، وإن سُمِّي مانعاً.
وقد يمنع الله العبد من إجابة بعض ما يدعو به من مضرَّةِ العبد، فيعيضه به ما هو خيرٌ له كما ورد مرفوعاً.
وفي الحديث: " إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا كما يحمي أحدُكم مَرِيضَه الماء "(1) أو كما ورد.
وفيه: " إن أمر المؤمن كله عجيبٌ: إن سرَّه كان خيراً له، وإن ساءه كان خيراً له ". روى أحمد معناه (2).
وروى ابن أبي الحديد في " شرح النهج " أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: أن قل لعبادي المتسَخِّطِين برزقي يَحْذروا أن أسْخَطَ عليهم، لأفْتَح عليهم الدُّنيا.
وفي كتاب الله تعالى ما يشهد لصحة هذا، وذلك قوله تعالى:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]، وكذلك قوله:{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 27].
(1) أخرجه أحمد 5/ 428 من طريق أبي سلمة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد رفعه. " إن الله عز وجل يحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه " وأخرجه الحاكم 4/ 208 وصححه ووافقه الذهبي من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد إلَاّ أنه زاد فيه: عن أبي سعيد الخدري، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضاً 4/ 207 من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان مرفوعاً بلفظ:" إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ".
(2)
هو في " المسند " 4/ 332 و333 من حديث صهيب رضي الله عنه، ورواه مسلم في " صحيحه "(2299)، وصححه ابن حبان (2896) وانظر تمام تخريجه فيه.
وكذلك المميت لقوله تعالى: {يُحْيِي ويُمِيتُ} [البقرة: 258]، وقول الخليل:{وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81]، ولأنه في معنى القهار، وذلك لأن الموت لقاءٌ، وقد ثبت في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كَرِهَ لِقَاء الله كره الله لِقاءه " فقالوا: كلُّنا يَكرَهُ الموت. قال: " إنَّ المؤمن لا يَمُوتُ حتى يُبَشَّرَ، فيُحب الموت "(1).
ورُوي أن الخليل عليه السلام قال: يا ربّ، أيُحِبُّ الخليلُ موت خليله؟ فقال الله تعالى:" هل يكره الخليلُ لقاء خليله؟! " قال: لا يا ربّ (2).
وبالجملة: فقد ورد القرآن بالتمدُّح بفعل الخير، والقدرة على كل شيء من خيرٍ وشر، ومثوبةٍ وعقوبةٍ، وذلك بَيِّنٌ في قوله:{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، وقوله:{يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 40]، وفي آية:{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]، وفي آية:{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 120].
وذلك لأن مُوجِبَ كماله وملكه الحق يقتضي أن يكون ملكاً عزيزاً مَخُوفاً مهيباً، يُخافُ ويُهابُ ويُخشى ويُتَّقى مثل ما يُستَرحَمُ ويُستَعطَفُ ويُسألُ ويُرتَجى، فيكشف السوء كما يُعطِي السُّؤل، ويمنع المخوف، كما يُبَلِّغُ المأمول.
وفي هذه الآيات الثلاث إشارةٌ إلى ما قدَّمْتُه من أنه سبحانه يسمى بالنظر إلى فضله بالغفور الرحيم ونحو ذلك، ويُسَمَّى بالنظر إلى عدله في عقوباته بالقدير والمقتدر، والعزيز والقهَّار والمتكبِّر والجبار، ونحو ذلك مما ورد به السمع المعلوم الصحيح، والمدح المعقول الصريح.
وكذلك يجوز أن يُنسَبَ الخير والشر معاً إلى قدرته وملكه وخزائنه، ولا يُفرد
(1) تقدم تخريجه في الجزء الخامس ص 127.
(2)
أورة الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " 11/ 361 ولم يعزه إلى أحد، لكن قال: وقد ذكر بعض الشراح أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت لما أتاه لِيقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فذكر نحوه.
الشرُّ بذلك إذا صحَّ حديث ابن مسعود الذي فيه مرفوعاً: " اللهم إني أسألك من كل خيرٍ خزائنه بيديك، وأعوذ بك من كل شرٍّ خزائنه بيديك "(1).
وقد ذكر صاحب " سلاح المؤمن " أن ابن حبان والحاكم أخرجاه، واللفظ للحاكم وصححه وقال: على شرط البخاري.
وهذا يُؤذِنُ بأنه ليس على شرط مسلم، وقد يختلفان في الرجال مثلَ اختلافهما في توثيق عكرمة عن ابن عباس، وأبي (2) الزبير عن جابر، الأول شرط البخاري، والثاني شرط مسلم. ويُمكِنُ في مثل هذا الانتقاد فيُحرَّر ذلك، لكن يشهد له عموم:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} الآية [الحجر: 21].
وعلى كل تقديرٍ، فإن كون الشر في خزائنه مثل كونه تحت قدرته، ولا معنى له سوى ذلك، وكونه تحت قدرته اسم مدحٍ وِفاقاً، لأنه من كمال الملك الذي يلزمه الخوف والرجاء، ولا يلزم منه أن يُسَمَّى شرِّيراً قطعاً، وكذلك اسم الضارِّ ولم يلزم من كونه تحت قدرته ومشيئته.
وأين هذا من قول سيد الرسل المترجم عن محامده عز وجل بقوله في الأحاديث الصحاح المتقدمة: " الخير بيديك، والشر ليس إليك " ولو لَزِمَ أن
(1) أخرجه الحاكم 1/ 525 من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الصهباء، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود، وصححه على شرط البخاري، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو الصهباء لم يخرج له البخاري. قلت: وعبد الله بن صالح سيىء الحفظ فالسند ضعيف وأخرجه ابن حبان في " صحيحه "(934) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن العلاء بن رؤبة التميمي، عن هاشم بن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب أصابته مصيبة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
وفي آخره " وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله "، وليس فيه:" وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيديك " ورجاله ثقات غير العلاء بن رؤبة وشيخه هاشم، فلا يعرفان بجرح ولا تعديل.
(2)
في (أ): وابن، وهو تحريف.
يشتق له اسماً مما كان تحت قدرته وتقديره، لزم مناقشة أسمائه الحسنى تعالى عن ذلك.
فأين هذا من اسمه القُدُّوس السُّبُّوح ربِّ الملائكة والروح، وأين من يعرف ذلك حتى يعرف ما يُضادُّه من الأسماء، ويعرف أن السمع لا يَرِدُ بالتناقض والتضاد فيما دون هذا، فالله المستعان.
وما أحسن قول الغزالي في هذا المقام في تفسير القدوس فلنختم به هذا المعنى فنقول: قال في " المقصد الأسنى "(1) في شرح هذا الاسم الشريف ما لفظه: ولستُ أقول: إنه مُنَزَّهٌ عن العيوب والنقائص، فإنَّ ذِكر ذلك يكاد يَقْرُبُ من ترك الأدب، فليس من الأدب أن يقول القائل: مَلِكُ البلد ليس بحائِكٍ ولا حَجَّام، فإن نفي الوجود يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الإيهام نقصٌ، بل أقول: القدوس: هو المنزه عن كل وصف من أوصاف كمال المخلوقين الذي يظنه أكثر الناس كمالاً في حقهم، لأن الخلق أولاً نظروا إلى أنفسهم، وعرفوا صفاتهم، وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمالٌ ولكن في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسائر صفاتهم، ووضعوا هذه الأسماء بإزاء هذه المعاني، وقالوا: هذه الأسماء هي الكمال، فإذا أثنوا على الله تعالى، وصفوه بما هو أوصاف كمالهم، وهو منزه عن أوصاف كمالهم، كما هو منزَّهٌ عن صفات نقصهم، بل كُلُّ صفة متصوَّرةٍ للخلق، فهو منزه مقدس عنها وعما يشبهها، ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يَجُزْ إطلاق أكثرها (2). انتهى.
وهو نصٌّ صريح في معنى ما ذكرت من وجوب التحري في تصحيح الإذن الشرعي في اسم الضار ونحوه، وأن الواجب أن لا يطلق من ذلك ما في صحته خلافٌ بين أئمة السنة وعلماء الأثر، ونُقَّاد التصحيح، وحسبك بترك البخاري ومسلم لذلك مع رواية أولِ الحديث.
(1)" المقصد الأسنى ": ص 65.
(2)
في (ش): ذكرها.
وإنما حملهم على تعداد الأسماء الطمع في الإحاطة بالتسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة، وذلك أمر لا يمكن القطع بحصوله، ولا يُتَوَصَّلُ إليه إلَاّ بتوفيق الله، فإن لله تعالى أسماء كثيرة غير مُحصاةٍ، وهذه التسعةُ والتسعون من أسمائه وليست جميع أسمائه، لِما ثبت في حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:" اللهم إني أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " الحديث (1).
فدلَّ على أن تمييز التسعة والتسعين يحتاج إلى نص متفق على صحته، أو توفيقٍ رباني، وقد عُدِمَ النص المتفق على صحته في تعيينها، فينبغي في تعيين ما تعين منها على ما ورد في كتاب الله منها بنصه، أو ما ورد في المتفق على صحته من الحديث.
واعلم أن الحسنى في اللغة هو جمع الأحسن، لا جمع الحسن، فإن جمعه حِسان وحَسَنَةٌ، فأسماء الله التي لا تحصى كلها حسنةٌ، أي: أحسن الأسماء، وهو مثل قوله تعالى:{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] أي: الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه ونُعُوته، فلذلك وجب أن تكون أسماؤه أحسن الأسماء لا (2) أن تكون حسنةً وحِساناً لا سوى، وكم بين الحَسَنِ والأحسن من التفاوت العظيم عقلاً وشرعاً ولغةً وعُرفاً.
وما أحسن قول من قال في الإشارة إلى ما تضمنه حديث ابن مسعودٍ من كثرة أسماء الله الحسنى:
وعلى تفنُّن واصِفِيهِ بِوَصْفِه
…
يفنى الزمانُ وفيه ما لم يُوصَفِ
(1) حديث صحيح، أخرجه أحمد 1/ 391 و452 وغيره، وصححه ابن حبان (972)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(2)
في (أ) و (ش): إلا، وهو خطأ.
وهذا آخر هذه الخاتمة المباركة، ختمت بها مسألة الأفعال التي هي المرتبة الخامسة من الكلام على الوهم الثامن والعشرين، وقد طال الكلام فيه طولاً خرق عوائد المتوسِّعين، وذلك على الحاجة الداعية إلى ذلك، فإن الغرض في ذلك إيضاح الحق على حسب استتاره (1)، وذلك لا يتقدَّر بميزانٍ ولا مكيالٍ، بل يقف على مقتضى الحال، والحمد لله الذي بلّغ أقصى المراد، ووفَّقَ للاقتصاد في الاعتقاد أحب الحمد إليه، وأرضاه لديه، والحمد لله حمداً كثيراً (2) طيباً مباركاً فيه.
وهذه الأسماء القرآنية:
هو الله الذي لا إله إلَاّ هو، الإله، إله الناس، الواحد، الأحد، الرحمن، الرحيم، ذو الرحمة الواسعة، الغني، ذو الرحمة، الغفور ذو الرحمة، الذي كتب على نفسه الرحمة، أرحم الراحمين، خير الراحمين، الواسعُ كل شيءٍ رحمةً وعلماً، الغافر، الغفور، الغفار، واسع المغفرة، أهل التقوى وأهل المغفرة، الذي يغفر الذنوب جميعاًً، ولا يغفر الذنوب إلَاّ هو، الحاكم، الحكم، الحكيم الأحكم، أحكم الحاكمين، خير الحاكمين، العالم، العليم، الأعلم، علام الغيوب، الواسع كل شيءٍ رحمة وعلماً، الرب البَرُّ، رب الفلق، رب الناس، رب كل شيءٍ، ربُّ العالمين، رب العزة، رب العرش العظيم، الواسع، المُوسِعُ، واسع المغفرة، واسع كلِّ شيءٍ رحمةً وعلماً، الملك، المليك، المالك، ملك الناس، الرازق، الرزاق، خير الرازقين، الخالق، الخلاق، أحسن الخالقين، الناصر، نعم النصير، خيرُ الناصرين، الحافظ، الحفيظ، خير الحافظين، القويُّ الأقوى، ذو القوة المتين، العليُّ، الأعلى، المتعالي، القادر، القدير، المقتدر، العزيز، الأعزُّ، رب العزة، الشاكر، الشكور، قابل التوب، التواب، القريب، الأقرب، الحي، القيوم، القائم على كل نفس، الفاعل، الفَعَّال لما يريد، الوارث، خير الوارثين، الكريم، الأكرم، فالق الإصباح، فالق الحبِّ والنوى، العظيم،
(1) في (ش): " استيساره " وهو خطأ.
(2)
من قوله " والحمد لله " إلى هنا سقط من (ش).
الأعظم، نعم المولى (1)، الشاهد، الشهيد، الكبير، الأكبر، القاهر، القهار، نعم القادر، نعم الماهِدُ، نعم الوكيل، الصمد، المتين، الخبير، المُبْرِمُ، الغني، الحميد، المجيد، الوهاب، الجامع، المحيط، الحسيب، المقيت الرقيب، كاشف الضر، الفاطر، المبتلي، اللطيف، الصادق، الحق، الودود، الحَفِيُّ، المستعان، الفتاح، نور السماوات والأزض، رفيع الدرجات، المنتقم، الزارع، الأول، الآخر، الظاهر الباطن، القدوس، السلام، المؤمن المهيمن، الجبار، المتكبر، البارىء، المصوِّر، مخرج الميت من الحي، جاعل الليل سكناً، خير الفاصلين، أسرع الحاسبين، خير المنزلين، المتِمُّ نوره، البالغ أمره، الغالب على أمره، ذو الطول، ذو المعارج، ذو الفضل العظيم، ذو العرش العظيم، ذو الجلال والإكرام، الذي لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وسِعَ كرسيُّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما، لم يكن له كُفُوَاً أحدٌ، ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار وهو يُدْرِك الأبصار، ليس بظلَاّمٍ للعبيد، لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يُبَدَّل القول لديه، ولا يُخْلِفُ الميعاد، الذي يُجيرُ ولا يُجَارُ عليه، ولا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذُّلِّ، له الحجة والحكمة، والمشيئة والنعمة والمِنَّة، والرحمة والرأفة، والملك والحمد، والخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير، الم، الم، المص، الر، الر، المر، الر، الر، كهيعص، طه، طسم، طس، طسم، الم، الم، الم، الم، يس والقرآن الحكيم، ص، حم، حم، حم، حم عسق، حم، حم، حم، حم، ق، ن.
زاد الترمذي (2) مما لم أجده بنصه في القرآن ثمانية وعشرين اسماً، وهي:
القابض، الباسط، المُعِزُّ، المذل، الخافض، الرافع، العدل، الجليل، المُحْصِي، المُبدىء، المعيد، المُحيي، المُميت، الواحد، الماجد، المقدم، المُؤَخِّر، الوالي، المُقْسِط، الغني، المُغني، المانع، الضار، النافع،
(1) في (ش): الولي نعم المولى.
(2)
(3507).
الهادي، الكافي، الرشيد، الصبور.
وليس في " البخاري "(1) منها إلا: المقدِّم المؤخِّر.
وزاد الحاكم في " المستدرك "(2): الحَنَّان، المنان، الكافي، الدائم، المولى، الجميل، الصادق، القديم، الوِتْرُ، المُدَبِّرُ، الشاكر، الرفيع. زادها على الترمذي.
وزاد عليه مما في القرآن: الإله، الرب، الفاطر، المليك، المالك، الأكرم.
وزاد ابن حزم مما في " الصحيح ": الوِتْرُ، السيد، السُّبُّوح، الدَّهرُ.
وزاد مما لم أعرف من خرَّجه: المحسن، المعطي، المُجِلُّ.
لكن تسميته سبحانه الدهر في الحديث محتملةٌ للمحاز، بل ظاهرة فيه، لتفسيره في متن الحديث أنه سبحانه مُقَلِّبُ الليل والنهار ومصرِّفُهُما (3).
وأما المشتقات من أفعاله سبحانه، فلا تحصى، وقد جمع بعضهم منها ألف اسمٍ: مثل: كاتب الرحمة على نفسه، المحمول، العادل، المعبود، المُحْكِم، المنعم، المحسن، متمُّ النعمة، المُطعم، المُقَدِّرُ، القاضي،
(1)(1120) و (6317). وانظر ابن حبان (2597) و (2599).
(2)
1/ 16.
(3)
تحرفت في (ش) إلى: " مشرفهما " وقال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في " الفتح " 10/ 566: زعم بعض من لا تحقيق له أن " الدهر " من أسماء الله، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا، أو فعله لما قبل الموت. وقد تمسك الجهلة من الدهرية بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، لأن الدهر عندهم حركات الفَلَك، وأمد العالم، ولا شيء عندهم ولا صانع سواها وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث:" أنا الدهر أقلب ليله ونهاره " فكيف يقلب الشيء نفسه، تعالى الله عن قولهم عُلُوّاً كبيراً.
المدَبِّر، المحق، الشافي، الباري، الماحي، المُثبّتُ، المريد، الكافي، العاصم، القاصم، المدافع، المُمْلِي، الآخِذُ، المجير، المُزَكِّي، الموفق، المُصَرِّف، المُمَكِّن، مقلب الليل والنهار، الصانع، الواقي، المتكلم، المريد، المرجُوُّ، المَخُوف، المَخَشْيُّ، المرهوب، السابق، الدَّيَّانُ، المستجار، المُستعاذ، المُعَاذُ، المُنجي، المُلجِىء.
ومن الممادح -وإن لم يكن مشتقاً- ما لا يُحصى، مثل: قديم الإحسان، دائم المعروف، المأمول، المُستَغَاثُ.
وينبغي أن يُدعى معها بحديث ابن مسعودٍ، في النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي ".
رواه أحمد في " المسند " وأبو عوانة في " صحيحه "(1).
فهذا أجمع شيءٍ علمته فيها، وإنما ذكرت أوائل السور المُقَطَّعَة، لأنه قد رُوِيَ أنها أسماءٌ، وإن لم تصح، فقصدت ذكرها للاحتياط والتَّبرُّك بها، وكذلك صفات النفي، لأنها في معنى الأسماء، والله سبحانه أعلم.
الوهم التاسع والعشرون: وَهْمُ المعترض أن مذهبهم الجميع القول بتكليف ما لا يطاق.
وليس كذلك، فلم يذهب إلى هذا إلَاّ القليل من متأخري أهل علم الكلام منهم، كالرازي والسبكي من غلاة علم الكلام، دون حَمَلَة العلم النبوي، الذين أصل كلامنا فيهم، وذبُّنا عنهم، ومن ذهب إلى هذا منهم لم يُرِدْ ما يُفْهَمُ من ظاهر العبارة فيما ظهر لي، ولم أر فيهم من بالغ في نُصرته من غير
(1) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه.
تأويلٍ إلَاّ الرازي في مقدمات " المحصول "(1) دون " النهاية "، لكنه تاب من ذلك وأمثاله، فلا يَحِلُّ نسبته إليه، سامحه الله تعالى.
وقد ردوا ذلك، وأنكروه عليه، وعلى من ذهب إليه في مُصنفاتهم المشهورة في بلاد الزيدية، مع قلَّةِ كتبهم فيها، مثل كتاب " مختصر " منتهى السُّول " في أصول الفقه "(2) لابن الحاجب، فإنه صرَّح فيه بردِّ هذا المذهب، وأورد الحجج على بطلانه، ولم يجزم بصحة روايته عن أحدٍ ممن يُعتمد عليه من أئمتهم، وإنما رواه بصيغة التمريض عن الأشعري، لأنه لم يَنُصَّ عليه الأشعري وإنما أخذوه له من قوله بخلق الأفعال، وعدم تأثير القدرة.
وقد بيَّنَّا في مسألة خلق الأفعال أن الأشعري يقول بأن التكليف متوجِّهٌ إلى العزم، والاختيار الذي هو عنده فعل العبد وأثر قدرته كقول الجاحظ وثُمَامَة بن أشرس من المعتزلة، وليس يتعلق التكليف عنده بالأفعال، فإنها عنده أثر قدرة الله تعالى، فبطل تخريج هذا القول له من هذا الوجه.
وتقدم هناك أيضاً بيان مقصد الأشعري في قوله: إنه لا ينقطع التكليفُ بفعلٍ حال حدوثه وإن لم يُرِدِ الطلب.
وقد قرَّر شُرَّاح " مختصر المنتهى " كلام ابن الحاجب في تزييف هذا القول، ولم يقولوا: إنه خرج فيه عن مذهبهم، ولا مال عن القوي المنصوص عندهم.
وكذلك يقول هو، يدل على أنه المنصوص المنصور في كتاب السيف الآمدي (3) أحد علماء الكلام منهم، لأن كتاب السيف الآمدي هو أصل كتاب
(1) انظر 2/ 363 - 399.
(2)
انظر ص 41 - 43.
(3)
في (ش): " للآمدي "، وهو خطأ. والسيف الآمدي: هو: العلامة المصنف سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي، تبحَّر في العلوم، وتفرّد بعلم المعقولات والمنطق والكلام، وقصده الطلاب من البلاد. توفي سنة 631. انظر ترجمته في " السير " 22/ 364.
ابن الحاجب، وليس في كتاب ابن الحاجب إلَاّ ما في كتاب السيف.
وهذا يدلُّ على أن المشهور المنصوص في كتبهم هو التَّنزُّهُ من هذا المذهب الرَّكيك، بل صرَّح السبكي في " جمع الجوامع " أن الآمدي منع من تجويز التكليف بالمحال لذاته، وحكى عن جلة أئمتهم المنع من تكليف المحالِ على اختلاف تفصيل مذاهبهم، منهم: الشيخ أبو حامدٍ الإسفراييني، والمسمى عندهم بالحجة الغزالي، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني، والسيف الآمدي، وخاتمة محقِّقيهم الشيخ تقيُّ الدين، الشهير بابن دقيق العيد صاحب كتاب " الإمام "(1) كل هؤلاء حكى ذلك عنهم صاحبهم المخالف لهم أبو نصرٍ السُّبكيُّ في مقدمة كتابه " جمع الجوامع ".
وكذلك الجويني صرَّح في كتابه " البرهان " في أصول الفقه ببطلان هذا المذهب، وكتاب الجويني موجود في بلاد الزيدية أيضاً.
قال الجويني في " البرهان "(2) ما لفظه: فإن قيل: فما الصحيح من تكليف ما لا يُطاق؟
قلنا: إن أُريد بالتكليف طلبُ الفعل وهو مما لا يطاق فذلك محالٌ (3) من العالم باستحالة وقوع المطلوب.
وإن أريد به وقوع (4) الصيغة، وليس المراد بها طلباً كقوله:{كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] فهذا غير ممتنع، فإن المراد بذلك: كوّنَّاهُم (5) قردة خاسئين، فكانوا كما أردناهم. إلى آخر ما ذكره في الرد على من قال بذلك.
(1) وهو كتاب كبير، تضمن الأحكام، واشتمل على الفوائد النقلية، والقواعد العقلية، والنكت الخلافية، والمباحث المنطقية، والعلوم اللغوية والنحوية والحديثية، والكتاب لم يتم، لكنه أكمل تسويده، وبيَّض منه قطعة، ولو كمل تصنيفه وتبييضه، لجاء في خمسة عشر مجلداً. انظر " تذكرة الحفاظ " 4/ 1482.
(2)
1/ 104.
(3)
في " البرهان ": فهو فيما لا يطاق محال.
(4)
في " البرهان ": ورود.
(5)
في (ش): " كوّنّا ".
وهذا (1) الوجه الذي ذكره، وهو ورودُ صيغة الأمر من غير طلب الفعل المحال هو الذي أراد من جوَّز تكليف ما لا يطاق منهم، ولم يريدوا أن الله تعالى يريد به تنجيز وقوع ما لا يطاق في الخارج من العباد، وقواعد مذهبهم تمنع إرادة المحال، وذلك أنهم يعتقدون أن مرادات الله تعالى واقعة قطعاً، فلا يصح أن يريد المحال، لأن المحال لا يقع عندهم، ولأن الإرادة عندهم لا يصح تعلُّقُها بالمحال، بل لا تعلق من الممكن إلَاّ بالمتجدد كما مضى.
ولكن المعتزلة لما كان مذهبهم أن الأمر والإرادة متلازمان، ربما تَوَهَّمَ ذلك في خصومهم من ليس له تحقيق منهم في هذه المسألة.
وعند الأشعرية أن الأمر غير متلازم للإرادة، وقد تقدم تحقيقُ مذهبهم في ذلك في الكلام على الإرادة في مسألة الأفعال كما ذكر الشهرستاني، وقد وَضَحَ أنهم أرادوا تكليف ما لا يطاق ما لا إرادة فيه لتنجيز وقوع المحال، وهذا القدرُ هو القبيح عقلاً عند خصومهم، ولكن ادَّعَوْا في أحكامٍ مخصوصةٍ لا إرادة فيها لذلك أنها تُسَمَّى تكليفاً وذلك في صورٍ:
الأُولى: الحالة التي يُسمى العبد فيها عاصياً ومطيعاً ومعاقباً ومُثاباً، وإن لم يتمكن من الانفكاك عن الفعل بسبب اختياره وتورطه لأجله فيما لا حيلة له فيه، كالرامي لغيره إلى النار يَنْدَمُ ويتوب قبل وقوع المرمي فيها (2)، ومثل من تَوَسَّطَ أرضاً مغصوبةً متعمداً، فإنه بخروجه عاصٍ، لا على أنه منهيٌّ عن الخروج كما تقدَّم تحقيقه في الفصل الذي ختمت به مسألة الأفعال، فإنه مذهب أبي هاشم ومذهب غيره من المعتزلة ومن غيرهم.
ومن هنا نُسِبَ تكليف ما لا يطاق إلى الأشعري، وهو منه بريءٌ، لكنه لما اعتقد أن اختيار المكلف لفعله يكون سبباً لخلق الله لفعله، اعتقد أن الأفعالَ المخلوقة مسببات لاختيار العبد، وأنه وإن لم يكن فيها مختاراً، فقد فعل سببها، فوقع باختياره أول الأمر فيما لا خيار له فيه، فهو معاقب أو مثابٌ على
(1) في (ش): " ومن ".
(2)
في (ش): " به فيها ".
ما ليس له فيه اختيار، لوقوعه فيه باختياره، وهذا معنى قول الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعلٍ حال حدوثه، أي لا ينقطع اللوم والعقاب، ولم يُرِدْ: لا ينقطع طلب التنجيز، وهذا المذهب شائع في المعتزلة والقائل به منهم أكثر، وجمهور أهل السنة على رده.
الصورة الثانية: حكاها الغزالي في كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد "(1) فقال: فإن قيل: فهو ما لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه عبث، والعبث على الله محال.
قلنا: هذه ثلاث دعاوى:
الأولى: أنه لا فائدة فيه، ولا نُسَلِّمُ، فلعل فيه فائدةً للعباد اطلع الله عليها، فليس الفائدة الامتثال والثواب عليه، بل ربما يكون في إظهار الأمر، وما يتبعه من اعتقاد التكليف فائدة، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم بذبح ولده ثم نسخ قبل الامتثال. إلى آخر ما ذكره.
وهذه المسألة التي احتج بها، وهي النسخ قبل التمكن مسألة خلاف بينهم وبين المعتزلة أيضاً، والإمام المنصور بالله يقول فيها بقولهم، والجويني يقول فيه بقول المعتزلة.
وقد ظهر أن من جوَّز منهم تكليف ما لا يطاق، وهي فرقة شاذة، فما أرادوا نسبة قبيح إلى الله في إرادة تنجيز وجود المحال وترتيب وقوع العقوبة عليه كما في التكليف بالممكن. فهذا نوع من التكليف خاص له أحكام تخصه عند هذه الفرقة الشاذة نازل منزلة قوله:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 42 - 43].
وآخرها دليلٌ على الفرق بين الدعاء الذي ليس معه استطاعة وبين الدعاء في الدنيا، وهي حجةٌ لهم في تجويز مثل ذلك، مجرد تجويز على جهة
(1) ص 113.
تخصيص العام بالنادر ولمخالفتهم في أن تكليف هذه الدار مع القدرة.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " من تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أن يَعْقِدَ بين شَعِيرَتَيْنِ "(1).
خرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي من حديث ابن عباس (2).
وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" مَنْ كَذَبَ في حُلُمِهِ كُلِّفَ عقد شعيرةٍ "(3).
وفي أحاديث المصورين أنه يقال لهم يوم القيامة: " أحْيُوا ما خلقتم ".
وهي صحاح مشاهير (4)، ترجم النسائي لها: ذكر ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة (5)، وساقها.
لا يقال: هذه كلها في دار الآخرة، وليس فيها تكليفٌ وإنما كلامنا في دار التكليف، لأنهم يقولون: عِلَّةُ المنع عندكم ليس شيئاً يرجع إلى الدار إنما هو حُكْمٌ بأن العقل يُقَبِّحُ ذلك، وأنه ظلم مع ترتب العقاب عليه، وعَبَثٌ مع خلاف ذلك، فالآخرة، وإن لم تكن دار تكليف، فليست عندكم دار ظلمٍ ولا يحسن فيها قبيحٌ عقلي.
والأوامر التي لا يراد بها تنجيز التكليف ولا معنى الطلب كثيرةٌ نحو قوله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، و {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسراء: 50 - 51]، وقوله:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وقوله:{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]، وقوله:{مُوتُوا} [البقرة: 243] فماتوا، وقوله:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11].
(1) في (ش): " شعرتين "، وهو تحريف.
(2)
تقدم تخريجه 5/ 293.
(3)
تقدم تخريجه 5/ 293.
(4)
انظر تخريجها 5/ 293.
(5)
" سنن النسائي " 8/ 215.
وهو بابٌ واسع ومعانيه مختلفة، ولكن تسميته تكليفاً بدعة خارجة عن اللغة والعرف.
قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وفي آية:{إلَاّ ما آتَاهَا} [الطلاق: 7] وهذا وعد صادق صدر على جهة التمدح، ومعناه واضح ولا يُعارِضُه ما يُقاربه في القوة والوضوح، والحق رَدُّ المحتملات إلى الواضحات (1) لا العكس.
ومن أين للسني أن الله يرضى بقول القائل: إن تكليف المحال جائزٌ عليه، وهو يقول ما قدمنا، بل يقول:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وأما قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284]، فهي عامة فيما يطاق من ذلك مع المشقة والحرج، وما لا يطاق البتة، والعموم يجوز تخصيصه مع أنه لم يطلب منهم أن يقع في أنفسهم شيءٌ من ذلك، وإنما أخبر أنه يُحاسبهم عليه، فَيُعَذِّبُ من يشاء، ولعله إنما كان معذباً -لو تم ذلك- بما يطاق من ذلك، بل قد تبين أنه كذلك، بل صح في حديث عائشة أن الحساب للمؤمنين هو العرض (2).
وكذلك صح في حديث ابن عمر المعروف بحديث النجوى (3).
(1) عبارة: " المحتملات إلى الواضحات " بياض في (ش).
(2)
انظر 5/ 274 ت (5).
(3)
أخرج أحمد 2/ 74 و105، والبخاري (2441) و (4685) و (6070) و (7514)، ومسلم (2768) من طريق صفوان بن محرز المازني، قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخِذٌ بيده، إذ عَرَضَ رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، =
وأما قولهم: " كلّفنا ما لا نُطِيق "(1)، فقد يورد ذلك فيما يَشُقُّ (2) ويصعُبُ كثيراً، ولعله قول بعضهم، ولا حجة فيه مع أنه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، وفي توثيقه وتضعيفه خلافٌ كثير، ولذلك لم يُخَرِّجْ له البخاري شيئاً ولا أخرج هذا الحديث، ولعل مسلماً إنما أخرجه لموافقته لحديث ابن عباس بنحوه، لكنه لم يذكر قولهم:" لا نطيق " بل قال: إنه دخل في قلوبهم منها شيء، لم يذكر في قلوبهم من شيء.
وكذلك لفظ النسخ لم يذكره ابن عباسٍ في حديثه عند مسلم، فلفظ ابن عباس علي ما ذكرته، وأن آخر الآية مفسرٌ لأولها لا ناسخ، والله سبحانه أعلم.
وأما التحميل في قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] فليس بتكليفٍ إنما هو مثل إنزال الأمراض والبلاوي العظيمة.
وما خالف هذه القاعدة المنصوصة في محكم كتاب الله تعالى على وفق الحكمة المعقولة من الأوامر ما لا يُطاق فليست للطلب والتنجيز، ولها معان لطيفة يعرفها أئمة المعاني والبيان، فلتطلب من مَظَانِّها.
إذا عرفت هذا فاعلم أن من قال: ليس بتكليفٍ، كما هو الحق، فسره بما قدمنا عن الجويني، ومن قال: إنه تكليف، لم يُخالف في الحقيقة إلَاّ في معنى التكليف كما قال الغزالي فزعم أن إيراد صيغة الأمر في خطاب من يفهم يسمى تكليفاً وإن لم يُرِدْ به حصول الامتثال، والفائدة فيه عنده اعتقاد أنه مكلف، ومعنى كونه مكلفاً به كونه مخاطباً به، والعقوبة فيه على زعمه على ترك هذا الاعتقاد، لا على الامتثال.
= وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين". وصححه ابن حبان (7355) و (7356) وانظر تمام تخريجه فيه.
(1)
انظر تمام الحديث وتخريجه 5/ 183 و184.
(2)
في (أ): " فيما لا يشق ".
الصورة الثالثة: ما تقدم عن الفرقة الأُولى أنهم جزموا في مسألة الأفعالِ أن مقدورات العباد كلها غير مقدورة لهم وحدهم إلَاّ بإعانة الله تعالى، فهي بالنسبة إلى عدم إعانته غير مطاقة، وبالنسبة إلى إعانته مطاقة، على ما تقدم تحقيقه في مسألة مقدور بين قادرين، وأن شرط التكليف عندهم أنه يخلقها الله حين يختارونها حتى يمكنهم أن يفعلوها حين خلقها الله أن يؤثروا فيها مع الله تعالى أثراً ما تقوم به الحجة عليهم.
والتأثير في الوجوه والاعتبارات فرعٌ على خلق الذوات، ولكن لا (1) يلزم من ذهب إلى تكليف ما لا يطاق بهذا أن يكون التكليف كله تكليف ما لا يُطاق، كما ألزمه ابن الحاجب وغيره من احتج على نفي الاختيار. وقد قال ابن الحاجب: إن ذلك خلاف الإجماع، فإن أراد بالتكليف الطلب لتنجيز الوقوع، والفعل محال، فالإجماع على بطلان ذلك صحيحٌ، وإن أراد طلب التنجيز للمحال عند إمكانه واستجماع شرائطه، فالخلاف مشهور، وهو خلاف في العبارة مثل خلاف أبي القاسم البلخي في نفي المباح وأمثال ذلك.
الصورة الرابعة: وجوب الأرش على السكران في جناياته، وتنفيذ طلاقه، ونحو ذلك.
منهم من سمى ذلك تكليفاً لم يرد بالتكليف أن الله تعالى أراد منه أن يفهم حال سكره، فنسب إليهم تجويز تكليف من لم يفهم، وتجويز ما لا يطاق وإرادة ذلك.
فأما الإرادة فغلط واضح عليهم (2) وخطأ فاحش، وأما ما سموه تكليفاً من غير إرادة، فغير معلوم القبح، ولا مستلزم للمحال، ولكن هي لجاجٌ في بِدَعٍ أدى إليها بعض القواعد الكلامية، كما أدى خصومهم المعتزلة إلى مثل ذلك في مسألة المشيئة وغيرها.
(1)" لا " سقطت من (ش) و (ف).
(2)
" عليهم " سقطت من (ش).
إذا تقرر هذا، فاعلم أن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق غَلَطٌ في العبارة لا يخرُجُ صاحبه من الإسلام، فليس كل ما ظهر فيه الرِّكَّة من البدع، فقد كفر صاحبه، نسأل الله العافية من كل بدعة، والخروج من كل شبهة.
وقد ذكرت غير مرة أن في كل فرقة طوائف شاذةً تقول بمنكراتٍ من البدع، فمن أضاف بدعهم إلى عموم الفرقة التي شَذُّوا منها، فقد أساء، وتَنَزَّل منزلة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وفي " الصحيح ":" لا يؤمن أحدُكُم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه "(1)، والله تعالى يقول:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15].
وفي أهل السنة أيضاً من يَغْلَطُ، فَيَنْسِبُ إلى الزيدية مذاهب الإسماعيلية، والمطرفية، والحسنية (2)، ونحو ذلك فالله المستعان.
والذي يُرجى لمن قال ذلك من أهل الإسلام أنه بالغ في التعظيم، فأساء العبارة، ومراده أن الله لو صدر عنه مثل ذلك، لوجب القطع بأن له فيه حكمةً تخرجه عن الظلم والعبث، لا أن ذلك جائزٌ، لكن على نحو قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] على قول.
ونحو ما تقدم في الحديث الثاني والسبعين في أحاديث الأقدار: " لو أن الله عذب أهل السماوات والأرض عذبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم "(3).
وقوله: {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17].
(1) رواه من حديث أنس أحمد 3/ 176 و272، والبخاري (13)، ومسلم (45)، وابن ماجه (66)، والترمذي (2515)، والدارمي 2/ 307، وابن حبان (234) و (235)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(2)
في (ف): الحسينية.
(3)
انظر 6/ 471.
وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].
فمن قال: إن هذه الأمور جائزة على الله مع ما فيها من تجويز تعذيب ملائكة الله ورسله ونحو ذلك، فهو مبطل حقاً، وإنما وردت مَوْرِدَ التعظيم بذكر ما لا يقطع قطعاً أنه لو وقع كيف كان الحكم والأدب أن يقال: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لَفَسَدَتَا، والله سبحانه أعلم.
الوهم الثلاثون: وهم المعترض أنهم يخالفون في القدر الضروري من القول بجواز التعذيب بغير ذنبٍ أو الإيلام لغير حِكمةٍ، وليس كذلك، فإن الأكثرين والمحققين لا يجوِّزُون ذلك.
وقد قدَّمْتُ غير مرةٍ أنه لا يلزم الطائفة العظيمة ما شذَّ به بعضُ غُلاتِهم، وإلَاّ دخلت الشناعة على كل فِرقةٍ، ولم تختصَّ بأهل السنة والأشعرية، ولنتكلم في هذه الجملة خصوصاً وعموماً.
أمَّا الخصوص، ففي مسألتين:
المسألة الأُولى: الكلام في الأطفال.
واعلم أن المعتزلة والشيعة ينسِبُون إليهم القول بأن أطفال المشركين في النار بذنوب آبائهم، هكذا من غير استثناءٍ، وهذا تقصيرٌ كبيرٌ في معرفة مذاهبهم، ولهم في المسألة أقوال:
قال ابنُ عبد البرِّ في " تمهيده " وقد روى حديث الصَّعب بن جَثَّامَة الذي خرَّجه أبو داود (1)، وفيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدار من المشركين يُبَيَّتُون فيصابُ (2) من ذراريهم ونسائهم، فقال:" هم منهم ".
(1) برقم (2672)، ورواه أيضاً أحمد 4/ 37، والبخاري (3012)، ومسلم (1745)، والترمذي (1570)، وابن ماجه (2839)، وابن حبان (136)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(2)
" فيصاب ": ساقطة من (أ).
قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: وقولهم: هم من آبائهم، فمعناه: حكمُ آبائهم لا دية فيهم ولا كفارة، ولا إثم لمن لم يقصد قتلهم، وأما أحكامهم في الآخرة، فليس من هذا الباب في شيءٍ، وقد تقدم القول فيهم. انتهى.
وهذا إشارةٌ إلى أقوالهم فيها، ولهم فيها أقوالٌ:
القول الأول: أنهم في الجَنَّةِ.
قال النواوي في شرح " مسلم "(1): إن هذا قول المحقِّقين منهم. هكذا وصف القائلين منهم بهذا بالتحقيق، واختاره لنفسه واحتجَّ عليه، وكذلك إمام الشافعية في عصره العلامة علي بن عبد الكافي الشهير بالسبكي، اختار ذلك، واحتج عليه.
فمما احتج به النواوي على ذلك بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
واحتج أيضاً بما رواه البخاري في " صحيحه "(2) عن سَمُرَةَ في حديثٍ طويل، وفيه ذكر رؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيها ما لفظه:" والشيخ في أصل الشجرة، والصِّبيان حوله أولاد الناس ". قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال:" وأولاد المشركين ". انتهى.
والمرادُ بالشيخ: إبراهيم عليه السلام، والشجرة: شجرةٌ في الجنة، وسؤالهم هذا وجوابه عليهم كان في اليَقَظَة، ولو لم يكن في اليقظة، لكانت الرؤيا وحدها حُجَّةً صحيحةً، لما في سِياقها من الدِّلالة، لأنها رؤيا حقٍّ، ولأن رؤيا الأنبياء صلواتُ الله عليهم حقٌّ، وخصوصاً نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه قد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" تنامُ عيناي ولا ينامُ قلبي "(3).
(1) 16/ 208.
(2)
(7047)، ورواه أيضاً النسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " 4/ 82.
(3)
تقدم تخريجه 1/ 175 - 176.
قال السبكي في كتابه في الأطفال (1): ووردت أحاديث أُخَرُ مصرِّحةٌ بأنهم في الجنة، لكن في أسانيدها ضعفٌ.
قال السبكي: وفي حديث " البخاري " كفايةٌ مع ظاهر القرآن، وفي حديثٍ آخر " أولاد المشركين خدمُ أهل الجنة ". انتهى.
قلت: أما الأحاديث الضِّعاف، فإنها باجتماعها تقوى، لأنهم لا يُطلقون الضعيف إلَاّ على من في حفظه شيءٌ ليس بالفاحش، وليس بكذَّابٍ متعمِّدٍ، ولا فاسقٍ مصرِّحٍ، كما ذلك معروفٌ في علوم الحديث، ومن هو على هذه الصفة، فأكثرهم، بل كلهم مقبولون عند الأصوليين وكثير من الفقهاء وإن انفردوا، وحديثهم إذا تنوَّعت طرقه يقوى عند المحدثين، وربَّما صحَّ.
وأما الحديث الذي أشار إليه السُّبكي، فقال ابن قيم الجوزية في الباب الثاني والخمسين في كتابه " حادي الأرواح " (2): رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازمٍ المدينيِّ، عن يزيد الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم:" سألتُ ربي اللَاّهين مِنْ ذُرِّيَّة البشر أن لا يُعَذِّبَهُم، فأعطانيهم، فهم خدمُ أهل الجنة " يعني: الأطفال.
قلت: وتأويله على مذهب كثير من أهل السنة ومذهب المعتزلة أن لا يكلِّفَهم فيعصوا، أو أن لا يعذِّبَهم على أحد الوُجوه التي يصح منها تعذيبهم عند الجميع، كما سيأتي شرحه.
ثم قال الدارقطني: ورواه عبد العزيز الماجِشُون، عن ابن المنكدر، عن
(1) هو رسالة ضمن مجموع " فتاواه " 2/ 360 - 365. وهذا النص في 2/ 362.
(2)
ص 148، والحديث وإن كان ضعيفاً بهذا الإسناد لضعف يزيد الرقاشي، حسن بطرقه التى سترد عند المصنف. أبو حازم المديني: هو سلمة بن دينار. وأورده الحافظ في " الفتح " 3/ 290، ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: إسناده حسن!
واللاهون: قيل: هم البُلْه المغفَّلون، وقيل: الذين لم يتعمدوا الذنوب، وإنما فرط منهم سهواً ونسياناً، وقيل: هم الأطفال الذين لم يقترفوا ذنباً. قاله ابن الأثير في " النهاية ".
يزيد الرَّقاشيِّ به (1).
ورواه فضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس (2).
قلت: فمداره على يزيد الرقاشي الرجل الصالح، ولم يُقدَح فيه إلَاّ بسوءِ الحفظ، ولم يكن فاحشاً في ذلك، فقد قال الحافظ ابن عدي (3): أرجو أنه لا بأس به، وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (4): قال فيه ابن معين: رجل صدوق، ووثَّقه ابن عدِيٍّ، وقد تابعه وشهد له عبد الرحمن بن إسحاق، وهو أيضاً وإن كان قد ضعَّفه بعضهم، فقد قال ابن خزيمة، والنسائي مع تشدُّده في الرجال: ليس به بأسٌ، وقال البخاري مع تشدده أيضاً: إنه ممن يُحْتَمَلُ في بعض (5).
وروى أبو يعلى مثل ذلك عن أنسٍ مرفوعاً من طُرُقٍ، ورجال أحدها ثقات، قاله (6) الهيثمي (7) في " مجمعه "(8).
(1) إسناده ضعيف كسابقه لضعف يزيد الرقاشي، وأخرجه أبو يعلى (4101) عن أبي خيثمة، حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز الماجشون، به.
ورواه أبو يعلى (3636)، وعنه ابن عدي في " الكامل " 5/ 1800 عن عمرو بن مالك، عن فُضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن محمد بن المنكدر، عن أنس. وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن مالك الراسبي البصري.
(2)
أخرجه أبو يعلى (3570) عن عبد الرحمن بن المتوكل البصري، وابن عدي في " الكامل " 4/ 1610 عن عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن عبد الرحمن بن المتوكل، عن فضيل بن سليمان به.
وعبد الرحمن بن المتوكل ذكره ابن حبان في " الثقات " 8/ 379، وقال: يروي عن الفضيل بن سليمان، حدثنا عنه أبو خليفة، مات بعد سنة ثلاثين ومئتين بقليل، ووثقه الهيثمي في " المجمع " 7/ 219.
(3)
في " الكامل " 7/ 2713.
(4)
7/ 219.
(5)
انظر " ميزان الاعتدال " 2/ 547.
(6)
في (أ): " قال "، وهو خطأ.
(7)
من قوله: " مثل ذلك " إلى هنا سقط (ش).
(8)
7/ 219.
وقال السيد أبو طالب في " أماليه ": أخبرنا أبو عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا علي بن إسماعيل بن حمادٍ البزَّار، حدثنا عمرو بن عدي، حدثنا عيسى بن شُعيبٍ، حدثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن أبي رجاءٍ، عن سَمُرَة أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن أطفال المشركين، فقال:" هم خدم أهل الجنة ".
وروى حديث سمرة هذا الطبراني في المعجمين " الكبير " و" الأوسط "، كلهم من طريق عبَّاد بن منصورٍ، وثقه يحيى القطان، وفيه ضعفٌ، قال الهيثمي (1): وبقية رجال الطبراني والبزَّار ثقات (2).
وعن أنس مرفوعاً مثله. رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في " المعجم الأوسط "، إلَاّ أنهما قالا: أطفال المشركين. وفي إسناد أبي يعلى: يزيد الرَّقاشي (3).
وعن الأسود بن سريعٍ، قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال:" النبيُّ في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة "، رواه الطبراني (4)، وفيه جماعةٌ وثَّقهم ابن حِبّان، وضعَّفهم غيره، وبقيتهم رجال الصحيح.
وعن ابن عباسٍ مرفوعاً مثله، وزاد:" والموؤودة في الجنة ". رواه البزار (5)
(1) في " المجمع " 7/ 219.
(2)
رواه البزار (2172)، والطبراني في " الكبير "(6993).
(3)
أبو يعلى (4090)، ورواه أيضاً الطيالسي (2111)، وأبو نعيم في " الحلية " 6/ 308 من طريق يزيد الرقاشي عن أنس.
ورواه البزار (2170) من طريق مبارك بن فضالة عن علي بن زيد، عن أنس مرفوعاً، ومبارك مدلس، وقد عنعن، وعلي بن زيد، وهو ابن جدعان، ضعيف.
ثم رواه البزار (2172) من طريق مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس قوله.
(4)
" المعجم الكبير "(838)، ورواه أيضاً البيهقي في " السنن الكبرى " 6/ 203.
وقوله: " وفيه جماعة
…
" نقله المصنف عن الهيثمي في " المجمع " 7/ 219.
(5)
(2168) وأخرجه أحمد 5/ 58 و409 من طريق حسناء بنت معاوية عن عمها، =
ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن معاوية بن مالجٍ (1)، وهو ثقةٌ.
وعن أنس مرفوعاً: " المولود في الجنة، والموؤودة "، رواه البزار (2) وفيه مختار بن مختارٍ، تكلَّم فيه الأزدي وفيه ابن (3) إسحاق أيضاً، وبقيتهم ثقات.
ذكر ذلك الهيثمي (4)، ثم قال: وتقدمت أحاديث من هذا النحو في النكاح، وفي حق الزوج، وطاعة المرأة لزوجها.
ثم روى حديث: " كل مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ " من طريق جابر بن عبد الله.
رواه أحمد (5)، وفيه أبو جعفر الرازي، وبقيتهم ثقاتٌ.
وعن سَمُرَة، رواه البزار (6)، وفيه عبَّاد بن منصور المقدم.
وعن ابن عباس، رواه البزار أيضاً (7). قال الهيثمي (8): وفيه من لم أعرفه.
والحديث متفق على صحته (9) من غير هذه الطرق، وإنما ذكرتها شواهد للصحيح، فهذه الأسانيد يشدُّ كلٌّ منها الآخر، وأظنها الأحاديث التي أشار إليها السبكي، وهي مع حديث البخاري عن سَمُرَةَ وظواهر القرآن، وما تواتر وشَهِدَتْ به فِطَرُ العقول من سعة رحمة الله تعالى، تزداد قوة، والله سبحانه أعلم.
= قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة والمولود في الجنة والموؤودة في الجنة " وحسن إسناده الحافظ في " الفتح ".
(1)
تحرف في الأصلين إلى: " صالح ".
(2)
(2169)، ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن.
(3)
تحرف في (أ) إلى: " أبي ".
(4)
في " مجمع الزوائد " 7/ 219.
(5)
" المسند " 3/ 353، وأبو جعفر الرازي: هو عيسى بن أبي عيسى، وهو سيىء الحفظ.
(6)
برقم (2166).
(7)
(2167).
(8)
" المجمع " 7/ 218.
(9)
وقد تقدم تخريجه من حديث أبي هريرة 3/ 287.
وأما الأحاديث الواردة بأنهم في النار بالتصريح، فقد أجابوا عنها بأنها كلها ضعيفةٌ، ممن قال بضعفها على الإطلاق، ولم يستثن شيئاً: الحافظ ابن الجوزي. ذكره في " جامع المسانيد " بعد رواية الحديث السادس والثمانين من مسند الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد روى حديث خديجة رضي الله. عنها في السؤال عن ولديها من طريق محمد بن عثمان، ثم قال: محمد بن عثمان لا يُقبل حديثه، قال: ولا يصح في تعذيب الأطفال حديثٌ. قال ابن حِبَّان: لا يجوز الاحتجاج بمحمد بن عثمان بحالٍ. انتهى كلام ابن الجوزي.
وكذلك الهيثمي أورد الحديث، ثم قال (1): رواه عبد الله بن أحمد، وفيه محمد بن عثمان، ثم رواه عن خديجة من طريق فيها انقطاع (2).
ثم روى في معناه حديثاً مرفوعاً بنحوه عن عائشة رضي الله عنها رواه أحمد، وفيه أبو عقيلٍ يحيى بن المتوكِّل، ضعَّفه جمهور الأئمة ويحيى بن معين، وفي متنه:" لو شِئْتِ لأسْمَعْتُكِ تَضاغيهم في النار "(3).
وأما السبكي، فقال: كلها ضعيفةٌ إلَاّ حديث سلمة بن يزيد الجُعفيِّ (4)،
(1) 7/ 217. والحديث في " المسند " 1/ 134 - 135، ومحمد بن عثمان: قال فيه الذهبي في " الميزان " 3/ 642: لا يدرى من هو، وله خبر منكر، ثم ساق له هذا الحديث من رواية عبد الله بن أحمد.
(2)
رواه الطبراني 23/ (27) من طريق عبد الله بن الحارث، وأبو يعلى 328/ 1 من طريق عبد الله بن نوفل أو عبد الله بن بريدة، عن خديجة. قال الهيثمي: عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن بريدة لم يدركا خديجة.
(3)
المسند 6/ 208، قال الحافظ في " الفتح " 3/ 290: وهو حديث ضعيف جداً، لأن في إسناده أبا عقيل يحيى بن المتوكل مولى بهية وهو متروك.
والتضاغي: الصياح والضجيج والبكاء.
(4)
رواه أحمد 3/ 478، والبخاري في " التاريخ الكبير " 4/ 72 و73، والطبراني في " الكبير "(6319) و (6320)، والنسائي في التفسير من " السنن الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " 4/ 55، وأبو داود في كتاب " القدر " كما في " تهذيب الكلمال " 11/ 331، والمزي =
فإنه صحيح الإسناد، لكنه غيرُ عامٍّ، وإنما هو نصٌّ في موؤودة بعينها، فاحتمل التأويل، وذلك أن سياق الحديث أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أختٍ لهم موؤودةٍ في الجاهلية لم تبلغِ الحِنْثَ، فقال:" إنها في النار ".
= في " تهذيب الكمال " 11/ 330 و331 من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلنا يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل وتفعل هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: لا. قال: قلنا: فإنها كانت وأدت أختاً لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال:" الوائدة والموؤودة في النار إلَاّ أن تدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها " وعلقه البخاري عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.
وأخرجه البخاري في " تاريخه " وأبو داود في " سننه "(4717) عن إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي زائدة، قال: حدثني أبي، عن عامر الشعبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الوائدة والموؤودة في النار " قال يحيى بن زكريا، قال أبي: فحدثني أبو إسحاق أن عامراً حدثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: الرواية الأولى معضلة، والرواية الثانية وإن كانت متصلة إلَاّ أن زكريا بن أبي زائدة قد سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط.
وأخرجه ابن حبان (7480) من طريق ابن أبي زائدة بهذا الإسناد.
قلت: يترجح عندي نكارة هذا المتن وبطلانه لمخالفته للأحاديث الصحيحه، ولقوله تعالى:{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} فإذا كان الله سبحانه وتعالى يسأل الوائدة عن وأد ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأدها، فكيف يعذب الموؤودة بغير ذنب.
وقال الآلوسي في " روح المعاني " 30/ 53: وتوجيه السؤال إلى الموؤودة في قوله تعالى: {سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} دون الوائد مع أن الذنب له دونها لتسليتها وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته، فإن المجني عليه إذا سئل بمحضر الجاني، ونسبت إليه الجناية دون الجاني، كان ذلك بعثاً للجاني على التفكر في حال نفسه وحال المجني عليه، فيرى براءة ساحته، وأنه هو المستحق للعقاب والقصاص، وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض كما في قوله تعالى:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} .
فإن كان لهذا الحديث علَّةٌ، لم يحتج إلى جوابٍ آخر، وقد قيل: لعله صلى الله عليه وسلم اطلع على أن سِنَّ تلك الموؤودة بلغت التكليف، ولم يلتفت إلى قول السائل: لم تبلُغِ الحنثَ، لجهله بوقت البلوغ الشرعي، أو يكون التكليف في ذلك الوقت منوطاً بالتمييز، والسائل يجهله، وليس كون التكليف في ذلك الوقت منوطاً بالتمييز في ذلك الوقت من الأمور المحتاج إلى معرفتها حتَّى يبيِّنَه للسائل.
وهذا الجواب مثل جواب المعتزلة في تأويلهم الأطفال بمن قد بلغ، لكنه أقوى، لاختصاصه بشخصٍ معيَّنٍ، وقد بالغت بالبحث عن صحة هذا الحديث حتى وجدت ما يمنع القطع بصحته، فسقط الاحتجاج به ولله الحمد.
وذلك ما ذكره ابن الجوزي في مسند سلمة بن يزيد من " جامع المسانيد "، فإنه قال بعد رواية الحديث هذا: إن محمد بن سعد ذكر في " الطبقات "(1) أنَّ سلمة بن يزيد هذا الرَّاوي ارتدَّ عن إسلامه هو وأخوه لأُمِّه قيس بن سلمة بن شراحيل، وهما ابنا مُليكَةَ بنت الحلوى، قال ابن الجوزي: فظاهرُ هذا كفرهما، ثم قال: وظاهر ما روينا أنهما عادا إلى الدين، ورويا الحديث.
قلت: الحديث ما رواه إلَاّ سلمة، وما علمت لأخيه روايةً أصلاً، وقوله: إنَّ الطاهر رجوعهما عن الرِّدَّة، واستدلاله على ذلك بمجرد رواية الحديث عن سلمة من غير نقلٍ صحيحٍ، بل ولا ضعيفٍ، لا يفيد شيئاً، ومثل هذا لا يثبت معه حديثٌ، مع أن في إسناده داود بن أبي هندٍ، وقد تجنَّب البخاري إخراج حديثه في " الصحيح " قال الذهبي (2): داود حجة، ما أدري لِمَ لم يخرج له البخاري!
(1) 1/ 324 عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه وأبي بكر بن قيس الجعفي
…
وهذا خبر شبه موضوع، هشام بن محمد بن السائب قال الدارقطني وغيره متروك، وقال يحيى بن معين: غير ثقة، وليس عن مثله يروى الحديث، وأبوه محمد بن السائب متهم بالكذب كما في " التقريب ".
(2)
في " ميزان الاعتدال " 2/ 11. قلت: داود بن أبي هند وثقه سفيان الثوري وأحمد =
فثبت أنه ليس في تعذيب الأطفال حديثٌ صحيحٌ صريحٌ.
وذكر السبكي أن سائر الأحاديث ضعيفةٌ، حتى حديث عائشة الذي خرجه مسلمٌ في " الصحيح "(1)، وفي متنه " عُصفُورٌ من عصافير الجنة "، وقد قدحوا على مسلمٍ لتخريجه، ممن قدح بذلك القرطبي في " تفسيره " وغيره.
وبالجملة، فإن مسلماً وغيره ممن روى الحديث خرَّجوه من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميِّ الكوفيِّ، وهو متكلَّمٌ عليه كثيراً، ولم يُتابِعْهُ على الحديث غيره (2). وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، وقال يحيى القطان، والنسائي، وابن معين في رواية: ليس بالقوي (3)، وقد وثَّقه ابن معين، وغيره، ولكن لا يرتقي مع هذا الاختلاف إلى مرتبة رجال الصحيح، وغايته أن يكون مِمَّن يُقْبَلُ حديثه مع الشواهد والتوابع، فأمَّا مع الشُّذوذ، فلا.
وقد ذكر الذهبي في " الميزان "(4) أنه تفرَّد بأول الحديث، وهو الذي يخصُّ الأطفال دون آخره.
ولعلَّ مسلماً إنما أخرج الحديث، لثبوت الشواهد على آخر، لكن في أوله
= وابن معين وأبو حاتم والنسائي والعجلي، ويعقوب بن شيبة وقال الإمام أحمد: لا يُسأل عن مثله. وقال الآجري عن أبي داود: إلَاّ أنه خولف في غير حديث، وقال ابن حبان: وقد روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه وكان داود من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلَاّ أنه كان يهم إذا حدَّث من حفظه، ولا يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير يخطىء، والوهم اليسير يهم حتى يفحش ذلك منه، لأن هذا مما لا ينفك من البشر، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك جماعة من الثقات الأئمة لأنهم لم يكونوا معصومين من الخطأ بل الصواب في هذا ترك من فحش ذلك منه والاحتجاج بمن كان فيه لا ينفك من البشر، ووثقه ابن حجر وأشار إلى أنه كان يهم بأخرة.
(1)
تقدم تخريجه 6/ 403.
(2)
قلت: تابعه عليه فضيل بن عمرو عند مسلم وغيره، وهو ثقة.
(3)
انظر " ميزان الاعتدال " 2/ 343.
(4)
2/ 343.
زيادةٌ مستقلة بحُكْمٍ، فلم يكن لمثل طلحة بن يحيى أن يستقل بمثلها، ولا لنا أن نقبله في مثل ذلك. فهذا آخر الكلام على تقرير القول الأول (1).
القول الثاني: أنه يجوز أن يعذِّبَ الله تعالى من له الحجة عليه، ولا يكونُ ذلك ظلماً، فإنه تعالى يعلم من وجوهِ الحكمة ما لا نعلم، وله الحجة البالغة، وقد نص في كتابه أن يوم القيامة يجعل الولدان شيباً في سياق الوعيد وتعظيم ذلك اليوم، فمن المعلوم أنه ما جعلهم شِيباً إلَاّ ما لَحِقَهُم من شدة طوله، وهذا نوعٌ من العذاب. وفي " الصحيحين "(2) من حديث أبي سعيدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" يا آدم، قم فابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ من ذُرِّيَّتِكَ " فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: " مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مئةٍ وتِسْعَةً وتسعين إلى النار وواحدٌ إلى الجنة (3)، فحينئذٍ يَشيِبُ الصغير " -إلى قوله:- " أبْشِرُوا، فإن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً " الحديث.
وهذا الوجه الجُمليُّ يكفي، ولو لم يرد تعيين ذلك الوجه في السمع، كيف وقد ورد تعيين ذلك في وجوهٍ ثلاثةٍ ذكروها.
الوجه الأول: ذكر السبكي (4) وغيره حكايةً عمن اختاره منهم، وذلك أنها وردت أحاديث بأن أطفال المشركين يُمتحنون يوم القيامة، تؤجَّجُ لهم نارٌ،
(1) قلت: وقد أورد الحديث ابن القيم في " طريق الهجرتين " ص 520، وقال بإثره: فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلَاّ لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من الناس، ورده الإمام أحمد، وقال: لا يصح، ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟ وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
(2)
تقدم تخريجه 6/ 285.
(3)
جملة " وواحد إلى الجنة " لم ترد في " الصحيحين "، ولا عند من خرجه من حديث أبي سعيد، وإنما وردت في حديث عمران بن حصين الذي خرجه الترمذي (3169) وغيره.
(4)
" فتاوى السبكي " 2/ 363.
فيقال: رِدُوها وادخُلُوها، فيردُها أو يدخُلُها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويُمْسِكُ عنها من كان في علم الله شقيَّاً لو أدرك العمل، فيقول الله عز وجل:" إيَّاي عَصَيْتُم، فكيف رُسُلي لو أتتكم؟ "(1).
قال السبكي: رواه أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الناس من يُوقِفُه عليه (2).
وروي معناه أيضاً من حديث أنس، ومعاذ، والأسود بن سريع، وأبي هريرة، وثوبان ستَّتُهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وذكر عبد الحق في " العاقبة "(3) حديث الأسود بن سريعٍ في ذلك وصححه، ورواه أحمد في " مسنده " من حديث الأسود، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال السيد الإمام أبو عبد الله العلوي الحسني في كتابه " الجامع الكافي "
(1) رواه البغوي في الجعديات (2126)، والبزار (2176)، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف.
(2)
ونقل القرطبي في " التذكرة " ص 514 نحو هذا عن أبي عمر بن عبد البر.
(3)
ص 279، وقد أورده عن مسند البزار، ولم يذكر إسناده، وهو في " كشف الأستار عن زوائد البزار "(2174) حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" يُعرض على الله الأصم الذي لا يسمع شيئاً والأحمق والهرم ورجل مات في الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، ويقول الأحمق: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك من رسول -قال البزار: وذهب عني ما قال الرابع- قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم تبارك وتعالى: ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها، لكانت عليهم برداً وسلاماً ".
ورواه ابن حبان في " صحيحه "(7357) بتحقيقنا من طريق إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع
…
وهذا إسناده صحيح، وانظر تمام تخريجه فيه.
على مذهب الزيدية في المجلد السادس في هذه المسألة ما لفظه: وروى محمد بن فراتٍ، وروى محمد بن منصورٍ، عن محمدٍ، قال: قال أحمد بن عيسى عليه السلام: كان زيد بن علي عليه السلام يقول: أطفال المشركين، والأبكم، والشيخ الفاني يوم القيامة يقولون: يا ربِّ، بعثتَ رسولاً، وأنزلتَ كتاباً، وأنا طفلٌ لا أعقِلُ، ويقول الشيخ: وأنا فانٍ لا أعْقِلُ، ويقول الأبكم: وأنا لا أعْقِلُ، فيقول الله عز وجل:" صدقتم، أنا باعثٌ إليكم رسولاً، فمن أطاعه كان كمن أطاعني في الدنيا، ومن عصاه، كان كمن عصاني في الدنيا، فَيَخْدُدُ الله لهم أخدوداً في النار، ثم يقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها منكم، كانت عليه برداً وسلاماً، قال: وليس يدخُلُها أحدٌ منهم لِعلمِ الله فيهم ".
وسألت أحمد بن عيسى عن الحديث في الأطفال أتثبته؟ قال: قد جاء ذلك عن زيد بن علي، وأنا مُرَوٍّ فيه، فلم يثبته.
وقال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام فيما روى ابن صبَّاحٍ عنه، وهو قول محمد بن منصورٍ في المسائل: صحَّ لنا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أولاد المسلمين في الجنة "، وأما أولاد المشركين، فقد اختلفت الرواية فيهم عنه صلى الله عليه وسلم، والأمر فيه إلى الله تعالى، لأنه يقول:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، وهذا مما لا يعلم أن العبد يسأل عنه في القيامة، ونحن نعلم أن الله لا يُعذِّبُ أحداً حتى يحتجَّ عليه، لأنه قال:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
قال محمد: سألت أحمد بن عيسى، فأجابني بنحو هذا الجواب.
قلت: وروى عنه نحو هذا السيد أبو عبد الله الحسنيُّ في أول المسألة، وهذا أتمُّ من طريق عليٍّ، يعني: ابن محمدٍ الشَّيباني، عن ابن هارون، يعني: محمد بن محمد بن هارون، عن سعدان، عن أحمد بن عيسى عليه السلام.
فبان بذلك أن زيد بن علي عليه السلام من هذه الطائفة القائلين بالامتحان
في القيامة، وأن سائر من ذكرنا من أولاده وأتباعه مُجَوِّزُون لذلك، غير قاطعين (1) بنفيه، ولا منكرين على من قال به، ولكن المعترض أُتِيَ من الجهل بمذهب أسلافه الكرام، مع الجهل بمذاهب علماء الإسلام.
وقال ابن كثير في المجلد الأول من " البداية والنهاية "(2) في ذكر يأجوج ومأجوج ما لفظه:
فإن قيل: [فكيف] دلَّ الحديث المتفق عليه أنهم فداءٌ للمؤمنين يوم القيامة، وأنهم في النار، ولم يُبعثْ إليهم رسلٌ، وقد قال الله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
فالجواب: أنهم لا يُعَذَّبُون إلَاّ بعد قيام الحجة عليهم والإعذار إليهم، فإن كان قد أتتهم رسل، فقد قامت الحجة عليهم (3) وإلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلُغْهُ الدعوة، وقد دلَّ الحديث المروي من طُرُقٍ عن جماعةٍ من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من كان كذلك يُمْتَحَنُ في عرصات يوم القيامة، فمن أجاب الداعي، دخل الجنة، ومن أبى، دخل النار، وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15](4)، وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعاًً عن أهل السنة والجماعة. انتهى.
وفيه ما ترى من تنزيه الله من التعذيب من غير حُجَّةٍ ولا إعذار، وابنُ كثير والأشعري من أئمة أهل السنة والكلام منهم.
وقال الهيثمي (5): باب من لم تبلُغْه الدعوة، ثم أورد حديث الأسود بن سريعٍ في الأربعة: الأصمِّ والأحمق، والهَرِمِ والميت في الفترة. رواه أحمد
(1) في (ش): " عنه لا قاطعين ".
(2)
2/ 100، وما بين حاصرتين منه.
(3)
ساقطة من (أ)، وفي المطبوع من " البداية والنهاية ":" عليه ".
(4)
انظر الجزء الخامس من تفسيره ص 50 - 58.
(5)
" مجمع الزوائد " 7/ 215.
والبزار والطبراني بنحوه، وذكر بعده إسنادا إلى أبي هربرة بنحوه، ورجال أحمد، وطريق الأسود، وأبي هريرة رجال الصحيح، وكذلك رجال البزار فيهما (1).
وعن أنسٍ مرفوعاً في المولود والمعتوه في الفترة والشيخ الفاني مثله. رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه ليث بن أبي سُلَيْمٍ (2).
وعن أبي سعيدٍ مرفوعاً في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود نحو الأول. رواه البزار، وفيه عطية (3) وهو ضعيفٌ.
وعن معاذٍ مرفوعاً في الممسوخ عقلاً، والهالك في الفترة، والهالك صغيراً بنحوه. رواه الطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفيه عمرو بن واقد (4) وهو متروكٌ عند البخاري وغيره، ورُمِيَ بالكذب، وقال محمد بن المبارك الصُّوري: كان يتبع السلطان، وكان صدوقاً، وبقية رجال " الكبير " رجال الصحيح (5).
(1) حديث الأسود بن سريع رواه أحمد 4/ 24، والطبراني في " الكبير "(841) من طريقين، عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود، ورواه أيضاً البيهقي في " الاعتقاد " ص 169، وصححه ابن حبان (7357)، وعبد الحق الإشبيلي في " العاقبة " ص 279.
ورواه البزار (2174) عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، وحديث أبي هريرة رواه أحمد 4/ 24، والبزار (2175)، والبيهقي في " الاعتقاد " ص 169 من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، وانظر " مجمع الزوائد " 7/ 216.
(2)
رواه أبو يعلى (4224)، والبزار (2177)، وليث بن أبي سليم ضعيف، وقال الهيثمي 7/ 216: وباقي رجال أبي يعلى رجال الصحيح. قلت: الراوي عن أنس عند أبي يعلى والبزار: هو عبد الوارث مولاه، لم يوثقه غير ابن حبان، وليس له رواية في " الصحيحين "، ولا في " السنن " الأربعة!
(3)
عطية: هو ابن سعد بن جنادة العوفي، وقد تقدم تخريج الحديث قريباً.
(4)
تحرف في (ش) إلى: " عاقد ".
(5)
هو عند الطبراني في " الكبير " 20/ (158). وانظر " المجمع " 7/ 217.
هذا جملة ما حضرني من صحيحٍ وضعيفٍ في حجة أهل هذا القول، وهي لا تناقض ما قدمنا من أنه لم يصح حديثاً في دخول أولاد المشركين النار، لأنا عنينا دخولهم على العموم، وهذه الأحاديث لا تقتضي ذلك، وإنما تقتضي دخول من عَلِمَ الله أنه لو أدرك العمل، لكان شقياً بعد إقامة الحجة عليه وعصيانه لله تعالى.
قال السبكي (1) بعد قوله: أسانيدها صالحة: قال ابن عبد البر (2): ليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصلٌ عظيمٌ، والقطع فيه بمثل هده الأحاديث ضعيفٌ في النظر، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيئاً منها.
وقال الحُليميُّ: إن هذا الحديث مخالِفٌ لأُصول المسلمين، لأن دار الآخرة ليست بدار امتحانٍ (2).
قلت: فأجاب القائلون بها على ابن عبد البر أنه لا يُشتَرَطُ في الرواة أن يكونوا أئمة فقهاء.
وأما قوله: إنها مُعارِضَةٌ لما هو أقوى مجيئاً منها، فإنما أشار إلى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:" الله أعلم بما كانوا عاملين ". وليست معارضة له، بل زيادةٌ عليه وبيانٌ له، وفرقٌ بين المعارضة والزيادة والبيان، إلَاّ حديث البخاري عن سمرة، فإنه يعارض ظاهره، لكنها أخص منه عند التحقيق، فإنه، وإن كان خاصاً بالنظر إلى أولاد المشركين، ففيه عمومٌ بالنظر إلى الشقي منهم والسعيد، وهذه خاصة بالأشقياء الذين علم الله أنهم لو أدركوا العمل لَعَصَوْهُ.
وأما قوله: إنه أصلٌ عظيم، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيفٌ،
(1) 2/ 363 - 364.
(2)
قلت: نقل قول ابن عبد البر، وقول الحليمي القرطبي في " التذكرة " ص 514، وتمام قول الأخير فيه: فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة، ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء، أو غير عقلاء، فإن كانوا مضطرين إلى المعرفة، فلا يليق بأحوالهم المحنة، وإن كانوا غير عقلاء، فهم من المحنة أبعد.
فكذلك القطع بتكذيبهم عقلاً وسمعاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب أهلِ الكتاب (1)، لئلَاّ يكون ما رَوَوْهُ حقاً، وليس القطع مقصوداً ها هنا.
وغاية المرام في مثل هذه المشكلة وضوح أدنى تجويزٍ لوجهٍ من وجوه الحكمة يُقَوِّي إيمان المؤمن بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) فيما لا طريق إلى تكذيب راويه.
وأما ما قاله الحُليميُّ، فمسلَّمٌ بعد استقرار الخلق في الدارين، وأما في البرزخ ويوم القيامة، فغير مُسَلَّمٍ لهذه الأحاديث وأمثالها، ولما قدمنا من رواية الأشعري إجماع أهل السنة على ذلك في " الأسماء والصفات " (3) عن الخطابي أنه قال في تأويل حديث أبي هريرة في ذكر الصورة (4) ما لفظه: وليس بمنكر (5) أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائماً، وحكمه على الخلق جارياً حتى يفرغ من الحساب (6)، ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حقَّت الحقائق، واستقرَّت أمور العباد قرارها، ألا ترى إلى قوله تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، وجاء في الحديث أن المؤمنين يسجدون وتبقى ظهور المنافقين طَبَقاً واحداً (7). انتهى بحروفه.
ويدل عليه مثل قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:
(1) روى البخاري (4485) و (7362) و (7542) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا ". ورواه من حديث أبي نملة عبد الرزاق (20059)، وأحمد 4/ 136، وأبو داود (3644)، وصححه ابن حبان (6257).
(2)
في (ش): " عن القوم ".
(3)
ص 296.
(4)
تقدم تخريجه 5/ 85.
(5)
في " الأسماء والصفات ": " ننكر ".
(6)
في (أ) و (ش): " حتى يفرغ الحساب " والمثبت من " الأسماء والصفات ".
(7)
تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود 5/ 91.
28]، وقوله تعالى في الحكاية عن المشركين:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى صلوات الله عليه في قبره قائماً يُصلي (1).
وأحاديث الفتنة في القبر والضَّمَّة فيه تؤيِّد ذلك كما سيأتي في المسألة الثانية.
وفي " الصحيح " من حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " آخر من يدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفَعُه النار مرةً، فإذا ما جاوزها، التفت إليها، وقال: تبارك الذي نجَّاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاهُ أحداً من الأولين والآخرين، فتُرْفَعُ له شجرةٌ، فيقول: يا رب، أدنِني من هذه الشجرة، فيعاهده أن لا يسأله غيرها، ثم تُرفَعُ شجرةٌ هي أحسن من الأُولى، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها، وربُّه يعذِرُه، لأنه يرى ما لا صبر له عليه ". الحديث (2).
وفي " الصحيح " عن أبي سعيد بنحوه (3) وهو مشهور، وهو يرد على الحليميِّ وابن عبد البر، والله أعلم.
ومذهب البغدادية من المعتزلة أن معرفة الله في الآخرة استدلاليةٌ، وألزموا جواز التكليف في الآخرة فالتزمهم شيخهم أبو القاسم البلخي، فهذا هو الخطأ قطعاً، لا قول أهل السُّنَّة.
وفي " البخاري "(4) من حديث أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء نوحٌ، فيقول الله: هل بلَّغْتَ؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقول لأمته: هل
(1) روى أحمد 3/ 148 و248، ومسلم (2375)، والنسائي 3/ 215 و216، وابن حبان (49) و (50) من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ".
(2)
تقدم تخريجه 5/ 91 - 94.
(3)
تقدم أيضاً 5/ 84 - 86.
(4)
(3339) و (4487) و (7349)، ورواه أيضاً أحمد 3/ 32، وابن ماجه (4284).
بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا مِنْ شيءٍ".
والحديث له في كتاب الله أعظم شاهدٍ، وهو ما حكى الله تعالى من قولِ الكفار لجوارحهم:{لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21]، وقال الله تعالى:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
فامتَنَّ عليهم بالتثبيت في الآخرة، ولولا حاجتهم إليه، لما صح ذلك، ولا حاجة إلَاّ مع الابتلاء، وليس المانع من ذلك عند المعتزلة إلَاّ أن الخلق مضطرون إلى الإيمان يوم القيامة، ولا يصح الابتلاء مع الاضطرار.
والجواب عليهم أن الاضطرار فعل الله فيهم، لا فعلهم في أنفسهم عقلاً وسمعاً، وقد قال الله يعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68]، وقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111].
وقد تقدمت بقية الحجج في هذا البحث عند ذكر هذه الآية الشريفة في مسألة الإرادة.
الوجه الثاني: أن كل من عَلِمَ الله أنه إن (1) بلغه الكِبَر، آمن، أدخله الجنة، وكل من علم الله أنه إن (1) بلغه الكبر، كفر، أدخله النار.
وهذا القول كالذي قبله، إلَاّ أن في الذي قبله زيادة الإعذار من الله، وإظهار إقامة الحجة، وهي زيادةٌ لا معارضة، ولعلها الذي توهم ابن عبد البر أنها معارضةٌ، وهي زيادةٌ حسنةٌ ملائمةٌ لسنة الله تعالى في إرسال الرُّسُل وإزاحة الإعذار، وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم:" لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، لذلك أرسل الرُّسُل "(2).
(1) في (ش): " من ".
(2)
تقدم غير مرة.
وأهل هذا القول احتجوا بالحديث المتفق على صحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئِلَ عنهم: " الله أعلم ما كانوا عاملين "(1).
وهؤلاء لا ينبغي أن يقال: إنهم يجيزون على الله التعذيب بغير ذنبٍ، بل يقال: إنهم يُجيزون على الله التعذيب بالذنب المعلوم وقوعه قبل أن يقع.
وروى السيد أبو عبد الله الحسني في كتابه " الجامع " في موضعين من المجلد السادس أحدهما في هذه المسألة عن السيد الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام ما يدل على مثل قولِ هذه الطائفة، فإنه روى عنه أنه قال: قد أدخل الله النار أولاد المشركين بالذي سبق في علمه أنهم لا يؤمنون، قال الله سبحانه لنوح:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36]، وقال نوحٌ:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 26 - 27].
وأهلك الولدان في زمن عادٍ وثمود بالصيحة، ولا ذنب لهم، وقتل الخَضِرُ الغلامَ ولم يبلغ الحُلُم، فبلغنا في الحديث أنه يوجد في كتفه مكتوبٌ: كافر خِلْقَةً (2). انتهى بحروفه.
ولا شك أن العلم بقبح هذا غير ضروري من الدين فلا يُكَفَّرُ، ولا ضروري من العقل، فلا يُنْسَبُ قائله إلى تعمُّد الكذب ومحض العناد، فإن أهل الشريعة وأهل المعقول، لو علموا أنهم إن لم يقتلوا صغيراً كان في حياته هلاك
(1) حديث صحيح، أخرجه عبد الرزاق (20077)، وأحمد 2/ 58 و266 و393 و471 و518، والبخاري (1384)، ومسلم (2659)، والنسائي 4/ 58، وابن حبان (131) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (1383) و (6597)، ومسلم (2660)، وأبو داود (4711)، والنسائي 4/ 59 من حديث ابن عباس، ورواه أبو داود (4712) من حديث عائشة.
(2)
من قوله: " قد أدخل الله النار " إلى هنا، تقدم بتمامه مع التعليق عليه 5/ 223 - 224.
المسلمين قطعاً، وثبت لهم ذلك بطريقٍ سمعيةٍ، لم يُكَفَّرْ من استحل قتله بذنبه المعلوم وقوعه في المستقبل، ولا نقطع بأنه فاسق تصريحٍ، وإن كان القاتل لا يخاف على نفسه متى خاف على المسلمين.
بل قد وقع نحو هذا، فإن عمر رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل ابن صَيَّاد لمَّا ظن أنه الدجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن يكن هو، فلن تُسَلَّطَ عليه، وإن يكن غيره، فلا خير لك في قتله ". والحديث صحيح (1).
وإن كان ابن صيادٍ صغيراً، فأفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم:" إن يكن غيره، فلا خير لك في قتله " أنه لا بأس بقتله لو تحقَّق أنه الدجال، لكنه لا يُسلَّط عليه (2).
وفي قصة الخَضِر والغلام الذي قتله ما يدل على هذا، وقد قال ابنُ عباسٍ (3): إن ذلك الغلام طُبِعَ كافراً.
وذكر ابن بَطَّالٍ في الباب الثاني من أبواب القدر في " شرح البخاري " مما يقوِّي ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]، وقوله تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23].
فإن قيل: إنه يحتمل أن قتل الدجال من قبيل المصالح، لا من قبيلِ عقوبته بما سيفعله، كما هو مذهب مالكٍ في المصالح، بل كما هو مذهبُ الأكثر في قتل المسلم إذا تترَّس به الكفار وعلمنا أنه إن لم يقتل قتلوه وقتلوا المسلمين معه.
(1) رواه من حديث ابن عمر البخاري (1354) و (3055) و (6173) و (6618)، ومسلم (2930)، وأبو داود (4329)، والترمذي (2250)، وأحمد 2/ 148 و149، وابن منده في " الإيمان "(1040)، وابن حبان (6785)، وقد تقدم.
(2)
من قوله: " وإن كان ابن صياد صغيراً " إلى هنا، سقط من (ش).
(3)
هو من رواية ابن عباس عن أُبيّ بن كعب، وقد تقدم تخريجه 5/ 224.
قلنا: هذا الاحتمالُ صحيحٌ، ولسنا نستقوي هذه المسألة، ولكنا نرى الاحتمال الذي معهم، فوجب أن يُجْعَلُوا من أهل التأويل، فلا يُكَفَّرُوا، ولا نقطع بعنادهم. ومما يقوي مثل هذا -أعني عدم تكفيرهم والقطع بعنادهم (1) - وورود ما يشتبه في السمع من هذا القبيل، كقوله تعالى:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] فإنه ترك الإسماع لهم مؤاخذةً بما (2) عَلِمَ من عدم استماعهم لو أسمعهم.
وكذا ما يظهر قبل التأمل من قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (3)[الإسراء: 16]، فإن الله تعالى أراد الهلاك قبل الأمر لما سبق في علمه من فسقهم بعد، فقدم الإرادة قبل استحقاقهم، والقوي (4) خلاف هذا عندي، وليس هذا موضع بسطه، وإنما قصدتُ إيراد هذه الأشياء لبيان أنهم من أهل التأويل، وليس هذا كمن يقول: إن الله يعذِّبُ بمجرد سبق علمه بالتعذيب من غير علمٍ بذنبٍ مستقبلٍ كما ذكرنا في مسألة الدواعي، فتأمل الفرق بينهما.
وأهل هذا القول الثالث يريدون أن خلق الفعل وإبلاغ التكليف من قبيلِ الزيادة في الإعذار من الله تعالى، وإلا فعلمه (5) سبحانه الحق الذي يعلم الكل يوم القيامة أنه حقٌّ كافٍ في إقامة الحجة. بل قد تقدم أنه يجوز أن يكون الله عَلِمَ أن في عذاب أهل النار حكمةً غير الجزاء على الذنوب، كالحكمة في إيلام الأطفال والبهائم، بل مرَّ تقرير الدليل على رجحان مثل ذلك، لأن حُسْنَ التعذيب من قبيل الإباحة التي لا رُجحان فيها، والله يتنزَّه عن فعل ذلك، لأنه عبثٌ.
(1) من قوله: " ومما يقوي " إلى هنا سقط من (أ).
(2)
في (أ): " فما ".
(3)
من قوله: " وكذا ما يظهر " إلى هنا سقط من (ش).
(4)
في (ش): " والقول ".
(5)
في (ش): " فعلمه السابق ".
وإنما أراد الله إزاحة إعذار المبطلين كما ورد به الحديث الصحيح " لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل "، وشهد بذلك القرآن كما تقدم، فأراد الله أن يدخلوا النار بسبب الذنوب، لما في ذلك من الحِكَم البالغة، والمصالح الراجحة، والغايات الحميدة، كما أخرج آدم من الجنة على وجه (1) العقوبة لأجل هذه الأشياء، مع أنه ما خُلِقَ إلَاّ خليفةً للأرض، كما نص عليه القرآن، وأحاديث الأطفال تشهد بذلك، وإقامة العدل والحجة (2) عليهم، والله سبحانه أعلم، وقال ابن عبد البر: إن هذا قول الأكثرين. وعندي -والله أعلم- أنه راجعٌ إلى القول الثاني، فإنه طرفٌ منه، لكن في القول الثاني زيادة الابتلاء وإقامة الحجة يوم القيامة.
وأول أحاديثه أن من علم الله أنه يكون شقياً لو أدرك العمل، لكان من أهل النار، ولكن بزيادة الابتلاء وإقامة الحجة يوم القيامة، لكن لما كان في هذه الزيادة ما قدمنا. من الإشكالات، اقتصر أهل هذا القول على أول الحديث تورُّعاً من آخره، معتقدين أن الحجة البالغة والحكمة التامَّة لله تعالى على عباده كيف شاء.
إن هذا الاحتمال أقوى من القطع بتعيُّن (3) وجه الحكمة في الابتلاء يوم القيامة، فأما إن كانوا نَفَوُا الابتلاء يوم القيامة والحكمة، فقولهم باطل، والقول الثاني أقوى منه.
القول الرابع: إن الله تعالى قد خلقهم فيما مضى، وكلفهم وعصوا، فبذلك استحقوا العذاب، ويحتجون على ذلك بالحديث المشهور في إخراج ذرية آدم من صُلبه على صورة الذَّرِّ، وخطابهم بقوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] كما سيأتي تفصيله. روى هذا الترمذي وحسَّنه، ورواه أحمد
(1) في (ش): جهة.
(2)
في (ش): " والحكمة "، وهو تحريف.
(3)
في (ش): بتعيين.
والنسائي وابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ وابن حبان في " صحيحه " من طرق عن الإمام مالكٍ من طريق مسلم بن يسارٍ الجهني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يُدركه (1).
قال أبو حاتم: وبينهما نُعَيْم بن ربيعة، وقد رواه أبو داود (2) كذلك، وقال الدارقطني (3): هو الصواب، وقد تقدَّم تفصيل ذلك في أحاديث الأقدار.
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، رواه أحمد في " المسند "(4)، وقال الهيثمي (5): رجاله رجال الصحيح، والحاكم في " المستدرك "(6). وروى الترمذي (7) مثله في التفسير عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حديث حسن صحيح. قال: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن كثير في " البداية والنهاية "(8): وروي هذا عن ابن عمرو مرفوعاً، قال: وحديث ابن عباس جيد الإسناد على شرط مسلم، إلَاّ أن الأكثر وقفه عليه.
(1) هو في " الموطأ " 2/ 898 - 899، ومن طريق مالك رواه أحمد 1/ 44 - 45، وأبو داود (4703)، والنسائي في " الكبرى " كما في " التحفة " 8/ 114، والترمذي (3075)، وابن جرير الطبري في " جامع البيان "(15357)، وابن أبي حاتم كما في " تفسير ابن كثير " 2/ 273، وصححه ابن حبان (6166)، والحاكم 1/ 27 و2/ 324 - 325 و544، ووافقه الذهبي في الموضعين الثاني والثالث، وخالفه في الموضع الأول، فقال: فيه إرسال. وانظر التعليق على هذا الحديث في " صحيح ابن حبان "، و" شرح العقيدة الطحاوية " 1/ 305.
(2)
برقم (4704)، ونقل ابن كثير قول أبي حاتم هذا في تفسيره 3/ 503.
(3)
في " العلل " 2/ 222.
(4)
1/ 272، وهو حديث صحيح، وسيأتي التعليق على إسناده قريباً.
(5)
في " المجمع " 7/ 25.
(6)
1/ 27 و2/ 544.
(7)
برقم (3076)، وقد تقدم تخريجه من غير طريق الترمذي 6/ 322.
(8)
1/ 83، وأخرجه في " التفسير " 2/ 273 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعزاه لابن جرير. وانظر " جامع البيان "(15354) و (15355) و (15356).
قال أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير، يعني: ابن حازم، عن كلثوم بن جبر (1)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يرفعه. ثم قال ابن كثير: رواه ابن جرير، والنسائي، والحاكم من حديث حسين ابن المروزي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (2).
وروى ابن كثير (3) مثل ذلك من حديث أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي جعفر الرازي، عن ربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب.
ثم قال: رواه عبد الله بن أحمد، وابنُ أبي حازمٍ، وابن مردويه، وابن جريرٍ في تفاسيرهم.
قلت: ورواه الحاكم (4) مطولاً، وقال: صحيح الإسناد، وذكر أن الله أخذ من النبيين ميثاقاً آخر، وفُسِّر به قوله:{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية [الأحزاب: 7]، وفُسِّر بذلك قوله:{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30]، وقوله:{هذا نذيرٌ من النذر الأولى} [النجم: 56]، وقوله:{وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ} [الأعراف: 102]، وقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
(1) تحرفت في الأصلين وكذا عند ابن كثير في " التاريخ " والتفسير إلى " جبير ".
(2)
قلت: وتمام كلام ابن كثير: إلَاّ أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر، فروي عنه مرفوعاً وموقوفاً، وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً، وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله، وهذا أثبت وأكثر والله أعلم. قلت: الحديث في " المسند " 1/ 272، ورواه أيضاً ابن جرير في " جامع البيان "(15338)، والنسائي في " التفسير " كما في " التحفة " 4/ 440، والحاكم 1/ 27 و2/ 544، وابن أبي عاصم في " السنة "(202)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص 327. وقال الحاكم: وكلثوم بن جبر احتج به مسلم. وقال النسائي: كلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ. قلت: قد وثقه أحمد وابن معين.
(3)
في " البداية والنهاية " 1/ 84، و" التفسير " 2/ 274، وقد تقدم تخريجه 6/ 322.
(4)
2/ 323 - 324.
بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْل} [يونس: 74]، قال: كان في علمه يوم أقروا بما أقروا به من يصدق به ومن يكذب.
قال ابن كثير (1): وروي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسُّدِّيِّ، وقتادة وغير واحد من علماء السلف بسياقاتٍ توافق هذه الأحاديث.
ورواه ابن كثير من غير ذكر الإشهاد من طرق جمة، عن أبي هريره (2)، وأبي الدرداء (3) مرفوعاً، وعن الحسن (4) وابن عباس موقوفاً (5).
وقال ابن كثير (6): إن ذكر الإشهاد في الحديث هو قول الجمهور، وقد استوفى ما ورد في هذا في تفسير هذه الآية (7).
وقال الهيثمي (8) في حديث أُبي بن كعب المقدم: رواه عبد الله بن أحمد، عن شيخه محمد (9) بن يعقوب الرَّبالي (10)، وهو مستور، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى ما يقتضي صحته أحمد بن عيسى بن زيد بن علي رضي الله عنهم في كتاب " الأمالي " المعروف بعلوم آل محمد، فقال في الحج في زيارة البيت (11)
(1) في " البداية والنهاية " 1/ 84، وفي " التفسير " 2/ 274 - 275.
(2)
تقدم قريباً.
(3)
تقدم تخريجه 6/ 408، وإسناده صحيح.
(4)
تقدم تخريجه 6/ 322 و410.
(5)
الرواية الموقوفة أخرجها الطبري في " جامع البيان "(15339) - (15341).
(6)
" البداية والنهاية " 1/ 83.
(7)
" البداية والنهاية " 1/ 83، وانظر " تفسير ابن كثير " 2/ 272 - 275.
(8)
" مجمع الزوائد " 7/ 25.
(9)
في (ش): " ابن محمد
…
"، وهو خطأ.
(10)
تحرف في الأصلين إلى " الرماني ".
(11)
عبارة " في زيارة البيت " ساقطة من (أ).
في الجزء الخامس من تجزئته: عباد يعني: ابن يعقوب، عن يحيى، يعني: ابن سالم، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر أن الله حين أخذ ميثاق بني آدم من ظهورهم استودعه هذا الحجر فمسُّكم إياه بيعتكم (1) فيما عاهدتم عليه حين أخذ ميثاقكم أن الله ربكم. انتهى.
ولم أجد هذا في فضائل الركن في الكتب الستة، ولا في " مجمع الزوائد "، وتقدمت عشرة أحادث في أحاديث القدر (2) في كل واحد منها ذكر إخراج أهل الجنة من كتف آدم اليمنى، وأهل النار من كتفه اليسرى، أولها الحديث الخامس والخمسون عن أبي الدرداء وأم هانىء، وآخرها الرابع والستون عن الحسن البصري.
وفي الأحاديث الصحاح شواهد قوية بهذا المعنى، فمنها: ما رواه البخاري ومسلمٌ وأحمد عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الله عز وجل يقول لأهون أهل النار عذاباً: لو أن ما في الأرض من شيءٍ كنت تفتدي به؟ قال: نعم، فقال: قد سألتك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيت إلا الشرك " (3).
ومن ذلك ما ثبت في " الصحيحين "(4) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقهم، قامت الرحم، فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ".
وتقدم حديث عبد الله بن عمرو (5) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله
(1) في (أ): تبعتكم.
(2)
6/ 408 - 410.
(3)
رواه أحمد 3/ 218، والبخاري (3334) و (6538) و (6557)، ومسلم (2805)، وابن حبان (7351)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(4)
البخاري (4831) و (4832)، ومسلم (2554)، ورواه أيضاً ابن حبان (441)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(5)
انظر 6/ 394 - 395.
خلق خلقه في ظُلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور، اهتدى، ومن أخطأه، ضل ". رواه البيهقي في " الأسماء والصفات "، وأحمد في " المسند "، وقال الهيثمي: رجاله ثقات.
فهذه الآثار وأمثالها تقوِّي القول بإخراج ذرية آدم من صلبه مرة أولة. ويدل عليه أيضاً ما ذكره ابن عبد البر وغيره في تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] فإنهم فسروا إسلام الخلق كلهم بذلك، وقالوا: إن الله تعالى لما قال لهم: {ألست بربكم} ؟ قالوا: كلهم: {بلى} ، فأمَّا أهل السعادة، فقالوا عن معرفة له طوعاً، وأما أهل الشقاوة، فقالوه كرهاً.
ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم} [آل عمران: 106] ففيه أن كل كافر قد كفر بعد إيمانه، وهذا لا يصح ظاهره في هذا التكليف المعلوم لنا، وكذلك ظاهر قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [الأعراف: 11]، فظاهرها خلق جميع المخاطبين قبل الأمر بالسجود لآدم في عالم الذر، وهو قول مجاهدٍ، وقتادة، والربيع، والضحاك، ومجاهد من أصح المفسرين تفسيراً وقتادة -على حفظه- من قدماء المعتزلة في مسألة الأفعال.
فأما قول ابن عباس: " خُلِقُوا في أصلاب الرجال، وصُوِّروا في أرحام النساء "، فلا يناقض هذا، وإن كان الحاكم صححه على شرط الشيخين (1)، فإن الجميع من الخلق والتصوير ممكن أنه كان في ذلك الخلق الأول، وذلك داخل، وهو ظاهر الترتيب في قوله:{ثم قلنا للملائكة} [الأعراف: 11].
ويترجح بما تقدم والله سبحانه أعلم على أنه موقوفٌ، لا يجب أو لا يجوز ترك الظاهر له، خصوصاً مع عدم شذوذ القائل به وكثرة شواهده.
(1)" المستدرك " 2/ 319، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وكذلك قوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَة} [الأعراف: 29 - 30].
وكذلك قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُم} [البقرة: 28] فإن الموت في الحقيقة لا يكون إلَاّ بعد حياة، ولا يجوز حمل كتاب الله على المجاز في جميع هذه الآيات المتقدمة إلَاّ لضرورة تمنع من الظاهر، ولا ضرورة في حق من هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء بصير.
فإن قلت: قوله تعالى: {أمتنا اثنتين} [غافر: 11] ينافي ذلك، لأنه يؤدي إلى الإماتة ثلاث مرات.
قلنا: بل هو أحد الأدلة على ذلك، فإن موتهم بعد ذلك الخلق الأول في عالم الذر هو الموتة الأولى، وموتهم بعد هذا الخلق الثاني هو الموتة الثانية.
هذا هو الأظهر ويؤكده أن المرتبتين (1) مما يختص بالإقرار به أهل الحق، بدليل قوله تعالى:{أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِين} [الصافات: 58 - 59]، وقوله تعالى:{رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيل} [غافر: 11].
فأما تسمية النطفة ميتةً مجازاً، فلم يخالف فيه كافرٌ ولا مبتدع، ولا ورد الشرع بوجوب اعتقاده، ولا يسمى معتقده مؤمناً.
وأما قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلَاّ الموتة الأولى} [الدخان: 56] فمفهومٌ لا ينتهض لمعارضة المنطوقات متى سُلِّم أنه مفهومٌ صحيحٌ، وليس بمسلَّمٍ، لأنه استثناء من الموت المذوق، وهو المؤلم، وأحد الموتتين يمكن أنها كانت غير مؤلمةٍ، كالنوم الذي سماه الله تعالى وفاةً في قوله:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]. ويدل على ذلك أنه لا يشترط في تسمية الموت أن يكون مذوقاً حقيقة أو مجازاً في اللغة، فجاز
(1) في (ش): " أهل المرتبتين ".
انقسامه إلى مَذُوقٍ وغير مذوق، والاستثناء (1) من أحد القسمين -وهو المذوق- دون الآخر، مع أن أهل الجنة لا يذوقونه في الجنة، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً.
وإنما سماها الموتة الأولى بالنظر إلى تقدمها لوقت الكلام، لا بالنظر إلى أول موتة على الإطلاق، كما يقول: الساعة الأولى، ولا يعني بها أول ساعة، بل ساعة قبلها، وكذلك الصلاة الأولى، يؤيده أنه لا يصح في العربية أن يقال: الأولى من كذا، فكانت بمنزلة: زيدٌ الأفضل، فإنه لا يتعين المفضل عليه إلا فيما ذكرت فيه " من ".
ولو سلمنا أنه ظاهرٌ في أول موتة، فجائزٌ أن تكون الموتة الأولى في الجنة يوم خلق عالم الذر، لأن آدم في ذلك العصر كان في الجنة قبل أن يذنب ويخرج منها، ويكون الاستثناء على هذا متصلاً، ولا يَرِدُ عليه أن الجنة التي كان فيها آدم غير جنة الخلد، لأنه لا دليل على ذلك، ويدل عليه ظاهر قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَم} [الأعراف: 11].
فهذا يقتضي أن خروجهم على صور الذَّرِّ كان في الجنة، لأن خروج آدم كان بعد لأمر بالسجود، وقد جعله الله بعد تصوير الجميع، والظاهر أن حياتهم لم تطل، فهذا محتملٌ أيضاً، ومنتهى ما فيه أن نقف في معنى هذا لاشتباهه، ونقول بمعنى تلك الآيات لظهوره.
فأمَّا قولهم: إن الموتة الأولى (2) هي التي بعد الخلق، وهي المعلومةُ للجميع، والموتة الثانية التي تكون في القبر بعد الحياة فيه، فليس بقوي، لأن تلك الموتة التي في القبر مثل النوم، لأنها متكررة كل يوم، لقوله تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] ولما ورد في الحديث من عرض مقاعدهم عليهم في الجنة أو النار كل يوم (3)، ولما ورد في عذاب
(1) في (ش): والمستثنى.
(2)
" الأولى " ساقطة من (أ).
(3)
روى مالك في " الموطأ " 1/ 239، ومن طريقه أحمد 2/ 113، والبخاري =
القبر، وهو لا يكونُ إلَاّ مع الحياة.
وقد تقدم أن الله تعالى سمى النوم وفاة، ويجور أن يكون في الخلق من مات مرتين فقط، وفيهم من مات أكثر، وفيهم من لم يمت إلَاّ مره واحدة كالملائكة.
والذين ماتوا أكثر من ثِنْتَيْنِ، كالذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم، والرجل الذي يقتله الدجال ثم يحييه الله تعالى كما ثبت في الحديث الصحيح (1).
وفي الحديث: " أنا أول من تنشق عنه الأرض، فإذا موسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فما أدري أكان ممن استثناه الله تعالى، أم حوسب بصعقة الطُّور؟ "(2).
= (1379)، ومسلم (2866)، والنسائي 4/ 107 - 108، وابن حبان (3130)، والبيهقي في " إثبات عذاب القبر "(48)، والبغوي (1524) من حديث ابن عمر يرفعه:" إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ".
(1)
روى عبد الرزاق (20824) من حديث أبي سعيد الخدري، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال، فقال فيما حدثنا:" يأتي الدجال وهو محرَّم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فيخرج إليه رجل وهو خير الناس يومئذ، أو من خيرهم، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيسلط عليه، فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحيى: والله ما كنت بأشد بصيرة فيك مني الآن، فيريد قتله الثانية، فلا يسلط عليه ". ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد 3/ 36، وابن حبان (6801)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(2)
رواه البخاري (2412) و (3298) و (4638) و (6916) و (6917) و (7427) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: " لا تحيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى؟ ". =
ففيه إشارةٌ إلى تجويز أن يكون موسى عليه السلام ممن مات أكثر من مرتين، إذاً لم يُحاسب بالصعقة (1)، وكانت تسمى موتة.
فإن قلت: كيف يجوز على العقلاء نسيان تلك الحياة الأولة؟
فالجواب: أنه لا مانع من ذلك، فإن الذكر والنسيان من أفعال الله تعالى بالإجماع، وإنما اشترط بعض أهل الكلام أن لا ينسى العاقل الأمور العظيمة القريبة العهد، لأن ذلك من علوم العقل التي ينبني عليها التكليف، فهو عند بعضهم يُخِلُّ بالحكمة، لا لأن الله تعالى غير قادر على أن يُنْسِيَها العبد، والنسيان لما كان في الخلق الأول لا يخل بشيء في الحكمة ولا في القدرة، وبخاصةٍ ومدة تلك الحياة قصيرةٌ إنما كانت قدر ما يتسع للسؤال والجواب على ما يفهم من سياق الأحاديث أو بعضها، فصارت كالرؤيا التي جرت العادة بنسيان كثير منها، وذكرها بعد نسيانها من شاء الله، وإنما الباطل ما ذكره كثير من الفلاسفة أن النفس كانت قديمة أزلية مجردة، ثم تعلقت بالبدن، وهي لا تذكر ذلك بعد طوله، والله سبحانه أعلم.
فإن قيل: إن الله سبحانه وتعالى قال: {وإذ أخذ ربُّك من بني آدم}
= قال الإمام ابن القيم في " الروح " ص 54، ونقله عنه ابن أبي العز الحنفي في " شرح العقيدة الطحاوية " 2/ 603 بتحقيقنا: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذا، والحديثان هكذا:
أحدهما: " إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق ".
والثاني: هكذا: " أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة
…
".
فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر.
قلت: الحديث الأول رواه البخاري (2411) و (3408) و (6517) و (7428)، ومسلم (2373)(160)، وأبو داود (4671)، والبغوي (4302) من حديث أبي هريرة.
والحديث الثاني تقدم تخريجه 1/ 176 - 177.
(1)
من قوله: " ففيه إشارة " إلى هنا سقط من (ش).
[الأعراف: 172] ولم يقل: من آدم، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه لا يلزم في هذه الأحاديث أن تكون تفسيراً للآية، ولا واردة في معنى الآية، لكنها لما كانت شبهة بمعنى الآية، ذكروها مع الآية، لتقاربهما في المعنى، لا لاتحادهما فيه، وهو اختيار ابن كثير، فثبت أن الأحاديت حجة في المقصود، وإن لم تكن تفسيراً للآية.
الوجه الثاني: الجمع بين الآية والأحاديث بالتأويل، وقد ذكر في ذلك وجهان، ولا حاجة إلى التطويل بذكر ذلك، لكراهة التعرض لتأويل المتشابه، وفي الوجه الأول كفاية.
ويحتمل وجهاً آخر ليس فيه مخالفةٌ للظاهر، وهو أن يكون أخرجهم في المرة الأولى متناسلين بعضهم من بعضٍ كما أخرجهم في المرة الآخرة، وهو قول الواحدي.
وقيل: أخرج الذرية قرناً بعد قرنٍ، وعصراً بعد عصرٍ.
فهذا جملة ما حضرني مما ذكره أهل السنة في كتب الحديث وشروحها من وجوه الحكمة في ذلك على تقدير وقوعها.
والقصد بهذا كله أن لا يقطع على ثقات الرواة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنهم كذبوا أحاديث الأطفال، كما يجري على ألسنة كثير من المبتدعة فيما لم يعرفوا تأويله، وذلك أن رواة أحاديث الأطفال وغيرها مما ينكره أهل البدع هم رواة كثيرٍ من أحكام الشريعة، وفي تكذيبهم أو تُهمتِهم خللٌ عظيمٌ يرجع على جميع فرق الإسلام، وليس يعرفُ هذا إلَاّ من عرف من روى هذه الأحاديث كلها، وليس المراد من روى الأحاديث المصرحة بأنهم جميعهم في النار.
وقد قدمنا أنه لم يصح منها حديثٌ واحد، ولكن الأحاديث المفهوم ذلك منها من غير تصريحٍ مثل الأحاديث التي فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سُئِلَ عنهم
قال: " هم مع آبائهم، أو من آبائهم " فقيل له: بعملٍ أو بغير عملٍ؟ فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين "(1). وأيضاً فالأحاديثُ التي لم تصح في الباب إنما لم تصح (2) على قواعد المحدثين، وأما على قواعد غيرهم، فإنها تصح على كلامهم مثل حديث خديجة، فإن المحدثين قدحوا فيه بالإرسال، فمن يقبلُ المرسل يقول بصحته، وكذلك من لا يرُدُّ الراوي بالضعف اليسير يقبل كثيراً من رواتها، وهو مذهب الأصوليين، وكذلك من لا يقدح بالعلل، وأمثال ذلك.
وعلى الجملة، فلولا شهرة الآثار الواردة في هذا الباب، ما اختلف عاقلان أبداً، فإن العقول تقتضي أن الله تعالى لا يعذب العصاة على معاصيهم، لسعة رحمته وكرمه، وغناه التام عن تعذيبهم، وعدم تضرره بذنوبهم، ولولا ورود السمع بعذاب المذنبين ما قال به قائل.
ولكن الشريعة المطهرة وردت بالابتلاء الشديد في الأعمال بالميثاق، والعقائد بالمتشابه، وأحسن المؤمنين إيماناً أثبتهم إيماناً بما يخالف عقله بشهادة قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه} [البقرة: 143]، وقوله تعالى:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب} [آل عمران: 179]، وقد تقدم هذا المعنى عند ذكر الحكم في تقدير الشرور وإنزال المتشابه في مسألة الأقدار، فليراجع في موضعه، فإنه نافع إن شاء الله.
والقصد ببسط الكلام في هذه المسألة وما تقدمها من المشكلات:
المبالغة في حمل المسلمين على السلامة، لما ورد في الأخبار المتواترة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم أن يحب للمسلمين ما يحب لنفسه (3)، ومن ورود الثناء في
(1) حديث صحيح. رواه أحمد 6/ 84، وأبو داود (4712) من حديث عائشة.
(2)
قوله: " في الباب إنما لم تصح " سقط من (ش).
(3)
روى أحمد 3/ 176 و251 و272 و289، والبخاري (13)، ومسلم (45) من حديث أنس مرفوعاً:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وصححه ابن حبان (234) و (235)، وانظر تمام تخريجه فيه.
القرآن العظيم على الذين يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10]، وجاء في النهي عن التباغض ما لا يخفى (1)، وجاء في " الصحيح ":" بحسب امرىء من السوء أن يحقر أخاه المسلم "(2).
المسأله الثانية مما يتوهم مخالفتهم فيه: تعذيب المسلم الميت ببكاء الحي عليه.
والجواب عنهم من وجوه:
الأول: أن منهم من تأول ذلك بالوصية ونحوها، منهم البخاري في " الصحيح، (3) والخطابي (4)، وحكاه عنه ابن الأثير في شرح غريب حرف الميم (5)، والنواوي في " رياض الصالحين " (6)، وفي " الروضة " (7) ذكره في كتاب الجنائز منها. وقال في " شرح مسلم " (8) في كتاب الجنائز منه: إنه قول الجمهور، وإنه الصحيح. قال: وقالوا: فأما من بكى عليه أهله من غير وصيةٍ منه فلا يعذب، لقوله تعالى:{ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى} [الإسراء: 15]، قالوا:
(1) روى مالك في " الموطأ " 2/ 907، ومن طريقه البخاري (6076)، وفي " الأدب المفرد "(398)، ومسلم (2559)(23)، وأبو داود (4910)، وابن حبان (5660)، وأبو نعيم في " الحلية " 3/ 374، والبغوي (3522) من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ".
(2)
حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه 1/ 189.
(3)
في الجنائز: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ".
(4)
في " معالم السنن " 1/ 303.
(5)
من " جامع الأصول " 11/ 93 - 94.
(6)
ذكر الإمام النووي الحديث في " رياض الصالحين " ص 625 بتحقيقنا تحت باب تحريم النياحة على الميت ولم يعلق عليه بشيء.
(7)
2/ 145 بتحقيقنا مع صاحبنا العلامة الشيخ عبد القادر الأرنؤوط.
(8)
6/ 228 - 229.
وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد:
إذا مِتُّ فانعيني (1) بما أنا أهلُه
…
وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يا ابنة مَعْبَدِ (2)
فخرج الحديث مطلقاً حملاً على ما كان معتاداً لهم.
وقالت طائفةٌ: هو محمولٌ على من أوصى بذلك، أو لم يوص بتركه، فإنه يعذب بتفريطه في إهماله الوصية بتركه، وحاصل هذا إيجاب الوصية بتركه ذلك.
وقالت طائفة: معنى ذلك أنهم كانوا ينوحون بتعديد محاسن الميت في زعمهم، وهي قبائح في الشرع، نحو قولهم: يا مُرَمِّل النسوان، ومُوتّم الولدان، ومُخرِّب العمران، مما يرونه شجاعةً وفخراً، فيعذب بذلك القبيح (3).
وقالت طائفة: إنه يعذب بسماعه لبكاء أهله، لأنه يرق لهم. وإلى هذا ذهب محمد بن جرير وغيره (4).
(1) في (أ) و (ش): فابكيني، والتصويب من شرح مسلم.
(2)
تحرف في (ش) إلى: " يا أم معبد "، والبيت من جاهليته السائرة التي مطلعها:
لخولة أطلالٌ بِبُرْقَة ثَهْمَدِ
…
تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليد
قال التبريزي في " شرح القصائد العشر " ص 121: انعيني، أي: اذكري من أفعالي ما أنا أهله، يقال: فلان ينعى على فلان ذنوبه: إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها. وقال الأعلم الشنتمري في " أشعار الشعراء الستة " 2/ 55: أوصى ابنة معبد أن تذيع خبر وفاته، وأن تثني عليه، وأن تشق جيبها، وابنة معبد: قيل: هي زوجه، وقيل: بنت أخيه.
(3)
قال الإسماعيلي فيما نقله عنه الحافظ في " الفتح " 3/ 155: ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون، ويَسْبُون، ويقتلون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر، وهي زبادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها.
(4)
ورجحه القاضي عياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة الثقفية التي سيذكر المؤلف موضع الشاهد منه.
وقال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على أبيها، وقال:" إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله، لا تعذبوا إخوانكم "(1).
وقال ابن الأثير في شرح قوله: " إن الميت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه " في كتاب الموت من حرف الميم (2) في شرح غريبه ما لفظه: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا من حيث إن العرب كانوا يوصون أهاليهم بالبكاء والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيراً. قال: تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم من أمره إليهم وقت حياته. انتهى بحروفه.
الوجد الثاني: أنت من قرَّره على ظاهره منهم، قطع أن له وجه حكمةٍ لا يعلم تأويله إلَاّ الله، كما هو مذهبهم في جميع المتشابه.
الوجه الثالث: ما قدمنا في المسألة الأولى من حكاية إجماعهم على أنه يجوز في البرزخ ما يجور في دار التكليف من الامتحان بالآلام، والأمور المشتبهة، وقد أجمعت الأمة على أن ذرية المشركين الذين لم يذنبوا يلحقهم الرِّق في الدنيا بسبب كفر آبائهم، ويتمشى تأويل هذا على كل مذهب، فإنه لم يخرج مخرج العقوبة لمن لا ذنب له بذنب غيره.
وكذلك تعذيب الميت ببكاء أهله (3) ليس فيه تصريحٌ بأنه عقوبة له، ومنتهى ما فيه دخول الباء، فلا يدل على العقوبة، كاسترقاق الذرية بكفر (4) آبائهم.
(1) قطعة من حديث مطول رواه الطبراني في " الكبير " 25/ (1)، وابن أبي شيبة وابن أبي خيثمة، كما في " الفتح " 3/ 155، وابن منده كما في " الإصابة " 4/ 380، وحسَّن إسناده الحافظ في " الفتح "، وقال ابن عبد البر في " الاستيعاب " 4/ 381: وقد شرحه أهل العلم، وهو حديث حسن.
(2)
من " جامع الأصول " 11/ 93 - 94 الطبعة الشامية.
(3)
" أهله " ساقطة من (أ).
(4)
في (ش): " بذنب ".
وقد ذكر الذهبي ما يدلُّ على هذا في " النبلاء "(1)، أظنه في ترجمة سعد بن معاذ، فإنه ذكر أن ضمة القبر من جملة الآلام التي تصيب المؤمن وغيره، كآلام الدنيا. وهذا ممشى على أصول المعتزلة، فإن منهم من يجيز الألم متى كان للألم عِوَضٌ، ولا مانع من هذا بعد الموت، ومنهم: من يَشْرُطُ مع العوض للاعتبار، ولا مانع منه أيضاً، فإنه يجوز أن يعتبر به المكلَّفون لعلمهم به، وتصديقهم له.
وقال ابن عبد السلام في " قواعده "(2) في قاعدة عقدها في المستثنى من القواعد الشرعية: الثاني والعشرون: الصلاة واجبة على الأموات، لافتقارهم إلى رفع الدرجات، وتكفير السيئات، إلَاّ أن الأطفال لا يدعى لهم بتكفير (3) السيئات.
وقد روى مالكٌ، عن سعيد بن المسبب أنه سمع أنساً (4) يدعو لصبيٍّ في الصلاة عليه أن يُعيذه الله من عذاب القبر. وهذا ليس ببعيدٍ، إذ يجوز أن يُبتلى في القبر كما يبتلى في الدنيا، وإن لم يكن له ذنبٌ، فيجوز أن يكون هذا رأياً من أنس، و [يجوز] أن يكون أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
وهو مثل كلام الذهبي في تشبيه ذلك بآلام الدنيا، وعدم خُلُوه من الحكمة إن ثبت ذلك على الصحيح، والله أعلم.
الوجه الرابع: أن يكون الميت يستحق العذاب، ويكون البكاء عليه سبباً لوقوع العذاب في ذلك الوقت، فقد جاء في " الصحيح ":" من نُوقِشَ الحساب، عُذِّبَ "(5) وله شواهد في الصحاح، ومن لم يُبْكَ عليه أُخِّر عذابه
(1) 1/ 290 في ترجمة سعد بن معاذ.
(2)
2/ 142 - 143، وما بين حاصرتين منه.
(3)
في (أ) و (ش): تكفير، والمثبت من " القواعد ".
(4)
" الموطأ " 1/ 228، لكن فيه: عن أبي هريرة، وليس عن أنس، والخطأ من ابن عبد السلام، وتابعه عليه المؤلف.
(5)
تقدم تخريجه 5/ 274، وهو حديث صحيح.
المستحق حتى يجازى به في الآخرة أو يُعفى عنه. وإلى نحو هذا ذهبت عائشة، فإنها ذهبت إلى أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه، لا ببكائهم. حكاه النواوي عنها في شرح " مسلم "(1) وهو نحوه، إلَاّ أن فيما لخصته زيادةً حسنةً تناسب كون البكاء سبباً للعذاب المستحق، لا موجباً له، والله أعلم. وتكون الحكمة في تعجيل العقوبة المستحقة بسبب البكاء الزَّجر عنه.
ومع هذه الوجوه وما لا تحيط به العقول من حكمة الغنيِّ الحميد، الذي لا يُتَّهَمُ بظلم العبيد، كيف يسوغ تكذيب الثقات في رواية الأخبار النبوية، ونسبتهم إلى تجويز الظلم إلى بارىء البرية، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تكذيب اليهود فيما نقلوه من الإسرائيليات (2)، فالعجب ممن يتجرأ مع ذلك على تكذيب الثقات الأثبات.
فهذا ما وعدنا به من ذكر مذاهب أهل السنة على جهة الخصوص في إثباتهم حكمة الله عز وجل في هاتين المسألتين من المتشابه الذي لا تدرك العقول منه إلَاّ ما جاء عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
فصل: وأما ما وعدت به من ذكر مذاهبهم في ذلك على جهة العموم، فذلك كله إجماعٌ من أهل السنة، وقد ذكر ذلك الزنجاني في شرح قصيدته الرائية الشهيرة بالحث على السنة التي أولها:
(1) 6/ 228، وروى مالك في " الموطأ " 1/ 234 ومن طريقه أحمد 6/ 107، والبخاري (1289)، ومسلم (932)(27)، والترمذي (1600)، والنسائي 4/ 17 - 18، وابن حبان (3123) من طريق عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة، وذكر لها أن ابن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، قالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يُبكى عليها، فقال:" إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذَّب في قبرها ".
(2)
انظر ص 145 (ت) رقم (1).
تَمَسَّك بحبلِ الله واتبع الخبر
وقد نص على ذلك الإمام الشافعي في أوائل كتاب " الأم " ولم يحضرني لفظه، فلينظر فيه.
وقال ابن الحاجب في " مختصر المنتهى ": إنه إجماع الفقهاء كما سيأتي.
ولما حكى الذهبي عن عكرمة قوله: إن الله أنزل المتشابه ليضل به، قال الذهبي: ما أسوأها عبارة وأخبثها، بل أنزله ليهدي به وليضل به الفاسقين. وهذا منه رحمه الله إشارةٌ إلى قول الله تعالى:{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين} [البقرة: 26]. ذكره في ترجمة عكرمة من " الميزان "(1).
وقال ابن كثير في الأول من " البداية والنهاية "(2) في قصة نوح عليه السلام في تفسير (3) قوله فيما حكى الله عنه: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} [هود: 34]: أي: من يرد الله فتنته، فلن يملك أحدٌ هدايته، هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، وهو الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة. انتهى بحروفه.
وتقدم قول ابن الجوزي (4): بُتَّ الحكم، فلم يعارض بـ " لِمَ " فأقدام الطلب (5) واقفةٌ على جمر التسليم.
وقال النواوي في " الأذكار "(6) في حديث " والشر ليس إليك "(7): أي: ليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمتك، فإنه لا يفعل العبث، وفي شرح " مسلم "(8) مثله.
(1) 3/ 94.
(2)
1/ 102.
(3)
في (أ): " قصة ".
(4)
" العواصم ": 3/ 324.
(5)
في الأصلين: " الطالب "، وكتب فوقها في (أ):" الطلب ظ ".
(6)
ص 93.
(7)
تقدم تخريجه 5/ 296.
(8)
6/ 59.
وقال أيضاً في كتابه " التبيان في آداب حملة القرآن " في الباب التاسع (1) منه: فصلٌ: وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آيةٍ على آيةٍ في المُصحف أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع ونحو ذلك أن يقول: ما الحكمة في كذا.
انتهى بحروفه. ولم يعترضه في ذلك أحدٌ، بل ما زال علماء الإسلام يذكرون الحكمة في ذلك خصوصاً أئمة التفسير، وعلماء الأمة مُجمعون على تقرير ذلك وتصويبه سلفهم وخلفهم.
قال الشيخ العلامة محمد بن موسى الدميري الشافعي (2) في كتابه " حياة الحيوان "(3) في ذكر الذباب من حرف الذال: إن الله تعالى خلق الذبابة، وجعل لها الهداية إلى أن تُقَدِّم الجناح الذي فيه الداء، وتؤخِّر الذي فيه الدواء، لما فيه من الابتلاء الذي هو مَدْرَجَة (4) التعبد (5)، ومن (6) الامتحان الذي هو مِضمار التكليف، وله في كل شيء حكمةٌ وما يذَّكَّر إلَاّ أولو الألباب.
بل حكى هذا الكلام عن الإمام الخطَّابي (7) وقرره، فاتفقا معاً عليه، وردّا معاً على من طعن في الحديث الوارد من طريق أبي هريرة وأبي سعيدٍ (8)، وتكلَّفا
(1) بل في الباب السابع ص 141 منه بتحقيق صاحبنا الأستاذ العلامة عبد القادر الأرنؤوط نفع الله به.
(2)
هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي، أبو البقاء كمال الدين الدميري، مهر في الفقه والأدب والحديث، وشارك في الفنون، ووعظ وخطب فأجاد، وكان ذا حظ من العبادة توفي سنة 808 هـ. وكتابه " حياة الحيوان " قال عنه السخاوي: إنه نفيس أجاده وأكثر فوائده، مع كثرة استطراده فيه من شيءٍ إلى شيءٍ. انظر " إنباء الغمر " 5/ 347، و" الضوء اللامع " 10/ 59.
(3)
1/ 505.
(4)
تحرفت في الأصلين إلى " مدحه "، والمثبت من " حياة الحيوان " و" السنن ".
(5)
تحرفت في (ش) إلى: " العبد ".
(6)
" من " لم ترد عند الدميري والخطابي.
(7)
وهو عنده في " معالم السنن " 4/ 259.
(8)
رواه من حديث أبي هريرة: أحمد 2/ 229 و246 و355 و388 و398 و446، =
الوجوه الغامضة في الرد، ولو كان نفي الحكمة يسوغ عندهما، كان أقرب وأقطع.
وقال شيخ الحنابلة ومتكلمهم ابن قيم الجوزية في كتابه " حادي الأرواح "(1): محالٌ على أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين أن تكون أفعاله معطلة عن المصالح والغايات المحمودة، والقرآن والسنة والعقول والفطر والآيات شاهدة على ذلك.
وقال أيضاً في كتاب " الجواب الكافي "(2) له: إنه ما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله.
وقال ابن العربى المالكي المتكلم في شرح " الترمذي "(3) ما لفظه: فإن الباري لا يجوز عليه الإهمال بحالٍ ولا بوجهٍ، وقد وهم (4) في ذلك المتكلمون من علمائنا في بعض الإطلاقات على الله، وذلك قبيح، فلا تلتفتوا إليه. انتهى بحروفه. وهو صريح في إثبات الحكمة. ذكره في أول كتاب الصيام.
وقال الغزالي في أوائل " إحياء علوم الدين "(5) في كتاب العلم في ذكر علوم
= والبخاري (3320) و (5872)، وأبو داود (3844)، وابن ماجه (3505)، وابن الجارود (55)، والدارمي 2/ 98، والبيهقي 1/ 252، والبغوي (2813) و (2814)، وابن خزيمة (105)، وابن حبان (1246).
وحديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد 3/ 24 و67، والنسائي 7/ 178، وابن ماجه (3504)، والبيهقي 1/ 253، والبغوي (2815)، وصححه ابن حبان (1247).
ورواه من حديث أنس البزار (2866)، قال الهيثمي في " المجمع " 5/ 38: رجاله رجال الصحيح.
(1)
ص 266.
(2)
ص 165.
(3)
3/ 199.
(4)
في (ش): " قال: فقد وهم ".
(5)
1/ 20.
المكاشفة من كتاب العلم: إن من علم علوم المكاشفة: علم حكمة الله تعالى في خلق الدنيا والآخرة. انتهى بلفظه.
وصرح غير واحد من أهل السنة بذم أهل هذا القول من غلاة المتكلمين، على أن غلاة المتكلمين من الأشعرية الذين صرحوا به، وبالغوا في نصرته قد استشنعُوا ذلك، وحاولوا الاعتذار عنه، فقال الرازي: إنهم لا يخالفون في إدراك العقول قبح صفات النقص، كالجهل والكذب، وحسن صفات الكمال، كالعلم والصدق، وأن الله متصف بصفات الكمال، ومنزه عن صفات النقص، وإنما خالفوا بأنا (1) لا نعرف بمجرد العقل استحقاق فاعلها ما ورد به الشرع من الجزاء في الدنيا والآخرة.
وهذا حسنٌ جداً، لكنه يناقضه كما سيأتي، بل يلزمه ثبوت الحكمة في الأفعال كالأقوال سواء.
وكذلك ذكر الرازي أن فائدة العمل والتكليف مع سبق الأقدار، وهي تعجيل البشرى للمؤمن والإنذار للكافر، ويدل على قوله هذا قوله تعالى:{وما نرسل المرسلين إلَاّ مبشرين ومنذرين} [الكهف: 56]. وكلامه هذا يدلُّ على ثبوت الحكمة، وكذلك صرح بثبوتها في كلامه المقدم في الجبر والقدر الذي ذكره في " مفاتح الغيب "، فإنه ذكر فيه أن هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب تعظيم الله تعالى، نظراً إلى قدرته، وبحسب تعظيمه سبحانه نظراً إلى حكمته. إلى آخر كلامه في ذلك.
واعلم أنه لا فرق بين معرفة العقول أن الكذب صفة نقص يجب تنزيه الله عنها، وبين معرفتها أن تعذيب الأنبياء والأولياء في يوم الجزاء بذنوب أعداء الله صفة نقص يجب تنزيه الله عنها، وأن مَدْرَكَ قبح الأفعال والأقوال في العقول واحد، ومن حاول الفرق بينهما، فقد غالط وأبطل، وإنما ألجأهم إلى الفرق
(1) في (ش): " في أنا ".
بينهما مخافة صريح الكفر في تجويز الكذب على الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
قال الشهرستاني في " نهاية الإقدام " ما لفظه: ونحن لا ننكر أن أفعال الله تعالى توجهت إلى الصلاح ولم يخلق الخلق لأجل الفساد، ولكن الحامل له ما كان صلاحاً يرتقبه ولا خيراً يتوقعه، بل لا حامل له.
قلت: تعبيره بالحامل والارتقاب والتوقع (1) قبيح، ولو لم يقبح إلَاّ لكونه يوهم أن المخالفين له يُجَوِّزُون هذه العبارات القبيحة على الله تعالى. فكيف يوهم ذلك، ويستغلط الناظر في كلامه، فلو عبَّر بالحكمة، أصاب الحق ولم يوهم الباطل، {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِه} [الأعراف: 180].
وقد اعترفت الأشعرية أن الله تعالى لا يفعل إلَاّ بالإرادة، ولم يسموها حاملاً له تعالى على الفعل. فكذلك قال: إنه لا يفعل إلَاّ بحكمة لا يلزمه تسميتها حاملاً، على أن هذه العبارة مجازية، ولا مانع من حقيقتها، وليس تعتبر الأسماء بغير المعاني الصحيحة بالإجماع.
قال: وفرقٌ بين لزوم الخير والصلاح لأوضاع الأفعال، وبين حمل الخير والصلاح على وضع الأفعال.
قلت: مجموعهما أكمل وأفضل، وعلى ذلك الشرع المُنَزَّل والعقل الأول.
قال: كما تفرق فرقاً ضرورياً بين الكمال الذي يلزم وجود الشيء، وبين الكمال الذي يستدعي وجود الشيء، فإن الأول فضيلة هي كالصفة اللازمة، والثاني فضيلة هي كالعلة الحاملة.
قلت: فضيلتان أكمل من فضيلةٍ، وتعطيل الرب من إحدى الفضيلتين هفوةٌ جليلةٌ، فجدوى هذا التمثيل قليلةٌ.
(1) تحرفت في (ش) إلى: " والترفع ".
ثم ذكر أن عموم الخلق عندهم في توفيق الله الشامل لهم، وذلك بنصب الأدلة والإقدار على الاستدلال بإرسال الرسل، وتسهيل الطرق، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} [النساء: 165]. إلى آخر كلامه.
قلت: واستشهاده بالآية يكفي في الرد عليه، وكذا قوله (1): إن عموم الخلق في توفيق الله إلى آخر كلامه، فإن ذلك دليل الحكمة، إذ لا يترجح أحد الممكنين بغير مرجِّح بالضرورة، ولهم في هذا المذهب مقصدان:
أحدهما: أن المنافع والمضار، وإن تفاوتت بالنظر إلى الخلق، فهي غير متفاوتة بالنظر إلى الخالق، فإذاً الترجيح بالنظر إليه محالٌ، وذلك غاية الغنى وأتمه وأبلغه.
وثانيهما: قطع مادة الاعتراض لأفعال الله التي لا يُدْرَك بالعقول وجه الحكمة فيها.
وهذان مقصدان حسنان لولا ما أدَّيا إليه من القبائح، وصادماه من قواطع النصوص الصريحة (2) بل ما خالفاه من الضروره العقلية والضرورة الشرعية، وقد كان اللائق ترك الاحتجاج على ذلك لجلائه، ولكني رأيت الاغترار بكلامهم قد فشا في عوام أهل السنة، وكاد مقصدهم فيه بالعبارات المموَّهة يخفى على بعض الخاصة، فرأيت أن أقصد وجه الله تعالى، فأتلو من آيات كتاب الله تعالى أكثر من مئة آيةٍ مما تقشعر الجلود لمخالفته، وتخضع القلوب لجلالته من غير استقصاءٍ لذلك لكثرته، والنصوص القرآنية في ذلك أنواع كثيرة ولله الحمد.
النوع الأول: ما جاء بأصرح صيغ التعليل مما يتعذر فيه التأويل مع مراعاة الحياء من التنزيل، مثل ما ورد في تعليل خلق السماوات والأرض، وفيه آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا
(1) في (أ) و (ش): " قولهم "، وهو خطأ.
(2)
في (أ) و (ف): " الصريح "، وهو خطأ.
خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون} [الدخان: 38 - 39].
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا (1) إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8].
وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِين} [الأنبياء: 16 - 17].
وقوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون} [الأحقاف: 3].
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191].
وقوله تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون} [الجاثية: 22].
وقوله تعالى: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: 5].
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} إلى قوله: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [الطلاق: 12].
(1) من قوله تعالى: (لاعبين) إلى هنا لم يرد في (ش).
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُون} [الرعد: 2].
ومن ذلك، وهو من أصرحه وأفصحه، قوله تعالى في الرد على اليهود:{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم} [المائدة: 18] حيث ادَّعوا أنهم أبناؤه وأحباؤه، فإنها (1) مناديةٌ نداءً صريحاً على أنهم لا يُعَذَّبون بمجرد القدرة والمشيئة من غير نظرٍ إلى غيرهما، لأنه لو كان كذلك، لما علَّل انتفاء التعذيب بحصول المحبة، وأفحم بذلك الخصم، وأمر نبيه عليه السلام أن يناظر بذلك، وأودعه كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن ذلك تعليل عذاب أهل النار بكونه جزاءً لهم على ذنوبهم (2)، وهذا معلومٌ بالضرورة من الدين ونصوص القرآن المبين.
والعجب ممن يعرف القرآن الكريم كيف يقول بذلك؟!
قال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُم} [النساء: 147].
وقال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازى (3) إِلَّا الْكَفُور} [سبأ: 17].
وقال: {لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون} [سبأ: 25].
وقال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15].
(1) في (أ): " فإنه ".
(2)
قوله: " بكونه جزاء لهم على ذنوبهم " ساقط من (أ).
(3)
هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص:{وهل نجازي إلَاّ الكفور} . انظر " حجة القراءات " ص 587.
وقال: {هل تجزون إلَاّ ما كنتم تعملون} [النمل: 90].
وقال: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} [سبأ: 45].
وقال: {كذلك نجزي كل كفور} [فاطر: 36].
وقال: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه
…
فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 43 - 45].
وقال تعالى: {إنَّ ربَّهُم بهم يومئذٍ لخبير} (1)[العاديات: 11].
وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين} [يس: 60].
وقال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلَاّ الله يستكبرون} [الصافات: 35].
وقال تعالى: {جزاءً بما كانوا يعملون} [الأحقاف: 14].
وقال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُون} إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2)[السجدة: 18 - 21].
وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51].
وقال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون} [الجاثية: 21].
وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار} [ص: 28].
وقال تعالى: {وما يُضِلُّ به إلَاّ الفاسقين} [البقرة: 26].
(1) هذه الآية لم ترد في (أ).
(2)
آيات " السجدة " لم ترد في (ش).
وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون} [الأنعام: 125].
وقال تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون} [يونس: 100].
وقال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} إلى آخر الجاثية: [28 - 37].
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} [محمد: 3].
فهذا وأمثاله في تعليل عقوبة أهل النار.
وكذلك ثواب أهل الجنة جاء في كتاب الله معللاً بمجازاتهم على أعمالهم، وليس ذلك بمانع من دخولهم الجنة برحمته سبحانه.
فإن قيل: فكيف الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أحداً لم يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا، إلَاّ أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ " وبين الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى:{ادخُلُوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32]، وكيف يعارض القرآن بخبر الواحد؟
قلنا: ليس بخبر واحدٍ، بل هو متواتر عند أهل البحث التام عن طرق الحديث، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من بضعة عشر طريقاً: عن أبي هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخدري، وأبي موسى، وشريك بن طارقٍ، وأسامة بن شريك (1)، وأسد بن كُرْزٍ، وأنسٍ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وواثلة بن الأسقع.
فحديثُ أبي هريرة وحديث عائشة متفقٌ عليهما، وحديث جابر عند مسلم، وبقيتها في " مجمع الزوائد " من مسانيد الأئمة الحفاط، وثق الهيثمي رجال أربعة
(1) في (أ) و (ش): شريك بن طريف، وهو تحريف، فلا يعرف في الصحابة أحد بهذا الاسم.
منها وبقيتهم رجال التواتر (1).
وشهدت بها آيات القرآن -كما يأتي الآن- في أقوال السلف والخلف، وعلى تسليم أنها آحادٌ عند الخاصة، كما هو كذلك عند العامة، فليس
(1) حديث أبي هريرة رواه البخاري (6463)، ومسلم (2816) و (2817). ورواه أيضاً أحمد 2/ 235 و326 و390 و509 و514 و524 و537، وابن حبان (438) و (660).
وحديث عائشة رواه البخاري (6464)، ومسلم (2818).
وحديث جابر رواه مسلم (2817). ورواه أيضاً أحمد 3/ 337، والدارمي 2/ 305، وابن حبان (350).
وحديث أبي سعيد الخدري رواه أحمد 3/ 5. قال الهيثمي 10/ 356: وإسناده حسن، مع أن فيه عطية العوفي، وهو ضعيف.
وحديث أبي موسى رواه البزار (3447). قال الهيثمي 10/ 357: رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وفي أسانيدهم أشعث بن سوار، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجالهم ثقات.
وحديث شريك بن طارق رواه البزار (3446)، والطبراني في " الكبير "(7218) - (7221)، وابن حبان في " الثقات " 3/ 188 - 189. قال الهيثمي بعد أن أورده من حديث شريك: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
وحديث أسامة بن شريك رواه الطبراني في " الكبير "(493).
وحديث أسد بن كرز رواه البخاري في " التاريخ الكبير "(1001)، والطبراني في " الكبير " 2/ 49. قال الهيثمي 10/ 357: رواه الطبراني، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. قلت: قد صرح بالتحديث عند البخاري، وذكره الحاظ في " الإصابة " 1/ 49، وحسَّن إسناده.
وحديث أنس رواه البزار (3444). قال الهيثمي: فيه صالح المري، وهو ضعيف.
وحديث ابن عمر رواه الطبراني في " الأوسط ". وقال الهيثمي 10/ 357 - 358: فيه أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين.
وحديث واثلة بن الأسقع رواه الطبراني في " الكبير " 22/ (140) وفيه بشر بن عون، وهو متهم بالوضع.
بمعارضٍ للقرآن الكريم، بل ليس بمعارضٍ في الحالين معاً، وليس بمعارض القرآن والأخبار، ولا يجوز ذلك وإن جهل معناه الجاهلون، ومعنى الحديث صحيحٌ كلفظه، وفي القرآن معناه في غير آية.
قال الله تعالى في الجنة: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [الحديد: 21].
وقال في سورة الدخان بعد ذكر الجنة: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [الدخان: 56 - 57].
وقال في آل عمران: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [آل عمران: 107].
وقال في سورة الأحزاب: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47]، فسمى الأجر فضلاً كما سمى الفضل جزاءً، وذلك غير متناقضٍ، وقد نطق به التنزيل مفرَّقاً في غير آيةٍ ومجموعاً في قوله:
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 171].
وليس في كتاب الله أن العمل يدخل الجنة، وإنما فيه أن الله هو يُدخل الجنة به في بعض الآيات، وفي بعضها بالعمل وبتكفير الله تعالى للسيئات، وهو زيادةٌ يجب اعتبارها، وبها يظهر فضل الله.
قال في سورة التغابن: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التغابن: 9].
وقال في سورة الطلاق: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار} [الطلاق: 11].
وفي آخر آل عمران نحوهما، [اقرأ الآية: 198].
وكذلك: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون} [الزمر: 35]، وهو كثيرٌ، ولا دليل على أن التكفير واجبٌ بالعمل، بل الأدلة ناهضةٌ بخلافه، منها:{ولو يُؤاخِدُ الله الناس} الآيتين [النحل: 61]، {فاطر: 45] وما في معناهما من الأحاديث، وقد تقدمت مبسوطة.
منها: تسمية الجنة فضل الله.
ومن ذلك: أن الله يعلم العلم، ويثيب عليه، قال:{وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7]، {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79].
ومن ذلك: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُون} [الدخان: 41]، {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم} [الدخان: 42]، {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَه} [غافر: 9]، قال:{وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَان} [الحديد: 20].
وأما الجواب على السؤال، فمن وجوهٍ أربعة:
الوجه الأول: أن الأعمال الصالحة إنما صلحت برحمة الله تعالى، كما قال تعالى:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاء} [النور: 21].
وقال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7].
وقال تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَان} [الحجرات: 17].
وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164].
وأوضح منهما قوله تعالى: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94].
وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة} [الحجرات: 7 - 8].
وحكى الله عن ذي القرنين أنه قال: {هذا رحمةٌ من ربي} [الكهف: 98] يعني ما صنعه الله تعالى.
وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
ويوضحه من النظر أن المحسن بالسبب مُحْسِنٌ بالمسبِّب، خصوصاً مع قصد الإحسان بهما.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله عز وجل: " إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكم بها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلَاّ نفسه ".
أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه (1).
(1) تقدم تخريجه ص 19.
ويشهد لذلك قوله تعالى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].
ويشهد لدخول الجنة برحمة الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66].
وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58]، {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين} [هود: 94].
ونحوه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43]، {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].
ونحوه: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقال:{وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] وهو في خطابه لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقول نوح: {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47].
وقول آدم وحواء: {وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} (1)[الأعراف: 23].
وقول يونس: {سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87].
وقول إبراهيم: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين} [الأنعام: 77].
وقوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} [الشعراء: 82].
(1) هذه الآية لم ترد في (ش).
فهؤلاء الأنبياء، فكيف غيرهم؟!
الوجه الثاني: لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله بالمعاوضة، لأن العمل حقيرٌ ليس يُستحق بمثلِه مثلُ الجنة لو رجعنا إلى العوض المحقق، والباء في قوله:{بما كنتم تعملون} [النحل: 32]، باء السببية، فالأعمال سبب ذلك الفضل العظيم، والباء في السببية ظاهرةٌ شهيرةٌ، وقد تكون الأسباب عللاً في التفضل.
وقد جمع الله الأمرين في قوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43].
الوجه الثالث: ما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال.
ويدل على هذا حديث أبي هريرة، وفيه " أن أهل الجنة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم ". رواه الترمذي (1).
وقد دل على ذلك ما لا يُحصى من كتاب الله، مثل قوله تعالى:{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 12].
ومثل قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} [يونس: 4].
والتحقيق أن مقدار الأجر المستحق على تقدير وجوبه غير معروفٍ عقلاً، فجائز أن يكون حقيراً لو بيَّنه الله، وقد سمى الله الجنة فضلاً، فلا موجب لتأويله، لأنه عز وجل جعلها جزاء عملٍ حقيرٍ كرماً فضلاً، ولو لم يزد على القدر المستحق على تقدير صحته، لكان ما لا قدر له ولا نفع.
(1) برقم (2549). ورواه أيضاً ابن أبي عاصم في " السنة "(585) و (587)، وابن ماجه (4336)، وابن حبان (7438) وإسناده ضعيف. وانظر " صحيح ابن حبان "، فقد فصلنا القول فيه هناك.
ويدل على ذلك حديث الرجل الذي عبد الله خمس مئة سنة في جزيرة من البحر، وأراد أن يدخل الجنة بعمله، فحوسب، فما وفَّى عمله بنعمة البصر. خرَّجه الحاكم في " المستدرك " وصححه، وهو حديث مشهور (1).
ويشهد لمعناه ظاهر قوله تعالى في خليله إبراهيم: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين} [العنكبوت: 27].
وفي " الكشاف "(2) في قوله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]، وهذا يدلُّ على أن الجنة مستحقة بالعمل، لا بالتفضل كما يقوله المبطلة.
فكتب بعض أهل العلم (3) في حاشيته ما لفظه: نعم يا شيخ المُحِقَّة.
قلت: الجنة بالعمل، فالعمل بماذا؟ قلت: بالاختيار فالاختيار بماذا؟ رأى الأمر يُفضي إلى غايةٍ، فصيّر آخره أوَّلاً، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه} [الأعراف: 43]. انتهى.
وألحقه بعضهم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21]، {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَان} [الحجرات: 17].
وقد دل القرآن على أن العمل نعمة، والجزاء عليه نعمة.
أما الأول، ففي قوله تعالى:{أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة} [الحجرات: 7 - 8]، وقوله:{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَر} [القمر: 35].
وقد ختم الزمخشري " كشافه "(4) بتضرع إلى الله طويل، قال في آخره:
(1) تقدم تخريجه 5/ 257، وهو حديث ضعيف.
(2)
2/ 80.
(3)
في (ش): " أهل السنة ".
(4)
4/ 304.
ويُحلَّني دار المقامة من فضله بواسع طوله، وسابغ نوله (1) إنه هو الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم. انتهى بحروفه.
وهو شاهدٌ على أن مذهب أهل السنة هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأن الخصوم عند أن تَحِقَّ الحقائق يرجعون إليها، ولو رجع إلى تحقيق مذهبه، لكان مسألته للجنة عبثاً لا فائدة فيه، لأنه إن كان عاملاً بما كلَّفه، فهي له حقٌّ واجبٌ، لا يصح من الله الإخلال به، وإلا كانت المسألة لله أن يفعل قبيحاً ويُخلف وعده ويكذب فيه، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
ومما يتعذر تأويله من صيغ التعليل مثل قوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} الآية [المائدة: 32].
ومن ذلك تأويل المتشابه، وعلى قولهم ليس له تأويل، وقصة الخَضِر وموسى مصادِمَةٌ لمذهبهم بالضرورة، ولا معنى لإنكار موسى، ثم لجواب الخَضِر إلَاّ اعتقادهما تغاير أحكام الأفعال بتغاير أسبابها عند الله تعالى، ألا تراهما لم يتنازعا في مشيئة الله تعالى وأمره، ولذا ما قال موسى: إن الله لم يشأ هذا ولا أمر به، ولا قال الخَضِر: إن هذا شاءه الله وأمر به، ولا كان الخضر أعلم من موسى بالنظر إلى مجرد أن ما شاء الله كان، وما شاء أن لا يكون لم يكن، فعامة المؤمنين يعرفون ذلك، إنما تفاضلا في معرفة حكمة الرب المتشابه (2) التي نفتها هذه الطائفة.
الوجه الرابع: أن التوحيد عملٌ، بل هو أفضل العمل، كما ورد في الصحيح، وأجمعت عليه الأمة: من مات عقيب قوله: لا إله إلَاّ الله مخلصاً غير منافق (3)، بل ذلك معلومٌ ضرورةً من الدين، يوضحه أنا قد أجمعنا علي أن النار لا تُدْخَلُ إلَاّ بعمل، وأن من أشرك بالله، فقد استحق النار بأقبح العمل وهو الشرك.
(1) في (أ) و (ش): " نيله "، والمثبت من " الكشاف ".
(2)
في (ش): " للمتشابه ".
(3)
انظر 5/ 127 و160.
فإذا ثبت بالنصوص والإجماع أن الشرك عمل، فكيف لا يكون التوحيد عملاً؟! وكما أن من عذبه الله تعالى من المشركين، فقد عذبه بعمله، فكذلك من أثابه الله من الموحدين، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله.
فبطل ظن من قال: إن الرجاء يؤدي إلى أن الإيمان قولٌ بلا عمل، أو إلى أن الجنة تُدخل بغير عمل، وقد عظَّم الله القول الثابت بقوله:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
واعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدخل بعملٍ كما ورد في القرآن، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تستحق على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري.
فمرجع النزاع في أن الباء التي في قوله تعالى: {بما كنتم تعملون} [النحل: 32] هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه، مثل الثوب بالدرهم، أو هي باء السببية، كقولك: أكرمني الملك بسابق معرفةٍ، أو بكلمة طيبة سمعها مني، أو نحو ذلك؟
والقرآن إنما نص على العمل، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي، ولو قال أهل السنة بعدم العمل، لجوزوا الجنة للمشركين، فاعرف هذه النكتة.
وقد ظهر أن الخلاف إنما هو في كيفية الجمع بين الآيات والأخبار، وظهر عند كل منصفٍ وعارفٍ قصور العمل عن الوفاء بنعم الله وشكره، وما يحق له، كما قال:{وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: 91].
ويلحق بهذا النوع جميع ما احتج الله تعالى به من البراهين على التوحيد، وأنزله من الكتب، وأرسله من الرسل، فإنه معلومٌ أن الحكمة فيها والداعي إليها هو إقامة الحجة البالغة، كما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب "(1).
(1) تقدم تخريجه.
والآيات في هذا كثيرة، ويأتي منه شيءٌ في النوع الثاني.
النوع الثاني: ما جاء من أفعال الله تعالى معلَّلاً بلام " كي "، وهو أكثر من أن يُحصى.
فمنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5].
وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7].
وقوله: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
وقوله: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} [الكهف: 2].
وقوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} [الأنفال: 8].
وقوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} [الروم: 41].
وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الروم: 46].
وقوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73].
وقوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].
وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ
الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11].
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 36 - 37]
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ} [لقمان: 31].
وقوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة: 3].
وقوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8].
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب: 43].
وقوله تعالى: {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14].
وقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 1 - 2].
وقوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33].
وقوله: {ليغيظ بهم الكفار} [الفتح: 29].
وقوله: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر: 30].
وقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس: 6].
وقوله: {لِتُنْذِرَ (1) مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس: 70].
(1) كذا في (أ): بالتاء، وهي قراءه نافع وابن عامر، وقرأ الباقون:{ليُنذر} : بالياء. انظر =
وقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
ومنه ما يمكن تأويله بأن اللام فيه للعاقبة، ومنه ما لا يمكن ذلك فيه، كما لا يخفى على المتأمل النبيه.
والعجب من الشهرستاني أنه اختار أفعال الله تعالى غير معلَّلةٍ بداعٍ ولا حكمة، ثم لم يُورد على قوله من السمع إشكالاً قط إلَاّ قوله تعالى:{وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الجاثية: 22]، وأجاب بأن اللام فيها للعاقبة، كقوله تعالى في شأن موسى عليه السلام:{فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8]، وكقوله تعالى:{جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67].
وتمسُّكُه بهذه الآية الثانية ممنوعٌ، فإنه ادعى ظهور أن اللام فيها للصَّيرورة والعاقبة بغير حجةٍ.
وأما الآية الأولى، فقد أكثر المتكلمون المتأولون من الاستشهاد بها، ولا دليل لهم قاطعٌ على أن اللام فيها للعاقبة، لأنه يمكن أن اللام فيها على أصلها من التعليل، وذلك أن التقاطهم لموسى عليه السلام إنما كان من كرامات الله تعالى له، لأنهم كانوا مجتهدين في قتل الولدان لما (1) قضى به أهل علم النجوم من ظهور مولودٍ في ذلك العصر تكون له الدولة عليهم، فكان الرأي والنظر يقضي أن يكون الطفل الذي قذفه البحر في صندوقٍ هو الذي له الشأن العظيم، فيكون هو الذي يقتلونه دون غيره، أو هو أولى بذلك من غيره، فحين أعماهم الله تعالى من ذلك، لإنفاذ قَدَرِهِ ورغَّبَهم في التقاطه إكراماً لموسى، ورحمةً وحفظاً ولطفاً وإظهاراً لعظيم قدرته في أن يخدُمَه أعدى عَدُوٍّ له، مع الحرص الشديد على قتله وقتل جميع الولدان من أجله، كان هذا الالتقاط من
= " حجة القراءات " ص 603.
(1)
في (ش): " بما ".
أفعال الله تعالى التي ينفرد بها، وليس لهم فيها كسبٌ ولا اختيارٌ، لما فيه من منافاة أغراضهم، فكان بمنزلة رد موسى إلى أمه، لأن الله تعالى نسبه إلى فعله، حيث قال:{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [القصص: 13] مع أن ذلك الرد كان على يدي أخته.
وكذلك رميُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ في وجوه المشركين لما وقع له ذلك الموقع العظيم، قال الله تعالى:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (1)[الأنفال: 17].
ونحو ذلك من أفعال العباد كثيرٌ يجري على أيديهم، وهو منسوبٌ إلى الله تعالى في المعنى، وهذا الالتقاط من ذلك القبيل، هو فعل الله تعالى على يد آل فرعون.
والله تعالى بيَّن أن ذلك الالتقاط من ذلك القبيل (2) الذي قدره ويسر وأذن فيه ليكون لهم عدواً وحزناً.
فهذا تعليل فعل الله في الالتقاط الذي فعله آل فرعون ومراده، لا تعليل فعلهم ومرادهم، فقد بين سبحانه عنهم أنهم أرادوا أن يكون موسى لهم قرة عينٍ، وأن ينفعهم أو يتخذه ولداً.
فاعجب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال، ومنتهى ما فيه تسليم أن اللام في هذه الآية للعاقبة، ولكن ذلك مجازٌ لا يجوز العدول إليه في سائر الآيات إلا لموجبٍ.
على أن ذلك يتعذر في كثيرٍ من الآيات، كقوله تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، فإنا لو قلنا: إن اللام هنا للعاقبة، لم تكن الآية دالة على الترتيب في تدبر كتاب الله تعالى، وهذا
(1) انظر ص 106 من هذا الجزء.
(2)
من قوله: " هو فعل الله تعالى " إلى هنا سقط من (ش).
اعتقادٌ فاحشٌ، نسأل الله العافية.
النوع الثالث: ما جاء معللاً بالباء السببية، كقوله تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} [الأعراف: 137].
وقوله تعالى: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136].
وقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (1)[الأعراف: 146].
وقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36].
وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ} [لقمان: 31].
وقوله تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [السجدة: 14].
وقال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
وقال: {اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون} [يس: 64].
وقال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].
وقال: {كل نفسٍ بما كسبت رهينةٌ} [المدثر: 38].
(1) لم ترد هذه الآية في (ش).
وقال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72].
وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} [محمد: 3] وما قبلها في سورة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
النوع الرابع: ما جاء معللاً بلام الجر، كقوله تعالى:{وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس: 42].
وقوله: {وذلَّلناها لهم} [يس: 72].
وقوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29].
وقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
وقوله تعالى: {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 126].
وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132].
النوع الخامس: ما جاء معللاً " بأن " المفتوحة الخفيفة، كقوله تعالى:{إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف: 57].
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} [الأنبياء: 31].
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172].
النوع السادس: ما جاء من المفعول لأجله، كقوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم: 24].
وقوله: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [يس: 44].
وقوله تعالى: {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات: 7].
وقوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال: 11].
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [ص: 43].
وقوله تعالى: {نكالاً من الله} [المائدة: 38].
وقوله تعالى: {وما نرسل بالآيات إلَاّ تخويفاً} [الإسراء: 59].
وقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ (1) وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64].
وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89].
النوع السابع: ما جاء بـ "لو"، كقوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64].
وقوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27].
وهي من أصرح الآيات في ذلك.
النوع الثامن: ما جاء بـ " لولا "، كقوله تعالى:{وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الزخرف: 33].
وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [يونس: 19]، [هود: 110]، [فصلت: 45].
(1) من بداية هذه الآية إلى هنا لم يرد في (ش).
وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 21].
النوع التاسع: ما جاء بـ " لمَّا "، كقوله تعالى:{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59].
وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
وقوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} [الزخرف: 55].
وقوله: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} [يونس: 98].
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [يونس: 13].
النوع العاشر: ما جاء بـ " إذا "، كقوله تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء: 16].
النوع الحادي عشر: ما جاء بصيغة الحال، كقوله تعالى:{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56].
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46].
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].
النوع الثاني عشر: ما جاء بـ " من " الشرطية، كقوله سبحانه:{وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ: 12].
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23].
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36].
وقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125].
النوع الثالث عشر: ما جاء بـ " ما " الشرطية، كقوله تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ: 39].
وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215].
وقوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].
النوع الرابع عشر: ما جاء بـ " الكاف "، كقوله تعالى:{فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51].
النوع الخامس عشر: ما جاء بـ " كي "، كقوله تعالى:{فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [طه: 40].
وقوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} [الأحزاب: 37].
وقوله: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7].
وقوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5].
النوع السادس عشر: قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 5].
وقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149].
ومن أسمائه الحسنى: الحكيم، وهو منصوصٌ في كتاب الله تعالى متكرِّرٌ، وقد ردوه إلى معنى العليم، وجعلوه مُرادِفاً له، غير زائدٍ عليه، وأوَّلُوه بمعنى
المحكم لتصوير مخلوقاته في مقاديرها، ومنعوا أن يكون له حكمة في أحكامها. ونقل هذا عنهم بعض أهل السنة من غير علمٍ لهم يقابلهم في نفي الحكمة، وإنما نقلوا عنهم أن الحكيم هو المُحْكِم لأفعاله، وحَسِبُوا أنهم قالوا ذلك نقلاً عن أهل اللغة كما يفعله أهل تفسير الغريب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، " إن هذا الدين بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ "(1)، فهذا أوان غرابته.
ألا ترى إلى هذه الطائفة -مع جلالتهم في الإسلام- يُبالغون في إنكار حكمة الله تعالى لما قَصَّرَتْ عن دركها أفهامهم، ويردونها إلى مجرد الإحكام الذي إذا تجرد عن الحكمة، كان من أقبح القبائح، فإن قصائد الكفار (2) في سبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسب أصحابه رضي الله عنهم أجمعين في غاية الإحكام بالنظر إلى أوضاع اللغة ولطائف المعاني والبيان. وكذلك كتب الزنادقة والفلاسفة في سب الباري سبحانه وتعطيله محكمة التصنيف والترصيف، فتكون حكمة الله تعالى في جميع مخلوقاته وكتبه ورسله وآياته راجعة إلى مثل ما رجع إليه أحكام السفهاء والجهلاء لقبائحهم وفواحشهم ومخازيهم.
وقد ثبت أن الشيطان الرجيم من العلماء بالله تعالى وصفاته ورسله وشرائعهم، ولذلك تمكن من الدعاء إلى الباطل، والصَّدِّ عن الحق، لأن ذلك لا يتم إلَاّ بعد العلم بهما، وقد أحكم وسوسته وشيطنته ومكايده. أفيصح أن يُسمَّى (3) حكيماً لإحكامه لأفعاله القبيحة؟! أو يصح أن يرجع بحكمه من صح وصفه بأن له الحكمة البالغة والحجة الدامغة إلى مثل ذلك.
قال أبو نصر الجوهري في " صحاحه "(4): الحُكْمُ -يعني: بضم الحاء-: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم صاحب الحكمة، والحكيم: المتقِنُ
(1) حديث صحيح، وتقدم تخريجه 1/ 225 - 226.
(2)
في (ش): " المشركين ".
(3)
في (أ): " يكون يسمى ".
(4)
5/ 1901 - 1902.
للأمر، وقد حَكُمَ -بضمِّ الكاف-: أي صار حكيماً.
قال النَّمِر بن تولب:
وأبْغِضْ بَغِيضَك بُغْضَاً رويداً
…
إذا أنت حاولت أن تحكما (1)
قال الأصمعي: إذا أنت حاولت أن تكون حكيماً.
قال: وكذلك قول النابغة:
واحكم كحُكم فتاة الحي إذ نظرت
…
إلى حَمَامٍ وشِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ (2)
والمُحَكَّم -بفتح الكاف- الذي في شعر طرفة (3): الشيخ المجرَّب المنسوب إلى الحكمة.
(1) البيت في اللسان " حكم "، وفي مختارات ابن الشجري 19، و" خزانة الأدب " 10/ 254، وقبله:
وأحبب حبيبك حباً رويداً
…
فليس يعولك أن تصرما
وانظر القصيدة بتمامها في " شرح شواهد المغني " 1/ 385 - 386.
(2)
البيت من معلقة النابغة الذبياني يخاطب بها النعمان بن المنذر ويعاتبه ويعتذر إليه مما اتُّهم به عنده، ويتنصل بها عما قذفوه به، ومطلعها:
يا دار ميّة بالعلياء فالسند
…
أقوت وطال عليها سالف الأمد
وبعد هذا البيت:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
…
إلى حمامتنا ونصفه فَقَدِ
وفتاة الحي: هي زرقاء اليمامة.
وانظر البيت في " ديوان النابغة " ص 24، و" شرح المعلقات " للتبريزي ص 446، و" خزانة الأدب " 10/ 254.
(3)
وبيت طرفة بن العبد هو قوله:
ليت المحكّم والموعوظَ صوتكما
…
تحت التراب إذا ما الباطل انكشفا
وقال محمد بن نشوان في " ضياء الحلوم "(1): الحكمة: فهم المعاني (2)، قيل: سُمِّيت حكمةً، لأنها مانعةٌ من الجهل، قال تعالى:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
قلت: وقال الله تعالى في يوسف (3) عليه السلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22].
وقال أيضاً: والحكيم (4): صاحب الحكمة، قيل: هو المانعُ من الفساد، وقيل: هو المصيب للحق، والحكيم من صفاته تعالى، يجوز أن يكون بمعنى العالم، ويجوز أن يكون بمعنى (5) الفاعل الأفعال المحكمة، والقرآن الحكيم: أي المُحْكَم (6)، والمحكم من القرآن: ما هو قائمٌ بنفسه، لا يفتقر إلى الاستدلال، قال: والمحكم: المجرَّب (7): المنسوب إلى الحكمة.
وقال ابن الأثير في " النهاية "(8) في تفسير اسمه " الحكيم " سبحانه، وقيل: الحكيم: ذو الحكمة، والحكمة: عبارةٌ عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل المعلوم. وفي الحديث: " إن من الشعر لحُكْماً "(9) أي: كلاماً نافعاً يمنع الجهل والسَّفَةَ، وينهى عنهما، وقيل: أراد بهما المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس، والحُكْم: العلم والفقة والقضاء بالعدل. ويُروى: "إن من الشعر
(1) قوله: " في ضياء الحلوم " سقط من (ش). وانظر " شمس العلوم " لنشوان الحميري 1/ 452 - 454.
(2)
في (ش): " المعنى ".
(3)
في (ش): " ليوسف ".
(4)
في (أ) و (ش): " والحكم "، والمثبت من " شمس العلوم ".
(5)
عبارة: " العالم ويجوز أن يكون بمعنى " سقطت من (أ).
(6)
قوله: " والقرآن الحكيم: أي المحكم " سقط من (ش).
(7)
تحرفت في (ش) إلى: " المجون ".
(8)
1/ 418 - 419.
(9)
حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه 3/ 251.
لحكمةً" (1)، وهو بمعنى الحكم. ومنه: " الصمت حُكمٌ، وقليلٌ فاعله " (2).
ومنه: " الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار "(3) لأن أكثر فقهاء الصحابة منهم: معاذٌ وأُبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابت.
قلت: وقد جاءت الحكمة مقرونةً بالكتاب في كلام الله تعالى، واتفقوا على تفسيرها بما يرجع إلى معرفة محاسن الأمور من قبائحها. والدليل على تغاير صِفَتَي العلم المجرد والحكمة ما جاء في كتاب الله تعالى من التفرقة الظاهرة بين الحكم والعلم، كآية يوسف عليه السلام المقدمة قريباً، وبين الحكيم والعليم، لورودهما متغايرين في النصوص، كقوله تعالى:{إنَّ الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30]، وقوله تعالى:{وهو الحكيم الخبير} [الأنعام: 18] وذلك كثيرٌ جداً في كتاب الله تعالى.
على أن دِلالة الفعل المحكم على العلم مستلزمةٌ لدلالة العلم على الحكمة، وذلك أن تخصيص الموجودات بوقوعها على بعض الوجوه دون بعضٍ من الإحكام وموافقة الأغراض أو منافرتها لا تكون إلَاّ بالحكمة المعبَّر عنها في علم الكلام بالدواعي المرجِّحة لبعض المُمكنات على بعض، وإلَاّ أدى إلى ترجيح بعض الممكنات من غير مرجِّحٍ، وهذا يؤدي إلى استغناء العالم عن الباري سبحانه وتعالى. وهذه هي حجة هؤلاء الغلاة من الأشعرية
(1) حديث صحيح، تقدم تخريجه 3/ 250.
(2)
حديث صحيح. رواه ابن حبان في " روضة العقلاء " ص 41، والقضاعي في " مسند الشهاب "(240) من حديث أنس. ورواه الديلمي في " مسند الفردوس "(3851) من حديث ابن عمر، وضعفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث " الإحياء " 3/ 108 - 109، وقال: رواه ابن حبان بسند صحيح عن أنس. وأورده الحافظ في " المطالب العالية " 3/ 190، ونسبه لأبي يعلى.
(3)
رواه أحمد 4/ 185، والطبراني في " الكبير " 17/ (298) من حديث عتبة بن عبد السُّلمي، وزادا فيه:" والدعوة في الحبشة "، " والهجرة في المسلمين والمهاجرين بعد " وإسناده حسن، وذكره الهيثمي في " المجمع " 4/ 192، وقال: رجاله ثقات.
في أكثر مذاهبهم التي يُعَوِّلون عليها ويلجؤون إليها.
وفي هذه المسألة خالفوا الأصول، وأضاعوا المعقول والمنقول.
وعلى كلامهم: لا فرق بين اتصاف الله بالحكمة والرحمة والعفو والجود وأضدادها.
وعلى كلامهم: لا فرق بين ما تمدَّح الله به من إقامة العدل يوم القيامة، ونصب موازين الحق، وإكرام أنبيائه وأوليائه، وإدخالهم الجنة، وتشفيعهم، وإخزاء أعدائه وتعذيبهم، وبين العكس من ذلك كله، وأن الله -تعالى عن ذلك- لو عكس جميع أحكامه العادلة يوم القيامة، وعذَّب الأنبياء والأولياء وأخزاهم ومقتهم ولعنهم وخلَّدهم في طبقات النِّيران، وأشمت بهم أعداءهم، وجعل كرامتهم وما أعدَّ لهم لأعدائهم وأعدائه الكفرة الفجرة الخِساس الأراذل، لكانا في محض حكمته وعقول العقلاء على سواءٍ.
فإن اعترف منهم مُنْصِفٌ أن هذا العكس صفة نقصٍ يجب تنزيهه عنها، كالكذب سواء، فقد هُدِيَ إلى سواء السبيل، وإن رام بينهما فرقاً، فقد طَمِعَ في غير مطمعٍ.
وتلزمهم أيضاً تسوية جميع أفعال الله تعالى في الدارين معاً بالاتِّفاقيَّات، وبآثار العلل الموجبة، وبأفعال المجانين والصِّبيان، بل والمفسدين، فإن أفعال هؤلاء صاروا مثلاً في النقص والخِسَّةِ، لخُلوِّها من الحكمة، وقد جعلوا أفعال الله تعالى أبعد منها عن الحِكَمِ لوجهين:
أحدهما: أنهم جعلوها كلِّها كذلك، وجعلوا تجويز الحكمة فيها من المُحال، وليس تجويز الحكمة على ما ذكرنا من المحال.
وثانيهما: أنهم جعلوا الحكمة في حق الله تعالى تؤدِّي إلى أن يكون فقيراً محتاجاً إليها، فجعلوها صفة ذمٍّ له، وهذا مخالفٌ للمعقول والمنقول والإجماع، وكان يلزمهم تنزيه الله تعالى من الإرادة والعلم والقدرة، وأن يكون
محتاجاً إلى مثل (1) ذلك.
وهذا مذهب القرامطة، وهذه شبهتهم، والقول بأن وجوب أسماء الله الحسنى له توجب أو بعضها وصفه بالفقر إليها من الباطل الجليِّ، فنسأل الله العافية من البدع والشَّناعات.
ولا معنى -على قولهم- لقول الله تعالى: {ساء ما يحكمون} [العنكبوت: 4]، ولا لقوله في الجواب على الملائكة:{إنِّي أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]، ولا لقوله سبحانه:{أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35 - 36]، وقوله:{أم تأمُرُهُم أحلامُهُم بهذا} [الطور: 32]، ولا لجواب الخضِرِ على موسى، ولا لتسليم موسى لجوابه دون فعله من غير جوابٍ ولا بيان، ولا لتمدح الرب جل جلاله بأنه أحكم الحاكمين، وخير الرازقين، وأرحم الراحمين، لأن ذلك كله عندهم مساوٍ لأضداده في حكمة الرب ومحض العقل، وهذا تعطيل لأسمائه الحسنى وصفاته العلى، نسأل الله الهدى، ونعوذ بالله من الرَّدى.
على أن السنن الصِّحاح قد جاءت بصريح ذلك، مثل ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه:" لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب ".
وقد تقدم أن ما قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يُشعروا بتأويله، أنه يحرُمُ تأويله، لأنَّ العادة تقضي بأنه غير مؤوَّلٍ ضرورة.
وقد اقتصرت على ذكر هذه الآيات، ولم أُورِدْ ما في معناها من الأحاديث، ولا أوردتُ وجه الاحتجاج بها، ونقل كلام أئمة أهل السنة في تفسيرها، لأن دلك يحتاج إلى تأليفٍ مستقلٍّ، والمسألة أجلى من أن نتكلم في ردها، وليس فيها شبهةٌ إلَاّ جلالة من قال بها في القلوب، وشهرتهم بالتدقيق في العلم،
(1) في (ش): " جميع ".
فنسأل الله السلامة من هذا التدقيق، ونسأله أن يَهَبَ لنا عِوَضَه الإيمان والتصديق، واللطف والتوفيق.
على أن هذه الطائفة من الأشعرية يُناقضون نفي الحكمة والعِلَّة في أفعال الله تعالى في كتبهم في أُصول الفقه، خصوصاً في باب القياس، وقد صرحوا فيه بأن أكثر صِيَغ التعليل التي ذكرتها في الآيات الكريمة صيغٌ صريحةٌ، وأن أكثر الشريعة مُعَلَّلٌ، وذلك ظاهرٌ، قال ابن الحاجب في " مختصر المنتهى " (1) في مسالك العلة: إنها صريحٌ وتنبيهٌ وإيماءٌ، فالصريح مثل: لعلة كذا، أو لسبب، أو لأجل، أو كي، أو إذا، أو مثل: لكذا، أو إن كان كذا، أو بكذا، أو مثل " فإنهم يحشرون " (2). {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، ومثل:" سها فسجد "(3). ثم ذكر الإيماء والتنبيه بعد ذلك، فأعرض عن هذا على ما قدمته لك في الأنواع المقدمة، والله الموفق.
بل ادعى ابن الحاجب في دليل العمل بالسَّبر وتخريج المناط إجماع الفقهاء على أنه لا بد للحكم من علةٍ وظهور التعليل وغَلَبَتِهِ، ثم احتج على ذلك بعد الإجماع بقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، قال: والظاهر التعميم، وقرَّره الشُّرَّاح.
لكن قال الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الشافعي (4) في " شرحه ": إن ذلك إجماع الفقهاء وجوباً عند المعتزلة، وتفضُّلاً
(1) ص 179.
(2)
قطعة من حديث " زملوهم بكلومهم، فإنهم يُحشرون وأوداجهم تشخب دماً " وهو في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه بنحوه.
(3)
تقدم تخريجه 2/ 302، وهو حديث صحيح.
(4)
كان قاضي قضاة المشرق، وشيخ العلماء والشافعية بتلك البلاد، قال السبكي: كان إماماً في المعقولات، عارفاً بالأصلين والمعاني والبيان والنحو، مشاركاً في الفقه. توفي سنة 756. وشرحه لمختصر ابن الحاجب قال فيه الشوكاني: قد انتفع الناس به من بعده، وسار =
عند غيرهم، يعني: الإرسال لا التعليل.
فتأمل كلام ابن الحاجب والشيخ عَضُدِ الدِّين في هذه المسألة، فإني لم أنقله كله، وهو أبسط وأفصح (1) مما (2) ذكرت، ولله الحمد والمنة.
والعجبُ أن المعتزلة -مع شدة تقبيحهم لمذهب هؤلاء الغُلاة من الأشعرية في هذا- قد قالوا به بعينه وهم لا يشعرون، وذلك قولهم في عذاب الآخرة: إنه من الله تعالى بمنزلة المُباح منَّا. بل قال الفقيه حميدٌ (3) في كتابه " العمدة ": إنه بمنزلة المكروه منَّا، وهذا أقبح من قول الأشعرية، لأنهم منعوا أن يكون فعل الله مرجوحاً أو راجحاً، والفقيه حميدٌ -وهو من كبار أهل الاعتزال مع التشيُّع- جوَّز أن يكون في أفعاله مرجوحٌ، والمرجوح عند قدماء المعتزلة هو القبيح، إذ لا واسطة بين القبيح والحَسَن في العقليَّات عندهم. وقد تقدم أنه لا يُفيدهم اعتذارهم بتقدُّم الوعيد لوجوهٍ أربعةٍ، فانظرها هناك.
فانظر إلى شُؤم الكلام على أهله كيف يوقعهم فيما ينكرون، ويلجئهم إلى ما يكرهون.
على أن كلام غلاة الأشعرية هذا يلزم المعتزلة من طريق آخر، وذلك أنه
= في الأقطار، واعتمده العلماء الكبار، وهو من أحسن شروح المختصر، من تدبره، عرف طول باع مؤلفه، فإنه يأتي بالشرح على نمط سياق المشروح، ويوضح ما فيه خفاء، ويصلح ما عليه مناقشة، من دون تصريح بالاعتراض كما يفعله غيره من الشُّرَّاح، وقلّ أن يفوته شيء مما ينبغي ذكره، مع اختصار في العبارة يقوم مقام التطويل، بل يفوق. انظر " طبقات السبكي " 10/ 46، و" الدرر الكامنة " 2/ 322، و" البدر الطالع " 1/ 326 - 327.
(1)
في (ش): " وأوضح ".
(2)
في (أ): " ما " وكتب فوقها: " من ظ ".
(3)
هو الإمام حميد بن يحيى الهمداني المتوفى سنة 652. وتقدمت ترجمته 3/ 288.
وكتابه " العمدة " هو: " عمدة المسترشدين "، يقع في أربعة مجلدات وهو في أصول الدين.
ذكره أحمد بن صالح بن أبي الرجال في " مطلع البدور " 490/ 2.
لا أثر للداعي عندهم، فإنه يجوز أن يفعل القادر ما لم يَدْعُ إليه داعٍ، كما فعل الله سبحانه في عذاب (1) الآخرة عندهم، وهذا داخلٌ عندهم في قِسْمِ الحسن، ولا معنى للعبث إلَاّ هذا، فالعبث عندهم حسنٌ، وهو على هذا جائزٌ على الله، تعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً. فإن منعوا هذا، نقضوا أُصولهم في تجويز الفعل من غير داعٍ، كما نقضت الأشعرية أصولها في المنع من ذلك. وهكذا علم الكلام عامةً، أدلَّتُه تشتمل على التناقض، وعامة جهدهم في الاعتذار من ذلك، وغاية سؤلهم السلامة منه.
فاعجب لعلم وُضِعَ لرفع المشكلات، فكان أحسن أحوال أهله إيهام الخلاص منها بعد لزومه، أو دعوى وضوحه بعد غموضه، فهم في ذلك كناتش (2) الشوكة بالشوكة، والمستجير من الرَّمضاء بالنار (3). وكذلك علوم الفلاسفة وسائر من عادى الكتب السماوية والسنن النبوية.
ومن وازن بين ما جاؤوا به وما جاءت به الرسل زالت عنه الوساوس، وانجلت عنه الحنادِس (4)، ولا بد من وقوع العقول في المواقف والمحارات، وتسليم العقول لوقوع ما لم يُحكم بوقوعه في مذاهب الكفر والإسلام مثل وجود القديم سبحانه على كلام المسلمين، وقِدَم العالم على كلام الكافرين، أو حدوثه من غير محدث.
(1) في (ش): " أفعال ".
(2)
في (ش): " كناقش " وهما بمعنى يقال: نتش الشوكة ونقشها: إذا استخرجها بالمنتاش وهو المنقاش.
(3)
اقتباس من بيت قاله كليب وائل لما قتله جساس، وهو بتمامه:
المستجير بعمروٍ عند كربته
…
كالمستجير من الرمضاء بالنار
وذلك أن جساس بن مرة لما طعن كليباً طلب منه السُّقيا، فامتنع، وكان مع جساس عمرو في الحارث بن ذهل شيبان، فنزل إلى كليب، فحسب أنه يسقيه. فلما علم أن نزوله للإجهاز عليه، قال ذلك.
انظر " المستقصى في الأمثال " 2/ 19، و" خزانة الأدب " 7/ 251، و" اللسان " 7/ 36.
(4)
جمع " حِندس "، بكسر الحاء، وهو الليل المظلم.
فإذا كان لا بد من محارةٍ لا تهتدي العقول إلى طريقها، ولا تحظى بطائل في تحقيقها، فالتسليم لمن تميَّز بجنس المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، مع ما اشتملت عليه أحوال الأنبياء عليهم السلام من الصفات الحميدة، والقرائن الكثيرة المفيدة، مع تأملها للعلم الضروري، أنهم المخصوصون بالعصمة من الخطإِ والزلل في العلم والعمل، وأنهم منزهون من تخبُّط النُّظَّار ورجمهم بالظنون، وتخيلهم للأقيسة، ووقوعهم في هذا التعارض الشديد.
ومن شكَّ ذلك ولم يصدق فليجرب، ومن جرب القليل، فلم يجد ما ذكرتُ، فليوغل حتى يحقق، ومن لم يعرف إلَاّ كلام طائفةٍ، ولم يدر بكلام سائر الفرق والفلاسفة، فهو يُعَدُّ من العوام، وما عنده علم ما الكلام.
فإن قلت: فما حمل الأشعرية على هذا القول؟
قلت: قصدوا إفحام الفلاسفة في اعتراضهم الشرائع، وحسم المادة في توجيه الاعتراض على الصانع، ولكنهم في ذلك كمن يداوي من المرض بالموت، فإن الفلاسفة لم تكن تطمع في تسليم المسلمين لنفي حكمة ربهم عز وجل، وإنما قصدوا بكلامهم في الاعتراض على الشرائع التشكيك في حكمة الله التي اتفقت عليها الشرائع وأهلها، وكانوا قانعين بمجرد التشكيك، فأما القطع بنفي الحكمة والتصنيف في ذلك والدعاء إليه، والرد على من اعتقد غيره، ونسبته إلى الجهل بصفات الله تعالى، فأمرٌ لم يكن يطمع فيه المُلحدون، فيا عجباً (1) كيف أصبح يدعو إليه الموحِّدُون.
ولهم بعد ذلك شُبَهٌ أربع:
الأولى: ذكرها الرازي في " نهايته " قال: لو كان لله تعالى غرضٌ، لكان قديماً، ويلزم من ذلك أن يكون العالم قديماً.
والجواب: أن تسمية الحكمة غرضاً عبارةٌ مُوهِمَةٌ، وكثيرٌ من مُتكلِّمي
(1) في (ش): " فيا عجباه ".
المسلمين -كالمعتزلة- يمنعونها، ثم إن الرازي يقول بقدم الإرادة، وقد ألزمته المعتزلة والفلاسفة قِدَمَ العالم بذلك، فانفصل عنه بأن الإرادة تتعلق بالمراد في وقتٍ مخصوصٍ، لا مطلقاً، فلم يلزم وجوده إلَاّ في ذلك الوقت المخصوص، وكذلك الجواب في الداعي.
وقد تبلَّد الرازي مع شدة ذكائه في جواب كلام الفلاسفة في هذه في أوائل " نهاية العقول "، واضطر إلى التزام مذهب المعتزلة في أن الفاعل يُرجِّح أحد مقدوريه (1) من غير مُرَجِّحٍ، وادعى الضرورة في الفرق بين الداعي والعلة، ثم نقض ذلك كله في مسألة أفعال العباد، وفعل في ترجيح مذهب الفلاسفة ما لا يخفى على متأمل، ولولا خوف الإملال، لنقلت ألفاظه في ذلك.
واعلم أن هذه المسألة من محارات العقول التي تحيَّر فيها جميع الفحول، ولا مرجِعَ فيها إلَاّ إلى التسليم والمنقول، ويأتي كلام ابن تيمية فيها في القول الثالث، وبها يُعرف أنها محارةٌ لا محالة، وأنه ليس فيها مع جميع النُّظَّار من العلم إلَاّ أَثاره، كيف إلَاّ دلالة (2).
الثانية: قال الرازي: يلزم في الغرض أن يكون فيه جلب نفعٍ أو دفعُ ضُرٍّ لله تعالى أو للغير، فإذا كان للغير، فإن كان في حصوله وعدمه على السواء بالنسبة إليه، لزم أن لا يكون غرضاً له في حصوله، وإن لم يكونا بالسواء بالنسبة إليه، لزم أن (3) يكون مُحتاجا إلى ما له غرضٌ في حصوله.
فالجواب: أن انحصار الحكم في جلب النفع ودفع الضرر ممنوعٌ، والاستناد فيه إلى مجرد قياس الخالق على المخلوقين، وهو باطل وتسمية داعي الحكمة الذي هو عبارةٌ عن مجرد العلم برجحان الممكن غرضاً للغني عن كل شيءٍ قياسٍ في اللغة، وفي أسماء الله تعالى وصفاته والقياس فيهما معاً ممنوعٌ.
(1) في (ش): مقدوراته.
(2)
في (ش): " كيف الأدلة ".
(3)
من قوله: " أن لا يكون " إلى هنا، سقط من (ش).
ولو سلمنا جميع ذلك، لم نسلِّم تسمية الرب القادر على كل شيء بغير مشقة محتاجاً إلى إيجاد مراده بغير مشقةٍ تلحقه في الإيجاد، فإنه لا معنى للغني في صحيح اللغة، وفِطَرِ العقلاء وعُرفِ أهل الشرائع، إلَاّ القدرة التامَّة على كل مرادٍ من غير مشقة، ولا استعانةٍ بأحد، ولو كان الغني هو الذي أراد الرازي من عدم الداعي، لزم أن يكون الجماد، بل المعدوم، أغنى من الله -تعالى عن ذلك عُلُوَّاً كبيراًً- لأن استحالة الداعي في الجماد والمعدوم على زعمهم.
وبعد، فالمخالف في هذا من المسلمين لا يخلو: إما أن يثبت إرادة الله تعالى، أو لا.
إن لم يثبتها، عطَّل السمع، وخالف إجماع من يعتدُّ به.
وإن أثبتها، فإما أن يثبتها مثل إرادة المخلوقين، لزمه إن الله محتاجٌ، فإن المخلوق لا يريد إلَاّ ما له فيه منفعةٌ أو دفع مضرةٍ.
وإن قال: إن إرادة الله تعالى غير مُشَبَّهَةٍ بإرادة المخلوقين، كذاته وجميع صفاته، فكذلك يقول في الداعي: إن له سبحانه داعي حكمةٍ في أفعاله، وإنه ليس لجلب نفعٍ له، ولا دفع ضررٍ عنه، ولا يلزمه تشبيهه بدواعي المخلوقين، وما الذي خصَّ الداعي بأنه يكون مشبهاً دون الذات وسائر الصفات، وقد قام الدليل على نفي التشبيه من كل شيءٍ يتعلق بالرب جل جلاله.
الثالثة: قال الرازي: لو فعل الله لغرضٍ، لكان إمَّا أن يُمْكِنَه تحصيل ذلك الغرض بدون ذلك الفعل كان التَّوسُّل بتلك الوسيلة عبثاً، وإن لم يمكن، كان ذلك الغرض مشروطاً بتلك الوسيلة، وذلك باطلٌ، لأن أكثر المقاصد إنما تحصُلُ بعد انقضاء تلك الوسائل، وحصوله بعد عدمه يمنع كونه شرطاً فيه.
والجواب: أنه قادرٌ بغير وسيلةٍ.
قوله: تكون الوسيلة عبثاً، غير مسلَّمٍ للقطع بجواز أن يكون الشيء على سببٍ أوَّليٍّ في الحكمة، والله تعالى يعلم من وجوه الحكمة ما لا نعلمه، لا سيما
في المتشابه. وقد مرت الإشارة إلى ذلك.
فإما أن يسلِّم ذلك حصل عرضاً، وإن ادعى أنه لا يجوز أن يعلم الله من الحِكَم ما لا نعلمه، احتاج إلى برهانٍ قاطعٍ على ذلك، ولا برهان إلَاّ مجرد الوهم لقياس الخالق على المخلوق، وهو باطل.
وأين الرازي من قوله:
العلم للرحمن جل جلاله
…
وسواه في جَهَلاتِه يَتَغَمْغَمُ
ما للتراب وللعلوم وإنما
…
يسعى ليعلم أنه لا يعلمُ (1)
والعجب من الرازي -مع ذكائه- كيف يمنع الوسائل لكونها عبثاً في الاستدلال على أن جميع أفعاله سبحانه عبثٌ عنده، ومن قبل جعل العبث حقيقة الغنى، والحكمة حقيقة الحاجة.
فيا هذا، إذا كانت أفعال الله تعالى عندك كلها عبثٌ، لا حكمة فيها، ولا يتمُّ غناه إلَاّ بذلك، فكيف يكون ما أدى إلى مذهبك الحق باطلاً، لاستلزامه الغنى الذي هو حقٌّ، ومستلزم الحق حقٌّ.
وهلا قلت: لزم أن يكون غنيّاً بالمعجمة والنون، لا عبثاً بالمهملة والمُوَحَّدَةِ ثم المثلثة، وقد سميت الداعي حاجةً، والمتصف به محتاجاً، فغيرت اسم الحكمة وسميتها حاجةً، واسم الحكيم وسميته محتاجاً، تشنيعاً على خصمك، كما غيرت اسم العبث وسميته غنى، واسم العابث وسميته غنيّاً، حين احتجت إلى ذلك، فبان غلاطك وقلبك لأسماء الصفات، ووقوفك مع مجرد العبارات، وهذا كلامٌ نازلٌ، وتطاولٌ ليس تحته طائلٌ.
فإن قلت: إنما عنيت أنه يلزم المخالف على أصله أنه عبث.
قلنا: هو مشترك الإلزام بينك وبينه، فكما أنك تَسَتَّرت بتسميتِهِ عبثاً،
(1) تقدم هذان البيتان: 2/ 101.
فَلِخَصْمِكَ أن يتستر بتسميته مباحاً (1) حسناً، لا حرج فيه، ولا ذمَّ ولا كراهة.
فإن كان التستر بتبديل عبارةٍ مكان أخرى، والمعنى واحدٌ ينفعك مع خصمك، وإن كان لا ينفع خصمك، فكذلك (2) المماراة والتلبيس على الضعفاء.
ويؤيد هذا أن الأشعرية نازعت المعتزلة في كون العبث: هو ما لا غرض فيه، كما ذكره البيضاوي في " المطالع " قال: ولا بُدَّ من تصويره أوّلاً وتقريره ثانياً.
والجواب: أما تصويره في الذهن دون الخارج، فهو ما جَوَّزَتْه الأشعرية على الله من فعل ما لا غرض فيه ولا نفع. وأما في اللغة، فذلك قرآنيٌّ لُغوي، معلوم الوقوع بالضرورة، ومستنده إليها، فالمرجع فيه إلى أئمتها.
الرابعة: قال الرازي: تعليل الفاعلية بالغرض متفرِّعٌ على الحسن والقبيح العقليَّيْن، وهما باطلان.
والجواب من وجهين:
أحدهما: منع ذلك، فإنا بيَّنَّا أن فاعلية الرب سبحانه تُوقف على نصوص القرآن المعلومة المعنى مع القرائن القطعية على عدم تأويلها، بل ذلك معلومٌ من ضرورة الدين وإجماع المسلمين. وتلك القرائن المفيدة للعلم استمرار تلاوتها من غير تنبيهٍ على قبح الظاهر، وهو دليلٌ قاطع لأهل التأويلات المبتدعة.
الوجه الثاني: أن أهل السنة غير مجمعين على بطلان التحسين والتقبيح عقلاً، فهذا ابن تيمية وأصحابه يقولون بذلك وهم من رؤوس الحماة (3) عن السنة.
(1) في (ش): " كونه مباحاً ".
(2)
في (ش): " فدع ".
(3)
" وهم " سقطت من (أ)، وفي (ش):" وهم رؤوس الجماعة ".
ويأتي بيانُ قول الحنفية، واختيار الزنجاني (1) من الشافعية، وأبي الخطاب (2) من الحنابلة من التفصيل، وقول الزركشي من الشافعية: إنه المنصور ثبوته في الفِطرة وآيات القرآن، وسلامته من الوهن والتناقض (3).
قلت: وهذا الرازي -على غُلُوِّه في إبطاله- رجع إلى الاعتراف به في المعنى، لكن سمَّى الحُسْنَ كالعلم، والصدق صفة كمالٍ، والقبيح كالجهل، والكَذِبَ صفة نقصٍ، وليس الخلاف عنده إلَاّ في استحقاق صفة النقص هذه للعقاب في الآخرة، والذَّمِّ في الدنيا بمجرد العقل، وبذلك استدل على منع الكذب على الله سبحانه.
نعم، لو سلَّمنا ترك التحسين والتقبيح عقلاً بالمرَّة، جوَّزنا ما ذكره تجويزاً من غير قطعٍ، لكن يصعُبُ الاستدلال على أن الله سبحانه صادقٌ.
وفيما قدمناه من السمع دلائلٌ واضحةٌ على ثبوت التحسين العقلي، كقوله تعالى:{سَاءَ ما يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4]، وقوله:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36]، وقوله في جواب الملائكة:{إنِّي أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]، {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147].
ومن أحسنها دليلاً على ذلك: قصة الخَضِر وموسى وقوله في جواب الملائكة: {إنِّي أعلم ما لا تعلمون} ، ولم يقل: إنه لا حكمة له (4) كما تظنُّون،
(1) تحرف في (أ) إلى: " الريحاني "، وهو أسعد بن علي الزنجاني، تقدمت ترجمته 5/ 164.
(2)
تحرفت في (أ) و (ش) إلى: " ابن " وأبو الخطاب: هو: محفوظ بن أحمد بن حسن الكلواذاني. تقدمت ترجمته 5/ 164.
(3)
انظر الوهم الثاني والثلاثين (8/ 3)، وتقدمت الإشارة إلى هذا في آخر الوهم السابع والعشرين (5/ 164).
(4)
في (ش): " لي ".
ثم سؤال الملائكة دليلٌ على اعتقادهم لذلك.
وهذه مسألةٌ كبيرةٌ، لا يصلح ذكرها في جنب غيرها، فهذه شُبَهُ غُلاة الأشعرية التي ذكرها الرازي في " نهايته ".
فأما قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] فإنها في الاحتجاج على بطلان المعبودين من دون الله، كما دل عليه سياق الآيات قبلها وبعدها في سورة الأنبياء، فإن قبلها:{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} الآيات [الأنبياء: 21]. فهي في الاحتجاج على بطلان ربوبية من يُسأل عن أعماله سؤال الحساب، فهو مربوبٌ محاسبٌ، إما مُعَذَّبٌ أو مرحومٌ، مثل احتجاجه بأنهم لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون، وهو كقوله:{وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} [الصافات: 158]، وليس هذا يناقض أن يكون لله تعالى حكمة يمتنُّ بتعريفها على من يشاء من عباده، كما منَّ بذلك على الخَضِر في المتشابه، وعلى الجميع في المُحكم.
ولا يناقض ذلك أن يسأل من فضله تعليمنا ما ينفعنا من ذلك، كما أن رسوله صلى الله عليه وسلم قال:" وقل رب زدني علماً "(1) والله سبحانه أعلم.
وإنما الآية في معنى نفي (2) أن يكون تعالى مربوباً مديناً مسؤولاً عن
(1) روى الترمذي (3599)، وابن ماجه (251) و (3833) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:" اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال ". وفي سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.
وروى أبو داود (5061)، والنسائي (865)، وابن السني (761) كلاهما في " عمل اليوم والليلة " من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل، قال:" لا إله إلَاّ الله، سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد أن هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب ". وصححه ابن حبان (5531)، والحاكم 1/ 450، ووافقه الذهبي.
(2)
سقطت من (ش).
حكمته، وعن بيانها، خائفاً من المناقشة عليها -سبحانه عن ذلك وتعالى عُلُوّاً كبيراً -لا أنه نفي أن تكون له حكمةٌ، ولا أن يكون حكيماً، إنما سيقت الآية لتعظيم العزة، لا لنفي الحكمة، فإنه تمدح بالعزة والحكمة، بل جمع التمدح بالعزيز الحكيم في آية واحدةٍ (1) كثيراً في غير موضعٍ من كتابه، كما جمع بين الغفور الرحيم لعدم اجتماع ذلك على الكمال لغيره جل جلاله.
ثم ذكر الرازي لجماهير المسلمين من الأشعرية والمحدثين وطوائف المسلمين حُجَّتين عقليَّتين، وأعرض عن صوادع نصوص القرآن، كأنه لا يعدُّها في شيءٍ من البرهان.
أحدهما: أن كلام غلاة الأشعرية يؤدي إلى أن جميع أفعال الله عبثٌ، وأن إدخال الأنبياء الجنة ليس أولى من إدخالهم النار، وأحال بالجواب إلى نفي التحسين، وهذا منه قبيحٌ على كل مذهبٍ، حتى على مذهبه، فإنه يُوهِمُ أنه يجوز دخول الأنبياء نار جهنم، وليس كذلك، فإنه ممتنعٌ عند الجميع، لكن عند هؤلاء الغلاة أنه ممتنعٌ سمعاً، وعند سائر المسلمين عقلاً وسمعاً، لكن استدلالهم بالسمع مع اعتقادهم مشكلٌ.
الحجة الثانية: أنه يؤدي إلى ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مُرَجِّحٍ، وأحال بالجواب إلى ما ذكره في مسألة حدوث العالم والجواب على الفلاسفة.
وإنما قال هناك: إنه لا جواب إلَاّ مذهب المعتزلة، وهو أن القادر يرجِّحُ أحد مقدوريه من غير مرجِّحٍ، وليس هذا المذهب إلَاّ لبعض المعتزلة، والذاهب إليه من المعتزلة يناقضه، ويقول ببطلانه في مسائل كما مضى في المرتبة الخامسة، وهو مذهبٌ ساقطٌ، ولذلك لم يستمر لمن ذهب إليه من المعتزلة القول به.
وقد صرح الرازي في مسألة أفعال العباد ببُطلانه، واحتجَّ على ذلك
(1)" واحدة " سقطت من (أ).
بالحُجَحِ القاطعة، حيث يتميز الراجح من المرجوح، فأما حيث يترجح أحد الأمرين المستويين، فمحارةٌ غامضةٌ، والصواب فيها الوقف مع القطع بأن فاعل أحد الأمرين غير موصوفٍ بالعبث مع وجود الحكمة في أحدهما، لا بعينه، كالواجبات المحيرة. وسواءٌ قدَّرنا أن التخصيص بداعٍ خاصٍّ لم يُدْرَكْ، أو بالداعي الأول الجمليِّ.
ويوضح ذلك إطباق العقلاء على ذم من ترك الواجب أو المرجّح (1) لعدم هذا الداعي الخاص، كترك المشي في أحد الطريقين مع الحاجة إلى ذلك، وعدم الصارف، والله أعلم.
وهذه المسألة هي التي اضطرب فيها الرازي سامحه الله وإيَّانا، إنه عز وجل لا يضرُّه خطأُ الجاهلين، ولا ينفعُه عرفان العارفين، وإن وصية الرازي المشهورة تقضي له أنه مات من التائبين من جميع مذاهب المبطلين، والحمد لله رب العالمين.
تم بعونه تعالى الجزء السابع من
العواصم والقواصم
ويليه الجزء الثامن وأوله:
الوهم الحادي والثلاثون: قال: إنهم يقولون بإثابة الفراعنة
(1) في (ش): " الراجح ".