الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
إذا تبين هذا فقد عُلم أن العِلْم يستلزم الخشية من هذه الوجوه كلها لكن عَلَى الوجه الأول: يستلزم الخشية العِلْم بالله بجلاله وعظمته وهو الَّذِي فسر الآية به جماعة من السَّلف ما تقدم.
وعلى الوجوه الآخر: تكون الخشية ملازمة للعلم بأوامر الله ونواهيه وأحكامه وشرائعه وأسرار دينه وشرعه وخلقه وقدره، ولا تَنَافِيَ بين هذا العِلْم والعلم بالله، فإنهما قد يجتمعان وقد يتفرد أحدهما عن الآخر، وأكمل الأحوال اجتماعها جميعًا، وهي حالة الأنبياء عليهم السلام وخواص الصديقين، ومتى اجتمعا كانت الخشية حاصلة من تلك الوجوه كلها، وإن انفرد أحدها حصل من الخشية بحيث ما حصل من ذلك العِلْم، والعلماء الكُمَّل أولو العِلْم في الحقيقة الذين جمعوا الأمرين وقد ذكر الحافظ أبو أحمد بن عدي، ثنا أحمد بن عبد الله بن صالح بن شيخ بن عميرة ثنا إسحاق بن بهلول قال: قال لي إسحاق بن الطباع قال لي سفيان بن عيينة: "عَالِمٌ بالله عَالِمٌ بالعلم، عَالِمٌ بالله ليس بعالمٍ بالعلم، عالمٌ بالعلم ليس بعالمٍ بالله".
قال: قلت لإسحاق: فهمنيه واشرحه لي، قال: عالمٌ بالله عَالِمٌ بالعلم حماد بن سلمة، عالمٌ بالله {ليس} بعالمٍ بالعلم مثل أبي الحاج العابد، عَالِمٌ بالعلم {ليس} بعالمٍ بالله فلان وفلان وذكر بعض الفقهاء.
وروى الثوري، عن أبي حيان التيمي سعيد بن حيان، عن رجل قال: كان يقال: العُلَمَاء ثلاثة: فعالمٌ بالله ليس عالماً بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالماً بالله، وعالمٌ بالله عَالِمٌ بأمر الله. فالعالم بالله وبأوامر الله: الَّذِي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالمٍ بأمر الله: الَّذِي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالمٍ بالله: الَّذِي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل.
وأما بيان أن انتفاء الخشية ينتفي معه العِلْم فإنَّه العِلْم له موجب ومقتضى، وهو اتباعه والاهتداء به وضده الجهل، فإذا انتفت فائدته ومقتضاه صار حاله كحاله عند عدمه وهو الجهل، وقد تقدم أن الذنوب إِنَّمَا تقع عن جهالة، وبيَّنَّا دلالة القرآن عَلَى ذلك وتفسير السَّلف له بذلك فيلزم حينئذ أن ينتفي ويثبت الجهل عن انتفاء فائدة العِلْم ومقتضاه وهو اتباعه.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (1).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني إمرؤ صائم"(2).
وهذا كما يوصف من لا ينتفع بسمعه وبصره وعقله فى معرفة الحق والانقياد له بأنه أصمٌّ أبكمٌ أعمى قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (3).
ويقال أيضاً أنَّه لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (4).
فسلب العِلْم والعقل والسمع والبصر، وإثبات الجهل والبكم والصمم والعمى في حق من فقد حقائق هذه الصفات وفوائدها من الكفار والمنافقين أو من شركهم في بعض ذلك كله من باب واحد وهو سلب اسم الشيء أو مسماه لانتفاء مقصوده وفائدته وإن كان موجودًا وهو باب واسع وأمثلته كثيرة في الكتاب والسنة.
انتهى ما ذكره الشيخ نفع الله به وفسح في مدته.
(1) الفرقان: 63.
(2)
أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (1151)، بلفظ: "وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد
…
" الحديث.
(3)
البقرة:171.
(4)
الأعراف: 179.
نقل من نسخة مكتوبًا عليها ما صورته:
بلغ مقابلة عَلَى أصلي، وهو بيدي كاتبه وصاحبه الفقيه الفاضل الأوحد {
…
} الدين أبو الخير محمد ابن الشيخ القدوة العارف أبي محمد عبد القادر ابن محمد بن علي بن الحجار المدني الحنبلي نفعه الله ونفع به، وذلك في شهر رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة، بظاهر دمشق المحروسة، وأجزت له ما يجوز لي وعني روايته بشرطه له.
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي عفا الله عنه.
أصلي بمقابلته عنه
***